diff --git "a/03__التفسير/1238__التفسير-البياني-للقرآن-الكريم/pages.jsonl" "b/03__التفسير/1238__التفسير-البياني-للقرآن-الكريم/pages.jsonl"
new file mode 100644--- /dev/null
+++ "b/03__التفسير/1238__التفسير-البياني-للقرآن-الكريم/pages.jsonl"
@@ -0,0 +1,373 @@
+{"page_id":1187191,"book_id":1238,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":1,"body":"الكتاب: التفسير البياني للقرآن الكريم\rالمؤلف: عائشة محمد علي عبد الرحمن المعروفة ببنت الشاطئ (المتوفى: ١٤١٩هـ)\rدار النشر: دار المعارف - القاهرة\rالطبعة: السابعة\rعدد الأجزاء: ٢\r[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187192,"book_id":1238,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":2,"body":"مقدمة الطبعة الأولى\r﷽\rله الحمد، وبه المستعان\rلك لغة روائع من آدابها، تعتبرها النماذج العالية لذوقها الأصيل، والمثل الرفيعة لفنها القولى. وقد غبرت الأجيال منا تتجه إلى نصوص مختارة من شعر العربية ونثرها، تضعها بين أيدي القراء أو تقدمها إلى التلاميذ والطلاب وشغلنا نحن أصحاب الدرس الأدبي، أو شغلت الجمهرة منا، بالمعلقات والنقائض والمفضليات، ومشهور الخمريات والحماسيات والمراثي والمدائح والغزليات، ومأثور الرسائل والأمالي والمقامات، شغلنا بهذا ومثله عن \"القرآن الكريم\" الذي لا جدال في أنه كتاب العربية الأكبر، ومعجزتها البيانية الخالدة، ومثلها العالي الذي يجب أن يتصل به كل عربي أراد أن يكسب ذوقها ويدرك حسها ومزاجها، ويستشف أسرارها في البيان وخصائصها في التعبير والأداء.\r* * *\rونحن في الجامعة، نترك هذا الكنز الغالي لدرس التفسير، وقل فينا من حاول أن ينقله إلى مجال دراسات العربية التي قصرناها على دواوين الشعر ونثر مشورى الكتاب. وكان المنهج المتبع في درس التفسير - إلى نحو ربع قرن من الزمان - تقليديا أثريا، لا يتجاوز فهم النص القرآني على نحو ما كان يفعل المفسرون من قديم. حتى جاء شيخنا الإمام \"الأستاذ أمين الخولي\" فخرج به عن ذلك النمط التقليدي، وتناوله نصا لغويا بيانيا على منهج أصله، وتلقاه عنه تلامذته وأنا منهم. ولكن التفسير الأدبي للقرآن ظل حتى اليوم، محصوراً في نطاق مادة \"التفسير\" دون أن ينتقل إلى مجال الدرس البياني مع تراث الفصحى وهيهات أن يرقى إليه نص منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187193,"book_id":1238,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":3,"body":"وقلَّ منا - نحن أساتذة العربية في الجامعات - من حاول أن يجعل من النص القرآني موضوعا لدراسة منهجية، على غرار ما نفعل بنصوص أخرى لا سبيل إلى مقارنتها بالقرآن الكريم في إعجازه البياني. وقد حرصت لمدى ربع قرن قضيته في الجامعة، على أن أتتبع أسئلة الامتحان في مواد اللغة والأدب، في أقسام اللغة العربية بمختلف الكليات، فلم أجد من بينها سؤالا في البيان القرآني، فدل هذا على أن الفكرة لم تأخذ حظها الكافي من الوضوح والتمثل.\rوالدراسات القرآنية، في المجال العام، تسير على غير منهج، ويتصدى لها من المؤلفين من ليسوا أهلا لها. ولم أنس محاولة الأستاذ \"مصطفى صادق الرافعي\" ﵀ في إعجاز القرآن، والحديث عن قيمتها يأتي في مدخل كتابي (الإعجاز البياني) .\r* * *\rومنذ سنين وأنا أقوم بهذه المحاولة في دراسة النص القرآني لغة وبيانا، تطبيقاً للمنهج الذي تلقيته ... وعلى كثرة ما اشتغلت به من روائع النصوص الأخرى، فإني لا أستطيع بحال، أن أعبر عما كان يبهرني من جلال هذه المحاولة، وما راضتني به، عقلا وذوقاً ووجداناً، إلى الحد الذي جعلني أتساءل في ارتياب: هل كنت قبلها، قد صح لي فقه لغتي العربية، وإدراك أسرار بيانها؟\rذلك لأني بحكم نشأتي في بيت علم ودين، ألفت منذ الصغر أن أصغي بكل وجداني إلى هذا القرآن، وأن أتلو آيا��ه في تأثرٍ وخشوع، لكني لم أع بيانه حق الوعي، إلا بعد تخصصي في دراسة النصوص، واتصالي بأصيل ما للعربية من تراث أدبي، فكنت كلما ازددت تعمقاً في الدرس، وفقهاً للعربية، وقفت مبهورة أمام جلال هذا النص المحكم، وعدت أتلو من معجز آياته ما أدركت معه لماذا أعيا العرب - وهم أصحاب الفن القولى، واللغة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187194,"book_id":1238,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":4,"body":"طوع لسانهم - أن يأتوا بسورة من مثله، فآمنوا بنبوة محمد ﷺ. لما تلا فيهم آيات القرآن معجزة نبوته وآية رسالته، وإنه لبشر مثلهم، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.\r* * *\rوإذا كنت أجرو بهذه المحاولة، أن أتيح لمثلها- أو لما هو خير منها - مكاناً في صميم الدرس الأدبي بالجامعة، فإني لأطمع كذلك في أن أؤكد بها ما سبق أن قرره أستاذنا، من أن الدراسة المنهجية لنص القرآن الكريم، يجب أن تتقدم كل دراسة أخرى فيه، لا لأنه كتاب العربية الأكبر فحسب، ولكن - لأن الذين يعنون بدراسة نواح أخرى فيه، والتماس مقاصد بعينها منه؛ لا يستطيعون أن يبلغوا من تلك المقاصد شيئاً دون أن يفقهوا أسلوبه ويهتدوا إلى أسراره البيانية التي تعين على إدراك دلالاته. فسواء أكان الدارس يريد أن يستخرج من القرآن أحكامه الفقهية، أو يستبين موقفه من القضايا الاجتماعية أو اللغوية أو البلاغية، أم كان يريد أن يفسر آيات الذكر الحكيم على انحو الذي ألفناه في كتب التفسير، فهو مطالب بأن يتهيأ أولاً لما يريد، ويعد لمقصده عدته: من فهم مفردات القرآن وأساليبه، فهماً يقوم على الدرس المنهجي الاستقرائى ولمح آسراره في التعبير.\r* * *\rثم إن القرآن الكريم هو مناط الوحدة الذوقية والوجدانية لمختلف الشعوب التي أتخذت العربية لساناً لها، ومهما تتعدد لهجاتها وتختلف أمزجتها وتتابين أساليبها الخاصة في الفن القولي يبق القرآن الكريم، في نقاء أصالته، كتابها القيم الذي تلتقي عنده الشعوب العربية اللسان، على اختلاف لهجاتها وأقطارها، وتفاوت تأثرها بالعوامل الإقليمية، كما تلتقي عنده كتاب عقيدة وشريعة. ومنهاج.\rغير أن الظروف الدينية والسيايية والتاريخية، التي تعرض لها فهم العرب للقرآن الكريم، وتعرض لها تأويله - وهو الكتاب الديني لشعوب شتى -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187195,"book_id":1238,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":16,"sequence_num":5,"body":"قد حالت دون تذوقه نصاً ممثلاً لأنقى وآصل ما في العربية لغة وبياناً، وذلك لما داخل هذا التذوق من شائبات مذهبية وطائفية جارت عليه.\rوكل من له إتصال بالدراسات القرآنية، يعرف ما حشيت به كتب الفسير من إسرائليات حاول بها يهود، ممن دخاول في الإسلام طوعاً أو نفاقاً، تطعيم فهم المسلمين لكتابهم الديني بعناصر إسرائيلية. وأنا أدع الكلام في هذا الذائع المعروف، لأشير إلى شوائب أخرى جاءت نتيجة لتباين أذواق المفسرين وعقلياتهم وبيئاتهم وأنماط شخصياتهم، في ذلك العالم الواسع العريض الذي أمتد من الصين والهند في أقصى المشرق، إلى مراكش والأندلس في أقصى المغرب، وتقاسمته ألوان من عصبيات مذهبية وسياسية وطائفية، فاقتضى هذا بطبيعة الحا أن تواردت على كتاب الإسلام الديني أمم وطوائف شتى، تتذوقه متأثرة بظروفها الخاصة ويفسره المفسرون منهم..... تفسيراً يوجه النص توجيهياً يعوزه في كثير من الأحايين، فوق العربية النقى ومزاجها الأصيل؛ وقد ينحرف به عن وجهته ضلال التعصب أو خطأ المنهج أو قصور التناول.\rوالمكتبة القر��نية غنية بكتب التفسير، ومنها ما آظهر عناية خاصة بالتوجيه الإعرابي أو البلاغي، ومنا ما أختص بالنظر في مفرداته أو في مجازة أو في أقسامه أو في نظمه، من ذلك مثلاً: عناية الزمخشري بالبلاغة في تفسيره (الكشاف) . وعناية عبد القاهر الجرجانى والقاضي الباقلانى، بالنظم في: (الإعجاز ودلائله) وكتب الماوردي وإبن حزم والقاضي إبن العربي والشاطبي والجصاص، في (الأحكام) ، وكتاب محب الدين أبى البقاء العكبرى في (وجوه الإعراب والقراءات) وكتاب إبن خالويه في (إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم) وكتاب إبن قيم الجوزية في (أقسام القرآن) وكتاب الراغب الأصفهاني في (مفردات القرآن) ، وكتاب أبي عبيدة في (مجاز القرآن) وكتب: (معاني القرآن وإعرابه) لأبي إسحاق الزجاج، و (إعراب القرآن) لأبي جعفر إبن النحاس، و (غريب القرآن) لإبن قتيبة، ولمكي بن أبي طالب حموش القيسى، وأبي البركات إبن الأنباري....... وغيرها مما لا أذكره هنا على وجه الإحصاء. وما يجرؤ منصف على أن يجحد فضل أحد من هؤلاء جميعاً، هم الذين بذلوا في خدمة القرآن جهوداً جليلة، وتركوا آثترهم زاداً لمن بعدهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187196,"book_id":1238,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":6,"body":"ولكن التفسير ظل - باعترافهم - من علوم العربية التي لم تنضج ولم تحترق، وهذا الإعتراف يفسح لي العذر حين أتقدم إلى هذا الميدان الجليل في حدود جهدي وطاقتي واختصاصي، كما يشفع لي حين أضطر أحياناً إلى رفض بعض أقوال لهم وتأويلات وإتجاهات، قد أراها، والله أ'لم بعيدة عن روح العربية الأصلية، مجافية نصاً وروحاً، لبيان القرآن المحكم.\r* * *\rواليوم إذا تتداعى الشعوب العربية بالوحدة، نلوذ بكتابنا الأكبر الذي نلتقي عنده لساناً ووجداناً على اختلاف بيئاتنا ولهجاتنا وتباين ميراثنا الحضاري والفني، كما يلتقي المسلمون عنده، في شتى أقطارهم وعلى اختلاق ألسنتهم، عقيدة وشريعة ومنهاجاً.\rولن يكون هذا التلاقي عند كتابنا العربي المبين، إلا إذا جدَّتْ محاولتنا في رسه وفهمه وتذوقه، على منهج دقيق محرر، ينفذ من وراء الحجب التي أسدلتها التأويلات المذهبية والطائفية، والأذواق الأعجمية، إلى الجوهر الكريم في ذروة نقائه وجلال أصلته.\rوما أعرضه هنا، ليس إلا محاولة في هذا التفسير البياني للمعجزة الخالدة، حرصت فيها - ما أستطعت - على أن أخلص لفهم النص القرآني فهماً مستشفاً روح العربية ومزاجها، مستأنسة في كل لفظ، بل في كل حركة ونبرة، بأسلوب القرآن نفسه، ومحتكمة إليع وحده، عندما يشتجر الخلاف، على هدى التتبع الدقيق لمعجم ألفاظه، والتدبر الواعي لدلالة سياقه، والإصغاء المتأمل، إلى إيحاء التعبير في البيان المعجز....\r* * *\rوالأصل في منهج هذا التفسير - كما تلقيته عن أستاذي - هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه، فيجمع كل ما في القرآن منه، ويهتدى بمألوف استعماله للألفاظ والأساليب، بعد تحديد الدلالة اللغوية لكل ذاك...... وهو منهج يختلف والطريقة المعروفة في تفسير القرآن سورة سورة، يؤخذ اللفظ أو الآية فيه، مقتطعاً من سياقه العام في القرآن كله،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187197,"book_id":1238,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":18,"sequence_num":7,"body":"مما لا سبيل معه إلى الإهتداء إلى الدلالة القرآنية لألفاظه، أو لمح ظواهره الأسلوبية وخصائصة البيانية.\rوقد طبق بعض الزملاء هذا المنهج تطبيقاً ناجحاً، في موضوعات قرآنية اختاروها لرسائل الماجستير والدكتوارة. وأتجه بمحاولتي اليوم إلى تطبيق المنهج في تفسير بعص سور قصار ملحوظ فيها وحدة الموضوع وأكثرها من السور المكية حيت العناية بالأصول الكبرى للدعوة الإسلامية..... وقصت يهذا الإتجاه، إلى توضيح الفرق بين الطريقة المعهودة في التفسير، ومنجهنا الإستقرائي الذي يتناول النص القرآني في جوه الإعجازي، ويقدر حرمة كلماته بأدق ما عرفت مناهج النصوص من ضوابط، ويلتزم دائماً قوله السلف الصالح: \"القرآن يفسر بعضه بعضاً\" - وقد قالها المفسرون ثم لم يبلغوا منها مبلغاً - ويحرر مفهومه من العناصر الدخلية والشوائب المقحمة على أصالته البيانية.\r* * *\rوسيرى المتخصصون في الدراسة القرآنية - بيانية أو فقهية - مدى حاجتنا إلى فهم نصه قبل أي شيء آخر، وسيرون كذلك ما تكشف عنه المحاولة من شطط التأول في كثير من كتب التفسير واللغة والبلاغة، أو من بعد التكلف وإعتساف الملحظ، وتحميل ألفاظ القرآن وعباراته ما يأباه القرآن نفسه حين تحتكم إليه.\rوسيبهرهم بلا ريب، ما بهرني من أسرار له بيانية، هدى إليها الدرس المنهجي الاستقرائي والتدير المرهف: في اللفظ لا يقوم مقامه سواه، وفي الحرف لا يؤدى معناه حرف آخر، وفي الحركة أو النبرة مكانها في النظم الباهر....\r* * *\rولا أريد أن أتزيد هنا يسوق أمثلة من ذلك كله، بل لا أريد كذلك أن أسيق إلى توقع ما سوف تحدثه المحاولة من أثر أو ما قد يعقبها من صدى، فاياً ما كان الرأي فيها، وأياً ما كان حظها من التوفيق، فحسبي الذي نلت من ثوابها، وما أجدت على مادة وذوقاً وفهماً، حين انقطعت لخدمة كتاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187198,"book_id":1238,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":8,"body":"العربية الأكبر، وأمضيت سنين عاكفة على تدبر أسراره، ولمح إعجازه البياني: \"لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ\".\rصدق الله العظيم.\rعائشة عبد الرحمن\rاستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها\rجامعة عين شمس\rمصر الجديدة\"\rشعبان ١٣٨١\rيناير ١٩٦٢","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187199,"book_id":1238,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":9,"body":"سورة الضحى\r﷽\r﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187200,"book_id":1238,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":23,"sequence_num":10,"body":"السورة مكية بلا خلاف، والمشهور أنها الحادية عشرة في ترتيب النزول. نزلت بعد الفجر.....\rوالمفسرون مجمعون على أن سبب النزول، هو إبطاء الوحي في أوائله على الرسول ﷺ حتى شتق ذلك عليه، وقيل فيما قيل: ودع محمداً ربه وقلاه.\rثم اختلفت أقوالهم - بعد عذا الإجماع - فيمن قالها:\rففي رواية أنه رسول الله ﷺ، وقد شكا إلى زوجة السيدة خديجة ﵂ إنقطاع الوحي وقال: إن ربي ودعني وقلاني. فقالت: كلا والذي بعثك بالحق، ما ابتدأك الله بهذه الكرامة إلا وهو يريد أن يتمها لك، فنزلت الآيات: \"مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى\".\rوفي راوية ثانية، أنها السيدة خديجة، وقد رابها فتور الوحي.....\rلكن رواية ثالثة تقول: إن \"حمالة الحطب: أم جميلة امرأة أبي لهب\" هي التي قالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد تركك.\rورواية رابعة تقول: إن المشركين هم الذين قالوا في شماتة: قد قلاه ربه وودعه.\rولا نقف عندما اختلفوا فيه، فأسباب النزول لا تعدو أ، تكون قرائن مما حول النص، وهي بإعتراف الأقدمين أنفسهم لا تخلو من وهم، والإختلاف فيها قديم، وخلاصة ما انتهى إليه قولهم في أسباب النزول، أنها ما نزلت إلا أيام وقوعه، وليس السبب فيها، بمعنى السببية الحكمية العلية.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187201,"book_id":1238,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":24,"sequence_num":11,"body":"﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾\rوتستهل السورة بالقسم بالواو، والرأي السائد عند الأقدمين، أن هذا القسم القرآني يحمل معنى التعظيم للمقسم به، قال إبن قيم الجوزية:\r(وإقسامه - تعالى - ببعض مخلوقاته، دليل على أنها من عظيم آياته\".\rوسادت هذه الفكرة، فألجأتهم إلى اعتساف في بيان وجه التعظيم في كل ما أقسم به القرآن الكريم بالواو:\rففي القسم بالليل مثلاً، قد يبدو وجه الإعظام إذا لحظوا فيه الحكمة الإلهية من خلق الليل وجعله لباساً وسكناً، ولكنهم لحظوا فيه كذلك - في آية الضحى - معنى الاستيحاش، وأنه وقت الغم، وربما تأولوه بسكون الموت، وظلمة القبور، والغربة، مما لا يظهر فيه معنى الإعظام إلا عن تكليف وقسر، واستكراه.\rفالشيخ \"محمد عبده\" لم يجد صعوبة في بيان وجه العظمة في القسم بالضحى \"فالقسم بالضياء للإشارة إلى تعظيم أمر الضياء وإعظام قدر النعمة فيه، وللفت أذهاننا إلى أنه آية من آيات الله الكبرى ونعمة العظمى\" لكنه في القسم بالليل، اضطر - تحت سيطرة فكرة التعظيم بالقسم - إلى التماس وجه الإعظام فيه، في قسر يكفي لبيانه أن يرى في الليل أشبه بالجلال الإلهي. قال ﵀: \"أما القسم بالليل فلأنه أمر يهولك ويدخل عليك من إنقباض النفس عن الحركة واضطرارها للوقوف عن الغمل وركونها إلى السكون ما لا تجد عنه مفراً، فهذا سلطان من الخوف مبهم، لا تحيط بأسبابه ولا بتفصيل أطواره، فهو أشبه بالجلال الإلهي يأخذك من جميع أطرافك وأنت لا تدري من أين يأخذك، وهو مظهر من مظاهره، ثم في هذا السكون من راحو الجسم والعقل وتعويض ما فقداه بالتعب بياض النهار، ما لا تحصى فوائده\"\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187202,"book_id":1238,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":25,"sequence_num":12,"body":"ويلاحظ عليهم هنا، أنهم التمسوا العظمة في الليل، مطلق الليل. مع أنه مقيد في الآية بـ ﴿إِذَا سَجَى﴾ وقد جاء مقيداً في آيات أخرى بقوله تعالى:\r﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ المدثر\r﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ التكوير\r﴿إِذَا يَسْرِ﴾ الفجر\r﴿إِذَا يَغْشَى﴾ الليل\r﴿إِذَا يَغْشَاهَا﴾ الشمس\rويلاحظ كذلك، أنهم في آية الضحى، وفي أكثر آيات القسم بالواو، خلطوا بين الإعظام، والحكمة في خلق المقسم به، وما من شيء من مخلوقات الله لم يخلق لحكمة. ظلهرة أو خفية. أما الإعظام فلا يهون القول به، لمجرد بيان وجه لظاهر الحكمة في المقسم به.\r* * *\rوالذي اطمأنت إليه بعد طول تدبر وتأمل في السور المستهلة بهذه الواو، هو أن القسم بها يمكن أن يكون، والله أعلم، قد خرج عن أصل الوضع اللغوي في القسم للتعظيم، إلى معنى بياني، على نحو ما تخرج أساليب الأمر والنهي والاستفهام عن أصل معناها الذي وضعت له، لملحظ بلاغي. فالواو في هذا الأسلوب تلفت لفتاً قوياًإلى حسيات مدركة ليست موضع غرابة أو جدل، توطئة إيضاحية لبيان معنويات أو غيبيات لا تدرك بالحس.\rفالقسم بالواو، في مثل (والضحى) غالباً، أسلوب بلاغي لبيان المعاني، بالمدركات الحسية. وما يلمح فيه من الإعظام، إنما يقصد به إلى قوة اللفت. واختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف. وحين نتتبع أقسام القرآن في مثل آية الضحى، نجدها تأتي لافته إلى صورة مادية مدركة وواقع مشهود، توطئة بيانية لصورة أخرى معنوية مماثلة، غير مشهودة ولا مدركة، يماري فيها من يماري: فالقرآن الكريم في قسمه بالصبح إذا أسفر، وإذا تنفس، والنهار إذا تجلى، والليل إذا عسعس، وإذا يغشى، وإذا أدبر، يحلو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187203,"book_id":1238,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":26,"sequence_num":13,"body":"معاني من الهدى والحق، أو الضلال والباطل، بماديات من النور والظلمة. وهذا البيان المعنوي بالحسي، هو الذي يمكن أن نعرضه على أقسام القرآن بالواو، فتقبلها دون تكلف أو قسر في التأويل.\rوشرح هذا على وجه التفصيل، والتماس الشواهد والأدلة عليه، مما يتسع له بحث خاص مفرد، عن \"القسم في القرآن\" أما هنا - ومجال البحث محدود بموضوعه - فقد يكتفى ما يعرض لنا من أقسام قرآنية فيما اخترنا من سور، لكي نوضح الفكرة ونجلو الملحظ.\rالمقسم به في آيتى الضحى، صورة مادية وواقع حسي، يشهد به الناس في كل يوم تألق الضوء في ضحوة النهار، ثم فتور الليل إذا سجا وسكن. دون أن يختل نظام الكون أو يكون في توارد الحالين عليه ما يبعث على إنكار، بل دون أن يخطر على با أحد، أن السماء قد تخلت عن الأرض وأسلمتها إلى الظلمة والوحشة، بعد تألق الضوء في ضحى النهار، فأي عجب في أن يجيء، بعد أنس الوحي وتجلي نوره على المصطفى ﷺ، فترة سكون يفتر فيها الوحي، على نحو ما نشهد من الليل الساجي يوافي بعد الضحى المتألق!\rهذا هو ما نطمئن إليه في التفسير البياني للقسم بالضحى والليل إذا سجا، ولا أعرف - فيما قرأت - أحداً من المفسرين التفت إلى هذا الملحظ التفاتاً واضحاً متميزاً، وإن يكن بعضهم قد استشرق له من بعيد، لكن وسط حشد من تأويلات شتى، لا تخلو من تكلف وإغراب.\rمنهم \"فخر الدين الرازي، ونظام الدين النيسابوري\" فقد ذكرا في حكمة القسم بالضحى والليل إذا سجي، وجوهاً \"منها: كأنه تعالى يقول الزمان ساعة فساعة، ساعة ليل وساعة نهار، ثم يزداد؛ فمرة تزداد ساعات الليل وتنقص ساعات النهار، ومرة بالعكس، فلا تكون الزيادة لهوى،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187204,"book_id":1238,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":27,"sequence_num":14,"body":"ولا النقصان لقلى، بل للحكمة. كذا الرسالة وإنزال الوحي بحسب المصالح، فمرة إنزال، ومرة حبس، فلا كان الإنزال عن هوى ولا كان الحبس عن قلى.\r\"ومنها: أن الكفار لما أدعوا أن ربه ودعه وقلاه، قال: هاتوا الحجة، فعجزوا، فلزمه اليمين بأنه ما ودعه ربه ما قلاه!\r\"ومنها، كأنه تعالى يقول: أنظر إلى جوار الليل مع النهار، لا يسلم أحدهما عن الآخر. بل الليل تارة يَغلب، وتارة يُغْلب، فكيف تسلم عن الخلق\"؟.\rوقال \"الشيخ محمد عبده\" بعد الذي نقلنا من عبارته في وجه الإعظام بالقسم باليل: \"وقد جاء في الصحيح أن النبي ﷺ، حزن لفترة الوحي، جزناً غدا منه مراراً كي تتردى من رءوس شزاهق الجبال، ولكن كان يمنعه تمثل الملك له وإخباره بأنه رسول الله حقاً. فذلك هو القلق والفزع الذي يحتاج إلى ما به تكون الطمأنينة، فآتاه الله ما كان في شوق إليه، وثبته بالوحي وبشره أن تلك الفترة لم تكن عن ترك ولا عن قلى، وأقسم له على ذلك، وأشار في القسم إلى أن ما كان من سطوع الوحي على قلبه أول مره، بمنزلة الضحى تقوى به الحياة وتنمو الناميات، وما عرض بعد ذلك فهو بمنزلة الليل إذا سكن لتستريح فيه القوى وتسعد فيه النفوس لما يستقبلها من العمل. ومن المعلوم أن النبي لاقى من الوحى شدة في أول أمره، فكانت فترة الوحي، أي فتوره، لتثبيته ﵇، وتقوية نفسه على إحتمال ما يتوالى منه، حتى تم به حكمة الله تعالى في إرساله إلى الخلق\".\rويوشك الملحظ البيلني، أن يتوه وسط هذا الكلام في الضحى تقوى به الحياة وتنمو الناميات، وفي الليل تستريح فيه القوى وتستعد فيه النفوس.\rوكان \"إبن قيم الجوزية\" أقرب إلى إدراك الملحظ البياني في القسم، لولا أن غلب عليه التأثر بفكرة الإعظام التي قررها أصلاً في كل أقسام القرآن. فجعل موضع القسم هنا للدلالة على ربوبية الله وحكمته ةرحمته، مع أنه السياق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187205,"book_id":1238,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":28,"sequence_num":15,"body":"لا يشير من قريب ـأو بعيد، إلى أن الموقف كان ارتياباً من المشركين في ربوبية الله وحكمته ورحمته، وإنما كان - على قول المفسرين في سبب النزول - كلاماً في أن الله قد ودع محمداً ﷺ وقلاه. ونص عبارة إبن القيم: \"أقسم بآيتين عظيمتين من آياته، دالتين على ربوبيته، وهما الليل والنهار.... فتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل، للمقسم عله وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه\".\r* * *\rومن المفسرين من وقف طويلاً عند تقديم الضحى هنا، وأبعد في تأويله فقال: \"إنه إشارة أن الحياة أولى للمؤمن من الموت إلى أن تحصل كمالاته الممكنة. وأيضاً أنه ذكر الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه - تعالى - ثم عقبة بالليل حتى يحصل الأمن من مكره! \".\rولم يتعرض \"إبن جرير الطبري\" لبيان ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، ومثله \"الزمخشري\" في الكشاف، وإنما اقتصرا على بيان كل من طرفي القسم. وكذلك سكت \"أبو حيان\" في (البحر) عن هذه الصلة المعنوية بينهما، وشغل عنها ببيان أوجه الصناعة النحوية.\rكما لم تعرض أي مفسر - فيما قرأت - لمقابلة هذا القسم الإلهي بالواو، على ظاهرة نفي القسم الصريح حيثما جاء في القرآن الكريم مسنداً إلى الله تعالى.\r* * *\rونعرض بعد هذا، لأقوالهم في تفسير: الضحى، والليل إذا سجا، فنقرأ في \"الطبري\" اختلاف أهل التأويل في الضحى:\rفهم النهار كله، وهو ساعة من ساعات النهار.\rكما نقرأ أختلافهم في الليل إذا سجا: فهو الليل إذا أقبل، أو إذا جاء. وهو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187206,"book_id":1238,"shamela_page_id":16,"part":"1","page_num":29,"sequence_num":16,"body":"الليل إذا ذهب، وهو الليل إذا استوى، وهو الليل إذا استقر وسكن.\rواختار \"الطبري\" من هذه الأقوال في الضحى: أنه النهار، لأنه ضوء الشمس الظاهرة. وأختار في سجا اللي: معنى السكون بأهله.\rوالزمخشري، يقول في الضحى: هو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقى شعاعها، وقيل: أريد بالضحى النهار.\rوقال في سجا: سكن وركد ظلامه، وقيل معناه سكون الناس والأصوات فيه.\rوعند أبي حيان: سجا الليل أدبر، وقيا: أقبل. وقال الفراء: أظلم ورك، وقال إب الأعرابي: أشتد ظلامه.\rوأجاز \"النيسابورى\" أن يكون معنى سجا، سكن الناس فيه، فيكون الإسناد مجازياً.\rوقال الشيخ محمد عبده في الضحى: هو ضوء الشمس في شباب النهار. وفي سجا الليل: هو ما تجده من سكون أهله وإنقطاع الأحياء عن الحركة فيه.\r* * *\rفلننظر فيها اختلف فيه المفسرون في معنى الضحى: أهو النهار كله، أم ساعة منه. والليل إذا سجا: هل معناه أقبل، أو أدبر، وأشتد ظلامه وسكن، أو سكنت الناس والأصوات فيه؟\rوإذا كان اللفظ لغة يحتمل أكثر من معنى على ما ذكروا في ضحى وسجا، فإن البلاغة لا تجيز إلا معنى واحداً في المقام الواحد، يقوم به لفظ بعينه، لا يقوم به سواه.\rواللغة قد عرفت الضحى وقتاً بعينه من النهار، وبه سميت صلاة الضحى لوقوعها فيه، والضاحية من الإبل التي تشرب ضحى، وقالوا ضحى فلان غنمه إذا رعاها الضحى، وضحى بالشاة ذبحها ضحى يوم النحر - وهذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187207,"book_id":1238,"shamela_page_id":17,"part":"1","page_num":30,"sequence_num":17,"body":"هو أصل الاستعمال فيما ذكر لسان العرب - وقال \"يعقوب\" في الأضحى: يسمى اليوم أضحى بجمع الأضحاة وهي الشاة تذبح ضحى النحر، وهي أيضاً الأضحية والضحية.\rودلالة الوضوح هي الملحوظة في كل الإستعمالات الحسية للمادة: فالضاحية السماء، ومنه قيل لما ظهر وبدا ضاحية. والمضحاة الأرض التي لا تكاد تغيبر الشمس عنها، وضحا الطريق: بدا وظهر. وقالوا لمن يبرز للشمس: ضحا ضَحواً وضُحوا وضحيا؛ كما قالوا لمن ضربته الشمس ضحا كذلك، والضحياء الفرس الشهباء.\rومن هذا الوضوح والظهور الملحوظين في الاستعمالات الحسية للمادة، قيل: فعل فلان كذا ضاحية، أي علاية. على أن أكثر ما يستعمل الضحى في القوت المعين من صدر النهار، فويق ارتفاع النهار، حيت يتم وضوح الشمس. ومنا ما يستعمل في كل ما وقع أو فعل في هذا الوقت بعينه، فيقال أضحى فلان إذا صار في الضحى، وأتيتك ضحوة، وضحى.\r* * *\rوفي الاستعمال القرآني، نرى القرآن الكريم استعمل الضحى مقابلاً للعشية في آية النازعات ٤٦:\r﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .\rومعها الآية ٢٩:\r﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ .\rكما استعمله ظرف زمان، لهذا الوقت بعينه من النهار في آية الأعراف ٩٨:\r﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ؟\rوآية طه ٥٩:\r﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ .\rفتراه هنا عين للموعد يوماً هو يوم الزينة، ثم خص منه بالتحديد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187208,"book_id":1238,"shamela_page_id":18,"part":"1","page_num":31,"sequence_num":18,"body":"هو ضحى، مما يبعد تفسير الضحى بأنه النهار كله.\rوتبعده كذلك آية \"الشمس\" التي أقسم القرآن فيها بالشمس وضحاها، حيث لا نرى المعنى يستقيم لو فسرناه بالنهار فقلنا: والشمس ونهارها، وإنما هو \"وقت إنبساط الشمس\" كما اطمأن \"الراغب\" في المفردات، أو هو \"صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر سلطانها\" كعبارة \"النيسابور\" في الغرائب.\r* * *\rوأما سجا الليل، فالسكون أو الفتور هو ما يلائم الموقف بيانياً، وليس الإقبال ولا الإدبار، كما قال مفسرون. ولم تأت مادة \"سجا\" في القرآن كله في غير هذا الموضع، إلا أن مقابلتها للضحى، تجعلنا نطمئن إلى أن سجو الليل هو فترة هدوئه وسكون، وعلى ما تعرف العربية في استعمالها لطرف ساج وبحر ساج، والسجواء وهي الناقة التذ إذا حلبت سكنت.\rوالسكون هو المعنى الذي ذكره \"الراغب\" في مفرداته، وقال \"النيسابورى\": هو بمنزلة ال��حى من النهار.\r* * *\rوقد قلنا في القسم بالضحى والليل إذا سجا: إنه بيان لصورة حسية، وواقع مشهود، يمهد لموقف مماثل، غير حسي ولا مشهود، هو فتور الوحي بعد إشراقه وتجليه، لكن من الفسرين من أجهدوا أنفسهم لالتماس السبب الذي من أجله أوثر الضحى هنا بالقسم، فالزمخشري يقول إنه تعالى: \"أقسم بالضحى، لأنها الساعة التي كلم فيها موسى ﵇، وكانت موعده لمعارضة السحرة\".\rونستبعد أن يكون الوحي قد خاطب النبي ﵇ والسلام في آية الضحى بما تفسره آيات نزلت بعدها بزمن، في موعد حشر السحرة بآية طه التي نزلت بعد الضحى بست وثلاثين سورة، وكلام الله تعالى لموسى ﵇ ولم يحدد القرآن ساعته - بآيات الأعراف والنساء، المدنية.\rوأضاف النيسابوري، والرازي كذلك: \"أن الضحى ساعة من النهار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187209,"book_id":1238,"shamela_page_id":19,"part":"1","page_num":32,"sequence_num":19,"body":"توازي جميع الليل، كما أن محمداً ﷺ يوازي جميع الأنبياء وأممهم\".\rولا نقف بعد هذا عند تأويلات الإشاريين بأن الضحى وجه محمد، ﷺ والليل شعره، أو أن الضحى هم ذكور أهل بيته ﵇ والليل إناثهم ويحتمل أن يقال: الضحى نور علمه الذي يعرف به المستور من الغيوب، والليل عفوه الذي يستر به جميع العيوب، أو هي إشارة بالضحى إلى إقبال الإسلام بعد أن كان غربياً، وبالليل إلى أنه سيعود غريباً كما بدأ إلى آخر هذه التأويلات الإشارية التي لا موضع لها في تفسير بياني للنص الكريم.\r* * *\r﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .\rوالقراءة بالدال المشددة هي قراءة الجمهور، وقرأ بعضهم: \"مَا وَدعَكَ\" بالتخفيف، مع تصريحهم بأن العرب استغنت في فصيح كرمها عن: ودع، ووزر، وودْع، ووزْر، وقد ذكر الزمخشري هنا شاهداً من قول \"أبي الأسود الدؤلى\":\rليت شعرى عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى ودعه\rوقال آخر:\rوثم ودعنا آل عمرو وعامر فرائس أطرف المثقفة السمر\rولكن الجوهري في (الصحاح) صرح بأن مثل هذا ربما جاء في ضرورة شعرية، ومثله قول \"خفاف بن ندبة\":\rإذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصجق\rأي متروك. وقال في: دع ذا، أي اتركه: \"وأصله ودع يدع، وقد أميت ماضيه، لا يقال: ودعه، وإنما يقال: تركه\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187210,"book_id":1238,"shamela_page_id":20,"part":"1","page_num":33,"sequence_num":20,"body":"وقد نازعه محشى القاموس، في القول بأن \"ماضى ودع أميت غير أنهذه المنازعة لا تدفع ما قاله: أبو حيان\" من أن العرب استعنت في فصيح كلامها عن ودع.\rوالودع: الترك، وقد استعمل حسياً في الوديعة، تترك في مكان أو لدى من يرجى أن يؤتمن عليها، وأستعمل التوديع في الترك لفراق، وقال الومخشري: \"التوديع مبالغة في الدةع، لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك\" وذلك ما تحكم به قواعدهم؛ لولا أن العربية استغنت عن الثلاثى من (ودع) في فصيح كلامها.\rولم يجيء من المادة في القرآن، بصيغة الفعل الماضي إلا آية الضحى وجاء منها فعل الأمر في آية الأحزاب ٤٨:\r﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ .\rزجاءت صيغة مستودع مرتين، عطفاً على مستقر، في:\rآية الأنعام ٩٨: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ .\rوآية هود ٦: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ .\rوالقلى: البغض، وربما كان الق��ق المادى، أسبق في الدلالة الحسية للمادة، حيث نلحظه بوضوح فيما جاء من استعمالات حسية لها: فالقلا والمقلى، عودان يلعب بهما الصبيان، وقلا الإبل ساقها شديداً، واللحم أنضجه في المقلى والمقلاة.\rومن القلق الملحوظ أصلاً في المادة، جاء معنى التجافي والإرتحال، فيقال: أقلولى الرجل: قلق، ورحل، وتجافي. وأكثر ما تستعمل المادة يائية، في البغض والكره غاية الكراعة، (القاموس) وقد انتهى \"إبن سيده\" بالبغض الشديد إلى الترك والهجر، فقال في (المحكم) : \"قليته قلى أبغضته وكرهته غاية الكره فتركته\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187211,"book_id":1238,"shamela_page_id":21,"part":"1","page_num":34,"sequence_num":21,"body":"والمادة جاءت في القرآن مرتين: آية الضحى، وآية الشعراء ١٦٨:\r\"قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ .\rودلالتها على البغض والكراهية الشديدة والنفور واضحة.\rوبشدة البغض، فسرها \"الراغب\" في (المفردات) في الموضعين.\r* * *\rووقفوا طويلاً عند حذف ضمير الخطاب: في قلىَ، فقال الزمخشري: إنه اختصار لفظي، لظهور المحذوف، ونظر له بقوله تعالى:\r﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾\rوهو قريب من قول الطبري في تعليل الحذف: \"إنه إكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدم ذلك قوله: ما ودعك، فعرف بذلك أن المخاطب به نبي الله ﷺ﴾ .\rكذلك ذهب \"أبو حيان\" إلى أن الحذف للإختصار.\rلكن النيسابوري أضاف سبباً آخر، وهو رعاية الفاصلة: والضحى سجى..... وقال مثل ذلك في الآيات بعدها: فآوى. فهدى...... فأغنى.\rوعد \"الرازي\" في حذف الكاف ثلاثة وجوه:\r* الاكتفاء بالكاف الأولى في \"ودعك\".\r* أن اتفاق الفواصل، أوجب حذف الكاف.\r* فائدة الإطلاق، أي أنه ما قلاك ولا أحداً من أصحابك، ولا أحداً ممن أحبك إلى يوم القيامة.\rوفي الإطلاق، على ما بينه الرازي، توسع لا يعطيه صريح السياق خطاباً للمصطفى ﷺ بعد فتور الوحي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187212,"book_id":1238,"shamela_page_id":22,"part":"1","page_num":35,"sequence_num":22,"body":"وأما تعليل الحذف برعاية الفاصل، فليس من المقبول عندنا أن يقوم البيان القرآني على اعتبار لفظي محض، وإنما الحذف لمقتضى معنوي بلاغي، يقويه الأداء اللفظي، دون أن يكون الملجظ الشكلي هو الأصل. ولو كان البيان القرآني يتعلق بمثل هذا، لما عدل عن رعاية الفاصلة في آخر سورة الضحى:\r﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .\rوليس في السورة كلها ثاء فاصلة، بل ليس فيها حرف الثاء على الإطلاق، ولم يقل تعالى: فخبرْ، لتتفق الفواصل على مذهب أصحاب الصنعة ومن يتعلقون به.\rويبقى القول بأن الحذف لدلالة ما قبله على المحذوف، وتقتضيه حساسية معنوية مرهفة، بالغة الدقة في اللطف والإيناس، هي تحاشي خطابه تعالى لحبيبه المصطفى في مقام الإيناس: ما قلاك. لما في القلى من الطرد والإبعاد وشدة البغض. أما التوديع فلا شيء فيه من ذلك. بل لعل الحس اللغوي فيه يؤذن بالفراق على كره، مع رجاء العودة واللقاء.\r* * *\rوقد سبق في هذا التوديع عند سبب النزول.\rولا نرى أن نقف هنا عندما ورد في بعض كتب التفسير من تحديد سبب الإبطاء في الوحي، كالذي ذكره \"الرازي\" و\"النيسابورى\" من أن اليهود سألوا النبي عن ثلاث نسائل: الروح، وذي القرنين واصحاب الكهف. فقال ﷺ: سأخبركم غداً. ولم يقل: إن شاء ��لله: أو أن الوحي أبطأ، لأن جرةاً للحسن والحسين، ﵄، كان في بيت النبي ﵊، فقال جبريل: \"أما علمت أنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة؟ \" أو أنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار.....\rوحكاية الجرو هذه، وردت كذلك في (البحر المحيط لأبي حيان) ولا أدري كيف فاتهم أن الحسن والحسين ﵄ ولدا بعد الهجرة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187213,"book_id":1238,"shamela_page_id":23,"part":"1","page_num":36,"sequence_num":23,"body":"بثلاث سنوات وأربع، وسورة الضحى من أوائل الوحي، نزلت بمكة قبل الهجرة بسنين. والذي يعطيه ظاهر النص، أن فتور الوحي ظاهرة طبيعية، شأنها شأن سجو الليل بعد إشراق الضحى. وهذا يغنينا عن تقديم أسباب والتماس علل للإبطاء في الوحي، لم يتعلق القرآن بذكرها.\rكذلك لا نرى وجهاً للوقوف عندما ذكر مفسرون في تحديد مدة الإبطاء، باثنى عشر يوماً، أو خمسة عشر، أو خمسة وعشرين، أو أربعين، إذ يغنينا عن مثل هذا، سكوت القرآن عن تحديد فترة الوحي باليوم أو بالشهر، ولو كان البيان القرآني يرى حاجة إلى هذا التحديد، ليزيد في اليقين النفسي، لما أمسك عن ذلك التحديد؛ لأن مقتضى البيان أن يستوفى كل ما يدعو إليه المقاك مما يتصل بغايته، فإذا أمسك هنا عن ذكر سبب الإبطاء وتحديد مدته، فلأن الذي يعنيه هو جوهر الموقف لا تفصيلاته الجزئية، فسواء أكان السبب هو ما ذكره المفسرون ام غيره، وسواء أكانت فترة إبطاء الوحي أثنى عشر يوماً أم أربعين، وسواء أقال قائل - منْ كان - ودع محمداً ربه وقلاه، أم أنه ﷺ شعر بالاستيحاش لفتور الوحي. فالمهم هنا هو جوهر الموقف، ولا شيء من جزئياته بذي جدوى على المعنى.\r* * *\r﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ .\rالآخرة تأتي غالباً، مقابل الدنيا. والمعنى الأول في المادة هو التأخير، كما ان المعنى في الدنيا هوالدنو. فإذا اقترنت الآخرة بالدار، أو باليوم، غلب أنها اليوم الآخر، أما إذا أطلقت، فهي ذات دلالة أعم، يدخل فيها: النهاية، والمصير، والعقبي، سواء في هذه الحياة، أو فيما بعدها.\rوفي آية الضحى، يرجع أن الآخرة هي الغد المرجو، مجيئها مع ﴿لَكَ﴾ خاصة بمحمد ﷺ. وقد أكد الله بهذا الخير الموعود، نفى التوديع والقلى، ليذهب عن رسوله أثر فتور الوحي. والصلة بين هذه الآية والآيات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187214,"book_id":1238,"shamela_page_id":24,"part":"1","page_num":37,"sequence_num":24,"body":"قبلها، أوضح من أن نتكلف لها الأسباب والوجوه على نحو ما فعل بعض المفسرين كالرازي الذي ذكر فيها وجوهاً ثلاثة:\rأحدها: أن إنقطاع الوحي لا يجوز أن يكون لعزل عن النبوة، بل أقصى ما في هذا الباب أنه أمارة الموت، والموت خير لك لما أعد لك عند الله في الآخرة.\rوالثاني: انه لما نزل قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ، حصل له تشريف عظيم، فكأنه أستعظم هذا التشريف، فقيل له إن ما لك عند الله في الآخرة خير وأعظم.\rوالثالث: وقد صدره الرازي بقوله: وهو ما يخطر ببالي - وللأحوال الآتية خير لك من الماضية.\rثم عقب على هذا، بذكر طرق يعرف بها أن الآخرة خير له من الأولى، وهي:\r* لأنك في الدنيا تفعل ما نريد، ولكن الآخرة خير لك لأنا نفعل ما تريد.\r* وأن الآخرة خير لك، إذ تجتمع عندك أمتك.\r* وهي خير لك لأنك أشتريتها، أما هذه الدنيا فليست لك.\r* وفي الأولى يطعن الكفار فيك، أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم، وأجعلك شهيداُ على الأنبياء، ثم أجعل ذاتي شهيداً عليك.\r* إن خيرات الدنيا قليلة مشوبة منقطعة، ولذات الآخرة كثيرة خالصة لك.\rوفسر \"الشيخ محمد عبده\" الآخرة والأولى بالبداية والنهاية، قال: \"ولنهاية أمرك خير لك من بدايته\" ثم زاد إيضاحاً: \"إن كرة الوحي ثانياً، ستكمل الدين وتتم بها نعمة الله على أهله، وأين بداية الوحي من نهايته؟ \" فكأنه يريد أن يحدد الآخرة، بنهاية الوحي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187215,"book_id":1238,"shamela_page_id":25,"part":"1","page_num":38,"sequence_num":25,"body":"وفي القرآن الكريم وردت الكلمة مائة وثلاث عشرة مرة، فيما أحصيت يغلب أنها للدار أو الحياة الآخرة، مقابلة للدنيا. على أنها قد تأتي لغيرها بدلالة من صريح السياق، مثل آية (ص ٧) :\r﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ .\rونستأنس في فهم آية الضحى، بآيات مثلها جاءت فيها الآخرة مقترنة بالأولى: بواو العطف:\rالنجم ٢٥: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ .\rالنازعات ٢٥: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ .\rالقصص ٧٠: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ .\rالليل ١٣: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ .\rفنرى آية الضحى تنفرد عنها بأنها خاصة بمحمد ﷺ، في حالة بعينها هي توهم توديع الله إياه في أولاه، وقد نفى الله تعالى هذا التوديع، ثم أكد له أن أخراه خير من أولاه. وجاءت الآية بعدها:\r﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ .\rيتكامل بها التجلي الإلهي على المصطفى: ما تركك فيما مضى، وللآخرة خير لك من الأولى....\rولا وجه عندنا لتحدبد المقصود بالعطاء في الآية، بما ذكره \"الرازي\" أو غيره بل نؤثر إطلاقه، مسايرة للبيان القرآني الذي يشأ أن يحدده. فحسب الرسول ﷺ الإعطاء الذي يرضيه، وليس وراء الرضى مطمح، ولا بعدم غاية, وما كان لنا أن نحتكم بأذواقنا وأمزجتنا وشخصياتنا، وظروفنا وأحوالنا، في تحديد هذا الذي يرضي الرسول، أو نشغل عن تدبر سر البيان في إطلاقه العام وإنتهائه إلى الرضى، بمثل ما شغل به كثير من المفسرين: فمن قائل في العطاء الموعود: \"إنه ألفقصر في الجنة، في كل قصر ما ينبغي من الأزواج والخدم\" على ما نقل الطبري بإسناده عن إبن عباس، وتلقفه مفسرون من بعده لم يكفهم هذا التحديد بالنوع والعدد، بل زادوا فحددوا مواد البناء: فهي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187216,"book_id":1238,"shamela_page_id":26,"part":"1","page_num":39,"sequence_num":26,"body":"ألف قصر من لؤلؤ، ترابهن المسك، وفيهن ما يصلحهن. عن إبن عباس أيضاً.\rوأختاروا اللون كذلك، فقالوا إن القصور الألف من لؤلؤ أبيض. وما أرى ألف قصر في الجنة، أو ألف ألف، من لؤلؤ أو غير لؤلؤ، ترابهن المسك أو العنبر. بالغة في تقدير العطاء الموعود ما تبلغه الكلمة القرآنية \"فَتَرْضَى﴾ بما تمضي في العطاء، إلى غاية الرضا.\rوآخرون، ذهبوا في تفسير العطاء إلى أنه إشارة إلى ما سوف يعطى الله رسوله من الظفر بأعدائه، وفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، والفتوح الكبرى على أيدي خلفائه.\rكما قيل في العطاء كذلك: إنه الشفاعة والمغفرة \"لأن الله أمره بالاستغفار للمذنبين، ويرضيه ﷺ أن يجاب طلبه. ولأن مقدمة الآية مناسبة لذلك، كأنه تعالى يقول: لا أودعك ولا أبغضك، بل لا أغضب على أحد من أصحابك وأتباعك وأشياعك طلباً لمرضاتك\" كما استدلوا بأن الأحاديث الكثيرة الواردة في الشفاعة، دالة على أن رضى الرسول في العفو عن المذنبين من أمته.\rرده \"إبن القيم\" قائلاً:\r\"وأما ما يغير به الجهال من أنه ﷺ، لا يرضى وواحد من أمته في النار، فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم، فإنه صلوات الله وسلامه عليه، يرضى بما يرضى به ﵎، وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة، ولا يشفع الرسول عنده إلا بإذنه\".\rويميل: إبن القيم\" إلى تعميم العطاء \"فهو يعم ما في الدنيا من القرآن والهدى والصر وكثرة الأتباع ورفع ذكره وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187217,"book_id":1238,"shamela_page_id":27,"part":"1","page_num":40,"sequence_num":27,"body":"ووقف الشيخ محمد عبده، مثل هذا الموقف، فحمل على \"ما للمفسرين هنا من كلام في الشفاعة، وفي تكريم آل بيت النبوة، حشروه في التفسير حشراً، وأكثره بعيد عن روح الدين الذي جاء به القرآن، والأليق به كتب المذاهب التي ساء بها حال المسلمين وتفرقت بسببها كلمتهم\".\rوفسر العطاء بنحو ما فسره به \"إبن القيم: فقال:: إنه \"توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك، ومن ظهور دينك وعلو كلمنك وإسعاد قومك بما تشرع لهم، وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة\".\rونرى مع هذا، أن في تحديد العطاء، جوراً عليه. والأليق بجلال الموقف أن يكتفي فيه بالرضى على ما أراد البيان القرآني، فوق كل تحديد، ووراء كل وصف!\r* * *\rفي الصنعة الإعرابية، أثار بعض المفسرين هنا مشكلات ما أغنى البيان القرآني عنها: القاعدة النحوية أن اللام في (سوف) إن كانت للقسم، لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد، وإن كانت اللام للإبتداء فإنها لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر....\rلابد إذا من تكلف وإحتيال، لتسوية الصنعة!\rوقد رأى \"الزمخشري\" أنه \"لآبد من تقدير مبتدأ محذوف، وأن يكون أصل العبارة: ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى.\rوكذلك قال \"أبو حيان\": إن اللام هنا لام إبتداء أكدت مضمون الجملة على إضمار مبتدأ أي: ولأنت سوف يعطيك.\rوندرك جور الصنعة الإعرابية على هذا البيان العالي، إذا احتكمنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187218,"book_id":1238,"shamela_page_id":28,"part":"1","page_num":41,"sequence_num":28,"body":"إلى حس العربية، ووازناً بين التعبير القرآني ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وذلك التأويل المقدر، الذي قال عنه \"الزمخشري\" إنه الأصل: ولأنت سوف يعطيك.\rوأراهم جاوزوا قدرهم، حين يؤولون الآية المحكمة من البيان الأعلى، فيقول قائلهم: لابد من تقدير كذا..... لأن اصل التعبير كذا!\rوكان يكفي أن يأتي التعبير في الكتاب العربي المبين، ليكون هو الشاهد والحجة، والأصل الذي تعرض عليه كل قاعدة لغوية أو بلاغية، لا أن نحكم فيه قواعد للنحاة والبلاغيين، في دراستهم للعربية علماً وصنعه!!\rوأثار بعضهم كذلك مشكله أخرى:\rكيف يجتمع التوكيد المستفاد من اللام، مع التسويف الصريح في ﴿سَوْفَ﴾ ؟ ثم أجابوا بأن العطاء كائن لا محالة إن تأخر، لما في التأخير من مصلحة.\rوربطه الشيخ حمح عبده بإكمال الدين فقال: \"إن إكمال الدين لم يتم إلا في عشرين سنة، ونزلت الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فاستعمال حرف التسويف لذلك\".\rوهم هنا، كدأبهم، يثيرون مسائل ثم يتكلفون لها الجواب. تأكيد المستقبل ليس بموضع سؤال، ولا هو ببعيد عن مألوف العربية. والبيان إنما يتسق هنا ويتكامل بلفظ ﴿سَوْفَ﴾ إيناساً للرسول المصطفى بأنه كان سوف يظل موضععناية ربه: في أمسه وغده، في أولاه وأخراه......\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187219,"book_id":1238,"shamela_page_id":29,"part":"1","page_num":42,"sequence_num":29,"body":"﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ .\rمناسبة ارتباط هذه الآيات لما قبلها واضح، فهو تعالى يبث في نفس الرسول الطمأنينة ويثبت قلبه بلفته إلى ما أسبغ الله عليه في اولاه من نعم: كان يتيماً، بل مضاعف اليُتم، فأواه ووقاه مسكنه اليتم، وكان ضالاً حائراً، فهداه تعالى إلى دين الحق، وكان عائلاً فأغناه بفضله وكرمه، أفما يكفي هذا ليطمئن المصطفى إلى أن الله غير تاركه ولا مودعه؟ وهل تركه حين كان صبياً يتيماً معرضاً لما يتعرض له الصبية اليتامى من قهر وضياع؟ وهل قلاه حين كان ذا عيلة، حائراً يرهقه التفكير في ضلال قومه ثم لا يدرى سبيل النجاة؟\rلكن الآيات البينات لم تفهم بهذا اليسر، وإنما ذهب المفسرون إلى تأويلات شتى، لتحديد المقصود باليتم، والغنى، والضلال.\rونعرض أولاً أقوالهم في اليتم والإيواه، والعيلة واإغناء، والضلال والهدى، ثم نحتكم فيها إلى القرآن الكريم:\rففي اليتم والإيواء، قال \"الرازي\": إنه من قولهم درة يتيمة، والمعنى: ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير، فآواك أي جعل لك من تأوى إليه وهو أبو طلب، وقرئ: فأوى - بالتخفيف، أى رحم.\rويقول الزمخشري، محقاً: \"إن تفسير يتيم هنا بالدرة اليتيمة، من بدع التفاسير\" وإنما اليتم عنده فقدان الأب، ومثله أبو حيان في البحر، وقال: \"الراغب\" في المفردات: اليتم - في آية الضحى - إنقطاع الصبي من أبيه قبل بلوغه.\rوهذا هو الأصل في اليتم لغة، ثم قيل لكل منفرد: يتم، ومنه الدرة اليتيمة أي المفردة.\rوالقرآن استعمل اليتم، مفرداً ومثنى وجمعاً، ثلاثاً وعشرين مرة، كلها بمعنى اليتم الذي هو فقدان الأب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187220,"book_id":1238,"shamela_page_id":30,"part":"1","page_num":43,"sequence_num":30,"body":"ويلحظ فيه اقتران اليتم بالمسكنة في أحد عشر موضعاً:\rالبقرة ٨٣، ١٧٧، ٢١٥، والنساء ٨، ٣٥، والأنفال ٤١، والحشر ٧ والدهر ٨، والفجر ١٧، والبلد ١٥، والماعون ٢.\rكما ذكر فيه من آثار اليتم: الجور، وأكل المال\r﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ . النساء ١٠- ومعها: الأنعام ١٥٢ والإسراء ٣٤ والنساء ٢، ٦.\rوعدم الإكرام: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ . الفجر ١٧.\rوالدع. الذي هو الدفع العنيف مع جفوة:\r﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ . الماعون ١: ٣.\rوالقهر، في آية الضحى.\rوأما هذا التتيع، لا نملك إلا أن نستبعد تفسير اليتم بغير ذاك الذي في القرآن، وقد ولد محمد يتيماً، ثم تضاعف يتمه بموت أمه وجده، لكنه تعالى نجاه من آثار اليتم التي هي، بشواهد من آيات الكتاب الكريم: الدع والقهر، والإنكسار والجور. مما كان مظنه أن يكسر نفسه. فذلك هو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ترشيحاً بهذا الإيواء الإلهي - غير المقيد بمتعلق - إلى ما بعده من نعمة الهداية بعد حيرة وضلال، وتهيئة لحمل الرسالة الكبرى.\rوقد جاء الفعل من ﴿آوَى﴾ في القرآن، أربع عشرة مرة، لا يخطئ الحس فيها جميعاً معنى المأمن والحمى والملاذ، إما حقيقة، وإما على سبيل الرجاء، وهو ما سوف نزيده تفصيلاً، ف�� سورة النازعات.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187221,"book_id":1238,"shamela_page_id":31,"part":"1","page_num":44,"sequence_num":31,"body":"﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ .\rأصل الضلال في الاستعمال اللغوي، من فقدان الطريق: أرض مضلة، يضل فيها. والضلة الحيرة.\rونقيض الضلال: الهدى، وقد استعملته العربية حسياً في الصخرة الناتئة في الماء يؤمن بها العثار، وفي وجه النهار، يكشف معالم الطريق فيؤمن الضلال. ثم جاء الاستعمال المعنوي للضلال والهدى، ملحوظاً فيهما الأصل الحسي، والاستعمال في المصطلح الديني للضلال والهدى بمعنى الكفر والإيمان، وقوى هذا الاستعمال الاصطلاحي حتى كاد يكون هو المتبادر، عند الإطلاق.\rوالقرآن الكريم، قد استعمل الضلال بمعنى الكفر والباطل ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ مع بقاء الملحظ الحسي اللغوي الذي هو ضلال الطريق، بدليل إقتران الضلال بالسبيل، عشرين مرة، ومعها آية السجدة ١٠:\r﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .\rويؤيد هذا الملحظ، استعمال العمى في الضلال، في آية النمل ٨١:\r﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ .\rوفي آية الإسراء ٧٢:\r﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ .\rومن المفسرين من قالوا في آية الضحى: إن الضلال هنا هو الكفر، ذكره \"الرازي\" معزواً إلى الكلبي والسدي ومقاتل، بمعنى أن محمداً ﷺ كان على أمر قومه أربعين سنة.\rوأنكره جمهور المفسرين، وردوه بأن الأنبياء يجب أن يكونوا معصومين، قبل النبوة وبعدها، من الكبائر والصغائر الشائبة، فما بال الكفر؟!\rوذهبوا بعد ذلك في تأويل الضلال، مذاهب شتى بلغت، في تفسير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187222,"book_id":1238,"shamela_page_id":32,"part":"1","page_num":45,"sequence_num":32,"body":"الرازي وحده، عشرين تأويلاً! منها الضلال عن القبلة، ومنها الضلال عن الهجرة متحيراً في يد قريش يتمنى فراقهم ولكن لا يمكنه الخروج بغير إذن من ربه، ومنه الضلال عن أمور الدنيا وشئون التجارة، فهداه الله فربحت تجارته!\rوقد نعلم من السيرة النبوية وتاريخ عصر المبعث، أن سيدنا محمداً كف عن شواغل التجارة قبل المبعث منذ آثر الاعتكاف والخلوة في غار حراء، وأنه ﷺ، لم يتجه إلى الهجرة من مكة، إلا في عام الحزن، قبل الهجرة بثلاث سنوات، أي بعد نزول آية الضحى بسنين وصريح نصها، فيما كان من ماضي حال المصطفى ﵊، لا فيما يستقبل من أمره.\rوذكر الزمخشري وأبو حيان في تفسير الضلال، أن سيدنا محمداً \"ضل في شعاب مكة وهو صغير، فرده الله إلى جده، وقيل ضلاله من حليمة مرضعته، وقيل ضل في طريق الشام.\"\rواستطرد أبو حيان يقول: إنه فكر طويلاً في هذه الآية، غير مطمئن إلى أقوال المفسرين فيها، وشغل بها في منامه، فإذا به يقول: وجدك ضالاً فهدى، أي وجد رهطك ضالاً فهداه بك. على حذف المضاف، أي رهط. ونظيره عنده، قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها.\rوما بنا حاجة إلى كل هذه التأويلات، ما ذكرناه منها وما لم نذكر، بل يكتفي في الرد على من فسروا الضلال بالكفر، أن الاستعمال القرآني لا يلتزم دائماً هذا المعنى الاصطلاحي، وإنما لحظ فيه - كما رأينا - الأصل اللغوي من ضلال الطريق، أو عدم الإهتداء إلى الصواب:\rقال إخوة يوسف لأبيهم\" ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقالوا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾\rوليس الضلال هنا كف��اً، وإنما هو الشغف بيوسف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187223,"book_id":1238,"shamela_page_id":33,"part":"1","page_num":46,"sequence_num":33,"body":"وقالت النسوة في امرأة العزيز ويوسف: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .\rوفي آية الشعراء (٢٠) حكاية عن موسى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ .\rوفي شهادة رجل وامرأتين على الدين بآية (البقرة ٢٨٢) : ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ .\rوليس شيء من هذه الآيات بالذي يحمل الضلال فيه، على معناه الاصطلاحي وهو الكفر.\rفالاحتكام إلى القرآن الكريم نفسه، يعفينا من التزام المصطلح في لفظ الضلال بمعنى الكفر، وهو أيضاً يعفينا من تلك التأويلات العشرين التي تكلفوها في تفسير الآية لينفوا الكفر عن سيدنا محمد قبل أن يبعث.\rوغريب عندنا كذلك، أن نتصور أن الله منَّ على رسوله، بأنه رده إلى أهله حين ضل في شعاب مكة، أو عند حليمة، أو في طريق الشام! وإن من صغار الأطفال من يضل فيرده إلى أهلهم راد، ربما كوفئ ببضعة دراهم (حلاوة) نظير معروفة!\rومثله في الغرابة، أن تكون نعمة الله على من اصطفاه لرسالته، أن ربحت تجارته، بعد ضلالة في أمورها وفي شئون الدنيا!\rوقد قال: \"الراغب\" في تفسير الضلال: إنه ترك الطريق المستقيمة عمداً كان أو سهواً، قليلاً كان أو كثيراً.\rولا نقول هنا إلا ما قاله الله تعالى لنبيه المصطفى: \"مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ فقد كانت حالته قبل المبعث حالة حيرة: عاف حال قومه وأنكرها، ولكن أين الطريق المستقيم؟ وكيف المخرج والنجاة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187224,"book_id":1238,"shamela_page_id":34,"part":"1","page_num":47,"sequence_num":34,"body":"ولبث على حيرته أمداً، حتى جاءته الرسالة فهدته إلى الدين القيم وأبانت له سواء السبيل بعد طول حيرة وضلال.\rوإلى مثل هذا، ينتهي رأي \"الشيخ محمد عبده\".\rونحن بهذا في غنى عما لجأ إليه أبو حيان في رؤياه، من افتراض مضاف محذوف، على تقدير: وجد رهطك ضالاً فهداه بك. . .\r* * *\r﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ .\rالعيلة في اللغة الفاقة والعوز. يقال: عالني الشيء، إذا أعوزني. ومنه قالوا للرجل: عائل، إذا كثر عياله لأنهم عالة، ولحظ فيه مع كثرة العيال ثقل العبء مما يظن معه الضيق المادي والعوز، ومن ثم قيل: عال، بمعنى أفتقر.\rولم ترد المادة في القرآن إلا مرتين:\rآية الضحى، وآية التوبة ٢٨:\r﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ .\rوهي في المرتين، كلتيهما، مقابلة بالغنى.\rفما الغنى؟\rأخذه مفسرون بمعنى الإثراء، وهو المعنى القريب المتبادر، ففسروا آية الضحى بأن الله تعالى: ﴿أغناه في صباه بتربية أبي طالب، ولما اختلت أحواله أغناه بمال خديجة، ولما أختل ذلك أغناه بمال أبي بكر، ولما أختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار، ثم أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم\".\rوأختصر الشيخ محمد عبده هذه السلسة من الاختلال والإغناء، مكتفياً بربح التجارة، ومال السيدة خديجة، قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187225,"book_id":1238,"shamela_page_id":35,"part":"1","page_num":48,"sequence_num":35,"body":"\"وكان الرسول فقيراً لم يترك لم والده من الميراث إلا ناقة وجارية، فأغناه الله بما ربحه في التجارة، وبما وهبت له خديجة من مالها\".\rوأحسبه بهذا الإكتفاء، أراد أن يتقى المشكلة الزمنية التي أحوجت مفسرين إلى تأول بعيد. فالسورة مكية مبكرة بلا خلاف، وهذا الغنى بالأنصار والغنائم قد كان بعد الهجرة، ومن ثم قالوا: \"إن هذا كله كان من معلوم الله، وهو كالواقع، فيكون من قبيل الإخبار بالغيب، وقد وقع بعد ذلك فيكون معجزاً\".\rعلى أنهم ذكروا مع غنى المال، احتمال أن يكون الغنى هو القناعة، وغنى القلب، والصبر، والكفاف.\rوجعل \"الراغب\" الغني ضروباً: فهو عدم الحاجات وليس ذلك إلا لله، وهو غنى النفس، وكثرة المقتنيات، والتعفف.\r* * *\rوأول ما نلحظه حين نحتكم إلى القرآن، أن الغنى فيه غير مرادف للثراء الذي لم يستعمله القرآن قط. وأسند الغنى إلى غير المال في مثل آيات:\rالأعراف ٤٨: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ ومعها الأنفال ١٩.\rهود ١٠١: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .\rيونس ٣٦: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ . ومعها أية النجم ٢٨.\rيونس ١٠١: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ومعها آية القمر: ٥","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187226,"book_id":1238,"shamela_page_id":36,"part":"1","page_num":49,"sequence_num":36,"body":"يوسف ٦٧: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ .\rالطور ٤٦: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ .\rالمرسلات ٣١: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ .\rالغاشية ٧: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ .\rالنجم ٣٦: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ومعها يس ٢٣ والتحريم.\rالجاثية ١٩: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .\rعبس ٣٧: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .\rإبراهيم ٢١: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ؟ ومعها آية غافر ٤٧.\rولا يمكن أن يفسر الإغناء في أي موضع منها بالإثراء.\r* * *\rوجاء الغنى بمعنى الاستغناء، في مثل آيات:\rالتغابن ٦: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .\rعبس ٥: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ .\rالعلق ٧: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187227,"book_id":1238,"shamela_page_id":37,"part":"1","page_num":50,"sequence_num":37,"body":"وفرق القرآن بين الغنى والمال، فقد يكون الغنى مع الفقر المالي كما في:\rآية البقرة ٢٧٣: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ .\rونظيره نفى الغنى مع المال والثراء، في مثل آيات:\rالمسد ٢: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ .\rالحاقة ٢٨: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ .\rالليل ١١: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .\rالجاثية ١٠: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾ .\rومعها ىية الحجر ٨٤. وآيات آل عمران ١٠، ١١٦ والمجادلة ١٧: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ .\rوالغني، من أسماء الله الحسنى، ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ . وقد ورد في القرآن سبع عشرة مرة، وليس من أسمائه تعالى \"الثري\".\rوأن يكن القرآن استعمل الغنى للمال في مثل آيات (النساء ٦، ١٣٠، ١٣٥ وآل عمران ١٨١ والتوبة ٩٣ والحشر ٧) فلسنا نعرف أن الرسول ﷺ قد أثرى بعد المبعث أو اقتنة مالاً، بل لا نعرف أن مستوى حياته قد تغير مادياً، بعد أن أفاء الله عليه ما أفاء من غنائم، فحمل الغني على الثراء المالي، ولا يعين عليخ ما نعلم من سيرة الرسول ﷺ من تعفف وتجمل مع فقر، ومن قناعة وزهد وتواضع في المأكل والمشرب والمسكن، بعد أن سعت إليه الدنيا. ولو كان غنى المال مما يعده الله من نعمه على رسوله في الدنيا، لكان هناك من كشركي قريش، أمثال أبي لهب وأبي سفيان، وأبي جهل بن هشام، من هم أولى بذاك، على ما نعلم ويعلم المفسرون مما قاسى المصطفى من فقر مالي، في صباه، ثم بعد المبعث في محنة الحصار يشعب أبي طالب، وعلى ما صحت به الأخبار من بساطة حياته ﷺ، بعد أن أتم الله عليه بالنصر نعمته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187228,"book_id":1238,"shamela_page_id":38,"part":"1","page_num":51,"sequence_num":38,"body":"وإنما أغناه الله بالتعفف وسد الحاجة، فلم يذله فقر المال، كما لم يكسر اليتم نفسه، بل وقاه الله وقاية نفسية معنوية من آثار اليتم والفقر والضلال، وليست وقاية مادية ترد إليه آباه الذي مات قبل مولده، وتملأ خزانته بالمال، وتهييء له رغد العيش.\rواليتم مظنة الضياع والقهر:\r﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ .\rوالفقر مظنة الذل والعوز، وقد وجد الله محمداً يتيماً عائلاً، فأعفاه سبحانه، منذ كان، من تلك الآثار البغيضة، وسلم جوهرهُ من الآفات التي كان معرضاً لها بحكم يتمه وعيلته، وبذلك تم فيه الاستعداد النفسي لتلقي الرسالة الكبرى التي بعث بها لقي الناس من المذلة والهوان والضلال.\rواستعمل القرىن في الآيات الثلاث، الفعل ﴿وَجَدَ﴾ وهو من أفعال القلوب ولم يقل مثلاً: أما كنت يتيماً، وكنت عائلاً، فسيطر الجو المعنوي النفسي على الموقف، وتهيأت للرسول الطمأنينة الوجدانية لتلقى الآيات الكريمة.\rوفي حذف كاف الخطاب من: \"فآوى، فهدى، فأغنى\" قال مفسرون بالحذف لرعاية الفواصل. وهو ما لا نرى البيان العالى يتعلق به. وأولى منه قول من قالوا بالحذف لدلالة صريح السياق على المخاطب. ونضيف إليها فائدة الإطلاق، فتحتمل: فآواك وآوى برسالتك اليتامى والمستضعفين، فهداك وهدى بك أمتك، فأغناك وأغناها بك.\r* * *\r﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .\rقال المفسرون هنا في قهر اليتيم: لا تغلبه على ماله وحقه لضعف حاله.\rوقال أبو حيان: إنه التسلط بما يؤذى، ومنع اليتيم حقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187229,"book_id":1238,"shamela_page_id":39,"part":"1","page_num":52,"sequence_num":39,"body":"ونرى الإيحاء النفسي للكلمة القرآنية ﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾ أعمق وأدق من أن يضبط بهذه التفسيرات المحدودة، فلا الظالم، ولا التسلط بما يؤذى، ولا منع الحق، ببالغ في التأثير ما يبلغه قوله تعالى: فلا تقهر. إذ يجوز أن يقع القهر، مع إنصاف اليتم، وإعطائه ماله، وعدم التسلط ع��يه بالأذى: لأن حساسية اليتم، بحيث تتأثر بالكلمة العابرة، واللفتة الجارحة عن غير قصد، والنبرة المؤلمة بلا تنبة، وإن لم يصحبها تسلط بالأذى أو غلبة على ماله وحقه.\rوالقهر في اللغة: الغلبة، وقد جاء من المادة في القرآن صيغة القهر (الأنعام ١٨، ٦١) وقاهرون (أعراف ١٢٧) والقهار (يوسف ٣٩، الرعد ١٦، ص ٦٥، الزمر ٤، إبراهيم ٤٨، غافر ١٦) .\rوكل قاهر، وقهار، وفي القرآن الكريم، من صفات الله تعالى، مع إقتران القهار بالواحد، في الآيات الست التي وردت فيها: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .\rوفي هذا ما يؤذن بأن المخلوق لا يحل له أن يتسلط بالقهر على مخلوق مثله، فكيف باليتيم المحتاج إلى الرعاية والعطف؟!\rوجاء منه ﴿قَاهِرُونَ﴾ على لسان فرعون في آية الأعراف:\r﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ انتحالاً لصفة الربوبية ممن حشر فنادى ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ .\rأما الفعل من القهر، فلم يأت في القرىن كله، في غير آية الضحى، خاصة باليتيم، وجاء دع اليتيم تكذيباً بالدين في آية الماعون:\r﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ بما في الدع من قسوة الدفع والزجر.\rوآية الفجر: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ .\r* * *\rوفي \"السائل\" قيل: هو المستجدي، وقيل هو طالب العلم (الزمخشري والنيسابورى) وصرح غبن القيم بأن ﴿آية الضحى تتناولهما معاً\" يعني: سائل المعروف والصدقة، وطالب العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187230,"book_id":1238,"shamela_page_id":40,"part":"1","page_num":53,"sequence_num":40,"body":"واختار \"الطبري\" كل ذي حاجة.\rواختار الشيخ محمد عبده: المستفهم عما لا يعلم، وهو عندنا أولى بالمقام، ويؤيده الاستئناس بالاستعمال القرآني لمادة ﴿سْأَلُ﴾ حيث ترد كثيراً في هذا المعنى، كما يرجحها سياق الآيات قبلها.\r* * *\rأما النعمة، فهي النبوة عند جمهرة المفسرين، وخصها قوم بالقرآن، واتجه بها الشيخ محمد عبده إلى الغنى بعد عيلة في نسق السورة، مقابلة لقوله تعالى\" ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ .\rقال: \"وقد يقال إن المراد بالنعمة النبوة، ولكن سياق الآيات على أن هذه الآية مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ فتكون النعمة بمعنى الغنى، ولو كانت بمعنى النبوة لكانت مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ \".\rأما الزمخشري، فرد النعمة إلى ما سبق من إيواء، وهداية، وإغناء.\rوعم بعضهم بها جميع النعم.\rواالفظ - لغة - يحتمل هذا، ففي العربية من الاستعمالات الحسية للمادة: الناعمة الروضة، والتنعيمة شجرة ناعمة الورق، والنعم الإبل والشاء. ومن معاني النعمة: الفرح والمسرة، والإكرام، والحفض، والدعة، والرفاهة، والعطية، واليد البيضاء الصالحة.\rوتتبع المادة في القرآن، لا يمنع - والله أعلم - شيئاً مما قاله المفسرون، وإن كنا نلمح لها في آية الضحى دلالة خاصة، يوحى بها السياق. وقد التفت \"الزمخشري\" - كما رأينا - إلى صلتها بما قبلها من إيواء وهدى وإغناء، وبقى ملحظ آخر، وهو ما تعلق بالنعمة: \"فحدث\" وفيه ما يوجه إلى دلالة خاصة للنعمة في هذه الآية.\rقال المفسرون في التحديث بالنعمة: إنه شكرها وإشاعتها، واحتاط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187231,"book_id":1238,"shamela_page_id":41,"part":"1","page_num":54,"sequence_num":41,"body":"جماعة - منهم الزمخشري والفخر الرازي وتابعهما الشيخ محمد عبده - فذكورا في التحدث بنعمة الله \"أنه إنما يحسن حين لا يك��ن ذلك عن رياء أو تشبه بأهل السمعة\".\rوهو احتياط في غير موضعه، فماذا كان يظن به ﷺ أن يقول في التحدث بنعمة الله مما يشتبه بالرياء والسمعة؟ ومن أي السبل يمكن أن نتصور احتمال الرياء والتشبه بأهل السمعة، ممن اصطفاه الله تعالى خاتماً للنبين، وقال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ؟\rوحمل التحدث هنا على الشكر، إذا سمح به الاستعمال اللغوي، فإن السياق لا يعين عليه، وإنما التحدث هنا، هو صريح ما تعلق به مما يتصل بمهمة الرسول التي اصطُفى لها، وهو أن يبلغ رسالة ربه. ومن هنا نؤثر أن تكون النعمة هنا، مهما يكن من دلالاتها المعجمية اللغوية، هي الرسالة، أكبر النعم التي يؤثر بها نبي مرسل.\rوقد التفت \"الرازي\" إلى ملحظ، يتصل بترتيب الآيات الثلاث الأخيرة في السورة، ولكن على غير الوجه الذي ذكره الشيخ محمد عبده فيما نقلنا له من قول.\rففي الآيات الثلاث، قدم الله النهي عن قهر اليتيم، ونهر السائل، على التحدث بنعمته تعالى، ويقول الرازي في ذلك \"إن الله أخر حق نفسه وهو الشكر، وقدم حق اليتيم والسائل، لأنه غني وهما محتاجان، وتقديم حق المحتاج أولى\"، كما لحظ اعتباراً آخر، وهو: \"أنه تعالى وضع في حظهما الفعل، ورضى لنفسه بالقول\" يعني التحدث بنعمته.\rولا بأس بالملحظين كليهما. وقد نرى في ترتيب الآيات، أنع تعالى، نبه رسوله الكريم إلى أن إصلاح الجماعة، يأنى في المنزلة الأولى من الإعتبار والتقدير، حين أجمل له في هذه الآيات الكريمة من مهمة رسالته: أن تدفع ذل الفاقدين، وقهر اليتامى، وحيرة السائلين، ففي رسالة إصلاح وهداية أمر النبي ﷺ بالتحدث بها وتبليغها \"فهل عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ\"؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187232,"book_id":1238,"shamela_page_id":42,"part":"1","page_num":55,"sequence_num":42,"body":"سورة الشرح\r﷽\r﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) ﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187233,"book_id":1238,"shamela_page_id":43,"part":"1","page_num":57,"sequence_num":43,"body":"السورة مكية، نزلت بعد سورة الضحى، واقترنت بها في رواية تقول إن الضحى والشرح سورة واحدة لما يبدو من المناسبة في سياق تعدد النعم، بين قوله تعالى في سورة الضحى: ألم يجدك يتيماً فآوى. . . وقوله في الشرح: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. . .\rورده \"النيسابورى\" قائلاً:\r\"وفيه ضعف، لأن القرآن كله في حكم كلام واحد. . . على أن الاستفهام في الضحى وارد بصيغة الغيبة، وفي الشرح بصيغة المتكلم، وهذا مما يوجب المباينة لا المناسبة\".\rولم يشر الطبري والزمخشري والقرطبي إلى موضوع إقتران السورتين، كما لم يشر إليه علماء القراءات.\rوقال الشيخ محمد عبده: \"السورة مكية عند الجمهور، بل زعم بعضهمأنها تتمة لسورة الضحى، وعلى هذا تكون المنة بشرح الصدر، مبنية على عود الوحي والتبشير بما جاء في سورة الضحى\".\rقوله: إنما مكية عند الجمهور، يشعر بأن من المفسرين من ذهب إلى كونها مدنية، وقد قال \"البقاعى\" إنها مدنية بناء على \"ما يفهم من التقرير بشرح الصدر وما بعده. وهذا إنما كان بعد ظهور القوة، وبعد أن فتح الله على المسلمين ما فتح عليهم، وأكمل لهم النعمة بغلبة حقهم على باطل خصومهم\". ويرد على هذا، أن في كثير من السور المكية، ما يقرر قوة المسلمين، وغلبة حقهم على باطل خصومهم.\rوجاءت السورة في بعض التفاسير مثل الطبري باسم \"ألم نشرح\" وفي تفاسير أخرى: سورة الإنشراح.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187234,"book_id":1238,"shamela_page_id":44,"part":"1","page_num":58,"sequence_num":44,"body":"وأكثر المفسرين على أن الشرح هنا هو الفسحة والبسط والتوسعة، وهو قريب من الصل اللغوي للفظ الشرح، لكن المفسرين زادوه تفصيلاً ببيان ما كان من هذا الشرح، فقال الطبري: \"إنه الشرح للهدى والإيمان بالله ومعرفة الحق. . . وجعلنا صدرك وعاء للحكمة\".\rوقال الومخشري: \"شرحنا لك صدرك، فسحناه حتى وسع هموم النبوة، أو حنى احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم. أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل\".\rوقال الشيخ محمد عبده: \"وقد شرح الله صدر نبيه بإخراجه من تلك الحيرة التي كان يضيق لها صدره، بما كان يلاقيه في سبيله من جمود قومه وعنادهم\".\rوهي معان متقاربة ومقبولة، على أن من المفسرين، كالنيسابورى، من أضاف إليها معنى مادياً، فساق في تفسير الشرح أحتمال أن تكون فسحاً حقيقياً لا مجازياً - للصدر، \"لما يروى من أن جبرائيل أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً وإيماناً\".\rوجاء مثل هذا في \"البحر المحيط\" عن إبن عباس.\rوكان ينبغي لمثل هذا التأويل، أن ينظر فيه إلى آيات شرح الصدر في القرآن، لنرى هل هي خاصة بنبينا ﵊، فتتعلق بالمروى في السيرة عن شق الملائكة صدره، أيام كان طفلاً ببادية بني سعد؟ أو أنها أقرب إلى الشرح المعنوي للإيمان والهدى؟\rو\"الراغب\" اتجه إلى قريب من هذا، حين ضم آية الضحى إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بسورة طه، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ بآية الزمر ٢٢، وتمامها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187235,"book_id":1238,"shamela_page_id":45,"part":"1","page_num":59,"sequence_num":45,"body":"﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .\rثم اطمأن بها إلى أن \"شرح الصدر بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه\".\rوآية طه خاصة بموسى ﵇، وبعدها\" ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . وآية الزمر نزلت فيمن \"شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه\" ولا مجال لقول بشق الصدر وانتزاع القلب ثم غسله وتطهيره، مما ذكر النيسابورى وأبو حيان، عن إبن عباس، في تأويل آية الشرح.\rوفي القرآن الكريم من آيات شرح الصدر. غي ما ذكره الراغب آيتا:\rالنحل ١٠٦: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ .\rالأنعام ١٢٥: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .\rوالآيات الخمس مكية. والشرح فيها جميعاً للصدر.\rوقد افترنت بالنور في آيتي الزمر والأنعام، وباليسر في آيتي طه والشرح، ومع اليسر في الأولى حل العقدة من اللسان، وفي الثانية رفع الوزر.\rوقوبلت فب \"آية النحل\" بغفلة الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187236,"book_id":1238,"shamela_page_id":46,"part":"1","page_num":60,"sequence_num":46,"body":"وفي \"الزمر\" بقسوة القلب والضلال المبين، وفي \"الأنعام\" بضيق الصدر وحرجه ورجس الكفر......\rوهذا التتبع، يزيدنا بعدا عن المعنى المادي لشرح الصجر، ويجعلنا أكثر طمأنينة إلى أنه هدى الإيمان ونور الحق وراحة اليقين والسلام النفسي.\rوشرح الصدر للكفر، في سياق الوعيد بآية النحل، شاهد بأن الأمر فيه معنوي خالص......\r* * *\rوكونه طمأنينة نفس، وهدى إيمان، وارتياحاً إلى اليقين، يجعلنا نتردد في تفسير الصدر هنا بالجارحة كما ذهب النيسابورى، أو أنه \"قوي الشهوة والهوى والغضب\" ونحوها مما عده \"الراغب\"..... لنحتكم في هذا إلى اتلقرآن نفسه، حيث جاء لفظ ﴿صَدْرً﴾ بصيغة المفرد، عشر مرات، كلها بلا استثناء، إما مع الشرح في الآيات الخمس التي أشرنا إليها، وإما مع الضيق والحرج في آيات:\rهود ١٢: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ .\rالأعراف ٢: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ .\rالحجر ٩٧: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ .\rخطاباً للرسول ﷺ.\rومعها آية الشعراء، حكاية عن موسى ﵇:\r﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ ١٢، ١٣.\rواألأنعام ١٢٥: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .\rوجاءت ﴿صُدُورِ﴾ جمعاً في آيات كثيرة، منها ما اقترن بالشفاء ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ التوبة ١٤، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يونس ٥٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187237,"book_id":1238,"shamela_page_id":47,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":47,"body":"أو وسوسة الشيطان في آية الناس:\r﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ .\rوبالغل في آيتي الأعراف ٤٣ والحجر ٤٧: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ .\rوالحصر، في آية النساء: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ٩٠.\rوالرهبة، في آية الحشر: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ١٣.\rوليس شيء من هذا كله، بالذي يجنح إلى معنى مادي كشق الصدر الذي هو جارحة. ولا مجال معه، لتزيد لا يحتمله صريح السياق، مما أفاض المفسرون في ذكره من علوم وحكمة.....، وهذه آيات القرآن جميعاً في الصدور، لا تأذن لنا في مثل هذا التزيد، وهي في سياق الإيمان والهدى ونور الله والشفاء، أو الضيق والحرج والعسر والطمس والضلال والغل......\r* * *\rوتكلم مفسرون عن الاستفهام في الآية. قال الزمخشري: \"إنه استفهم عن انتقاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك\".\rعلى ما بين تأويله، ونص الآيات المحكمات من تفاوت بعيد دقيق، يدرك الإعجاز البياني فيه ولا يوصف، وبحسبنا أن نضع عبارته في التأويل تجاه الآية، لندرك بعد ما بينهما.\rوإذا لم يكن بد من توجيه الاستفهام ف�� الآية، فهو على وجه التقرير كما قال أبو حيان، لا الإنكار كما ذهب الزمخشري.\rوالتفت بعضهم كذلك إلى نون المضارعة في \"شرح\" فذكروا أن \"فائدة العدول من المتكلم إلى الجمع، إما تعظيم حال الشرح، وإما الإعلام بتوسط الملك جبريل في ذلك الفعل\"!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187238,"book_id":1238,"shamela_page_id":48,"part":"1","page_num":62,"sequence_num":48,"body":"وهو ما لا نقف عنده طويلاً، فلسي تحدث الله ﷻ عن ذاته بصيغة الجمع، بالأمر الذي يوقف عنده أو يتأول له وسيط ثان يسوى الصنعة اللغوية في العدول عن الواحد إلى الجمع في \"نشرح\" والشارح هنا هو الله ﷻ، رب السموات والأرض وما بينهما، وإن أحدنا، معشر العباد، ليتحدث عن نفسه بصيغة الجمع فلا نتكلف وسيطاً ثانياً يسوغ هذا العدول من الواحد إلى الجمع!!\rوقيل في ﴿لِكِ﴾ هنا، إنها زيادة يستقل المعنى بدونها!! وفائدة زيادتها \"أنها لإيضاح بعد إبهام، كأنه قيل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ففيهم أن ثم مشروحاً، ثم قيل ﴿لِكِ﴾ فأوضح ما علم مبهماً.... وكذلك، في: ﴿لَكَ ذِكْرَكَ﴾ و ﴿عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ .\rومقتضى هذا التأويل، الوقف عند نشرح - ووضعنا، ورفعنا - لتأتي ﴿لِكِ﴾ بعدها فتوضح الإبهام. ولا نعلم أحداً من القراء قرأها بالوقف، بل الإجماع على قراءتها وصلاً. ثم إن الإيهام فيه - إن جاز القول به - يرتفع حتماً بقوله: ﴿صَدْرِكَ﴾ دون حاجة إلى ﴿لِكِ﴾ وكذلك يتضح الإبهام في الآيات بعدها بكاف الخطاب في ﴿وِزْرَكَ، ذِكْرَكَ﴾ .\rو\"النيسابورى\" خانه التعبير، فتأول وضع ﴿لِكِ﴾ هنا بالإقحام، على ما لهذا اللفظ، في الحديث عن القرآن الكريم، من جفوة وغلظ، وعنده أن \"فوائد إقحام، لك: الإجمال ثم التفصيل، وإرادة الاختصاص، أو كونه أهم\".\rوالأمر أبسط وأوضح من أن نتعثر في تأويله، فمن مألوف البيان العربي أن يأتي بمثل هذا الأسلوب، لا عن زيادة أو إقحام، أو إرادة الإجمال ثم التفصيل، وإنما للتقرير وتأكيد الاختصاص وتقوية الإيصال. وأظن أن هذا هو ما لمحه الشيخ محمد عبده حين قال: \"والإتيان بالجار والمجرور - لك، وعنك -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187239,"book_id":1238,"shamela_page_id":49,"part":"1","page_num":63,"sequence_num":49,"body":"وتقديمه على المفعول في الآيات الثلاث، لزيادة التقرير والإسراع بالتبشير\".\rومثل هذا مألوف في أساليب العربية تقول: أرح لي بالي، وأزل عني شكي وأسمع مني نصيحتي، فلا يقال إن \"لي، وعنى، ومنى، مقحمة أو زائدة، وإنما هي ضرورة بيانية اقتضاها المقام.\rولنا أن نستأنس هنا بأسلوب القرآن في مثل آيات:\rطه ٢٥: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ .\rآل عمران ١٩٣: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ .\rلنطمئن إلى أن ليس في الأمر زيادة لا إقحام!\r* * *\r﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾\rالوضع الحطُّ والإلقاء والطرح زالإسقاط، وأكثر ما يستعمل فيما يثقل ويرهق. استعمل الوضع في الولادة، وليس أثقل من الحمل فيها، وقد جعله الزمخشري\" من الاستعمالات المجازية للوضع في (أساس البلاغة) ومنه في القرآن الكريم آيات:\rآل عمران ٣٦: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ .\rالأحقاف ١٥: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ .\rالطلاق ٤، ٦: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ......﴾\r﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .\rفاطر ١١: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ . ومعها: آية فصلت ٤٧.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187240,"book_id":1238,"shamela_page_id":50,"part":"1","page_num":64,"sequence_num":50,"body":"وهذا الملحظ. من وضع المرهق، ولا نخطئه في الاستعمال المجازى للمادة كذلك، في مثل قولهم: وضعت الحرب أوزارها، ووضع عنه الجناية، أسقطها....\rوجاء الوضع مع الحرب في:\rآية محمد ٤: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ .\rوالنساء ١٠٢: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ .\rومع الإصر والأغلال في آية الأعراف ١٥٧:\r﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ .\rومع الوزر في آية الشرح.\rفشهد هذا التتبع الاستقرائي، على أن الوضع ملحوظ فيه دائماً، التخفف من ثقل مرهق وحمل باهظ.\rوأصل الوزر: الجبل، وسمى الملجأ وزراً ومنه آية القيامة:\r﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾\rوالوزير: الموازر، لأنه يحمل العبء، ومنه في القرآن آيتا (طه ٢٩، والفرقان ٣٥)\rفي ﴿هَارُونَ﴾ وزيراً لموسى، عليهما تاسلام.\rونقل الوزر إلى العبء الثقيل:\rالمادي ومنه في القرآن آية (طه ٨٧) في بني إسرائيل الذين أضلهم السامري:\r﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ .\rوآية (محمد ٤) : ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ .\rوالمعنوي في الوزر الإثم، وجمعه أوزار كالذي في آيات: (الأنعام ٣١، ١٦٤، فاطر ١٨، الزمر ٧، النحل ٢٥، طه ١٠٠)\rومعها ﴿وَازِرَةٌ﴾ في آيات: (الأنعام ١٦٤، الإسراء ١٥، فاطر ١٨، الزمر ٧، النجم ٣٨)\rوالوضع للوزر في آية الشرح، يؤكد ثقل العبء، كما تؤكده الآية بعدها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187241,"book_id":1238,"shamela_page_id":51,"part":"1","page_num":65,"sequence_num":51,"body":"﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ .\rوالإنقاض في الاستعمال اللغوي والقرآني - كليهما - هو الحل والانتثار، والتمزق تحت ضغط ثقيل معاناة.\rذكر فيه أبو حيان قوله أهل اللغة: ﴿أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل. وسمعت نقيض المرجل أي صريره\".\rومثله في تفسير: النيسابورى\" للآية.\rوقول الشيخ محمد عبده: ﴿نقيض الظهر، الصوت الذي يحدث فيه لثقل الحما\" قريب من قول الزمخشري: \"هو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله\".\rورفض \"الراغب\" أن يكون الانتقاض هو الصوت، قال: \"وحقيقة الانتقاض ليس الصوت، إنما هو الذي يحدث منه الصوت\" يعني تحت الضغط والمعاناة.\rونؤثر أن يكون الإنقاض من الإثقال الذي يحل الظهر، كي نستبقى للكلمة دلالة الحل التي لا تنفك عن استعمال القرآن لها، مادياً في آية النحل ٩٢ ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ ومعنوياً في تقض العهد: (البقرة ٢٧، الأنفال ٥٦) ، أو الميثاق: (الرعد ٢٠، ٢٥ والنساء ١٥٠، المائدة ١٣) أو الإيمان (النحل ٩١) .\rويبقى تحديد هذا العبء الباهظ الذي يحل الظهر فمن الله على رسوله ﵊، بأن وضعه عنه. وقد ذهب المفسرون في تأويله مذاهب شتى، كقوله الراغب: \"هو ما كنت فيه من إصر الجاهلية، وأعفيت منه بما خصصت به، عن تعاطي ما كان عليه قومك\" وقال أبو حيان: \"كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبر عن ذلك بالحط على سبيل المبالغة في اتفاء ذلك\" وفي الطبري: \"ووضعنا عنك وزرك، أي وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كن�� فيها، وحللنا عنك وقرك الذي أثقل ظهرك فأوهنه\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187242,"book_id":1238,"shamela_page_id":52,"part":"1","page_num":66,"sequence_num":52,"body":"ونقل عن \"قتادة\": \"كانت للنبي ذنوب قد أثقلته فغفرها تعالى له. وسمعت الضحاك يقول في آية ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ يعني الشرك الذي كان فيه\" والأولى عندنا أن يقال: الشرك الذي كان فيه قومه.\rوقيل: ما أثقل ظهره لما صدر عنه من بعض الصغائر قبل النبوة، ولما جهله من الأحكام والشرائع، أو لما كان تهالك عليه من إسلام أولى العناد..... وقيل المراد بالوزر أعباء الرسالة..... وقيل: الحيرة التي كان فيها قبل المبعث.\rوصرح الشيخ محمد عبده بأن \"الكلام على التمثيل، فإن ما كان يحمله ﵇ من ثقل الإهتمام بشأن قومه، وضيق المذاهب بين يديه قبل تواتر الوحي عليه بالإرشاد، لم يكن ثقلاً حسياً ينقض منه الظهر، ولكنه كان هماً نفسياً يفوق ألمه ألم ذلك الثقل الحسي الممثل به، فعبر عن الهم الذي تبخع له النفوس بالحمل الذي تقصم له الظهور\".\rوهو ما نستريح إليه، ونؤيده بما ذكرنا في تفسير آية الضحى: \"وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ فالوزر في الآية هو من: ضلال الحيرة وعدم الاهتداء إلى سواء السبيل، حتى هداد الله ووضع عنه ذلك الوزر الذي بلغ من فداحة ثقله أن أنقض ظهره، لفرط ما كان يشعر به قبل المبعث من وطأة الحيرة، وصلال السبيل إلى الحق الذي تطمئن به نفسه.\r* * *\r﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .\rالرفع في اللغة الإعلاء، يكون حسياً مادياً كرفع البناء ورفع القواعد، ومنه في القرآن من الاستعمال الأول مثل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ .\rثم يكون معنوياً مجازياً كارتفاع الدرجة والمنزلة.... مثل: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187243,"book_id":1238,"shamela_page_id":53,"part":"1","page_num":67,"sequence_num":53,"body":"أما الذكر فهو استحضار ما أحرز بالحفظ، وقال \"الراغب\" في المفردات: \"الذكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللسان. وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر عن إدامة حفظ\".\rوفي تفسير الطبري: \"يقول: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ فلا اذكر إلا ذكرت معي. وبنحو ذلك قال أهل التأويل. قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله\" - ومثله في (البحر المحيط لأبي حيان) .\rوفصله \"الومخشري\": \"قرن ذكر الرسول بذكر الله في كلمة الشهادة، والأذان، والإقامة، والتشهد، والخطب، وفي غير موضع من القرآن: والله ورسوله أحق أن يرضوه.... ومن يطع الله ورسوله...... وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وفي تسمية: رسول الله ونبي الله\"، ثم أضاف: ﴿ذكره ﷺ في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم العهد أن يؤمنوا به\".\rوهو بنصه ما في غرائب النيسابورى.\rواختار الشيخ محمد عبده من هذا كله: \"أن الله هداه إلى إنقاذ أمم كثيرة من رق الأوهام وفساد الأحلام، ورجع بهم إلى الفطرة السليمة.... هذا إلى ما فرض الله من الإقرار بنبوته والإعتراف برسالته بعد بلوغ دعونه، وجعلها شرطاً في دخول جنته\".\rواتلأقوال متقاربة، يمكن أن ترد جميعاً إلى ما رواه \"الطبري\" من أقوال أهل التأويل.\rونضيف إليها من الملاحظ البيانية للذكر المرفوع، أن كلمة الذكر تضاف، أكثر ما تضاف إلى اسمه تعالى ظاهراً: ذكر الله، ذكر ربك..... أو إلى ضميره جل شأنه: (ذكرى) وفي القرآن منها ستة مواضع، كلها لله ﷻ (الكهف ١٠، طه ١٤، ٤٢، ١٢٤، المؤمنون ١١، ص ٨) و (ذكرنا) مرتين كلتاهما لله تعالى: الكهف ٢٨، النجم ٢٩.\rوجاء الذكر معرفاً بأل، بمعنى الوحي أو القرآن الكريم، في الحجر ٦، ٩، ص ٨، القمر ٢٥ فصلت ٤١، النحل ٤٤، الفرقان ١٨، يس ١١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187244,"book_id":1238,"shamela_page_id":54,"part":"1","page_num":68,"sequence_num":54,"body":"وهذا مما يضفى على كلمة الذكر جلالاً ورفعه، لكبرة ما تفترن بذات الجلالة، أو تضاف إلى ضميره جل شأنه، أو يقصد بها القرآن والوحر.\rفإذا قال الله لعبده ورسوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ بلغ بهذا أقصى المدى من الإيناس والرفعة، لما يخف بلفظ الذكر من علو قدر.\rوتسغى النبوة عن تحديد هذا الرفع للذكر بكذا وكيت مما عده أصحاب التأويل، فحسب محمد أن اصطفاه الله رسولاً، ليكون له من هذا الاصطفاء ما يجاوز كل مطمح لبش يتيم عائل، إبن امرأة من قريش تأكل القديد.\rولهذه البشرية التي قررها القرآن أصلاً من أصول العقيدة، حسابها في تقدير ما للنبوة هنا من رفعه ذكر وجلال قدر، وهي حسبنا، في فهم آية: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ على هدى ما رأينا من كثرة إقتران الذكر في القرآن بالله جل جلالة، واطراد استعماله - معرفاً بأل - علماً على القرآن الكريم والوحي المنزل.\r* * *\r﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ .\rفي الفاء هنا، مع معنى الترتيب دلالة السببية، فهي تقرر مل يترتب على ما سبق بيانه من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر. وهذا التقرير يأتي مؤكداً بإن، ثم يقوى التأكيد فيه بتكرار الجملة مرتين نفياُ للشك وتقوية للإيناس. والبلاغيون يعدون التكرار، من الإطناب الذي يزيد على المساواة، ويلفتنا من البيان القرآني، أن التكرار يأتي في قصار السور - ومنه القدر، والتكاثر، والكافرون، والناس - حيث لا مجال في مثلها لقول بالإطناب، ولا يكون التكرار إطناباً مع حاجة المقام إليه.\rوسورة الشرح قد نزلت مباشرة بعد الضحى التي جاءت على فترة من الوحي، فالتكرار فيها يرسخ في نفس المصطفى الطمأنينة إلى رعاية ربه ﷿، ويؤنسه ﷺ، إلى ما يستقبل من أمره.\rوسياق الآيات في الاستفهام التقريرى، وتقوية الإيصال بـ \"لك، عنك\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187245,"book_id":1238,"shamela_page_id":55,"part":"1","page_num":69,"sequence_num":55,"body":"يمهد لهذا التقرير الجازم الحاسم لكل شك، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.\rومن المفسرين، من التفت إلى استعمال \"مع\" هنا بدلاً من: بعد، أو ما أشبهها مما يفيد التفاوت الزمني. قال الزمخشري: \"إن \"مع\" للصحبة، ومعنى اصطحاب اليسر والعسر أن الله أراد أن يصيبهم - يعني المؤمنين - بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية وتقوية القلوب\".\rوهو ملحظ دقيق، وإن كان التعبير عنه قد أعوزته الدقة في موضعين: قوله: يصيبهم، في مقام البشرى، دون ضرورة بيانية تقتضيه، كما أن الآية تقوية للرسول بخاصة، لا للمؤمنين بوجه عام. والسياق قبلها وبعدها. يجعل هذا التخصيص أولى بالمقام.\rوقوله: حتى جعل اليسر كالمقارن للعسر.\rوقريب منه قول، النيسابروى: \"جعل الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء\" والشيخ محمد عبده: \"والتعبير بالمعية لتوثيق الأمل بأنه لابد منه، كأنه معه\".\rوالأولى إسقاط كاف التشبيه، وفهم الآيتين على أن اليسر مقترن بالعسر إذ تفيد \"مع\" المصاحبة، لا التشبيه.\rوالتفتوا كذلك إلى تعريف العسر وتنكير اليسر في الآيتين كلتيهما. ورووا في ذلك حديثاً على النبي ﷺ: \"لن يغلب عسر يسرين\".\rفسره الفراء والزجاج: \"العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود سابق قينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكأن أحدهما غير الآخر.....\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187246,"book_id":1238,"shamela_page_id":56,"part":"1","page_num":70,"sequence_num":56,"body":"وفي البحر المحيط: \"وقيل: مع كل عسر يسران، من حيث إن العسر معرف بالعهد، واليسر منكر، فالأول غير الثاني\".\rوزيفة \"الجرجاني\" قال: \"من المعلوم أن القائل إذا قال إن مع الفارس سيفاً إن مع الفارس سيفاً، لم يلزم منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان\".\rوتوسع النيسابورى في افتراض إحتمالات شتى: إذا كان المراد بالعسر الجنس لا العهد، لزم اتحاد العسر في الصورتين، وأما اليسر فمنكر، فإن حمل الكرلا الثاني على التكرار مثل ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ونحوه، وكان اليسران واحداً، وإن حمل على أنه جملة مستأنفة، لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكراراً والمفروض خلافه. وإن كان المراد بالعسر المعهود، فإن كان المعهود واحداً وكان الثاني تكراراً كان اليسران أيضاً واحداً، وإن كان مستأنفاً كانا أثنين وإلا لزم خلاف المفروض. وإن كان المعهود أثنين فالظاهر إختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن يعاد اليسر الثاني معرفاً بلام العهد فهو واحد، والكلام الثاني تكرير للأول لتقريره في النفوس، إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايراً للأول لعدم لام العهد، ولعل هذا معنى الحديث، إن ثبت والله أعلم ورسوله، فإن لم تثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر وإختلاف اليسر، وحينئذ يكون فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الله\".\rوالذي في جمهرة التفاسير لا يكاد يخرج عن هذه الإحتمالات والإفتراضات التي تقصاها النيسابورى. وقد ذهبوا في تأويل اليسرين، بأنهما يسر العاجل، ويسر الآجل، قيل إنع ما تيسر لهم من الفتوح في أيام الرسول والخلفاء الراشدين، وقيل هو يسر الآخرة.\rوالأمر فيما نرى أوضح من أت نتكلف له هاتيك التأويلات المعقدة التي يغيب فيها وجه البيان لنصل آخر الأمر إلى أن يسرين لا يغلبهما العسر الواحد. أو أن الآية الثانية استئناف، \"فيكون معناها أهم من سابقتها\"!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187247,"book_id":1238,"shamela_page_id":57,"part":"1","page_num":71,"sequence_num":57,"body":"والذي نطمئن إليه، هو أن الآية الثانية تأكيد للأولى، لتقوية اليقين النفسي وترسيخ ما من الله به على عبده من شرح صدره ووضع وزره ورفع ذكره.\rوالراجح أن \"ال\" في العسر، للعهد لا للاستغراق، والمراد، والله أعلم، ما كان الرسول يشعر به من ضيق الصدر وثقل البء في مواجهة الوثنية العاتية الراسخة. أما تنكير يسر، فلكي ينفسح فيه مجال التصور والإطلاق فيحتمل ما قاله المفسرون وما لم يقولوه، إذ التحديد هنا بكذا أو كيت من مفهوم اليسر، ينافي البيان القرآني الذي آثر إطلاق \"يسر\" بغير قيد ولا حد.\rوالعسر أشد المشقة والمكابدة.\rوقد استعملت العربية العسر مادياً حسياً في أشد الضيق: فالعسر الناقة لم ترض، وعسرت المرأة ولادها، وعسرت الغريم إذا طلبت منه الدين على عسرته. ويأتي في القرآن وصفاً لليوم الآخر في شدته على الكافرين في آيات:\rالقمر ٨: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ .\rالمدثر ٩: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .\rالفرقان ٢٦: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ .\rكما استعمله في حالات الشدة البالغة والعنت القاسي في آيات:\rالليل ١٠: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .\rالطلاق ٦: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ .\rالطلاق ٧: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ .\rالتوبة ١١٧: ﴿وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ .\rالكهف ٣: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187248,"book_id":1238,"shamela_page_id":58,"part":"1","page_num":72,"sequence_num":58,"body":"وفي إرهاق المدين حين يطالب بالدين وليس معه مال:\rالبقرة ٢٨٠: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .\rوكثيراً ما يأتي اليسر في القرآن نقيضاً للعسر كما في آيات (الطلاق ٧، البقرة ١٨٥، ٢٨٠، المدثر ٩، الليل ٧، ١٠) و \"الراغب\" فسر كلاً اللفظين بأن أحدهما نقيض الآخر، واللغويون أيضاً فسروا العسر بنقيض اليسر، والمعاسرة ضد المياسرة، والمعسور ضد الميسور، والعسرى نقيض اليسرى. كما أطلقت العربية اليسر على الغنى، فقالوا أيسر الرجل إذا أستغنى، كما قالوا تيسر الأمر إذا سها وتهيأ على راحة وبلا معاناة. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .\r﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ .\r﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ .\r﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ .\rوهذا القدر يكفينا في فهم ما يوحي به لفظ العسر عن ضنك وضيق وعنت، وإدراك الوقع القوي العميق لكلمة \"يسر\" في هذا المقام، بما تحمل هذه الكلمة من معاني الإرتياح والسهولة والفرج، على الإطلاق.\r* * *\r﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾\rالفراغ في اللغة هو الخلو بعد امتلاء. يكون مادياً حسياً مثل: فرغ الإناء أي خلا بعد إمتلاء، ويكون معنوياً مثل: فرغ البال أي خلا مما كان يشغله، ومنه الآيات:\rالقصص ١٠: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾\rالأعراف ١٢٦: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ .\rوالبقرة ٢٥٠: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187249,"book_id":1238,"shamela_page_id":59,"part":"1","page_num":73,"sequence_num":59,"body":"وفرغ للأمر توفر له وأخلى نفسه من كل ما عداه. ومنه آية الرحمن:\r﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ .\rوإذا، ظرف لما يستقبل من الزمان. والفاء - فيها، وفي: فانصب - ملحوظ فيها إلى جانب المسببية، الترتيب الذي يأتي على التعاقب. فالفراغ متصل السبب بما سبقه من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر. كما يتصل به من ناحية أخرى، ما بعده من نصب.\rوالنصب ملحوظ فيه معنى الجهد والتعب، والقيام أو الشخوص. وكلا المعنيين - التعب والشخوص - أصيل في المادة، يقال: هم ناصب، أي مرهق مجهد. والحرب مناصبة، أي مجاهدة وعداء. ونصب العلم: أقامة شاخصاً، ونصب حول الحوض نصائب. وهي حجارة تكون عضداً له. والأنصاب الحجارة الشاخصة، كانوا ينصبونها ويصبون عليها دماء ال��بائح، واحدها نُصْبٌ ونُصُب. ونصبته للأمر حميلته عبئه، ومنه المنصب يحتمل المرء عبئه.....\rومعنى الشخوص والإقامة. أوضح في آية الغاشية ١٩:\r﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ .\rومعنى التعب والجهد متعين في آيات:\rالكهف ٦٢: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ .\rالتوبة ١٢٠: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ .\rفاطر ٣٥: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ .\rومعها: الحجر ٤٨.\rوالضمير في آيتي فاطر والحجر عائد على الجنة، حيث لا يمس المؤمنين فيها نصب ولا لغوب.\rويبدو من صنيع \"الراغب\" أنه يميل إلى تفسير آية الشرح. بأن النصب فيها من النصيب، أي القسم المنصوب الشاخص، قال: \"والنصيب الحظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187250,"book_id":1238,"shamela_page_id":60,"part":"1","page_num":74,"sequence_num":60,"body":"المنصوب أي المعين، قال تعالى: أم لهم نصيب من الملك، نصيباً من الكتاب، فإذا فرغت فانصب.\"\r\"والراغب\" يلتفت إلى ما في معنى النصب من الشخوص. ونؤثر أن نلتفت إلى ما فيه كذلك من معنى الجهد والتعب، مستأنسين بكل الآيات التي ورد فيها \"النصب\" حيث لا نخطئ فيها جميعاً معنى الجهد والتعب. وبالتعب فسرها النيسابورى والشيخ محمد عبده. وبالإجتهاد والمتابعة والمواصلى فسرها الزمخشري.\rوالآية لم تحدد مم يكون هذا الفراغ وفيم يكون النصب، إكتفاء بدلالة السياق، وجرياً على مألوف البيان القرآني في السكوت عن التحديد في مقام الإطلاق. لكن المفسرين، على عادتهم، أبوا إلا أن يحددوا متعلق الفراغ والنصب، وقد جاءوا بأقوال منها:\r* إذا فرغت من صلاتك فانصب إلى ربك في الدعاء وقضاء حاجاتك.\r* إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك.\r* إذا فرغت من أمر الدنيا فانص، أي فصل.\rوقد سرد الطبري هذه الأقوال الثلاثة، ثم عقب عليها بقوله: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال إن الله تعالى أمر نبيه أن يجعل فراغه من كل ما كان مشتغلاً به من أمر دنياه وآخرته (؟) إلى النصب في عبادته. ولم يخصص بذلك حالاً من أحوال فراغه جون حال، فسواء كل أحوال فراغه من صلاة أو جهاد أو أمر دنيا كان به مشتغلاً، لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوصحال فراغ دون حال أخرى\"\rواختار الزمخشري: \"فإذا فرغت من عبادة فأتبعها أخرى\" وهو ما في تفسير الشيخ محمد عبده، مع مزيد تفصيل وإطناب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187251,"book_id":1238,"shamela_page_id":61,"part":"1","page_num":75,"sequence_num":61,"body":"ويتعين أن نصل الآية ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ بسياق الآيات قبلها، بحكم وجود \"الفاء\" الرابطة للآية بما قبلها.\rالآية مسبوقة بتأكيد اليقين بأن هذا العسر يصحبه يسر لا محالة، والله منجز وعده لا ريب، وسيعقب هذا ما يعقبه من فراغ البال من الحيرة والضيق والكرب والضنك، بعد إذ من الله على عبده بأن شرح له صدره ووضع عنه وزره الذي أنقض ظهره، ورفع له ذكره.\rفإذا لم يكن بد من تحديد متعلق الفراغ، فلسنا بحيث نطمئن إلى شيء فيه، غير ما سبقت به الآيات المحكمات: وهو أنه سبحانه قد أفرغ بال رسولع مما كان يجهده من حيرة ويثقله من وزر ينقض الظهر...... هو فراغ اليسر بعد العسر، والراحة النفسية بعد الشدة والكرب، فلينصب المصطفى لتكاليف رسالته وأعباء منصبه، بلاغاً لرساله ربه، وجهاداً في سبيلها.\r* * *\r﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ .\rالرغب الميل والإرادة، يقال رغبت في الشيء إذا أردته وملت إليه، ورغبت عنه إذا لم ترده وزهدت فيه.\rوربما كانت \"السعة\" أصلاً في المادة، كما قال \"الراغب\". فالحوض الرغيب: الواسع، والسقاء الرغيب كذلك، وفرس رغيب العدو أي واسع الخطو في عدوه، والرغب والرغبى السعة في الإرادة، والرغبة والرغيبة العطاء الواسع الكثير. ومن ملحظ الميل إلى ما هو واسع ورحب، في الحوض وعدو الفرس والعطاء، أضيف إلى السعة معنى الميل والإرادة، فكانت الرغبة في الشيء الميل إليه وإرادته، والرغبة عنه الإنصراف عنه والزهد فيه. وقد تزداد الرغبة فتطلق على الشره، ومنه قولهم \"الرغب شؤم\" يعنون الشره.\rوفي الاستعمال القرآني، تأتي الرغبة في السياق الديني في مثل آيات:\rالبقرة ١٣٠: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ .\rمريم ٤٦: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187252,"book_id":1238,"shamela_page_id":62,"part":"1","page_num":76,"sequence_num":62,"body":"التوبة ٥٩: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ .\rالقلم ٣٢: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾\rالنساء ١٢٧: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ .\rالتوبة ١٢٠: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ .\rوجاء الرغب مع الرهب في آية الأنبياء ٩٠:\r﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ .\rوجاءت في غير السياق الديني، بمعنى الميل القوي.\rوالملحظ البياني في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ هو في تقديم ﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾ على الفعل أرغب، وهو أسلوب بلاغي يفيد القصر والتخصيص، والإمام الطبري يقول: ﴿أجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه إذا كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد\".\rوقال النيسابورى: \"وأرغب إلى ربك في إنجاز المأمول لا إلى غيره، يعطك خير الدارين\". وقال الشيخمحمد عبده: \"لا ترغب إلى أحد في استثمار أعمالك إلا إلى الله وحده\".\rوالآية ربطت بما قبلها بواو العطف، فلزم أن يكون التخصيص في \"وإلى ربك فأرغب\" مرتبطاً بما قبله، متصلاً به.\rووصل الآية بما قبلها، هو الذي يطرد به النسق وتتم وحدة السياق في السورة كلها فتتعلق رغبة المصطفى بالله وحده، الذي أفرغ بال رسوله مما كان يشغله من ضيق الصدر، ووضع عنه الوزر الذي أنقض ظهره، وبشره بيسر قريب، على وجه الذي لا شك فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187253,"book_id":1238,"shamela_page_id":63,"part":"1","page_num":77,"sequence_num":63,"body":"سورة الزلزلة\r﷽\r﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187254,"book_id":1238,"shamela_page_id":64,"part":"1","page_num":79,"sequence_num":64,"body":"السورة في وصف اليوم الآخر.\rوهي مدنية مبكرة، سادسة السور المدنية ��لى المشهور في ترتيب النزول. وثمة قول بأنها مكية، عن مجاهد وإبن عباس، وعن الضحاك وعطاء.\rومعروف أن عناية القرآن الكريم أتجهت في العهد المكي إلى تقرير أصول الدعوة وفي العهد المدني إلى التشريع وبيان الأحكام.\rولا يعني هذا أن تخلو السور المكية من أحكام تشريع، ولا أن تخلو المدنية من أصول عامة للعقيدة، مثل سورة الزلزلة التي نستأنس لها بنظائرها من السور المكية في اليوم الآخر، مثل سور:\rالذاريات، التكوير، الإنفطار، الإنشقاق، الغاشية، القارعة، التكاثر، العاديات، الفجر، النازعات، النبأ، المرسلات، القيامة، المعارج، الحاقة، الواقعة....\rومن الملاحظ البيانية العامة في هذه السور:\r* أن آياتها قصار، وهذا القصر ملحوظ فيه القوة والجزم، بما يلقى في نفس السامع من جدية الموقف الحاسم وخطره، بحيث لا يحتمل الإطالة والتأني.....\r* وفيها مع ذلك، ظاهرة التكرار. والتكرار مألوف في مواقف الإطناب والإطالة، لكنه حين يأتي في مواقف الإيجاز الحاسمة، يكون لافتاً ومثيراً، ففي سورة الزلزلة، على إيجازها وقسر آياتها، نجد التكرار في ثمانية مواضع. وذه ظاهرة أسلوبية في القرآن الكريم، يعمد لإيها إلى التكرار مع الإيجاز والقصر، ترسيخاً وتقريراً وإقناعاً. والدارسة النفسية قد انتهت بعد طول التجارب، إلى أن مثل هذا الأسلوب هو أقوى أساليب الترسيخ والإقناع، وأشدها إيحاء بالحسم والجد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187255,"book_id":1238,"shamela_page_id":65,"part":"1","page_num":80,"sequence_num":65,"body":"والألفاظ المختارة لموقف القيامة، بالغة الإثارة قوية الوقع إما بعنفها كالزلزلة، والرج، والدك، والنسف، والرجف، والمور، والصيحة والإنشقاق، والطامة، والغاشية، والواقعة، والبعثرة والانتثار.\rوإما بدقتها، كمثال الذرة، والهباء المنبث، والعهن المنفوش، والفراش المبثوث، والسراب والدخان.....\r* وظاهرة بيانية أخرى مطردة، قل أن نخطئها في أحداث اليوم الآخر، وهي أن القرآن الكريم يصرف الحدث عمداً عن محدثه، فلا يسنده إليه، وإنما يأتي به مبنياً للمجهول، أو مسنداً إلى غير فاعله، على المطاوعة أو المجاز:\r﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ .\r﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً....﴾\r﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ .\r﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا....﴾\r﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ.....﴾\r﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ .\r﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ .\r﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) ع��امِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187256,"book_id":1238,"shamela_page_id":66,"part":"1","page_num":81,"sequence_num":66,"body":"﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ .\r﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ .\r﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ .\r﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ .\r﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ .\r﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ .\rوقد شغل أكثر المفسرين والبلاغيين بتأويل الفاعل، عن الالتفات إلى إطراد هذه الظاهرة الأسلوبية. في أحداث القيامة.\rوفي منهجنا لا يجوز أن نتأول الفاعل، مع وضوح العمد في البيان القرآني إلى صرف النظر عنه، ولا أن نتعلق بما لم يشأ لنا الكتاب المحكم أن نتعلق به. وقد هدى تدبر هذه الظاهرة الأسلوبية، إلى أن البناء للمجهول تركيز للإهتمام بالحدث، بصرف النظر عن محدثه. وفي الإسناد المجازي أو المطاوعة، تقرير لوقوع الأحاث في طواعية تلقائية، إذ الكون مهيأ للقيامة على وجه التسخير، والأحداث تقع تلقائياً لا تحتاج إلى أمر أو فاعل.\r* * *\r﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ .\rالزلزلة في اللغة، الحركة العنيفة والإضطراب الشديد: استعمل في الحسيات، فقيل\" زلزل الإبل ساقها بعنف حتى يضطرب سيرها. وتزلزت الأرض، أهتزت وإرتجفت. ثم استعمل في الشدائد والأهوال. وربما كان الأصل فيه: زلت الصفاة، أي ملست حتى تنزل القدم عليها مضطربة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187257,"book_id":1238,"shamela_page_id":67,"part":"1","page_num":82,"sequence_num":67,"body":"وفي القرآن الكريم، وردت المادة، فعلاً ومصدراً ست مرات: ثلاثاً منها في وصف يوم الهول الأكبر، في آية الزلزلة، وآية الحج ١:\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ .\rوثلاثاً في وصغ موقف الشدة القاسية والذعر البالغ في هول الحرب بآيات:\rالأحزاب ١١: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدً﴾ .\rالبقرة ٢١٤: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ .\rوفي المرات الثلاث التي استعمل فيها الفعل، جاء ماضياً مبنياً للمجهول.\rقال مفسرون: إن الفاعل حذف للعلم به، غير ملتفتين إلى أنها ظاهرة أسلوبية مطردة في أحداث اليوم الآخر، وقد شغلهم الصنعة البلاغية، عن الالتفات إلى ما في القرآن من أفعال لاتحصى، بنيت للمعلوم مسندة إلى الله تعالى، مع العلم بالفاعل يقيناً، فهو سبحانه خلق السموات والأرض، ونزل القرآن على عبده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، والله يروق من يشاء بغير حساب، ويعلم الغيب، والرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان..... مما يؤنس إلى أن العلم بالفاعل ليس هو السر البياني في ب��اء ﴿زُلْزِلَتِ﴾ للمجهول، وإنما هي كما قلنا آنفاً، ظاهرة أسلوبية تطرد في مثل هذا الموقف، تركيزاً للإهتمام في الحدث ذاته، وإيحاء بأن الأرض تزلزل عن طواعية، وإستجابة لتسخير تلقائي......\rومجيء الفعل ماضياً، تقرير لأنه حادث فعلاً. وقد صدر بإذا، فصرفته إلى المستقبل دون أن يفقد التعبير أثره الذي يوحى به استعمال الماضي، بدلاً من المستقبل الصريح. على أن المباغتة في ﴿إذا﴾ لها اثرها في هذا الموقف،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187258,"book_id":1238,"shamela_page_id":68,"part":"1","page_num":83,"sequence_num":68,"body":"وهذه أيضاً ظاهرة أسلوبية، تسيطر على الحديث عن اليوم الآخر، الذي يأتي بغتة، إمعاناً في الترهيب، على ما سوف نفصله عند تفسير آية النازعات:\r﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .\rوندع لغيرنا من المفسرين، أن يشتغلوا بتسوية الصنعة الإعرابية، فيلتمسوا عاملاً مضمراً في إذا، تقديره عند بعضهم: اذكر، وعند آخرين: تحشرون. أي: يوم تزلزل الأرض زلزالها تحشرون.\rلأن سر البيان وراء كل هذا، ولأن مناط القوة في التعبير هو بغتة المفأجاة، وتأكيد الحدث، وصرف الذهن إليه، ولا شيء من ذلك يتعلق بما شغلوا به من تأول وتقدير.......\rوقرأ الجمهور ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بكسر الزاى وهي قراءة الأئمة السبعة، وفي قراءة بفتحها، والفرق بينهما أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم، وليس في الأبنية - كما قالوا - فعلال بالفتح إلا في المضاعف.\rوالمصدرية أولى بالمقام، لما فيها من تأكيد يلائم السياق. ويؤيده تعين المصدرية في الآية الأخرى التي استعمل فيها القرآن هذه الصيغة، وهي آية\rالأحزاب ١١: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ .\rوإضافة الزلزال إلى ضمير الأرض، متسق مع التلقائية الملحوظة في هذه الآية وما بعدها من إخراج الأرض أثقالها وتحدثها أخبارها. وفيها أيضاً لفت إلى المعهود المعروف من الزلزلة. ولا بأس بما قاله الزمخشري هنا من أنه \"زلزالها الشديد الذي ليس بعده زلزال\" وقول أبي حيان: \"وأضيف الزلزال إلى الأرض، إذا المعنى زلزالها الي تستحقه ويقتضيه جرمها وعظمها..... ولو لم يضف لصدق على كل قدر من الزلزال وإن قل، والفقر بين أكرمت زيداً كرامة وكرامته، واضح\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187259,"book_id":1238,"shamela_page_id":69,"part":"1","page_num":84,"sequence_num":69,"body":"﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ .\rجعل الأرض هنا فاعلة. وهي جماد، مضياً في تقرير مطاوعتها، وكونها مسخرة لمثل هذا. والسياق ملتئم مع الآية قبلها، من حيث تركيز الإهتمام على الحدث، دون شغل للسامع بمصدره أو محدثه.\rوتكرار الأرض هنا مقصود، لترسيخ اليقين، والإقناع النفسي.\rوالأثقال جمع ثقل، وهو الحمل الشديد. واللغويون والمفسرون، متفقون على أن الثقل هنا نقيض الحفة ونص \"الراغب\" على أن أصل استعماله في الأجسام ثم في المعاني. فمن الأول: أثقلت المرأة فهي مثقل، ثقل حملها في بطنها. ومن الثاني: أثقله الهم والغرم والدين، والوزر.\rوجاءت \"الأثقال\" في القرآن في ثلاث آيات: آية النحل ٧، والثقل فيها مادي، فيما تحمل الأنعام:\r﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ .\rوآية العنكبوت ١٣، والثقل فيها معنوي:\r﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُ��ْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .\rوآية الزلزلة: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ .\rفما هذه الأثقال التي تخرجها الأرض إذا زلزلت زلزالها؟\rذهب الزمخشري في (الكشاف) إلى أن الأثقال هي ما في جوفها من الدفائن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187260,"book_id":1238,"shamela_page_id":70,"part":"1","page_num":85,"sequence_num":70,"body":"والكنوز. ونص في (الأساس) على أن هذا من المجاز، جعل ما في جوفها من الجفائن أثقالاً لها.\rوفي (البحر المحيط) مما قيل في الآية، أن أثقالها كنوزها وموتاها.\rثم رد هذا الكنوز تخرج وقت الدجال (!) لا يوم القيامة، أما الموتى فتخرج يوم القيامة: وأبعدوا في التأول، فجعلوا للزلزال في الآية وقتين: في أولهما أخرجت كنوزها، وفي الثاني أخرجت موتاها!\rوأكتفى \"الطبرسي\" في تفسير الأثقال بالموتى.\rوقال \"الراغب\": قيل كنوزها، وقيل ما تصمنته من أجساد البشر، عند الحشر والبعث.\rولا نقف عندما لم يتعلق القرآن بذكره، بل يلفتنا في إخراج الأثقال هنا ما توحى به من إندفاع للتخلص من الثقل الباهظ، فالمثقل يتلهف على التخفف من حمله، ويندفع فيلقيه حين يتاح له ذلك. والأرض إذ تخرج أثقالخا تفعل ذلك كالمدفوعة برغبة التخفف من هذا الذي يثقلها، عندما حان الأوان. ونستأنس في هذا الفهم بقوله تعالى في سورة الإنشقاق:\r﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ . هكذا بغير إنتظار أو تمهل..... وهل تمسك المثقل حملها حين يأتي أوانه؟ وهل يتردد ذو حمل ثقيل، في إلقائه والتخلي عنه إذا أتيح له ذلك؟\rوالتأويل بـ: وأخرجت الأرض ما في جوفها، يضيع به هذا الإيحاء المثير، اللافت إلى المعهود من لهفة ذي الحمل الثقيل على التخلي عما يئوده ويبهظه.\rويلفتنا أيضاً، إسناد الإخراج مجازاً إلى الأرض، مع ﴿زُلْزِلَتِ﴾ على البناء للمجهول، مضياً في تقرير تلقائية الحدث، كأنه في غير حاجة إلى محدث، وتركيزاً للإنتباه فيه.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187261,"book_id":1238,"shamela_page_id":71,"part":"1","page_num":86,"sequence_num":71,"body":"﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾\rالسؤال واضح فيه معنى العجب والدهشة، والخوف والقلق والترقب. لكن من المفسرين - كما في الجلالين - من ذهب إلى أن الاستفهام إنكاري. وهو ما لانرى وجهاً له فإن الموقف لم يعد يحتمل الإنكار وقد قامت القيامة فعلاً، بعد أن سبقت بها النذر، وتتابعت بأنبائها رسالات الدين.\rوالإنسان هنا هو الإنسان، على الإطلاق، تروعه الزلزلة العنيفة وما أعقبها من لإخراج الأرض أثقالها، فيسأل في دهشة وتعجب: مالها!\rلكن عدداً من المفسرين ذهبوا إلى أن ﴿الإنسان هنا هو الكافر، لأنه كان لا يؤمن بالبعث، فأما المؤمن فيقول: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون\".\rجاء هذا التأويل في تفاسير (الكشاف، ومجمع البيان، والجلالين) وصرح \"أبو حيان\" في (البحر) بأن هذا هو مذهب الجمهور، ونص عبارته:\r\"والظاهر عموم الإنسان، وقيل: ذلك الكافر لأنه يرى ما لم يقع في ظنه قط ولا صدقه: والمؤمن - وإن كان مؤمناً بالبعث فإنه أستهول المرأى..... قال الجمهور: الإنسان هو الكافر، يرى ما لم يظن\".\rولسنا نرى وجهاً لتخصيص الإنسان هنا بالكافر، فاللغة لا تعين على هذا التخصيص، والاستعمال القرآني للفظ الإنسان لا يؤيده. ثم هو تخصي�� لا يقوى به المعنى، فلأن تكون رجة الزلزلة وهول الموقف، مما يروع الإنسان على الإطلاق، كافراً كان أو مؤمناً، أقوى من أن يقتصر الدهش والعجب على الكافر وحده.\rويؤنس إلى هذا الإطلاق والتعميم، قوله تعالى في وصف الزلزلة، في آية الحج:\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187262,"book_id":1238,"shamela_page_id":72,"part":"1","page_num":87,"sequence_num":72,"body":"تذهل كل مرضعة، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس، عاكة الناس، لا الكفار وحدهم!\r* * *\r﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ .\rأي يوم يحدث ذلك، تحدث الأرض أخبارها.\rوسر التعبير بيومئذ هنا، أنه لفت قوي يستحضر معه السامع ما مضى من وصف اليوم، فلا يتابع ما بعد ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصرفاً عما قبلها، مستقلاً عنه.\rوتحدث الأرض، مما وقف المفسرون عنده طويلاً: فالإمام الطبري يذهب إلى أن تحدث الأرض هنا تمثيل. أي أن حالها وما يقع فيها من الإنقلاب غير المعهود، يعلم السائل ويفهمه الخبر. وتابعه على ذلك جماعة منهم الزمخشري إذ يقول في الكشاف: \"والتحدث مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان\". ومثله في تفسير الشيخ محمد عبده لسورة الزلزلة من جزء عم.\rوذهب آخرون، إلى أن التحدث حقيقة لا مجاز، ففي (سنن إبن ماجه) : \"تقول الأرض يوم القيامة: يارب هذا ما استودعتني\". وعن إبن مسعود: \"تحدث الأرض بقيام الساعة إذا قال اإنسان: مالها؟ فتخبر أن أمر الدنيا قد أنقضى، وأن أمر الآخرة قد أتى، فيكون ذلك جواباً لهم عن سؤالهم\".\rوقال \"الطبرسي\" في مجمع البيان:\r\"يجوز أن يكون الله تعالى أحدث الكلام فيها، ويجوز أن يقلبها حيواناً يقدر على النطق، ويجوز أن يظهر فيها ما يقوم مقام الكلام\".\rوجاء في الكشاف: \"وقيل ينطقها الله على الحقيقة، وتخبر بما عمل عليها من خير وشر\"\rويبدو أن هذا هو ما اطمأن إليه \"أبو حيان\"، بقوله في البحر المحيط:\r\"الظاهر أنه تحديث وكلام حقيقة، بأن يخلق فيها حياة وإدراكاً فتشبه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187263,"book_id":1238,"shamela_page_id":73,"part":"1","page_num":88,"sequence_num":73,"body":"بما عمل عليها من صالح أو فاسد. وهو قول إبن مسعود والثوري وغيرهما..... ويشهد له ما جاء في \"الترمذي\" عنه ﷺ، أنه قرأ هذه الآة ثم قال: \"أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: إن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل كذا يوم كذا وكذا. هذه أخبارها\" هذا حديث حسن صحيح غريب\".\rوالبيان القرآني المعجز لا ينطق الجماد الأصم فحسب، بل يجرد منه كذلك شخصية حية، فاعلة ناطقة، مريدة مدركة:\r﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ؟ ق: ٣٠\r﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ المعارج: ١٧\r﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ الفرقان: ١٢\r﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الملك: ٧\rوالتفت المفسرون إلى ما تقتضيه الصنعة النحوية من تقدير مفعول ثان للفعل ﴿تُحَدّث﴾ الذي يتعدى إلى أثنين. وعند أبي حيان أن المحذوف أو لهما، أي تحدث الناس أخبارها.\rونرى القرآن قد بينه بما يغني عن اي تأويل:\r﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ .\rوالإيحاء عند \"الزمخشري\" مجاز، كقوله تعالى: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .\rوقال الطبرسي في مجمع البيان: \"أوحى لها، أي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها\".\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187264,"book_id":1238,"shamela_page_id":74,"part":"1","page_num":89,"sequence_num":74,"body":"وبمعنى الوسوسة، وفيها السر والخفاء، في آيتي الأنعام ١١٢، ١٢١:\r﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ .\rوقال الشيخ محمد عبده: \"الوحي هم الأمر الإلهي الخاص، قال لها: كوني خراباً، كما قال لها عند إيجادها: كوني أرضاً. فهذا أمر من الأوامر التكوينية التي هي تعلق القدرة الإلهية بما هو أثر لها\".\rوهي أقوال متقاربة ومقبولة وإن لم يكف تفسير الوحي بالأمر، أو القول، لتبين أثر اللفظ في المعنى، و\"الراغب\" كان أقرب إلى حس العربية وهدى القرآن حين قال: \"الوحي الإشارة السريعة مع الخفاء، فإن كان الموحي إليه حياً فهو إلهام، وإن كان جماداً فهو تسخير\".\rفالعربية قد استعملت الوحي بمعنى السرعة، فقالت: الوحي الوحي، أي البدار البدار. ومن أمثالهم: الموت بالسيف أوحى، أي أسرع وأحسم.\rولحظ مع السرعة الخفاه، فقيل وحي إليه، أشار وكلمه سراً. ومن الخفاء والسرعة الملحوظين في المادة، جاء الوحي بمعنى الإلهام بملحظ من خفاء مصدره وسرعة حدوثه.\rوالقرآن استعمل الوحي في خفي الإلهام في:\rآية الشورى ٥١: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ .\rوآية القصص ٧: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187265,"book_id":1238,"shamela_page_id":75,"part":"1","page_num":90,"sequence_num":75,"body":"\"وقيل الموحى إليه محذوف، أي أوحى إلى ملائكته المصرفين أن تفعل بالأرض تلك الأفعال، واللام في (لها) للسبب، أي من أجلها ومن حيث\r﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾\rوبمعنى التسخير في آية النحل ٦٨:\r﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ .\rعلى أن أكثر استعمال الوحي في القرآن، فيما يلقيه الله إلى أنبيائه.\rوفي آية الزلزلة، ليس الوحي بمعنى الأمر، لأن الأمر يقتضي توجيه الحديث ويعوزه ما للوحي من دلالة السرعة والخفاء، وإنما الوحي يكفى منه إيداع القوة فيها، مما هو أنسب لجو التسخير والمطاوعة المسيطر على الموقف.\rوعدى الفعل \"أوحى\" باللام، وهو ما لفت المفسرين واللغويين، لأن المشهور تعديتها بإلى.\rونرجع إلى القرآن الكريم، فنراه استعمل الفهل إحدى وسبعين مرة:\rفي مرتين منها، لم يصرح بالموحي إليه:\rالنجم ٤: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .\rالشورى ٥١: ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ .\rوفي سبع وستين مرة، تعدى الفعل بـ: إلى.\rومرة واحدة تعدى بـ: في، بآية فصلت ١٢:\r﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَا��ٍ أَمْرَهَا﴾\rوفي آية الزلزلة وحدها تعدى الفعل باللام.\rقال أبو حيان: وعدى أوحى باللام، وإن كان المشهور تعديتها بإلى، لمراعاة الفواصل.....","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187266,"book_id":1238,"shamela_page_id":76,"part":"1","page_num":91,"sequence_num":76,"body":"الأفعال فيها، وإذا كان الإيحاء إليها أحتمل أن يكون وحي إلهام، وأحتمل أن يكون برسول من الملائكة\".\rأما \"إبن هشام\" النحوي فجاء بالآية شاهداً على أن اللام تأتي موافقة لإلى، كما تأتي موافقة لـ: على، وفي، وعند، وبعد، وعن، ومع، بشواهد على هذا كله من فصيح العربية.\rونرجئ النظر فيما قالوا لنتدبر صنيع الفرآن، فيما استقرأنا من مواضع استعماله للفعل، فنرى أن الوحى به يتعدى إليه الفعل بنفسه.\rأما الموحي إليه، فيتعدى الفعل إليه بحرف إلى، إذا كان من الأحياء، باستقراء الآيات السبع والستين التي جاء الوحي فيها بإلى، ومنها آية النحل ٦٨:\r﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ .\rأما الجماد فلا يتعدى الوحي إليه بحرف إلى، بل بحرف في:\r﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ .\rأو باللام، في آية الزلزلة: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ :\rويلتمس تعيين دلالة الحرف، بالسياقين:\rففي السماء ﴿أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ أي بث فيها، ما به نظامها، فعدى الفعل بـ (في) الظرفية التي تدل على التمكين ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ .\rوفي الأرض، عدى الفعل باللام. وقد قال إبن هشام في المعنى: \"إن اللام تقوم مقام إلى\" واستشهد بآية الزلزلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187267,"book_id":1238,"shamela_page_id":77,"part":"1","page_num":92,"sequence_num":77,"body":"وهو مذهب عامة النحاة، ويراه خاصة من فقهاء العربية مبطلاً لحقيقة اللغة: من حيث لا يمكن أن تؤدى وظيفتها في التعبير والبيان، إذا أختلطت الدلالات ولم يتميز حرف عن حرف.\rوما قالوه، في أن هذا لمراعاة الفواصل، غير مقبول هنا، أو حينما قالوه في القرآن، لأننا لا نسلم، بل لا نعرف أن هذا البيان المعجز، يؤثر كلمة على غيرها لمجرد ملحظ لفظي لا يقتضيه المعنى.\rووالقول بأن \"الموحي إليه محذوف، أي أوحي إلى ملائكته\" معناه أن الموقف يحتاج إلى وساطة لإيصال الإيحاء إلى الأرض. وهو ما يأباه السياق الذي يقتضي عكس ذلك:\rفمع بناء \"زلزلت الأرض\" للمجهول، ومع قوة الفاعلية المستفادة صراحة من إسناد الإخراج والتحدث والزلزلة إلى الأرض، لا وجه لتقدير وساطة الملائكة، لإيصال الإيحاء إلى الأرض التي زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وتحدث أخبارها. فالبيان يقوم على قوة هذه الفاعلية في تصوير هول الموقف الذي يدهش له الإنسان فيقول في عجب وقلق: مالها؟! فاقتضى أن يأتيه الجواب ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ تحدث به الأرض نفسها تلقائياً، فالإيحاء هنا للأرض مباشرة ليلائم إسناد التحدث إلى الأرض، وسر قوته في هذه التلقائية المباشرة على وجه التسخير. ومن هنا كان إيثار التعدية باللام، لما في معنى اللام من اختصاص، وإلصاق، وصيرورة، وتقوية الإيصال، وهي معان عرفها اللغويون أنفسهم فيها، وعدةها فيما عدوا من معانيها التي أحصاعا \"إبن هشام\" في (مغنى اللبيب) وإن لم يلتفتوا إليها هنا في البيان القرآني، بل قالوا إن اللام تقوم مقام إلى، بشاهد من آية الزلزلة: أَوْحَى لَهَا.\r* * *\r﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾\rيومئذ: كرة راجعة إلى ما قبل، يصل بها القرآن مشاهد الموقف، ويرد السامع إلى ما سبق من آيات، ويستعيد ما استقر في خاطره من نذر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187268,"book_id":1238,"shamela_page_id":78,"part":"1","page_num":93,"sequence_num":78,"body":"وأكثر المفسريمن على أن ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ هنا بمعنى يخرجون من القبور \"الزمخشري\" ومنهم من يقول بأن معناها: ينصرفون من موقف الحساب، كما في (تفسير الجلالين، ومجمع البيان للطبرسي) .\rوتفسير يصدر بـ: يخرج أو ينصرف، يفوته إيحاء الكلمة في حس العربية التي استعملت الصدر مقابلا للورد، والعرب قد ألفوا استعماله كذلك، وجرت أمثالهم بأن الوارد يجب أن يعرف كيف يصدر، وإلا ضاع. قال شاعرهم:\rوأحرم الناس من لو مات من ظمأ لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا\rمن ثم لا أجد ما يفسر به الصدر في آية الزلزلة، إلا نقيض الورد، لأن في ربطهما سر الدلالة الموحية بأن الحياة الدنيا ليست بدار مقام، وإنما هي رحلة نجتازها ولابد من تأميد طريق العودة والصدر.\rولا يمكن أن يغني عن \"يصدر\" في هذا الموقف، أي لفظ آخر أو يقوم مقامه، إذ تتمثل لهم به الدنيا مورداً يجب أن يؤمنوا الصدر عنه. والقرآن قد استعمل اللفظ نفسه، بصريح مقابلته لورد الماء، في قصة موسى وابنى شعيب بآية القصص ٢٣:\r\"وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ\".\rوبهذه الآية نستأنس في فهم آية الزلزلة على أن الصدر مقابل الورد، وأبو جيان، قد صرح بأن \"الصدر يكون عن ورد\" وعقب على هذا بقول الجمهور: هو كون الناس في الأ ﴿ض مدفونين، والصدر قيامهم للعبث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187269,"book_id":1238,"shamela_page_id":79,"part":"1","page_num":94,"sequence_num":79,"body":"وكذلك حام \"الراغب\" حول ما فهمناه من معنى يصدر، حين جاء بها مقترنة بالصدر عن الماء، لكنه فسرها بعد ذلك بالانصراف فقال:\r\"وإذا عدى صدر بعن، اقتضى الانصراف\" تقول: صدرت الإبل عن الماء صدراً، وقال تعالى: \"يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا\".\rوقال الشيخ محمد عبده: صدر عن المدينة، أي سافر منها. ثم فسر \"يَصْدُرُ النَّاسُ\" بقوله: يذهب الناس.\rولا نطمئن إلى شيء في تفسير الصدر إلا أنه مقابل الورد: يكون عن ماء كما في آية القصص، وعن الحياة الدنيا كما في آية الزلزلة ولم يستعمل القرآن الصدر إلا في هاتين الآيتين.\rوكونهم يصدرون \"أشتاتاً\" أي متفرقين، أدعى للحيرة والخوف والرهبة، إذ مع الجماعة يكون نوع من الأنس والإلف، لا يتاح مثله مع التشتت والتفرق، ولا سيما في موقف الهول الأكبر.\rوأشتات: جمع شت، والشت والشتات في اللغة التفرق والاختلاف. وقد وردت المادة في خمسة مواضع من القرآن. ثلاثة منها بصيغة شتى:\rطه ٥٣: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ .\rالليل ٤: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾\rالحشر ١٤: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ .\rوالمرتان الأخريان بصيغة أشتات، منصوبة على الحال: آية الزلزلة، والنور ٦١:\r﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187270,"book_id":1238,"shamela_page_id":80,"part":"1","page_num":95,"sequence_num":80,"body":"ومعنى التفرق، المقابل للتجمع، واضح في الآيتين، أما شتى غالملحوظ فيها التنوع والاختلاف. وبالتفرق، فسر \"الراغب\" أشتاتاً في آية الزلزلة، وهو ما يعطيه اللفظ من قرب، وتؤيده آية النور، كما يؤيده أن القرآن استعمل في وصف الموقف نفسه، البعثرة والإنتشار، والبث:\r﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ .\r﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ .\r﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ .\r﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ .\rولكن كثيراً من الفسرين، ذكروا في تأويل أشتات أقوالاً بعيدة، لا يعين عليها الحس اللغوي للمادة، والاستعمال القرآني لأشتات، وما يؤنس إليه وصفه للخروج في الموقف نفسه بالبعثرة، كأن الناس جراد منتشر أو فراش مبثوث.\rفالومخشري يقول في الكشاف:\r\"أشتاتاً: بيض الوجوه أو سود الوجوه فزعين. أو يصدرون عن الموقف أشتاتاً يتفرق بهم طريقاُ الجنة والنار\".\rوأظنه ما يفهم من قول أبي حيان في (البحر المحيط) : \"أشتاتاً، جمع شت، أي فرقاً\".\rوالطبرسي في (مجمع البيان) يذهب إلى أن أشتاتاً: \"يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض: أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة\".\rوالشيخ محمد عبده يفسره بأن الناس يذهبون \"على اختلافهم، شقيهم وسعيدهم، محسنهم ومسيئهم\".\rوما نرى هذه التأويلات، تعود على المعنى بشيء ذي بال، وإنما تقوي الإثارة والتلاهيب والردع، حين يكون من التشتت بمعنى التفرق والبعثرة والإنتشار، بما تقتضيه طبيعة الموقف من اضطراب، ولما يكون مع التشتت من فقدان الأنس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187271,"book_id":1238,"shamela_page_id":81,"part":"1","page_num":96,"sequence_num":81,"body":"بالجماعة والتماس نوع من الأملن، ولو على سبيل الوهم. في الصحبة والتجمع. وهم يصدرون أشتاتاً ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ .\rوفي قراءة: لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، على البناء للمعلوم، ولكن الجمهور على قراءة الأئمة بالبناء للمجهول، وهي الظاهرة على السياق، تركز الإنتباه كله في الموقف: يصدر فيه الناس أشتاتاً، متقودين إلى الحشر.\r* * *\r﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .\rالمثقال ما يوزن به، وقد ورد اللفظ في القرآن ثماني مرات أضيف في اثنين منها إلى حبة من خردل:\rالأنبياء ٤٧: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ .\rلقمان ١٦: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ .\rوالسياق في الآيتين يرجح، والله أعلم، أن المقصود بمثقال حبة من خردل هنا، ليس بخفة الوزن، وإنما ضآلة الحجم، وأنها في هذا الكون الواسع لا تغيب على علم الله، رغم كونها لضآلتها وهونها مظنة الخفاء.\rوفي المرات الست الأخرى، أضيف مثقال ذرة:\rيونس ٦١: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾\rسبأ ٣: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187272,"book_id":1238,"shamela_page_id":82,"part":"1","page_num":97,"sequence_num":82,"body":"وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .\rومظنة الخفاء، لضآلة الحجم، أقرب فيهما كذلك إلى دلالة السياق. على حين تتعين دلالة ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ على خفة الوزن في الآيات الأربع التالية:\rالنساء ٤٠: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ .\rسبأ ٢٢: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ .\rوآيتي الزلزلة.\rززاضح أن المقصود بالذرة فيهما خفة الوزن، وقد حاول محاولون أن يعينوا مقدار الذرة على وجه التحديد: ففي (لسان العرب) عن ثعلب: \"إن مائة منها، وزن حبة شعير\".\rوقال أبو حيان في (البحر) : إنها النملة الصغيرة، حمراء رقيقة.\rوفي (الكشاف) : \"قيل هي النملة الصغيرة، وقيا: الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء\".\rومثله في تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده.\rالأقوال قربية، ولا شيء منها بموضع إنكار كالذي جاء به محدثون من بدع التفسير العصري، فذهبوا إلى أنه الذرة التي أكتشف العلم سرها في القرن العشرين!!\rوقد نرى أن تحديد المفسرين للذرة، ليس مراد القرآن ولا هو من مألوف بيانه والعربية قد عرفت الذر في كل ما يمثل الضآلة والصغر وخفة الوزن، تقول: ذررت الملح والدقيق والفتات، نشرته بأطراف الأصابع. والذر الهباء يرى في شعاع الشمس، وبولغ في وصف تناثر النمل الصغير المنبث فقيل: ذر. وفي (لسان العرب) نص صريح على أن \"الذرة ليس لها وزن\" لفرط صغرها وخفتها.\rونؤثر أن نفهمها بحس العربية على هدى البيان القرآني، دون تكلف لتقدير الأوزان والأحجام والألوان. وما فهم العرب، الذين بعث فيهم رسول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187273,"book_id":1238,"shamela_page_id":83,"part":"1","page_num":98,"sequence_num":83,"body":"منهم، قوله تعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ إلا أنه التناهي في الضآلة والخفة والصغر، حتى ليكون من الهباء الذي لا وزن له.\rوهو ما يلائم، مادياً وبياناً، جو الموقف ونسق السياق، من الزلزلة والإنفجار والتفتيت والتشتيت.... فهم يخرجون أثقالاً، ويصدرون أشتاتاً، ويرون أعمالهم مثقال ذرة من خير أو شر.\r* * *\rونفرغ بعد هذا لعقدة الموقف في ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يأيتي الزلزلة، وما ثار حوله من خلاف قديم بدأ بتساؤل المفسرين من الفرق وأصحاب الكلام: \"للقائل أن يقول: إن حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن معفوة بإجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرة للخير والشر؟ \".\rولكي يحلوا عقدة الموقف المفترض، عملوا إلى تأولات شتى، فقال \"الزمخشري\" - من المعتزلة - بتخصيص العامل في الآيتين، فالمعنى عنده: \"فمن يعمل مثقال ذرة خيراً من فريق السعداء، ومن يعمل مثقال ذرة شراً من فريق الأشقياء\".\rوقال أبو حيان، وهو ممن مالوا إلى الظاهرية:\r\"والظاهر تخصيص العامل - في الخير - أي فمن يعمل مثقال ذرة من السعداء، لأن الكافر لا يرى خيراً في الآخرة، وتعميمه في آية ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ لأنه جاء بعد قوله: ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ وقال إبن عباس: هذه الأعمال ��ي الآخرة، قيرى الخير كله من كان مؤمناً، والكافر لا يرى في الآخرة خيراً لأن خيره قد عجل له في دنياه. فالمؤمن تعجل له سيئاته الصغائر في دنياه، في المصائب والأمراض ونحوها، وما عمل من شر أو خير رآه\".\rلكن \"الطبرسي\" - من الشيعة - في مجمع البيان، ذهب إلى أن \"هذه الآية يستدل بها على بطلان الإحباك، فطاهرها يدل على أنه لا يفعل أحد شيئاً من طاعة أو معصية، إلا ويجازى علية\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187274,"book_id":1238,"shamela_page_id":84,"part":"1","page_num":99,"sequence_num":84,"body":"وهو ما يبدو أن الشيخ محمد عبده أخذ به فقال: \"قيل إنها نزلت لإزالة ما وقع في نفوس كثير من المؤمنين. من أن الخير القليل لا ينظر الله إليه ولا يجازى عليه، وكذلك الصغائر من الذنوب، فأزال شبهتهم وكشف عنهم وهمهم، وعرفهم أن لا شيء من عمل الإنسان يفوته، فالخير يجازى به مهما صغر، والشر يلقى جزاءه مهما نزر\".\rلكن هذا كله لم يحسم الموقف، إذ يواجهه صريح الآيات المحكمات في مغفرة الله تعالى لمن يشاء من عباده:\rالنساء ٤٨، ١١٦ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .\rالزمر ٥٣: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .\rمما أضطر بعضهم إلى القول بأن \"المؤمن يرى عقوبته في الدنيا\" أو قيد العقاب بمثقال ذرة، وعلى \"ما يفعلون من شر إذا لم يكونوا تابوا عنه\".\rوما كنا لنطيل الوقوف عند هذا الجدل الذي يبدو مما لا يتعلق به التفسير البياني، لولا أنه يصل بنا أخيراً إلى ما يؤيد دعوتنا الملحة إلى الدرس المنهجي لدلالات الأفاظ القرآنية، وتدبر أسراره البيانية.\r* * *\rفلنسأل بعد كل ما سمعناه من خلاف تأزم، ومن محاولات عسرة للخروج من المأزق المفترض:\rما الذي أقحم قضية الإحباط ومسألة الحساب على آيتي الزلزلة، وليستا متعلقتين بجزاء أو عقاب؟\rنص الآيتين، يغنينا عن كل ذاك العناء، والتدبر الدقيق لبيانه يعفينا من التكلف والتأول، ويريجنا من القيد والتخصيص والتعميم. فالذي في الآيتين أن من يعمل مثقال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187275,"book_id":1238,"shamela_page_id":85,"part":"1","page_num":100,"sequence_num":85,"body":"ذرة خيراُ أو شراً ﴿يَرَهُ﴾ ولم يقل تعالى: ﴿يجز به أو يحاسب عليه\": وفي الآية قبلهما: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ شاهد على أن الموقف متعلق برؤية الإنسان عمله محضراً في دقة \"لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها\".\rثم يكون الحساب والجزاء بعد ذلك بعدل الله وفضله ورحمته، سبحانه:\r﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187276,"book_id":1238,"shamela_page_id":86,"part":"1","page_num":101,"sequence_num":86,"body":"سورة العاديات\r﷽\r﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187277,"book_id":1238,"shamela_page_id":87,"part":"1","page_num":103,"sequence_num":87,"body":"السورة مكية، والمشهور أنها الرابعة عشرة في ترتيبالنزول، نزلت بعد سورة العصر. وموضوعها: اليوم الآخر.\rوتبدأ بعرض مشهد سريع لغارة عنيفة مفاجئة، تباعت القوم صبحاً فلا ينتبهون إليها وإلا وقد توسطت جمعهم فبعثرتهم وسط عاصفة من النقع المثار.\rوتأتي هذه الصورة العنيفة بعد واو القسم، لافتة إلى ما عهد القوم من مثل نلك الغارات المفاجئة المصبحة، وما تحدث من بعثرة وحيرة وإرتباك.\rثم تأتي بعدها صورة أخرى لغيب غير مشهود، ولكنه واقع حتماً: البعث يفجأ على غير موعد، فإذا هم في حيرة وبعثرة وإرتباك، قد لفظتهم القبور لليوم الآخر مالفراش المبثوث، وإذا كا ما في صدورهم قد حصل، لم تفلت منه خافية مضمرة، مطوية في أعماق الصدر ومستكن الضمير.\rوفي كل كلمة، بل في كل حرف منها، سره البياني الباهر فيما قصد إليه القرآن من إحضار مشهد ليوم البعث شاخصاً مجسماً، وتأكيداً وقوعه، والإنذار بما ينتظر الإنسان فيه من حساب دقيق عسير.\r* * *\rونبأ بالواو في:\r﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ .\rالواو في أصل الاستعمال اللغوي للقسم، ويتجه به جمهور المفسرين إلى تعظيم ما يقسم به وتأكيده، وهذه الفكرة المسيطرة عليهم، تدفعهم - على ما رأينا ونرى - إلى ضروب من التأويلات، ولا نخلو من غرابة وإعتساف.\rوفي العاديات هنا قولان: فهي الخيل فيما ذهب كثير منهم، ولكي يستقيم لهم مفهوم بالقسم بها، تأولوها بخيول المسلمين في غزوة بدر، وهو قول روى عن إبن عباس، والحسن، وأخذ به جماعة من المفسرين.\rلكنهم رووا كذلك عن إبن عباس مل نصه: \"كنت جالساً في الحجر، فجاء رجل فسألني عن العاديات ضبحاً، ففسرها بالخيل..... فذهب إلى \"علي\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187278,"book_id":1238,"shamela_page_id":88,"part":"1","page_num":104,"sequence_num":88,"body":"وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر ماقلت، فقال: ادعه لي. فلما وقفت على رأسه قال: تفى الناس بما لا علم لك به؟ والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد. العاديات ضبخاً، الإبل من عرفة\".\rيعني إبل الحاج تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ثم إلى منى، وتثير الغبار عند وادي محسر.\rوكذلك فسر \"عبد الله بن مسعو\" إلى تفسيرها بالإبل، وتابعه على هذا عدد من المفسرين، ملتفتين إلى معنى الإعظام في كونها إبل الحاج.\rورد أصحاب التأويل بالخيل بأن سياق الآيات بعده: فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا....... فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا يدل على أن العاديات هي الخيل، إذ لا يكون الإيراء، وهو قدح الشرر، إلا لسنابك الخيل. أما الخلف ففيه لين وإسترخاء (الجرجاني) . وأما القول بأنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد، ولا خيل للمسلمين تغزو، \"فهذا لا يلزم، لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل\".\rفكان رد أصحاب الإبل على هذا الإعتراض أن فصلوا الموريات عن العاديات، وفي هذا يقول إبن القيم: \"ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من رْوى النار، تأولوا آية الموريات على وجوه بعيدة، فقال محمد بن كعب، القرظى: هم الحاج أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة، وعلى هذا فيكون التقدير: فالجماعات الموريات. وهذا خلاف الظاهر، وإنما الموريات هي العاديات، وهي المغيرات\".\rوأتجهت محاولة بعضهم في التأويل بالإبل، إلى أن يستعار لها ما هو للخيل أصلاً، فقال الزمخشري:\r\"إن صح ما روى عن \"علي\" فقد أستعير الضبح للإب��، كما أستعير المشافر والحافر للإنسان، وما أشبه ذلك\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187279,"book_id":1238,"shamela_page_id":89,"part":"1","page_num":105,"sequence_num":89,"body":"وهكذا يظل الخلاف دون أن ينحسم. فلكل قول رد، ولكل إعتراض جواب!\rوما نرى سببالً لهذا كله إلا سيطرة فكرة تعظيم المقسم به على هؤلاء وأولئك، فالذين قالوا: هي الخيل، قصروها على خيل الغزاه ليظهر وجه التعظيم في القسم بها. والذين قالوا: هي الإبل، قصروها على إبل الحاج تنطلق من عرفة إلى المزدلفة ثم إلى منى، للغرض نفسه.\rوالقلة التي ذهبت إلى أن العاديات هي الخيل بعامة، لم تتخل عن فكرة التعظيم، وجهد المحاولة لبيانها وتقريرها. فإبن القيم يصرح بأنه لا يلزم حتماً أن نخص العاديات بخيل الغزاة وإن كانت أشرف أنواع الخيل \"فالقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم واشرفه، وهو الذي يحصل به العز والظفر..... فذكرهم تعالى بنعمته عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم\".\rأخذه \"الشيخ محمد عبده\" فتوسع في بيان هذا الوجه لتعظيم الخيل، أقسم الله بها \"لينوه بشأنها، ويعلى من قدرها في نفوس المؤمنين أهل العمل والجد، ليعونا بقنيتها وتدريبها على الكر والفر، وليحملهم أنفسهم على العناية بالفروسية والتدرب على ركوب الخيل والإغارة بها، ليكون كل واحد منهم مستعداً في أي وقت كان لأن يكون جزءاً من قومه الأمة إذا اضطرات إلى صد عدو. وكان في هذه الآيات القاراعات، وأشباه لها، وفيما ورد من الأحاديث التي لا تكاد تحصر، وما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون في مقدمة فرسان الأرض مهارة في ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس في عقائلها، وأن يكون فيب السباق عندهم يسبق بقية الفنون إتقاناً.....\".\rوقد مضى القول، في تفسير سورة الضحى، بأن القسم بالواو هنا أقرب إلى أن يكون قد خرج عن أصل معناه في الوضع اللغوي، لملحظ بياني بلاغي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187280,"book_id":1238,"shamela_page_id":90,"part":"1","page_num":106,"sequence_num":90,"body":"ولو خلينا فكرة التعظيم بالقسم جانباً، لبدا لنا بوضوح أن جو السورة لا يوحى - من قريب أو بعيد - بشيء من بيان عظمة الخيل وفوائدها، والحث على التسابق إلى قنيتها، والإغراء بفن السباق....وإنما هو مشهد مثير، لغارة مفاجئة تصبح القوم بغتة على غير إنتظار.\rوموقف المباغتة، يلائمه قصر الآيات بما فيه من حسم، وسرعة الإنتقال، وتلاحق الأحداث ما بين العدو، وإيراء القدح، وإثارة النفع، إلى توسط الجمع، فما إن تعدو الخيل ضبحاً، موريات قدحاً، مغيرات صبحاً، حتى تكون قد توسطت الجمع في النقع المثار.\rولفظ \"العاديات\" لم يرد في القرآن بهذه الصيغة إلا هنا، والأصل اللغوي للعدو هو البعد والتجاوز، ومنه العدوة للمكان المتباعد، والعدو الوثب.\rواستعمال العدو في الجري الشديد، ملحوظ فيه البعد والوثب وتجاوز المألوف من الجري، كما أن استعماله في العداوة، ملحوظ فيه التباعد والجفاء، واستعماله في العدوان والبغي، ملحوظ فيه تجاوز الحق كذلك.\rوقد يقال للفرسان عادية، لكن الضبح يعين أن المقصود بها هنا الخيل لا الفرسان، لما أشرنا إليه من إختصاص الخيل بالضبح، وهو صوت أنفاسها حين تعدو سريعاً.\rوأختلفوا في التوجيه الإعرابي لنصب \"ضبحاً\": فهو مصدر على تقدير \"والخيل تضبح ضبحاً\" أو هو حال على تقدير \"والعاديات ضابحة\" لكنهم لم يبينوا أثر كل من المصدري�� أو الحالية على المعنى.\rولعل المصدريو هنا أولى، لما فيها من معنى الإطلاق المحض.....\rوعطف الموريات قدحاً على العاديات ضبحاً، بالفاء وفيها ملحظ السببية، لأن الإيراء أثر للعدو الشديد ينقدح به الشرر من حوافر الخيل. ولم ترد مادة قدح في القرآن إلا في هذه الآية، أما الإيراء فجاء فعلاً مضارعاً، على أصل معناه في إيراء النار، بآية الواقعة ٧١:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187281,"book_id":1238,"shamela_page_id":91,"part":"1","page_num":107,"sequence_num":91,"body":"﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ .\rوبآية الواقعة هذه، أستشهد الذين قالوا إن العاديات هي إبل الحاج، ففسروا الموريات بأنها جماعات الحجيج إذ يوقدون نيرانهم ليلة المزدلفة، وهو ما وصفه \"إبن القيم\" بالتأول على وجه بعيد، وقال فيه: \"وهذا خلاف الظاهر، وإنما الموريات هي العاديات\".\rوالعطف بالفاء، فيه مع ملحظ من السببية، ترتيب دون تراخ أو تمهل وإبطاء، ما بين عدوها ضبحاً وإغارتها صبحاً.\rويلحظ هنا أن العربية تخص الإغارة بالخيل، ولو لم يذكر لفظ الخيل فتقول: أغار على القوم دفع عليهم الخيل، وأغار الفرس: أشتد عدوه في الغارة. فاستعمال المغيرات للخيل هنا، يتأيد بمألوف الحس اللغوي لهذا اللفظ تخص به الخيل.\rأما تخصيص الإغارة بوت الصبح فلم يفت المفسرين إدراك ما فيه من دلالة على المفأجاة: قال في التبيان: \"والعدو لم يأخذوا أهبتهم، بل هم في غرتهم وغفلتهم\". ومثله في تفسير الشيخ محمد عبده.\rوملحظ المباغتة في الصبح، أوضح من أن يحتاج إلى بيان، اللهم إلا أن نذكر هنا أن اللغة أستعملت يوم الصبح بمعنى يوم الغارة، وأن القرآن الكريم استعمل الصباح والإصباح والصبح في موقف المباغتة والإنذار، فث مثل آيات:\rالصافات ١٧٧: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ .\rالحجر ٦٦: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ .\rالحجر ٨٣: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187282,"book_id":1238,"shamela_page_id":92,"part":"1","page_num":108,"sequence_num":92,"body":"القمر ٣٨: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ .\rالأعراف ٧٨: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ .\rهو ٨١: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ؟\rوأنظر معها آيات: الكهف ٤١، ٤٢، القلم ٢١، الأعراف ٩١، هود ٦٧، ٩٤، العنكبوت ٣٧، الأحقاف ٢٥.\r* * *\r﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ .\rبالفاء أيضاً، ربطت آية: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ بالمغيرات صبحاً، دلالة على الترتيب مع التعاقب الملائم تسرعة الموقف وتلاحق الأحداث.\rوللزمخشري هنا وقفتان: الأولى عند الفعل ﴿أَثَرْنَ﴾ علام عطف، ولم يسبقه فعل في الآيات قبله؟ والأخرى عند مرجع الضمير في ﴿بِهِ﴾ قال في ﴿أَثَرْنَ﴾ إنه معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، لأن المعنى: واللآتي عدون، فأورين، فأثرن. ومثله أو قريب منه، ما في تفسير الشيخ محمد عبده.\rأما الضمير في ﴿بِهِ﴾ فأرجعه الزمخشري إنما إلى الصبح، أي أثرن بذلك الوقت نقعاً. ومثله أيضاً ما في تفسير جزء عم.\rوإما أن يكون عود الضمير على المفهوم مما سبق، أي فأثرن بالإغارة والقدح والعدو.....\rوهذا عندي أولى....\r* * *\r﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾\rوالعطف بالفاء هنا، ملائم لجو الموقف الذي تسيطر عليه الأخذة المباغتة، والسرعة الخاطفة، فمراحل الإغارة تتم جميعاً في تدافع سريع لا تراخى فيه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187283,"book_id":1238,"shamela_page_id":93,"part":"1","page_num":109,"sequence_num":93,"body":"وتتعاقب واحدة في إثر أخرى في حسم قاطع، إذ ليس بين العدو الذي هو مرحلة الإبتداء، وإقتحام الجمع الذي هو ذروة الإغارة، إلا ما بين هذه الآيات القصار المتتابعة في تلاحق وترابط. وهي مع قصرها وسرعتها، تكشف بجلاء عن عنف الإغارة ووقع المفاجأة. والبيان القرآني وحده، هو الذي يستطيع أن يصور أعنف إغارة، بكل مراحلها، في كلمات معدودات، تصل بالغارة من بدئها إلى ذروتها الحاسمة.\rونتدبر ﴿جَمْعًا﴾ هنا، فنلمح دلالتها البيانية، حين نذكر أن هذا اللفظ يأتي كثيراً في القرآن، للحشد الكاثر في المعركة، ومع مظنة القوة والغلبة كما في آيات:\rالقمر ٤٤: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ .\rآل عمرتن ١٥٥: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ومعها آية ١٦٦.\rالقصص ٧٨: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ ؟\rآل عمرن ١٧٣: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ .\rالأعراف ٤٨: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ .\rوسمى اليوم الآخر في القرآن يوم الجمع، لاحتشاد الخلق به بعد بعثهم: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ كما سمى موقف الحشر جمعاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187284,"book_id":1238,"shamela_page_id":94,"part":"1","page_num":110,"sequence_num":94,"body":"﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ الكهف ٩٩.\rوأنظر معها ىيات: آل عمران ٢٥، الجاثية ٢٦ النساء ٨٧، الواقعة ٥٠، الأنعام ١٢، التغابن ٩، المرسلات ٣٨، الشورى ٩، ٢٩.\rكما استعمل الإجماع في حشد الرأي وتدبير الأمر وإحكام المكيدة، في مثل آيات:\rيوسف ١٥: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ .\rيوسف ١٠٢: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ .\rيونس ٧١: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ .\rطه ٦٤: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ .\rوبكل ما لهذا اللفظ من دلالات الحشد، والتجمع، ومظنة القوة، يأتي في ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ ��َمْعًا﴾ فيوحى بما كان من إحتشاد هو مظنة قوة لهذا الجمع الذي أقتحمته العاديات ضبحاً، في إغارتها المبحة، وسط النقع المثار.\rهنا بلغ المشهد ذروته، ثم يترك للتصور أن يذهب كل مذهب فيما يعقب هذا الإقتحام المصبح المباغت، من تشتت حائر وإرتباك مبعثر، وإستسلام للمصير المحتوم.\r* * *\rوتمضي الآيات:\r﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187285,"book_id":1238,"shamela_page_id":95,"part":"1","page_num":111,"sequence_num":95,"body":"الكنود وحيدة في القرآن. صيغة ومادة. وهو في اللغة: الكفور للنعمة، والبخيل، والعاصي. وربما كان أصل استعماله في الأرض لا تنبت شيئاً.\rوجاء في الكشاف، أن \"الكنود بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مضر وربيعة: الكفور\".\rوالمعاني متقاربة على كل حال، وصلتها واضحة بالمعنى الذي رجحنا أنه الأصل، وهو الأرض لا تنبت شيئاً، فهي عاصية، وهي بخيلة، وهي كفور.\rوأقرب معانيها إلى آية العاديات، والله أعلم أنه الكفران بنعمة الله، وهو ما ذكره الراغب في (المفردات) .\r* * *\r﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ .\rأي يشهد على نفسه بكفران نعمة ربه، وليس أقوى منها شهادة..... وهذه الشهادة الدامغة تأتي في القرآن في مقام التحذير، والزجر المقرون بالوعيد، كالذي في آيات:\rالأنعام ١٣٠: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ .\rوالأعراف ١٢٧، والبروج ١٧، والتوبة ١٧.\rبل إن البيان القرآني ينطق بهذه الشهادة، يوم الفصل. جوارح الإنسان وحواسه، وجلده، في مثل آيات:\rفصلت ٢٢: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187286,"book_id":1238,"shamela_page_id":96,"part":"1","page_num":112,"sequence_num":96,"body":"أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .\rالنور ٢٤: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .\rيس ٦٥: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .\rوأصل الشهادة في اللغة من الشهود أي الحضور، والمشاهدة: المعاينة وما شهادة الإنسا�� على نفسه بكنود، وإقراره بكفران نعمة ربه، إلا من هذا الذي ألفناه في البيان القرآني، من إلزام بالحجة وتأكيد لفداحة الذنب وأعتراف به، في موقف الزجر والوعيد، حيث لا سبيل بعد مثل هذه الشهادة الدامغة، إلىتنصل من الذنب أو إدعاء البراءة منه.\rلكن عدداً من المفسرين أضاعوا هذا الملحظ البياني بقولهم: إن الضمير في ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يعود إلى الله تعالى.\rمع أن المعنى إنما يقوى بأن يكون الإنسان شاهداً على نفسه، وهذا هو ما تؤيده آيات الشهادة التي استأنسنا بها في فهم الآية.\rثم عادوا في آية ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فجعلوا الضمير للإنسان، فتمزقت بهذا الصنيع وحدة السياق في الآيات الثلاث.\rوقالوا في تفسير الخير هنا إنه المال، واستأنسوا بآية الوصية الواجبة.\r﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ . البقرة ١٨٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187287,"book_id":1238,"shamela_page_id":97,"part":"1","page_num":113,"sequence_num":97,"body":"وقيده \"الراغب\" بالمال الكثير: \"لا يقال للمال خير حتى يكون كثيراً، وعلى ذلك قوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ\".\rوفي القرآن آيات أخرى، قد تؤيد تأويل الخير بالمال، بتوجيه السياق في مثل:\rالمؤمنون ٥٦: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ .\rوجاء الخير مرة واحدة للخيل في آية (ص ٣٢) على لسان داود:\r﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ .\rعلى أن لفظ الخير، أكثر ما يستعمل في القرآن بمعنى الأفضل. وقد أحصيت من هذا الاستعمال نحو ١٢٥ مرة، ويقترن بلفظ \"أم\" المعادلة، أو يجيء تمييزاً، أو معطوفاً عليه بأفعل التفضيل.\rكما يأتي في القرآن، نقضاً للشر صراحة في مثل آيات:\rالإسراء ١١: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ .\rيونس ١١: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ .\rالأنبياء ٣٥: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ .\rالمعارج ٢١: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187288,"book_id":1238,"shamela_page_id":98,"part":"1","page_num":114,"sequence_num":98,"body":"أو مقابلاً بالسوء والضر:\rالأعراف ١٨٨: ﴿ولوكنت وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ .\rالأنعام ١٧: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ .\rومعها آية يونس ١٠٧.\rواللغة تحتمل أن يكون الخير للمال، والخيل، وضد الشر، والخيار والفضيلة.\rغير أنسياق آية (العاديات) يرجح أن الخير فيها هو الخير المادي من مال أو شبه��، فهذا الإنسان الكفور بنعمة ربه، والشاهد على نفسه بالكنود، لا يكون حبه للخير الذي هو فضيلة، وإنما هو حب للمال شديد.\rوالأصل في الشد: قوة العقد والوثاق والإحكام، مادياً كما في آية:\rمحمد ٤: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ .\rومعنوياً في مثل آيات:\rيونس ٨٨: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ .\rالدهر ٢٨: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ .\rطه ٣١: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ .\rالقصص ٣٥: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ .\rص ٢٠: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187289,"book_id":1238,"shamela_page_id":99,"part":"1","page_num":115,"sequence_num":99,"body":"كما يعبر القرآن، عمن بلوغ الرشد والقوة بصيغة: بلغ أو يبلغ أشده، في مثل آيات:\rالأنعام ١٥٢، الإسراء ٣٤، يوسف ٢٢، القصص ١٤، غافر ٦٧، الأحقاق ١٥، الكهف ٨٢، الحج ٥.\rأما صيغة شديد، فجاءت في القرآن، في نحو أربعين موضعاً، مضافة إلى عذاب الله، وبطشه، وأخذه، وعقابه في الآخرة، أو وصفاً لهذا البطش والأخذ والعذاب، في مقام الزجر والوعي: ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ .\rوجاءت مرة وصفاً للحديد: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ ومرة على لسان لوط إذ قال لقومه في آية هو ٨٠:\r﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ .\rوعلى لسان سليمتن منذراً متوعداً، في آية النمل ٢١:\r﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ .\rكما جاءت أربع مرات وصفاً لأولى البأس، والحرس، في آيات: الإسراء ٥، النمل ٣٣، الفتح ١٦، الجن ٨.\rكذلك جاءت الشدة، بصيغة أفعل التفصيل ﴿أشد﴾ في نحو خمسة وعشرين موضعاً، مميزاً بالقسوة، والبأس، والتنكيل، والكفر، والعتو، والعذاب، والبطش، والرهبة، والوطء، والعدواة، والخشية، والقوة.\rومعها آية الصافات ١١: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ .\rوجاءت مرة واحدة مميزة بالحب في آية البقرة ١٦٥:\r﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ .\rوغلبة الاستعمال القرآني لمادة الشدة، في موقف الزجر والإرهاب والوعيد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187290,"book_id":1238,"shamela_page_id":100,"part":"1","page_num":116,"sequence_num":100,"body":"يضيف بلا شك، إلى ما اكتفى المفسرون به في آية العاديات، من معنى البخل والإمساك وعدم الإنبساط، إيحاء بالزجر والوعيد، مع ما سبق الآية من شهادة الإنسان على نفسه بالكنود لربه.\rكما أنه يقوى بالآيات بعده.\r* * *\r﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ .\rبما فيها من نذير صادع وزجر رادع.\rوالبعثرة لم تأت في القرآن إلا في هذه الآية وفي آية الإنفطار:\r﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ .\rوكلتاهما في بعثرة القبور يوم القيامة، وفيهما جاء الفعل مبنياً للمجهول، صرفاً للذهن إلى الحدث نفسه، وتركيزاً للإنتباه فيه. وفيهما أيضاً، انتقال سريع من بعثرة ما في القبور إلى الحساب العسير يحصل ما في الصدور وتعلم بع كل نفس ما قدمت وأخرت.\rوالبعثرة لغة، فيها معنى التبديد والتفريق والإختلاط، وقلب بعض الشيء على بعض. وقالوا: بعثر الحوض، هدمه وجعل أسفله أعلاه. ود يلحظ فيها معنى التفتيش والكشف، فيقال: بعثر الشيء، استخرجه فيكشفه وأثار ما فيه. كما استعملت البعثرة في قلق الجوف وغثيان النفس.\rوالمتبادر من مفهوم ﴿بعثر﴾ في آيتي العايات والإنفطار، هو التشتت والتفرق والإنتثار، وما يكون عنها من حيرة وضلال وإختلاط وإرتباك \"يوم يكون الناس كالفراش المبثوث\" ولكن اللفظ كذلك مع التفريق الإختلاط بما في الأصل اللغوي، من دلالة الإثارة والكشف، فيمهد لما بعده:\r﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾\rوقد جيء به فور البعثرة، مبنياً للمجهول كذلك، صرفاً عن كل ما عدا الحدث نفسه، على المألوف من آيات القيامة.\rولم تأت مادة \"حصل\" إلا في آية العاديات:\rوالتحصيل لغة: الجمع والتمييز. وأصله من الحوصل والحوصلة والحوصلاء،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187291,"book_id":1238,"shamela_page_id":101,"part":"1","page_num":117,"sequence_num":101,"body":"وهي من الطير كالمعدة للإنسان، ومن الحوض مستقر الماء في عمقه الأقصى.\rولهذه الدلالة اللغوية الأصلية، أثرها في معنى ﴿حُصِّلَ﴾ هنا، فكل ما يعمله الإنسان مستقر في أعماقه، مجموع في صدره، حتى يحين أوان كشفه بعد بعثرة ما في القبور للبعث والقيامة.\rوالتحصيل لما ﴿فِي الصُّدُورِ؟﴾ إيذاناً بكشف المستور وإظهار المطوى المضمر - جلالة واضحة، لا نخطئها في استعمال القرآن للفظ الصدور:\rفالشيطان. ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .\rوهو تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ غافر ١٩.\r﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ القصص ٦٩.\r﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ العنكبوت ١٠.\r﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ النمل ٧٤.\r﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ آل عمران ٢٩\rوتدبر هذه الآيات جميعاً، يرينا ما في تأويل آية العاديات:\r\"إن معنى حصل، جمع في الصحف، أي أظهر محصلاً مجموعاً\" من جور على المعنى القوى المثير لقوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ فليس المقام هنا للجمع في الصحف، وإنما المقام للإنذار بيوم ينكشف فيه ما طوى في الصدور، ويظهر ما تخفي الضمائر، وقد كان الظن الكاذب به أن يظل خفياً مستوراً.\r* * *\rويلفتنا هنا أت تأتي آية:\r﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ .\rبعد بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور، فتصل بالمشهد المثير إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187292,"book_id":1238,"shamela_page_id":102,"part":"1","page_num":118,"sequence_num":102,"body":"ذروة عنفه، ثم تدع ما بعد ذلك للخاطر يذهب فيه كل مذهب، وقد آل الأمر كله إلى العليم الخبير.\rولسنا هنا بحاجة إلى القول بتضمن خبير لمعنى \"مجاز لهم في ذلك اليوم\" بل أولى منه أن نلحظ أن القرآن لم يستعمل الخبير قط، إلا مسنداً إلى الله تعالى أو اسماً من أسمائه الحسنى باستقراء مواضع الكلمة وهي نحو خم��ة وأربعين.\rوتفسيره بالعليم غير دقيق، إذ جاء الخبير مقترناً بالعليم في آية التحريم ٣: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ . ولقمان ٣٤ والحجرات ١٣: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ والنساء ٣٥: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ فدل ذلك على أن الخبرة غير العلم، وأفترن الخبير بالحكيم ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ في آيات الأنعام ١٨، ٧٣، وسبأ ١، وآية هود ١ ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ كما أفترن بالبصير في آية الشورى ٢٧: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ . ومعها آيات: الإسراء ١٧، ٣٠، ٩٦ وفاطر ٣١.\rوتفرد الله وحده بوصف ﴿الْخَبِيرُ﴾ - وليس الأمر كذلك في العليم، حيث جاء وصفاً لغير الخالق في آيات: يوسف ٥٥، ٧٦، الحجر ٥٣، الشعراء ٣٤، ٣٧. وهذا التفرد يدل على أن الخبرة أخص من العلم، وهو ما يظهر بوضوح في آيات:\rفاطر ١٤: ﴿..... ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .\rالفرقان ٥٨، ٥٩: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187293,"book_id":1238,"shamela_page_id":103,"part":"1","page_num":119,"sequence_num":103,"body":"ومن المعاني الحسية للخبر في اللغة: منقع الماء في أصوله بالجبل، والصرف الجيد من أول الجز، وأختبرت الشيء أو الشخص. فحصته وأمتحنته لتعرف حقيقة أمره.\rوإيثار لفظ ﴿خَبِير﴾ هنا، بعد أن ﴿حُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ ، مع تأكيده باللام وإن في أول الآية، يبلغ به الترهيب منتهاه، ثم يدع للخاطر بعد ذاك أن يتصور ما شاء، في ذلك الجو الحافل بالنذير والوعيد.\r* * *\rوهذه الوقفة الحاسمة، يبلغ بها القرآن ذروة المشهد العنيف لبعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور، تتسق مع مشهد الإغارة العنيفة في مستهل السورة، على وجه باهر من البيان المعجز. ولا أعرف أن أحداً من المفسرين حاول أن يربط بين المشهدين أو لمح ما بينهما من صلة هي معقد القسم ومجلى دقته البيانية.\rفالسورة، كمت قلنا آنفناً تبدأ بواو لبقسم لافته في قوة إلى المشهد المألوف، لإغارة عنيفة مفاجئة، تبغت القوم صبحاً فلا ينتبهون إلا وقد توسطت جمعهم ومزقت شملهم وبعثرتهم وسط النقع المثار.\rويتمثل القوم ما عهدوا من مثل هذه الغارات المصحبة المباغتة، وما يعقبها من بعثرة وحيرة وإرتباك، توطئة بيانية لمشهد غيب لم يقع يستطيعون أن يدركوا صورة منه في ذلك الذي ألفوه وعاينوه......\rذلك هو مشهد البعث، يباغت القوم - وقد طال ما جحدوا نعمة الله وغرتهم الأماني - فإذا هم بعثروا من القبور حيارى ممزقين، وصدروا أشتاتاً مفرقين، ثم إذا بالأحداث تتلاحق سراعاً، مترابطة متدافعة، فليس بين بعثرة ما في القبور، وهول الموقف بين يدى الخبير، إلا أن يحصل ما في الصدور، لا تفلت منه خافية مضمرة، ولا غاتئبة مطوية مستورة في الأعماق، كما ليس بين العاديات ضبحاً، وتوسط الجمع، وتدبير الأمر، إلا أن تنطلق في إغار��ها صبحاً، موريات قدحاً، مثيرات نقعاً!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187294,"book_id":1238,"shamela_page_id":104,"part":"1","page_num":120,"sequence_num":104,"body":"وبين هذا المشهد المألوف الواقع، وذاك الغيب الذي سوف يقع يقيناً، يأتي المقسم عليه:\r﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187295,"book_id":1238,"shamela_page_id":105,"part":"1","page_num":121,"sequence_num":105,"body":"سورة النازعات\r﷽\r﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187296,"book_id":1238,"shamela_page_id":106,"part":"1","page_num":122,"sequence_num":106,"body":"يَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187297,"book_id":1238,"shamela_page_id":107,"part":"1","page_num":123,"sequence_num":107,"body":"السورة مكية متأخرة، فهي الواحدة والثمانون على المشهور في ترتيب النزول نزلت بعد النبأ.\rوتبدأ بواو القسم، متلوة بخمس صفات متتابعة في آيات خمس: وقد أفسح حذف الموصوف فيها وإقامة الصفات مقامه، مجالاً واسعاً لتأويلات كثيرة بلغت في بعض كتب التفسير نحو عشرة أقوال.\rيطول الخلاف أولاً حول النازعات ما هي، وت��عدد الأقوال فيها ثم يحتكم كل قول منها في توجيه الآيات التي بعدها، مع الرد في كل حالة على بيان وجه التعظيم \"للنازعات\" بحكم وقوعها بعد واو القسم.\rفمن أقوالهم في النازعات:\rأنها الملائكة تنزع نفوس بني آدم - عم عبد الله وإبن عباس.\rوقيل: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق - عن الحسن وقتادة وأبي عبيدة.\rوقيل: هي النفوس تحن إلى أوطانها وتنزع إلى مذاهبها - عن السدي.\rوقيل: هي القسى تنزع بالسهام - عن عطاء وعكرمة.\rوقيل: هي الجماعات النازعات بالقسى - عن عطاء أيضاً.\rوقيل: هي المنايا تنزع النفوس - عن مجاهد.\rوقيل: هي الوحش تنزع إلى الكلأ - حكاه يحي بن سلام.\rوقيل: هي خيل الغزاة تنزع في أعنتها - جاء في الكشاف.\rوقيل: هي الريح تقلع القوم لشدة هبوبها - جاء في المفردات.\rوأشهر هذه الأقوال جميعاً، أنها الملائكة تنزع أرواح بني آدم، وهو أحد أقوال ثلاثة أختارها الزمخشري وأدار الآيات عليها، والقولان الآخران","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187298,"book_id":1238,"shamela_page_id":108,"part":"1","page_num":124,"sequence_num":108,"body":"هما: النجوم، وخيل الغزاة.\rواختار \"الراغب\" تفسيرها بالملائكة، أو الريح.\r* * *\rومن تدبر السور المفتتحة بواو القسم، يبدو لنا أن القرآن يعدل في هذا الأسلوب عن الأصل اللغوي للتعظيم بالقسم إلى استعمال بلاغي، هو قوة اللفت إلى مادي محسوس وواقه مشهود، ليس مطنة مماراة، توطئة بيانية لمعنوي أو غيبي غير مدرك بالحس. على ما سبق الإلتفات إليه في سورتي الضحى، والعاديات.\rوهذا التوجية يمكن أن تقبله سور: العصر، والليل، والفجر، والشمس، والمرسلات، والذاريات، والتين، والطور، والقلم، والنجم.....\rوهي جميعاً من السور المكية.\rوأمام ذلك المألوف من أسلوب القرآن في اللفت بالواو إلى مادي مدرك، لا نطمئن إلي تفسير \"النازعات\" بما ذهب إليه أكثر المفسرين، من أنها الملائكة تنزع الأرواح، إذ ليست الملائكة في نزعها للأرواح، وسبقها إلى تدبير أمر الله، مما يدخل في نطاق الحسيات المدركة. كما يبدو مستبعداً في فهمنا. والله أعلم، أن يلفت إليها القرآن للاستدلال على البعث، من لا يؤمنون بملائكة تنزع الأرواح وتدبر شئون الكون بأمر الله. إذ لو كانوا مؤمنين بها. لصدقوا بالبعث واليوم الآخر.\rونحن أكثر اطمئناناً إلى تفسير النازعات بالخيل المغيرة، دون تحديد لها بخيل الغزاة كما قال الزمخشري وغيره من المفسرين متأثرين بنزعة التعظيم في القسم بها، فما كان للمسلمين في العهد المكي خيل تغزو، ولا كان هناك دار سلام ودار حرب يخرج الغزاة منها وإليها، والقول بأن هذا سوف يكون بعد الهجرة، لا مجال له هنا مع هذا اللفت إلى واقع مشهود، توطئة للإقناع بغيب يمارون فيه!\rوقد لفت القرآن في (سورة العاديات) إلى الخيل عاديات ضبحاً مثيرات نقعاً مغيرات صبحاً، ليستحضر بها موقف البعث إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور. وما نرى السياق في (النازعات) إلا شبيهاً يالذي في (العاديات) ؛","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187299,"book_id":1238,"shamela_page_id":109,"part":"1","page_num":125,"sequence_num":109,"body":"فالاستئناس بإحداهما في فهم الأخرى، أصح منهجاً من أن نبعد في التأويل إلى مسبح الملائكة في آفاقها الغيبية غير المنظورة ولا المدركة.\r* * *\rوما نطمئن إليه من تفسير (النازعات) بالخيل، يوجه الآيات بعدها في يسر وبلا تكلف، فهي تنزع في عدوها وتغرق فيه، وهو الملحظ نفسه في السبح الذي يجمع له السابح قوته. وبهذا النزع السابح، تسبق إلى الغاية فتدبر من الأمر ما أجمعت له في معاناة.\rوننظر في المفردات، فنرى النزع - وهو لغوياً بمعنى الجذب والشد والقلع، ومنه المنازعة شدة التجاذب في الخصومة - قد استعمل في القرآن ملحوظاً فيه قوة الجذب والمعاناة فيما يظن به الرسوخ والتأصل، سواء في ذلك الفعل في نزع الشيطان لباس أبوينا ﴿الأعراف ٢٧) ونزع موسى يده فإذا هي بيضاء للناظرين (الأعراف ١٠٨ والشعراء ٣٣) ونزع الله النعمة من الإنسان (هو ٩ وآل عمران ٣٦) ونزع ريح صرصر عاتية كفار عاد ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَع﴾ (القمر ٢٠) والصفة في لظى نار جهنم ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ ، أي الأطراف (المعرج ١٦) وآية النازعات غرقاً.\rوالغرق في الأصل اللغوي بمعنى الرسوب في الماء، ويستعمل مجازاً في إغراق البلاء والنعمة. كما يقال أغرق النازع في القوس أستوفى مدها، وإغترق الفرس الخيل خالطها ثم سبقها، وامرأة تغترق نظرهم أي تشغلهم بالنظر إليها عن النظر إلى غيرها لحسنها.\rوفي القرآن جاءت مادة غرق، عدا آية النازعات، أثنتين وعشرين مرة. كلخا على اختلاف صيغها، فعلاً ومصدراً واسم مفعول، من الغرق بمعناه الأول القريب في أصل الوضع اللغوي بصريح سياقها في اليم والبحر والموج، أو في إغراق قوم موسى والكفار من قوم نوح.\rفسر الزمخشري ﴿غَرْقًا﴾ في النازعات، بأن الخيل تنزع نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187300,"book_id":1238,"shamela_page_id":110,"part":"1","page_num":126,"sequence_num":110,"body":"وأخذه أبو حيان من الإغراق في الشيء أي المبالغة فيه، قال: أغرق النازع في القوس بلغ غاية المد حتى ينتهي إلى الفصل، وذهب الفيروزابادى في القاموس إلى أن الغرق في الآية أقيم مقام المصدر الحقيقي وهو الإغراق.\rوقال الشيخ محمد عبده: الغرق في النزع هو الإتيان على الغايات منه، حين تنزع الكواكب عن قسى دوائرها.\rونحمله في الخيل على النزع المغرق، بما فيه من عنف الجذب وقوة المعاناة.\r* * *\r﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ .\rلم ترد مادة \"ن ش ط\" في القرآن إلا في هذا الموضع. والنشط في اللغة يستعمل أصلاً في العقد الذي يسهل حله، ومنه الأنشوطة: العقدة يسهل حلها. وبئر نشاط: قربية القعر يخرج دلوها بجذبة واحدة. ثم قيل: أنشط البعير حله. فنشط أي أنطلق في سهولة. ومنه ثور ناشط: خارج من أرض إلى أرض.\rوالتفت \"الراغب\" إلى ما في استعمال النشظ هنا من تنبيه على السهولة واليسر. ونؤثر أن نضيف إليه ما يربطه بأصله اللغوي، إفلاتاً من عقال.\r* * *\r﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ .\rالسبح: العوم، والأصل فيه أن يكون في الماء، ويستعار لغة للخيل فيقال لها السوابح. كما يجيء في القرآن لسبح النجوم في الفلك: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ولسرعة المضي في العمل: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ .\rوالسبح من الخيل، إنما يكون في غير مجاله الذي هو الماء، وهذا يقتضي من تجمع القوى وعنف المعاناة، ما يلائم النزع المغرق.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187301,"book_id":1238,"shamela_page_id":111,"part":"1","page_num":127,"sequence_num":111,"body":"﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ .\rالسبق التقدم، ملحوظاً فيه معنى السرعة والمبادرة. واستعماله في الخيل واضح وقريب، لكن الذين فسروا النازعات بالملائكة أو بالنجوم أو بالآجال والمنايا، ذهبوا في تأويل السابقات، إلى أنها وصف لهذه أو تلك، فالملائكة تسبق إلى تدبير شئون الكون بأمر الله، \"والنجوم سابقات في سبحها فتتم دورتها حول ما تدور عليه في مدة أسرع مما يتمم غيرها، كالقمر يتمم دورته في شهر قمري، وكالأرض تتمم دورتها في سنة شمسية، ونحو ذلك من السيارات. ومنا ما لا يتمم دورته إلا في سنين، لكن السابقات هي التي أنفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الآرضي\".\rوهو تاويل اقتضاه توجيه واو القسم إلى تعظيم المقسم به وهو الملائكة أو النجوم، ﴿إظهاراً لعظم شأنها وإتقان نظامها وغزارة فوائدها وأنه مسخرة له - تعالى خاضعة لأمره\".\rونفهم السبق هنا، أثراً لما جمعت الخيل من قواها في نزعها المغرق وسبحها الناشط.\r* * *\r﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾\rويلحظ من مادة \"التدبير\" في القرآن، أن الفعل منه يجيء مضاراعاً، مسنداً إلى الله تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ في آيات: يونس ٣، ٣١، والرعد ٢، والسجدة ٥.\rوفي المضارعة معنى الاستمرار والإحضار وتدبيره تعالى إحكام للسنن الكونية. وليس على المفهوم من التدبير الكمي الذي يكون من البشر. وأصل التدبير في الاستعمال اللغوي، أنه من التفكير في دبر الأمور وعواقبها، على أنه يطلق عادة على تولى الأمر والنهوض بتنظيمه وإدارته، دون أن تنقطع صلته بالأصل اللغوي.\rوقد فسرها الراغب في النازعات، بأنها ملائكة موكلة بتدبير أمور الكون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187302,"book_id":1238,"shamela_page_id":112,"part":"1","page_num":128,"sequence_num":112,"body":"وفي الكشاف: \"إما أنها الملائكة تدبرا أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم، وإما أنها خيل الغزاة تدبر أمر الغلبة والظفر، وإما أنها النجوم تدبر أمراً في علم الحساب\".\rوفي البحر المحيط عن إبن عطية: \"لا أحفظ خلافاُ في أنها الملائكة التي تدبر الأمور التي سخرها الله تعالى وصرفها فيها، كالرياح والسحاب وسائر المخلوقات\".\rوقال الشيخ محمد عبده: \"ليس التدبير إلا ظهور الأثر لعمل الكواكب السابقات التي أنفردت بتدبير بعض الأمور الكونية\".\rوإذ فهمنا النازعات بالخيل في نزعها المغرق وسبقها السابح، يكون التدبير غاية ما تجمعت لو قواها فيما أريد لها من أمر الغلبة والحسم.\rووقف \"أبو حيان\" في آيات النازعات الخمس ألولى، عند الوصل بالواو مرتين وبالفاء مرتين. ونص عبارته فيه: \"والذي ظهر أن ما عطف بالفاء هو من وصف المقسم به قبل الفاء، وأن المعطوف بالواو هو مغاير لما قبله. على أنه يحتمل أن يكون المعطوف بالواو من عطف الصفات بعضها على بعض\".\rويظهر من صنيع المفسرين في توجيه الصفات الأربع، تبعاً لما أختاروه في تأويل النازعات، الميل إلى أعتبار الربط بالواو أو بالفاء من تتابع الصفات: فالناشطات والسابحات فالسابقات فالمدبرات، كلها أوصاف لموصوف واحد تعينه \"النازعات\".\rوالذي نراه أن السبق والتدبير يرتبطان بالسبح والنشط، وبالإغراق في النزع، على وجه الترتيب والتعقيب الملحوظ فيه السببية، وهو ما تقضى به طبيعة الاستعمال اللغوي للفاء، فإغراق الخيل في نرعها، ونشاطها المطلق وسبحها في الهواء، يعقبه ويترتب عليه أن تسبق فتدبر أمراً جمعت له قواها.\rونتفق مع الممفسرين في أن ما بعد الواو في الآيات الثلاث صفات لموصوف واحد، وإن كنا لا نجزم برأي \"أبي حيان\" في أن الواو هنا للعطف، إذ يحتمل كذلك أن تكون في المواضع الثلاثة، واو القسم اللافتة، وقد تغيرت بعدها الصفات والموصوف واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187303,"book_id":1238,"shamela_page_id":113,"part":"1","page_num":129,"sequence_num":113,"body":"وفي جواب القسم قيل: قد يكون محذوفاً وتقديره ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ لدلالة ما بعده عليه - قاله \"الفراء\"، ونص أبو حيان في (البحر) على أنه المختار.\rوعن الترمذي. أن الجواب: \"إن في ذلك لعبرة لمن يخشى\" - فيما يلي من السورة - رده إبن الأنبارى بقوله: وهذا قبيح. لأن الكلام قد طال.\rوقيل: الجواب، ليوم ترجف الراجفةتتبعها الرادفة. حذفت فيه اللام، ولم تدخل نون التوكيد، لأنه فصل بين اللام المقدرة والفعل.\rوقيل: التقدير، يوم ترجف الراجفة والنازعات، على التقديم والتأخير. رفضه أبو حيان وقال: ليس بشيء.\rوقول خامس. على تقدير: فإذا هم بالسهرة والنازعات. خطأه \"إبن الأنباري\"، لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام.\rوسادس يقول: الجواب، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ لأنه في تقدير: قد أتاك. قال فيه أبو حيان: \"ليس بشيء\".\rوأضاف: وهذا كله إعراب من لم يحكم العربية. وحذف الجواب هو الوجه.\rولا داعي عندنا لإطالة الوقوف عند هذه التأويلات، فليس القسم هنا على أصل وضعه اللغوي، فنحتاج معه إلى تسوية القاعدة في وجوب دخول اللام على الفعل مؤكداً بالنون في جواب القسم، وإنما يتم لنا بالمقطع الأول من السورة - بآياته الخمس - مشهد حسي وصورة مادية للخيل فيما تعاني من عنف النزع وقوة الجذب وشدة التجمع للإفلات والإنطلاق، كي تحسم أمراً أريدت له، وتبت في مصير حشدت له قواها، وعانت ف السيق إليه ما عانت من نزع وجذب، ومن تجمع وتقبض وتوثب، شأن النازع المغرق، والسابح في غير مجال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187304,"book_id":1238,"shamela_page_id":114,"part":"1","page_num":130,"sequence_num":114,"body":"والقرآن في سورة \"العاديات\" قد لفت إلى إنطلاق الخيل في غارتها المصبحة المفاجئة، وهو هنا يعرض المشهد من جانب حركة العدو، وما فيها من معاناة وتجمع وإنطلاق. والوقع المادي لحركة العجو، يوحى بها تهدر به صدور الخيل وهي تتجمع للمعركة، وما تضطرب به أعماقها وهي ننقبض وتتوثب، مقلنة من العقال، سابحة في الهواء، سابقة إلى حيث أريد لها، فإذا ما بلغت من ذلك كله، تدبير الأمر المراد، جاءت صورة أخرى غيبية، تصور حركة القيامة بما فيها من رجف ووجف، وما يصحبها من هزة عنيفة تغير الثابتمن نظام الكون، وتدبر أمراً كان حتماً مقضياً.\r* * *\r﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾\rالرجف: الاضطراب الشديد. ويستعمل لغة في الراجف: الحمى ذات الرعدة. والرجفة الزلزلة. ومنه أرجفت الأرض: زلزلت. ويستعار للفتنة ونحوها فيقال أرجف القوم إذا خاضوا في أخبار الفتن أو الإفك. ويقال كذلك أرجفوا إذا تهيئوا للحرب.\rوهذا التهيؤ للحرب، قريب من النزع المغرق حين تتهيأ الخيل للمعركة.\rوفي القرآن جاء الإرجاف مرة في الفتنة، يراد بها هز القيم وزلزلة الأمن، في آية الأحزاب ٦٠:\r﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ .\rوجاءت \"الرجفة\" أربع مرات كلها في موقف الفزع الشديد والاضطراب المزازل، وعبر عنها جميعاً بـ ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ في آيتى الأعراف: ٧٨، ٩١ ومعهما آيتا العنكبوت ٣٧ والأعراف ١٥٥.\rأما الفعل فجاء مرتين، كلتاهما في المضارع: آية النازعات، وآية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187305,"book_id":1238,"shamela_page_id":115,"part":"1","page_num":131,"sequence_num":115,"body":"المزمل ١٤: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ .\rوبها استأنس الزمخشري في تفسير الراجفة، بالأرض ترجف يوم القيامة. ولكنه لم يقف، وه�� البلاغي المفسر، عند إسناد الرجف إلى الأرض نفسها، مع وضوح الظاهرة الأسلوبية في الآيات بعدها: الرادفة والساهرة، والحافرة، وخاسرة.\rوالأصل فيه أن الأرض مرجوفة لا راجفة، وأن التابعة مردفة لا رادفة، وأن حفرة القبر محفورة لا حافرة، وأن الكرة خسر أصحابها، وكذلك الساهرة. وعدول القرآن عن هذا الأصل، إلى الإسناد لامجازى فيها جميعاً، ظاهرة أسلوبية لافته، لا يهون إغفالها.\rوفي سورة الزلزلة، أشرنا إلى غلبة استعمال الفعل مبنياً للمجهول، أو مطاوعاً، في الحديث عن يوم القيامة، وذكرنا أن في هذا تركيزاً للإنتباه في الحدث نفسه، ودلالة على الطواعية التلقائية التي يستغنى بها عن فاعل.\rوالذي قلناه في إخراج الأرض أثقالها وتحدثها بأخبارها، يقال مثله هنا في الأرض راجفة وهو مرجوفة، والرادفة وهي مردوفة، وكذلك الشأن وهنا تلقائية تعني عن ذكر المحدث. بما أودع جل شأنه الأرض من قوة وهنا تلقائية تغنى عن ذكر المحدث، بما أودع جل شأنه الأرض من قوة التسخير لما يريد لها. وهنا أيضاً مباغتة، لا يدري معها الإنسان يوم القيامة من أين جاء الرجف، وتركيز للإنتباه في أخذه الرجفة.\rوكما تنزع الخيل نحو غاياتها التي سخرت لها، بحركة تلقائية ذاتية، وتنشط وتسبح يقوى مودعة فيها، فكذلك الأرض يوم القيامة، ترجف بحركة تلقائية ذاتية، صائرة إلى ما سحرت له، فهي مرجوفة راجفة,\r* * *\r﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ .\rوالردف في العربية: الإتباع، والراكب يحمل غيره على ردف الفرس وراءه فيقال: ردفه. ثم أطلق على الإتباع بعامة، وإن لم يكن على ردف فرس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187306,"book_id":1238,"shamela_page_id":116,"part":"1","page_num":132,"sequence_num":116,"body":"وفي القرآن، جاءت المادة ثلاث آيات:\rالنمل ٧٢: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ .\rالأنفال ٩: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ .\rوالردف هنا في موضعه.\rوآية النازعات والرادفة فيها تابعة، والأصل أن يكون التابع مردفاً لا رادفاً. والعدول عنه كما في ﴿تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ بيان للطواعية والتسخير، والتلقائية التي يقع فيها الحدث على المجدث، فكأنه هو!\rوللمفسرين في تأويل الراجفة والرادفة أقوال: ففي (الكشاف، والبحر) أنهما النفختان تتبع الثانية الأولى وتلحق بها.\rوقيل: الراجفة هي الأرض، والرادفة السماء إذ تنشق وتنتثر كواكبها.\rوالأولى عندنا أن تكون الرادفة هي ما يتبع الرجفة من بعثرة ما في القبور، لتتصل الآية بما بعدها.\r* * *\r﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ .\rالوجف والوجيف لغة: الاضطراب. وربما كان الأصل فيه ضرباً من سير الخيل والإبل فيه سرعة مضطربة، وقد التفت \"الراغبط إلى هذا الاستعمال اللغوي الأصيل، في تفسير ﴿وَاجِفَةٌ﴾ ، وتقوى بد دلالة الوجف هنا على الاضطراب الناشيء من عنف خفقات القلوب واضطراب وجيبها في رجة القيامة.\rوالخشوع يكون عن ضراعة أو عن رهبة وإجلال، وهو في الصوت والبصر: السكون والغض، وفي الكوكب: دنوه من الغروب، والخشعة، بالصم: الأكمة اللاظئة بالأرض. وتخشع: تضرع.\rوكل خشوع في القرآن الكريم، إنما يكون لله سبحانه من مخلوقاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187307,"book_id":1238,"shamela_page_id":117,"part":"1","page_num":133,"sequence_num":117,"body":"وحين يكون الخشوع من المؤمنين، فهو في الحياة الدنيا، عن صدق إيمان بالله واليوم الآخر:\r(البقرة ٤٥، آل عمران ١٩٩، الأنبياء ٩٠، الإسراء ١٠٩، المؤمنون ٢، الأحزاب ٢٥، الحديد ١٦) .\rوأسند الخشوع لله، إلى الأصوات (١٠٨ طه) والأرض (٣٩ فصلت) على سبيل المجاز، عن فرط الرهبة والإجلال. ومن ذلك أيضاً آية الحشر ٢١\r﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ .\rوجاء في موقف الذلة والهوان والخوف، مسنداً إلى الأبصار ٤ مرات، وإلى الوجوه مرة واحدة، يوم الهول الأكبر، في آيات:\rالمعارج ٤٤: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ .\rالقلم ٤٣: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ .\rالغاشية ٢: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ .\rالقمر ٧: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ .\rوآية النازعات: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ .\rوالآيات الخمس مكية، وكلها في موقف القيامة، وأربع منها صريحة الاختصاص بالكافرين، والخامسة - وهو آينة القمر - يرجح السياق أنها كذلك. من ثم نطمئن إلى أن خشوع الأباصر في آية النازعات، هو غض البصر عن ذلة وإنكسار، وشعور بهول الموقف الرهيب الذي يستيقن فيه الكفار من فداحة الذنب وصدق النذير وسوء المصير:\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187308,"book_id":1238,"shamela_page_id":118,"part":"1","page_num":134,"sequence_num":118,"body":"﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ .\rالرد: الرجع والعود، والارتداد: الرجوع في الطريق الذي جيء منه.\rوالردة تختص بالرجوع إلى الكفر، أما الارتداد ففي الكفر وغيره. والاسترداد: الاسترجاع (الراغب) .\rويتعين معنى الرجوع والعود في الاستعمال القرآني حين يكون الرد إلى الله، في مثل آيات:\rالكهف ٣٦، ٨٧، الأنعام ٦٢، يونس ٣٠، النساء ٥٩، التوبة ٩٤، الجمعة ٨.\rويتعين معنى الردة، حين يكون الارتداد رجوعاً عن الدين في مثل آيات:\rالبقرة ١٠٩، ٢١٧، آل عمران ١٠٠، محمد ٢٥، المائدة ٥٤.\rويتعين معنى الإرجاع في مثل آيات:\rإبراهيم ٩، النساء ٨٣، القصص ١٣، يوسف ٦٥، البقرة ٢٢٨.\rوقريب منه استعمال الرد في رجع التحية \"النساء ٨٦\" وهو شبيه باستعمالنا الرد في الجواب.\rوقوله تعالى: ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ يونس ١٠٧ ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ هو ٧٦ ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ الأنعام ١٤٧ ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾ يوسف ١١٠، ملحوظ فيه مع الإرجاع معنى الصرف، فلا صارف لفضل الله، ولا مرجع عن عذابه وبأسه.\rويتعين معنى الرجوع في الطريق الذي جئ منه، مادياً، أو معنوياً، حين يصرح بالرد على الأعقاب، أو الأدبار، وذلك في مثل آيات: آل عمران ١٤٩، الأنعام ٧١، الأعراف ٥٣.\rأو على الآثار كآية الكهف ٦٥.\rأو مع لفظ ﴿كُلَّ مَا﴾ في مثل آية النساء ٩١:\r﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ .\rوكذلك مع كرة، في آية النازعات، وآية الإسراء ٦:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187309,"book_id":1238,"shamela_page_id":119,"part":"1","page_num":135,"sequence_num":119,"body":"﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ .\rوكل هذه المعاني متقاربة، وبها يفسر ﴿مَرْدُودُونَ﴾ بمعنى الإرجاع والعودة إلى حيث كانوا ﴿فِي الْحَافِرَةِ﴾ .\rوالحفرة في اللغة معروفة، والحفر: إخراج التراب من الحفرة، والمحفرة: المسحاة أو ما يحفر به، وسمى حافر الفرس لحفرة في عدوه. وسموا القبر حفيراً، والذي يحفر القبور حفاراً. وأما الحافرة فأصل استعمالها أن العرب كانت لا تبيع الخيل نسيئة بل تقول: النقد عن الحافرة. تعني ألا يزول حافر الحصان عن مكانه حتى ينقد ثمنه، ثم نقل استعماله إلى كل أولى، ومنه قيل للخلقة الأولى حافرة (القاموس، البحر المحيط) وقالوا: رجع فلان في حافرته، أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها وأثر فيها بمشيه، جعلوا أثر قدميه حفراً.\rوقد جاءت المادة في القرآن مرتين:\rآل عمران ١٠٣: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ .\rوالنازعات: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ .\rوبكلا المعنيين: حفرة القبر، والحالة الأولى، فسرت آية النازعات، وأقتصر \"الزمخشري\" على المعنى الثاني.\rوفي (الطبري، والبحر) عن إبن عباس: الحافرة الحياة الثانية.\rوقيل: الحافرة النار. ذكره أبو حيان.\rوهو ما لا يستطاع حمل اللفظ عليه، فيما نرى، إلا على بعد وتكلف.\rوقيل: الحافرة جمع حافر بمعنى القدم، أي مردودون أحياء نمشي على أقدامنا، ونطأ بها الأرض. وليس من المألوف استعمال الحافر للإنسان إلا أن يستعار.\rوالأولى أن يستبقى اللفظ دلالته اللغوية على حفرة القبر وعلى الحالة الأولى.\rفيكون السؤال حين ترجف الراجفة: أننا لمردودون في حفرة القبر أحياء، عائدون إلى حالتنا ألولى؟\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187310,"book_id":1238,"shamela_page_id":120,"part":"1","page_num":136,"sequence_num":120,"body":"﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ .\rوقرئ ناخرة، كلاهما من النخر بمعنى البلى، لكن نخرة أبلغ من ناخرة. ولعل أصل استعماله اللغوي في النخير: الصوت ينبعث من شيء أجوف، والمنخر الأنف، والناخرة من العظام: المجوفة فيها ثقب. وربما لحظ في الشيء الأجوف أو المثقوب، الهشاشة وسرعة التفتت، فأطلق النخر والناخر على البالي المتفتت، والنخرة من العظام: البالية.\rولم يأت من المادة في القرآن، غير ﴿نَخِرَةً﴾ في آية النازعات.\rفسرها الراغب بأنها من قولهم: نخرت الشجرة أي بليت.\rوالأقرب عندنا أن يفسر بالاستعمال اللغوي، في التفتت والبلى.\rوالسؤال في: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ يحتمل عند المفسرين أن يكون على وجه التمني، إذ يقولون في موقف الهول: ليتنا نرد في الحافرة ونكون عظاماً نخرة، ولكن يبعد هذا الإحتمال قولهم بعد ذلك: تلك إذن كرة خاسرة. إذ لو كان الاستفهام على وجه التمني، لكانت الكرة في حسابهم رابحة، كالذي في آيتي:\rالشعراء ١٠٢: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .\rوالزمر ٥٨: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .\rفهل الاستفهام هنا على وجه الاستبعاد والاستهزاء كما ذكر \"الزمخشري وأبو حيان\"؟\rالاستهزاء قريب والاستبعاد متبادر في سؤال الكفار للرسل، بآيات:\rالإسراء ٤٩: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187311,"book_id":1238,"shamela_page_id":121,"part":"1","page_num":137,"sequence_num":121,"body":"جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .\rالإسراء ٩٨: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .\rالمؤمنون ٨٢: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .\rالواقعة ٤٧: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ ؟\rزالآيات كلها مكية والسياق فيها متشابة: فهي من جدال الممارين في البعث، والسؤال بها ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ ؟ مما قالوه في الدنيا لرسل الله إليهم، على وجه الاستبعاد والتكذيب والإنكار.\rوليس الأمر كذلك مع آية النازعات حيث السؤال يوم ترجف الراجفة، لا في الحياة الدنيا. وهو يأتي مع الفعل المضارع ﴿يَقُولُونَ﴾ التي انفردت بها آية النازعات، دون الآيات السابقة التي صدر السؤال فيها بالفعل ماضياً ﴿قَالُوا﴾ والمضارعة تعني الإحضار، وبهذا الإحضار يتجه مقول القول إلي موقف القيامة، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ..... ﴿يقولون أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ ؟ ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ ؟\rومقتضى هذا عندنا، أن يحمل الاستفهام هنا، لا على وجه التمني الذي تصرف عنه الآية التالية، ولا وجه الاستهزاء الذي لا يمكن تصوره في مثل ذلك الموقف، ولا على وجه الإنكار الذي لا محل له مع الإحضار وتحقق البعث،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187312,"book_id":1238,"shamela_page_id":122,"part":"1","page_num":138,"sequence_num":122,"body":"وإنما على وجه الدهشة والإستغراب والخوف، وحيرة المأخوذ برجفة القيامة بغتة!\r* * *\r﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ .\rالكر: العطف على الشيء بالذات أو بالفعل، ويقال للحبل المفتول: كر، فيلحظ فيه معنى العود يالفتل، وسمى الليل أو النهار كرة، لما فيهما من عود وتكرار.\rوجاءت كرة في القرآن، مصدر المرة من: كر، أي إنعطف وعاد، في خمسة موضاع، أحدها في العودة الغلبة والنصر بعد هزيمة:\rوأربعة في العودة إلى الحياة الدنيا:\rالإسراء ٦: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ .\rالبقرة ١٦٧: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ .\rالشعراء ١٠٢: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؟\rالنور ٥٨: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .\rوآية النازعات: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾\rوجاءت كرة مثناة في آية الملك ٤:\r﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187313,"book_id":1238,"shamela_page_id":123,"part":"1","page_num":139,"sequence_num":123,"body":"وإذا فسرنا الرد في الحافرة، بأنه البعث للقيامة، فالكرة في آية النازعات بمقتضى اسم الإشارة، هي تلك العودة والرجعة إلى الحياة بعد موت.\rوالخسارة نقيض الربح، ويكثر استعمال الخسر في النقص والهلاك والضياع. وكرة الكرة خاسرة، مطرد مع النسق البياني الذي أشرنا إليه في الحافرة والراجفة والرادفة. وقد ذهب بعض المفسرين إلى تعيين الخاسرين هنا بأنهم صناديد قريش الذين كذبوا بالآخرة، و ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ على وجه الاستهزاء.\rوقد مضى القول في استبعاد الاستهزاء في موقف القيامة ورجفت البعث. ويمنعه أيضاً أن الأستفهام في الآيتين السايقتين جاء مع فعل المضارعة ﴿يَقُولُونَ﴾ الذي يعني الإحضار. أما الكرة الخاسرة فجاءت مع الفعل ماضياً ﴿قَالُوا﴾ وأتدبر هذا الانتقال من المضارعة إلى المضي، فأراه يهدي إلى بيان وجه المقول وتحديد الجو الذي قيلت فيه كل منهما، والدلالة على الحالة النفسية للقائلين في كل من الموقفين: بغتتهم رجفة القيامة، بما تبعها من هزة ووجيف وخشوع، فهم يقولون في ذهشة المأخوذ من فوجئ بما لم يكن في حسابه قط: لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ؟ أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً؟ ولم يكن الموقف بحيث يحتاج إلى إجابتهم عما سألوا عنه، وقد قضى الأمر وصار كل هذا الذي كذبوا به وأستبعدوه واقعاً مشهوداً. فلما عاينوا اليقين ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ في حسرة وندم ويأس.\rوفي كلمة ﴿قَالُوا﴾ من سر البيان، أنها تأتي حيث يبدو في ظاهر الأمر إمكان الإستغناء عنها بـ: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً؟ تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ. ومجيئها هو الذي يوجه إلى أنتقالهم من حال إلى حال.\rفهم في أخذه الرجفة يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ؟ والمضارعة هنا هي التي تلائم حيرة المأخوذ وعجب المستغرب. كما أن المضى في ﴿قَالُوا﴾ بعد أن أتاهم اليقين، هو الملائم لحالة اليأس من استرجاع ما فات أو استدراك ما مضى والتيقن من الخسران المحقق والمصير المحتوم.....\rهذا مما يوجه إليه ﴿يَقُولُونَ﴾ في صدر الآيتين الأوليين، عند رحفة القيامة ثم المغايرة بـ ﴿قَالُوا﴾ حين تحقق الخسران وقضى الأمر فلا سبيل إلى أسترجاع ما فات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187314,"book_id":1238,"shamela_page_id":124,"part":"1","page_num":140,"sequence_num":124,"body":"﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ .\rالزجرة الصيحة، وأكثر ما تكون في سوق الكلب والبهم والدواب، ويلحظ فيها معنى الإذلال، من قولهم: تركه بمزجر الكلب. وناقة زجور: لا تدر لبنها حتى تزجر. كما استعملوا الزجر في التأنيب أو الردع، ومنه في القرآن الكريم آية القمر ٤:\r﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ .\rوجاءت \"زجرة\" مرتين:\rآية الصافات ١٩: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ .\rوآية النازعات.\rوالآيتان مكيتان، ووحدة السياق فيهما تجعلنا نطمئن إلى أن الزجرة فيهما ليست مجرد صيحة، وإنما هي صيحة فيهل كل ما يحتمل الزجر من قهر وردع وهوان، مع ملحظ قريب من المعنى الحسي الأصيل للمادة، من قولهم زجر الكلب إذا ساقه! دون تحديد هذه الزجرة \"بأنها النفخة الثانية يبعث بها الأموات\" كتأويل الزمخشري.\rوالمفأجاة فيها صريحة بإذا، وهي تناسب الزجرة الواحدة. وبغتة القيامة، وتتسق بيانياً مع حركة الخيل في صدر السورة، وعنف معاناتها لتنطلق ناشطة سابحة. إلى حسم معركة وتدبير أمر.\rولشد ما تكلف المفسرون في تأويل الساهرة!\rقيل: هي الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم: يمين ساهرة، اي جارية الماء! قاله الزمخشري. ومثله الشيخ محمد عبده.\rوقيل: هي جهنم، عن قتادة (الكشاف والبحر) .\rوعن إبن عباس: هي أرض من فضة، يخلقها الله تعالى (جاء في البحر) .\rوعن وهب بن منبه: جبل بالشام يمده الله يوم القيامة لحشر الناس!\rوقيل: بل هي أرض مكة، أو أرض قريبة من بيت المقدس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187315,"book_id":1238,"shamela_page_id":125,"part":"1","page_num":141,"sequence_num":125,"body":"وقيل: بل هي الأرض السابعة يأتي بها الله يحاسب عليها الخلائق.\rوهكذا يقول تعالى ﴿السَّاهِرَةِ﴾ فيجعلون منها أرضاً من فضة، بيضاء مستوية يجري فيها السراب، ويحددون مكانها فهي مكة، أو الشام، أو بيت المقدس، أو هي الأرض السابعة يأتي بها الله!!\rولو قصد القرآن إلى شيء من هذا لصرح به، لكنه لم يقصد إلى تحديد موقع الأرض ولونها وشكلها ومادتها، وإنما أكتفى ﴿بالسَّاهِرَةِ﴾ وصفاً لساحة الحشر أو عرضات جهنم حيث لا نوم هنالك ولا رقاد! وهو مأخوذ ببساطة عن قرب. من المدلول اللغوي للسهر: عدم النوم ليلاً. وقالوا: ليل ساهر، ذو سهر، والقمر ساهر وساهور، لذلك. والساهرية نوع من العطر، سميت بذلك لأنه يسهر في عملها وتجويدها.\rولم ترد ملدة \"س هـ ر\" في القرآن إلا في آية النازعات، فهل في سياقها أو مادتها، أو أصل أستعمالها اللغوي، ما يشير من قرب أو بعد، على الحقيقة أو المجاز، إلى فضة وبياض، وإلى شام وحجاز، وإلى أرض سابعة وغير سابعة، وإلى إستواء وعدم إستواء؟\rوأين في القرآن كله، من غيب الآخرة، ما يحدد موضع مكان الحشر أو جهنم، حتى يجوز القول بأن الساهرة أرض مكة أو بيت المقدس أو جبل بالشام؟!\r* * *\r﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187316,"book_id":1238,"shamela_page_id":126,"part":"1","page_num":142,"sequence_num":126,"body":"هنا يلفت القرآن إلى مصير طاغية علا ةتكبر وقال: أنا ربكم الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة وألاولى....\rوذلك هو مصير الطغاة في الآخرة....\rوإنه لكذلك مصيرهم في الدنيا.\rوبحسب القرآن أن يلفت إلى مصير طاغية، ليكون عبرة لمن يخشى.\rولم يعن القرآن هنا بشيء من تفصيل القصة: لم يذكر نشأة موسى، وصلته الأولى بفرعون. ولم يحدد تاريخ الحادثة، بل لم يذكر كذلك نوع الآية الكبرى التي أراها موسى فرعون، ولا نوع النكال الذي أخذه الله به في الآخرة والأولى.\rوإنما الذي عناه أن يعرض من القصة موضع العبرة دو تعلق بتفصيل لجزئيات مما ليس من جوهر الموقف.\rوقد بدأ هنا بالسؤال اللافت المثير:\r﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ .\rفطوى كل ما كان من قصة موسى قبل هذا الحديث إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى.\rوالوادي المقدس، هو المكمان المطهر الذي تجلى فيه سبحانه لموسى وكلمه، وألقى إليه رسالته. ةفي قصة موسى من سورة طه:\r﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ٩ -١٢طوقدهد المفسرون في تأويل طوى وإعرابها، كما أختلف القراء في قراءتها.\rقرئت: طُوًى، بالضم والقصر والتنوين، وقيل هي علم على الوادي المقدس، فتعرب بدلاً أو عطف بيان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187317,"book_id":1238,"shamela_page_id":127,"part":"1","page_num":143,"sequence_num":127,"body":"وقرئت: طُوَى بالضم والقصر مع عدم التنوين. فتكون معدولاً بها عن \"طاو\" ويمنع الصرف على اعتبار البقعة، اي المكان.\rوفي قراءة: \"طِوًى\" بالكسر والقصر والتنوين. مصدراً بوزن الثنى وبمعناه. لأن الثنى بالكسر والقصر: الشيء الذي تكرره. فكذلك الطوى للوادي ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين.\rوقال قطرب: طوى من الليل. أي ساعة. والمعنى قدس لك الوادي في ساعة من الليل، لأن موسى نودي بالليل فلحق تقديس مجدد (البحر) .\rوقريب أن يكون \"طوى\" اسماً للوادي المقدس، وقد ذكره (الراغب) في المفردات.\rوأقرب منه، والله أعلم، أن تكون حالاً للوادي المقدس، حيث طويت الأبعاد ما بين أرض وسماء.....\r* * *\r﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ .\rالطغيان: تجاوز الحد، ويستعمل لغة في الماء يتجاوز الحد إلى الخطر.\rومنه في القرآن:\rآية الحاقة ١١: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ .\rوفسروا الطاغية كذلك بالطوفان في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ .\rعلى أن أكثر استعماله القرآني، في تجاوز الحد في العصيان والكفر، وهو المعنى القريب في آيات:\rالبقرة ١٥، الأنعام ١١٠، الأعراف ١٨٦، يونس ١١، المؤمنون ٧١، الإسراء ٦٠، المائدة ٦٤، ٦٨، ص ٥٥، عم ٢٢.\rكما جاء بمعنى تجاوز الحد، في التجبر والعتو والظلم، في آيات:\rالعلق ٦، الفجر ١١، الإسراء ٦٠، الكهف ٨٠.\rواسند الطغيان إلى فرعون موسى، في آيتي طه خطاباً لموسى:\r﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ٢٤.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187318,"book_id":1238,"shamela_page_id":128,"part":"1","page_num":144,"sequence_num":128,"body":"﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٤٣.\rو��ي آية النازعات:\r﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ .\rوالاستفهام هنا للعرض مع تلطف. وهذا التلطف في عرض الرسالة، صريح في آية طه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وفيه كذلك رجاء صريح، بشاهد من: ﴿لَعَلَّهُ﴾ .\rوالزكاة النمو عن خير وبركة. وتزكية النفس: أن تتطهر وتنمو فضائلها، وقد أمر الله تعالى موسى أن يذهب إلى فرعون فيقول له:\r﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾\rوالهداية: الإرشاد إلى الطريق المستقيم، ولعل أصل استعماله في الهدى: الصخرة الناتئة في الماء يؤمن بها العثار. والهدى: وجه النهار يتضح فيه الطريق. واللافت هنا إضافة رب إلى كاف الخطاب، مع أن فرعون لم يكن يؤمن برب موسى، وهذه الإضافة مقصود بها التقرير والإبزام، والتمهيد لقوله: ﴿فَتَخْشَى﴾ ، إذ الخشية من فرعون لن تكون إلا عن إيمان بربه.\r﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ .\rالآية: العلامة، ويكثر استعمالها - دينياً - في الدلالة على وجود الله وعظمته ووحدانيته وقدرته وفي المعجزات التي يؤيد بها من يصطفيهم لرسالاته.\rوهي في \"النازعات\" العلامة الدالة على أن موسى مبعوث برسالة من الله جل وجلالة، أو بعبارة المفسرين: \"المعجزة الدالة على صدقة\".\rووصفت الآية بالكبرى تعظيماً وتقريراً لقوة دلالتها وبلوغها في تأييد رسالة موسى غاية المدى. وإذا كانت هناك ضرورة لتحديد هذه الآية الكبرى، فلنا أن نستأنس بحديث موسى في سورة طه: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ .\rوقال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187319,"book_id":1238,"shamela_page_id":129,"part":"1","page_num":145,"sequence_num":129,"body":"وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ١٧ - ٢٤.\rوقد حاول مفسرون تأويل درجة كل ىية من هذه الآيات. وقيل فيما قيل: إن اليد أعظم في الإعجاز من العصا لأنه عقب على ذكر اليد بقوله: لنريك من آياتنا اكبرى. وقيل: بل العصا أعظم، لأنه ليس في اليد إلا تغيير اللون، وأما العصا ففيها تغيير اللون، وخلق الحياة والقدرة في الجماد، (البحر المحيط) .\rوإذ جاءت ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ في النازعات مطلقة بغير تحديد، فقد ترددوا ما بين العصا واليد، ثم رأى بعضهم حسم الموقف بإعتبارهما آية واحدة، لأن العصا ملازمة لليد، فقال الزمخشري: \"الآية الكبرى قلب العصا حية، لأنها كانت المقدمة والأصل، والأخرى - يعني اليد - كالتبع لها لأن موسى كان يتقيها بيده، أو أرادهما جميعاً، وجعلهما واحدة، لأن الثانية أي اليد كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها\" (الكشاف) .\rوقال أبو حيان: \"الآية الكبرى هي العصا واليد معاً، جعلهما آية واحدة، لأن اليد كأنها من جملة العصا لكونها تابعة لها\" (البحر المحيط) .\rوالأولى ألا نحدد الآية هنا، ما دام القرآن نفسه لم ير تعيينها في هذا الموضع، مك��فياً بوصفها بالكبرى، وهي صيغة تشهد بمبلغ دلالة الآية على صدق موسى، وعلى قدرة ربه، رب فرعون والخلق جميعاً.\r* * *\r﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ .\rهنا ينتقل الطاغي من التكذيب، إلى العصيان، إلى إدعاء الربوبية وهو أتعس الطغيان والكفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187320,"book_id":1238,"shamela_page_id":130,"part":"1","page_num":146,"sequence_num":130,"body":"والايات المحكمة تعرض مراحل هذا الإنتقال، في خطوات متتابعة، تسلم كل منها إلى أخرى أفدح واشد نكراص: بدأ فكذب بعد إذ أراه موسى الآية الكبرى. وعصى الرسول، ثم ولى مدبراً يسعى في تأكيد سلطانه وحمايته من خطر داهم يهدده، وكان سعيه هذا نتيجة لما ملأ نفسه من قلق، لو شاعت مقاله موسى في الناس، وأراهم ما أراه من ألاية الكبرى، فأبطلت ما يدعيه فرعون لنفسه من ربوبية.\rوالإدبار هنا هو الإعراض عن موسى وما أراه من الاية الكبرى.\rوالسعي لا يكون في هذا الجو النفسي - المروع بما سمع من النبي المرسل ورأى من آيته الكبرى - إلا لمواجهة الخطر والحيلولة دون تصديق الناس برسالة موسى. وهذا هو ما تفهمه الآيات البينات من قرب، دون حاجة إلى تكلف في تأويل الإدبار هنا بأنه فرار فرعون مرعوباً من الحية، وأن السعي هو الإسراع في المشية عن ذعر وطيش \"وقد كان فرعون رجلاً طياشاً خفيفاً\" على ما ذكر مفسرون، ولا ندري من أين جاءهم علم بذاك.\rوإنما نستبعد هذا التأويل، لأن الذعر من رؤية الثعبان منقلباً عن عصا، يبدو لنا مستبعداً في بيئة كانت تمارس السحر وتأليف أفاعيل السحرة، فليست رؤية عصا تنقلب حية تسعى، بحيث تثير رعب فرعون وتدفعه إلى الفرار مذعوراً. والقرآن نفسه يحدثنا في (سورة طه ٥٧و ٧١) عن موقف فرعون حين حشر السحرة من قومه، فألقوا حبالهم وعصيهم. ثم ألقى موسى عصاه فإذا هي ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ويمضي القرآن فيصور لنا وقع هذه الآية على السحرة وعلى فرعون: أما هم فسجدوا خاشعين أمام المعجزة وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ وأما فرعون فثبت على كفره وطغيانه، وأنكر تسليم السحرة وتوعد وأنذر. قال:\r﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187321,"book_id":1238,"shamela_page_id":131,"part":"1","page_num":147,"sequence_num":131,"body":"فكيف يقال، وهذا موقفه عندما غلب سحرته وخروا سجداً: إنه أدبر مذعوراً عندما إنقلبت عصا موسى حية، وفر بنفسه هارباً؟\rما نطمئن إليه، هو أن مسعاه كان لتدبير الأمر ودفع الخطر الذي يهدده:\r﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ .\rلم يصرح القرآن بمفعول حشر، ولكن لفظ الحضر بما له من دلالة صريحة على الجمع المزدحم، يغني عن ذكر المحذوف. وقلما يستعمل الحشر - لغة - لإلا في موضع الحشد والشدة، ومنه حشر الجماعة أي إخراجهما إلى الحرب، والقرآن الكريم، يستعمله غالباً في اليوم الآخر، وقد سمي \"يوم الحشر\" في أكثر من ثلاثين موضعاً، أما استعماله في الحياة الدنيا فجاء منه في القرآن: وآية النمل ١٧: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُو��ُهُ﴾ .\rوآية الحشر في خروج الذين كفروا من أهل الكتاب، من ديارهم في خبير شمالى الحجاز: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ .\rوآية ص ١٩: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ لداود ﵇.\rوخمس مرات مع فرعون موسى: طه ٥٩.\rالأعراف ١١١، الشعراء ٣٦، ٥٣، والنازعات ٢٣.\rوالنداء في: فحشر فنادى، مسند إلى ضمير فرعون، لكن الزمخشري ذكر فيه إحتمالين:\rأن يكون فرعون \"قد أمر منادياً فنادى في الناس بذلك\".\rوهذا ما لا يعين عليه النص.\rأو \"أن يكون قد قام بنفسه خطيباً\".\rوالإيجاز البليغ في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ينفي أن يكون الموقف موقف خطابه، وإنما هي كلمات ثلاث لم تزد. ولهذا الإيجاز دلالته على الحالة النفسية للطاغية حين شعر بالخطر، وهو متسق مع ما يسيطر على السورة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187322,"book_id":1238,"shamela_page_id":132,"part":"1","page_num":148,"sequence_num":132,"body":"كلها من سرعة حاسمة، على حين كان مقام التفصيل في (سورة طه) حيث ورد \"حديث موسى\" في نحو تسعين آية، اتسعت لذكر الحوار بين فرعون وموسى، ثم بينه وبين السحرة، وهو ما لم يتجه القصد إلى شيء منه في (النازعات) - وموضوعها اليوم الآخر، لا قصة موسى - اكتفاء بموضع العبرة في بيان مصير الطغاة.\rوفي لفظ ﴿الْأَعْلَى﴾ هنا ملحظ دقيق، فليس القصد منه معنى المفاضلة، وإنما هو الإطلاق غير المحدود بمفضول، ومثله: الأشقى، والأتقى، والأعلى ف سورة الليل، على ما سوف نزيده بياناً في الجزء الثاني من هذا الكتاب.\r* * *\r﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ .\rأصل النكل في اللغة: قيد الدابة وحديدة اللجام. نكلته: قيدته. لحظ فيه عجز المنكول وهوانه، فاستعمل التنكيل في مطلق الإذلال، منتقلاً إليه من معناه الأول وهو القيد والغل.\rوجاءت المادة في القرآن في خمسة مواضع:\rالمزمل ١٢: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ جمع نكل.\rالنساء ٨٤: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ .\rوصيغة نكال، في الآيات الثلاث:\rالبقرة ٦٦: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ .\rالمائدة ٣٨: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187323,"book_id":1238,"shamela_page_id":133,"part":"1","page_num":149,"sequence_num":133,"body":"وآية النازعات في فرعون موسى.\rوللمفسرين في تأويل ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ قولان:\rأحدهما، إنه الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة.\rوالثاني: أنه نكال كلمتيه الآخرة وألولى فقد قال مرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ .\rوقال أخرى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص ٣٨) .\rوليس في السياق هنا ما يشير إلى احتمال أن يقصد بالأخرى والأولى في النازعات كلمتان لفرعون، وإنما نطمئن فيها إلى تفسير الآخرة والأولى، بالحياتين الأخرى والدنيا.\rوقدمت الآخرة على الأولى، لآن نكالها أفدح وأبقى.\r* * *\r﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ .\rالعبرة: الإعت��ار، وربما كان استعماله اللغوي الأول في تعبير الدراهمأي وزنها لمعرفة قيمتها، أو من: عبر الوادي. إذا قطعه من عبره إلى عبره. وقيل عبر الكتاب إذا تدبره ولم يرفع صوته بقراءته. وناقة عبر أسفار: مجربة لا يزال يسافر عليها.\rواستعمال العبرة في الاعتبار، ملحوظ فيه أن المرء يرى مثلاً أمامه فيزنه ويخبره ويتدبره ويتعظ به. والمثل هنا في \"النازعات\" هو فرعون الذي طغى، وكذب وعصى ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ .\rوحسبه مثلاً لمن يتعظ، وعبرة لمن يخشى.\r* * *\r﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187324,"book_id":1238,"shamela_page_id":134,"part":"1","page_num":150,"sequence_num":134,"body":"ظاهر الخطاب أنه عام. والمقصود منكرو البعث، على ماقال \"أبو حيان\" وإنما أنكروه أستبعاداً لإمكان عودة الإنسان إلى الحياة الدنيا بعد أن يقبر ويبلى. ولو تدبروا آيات الله في الكون لوجدوا فيها ما ليس أسهل ولا أهون من إحياء العظام وهي رميم. وقد ساق القرآن هذه الآيات بأسلوب الاستفهام ليرجعوا إلى أنفسهم فيلتمسوا جواب ما سئلوا عنه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ .\rولمنن شاء منهم أن يتصور صعوبة بناء سماء كهذه، وقد ألفوا في المبنى أن يكون بمنال اليد وأن يشد بما يمسكه ويرفعه فلا ينقض، وأين ذلك كله من تلك السماء، في ارتفاعها الشاهق الذي لا مجال لبلوغه، وفي قيامها على غير عمد ترى أو قوائم تحس!\rوالسمْكُ: القامة والعلو. وتكلف مفسرون فحددوا مقدار ذلك السمك، ففي (الكشاف والبحر) : \"جعل مقدارها في العلو مديداً رفيعاً، مقدار خمسمائة عامّ\" وهذا ما لا يقبله النص من قريب ولا بعيد، كما أنه ليس من مألوف البيان القرآني فيما تناول من ظواهر الكون وآيات القدرة الإلهية فيها. وهو من تفاوت قياس السرعة بالزمن، على اختلاف العصور، فما كان يقاس أيام الزمخشري بالأعوام، في عصر الناقة، أصبح يقاس بالدقائق والثواني في عصر غزو الفضاء!\rوذهب الشيخ محمد عبده إلى أن رفع السمك هنا هو \"رفع أجرام السماء فوق رءوسنا\" ولا يبدو قوياً.\rأما التسوية - وهي في اللغة استقامة واعتدال وإتزان - فمن المفسرين من تأولها هنا بالتتميم وبالإصلاح (الكشاف) وبجعلها ملساء ليس فيها تفاوت، وبإتقان الإنشاء وإحكام الصنعة (البحر المحيط، ومفردات القرآن) .\rوهي معان متقاربة، يحتملها النص في قبر وبلا تكلف، وأما قول الشيخ محمد عبده إن التسوية هي \"وضع كل جرم في موضعه\" فلا يعطي من قرب، الدلالة القرآنية العامة للتسوية والسوى والسواء، بمعنى الإستقامة والإعتدال، فيما يكون في استوائه ملحظ دقة وإحكام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187325,"book_id":1238,"shamela_page_id":135,"part":"1","page_num":151,"sequence_num":135,"body":"وإغطاش الليل: إظلامه. وفي العربية: فلاة غطشاء وغطشى لا يهتدي بها، والغطش - محركة - الغمش، وغطش فلان غطشاً وغطشاناً، مشى رويداً من مرض أو كبر، والتغاطش: التعامي عن الشيء.\rولم تأت المادة في القرآن في غير هذا الموضع.\rوالإخراج للضحى، وهو إنبساط ضوء الشمس، فيه لفت إلى خروجه من الليل، آية من آيات القدرة في الضحى يخرج من الليل وينسلخ منه فإذا الضوء الشافر يعقب الظلمة الغطشى:\rوإضافة الليل والضحى إلى السماء، لأنها مجال الضوء والظلام تسفر منها الشمس فإذا الضحى متألق، وتغيب فإذا الليل مغطش.\r* * *\rومن آيات قدرته تعالى:\r﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ .\rفسر الراغب ﴿دَحَاهَا﴾ بأنه أزالها عن مقرها، أخذه من قولهم: دحا المطر الحصى من وجه الأرض أي جرفه. ومر الفرس يدحو إذا جر يده على وجه الأرض فدحاً ترابها.\rولعل الأقرب أن يؤخذ من: دحيت الشيء أدحاه دحياً بسطته، والمدحاه كمسحاة: خشبة تمر على الأرض لا تأتي على شيء إلا اجتحفته، وتدحى: تبسط. وقيل لمبيض النعام: الأدحى والمدحى، لأنه يدحوه برجله ويبسطه ويوسعه ثم يبيض فيه. وهو المختار عند الزمخشري وأبي حيان.\rوظاهرة البسط في هذه الأرض واضحة، على المشهود المرئي، آية من آيات قدرته تعالى في الكون.\rوالمرعى، مفعل من الرعى: والصيغة تحتمل أن تكون للمصدر وللزمان والمكان، لكن الأرجح أن المراد به هنا ما يرعى، وهو مفهوم المرعى كذلك في سورة الأعلى ٤:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187326,"book_id":1238,"shamela_page_id":136,"part":"1","page_num":152,"sequence_num":136,"body":"﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ .\rوالأصل في الرعى أن يكون للإبل والأنعام، وقد جاء بهذا المعنى في آية طه ٥٤:\r﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ .\rواستعارة الرعى للإنسان قربية ومألوفة. ومنه الراعى والرعية.\rوفي تقديم الماء على المرعى، بآية النازعات، يقول أبو حيان: إن الماء سبب المرعى.\r* * *\r﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ .\rالإرساء: التثبيت والترسيخ، ومن استعماله في الحسيات: الرمى - كغبى - وهو العمود الثابت وسط الخباء، وقدر راسية: لا تبرح مكانها لعظمها. وقالوا: ألقت السفينة مراسيها إذا استقرت، وكذلك السحابة إذا أستقرت جادت.\rومنه في القرآن: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ سبأ ٣١.\r﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ هود ٤١.\rعلى أن المتدة يكثر مجيئها في الجبال، لوضوح الثبات والرسوخ فيها، والقرآن يطلق أحياناً \"الرواسي\" على الجبال، فيشهد هذا بأن صفة الرسو، تبدو أوضح ما تبدو في الجبال:\rالرعد ٣: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ .\rالحجر ١٩: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ .\rومثلها آيات: ق ٧، الأنبياء ٣١، والنمل ٦١، والمرسلات ٢٧، ولقمان ١٠، والنحل ١٥.\rفإرساء الجبال، فيه هذه الدلالة الأصيلة الواضحة على الثبات والرسوخ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187327,"book_id":1238,"shamela_page_id":137,"part":"1","page_num":153,"sequence_num":137,"body":"وفيه كذلك لفت قوي إلى قدرة الله الذي أرساها، كما أن ظاهرة الرفع لا تبدو مثلما تبدو في السماء. وظاهرة الاستواء والبسط لا تبدو مثلما تبدو في الأرض.\r* * *\r﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ .\rهنا يلفت القرآن إلى ملحظ آخر في بناء السماء ورفع سمكها، ودحو الأرض وإخراج مائها ومرعاها، وإرساء الجبال: فهي إلى جانب كونها من آيات قدرته تعالى وقوته، شاهدة على أن الذي بناها ورفعها ودحاها وأرساها لا يشق علي�� خلق الإنسان وإحياؤه بعد أن يبلى جسده وترم عظامه؛\rنعمة من نعمه تعالى على مخلوقاته، يذكر بها الغافلين والجاحدين والمغرورين.\rوسياق الآيات هنا، في الانتقال من الاستدلال بمثل هذا على قدرة الخالق، إلى بيان فضله تعالى ونعمته، شبيه بالذي في سورة عبس:\r﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ .\rوكما أردفت هذه الآيات من سورة عبس، بقوله تعالى:\r﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ .\rكذلك يأتي بعد آيات النازعات النذير المباغت، بحساب وجزاء:\r﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187328,"book_id":1238,"shamela_page_id":138,"part":"1","page_num":154,"sequence_num":138,"body":"الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ .\rوالطامة الكبرى هي القيامة عند \"الراغب\". وهي النفخة الثانية فيما روي عن \"ابن عباس\" أو وقت سوق أهل الجنة إليها وأهل النار إليها، عن مجاهد وجاء الزمخشري في الكشاف بهذه الأقوال الثلاثة متتالية، وإن بدا منه أنه يختار تفسير الطامة الكبرى \"بالقيامة\".\rولم تأت المادة في غير هذا الموضع، وأخذها \"الراغب\" من الطم أي البحر، ويقال: طم البحر على كذا، أي طغى وفاض وغلب.\rوربما كان من المناسب أن نذكر كذلك أن العربية استعملت الطامة في الداهية تغلب ما سواها. وقد استأنس الزمخشري بهذا في تفسيره الطامة الكبرى بالقيامة.\r* * *\rونفهمها بالآية بعدها:\r﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ .\rوالتذكر هنا عن نسيان، وقد نظر له الومخشري بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المجادلة ٦.\rوقالوا في ﴿مَا سَعَى﴾ : إن (ما) تحتمل أن تكون مصدرية أو موصولهة، وقد أختار أبو حيان الموصولة، أي عنله الذي سعى إليه، أما الزمخشري، فقال بهما معاً، دون ترجيح.\rوالذي نراه أن المصدرة أعم وأولى بالمقام، فيكون المعنى: يوم يتذكر الإنسان مسعاه. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ .\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187329,"book_id":1238,"shamela_page_id":139,"part":"1","page_num":155,"sequence_num":139,"body":"﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ .\rوالقرآن يستعمل البروز، وهو قوة الشخوص والظهور، في موقف القيامة والحساب. ومنه آيات:\rالشعراء ٩١: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾\rغافر ١٦: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .\rإبراهيم ٢١: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ؟\rإبراهيم ٤٨: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .\rوتسمية جهنم بالجحيم في المصطلح الديني، ملحوظ فيها الأصل اللغوي وهو شدة تأجج نارها. فالجحيم والجحمة في اللغة: النار الشديدة التأجج، كل نار بعضها فو بعض. وكل نار عظيمة في مهواة. والحاجم: الجمر الشديد الإشتعال، والجحام داء العين. ومن المجاز: التحجم التحرق حرصاً وبخلاً أو غضباً.\rوإسناد البروز إلى الجحيم، بالبناء للمجهول، تطرد به الظاهرة الأسلوبية في صرف النظر عمداً عن الفاعل لأحداث القيامة، تقريراً لفاعليتها التلقائية، وتركيزاً للإنتباه فيها.\r* * *\r﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ .\rالأثر، لغة: بقية الشيء، ومنه الخبر المأثور الباقي، والأثرة المكرمة تبقى، والبقية من العلم تؤثر. ولعل اصل استعماله في الأثيرة الدابة العظيمة الأثر في الأرض بحافرها. والأثر سمة في باطن خف البعير يقتفى بها أثره، أي ما يترك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187330,"book_id":1238,"shamela_page_id":140,"part":"1","page_num":156,"sequence_num":140,"body":"من علامة باقية. وأثر فيه تأثيراً، ترك فيه أثراً يبقى، والآثار ما بقى من الماضين.\rوالإيثار: التفضيل، وبهذا المعنى جاء في آيات:\rيوسف ٩١: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ .\rالأعلى ١٦: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .\rطه ٧٢: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ .\rوجاء نقيضاً للأثرة في آية الحشر ٩:\r﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .\rوهو تفضيل أيضاً لكن للغير على النفس، كرماً وفضلاً.\rويجيء الإيثار بمعنى الإختبار، ملحوظاً فيه أن المرء يختار ما يحسبه أفضل وأبقى. وبمعنى الأثرة، ملحوظاً فيها أن الأثر يستبقى لنفسه الأشياء المختارة.\rوالمأوى: المكان يؤوى إليه ويلاذ ويسكن فيه. ولم يستعمله القرآن إلا في الحياة الآخرة: إما مع الجنة (السجدة ١٩، النجم ة١٥، النازعات ٤١) .\rوإما مع الجحيم أو النار أو جهنم وبئس المصير:\r(آل عمران: ١٥١، ١٦٢، ١٩٧، الأنفال ١٦، المائدة ٧٢، الحديد ١٥، العنكبوت ٢٥، الجاثية ٣٤، النساء ٩٧، ١٢١، يونس ٣٨، الإسراء ٩٧، السجدة ٢٠، التوبة ٧٣، ٩٥، التحريم ٩، الرعد ١٨، النور ٥٧، النازعات ٣٩) .\rوهو صنيع يشهد بان القرآن الكريم يقرر أن الدار الآخرة هي المأوى. ويلحظ فيه من قرب، أنها المقر الدائم والمنزل الأخير، وأنها نهاية المطاف وغاية المصير.\rأما الفعل من \"أوى\" فيأتي في القرآن أربع عشرة مرة، لا يخطئ الحس فيها جميعاً، معنى المأمن والحمى والملاذ، إما حقيقة في مثل آيات:\rالضحى ٦: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ .\rالأنفال ٧٢، ٧٤: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187331,"book_id":1238,"shamela_page_id":141,"part":"1","page_num":157,"sequence_num":141,"body":"الأنفال ٢٦: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ .\rومعها آيات: الكهف ١٠، ١٦، ٦٣ ويوسف ٦٩، ٩٩ والمؤمنون ٥٠ والأحزاب ٥١.\rوإما على سبيل الرجاء أو الوهم:\rهود ٨٠: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ .\rهود ٤٣: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ .\rالمعارج ١٣: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ .\r* * *\r﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ .\rفي ذكر المقام هنا، مقام ربه، إيحاء بأن الخائف يراقب ربه في كل عمله ومسعاه، عن يقين بأمه واقف بين يدى الله، ماثل في مقامه تعالى، وأيا ما حملنا المقام، على المصدرية أو الزمان أو المكان، ففيه إحضار وشهود، ونظيره في القرآن آيات:\rإبراهيم ١٤: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ .\rالرحمن ٤٦: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ .\rقال أبو حيان: \"وفي إضافة المقام للرب تفخيم للمقام وتهويل عظيم واقع من النفوس موقعاً عظيماً\".\rوالهوى الميل، وربما كان أصل استعماله في: هوت العقاب إذا انقضت على فريستها. ومن هذا الإستعمال أخذ الميل، والإنجذاب إلى شيء مرغوب، شراً كان أو خيراً، محموداً أو غير محمود. على أن أكثر استعماله، كما قال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187332,"book_id":1238,"shamela_page_id":142,"part":"1","page_num":158,"sequence_num":142,"body":"أبو جيان، فيما ليس بحمود. ويجئ في القرآن، مفرداً وجمعاً، في سياق الغواية والضلال، بصريح آيات:\rالنساء ١٣٥: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ معها آية ص ٢٦.\rالنجم ٣: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ .\rالأعراف ١٧٦: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ والكهف ٢٨، طه ١٦، القصص ٥٠.\rالفرقان ٤٣: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ . والجاثية ٢٣.\rالمائدة ٧٧: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ ومعها الأنعام ١٥٠، والجاثية ١٨.\rالبقرة ١٢٠: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾\rومعها البقرة ١٤٥، والشورى ١٥، والرعد ٣٧.\rالمؤمنون ٧١: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ .\rالروم ٢٩: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .\rومعها: محمد ١٤، ١٦، والقمر ٣.\rالأنعام ١١٩: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .\rوهذا التتبع، يؤيد ما يطمئن به السياق في آية النازعات: ﴿وَنَه��ى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ أي إستجابة إلى الشهوات الضالة والغواية المهلكة.\rوفي ﴿نَهَى﴾ هنا ملحظ دقيق، فكما استعملت العربية ضد الأمر، استعملت \"النَهَى\" كذلك في العقل والرشد، ومنه في القرآن الكريم آيتا طه ٥٤، ١٢٨، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ .\rوهو ما يجعل للفعل \"نُّهَى\" النفس عن الهوى، إيحاء الإستجابة إلى صوت العقل في زجر النفس عن شهواتها، وإعتقال هواها المضل.....\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187333,"book_id":1238,"shamela_page_id":143,"part":"1","page_num":159,"sequence_num":143,"body":"﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ .\rوإذ يبلغ القرآن بالوعيد غايته. وينتهي به إلى الأمر المقضى من ثواب أو عقاب، لا يدع الموقف دون أن يعقب عليه بحسم عقدته، والرد على سؤالهم عن الساعة: أيان مرساها!\rولفظ الساعة في العربية، يعني الجزء من الوقت، ثم تحدد. بستين دقيقة.\rويستعمل معرفا بـ (ال) للعهد، ظرف زمان للوقت الحاضر، فيقال: أزورك الساعة. ثم غلب إستعمال \"الساعة\" في الآلة الضابظة للوقت، بعد اختراعها.\rلكن للقرآن استعماله الخاص للساعة، فهو لا يستعملها نكرة، إلا في برهة من الوقت قصيرة دون تحديد لها بالدقائق:\rالروم ٥٥: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ .\rالنحل ٦١: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ومعها الأعراف ٣٤ وسبأ ٣٠ ويونس ٤٩.\rيونس ٤٥: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ .\rالأحقاف ٣٥: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ .\rأما حين يستعمل القرآن \"الساعة\" معرفة بـ: ال، فتلك - دائماً - هي ساعة الآخرة، لم يتخلف هذا في أي موضع من المواضع الأربعين الني جاءت \"الساعة\" فيها في القرآن الكريم، بدلالتها الإسلامية في المصطلح الديني.\rوالملحظ البياني في هذا الإستعمال المطرد، أن هذه \"الساعة\" تنفرد دون ساعات الزمان كله، بأنها الحاسمة الفاصلة التي يتغير فيها نظام الزمن وسير الكون، لما يحدث فيها من حدث هائل خطير. وهو معنى يقوى ويتضح، بإسناد القيام، والإتيان، والمجئ، إلى هذه الساعة المتميزة الحاسمة، دلالة على بروزها وشخوصها وفاعليتها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187334,"book_id":1238,"shamela_page_id":144,"part":"1","page_num":160,"sequence_num":144,"body":"الأنعام ٣١: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ .\rالأنعام ٤٠: ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ .\rيوسف ١٠٧: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ .\rومعها الحج ٥٥، والزخرف ٦٦، محمد ١٨.\rالروم ١٢، ١٤، ٥٥ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ . ومعها طه ١٥، والجاثية ٣٧.\rسبأ ٣: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ .\rالقمر ١: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ .\rالكهف ٣٦: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ . ومعها (فصلت ٥٠)\rوفي السؤال ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ؟ إنكار وإستبعاد، فما قصد السائلون إلا أن يحرجوا الرسول ﵊ بسؤالهم: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ؟ على الاستبعاد والجحد والإنكار.\r* * *\r﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ .\rوعن عمد، صرف القرآن عن السؤال عن مؤسى الساعة ومستقرها وأوانها، لأن الله تعالى قد استأثر بعلمها، فإليه وحده منتهاه، على وجه القصر الصريح بالتقديم والتأخير في الآية: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ لا إلى غيره: ونظيره ما في آيات:\rالأحزاب ٦٣: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ .\rفصلت ٤٧: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ .\rلقمان ٣٤: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ومعها الزخرف ٨٥.\rعنده وحده علم الساعة، وإليه وحده مردها ومنهاها، ففيم أنت من ذكراها يا محمد، والله استأثر بعلمها، لم يؤته أحاً من خلقه!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187335,"book_id":1238,"shamela_page_id":145,"part":"1","page_num":161,"sequence_num":145,"body":"لكن من الفسرين من يذهبوا إلى أن المقصود بالآية، هو \"أن لا فائدة لهم من العلم بوقتها\" فيضيعون ما للموقف من رهبة وخوف، ويخطئهم حس ما في تجهيل الوقت من تهويل وإرهاب. فليس صحيحاً أن علم السائلين بوقت الساعة لا يفيدهم، وكيف، وهو لو علموه يقيناً لا ستعدوا له؟! إنما صرفوا عمداً عن ذلك السؤال عن وقتها، كما صرف الرسول ﵊ عن الإشتغال بهذا، والله وحده قد استأثر بعلمها، ليظل لها رهبة المجهول وعنف البغتة، وهو اضح تماماً في آيات الساعة تأيتهم بغتة، فكأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار. والفرق دقيق بعيد، بين أن يصرفوا عن السؤال عن وقتها لأن الله قد استأثر بعلمها، وبين ما يقوله الزمخشري وأبو حيان وغيرهما من أنه \"لا فائدة لهم من علمهم بوقتها\"\r* * *\r﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَ﴾ .\rفيه قصر لمهمة النبي عليه الصلاوة والسلام، فيما يتعلق بهذه الساعة: أن ينذر من يخشاها، لا أن يذكر موعدها ومرساها. وفيه تخصيص للإنذار بمن يخشى الساعة، لأنه - كما قال أبو حيان - الذي يجدى معه الإنذار.\rوالخشية ليست مجرد خوف، وإنما هي خوف مشوب برهبة المخشي وإعظامه، وأكثر ما تجيء في القرآن، في مقام خشية الله، مسندة إلى المؤمنين، أو الرسل، أو العلماء، أو من ترجى لهم الهداية. ويبلغ القرآن بالخشية أقصى دلالتها على الرهبة والإجلال، حين تكون من الحجارة أو الجبل:\rالبقرة ٧٤: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ .\rالحشر ٢١: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ .\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187336,"book_id":1238,"shamela_page_id":146,"part":"1","page_num":162,"sequence_num":146,"body":"﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .\rهنا تبلغ المباغتة غاية العنف والنذير، ولا نتعلق بما ذكره المفسرون في مكان اللارثين وهل يكون في القبور أو في الحياة الدنيا: فالآية حين أطلقت اللبثَ، صرفته عمداً إلى كل ما قبل رؤيتهم الساعة.\rوالأصل في الرؤية أن تكون حسية، وكون الساعة شيئاً يرونه رأى العين، فيه من التشخيص والتجسيم والبروز، إلباس الظرف بالمظروف، وإدماج الحدث \"القيامة\" بالوقت الذي يحدث فيه وهو \"الساعة\": فهذه الساعة الحاسمة الفاصلة، كأنها الحدث الهائل الضخم الذي يقع فيها. وهذا الملحظ من التجسيم، وتقوية الصلة بين الوقت والحادث، هو نفسه الذي لحظناه في إسناد القيام والإتيان المجئ إلى \"الساعة\" وربما تنوسيت ظرفية الساعة فأخبر عنها بصيغة المذكر، على اعتبار أنها الحدث نفسه ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾\rالشورى ١٧ ومعها آية الأحزاب ٦٣.\rوإنة تكلف المفسرون له محذوفاً مقدراً هو \"قريب وقتها\"!\rوبغتة المفاجأة، هي المسيطرة على آية النازعات: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ كما تسيطر على أكثر الآيات التي جاءت \"الساعة\" فيها، فهي تأتيهم بغتة، كأن لم يلبثوا إلا ساعة.\rولا حاجة بنا بعد هذا إلى الوقوف عندما قاله بعض المفسرين في إضافة الضحى إلى العشية: \"لما بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد: \"الزمخشري\" أو لكونهما طرفى النهار \"بدأ بذكر أحدهمت فأضاف الآخر إليه تجوزاً واتساعاً: أبو حيان\" فليس شيء من هذا ومثله بذى بال، أمام ذلك النذير الصادع برهبة المفأجاة، فإذا الساعة قائمة يراها هؤلاء الذين أنكروها وسألوا في استبعاد واستهزاء ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ! وإذا هول اليقين يفجأ من غرتهم الدنيا، فيحسم المشهد المثير وينتهي به إلى غايته المقررة، متسقاً مع المشهد الحسي المادي الذي لفت إليه القرآن أول السورة في ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187337,"book_id":1238,"shamela_page_id":147,"part":"1","page_num":163,"sequence_num":147,"body":"سورة البلد\r﷽\r﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187338,"book_id":1238,"shamela_page_id":148,"part":"1","page_num":165,"sequence_num":148,"body":"السورة مكية، ترتيبها الخامسة والثلاثون على المشهور في ترتيب النزول.\rنزلت بعد (ق) .\rوهي إحدى سورتين ابتدأتا بلفظ القسم صريحاً مسبوقاً بـ: لا\rوالسورة الأخرى هي القيامة: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .\rعل ىأن عبارة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ وردت في مستهل آيات أخرى، لكن في غير مفتتح السورة:\rالواقعة ٧٥: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ .\rالحاقة ٣٨: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ .\rالمعارج ٤٠: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ .\rالقيامة ٢: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ .\rالتكوير ١٥: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ .\rالانشقاق ١٦: ﴿فَلَا أُقْسِمُ ��ِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ .\rوكلها آيات مكية ...\rوفعل القسم فيها جميعاً، مسند إلى الله سبحانه متلماً.\rوجمهرة المفسرين يكتفون هنا بالقول أن ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ معناه: أقسم، زيدت لا، للتأكيد: دون إشارة إلى المقتضى البياني للعدول عن ﴿أُقْسِمُ﴾ إلى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ أو إيضاح وجه تأكيد القسم، بنقيضه وهو النفي!\rعلى أن الشيخ محمد عبده، لم يفته الوقوف عندها ليقول: \"إن لا أقسم، عبارة من عبارات العرب في القسم، يراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم. ويقال إنه يؤتى بها في القسم إذا أريد تعظيم المقسم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187339,"book_id":1238,"shamela_page_id":149,"part":"1","page_num":166,"sequence_num":149,"body":"به، كأن القائل يقول: إني لا أعظمه بالقسم لأنه عطيم في نفسه. والمعنى في حال على القسم\".\rوفي ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ قول آخر، ذكره أبو حيان بين الأقوال في تفسير الآية وهو أن النفي هنا حقيقي، وليس لتأكيد القسم! وتوجيه العبارة عنده، على النفي: \"أن هذا البلد لا يقسم الله به وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حرمته\".\rونستقرئ كل مواضع الاستعمال القرآني لهذا الأسلوب في نفي القسم فنجد:\r* أنه لم يستعمل \"لا أقسم\" إلا حين يكون الفعل مسنداً إلى الله تعالى.\r*أن فعل القسم لم يأت في القرآن كله مسنداً إلى الله، إلا مع \"لا\" النافية.\rوهذا الاستقراء صرح الجلالة على أنه سبحانه ليس في حاجة إلى القسم وأن نفي الحاجة إلى القسم تأكيد له. ومن مألوف استعمالنا أن نقول: لا أوصيك بفلان، تأكيداً للتوصية. كما نقول: بغير يمين، تأكيداً للثقة التي لا نحتاج معها إلى يمين.\rوفي لفظ \"أقسم\" هنا ملحظ ذو بال. فقد يبدو من السهل هنا أن نفسر أقسم بلفظ أحلف، وليس في استعمال العرب لهما ما يمنع من تفسير أحدهما بالآخر، فالنابغة يقول في اعتذاره للنعمان\r* حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *\rوقال الأعشى:\r* حلفت برب الراقصات إلى منى *\rوقال شاس بن عبدة، أخو علقمة الفحل:\r* حلفت بما ضم الحجيج إلى منى *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187340,"book_id":1238,"shamela_page_id":150,"part":"1","page_num":167,"sequence_num":150,"body":"وفي القاموس: حلف أي أقسم....\rلكن استقراء الكلمتين في القرآن يمنع هذا الترادف: فلقد جاءت مادة \"حلف\" في القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعاً، كلها بغير استثناء، في مقام الحنث باليمين. منها ست آيات في المنافقين الذين فضحتهم سورة التوبة بعد غزوة تبوك:\rالتوبة ٤٢: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ .\rالتوبة ٥٦: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ .\rالتوبة ٦٢: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .\rالتوبة ٧٤: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ .\rالتوبة ٩٦: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ .\rالتوبة ١٠٧: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّ��ُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾\rومعها، في المنافقين أيضاً، آيات:\rالمجادلة ١٤: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .\rالمجادلة ١٨: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ .\rالقلم ١٠: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187341,"book_id":1238,"shamela_page_id":151,"part":"1","page_num":168,"sequence_num":151,"body":"النساء ٦٢: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ .\rوجاء الفعل مرة واحدة مسنداً إلى الذين آمنوا، فلزمتهم كفارة الحنث باليمين\r﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ . المائدة ٨٩.\rأما القسم فيغلب مجيئه في الأيمان الصادقة.\rوجاء المصدر منه موصوفاً بالعظمة في آية الواقعة: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ .\rويجئ الفعل في الشهادة ومثلها، حيث لا يحل الحنث باليمين، كالشهادة على الوصية: الماءدة ١٠٦، ١٠٧.\rوحين يسند القسم في القرآن إلى المجريمن فإنهم في ظنهم غي حانثين:\r﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ الروم ٥٥.\rوكذلك حين يقسم الكفار بالله جهد أيمانهم، عن اقتناع بصدق ما يقسمون عليه ولو كان في حقيقته كذباً:\r﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ . الأنعام ١٠٩\rومعها آيات: الأعراف ٤٩، إبراهيم ٤٤، المائدة ٥٣، النحل ٣٨، النور ٥٣، فاطر ٤٢.\rوأمام هذا الاستعمال القرآني، لا يهون أن نفسر القسم بالحلف، وصنيع القرآن فيهما يلفت إلى فرق دقيق بين اللفظين المقول بترادفهما، فرق يؤيده فقه العربية، فاختلاف مادتي اللفظين يؤذن باختلاف مدلول كل منهما، وبين حلف وحنث من القرب، ما ليس بين حلف وقسم، مما يبعد أن يكونا سواء.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187342,"book_id":1238,"shamela_page_id":152,"part":"1","page_num":169,"sequence_num":152,"body":"ولا أعرف أنهم اختلفوا في أن ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ . المقسم به في الآية، هو \"مكة\".\rونضيف من الاستقراء، أنه حيثما جاء ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ في القرآن الكريم، مفرداً معرفاً بـ: ال، مشاراً إليه بهذا، فإن الإشارة تعين أن \"ال\" للعهد، وهذا البلد هو مكة. في آيتى البلد:\r﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ وآيتى:\rالتين ٣: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ .\rإبراهيم ٣٥: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ .\rوجاء البلد، بغير اسم الإشارة، في آية الأعراف ٥٨ وليست خاصة بمكة، بل عامة لجنس البلد الطيب:\r﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾\rأما بلد، بالإفراد والتنكير، فقد جاء مرة في دعاء إبراهيم لمكة: في آية البقرة ١٢٦:\r﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ .\rوثلاث على العموم المستفاد من التنكير مع قيده بالوصف، في آيات:\rالنحل ٧: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ .\rفاطر ٩: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ . ومعها آية الأعراف ٥٧.\rومن هذا التتبع، نرى أن تخصيص \"البلدط بمكة في القرآن، لا يطون إلا معرفاً بـ: \"ال\" للعهد، وباسم الإشارة الذي يفيد التعيين والاختصاص والإحضار.\r* * *\rوسبقت الإشارة في ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ إلى قول ذكره أبو حيان في تفسير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187343,"book_id":1238,"shamela_page_id":153,"part":"1","page_num":170,"sequence_num":153,"body":"الآية، وهو أن \"لا\" هنا لنفي القسم لا لتأكيده، لأن \"هذا البلد لا يقسم الله به وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حرمته\".\rيبدو أن القول بالنفي هنا، وجه إليه أن القسم للتعظيم، فلما منع ظاهر السياق هنا أن يكون المقسم به موضع تعظيم، قيل إن \"لا\" مافية وليست مؤكدة، وقد هدى تدبر الظاهرة الأسلوبية، إلى تأكيد القسم بنفي الحاجة إليه، حين يكون فعل القسم مسنداً إلى الله تعالى.\rويبقى القسم في الآية على وجهه من تعظيم حرمة هذا البلد، واستعظام أوضاع لأهله متوارثة، لا تليق بجلال حرمته.\r* * *\rوآية ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مرتبطة كما قلنا بالآية بعدها.\r﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ .\rمن ناحيتين: واو الحال، وهي قيد للجملة الأولى، ثم تكرار \"هذا البلد\" توكيداً للصلة بين الآيتين.\rوفي معنى ﴿حِلٌّ﴾ خلاف بين المفسرين:\rقيل: هو من استحلال حرمة الرسول في البلد الحرام الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني.\rوقد واجهتهم هنا مشكلة: إذ كيف يستقيم القسم بمكة، حال استحلال أهلها لحرمة الرسول في البلد الحرام، والقسم هنا على وجهه للتعظيم؟\rقال \"أبو حيان\" في (البحر) إن \"لا\" نافية للقسم الذي هو تعظيم. وقال إن القيم: المعنى متضمن تعظيم بين الله ورسوله، وقال الشيخ محمد عبده: \"ومعنى كونه حلا، أنه استحل لأهل مكة: استحلوا إعناته - ﷺ ومطاردته واستباحوا حرمة الأمن في ذلك البلد الأمين حتى اضطروه إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187344,"book_id":1238,"shamela_page_id":154,"part":"1","page_num":171,"sequence_num":154,"body":"الهجرة، ليفيد أن مكة عظم شأنها جليل قدرها في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي لم يرع أهلها تلك الحرمة التي خصها الله بها\".\rوقيل: ﴿حِلٌّ﴾ هنا بمعنى إحلال الله لرسوله أن يفعل بمكة وأهلها ما شاء \"فأنت حل به في المستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أن الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله، ولا أحلت له، فأحل ما شاء وحرم ما شاء\".\rوالآية مكية بإتفاق وقد نزلت قبل فتح مكة بسنين، فاحتاجوا إلى تعليل هذا التأويل، فقال الزمخشري يجيب عن سؤال طرحه في هذا الموقف: إن المستقبل هنا كالحاضر المشاهد، ونظيرهقوله ﷿: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ .وما بنا حاجة إلى مثل هذا، فالإخبار عن المستقبل مألوف في العربية وفي القرآن، وأبو حيان معذور حين يرد على الزمخشري هنا بقوله: \"وأما سؤاله والجواب، فهذا لا يسأله من له أدنى تعلق بالنحو، لأن الأخبار قد تكون بالمستقبلات\".\rثم قال أبو حيان: لم نحمل ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ على أنه يحل لك ما تصنع في مكة من الأسر والقتل، بل حملناه على أنه مقيم بها خاصة، وهو وقت النزول كان مقيماً بها ضرورة.\rوفي الآية، قول ثالث هو أن يكون ﴿حِلٌّ﴾ من الإحلال ضد الإحرام ذكره إبتن القيم في التبيان.\rوقول رابع: أنه من الحلول بمعنى الإقامة ضد الظعن، ذكره الراغب في (المفردات) وكذلك إبن القيم: \"قسم بحرمة المكان، وبحلول الرسول فيه، قسم بخير البقاع وقد اشتمل على خير العباد\".\rوقال أبو حيان في البحر: \"أقسم بها لما جمعت من الشرفين: شرفها بإضافتها إلى الله تعالى، وشرفها بحضور رسول الله ﷺ فيها وإقامته بها، فصارت أهلاً لأن يقسم بها\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187345,"book_id":1238,"shamela_page_id":155,"part":"1","page_num":172,"sequence_num":155,"body":"والحل لغة، يحتمل أكثر الأقوال التي ذكرها المفسرون، فيكون من الحلول ضد الظعن، أو من الإحلال ضد الإحرام، أو من إستحلال الحرمة وإنتهاكها، وربما كان آصل معنى فيه، حل العقدة، ومنه دعاء موسى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ .\rثم قيل: حللت أي نزلت، من حل الأحمال عند النزول، ومنه في القرآن الكريم آيات:\rالرعد ٣١: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ .\rإبراهيم ٢٨: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ .\rفاطر ٣٥: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .\rثم نقلت إلى المصطلح الديني في الدلالة الإسلامية على الحل والحلال، نقيض الحرتم. وهو الغالب على الاستعمال القرآني، ومعه الإحلال، ضد الإحرام في آية المائدة ٢: وهي مدنية.\rوبمعنى الحلال جاءت كلمة ﴿حِلٌّ﴾ في القرآن، في أربع مرات من خمس، هي كل ما في الكتاب الكريم من صيغة ﴿حِلٌّ﴾ :\rالمائدة ٥: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ .\rالممتحنة ١٠: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ .\rآل عمران ٩٣: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ وكلها آيات مدنية.\rونطمئن إلى تفسير آية البلد بالحلول - وهو المختار عند أبي حيان - والمعنى يستقيم بهذا الفهم، مع ملحظ من دلالة الاستحلال لحرمة الرسول في هذا البلد، لافت إلى الأحوال الشاخصة لهذا البلد وأهله، فكل ما يقع على الرسول من إيذاء،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187346,"book_id":1238,"shamela_page_id":156,"part":"1","page_num":173,"sequence_num":156,"body":"حاضر مشهود؛ يعانيه ﷺ ويكابده، إذ هو موضع الأذى والاضطهاد بمكة، وهو مقيم بها. وإنها، لكما قال المصطفى يوم الهجرة: \"لأحب أرض الله إلى الله وأحب أرض الله إلى رسوله\" ﵊.\rوبهذا الفهم لا يبدو معنى الإحلال ضد الإحرام قريباً والسياق لا يطمئن به، والأذهان غير متجهة إليه في هذا المقام.\rكما نستبعد أن يكون حل بمعنى إحلال الله لرسوله هذا البلد يفعل به بعد الفتح ما شاء، لظهور تكلفه، فضلاً عن كون الصيغة لا تقبل لغوياً أن يكون الإحلال من حل، وليس الاشتقاق.\rوتفسير الحل بالإقامة وهو المعنى المتبادر، أو يجعل أذى الرسول حلالا وهو أكثر استعمال القرآن للمادة، يبدو قوى الصلة بالآيات التالية، على وجه لانضطر معه إلى تمزيق السياق أو الإبعاد في التكلف، وبخاصة حين تحمل آية ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ على الحالية، وهو ما ذهب إليه \"أبو حيان\"، وليس على الاعتراض كما قاله \"الزمخشري\" وتابعه على ذلك الشيخ محمد عبده فقال: \"واعترض بها بين العاطف والمعطوف، ليفيد أن مكة عظيم شأنها جليل قدرها في جميع الأحوال\".\rوهذا القول بأن الآية معترضة، يغيب عنه ما في الحالية من قوة الربط وتقري�� الصلة بين الآيتين. إذا تكون الثانية قيداً للأولى. ووصلاً لها بالآية التالية:\r* * *\r﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .\rفالواو هنا للعطف، ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ معطوفان على هذا البلد في الآية الأولى ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ فيه تعرف أحواله أهله وأوضاعهم، وتعاني ما تعاني من أمرهم.\rوعند بعض المفسرين أن \"ما\" في الآية، يحتمل أن تكون نافية، وهو احتمال لا يدعو إليه ملحظ من السياق أو داع من المعنى فيما نرى، وتأويلها عندهم \"ووالد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187347,"book_id":1238,"shamela_page_id":157,"part":"1","page_num":174,"sequence_num":157,"body":"والذي ما ولد\" أي العاقر، على تقدير موصول مضمر يصح به هذا المعنى. مع أن إضمار الموصول لا يجوز عند البصريين.... (أبو حيان) .\rعلى أن جمهرة المفسرين، ذهبوا إلى أن \"ما\" هنا اسم موصول، ثم اختلفوا بعد ذلك في تأويل: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ......\rوأهم ما عناهم منه، هذا التنكير في ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال الزمخشري: هو للإبهام المستقل بالمدح والتعجب.\rوأولى منه قول من قالوا بالتعميم. لكن ما حدود هذا التعميم؟\rأطلقه قوم، منهم إبن عباس - فيما نقل الطبري وأبو حيان - فأدخل فيه جميع الحيوان!\rوجعله بعضهم. ومنهم إبن جرير الطبري، عاماً في البشر والحيوان والنبات.\rوهو ما أخذ به الشيخ محمد عبده فقال: \"المراد منه أي والد وأي مولود من الإنسان والحيوان والنبات كما يرشد إليه التنكير، وكما هو مختار عند إبن جرير وجمع من المحققين\".\rواكتفى قوم من العموم بالبشر دون سائر الحيوان والنبات، فقالوا: والوالد والولد هنا، آدم وذوريته \"إبن القيم، وذكره الزمخشري\".\rوخصه قوم: بالصالحين من ذريته.\rوحصره فريق في محمد ﷺ وأمته، وقد ذكره الطبير بصيغة الإحتمال، وأورده الزمخشري في (الكشاف) وذكره أبو حيان مروياً عن \"مجاهد\"....\rوفي قول: إنه نوح وذريته، أو إبراهيم ﵇ وجميع ولده!\rوهكذا يتسع عموم التنكير عندهم، حتى يحتمل جميع الناس والحيوان والنبات....\rثم يتدرج في الضيق، حتى ينحصر في أحد الأنبياء ﵈ وأمته، أو الصالحين من ذريته وولده!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187348,"book_id":1238,"shamela_page_id":158,"part":"1","page_num":175,"sequence_num":158,"body":"ولا أدري هل هذه الأقوال جميعاً مما يمكن أن تحتمله العبارة لغوياً؟\rلكنها مما لا يحتمله المقام بيانياً. ولا يتبين لنا بقول منها موضعه من المعطوف عليه ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ .\rشغل المفسرين أن يبينوا وجه العظمة في ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ لوقوعهما في حيز المقسم به، مع أن القسم كما يكون للتعظيم، يكون لاستعظام ما هو جسيم وخطير.\rفالذين قالوا: هو آدم وذريته، قالوا إن وجه التعظيم أن آدم مرجع العباد، كما أن مكة مرجع البلاد! (التنبيان) .\rوالذين قالوا: هو محمد وأمته، قالوا إن القسم هنا لتعظيم الله محمداً وأمته، بعد ما أقسم ببلده، مبالغة في شرفه ﷺ (الطبير. ونقله أبو حيان) .\rوالذين قالوا: هو كل ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ ، من جميع البشر والجيوان والنبات، فسروه بنه تعالى أقسم بذلك \"ليلفت نظرنا إلى رفعة هذا الطور من أطوار الوجود، وهو طور التوالد، وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، وإلى ما يعانيه الوالد والمولود في ذلك.... فإذا تصورت في النبات كم تعاني البذرة في أطوار النمو من مقاومة فواعل الجو ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر، إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، إلى أن تلد بذرة أو ب��وراً أخرى، تعمل عملها وتزين الوجود بجمال منظرها.... إذا أحضرت ذلك في ذهنك، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم\".\rوما أرى نص الآية، يحتمل كل ذلك. وهذا الإطناب في بيان عظمة التوالد في النبات والحيوان، لم يرتبط على وجه ما، بهذا البلد الذي ارتبط به ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ لفظاً بواو العطف، ومعني بوقوعهما جميعاً في حيز المقسم به.......","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187349,"book_id":1238,"shamela_page_id":159,"part":"1","page_num":176,"sequence_num":159,"body":"وتخصيص والد، بمحمد ﷺ، أو نوح، أو إبراهيم، ﵉، يبعده، إن لم ينفه، العموم المستفاد من التنكير، فضلاً عن دلالة \"ما\" على غير العاقل.\rونتدبر الآية في سياقها من السورة، فترى التعميم أقرب إلى أن يفهم منه تتابع الأجيال من أهل ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ طبقة بعد طبقة، وما توارثوا، ولداً عن والد، من أحوال وأوضاع يستعظمها القرآن فيقسم بها لفتاً إلى جسامة خطرها، ثم يتولى بيانها في آيات تالية.\rووضع \"ما\" مكان من - التي هي للعاقل - في قوله تعالى: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ لفت إلى أن المقصود هنا ليس أشخاصاً بذواتهم، وإنما الحديث عن تتابع الحياة وأجيالها على نمط واحد، وعن توارثها ولداً وخلفاً عن سلف.\rوالأمر بهذا الفهم، أبسط من أن نتكلف له مثل ما ذكره الشيخ محمد عبده أو نحو ما قاله الزمخشري فيه:\r\"وقوله تعالى ماولد، فيه ما في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي باي شيء وضعت، يعني موضوعاً عجيب الشأن! \"\rوربما كانه \"الفراء\" أهدى منهجاً، حين اكتفى بالاستئناس بما في القرآن من آيات جتءت فيها \"ما\" للناس كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ........ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ دون أن يتكلف في الأمر ما يدعو إلى العجب! (البحر المحيط) .\r* * *\r﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ .\rجمهور المفسرين على أن الإنسان اسم جنس (أبو حيان) .\rوالراجح أنه كذلك، فأكثر ما تجيء كلمة \"الإنسان\" في القرآن، معرفة بأل للجنس - نحو ٦٣ مرة - وجاءت مرة واحدة نكرة، لكن مع الاستغراق بلفظ كل في آية الإسراء ١٣: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ .\rلكن الزمخشري خص الإنسان في آية البلد، بمرضى القلب من بني آدم!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187350,"book_id":1238,"shamela_page_id":160,"part":"1","page_num":177,"sequence_num":160,"body":"وقال أبو زيد فيما نقل أبو حيان: إن الإنسان هو آدم.\rعلى أن استقراء كل آيات الإنسان في القرآن الكريم، يشهد بأن دلالة الإنسانية فيه أخص من الآدمية والإنسية، فالإنسان هو الذي يختص بالبيان والجدل ويحتمل التكليف والأمانة والعهد والوصية، والإبتلاء بالخير والشر والتعرض للغواية، مع ما يلابس ذلك كله من غرور وطغيان....\r* * *\rأما ﴿كَبَدٍ﴾ فلم ترد في القرآن صيغة ولا مادة، غير هذه المرة. وأصل الكبد في اللغة من وجع الكبد، يقال: كبد الرجل يكبده، ضرب كبده، وكبد - كعنى - شكا كبده. والكباد، كغراب: وجع الكبد.\rثم أطلق على الألم بعامة، فقيل: كبد، أي ألم. ومنه أخذ معنى الشدة والمشقة، فقيل: كبد القوم شق عليهم، والكبد بالتحريك: الشدة والمشقة، والمكابدة: المقاساة والمعاناة.\rولم يختلف المفرسون في أن معناه في آية البلد الشدة، لكن أقوالهم شتى في تحديد هذه الشدة، فالزمخشري يقول: \"لقد خلقنا الإنسان في مرض هو مرض القلب وفساد الباطن\"، ثم انتبه إلى أنه بهذا يثير موضوع المسئولية والجزاء، وهو الموضوع الذي فتح عليهم باباً لم يستطيعوا سده وإقفاله، فالخالق هنا هو الله، خلق الإنسان مريض القلب فاسد الباطن، ومن ثم يستدرك الزمخشري المعتزلى قائلاً: \"يريد: الذين علم منهم - تعالى - حين خلقهم، أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات\".\rومقتضى هذا أن تكون \"ال\" في الإنسان للعهد لا لاستغراق الجنس الذي يرجحه سياق الآية، ويؤيده الاستعمال القرآني للإنسان مقصوداً به عموم النوع الإنساني، وهو ما عليه الجمهور، كما صرح بذلك أبو حيان في (البحر) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187351,"book_id":1238,"shamela_page_id":161,"part":"1","page_num":178,"sequence_num":161,"body":"وفي (التبيان) : لم يخلق الله خلقاًً يكابد ما يكابد إبن آدم.... يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة.\rوفيه كذلك عن \"إبن عباس\": يعني بالكبد، حمله وولادته ورضاعه وفصاله، نبت أسنانه، وحياته ومعاشه ومماته، كل ذلك شدة.\rفصله إبن القيم القيم فقال: \"الإنسان مخلوق في شدة، بكون في الرحم ثم في القماط ثم في الرباط، ثم هو على خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف ومكابده المعيشة والأمر والنهي، ثم مكابدة الموت وما بعده في البرزخ، وموقف القيامة، ثم مكابدة العذاب في النار، ولا راحة في الجنة\".\rوقال الشيخ محمد عبده: \"إنه في عناء من تصريف قواه في عمله، بل وفي أكله وشربه، وحماية أهله في سربه\".\rوكل ذلك يمكن أن يقال، لكن ما وجه ارتباط القسم بهذا البلد، ووالد وما ولد، بتلك الشدة التي خلق فيها الإنسان، والعناء المحتوم عليه من ساعة مولده إلى يوم القيامة؟\rيقول الشيخ محمد عبده: \"إن الإنسان نوع من الوالد والمولود، فحق له أن يخلق في كبد وكد ونصب..... وما يصيب الرسول من تقريع المستحلين لحرمته، فهو من شأن الإنسان وقدر قدر على كل مولود منه. وفيه من تسليته ﷺ عن ذلك افيذاء ما هو ظاهر، وأن العناء الذي يلاقيه من اختصه الله بوحه، هو العناء الذي يصيب الوالد في تربية ولده، والمولود في بلوغه الغاية من سير نموه\".\rووجه الغرابة في هذا التأويل أن يسوى بين أعباء الرسالة، وما يتحمله كل مولود من عناء النمو. قد رأينا أنه ﵀ ذهب في التعميم إلى آخر مدى، فجعل ﴿مَا وَلَدَ﴾ في ألاية، لكل مولود من إنسان وحيوان ونبات، فهل يستوي حقاً أعباء الرسالة الكبرى، ما يكابده كل مولود من البشر. ودعك من بذور النبات وصنوف الحشرات والحيوان؟!\rمانظن المكابدة هنا تنصرف إلى ما ذكروه من مشاق الحمل والنمو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187352,"book_id":1238,"shamela_page_id":162,"part":"1","page_num":179,"sequence_num":162,"body":"والعيش والموت والحساب، كما نستبعد أن يكون \"الكبد\" في الاية هو مرض القلب وفساد الباطن كما قال \"الزمخشري\"وإنما الكبد - فيما نرجح - هو مت هييء له اإنسان بفطرته من احتمال المسئولية ومشقة الاختيار بين الخير والشر. ووجه ارتباطه بالقسم قبله - بحال أهل مكة وما اختاروا لأنفسهم من استحلال أذى الرسول وهو مقيم بالبلد الحرام - واضح ظاهر. وهو أوضح ارتباطاً بالآيات بعد. من ضلال الغرور بهذا الإنسان الذي وهب الله له وسائل الإدراك والتمييز. وبين له معالم الطريقين: الخير والشر.\rوقوله تعالى: ﴿خَلَقْنَا﴾ بدلاً من: جعلنا، إشارة إلى أن ألإنسان مخلوق بفطرته لهذه المكابدة، على ما فهمناها من معاناة المسئولية وأمانة التكليف، والإبتلاء بالشر أوالخير، دون حاجة إلى ما أثاره المجبرة أو المعتزلة من كلام في المسئولية والجزاء.\rثم تأتي بعد هذا، مبينة الكبد الذي خلق فيه الإنسان، موضحة ما هيئ له من وسائل الهدى والتمييز.\r* * *\r﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ؟\rفهنا تبدأ المعاناة، بما يشعر به الإنسان في حال قوته وثرائه من غرور يطغيه ويضله فيحسب لأن لن يقدر عليه أحد: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .\rوبلاغة الاستفهام في الآية، تأتي من هذا الطى المتعمد لتحديد نوع الكبد، على مألوف الإيجاز المعهود، وبخاصة في قصار السور من العهد المكي. ثم يفاجأ السامع بظواهر الكبد وعلله وآثاره، في صورة استفهام تقريري، يحمل من الإنكار قدر ما يحمل من التقرير القاطع الحاسم؛ فهنا وقفة عند ﴿كَبَدٍ﴾ منكرة، يذهب فيها الظن كل مذهب. يليها الاستفهام المثير: أيحسب أن لن يقدر عليه أحد؟ و ﴿لَنْ﴾ لتأييد النفي في حساب هذا الإنسان المغتر.\rولا حاجو بنا إلى تحديد مرجع الضمير في ﴿أَيَحْسَبُ﴾ بشخص معين،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187353,"book_id":1238,"shamela_page_id":163,"part":"1","page_num":180,"sequence_num":163,"body":"هو من قول: أبو الأشد، كان قوياً يبسط له الأديم العطاظي فيقوم عليه ويقول: \"من أولنى عنه له كذا\" فلا ينزع إلا قطعاً ويبقى موضع قدميه. أو هو قول آخر: الوليد بن المغيرة، وغروره بقوته وجاهه وماله ذائع معروف. فالعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص سبب النزول، لو صح أن الآية نزلت في أحد الرجلين......\rهو الإنسان بعامة، كما فهم \"أبو حيان\" وإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، ومع الطغيان تغره قوته فيحسب أن لن يقدر عليه أحد، ويغره ثراؤه فيتشدق مباهياً مفاخراً.\r* * *\r﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ .\rلفظ \"لبد\" لم يأت في القرآن في غير هذا الموضع، وهو في اللغة الكثير المجتمع، وأصله من: تلبد الصوف ونحوه، إذا تداخل ولزق بعضه ببعض.\rواللبدة، بالكسر: شعر زبرة الأسد لوفرته وتداخله، والتبدت الشجرة وتلبدت: كثرت أوراقها، واللبدى: القوم المجتمع.\rيقول: أهلكت، ولم يقل: أنفقت، مع قربها، إذ الإهلاك أولى بالغرور والطغيان، وأنسب لجو المباهاة زالفخر على المقام......\rوالتنكير في \"مال\" كالتنكير في: لبد، وفي: أحد، مقصود به إلى الإطلاق والتعميم.\r* * *\r﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ .\rهنا عاد الاستفهام، بكل ما فيه من ردع وإنكار، يفجأ المغتر بماله وقوته، وفي حسابه أن لم يره أحد. وقد عدل البيان القرآني هنا عن \"لن\" التي في الاستفهام الأول، إلى \"لم\" التي تنصرف إلى الماضي فتقرر أن ماضي المغتر محسوب عليه محاط به. بعد أن أكد في: أيحسب أن لن يقدر عليه أحد؟ أن مصيره في يد القادر المحيط بما يعمل، لا تخفى عليه خافية، فمهد هذا للآيات بعده:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187354,"book_id":1238,"shamela_page_id":164,"part":"1","page_num":181,"sequence_num":164,"body":"﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ .\rبدأ فيها بوسائط الإدراك الحسي، ووسائل الإبانة: فالعين أداة البصر، واللسان والشفتان أدوات النطق والإبانة والتعبير. وليس المراد هنا، والله أعلم، أدوات الحس العضوية العضلية، فذلك ما لا يختص به الإنسان دون إليهم والوحش والطير والحشرات. وإنما يراد بها ما يسأل الإنسان عنه، على وجه الحض والزجر بالحجة، من أمانة البصر والنطق، تمهيداً لما يلي في السورة، من تقرير تبعات الرشد ومسئولية الكلمة.\r* * *\rبعد وسائل الإدراك الحسي من بصر ونطق، يأتي التذكير بما هدي تعالى الإنسان من إدراك مميز لمعالم الطريقين:\r﴿وَهَدَيْن��اهُ النَّجْدَيْنِ﴾\rوالأصل اللغوي للهدى أنه الصخرة الناتئة في الماء يؤمن بها من العثار، ووجه النهار يعرف السائر فيه طريقه فلا يضل. ثم استعمل في هوادى الإبل أي المتقدمة منها، ومنه الهادى أي الدليل الذي يتقدم القوم ويهديهم الطريق؛ واستعمل بعد هذا مجازياً في الهداية ضد الضلال، وهو أكثر المعاني وروداً في القرآن كما استعمل - في الجو الديني - في التوفيق والإلهام.\rوالنجد لغة: ما أشرف من الأرض، والطريق المرافع الواضح. والنجود من الإبل والأتن: الطويلة العنق، والماضية، والمتقدمة، والتي تبرك على المكان المرتفع.\rومن الوضوح والارتفاع والتقدم، أطلق النجد على الدليل يظهر مكانه في القوم، ويسقهم هادياً إلى الطريق.\rوفسر \"الراغب\" النجدين في الآية، بطريق الحق والباطل في الاعتقاد، والصدق والكذب في المقال، والجميل والقبيح في الفعال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187355,"book_id":1238,"shamela_page_id":165,"part":"1","page_num":182,"sequence_num":165,"body":"واقتصر \"الزمخشري\" ومثله \"إبن القيم، والشيخ محمد عبده\" على القول بأنهما طريقاً للخير والشر، وذكر \"أبو حيان\" أن هذا هو ما عليه الجمهور.\rعلى أن هناك قولا - في الأساس والبحر والمحيط - بأن النجدين \"هما الثديان، لأنهما طالطريقين لحياة الولد ورزقه\"!\rوالتأويل به، فيه شطط التكلف مع ظهور وهنه وضعفه........\rكلمة ﴿وَهَدَيْنَاهُ﴾ - دون: بينا له أو أوضحنا - توجهنا إلى أن الهدى ملحوظ فيه أنه تعالى ألهم الفطرة الإنسانية الإدراك المميز للخير والشر، وجعل لها الأدوات الحسية لهذا الإدراك. كما أن ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ - ولم يأت هذا اللفظ في القرآن، لإلا في هذه الآية - ملحوظ فيهما معنى الوضوح والشخوص المستفاد من الدلالة الأصلية للمادة، بحيث يرى الإنسان الطريقين ببصره، ويدركهما بما تهيأ له من هدى الله وإلهام الفطرة.....\rواتصال هذه الآيات الثلاث بما قبلها واضح بين: فهذا الإنسان الذي خلقه الله مهيأ لأمانة التكليف الصعبة، مستعداً لمكابدة لختيار أحد الطريقين.\rقد زوده - جلت قدرته - بوسائل الإدراك الحسي، وهداه معالم الخير والشر واضحة أمامه شاخصة ماثلة، يراها بعينيه كما يرى النجدين في وجه النهار، ويدركها بما تهيأ له في فطرته من تمييز بين الخير والشر......\rواستعمل \"ألم\" في صدر الاسفتهام هنا، لأن خلق الإنسان مزوداً بوسائل الإدراك والتمييز، يسبق شعوره يقوته واعتراره بما له، غناسبه أن ينسحب الفعل بها إلى الماضي بـ (لم) .\rأما حسبانه أن لن يقدر عليه أحد، فيأتي متأخراً بعد أن تطغيه القوة والمال، ومن ثم جاءت (لن) لتنقل الفعل من الحال إلى المستقبل، إذ ليس أمعن في الغرور من أن يحسب المغتر أن لن يقدر عليه أحد أبداً.\rويقال كذلك، إن الإنسحاب إلى الماضي ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ...... أَلَمْ نَجْعَلْ له......﴾ وإلى المستقبل في ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ بيان لمدى إحاطة الله بالإنسان مهما يبلغ من قوته وطغيانه، فهو تعالى يملك من أمر مستقبله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187356,"book_id":1238,"shamela_page_id":166,"part":"1","page_num":183,"sequence_num":166,"body":"ما يملك من حاضره وماضيه: بيده الخلق، وإليه المصير، وذلك هو ما في قوله تعالى في سورة الوحي الأولى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق) .\r* * *\r﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾\rالأقتحام: توسط شدة مخيفة، فيما فسره \"الراغب\". ولم ترد مادته في القرآن إلا في موضعين: آية البلد هذه، وآية (ص) ٥٩:\r﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ .\rوأصل القحمة، من الطريق: مصاعبه. ومن الشهر: لياليه الثلاث الأخيرة، يشق فيها السرى وتتوه السبل. وقحم المفاوز، كمنع: طواها.\rوأما العقبة، بالتحريك. فأصلها المرقى الصعب من الجبال. والعقاب: الطائر الجارح المعروف، صخرة ناتئة في عرض الجبل، وحجر ناتى في جوف البئر يخرق الدلو.\rولم تأت العقبة، بهذا المعنى، إلا في آيتى البلد، وفيما عداهما، تدور المادة في القرآن حول العقاب والعاقبة والعقبى والتعقيب.\rوالاقتحام هو أنسب الألفاظ للعقبة لما بينهما من تلاؤم في الشدة والمجاهدة واحتمال الصعب. والمناسبة بين اقتحام العقبة وخلق الإنسان في كبد، أوضح من أن تحتاج إلى بيان، فالإنسان المخلوق في كبد، أهل لأن يقتحم أشد المصاعب ويجتاز أقسى المفاوز، على هدى ما تهيأ له من وسائل الإدراك والتمييز، وما فطر عليه من قدرة على الاحتمال والمكابدة.\rووقف المفسرون طويلاً عند \"فلا\" في صدر الآية، ويميل أكثرهم إلى اعتبار \"لا\" نافية، مع الكوت عن الفاء فيها. ولكن عقد الصنعة الإعرابية واجهتهم، فالقاعدة المشهورة عندهم أن \"لا\" النافية لا تدخل على الماضي إلا مكررة، وقد ساق \"أبو حيان\" قول الفراء والزجاج: \"والعرب لا تكاد تفرد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187357,"book_id":1238,"shamela_page_id":167,"part":"1","page_num":184,"sequence_num":167,"body":"\"لا\" مع الفعل الماضي حتى تعيد، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ لكنها في آية البلد، دخلت على الماضي دون تكرار، ومن ثم احتالوا للتوفيق بينها وبين القاعدة الإعرابية.\rفقال الزمخشري: هي متكررة في المعنى، على تقدير: فلا اقتحم العقبة ولا آمن....\rوعند الزجاج أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على معنى: فلا اقتحم العقبة، ولا آمن.\rوأنكر الشيخ محمد عبده هذه التأويلات، إذ لا وجه عنده للالتفات إلى القول بمخالفة القاعدة \"لأن القرآن حجة في الفصاحة، وقد ورد في كلامهم عدم تكرارها\".\rعلى أن هناك قولا آخر في توجيه \"فلا\" في الآية، وهو أن تكون استفهامية. وقريب منه القول بأن (لا) في الآية من: (ألا) التي للتحضيض. ورده قوم منهم الشيخ محمد عبده - بأنه لم يعرف تخفيف ألا التخضيضية. وليست أدرى لم جاز عند الشيخ أن يلتفت هنا إلى هذه المخالفة للمعروف من قواعدهم، وقد أخذ عليهم الالتفات إلى مخالفة القاعدة في عدم تكرار لا النافية مع الماضي، لأن القرآن نفسه حجة في الفصاحة؟\rوالذي نطمئن إليه في: أنها على أي الوجهين حملناها، تشعر بالإنكار والتأنيب والحض. والمعنى بالنفي والاستفهام متقارب، فاختيار \"لا\" في موضع الاستفهام، صريح في نفي اقتحام العقبة عن هذا الإنسان المغتر بقوله وماله، وقد خلقه الله في كبد وهداه النجدين. واللغة حين تستعمل ألا وهلا في الاستفهام، فذلك إنما يكون في مقام التخضيض والتأنيب عن انتقاء الفعل، فلست تقول لأحد \"هلا صنعت كذا\" إلا وهو لم يصنعه.\rفمعنى التأنيب والحض صريح في ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ مع تقرير النفي بها لا ينفك عنها. والفاء هنا، للربط والترتيب: خلق الإنسان مهيئاً لمكابدة المسئولية، وأعطى زسائل التمييز والإدراك، ليقاوم الشر والضلال، ويسلك طريق الصلاح على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187358,"book_id":1238,"shamela_page_id":168,"part":"1","page_num":185,"sequence_num":168,"body":"ما فيه من مشقة هو أهل لاحتمالها. ويقتحم العقبة التي حض على اقتحامها.\rلكن، ما العقبة التي يتحدث عنها القرآن هنا؟\rفي الطبري عن الحسن البصري: عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان.\rوقريب منه، ما قاله الزمخشري، ونقله الشيخ محمد عبده.\rوقيل: العقبة جهنم، أو جبل فيها، لا ينجى منها إلا الأعمال الصالحة.\rنقله أبو حيان في \"البحر المحيط\" عن الحسن أيضاً، وعن إبن عباس ومجاهد وكعب.\rونرى السياق في غير حاجة إلى تأويل يغنى عنه أن القرآن نفسه قد تول بيان \"العقبة\" حين أتبعها السؤال اللافت.\r* * *\r﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ .\rفهذا بيان للعقبة التي يجب أن يقتحمها الإنسان. بما تهيأ له من وسائل المكابدة وطاقة المجاهدة، والإدراك والتمييز.\rوهو كذلك بيان لأوضاع ظالمة نشأت عن غرور القادرين وطغيان أصحاب المال في \"هذا البلد\": فليس ما كان المجتمع المكي يعانيه من مآسي الرق، ومن النصدع الطبقي، ومن البغي والإستبداد إلى حد إنتهاك حرمة الرسول ﵊ في البلد الحرام، ليس هذا كله إلا أثراً لطغيان هذا الإنسان الذي غرته قوته فاستعيد مخلوقين مثله وملك رقابهم بأغلال الاسترقاق المهين، كما زين له جاه الثراء أن يباهي بأنه أهلك مالاً لبدا، وعلى مقربة منه يتيم محتاج، أو مسكين لاصق بالتراب........\rأوضاع مريضة، استقرت على مر الأجيال وتوارثها \"هذا البلد\" ولداً عن والد، وطبقة في إثر طبقة. وكان الإنسان جديراً بأن يقاوم طغيان المال وغرور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187359,"book_id":1238,"shamela_page_id":169,"part":"1","page_num":186,"sequence_num":169,"body":"القوة، وأن يحتمل أعباء الذبل والإيثار من أجل خير الجماعة، على ما في ذلك من مشقة وعناء.\rولو أن هذا الإنسان قد رجع إلى فطرته، وثاب إلى رشده وحسه وبصيرته، لاهتدى إلى معالم الخير والشر واضحة أمامه شاخصة، ولأدرك أنه - على ما يتوهم من قدرته - ضعيف أما خالقه القادر الأعلى، وأنه على ما يغره من تراثه، محاسب عن ذلك الشر الذي تمثل في أوضاع \"هذا البلد\".\rوأي شر أفدح وأوضح، من أن يستحل أذى الرسول في البلد الحرام؟ وأن يوجد في هذا البلد، مثابة الحج ومقر البيت العتيق، قادر مستبد يملك رقاب الناس، ترى يهلك مالاً لبداً، وإلى جانبه ناس قد أهدرت إنسانيتهم بالرق، وذو قربى جياع، ومساكين فقراء لاصقون بالتراب؟!\rهكذا تتجسم أوضاع هذا البلد الحرام، والرسول حل فيه. وعلى هذا مضت بهم الحياة أجيالاً متعاقبة: والداً وما ولد.\rومن ثم تتحدد معالم النضال في سبيل ما جاءت به الدعوى الإسلامية لهدى الناس وإصلاح ما فسد من أحوالهم: والقرآن إذ يدعو هنا إلى المجاهدة ضد الرق، والفروق الطبقية والظلم الإجتماعي، يستثير ما في فطرة الإنسان من قدرة على المكابدة ويخصه على اقتحام العقبة الكبرى، على هدى المعالم الواضحة أمامه لطريقى الخير والشر.....\rوالإثارة اللافتة، لا تأتي من مجرد الاستفهام البياني وحده، وإنما تأتي كذلك من كل لفظ ونبرة، في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ، ينفذ به إلى أعماق الوجدان، ويهيىءالاسمع لما يعقبه من بيان: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (��٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ......﴾\rوعسى ألا يفوتنا هنا، هذا الترتيب لخطوات اقتحام العقبة ومراحل النضال من أجل صلاح الإنسان وخير الجماعة:\rبدأ بفك الرقبة، ولهذا البدء دلالته الصريحة عن أن تحرير الإنسانية من أغلال الرق هو أول خطوة في النضال الصعب من أجل الوجود الكريم الجدير بالإنسان، فليس شيء أخر بالذي يسبق رد الكرامة الآدمية للإنسانية. وكل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187360,"book_id":1238,"shamela_page_id":170,"part":"1","page_num":187,"sequence_num":170,"body":"إصلاح لخير البشر والمجتمع، إنما يأتي بعد أن نرد إلى الإنسانية اعتبارها المهدر بالرق.\rواستعمال الفك والرقبة، فيه ما فيه من إشعار بأن العبد المسترق مغلول الرقبة بقيد مهين يسلبه إنسانيته وينزل به إلى منزلة البهم والدواب، وهو المخلوق الذي سواه الله بشراً حراً كريماً، فاستعبده مخلوق مثله، حسب لفرط غروره بقوته وثرائه، أن لن يقدر عليه أحد!\rوالآيات بعدها: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ هي آيات العدالة الإجتماعية، لتصحيح الأوضاع المادية التي أباحت وجود مقتدر ذي مال لبد، ويتيم جائع ذي مقربة أو مسكين ذي متربة. والقرآن يضع هذه العدالة الإجتماعية تالية لفك الرقبة، ويأتي بها في مساق البيان لاقتحام العقبة، مقدراً ما في تصحيح هذا الوضع الفاسد من صعوبة، وما يتطلبه من مجاهده ومكابدة.\rوقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ، يجسم بشاعة الوضع: فالمسغبة المجاعة، أو هو الجوع العام كما قال \"أو حيان\"، وليس أبشع من تصور جار يتيم أو مسكين محتاج، في يوم مجاعة.\rوكون اليتيم ذا مقربة، يفسر بالقرب وبالقرابة، ولكليهما حق الجوار والقربى.\rوكون المسكين ذا متربة، بيان لمدى العوز والهوان، يلصق المسكين بالتراب، أو يجعله، من فرط العدم، لا يجد سوى التراب!\rوضع بشع، يستطيع الإنسان أن يدركه ببصره وبصيرته، بحسه وبفطرته، ويستطيع معه أن يميز طريق الخير، لو اقتحم العقبة وجاهد من أجل الكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187361,"book_id":1238,"shamela_page_id":171,"part":"1","page_num":188,"sequence_num":171,"body":"﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ .\rعطف الإيمان، بلفظ: ثم، على ما قبله يبيح لنا أن نفهم أن تحقيق الكرامة الإنسانية بفك الرقبة، والعدالة الإجتماعية بإطعام يتيم ذي مقربة أو مسكين ذي متربة، لازمان للإيمان وما بعده من تواص بالصبر والمرحمة. الإنسان لا يكون مؤمناً، ما لم يكن له من نفسه وازع يرده عن الطغيان ويلزمه حده فلا يسترق بشراً مثله، ولا يتجاهل حق يتيم ومسكين، وأنى لإنسان أن يؤمن بوجود خالق قادر عليم، ما لم يتحرر أولاً من غرور جاهه وقوته وثرائه، ذلك الغرور الذي يعطل شعوره نحو أخيه الإنسان، ويجعله يحسب أن لم يره أحد ولن يقدر عليه أحد. فالإيمان بالله، نعمة لا تتاح لقساة القلوب غلاظ الأكباد عمي الأباصر والبصائر، ولا يميزون بين الخير والشر!\rكل هذا/ مما يعطيه سبق فك الرقبة والإطعام، على الإيمان الذي جاء معطوفاً عليهما بلفظ: ثم، لكن المفسرين عطلوا هذا الملحظ الجليل، بل عكسوا الوضع، فجعلوا ﴿ثُمَّ﴾ مقصوداً بها إلى إبعاد الإيمان عن فك رقبة وإطعام يتيم أو مسكين، فلا يكون الإيمان معهما في مرتبة واحدة! ونص عبارة الزمخشري في (الكشاف) \"وجاء بثم لتراخي الإيمان وتباعده في الفضيلة والرتبة عن العتق والصدقة، لا في الوقت، لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به\".\rوقال أيو حيان في (البحر المحيط) :\r\"ثم، لتراخي الإيمان والفضيلة لا للتراخي في الزمان، لأنه لابد أن يسبق تلك الأعمال الحسنة الإيمان، إذ هو شرط صحة وقوعها من الطائع. أو يكون المعنى: ثم كان عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان، إذ الموافاة عليه شرط في الإنتفاع بالطاعات. أو يكون التراخي في الذكر، كأنه قيل: اذكر أنه كان من الذين آمنوا.....\"\rوالإيمان مناط العقيدة الإسلامية. لكن المسلم قد يظن أن إيمانه يصح بمجرد أداء العبادات، فهم من ثم، في حاجة إلى التنبية بأن صحة الإيمان تنفي الغرور والاستعباد والقسوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187362,"book_id":1238,"shamela_page_id":172,"part":"1","page_num":189,"sequence_num":172,"body":"فماذا علينا لو أخذنا بصريح الترتيب في الايات المحكمات، حيث بيبن القرىن مراحل اقتحام العقبة، فيضع الكرامة الإنسانية بالعتق، والعدالة الإجتماعية بإطعان يتيم ومسكين، مناط الإيمان، مقرراً بذلك أن لا سبيل إلى رجاء الإيمان فيمن غره جاهه فانتحل صفة الربوبية باستعباد مخلوق مثله، وتحجر قلبه فلم يطعم يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة! ومعلناً أن لا مكان لإيمان صادق مخلص، في مجتمع يسيغ عبودية بشر لغير خالقه ويطيق أن يمسك الطعام في يوم مجاعة، هم يتيم ذى قربى، ومسكين معدم لا يجد إلا التراب؟\rويقوى هذا الفهم، عطف التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة على الإيمان بالواو المفيدة للربط دون تفاوت او تراخ، دلالة على أن الإيمان متى وقع في نفس سليمة الحس والإدراك، قادرة على المجاهدة والبذل والإيثار، مهتدية إلى طريقي الخير والشر، فغن هذا الإيمان يصحبه ويقترن به، شعور بما يقتضيه حق الجماعة من واجب التواصي بالصبر والمرحمة: الصبر على أعباء النضال من أجل الخير، والتراحم الذي يجعل الناس إخوة متعاونين متكافلين مترابطين، كأنهم أعضاء جسم واحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وقد جعل الله للإنسان لساناً وشفتين. كي لا يسكت عن الحق. والساكت عن الحق شيطان أخرس.\rوهذا هو المجتمع المثالي الذي حض عليه القرآن الكريم في سورة البلد، وهدى إليه الإنسانية المروجوة لتكاليف الجهاد للخلاص من محن الرق، وأنانية الفردية الظاغية المستبدة، وإثم السلبية الساكتة عن الحق.\r* * *\r﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ .\rوقد ألفت العربية استعمال اليمين في البركة واليمن والتفاؤل والقوة. وفي الاستعمال ال قرآني، نلمح ملحظ البركة في اختيار الجانب الأيمن للموضع الذي تجلى فيه الله سبحانه لموسى ﵇:\r﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ القصص ٣٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187363,"book_id":1238,"shamela_page_id":173,"part":"1","page_num":190,"sequence_num":173,"body":"﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ . مريم ٥٢.\rكما نلمح ملحظ القوة في آيات الزمر ٦٧، طه ١٧، الأحزاب ٥٠.\rومعها آيات: النساء ٣، ٢٥، ٣٣، والنور ٥٣، ٥٨ والمؤمنون ٦٠ والمعارج ٣٠ والانشقاق ٧.\rوملحظ الخير والتفاؤل في إيتاء المؤمن كتابه بيمينه: الإسراء ٧١، الحاقة ١٩، الانشقاق ٧.\rوأهل الجنة يوم القيامة: هم أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة. وأضيف إلى هذه المعاني جميعاً دلالة الحرمة في اليمين بمعنى القسم، ومعنى ديني هو الإيمان.\rوقوبل أصحاب الميمنة في سوزرة البلد، بأصحاب المشأمة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ .\rفدل ذلك من صنيع القرآن على أن الكفر بآيات الله، مقابل لاقتحام العقبة: فك رقبة، أو إطعلم في يوم ذي مسبغة، ثم الإيمان، والتواصي بالصبر والمرحمة.\rوالشؤم في اللغة ضد اليمن، وقد سمى أهل النار في الآخرى أصحاب المشأمة أو هم أصحاب الشمال.\r* * *\r﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾\rمغلقة لا منفذ لها ولا مخرج منها. وأصل اللفظ من الوصيد وهو في اللغة: الجبل، وبين من الحجارة في الجبال للمال. وأخذها الزمخشري من: أوصدت الباب وأصدته إذا أطبقته وأغلقته. ونرى أن الإيصاد ليس مجرد الإغلاق، وإنما فيه الشدة والإحكام الملحوظان في أصل المادة.\rوقد جاءت المادة في القرآن ثلاث مرات: الوصيد في آية الكهف ١٨:\r﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187364,"book_id":1238,"shamela_page_id":174,"part":"1","page_num":191,"sequence_num":174,"body":"ومؤصدة في آية البلد. وآية الهمزة في ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ .\rوسورة الهمزة، مكية نزلت بعد القيامة.\rوالاستئناس بها هنا يزيدنا تمثلاً للمجتمع الإسلامي المتعاون المتكافل المتراحم الذي يهدي إليه القرآن ويحض عليه، كما يزيدنا شعوراً بنظرة القرآن إلى ضراوة الجشع وشؤم الأنانية وغرور المال.\rوقال في الآيتين: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ ولم يقل: فوقهم، وذلك لأن الفوقية تحتمل البعد وعدم الملاصقة، بخلاف ﴿عَلَيْهِمْ﴾ التي نفيد الإطباق المباشر.\r* * *\rوبهذه الاية، تختم السورة التي جسمت فساد الأوضاع ف هذا البلد، والنبي حل به قد عانى من أذى واضطهاد، ولمس أمراض المجتمع المكي، بتوارثها ولد عن والد. كما بينت السورة أسباب الفساد، وطرق النجاة. لافته إلى ما في طاقة الإنسان وفطرته، من المكابدة لتصحيح المظالم الإنسانية والإجتماعية، وإدراك ما ينجم عنها من شر، وسوء مصير.\rوهكذا تتسق الايات في نسق باهر وبيان معجز، واستثارة نبيلة لتحقيق أمل الإنسانية في مقاومة الرق والبغي، والغرور والأنانية، والقسوة والظلم....\r﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187365,"book_id":1238,"shamela_page_id":175,"part":"1","page_num":193,"sequence_num":175,"body":"سورة التكاثر\r﷽\r﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187366,"book_id":1238,"shamela_page_id":176,"part":"1","page_num":195,"sequence_num":176,"body":"السورة مكية بلا خلاف، وهي السادسة عشرة في ترتيب النزول، على المشهور. نزلت بعد تالكوثر. ولا يخطيء الحس فيها سيطرة جو الوعيد والإنذار، يعمد فيه البيان القرآني إلى الإيجاز الحاسم مع التأكيد الجازم، تقوية للردع وبلاغاً للوعيد.\rوقد ربطها بعض المفسرين - كالنيسابورى - بسورة القارعة، لكن التكاثر نزلت قبل القارعة بثلاث عشرة سورة، فلا وجه لربطهما، إلا أن يكون ملحوظاً في ترتيب وضعهما في المصحف، تشابه الجو الإنذاري المسيطر على السورتين كلتيهما. ولا تنفردان بذلك بل تشاركها فيه سور وآيات كثيرة، وبخاصة تلك التي عرضت لمواقف في البعث والحشر، وأنذرت بيقين الحساب والجزاء.\r* * *\rوالسورة تبدأ بهذه الجملة الخبرية القصيرة:\r﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ .\rلكن \"الرازي\" أخرجها من الإخبار إلى الاستفهام بمعنى التوبيخ والتقريع. والخبرية هنا أوقع في الزجر وأبلغ في الوعيد، بما تشهد به على أن إلهاء التكاثر إياهم زاقع قد كان فعلاً، وليس المقام مقام استفهام، وإنما هو مقام بيان لما وراء هذا التكاثر العقيم الخاسر الذي ألهى وشغلهم عن التفكير في المصير.\rواللهو لغة، ما يلهى الإنسان. ولعل أصل استعماله في اللهوة وهي ما يلقيه الطاحن في غم الرحى بيده ويشغلها به فلا تدور على هواء.\rولا يترادف اللهو والمشغلة في القرآن الكريم، بل يأتي الشغل بالمجدى وغير المجدى, أما اللهو فلا يكون إلا بغير المجدى. وهو ما التفت إليه \"الراغب\" حين فسر الإلهاء في سورة التكاثر. بالإشتغال عما هو أهم. وعند \"الرازي\" أنه الإنصراف إلى ما يدعو إليه الهوى.\rوقال أبو هلال العسكري في (الفروق اللغوية) : \"اللهو لعب، واللعب قد يكون ليس بلهو\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187367,"book_id":1238,"shamela_page_id":177,"part":"1","page_num":196,"sequence_num":177,"body":"وصنيع القرآن يؤذن بأن اللهو أيضاً قد يكون ليس بلعب.\rفقد عطف اللهو على اللعب، أو العمس، في آيات:\rالأنعام ٣٢: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ومعها آيات.\rالأنعام ٧٠، محمد ٣٦، والحديد ٢٠ والأعراف ٥١.\rالعنكبوت ٦٤: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ .\rودقة الاستعمال القرآني تستبعد في مثل هذا المقام، أن يكون فيه ما يعد من عطف التفسير، وإنما اللهو مشغله بغير المجدي، تكون بلعب وغير لعب من صنوف الملاهي الشاغلة:\rكشخص: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ .\rعبس ١٠.\rأو أموال وأولاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المنافقون ٩.\rأو تجارة وبيع: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ النور ٣٧.\rأو أمل: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الحجر ٣.\rأو حديث: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لقمان ٦.\rوالمتعين في ىية التكاثر، أن الإلهاء فيها بالتكاثر. وهو لغة: تفاعل من الكثرة نقيض القلة، ونماء العدد، وإليه ذهب الراغب فقال في (المفردات) : \"القلة والكثرة يستعملان في الكمية كالأعداد، كما أن العظم والصغر للأجسام\".\rويكنى بالقلة عن الذلة، كما يكنى بالكثرة عن العزة:\rإنما العزة للكاثر.\rومنه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِ��لًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ الأعراف ٨٦.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187368,"book_id":1238,"shamela_page_id":178,"part":"1","page_num":197,"sequence_num":178,"body":"والتكاثر ورد في القرآن مرتين: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ وأية الحديد ٢٠:\r﴿واعلموا إنما اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ .\rوفسر التكاثر في الآيتين بأنه المبالغة بالكثرة، وجعل \"الرازي\" التفاخر والتكاثر شيئاً واحداً، وهو ما لا يوافق نسق آية الحديد، إذ عطف التكاثر على التفاخر.\rوحمل هذا العطف على التكرار، مضيع لبهاء الآية ودقه نسقها. والعربية استعملت. كاثره المال واستكثره إياه إذا أراد لنفسه منه كثيراً وإن كان المال قليلاً. وبهذا المعنى يفسر التكاثر في آية الحديد، وأنه التكالب على حطام الدنيا ومحاولة الاستئثار به، وهذا شيء غير المباهاة والتفاخر، بل هو درجة من درجات الشر في الدنيا بعد اللعب العابث واللهو الشاغل والزينة الزائفة والمباعاة الكاذبة: هو تزيد وتكالب على حطام الدنيا والاستكثار منه والاستئثار به - وهو قول ذكره النيسابورى في تفسير الآية - وإن يكن جمهرة المفسرين أكثر ميلاً إلى عد التكاثر هنا مباهاة وتفاخراً، متأثرين في ذلك بما روى في أسباب النزول.\rفالإمام الطبري ذهب إلى \"أنها المباهاة بكثرة المال والعدد.... وعن قتادة أنه قال: كانوا يقولون: نحن أكثر بني فلان ونحن أعد من بني فلان\".\rوفي (البحر المحيط) أنها نزلت في اليهود.\rوفي قول: إنه التكاثر بالأموات منهم.\rوهم في هذا، يأخذون من التكاثر معنى المفاعلة، مع أن اللغة استعملت تفاعل، في المفاعلة وغير المفاعلة، فقيل: كاثر الماء واستكثره، إذا أراد أن يستأثر لنفسه بكثير منه وإن كان الماء قليلاً، كما قيل: تمارض إذا ادعى المرض، وتكاره الأمر إذا تكلفه على كره منه، وتهافت إذا ظهر ضعفه ...\rوالآية لم تحدد لنا موضوع التكاثر، فليس من السهل أن نخصه بالمال على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187369,"book_id":1238,"shamela_page_id":179,"part":"1","page_num":198,"sequence_num":179,"body":"ما ذهب الراغب، أو نقصره على العدد كما قال الرازي، أو الموتى كما في النيسابورى. كما لا وجه لاحتمال أن يكون التكاثر هنا على على الاستغراق والتعميم، وهو ما دعل مفسرين إلى أن ينبهوا إلى قصره على ما هو مذموم، كأنما أشفقوا أن يفهم أن التكاثر فيما هو خير وطاعة وحق، داخل في عموم اللفظ في سياق الوعيد:\rوالاستئناس بآية الحديد، يكون التكاثر هنا في الأموال والأولاد، وهو ما يبدو أن الطبري والزمخشري اطمأناإليه. ونضيف: إن إسناد \"ألهاكم\" إلى التكاثر، يغنى عن كل تأويل، بصريح النص على أنه التكاثر فبما يلهى.\rوالخطاب هنا عام لكل من ألهاهم التكاثر والتكالب على زينة الدنيا من مال وولد، مهما تكن خصوصية السبب الذي قيل إن الآية نزلت فيه.\r* * *\r﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ .\rفي: حتى، هنا معنى الغاية، فغاية التكاثر إلى زيادرة المقابر، وليس وراء هذا التكالب إلا المقابر، يأتي بها القرآن كهذا إثر التكاثر فيبلغ الترويع منتهاه بقصر المسافة بينهما، والانتقال السريع بل المباغت، من التكاثر إلى المقابر ...\rولم يستعمل القرآن الزيارة إلا في آية التكاثر، وإنما ورد من المادة: تزاور بمعنى تزور في آية الكهف ١٧:\r﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ .\rوالزور اي الباطل والميل عن الحق، في آيات:\rالفرقان ٤: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ .\rالفرقان ٧٢: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ .\rالحج ٣٠: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187370,"book_id":1238,"shamela_page_id":180,"part":"1","page_num":199,"sequence_num":180,"body":"المجادلة ٢: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ .\rوذلك كل ما في القرآن من المادة.\rوالدلالة الحسية لها في اللغة، الميل والاعوجاج: في الزور، وهو عوج في الزور. والأزور: الناظر بمؤخر عينيه أو الذي يميل على شق إذا اشتد في السير. ومن هذا الصل الحسي، جاءت استعمالات المادة كلها في الميل، فقيل: زار القوم زيارة إذا مال إليهم وعاج بهم. وقيل للخيال يرى في النوم زوراً إما من الزيارة. أو لأنه وهو ولا حقيقة. والزو: الميل عن الحق والصواب، ومنه الدلالة الإسلامية على الباطل والضلال، ميلا عن الهدى.\rوللمفسرين في ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أقوال ثلاثة:\rإن الزيارة بمعناها الحقيقي، حين ذهب المتكاثرون إلى القبور يعدون موتاهم.\rأو هي مجاز، أريد به ذكر الموتى عند المفاخرة. وقد استبعده \"أبو حيان\" وقال: \"هذا تعبير ينبو عنه لفظ: زرتم\".\rوالقولان يوجه إليهما ما قالوه في سبب النزول، وهو أن بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر عدداً، فكثرهم بنو عبد مناف. فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية، فعادونا بالأحياء والأموات. ففعلوا، فكثرتهم بنو سهم.\rالعربية، ومنه قول الأخطل:.ذاق الضماد أو يزور القبرا. ومعه، من شواهد الكشاف:\rوالقول الثالث، إن الزيارة هنا معناها الموت، وهو استعمال مألوف في العربية، ومنه قول جرير:\rزار القبور أبو مالك فأصبح ألأم زوراها\rوقد اختاره الإمام الطبري في تفسير آية التكاثر، وأخذ به غير قليل من المفسرين بعد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187371,"book_id":1238,"shamela_page_id":181,"part":"1","page_num":200,"sequence_num":181,"body":"واستعمال الزيارة بهذا المعنى، صريح الإيحاء بأن الإقامة في القبر ليست إقامة دائمة، وإنما نحن فيها زائرون، والزائر غير مقيم، وسوف تنتهي الزيارة حتماً إلى بعث وحساب وجزاء. وهذا الإيحاء ينفرد به لفظ ﴿زُرْتُمُ﴾ دون غيره، فلا يمكن أن يؤديه لفظ آخر، كأن يقال صرتم، أو رجعتم أو انتهيتم، أو أبتم وألتم، وليس القبر المصير والمرجع والمآب والمال. كما لا يقال: سكنتم في المقابر، أو أقمتم بها، إلى غير ذلك من ألفاظ تشرك كلها في الدلالة على ضجعة القبر، ولكن يعوزها سر التعبير الدال على أنها زيارة، اي إقامة مؤقتة، يعقبها بعث ونشور.\rوليس بعجيب أن يفوت هذا السر البياني مفسرين كان جهدهم أن يجمعوا كل ما يمكن أن تحتمله الدلالات المعجمية لزيارة المقابر، وشتى المرويات في تأويلها.\rحتى الذين فسروا الزيارة بالموت هنا. لم يلتفتوا إلى سره البياني. وهو ما لم يفت أعرابياً سمع ألاية فقال: \"بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم\" وروى كذلك هن \"عمر بن عبد العزيز\" نحو من قول الأعرابي.\rوالعجيب أن \"أبا حيان\" لم تستوقفه هذه اللمحة الثاقبة من كلمة ��الها أعرابي حسس لغته فطرة وسليقة، بل مر أبو حيان بها سريعاً كأن لم يعنه منها شيء، ليأتي بقول من قال في تفسير الاية: \"إنه تأنيب على الإكثار من زيارة القبور تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره، وكان الرسول ﷺ نهى عن زيارة القبور ثم قال: فزوروها، أمر إباحة للاتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر\".\r* * *\rولفظ \"المقابر\" لم يأت في غير آية التكاثر، على حين جاءت \"القبور\" خمس مرات، كما جاء القبر، مفرداً، في آية التوبة ٨٤:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187372,"book_id":1238,"shamela_page_id":182,"part":"1","page_num":201,"sequence_num":182,"body":"﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .\rوقد تجد الصنعة البلاغية في استعمال المقابر هنا مجرد ملاءمة صوتية للتكاثر، وقد يحس أهل البلاغة، ونحس معهم فيها، نسق الإيقاع بهذه الفاصلة، فهل تكون \"المقابر\" في آية التكاثر لرعاية الفواصل فحسب؟\rالمقابر جمع مقبرة، وهي مجتمع القبور..... واستعمالها هنا يقتضيه معنوياً، أنه اللفظ الملائم للتكاثر، الدال على مصير ما يتكالب عليه المتكاثرون من متاع دنيوي فان...... هناك مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم ودرجاتهم وأزمنتهم. وهذه الدلالة ممن السعة والعموم والشمول، لا يمكن أن يقوم بها لفظ \"القبور\" بما هي جمع لقبر. فبقدر ما بين قبر ومقبرة من تفاوت، يتجلى إيثار البيان القرآني \"المقابر\" على القبور، حين يتحدث عن غاية ما يتكاثر به المتكاثرون، وحين يلفت إلى مصير هذه الحشود من ناس يلهيهم تكاثرهم عن الاعتبار بتلكم المقابر التي هي مجتمع الموتى ومزار الراحلين الفانين.....\rفتأويل المقابر بالقبور، لسي إلا أثراص مفردات القرآن تناولا لفظياً معجمياً، مجرداً عن إيحاء سياقه وسره البياني، معزولاً عن الاستعمال القرآني الذي لم يجئ بالمقابر هنا لمجرد المشاكلة اللفظية والرنين الصوتي، وإنما هي الملاءمة المعنوية أيضاً بين التكاثر والمقابر بما فيهما من سعة وشمول وعموم، وهو هو الإعجاز البياني يوجز رحلة الدنيا وعبرة الموت ونذر المصير، في أربع كلمات فحسب، تفجأ اللاهين في نشوة الدنيا، بصدمة ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ليس بينها وبين ﴿لْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلا \"حتى\"، أداة غاية.\r* * *\rثو يتوالى الزجر سراعاً:\r﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .\rواضح هنا أن الخطاب لمن الهالهم التكاثر، وأن التكرار مبالغة في الزجر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187373,"book_id":1238,"shamela_page_id":183,"part":"1","page_num":202,"sequence_num":183,"body":"وتأكيد للوعيد والنذير، وهو ما اطمأن إليه الطبري والزمخشري وأبو حيان وغيرهم، ولكنهم أضافوا إلى هذا، أقوالاً أخرى، في توجيه الخطاب في الآيتين:\rففي (تفسير الطبري) عن الضحاك: أن الآية الأولى للكفار فهي وعيد، وان الثانية للمؤمنين فهي وعد!\rوفي (البحر المحيط) هذه الرواية عن الضحاك، وأخرى عن \"علي\" كرم الله وجهه: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في القبر: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في البعث.\rومثله في تفسير النيسابورى.\rوأورد \"الرازي\" أربعة وجوه في التكرير: أنه للتوكيد، وأنه وعيد للكفار ووعد للمؤمنين، وأن الأول عند الموت والثاني في سؤال القبر، وأن إحدى الآيتين لعذاب القبر والأهرى لعذاب القيامة.\rوليس النص القرآني في وضوح بيانه بمسئول عن هذا الخلاف، ولا هو بحيث يوجه إلى تفسير الآية الواحدة بالنقيضين، فيستوى خطاب الكفار والمؤمنين، وأسلوب العد والوعيد في البيان المعجز!\rولكي تسلم القاعدة، في إفادة حرف \"ثم\" للتراخي، قيل إن الآية الأولى عند الموت، والثانية في سؤال القبر. أو إن الأولى لعذاب القبر، والأخرى لعذاب القيامة \"وتبقى ثم على بابها من المهلة في الزمان\".\rونقول هنا ما قاله الومخشري، إن ثم في هذا السياق \"ليست علة موضعها عند النحاة، وإنما جئ بها مبالغة في الإنذار، كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل هذا\".\rوجو الوعيد هو المسيطر على السورة كلها.\rويأبى البيان القرآني أن يستوى فيه أسلوب الوعيد والوعد، فما الخطاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187374,"book_id":1238,"shamela_page_id":184,"part":"1","page_num":203,"sequence_num":184,"body":"في الآيتين كلتيهما، إلا للذين ألهلهم التكاثر، ما التكرير إلا مبالغة في ردعهم وزجرهم وإنذارهم.\rويلفتنا هنا أيضاً. أنه قال \"تعلمون\" ولم يقل: تعرفون. والعلم إدراك الشيء بحقيقته كعبارة \"الراغب\" في مفرداته، والعربية قد استعملت المادة حسياً فيما هو ظاهر واضح لا لبسفيه. فالعلمة والعلم شق ظاهر في الشفة العليا، وعلمه وسمه، والعلامة: السمة، والعلامة أيضاً، والعلم: الفصل بين الأرضين، وشيء منصوب في الطريق يهتدي به. والعلم: الجبل الطويل، والراية، ما يعقد على الرمح.\rومن هذا الوضوح المميو في العلامة والعلم، استعمل العلم فيما يعرف معرفة واضحة قوية، فقيل: علم الشيء، إذا أدركه، وهو عالم به إذا انكشف له حقيقته.\rوفي الاستعمال القرآني للملدة، نرى الله تعالى يوصف بالعالم ولا يوصف بالعارف، والعليم من أسمائه الحسنى، ويسند إليه العلم ولا تسند إليه المعرفة. ويختص الله سبحانه وتعلى بما يكون خفياً، وغيباً، ومضمراً، فهو يعلم ما يسرون ويعلم ما في الأرحام، وما تحمل كل أنثى، ما في أنفسكم، وما في قلوبكم، وذات الصدور، ويعلم ما في السماوات والأرض، وما في البر والبحر، ويعلم سركم وجهركم، ويعلم سرهم ونجواهم، ويعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما توسوس به نفسك، علام الغيوب، وعنده علم الساعة، وعلم الكتاب.\rوحين يسند العلم إلى البشر فهو العلم الكسبي عندما يكون على وجه التأكد واليقين، أو في النذير بيوم لا ريب فيه.\rوتأتي ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ، في نظائر لآية التكاثر، مثل، آيات: الحجر (٣، ٩٦) والفرقان (١٢) والعنكبوت (٦٦) والصافات (١٧٠) والزخرف (٨٩) ، وفي أكثرها بهذا الإنذار بيوم يأتي، تنكشف لهم حقيقة ما خفى عنهم وما أنكروه أو ارتابوا فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187375,"book_id":1238,"shamela_page_id":185,"part":"1","page_num":204,"sequence_num":185,"body":"وهم هما قد الهاهم التكاثر فناسب هذا الإلهاء أن ينذرهم بما بعده من تلقف المقابر لكل ما يتكاثرون به، وأن يردعهم بمصير لابد آت، يعلمون فيه حقيقة ما طالما ألهاهم عنه التكاثر: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ق٢٢.\rولا حاجة بنا إلى الوقوف لنسأل عما سوف يعلمونه، على نحو ما فعل الطبري والزمخشري والرازي، والآيات التالية تعفينا من تأويل، وتغنينا عن تحديد ما سوف يعلمون:\r* * *\r﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ .\rهو علم اليقين، حين لا مجال لشك فيه أو ارتياب، ولا موضع لغفلة ولهو بما طالما تكاثروا فيه.\rواليقين لغة: إزاحة الشك، وقد يقن الأمر، كفرح، وأيقنه وأيقن به وتيقنه واستيقنه واستيقن به: علمه وتحققه.\rويبدو أن جمهرة المفسرين متفقون على أن معنى علم اليقين في آية التكاثر \"هو علم يقين، أضف إلى الصفة، نحو: ولدار الآخرة\" - الرازي، النيسابورى، أبو حيان.\rوإنما اختلفوا في تحديد المقصود باليقين: فقيل هو الموت، ونظيره عندهم قوله تعالى:\r﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ . الحجر ٩٩.\rوقيل هو البعث، يزول به كل شك.\rوالطبير يختار البعث، على حين سكت الرازي وأبو حيان فلم يرجحا قولا على آخر.\rوالخلاف ليس بذي بال، فالأمر بينهما قريب. على أنا لا نطمئن إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187376,"book_id":1238,"shamela_page_id":186,"part":"1","page_num":205,"sequence_num":186,"body":"تفسير اليقين هنا، ولا في آية الحجر التي نظروا بها: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ بالموت أو البعث. فما يستوي التأويل: كلا لو تعلمو علم الموت، أو علم القيامة. وعطاء الآية: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ من قوة ونذير واليقين في القرآن التحقق وإزاحة الشك، والإدراك الواثق الذي لا يلتبس بوهم أو ظن أو تخمين أو ارتياب، يطرد هذا ي كل المواضع التي وردت فيها المادة فعلاً أو اسماً، على اختلاف الصيغ.\r﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ النمل ١٤\r﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ المدثر ٣١\r﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ النساء ١٥٧\r﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ الجاثية ٣٢\r﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ النمل ٢٢\rويجئ اليقين في القرآن مضافاً إليه علم، وعين، وحق، كما يجئ الاستيقان مع نفي الإرتياب، أو مقابلاً للظن، مما لايدع مجالاً لتفسير اليقين بغير التحقق والإدراك الواثق، وإزاحة كل شك أو لسب أو إرتياب.\r* * *\rثم إن الاية متلوة بقوله تعالى:\r﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾\rوهو ما يجلو مفهوم \"علم اليقين\" بما لا يغني عن أي تأويل، فهذا بيان لما سوف يعلمون يقيناً. وإضافة عين إلى اليقين في الآية الثانية، تأكيد وتجسيم وترسيخ: فالأصل الحسي للعين أنها الباصرة، ولأهميتها بين الجوارح، يكتفي بها أحياناً في الدلالة على الشخص فيقال: ما بالدار من عين، أي أحد. كما استعملت في موضع العناية والإهتمام في مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بحيث","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187377,"book_id":1238,"shamela_page_id":187,"part":"1","page_num":206,"sequence_num":187,"body":"نراك ونرعاك. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي بكلاءتى وحفظى. كما استعمل ما يقر العين، فيما هو للإنسان موضع غبطة ورضى وارتياح:\r﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ القصص ١٣\r﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ . الفرقان ٧٤\rو\"الراغب: في مفرداته، يوجه كل ما استعير له لفظ العين، لمعنىموجود في الأصل الذي هو الجارحة.\rواستعمال العين في أسلوب التأكيد، له أصل من مدلولولها الحسي، فأنت تقول: لقيته عياناً، أي معاينة لا شك فيها، ورأيته رأى العين، أي حقيقة ويقيناً لا على سبيل الوهم أو المجاز:\r﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ آل عمران ١٣\rوهذا الملحظ من الرؤية المتيقنة، في قولهم: رأيته رأى العين، هو الذي استعملت به \"عين\" للتأكيد. فيقال جاء هو عينه. فإذا أضيفت عين وهذا شأنها في اليقينالحسي - إلى لفظ اليقين. مع فعل الرؤية مؤكداً: ﴿تَرُونَ﴾ : فذاك أقصى ما يبلغه البيان من تأكيد اليقين وترسيخه. ففي احتمال أي شبهة للشك أو الظن أو الإرتياب. إذ يجتمع هنا. ما للرؤية من إدراك حسي، إلى ما للفظ \"عين\" من دلالة التأكيد والبصر، وما لصريح لفظ \"اليقين\" من ثقة وإزاحة لكل شك، فضلاً عن التوكيد اللفظي في ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ باللام ونون التوكيد الثقيلة، ثم بالتكرار!\rإنها كلمات أربع قصار. جمعت كل ما تعرف العربية من ادوات التوكيد وآساليبه اللفظية والمعنوية: اللام والنون والتكرار، والرؤية والعين، واليقين، فبلغت من ذلك ما لا تبلغه الصفحات المطولات، دون أن نحس في إيجازها المعجز، جهد الحشد وضغط الإمتلاء.\rهو إذن اليقين الذي لا سبيل فيه، يتحقق برؤية الجحيم رأى العين حيث لا سبيل إلى اتهام البصر واللياذ باحتمال الوهم فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187378,"book_id":1238,"shamela_page_id":188,"part":"1","page_num":207,"sequence_num":188,"body":"والصلة بين الآيات المحكمات:\r﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾\rجلية واضحة، فلسوف يعلمون اليقين حق علمه، حين يون الجحيم عين اليقين. والنسق القرآني لا يسمح بأن نفصل بين هذه الآيات، فنقطع ما بين ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ وبين ألاية بعدها ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ .\rلكن المفسرون - فيما قرات أجمعوا على أن هذا القطع واجب! وقروا أن ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ منفصلة عن ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ هذا مع تقريرهم أن كل آية منهما لا يمكن أن تستقل بمعناها: فالأولى شرط يحتاج إلى جواب والثانية جواب يحتاج إلى شرط أوقسم.\rولتسوية الصنعة الإعرابية، مع فصل الجملتين، راحوا يتأولون في الموضعين كليهما، ويتكلفون تتمة مفترضة لكل من الآيتين:\rففي الأولى قالوا: إن جواب الشرط يدل عليه ما قبله، فيكون التقدير: لو تعلمون على اليقين لما ألهاكم لاتكاثر عن طاعة الله ربكم، ولسارعتم إلى عبادته والانتهاء إلى أمره، أو لفعلتم ما لا يوصف ودفعكم إلى السعي فيما تصلح به ظواهركم وتخلص به لله سرائركم وتتحد به في تأييد الحق هممكم.\rوفي الثانية، قالوا: \"لترون الجحيم، جواب لقسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد\" (الزمخشري والرازي) .\rوتسأل: فيم كل هذا العناء؟ وما الذي منع ارتباط الجملتين عندهم، بحيث تكون الثانية تتمة للأولى متعلقة بها وجوباً للشرط فيها؟ النجاة قروا أن \"لو\" حرف امتناع لامتناع، أي أن جوابها لامتناع الشرط، فلو أننا جعلنا ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواباص للو، لاقتضى ذلك تحقق رؤية الجحيم مع لو، وهذا محال في حكم الصنعة!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187379,"book_id":1238,"shamela_page_id":189,"part":"1","page_num":208,"sequence_num":189,"body":"قال النيسابورى: \"اتفقوا على أن جواب لو محذوف، لأن قوله: \"ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ : أمر واقع قطعاً، فلو كان ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواباً للشرط، كانت الرؤية أمراً مشكوكاً فيه، فيلزم المخالفة بين المعطوفات يعني: عطف ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ على ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ - أو الشك فيما هو واقع قطعاً، كلاهما غير سديد\".\rوقال الرازي: \"اتفقوا على أن جواب لو محذوف، وأنه ليس قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ حواب له، إذ لو كان جواباً لوجب ألا تحصل الرؤية، وذلك باطل\".\rوهكذا تتدخل الصنعة النحوية في نسق البيان الأعلى، وتقطع ما بين الآيتين، ثم تحوج إلى تأول تتمة مفترضة لكل منهما، مع أن المعنى يقوى بلا ريب، لو وصلنا بين الآيتين، إذ تكون رؤية الجحيم عين اليقين القاضية على كل شك، المحققة لعلم اليقين لا ريب فيه.\rفهل تأبى العربية حقاً، ربط الآيتين، بمقتضى ما قرره جمهور النحاة من امتناع جواب لو، لامتناع شرطه؟\r\"لو\" تأتي في العربية على خمسة أوجه، بينها إبن هشام في (المغنى) ونقل في الشرطية منها اختلافهم في الامتناع بها، ومنه قولهم:\r(أنها تفيد امتناع الشرط وامتناع الجواب جميعاً. وهذا هو القول الجاري على ألسنة المعربين، ونص عليه جماعة من النحويين. وهو باطل بمواضع كثيرة.... ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ) .... إلى أن قال بعد استيفاء بيان بطلانه:\r(وقد اتضح أن أفسد تفسيرا لـ: لو، قول من قال: حرف امتناع لامتناع ... ) .\r* * *\rوأضيف إليه من الشواهد القرآنية، آيات:\rالشعراء ٣٠: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187380,"book_id":1238,"shamela_page_id":190,"part":"1","page_num":209,"sequence_num":190,"body":"مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ معها آيو الزحرف ٢٤\rالنساء ٩: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ ... ﴾\rالأنعام ٣٠: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ .\rومعها أيات: الأنعام ٢٧، ٩٣، والأنفال ٥٠.\rوقد أرى أن هذا الأسلوب، أقوى من الجملة الخبرية، في تأكيد الجواب وعدم احتماله أي شك، متى زال المانع.\rوالبيان القرآني المعجز يهدي إلى هذا الملحظ الذي غاب عمن قيدهم جمود المصطلح النحوي، فطبقوه صنعة شكلية، بعيداً عن ذوق العربية: فحين يقول تعالى: في آية التكاثر:\r﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ .\rلا وجه إطلاقاً لاحتمال الشك في رؤية الجحيم، لو علموت علم اليقين، وسيعلمونه حتماً حين يرون الجحيم عينن اليقين، وعندئذ يزول المانع، ويتحقق بزواله جواب الشرط.\rوالقرآن الكريم جاء بشرط \"لو\" هنا في مجال اليقين\" ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ بعد أن قرر على وجه التأكيد والجزم والحسم أنهم سوف يعلمون. وإذ تقرر - بما لا يحتمل أي شك - أنهم سوف يعلمون علم اليقين، فقد لزم أن نقول إن امتناع شرط \"لو\" سيزول حتماً باليقين الذي قررت الآية أنهم سوف يعلمونه يقيناً لا ريب فيه، ويومئذ يتحقق الجواب، الذي ما منعه إلا أنهم لم يعلموا - حين ألهاهم التكاثر - علم اليقين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187381,"book_id":1238,"shamela_page_id":191,"part":"1","page_num":210,"sequence_num":191,"body":"وإيثار هذا الأسلوب في تأكيد رؤية الجحيم والسؤال فيها عن النعيم، وهو فيما أرى مناط البلاغة في هذا الأسلوب. إذ إن جواب لو إنما يمتنع لامتناع شرطه، أما حين يتحقق الشرط يقيناً فليس إلى شك في تحقيق الجواب من سبيل. وقد سبق آية ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ التأكيد الجازم بأنهم سوف يعلمون ثم كلا سوف يعلمون، فلم يبق شك في أن جهلهم بعلم اليقين زائل لا محالة، وعندئذ يتحقق جواب الشرط على وجه اليقين، عين اليقين.\rفالربط بين الآيتين، ليس لاتقاء تمزيق السياق والإخلال بالنسق فحسب، ولكنه يحقق جواب (لو) تلقائياً، بزوال امتناع شرطها حين يعلمون، وسف يعلمون علم اليقين.\rمن عجيب أن المفسرين لكي يخلصوا رؤية الجحيم من الامتناع أو احتمال الشك الموهوم، أكدوا امتناع شرط (لو) في: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مع أن الله تعالى يقول: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ .\rفلم يلتفتوا إلى أن احتمال الشك في تحقيق شرط لو، وأنهم سوف يعلمون علم اليقين، هو الباطل عين الباطل!\r* * *\rوتختم السورة بالآية:\r﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾\rفيبلغ الوعيد ذروته، ويصل به إلى غاية منتهاه.\rوقد اختلف المفسرون في هذا السؤال عن النعيم:\rممن يكون؟ ولمن يكو؟ وأين يكون؟\rفي قول: إن السؤأل يكون من الملائكة، وقيل: إن السؤال من الله.\rوالقرآن سكت عن ذكر السائل، تركيزاً للإهتمام في السؤال نفسه ففيم هذا الإختلاف فيمن يكون السائل، مع أن صنيع القرآن صريح في الصرف عنه عمداً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187382,"book_id":1238,"shamela_page_id":192,"part":"1","page_num":211,"sequence_num":192,"body":"وقالوا: إن السؤال يومئذ للكفار، وقيل: بل هو للبشر كافة: المؤمنون منهم والكفار \"النيسابورى وأبو حيان\" وسكت الزمخشري فلم يتعرض هنا لتحديد المسئول، لكنه - في تفسير النعيم - اعتبر أن السؤال للإنسان، على الإطلاق.\rلكن كيف يمكن إدخال المؤمنين مع الكفار في سؤال واحد؟\rالجواب عند المفسرين حاضر: \"فالمؤمن يسأل إكرام وتشريف، والكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع\" - البحر المحيط.\rهكذا يجتمع الإكرام والتشريف، والتوبيخ والتقريع، بلفظ واحد وفي جو واحد وسياق واحد!\rوتوجيههم للآية بجعل السؤال فيها للإنسان بعامة: الكافر والمؤمن، يعزل الآية عن الجو العام الحافل بالوعيد والنذير، ويتناولها مقتطعة من السياق في صريح دلالته على أن السؤال هنا نذير، والخطاب فيه لمن ألهاهم التكاثر.\rوللمفسرين في: أين يكون هذا السؤال عن النعيم؟ أقوال:\rمنها: أن السؤال في موقف الحساب. فلما رد عليهم بأن هذا ليس السياق: \"لأنه تعالى أخبر أن هذا السؤال متأخر عن رؤية جهنم، وموقف الحساب متقدم على مشاهدتها\" أجاب الرازي:\r\"المراد: ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة.... وهو كقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ..... ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والإيمان متقدم على كل شيء\".\rومنها: أن السؤال يكون إذا دخلوا النار. واستأنسوا بآية الملك: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ .\rوآية التكاثر فيما ترى تحدد وقت السؤال بيومئذ، أي يوم ترونها اليقين، وهذا التحديد الصريح يعفينا من الوقوف عندما اختلفوا فيه.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187383,"book_id":1238,"shamela_page_id":193,"part":"1","page_num":212,"sequence_num":193,"body":"واختلف��ا كذلك في النعيم الذي يسألون عنه يومئذ، وقد كثرت تأويلاتهم فيه حتى بلغ ما عده \"الرازي\" منها تسعة وجوه: وتتفاوت هذه النعم المسئول عنها، فأدناها النعلان، وأعلاها رسول الله ﷺ! وبينهما يأتي: تخفيف الشرائع، وتيسير القرآن، والطعام والشراب والمسكن، وصحة الأبدان والأسماع والأبصار، والظل البارد، والفراغ والأمن والدعة، ولذة النوم، والحالة الحسنة، واعتدال الخلقة.\rوهكذا لم يتركوا شيئاً يمكن أن يقال في تأويل النعمة إلا جاءوا به، وجاءوا له بشاهد من القرآن أو الحديث أو خبر مأثور: من ذلك مثلاً، أن تأويل النعيم برسول الله، يؤيده عندهم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ .\rوفي تأويله بالماء والطعام، ذكروا آية الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .\rوفي تآويله بالظل والنعلين رووا حديثاً عن \"أنس\" أنه \"لما نزلت الآية قام محتاج فقال: هل على من النعمة شيء؟ قال: الظل والنعلان والماء البارد\".\rوفي تأويله بالشبع والرى، رووا عن رسول الله ﷺ، أنه \"خرج ذات ليلة إلى المسجد فلم يلبث أن جاء أبو بكر، فقال ﷺ: ما أخرجك يا أبا بكر؟ فقال الجوع. قال: والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك. ثم دخل عمر فقال مثل ذلك. فقال النبي ﵊: قوموا بنا إلى منزل أبي الهيثم. ففعلوا، وأكلوا هناك خبزاً من شعير ولحماً، وشربوا ماء عذباً. فقال ﷺ: هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة\".\r* * *\rوالنعيم قد يحتمل لغة، كل هذا الذي قالوه، فهو في معاجمها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187384,"book_id":1238,"shamela_page_id":194,"part":"1","page_num":213,"sequence_num":194,"body":"الخفض والدعة، والمال، واليد البيضاء والروضة الناعمة..... كما يحتمل: الدين، والهدى، والظل والصحة والنوم....\rلكن هل يحتمل البيان العالى، كل هذه المعاني المتفاوتة في موضع واحد؟\rوهل يسبغ الذوق المصفى، أن تفسر الكلمة بالنعلين، كما تفسر بالرسول ﷺ؟\r\"الإمام الطبري\" يميل إلى تخصيصه بنعيم الدنيا، قال: \"ثم ليسالنكم الله ﷿ عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا، ماذا عملتم فيه، ومن أين وصلتم إليه، وفيم أصبتموه\".\rواختار \"الرزي\" إطلاق اللفظ على جميع النعم، قال: والأولى أنه يجب حمله على جميع النعم، وأن تكون الألف واللام فيه للاستغراق.\rوخصه \"الزمخشري\" بنعيم \"من عكف على استيفاء اللذات ولم يعض إلا لياكل ويشرب ويقطع أوقاته باللهو والطرب...... فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضاً بالشكر، فهو من ذاك بمعزل\".\rوقال \"الراغب\": والنعيم النعمة الكثيرة.\rوأمام هذا الاختلاف، بل أمام ذلك التفاوت بين تأويل النعيم بالنعلين أو الظل مرة، وجميع النعم على الاستغراق، نلوذ بالقرآن الكريم لنحتكم إليه فيما اختلفوا فيه.\rوالقرآن استعمل النعمة، والأنعم، والنعماء، والنعيم بملحظ من الدلالة لم يتخلف قط.\rفالنعمة تستعمل فيما أنعم الله به على هباده من خير أو هداية في الدنيا.\rوقد جاءت بهذا المعنى ٤٩ مرة، مضافة إليه ﷾، أو إلى ضميره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187385,"book_id":1238,"shamela_page_id":195,"part":"1","page_num":214,"sequence_num":195,"body":"جل شأنه، أو هي نعمة منه ﷻ. وجاءت مرة واحدة في حديث موسى لفرعون بآية ا��شعراء ٢٢: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهي أيضاً نعمة في الدنيا لا الآخرة.\rوكذلك جاء الجمع منها: نعم، وأنعم فيما ينعم الله به على عباده في الدنيا:\r﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ (لقمان ٢٠) - ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ (النحل ١١٢) ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (النحل ١٢١)\rونعماء أيضاً، جاءت خاصة بالدنيا في آية هود ١٠:\r﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ .\rوكما اطرد مجئ نعمة ونعم وأنعم ونعماء، في نعم الدنيا، اطرد كذلك كجئ \"نعيم\" خاصاً بالآخرة، في كل الآيات التي ورد فيها لفظ نعيم بالقرآن الكريم، على وجه الاستقراء.\rالتوبة ٢١: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ .\rالطور ١٧: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ .\rالواقعة ٨٩: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ .\rالمعارج ٣٨: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ .\rالانفطار ١٣: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ .\rالمطففين ٢٢: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187386,"book_id":1238,"shamela_page_id":196,"part":"1","page_num":215,"sequence_num":196,"body":"الإنسان ٢٠: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ بياناً لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً ... ﴾ .\rالمائدة ٦٥: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾\rيونس ٩: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .\rالحج ٥٦: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .\rالصافات ٤٣: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .\rالواقعة ١٢: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .\rلقمان ٨: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ .\rالشعراء ٨٥: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ .\rالقلم ٣٤: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ .\rثم آية التكاثر.\rوأما هذه الدلالة القرآنية لكلمة \"النعيم\" خاصة بنعيم الآخرة، في كل المواضع التي ذكر فيها النعيم في القرآن، لا مناص لنا من النزول على حكمت القرآن هنا، فلسنا مخيرين في تأويل لفظ النعيم بما يحتمله لغة أو مجازاً، وهذا القرآن أمامنا لم يستعمل النعيم قط في نعمة من نعم الدنيا، وإنما هو فيه دائماً، نعيم الآخرة.\rولكت هذا المعنى المتعين، هو الوحيد الذي لم يذكره المفسرون - فيما قرأت - وهم يعدون كل ما يمكت أن يقال في تفسير النعيم، ويذكرون فيه ذلك الحشد المختلط. إلا نعيم الآخرة في دلالته الإسلامية بالقرآن الذي يجب أن نحتكم إليه في توجيه آية التكاثر.\rفعلى هدى القرآن الذي خص صيغة \"النعيم\" وحده بالآخرة، دون نعمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187387,"book_id":1238,"shamela_page_id":197,"part":"1","page_num":216,"sequence_num":197,"body":"ونعماء وأنعم ونعم، ولا نملك إلا أن نفهم أن السؤال في آية التكاثر، إنما هو عن نعيم الآخرة....\rوسر البيان فيه، أن هؤلاء الذين ألهالهم التكاثر في الأموال والأولاد وغيرهما من أعراض الدنيا الزائلة، وحسبوها النعيم الذي ما بعده نعيم، وضغلوا بها عن التزود لآخرتهم، سيسألون يوم يرون الجحيم عين اليقين، عن النعيم الحق ما هو؟ ويومئذ يدركون يقيناً حقيقة النعيم الذي ألهاهم عنه التكاثر والتكالب على نعم مآلها احتشاد في المقابر ثم بعث وحساب!\rسر البيانهنا، أن الموقف في الآخر هو موقف العلم اليقين، والإدراك المتحقق الذي لا مجال فيك لشك وإرتياب، وإذ كان نعيم الجنة هو النعيم الحق، كان السؤال في موقف الحق عن النعيم الحق، لا عن الأعراض الزائلة، من صحة ومال وظل وماء ومأكل ومسكن، وثياب ونعال.... فما شيء من هذا كله إلا \"نعمة\" دنيا وعطية مستردة، وإنما يسألون يوم يعلمو علم اليقين، ويرون الجحيم عين اليقين، عن النعيم الحق الذي أضاعوه، والخير الباقي الذي ألهاهمعنه التكاثر في العرض الزائل والحطام الفاني.\rوالإنذار بهذا السؤال عن النعيم، يتسق على أكمل وجه، مع الوعيد المسيطر على السورة كلها، وبه تتلاءم آياتها وتترابط في نسق معجز، لا موضع فيه لحلل الصنعة واضطراب النظم وتفاوت جو الأداء وتغير روح الموقف، مما أقحمته تأويلات يفوتها إدراك أسرار التعبير في المعجزة الخالدة.\r﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187388,"book_id":1238,"shamela_page_id":198,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":198,"body":"﷽\rالتفسير البياني الجزء الثاني\rالمؤلف: الدكتورة / عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطيء)\rدار النشر: دار المعارف - القاهرة\rالطبعة السابعة\rعدد الأجزاء: ٢","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187389,"book_id":1238,"shamela_page_id":199,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":199,"body":"﷽\rمقدمة\rمضت خمس سنوات على ظهور الجزء الأول من هذا التفسير البياني، نفدت خلالها ثلاث طبعات منه، وظهرت منه طبعة أخرى مسروقة في بيروت، قبل أن يتاح لي تقديم هذا الجزء الثاني الذي طال انتظاره.\rوعلى مدى تلك السنوات، تابعت العكوف على تدبر البيان القرآني والإنقطاع لخدمة كتابنا الأكبر، فكنت كلما اجتليت باهر أسراره البيانية، ألفيت من الصعب أن أقدمها على النحو الذي يفي بخلالها، وتهيبت أن أودي بالمألوف من تعبيرنا، أسراراً من البيان المعجز تدق وتشف، حتى لتجل عن الوصف وتبدو كلماتنا حيالها عاجزة صماء! فإن أكن جرؤت على تقديم هذا الجزء الجديد من التفسير البياني بعد طول تهيب ومعاناة، فليشفع لي أن حذدت له كل طاقتي وجهدي، وأن الأمر فيه يتجاوز كل طاقة وجهد.\r* * *\rوالمنهج المتبع هنا، هو الذي خضعت له فيما قدمت من قبل، بضوابطه الصارمة التي تأخذنا باستقراء اللفظ القرآني في كل مواضع وروده، للوصوص إلى دلالته، وعرض الظاهرة الأسلوبية على كل نظائرها في الكتاب المحكم، وتدبر سياقها الخاص في الآية والسورة، ثم سياقها العام في المصحف كله، التماساً لسرها البياني.\rوإذ نضع معاجم العربية وكتب التفسير في خدمة هذا المنهج، فإننا نحاول أن ندرك حسن العربية للألفاظ التي نتدبرها من النص القرآني، عن طريق لمح الدلالة المشتركة في شتى وجوه استعمالها لكل لفظ، وواضح أنه لا سبيل إلى دراسة أي نص في لغة﴾ ﴾","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187390,"book_id":1238,"shamela_page_id":200,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":200,"body":"ما، دون فقه لألفاظه في لغته. ثم يكون للنص بعد ذلك أن يحدد لكل لفظ دلالته الخاصة، من شتى الدلالات المعجمية، أو يضيف إليها ملحظاً ينفرد به،\rوالقول بدلالة خاصة للكلمة القرآنية، لا يعني تخطئة سائر الدلالات المعجمية، كما أن إيثار القرآن لصيغة بعينها، لا يعني تخطئه سواها من الصيغ في فصحى العربية. بل يعني أننا نقدر أن لهذا القرآن معجمه الخاص بيانه المعجز، فنقول إن هذه الصيغة أو الدلالة قرآنية، ثم لا يعترض علينا بأن العربية تعرف صيغاً ودلالات أخرى للكلمة.\r* * *\rوالأمر كذلك فيما يهدى إليه الاستقراء من وجوه بيانية وظواهر أسلوبية، تقدمها منه دون أن نخشى فيها مخالفة لبعض قواعد النحويين وأحكام البلاغيين. لأن الأصل أن تعرض قواعدهم وأحكامهم على البيان الأعلى، لا أن نعرض القرآن عليها ونخضعه لها. ويبدو أننا في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في قواعد النحو المدرسية وأحكام الصنعة البلاغية، في ضوء ما هدى ويهدي إليه التدبر الإستقرائي لكتاب العربية الأكبر. في بيانه المعجز.\rكما ننتفع بجهود المفسرين حين نعرض أقوالهم على القرآن الكريم، فنقبل منها ما يحتمله نصاً وسياقاً. ثم يكون إيرادنا للأقوال الأخرى التي لا يقبلها النص، لفتاً إلى وجه الشطط فيها أو التكلف والإعتساف، وتنبيهاً إلى ما ينبغي من حذر وحرص، لاتقاء التورط في مقحم التأويلات المذهبية والمدسوسات الإسرائيلية.\r* * *\rوأرانى في حاجة إلى تقرير مسألتين في المنهج:\rأولاهما: أن المرويات في أسباب النزول موضع اعتبار في فهم الظروف التي لابست نزول الآية. مع تقدير أن الصحابة الذين عاصروا نزولها ورويت عنهم أقوال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187391,"book_id":1238,"shamela_page_id":201,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":201,"body":"فيها، وربطها كل منهم لما وهم أو فهم أنه السبب في نزولها. وهذا هو معنى قول علماء القرآن: إن المرويات في أسباب النزول يكثر فيها الوهم.\rونقدر معه أن السببية فيها ليست بمعنى العلية التي لولاها ما نزلت الآية. وأن العبرة في كل حال، بعموم اللفظ المفهوم من صريح نصها، إلا أن يتعين الاعتبار بخصوص السبب الذي نزلت فيه بدليل من صريح النص أو بقرينة بينة.\rوالأخرى: أن ترتيب النزول موضع اعتبار كذلك، لفهم السياق العام لما نتدبر من آيات القرآن ودلالات ألفاظه وخصائص بيانه في المصحف كله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .\r* * *\rوبعد وقبل، فإن القضية الكبرى في هذا التفسير، وكل تفسير، هي أنه لا يعني بحال ما، تقديم كلمة يمكن أن تقوم مقام الكلمة القرآنية في سياقها، على وجه المماثلة والترداف، فيهيهات لبشر أن يأتي بآية من مثل هذا القرآن.\rالتفسير ليس إلا محاولة للفهم على وجه الشرح والتقريب، بالكلمات المفسرة، لا على انها والكلمات القرآنية سواء. ولعل هذا مما حمل المفسرين على الإطالة في الشرح والتكثر في وجوه التأويل للكلمة أو الآية القرآنية، من حيث يتعذر علينا جميعاً الإتيان بكلمة أخرى مماثلة لها، في موضعها من البيان المعجز.\rولست بحيث أجهل أن المدى الذي بلغته في محاولتي، محدود بطاقتي وجهدي.\rويظل المجال مفتوحاً لعطاء أبنائي الصفوة، طلاب الدراسات القرآنية العليا الذين أحظى بصحبتهم في أعرق الجامعات الإسلامية، ويظل مفتوحاً بعدنا لجهد أجيال من العلماء تتاقب على تدبر كتابنا الأكبر فتدرك منه ما فاتنا أن ندركه، وتستشرف لآفاق قصرت محاولتنا عن مدادها.\rويبقى من أسراره ما يفوت ظاقة البشر:\r﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . صدق الله العظيم.\rالمغرب\rشوال ١٣٩٧ هـ\rأكتوبر ١٩٧٧ م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187392,"book_id":1238,"shamela_page_id":202,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":202,"body":"سورة العلق\r﷽\r﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187393,"book_id":1238,"shamela_page_id":203,"part":"2","page_num":13,"sequence_num":203,"body":"المشهور في اسمها: \"سورة العلق\" ويذكرها بعض المفسرين، كالطبري باسم \"سورة اقرأ\" أو \"اقرأ باسم ربك\" وجاء بها \"الرازي\" في تفسيره الكبير باسم \"سورة القلم\" زهذا الاسم يلتبس بالسورة بعدها: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ واسمها في تفسير الرازي \"سورة ن\".\r* * *\rوالمشهور كذلك أنه أمل سورة نزلت من الوحي. ولم يشر \"ابن إسحاق\" في (السيرة النبوية) إلي خلاف في لذك. ومثله \"الطبري\" في تفسيره. وفيهما الحديث عن \"السيدة عائشة أم المؤمنين\" قالت: \"كان أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوحي، الرؤيا الصادقة، كانت تجئ مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها. حتى فجأه الحق فأتاه فقال: يا محمد أنت رسول الله..... ثم قال: اقرأ. قال الرسول ﷺ: فغطني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، فقال: اقرأ قلت: ماذا أقرأ؟ فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فقرأتها، ثم انتهى وانصرف عني فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: \"يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل\". فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، ما أتقدم وما أتأخر، فمازلت واقفاً حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني. وانصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت، فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي؟ ثد حدثتها ب��لذي رأيت فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187394,"book_id":1238,"shamela_page_id":204,"part":"2","page_num":14,"sequence_num":204,"body":"ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قال: أسمع من ابن أخيك، فسألني وأخبرته خبري، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه! ليتني أكون حياً حتى يخرجك قومك. قلت: أو مخرجني هم؟ قال: نعم، إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودى، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً....\rثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد اقرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ......﴾ .\r* * *\rولكن هناك قولاً - في الكشاف وتفسير الرازي - أن الفاتحة كانت أول سورة نزلت من الوحي، وبعدها نزلت سورة العلق.\rوفي قوله آخر نقله الرازي، أن الذي نزل من السورة أول الوحي، آياتها الخمس الأولى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلي قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . ثم نزلت البقية بعد أن أبلغ المصطفى رسالته، وتصدى له من تصدى من طواغيت قريش بالتكذيب، وأمر النبي ﷺ بضم هذه الآيات إلى أول السورة. لأن تأليف الآيات إنما كان بأمر الله تعالى.\rوجاء في البحر المحيط:\r\"هذه السورة مكية، وصدرها أول ما نزل من القرآن، وذلك في غار حراء على ما ثبت في صحيح البخاري وغيره، وقول جابر: أول ما نزل المدثر، وقول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل الفاتحة، لا يصح\".\rوسياق الآيات قد يرجح هذا القول بأن صدر سورة العلق، أول ما نزل من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187395,"book_id":1238,"shamela_page_id":205,"part":"2","page_num":15,"sequence_num":205,"body":"القرآن، ثم لا يبدو مخالفاً لما في تفسير الطبري والسيرة النبوية، حيث يقف الحديث فيهما عن اول ما نزل من الوحي، عند الآية الخامسة: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .\r* * *\r﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .\rمن عجب أن تكون كلمة ﴿اقْرَأْ﴾ أول ما استهل به الوحي إلى النبي الأمي المبعوث في الأميين رسولاً منهم، وأن يكون \"الكتاب\" معجزة هذا النبي المصطفى لختام رسالات الدين منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، والعصر عصر بداوة، والبيئة وثنية جافية لا عهد لها بمظاهر الحضارة المادية والفكرية التي ازدهرت في بيئات أخرى كوادي النيل، ووادي الرافدين....\rونحتاج هنا في هذه السورة المبكرة من أول الوحي، إلى تمثل ما كان لها من وقع في نفوس الذين تلاها فيهم المصطفى ﵇، مستأنسين بما كانت البيئة العربية في عصر النبوة تفهمه وتدركه، بعيداً عما أضيف إلى هذا الفهم من محدث التأويلات التي أضافتها عصور متأخرة.\rواللافت أن الإمام الطبري لم يجد حاجة إلى تأويل آية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ لوضوح معناها. فليست القراءة بحيث تحتمل التأويل بغير المألوف من دلالتها على التلاوة. والعربية كانت تستعملها في التلاوة من نص مكتوب أو غير مكتوب.\rكما عرفت الرب بدلالته على المالك والمعبود.\rوإذ كانت الكلمة وحياً إلهياً، فباسم ربه الذي خلق، أمر المصطفى أن يقرأ. وقد كان لقبائل العرب الوثنية أربابها من أوثان وأصنام، ومحمد كان قبل المبعث في حيرة من أمره وأمر قومه، يراهم على سفه وضلال، وينكر عبادتهم لأرباب صنعوها بأيديهم من خشب وحجر وطين، ثم نسوا أنهم صانعوها وكدسوها في ساحة البيت العتيق، وعطفوا عليها عابدين.\rوطال به التأمل التماساً لما يهديه من حيرته، وقد صد عما يعبده قومه من أوثان صماء بلهاء، ولم يجد ما يطمئن إليه لدى من عرفت الجزيرة من عصابات يهود التي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187396,"book_id":1238,"shamela_page_id":206,"part":"2","page_num":16,"sequence_num":206,"body":"طرأت على شمال الحجاز فأنشبت مخالبها في الأرض الطيبة، ونسيت \"موسى\" وربه، واتخذت من الذهب وثنها المعبود.\rوالنصارى - في الشام ونجران - قد مزقتهم التفرقة المذهبية، فبعضهم لبعض عدو، وكل طائفة ترمى الأخرى بالكفر والضلال....\rومن بعيد كان لهب النار يسطع من معابد المجوس، وقد أحاط بها القوم طائفين عابدين!\rوفي تلك الظلمة الغاشية، كانت كلمة الوحي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ للأمي المختلى في حراء، توجيهاً وهداية إلى الحق الذيى طال التماسه إياه، وإذاناً بانتهاء حيرته التي طالما أجهدته في تأملاته، وانبثاقاً لنور فجر جديد ينسخ ظلمات ليل ادلهم وطال.\r* * *\rوقد يجدي أن ننقل عن الفخر الرازي أن في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشعاراً بأن كل قراءة القرآن يجب أن تبدأ باسم الله. لكنا نتوقف حيال ما ذكره من أن في قوله تعالى: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ بدلاً من: باسم الله، أن الرب من صفات الفعل والله من أسماء الذات.... فالأمر هنا يستوجب العبادة بصفات الفعل....\rوأن في كلمة ربك ﴿ما يزيل فزع الرسول من الوحي. فكأنه قال: ربك هو الذي رباك فكيف يفزعك؟ فأقاد هذا الحرف معنيين في أحدهما: ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل. والثاني: قد ربيتك حين كنت علقاً فكيف أضيعك بعد أن صرت خلقاً نفسياً موحداً عارفاً بي؟ \".\rوإنما حسبنا أن نلمح ما في ﴿رَبِّكَ﴾ من صلة بحال المصطفى وقومه قبل المبعث، وطول حيرته التماساً للهدى والحة، وطول خلوته المتأملة في ملكوت السموات والأرض. وهذا هو نور الكلمة يشرق فيهديه إلى ربه الذي خلق، الجدير بالعبادة دون هذه الأرباب المخلوقة التي عبدتها الوثنية العربية.\rولا وجه عندنا لما تعلق به بعض المفسرين من تأول مفعول لـ ﴿خَلَقَ﴾ في الآية الأولى, بل ندعها على إطلاقها الذي يفيد معنى العموم, ثم تتولى الآية بعدها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187397,"book_id":1238,"shamela_page_id":207,"part":"2","page_num":17,"sequence_num":207,"body":"تخصيص هذا العام، باللفت إلى خلق الإنسان، من حيث كان الوحي القرآني لهداية هذا الإنسان، دون غيره من الكائنات.\rكما لا نجد حاجة إلى الوقوف عندما قدره بعضهم - فيما نقل الرازي - من أن \"في قوله تعالى: الذي خلق، من التمهيد لاعتراف عباد الأوثان به، ما ليس في قوله: الذي لا شريك له. لأنه لم بدأهم بهذه المواجهة لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فقدم تعالى في ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به، فكأنه قال: واذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقمة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولابد للفعل من فاعل، فلا يمكنهم أن يضيفوا الخلق إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه. فبهذا التدريج يقرون بأني المستحق للثناء\".\rوسياق الآيات صريح في أنه تقرير لربوبية الخالق. وتخصيص خلق الإنسان بالذكر دون سائر المخلوقات، لأن الإنسان هو المختص بالقراءة والعلم، المنفرد بتبعية التكليف، المخاطب بكل ما سوف ينزل به الوحي من كلمات اللله.\r* * *\r﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ .\rمن السلف من تأويله على أن المقصود به إيناس الرسول ﵊ إلى ربه الذي دعاه ورباه مذ كان علقاً. وآخرون منهم تأولوه على قصد التدرج بعباد الأوثان إلى الإقرار بخالفتهم. وعلى ما نقلنا من كلام الفخر الرازي.\rوقال الزمخشري إن في الآية تفخيماً لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته. وقد نقله الرازي، ثم أضاف إليه، في تأويل ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ : كون الإنسان من علقة وهي أخس الأشياء، ثم صيرورته عالماً والعلم أشرف المراتب، فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب، فلابد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187398,"book_id":1238,"shamela_page_id":208,"part":"2","page_num":18,"sequence_num":208,"body":"ولفت \"أبو حيان\" إلى أن ذكر ﴿رَبَّكُ﴾ في الآية الأولى، إيناس للمصطفى وتعيين لربه، لا رب غيره. ثم جاء بصفة الخالق، وهو المنشئ للعالم، لما كانت العرب تسمى الأصنام أرباباً، فأتى بالصفة التي لا يمكن شركة الأصنام فيها.\rوكل هذا مما يمكن أن يقال.\rوليس هو، على أي حال، بأبعد مما ابتدعه محدثون اتجهوا بهذه الآية إلى مجال البحث في علم الأجنة، والتمسوا المراجع الأجنبية لعلماء الفسيولوجيا والبيولوجيا، لفهم آية نزلت على النبي الأمي في قوم أميين لم يسمعوا قط، ولا سمع عصرهم، بعلم الأجنة. وغير متصور أن يكون القرآن الكريم قدم لهم من آيات ربوبية الخالق وقدرته، ما لا سبيل لأحد منهم إلى تصوره، فضلاً عن فهمه وإدراكه.\rوإنما فهموا من العلق ما تعرفه لغتهم وبيئتهم وعصرهم، والعربية قد استعملت العلق مادياً في كل ما يعلق وينشب: كالدم، والمحور الذي تعلق عليه البكرة، وعلقت النرآة حملت، ومعنوياً في العلاقة تنشب بين لثنين حباً أوبغضاً، وفي الصلة تربط بينهما.\rولم يكونوا في حاجة إلى درس في علم الأجنة أو مراجعة كتاب في المكتبة الأمريكية التي ظهرت بعدهم بقرون، ليفهموا آية خلق هذا الإنسان من علق في أرحام الأمهات، وهم الذين ألفوا استعمال: علقت المرآة، بمعنى حملت.\rواستعمال العلق هنا، جمع علقة، إيذان بما ذهبت إليه من إطلاق في عموم لفظ الإنسان.\rولا يشير السياق إلى أن القصد من ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ توجيه المصطفى ومن يؤمنون برسالته إلى النظر في علم الأجنة، وإنما هي آية الله في هذا الإنسان، خلقه من علق، وخصه بالعلم، واحتمل أمانة التكليف، فازدهاه الغرور وأطغاه الشعور بوهم الاستغناء عن خالقه، فنسى أن إليه، سبحانه، الرجعى والمصير.....","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187399,"book_id":1238,"shamela_page_id":209,"part":"2","page_num":19,"sequence_num":209,"body":"وهذه هي قصة الإنسان، من المبدأ إلى المنتهى، تلفت إليه سورة الوحي الأولى، بإيجاز، توطئة لما سوف يتتابع من آيات الوحي التي تزيد كل هذه الملامح المجملة تفصيلاً وبياناً.\rفهذا الإنسان الذي خلق الله من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم، وإليه رجعاع، هو الإنسان الذي نزلت في خلقه آياته تعالى، على ترتيب النزول:\r﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾\r(سورة عبس)\r﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾\r(سورة الطارق)\r﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾\r(سورة يس)\r﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾\r(سورة الكهف)\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾\r(سورة الحج)\r﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾\r(سورة الإنسان)\rوما من آية فيها، يؤذن سياقها بتوجيه إلى النظر في علم الأجنة وعلم الأحياء والتشريح، وإنما تأتي جميعاً في الاستدلال لقدرة الذي خلق الإنسان من علق، أو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187400,"book_id":1238,"shamela_page_id":210,"part":"2","page_num":20,"sequence_num":210,"body":"من نطفة أو من تراب، على النشأة الأخرى التي هي مدار الثواب والعقاب، ومناط ما يوجه إليه كتاب الإسلام من تكليف وبشرى ووعيد.\r* * *\r﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ .\rذهب بعض المفسرين، فيما نقل الفخر الرازي، إلى أن ﴿اقْرَأْ﴾ في الآية الأولى تعني: \"اقرأ لنفسك، وهي في هذه الآية بمعنى التبليغ، أو أن الأولى للتعلم، والثانية للتعليم، أو أن الأولى: اقرأ في صلاتك، والثانية: اقرأ خارج صلاتك\".\rوهي أقوال متقاربة، وإن كان الأولى لأخذ السياق على ظاهره، بما يفيد من تأكيد الأمر الإلهي للمصطفى بالقراءة. وإذ كان لا يدري ماذا يقرأ، فقد تولى الوحي بيانه، فليقرأ باسم ربه الذي خلق.... وليقرأ وربه الأكرم.\rوالكرم في العربية نقيض اللؤم، ودلالته على العزة مألوفة في استمعال لكرام الناس. والإكرتم ضد الإهانة والإذلال.\rومن الكرم بمعنى العزة، جاء الكريم في القرآن وصفاً لذي الجلالة أو اماً من أسمائه الحسنى، ووصفاً لعرشه:\r﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .\r﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ .\rكما جاء وصفاً لرسول، وملك، وكتاب، وقرآن كريم، ووعد المتقون برزق، وأجر، ومدخل ومقام كريم.\rوجاء الكرتم، جمع كريم، وصفاً لملائكة بررة، كاتبين. وللمؤمنين في سياق اليسرى.\rوفي سياق الوعيد والسخرية، جاءت آية الدخان في الأثيم:\r﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ - ٤٩.\rوفي التكريم والإكرام، نقيضاً للتحقير والإذلال، جاءت صيغة مكرمة وصفاً لصحف الوحي، والمكرمون وصفاً للملائكة، ولضيف إبراهيم منهم، ولأهل الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187401,"book_id":1238,"shamela_page_id":211,"part":"2","page_num":21,"sequence_num":211,"body":"وجاء الفعل في تكريم الله وإكرامه للمتقين، وقوبل بالإهانة في آية الحج.\r﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ - ١٨.\rأما أفعل التفضيل، فجاء مرة مضافاً إلى ضمير المخاطبين في آية الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ - ١٣.\rوانفردت آية العلق بصيغة ﴿الْأَكْرَمُ﴾ معرفة بـ: ال، بما يفيد اختصاصه تعالى بهذه الرتبة العليا على عموم إطلاقها.\rدون تعلق بتأويل أكرميته تعالى، وقد تأولها الزمخشري بأنه: \"الذي له الكمال زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعالجهم بعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فمالكرمه غاية ولا أمد\".\rوساق الفخر الرازي في أكرميته تعالى وجوهاً أربعة:\r* أنه تعالى لا يحلن وقت جناية الإنسان فحسب، بل يزيد إحسانه بعد الجناية.\rونظر له الشاعر:\rمتى زدت تقصيراً تزد لي تفضيلاً كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا\r* أنك كريم يا محمد، لكن ربك الأكرم.\r* أنه تعالى له الابتداء في كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بتقصير.\r* يحتمل أن يكون فيهخ حث على القراءة أو على الإخلاص، بمعنى: فهو يجازيك بكل حرف مما تقرأ عشراً. أو بمعنى: تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحداً، فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشافي ثم لا أنصرك.\rونلاحظ عليهم أن في كل ما تأولوه، تقييداً لصيغة الأكرم، ينقلها إلى المفاضلة بين كريم وأكرم منه. والحق أن البيان القرآني حين قيد أفعل التفضيل في آية الحجرات بإضافتها إلى ضمير المخاطبين، جعل أكرميتهم محدودة بنطاق الناس الذين خاطبهم في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187402,"book_id":1238,"shamela_page_id":212,"part":"2","page_num":22,"sequence_num":212,"body":"الآية. واستأثر سبحانه بصيغة ﴿الْأَكْرَمُ﴾ على الإطىق ونظيره الأعلى في آيتى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ .\rلافتاً إلى حس العربية الأصيل حين تأتي بأفعل التفضيل معرفاً بأل، وغير مميز، فتفيد من العموم والإطلاق ما لا تفيده الصيغة نفسها من المفاضلة مقيدة بمضاف إليه لا تتجاوزه أو مميزة بوجه تفاضل لا تعدوه.\r* * *\r﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .\rالعلم إدراك الشيء على حقيقته، ونقيضه الجهل.\rوقد سبق استقراء آيات العلم في القرآن الكريم، في تفسير آية ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ من سورة التكاثر.\rوالقلك أداة الكتابة، ومنه آية القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .\rفسره الطبري في آية العلق، فقال: \"علم الإنسان الخط بالقلم ولم يكن يعلمه\".\rوكذلك فسره الزمخشري بعلم الكتابة، واستطرد فذكر ما لهذا العلم من \"المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا\". ونقله أبو حيان في \"البحر المحيط\".\rوقريب منه ما ذكره الفخر الرازي في شرف القلم وحكمة خلقه. وعقد \"ابن قيم الجوزية\" في تفسيره لسورة القلم فصلاً مسبهاً في شرف القلم وفوائده، ثم ذيله بفصل طريف في منازل الأقلام على تفاوت رتبتها من الشرف، فجعلها اثنى عشر نوعاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187403,"book_id":1238,"shamela_page_id":213,"part":"2","page_num":23,"sequence_num":213,"body":"أولها: وأعلاها وأجلها قدراً قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق.\rثانيها: قلم الوحي يكتب به وحي الله تعالى إل��ا سرله وأنبيائه.\rثالثها: قلم الفقهاء والمفتين. ويتلوه على الترتيب التنازلي: قلم طب الأبدان، وقلم التوقيع عن الملوك والساسة، وقلم الحساب تضبط به الأموال، وقلم الحكم تثبت به الحقوق وتنفذ القضايا، وقلم الشهادة تحفظ به الحقوق وتصان عن الإضاعة، وقلم تعبير الرؤيا ووحي المنام، وفقلم التأريخ، وقلم اللغة يشرح معاني الأفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها، ثم القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين.\rوأضاف الفر الرازي إلى تأويل الآية، أن فيها إشارة إلى الأدلة السمعية والأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، بعد أن أشرات آية: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ إلى الجلالة العقلية على كمال القدرة والحكمة والعلم. فكأنها إشارة إلى معرفة الربوبية، والتعليم بالقلم إشارة إلى النبوة.\rومثله النيسابورى في (تفسير غرائب القرآن) .\rوحيث لا مجال للإشاريات في منهجنا، نطمئن إلى أن الآية لفتت إلى سر القلم، من حيث هو أداة الكتابة التي يدون بها العلم ويحفظ وينتقل على امتداد الزمان والمكان وتتابع الأجيال. ويتسع المقام لكل ما عده المفسرون من شرف القلم وفوائد الكتابة، على أن يظل للبيان القرلآني دلالته في لفت النبي الأمي والعرب الأميين إلى جلال القلم، آية من أيات الخالق الذي خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم. بما تعني من اختصاص الإنسان دون سائر الكائنات بالقلم وكسب العلم. وهذا من الخصائص الإنسانية التي يضيف إليها الوحي من بعد ذلك ما يجلوها ويزيدها بياناً، إذ يجعل العلم مناط تكريم آدم، الإنسان الأول، وحقه في الخلافة في الأرض، ويسوق الآيات ويضرب الأمثال للذين يعلمون، ويقصر خشيته تعالى على العلماء.....\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187404,"book_id":1238,"shamela_page_id":214,"part":"2","page_num":24,"sequence_num":214,"body":"ومن المفسرين من قدر في الآية علمه الله، قيل: هو\" إدريس، وقيل آدم لأنه أول من كتب بالقلم\".\rوالنص لا يحتمل مثل هذا التحديد والتقييد، بل هو الإنسان، اسماً لعموم الجنس على إطلاقه، علمه الله ما لم يعلم.\rولا داعي إلى أن نسأل عما علم الإنسان، بل حسبنا أنه تعالى علمه ما لم يعلم، فيتسع الإطلاق لكل ما كسب الإنسان ويكسب من العلم، وهو الذي استأثر بشرف العلم الكسبي واختص به دون غيره من الكائنات.\rدون تقييد بما روى عن \"ابن عباس\" من أنه قرأ الآية: \"علم الخط بالقلم\" على وجه التفسير كما رجح أبو حيان.\r* * *\rويمضي البيان القرآني، في الردع المحذر مما يتعرض له الإنسان من غرور بعلمه ومكانه بين المحلوقات:\r﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾\rالطغيان تجاوز الحد، وأكثر ما يستعمل في جبروت العتاة المستبدين. والاستغناء ضد الاحتياج. وقد سبق استقراء آيات الطغيان والغنى في القرآن الكريم، في تفسير آيتى:\r﴿ااذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ من سورة النازعات.\r﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ من سورة الضحى.\rوكلا: للزجر والردع.\rلكن من المفسرين من تأولها بمعنى \"حقاً\" لأنه ليس قبلها ولا بعدها شيء يتوجه إليه الردع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187405,"book_id":1238,"shamela_page_id":215,"part":"2","page_num":25,"sequence_num":215,"body":"وهذا من عجيب تأويلاتهم، فالكلمة متلوة مباشرة بطغيان الإنسان، والآيات بعدها حافلة بما يتوجه إليه الردع والنذير.\rوليس الطغيان عن استغراق في حب المال والجاه كما تأوله بعض المفسرين، ولكنه بصريح النص، عن وهم الإنسان الاستغناء عن خالقه، إذ تأخذه العزة بالإثم، ويفتنه ما اختص به من شرف العلم الكسبي فيغتر ويطغى، متجاوزاً قدره وموضعه ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ عن خالقه.\rوينسى أن مصيره إلى الخالق.\r* * *\r﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ .\rوالرجع في العربية: العود والرد. ورجع الصوت تردده، والمراجعة المعاودة. والمعجميون يضعون الرجعى مع الرجع والمرجع والرجعان، مصارد للفعل رجع.\rوأكثر المفسرين على أن الرجعى هنا بمعنى الرجوع. قال أبو حيان: \"الرجعى أي الرجوع، مصدر على وزن فعلى، الألف فيه للتأنيث\".\rوأحسن أن صيغة الرجعى ليس ملحوظاً فيها المصدرية ولا التأنيث، بقدر ما يلحظ فيه إطلاق الرجوع إلى غايته القصوى.\rولم تأت صيغة الرجعى في القرآن الكريم إلا في هذه الآية، ردعاً للإنسان المغتر عن طغيانه، ونذيراً له بأن إلى ربك غاية مصيره ونهاية رجعاه.\rوبعد آية العلق ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ تتالت الآيات المحكمات فيها نزل بعدها من الوحي، منبهة ومنذرة بالمصير إلى الله سبحانه: إليه يرجع الأمر كله، وإليه مرجعكم ومرجعهم، وإليه تُرجَعون ويُرجَعون.\rوفي سياق النذير جاءت آية الصافات بالجحيم مرجعاً للظالمين:\r﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ ٦٨.\rوجاءت آية الفجر في سياق البشرى للنفس المطمئنة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187406,"book_id":1238,"shamela_page_id":216,"part":"2","page_num":26,"sequence_num":216,"body":"﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾\rويلحظ مع ما تؤذن به ضيغة الرجعى من دلالة على غاية المرجع وآخر المصير، ارتباطهما بخلق الإنسان من علق، إيذاناً بأن إليه تعالى المبتدأ والمنتهى.\rومثله آية الليل: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾\rوتقديم ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾ . ﴿وَإِنَّ لَنَا﴾ صريح الدلالة على القصر والاختصاص:\rإلى ربك، لا إلى غيره، إن لنا، لا لغيرنا.\r* * *\rويتتابع النذير في سورة العلق:\r﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ .\rوجمهرة المفسرين على ان هذه الآيات، إلى آخر السورة، نزلت في \"أبي جهل ابن هشام\" كان ينهي محمداً ﷺ عب عبادة الله. وفي قول عن الحسن البصري: هو أمية بن خلف، كان ينهي سلمان - الفارسي - عن الصلاة.\rونقل \"الطبري\" أن أبا جها قال: واللات والعزى لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة، لأتينه حتى أطأ على عنقه ولأعفرن وجهه في التراب. قيل فأتى أبو جهل رسول الله وهو يصلي ليطأ على رقبته فما لبث أن رجع عنه ونكص على عقبيه وقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار.\rونقله الزمخشري في الكشاف. والنيسابورى في تفسير غرائب القرآن، دون أن يعرضوا لما يرد على هذا، من المشهور في أن سورة العلق هي أول ما نزل من الوحي، ولم يكن المصطفى ﷺ قد بدأ في تبليغ رسالة ربه، ومن ثم لم يكن ووجه بالإيذاء والتهديد. من طواغيت الوثنية.\rلكن الفخر الرازي لم يفته أن يقف عند هذا، وقد بدا له فيه وجهان:\rالأول: أن الآيات الخمس الأولى من السورة هي التي نزلت في أول الوحي، ثم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187407,"book_id":1238,"shamela_page_id":217,"part":"2","page_num":27,"sequence_num":217,"body":"نزلت البقية في أبي جهل بن هشام، وأمر الرسول ﷺ بضمها إلى أول السورة.\rوالوجه الثاني: أن تحمل الآيات على عموم لفظها في الظاهر، وهو أن الإنسان، جملة الإنسان، خلقه الله من علق وأنعم عليه، فإذا به يطغى ويتجاوز الحد في المعاضي وينسى أن إلى ربك الرجعى، فينهى عن عبادة الله، وكان أولى به، وقد أنعم عليه خالقه، أن يكون على الهدى ويأمر بالتقوى.\rوكلا الوجهين جائز.\rفسياق الآيات في السورة، يشعر بأنها نزلت بعد أن أبلغ المصطفى رسالة ربه وجهر بعبادته وصلاته فووجه بالتكذيب، ثم لا تمنع خصوصية السبب في نزول هذه الآيات، من حملها على عموم اللفظ كما قرر الأصوليون.\r* * *\rوالنحاه من المفسرين، وقفوا طويلاً عند \"أرايت\" التي تكررت هنا ثلاثة مرات في آيات متتاليات، دون أن يصرح فيها بالمفعول الثاني للفعل \"رأى\" على ما تقتضي الصنعة الإعرابية.\rوقد ذهب الزمخشري في (الكشاف) إلى أن الجملة الشرطية في ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ وعلى هذا التأويل، قرر أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ زائدة قبل الشرط: إن كذب.\rأما جواب الشرط فيؤخذ من الآية بعده: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ وعلى هذا التأويل الذي تبدو فيه ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في الجملة الشرطية مقحمة على السياق، تمت للزمخشري تسوية الصنعة بمفعول ثان، ثم تركنا نواجه مجئ جواب الشرط استفهامياً طلبياً غير مقترن بالفاء، خلافاً لقواعدهم!\rوقد رفض \"أبو حيان\" مذهب الزمخشري، دون أن يتخلص هو أيضاً من أغلال الصنعة النحوية، فلم يلتفت إلى ما في قوله الزمخشري بزيادة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في جملة الشرط من تكلف ينبو به السياق ويتمزق، بل شغلته قواعد الصنعه، فذكر أن المفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ لا يكون إلا جملة استفهامية، وهو كثير في القرآن الكريم. ثم قال: \"فتخرج هذه الآية على هذا القانون\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187408,"book_id":1238,"shamela_page_id":218,"part":"2","page_num":28,"sequence_num":218,"body":"وكذلك رفض مذهب الزمخشري في جعل ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ جواباً لشرط ﴿إِنْ كَذَّبَ﴾ محتكماً في رفضه إلى القاعدة النحوية التي تقرر اقتران جواب الشرط بالفاء، قال: \"وأما تجويز الزمخشري وقوع الاستفهام جواباً بغير فاء، فلا أعلم أحداً أجازه. بل نصوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلباً بوجه ما، ولا يجوز حذفها إلا في ضرورة شعرية\".\rونحتكم إلى البيان القرآني فيما اختلفوا فيه، فتلقانا ظاهرة أسلوبية لافتة إلى أن القرآن قلما يتعلق بذكر مفعول ثان، في الأسلوب الاستفهامي بـ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ خطاباص للمفرد، أو ﴿أَرَأَيْتَم﴾ خطاباً للجمع. وإنما يستغنى عن هذا المفعول، بتقرير يلفت إلى موضع العبرة والنذير، كما في آيات:\r﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ .\r(الماعون)\r﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾\r(مريم ٧٧، ٧٨)\r﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾\r(الفرقان ٤٣)\r﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾\r(الجاثية ٢٣)\r﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾\r(النجم ٣٣ - ٣٨)\rوكلها آيات مكيات. ةة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187409,"book_id":1238,"shamela_page_id":219,"part":"2","page_num":29,"sequence_num":219,"body":"ومثلها السؤال التقريري، خطاباً للجمع، في آيات الواقعة:\r﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ؟\r﴿أفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ؟\rَ ﴿أفرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ؟\rومعها آيات: يونس ٥٩، الشعراء ٧٥، فاطر ٤٠، الزمر ٣٨، النجم ١٩، الأحقاف ٤.\rهي إذن ظاهرة أسلوبية، كان ينبغي أن تلفت إلى وجه في البيان العربي يستغنى عن المفعول الثاني لـ \"رأى\" حين تقترن بهمزة الاستفهام في الخطاب، فلانشغل بالتماس هذا المفعول الثاني خضوعاً للصنعة النحوية، بل أولى منه أن نتدبر سر هذه الظاهرة الأسلوبية التي لا تتخلف في آيات العلق:\r﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ؟\rفلفتت إلى ما هو جدير بالرؤية والبصر والتدبر، وأغنت عما تعلق به النجاة من مفعول ثان مقدر أو غير مقدر، يختلفون عليه.\rوالأمر كذلك في جواب شرط ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾\rإذا كانت قواعدهم تحتم ذكره أو تقديره، ثم نواجه بما يخالف قاعدة نحوية أخرى تقضى باقتران الجواب الطبي بالفاء.\rفإن البيان القرآني جدير بأن يلفتنا إلى وجه التجاوز عن ذكر جواب الشرط في مثل هذا الأسلوب، لتكون آية ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ هو موضع العبرة والبصر والتنبيه، بما يغني عن التعلق بجواب محذوف أو مقدر.\rومثله في القرآن الكريم، آيات الآنعام:\r﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187410,"book_id":1238,"shamela_page_id":220,"part":"2","page_num":30,"sequence_num":220,"body":"﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤٦، ٤٧.\rوالقصص: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ٧١، ٧٢.\rومثلها آيات: هود ٢٨، فصلت ٥٢، يونس ٥٠. والاستفهام فيها في موضع حواب الشرط، غير مقترن بالفاء.\rوننظر مع كل هذه الآيات، آية هود ٨٨:\r﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ .\rفيهدينا تدبر هذه الظاهرة الأسلوبية إلى أن البيان القرآني يستغنى فيها عما تأوله النحاة، بالسؤال اللافت إلى ما هو موضع بصر وعبرة. وبه أفهم \"الراغب\" في (المفردات) : \"رأى إذا عدى إلى مفعولين اقتضى معنى العلم. ويجرى ﴿أَرَأَيْتَ﴾ مجرى: أخبرني - ونقل عدداً من آياتها ثم قال: - كل ذلك فيه معنى التنبية\". وإنما أطلت الوقت هنا، قصداً إلى التنبيه إلى ما يلقانا في ظواهر أسلوبية في القرآن الكريم، لم تأت على المقرر من قواعد النحاة وأحكام البلاغيين المدرسيين، فيشغلنا عن البيان العالى، تسوية الصنعة النحوية أو البلاغية، بالتأويل فيه والتقدير.......\r* * *\r﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187411,"book_id":1238,"shamela_page_id":221,"part":"2","page_num":31,"sequence_num":221,"body":"السفع لغة اللطم والجذب بشدة: سفع الطائر فريسته لطمها بجناحيه، وسفع الفارس بناصية فرسه: جذبها بقوة وعنف. قال عمرو بن معد يكرب، ﵁:\rقوه إذا كثر الصياح رأيتهم من بين ملجم مهره أو سافع\rوكثر استعمال السفع في لفح السموم تلطم وجه الملفوح، والسوافع لوافح السموم، ومنه سفع اللهب.\rوقيل في المجاز: سفع بناصيته، بمعنى اجتذبها بعنف قصد الإذلال والعقاب، مع ملحظ من اقتدار السافع وقوته وغلبته.\rوالناصية قصاصة الشعر في مقدمة الرأس. ويستغنى بالناصية مجازاً عن الوجه وكل ما هو مقدم، فيقال لأشراف القوم: نواصيهم.\rولم يأت السفع في القرآن الكريم إلا في آية العلق.\rأما الناصية فجاءت مرة في آية هود، ٥٦، بمعنى التمكن والاقتدار والتحكم:\r﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .\rوجاءت بصيغة الجمع في آية الرحمن ٤١:\r﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ .\rوفيها مع ملحظ التمكن والتسلط والاقتدار، دلالة الهوان والإذلال والعقاب للمأخوذ بنواصيهم.\rويقوى هذه الدلالة في آية العلق، مجئُ السفع بالناصية، بفعله المؤكد مسنداً إلى الله سبحانه، وذلك أقصى الترهيب والوعيد لذلك المغتر المفتون الذي ينهى عبداً إذا صلى. والسفع بالناصية فيها، يحمل على الجذب إلى النار، وعلى لفح السعير.\rووصف الناصية بكاذبة خاطئة، يفهم الكذب والخطأ في سياقهما، بدلالتها الإسلامية الخاصة على الكفر والضلال، وهي الدلالة الغالبة في الاستعمال القرآني.\rوالنادي في العربية: مجتمع القوم، كالندى والمنتدى. والنداء: الصوت الداعي إلى التجمع، ونتادوا: نادى بعضهم بعضاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187412,"book_id":1238,"shamela_page_id":222,"part":"2","page_num":32,"sequence_num":222,"body":"والندوة الجما��ة والقوم يحضرون الندى. وقد تطلق الندوة مجازاً على ما يدور بينهم في النادى من حديث. ومنه دار الندوة بمكة، كانت مجتمع قريش تقضى فيها جليل أمورها وتتحادث في هام شئونها.\rكما يطلق النادى ويراد به القوم المجتمعون فيه. على وجه المجاز الرسل لعلاقة المحلية، في المصطلح البلاغي.\rوأكثر ما تجئ المادة في القرآن الكريم في النداء مصدراً وفعلاً، ماضياً ومضارعاً.\rوجاء التنادي في آية القلم ٢١:\r﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ .\rوسمى يوم الجمع يوم التنادى في آية غافر ٣٢:\r﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .\rوجاء النادى بمعنى مجتمع القوم، في آية العنكبوت ٢٩، خطاباً لقوم لوط:\r﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ .\rوبصيغة الندى في آية مريم ٧٣:\r﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ .\r* * *\rوقد ربط المفسرون آية العلق بما قالوه في سبب نزولها، فذكورا أن أبا جهل بن هشان حين توعد المصطفى ﵊ أن يطأ عنقه إذا رآه يصلى في الكعبة، رد عليه المصطفى منذراً بعقاب من ربه. فقال أبو جهل: أيتوعدني محمد ووالله ما بالوادي أعظم نادياً منى؟\rوعلى العموم، من شأن الإنسان المغتر بجاهه وقوته، في مثل هذا المجتمع، أن يمضي على غلوائه سادراً في الضلال، معتزاً بقومه، مدلاً ما له في عشيرته من حمى ومنعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187413,"book_id":1238,"shamela_page_id":223,"part":"2","page_num":33,"sequence_num":223,"body":"وواضح أن النادى أطلق في الآية، مراداً به الجمع الذين يدعوهم هذا الضال المغرور، وهو مظنه أن يؤازروه وينصروه. لكن ماذا عسى أن يملكوت جميعاً له تجاه الزبانية يدعوها الخالق القاهر، لتعذيب هذا المفتون؟\r﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ .\rوقد اختلف اللغويون في لفظ الزبانية، فقيل إنه جمع لا واحد له. وقال أبو عبيدة: واحده زبنية، وقال الكسائي، واحده زبنى، وكأنه نسب إلى الزبن، كالإنسي نسبة إلى الأنس. وقال الأخفش. واحد الزبانية زابن، اسم فاعل من زبن، بمعنى اشتد بطشه، ومنه قول الشاعر:\rومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زينته الحرب لم يترمرم\rوقول \"عتبة بن أبي سفيان، وإلى مصر لمعاوية\": \"وقد زبنتنا الحرب وزبناها....\".\rوأيا ما كان أصل الكلمة، فالعربية قد أطلقت الزبانية على مردة الإنس والجن.\rوفي المادة: زبانيا العقرب أي قرناها، وفيهما السم الزعاف.\rونقلت الزبانية إلى المصطلح الديني علماً على الملائكة والموكلين بعذاب الخاطئين في جهنم. وبه تفهم آية العلق، في الزبانية يدعوها الخالق ويكل إليها أمر تعذيب هذا الضال المغتر بجاهه وقوته، المدل بناديه.\rولم تحدد الآية صنيع الزبانية، بل تركته على إطلاقه الرهيب، يذهب فيه التصور كل مذهب.\r* * *\r﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ .\rقال المفسرون إن هاء الضمير في ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ لأبي جهل بن هشام.\rوظاهر السياق عود الضمير على الذي ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ وكذلك الضماءر في الآيتين قبلها: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ ، ﴿ف��لْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187414,"book_id":1238,"shamela_page_id":224,"part":"2","page_num":34,"sequence_num":224,"body":"والسجود في العربية الخضوع، ومنه في القرآن الكريم: سجود الملائكة لآدم بأمر الله، وآية يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ ١٠٠.\rوكثر استعماله في العبادة من قديم، وفيما يتلو علينا القرآن من نبأ إبراهيم والبيت العتيق:\r﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾\r(البقرة ١٢٥، ومعها آية الحج ٢٦)\rثم في غشية الوثنية الجاهلية، كان العرب يسجدون لأرباربهم خضوعاً وترباً وزلفى، حتى نسخ الإسلام بنوره ظلام الوثنية وأبطل السجود لغير الخالق، وأخذ السجود دلالته الإصطلاحية على السجدة في الصلاة يتدرج فيها العابد من الوقوف بين يدي الله إلى الركوع، ثم يكون السجود غاية الخشوع. ولعل تسمية دور العبادة الإسلامية بالمساجد، ملحوظ فيما ما في السجود من غاية الخشوع. وأختص البيت العتيق باسم المسجد الحرام، إذ كان أول بيت عُبد فيه الله، وقد جاء بهذا الاسم في خمس عشرةة آية من القرآن الكريم..... ومعه المسجد الأقصى في آية الإسراء. وتخصيص السجود بالذكر في آية العلق، يقبل تأويله بالسجود في الصلاة كما ذهب بعض المفسرين، مع احتفاظه بدلالته الأصلية على غاية الخشوع، استئناساً بما في القرآن الكريم من آيات تخص السجود بالذكر في وصف عباد الله القانتين:\r﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الفتح ٢٩)\r﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر ٩)\r﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (الإسراء ١٠٧)\r﴿........... إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم ٥٨)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187415,"book_id":1238,"shamela_page_id":225,"part":"2","page_num":35,"sequence_num":225,"body":"﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (الفرقان ٦٤)\r﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (السجدة ١٥)\r﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء ٢١٩)\r﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (آل عمران ١١٣)\rومعها آيات: (الأعراف ٢٠٦، الشعراء ٤٦، النحل ٤٩، النجم ٦٢)\rوأمر الرسول بالسجود في آية العلق، نظيره ما في آيات:\r﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر ٩٨)\r﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (النجم ٦٢)\r﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ (الإنسان ٢٦)\rويأتي الأقتراب قرين السجود في ختام الآية:\r﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ .\rولا نطمئن إلى تفسير الأقتراب هنا بالتقرب كما ذهب \"أبو حيان\"، بل نؤثر أن تحتفظ الكلمة بدلالتها على الدنو والقربى من الله تعالى، وإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد.\r* * *\rوإذ يأخذ الأقتراب من الله مكانه ختاماً للآية، وليس بعد القربى من الخالق غاية يطمح إليها العابد الساجد.\rيأخذ سجود المصطفى هنا، موضعه المهيب خضوعاً لجلال الخالق، فيصدع خيلاء المفتونين وكبرياء المزهوين، ويكبح غرور الإنسان الذي خلقه الله من علق، وعلمه بالقلم ما لم يعلم، فأطغاه وهم الاستغناء عن خالقه، سبحانه له الآخرة والأولى:\r﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187416,"book_id":1238,"shamela_page_id":226,"part":"2","page_num":37,"sequence_num":226,"body":"سورة القلم\r﷽\r﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187417,"book_id":1238,"shamela_page_id":227,"part":"2","page_num":38,"sequence_num":227,"body":"رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187418,"book_id":1238,"shamela_page_id":228,"part":"2","page_num":39,"sequence_num":228,"body":"السورة مكية مبكرة، إلا آيات (١٧: ٣٣، ٤٨: ٥٠) فمدنية.\rوالمشهور أنها نزلت بعد العلق، فتكون ثانية السور في ترتيب النزول بعد \"اقرأ\" أول الحوى. وهو الذي ذهب إليه أكثر الأئمة بنص عبارة \"ابن حجر\" فيما نقل السيوطى. وقال \"البرهان الجعبرى\" في منظومته (تقريب المأمول في ترتيب النزول) :\rاقرأ، ونون، مزمل، مدثر والحمد، تبت، كورت، الأعلى علا\rومهما يكن الخلاف في ترتيب نزول القلم، فهي من أوائل السور المكية المبكرة التي تهدينا إلى الجو العام في منزل الوحي، أول المبعث.\r* * *\rوذكر بعضهم في أسباب نزولها أنها أو معظمها \"في الوليد بن المغيرة المخزومي وأبى جهل بن هشام المخزومي. ومناسبتها لما قبلها أنه فيما قبلها ذكر أشياء من أحوال السعداء والأشقياء، وذكر قدرته الباهرة وعلمه الواسع وأنه تعالى لو شاء لخسف بهم الأرض أو لأرسل عليهم حاصباً. وكان ما أخبر تعالى به هو ما يلقنه رسول الله ﷺ بالوحي، وكان الكفار ينسبونه مرة إلى الشعر ومرة إلى السحر ومرة إلى الجنون، فبدأ ﷾ هذه السورة ببراءته مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون، وتعظيم أجره على صبره على أذاهم، والثناء على خلقه العظيم\".\rقولهم: مناسبتها لما قبلها، يعنون سورة \"الملك\" التي وضعت قبلها في ترتيب المصحف. وفيه التفات إلى نسق هذا الترتيب، ولا يفوتنا معه أن سورة الملك نزلت متأخرة، فهي السابعة والسبعون في ترتيب النزول على المشهور، بينها وبين سورة القلم، على أي قول في ترتيب نزولها، أكثر من سبعين سورة!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187419,"book_id":1238,"shamela_page_id":229,"part":"2","page_num":40,"sequence_num":229,"body":"وكونها نزلت في الوليد أو أبي جهل لا يقتضي الإعتبار بخصوص السبب، حيث لا قرينة تصرف إليه عموم لفظ الآية، وأسباب النزول لا تعدو أن تكون قرائن مما حول النص، تعين على فهم الظروف التي نزلت فيها السورة أو الآية. على ما سبق بيانه في تفسير سورة الضحى.\r* * *\r\r﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .\rوتبدأ السورة بحرف (ن) يكتب هكذا حرفاً واحداً. ورسمها في المصحف الإمام على هذا، يجعلنا نستبعد ابتداء ما نقل الإمام الطبري من اختلاف أهل التأويل فيه:\rقيل هو النون أي الحوت واحد النينان، أو هو لوح من نور، أو اسم للدواة.... ويمنعه أن هذا النون يرسم ثلاثة أحرف \"نون\" وليس حرفاً واحداً (ن) .\rوهذا الاستبعاد يعفينا من الوقوف عندما ما روى عن \"ابن عباس ومجاهد\" في هذا الحوت الذي عليه الأرضون، تحت الأرض السابعة! وإن الله سبحانه خلقه قبل السموات والأرض، فلما دحيت الأرض اضطرت الحوت فمادت الأرض فأثبت بالجبال!.\rكما يعفينا من العقد اللغوية والنحوية والصرفية في إعراب نون، اسماً للدواة، وقد صرح الزمخشري بأنه لا يدري - ولا أدري معه - \"أهو وضع لغوي أم شرعي؟ وهل اسم جنس، أو علم لنون يمنع من الصرف؟ \".\rوفي قول آخر إن (ن) اسم للسورة. وليس فذ هذا القول ما يغني، لأن السورة على هذا القول إنما سميت بهذا الحرف في أولها، كما سميت سورتا (ص، ق) بالحرفين لإي أولهما.\rويبدو أن الراغب الأصفهاني، اختار أن تكون (ن) الحرف المعروق من حروف الهجاء، وهو ما نطمئن إليه، فتكون سورة القلم هي أول سورة نزلت مفتتحة بحرف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187420,"book_id":1238,"shamela_page_id":230,"part":"2","page_num":41,"sequence_num":230,"body":"من هذه الحروف المقطعة بفواتح السور، وبعدها نزلت ثمان وعشرون سورة مفتتحة بهذه الحروف، منها ست وعشرون سورة مكية، وثلاث سور من أوائل العهد المدني: البقرة وآل عمران، والرعد.\rومجموع حروفها بغير المكرر منها أربعة حرفاً، هي نصف حروف معجمنا.\rوقد اختلف المفسرون في تأويلها، وأنقل بإيجاز من أقوالهم فيها:\r* إنخا إشارات إلى صفاته تعالى أو أسمائه، وأصحاب هذا القول لا يكادون يجمعون على دلالات الحروف فيه، ففي الكاف مثلاً، قيل، أو كريم، أو كبير. وفي حرف (ق) قيل: قادر أو قاهر. وفي حرف (ن) قيل: ناصر، أو نور.....\r* وقيل هي علامات وضعها كتاب الوحي. ويمنعه أن تدخل هذه العلامات، وهي من قول البشر، في آيات القرآن بعد البسملة.\r* وقيل هي من حساب الجمل. وهذا من إسرائيليات \"حيى بن أخطب اليهودي\" فتقول الراوية إن أخاه أبا ياسر مر في رجال من يهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة \"الم\" فأخبر حيى بن أخطب بذلك، فمشى إلى المصطفى ﵊، فقال: \"لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما ملكه وما أجل أمته غيرك: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. أفندخل في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟\rثم سأل: هل مع هذا غيره؟ أجاب ﵊: نعم، المص. فعدها اليهودي بحساب الجمل فإذا هي إحدى وستون ومائة سنة، ثم عد \"المر\" فإذا هي إحدى وسبعون ومائتا سنة \"وانصرف بقومه للنبي ﵊: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً ما أعطيت أم كثيراً\".\r* وقيل هي بمثابة تنبيهات لما يكون بعدها من الحديث، وأكثر ما يكون بعدها ذكر القرآن الكريم. وقد فصل \"الفخر الرازي\" هذا الوجه، وكذلك \"ابن قيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187421,"book_id":1238,"shamela_page_id":231,"part":"2","page_num":42,"sequence_num":231,"body":"الجوزية\" في (التبيان) واستوفاه \"ابن كثير\" في تفسيره على وجه الاستقراء.\r* وقيل إنها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها. وقريب منه ما روى عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور: إن لكل كتاب سراً وإن سر هذا القرآن فواتح السور.\r* واختار ابن القيم أن يكون في افتتاح السور بها، تنبيه على شرف الحروف وعظم قدرها وجلالتها، إذ هي مبانى كلامه تعالى وكتبه التي أنزلها على رسله، وأقدر عباده على التكلم بها، وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته.\rوهذا الوجه قريب إلى مجال دراستنا البيانية، وأقرب منه قول من قالوا إن هذه الحروف \"ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من مثل حروفهم.... ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعرفوها فيكون ذلك تعريفاً لهم ودلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله\".\rوقد عرضت للموضوع بمزيد تفصيل وتدبر، في كتاب (الإعجاز البياني للقرآن) .\r* * *\rومجيء الحرف (ن) في (سورة القلم) المكية المبكرة، فيه لفت واضح إلى سر الحرف في البيان المعجز. وفي السورة جدل من المشركين في نبوة المصطفى ﵊، وجحد لمعجزته، وقول بأنها من أساطير الأولين. فكأن هذه تمهيد للمعاجزة التي تتحداهم أن يأتوا بمثله، واستدراجهم إلى أن تلزمهم الحجة، بأن يعرضوه على ما عرفوا من أساطير الأولين. وإن كلماته لمن الحروف التي عرفوها في عربيتهم، لغة الكتاب العربي المبين....","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187422,"book_id":1238,"shamela_page_id":232,"part":"2","page_num":43,"sequence_num":232,"body":"وقد كانت كلمة الوحي الأولى \"اقرأ\" لافته إلى آية الله الكبرى، في الإنسان الذي خلقه سبحانه من علق، وعلم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم.\rوبعدها نزلت سورة القلم مبتدأة بحرف (ن) لافته إلى سر الحرف الذي هو مناط القراءة والعلم والبيان، تنطق به منفرداً منقطعاً فلا يعطي أي معنى أو دلالة، بل لا يكاد يخرج عن مجرد صوت، ثم يأخذ الحرف موضعه من الكلمة في البيان، فيتجلى سره الأكبر.\r* * *\r﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .\rقال الإمام الطبري إن القلم معروف \"غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام، القلم الذي خلقه تعالى فأمره بكتابه ما هو كائن إلى يوم القيامة\".\rوأطال \"ابن قيم الجوزية\" في شرح فوائد القلم وبيان عظمته، قال: \"فأقسم بالكتاب - ن - وبالقلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي وقيد به الدين واثبت به الشريعة وحفظ بها العلم وقامت مصالح العباد في المعاش والمعاد\".\rثم عقد فصلاً في مراتب الأقلام فجعلها اثنى عشر قلماً، أعلاها وأجلها قدراً قلم القدر السابق. وقد أقسم به إعظاماً له.\rويوجه هذا إلى تأويلهم ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ بأن الضمير في الفعل للحفظة من الملائكة الذين يكتبون بأمر الله أقدار الخلائق وأعمالهم في اللوح المحفوظ.\rوفيه قول آخر، هو أنه القلم المألوف المعتاد الذي يسطر به الناس كتاباتهم ووجه إعظامه بالقسم، أن الله تعالى هو ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .\rوالذي نطمئن إليه - والله أعلم - هو أن تكون الواو هنا قد خرجت عن معناها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187423,"book_id":1238,"shamela_page_id":233,"part":"2","page_num":44,"sequence_num":233,"body":"الأول في القسم للتعظيم، لملحظ بياني، هو اللفت إلى ما عهدوا من أمر القلم والكتابة واعتمادها على سر الخوف، توطئةً إيضاحية للرد على جدل المشركين في كلمات الله تعالى.\rوالأقرب عندنا أن يكون الضمير في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لمن كانوا ينقلون من العرب أساطير القدماء ويحلولون أن يشبهوا القرآن الكريم بها، إذ نلمح في إيثار ﴿يَسْطُرُونَ﴾ على: يكتبون: ما يتجه بها قوله تعالى في الآية بعدها من سورة القلم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .\rونظيره ما في الآيات:\r﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان٥)\r﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنعام ٢٥)\r﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال ٣١)\r﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّل��ينَ﴾ (النمل ٦٨)\rوآيات (النحل ٢٤، الأحقاف ١٧، المطففين ١٣) .\rهم إذن، كانوا على علم باساطير الأولين، وفيهم من كان يكتتبها ويتلو منها تحديداً للمصطفى ﵊، على ما روى \"ابن إسحاق\" في (السيرة النبوية) . وهذه هي آيات الكتاب المعجز معروضة عليهم بلغتهم وحروفهم، فليقابلوها على ما لديهم مما كانوا يسطرون.\r* * *\rوالرسول ﵊ في أول عهدده بالوحي، كان في أشد الحاجة إلى ما يثبت فؤاده ويذهب عنه قلق النفس وشواغل البال. وكتب الحديث والسيرة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187424,"book_id":1238,"shamela_page_id":234,"part":"2","page_num":45,"sequence_num":234,"body":"تصف حالته النفسية حين آب من غار في ليلة القدر، مرتعداً بادى الحيرة والقلق، وأفضى إلى زوجه السيدة خديجة بما رأى وما سمع فقالت ﵂: أبشر يا ابن العم واثبت فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتؤدى الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث....\rكما نقلت كتب الحديث والسيرة وطبقات الصحابة، ما كان من تلقي \"ورقة بن نوفل\" لخبر الوحي الأول، وقوله للمصطفى عليه الصلاو والسلام: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتقاتلنه ولتخرجنه!.\rوفي ضوء ما تواتر كم أخبار عن حالة المصطفى ﵊ أول عهده بالوحي: وما واجه من تكذي المشركين وحيرتهم فيما يصفونه به، نتلو الآيات:\r﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .\rفندرك عمق أثرها في تثبيت المصطفى وتقوية فؤاده، وتهيئته لما هو بسيل أن يحتمل من أعباء التبليغ لرسالته، والصبر على ما يلقى من عنت المكذبين الضالين، وسفة الوثنية القرشية العاتية.\rوجمهرة المفسرين على أن جملة ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ اعتراضية، كما تقول لصاحبك: أنت بحمد الله فاضل.\rوهذا أقرب ممن تأولوه: ما أنت بمحنون والنعمة بربك. ذكره \"أبو حيان\" في (البحر) وقال إنه تفسير معنى لا تفسير إعراب.\rوفيه تكلف لا يسيغه حس العربية المرهف الذي يجلوه البيان القرآني في ذورة نقائه. وإنما يفهم في بساطة ويسر، بالمألوف كم بيان العربية في مثل: قولك: ما أنت بفضل الله بشقي.\rوقد سبق استقراء ما في القرآن من لفظ نعمة، مادة وصيغة، في تفسير آية التكاثر: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ وهدى الاستقراء إلى أن القرآن يستعمل النعمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187425,"book_id":1238,"shamela_page_id":235,"part":"2","page_num":46,"sequence_num":235,"body":"لنعم الدنيا، ويخص صيغة النعيم بدلالة إسلامية على نعيم الآخرة.\rونقف هنا عند هذه الباء في خبر ما: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ وقد جرى النحاة والمفسرون على القول بأنها زائدة، فهي تعمل في لفظ الخبر، ويبقى الحكم الإعرابي على أصله، يمنع من ظهور حركته، اشتغال المحل بكسرة حرف الجر الزائد.\rوباستقراء ما في القرآن الكريم من خبر ليس وما، يلقانا اطراد وقوع هذه الباء المقول بزيادتها، في خبرهما المفرد غير المؤول. لم تتخلف إلا في بضع آيات لها سياقها الخاص الذي يوجه إلى الاستغناء عن الباء.\rولا يهون القول بأن الباء حرف جر زائد، إذ مقتضى القول بزيادتها إمكان الاستغناء عنها، وهو ما لا يؤنس إليه البيان القرآني.\rوالنحويون من المفسرين، يذهبون إلى أن الباء زائدة لتأكيد النفي.\rونقول إن الآية لا تؤخذ بمعزل عن نظائرها، والذي نطمئن إليه، في هدى التدبر لما استقرأنا من هذا الأسلوب في القرآن، هو أن الباء تأتي في خبر المنفي بما أو ليس، فتجعله جحداً وإنكا��اً:\r﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾\r﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .\r﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾\r﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾\r﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾\r﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾\r﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾\r﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187426,"book_id":1238,"shamela_page_id":236,"part":"2","page_num":47,"sequence_num":236,"body":"﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾\r﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾\r﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾\rفإذا جاءت الباء في خبر المنفي بأسلوب الاستفهام: أليس.... ألست؟ لم تكن لتأكيد النفي، بل تخرجه بيانياً من النفي، إلى تقرير ملزم وإثبات مؤكد، وفي هذا الأسلوب، تلزم الخبر الباء المقول بزيادتها، باستقراء كل آياتها:\r﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ؟\r﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ؟\r﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ؟\r﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ؟\r﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ؟\r﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ ؟\r﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ؟\r﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ؟\r﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ؟\rوفي آية القلم، تأتي الباء في خبر المنفي بما، فتصير به إلى إنكار بات:\r﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .\r* * *\r﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ .\rالأجر في أصل الوضع اللغوي، الجزاء المادي على عمل أو منفعة، ومن الإيجاز والاستئجار في المعاملات. وينتقل إلى الجزاء المعنوي، فيخص بصيغة الأجر دون الأجرة التي يغلب استعمالها في المعاملات.\rثم جاء الأجر في المصطلح الديني، بمعنى الثواب، ملحوظاً فيه ما يعود من جزاء العمل.\rزمن الاستعمال القرآني للأجر بمعناه الأول، الأجور في مهور النساء:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187427,"book_id":1238,"shamela_page_id":237,"part":"2","page_num":48,"sequence_num":237,"body":"﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾\rوآيتا القصص في ابنتى شعيب وموسى:\r﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾\rومن استعماله القرآني بدلالة مجازية أو اصطلاحية:\r﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾\r﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾\r﴿أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾\rوآية القلم:\r﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾\rومن معاني المن في العربية، ما يوزن به. والمنون الموزون، ومنه جاءت المنة بمعنى النعمة ذات القيمة والوزن. ومن على فلان أنعم عليه.\rقال الراغب في (المفردات) : وذلك لا يكون على الحقيقة إلا من الله ﷾.\rوبملحظ من الوزن، جاء الممنون بمعنى المحسوب المعدود: من على فلان، حسب عليه ما قدم إليه من خير أو منفعة، وذلك مستقبح بين الناس، ومنه القول المأثور: \"المنةُ تهدم الصنيعة\" لأنها تقطع الشكر وتنقص النعمة. وذهب \"الراغب\" إلى أن المنون. بمعنى المنية، جاءت من كونها تنقص ال��دد وتقطع المدد.\rوالاستقراء القرآني للمادة، يرجع ما ذهب إليه الراغب من أن المن لا يكون في الحقيقة إلا من الله، إذ يأتي المن مسنداً إليه تعالى، في سياق التفضل\rوالتذكير بنعمه على خلقه. كالذي في آيات:\r﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (آل عمران ١٦٤)\r﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (يوسف ٩٠)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187428,"book_id":1238,"shamela_page_id":238,"part":"2","page_num":49,"sequence_num":238,"body":"﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ (القصص ٨٢)\r﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (الطور ٢٧)\r﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (الصافات ١١٤)\rومعها آيات: الأنعام ٥٣، النساء ٩٤، طه ٣٧، القصص ٥، إبراهيم ١١.\rأما حين يأتي المن في القرآن مسنداً إلى المخلوقين، فالسياق على وجه النهي أو النفي، كالذي في آيات:\r﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر ٦)\r﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات ١٧)\r﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ....﴾ (البقرة ٢٦٢)\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (البقرة ٢٦٤)\rإلا أن يكون في نص السياق قرينة صارفة لمن البشر عن وجهه المذموم، كالذي في آية \"محمد\" في قتال الذين كفروا: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ والمن فيها بمعى: إطلاق بغير فدية.\rوآية (ص) في سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣٩.\rوفي تفسير ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بآية القلم، قال \"الراغب\": إنه غير مثطوع ولا منقوص.\rومثله \"ابن القيم\" في (التبيان) : غير مقطوع بل هو دائم مستمر.\rومما فسره به \"الزمخشري\":\r\"غير ممنون به عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187429,"book_id":1238,"shamela_page_id":239,"part":"2","page_num":50,"sequence_num":239,"body":"وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال\".\rأنكره \"أبو حيان\" ورأى فيه \"دسيسة اعتزال\".\rوكذلك أنكره \"ابن المنير الإسكندري\"، فقال في (الانتصاف) :\r\"..... ما كان النبي ﷺ يرضى من الزمخشري بتفسير الآية هكذا، وهو ﷺ بقول: لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، حتى أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة.... لقد بلغ الزمخشري سوء الأدب إلى حد يوجب الحد، وحاصل قوله أن الله لا منة له على أحد ولا فضل في دخول الجنة لأنه قام بواجب عليه. نعوذ بالله من الجراءة عليه\".\rونحتكم إلى القرآن الكريم، فيهدينا تدبر ما نقلنا من ىيات المن، إلى أن الله تعالى أن يمن على عباده تفضلاً وتذكيراُ بنعمه، وإنما يكره المن من البشر، حين يكون على وجه التعالي والمحاسبة. ولآية القلم نظا��ر في آيات:\r﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (فصلت ٨)\r(ومعها آيتا: التين ٦، والانشقاق ٢٥) .\rوبها نستأنس في فهم آية القلم، فنطمئن إلى تفسيره بأنه أجر غير معدود ولا مشوب بما ينغضه. وليس على الوجه الذي ذهب إليه \"الزمخشري\". فالله ﷾ يمن على نبيه المصطفى وعلى عباده، تفضلاً وإنعاماً.\rوتنكير \"أجر\" يفيد الإطلاق، والتعميم غير المقيد بتعريف يخصصه.\r* * *\rوفي تفسير آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .\rنقل \"الإمام الطبري\" قول من فهموها بحديث السيدة عائشة ﵂، أنها سئلت عن خلق الرسول ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن.\rوقد يرد عليه أن الآية مكية مبكرة من أوائل الوحي، ولم يكن قد نزل من القرآن الكريم ما تعرف به القيم الخلقية القرآنية.....","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187430,"book_id":1238,"shamela_page_id":240,"part":"2","page_num":51,"sequence_num":240,"body":"وفسرها بعضهم بالدين: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام.\rوليس في القرآن كله، ما يؤنس إلى استعمال بمعنى الدين.\rوإنما تؤكد الآية، ما علم الله من خلق نبيه المصطفى، وقد كان منذ صباه معروفاً في قومه بسموالخلق، كما كان في شبابه فتى قريش أمانة وصدقاً ونبلاً وعفة، أو كما قال عمه أبو طالب في خطبة زواج محمد من خديجة بنت خويلد:\r\"أما بعد فإن محمداً ممن لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً\".\rوقالت أم المؤمنين الأولى، رضى الله عنها، في ليلة القدر:\r\"الله يرعانا يا أبا القاسم، أبشر يا ابن عم واثبت.... والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتص الرحم وتؤجي الأمانة وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق\".\rومعهاما تواتر به الخبر من لقب الأمين الذي أطلقته قريش على محمد بن عبد الله قبل المبعث.\rوهذه آية القلم، من أوائل الوحي: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .\rشهادة إلهية بعظمة خلق المصطفى ﵊، تتوج ما كان معروفاً من مكارم أخلاقه، وتمنحه القوة على مواجهة المكذبين الطاغين.\r* * *\r﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ .\rأصل الاستعمال اللغوي في البصر، للعين الباصرة، ومنه في القرآن الكريم مثل آيات:\r﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (النحل ٧٧)\r﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (البقرة ٢٠)\r﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور ٣٠)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187431,"book_id":1238,"shamela_page_id":241,"part":"2","page_num":52,"sequence_num":241,"body":"﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (النور ٣١)\r﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (القيامة ٧)\r﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (الأحزاب ١٠)\r﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (النور ٤٣)\rثم قيل للإدراك الثاقب: بصر، بملحظ من قوة التحقيق ونفاذ النظر. واختصت القوة المدركة بلفظ البصيرة، فلا يكاد يقال للحاسة بصيرة، ويقال لذي البصيرة بصير، ولا يقال في الحاسة إلا مبصر.\rومن الأسماء الحسنى البصير، وليس المبصر من أسمائه تعالى أو صفاته.\rوأكثر ما في القرآن من البصر، هو من معنى البصيرة، كالذي في آيات:\r﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (آل عمران ١��)\r﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق ٢٢)\r﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ (الأنعام ١٠٤)\r﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ (الأعراف ١٧٩)\r﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف ١٩٨)\r﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يونس ٤٣)\r﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (النمل ١٣)\rويبدو ان استعمال البصر في رؤية العين، ملحوظ فيه غالباً، التميز ونفاذ النظر، بشاهد من آيات:\r﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ؟ (الأنبياء ٣)\r﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ؟ (الزخرف ٥١)\r﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ ؟ (الطور ١٥)\r﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ؟ (يس ٩)\rونطمئن إلى أن البصر في آية القلم، بمعنى النظر الثاقب المميز والمعرفة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187432,"book_id":1238,"shamela_page_id":242,"part":"2","page_num":53,"sequence_num":242,"body":"المدركة، وزمن الفعل فيه منقول إلى المستقبل القريب بحرف السين:\r﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ .\rولا اشق على القارئ بنقل الخلاف بين النحويين في توجيه آية ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وإعرابها. وقد لخصه \"ابن قيم الجوزية\" بإيجاز واف، نراه يغني هنا، قال:\r\"وقد اختلف في تقدير قوله ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ فقال أبو عثمان المازني: هو كلام مستأنف، والمفتون عنده مصدر، أي بأيكم الفتنة. والاستفهام عن أمر دائر بين اثنين قد علم انتقاؤه عن أحدهما قطعاً، فتعين حصوله للآخر. والجمهور على خلاف هذا التقدير، والآية عندهم متصلة بما قبلها، ثم لهم فيه أربعة أوجه:\rأحدها، أن الباء زائدة، والمعنى: أيكم المفتون، وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك: بحسبك أن تفعل. قاله أبو عبيد.\rالثاني: أن المفتون بمعنى الفتنة، أي: ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة. والباء على هذا ليست بزائدة. قاله الأخفش.\rالثالث: أن المفتون مفعول على بابه، ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون. وليست الباء زائدة. قاله الأخفش أيضاً.\rالرابع: أن الباء بمعنى في، والتقدير: في أي فريق منكم النوع المفتون. والباء على هذا، ظرفية\".\rونقول مع ابن القيم: \"وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه و ﴿سَتُبْصِرُ﴾ مضمن معنى تشعر وتعلم، فعدى بالباء.... وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد\".\rوالعربية تستعمل الفتنة حسياً في إذابة الذهب والفضة وصهر المعدن بالنار.\rومن معاني الفتنة في المعجم: الفن، والحال، والإبتلاء، والإعجاب بالشيء، والضلال والكفر، والإيقاع بين الناس.\rوهي تحتمل في الآية، أن يكون المفتون من الإبتلاء بالضلال والبغي. ولعلها تحتمل كذلك ما قاله بعض المفسرين من معنى الجنون. وإن يكن حمل الفتنة على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187433,"book_id":1238,"shamela_page_id":243,"part":"2","page_num":54,"sequence_num":243,"body":"الضلال أقرب إلى حس البيان، كما أنه أقرب إلى سياق الآية بعده:\r﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .\rوقد سبق استقراء الاس��عمال القرآني للهدى والضلال، في تفسير آية الضحى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ .\rوأصلهما في الضلال عن الطريق أو الإهتداء إليع، حسياً ومعنوياً. ثم نقلا إلى الدلالة الإسلامية على الكفر والإيمان، وهذا هو معناهما الظاهر في آية القلم، مع ارتباطهما بأصل المعنى الأول، بلفظ السبيل، ترشيحاً للاستعارة على المصطلح البلاغي.\rوقال الطبري: \"وهذا من معاريض الكلام، وإنما معنى الكلام: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وبقومك من كفار قريش وأنهم الضالون عن سبيل الحق\".\rوهذا أقرب من قول الزمخشري: \"هو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون، أو يكون وعيداً ووعداً بجزاء الفريقين\".\rوالآية أمسكت عن ذكر مفضول * أعلم * وهذا يطلقه من قيد المفاضلة بين عالم وأعلم، دون حاجة إلى تأويل مفضولٍ تقديره عند بعضهم: أعلم منكم، أو أعلم من سواه. . .\r* * *\r﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .\rالتكذيب هنا، بآيات الله ونبوة رسوله ﵊.\rوالإدهان: اللين والتساهل والمداراة, والمداهنة التحايل واللاينة والمداجاة.\rوترجع استعمالات المادة وصيغها في الأصل اللغوي إلى الدهن، يتخذ للتليين والتطرية. والدهان الصبغة. والدهين، المكان الزلق كأنه دهن بالدهن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187434,"book_id":1238,"shamela_page_id":244,"part":"2","page_num":55,"sequence_num":244,"body":"وفي القرآن من هذا المعنى الأول، آيتان:\r﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ (المؤمنون ٢٠)\r﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ (الرحمن ٣٧)\rوبملحظ من التطرية والتلين جاءت الدلالة للإدهان، في اللين والتساهل، وشاع استعمال المداهنة في المداجاة والملاطفة عن غش وخداع، أو عن تساهل وتفريط.\rوفي القرآن من هذه الدلالة امجازية، آيتان:\r﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ (الواقعة ٨١)\rوآية القلم: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ .\rقيل في تفسيرها: ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك. أو: ودوا لو تلين في دينك فيلينون في دينهم. وقيل: ودوا لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك.\rوقد نقلها الطبري ثم قال: \"وأولاهما بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك، ود هؤلاء المشركون لو تلين لهم يا محمد في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك\".\rواستأنس له بآية الإسراء:\r﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ.....﴾ ٧٤.\rفالإدهان مأخوذ من الدهن، شبه التليين في القول بتليين الدهن.\rوهو غير المداهنة، التي تحتمل الممالأة والمداجاة.\rوشغل نحاة ومفسرون بعقد الصنعة الإعرابية، عن لمح سر التعبير بـ \"لو\" التي تعطي حس التمني البعيد من المشركين أن يلين لهم المصطفى ﵊، فوقفوا طويلاً عند ثبوت النون في ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ والقاعدة عندهم أنها تحذف على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187435,"book_id":1238,"shamela_page_id":245,"part":"2","page_num":56,"sequence_num":245,"body":"النصب في جواب التمني ﴿وَدُّوا لَوْ﴾ لتضمنه معنى ليت.\rقال الزمخشري: \" عدل به عن ذلك إلى طريق آخر هو على تقدير خبر مبتدأ محذوف: فهم يدهنون. أو على المصدرية، المؤولة، بمعنى: ودوا إدهانك، فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك؟ \" ثم أشار إلى قراءة في بعض ��لمصاحف بحذف النون: \"فيدهنوا\" وتخريج القول عندهم على هذه القراءة، يكون على وجهين: انه جواب ﴿وَدُّوا﴾ لتضمنه معنى ليت، والوجه الآخر أنه على توهم أنه نطق بأن، أي: ودوا لو أن تدهن فيدهنوا.\rوجمهور المصاحف على إثبات النون كما صرح أبو حيان في (البحر) وإنما جر إلى كل هذه الوجوه من التأول والتقدير، أنهم عرضوا الآية القرآنية على قواعدهم النحوية، ثم راحوا يلتمسون الحيل لتسوية الصنعة الإعرابية.\rوقد قلت وأقول: ما يجوز أن يعرض البيان الأعلى على قواعد النحاة، وإنه الأصل والحجة. ومن ثم تبقى الآية على وجهها، وتكون الفاء في: فيدهنون حرف عطف، فتثبت النون رفعاً بالعطن على ﴿تُدْهِنُ﴾ والفاء العاطفة لا تفقد ملحظ السببية.\r* * *\r﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ .\rفي تفسيرنا لآية ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ هدى الاستقراء إلى أن الكتاب المحكم لم يستعمل مادة (حلف) بمختلف صيغها، إلا في الحنث باليمين.\rوخلاف: صيغة مبالغة من حالف. وقلما تستعمل العربية في بيانها اسم الفاعل من حلف، فكأن عدولها إلى حلاف، إيذان بأن من يحنث في يمينه يدأب على الحنث فلا يتورع من الإكثار من الحلف، عادة وطبعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187436,"book_id":1238,"shamela_page_id":246,"part":"2","page_num":57,"sequence_num":246,"body":"وهماز: صيغة مبالغة من الهامز. نقل الإمام الطبري من أقوالهم في تأويلها:\r* أنه الذي يهمز الناس ويضربهم بيده، لا باللسان.\r* وقيل هو المغتاب يطعن في أعراض الناس بما يكرهون.\rوقال الزمخشري في الكشاف: هماز، عياب طعان، وعن الحسن: يلوى شدقيه في أقفية الناس.\rويأتي في تفسيرنا لسورة الهمزة، بعد، استقراء كامل لمواضع استعمال القرآن للهمز واللمز، وتدبر لسياق الآيات فيهما. وهو يهدى إلى أن الهمز الطعن والتجريح في الغيبة، أما اللمز فيكون مواجهة صريحة.\rوالنميمة: الإيقاع بين الناس قصد الفتنة والتوريش بينهم بما يلقى العداوة والبغضاء. وأصل النم في العربية: وسواس همس الكلام وأثر الريح في التراب. ومنه جاءت النمنمة لنقش الكتابة وزخرفتها. وأحسبه نقل إلى دلالته المجازية على الإيقاع والتوريش والفتنة، بملحظ من اعتماد النميمة عادة، على زخرف القول والوسوسة به همساً، للإيقاع.\rوبهذا الحس الأصيل للنميمة، نفهم ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ في الآية، دون تقييد لنميم بمن ينقل حديث الناس بعضهم إلى بعض، أو المشي بينهم بالكذب كما نقل \"الإمام الطبري\" في تفسيره. بل نؤثر إطلاقه، كي يدخل فيه كل سعي بين الناس بالشر: بكذب القول أو صدقة، بنقل حديث بعضهم إلى بعض، أو إهاجة أحقاد بينهم وإيقاظ فتنة نائمة.....\rومناع للخير: مبالغة من مانع. وظاهر السياق أن المراد بالخير عمومه المطلق نقيضاً للشر، دون تحديد له بمنع المال الذي ألفت العربية أن تعبر عنه بالشح. والخير كما يكون ببذل الما، يكون بالتراحم والدعوة إلى عمل صالح، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.....\rوفي تفسير آية الضحى ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ - بالجزء الأول - تدبر لآيات الخير في القرآن الكريم، هدى إلى أنه قلما يستعمله بمعناه المادي في بذل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187437,"book_id":1238,"shamela_page_id":247,"part":"2","page_num":58,"sequence_num":247,"body":"المال، ونعم الدنيا، إلا بقرينة من صريح السياق مالإنفاق والوصية، في آيتى:\r﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة ٢١٥)\r﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة ١٨٠)\rوإنما يغلب الاتجاه به إلى نقيض الشر، كالذي في آيات:\r﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (البقرة ٢٦٣)\r﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران ١٠٤)\r﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ﴿آل عمران ١١٠)\r﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (البينة ٧)\r﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة ٢٦٩)\r﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء ٧٣)\rوالعتل: الجلف الجافي الغليظ، ومن الاستعمال الحسي للمادة في اللغة: العتلة، واحدة العتل: حديدة كأنها رأس فأس، والهراوة الغليظة، والناقة لا تلقح. وعتله: جره عنيفاً.\rوبملحظ من الغلظة في الاستعمال الحسي، جاءت دلالة العتل على الجافي الغليظ.\rوفي القرآن الكريم من المادة آيتا:\r﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (الدخان ٤٧)\r﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (القلم ١٣)\rنفهمهما بالدلالة اللغوية على الغلظة والخشونة، مع ما في اللفظ نفسه من حس الجفوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187438,"book_id":1238,"shamela_page_id":248,"part":"2","page_num":59,"sequence_num":248,"body":"ثم يعيطيهما السياق القرآني ملحظاً من رهبة الزجر في قسوة الأخذ بآية الدخان، ومن الضعة والخسة واللؤم، في عتل زنيم، بآية القلم، بعد وصفه بأنه:\r﴿حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ .\rأما ﴿زَنِيمٍ﴾ فلم تأت مادة ولا صيغة، إلا في آية القلم. ومن معانيها في اللغة: اللئيم المعروف بلؤمه وشره. ومنه قيل للدعي المستلحق بقوم ليس منهم، زنيم. وربما كان فيه أيضاً ملحظ من لالة الزنمة، وهي شيء يقطع من أذن البعير فيترك معلقاً. قاله \"الراغب\".\rوقد فسرها ابن عباس، في مسائل ابن الأزرق، بولد الزنا، واستشهد له بقول الشاعر:\r*زنيم تداعاه الرجال زيادة*\rونقل فيه \"الطبري\" معنى الفاحش اللئيم، والملصق بالقوم وليس منهم، واستشهد له بقول حسان:\r*وأنت زنيم نيط في آل هاشم*\rوقول آخر:\rزنيم ليس يعرف من أبوه بغى الأم ذو حسب زنيم\rوخصه قوم، منهم الزمخشري في (الكشاف) \"بالوليد بن المغيرة المخزومي، كان دعياً في قريش، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة\" مع كلام طويل في الزنا وخبث النطفة. ونقله \"أبو حيان\" ومعه: أن الوليد كان له ستة أصابع في يده. فكأنها الزنمة. ثم علق قائلاً: \"والذي يظهر أن هذه الأوصاف ليست لمعين، وإنما تصدق على عامة من يتصف بها\".\rونضيف: إن لفظ ﴿كُلَّ﴾ في صدر هذه ال��وصاف: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187439,"book_id":1238,"shamela_page_id":249,"part":"2","page_num":60,"sequence_num":249,"body":"مَهِينٍ﴾ يخرج بها من الخصوص إلى العموم المستفاد صراحة من ﴿كُلَّ﴾ .\rوتفسيره بالفاحش اللئيم، أولى من تفسيره بولد الزنا: فالقرآن الكريم في محقه للزنا، إنما يقصر اللعنة على الزاني والزانية، لا على أولادهما. والعربية حين استعملت الزنين لولد الزنا، لحظت فيه معنى لؤم الأصل وخبث المنبت.\r﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ .\rواضح أن فتنة المال وجاه العدد، كانا مدعاة الشر والأثرة والغلظة والبغي. لكن من المفسرين من ربط الآية بالخطاب في صدر الآيات قبلها ﴿وَلَا تُطِعْ﴾ قالوا: \"كأنه نهاه أن يطيعه من أجل أنه ذو مال وبنين\".\rوإليه ذهب الزمخشري فتأوله: ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كان ذا مال وبنين.\rوهذا تأول بعيد ينبو عنه الحس، فما كان ﷺ، في عظمة خلقه وكرم سجاياه وشرف نبوته، مظنه أن يطيع ﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ من أجل أنه ذو مال وبنين!\rوإنما النهي عن طاعة المكذبين وكل حلاف لئيم، فيما يعرضون من مساومات، والحنث في الإيمان دأبهم وعادتهم، وتحذير المصطفى ﵊، من أن يؤخذ بما قد يبدون من إدهان، احتيالاً على الموقف الصعب، وقصد الفتنة والشر، مستظهرين بما لهم من مال وبنين.\r* * *\r﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .\rجحداً لنبوة المصطفى ﵊، وتكذيباً بآيات الله تعالى، وإمعاناً في البغي والإثم والتجبر والضلال.\r﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ .\rالآية على وجه الوعيد بالإذلال والإهانة والتحقير، صدعاً لكبرياء المغتر بماله وبنيه.\rوالسمة العلامة، والوسم علامة يعرف بها الموسوم. ولعل أصل استعماله اللغوي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187440,"book_id":1238,"shamela_page_id":250,"part":"2","page_num":61,"sequence_num":250,"body":"من الوسم وهو أثر الكي، والاسم علامة مميزة لتعريف الأشخاص. وفي المصطلح النحوي، يأتي الاسم قسيم الفعل والحرف.\rوأكثر ما تدور المادة على العلامة المميزة، حسياً معنوياً.\rوالخرطوم الأنف أو مقدمه. وشاع استعماله في الحيوان، الفيل، واستعمال الأنف للإنسان. وإذ كان الأنف أبرز ما في الوجه، نقل إلى الدلالة المجازية على الرفعة والتكريم، أو الخسة والتحقير، فقالوا الأنوف والأنف، من الأنفة بمعنى العزة والكبرياء. وكنوا عن المترفع بمثل قولهم: ـشم الأنف، وأنفه في السماء. كما كنوا عن الإذلال بمثل قولهم: أنفه راغم، وأنفه في التراب.\rوفي القرآن الكريم، استعمل الأنف للإنسان على أصل معناه اللغوي في القصاص بآية المائدة ٤٥:\r﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ .\rوالعدول عن الأنف إلى الخرطوم في آية القلم، فيه ملحظ التحقير والهبوط بآدمية ذلك المفتون الشرير الجافي اللئيم، إلى دمنية البهائم والدواب.\rومن هذا، يبدو ضعف ما قيل في تأويله، بأن معناه: سنسود وجهه أو نضرب بالسيف على أنفه - وأيدوا هذا التأويل بما حل بالوليد بن المغيرة يوم دبر! - أو نسم على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره!\rنقل هذه التأويلات \"الإمام الطبري\" بعد أن ذكر اختلاف أهل التأويل فيه:\rحقيقة هو أم مجاز؟ وإذا كان حقيقة فهل هو في الدنيا أو في الآخرة؟.\rورد الخرطوم إلى الأنف، يضيع به سر البيان في تحقير المغرور الخبيث، والهبوط بآدميته إلى البهيمية. أما ما نقلوا عن \"النضر بن شميل\" من أنه تأوله في معنى \"سنحده على شرب الخمر\"، ففيه شطط وبعد كما ذكر \"أبو حيان\".\rووجه الشطط فيه أن حد الخمر لم يكن قد شرع بعد لتؤدى الآية معناها من الزجر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187441,"book_id":1238,"shamela_page_id":251,"part":"2","page_num":62,"sequence_num":251,"body":"والوعيد والتحقير، ومن المسلمين من حدوا على شرب الخمر بعد أن حرمت، لا ينفرد به هذا العتل الزنيم الكافر، ليكون في إنذاره به فرط تحقير وإذلال وإهانة!\r* * *\r﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾\rالبلاء المحنة، والإبتلاء الإمتحان.\rوالجنة في الآية، على معناها الأول قبل أن تأخذ دلالتها الإسلامية على دار النعيم في الآخرة. وترجع دلالة المادة في الأصل اللغوي إلى معنى الخفاء، يبدو بوضوح في الجنين مختفياً في رحم أمه، والجنون خفاء العقل، والجن جنس خفي من المخلوقات، نقيض الإنس.\rوبملحظ الستر في الخفاء، قيل جن عليه الليل. والمجن ما يتخذ درعاً ساترة للوقاية.\rوقيل للأرض المغطاة بالشجر والزرع جنة، ثم نقلت الجنة إلى المصطلح الإسلامي في جنة الآخرة. وهو الاستعمال الغالب للفظ جنة وجنات في القرآن الكريم - نحو مائة وعشرين مرة - على أنها جاءت بدلالتها الأولى على الجنة المعروفة في الدنيا، مفردة في تسع آيات، ومثناة في خمس آيات، واثنتى عشرة مرة بصيغة الجمع، لجنات الدنيا.\rوالسياق هو الذي يحتكم في تحديد هذه الدلالة.\rوالصرم: القطع، ومنه حصد الزرع وجني الثمر، ثم أخذ دلالته المجازية على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187442,"book_id":1238,"shamela_page_id":252,"part":"2","page_num":63,"sequence_num":252,"body":"الهجر. والصريم: المقطوع، والمحصود. ونقلوا أنه الرماد الأسود بلغة خزيمة، ورملة معروفة في اليمن.\rوالإصباح: الدخول في وقت الصبح أول النهار. والاستثناء معروف.... وظاهر السياق في الآية، على أن أصحاب الجنة أقسموا ليحصدن زرع جنتهم ويقطفن كل ثمارها، ولا يبقون منها شيئاً. لكن من المفسرين من تأولوه في الآية بأن أصحاب الجنة لو يقولوا: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ حين أقسموا ليصرمنها مصبحين.\rوظاهر النص، أن خطيئتهم التي أخذوا به��، هي التصميم على صرم جنتهم خفية، والاستئثار بكل خيرها لا يؤدون حق مسكين فيه.\rوالتخافت: أن يتحدث بعضهم إلى بعض في خفوت، قصداً إلى الحيلولة دون سماع أحد لما يتخافتون به.\rوالحرد: المنع، من حردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الناقة إذا منعت درها. لحظ فيه أن ذلك لا يكون إلا عن نفور، فجاءت دلالة الحرد على النفور.\rوالتلاوم: من صيغ المفاعلة، وذلك بأن يلوم بعضهم بعضاً.\rوالعربية تستعمل الأوسط والوسط في معنى العدل، ملحوظاً فيه أنه توازن بين طرفين متباعدين.\rوالتسبيح ذكر الله، ونفهمه في آية القلم: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ بمعنى: لولا تذكرون الله فتؤدوا حقه وتشكروا له نعمته.\rوالطغيان: تجاوز الحد، وأصل استعماله في طغيان الماء، ثم نقل بهذا الملحظ إلى دلالته على الجبروت وتجاوز الحد، على ما سبق تدبره في تفسير آية النازعات خطاباً لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ بالجزء الأول من هذا الكتاب.\r* * *\rوتسوع مفسرون في تفصيل قصة أصحاب الجنة المذكورين في سورة القلم، وخلاصتها أن هذه الجنة كانت لرجل صالح، حدودا قومه وبلده فقيل إنه من أهل اليمن، من صوران صنعاء، وقيل من أهل الحبشة، وقيل من أهل الكتاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187443,"book_id":1238,"shamela_page_id":253,"part":"2","page_num":64,"sequence_num":253,"body":"كما حددوا زمنه فقالوا: إنه كان بعد رفع عيسى ﵇! وقد كان حصاد جنته وثمرها قوت سنته، ويتصدق بالباقي على المحتاجين، ويترا ما يخطئه المنجل من حصاد، وما يخطئه المنجل منة حصاد، وما يخطئه القطاف من العنب، وما يبقى تحت التخل. وكان بنوه يضيقون بذلك ويحاولون حمله على بما يملك. . فلما مات قالوا: إن فعلنا ما كان أبونا يفعل، ضاق علينا الأمر عيال. وأقسموا فيما بينهم، حين آن الحصاد، أن يتسللوا إلى جنتهم ليجنوا ثمرها وأكلها لا يبقون منه شيئاً لمحتاج، وفيما هم نائمون، طاف طائف - قيل في رواية إنه الشيطان، وفي أخرى إنه جبريل - اقتلع الشجر ومضى فطاف به حول البيت العتيق تبركاً، ثم وضعه حيث الطائف، وليس في أرض الحجاز بلدة غيرها فيها الماء والشجر وترك الجنة صريماً جرداء خلاء.\rفلما أصبحوا، تنادوا ليغدوا على حرثهم، وانطلقوا إلى جنتهم يتخافتون: ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. فما إن رأوها حصيداً قفزاً، رشدهم وأدركوا أنهم ضالون. ولما ذكرهم أوسطهم بما تهاونوا به حين نسيان الله والتفريط في حق نعمته، أقبل بعضهميلوم بعضاً، وتضرعوا لهم ما كان من طغيانهم وظلمهم: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ .\rوالقرآن الكريم يقدم لنا في هذه السورة المكية المبكرة، مقلاً مما سوى الوحي من قصص الأولين: لا يتعلق فيها بذكر الأشخاص والأزمنه إلا ما كان من جوهر القصة وموضع العبرة, وهو إذ يضرب المثل بأصل الذين أنعم الله عليهم فبغوا وظلموا أنفسهم ونسوا الله فحق عليهم العقاب، يحدد لنا من أي قوم كانوا، من الحبشة أو من اليمن. ولم يذكر عددهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187444,"book_id":1238,"shamela_page_id":254,"part":"2","page_num":65,"sequence_num":254,"body":"زمن القصة: هل كان بعد عيسى ﵇ أو قبله. كما اكتفى بطائف على الجنة وأصحابها نائمون. دون أن يشير من قرب أو بعد، إلى ما يسيغ الروايات الغريبة التي تقول في ﴿طَّائِفِ﴾ إنه شيطان، أو أنه جبريل اقتلع شجر ونخيلها وحمله فطاف به حول الكعبة ثم غرسه في موضع بلدة الطائف!\rلأن نستأنس في فهم آيات القلم، بآية يونس في ��ثل الحياة الدنيا:\r﴿..... حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢٤.\r* * *\rضمير الجمع في ﴿بَلَوْنَاهُمْ﴾ عائد على المكذبين وكل حلاف مهين....\rالمماثلة بينهم في البلاء وبين أصحاب الجنة، نقل \"أبو حيان\" قول من قالوا: النازل بقريش المماثل لأمر الجنة، هو الجدب الذي أصابهم سبع سنين حتى وأكلوا الجلود\" أو أن \"تشبيه بلاء قريش ببلاء أصحاب الجنة، هو أن أهل الجنة عزموا على الإنتفاع بثمرها وحرمان المساكين فحرمهم الله تعالى، وأن خرجوا إلى \"بدر\" حلفوا على قتل الرسول ﷺ وأصحابه، فإذا فعلوا ورجعوا إلى مكة فطافوا بالكعبة وشربوا الخمور، فقلب الله عليهم بأن قتلوا\".\rبدر قد كان في السنة الثانية للهجرة، بعد نزول سورة القلم بنحو خمس. واضح أن المفسرين نظروا في تأوويلها، إلى واقع التاريخ بعد نزولها. النص، على أي حال، صريح في ردع كل الطغاة المتجبرين الذين المال وجاه العدد وأخذتهم العزة بالإثم والطغيان، دون أن يتعلق مالقى المشركون \"في بدر\" في العام الثاني للهجرة، من هزيمة ساحقة.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187445,"book_id":1238,"shamela_page_id":255,"part":"2","page_num":66,"sequence_num":255,"body":"وقوله تعالى:\r﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .\rيلفت إلى مناط العبرة فيما تلت الآيات من أمر أصحاب الجنة، ويتجه بها إلى العظة، والإنذار بما يحيق بالطاغين الظالمين من عذاب معجل في الدنيا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .\rوالذي أطمئن إليه، والله أعلم، أن الضمير في ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لمن ﴿بَلَوْنَاهُمْ﴾ من الطغاة المكذبين الذين نزلت القصة عبرة لهم ومثلاً، وليس لأصحاب الجنة الذين أقروا بظلمهم وتابوا وأنابوا، ورغبوا إلى الله. ويؤنس إلى هذا الوجه في فهم الآية، أن القرآن الكريم بعد أن تلا ما كان من بغي أصحاب الجنة وعقابهم ثم توبتهم وضراعتهم، أمسك عن ذكر مصيرهم، فأمرهم متروك إلى علم الله ورحمته. فاتجه النذير إلى من تصدوا لرسول الله ﷺ بالتكذيب والتحدي، وارتبط بالآية قبله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ كما ارتبط بالآيات بعدها:\r* * *\r﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ؟\rوفيها يبين القرآن الكريم عاقبة المتقين بعد الذي ساق من عبرة أصحاب الجنة، ونذير للطغتة الظالمين، فيعمد إلى الأسلوب الاستفهامي الذي يخرج عن أصل معناه اللغوي في طلب الجواب، إلى الرفض والإنكار: أن يجعل الله المسلمين كالمجرمين. وهو إنكار يحمل من التقرير لمثوبة المتقين المسلمين ومآب العصاة المجرمين، بقدر ما يحمل من الردع لذوي العقول والبصائر.\rوالخطاب في الآيات للمشركين المجرمين من عتاة قريش، إنكاراً لسفه عقولهم وهزؤاً بضلال حكمهم ألهم كتاب يدرسون فيه إن لهم ما يتخيرون من دنياهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187446,"book_id":1238,"shamela_page_id":256,"part":"2","page_num":67,"sequence_num":256,"body":"وأحراهم؟ أم لهم أيمان وعهود موثقة على الله سبحانه، بالغة إلى يوم القيامة، إن لهم ما يحكمون؟\rأي غرور غرهم بالخالق، أن يبقى عليهم ما آتاهم من نعمة يبتليهم بها فكفروا وجحدوا؟ وأي وهم تورطوا فيه، أنهم ما أوتوا الجاه والمال والبنين إلا لكونهم أهلاً للإكرام؟\r﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ .\rثم يتجه الخطاب إلى المصطفى ﷺ:\r﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ .\rبضمن أن لهم إلى يوم القيامة ما يحكمون؟\rوتمضي كل هذه الأسئلة لا تنتظر جواباً، وإنما حسب القرآن الكريم أن يواجههم بها على هذا الأسلوب البياني، غضاً من شأنهم وصدعاً لغرورهم وتحقيراً لكبرهم. وعدم انتظار الجواب عنها، فيه تعجيز لهم وإفحام، وفيهه كذلك عبرة بالغة لكل ذي سمع وبصر.\r* * *\rويبدو لي، والله أعلم أن الأمر بالإتيان في الآية:\r﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ .\rيتعلق به ظرف الزمان في الآية بعدها:\r﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ .\rأي: فليأتوا بشركائهم، إن كانوا صادقين، يوم يكشف عن ساق....\rنذيراً صادعاً ووعيداً رادعاً.....\rومن أغبر ما روى في تأويل ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أنها ساق الرحمن!\rنقل \"الطبري\" في ذلك حديث أبي الزعراء عن عبد الله (بن مسعود) : \"يتمثل الله للخلق يوم القيامة حتى يمر المسلمون، فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187447,"book_id":1238,"shamela_page_id":257,"part":"2","page_num":68,"sequence_num":257,"body":"لا نشرك به شيئاً.... فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه إذا اعترف إلينا عرفناه. قال فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول، سبحانه: قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون\".\rونقل \"الزمخشري\" من حديث ابن مسعود: \"يكشف الرحمن عن ساقه فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقاً واحداً كأن فيها سفافيد\"\rوقد تعلقت المشبهة بهذا التأويل، فهل أعوزهم من بيان العربية أنها ألفت مثل هذا الاستعمال المجازي: الكشف عن الساق، أو التشمير عنها، كناية عن التأهب والفزع وقت الشدة والحرب؟ قال الشاعر:\rكشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر البوارح\rوقال حاتم الطائي:\rأخو الحرب إن غضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا\rوقال ابن قيس الرقيات:\rتذهل الشيخ عن بنيه وتبدى عن خدام العقيلة العذراء\rوقال الراجز:\rقد شمرت عن ساقها فشدوا\rوجدت الحرب بكم فجدوا\rوأي شدة أفظع هولاً على الكافرين من يوم الحساب، حين يدعون إلى السجود تعجيزاً وتحسيراً وتقريعاً قد فاتت: أضاعوها ظلماً وبغياً حين كانوا يدعون في حياتهم الدنيا إلى السجود وهو سالمون قادرون؟\rولا ضرورة لأن يحمل عجزهم عن السجود في الآخرة، على العجز الجسدي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187448,"book_id":1238,"shamela_page_id":258,"part":"2","page_num":69,"sequence_num":258,"body":"فينكلف لتأويله بأن \"أصلابهم تعقم، أي ترد عظاماً بلا مفاصل لا تنثنى عند الرفع والخفض\" أو أن \"فقار ظهورهم تدمج فتصير فقرة واحدة، وقد كانوا في الدنيا سالمى الأصلاب والمفاصل\". \"أو أن الخلق يبقون في الموقف أربعين عاماً ثم يتجلى الله ﷾ فيخرون سجداً إلا المنافقين فإنه يصير فقار أصلابهم مثل صياصي البقر.... ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد\".\rفذلك، ومثله كثير، مما لا يحتمله منهجنا في الأخذ بنص الآيات البينات، لفظاً وسياقاً.\rوالأولى أن يحمل العجز عن السجود على فوات أوان التعبد ومهلة التكليف.\rونظيره ما في آيات الفجر، في سياق الحديث عن مصير الطغاة والمفسدين في الأرض، وجزاء من ينكصون عن احتمال تبعات التكليف ويأكلون التراث أكلاً لما ويحبون المال حباً جماً:\r﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ .\r* * *\r﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ؟\rالحديث المشار إليه في الآية، هو ما تلا النبي ﷺ من كلمات ربه. ويحتمل أن يكون ما جاء في سورة القلم من حديث الآخرة. وهو ما ذهب إليه \"أبو حيان\".\rوالاستدراج: الأخذ على إمهال درجة درجة، وقد فسره الإمام الطبري: وذلك بأن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم متعوا به بخير لهم عند الله فيتمادوا في طغيانهم ثم يأخذهم بغتة وهو لا يشعرون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187449,"book_id":1238,"shamela_page_id":259,"part":"2","page_num":70,"sequence_num":259,"body":"والذي نطمئن إليه، والله أعلم، هو أن يكون استدراجهم إلى ما يأتي من التحدي بالمعاجزة، ثلزمهم بها الحجة على إعجاز القرآن، بعد أن أملى لهم فقالوا فيه ما وسعهم أن يقولوه. ونستأنس لهذا الفهم بآيات الأعراف:\r﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾\r١٨٢-١٨٤.\rأملى لهم: أمهله وأرخي له في عنانع، لتكون الحجة ألزم والعقاب أفدح. وبغتة الأخذ، تأتي من قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .\rوالأجر: جزاء العمل. وسياق الآية أنه من الأجر المادي، بشاهد من النص ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ . وغرم مصدر ميمى من الغرم.\rوقد أمر الله رسوله، أن يترك له أمر هؤلاء الطغاة المكذبين، الذين يجحدون داعي الحق، وما كان الرسول ﵊ يسألهم أجراً على ما يهديهم إليه من خير الدنيا والآخرة، فيثقلهم المغرم. وما كان عندهم علم بالغيب، ليجادلوه فيما يتلو من وحي ربه:\r﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾\rصاحب الحوت هو يونس ﵇ (الصافات ١٣٩) وقصته طويلة، نقتصر فيها على ما جاء في القرآن الكريم، ولا يكاد في جملته يخرج عما في سورة القلم حيث تلفت الآيات إلى جوهر ال��صة ومناط العبرة، والخطاب فيها إلى المصطفى ﷺ، تقوية له على ما يحتمل من أذى المكذبين، ورياضة له على الصبلا لحكم ربه عن رضى وتسليم، لا عن غيظ مكبوت وضيق مكظوم.\r* * *\rثم تختم سورة القلم بهاتين الآيتين:\r﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187450,"book_id":1238,"shamela_page_id":260,"part":"2","page_num":71,"sequence_num":260,"body":"إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ .\rتأييداً للمصطفى ﵊، يرتبط بما بدأت به السورة من مثل هذا التأييد الإلهي:\r﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187451,"book_id":1238,"shamela_page_id":261,"part":"2","page_num":73,"sequence_num":261,"body":"سورة العصر\r﷽\r﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187452,"book_id":1238,"shamela_page_id":262,"part":"2","page_num":75,"sequence_num":262,"body":"السورة مكية مبكرة، والمشهور في ترتيبها أنها الثالثة عشرة في النزول. نزلت بعد الشرح وقبل العاديات.\r* * *\rوالمعنى الأصلي للعصر لغة: الضغط لاستخلاص العصارة. استعملته العربية حسياً في عصر العنب ونحوه لاعتصار خلاصته. ومنه المعصرة آلة العصر، والمعصرة مكانه. والعواصر ثلاثة أحجار كانوا يعصرون بها.\rوسميت السحب الممطرة معصرات لما تعتصر من المطر، وأعصر القوم أمطروا.\rكما أطلق الإعصار على الريح الشديدة تسوق السحب.\rواستعمل العصر مجازياً في الحبس بملحظ من الضغط. ومنه القتال المعصر التي ادركت وبلغت سن الحجر. كما استعمل مجاتزياً في استخلاص المال على وجه العطية أو بالضغط وقيل لكريم النسب: كريم العصر لما فيه من طيب الخلاصة والعنصر.\rومن هذه الدلالة اللغوية الأصلية على الضغط والإعتصار، سمي الدهر عصراً، بملحظ من استخلاصه عصارة الإنسان بالضغط والتجربة والمعاناة.\rكما سمى وقت الأصيل إلى غروب الشمس عصراً، ملحوظاً فيه مع الدلالة الزمنية أنه تصفية للنهار. وفي المصطلح الديني الإسلامي، سميت صلاة العصر لوقوعها في هذا الوقت من النهار، كما سميت سائر الصلوات الخمس باسماء أوقاتها.\r* * *\rوالذي في القرآن الكريم من المادة:\rالْعَصْرِ، بمعناه اللغوي الأول في اعتصار الخمر بآية يوسف ٣٦:\r﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ .\rوالمعصرات، للسحب الممطرة في آية النبأ ١٤:\r﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ .\rومعهما آية يوسف ٤٩:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187453,"book_id":1238,"shamela_page_id":263,"part":"2","page_num":76,"sequence_num":263,"body":"﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .\rوالإعصار في آية البقرة ٢٦٦.\rوالعَصْرُ، في سورة العصر.\r* * *\rوقد اختلف أهل التأويل في العصر:\rقيل هو الدهر، أو الوقت بعينه من النهار. وعليهما اقتصر \"الإمام الطبري\" في تفسيره، ثم اختار الدهر.\rوقيل أنه صلاة العصر، على حذف المضاف، أو هو عصر النبوة. وقد ساق \"��لرازي\" هذه الأقوال في العصر دون ترجيح بينها، إلا أن يفهم ضمنياً من إيرادها على الترتيب المذكور آنفاً.\rويبدو أن \"الزمخشري\" يختار القول بأنها \"صلاة العصر لفضلها، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقول الرسول ﷺ: \"من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله\". ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجارتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم\".\rنقله أبو حيان في (البحر المحيط) .\rوعبارة الزمخشري أوجز وأقرب، من قول الشيخ محمد عبده: \"وكان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر، ويتحادثوا ويتذكروا في شئونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضاً فيتوهم الناس أن الوقت مذموم، فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب، وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة\".\rوهذا، توسع في أحد الوجوه التي ساقها الفخر الرازي في تفسيره الكبير، والنيسابوري في غرائب القرآن.\rوالراجح عند \"ابن قيم الجوزية\" أنه الدهر، قال: \"وأكثر المفسرين على أنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187454,"book_id":1238,"shamela_page_id":264,"part":"2","page_num":77,"sequence_num":264,"body":"الدهر. وهذا هو الراجح. وتسمية الدهر عصراً أمر معروف\".\rوهو ما نطمئن إليه - كما اطمأن الإمام الطبري - مستأنسين بسياق الآية في السورة، إذ اللفت إلى ما يعتصر الزمن من خلاصة الإنسان، بالضغط والمعاناة، فيكشف عن خيره أو شره.\r* * *\rوالسورة تبدأ بواو القسم وهو عندهم على أصل استعماله اللغوي، لتعظيم المقسم به. ولم يتعلق \"الطبري\" هنا بفكرة العظمة التي سيطرت على جمهرة المفسرين بعده، فراحوا يتأولون وجه العظمة في العصر على اختلاف الأقوال في تفسيره.\rجمع الرازي ستة وجوهٍ في عظمة العصر بمعنى الدهر، وثلاثة أوجه في عظمته بمعنى الوقت المعين من النهار، وستةً في صلاة العصر، ثم بين وجه عظمته إن كان مراداً به عصر النبوة.\rوقد نقلت آنفاً، تأويل الشيخ محمد عبده للقسم بوقت العصر. ولا نعلم أن هذا الوقت في المألوف والعادة وقت اجتماع الناس وتذاكرهم وتحدثهم. بل لعل وقت المساء أولى بهذا. ثم إن احتمال التحدث بما لا يليق وما يؤذي، لا يمكن في تصورنا أن يختص به وقت العصر دون غيره من الأوقات، وإنما هو مما يحتمل وقوعه في أي وقت من ليل أو نهار!\r* * *\rومن حيث آثرنا مع الطبري وابن القيم، وأكثر المفسرين، أن يكون العصر بمعنى الدهر والزمن، نكتفي هنا بعرض ما قالوه في عظمة العصر بهذا المعنى.\rولا تكاد أقوالهم تخرج عما استوفاه الفخر الرازي من وجوه عظمة العصر أي الدهر. قال:\r\"إن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء والصحة والسقم والغنى والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجيب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم فإنه مجزأ مقسم بالسنة والشهر واليوم، ومحكوم عليه بالزيادة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187455,"book_id":1238,"shamela_page_id":265,"part":"2","page_num":78,"sequence_num":265,"body":"والنقصان، وكونه ماضياً ومستقبلاً فكيف يكون معدوماً؟ ولا يمكنه - يعني العقل - أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة، والماضي والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟\r\"إن بقية عمر المرء لا قيمة لها، فلو ضيعت ألف سنة، ثم ثبت في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في هذه اللمحة. فكان الدهر والزمان من جملة أصول النعم.\r\"إن الزمان أعلى وأشرف من المكان، فكان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته.\r\" إنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان.\r\" إنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عين الخسران. فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح، مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر\".\rوالتفت \"ابن القيم\" إلى مكان العبرة فيه، قال: \"فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم، منتظم لمصالح العالم على أكمل ترتيب ونظام، وتعاقبهما مع اعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة، واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد، وانتشار الحيوان وسكونه، وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها، آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته. فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها، على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم، على المعاد، وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد\".\rوأضاف \"النيسابوري\" من إشارياته: \"أن آخر النهار يشبة تخريب العالم وإماتة الأحياء كما أن أول النهار يشبه بعث الأموات وعمارة العالم. وفيه إشارة إلى أن عمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187456,"book_id":1238,"shamela_page_id":266,"part":"2","page_num":79,"sequence_num":266,"body":"الدنيا ما بقى إلا بقدر ما بين العصر إلى المغرب، فعلى الإنسان أن يشتغل بتجارة لا خسران فيها فإن الوقت قد ضاق وقد لا تدرك ما فات\".\rكما ذكر \"من أعجايب الدهر الدالة على كمال قدره خالقها: أن الدهر موجود يشبه المعدوم ومتحرك يضاهى الساكن...... وأن عمر الإنسان كبعض منه:\r* إذا ما مر يوم بعضى *\rو\"لشيء أنفس من العمر. وفي تخصيص القسم به إشارة إلى أن الإنسان يضيف المكاره والنوائب إليه، ويحيل شقاءه وخسرانه عليه، فإقسام الله تعالى به دليل على شرفه، وأن الشقاء والخسران إنما لزم لعيب فيه - أي الإنسان - لا في الدهر، ولذلك قال ﷺ: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\".\r* * *\rوترى أنهم حملوا لفظ العصر كل هذه التأويلات الفلسفية والإشارية مما لا نتصور أن القرآن الكريم لفت إليه بلفظ ﴿وَالْعَصْرِ﴾ . وفي البيان القرآني من آيات الليل والنهار ما يجلو الحكمة فيهما بما يفهمه الناس بأيسر ملاحظة وتأمل، ونكتفي هنا بآيتى القصص:\r﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ٧١، ٧٢.\rوندع استقراء آيات الليل والنهار، إلى ما يأتي من تفسيرنا لسورة \"الليل\" وأسلوب القرآن في بيان الآيات وضرب الأمثال للناس، يجعلنا لا نطمئن إلى أن ىية العصر ذكرت هذا اللفظ، وأرادت به كل هذه التأويلات الفلسفية والإشارية.....\rوأولى من هذا كله أن نقف عند لفظ \"العصر\" لترى وجه العدول فيه عن لفظ \"الدهر\" الذي قال المفسرون في حكمته وعظمته ما قالوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187457,"book_id":1238,"shamela_page_id":267,"part":"2","page_num":80,"sequence_num":267,"body":"والفاصلة بكلا اللفظين، العصر والدهر، مرعية، عند من يتعلقون بهذه الصنعة البديعية ويقفون عند الملحظ الشكلي.\rوقد قال الرازي في وجه إيثار العصر بذكر: \"ولعله تعالى لم يذكر الدهر لعلمه أن الملحد مولع بذكره وتعظيمه\".\rعلى حين يذهب النيسابورى إلى أن وجه الإقسام بالعصر هنا \"لشرف الدهر\" ويروى الحديث: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\".\r* * *\rونخلص من هذا كله لنتدبر آية العصر بعيداً عن فلسفة المتكلمين وتأويلات الإشارببن، فنرى في استقراء مواضع استعمال القرآن لمادة \"عصر\" ما يهدي إلى ملحظ إطلاق العربية العصر على الدهر، بما يعتصر من خلاصة الإنسان بالضغط والإبتلاء.\rوبهذا الملحظ المألوف لدى العرب في عصر المبعث، والعربية لغتهم، تأتي كلمة العصر في سياقها من السورة، لافتة إلى إبتلاء الإنسان بالعصر الذي يصهره بالمعاناة ويعصره بالتجربة والإبتلاء.\rوالواو هنا في موضعها الذي تطرد به الظاهرة الأسلوبية في اللفت إلى حسى مدرك، توطئة إيضاحية لبيان معنوي غير محسوس ولا مدرك، وهو ما شرحناه بمزيد تفصيل في تفسير سور (الضحى، والعاديات، والنازعات) في الجزء الأول من هذا النفسير، ونغرض له مرة أخرى فيما يلي من تفسير سورتى (الليل، والفجر) .\rوبهذا اللفت الموجه إلى ضغطة العصر إبتلاءً، تأتي الآية بعده:\r﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ .\rوللمفسرين في الإنسان قولان: إنه لعموم الجنس، أو: إن (ال) للعهد مراداً بالإنسان جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، ف راوية عن ابن عباس. وقيل نزلت في أبي لهب، وفي خبر مرفوع أنها نزلت في أبي جهل.....\r\"وذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمداً لفي خسر، فأقسم تعالى بالضد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187458,"book_id":1238,"shamela_page_id":268,"part":"2","page_num":81,"sequence_num":268,"body":"مما يتوهمون\".\rولا نقف عندما اختلفوا فيه، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية. والسياق على ظاهره لا يخص الإنسان بفلان أو بآخر. والتعميم فيه مستفاد صراحة من الإطلاق ثم استثناء ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا الاستثناء ينقطع إذا ما كان الإنسان خاصاً بالمعهودين الذين ذكروهم، وليس فيهم من يخرج بالإستثناء مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات.\r\"وإنما استثنى الذين آمنوا من الإنسان، لأن الإنسان بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد\" كما قال الإمام الطبري \"وللجنس بعامة\" كما قال الزمخشر، أو \"اسم جنس يعم\" كما ذهب أبو حيان، ويوشك أن يكون هذا هو ما اطمأن إليه ابن القيم في (التبيان) .\r* * *\rوبقى أن نتدبر موضع الإنسان هنا، لنلمح سر الدلالة لهذا اللفظ، لا يقوم مقامه هنا لفظ آخر كالناس أو الإنس، على القول بترادفها.\rفاستقراء هذه الألفاظ في كل مواضع استعمالها القرآني. يشهد بأن لكل منها ملحظاً خاصاً في الدلالة، إلى جانب الملحظ الدلالي المشترك فيها جميعاً بحكم تقارب مادتها اللغوية في الأصل:\rفالناس لعامة الجنس:\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات ١٣)\r﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد ١٧)\r﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر ٢١)\rويأتي لفظ الإنس في القرآن في ثمانية عشر موضعاً، كلها مع الجن، فشهد ذلك بأن دلالة الإنسية، بما تعني من نقيض الوحشية، هي المتعينة في الإنس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187459,"book_id":1238,"shamela_page_id":269,"part":"2","page_num":82,"sequence_num":269,"body":"أما \"الإنسان\" فإلى جانب كونه من الناس، ومن الإنس نقيض الجان (الحجر ٢٦ والرحمن ١٤) يتميز بدلالة خاصة على الإنسانية. وتتضح هذه الدلالة باستقراء آيات الإنسان في القرآن وعددها خمس وستون آية، في سياق الأهلية لاحتمال تبعات التكليف، والابتلاء بالخير والشر، والتعرض للغواية، وما بلابس ذلك من غرور وطغيان.\rوالإنسان في القرآن الكريم، لا الإنس، هو الذي أختص بالعلم، وبالبيان والجدل، كما أنه الذي يتلقى الوصية ويحمل الأمانة.\rفشهد ذلك بأن الإنسان ليس مجرد فرد من الإنس أو الناس، وإنما مناط الإنسانية فيه معنوية ترقى به من مجرد الإنسية البشرية، إلى حيث يحتمل تبعات التكليف والإدراك والرشد، وأمنه الإنسان.\rوللراغب الأصفهاني ملحظ دقيق في اشتقاق لفظ الإنسان، يربطه باجتماعيته التي تجعلخ يأنس إلى الجماعة. وهو ملحظ يقبله حس العربية في الإنس والإنسان معاً، ثم تتخصص الإنسية بدلالتها على نقيض التوحش، وتأخذ الإنسانية دلالتها على خصائص الإنسان وأهليته لاحتمال الإنسانية، على ما هدى إليه استقراء آيات الإنس والإنسان في البيان القرآني.\rوبهذه الدلالة الخاصة، يأتي لفظ \"الإنسان\" في سورة العصر، في سياق ما يحتمل من تبعات التكليف ومسئولية الإنسان الفردبة والاجتماعية.\rوالخُسر لغة نقيض الربح، استعمل مادياً في التجارة الخاسرة أو الصفقة المغبونة، ومنه جاء بمعنى النفص والجور والضعف والخيانة والغدر، ثم نقل إلى المجال الديني بمعنى الضلال عن الحق وهو أفدح الخسر.\rووردت المادة في القرآن الكريم في أربعة وستين موضعاً، منها ثلاثة في الخسر بمعناه المادي في التعامل التجاري مع الوزن والكيل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187460,"book_id":1238,"shamela_page_id":270,"part":"2","page_num":83,"sequence_num":270,"body":"﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين ٣)\r﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن ٩)\r﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء ١٨١)\rوجات المادة في الخسر المعنوى، في إخوة يوسف:\r﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (يوسف ١٤)\r﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة ٣٠)\rوالغالب لأن يأتي الخسر بالمعنى الديني، في سياق النذير بسوء العقبى وعذاب الآخرة: للكافرين، والضالين، والمنافقين، والمكذبن بآيات الله وبلقائه والمشركين، والظالمين، والمبطلين، والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، ومن يتخذ الشيطان ولياً، ومن يبتغي غير الإسلام ديناً، والذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم....\rويؤذن السياق فيها بأن الخسر يتعلق بالنفس والمال والأهل والعمل، فهو خسر الدنيا والآخرة، وأكثر ما يكون الخسر يوم القيامة حيث يدرك الضالون أنهم خسروا الدنيا والآخرة.\r﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر ٧٨)\r﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الشورى ٤٥)\r﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الزمر ١٥)\r﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة ٥)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187461,"book_id":1238,"shamela_page_id":271,"part":"2","page_num":84,"sequence_num":271,"body":"﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المجادلة ١٩)\rوأنظر معها آيات: (المؤمنون ١٠٣، والتوبة ٦٩) .\rوجاء \"الأخسرون\" أربع مرات للذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وبالآخرة هم كافرون:\r﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (هو ٢٢)\rومعها: (النمل ٥، الكهف ١٠٣، الأنبياء ٧٠، هود ٤٧)\rأما المصدر منه فجاء بصيغة خسران ثلاث مرات، موصوفاً فيها بالمبين:\r﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (النساء ١١٩)\r﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج ١١)\rومعما آية الزمر ١٥.\rوبصيغة الخسار، ثلاث مرات كذلك، في قوم نوح: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ والظالمين: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ الإسراء ٨٢. والكافرين ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ فاطر ٣٩.\rومرة واحدة بصيغة تخسير في آية هود:\r﴿يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٦٣.\rوأما صيغة خسر فجاءت مرتين: آية العصر، وآية الطلاق:\r﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ ٩.\rوالخسر فيها هلاك ما حق، عن ضلال وعتو، والعبرة فيها لأولي الألباب.\rوهذا الاستقراء يتيح لنا أن نقول إن الخسر يأتي في القرآن بالمعنى الديني في الضياع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187462,"book_id":1238,"shamela_page_id":272,"part":"2","page_num":85,"sequence_num":272,"body":"وسوء العقبى، مع ملحظ من معناه الأصلي في الصفقة الخاسرة لمن يشترون دنياهم بأخراهم فيخسرون الآخرة والأولى.\rمل لم يعين السياق غير ذلك، كما في آيات المطففين والرحمن والشعراء، مع الوزن والكيل وبخس الناس أشياءهم.\rوهذا الاحتياط هو ما فات \"الراغب\" حين قال في (المفردات) : \"وكل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير، المتعلق بالإيمان، دون الخسران المتعلق بالقنيات الجنيوية والتجارات\".\r* * *\rونفهم الخسر في آية العصر، بما يؤنس إليه سياق النكوص عن تبعات التكليف والتفريط في مسئولية الإنسان.\rفلا نستريح إلى تأويل الزمخشري بأن المعنى \"أن الناس في خسران من تجارتهم، إلا الصا��حين وحدهم لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوت، ومن عداهم تحروا خلاف تجارتهم فوقعوا في الخسارة، والشقاوة\".\rكما لا نتعلق بما ساقه \"الفخر الرازي\" من احتمال \"أن الإنسان لا ينفك عن خسر\" لأن الخسر تضييع رأس المال، ورأس ماله عمره: إن أنفقه في المعصية فلا شك في الخسران، وإن أنفقه في المباحات فالخسران أيضاً حاصل لأنه كان متمكناً أن يعمل فيه عملاً يبقى أثره دائماً، وإن أنفقه في الطاعات فلا طاعة إلا يمكن الإتيان بها على وجه أحسن لأن مراتب الخشوع غير متناهية، كما أن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية\".\rوصريح النص في الآية بعد الخسر، يؤذن بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وبالصبر، ليسوا في خسر أبداً.\rوحرف \"في\" يأخذ موضعه في هذا البيان المعجز، بما يفيد من معنى الظرفية، في الغمر والإحاطة والإغراق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187463,"book_id":1238,"shamela_page_id":273,"part":"2","page_num":86,"sequence_num":273,"body":"وليس تنكير \"خسر\" من المبالغات كما ذهب النيسابورى.\rوإنما التنكير، فيما يفهم من السياق، على أصله البياني من الإطلاق غي المحدود بقيد أو عهد. وقد يحتمل كذلك معنى التهويل، على ما قال الرازي. ووجهه عنده، أنه \"خسر عظيم لا يدرك كنهه إلا الله\".\r* * *\r﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾\rالإيمان نقيض الكفر، وفي دلالته اللغوية الأصلية حس الأمن والأمانة. والصلاح ضد الفساد، وتستعمل الصالحات في المجال الديني، نقيضاً للسيئات. وواضح هنا أن على الإنسان مسئوليته فرداً بالإيمان وعمل الصالحات، ومسئوليته عن الجماعة بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.\rويقترن العمل الصالح بالإيمان في القرآن الكريم نحو خمس وسبعين مرة، مع الوعد والبشرى بأن من يعمل صالحاً وهو مؤمن، فلا يخاف ظلماً ولا هضماً، ولا كفران لسعيه، له جزاء الحسنى، وحياة طيبة.\rوالذين يؤمنون بالله ويعملون الصالحات، وقليل ما هم، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم الدرجات العلى، ولهم أجرهم عند ربهم، أجر كريم، عظيم كبير، غير منون. ولهم مغفرة ورزق كريم، وليستخلفنهم الله في الأرض، ويزيدهم من فضله، وسبجعل لهم الرحمن وداً، وهو خير البرية، وأصحاب الجنة، طوبى لهم وحسن مآب.\rويأتي العمل الصالح مسنداً إلى رسل الله، كما يأتي الصالحون مع النبيين والشهداء في آيات (النساء ٦٩، الأنبياء ٧٢، ٨٦) وفي دعاء يوسف (١٠١) وإبراهيم (الشعراء ٨٣) وسليمان (النمل ١٩) .\rوعطف النهي عن الشرك على العمل الصالح في آية الكهف ١١٠:\r﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .\rكما جاء مقابلاً للكفر في آية الروم ٤٤:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187464,"book_id":1238,"shamela_page_id":274,"part":"2","page_num":87,"sequence_num":274,"body":"﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ .\rوفي هذا الاستقراء إيذان صريح بأن عمل الصالحات قرين الإيمان، ومنه نقول في آية العصر إن الإيمان ينبغي أن يقترن بعمل الصالحات، لكي ينجو الإنسان من الخسر.\rلكن من المفسرين من لم يأخذوها بمثل هذه البساطة واليسر، بل أثاروا فيها عدداً من المسائل. منها جدل للمتكلمين لا يعنينا هنا في تفسيرنا البياني، كالذي ثار بين المعتزلة والأشعرية من خلاف حول تسمية الأعمال بالصالحات: هل لكونها في ��فسها مشتملة على وجوه الصلاح؟ أو لأن الله سبحانه أمر بها؟\rومنها ما يتصل بموضوعنا في أسرار التعبير، كالوقوف عند عطف عمل الصالحاتعلى الإيمان، احتج به من ثال بأن العمل غي داخل في مسمى الإيمان بالله: \"إذ لو كان ذاخلاً فيه لكان تكريراً ولا يمكن أن يقال إن هذا التكرير واقع في القرآن، ولا يحتج له بمثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ.....﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ لأن هذا حسن فيه إعادة ما هو أشرف أنواع الكلى، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الإيمان، فبطل هذا التأويل\".\rورد عليهم بما في سورة العصر نفسها من عطف التواصي بالحق وبالصبر على عمل الصالحات، فكان جوابهم: \"لا نمنع التكرير لأجل التأكيد. ولكن الأصل عدمه\".\rونتدبر القرآن الكريم فيهدينا استقراء آياته المحكمات - على ما قدمنا - إلى أنه كثيراً ما يعطف العمل الصالح على الإيمان، فلا يكون هذا تكريراً للتأكيد، بقدر ما هو إيذان بأن الإيمان بفترن بالعمل الصالح.\rفعمل الصالحات في ىية العصر، إذا عده بعضهم داخلاً في الإيمان - وآية الروم تؤنس إليه - فليس العطف تكريراً لمجرد التأكيد، وهو مألوف في العربية، وإنما يكون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187465,"book_id":1238,"shamela_page_id":275,"part":"2","page_num":88,"sequence_num":275,"body":"فيه تنبيه إلى قيمة عمل الصالحات وموضعها من الإيمان، فكأنه من التخصيص بعد التعميم.\rوليس لقائل أن يقول في البيان المعجز: \"لانمنع التكرير للتأكيد ولكن الأصل عدمه\" ... إذ أن هذا القرآن هو الأصل والحجة!\r* * *\rوبالإيمان وعمل الصالحات تتعين مسئولية الإنسان فرداً، مع مسئوليته عن الجماعة:\r﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .\rالحق هنا نقيض الباطل.\rوالعربية قد استعملته حسياً في الطعنة لا زيغ فيها. والمحقق من الثياب المحكم النسيج، والحق من الإبل الذي اشتد وأستحق أن يركب.\rوبملحظ من صدق النفاذ، أطلق على العدل والحزم والصدق والأمر المقضى والموت.\rوالحق، واحد الحقوق. وتحقق الخبر صح وصدق. ومن ثم شاع استعماله في نقيض الباطل. ونقل بهذا الملحظ إلى المحال الديني اسماً من أسماء الله الحسنى، وكثر استعماله بمعنى الوحي ورسالات الدين.\rوفي القرآن الكريم وردت المادة بصيغة الفعل الثلاثي تسع عشرة مرة، فيما حف من قول الله وعذابه ووعيده على الكافرين، ومرتين على البناء للمجهول في آيتى الانشقاق:\r﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ .\rوجاء المضارع من الرباعي أربع مرات، كلها مسندة إلى الله تعالى:\r﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾\r(الأنفال ٨، ومعها: الأنفال ٧، ويونس ٢٤، والشورى ٢٤)\rوجاء فعل الاستحقاق مرتين في آية الدين (المائدة ١٠٧) ولا يخلوسياقها من ملحظ الحرمة الدينية في أداء الشهادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187466,"book_id":1238,"shamela_page_id":276,"part":"2","page_num":89,"sequence_num":276,"body":"أما صيغة الحق فجاءت نحو مائتين وسبع وعشرين مرة، كلها في المعنى الديني، إما مقابلة للباطل، أو اسماً من أسماء الله الحسنى، أو للوحي والدين. ويوصف بالحق وعد الله، وقوله، وكلماته.\rولا يخرج عن هذا السياق الديني، ما فرض الله على ذوي المال من حق معلوم لمن يستحقونه، وما شرع من حقوق في الميراث والزواج والطلاق، بما لهذه الحقوق من حرمة دينية تجعلها من حدود الله.\rوسمى يوم القيامة: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ .\rوذلك كله مما يضفى على كلمة \"الحق\" مهابة وجلالاً، ويؤكد حرمتها في التواصي بالحق.\rوالتواصي: أن يوصى بعضهم بعضاً.\rوالأصل اللغوي للمادة يعطي معنى قوة الإرتباط والإتصال: فالوصاة والوصية جريدة النخل يحزم بها. ووصت الأرض أتصل نباتها. ومن جاءت الوصية فيما يعهد به الموصى ليصل إلى من ينبغي أن يتلقاه: أوصاه ووصاه، عهد إليه. وتواصى القوم بأمر أوصى به أولهم آخرهم. والوصية ما يتركه الآباء وذوي القربى....\rوفي القرآن الكريم جاء الفعل وصى وأوصى، اثنتى عشرة مرة، فيما أوصى به سبحانه رسله وعباده. وغلب مجئ الوصية بمعناها المعروف فيما يوصي به الراحلون عن الدنيا، مع حرمة دينية يسبغها القرآن على الوصية بالحق في حدود ما أمر به الله.\rأما التواضي فجاء في القرآن خمس مرات، كلما بصيغة الفعل الماضي. وإحداها في سياق الاستفهام الإنكاري لموقف أمم خلت من رسل الله إليهم، وكأنهم تواصوا بالتكذيب:\r﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الذاريات ٥٣)\rوالأربع الباقيات في مسئولية الإنسان عن الجماعة، بآية العصر:\r﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .\rوآية البلد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187467,"book_id":1238,"shamela_page_id":277,"part":"2","page_num":90,"sequence_num":277,"body":"﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ .\rوالسورتان مكيتان، ففيهما تقرير لما هو من أصول الدعوة الإسلامية.\r* * *\rوالصبر في العربية نقيض الجزع.\rومن استعماله في الحسيات: عصارة شجر مر، واللبن إذا اشتدت حموضته إلى المرارة، والحجارة الغليطة المجتمعة.\rوبملحظ من الشجة والمرارة، قيل للحرب الشديدة وللداهية: أم صبور. والصبارة شدة البرد.\rوالبر الحبس، والقتل صبراًُ أن يحبس المرء ويرمى حتى يموت.\rثم كثر استعماله في الصبر على الشدائد والمكاره. والصبور الحليم الذي لا يعاجل العصاه بالنقمة، بل يضبط أمره فيعفو أو يمهل.\rولم يذكر القرآن الكريم في آيتى العصر والبلد متعلق الصبر الذي يتواصى به المؤمنون، وقد فسره الإمام الطبري بالصبر على العمل بطاعة الله. وقال الومخشري في الكشاف: هو الصبر عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به الله عباده. وقريب منه ما جاء في البحر المحيط لأبي حيان. وفصله الفخر الرازي فقال فيما قال:\r\"إن التواصي بالصبر يدخل فيه حمل النفس على مشقة التكليف في القيام بما يجب وفي اجتناب ما يحرم. إذ الإقدام على المكروه والإحجام عن المراد كلاهما شاق شديد.... ودلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي بالصبر\".\rوكلها اقوال متقاربة مقبولة، ولا يكاد يخرج عنها ما في تفسير الشيخ محمد عبده لسورة العصر.\r* * *\rونستقرئ آيات الصبر في القرآن، فنجد الأمر الإلهي للمصطفى بالصبر، في نحو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187468,"book_id":1238,"shamela_page_id":278,"part":"2","page_num":91,"sequence_num":278,"body":"عشرين موضعاً. ويتعلق فيها بما يحتمل ﷺ، من أعباء تبليغ رسالته، ما يلقى من تكذيب وأذى بالقول أو بالفعل.\rوأمر الله المؤمنين بأن يستعينوا بالله، وبالصبر والصلاة، في آيات:\r(البقرة ٤٥، ١٥٣، والأعراف ١٢٨) كما أمرهم بالصبر في الجها والثبات عند لقاء العدو:\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . (آل عمران ٢٠٠)\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال ٤٦)\rووصف أنبياء بالصبر في آيتى (الأنبياء ٨٥، ص ٤٤) ، وجاء الصبر مسنداً إلى أولي العزم من الرسل (الأحقاف ٣٥) ورسل من قبلك (الأنعام ٣٤) وأئمة يهدون بأمر الله (السجدة ٢٤) والمؤمنين والفائزين بنعيم الآخرة:\r﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد ٢٤)\r﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت ٣٥)\rوآيات الصبر في القرآن الكريم لا تتجه إلى غير هذه الصفوة من الرسل والمؤمنين، إلا أن تجئ نذيراً للخاسرين كالذي في آيات:\r﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (إبراهيم ٢١)\r﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الطور ١٦)\r﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ! (البقرة ١٧)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187469,"book_id":1238,"shamela_page_id":279,"part":"2","page_num":92,"sequence_num":279,"body":"وقريب منها صبر المشركين على آلهتهم، وعلى ضلالهم وكفرهم، في مثل آيات: (فصلت ٢٤، الفرقان ٤٢، ص ٦) .\rومما يتعلق به صبر المؤمنين:\rالابتلاء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة ١٥٥)\rوالمصائب: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ (الحج ٣٥)\rو ﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البقرة ١٧٧)\rوفي الجهاد ولقاء العدو، وهو من أكثر مما يتعلق به صبر المؤمنين:\r﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ .\r﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾\r﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ وهو سبحانه: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .\r* * *\rوالسكوت عن ذكر متعلق الصبر الذي يتواصى به الذين آمنوا وعملوا الصالحات، في ىية العصر - وآية البلد - يعطيه دلالة الإطلاق والتعميم في حدود ما ورد في القرآن الكريم مما يصبر عليه المؤمنين من تكاليف الإيمان، والإبتلاء، وفي السراء والضراء وحين البأس، وفي الجهاد ولقاء العدو.\rوتلك هي مسئولية الإنسان الإجتماعية، تلزمه ديناً أداء حق الجماعة من التواصي بالحق والتواصي بالصبر.\r* * *\rوموقف القرآن من هذه التبعية، يقطع برفض السلبية التي يتصور فيها الإنسان أنه يكفي لنجاته من الخسر، أن يؤمن بخالقه ويعمل صالحاً، دون أن يقضي حق الجماعة.\rوبعيداً عن جدل علماء الكلام، نقول إن الإيمان وعمل الصالحات يجدى على الجماعة بصلاح أفرادها، وتحرجهم من اقتراف ما يسئ إلى أخوانهم وأمتهم. ولكن الإنسان مظنه أن يتوهم أن الإيمان يكفي فيه النطق بالشهادتين وأداء العبادات واجتناب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187470,"book_id":1238,"shamela_page_id":280,"part":"2","page_num":93,"sequence_num":280,"body":"الكبائر، ومن هنا كانت عناية القرآن الكريم بتقرير المسئولية الاجتماعية، أصلاً من أصول الدين.\rفبمثل هذا التقرير الحاسم في سورتى العصر والبلد، تتقرر مسئولية الإنسان الاجتماعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في آيات أخرى محكمات:\r﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران ١٠٤)\r﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .... (آل عمران ١١٠)\r﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران ١١٤)\r﴿......... الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة ١١٢)\rومعها آيات (الأعراف ١٥٧، التوبة ٧١، والحج ٤١، ولقمان ١٧) .\rوكماى جعلنا القرآن الكريم مناط خيرية أمتنا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعن الذين تخلوا عن هذه التبعة الكبرى من كفار بني إسرائيل:\r﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة ٧٩)\rكما لعن الله المنافقين والمنافقات:\r﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة ٦٧)\rوهيهات لشريعة وضعية أن ترقى بالإنسان إلى مثل هذا المستوى من احتمال مسئوليته الاجتماعية التي يجعلها الإسلام مناط الخير والإيمان. وعلصماً من الخسر والهلاك:\r﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187471,"book_id":1238,"shamela_page_id":281,"part":"2","page_num":95,"sequence_num":281,"body":"سورة الليل\r﷽\r﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَ��ْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) ﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187472,"book_id":1238,"shamela_page_id":282,"part":"2","page_num":97,"sequence_num":282,"body":"السورة مكية مبكرة، والمشهورفي ترتيب نزولها أنها تاسعة السور، نزلت بعد سورة الأعلى، ثم نزلت بعدها على الترتيب سورتا الفجر والضحى.\rوقد ربطها بعضهم بسورة الشمس التي قبلها في ترتيب المصحف، قالوا: \"ولما ذكر فيما قبلها، أي الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح وما تحصل به الخيبة، ثم حذر النار وذكر من يصلاها ومن يتجنبها\".\rوهذا الربط قديلفت إلى ملحظ في ترتيب السورة في المصحف ووضعها بعد الشمس. وأما من حيث النزول فإن سورة الشمس نزلت بعد الليل لا قلبها، فهي السورة السادسة والعشرون على المشهور في ترتيب النزول، فبينها وبين سورة الليل قبلها، ست عشرة سورة.\rوقيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق وإنفاقه ماله على المسلمين، وأمية بن خلف وبخله وكفره. وفي قول آخر إنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري، ورووا قصة النخلة التي عرض الرسول ﷺ، على أحد المنافقين، أو اليهود، أن يبيعها بنخلة في الجنة فأبى، واشتراها أبو الدحداح.\rوالعبرة على كل حال بعموم اللفظ، والسياق صريح التوجيه إلى عامة الناس ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .\rوتقارب سور (الليل والفجر والضحى) في النزول، يجلو الظاهرة الأسلوبية التي يعمد فيها البيان القرآني إلى جلاء المعنويات بماديات من النور والظلمة في مختلف درجاتهما على مدى اليوم الواحد، من غشية الليل وتجلي النهار، وإشراق الضحى وسجو الليل، وتألق الفجر ومسرى الليل وتنفس الصبح.\rويتتابع الوحي من بعد ذلك فيؤصل هذه الظاهرة البيانية فيما يجلو من معوويات الهدى والضلال، بحسبات النور والظلمات.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187473,"book_id":1238,"shamela_page_id":283,"part":"2","page_num":98,"sequence_num":283,"body":"﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .\rالغشية في اللغة الغطلء، والغاشية الغشاء الذي يغلف القلب. واستغشى ثوبه وبثوبه، تغطى به لكي لا يرى ولا يسمع، ومن غشية النعاس المعطلة للحس والإدراك، جاءت غشية الإغماء فقيل الإغماء أغشى عليه إذا فقد وعيه وحسه كأنما عليهما غطاء. وكذلك يقال للغافل: على بصره أو على سمعه غشاوة، أي غطاء يحجب الرؤية ويعمي البصيرة ويعطل السمع والإدراك.\rوالغواشي الأهوال، أو الظلمات تلقى لفاعها الأسود. ومنه جاءت الغاشية اسماً للقيامة أو للنار تغشى المعذبين.\rوفي الاستعمال القرآني، جاءت الغاشية على معناها في استغشاء الثياب حاجزاً دون السمع والبصر، كناية عن الصد، في آية نوح ٧:\r﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ . ومعها آية هود ٥.\rوفي النور الدافق والجلال الغامر بآية النجم: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ .\rوجاءت الغشية في النعاس في آيتى.\r(آل عمران ١٥٤، والأنفال ١١)\rوفي الإغماء بآيتى (الأحزاب ١٩، ومحمد ٢٠)\rوفي الغشاوة على القلب والسمع والبصر بآيتى\r(البقرة ٧، والجاثية ٢٣)\rوكثر مجئ الغشية في الحديث عن يوم القيامة:\r﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ؟\r﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾\rوفي الوعيد بعذاب الآخرة في آيات:\r﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (العنكبوت ٥٥)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187474,"book_id":1238,"shamela_page_id":284,"part":"2","page_num":99,"sequence_num":284,"body":"﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (إبراهيم ٥٠)\r﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف ٤١)\rكما جاءت في غشية الموج، وغشية الظلمات وتراكمها في آيات:\r﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾\r(النور ٤٠)\r﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (يونس ٢٧)\rوآيات (لقمان ٣٢، طه ٧٨، الرعد ٣، الأعراف ٥٤، الشمس ٤)\rوآية الليل، والغشية فيها غطاء من ظلمات داجية.\r* * *\rوالتجلي لغة الظهور والإنكشاف. ومن الاستعمال الحسي للمادة: الجلا انحسار مقدم الشعر، والجلاء الكحل يجلو البصر، وجلوة العروس عرضها مجلوة في زينتها.\rوجلا السيف والمرآة صقلهما وأزال ما قد يكون غطاهما من صدأ وغبار.\rومن دلالة الانحسار جاء الجلاء عن مكان، وجلا الهم عنه أذهبه.\rومن ملحظ الكشف: جلا الأمر أوضحه وبينه فانجلى وتجلى، والجلى الأمر البين، والتجلي الإشراق والتألق.\rوفي الاستعمال القرآني: جاءت المادة في خمية مواضع، إحداها آية الحشر في الجلاء عن الأرض: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ ٣.\rوالمرات الأربع الباقية في تجلي النور الإلهي بآية الأعراف ١٤٣:\r﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾\rوأمر الساعة، بآية الأعراف ١٨٧:\r﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾\rوفي إشراق النهار، آيتى الشمس: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187475,"book_id":1238,"shamela_page_id":285,"part":"2","page_num":100,"sequence_num":285,"body":"والليل: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .\rوالآية لم تذكر مفعول ﴿يَغْشَى﴾ وقد تأولوه إما على تقدير: يغشى النهار كله، كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ .\rأو يغشى الشمس، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾\r\rوقيل الأرض وجميع ما فيها. يغشاها الليل بظلامه.\rومثله وقوف من وقف عند ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ليتأول سبب التجلي \"إما بزوال ظلمة الليل، وإما بنور الشمس\".\rونرى أن القرآن الكريم في إمساكه عن ذكر متعلق ليغشى أو تحلى، يصرفنا عن تأويل محذوف أو مقدر، لنلتفت إلى أن الغشية والتجلي، من الليل والنهار، هما المقصودان بالتنبيه والالتفات، بما أعنى عن ذكر مفعول أو متعلق ...\r* * *\rوسورة الليل مبدوءة بواو القسم، وهو عند المفسرين للإعظام، على أصل استعماله في اللغة. والذي أطمئن إليه، هو أن البيان قد يعدل عن هذا الأصل لملحظ بلاغي في التعبير، كمثل عدوله في الاستفهام والأمر والنهي عن أصل استعمالها الأول، إلى تقرير أو إنكار، أو زجر ووعيد، أو سخرية وتوبيخ، أو تعجيز وإفحام ... على ما هو مألوف ومقرر في علم البيان.\rلكن المفسرين لم يلتفتوا إلى احتمال أن يكون القسم بالواو هنا، وفي نظائرها من الآيات المستهلة بالواو، قد جاء على غير استعماله اللغوي الأول، لملحظ بياني، وإنما هو عندهم جميعاً على أصله من الإعظام والتعظيم، ومن ثم شغلوا بتأول وجه العظمة في الليل والنهار.\rنقل الطبري عن قتادة: \"أن الله أقسم بهما لعظم شأنهما، فهما آيتان عظيمتان يكورهما الله على الخلائق\".\rوقال \"أبو حيان\" في البحر المحيط: \"أقسم بالليل الذي فيه كل حيوان يأوى إلى مأواه، وبالنهار الذي تنتشر فيه\".\rوالتفت \"ابن القيم\" إلى اختلاف أحوال الليل والنهار في أقسام القرآن، وتأويله بأن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187476,"book_id":1238,"shamela_page_id":286,"part":"2","page_num":101,"sequence_num":286,"body":"الله سبحانه يقسم باللسل في جميع أحواله، إذ هو من آياته الدالة عليه.\rوزاده الفخر الرازي تفصيلاً فقال: \"أعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوى فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكامنها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان نهاراً كله لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما\".\rولا يكاد يخرج عنه ما ذكره الشيخ محمد عبده في سورتى الليل والضحى، من (تفسير جزء عم) .\rوهذا الكلام في المصلحة من تعاقب الليل والنهار، هو من قبيل الحكمة التي تتحقق في كل ما خلقه الله، وما من شيء خلق عبثاً. والقرآن حين يقصد إلى أن يلفت إلى آيتى الليل والنهار، فإنه يجلو وجه هذه الحكمة بمثل آيات:\r﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ؟ (القصص ٧١، ٧٢)\r﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (الروم ٢٣)\r﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (الفرقات ٤٧)\r﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (الإسراء ١٢)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187477,"book_id":1238,"shamela_page_id":287,"part":"2","page_num":102,"sequence_num":287,"body":"﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس ٦)\rوأنظر معها آيات: (الأنعام ٩٦، يونس ٦٧، النمل ٨٦، آل عمران ١٩٠، الجاثية ٥) .\rوليس على هذا النحو من بيان الحكمة، تأتي آيات القسم بالواو بالليل وبالنهار التي عنى المفسرون بتأويل ما في خلقهما من حكمة وما في تعاقبهما من مصلحة.\rغير ملتفتين إلى أن هذا التأويل حين يصدق على الليل مطلق الليل والنهار مطلق النهار، فإن الليل والنهار في سورة الليل مقيدان بالغشية والتجلي. وفي آيات أخرى يأتي القسم، بالواو، بالليل إذا سجى، وإذا عسعس، وإذا يسر، وإذا وقب، وإذا أدبر. وبالفجر، والصبح إذا أسفر، وإذا تنفس، والضحى.\rولابد أن يكون لكل قيد منها ملحظ في الدلالة يختص به.\rوإذا لم يتعلق البيان في آيتى (الليل) بغير غشية الليل وتجلي النهار، نلمح السر البياني فيما تلفت إليه الواو من تقابل واضح محسوس ومدرك، بين غشية الليل بظلماته، وتجلي النهار بضيائه.\rومثله في الوضوح، التفاوت بين خلقه الذكر والأنثى:\r﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ .\rتأولها المفسرون على احتمال أن تكون (ما) بمعنى من، فيكون القسم بمن خلق الذكر والأنثى، أو أن يكون ﴿مَا خَلَقَ﴾ في موضع المصدر، أو على توهم المصدر، فيكون المعنى: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، ونظروا له بقول الشاعر:\rتطوف العفاة بأبوابه كما طاف بالبيعة الراهب\rبجر الراهب على توهم النطق بالمصدر، أي كطواف الراهب بالبيعة.\rوالجر هنا أقرب عندي إلى أن يحمل على المجاورة.\rولا يبدو لي وجه لهذا التنظير، وفي الآية \"ما\" وليست في الشاهد من قول الشاعر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187478,"book_id":1238,"shamela_page_id":288,"part":"2","page_num":103,"sequence_num":288,"body":"ثم اختلفوا في المقصود بالذكر والأنثى:\rففي تفسير الرازي والبحر المحيط، أنهما آدم وحواء، أو هما كل ذكر وأنثى من بني آدم، أو من كل حيوان على اختلاف أنواعه، ذكره وأنثاه.\rوالتفت ابن القيم إلى التقابل بين المقسم به في آيتى (الليل) واتجه به إلى بيان وجه الإعظام، قال:\r\"قابل بين الذكر والأنثى، كما قابل بين الليل والنهار. وكل ذلك من آيات ربوبيته، فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرتم العلوية، كإخراج الذكر والأنثى في الأجرام السفلية\".\rعلى أنه عاد فربط بين هذه المتقابلات على وجه آخر، هو أنه سبحانه \"أقسم بزمان السعي وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى، على اختلاف السعي وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى، على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى، وسعيه وزمانه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه\".\rوهذا على قربه، لا يبدو متصلاً بما ذره آنفاً من أجرام علوية وسفلية.\r* * *\rونركز اهتمامنا على تدبر ما يسيطر على السورة كلها من ملحظ التقابل والتفاوت، يبدأ باللفت إلى ما هو حسي مدرك في تفاوت ما بيت غشية الليل وتجلي النهار، وخلقه الذكر والأنثى، توطئة إيضاحية لبيان تفاوت مماثل في سعي الناس: بين من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى، ثم تفاوت الثواب والعقاب في الأخرى: بين الأشقى يصلى ناراً تلظى، والأتقى الذي يجنبها بما ابتغى وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى.\rفعلى نحو ما يتفاوت الليل إذا يغشى بظلماته، والنهار إذا تجلى بضيائه يتفاوت سعي الناس في الدنيا بين ذلال وهدى:\r﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .\rوالسعي في اللغة المشى، لحظ فيه أن الساعي يبتغي عملاً أو يتجه إلى مقصد يدأب فيه، فكان السعي بمعنى العمل مع القصد والدأب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187479,"book_id":1238,"shamela_page_id":289,"part":"2","page_num":104,"sequence_num":289,"body":"وفي الاستعمال القرآني للمادة، نجد الدلالة الأولى للسعي بمعنى المشي والحركة، على الحقيقة أو التخييل والمجاز، في آيتى (طه) عن عصا موسى ألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ وحبال السحرة وعصيهم ألقوها ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وفي آيتى التحريم والحديد، في نور المؤمنين ﴿يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يوم القيامة.\rكما نجد دلالة السعي على العمل مع الدأب في آيات:\r﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ (الأنبياء ٩٤)\r﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (الإسراء ١٩)\r﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف ١٠٤)\rودلالة القصد أوضح في آيات:\r﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (البقرة ١١٤)\r﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة ٣٣، ٦٤)\rوواضح أن السعي في آية الليل، هو من العمل الكسبي مع القصد والدأب، ومثله السعي في آيات (الإنسان ٢٢، النجم ٤٠، الغاشية ٩) .\rوأصل الشت في اللغة التفرق والاختلاف، مادياً ومعنوياً، وقد سبق استقراء آياته في القرآن، في تفسير آية الزلزلة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ فهدى إلى أن اشتاتا تأتي بدلالة التفرق المقابل للتجمع. أما شتى، فمن الاختلاف والتباين.\r* * *\rولا نحتاج إلى تأول مقصد القرآن الكريم بتباين سعيكم، فقد تولت الآيات بعده بيانه:\r﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187480,"book_id":1238,"shamela_page_id":290,"part":"2","page_num":105,"sequence_num":290,"body":"وهذا هو تفاوت السعي، يأتي بعد أن مهد له اللفت إلى التفاوت المدكوك بالحس، بين غشية الليل وتجلي النهار، بين خلقة الذكر وخلقة الأنثى.\rوالحسن في اللغة الجمال، ويغلب استعماله في الماديات نقيضاً وفي المعنويات مقابلاً للسوء. والحنى ضد اليوأى، صيغتا تفضيل للدلالة على غاية الحسن الذي لا حسن بعده، والسوء الذي لا يماثله سوء.\rوفرق الراغب فب (المفردات) بين الحسن والحسنة والحسنى، فقال إن الحسن يستعمل ي الأعيان وفي الأحداث، وكذلك الحسنة إذا كانت وصفاً، أما إذا كانت اسماً ففي الأحداث. والحسنى لا تستعمل إلا في الأحداث.\rوأكثر ما جاء في القرآن من الحسن، فللمستحسن من جهة العقل والبصيرة والشرع، لا من جهة الحسن.\rوقد تأول المفسرون الحسنى بحسن العاقبة، وبالإيمان بوحدانية الله وبما يخلفه الله تعالى على المنفق.\rوهي وجوه متقاربة، وربما كان حسن العاقبة يؤديها جميعاً، إذ فيه معنى الإيمان بالله، والتصديق بالخلف.\rولم تحدد الآيات ماذا أعطى التقى، ومن اتقى، وبم بخل البخيل، وعم وعمن استغنى؟\rونذهب مع أبي حيان في فهم حذف مفعولي أعطى \"بأن المقصود الثناء على المعطى دون تعرض للمعطى والعطية، وظاهرة بذل المال في واجب ومندوب ومكرمة\".\rفالإعطاء في الآية، مقابل بالبخل، وكل بخل في القرآن يتعلق بالمال وبما آتى الله من فضل، باستقراء مواضع وروده في المصحف وعددها أحد عشر موضعاً، ستة منها متلوة بغنى الله، والله الغني وأنتم الفقراء، ولله ميراث السموات والأرض، فإن الله هو الغني الحميد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187481,"book_id":1238,"shamela_page_id":291,"part":"2","page_num":106,"sequence_num":291,"body":"وإنه لكذلك، الإعطاء للمال والبخل به، في آيتى الليل:\r﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾\r﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾\rبشاهد من النص بعدهما:\rفيمن بخل: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .\rوفيمن أعطى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .\rوإعطاء المال أو البخل به، إنما يكونان فيما يجب أن ينفق فيه المال من وجوه الخير، وأداء حق الله فيه إلى من يستحقونه، زكاة وصدقة وبراً، على ما هو بين من تدبر الاستعمال القرآني للمال والأموال.\r* * *\rوللمفسرين في مفعول ﴿اتَّقَى﴾ ثلاثة أقوال:\rففي قول عن ابن عباس أنه: \"اتقى البخل\".\rويرد عليه أن لفظ ﴿أَعْطَى﴾ قبله يفيد هذا المعنى، كما أن السياق بعده، يأتي بالبخل وبالتكذيب في مقابل الإعطاء والإتقاء، مما يبعد أن يكون اتقى بمعنى اتقى البخل.\rوالقولان الآخران هما: اتقى الله، أو اتقى الحساب والعذاب.\rوالوجهان متقاربان، فمن اتقى الله عذابه في الآخرة، ولا يتقى الحساب والعذاب إلا من اتقى الله.\rوالوقاية في الأصل الحفظ مما يضر ويؤذى، ومنه في القرآن آية (النحل ٨١) وجاءت التقوى في تجنب الإثم والمعصية، ابتغاء مرضاة الله ووقاية من غضبه وعذابه. ويهدى تدبر استعمال القرآن للاتقاء، أنه يذكر المفعول دائماً مع فعل الأمر. وقد جاء ثلاث مرات خطاباً للواحد والمتقي هو الله، وخطاباً للجمع (اتقوا) نحو سبعين مرة: خمس منها في اتقاء النار، وعذاب الآخرة، ويوم ترجعون فيه إلى الله، لا تجزى نفس عن نفس شيئاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187482,"book_id":1238,"shamela_page_id":292,"part":"2","page_num":107,"sequence_num":292,"body":"ومرتان في اتقاء فتنة، واتقاء ما بين ايديكم.\rوالمتقى في بقية الآيات، هو الله سبحانه.\rوأما الفعل الماضي والمضارع، فقد يمسك فيهما عن ذكر المفعول به، وحين يصرح به فالمتقى هو الله ﷾.\rوهذا الاستقراء يؤذن بأن الاتقاء في القرآن يغلب أن يكون اتقاء الله واتقاء حسابه وعقابه.\rومن المهم أن نشير إلى أن التقوى، كاخشوع، من أفعال القلوب. بمعنى أنها لا تكون إلا في القلب ومن القلب، فالعبرة بتقوى القلوب، وهو ما يبدو بوضوح في مثل آيات:\r﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج ٣٢)\r﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج ٣٧)\r﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الحجرات ٣)\r﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَي��هِ تُحْشَرُونَ﴾ (المجادلة ٩)\rوجاءت التقوى نقيضاً للفجور في:\r﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس ٨)\r﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص ٢٨)\r* * *\rوالصدق في الأصل: مطابقة القول للواقع أو لما في الضمير. ويستعمل في صدق الفعل، وصدق النية والعقيدة. وأكثر ما يكون التصديق في القرآن الكريم بمعناه الديني في التصديق بالله وآياته ورسله وكلماته، ولقائه....\rو\"الحسنى\" جامعة لكل ما قال المفسرون في تأويلها: الخلف في الدنيا والآخرة، والجنة والثواب، والتوحيد.....\rوإن كان الأولى إطلاقها لتعم فلا تختص بوجه من هذه الوجوه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187483,"book_id":1238,"shamela_page_id":293,"part":"2","page_num":108,"sequence_num":293,"body":"واليسر ضد العسر، وقد سبق استقراء آياتهما في (سورة الشرح) بالجزء الأول من هذا الكتاب.\rوفسروا الآية بأنها التهيئة للحالة التي هي أيسر على المصدق بالحسنى، في الدنيا والآخرة.\rوقال الزمخشري: \"سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر، كما سمى طريقة الشر العسرى لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريقى الجنة والنار، أي: فسنهديهما في الآخرة للطريقين\".\rوالتيسير لليسرى هو وعد الله للباذلين المعطين المتقين، ولم تأت \"اليسرى\" في القرآن إلا مع التيسير مسنداً إلى الله ﷻ، وذلك في آيتين:\rآية الأعلى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ خطاباً للمصطفى ﵊.\rوآية الليل في ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ . تأتيه البشرى بمثل ما يشر به المصطفى ﵊، من تيسير إلهي لليسرى.\rأما العسرى فلم تأت بهذه الصيغة إلا في آية (الليل) ، وإن جاء العسر مقابلاً لليسر في آيات (البقرة ١٧٥، والطلاق ٧، والشرح ٥، ٦) كما جاءت صيغتا وعسر وعسير، صفة ليوم القيامة بخاصة، في آيات (القمر ٨، المدثر ٩، الفرقان ٢٦) وهذا الاختصاص يجلو حس البيان القرآني للعسر الذي استعملته العربية في قديمها الجاهلي اسماً لقبيلة من الجن أو أرض يسكنونها. ثم قيل العسر للشكس الشرس، وللأنثى عسر ولادها.\rواعتسار الفرس ركوبه قبل ترويضه.\rوغير مقبول قول من قال إن \"العسرى\" جاءت في آية الليل لمجرد رعاية الفاصلة، فما يجوز في البيان العالي التعلق بملحظ شكل في اللفظ لا يقتضيه المعنى.\rوقال \"الزمخشري\" في التيسير للعسرى: فسنخذله ونمنعه الإلطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد، ولمح \"أبو حيان\" في هذا التأويل \"دسيسة اعتزال\".\rوقلما يفرق المعجميون في الدلالة بين العسر والعسرى حين تسوقونهما سرداً في مصادر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187484,"book_id":1238,"shamela_page_id":294,"part":"2","page_num":109,"sequence_num":294,"body":"الفعل عسر. مع أن العربية من صيغ المصدر لملحظ خاص في الدلالة، كالرأي والرؤيا والرؤية: مصادر رأى، والوجود والوجد والموجدة والوجدان: مصادر وجد، والسعي والمسعى والسعاية: مصادر سعى.\rنرى أن استعمال العسرى، كاستعمال اليسرى، ليس ملحوظاً فيه المصدرية كالعسر واليسر، وإنما الملحوظ فيهما، بصيغة الفعلى، أقصى اليسر وأشد العسر، أو هما اليسر الذي لا يسر مثله، والعسر الذي ما بعده عسر. ونظيرهما في القرآن من غير المادة: البطشة الكبرى، والنار الكبرى.\rواستعمال التيسير مع العسرى، مبالغة في الوعيد والنذير لمن بخل واستغنى. وقد نظر له \"الراغب\" في (المفردات) بقوله تعالى:\r﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والآية وعيد للذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. (التوبة ٣٤)\rومثلها آيات: (النساء ١٣٨، والتوبة ٣، ولقمان ٧، والجاثية ٨، وآل عمران ٢١، والانشقاق ٢٤) .\rوفيها التبشير بعذاب أليم، للمنافقين، والكفار، والمستكبرين، والباغين.\rكالتيسير للعسرى: مبالغة في الردع والنذير لمن بخل واستغنى.\r* * *\r﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .\rسبق استقراء الغنى في القرآن، في تفسير آية الضحى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ ، وقد هدى إلى الفرق بين الغنى والثراء، إذ يغلب أن يكون الغنى غنى النفس وإن لم يوجد المال، ولا يكون الثراء إلا بالمال، ما لم يستعمل مجازياً.\rوالردى في اللغة الهلاك، ومن استعمالاته الحسية ألأولى: الرداة الصخرة، ورداه وأرداه رماه بها وصدمه، وتردى في البئر سقط، ثم استعمل في مطلق الهلاك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187485,"book_id":1238,"shamela_page_id":295,"part":"2","page_num":110,"sequence_num":295,"body":"و ﴿تَرَدَّى﴾ في القياس الصرفي مطاوع الفعل أردى، بمعنى أهلك وأوقع في الردى وفي القرآن الكريم: يأتي الفعل الثلاثي لازماً غير متعد في آية:\r﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (طه ١٦)\rوجاء الفعل الرباعي متعدياً، في آيات:\r﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (فصلت ٢٣)\r﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (الصافات ٥٦) و (الأنعام ١٣٧)\rوجاء التردى، بصيغة اسم الفاعل \"المتردية\" في آية (المائدة ٥) وفعلاً ماضياً في آية الليل.\rوهذا هو كل ما في القرآن من المادة.\rوبه نستأنس في فهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ بأنه التردى في مهواة الهلاك.\rوقول الطبري: \"إنه التردى في جهنم لأن ذلك هو المعروف من التردى\" أقرب إلى المعنى والسياق من قول قوم، فيما نقل أبو حيان \"بأنه التردى بالأكفان\" أخذوه من الرداء، ونظروا له بقول \"مالك بن الريب\":\rوخطا بأطراف الأسنة مضجعى ورداً على عينى فضل ردائيا\rوقول الآخر:\rنصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط\rوهذا التأويل بعيد من سياق النذير في آية الليل، لأن التردى برداء الكفن لا يختص به كافر دون مؤمن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187486,"book_id":1238,"shamela_page_id":296,"part":"2","page_num":111,"sequence_num":296,"body":"وفي التوجية الإعرابي للآية، جوزوا أن تكون (ما) فيها نافية، وأن تكون استفهامية.\rوالنفي عندنا أولى، لما فيه من ملحظ التقرير لعدم غنى المال عن البخيل المكذب، إذا تردى.\r* * *\r﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ .\rالهدى الإرشاد إلى الطريق المستقيم، وأكثر ما يجيء في القرآن الكريم، نقيضاً للضلال والكفر.\rوالآخرة والأولى في الاستعمال اللغوي النهاية والبداية، أو المصير والمبتدأ، ملحوظاً فيهما الإتيان في الآخر، وفي الأول.\rوتأتي الآخرة والأولى في المصطلح الديني بمعنى الحياتين الآخرة والدنيا. والأول والآخر من أسماء الله تعالى الحسنى.\rوفي آية الليل، فسر \"الطبري\" الآخرة والأولى، بأن \"لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطى منهما من أردنا من خلقنا ونحرم من شئنا. وإنما عنى بذلك جل ثناؤه أنه يوفق لطاعته من أحب من خلقه فيكرمه بها في الدنيا ويهيئ له الكرامة والثواب في الآخرة. ويخذل من شاء خذلانه من خلقه عن طاعته، فيهينه بمعصيته في الدنيا ويخزيه بعقوبته في الآخرة\".\rوأقتصر فيهما الزمخشري في (الكشاف) على ثواب الدارين للمهتدى.\rومثله \"أبو حيان\" في (البحر المحيط) .\rونقل الرازي قول من قالوا في تأويل الآية: \"إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة فليس يضرنا ترككم الإهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم، بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعاكم من المعاصي، إذ لنا الدنيا والآخرة\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187487,"book_id":1238,"shamela_page_id":297,"part":"2","page_num":112,"sequence_num":297,"body":"ورأى فيه ما يخل بالتكليف.\rكما نقل ما ذكرنا من تأويل الطبري، وصرح بأن هذا الوجه من التأويل أوفق لقوله.\rونرى أن قصر معنى الآية في تفسير الزمخشري على \"ثواب الدارين\" يمنعه العموم المستفاد من صريح السياق في البشرى والنذير معاً.\rودون خوض في مشكلة الجبر والاختيار، نطمئن في الآية إلى أن الله سبحانه إليه المصير كما له المبتدأ. وهو تعالى يهيئ لخلقه في الدنيا طريق الحق والهدى، وبقدر ما يستجيبون لداعى الهدى أو يصدون عنه، تكون النهاية والمصير إلى الخالق في الآخرة.\rونلتفت إلى ملحظ بياني في الآية، هو العدول عما هم مألوف من تقديم الأولى على الآخرة. وليس التعلق برعاية الفاصلة هو الذي اقتضى تقديم الآخرة هنا على الأولى، وإنما اقتضاه المعنى في سياق البشرى والنذير، إذ الآخرة خير وأبقى وعذابها أكبر وأشد وأخزى وأبقى، وأن الآخرة هي دار القرار.\rوكذلك قدمت الآخرة على الأولى في سياق البشرى للمصطفى ﵊، بآية الضحى:\r﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ .\rكا قدمت الآخرة على الأولى في سياق الوعيد لفرعون إذ أدبر وتولى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ بآية النازعات.\r* * *\rوفي مثل هذا السياق من الوعيد، تتقدم الآخرة على الأولى في آية الليل، متلوة بهذا النذير:\r﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ .\rواللظى في العربية اللهب الخالص، والتلظى تسعر النار واحتدام توقدها.\rوفي الاستعمال القرآني جاءت \"لظى\" للجحيم في آية المعارج ١٥:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187488,"book_id":1238,"shamela_page_id":298,"part":"2","page_num":113,"sequence_num":298,"body":"﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ .\rوالإنذار بنار تلظى، في آية الليل، عام كالعموم المستفاد من الآية قبله:\r﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .\rثم تأتي الآية بعده فتخص من يصلاها، وهو - كما في آية المعارج - من كذب وتولى:\r﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ .\rقيل في تفسير ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ : \"معنها لا يصطلي بها إلا الأشقى\".\rوهو ما لا يطمئن إليه حس العربية في استعمالها الصلى للشي في النار أو بها: صلى اللحم صلياً ألقاه في النار وضواه. وصلى النار وبالنار: قاسى حرها ولهيبها. وينقل مجازياً إلى: صلى نار الحرب.\rأما الاصطلاء فقلما يستعمل إلا في التماس الدفء من النار، على وجه التخصيص.\rوهذا الفرق بين الصلى والاصطلاء، هو ما يهدي إليه البيان القرآني، حين يستعمل الاصطلاء في الدفء بخاصة، في قول موسى لأهله حين آنس ناراً:\r﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (القصص ٢٩، النمل ٧)\rعلى حين يأتي الصلى والتلية، في التعذيب بالنار ومقاساة حرها ولهيبها، باستقراء مواضع استعمالهما بالقرآن الكريم، وعددها ثلاثة وعشرون.\rويختص الصلى فيها جميعاً، فعلاً ومصدراً واسم فاعل، بنار الجحيم.\rوعيداً للكافرين والمكذبين والمغرورين المفتونين بالمال والجاه والبنين، فهم صالو الجحيم، يصلون سعيراً، وسقر، والنار الكبرى، وناراً ذات لهب، جهنم يصلونها وبئس القرار، فبئس المهاد، فبئس المصير.\rوبهذا كله نستأنس في فهم ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ فلا يكون بمعنى الاصطلاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187489,"book_id":1238,"shamela_page_id":299,"part":"2","page_num":114,"sequence_num":299,"body":"الذي يحمل دلالة الاستدفاء، وإنما هو الصلى بمعنى الشي والتعذيب باللهب المستعر في الجحيم.\r* * *\rوالشقاء لغة نقيض السعادة. وأصل استعماله في الشدة والعسر، والشاقى من الجبال الحاد الميل الطويل.\rوحين تستعمل العربية الشقاء في التعب، فإن ذلك يكون بملحظ من الشدة والعسر، دون أن يترادف الشقاء والتعب، وهو ما نبه إليه \"الراغب\" بقوله في المفردات: كل شقاوة تعب، وليس كل تعب شقاوة.\rويأتي الشقاء في الاستعمال القرآني خاصاً بمحنة الضلال، إما بصريح اللفظ كما في آيتى:\r﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (طه ١٢٣)\r﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ (المؤمنون ١٠٦)\rوإما بدلالة السياق كما في الآيتين:\r﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (هود ١٠٥، ١٠٦)\rوليس بعيداً من معنى الضلال، عصيان أمر الله، في قوله تعالى خطاباً لآدم وزوجه:\r﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ وآيات مريم:\r﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾\r﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ .\r﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ .\rوجاءت صيغة \"أشقى\" في ثلاث آيات، آية الشمس:\r﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ .\rوالإضافىة تقيده بالمضاف إليه، فهو أشقى ثمود وأضلها وأطغاها.\rوالأشقى، معرفة بأل، في آيتى الأعلى والليل، والسياق فيهما متشابه، وعدم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187490,"book_id":1238,"shamela_page_id":300,"part":"2","page_num":115,"sequence_num":300,"body":"الإضافة فيهما يطلق \"الأشقى\" من كل قيد، فلا مجال لمفاضلة بين أي شقي، وهذا الأشقى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ ناراً تلظى ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ .\r* * *\rوالأشقى في آية الليل: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ .\rالكذب في العربية، عدم مطابقة القول للواقع أو لما في الضمير، ومنه الآية في إخوة يوسف: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ . ويستعمل في إخلاف الظن والرجاء.\rوالتكذيب نقيض التصديق. ولا يأتي التكذيب في الاستعمال القرآني، إلا بالمعنى الديني في التكذيب بالله وآياته وآلائه ورسالاته ورسله، ولقائه، واليوم الآخر.\rوالتولى: الإعراض والإدبار.\rوقد جاء قريناً للكفر والتكذيب، مع مثل هذا الوعيد بالعذاب، في آيات:\r﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْ��ِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ (الغاشية ٢٢)\rومعها آيات:\r﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (القيامة ٣٢)\r﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (طه ٤٨)\r﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ (المعارج ١٥)\rوالإدبار فيها إعراض وصد عن الحق.\r* * *\r﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .\rتنفرد الآية هنا بصيغة \"الأتقى\" معرفة بأل، وجاء أتقى مضافاً إلى ضمير المخاطبين، الناس، في آية الحجرات:\r﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .\rفقيد بهذا الإضافة إلى ضمير الناس المخاطبين، لا على الإطلاق في \"الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187491,"book_id":1238,"shamela_page_id":301,"part":"2","page_num":116,"sequence_num":301,"body":"وأصل الزكاة في اللغة النمو، ومنه زكا الثمر بمعنى طاب حين ينضج ويؤتي أكله.\rويستعمل في المعنويات بملحظ من الخير والبركة.\rوزكى الشيء أو الشخص شهد له بالخير والصلاح والتقوى، ومنه في القرآن الكريم آية النجم ٣٢:\r﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .\rوالتزكية أيضاً التهذيب والتطهير، ومنه في القرآن الكريم آيتا آل عمران ١٦٤، والجمعة ٢:\r﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ .\rوقد نقلت الزكاة إلى المصطلح الشرعي فيما يؤتيه المؤمن من ماله فريضة، فيزكو المال ببركة الله وثوابه.\rوتأتي صيغة الزكاة في القرآن الكريم خاصة بالفريضة، في كل مواضع ورودها وعددها اثنان وثلاثون موضعاً.\rوفي المال أيضاً جاء فعل التزكية بآية التوبة ١٠٣:\r﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ .\rومثله التزكى في آية الليل، مع إيتاء المال.\rوالإيتاء هو البذل.\rوأصله في اللغة الإعطاء مع سهولة ويسر: فالأتى السيل. وتأتي الأمر سهل وتهيأ، مأتاه جهته التي يسهل إتيانه منها. وآتت الشجرة أكلها أعطته في يسر وسخاء، ومنه في القرآن الكريم آية البقرة ٢٦٥:\r﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ .\rومعها آيات (الرعد ٣٥، وإبراهيم ٢٥، والكهف ٣٣) .\rوالملحظ اللافت في البيان القرآني، أنه إذ يعلق الزكاة مرة واحدة بفاعلين في آية المؤمنين ٤:\r﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187492,"book_id":1238,"shamela_page_id":302,"part":"2","page_num":117,"sequence_num":302,"body":"يجئ بها سائر الآيات مع الإيتاء، مصدراً.\r﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ في آيتى (النور ٣٧، والأنبياء ٧٣)\rواسم فاعل في آية النساء ١٦٢: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ .\rوفعلاً ماضياً. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ في آيات (البقرة ١٧٧، والتوبة ١١، ١٨، والنور ٥٦) .\r﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ في آيات (البقرة ٤٣، ٨٣، ١١٠، ٢٧٧، والنساء ٧٧، والتوبة ٥، ١١، والحج ٤١، ٧٨)\r﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ في (المائدة ١٢، والروم ٣٩) .\rوكذلك الفعل المضارع وفعل الأمر، في كل مواضع استعمالها.\rوبكل هذه الآيات نستأنس في غهم الآية: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ بملحظ من دلالة الإيتاء على يسر الإعطاء وسماحة البذل.\rوفي الصنعة الإعرابية قالوا: إن جملة ﴿يَتَزَكَّى﴾ على النصب في موضع الحال.\rوأجاز الزمخشري ألا يكون لها موضع من الإعراب، لأنه جعل يتزكى بدلاً من صلة الموصول في ﴿الَّذِي يُؤْتِي﴾ .\rوهو كما لاحظ \"أبو حيان\" إعراب متكلف.\rوالحالية عندنا أولى بالمقام.\r* * *\r﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ .\rتعلق بعض المفسرين بالصنعة البديعية في مجئ ﴿تُجْزَى﴾ على البناء للمجهول.\rفحملوه على مجرد رعاية الفاصلة. قال أبو حيان:\r\"وجاء تجزى مبنياً للمفعول لكونه فاصلة، وكان أصله: نجزيه إياها أو نجزيها إياه\".\rوهذا ملحظ شكلي من الزحرف البديعي لا نقول بمثله في البيان الأعلى، وإنما جاء البناء للمجهول لمقتضى معنى، وهو أن البذل هنا لم يكن عن قصد جزاء لأحد أو من أحد، على الإطلاق، وإنما هو خالص لوجه الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187493,"book_id":1238,"shamela_page_id":303,"part":"2","page_num":118,"sequence_num":303,"body":"وواضح من الآية أن هذا المال المبذول، لم يؤته الذي يتزكى جزاء على نعمة سبقت لأحد عنده، أو ابتغاء لأحد يجزيه بها على هذا البذل. لكن من المفسرين فيما نقل الإمام الطبري - من وجهها على خلاف هذا، فتأول الآية: وماله عند أحد فيما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها وجزاءها.\rوليس الأولى، فصريح النص ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ﴾ لا يأذن بتأويله على قولهم:\rوما له عند أحد.\r﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .\rالقراءة بنصب ابتغاء، هي قراءة الجمهور.\rوالنصب فيه عندهم، إما على الاستثناء، أو مفعولاً لأجله كما ذهب \"الفراء\" و\"الزمخشري\" في الكشاف. ويؤنس إليه غلبة مجئ ابتغاء، مفعولاً لأجله في الآيات التي استعملت هذه الصيغة على النصب.\rوأما القراءة بالرفع، فتأولوه فيها على البدل من نعمة، وهي من الصنعة الإعرابية في موضع رفع، وحرف الجر قبلها زائد (البحر المحيط) .\rوالإبتغاء في اللغة، التماس بغية يجتهد في طلبها.\rويكون في الشر بملحظ من البغي والعدوان وتجاوز الحد. ومنه في القرآن الكريم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلهة (التوبة ٤٨، وآل عمران ٧) والعدوان (المؤمنون ٧، والمعارج ٣١)\rوابتغاء عرض الحياة الدنيا (النساء ٣٤، والرعد ١٧) .,\rويكون الابتغاء في الخير، بملحظ من الجأب في التماسه والاجتهاد في طلبه، وهو ما يبدو بوضوح في آيات السعي في البر والبحر ابتغاء فضل الله ورزقه:\r(النحل ١٤، والإسراء ١٢، ٦٦، والقصص ٧٣، والروم ٢٣، ٤٦، وفاطر ١٢، والجاثية ١٢، والمزمل ٢٠، والجمعة ١٠) .\rكما يبدو ملحظ الدأب في العبادة، والجهاد، ابتغاء فضل الله ورضوانه في مثل آيات:\r﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح ٢٩)\r﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ (الممتحنة ١)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187494,"book_id":1238,"shamela_page_id":304,"part":"2","page_num":119,"sequence_num":304,"body":"﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر ٨)\rومثله الدأب في الخير، إنفاقاً للمال وسعياً في معروف وإصلاح بين الناس ابتغاء مرضاة الله، كالذي في آيات:\r﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء ١١٤)\rومعها آيات: (البقرة ٢٦٥، ٢٧٢، والرعد ٢٢) .\rولا مجال للخوض هنا فيما تعلق به المجسمة من لفظ \"وجه\" وما حلفت به كتب الكلاميين من تأويل له، وإنما نوجه همنا إلى التفسير البياني، فنقول:\rالوجه في اللغة ما يستقبلك من كل شيء، وأكثر ما يستعمل حسياً للوجه المعروف من الجسم، ومنه في القرآن الكريم، آيتا يوسف ٩٣، ٩٦:\r﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾\r﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ .\rزآية الذاريات في حديث إبراهيم:\r﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ٢٩.\rوآيات الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾\rوالتيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (المائدة ٧)\rوالقبلة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة ١٤٤)\rوالعربية تطلق الوجه، مراداً به الذات، من حيث كان الوجه هو الذي يميز الشخص ويحدد ملامحه. ومن جاء استعمال الوجوه لأعيان القوم.\rوبملحظ من كون الوجه هو أول ما يستقبل الجسم، جاء الوجه بمعنى القصد والإتجاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187495,"book_id":1238,"shamela_page_id":305,"part":"2","page_num":120,"sequence_num":305,"body":"وقد جاء \"وجه\" مضافاً إلى الله سبحانه في إحدى عشرة آية من القرآن الكريم، ثمان منها فيما ينفق المؤمنون إبتغاء وجه الله، وفي المتقين من عبادة يريدون وجهه تعالى.\rوآيات:\r﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة ١١٥)\r﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن ٢٧)\r﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص ٨٨)\rقيل في تأويلها إن لفظ وجه \"في كل هذا زائد، والمعنى: فثم الله، كل شيء هالك إلا هو، وابتغاء الله.....\".\rوأنكره بعضهم وقالوا: \"إنما الوجه من معنى القصد والتوجه\".\rونقتصر هنا في التفسير البياني، على ما ألفته العربية في إطلاقها الوجه مقصوداً به الذات، وفيما جرى بيانها من مثل: وجه الحق، ووجه الأمر ووجه الرأى، ووجه النهار..... دون أي ملحظ ينم عن تجسيد!\r* * *\rوأشار الرازي في تفسيره إلى ما يتعلق به الملحدة في \"ربه الأعلى\" من اقتضاء أن يكون هناك رب آخر دونه في العلو.\rوذلك من عقم الحس فيهم، يغيب عنه سر العربية في إطلاق هذه الصيغة دون قيد بمفضول، وإنما القصد إلى المضي بالعلو إلى نهايته القصوى، على ما التفتنا إليه في تدبر صيغ: الحسنى واليسرى والعسرى، والأشقى.\rونظيره في الإطلاق بغير حدود ولا قيود، قوله تعالى في سورة الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ لا يعني أن هناك رباً عالياً دونه، وإنما هو إطلاق للعلو إلى أقصى مداده، دون ملحظ من المفاضلة بين أعلى وعالٍ.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187496,"book_id":1238,"shamela_page_id":306,"part":"2","page_num":121,"sequence_num":306,"body":"وأكثر المفسرين على أن فاعل \"يرضى\" المضمر، هو الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى.\rونؤثر أن نبقيه على إطلاقه، فيحتمل رضى الأتقى، ورضى الأعلى.\rوالبيان القرآني يأتي بهذين الوجهين من الرضى متلازمين، في مثل آية الفجر:\r﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ .\rوآيات: البينة في خير البرية، والمجادلة في حزب الله، والمائدة في الصادقين:\r﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ .\rوفسروا رضى العبد عن ربه في آية الليل، بأنه لا يكره ما يجرى به قضاؤه تعالى.\r(مفردات الراغب) .\rوهذه العبارة تقصر عن جلال الآية: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .\rولن تكون غاية رضى الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى ابتغاء وجه ربه الأعلى، إلا أن يرضى عنه ربه، ولسوف يرضى.\rوإنها لكما قال \"ابن القيم\" أعلى الغايات وأشرف المطالب.\r* * *\rوعلى هذا النسق من البيان المعجز، يتم الربط بين المقسم به في أول السورة:\r﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾\rوالمقسم عليه من تفاوت سعى البشر في الأولى، بين إعطاء خير وتقوى وتصديق بالحسنى، وبخل خاسر وتكذيب بالحسنى.\rثم التفاوت في الأخرى، بين مصير الأشقى الذي يصلى ناراً تلظى، والأتقى ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187497,"book_id":1238,"shamela_page_id":307,"part":"2","page_num":123,"sequence_num":307,"body":"سورة الفجر\r﷽\r﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187498,"book_id":1238,"shamela_page_id":308,"part":"2","page_num":125,"sequence_num":308,"body":"السورة مكية مبكرة، ترتيبها العاشرة في النزول. نزلت بعد سورة الليل وقبل سورة الضحى.\rوالفجر ضوء الصباح أول ظهوره في سواد الليل، ومنه يطلق على وقت ظهور هذا الضوء.\rوتقتصر معاجمنا على صيغة الفجر في هذا الاستعمال، فلا يقال أفجر فلان بمعنى دخل في الفجر، مثلما يقال أصبح وأضحى وأمسى المساء.\rولعل الاستعمال الحسي الأول للمادة، في تفجر الماء من الأرض. وتتصرف العربية في هذا الاستعمال فيأتي منه: فجَر وفجَّر وتفجر، كما تأتي صيغ اشتقاقية أخرى كالمتفجر والمفجر والمنفجر، وقريب من استعماله في الماء، التفجر والإنفجار في البراكين وشبهها.\rومن هذه الدلالة الحسية جاءت الاستعمالات المجازية فيما هو انبعاث واضح، فإذا كان في النور والخير والجود والمعروف فهو الفجر، وإذا كان في الشر والفاحشة فهو فُجر، وفي الفسق والمعصية فجور، وأيام الفجار أربعة كان فيها قتال في الأشهر الحرم بين قريش وقيس عيلان في الجاهلية. وانفجرت الدواهي أتت من كل وجه.\rوفي القرآن الكريم:\rجاءت المادة في أربعة وعشرين موضعاً، منها عشر مرات أفعالاً، يغلب مجئ الفعل منها في تفجر الماء وتفجيره، وانفجاره على المطاوعة.\r(البقرة ٦٠، ٧٤، والإسراء ٩٠، ٩١، والكهف ٣٣، يس ٣٤، القمر ١٢، الإنسان ٩، الإنفطار ٣)\rولم يأت الفعل في غير الماء غلآ مرة واحدة في الفجور في آية القيامة:\r﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ٥.\rويقل استعماله اسماً في الماء، حيث لم يأت منه إلا في تفجير الأنهار بآية (الإسراء ٩١)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187499,"book_id":1238,"shamela_page_id":309,"part":"2","page_num":126,"sequence_num":309,"body":"وتفجير عين بآية (الإنسان ٦) ووردت ست مرات في الفجور: مقابلاً بالتقوى في آية (الشمس ٨) وبصيغ فاجر وفجرة وفجار، مقابلة بالمتقين والأبرار، في آيات (نوح ١٧، عبس ٤٢، الإنفطار ١٤، المطففين ٧) .\rوأما الفجر بدلالته على ضوء الصباح أول ظهوره في سواد الليل، أو على وقته، فجاء منه في القرآن ست آيات:\r(القدر ٥، والبقرة ١٨٧، والإسراء ٧٨، والنور ٥٨) وآية الفجر.\rوتدل آية البقرة على أن علامة مطلع الفجر، أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إيذاناً بإنبثاق النور في الظلمة، كما تدل آية الإسراء على أن الفجر بعد غسق الليل.\rوالغسق ظلام مختلط ببوادر النور في آخر الليل. أو بقايا الضوء بعد مغيب النهار وغروب الشمس.\rمن ثم لا نرى وجهاً لتفسير الفجر بأنه النهار كله كما في \"الطبري\" عن \"ابن عباس\" وإنما هو الفجر المعهود عند تبين الخيط الأبيض من سواد الليل، وقد رده \"الراغب\" إلى معنى الشق \"كما في تفجير الأرض عيوناً وأنهاراً، ومنه قيل للصبح فجراً لكونه فاجر الليل، والفجور شق في ستر الديانة\".\rونؤثر أن نرده كذلك إلى دلالة الإنبثاق والإنبعاث، يكون حسياً بشق متعمد، كما يكون تلقائياً كالإنفجار، ومعنوياً في الفجور والإنبعاث المجازي.\rوتأوله عدد من المفسرين في سورة الفجر، على الإضافة إلى محذوف اختلفوا في تقديره: قيل، ورب الفجر، أو وقرآن الفجر، على ما نقل الإمام الطبري، ومثله عند النيسابورى والزمخشري.\rوخصه قوم بفجر بذاته، اختلفوا كذلك في المراد به\" قيل هو \"فجر النحر لأنه يوم الضحايا والقرابين\" أو هو \"فجر المحرم لأنه أول يوم من كل سنة، أو عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه وفيها حياة الخلق\" (الرازي) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187500,"book_id":1238,"shamela_page_id":310,"part":"2","page_num":127,"sequence_num":310,"body":"أ�� هو فجر ذي الحجة، لقوله تعالى بعده: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ كما في (التبيان) لابن قيم الجوزية.\rوهم في ذلك كله متأثرين بفكرتهم في تعظيم المقسم به بهذه الواو، وذلك ما نعرض له بعد تدبر الآيات الداخلة مع الفجر في حيز المقسم به.\r* * *\r﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾\rالعشر والعشرة: أول العقود. وللعربية فيه استعمالات مختلفة الصيغ، ترد جميعاً إلى معنى العدد: فالعشر الجزء من عشرة أجزاء، والمعشار القسم منها والنصيب، والعشار الإبل أتى عليها عشرة أشهر من حملها. والعشار من يستحل قبض عشر المال وإنما الفرض فيه ربع العشر. والعشر أن ترد الإبل في اليوم العاشر، والمعشر الجماعة ذات العدد، والعشيرى أهل الرجل يتكثر بهم عدداً. والعشر أخص من العشيرة، فهو المعاشر يكون لعشيره رفيقاً وصاحباً فلا يبقى فراداً واحداً.\rوفي القرآن الكريم:\rجاء من المادة العشار بمعنى الحوامل من الإبل في آية التكوير:\r﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾\rوجاء الفعل من المعاشرة في آية النساء: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ كما جاء العشير والعشيرة في آيات (الحج ١٣، والشعراء ٢١٤، والتوبة ٢٤، والمجادلة ٢٢) ومعشر في آيات (الأنعام ١٢٨، ١٣٠، والرحمن ٣٣) .\rوجاء بدلالته على العدد في ثمانية عشر موضعاً، أحدها بلفظ معشار في آية سبأ ٤٥:\r﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ .\rويبدو أن المعشار فيها بدلالة بيانية على مطلق التجزئة والتقليل.\rعلى حين يستعمل العشر بدلالته الرقمية المحددة: الجزء من عشرة، ولم يأت في القرآن بهذه الصيغة.\rوجاء العدد: عشرون، مرة واحدة في آية الأنفال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187501,"book_id":1238,"shamela_page_id":311,"part":"2","page_num":128,"sequence_num":311,"body":"﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٦٥.\rودلالتها على النسبية أقرب من الدلالة الرقمية المحددة.\rوجاءت عشر، أو عشرة، مفردة ومركبة، في ستة موضعاً، نتبدبرها جميعاً فنلمح ملحظاً دقيقاً في الاستعمال القرآني للعدد:\rحين يأتي في سياق الأحكام أو الأنباء والأخبار، يحدد العدد دلالته الرقمية الحسابية كما في آيات:\r﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة ٢٣٤)\r﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (القصص ٢٧)\r﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة ١٩٦)\r﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (المائدة ٨٩)\r﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (الأعراف ١٤٢)\r﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (البقرة ٦٠)\rوآيات (الأعراف ١٦٠، المائدة ١٢، التوبة ٣٦، يوسف ٤) .\rعلى حين تحتمل دلالة العدد نطلق التعدد والكثرة، في سياق الترغيب والعبرة، أو الوعيد والتحدي كالذي في آيات:\r﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام ١٦٠)\r﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ (طه ١٠٣)\r﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَ��َاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود ١٣)\rوليس بين المفسرين، فيما أعلم، خلاف على أن عشراً في آية الفجر ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ بدلالتها الرقمية الحسابية، لكنهم اختلفوا في هذه الليالي العشر وذهبوا في تأويلها مذاهب شتى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187502,"book_id":1238,"shamela_page_id":312,"part":"2","page_num":129,"sequence_num":312,"body":"* فهي العشر الأولى من ذي الحجة، في قول جماعة ذكرهم الإمام الطبري بأسمائهم. وابن القيم في (التبيان) والزمخشري في (الكشاف) . وأيده النيسابورى بما جاء في فضل هذه الأيام: \"ما من أيام العمل فيهن أفضل من عشر ذي الحجة\".\r* وقيل هي العشر الأولى من المحرم. نقله الطبري والنيسابورى.\r* وعن مسروق ومجاهد، أنها عشر موسى التي أتمها لله تعالى (آية الأعراف) .\rوقد أورد الفخر الرازي الأقوال الثلاثة سرداً دون ترجيح.\r* واختار الإمام الطبري أن تكون ليالي عشراً هي العشرة الأخيرة من رمضان.\r* واختار الشيخ محمد عبده أن تكون عشر ليال من أول كل شهر، كما اختار في الفجر أن يكون \"لجنس ذلك الوقت المعروف\".\rوتنكير ليال عشر، إطلاق قد يراد به، والله أعلم، كل ليال عشر من أواخر شهر رمضان، كما اختار الإمام الطبري. ويؤنس إليه الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ في ليلة القدر: \"فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان\". ويكون اللفت بها - في آية الفجر - إلى نزول القرآن فيها هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.\rوعلى هذا الوجه ترتبط ليال عشر بما قبلها وما بعدها من الفجر الصادق البازغ، نوراً ينسخ ظلمة الليل إذا يسرى.\r* * *\r﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ .\rاللفظان يستعملان في العربية، بدلالة على العدد الزوجي والفردي.\rومعنى الشفع لغة، ضم الشيء إلى مثله. وملحظ الأزدواج واضح في استعمال الشفع حسياً في: الناقة الشافع وهي التي يتبعها ولد وفي بطنها آخر. والشفوع من النوق: التي تجمع بين محلبين في حلبة واحدة، والشفائع ألوان من الرعى، ينبت اثنين اثنين....\rومن هذا الازدواج، جاءت الشفاعة بمعنى الإنضمام للتقوية والتأييد والنصره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187503,"book_id":1238,"shamela_page_id":313,"part":"2","page_num":130,"sequence_num":313,"body":"ولا تكون الشفاعة إلا ممن هو أقوى أو أعلى حرمة ومرتبة، لمن هو أدنى منه، على ما لحظ الراغب في (المفردات) .\rوالشفعة في الشريعة: حق المالك لدار أو عقار، للشريك أو الجار، مع دفع العوض.\rواستعمل الشفع، بملحظ الأزدواج، في العدد الزوجي.\rونقيضه الوتر، أي العدد المفرد لم يشفع بعدد آخر.\rويقول العرب: ناقة مواترة، تضع إحدى ركبتيها في البروك ثم تضع الأخرى، ولا تبرك بهما معاً، والمواترة بين الأشياء أن تقع بينهما فترة، ومواترة الصوم أن تصوم على غير مواصلة، ووتر القوم أو جعل شفعهم وتراً.\rوفي القرآن الكريم: جاءت مادة (ش ف ع) اسماً وفعلاً إحدى وثلاثين مرة.\rكلها في الشفاعة باستثناء آية الفجر، وفيها الشفع مقابلاً للوتر.\rأما الوتر فلم يجئ من مادته في القرآن إلا ثلاث آيات، إحداها في الترة بمعنى النقص، بآية محمد ٣٥:\r﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ .\rومرة في تتابع الرسل على فترة بينهم:\r﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ (المؤمنون ٤٤)\rوآية الفجر، وفيها الوتر مع الشفع.\rقال الرازي: اضطرب المفسرون في تفسر الشفع والوتر وأكثروا فيهما. وقد جمع من تأويلاتهم:\rقيل الشفع المخلوقات من حيث هي مركبات ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ والوتر هو الله من حيث هو الفرد الواحد. وعبارة \"ابن القيم\" في التبيان: كل شيء شفع والله وتر.\rوقيل الشفع ولد آدم، والوتر آدم لأنه لم يأت عن والد. أو أن الوتر آدم وشفع بزوجه حواء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187504,"book_id":1238,"shamela_page_id":314,"part":"2","page_num":131,"sequence_num":314,"body":"وقيل: الشعائر المعظمة منها شفع ومنها وتر، في الأمكنة والأزمنه والأعمال: فالصفا شفع وعرفه وتر، والطواف وتر وركعتاه شفع، والصلاة منها شفع ومنها وتر.\rوأقتصر \"الراغب\" من هذا الوجه على القول بأن الشفع يوم النحر من حيث إن له نظيراً يليه، والوتر يوم عرفه.\rوقيل: العدد كله، شفع ووتر.\rوقيل: الشفع درجات الجنة وهي ثمان، والوتر دركات النار وهي سبع.\rوقيل: الشفع صفات الخلق، كالعم والجهل، والقدرة والعجز، والرغبة والكراهية، والحياة والموت ...\rأما الوتر فهو صفة الخالق: وجود بلا عدم، حياة بلا موت، علم بلا جهل، قدرة ولا عجز، عزة ولا ذل.....\rوقيل: الشفع كل نبي له اسمان، مثل: محمد وأحمد، عيسى والمسيح، ويونس وذي النون، إبراهيم والخليل....\rوالوتر كل نبي له اسن واحد مثل: نوح وهود وصالح....\rوقيل: الشفع البروج عددها اثنا عشر، الوتر الكواكب السبعة....\rوقيل: الشفع الأعضاء، والوتر القلب.....\rوقد بلغ ما أورده الفخر الرازي مما اضطرب فيه المفسرون في الشفع والتر، عشرين وجهاً. وعنده \"أن كل وجه من هذه الوجوه محتمل، والظاهر لا إشعار له بشيء منها على التعيين. فإن ثبت في شيء منها خبر عن الرسول ﷺ أو إجماع من أهل التأويل، حكم بأنه المراد، وإن لم يثبت فيجب أن يكون التأويل على طريقة الجواز لا على وجه القطع. ولقائل أن يقول: إني أحمل الكلام على الكل، لأن الألف واللام في الشفع والوتر تفيد التعميم\".\rولا نعلم أن أهل التأويل، قد أجمعوا على وجه في المواد بالشفع والوتر، وإنما اضطريت أقوالهم تحمل الآية، كما يقول الإمام الطبري: \"ما لم تدل عليه بخير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187505,"book_id":1238,"shamela_page_id":315,"part":"2","page_num":132,"sequence_num":315,"body":"ولا عقل، وهو تعالى ذكره أقسم بالشفع والوتر. ولم يخصص نوعاً من الشفع ولا من الوتر دون نوع. وكل شفع ووتر فهم مما أقسم به\".\rأو كما قال الزمخشري: \"أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل جدير بالتلهي عنه\".\rونحتكم إلى النص القرآني فلا نراه يحتمل كل هذه الأقوال المضطربة والتأويلات المسرفة في التكليف، وإنما حسبنا منت الشفع والوتر دلالتها الصريحة، لغة ونصاً وسياقاً، على الأزدواج والإفراد، مع ملحظ فيهما من التقابل والتضاد. ودون تكلف في تأويلهما بما يتجه بهما نحو التعظيم، فإذا كانت الشعائر المعظمة شفعاً ووتراً، فكذلك كل الأشياء، العظيم منها والحقير، تحتمل أن تكون شفعاً ووتراً...... ومثله في التقابل، الفجر وسرى الليل.....\rولا وجه عندنا، بعد أن تدبرنا آيات القسم بالواو في القرآن الكريم، للوقوف به عند أصل استعماله اللغوي في التعظيم، والأولى أن يخرج عنه إلى الاستعمال البلاغي الذي لا يتعلق بما جاء على أصل الوضع اللغوي، بل يعدل عنه لملحظ بياني، هو في آيات الفجر: اللفت إلى انبثاق نور الفجر في ظلمة الليل الساري، توطئة إيضاحية بالحسى المدرك، إلى معنويات من الهدى والضلال.\r* * *\r﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾\rالسرى في العربية: السير عامة الليل. وفي دلالته اللغوية الأولى معنى الخفاء.\rوربما كان أصل استعماله الحسي في السرى، وهو عرق الشجر دب تحت الأرض. لحظ فيه الامتداد مع الخفاء، فاستعمل في السرى لما في السير مدى الليل من خفاء، واختص السرى بالليل تمييزاً له عن عامة السير.\rوالأصل أن الليل يسرى فيه. فإسناد السرى إلى الليل في آية الفجر، من الإسناد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187506,"book_id":1238,"shamela_page_id":316,"part":"2","page_num":133,"sequence_num":316,"body":"المجازى، وهو في صنعة البلاغيين لعلاقة الزمان أي وقت السرى. لكنه في الفن القولي أعمق نفاذاً من ذلك الملحظ القريب المتبادر الذي تكتفي به الصنعة، إذ فيه تجسيم لليل وتشخيص وفاعلية، بحيث يتمثل كائناً حياً يسرى. وفيه كذلك إلباس للحدث بزمانه، فالليل نفسه يسرى كما يسرى فيه كل كل سار بليل.\rوقد جاءت المادة في القرآن الكريم ثماني مرات كلها في سرى الليل، باستثناء آية مريم: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ ٢٤.\rوالمرات السبع في سرى الليل، كلها أفعال:\rمرة للماضي في آية الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ .\rوخمس مرات فعل أمر للوطٍ وموسى، ﵉ بآيات: هو ٨١، الحجر ٦٥، طه ٧٧، الشعراء ٥٢، الدخان ٢٣.\rوآية الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ على إسناد السرى إلى الليل نفسه مجازاً. في (تفسير الطبري) عن مقاتل: هي ليلة المزدلفة والساري هو الحج.\rوهذا، فيما نرى، تخصيص قد يمنعه عموم اللفظ.\rوفسره أبو حيان: إذا يمضى، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ ومثله النيسابورى في الغرائب. وفسره ابن القيم في التبيان، بالإقبال أو بالإدبار.\rويبعده المفهوم من معنى السرى، يمتد من أول الليل إلى آخره، على وجه الاستغراق الذي يستوعب مداه.\rوتأوله الشيخ محمد عبده بالظلمة! قال: \"أقسم تعالى بالليل مراداً منه الظلمة، وكثيراً كا يطلق اسم الليل وتراد ظلمته\".\rويمنعه أن الليل في آيات القسم به، لم يأت قط على إطلاقه، بل قيد هنا بـ: إذا يسرى، كما قيد في غير سورة الفجر، بـ: أذا سجى، وإذا يغشى، وإذا عسعس، وإذا أدبر..... وغير متصور أن يكون المراد منها جميعاً الظلمة، دون نظر إلى القيد في كل آية.\rثم توسع الشيخ في تأول وجه الإعظام والتفخيم لهذه الظلمة المقسم بها فقال: \"ولما كان ظلام الليل واختلاط قطعة عظيمة منه بضوء القمر في الليلة الواحدة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187507,"book_id":1238,"shamela_page_id":317,"part":"2","page_num":134,"sequence_num":317,"body":"مقصوداً إلى تفخيم أمره بالقسم، خص الليالي التي يظهر فيها ضوء القمر مع تغلب الظلام فيها بعشر فقط، وإلا فقد يكون ظلام في أكثر من عشر من الشهر لكن زمنه قليل لا يليق ذكره بمقام التفخيم! وفي الفجر تفريجه كربه الليل من جهة، وتنبيه العامل إلى استقبال عمله من جهة أخرى، وفي ليالي القمر واستمالتها الأنفس للسمر وتيسير السير في السفر، ثم في قصر بقاء القمر وانتظار هجوم الظلمة وابتغاء الغنيمة (؟) مع الاستعداد للسكون عندما يرخى الليل ستاره، في كل ذلك رغبات للنفس ورهبات، وللهواجس غدوات وروحات، وللأماني فيه دبيب ووثبات، فهو جدير بأن يقسم به\".\rولا يخفي ما في هذا التأويل من بعد التكلف وعسر الملحظ، وإلا فالعشر الوسطى من الشهر القمري أسنى وأبهى وأقوى استمالة للسمر! وإذا كانت قلة الظلام مما لا يليق ذكره بمقام التفخيم، فكيف يليق معهذكر الفجر تفخيماً له بما يخفف من كربة الظلام وما ينسخ من آية الليل! وفي أقسام القرآن قسم ب��لصبح إذا تنفس، وبالضحى وبالنهار إذا تجلى، كما فيها قسم بالليل إذا سجى وإذا عسعس، وإذا وقب، وإذا يغشى، وإذا أدبر!؟\rونعود فنقول إن مثل هذا القسم بالواو في القرآن الكريم ظاهرة أسلوبية عدل فيها البيان القرآني بالقسم عن أصل استعماله الأول للتعظيم، لملحظ بلاغي هو اللفت بالواو إلى واقع حسي مدرك لا مجال للمهاراة فيه، توطئة للإقناع بما هو موضع جدل أو ارتياب، من المعوويات والغيبيات غير المدركة.\rوقد سبق بيان لهذه الظاهرة فيما تناولنا من سور الضحى والعاديات والنازعات في الجزء الأول، ثم في سورتى العصر والليل هنا. ونعرض ملحظنا فيها على آيات القسم بالواو في مستهل سورة الفجر، فنراها جميعاً لافتة لفتاً قوياً إلى صور مدركة من التقابل في الأضواء، ما بين نور الفجر وسرى الليل، وفي العدد، أياً كان المعدود، من شفع ووتر.\rتوطئة بيانية لما يتلو من آيات محكمات فيها تقابل بين الإبتلاء بالقوة وبالغنى والنعمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187508,"book_id":1238,"shamela_page_id":318,"part":"2","page_num":135,"sequence_num":318,"body":"أو بالفقر والحرمان، وما يظن معهما من إكرام أو إهانة، ثم التقابل في المصير ما بين عذاب الطاغين المغرورين، ونعيم النفس المطمئنة.\rدون أن نتجشم عناء التأويل بما يفخم كل مقسم به ويعظمه، أو نخلط بين التفخيم والتعظيم والتشريف، والحكمة الإلهية في كل ما خلق الخالق، لا فيما أقسم به بالواو فحسب.\rوبمثل هذا الأسلوب يبلغ البيان القرآني غايته من الإقناع والإلزام بالحجة. وعلى نحو ما يجلو معاني من الهدى والضلال، والإيمان والكفر، والحق والباطل، بحسيات مدركة من النور والظلمة، يجلو في سورة الفجر، بالضوء والظلمة في درجات متفاوتة، مغاني من الحق والباطل: فالفجر إذ ينبثق نوره فينسخ ظلمة الليل، والهلال إذ يبزغ وليداً إثر المحاق ويمضى رويداً في دحر الظلام، والليل إذ يسرى ما بين بدء الظلمة ومطلع الفجر، كل هذا بيان لافت إلى صراع الحق والباطل، وإلى انبثاق نور الهدى بعد أن غشيت ظلمة ليل طال، ضلت فيه أمم وطغى وأفسدوا في الأرض، مثلما نشهد في الواقع المحسوس مسرى اللسل ما بين إدبار النهار ومطلع الفجر. والقسم بالشفع والوتر في هذه الصورة البيانية، لافت إلى أن التقابل في آيات الفجر وليال عشر والليل إذا يسر، هو موضع التنبه والالتفات. ومن ثم لا نحمل هذه الآيات \"ما لم تدل عليه بخبر ولا عقل\" كما قال الإمام الطبري، ولا نخبط في متاهات التأويل التي \"اضطرب فيها المفسرون\"، كما قال الفخر الرازي، وأكثروا حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقع في الشفع والوتر وليال عشر: \"وذلك قليل الطائل جدير بالتلهي عنه\" بنص عبارة الزمخشري.\r* * *\rوشغل المفسرون بالبحس عن جواب القسم فاضطربوا فيه كمثل ما اضطربوا في الفجر وليال عشر والشفع والوتر.\rفالزمخشري يذهب إلى أن الجواب محذوف تقديره: لتُعَذَّبنَّ، بدلالة قوله تعالى بعد آيات القسم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187509,"book_id":1238,"shamela_page_id":319,"part":"2","page_num":136,"sequence_num":319,"body":"ونرى السياق أولى بالعظة والإعتبار.\rوالفخر الرازي، يرى أن الجواب هو: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ وما بينه وبين القسم معترض.\rوابن القيم يفهم الجواب متضمناً، قال: \"فلما تضمن القسم ما جاء بع إبراهيم ومحمد ﷺ (؟) كان في ذلك ما دل على ا��مقسم به\".\rوقال أوب حيان في البحر: \"والذي يظهر أن الجواب محذوف يدل عليه ما قبله من آخر سورة الغاشية وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ . وهو بنصه، ما في تفسير الشيخ محمد عبده.\rوفي هذا الربط بين سورتى الفجر والغاشية وهو جر إليه أن سورة الغاشية تأتي قبل سورة الفجر مباشرة في ترتيب المصحف. ولكنها في ترتيب النزول متأخرة عنها، فالغاشية نزلت في أواخر العهد المكي، وترتيبها في النزول الثامنة والستون، فبينها وبن الفجر ثمان وخمسون سورة، على المشهور في ترتيب النزول.\rونفهم أن يكون ترتيب السور في المصحف لملحظ ذي شأن، لكنا لا نتصور ارتباط قسم بالفجر وليال عشر، بجواب عنه في سورة الغاشية، وكأن القسم ظل معلقاً بغير جواب، حتى نزلت به سورة الغاشية بعد ثمان وخمسين سورة!\rونطمئن إلى أن آيات القسم في سورة الفجر قد تم بها المقصود من اللفت إلى المقسم به، بما يغنى عن تأول جواب محذوف أو غر محذوف، وقد تمت آيات القسم بهذا السؤال الصادع:\r﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ .\rفلم يعد السياق في حاجة إلى تكملة أو جواب.\rوالحجْر: العقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187510,"book_id":1238,"shamela_page_id":320,"part":"2","page_num":137,"sequence_num":320,"body":"ولعل أصل استعماله الحسي لغوياً في الحَجَر. أتخذ لصلابته حاجزاً فيما يراد منعه وحجزه، ومنه الحاجز: يمنع مسيل الماء إلى الوداي، والحجرة مكان يسور بالجدران ليحجز عن غير أهله، والمحجز: ما أحاط بالعين، والحمى لا يرعاه غير صاحبه.\rوالحِجْرُ: الثوب، بملحظ من إمكان ثنية لحفظ الأشياء وحملها.\rوبمثل هذه الدلالة، يأتي الحجر في الحفظ المعنوي، فيقال: تربى في حجر فلان، اي في حفظه ورعايته، وسمى العقل حجراً بملحظ من حجزه صاحبه عما لا ينبغي ولا يليق. ومن الحجر على من لا حجر له يحجزه ويضبط أمره، لسفه أو جنون.\rوفي القرآن الكريم:\rجاءت المادة على أصل معناها اللغوي في الحجر بآيتى (البقرة ٦٠، والأعراف ١٦٠) :\r﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ خطاباً لموسى ﵇.\rوفي الحجارة، عشر مرات، إما على أصل استعمالها اللغوي، وإما على وجه التشبيه والمجاز، في آيات:\r﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (البقرة ٢٤ والتحريم ٩)\r﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ.....﴾ (البقرة ٧٤)\r﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا.....﴾ (الإسراء ٥٠)\r﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.....﴾ (هود ٨٢)\rومعها (الفيل ٤، والأنفال ٣٢، والحجر ٧٤، والذاريات ٢٣) .\rوجاءت مرة في (الحجرات) بمعنى الغرف والبيوت، ومرة في الحجور بآية النساء ٢٣: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ......﴾\rوسميت ديار ثمود حجراً، لما كان الظن من مناعة مبانيها.\rوجاء الحجر في المحتجز لأصحابه من أنعام ومرعى بآية الأنعام ١٣٨:\r﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ.....﴾\rوبمعنى الحاجز المانع والحد الفاصل ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ في آيتى (الأنفال ٢٢، ٥٣)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187511,"book_id":1238,"shamela_page_id":321,"part":"2","page_num":138,"sequence_num":321,"body":"وكلها ملحوظ فيها الدلالة الأصلية للمادة، على الحجز والضبط والمنع.\rوكذلك جاء حجز في آية الفجر بمعنى العقل، لا لمجرد رعاية الفاصلة بل اقتضاه معها ملحظ معنوي من السياق، في الحجز يحجز صاحبه عن السفه والضلال، ويمنع من الغي والطغيان، ويميز بين النور والظلام.\rوبهذا فسره جمهور المفسرين. وأضاف ابن القيم في التبيان: \"يحجز صاحبه عن الغفلة وإتباع الهوى ويحمله على إتباع الرسل\".\rأما وجه الاستفهام في الآية، فذهب الفخر الرازي إلى أن المراد منه التأكيد وقال الشيخ محمد عبده إنه \"للتقرير وتفخيم أمر المقسم به\".\rوالتأكيد والتقرير، طلاهما، ممت تكتفي به الصنعة البلاغية، ونؤثر أن نحمل الاستفهام على وجه الإلتزام بالمسئولية، حين يضع ذات الحجر في موقف المسئول عما ينبغي أن يكون له من رقابة عقله وضبط نهاه، حجر عما لا يليق بذي حجر من سفه وغرور وعتو وطغيان وضلال.\r* * *\r﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .\rوفي الايات لكل ي حجر عبرة....\rوقد أكثر المفسرون في الكلام عن عاد إرم ذات العماد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، بما لم تتجه عناية القرآن إلى شيء مما ذكروه.\rواختلفوا اختلافاً بعيداً.\rففي عاد إرم ذات العماد: قيل إن عاداً، هو ابن إرم بن عوص بن سام بن نوح، أو إن إرم هو جد عاد لا لأبوه، ثم صار عاد للقبيلة: قالقدامى منهم هم عاد الأولى، والمتأخرون هم عاد الأخيرة.\rوفي رواية أخرى بالطبري: إن إرم ذات العماد اسم بلدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187512,"book_id":1238,"shamela_page_id":322,"part":"2","page_num":139,"sequence_num":322,"body":"ثم لم يتفق اصحاب التأويل على بلدة إرم: قال الجمهور - فيما نقل أبو حيان بالبحر - إنما مدينة عظيمة كانت لهم باليمن. وقيل إنها الإسكندرية، أو دمشق، أو ديار ثمود في حضرموت بين الرمال المسماة بالأحقاف، كما حدد النيسابورى في (الغرائب) وقريب منه متا في تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده.\rوقيل إن الإرم: العلم، يعني بعاد، اهل الأعلام ذات العمار - ذكره الزمخشري في الكشاف.\rوالأشبه بالصواب عند الإمام الطبري، أن تكون إرم ذات العماذ اسم قبيلة من عاد \"ولذلك جاءت القراءة ﴿عَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ بترك إضافة عاد إليها، ولوكانت اسم بلدة أو اسم جد لعاد، لجاءت القراءة بالإضافة\".\rوكان \"ابن الزبير\" يقرأ: \"بعادِ إرمٍ\" على الإضافة والكسر.\rوقراءة الجمهور بتنوين عادٍ، فيها عند أبي حيان والرازي وجهان: إن جعلنا إرم اسم قبيلة، كان عطف بيان، وإن جعلناه اسم البلدة أو اإعلام، كان التقدير بعاد إرم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ .\rوفي ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قالوا إنها تعني أهل القوة والمنعة، وقيل إنها قد تعني أهل الأعمدة والخيام حلا وترحالاً. وقيل كذلك إنها القصور المشيدة والأبراج. وذكر مفسرون أنها مدينة بناها شداد لما سمع بذكر الجنة - نقله أبو حيان.\rوتأولوا \"التي لم يخلق مثلها في البلاد\": إما بطول الأجسام، ثم أبعدوا فحددوا هذا الطول بين اثنى عشر ذراعاً في السماء، كما نقل الطبري، وأربعمائة ذراع كما في الكشاف وتفسير الرازي!\rوإما بعظم مدينة بناها شداد بن عاد، وذكروا حكاية خلاصتها أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد، ملكا وقهرا زماناً ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فبدا له أن يبني مثلها، فبنى مدينة إرم في بعض صحارى عدن، وقد استغرق بناؤها ثلثمائة سنة من آخر عمر شداد - والحكاية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187513,"book_id":1238,"shamela_page_id":323,"part":"2","page_num":140,"sequence_num":323,"body":"تقول إن عمره كان تسعمائة سنة! - فلم ير قط مثلها: كانت قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار. فلما تم بناؤها سار إليها \"شداد\" بأهل مملكته فلما كانوا منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله فيهمة صيحة من السماء فهلكوا. وقيل إنه يكد يضع إحدى قدميه في إرم حتى فاضت روحه.\rوكذلك تعددت أقوالهم في ﴿ثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ .\rقيل معناه خرقوا الصخر ونحتوه بيوتاً، وقد كانت ثمود أول من نحت الجبال والصخور والرخام، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة فيما نقل الفخر الرازي. وقيل معناه قطعوا الوادي.\rوقيل: إنهم شقوا الصخر واتخذوه وادياً يخزنون فيه الماء لمنافعهم \"ولا يفعل ذلك إلا أهل القوة والفهم من الأمم\" كعبارة الشيخ محمد عبده.\r﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ تأولوه على عدة وجوه:\rفهو كناية عن كثرة جند فرعون، بكثرة مضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا. أو هو ذو الملك والرجال.\rأو هي أوتاد لفرعون كان يشدها ليعذب الناس بشدهم عليها حتى يموتوا وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وحعل على صدرها رحى وأستقبل بها عين الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ألاية، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته!\rوقول ثالث: إن الأوتاد تعني ملاعب كانت تقام مشدودة بالأوتاد، يلعبون تحتها وفرعون مطل عليهم.\rوأولاها بالصواب عند الإمام الطبير، قول من قال: عنى بها الأوتاد من خشب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187514,"book_id":1238,"shamela_page_id":324,"part":"2","page_num":141,"sequence_num":324,"body":"أو حديد لأن ذلك هو المعروف من معاني الأوتاد، ووصف فرعون بذلك إما لأنه كان يعذب الناس بها، أو لأنه كان يلعب له تحتها.\rوالزمخشري يختار تأويلها إما بكثرة جنود فرعون ومضاربهم، أو التعذيب بالأوتاد كما فعل بماشطة بنته، وبآسية زوجته!\rوالرازي يرى \"أن الكلام يحتمل كل هذه الوجوه\".\rوذهب الشيخ محمد عبده إلى أن \"أظهر أقوالهم فيها ملاءمة للحقيقة، أن الأوتاد المباني العظيمة الثابتة\".\rثم أضاف متاولاً: \"وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل أن شكل هياكلهم العظيمة شكل الأوتاد المقلوبة.... وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين\"!\r* * *\rوفي منهجنا أن كل هذه التأويلات تحمل القرآن الكريم ما ليس من بيانه وطبيعته، وقد بدا منه العمد الواضح إلى طي هذه التفصيلات الجزئية، اكتفاء بما يلفت إلى موضع العبرة لذي حجر، في مصاير هؤلاء الطغاة.\rوأكثر ما قالوه في الأطوال والأحجام والأسماء والأرقام ومواد البناء، من الإسرائيليات المقحمة على كتاب الإسلام نصاً وسياقاً. ولكي نتقي التورط فيها، نحتكم إليه في كل هذه الأقوال التي أكثروا منها واختلفوا فيها، فإذا أردنا مزيد بيان لآيات الفجر، فإنما نلتمسه من القرآن الكريم:\r\"عاد\" من العرب البائدة، وقد وردت في القرآن أربعاً وعشرين مرة، ليس فيها إشارة إلى نسب عاد أو تصريح باسم أبيه وجده أو ولديه شديد وشداد، أو بيان لأطوال أجسام أو تحديد لأعمار. وإنما يأتي ذكر \"عاد\" دائماً، لفتاً إلى ما كان من تكذيبها لنبيها هود ﵇، وطغيانها في الأرض، وما سلط الله عليها من العذاب، وحق عليها من عقاب.\rفعاد في القرآن هم ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187515,"book_id":1238,"shamela_page_id":325,"part":"2","page_num":142,"sequence_num":325,"body":"كان منزلهم ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾ بعث الله فيهم أخاهم هوداً رسولاً ونذيراً:\r﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأحقاف ٢١ ومعها هود ٥٠)\rفكذبوه ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (هود ٥٣)\rوكذبزا المرسلين (الشعراء ١٢٣، ص ١٢، ق ١٣، القمر ١٨، الحج ٤٢) .\rوكفروا بالله، وجحدوا آياته، وعصوا واستكبروا في الأرض بغير الحق (هود ٥٩، ٦٠، ق ١٣)\rفأرسل عليهم الريح العقيم (الذاريات) وأهلكوا بريح صرصر عاتية (الحاقة ٦) : ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأحقاف ٢٥)\rفكانوا عبرة لمن اعتبر:\r﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾\r﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ .\rو\"العماد\" تنفرد بصيغتها، لا تتكرر، في القرآن الكريم.\rوجاءت صيغة عمد، جمع عمود، ثلاث مرات: اثنتين في السموات خلقها الله ورفعها بغير عمد ترونها (الرعد ٢، لقمان ١٠) والثالثة في وعيد كل همزة لمزة، الذي جمع مالاً وعدده، بالحطمة ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ .\rوالعمود لغة: ما به قوام الشيء، مادياً كعمود الظهر وعمود الخباء، ويجمع على أعمدة جمع قلة، وعلى عَمَد وعُمُد بالتحريك فيهما، وعماد وتختص بالأبنية الرفيعة إلا أن تجئ على وجه المجاز والكناية.\rفبملحظ التقوية جاء عماد القوم لمن يعتمدون عليه، فهو مقصدهم وسندهم. والعمد بمعنى القصد القوي الواضح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187516,"book_id":1238,"shamela_page_id":326,"part":"2","page_num":143,"sequence_num":326,"body":"ولم يرد لفظ \"إرم\" في القرآن إلا في هذه الآية من سورة الفجر. وهو في القاموس واحد الآرام بمعنى الأعلام، وذكر المفسرون أن إرم اسم قبيلة عاد أو هي بلدتهم.\rونص ألاية يقبل تفسير إرم باسم القبيلة أو البلدة، دون تزيد بتفصيلات أمسك القرآن عن ذكرها.\rكما يكتفي في عاد القبيلة بأنها قوم هود من العرب البائدة، ومن البلدى بأنها مسكنهم بالأحقاف، ولا وجه لقول بأنها دمشق أو الإسكندرية ...\rكما لا وجه لتحديد زمنها التاريخي، أو أعمار أهلها وأطوالهم، بل نكتفي في زمنها، بما في القرآن الكريم من أنها جاءت بعد قوم نوح، بصريح آيات: (التوبة ٧٠، إبراهيم ٩، الحج ٤٢، غافر ٣١، ص ١٢) .\rوأقرب ما يفهم من ذات العماد أنها ذات القوة والمنازل العالية، على مألوف البيان العربي في رفيع العماد، دون إقحام لعدد المباني أو مواد بنائها أو اسم بانيها، إلى آخر هذه الجزئيات التي لم يتعلق القرآن بها، وليس شيء منها بموضع عبرة، ومن ثم نستغنى في فهم النص، بهذا اللفت البليغ الموجز إلى ما مكن الله من أسباب القوة، لعاد التي لم يخلق مثلها في البلاد.\rونؤثر أن يكون الضمير في ﴿مِثْلِهَا﴾ عائد على ذات العماد، إذ هي أقرب مذكور. ولا مانع من أن يكون عود الضمير على ﴿عَادٍ﴾ بمعنى القبيلة أو على إرم، كما ذهب بعض المفسرون. والوجه متقاربة مع اتصال السياق.\rثم لا ضرورة لتحديد وجه المماثلة بما قالوه من العظم أو البطش والأيد، بل الأولى أن يبقى على ظاهرة من الإطلاق.\r* * *\rوثمود من العرب البائدة كذلك.\rوزمنهم التاريخي تالٍ لعاد قوم هود، كالمفهوم من سياق آيات (إبراهيم ٩، الفرقان ٣٨، العنكبوت ٣٨، غافر ٣١، النجم ٥١، الحج ٤٢، التوبة ٧٠) .\rونكتفي بما ذكره القرآن عنها، باستقراء الآيات التي جاءت في ثمود وعددها ست وعشرون آية، كلها في سياق العبرة بعاقبة الكفر والطغيان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187517,"book_id":1238,"shamela_page_id":327,"part":"2","page_num":144,"sequence_num":327,"body":"وجوهر قصتهم فيما نتلو من آيات الكتاب المحكم أنهم قوم صالح ﵇، بعثة الله فيهم داعياً إلى عبادة الله وحده، ما لهم من إله غيره (الأعراف ٧٣، هود ٦١، النمل ٤٥) .\rفكذبوه وعقروا الناقة التي نهاهم عن ذبحها (الشمس ١٤، هود ٦٥، ص ١٣)\r﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (فصلت ١٧)\r﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (الحاقة ٥)\r﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (الذاريات ٤٤، فصلت ١٣)\r﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت ١٧)\rونجى الله صالحاً والذين أمنوا معه برحمة منه ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (هود ٦٨)\rوالجوب في العربية: القطع. ومن الاستعمالات الحسية فيه: الجوب درع يقطع للمرأة. والجوبة الحفرة، وفجوة بين البيوت، أو بين أرضين، ومنه جاب الوادي بمعنى قطعه وعبره، وجواب آفاق.\rومن القطع جاء النفاذ والحسم، فاستعمل في الجواب عن السؤال. وقد ذهب \"الراغب\" إلى أنه جاء \"من قطع الفجوة بين فم المجيب إلى أذن السامع\".\rوالأولى عندنا أن يكون قطعاً مجازياً، لما فيه من مظنة النفاذ إلى السامع وحسم ما يسأل عنه.\rوفي القرآن الكريم، جاءت المادة في الجواب أربع عشرة مرة، وبمعنى الاستجابة ثمانيا وعشرين مرة، ولم تأت في الجوب إلا في آية الفجر.\rولا نرى حملها على غير معناها من القطع والنفاذ، دلالة على ما أتيح لثمود من قوة ومنعه إذ قطعوا الصخر بالوادى، وقد كانت لهم فيه ديارهم ومساكنهم المشيدة المأهولة قبل أن تأخذهم الصيحة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187518,"book_id":1238,"shamela_page_id":328,"part":"2","page_num":145,"sequence_num":328,"body":"ونستأنس لفهمه ياستقراء \"الوادي\" في القرآن، وقد كان لعاد أوديتها بالأحقاف: ٣٧.\rولذرية إبراهيم مسكنهم بواد غير زرع: (إبراهيم ٣٧)\rوسميت مساكن النما وادياً في قصة سليمان: (النمل ١٨)\rويتخصص الوادي بالتعريف والوصف في \"الوادي المقدس\" حيث تجلى الله ﷾ لموسى ﵇: (طه ١٢، القصص ٣٠، النازعات ١٦)\r* * *\rوكذلك الأمر في ﴿فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ .\rنقتصر فيه على ما يلفت إليه سياق الآية مما كان لفرعون من قوة وجبروت.\rمستأنسين في فهمها بآية (ص ١٢) :\r﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾\rولم تأت الأوتاد، معرفة، إلا في هاتين الآيتين، وصفاً لفرعون ذي الأوتاد.\rوجاءت نكرة في آية النبأ بياناً لرسوخ الجبال وصلابتها:\r﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ .\rوفرعون - وإن كان لقباً لملوك مصر القديمة - يأتي في القرآن غالباً، خاصاً بفرعون موسى. ولا يتعلق البيان القرآني بتفصيلات جزئية من اسم فرعون أو زمنه أو تاريخه، وإنما تتجه العناية إلى ما هو مناط عبرة من جوهر القصة: لقد تهيأ لفرعون من ملك مصر وخيرات أرضها الطيبة ما لم يتح مثله لملك غيره، وآتاه الله ملأه من فضله، زينة وأموالاً (يونس ٨٨) . فعلاً وتجبر واسرف (القصص ٤، يونس ٨٣) وأخذته العزة بالإثم فطغى (طه ٢٤، ٤٣، والنازعات ١٧) وتطاول فأمر \"هامان\" أن يبني له صرحاً لعله يبلغ أسباب السماء (غافر ٣٦، والقصص ٣٨) .\rوحين دعاه موسى إلى عبادة رب العالمين، قال ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؟ ونادى في قومه:\r﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ؟ (الزخرف ٥١)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187519,"book_id":1238,"shamela_page_id":329,"part":"2","page_num":146,"sequence_num":329,"body":"﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص ٣٨)\r﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ (المزمل ١٦)\r﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (الأعراف ١٣٠)\r﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف ١٣٧)\rوكل هذه الآيات في فرعون موسى.\rوشاع مع ذلك، إطلاق فرعون على كل طاغية، حملاً على فرعون موسى.\rوسواء أخذنا \"فرعون\" في آية الفجر على أنه فرعون موسى، أو طاغية مثله من الفراعين، ففيما قص علينا القرآن من نبأ عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد، ما يغنى عن مزيد تفصيل لم يشأ البيان القرآني أن يعرض له.\rولا وجه لافتراض أن يكون المصطفى ﵊ أو قومه الأميون الذين نزل فيهم القرآن عصر المبعث، قد علموا من تفصيل أنباء الأولين أكثر مما تزل به القرآن، ونخن نتلو ما عقب به على أنباء قوم نوح وعاد وثمود ومدين، في سورة هود:\r﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٤٩.\rفمن أين جاءت كل هاتيك التفصيلات والحكايات التي حشيت بها كتب التفسير، ولا علم للرسول ﵊ وقومه إلا بما نزل به القرآن، إلا أن تكون من الإسرائيليات التي أقحمها نفر من يهود، على فهمنا لكتاب ديننا، وأضافوا إلى ما جاء في التوارة منها، مرويات أسطورية لا يقبلها عقل ولا يعرفها تاريخ؟\r* * *\rويتجه البيان القرآني، بما لفت إليه مما فعل ربك بعاد وثمود وفرعوم، إلى مناط العبرة وجوهر الموقف، اتجاهاً صريحاً مباشراً:\r﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .\rوفي الذي تقدم من تدبر لآياتهم في الفجر، مع الاستئناس بما جاء فيهم في القرآن الكريم، ما يغني عن طول وقوف عندما تأوله المفسرون في تحديد أنواع فساد أولئك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187520,"book_id":1238,"shamela_page_id":330,"part":"2","page_num":147,"sequence_num":330,"body":"الطغاة ومعاصيهم وما نزل بهم من نقم.\rوالطغيان تجاوز الحد، وأصل استعماله في الماء يطغى فيغرق، ومنه في القرآن الكريم في الطوفان (آية الحاقة ١١: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ .\rثم شاع استعماله في كل ما جاوز الحد من جبروت العتاة، وقد سبق تدبره في تفسير آية النازعات خطاباً لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ .\rوللغويين والمفسرين في إعراب جملة ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾ ثلاثة أوجه:\rالنصب على الاختصاص بالذم.\rوالرفع على تقدير مبتدأ محذوف: هم الذين طغوا.\rوالجر على الوصف.\rوالأوجه الثلاثة تقبلها قواعد الصنعة الإعرابية، لكن البيان الأعلى لا يراها متماثلة، بل لابد أن يكون وجه واحد منها أقوى في المعنى.\rونرى ربطه بالصلة على وجه الإتباع لما قبله، أولى من الاختصاص، ومن الخبرية التي تحتاج إلى تقدير مبتدأ محذوف يفصل الجملة عما قبلها بابتداء مستأنف.\rوأصل الصب في اللغة إراقة الماء ونحوه مع تدفق: تصبب الماء وأنصب في الوادي أنحدر. ويطلق على ما يبقى منه: صبة وصبابة، ومن ثم تستعمل في بقية الشيء المادي والمعنوي.\rوجاء الصب في القرآن، فعلاً ومصدراً، خمس مرات: اثنتان منها على الأصل اللغوي في الماء بآية (عبس) ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ ومرتان في صب الحميم وعذابه بالجحيم في آيتى (الدخان ٤٨، والحج ١٩) وصب سوط عذاب في آية الفجر.\rوالسوط أداة الضرب المعروفة، وإذ غلب استعماله في التعذيب، صار الضرب بالسوط مثلاً لأليم العذاب.\rأخذه بعض اللغويين من: ساط يسوط بمعنى خلط. قال الليث:\r\"ساطه إذا خلطه بالسوط، ومنه قول الشاعر:\rأحارث إنا لو تساط دماؤنا تزايلن حتى ما يمس دم دما\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187521,"book_id":1238,"shamela_page_id":331,"part":"2","page_num":148,"sequence_num":331,"body":"ولا حاجة إليه، مع ما شاع من استعمال السوط في الأداة المعروفة للضرب والجلد والتعذيب.\rوالأصل في السوط أن يضرب به، لكن البيان القرآني عدل عن الأصل إلى صب ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ فوصل بالتعذيب والعقاب إلى أقصى المدى، بما يعني الصب من تدفق وغمر، مع إسناده إلى \"ربك\" الخالق الجبار. ثم كانت إضافة سوط إلى عذاب مع التنكير، إطلاقاً له في الترويع، يذهب فيه التصور كل مذهب. وهذا أولى من تأويل \"ابن القيم\" في تنكير سوط عذاب: \"ونكره إما للتعظيم، وإما لأن يسيراً من عذاب استأصلهم ولم يكن معه بقاء ولا ثبات\".\r* * *\r﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .\rالرصد المراقبة، والمرصد والمرصاد الطريق أو المكان يرصد منه. وقد يغلب استعمال الأول قياسياً مفتوح الميم والصاد، في المصدر الميمي واسم المكان، ويكثر استعمال المرصاد في الترصد والمراقبة الشديدة.\rوفي القرآن الكريم، جاءت المادة ست مرات كلها في المراقبة الشديدة التي لا تفلت شيئاً مما يرصد بالسمع أو بالبصر، منها آيتا الجن:\r﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ ٩.\r﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ٢٧.\rوىيتا التوبة في رصد العدو وإرصاده:\r﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٥.\r﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا و��تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ١٠٧.\rوالمرصاد بآيتى النبأ والفجر، في سياق النذير بالعذاب للطغاة:\r﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187522,"book_id":1238,"shamela_page_id":332,"part":"2","page_num":149,"sequence_num":332,"body":"﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .\rنستأنس بهما معاً في لمح الملحظ القرآني في استعمال هذه الرقابة على الطغاة بالمرصاد، دون أن نخوض في الخلاف: هل الآية في العصاة والكافرين أو في عامة الناس، المؤمنين والكافرين؟. إذ المقام أولى بالطاغين.\rكما لا مجال عندنا لمثل ما تأولوه في هذه الآية، من قناطر ثلاث على جهنم:\r\"قنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: يارب هذا أمين،، وهذا خائن. وقنطرة عليها الرحم تقول: يارب هذا واصل وهذا قاطع. وقنطرة عليها الرب\".\rفالآية لن تتعلق بذكر قناطر، ثلاث أو أقل أو أكثر، والنص صريح على أن \"ربك\" هو الذي بالمرصاد للذين طغوا في البلاد، لا تخفي عليه سبحانه منهم خافية، ولا يفلت شيء من رقابته تعالى وعلمه.\r* * *\rوكما ارتبط هذا البيان لمصير الطغاة بالآية قبله ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ يرتبط الآيات بعده، على وجه العظة والإعتبار، في الإنسان المبتلى بالنعمة أو بالحرمان:\r﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ .\rوالابتلاء الإمتحان، يكون بالنعمة والخير كما يكون بالحرمان والشر:\r﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء ٣٥)\rوالإكرام العطاء والتشريف للمكرم، وهو من المكرم جود وفضل.\rوالإهانة الإذلال.\rوالقدر في اللغة المقدار لا يتجاوز حقه. يقال قدرت الثوب إذا جاء على مقداره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187523,"book_id":1238,"shamela_page_id":333,"part":"2","page_num":150,"sequence_num":333,"body":"لا يزيد. والقدر والتقدير قياس الشيء على قدره، مادياً ومعنوياً. ومنه في القرآن الكريم آيات:\r﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الأنعام ٩١ والزمر ٨٧ والحج ٧٤)\r﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (سبأ ١١)\rومنه جاء القدر في القضاء والحكم، والقدرة في الطاقة المكافئة لاحتمال العبء، والتقدير إحكام وزن الأمور وضبط مقاييسها.\rو\"القدير، والقادر\" من أسماء الله الحسنى، وهو تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ، ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ .\rومن ملحظ القدرة واإحكام جاء القدر بمعنى المكانة الجليلة السامية. ومنه \"ليلة القدر\".\rوبملحظ من عدم التجاوز في التقدير، جاء القدر مقابل البسط والتوسع، ومنه في القرآن الكريم:\r﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ .\r﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾\r(في آيات: سبأ ٣٦، ٣٩، الرعد ٢٦، الإسراء ٣٠، الوم ٣٧، الزمر ٥٢، الشورة ١٢) .\rوالقدر فيها مقابل للبسط.\rوجاء مقابلاً للسعة ف�� النفقة بآية الطلاق ٧:\r﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾\rوبهذا المعنى نفهم آية الفجر:\r﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾\rبمعنى أعطاه بقدر على غير بسط وسعة.\rوالإنسان في الآية، لعموم الإنسان على الإطلاق، وإن خصه بعض المفسرين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187524,"book_id":1238,"shamela_page_id":334,"part":"2","page_num":151,"sequence_num":334,"body":"بنفر قيل إن الآية نزلت فيهم: عتبة بن أبي ربيعة وأبو حذيفة بن المغيرة في رواية عن \"ابن عباس\" أو أبي بن خلف فيما روع عن \"الكلبي ومقاتل\".\rوقد جهد المفسرون في تأويل وجه الإنكار في قول المنعم عليه: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ .\rوفيه إقرار بالنعمة، وقول من قدر الله عليه رزقه: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ وفيه إقرار بأن الله هو الذي يبسط الرزق ويقدر.\rتأوله بعضهم بأن الإكرام والإهانة لا يكونان في الدنيا، وإنما العبرة بما ينال الإنسان في الآخرة.\rوقريب منه القول بأن الإكرام إنما يكون بالطاعة، والإهانة تكون بالعصيان. وهذا التأويل هو ما اختاره الإمام الطبري، ومثله في (البحر المحيط) .\rوقيل إن الإنسان لا يدري حقيقة النعم والنقم، فقد يكون ما يبدو نعمة وبالاً على صاحبه، ما يبدو نقمة خيراً له، إذ يجول الإنغماس في النعم دون العكوف على الطاعات، كما قد يؤدي الحرمان إلى الزهد والتعبد.\rأو أن النعمة تجعل فراق الدنيا صعباً قاسياً، والحرمان يجعل الحياة هينة وفراقها بالموت غير صعب.\rأو ربما كانت كثرة النعم سبباً للتعرض للقتل والنهب والوقوع في أنواع العذاب، وكلن الحرمان سبباً للسلامة والأمن وراحة البال.\rوقيل بل أنكر سبحانه أن يكون حمد الإنسان على نعمه تعالى دون فقره، وشكواه الفاقة. وكان ينبغي أن يحمد خالقه على الأمرين جميعاً.\rونحلص من هذه التأويلات إلى تدبر البيان القرآني. فنرى السياق صريحاً في أن الأمر في الإكرام والنعمة وفي التضييق في الرزق، إنما هو إبتلاء يمتحن به الإنسان ليعرف مدى صبره على فتنة النعم وبلاء الحرمان، ولتنكشف حقيقته في أداء حق النهمة والصبر على الضيق.\rووجه الزجر والإنكار، أن يتوهم المنعم أن الله. أكرمه ونعمه إلا لأنه أهل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187525,"book_id":1238,"shamela_page_id":335,"part":"2","page_num":152,"sequence_num":335,"body":"لذاك، وأن يظن المبتلى بالتضييق أن هذا لهوان أمره على ربه تعالى.\rكلا، ليس الأمر في الحالين على ما تصوره هذا الإنسان، فالله ﷾ إنما يبلوه بالشر والخير فتنة.\rوذلك ما انتهى إليه ابن القيم بقوله: \"وأخبر تعالى أن توسعته على من وسع عليه وإن كان إكرامأ له في الدنيا فليس ذلك إكراماً على الحقيقة ولا يدل على أنه كريم عنده من أهل محبته، وأن تقتيره على من قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده، بل يوسع ويقتر ابتلاءً وامتحاناً. فيبتلى بالنعم كما يبتلى بالمصائب\".\rوبعد سورة الفجر، نزلت آيات محكمات في مثل هذل الإبتلاء، وأكثر ما يكون بالنعم والمال يمتحن الإنسان فيكشف عن خيريته وإيثاره أو غروره وأثرته، وبالفقر والحرمان يبلو تعففه وصبره أو ذلته وقنوطه. وبالجهاد يكشف عن ثباته وصدق إيمانه أضعفه وتخاذله، كآيتى القتال (محمد) :\r﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن�� لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ - ٤.\r﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٣١.\rومن الإبتلاء جاء البلاء في المصائب ومواقف الشدة امتحاناً لطاقة الإنسان ومعدنه، كالذي في آيات: (الأعراف ١٤١، إبراهيم ٦، البقرة ٤٩) .\rوالإبتلاء في سورة الفجر، إنما هو بالنعمة من حيث هي ذريعة ترف وفساد في الأرض، وبالإكرام من حيث هو منظة غرور وأثره واستكبار وتعال على الناس وعدوان على حقوقهم بدعوى الأهلية للتشريف والإكرام من الله. وكذلك الإبتلاء بالحرمان والضيق في الرزق، من حيث هما مظنه الشغف بالدنيا واشتهاء ما لم يتح للمحروم من ملاذها، والإحساس بهوانه على ربه الذي قسم الرزق، يبسطه سبحانه على من يشاء ويقدر....\r* * *\r﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187526,"book_id":1238,"shamela_page_id":336,"part":"2","page_num":153,"sequence_num":336,"body":"وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ .\rالتراث ما يقتنى بالميراث.\rوأصل اللم في اللغة، جمع الشتيت والمشعت. واللمة الجماعة تأتي من جهات شتى. وألم بهم جاء من غير وجه متوقع، ومنه استعمل في المصائب الملمات. واللمم خبال يلم بالعقل، والملموم المجنون.\rواستعمل اللمم في صغار الذنوب، مما لا يظن أنها تدخل في الحساب.\rوكونهم يأكلون التراث أكلاً لماً، فيه ملحظ من مادية الأكل ومذاق طعمه، فيمن يتهالكون على انتهاب التراث وجمعه دون نظر إلى وجهه ومصدره. والعرب تقول لملمت ما على الخوان، إذا أكلته كله فأتيت عليه.\rوقد تأوله المفسرون بأنه: \"الاعتداء على الميراث. يأكل الإنسان فيه نصيبه ونصيب غيره، وكانوا لا يورثون النساء والصغار، فيأكلون نصيبهم يقولون: لا يأخذ الميراث إلا من يقاتل ويحمي الحوزة\".\rوقيل: كانوا يأكلون ما جمعه الميت من أموال الظلمة والبطالين، وهو عالم بذلك.\rوأخذه \"الراغب\" من: لممت الشيء جمعته ولممت شعثه.\rوأولى منه ما اختره \"الإمام الطبري\" وهو أكل الميراث لا يسأل عن وجهه ولا يدري أحلال هو أم حرام، إرضاء لشهوة حب المال.\rوبهذا البيان المحكم، ترتبط الآيات التي لفتت ذا حجر إلى مصير الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، بفتنة المال وشر الفردية التي لا يعنيها إلا التكالب على حطام الدنيا في أثرة خاسرة تهين اليتيم ولا تخض على التكافل الإجتماعي، وأكل التراث أكلاً لما لا يميز بين طيب منه وخبيث، بين حلال وحرام، وحب المال حباً جماً يعطل الضمير ويعشى البصيرة ويحجر القلب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187527,"book_id":1238,"shamela_page_id":337,"part":"2","page_num":154,"sequence_num":337,"body":"وإن في ذلك لعبرة لكل ذي حجر.\r* * *\r﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ .\rالدك لغة الهدم، وتسوية ما ارتفع من الأرض كالجبال والمباني، بما انخفض كالخور والقيعان والوديان. والذكاء الناقة لا سنام لها. وك البئر طمها ودفنها.\rوباستثناء آية الأعراف ١٤٣ التي جاء فيها للجبل حين تجلى الله سبحانه:\r﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ .\rيأتي الذك يوم القيامة، من أحداث الساعة وأهوال البعث والحشر:\r﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (الحاقة ١٤، ومعها الكهف ٩٨)\rوكذلك الدك في آية الفجر، للأرض دكا دكا، يوم القيامة.\rوقد نقل الطبير من الأقوال في تفسيرها: دكت، رجت وزلزلت وحركت تحريكاً بعد تحريك.\rوقال الزمخشري: دكا بعد دك، كرر عليها الدك حتى عادت هباء منثوراً.\rوكأنهم حملوا تكرار الدك، على المرة بعد المرة. والأقرب أن يكون من التأكيد. وأحداث قيام الساعة لا تقتصر في القرآن الكريم على دك الأرض، فلعل إيثاره بالذكر هنا - والله أعلم - أن الأرض هي مكان ما يحشده المتكالبون على الجدنيا من زخرف ومتاع، ومن يشيدونه عليها من المباني ذات العماد والأوتاد.\rوبناء الفعل للمجهول، يتسق مع الظاهرة الأسلوبية التي يطرد فيها صرف النظر عن الفاعل، في أحداث الساعة.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187528,"book_id":1238,"shamela_page_id":338,"part":"2","page_num":155,"sequence_num":338,"body":"والصف مصدر يصف، وواحد الصفوف.\rومن استعمالاته الحسية في اللغة: الصفيف ما صف في الشمس أو على النار لينضج. وتصافوا في القتال انتظموا صفوفاً. وصف الطائر جناحيه بسطهما، والمصفوف ما نسق وصف.\rومنه في القرآن الكريم:\rصافات: للطير تبسط أجنحتها بآيات: (الصافات ١، الملك ١٩، النور ٤١)\rالصافون: جمع صاف. بآية (الصافات ١٦٥)\rصواف: في الشعائر من البدن. بآية (الحج ٣٦)\rمصفوفة: وصفاً لسرر الجنة ونمارقها: (الطور ٢٠، الغاشية ١٥)\rوجاءت صيغة \"صف\" سبع مرات، كلها منصوبة على الحال، فيما نرجح. منها آيتا _طه والصف) في الحشد والتجمع:\r﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ . ٦٤\r﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ٤.\rوآية الكهف ٤٨ في الكافرين، يوم القيامة:\r﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ .\rوآيتا النبأ والفجر:\r﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ ٣٨.\r﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ .\rبمعنى الجمع المنسق.\rوقد وقف المفسرون هنا عند ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ وكأنهم كانوا في حاجة إلى التصريح بأنه \"ليس مجئ نقله، والحركة عليه محال لأنها تكون من جسم والجسم يستحيل أن يكون أزلياً\".\rومن ثم تألوه على أوجه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187529,"book_id":1238,"shamela_page_id":339,"part":"2","page_num":156,"sequence_num":339,"body":"أنه على حذف مضاف أقيم المضاف إليه مقامه، وتقديره: جاءت أمر ربك، أو جاء قهر ربك.\rوعند الزمخشري \"أنه تمثيل لظهور آيات اقتداره تعالى وسلطانه، بحال الملك إذا حضر بنفسه وظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر إلا بحضور عساكره ووزرائه وخواصه\".\rوهو تأويل ينبو عنه الحس، إذ لا وجه لتمثيل مهابة الله تعالى والملك، بحال ملوك الدنيا \"فلا تظهر هيبتهم إلا بحضور عساكرهم ووزرائهم\"! كما لا مجال لتمثيل ذلك الموقف المهيب في الآخرة، بمواكب الملوك في الدنيا.\rوبعدي كذلك، قول من تأولوا \"ربك\" في الآية: \"ولعل ملكاً هو أعظم الملائكة، هو مرب للنبي ﷺ، المراد من قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ .\rوتأباه الآية نصاً وسياقاً، كما يجفوه حس البيان العربي لا يرى في مجئ الله إلا تجلياً مهيباً يوم يقوم الناس ��رب العالمين.\r* * *\r﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ .\rقال الأصوليون فيها: معلوم أن جهنم لا تنفك عن مكانها، فالمراد: وبرزت.\rثم ما أكثر ما جاء به المفسرون بعد ذلك من عجيب التأويلات والمرويات عن غيب لم يشر إليه القرآن من قريب أو بعيد! تأوله جماعه، قالوا: \"جيء بجهنم مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع\".\rومثله غرابة وبعداً، ما نقله الإمام الطبري من قول الضحاك بن مزاحم:\r\"إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء فنزل من فيها من الملائكة وأحاطوا بالأرض ومن عليها وصفوا صفاً. ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندوا فلا يأتون قطراً من أقطارها إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه. فذلك قول الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمٍ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187530,"book_id":1238,"shamela_page_id":340,"part":"2","page_num":157,"sequence_num":340,"body":"التَّنَادِ﴾ ، ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ .\rوعن \"ابن عباس\": \"إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها فيجئ الله والأمم جثى صفوفاً، وينادى مناد: \"ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال فيقومون فيسرحون....\"\rوعن \"ابن كعب القرظي\" يرفعه إلى أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: \"توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاماً لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم. قد حصر عليكم فتبكون حتى ينقطع الدمع ثم تدمعون دماً.... فتضجون ثم تقولون: من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ ويأتي أبوهم آدم فيأبى، ثم يأتون الأنبياء نبياً نبياً كلما جاءوا نبياً أبى، حتى يأتوني فإذا جاءوني خرجت حتى آتى الفحص قدام العرش فأخر ساجداً فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلى ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني فأقول: يارب وعدتني الشفاعة، شفعني في خلقك فاقض بينهم. فأنصرف حتى أقف بين الناس فبينا نحن وقوف سمعنا حساً من السماء شديداً فهالنا، فنزل أهل السماء يمثلى من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت بنورهم وأخذوا مصافهم.....\".\rويعفينا الدرس البياني للقرآن الكريم، من تعقب هذه المرويات والنظر في أسانيدها ورواتها عند أئمة النقاد وأصحاب الصحاح.\rحسبنا أن نقول إن مجئ جهنم هنا، هو على وجه التشخيص والتجسيم والفاعلية، وهذه ظاهرة بيانية مطردة في أحداث اليوم الآخر، عرضنا لها بمزيد تفصيل في تفسير \"سورة الزلزلة\".\rوكما عرضت جهنم ﴿يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ في آية الكهف، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ في آية النازعات، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ في آية الشعراء، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ في آية النبأ.\rجيء بجهنم هنا، تجسيماً للهول الأكبر بالتشخيص والإبراز.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187531,"book_id":1238,"shamela_page_id":341,"part":"2","page_num":158,"sequence_num":341,"body":"﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ .\rوجه القول هنا على التحسر كما حمله الزمخشري في (الكشاف) وإن استطرد فتأوله، على مذهب الإعتزال: \"بأن فيه دليلاً على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقاً ��قصدهم وإرادتهم. وأنهم لم يكونوا محجوزين عن الطاعات مجبورين على المعاصي وإلا فما معنى التحسر؟ \".\rوندع الخوض في مشكلة الجبر والاختيار، ونقبل توجيه القول في الآية على التحسر. وفي التحسر معنى الندم والإقرار بأن ما فات هيهات أن يعود.\rثم نخلص للملاحظ البيانية، فنقول:\rأنى للبعد، وليت للتمني في البعيد والمستحيل، والإنسان يخصصه السياق بمن تصدق عليه الآيات التي سبقت من سورة الفجر.\rيتمنى هذا الإنسان، الذي غرته الدنيا وغره بالله الغرور، يوم تقوم القيامة ويتحقق ما طالما استبعده أو نسيه، لو أن له كرة فيقدم لحياته من صالح الأعمال ما يتقى به هذا العذاب الأكبر.\rواستغنى البيان القرآني عن تحديد \"حياتي\" فاختلف المفسرون بين أن يكون المراد بها حياتي الآخرة، أو وقت حياتي الأولى في الدنيا، أو في القرالذي كنت أكذب به؟.\rوالأولى أن تحمل على الحياة الأخرى الباقية، فما كانت الدنيا سوى رحلة عابرة لحياة فانية، لا يبقى منها سوى ما يتزود به الإنسان لأخراه، حين لا يجدى تحسر على ما ضاع، أو تمن لاستدراك ما فات، وقد قضى الأمر وفات الأوان.\r* * *\r﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾\rقراءة الجمهور بكسر الذال والثاء في الفعلين، على البناء للمعلوم، وهي التي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187532,"book_id":1238,"shamela_page_id":342,"part":"2","page_num":159,"sequence_num":342,"body":"أجمع عليها قراء الأمصار الأئمة، عدا \"الكسائي\" فإنه قرأهما بالفتح، على البناء للمجهول، اعتلالا منه بخبر روى عن الرسول ﷺ أنه قرأة كذلك. وقال \"الطبري\" فيه: إنه واهي الإسناد.\rوإسناد فعل التعذيب والإيثاق إلى الله تعالى، يبلغ به الترويع منتهاه، في موقف الحساب والجزاء والعقاب، بعد أن قامت القيامة ووقعت الواقعة.\rوقد جاء التعذيب في القرآن الكريم إحدى وأربعين مرة، كلها مسندة إلى الله سبحانة باستثناء آيات:\rفي وعيد سليمان للهدهد:\r﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (النمل ٢١)\rوفي ذي القرنين:\r﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ (الكهف ٨٦، ٨٧)\rوفي قراءة آية الفجر بالفتح، على البناء للمجهول، قيل احتجاجاً لها: \"كيف يجوز الكسر ولا معذب يومئذ إلا الله؟ \" وهو قول فيه أثر الصنعة البلاغية التي تبنى للمجهول للعلم بالفاعل، ويفوتها استقراء آيات الكتاب المحكم الذي لم يأت فيه فعل العذاب إلا مبنياً للمعلوم: \"عذب، عذبنا، نعذب، يعذب\" مع الإسناد إلى الله سبحانه، سواء أكان العذاب في الدنيا أم في الآخرة، في المرات التي قاربت أربعين موضعاً.\rويأتي وصف عذاب الآخرة في القرآن الكريم، بأنه أشد العذاب، والعذاب الأكبر، وهو عذاب مهين، أليم، عظيم، مقيم، نكر، عذاب النار وعذاب الحريق.\rوقيل إن الضمير في \"عذابه\" بآية الفجر، عائد على \"أبي بن خلف خلف، نزلت فيه الآية\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187533,"book_id":1238,"shamela_page_id":343,"part":"2","page_num":160,"sequence_num":343,"body":"واللفظ، في سياق آيات الفجر، يعم كل إنسان نكص عن تكاليف إنسانيته وتخلى عن أداء حق الله والجماعة، فهو ممن لا يكرمون اليتيم ولا يحاضون على طعام المسكين، ويأكلون التراث أكلاً لما، ��يحبون المال حباً جماً.\rوتأوله بعض المفسرين بأنه لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله للكافر، فسحبوه إلى الماضي بلفظ الدنيا. وهو قول واهٍ تضعفه الظرفية للمستقبل في \"يومئذ\" كما لحظ أبو حيان في البحر المحيط.\rوقيل إن المعنى: يومئذ لا يكل الله سبحانه عذابه ولا وثاقه إلى أحد سواه، لأن الأمر يومئذ لله وحده. وهو ما اختاره أبو حيان.\rوالنص يحتمله، وإن يكن في غنى عن تقييد وتأويل، فهو العذاب الذي لا يماثله عذاب!.\r* * *\rوبعد هذا الوعيد الرهيب، تأتي خاتمة سورة الفجر فتبقى على الإنسانية ثقتها في إمكان اتقاء ذلك المصير الخاسر والعذاب الأكبر، وتفسح لها مجال الأمل في خير مصير:\r﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ .\rقرأ الجمهور بتاء التأنيث في النداء. وفي قراءة \"زيد بن علي\": \"يأيها النفس\" قال أبو حيان:\r\"ولا أعلم أحداً ذكر أنها تنذكر من المنادى المؤنث، إلا صاحب البديع. وهذه القراءة ذاهدة بذلك\".\rثم التمس لها أبو حيان وجهاً من القياس، وهو أن \"أيها، لا تثنى ولا تجمع في نداء المثنى والجمع، فكذلك لم تؤنث في نداء المؤنث\".\rوقد فات أبا حيان هذه المقايسة أن نداء المثنى والجمع بـ \"أيها\" يطرد في نداء المذكر. وأما مثنى المؤنث وجمعه، فإن تاء التأنيث قلما تنفك عن ندائها مثنى أو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187534,"book_id":1238,"shamela_page_id":344,"part":"2","page_num":161,"sequence_num":344,"body":"جمعاً: أيتها. وإثبات التاء في ندائهما بـ: أيتها، مع بقائها على الإفراد، أقرب إلى أن يكون وجهاً للقياس في تأنيث \"أيتها\" لنداء المؤنثة، من حيث بقيت التاء في نداء مثناها وجمعها، وأداة النداء فيهما على الإفراد.\rولا خلاف عند المفسرين في أن اطمئنان النفس هو أمنها وسكينتها. لكنهم اختلفوا بعد ذلك في تأويل وجه الاطمئنان في الآية.\rقيل: المطمئنة التي لا يتفزها خوف ولا حزن.\rوقيل: إنها لا تصير أمارة بالسوء (الراغب) .\rوقيل: المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك.\rأو هي التي اطمأنت إلى لقاء ربها، وإلى وعده أهل الإيمان من الكرامة في الآخرة.\rأو هي المصدقة المؤمنة بأن الله ربها، المسلمة لأمره فيما هو فاعل بها (الطبري) .\rكما اختلفوا في تحديد وقت الطمأنينة: هل تحصل للمؤمن عند الموت، وقت خروج نفسه وسماعه البشرى برضى ربه عنه؟\rأو تكون الطمأنينة عند البعث ويوم الجمع؟\rأو عند دخول الجنة لا محالة؟\rكذلك اختلفوا في توجيه الخطاب في صدر الآية بالنداء: \"إما أن يكون كلاماً من الله إكراماً للمؤمن كما كلم الله موسى ﵇، وإما أن يكون الكلام على لسان ملك\".\rوهي وجوه محتملة والأولى الإطلاق ليعمها دون قيد أو تحديد. وحسبنا أن نتدبر موضع العبرة وأسرار البيان:\rالفعل \"اطمأن\" في العربية من أفعال القلوب، بمعنى أنه لا يكون إلا من القلب وفيه، حين تنتفى هواجس الحيرة والشك والقلق والخوف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187535,"book_id":1238,"shamela_page_id":345,"part":"2","page_num":162,"sequence_num":345,"body":"وكذلك تأتي الطمأنينة في القرآن الكريم، سكينة معنوية، عن راحة البال وهدوء النفس والقلب.\rوقد جاء الفعل منها في القرآن الكريم ثماني مرات، خمس منها بصريح الإسناد إلى القلوب في سياق البشرى بنصر المؤمنين:\r﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ (آل عمران ١٢٦) (الأنفال ١٠)\rوفيما نجد القلوب من راحة الإيمان:\r﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد ٢٨)\rومعها آية البقرة ٢٦٠، فيما التمس إبراهيم من راحة القلب واطمئنانه:\r﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ .\rواقترنت الطمأنينة بالأمن في آية (النحل ١١٢) وعدم الخوف من العدو في الحرب (النساء ١٠٣) .\rوهي في آية الفجر صفة للنفس، إيذاناً صريحاً بأن العبرة في الطمأنينة بسكينة النفس. وهذا يعفينا من التعرض لما أثار الكلاميون والفلاسفة والمجسمة من جدل حول هذه النفس المطمئنة، مما فصله الفخر الرازي في تفسيره.\rفهل تكون طمأنينة للجسم إذا أعوزتها راحة النفس واطمئنان القلب؟ إن الأمر هنا لا يخرج عن مألوف حس العربية الأصيل في كل الأفعال التي تعرف بأفعال القلوب، كالخشوع والثقة والإيمان واليقين.\rوكما اقترنت طمأنينة القلب بالبشرى في آيتى آل عمران والأنفال، وبحسن المآب في آية الرعد، وبالأمن من الخوف في آيتى النحل والنساء، جاءت النفس المطمئنة هنا مقترنة بالرضى، في سياق البشرى بحسن المآب، بعد كل الذي سبق من آيات الاعتبار بمصير الطغاة ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187536,"book_id":1238,"shamela_page_id":346,"part":"2","page_num":163,"sequence_num":346,"body":"عَذَابٍ﴾ ومن نذير ووعيد لمن أغواهم حب المال وفتنتهم النعمة وأعمتهم الأثرة فضلوا ضلالاً بعيداً.\r* * *\rوفي قوله تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ .\rنقل الإمام الطبير من تأويلهم لها: قيل: إنه أمر لنفس المؤمن في جسد صاحبها. وتأولوا ﴿رَبِّكِ﴾ بمعنى صاحبك!\rوقال آخرون: إن الأمر بالرجوع يكون عند الموت، ثم ﴿ادْخُلِي جَنَّتِي﴾ يوم القيامة.\rفباعدوا بين المعطوفين بالواو، وجعلوا أحدهما عند الموت، والآخر عند نهاية المصير في الجنة!\rواختلفوا كذلك في تأويل ﴿عِبَادِي﴾ .\rقيل إنه بمعنى عبادي الصالحين، أو فادخلي في طاعتي، أو في حزبي.\rواختار الإمام الطبري أن تكون بمعنى: فادخلي في عبادي الصالحين.\rوالمقام مستغنٍ عن وصفهم بالصالحين، إذ لا تكون النفس المطمئنة الموعودة بدخول الجنة، إلا من عباد الله الصالحين، ونظيره في القرآن الكريم آيتا الزمر ١٧:\r﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ والزخرف ٦٨: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ .\rورضى النفس المؤمنة في رضى الله، فهي راضية مرضية.\r* * *\rوأقول هنا، ما قلت في سورتى التكاثر والبلد، ثم في سورة العصر: هذه سورة مبكرة من العهد المكي الذي اتجهت فيه عناية القرآن الكريم إلى تقرير أصول الدعوة، توجه إلى تحرير البشرية من أوضاع فاسدة، وتقرر مسئولية الإنسان عنها، فتصل في رياضته إلى المدى الذي يصير فيه أداء حق الجماعة ديناً وعقيدة، وتكون طمأنينة النفس هي الزاد الذي يتزود به الإنسان لمصيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187537,"book_id":1238,"shamela_page_id":347,"part":"2","page_num":164,"sequence_num":347,"body":"وكل نفس ذائقة الموت.\rفأي عزاء يمكن أن يجده الإنسان المؤمن إذ يواجه هذا القضاء المحتوم الذي لا مفر منه ولا مهرب، إلا أن يتلو آيات الفجر:\r﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187538,"book_id":1238,"shamela_page_id":348,"part":"2","page_num":165,"sequence_num":348,"body":"سورة الهمزة\r﷽\r﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187539,"book_id":1238,"shamela_page_id":349,"part":"2","page_num":167,"sequence_num":349,"body":"السورة مكية.\rوالمشهور في ترتيب نزولها أنها الثانية والثلاثون.\r* * *\rقيل نزلت في \"الأخنس بن شريق\" كان يلمز الناس ويغتابهم وخاصة رسول الله ﷺ.\rوقيل نزلت في \"الوليد بن المغيرة المخزومي\" كان يغتاب المصطفى ﵊ من ورائه، ويطعن عليه في وجهه.\rوقال محمد بن إسحاق في السيرة النبوية: \"مازلنا نسمع أن هذه السورة نتزلت في أبي بن خلف\".\rوأياً من كان الذي نزلت فيه السورة، فالنذير عام لكل همزة لمزة. وهذا هو الصواب عند الإمام الطبري.\rوقال الزمخشري في (الكشاف) ويجوز أن يكون السبب خاصاً والوعيد عاماً ليتناول كل من باشر ذلك القبيح.\r* * *\rويل: كلمة عذاب وسخط. ويكثر استعمالها مع هاء الندبة في التفجع عند الكوارث.\rوتأولها بعض المفسرين في آية الهمزة، بأنها \"واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم\".\rونستقرئ مواضع الاستعمال في القرآن الكريم للكلمة، فنجدها في أربعين موضعاً. منها ثلاث عشرة مرة، معرفة بالإضافة، في موقف التحسر والتفجع والندبة، بآيات:\r(القلم ٣١، هود ٧٢، الفرقان ٢٨، الكهف ٤٩، الأحقاف ١٨، طه ٦١، القصص ٨٠، الأنبياء ١٤، ٤٦، ٩٧، يس ٥٢، الصافات ٢٠، المائدة ٣١) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187540,"book_id":1238,"shamela_page_id":350,"part":"2","page_num":168,"sequence_num":350,"body":"وباقي الآيات الأربعين، في سياق النذير من الله سبحانه.\rوباستثناء آية الأنبياء: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ معرفة بأل، جاءت \"ويل\" نكرة، بمثل الأسلوب في آية الهمزة.\rوالنذير في كل آياتها من الله سبحانه، بويل، للكافرين، والمشركين، والمكذبين، والظالمين، والمطففين، والمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، والذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، والقاسية قلوبهم، وكل أفاك أثيم، وكل همزة لمزة.\rوالوعيد فيها بويل: من مشهد يوم عظيم، ومن النار، وعذاب أليم، ومن يوم الدين، ويومهم الذي يوعدون، والنبذ في الحطمة.\rوفي هذا الاستقراء ما يكفي إدراكا لما للفظ ويلٍ من رهبة، وما يثير من خوف ورعب، دون أن نحتاج فيه إلى تأويلٍ بوادٍ في جهنم يسيل قيحاً، أحسبه من الإسرائيليات التي أدخل فيها اليهود عناصر من وصفهم لجهنم.\r* * *\rولم تأت \"هُمزَة\" بهذه الصيغة في القرآن الكريم إلا هنا، وإن جاء من مادتها صيغتان أخريان:\rهماز: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (القلم ١١)\rوهمزات: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (المؤمنون ٩٧)\r* * *\rكذلك لم تأت ��يغة \"لُمَزَة\" في القرآن كله إلا في آية الهمزة، وجاء الفعل مضارعاً في ثلاث آيات:\r﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (الحجرات ١١)\r﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (التوبة ٥٨)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187541,"book_id":1238,"shamela_page_id":351,"part":"2","page_num":169,"sequence_num":351,"body":"ومعها آية (التوبة ٧٩) في اللمز في الصدقات أيضاً.\rوهذا هو كل ما في القرآن الكريم من مادتي الهمز واللمز.\r* * *\rولا خلاف، أعلمه، بين اللغويين والمفسرين، في أن مثل صيغة همزة ولمزة، تستعمل فيمن يكثر منه فعلها حتى كأن ذلك عادة منه قد ضرى بها. . .\rولكنهم لم يتفقوا على الدلالة، فمنهم من لا يفرق بين الهمزة واللمزة.\rومنهم من يجعل الهمز للتحقير والعيب في الغيبة، أو التعريض بالإشارة والكلام المبهم، أما اللمز فهو التحقير والهزء صراحةً ومواجهةً.\rومنهم من عكس الوضع، فجعل اللمز في الغيبة، والهمز في المواجهة والحضور.\rونحتكم إلى القرآن الكريم فيجلو لنا الفرق بين اللفظين في الدلالة، حين يستعمل الهمز لوسوسة الشيطان (المؤمنون) والنميمة (القلم) .\rوفيهما الخفاء والغيبة.\rأما اللمز فيستعمله مع التنابز بالألقاب (الحجرات) وفي الاعتراض على تقسيم الصدقات (التوبة) .\rولا يكون ذلك إلا مواجهةً.\rوهذه التفرقة تؤكد أصالة الاستعمال اللغوي الذي فرقت فيه العربية بين المادتين:\rفاستعملت اللمز في الضرب والطعن.\rواستعملت الهمز حسياً في الهمزة للنقرة والمكان المنخسف، والمهماز حديدة في مؤخر خف الذي يروض الفرس، والمهامز مقارع النخاسين ينخسون بها الدواب والرقيق. ولا يكون النخس في العربية إلى في مؤخر الدابة أو جنبها دون وجهها وصدرها.\rوبهذا كله نستأنس في فهم الآية، فلا نذهب مع الشيخ محمد عبده إلى \"أن الهمز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187542,"book_id":1238,"shamela_page_id":352,"part":"2","page_num":170,"sequence_num":352,"body":"يكون بالعين والشدق واليد، حركات إلى التحقير والهزء، واللمز يكون باللسان\".\rوإنما نطمئن إلى أن الهمزة هو الذي يدأب على تحقير الناس والإيغال في تجريحهم من خلف ظهورهم، واللمزة الذي يدأب على مواجتهم بكلمة السوء تحقيراً لهم وغضاً من شأنهم.\r* * *\rويصل القرآن الكريم، الكلام عن كل همزة لمزة:\r﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ .\rقرأ \"ابن عامر، وحمزة، والكسائي\": ﴿جَمَّعَ﴾ بتشديد الميم. والباقون بفتحها.\rوأما ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ فلا خلاف بينهم فيه، وهم مجمعون على قراءته بالتشديد إلا ما روى عن قراءة فيها بتخفيف الدال، بإسناد غير ثابت. قال الإمام الطبري: \"وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، لخلافها قراءة الأمصار وخروجها عما عليه الحجة مجمعة ذلك\".\rوعلى قراءة الجمهور:\rقال الإمام الطبري في تفسير الجمع:\r\"جمع مالاً وحفظه وأحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولم يؤد حق الله فيه\".\rوفرق الفخر الرازي بين القراءتين، فقال: \"إن جمع بالتشديد يفيد أنه جمعه من ههنا وههنا، وأنه لم يجمعه في يوم واحد ولا في يومين ولا في شهر ولا في شهرين. وأما جمع بالتخفيف فلا يفيد ذلك......\rوقوله تعالى: وعدده، فيه وجوه: أنه مأخوذ من العدة وهي الذخيرة لحوادث الدهر، أو هو من العد والإحصاء. أو - على القراءة بالتخفيف - جمع المال وضبط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187543,"book_id":1238,"shamela_page_id":353,"part":"2","page_num":171,"sequence_num":353,"body":"عدده، أو هو من قولهم: فلان ذو عدد\".\rوالجمع في اللغة ضد التفرق، مع ملحظ من التفاوت بين أفراده: يطلق اسماً على المجموع وعلى الجماعة من الناس أو غيرهم. وجماع الناس أخلاطهم من قبائل شتى. والمجتمع ما اجتمع من الرمال من هنا ومن هناك. والجمع صنف من التمر أو النخل خرج من النوى لا يعرف اسمه.\rويأتي الجمع مصدراً، بمعنى لم الشتات المتفرق أفراداً. والإجماع اتفاق الجماعة على رأي أو عمل، وتجمعوا اجتمعوا من ومن هناك.\rوفي النصطلح الديني سميت صلاة الجماعة، وصلاة الجماعة باجتماع الناص على اختلافهم للصلاة، كما سمى اليوم الآخر يوم الجمع، يجمع الناس على اختلاف أجناسهم وأممهم وطبقاتهم وعقائدهم.\rويلحظ في الاستعمال القرآني للمادة، أنها تجئ أكثر ليوم القيامة: في نحو أربعين موضعاً.\rومن الفعل الثلاثي، جاء جمع، وجميع، وجامع، ومجموع ومجموعون، ومجمع. ولم يأت الفعل \"جمع\" بتضعيف الميم، في المصدر أو أي مشتق من مشتقاته.\rوجاء الفعل ثلاثياً ثماني عشرة مرة، لا نخطئ فيها حس العربية الأصيل للمادة، في الدلالة على لم الشتات المتفرق المختلط.\rمنها ثلاث عشرة مرة، الفعل فيها مسند إلى الله سبحانه، ولو شاء لجمع الناس على الهدى ولم يتفرقوا في الدين، وهو تعالى قادر على أن يجمع عظام الإنسان المفتتة بالبلى، وهو يجمع الناس على اختلافهم ليةم الفصل، يوم الجمع ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾\rوالمرات الخمس الأخرى في رحمة ربك ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بآيات (آل عمران ١٥٧، ويونس ٥٨، والزخرف٣٢) على ما يفيده الإطلاق من الجمع اللم، وآية (آل عمران ١٧٣) في ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ بما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187544,"book_id":1238,"shamela_page_id":354,"part":"2","page_num":172,"sequence_num":354,"body":"يفيد الجمع من الحشد لشتى الجند والسلاح.\rولا يتختلف الملحظ في آية المحارم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وإنما يحل الجمع حين تفترق الدماء وتختلف الأرحام والأصلاب.\rفملحظ الحشد مع الإختلاط، هو ما يعطيه هذا الاستقراء عن قرب، وبه نفهم آية الهمزة في جمع مال مختلط، والتلهي بتعديده احصاءً وتكاثراً وأثرة، ومعها آية المعارج:\r﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ ١٨.\rوإذن فهي فتنة المال ووثنيته، وما تدفع إليه من أثرة وتجبر وخيلاء. وإزدراء للناس وتحقيرهم والغض من شأنهم خفية وعلانية، من وراء ظهورهم وفي وجوههم، من حيث لا يعلمون أو يعلمون.\r* * *\r﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾\rوالعربية تستعمل الحساب والمحاسبة حسياً في العد والإحصاء ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ .\rكما تستعمله معنوياً في التقدير والتدبير، وفي المسئولية والمؤاخذة، والحسيب الرقيب المحاسب.\rومنه نقل إلى المصطلح الديني في محاسبة الإنسان على عمله \"يوم احساب\" وأكثر ما يجئ الفعل الرباعي، بهذه الدلالة، مسناً إلى الله تعالى.\rأما الثلاثي، فالعربية تفرق في مضارعه بين المادي والمعنوي: فيغلب كسر السين للحساب بمعنى العد، وفتحها في معنى التقدير أو التدبير.\rوخص الحسب بما يعد من مفاخر الآباء.\rوفي القرآن الكريم: جاء الفعل الثلاثي ثلاث مرة، يؤذن سياقها أنها بمعنى التقدير عن ��ن وتصور، كالذي في آيات:\r﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ (النمل ٤٤)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187545,"book_id":1238,"shamela_page_id":355,"part":"2","page_num":173,"sequence_num":355,"body":"ومعها آيتا (الكهف ٩ والإنسان ١٩)\rويكثر مجيئه بأسلوب الاستفهام الإنكاري، فيعطيه السياق دلالة ضلال الوهم، والخطأ في التقدير، مثل آيات:\r﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ؟ (العنكبوت ٢)\r﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ ؟ (الجاثية ٢١)\r﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ (محمد ٢٩)\r﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون ١١٥)\rومعها آيات: (العنكبوت ٤، البقرة ٢١٤، آل عمران ١٤٢، التوبة ١٦)\rويتأيد ملحظ استعماله في غير العد الحسابي، بمجئ الفعل المضارع مفتوح السين في آياته الإحدى والثلاثين، في سياق النهي أو التحذير من خطأ التقدير على الظن أو التوهم. والفعل فيخا جميعاً مسند إلى المخلوقين.\rويأذن لنا هذا الإستقراء، في حمل \"يَحْسب\" في آية الهمزة، على التوهم الذي يخطئ حقيقة التقدير، في حسابه أن ماله أخلده.\rوالخلد في العربية البقاء والدوام، استعملته حسياً في الخوالد وهي الجبال الرواسي الثوابت والحجارة والصخور لطول بقائها. ومنه قيل المخلد للرجل الذي أسن دون أن يشيب. والخلود البقاء الدائم، ضد الفناء.\rوالقرآن الكريم يستعمل الخلود بملحظ لا يتخلف، فهم فيه دائماً في سياق الحديث عن الآخرة، إما خلوداً في الجنة والنعيم ودار الخلد، أو خلوداً في العذاب والنار.\rوحين يستعمله في الدنيا، فعلى وجه النفي والإنكار أن يكون فيها خلود وإنما هي دار فناء. ترى ذلك واضحاً في مثل آيات:\r﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء ٣٤)\r﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (الأنبياء ٨)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187546,"book_id":1238,"shamela_page_id":356,"part":"2","page_num":174,"sequence_num":356,"body":"﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (الشعراء ١٢٩)\rومعها آية الهمزة في ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ فيضله الوهم ضلالاً بعيداً، ويعيمه عن حقيقة الدنيا الفانية التي يتهالك على حطامها.\r* * *\r﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ .\rمع الردع والزجر بـ: كلا، يأتي هذا النبذ في الحطمة.\rوالنبذ في العربية الطرح لما هو هين وحقير، والمنبوذ ولد الزنى، واللقيط الملقى في الطريق. وقبر منبوذ بعيد منعزل. والنبيذة الناقة لا تؤكل من فرط سقمها وهزالها، والأنباذ الأوباش.\rوالانتباذ التنحي والانسحاب إلى مكان مهجور، ومنه في القرآن آيتا مريم ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ، ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ .\rوالنبذ في الحرب أن يخرج أحد الفريقين إلى حيث انتحى الآخر وانتبذ، ومنه آية الأنفال ٥٨:\r﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾\rوكل ما في القرآن من النبذ، غير آيتى مريم والأنفال، هو من الطرح والنفي، عن هوان بامنبوذ على النابذ.\r﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (القلم ٤٩) (والصافات ١٤٥)\r﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (القصص ٤٠) (والذاريات ٤٠)\r﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (البقرة ١٠٠)\rوبكل ما في لفظ النبذ من دلالة على الهوان والضياع، يأتي الفعل في الهمزة، مؤكداً باللام والنون المذددة، وعيداً لعابد المال الذي يحتقر الناس ويزدريهم، ويدأب على تجريحهم همزاً ولمزاً.\rوقد فسرها الإمام \"الطبري\" بالقذف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187547,"book_id":1238,"shamela_page_id":357,"part":"2","page_num":175,"sequence_num":357,"body":"ولمح \"الفخر الرازي\" ما في النبذ من إهانة.\rوالإهانة أصلية في دلالة النبذ لغة، والبيان القرآني يجلوها على هذا النحو الباهر حين يزجر بها ذلك المتفاخر المتعالي المغرور بماله يحسب لأنه أخلده، وإنما ينتظره خلود آخر مهين أليم، منبوذاً في الحطمة.\rوأصل الحطم في العربية: التهشيم مع اختصاص بما هو يابس كالعظام، وقيل الحطوم للأسد يحطم كل شيء ويهشمه، وللريح تقوض البناء. والحاطوم والحطمة السنة المشئومة. ورجل حطم يلتهم كل شيء ولا يشبع. وراع حطمة وحطم، كأنه يحطم الماشية عن سوقها، لعنفه.\rوهذا الملحظ الأصيل من التهشيم مع العنف والقسوة، لا تخطئه في الاستعمال القرآني للمادة، في المواضع الستة التي جاءت فيها:\rوبصيغة الفعل المضارع في آية النمل ١٨:\r﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ .\rولنا أنت نتصور وطأة الحطم من سليمان وجنوده، للنمل مع ضآلة جرمه ووهن قواه.\rوثلاث مرات بصيغة حطام في آيتى (الزمر ٢١، والحديد ٢٠) للرزع المصفر اليبيس المهشم، تمثيلاً لحطام الدنيا ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ومعهما آية الواقعة ٦٥.\rومرتان بصيغة حطمة التي انفردت بها آيتا الهمزة.\rقالوا في تفسيرها: هي اسم من اسماء النار، وهي الدركة الثانية من ردكاتها.\rوفي الطبري عن \"مقاتل\": تحطم العظام وتأكل اللحم حتى تهجم على القلوب.\rورووا فيه حديثاً: \"إن الملك ليأخذ الكافر فيكسره على صلبه كما توضع الخشبة على الركبة فتكسر. ثم يرمى به إلى النار\".\rوأخذه الزمخشري في (الكشاف) من معنى النار تحطم كل ما يلقى فيها كالرجل الأكول الحطمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187548,"book_id":1238,"shamela_page_id":358,"part":"2","page_num":176,"sequence_num":358,"body":"والقرآن يغنينا عن تأويل بما تولى من بيان الحطمة في الآيات بعدها، وتبدأ بالسؤال:\r﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ .\rوالدراية أخص من المعرفة.\rوالخاصة البيانية لهذا الأسلوب: ما أدراك، استعماله فيما يجاوز دراية المسئول:\rإما لجلال الأمر وعظمة كآيتى: القدر ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ، والعقبة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ .\rوإما لكونه من الغيب المتعلق بالصبر في اليوم الآخر، يتجاوز دراية البشر ويعييهم إدراكه وتمثله، كآيات:\r﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ (المدثر ٢٧)\r﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (الحاقة ١ - ٣)\r﴿وَمَ�� أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ (القارعة ٣، ١٠)\r﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ (الرسلات ١٤)\r﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (الإنفطار ١٧، ١٨)\r﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾\r﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾\r(المطففين ٨، ١٨)\rوفي كل آية من هذه الآيات، يعقب على السؤال المثير ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ ؟ ببيان مناط العلو أو الرهبة والهول، فلنا إذن أن نلتمس مثل ذلك فيما تلا آية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ من بيان لها في الآيات بعدها:\r* * *\r﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ .\rوباستقراء الاستعمال اتلقرآني للنار، نلحظ غلبة مجيئها لنار الجحيم في الآخرة، حيث وردت فيها نحو مائة وعشرين مرة، في مقابل خمس وعشرين مرة للنار في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187549,"book_id":1238,"shamela_page_id":359,"part":"2","page_num":177,"sequence_num":359,"body":"الدنيا، إما على الحقيقة في النار المعروفة المعهودة، وإما على المجاز في مثل نار الحرب (المائدة ٦٤)\rومع كثرة استعمال النار في القرآن لنار الجحيم، لم تأت مضافة إلى الله تعالى إلا في \"الهمزة\" فشهد ذلك بفداحة النكر لفتنة المال وما تغرى به من تكبر وبغى، وعدوان وضلال.\rوالإيقاد الإشعال، وأصله في العربية للنار إلا أت يستعمل مجازاً في الفتنة والحرب والضغينة وما أشبهها.\rوقد جاءت مادة (قد) في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة، اثنتان منها على المجاز في آية النور: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٣٥.\rوبآية (المائدة) في اليهود: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ ٦٤.\rوخمس مرات للنار المعروفة، إيقاداً ووقوداً واستيقادا:\r(يس ٨٠، الرعد ١٧، القصص ٣٨، البروج ٥، البقرة ١٧) .\rوأربع مرات لنار الجحيم ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ بآيات:\r(البقرة ٢٤، وآل عمران ١٠، والتحريم ٦) .\rو ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ في آية الهمزة.\rوالمار لا تكون إلا موقدة، فوصفها بالموقدة في مقام النذير، تأكيد للوعيد وإرهاب بهوله.\rوليس من الضرورى أن نتأول إطلاع نار الله الموقدة على الأفئدة، بأنها: \"تعلوها وتقلبها وتشتمل عليها\" كما ذهب الزمخشري وأذه الشيخ محمد عبده، ولا بأنها \"تأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب\" كما نقل الطبري.\rوأولى من هذا الهجوم والأكل، أن نامح أسرار التعبير في هذا البيان القرآني، فنتدبر موضع الأفئدة هنا، ولا نقول إنها جاءت مكان القلوب لمجرد ملحظ لفظي في رعاية الفاصلة، بل لأن القلب قد يطلق في العربية على العضو العضلي المعروف من أعضاء الجسم، أما الفؤاد فلا يطلق إلا على المعنوي من وضع الشعور والعواطف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187550,"book_id":1238,"shamela_page_id":360,"part":"2","page_num":178,"sequence_num":360,"body":"والعقيدة والأهواء. وبهذا المعنى جاء الفؤاد في القرآن مفرداً وجمعاً، ست عشرة مرة، ليس فيها ما يحمل على الجارحة، كآيات:\r﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود ١٢٠)\r﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان ٣٢)\r﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (النجم ١١)\r﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (القصص ١٠)\r﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (إبراهيم ٣٧)\r﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (الأنعام ١١٣)\r﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (إبراهيم ٤٣)\rوالزمخشري التفت إلى أن الأفئدة مواطن الكفر والعقائد الفاسدة، كما قال الشيخ محمد عبده إنها موضع الوجدان والشعور.\rوبقى أن نلتفت إلى أن هذه المعنويات هي الغالبة كذلك على استعمال القرآن للفظ قلب وقلوب. إذ يأتي اللفظ مع الإطمئنان والسكينة والرحمة والتآلف والخشوع والوجل والفقه والطهر. كما يأتي مع الارتياب واللهو والتقلب والرعب والوجل والخوف والاشمئزاز والقسوة والتكبر والجبروت، والزيغ والمرض والإثم والغفلة والعمى.....\rوكلها مما لا مجال له في القلب بدلالته العضوية التي تعرفها له العربية في مألوف الاستعمال ومنه في القرآن آية الأحزاب:\r﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ .\rوإذن يكون إيثار الأفئدة هنا لا لنسق الفاصلة فحسب، ولكنه كذلك لتخليض الأفئدة من حس العضوية التي تدخل على دلالة لفظ القلوب في المألوف من لغة العرب، إذ نستعمل القلب بمعناه العضوي، ولا نستعمل الفؤاد بهذا المعنى قط.\rوإسناد الإطلاع إلى نار الله الموقدة، فيه تشخيص لهولها وتقرير لفاعليتها، على نحو ما شخص القرآن الكريم هذا الهول بتقرير فاعلية النار، في آيات أخرى، تأتي النار فيها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187551,"book_id":1238,"shamela_page_id":361,"part":"2","page_num":179,"sequence_num":361,"body":"مبصرة منفعلة: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (الفرقان ١٢)\r﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ .\rناطقة داعية: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (الملك ٧، ٨)\r﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (المعارج ١٧)\rبل أعطاها كذلك صفة الولاية على المفتونين المغرورين والكفار الجاحدين:\r﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الحديد ١٥)\r* * *\r﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ .\rنلمح من سر البيان فيها، أنها ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بما تفيد من الإطباق الملاصق المباشر.\rولا تقوم مقامها \"فوقهم\" مثلاً، لاحتمال أن تكون الفوقية غير ملاصقة ولا مطبقة ملابسة.\rوالعربية استعملت الوصيد للبيت الحصين يتخذ للمال من حجارة فب الجبال.\rواستوصد في الجبل: اتخذ فيه حظيرة من حجارة.\rوالعمد: حمع عمود، وأصل استعماله فيما يقوم عليه الخباء، وعمد الحائط دعمه. وسبق استقراء مادته في ذات العماد من آية الفجر.\rوالمد: الجذب للبسط، وطراف ممدد مشدود بالأطناب. ومد بصره إلى الشيء طمح إليه. والمد فيضان الماء نقيض انحساره في الجزر.\rفسره الزمخشري بقوله: فتوصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقاً في استيثاق، ونظيره قول الشاعر:\rتحن إلى أجيال مكة ناقتى ومن دونها أبواب صنعاء موصده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187552,"book_id":1238,"shamela_page_id":362,"part":"2","page_num":180,"sequence_num":362,"body":"ونؤثر أن نستأنس في فهم الآية، بالحس اللغوي الأصيل للإيصاد، بمعنى الإغلاق المحكم، وباستعمال القرآن الكريم للمادة، في آياتها الثلاث:\rالوصيد في آية الكهف ١٨:\r﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ .\rومؤصدة في ختام سورة البلد:\r﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ .\rوالآية مسبوقة ببيان لغرور المال وفتنته، يضل الإنسان ضلالاً بعيداً:\r﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ؟\rوفي آية البلد من إيصاد النار وإطباقها المباشر، مقل ما في ختام سورة الهمزة:\r﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ .\rنذيراً كذلك ووعيداً بويل ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ .\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187553,"book_id":1238,"shamela_page_id":363,"part":"2","page_num":181,"sequence_num":363,"body":"سورة الماعون\r﷽\r﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) ﴾\rصدق الله العظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187554,"book_id":1238,"shamela_page_id":364,"part":"2","page_num":183,"sequence_num":364,"body":"السورة مكية مبكرة، نزلت بعد التكاثر.\rوترتيبها في النزول السابعة عشرة، على المشهور.\rوجاءت باسم سورة \"أرأيت\" في جامع البيان للطبري والكشاف للزمخشري والتفسير الكبير للفخر الرازي.\r* * *\rوقراءة الجمهور: أرأيتَ.\rوقرأ بعضهم \"أريتَ\" بحذف الهمزة من رأى، قال في الكشاف: \"وليس بالاختيار، لأن حذفها مختص بالمضارع، ولم يصح عن العرب ريْتَ، ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهلم في أول الكلام، ونحوه:\rصاح هل ريت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في العلاب\rوقالوا في أسباب النزول، إنها نزلت في: أبي سفيان، أو العاص بن وائل السهمي، أو الوليد بن المغيرة، أو أبي جهل، وقال ابن عباس: \"نزلت في منافق جمع بين البخل والمراءاة\".\rوالعبرة على كل حال بعموم اللفظ.\r* * *\rوتستهل السورة بهذا الاستفهام المثير\" ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ؟\rوالأصل في الاستفهام أن يكون من سائل يطلب الفهم ويستفسر عما يجهل، أما حين يكون المستفهم على علم بما يستفهم عنه، فإن الاستفهام يخرج بذلك عن أصل معناه في الوضع اللغوي، إلى المجاز البلاغي.\rوفيما أحصى البلاغيون من أغراض يخرج بها الاستفهام عن معناه الأصلي، لا أجد ما يجلو السر البياني لمثل هذا الاستفهام القرآني: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ؟\rوعند \"الراغب\" أن \"أرأيت، يجرى مجرى: أخبرني\" وأن كل ما في القرآن من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187555,"book_id":1238,"shamela_page_id":365,"part":"2","page_num":184,"sequence_num":365,"body":"هذا الأسلوب \"فيه معنى التنبيه\"، قال الفخر الرازي فيه: \"إن الغرض منه المبالغة في التعجب\" وذهب الشيخ محمد عبده إلى \"أن المقصود به التنبيه إلى خفى مجهول\".\rوأميل إلى القول بأن سره البياني فس الاستفهام عما يبدو للناس واضحاً غير خفي، ويحسب��نه معلوماً غير مجهول، إذ ليس التكذيب بالدين مظنه خفاء، والناس يحسبونه أنه يكفي المرء تصديق بالدين لأن ينطق الشهادتين ويؤدي العبادات المفروضة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.\rومن ثم يأتي الاستفهام عما يحسبه الناس مستغنياً عن كل بيان، فيثير أقصى اليقظة والانتباه، ويرهف الدهشة والترقب انتظاراً لجواب غير متوقع، وتطلعاً إلى معرفة ماذا يكون التكذيب بالدين غير الذي يعلمون منه بالضرورة؟\r* * *\rوالدين في العربية: الطاعة والخضوع. وسمى العبد مديناً لأن العبودية أخضعته.\rوالديان: القهار، والقاضي، والحاكم.\rوشاع استعماله في الملة بعامة، وفي الإسلام بوجه خاص، وهو المعنى الغالب في الاستعمال القرآني.\r﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾\r﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .\r﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينً﴾ .\r﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ .\rوسمى اليوم الآخر \"يوم الدين\" أربع عشرة مرة.\rوفي آية ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فسر الدين بأنه ثواب الله وعقابه (الطبري) واختار الزمخشري كذلك أن يكون بمعنى الجزاء. والأولى عند الرازي أن يكون بمعنى الإسلام.\rوهي أقوال متقاربة، وإن يكن حمله على الدين بمعنى العقيدة والإسلام، أقوى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187556,"book_id":1238,"shamela_page_id":366,"part":"2","page_num":185,"sequence_num":366,"body":"عندنا، والله أعلم، من حمله على الحساب والجزاء، لأن التكذيب بهما لا يكون إلا عن تكذيب بالدين.\r* * *\rوالكذب: نقيض الصدق. استعملته العربية ف الناقة الكذوب يظن أنها حامل ثم تخلف الظن، وفي البرق يوهم أن وراءه مطراً ثم لا يكون مطر، كما استعملته في خداع الحس، فقيل كذبت العين أو الأذن إذا أخطأت حقيقة ما تبصر أو ما تسمع.\rومنه جاء الحلم الكاذب والرجاء الكاذب، وكل ما أخلف الظن والتقدير. وقيل مذبته نفسه إذا منته الأماني وخيلت إليه من الآمال مالاً لا يكاد يكون.\rوكذب بالأمر. أنكره ولم يصدقه.\rوبهذا الحس الأصيل من سوء التقدير وإنكار الحق، يأتي التكذيب في القرآن الكريم أكثر ما يأتي في التكذيب بالله وآياته ورسله. وهو التكذيب بالحق والصدق.\rومنه التكذيب بالنذر، وبالساعة، وبلقاء الله والآخرة. وبيوم الفصل، وبجهنم والعذاب.\rوكثر في القرآن الوعيد والإنذار بعاقبة المكذبين، ووصفوا بأنهم الضالون، والمجرمون، والكافرون، والغافلون. كما أسند إليهم: الأفتراء، والظلم، والإثم، والإعتداء، والمعصية، والخسران، وإتباع الأهواء.\rوجاء التكذيب بالدين في آيات:\r﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (الانفطار ٩)\r﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (التين ٧)\r﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (الماعون ١)\rوتتولى الآيات بعدها بيان المستفهم عنه من هذا التكذيب بالدين:\r﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ .\rوالدع الدفع العنيف مع قسوة وجفاء. ولم يستعمله القرآن الكريم إلا في آيتين، إحداهما للمعاملة في الدنيا وقد خص به اليتيم في آية الماعون.\rوالأخرى في دع المكذبين إلى النار يوم الدين بآية الطور:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187557,"book_id":1238,"shamela_page_id":367,"part":"2","page_num":186,"sequence_num":367,"body":"﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ١٣.\rوهذا يكفي لمح الحس القرآني للدع، بما فيه من قسوة وغلظة وجفاء.\rواليتيم الصبي فقد أباه. وقد سبق استقراء آياته في الضحى ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ولحظنا اقتران اليتيم في هذه الآيات، بالمسكين والأسير (الإنسان، والبلد) ، والضال والعائل (الضحى) وجاء اليتامى مع المساكين وابن السبيل في خمس آيات، ومع الرقاب للأرقاء في آيتى (البقرة ١٧٧، النساء ٣٦) .\rفشهد ذلك بحساسية بالغة الرقة لمكان اليتيم في مجتمع غير متراحم ولا متكافل، مما اقتضى أن يقرر كتاب الإسلام حق اليتيم في المجتمع الإسلامي الصالح، وأن يجعله تالياً لحق الله والرسول وذوي القربي في آيات (الأنفال ٤١، الحشر ٧) ومعهما (البقرة ١٧٧، ٢١٥) وتالياً لعبادة الله والإحسان بالوالدين وبذي القربي في آيتى (البقرة ٨٣، النساء ٣٦) .\rوفي (سورة الفجر) الوعيد الرهيب لمن لا يكرمون اليتيم.\rوهنا في آية (الماعون) يبلغ بالقرآن أن يعد دع اليتيم تكذيباً بالدين:\r﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ .\rوالعربية تستعمل الحض في الحث وبعث الحمية، نقلا من الحث الشديد على السير. وقد نقلنا في آية الفجر: ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ قول الراغب الأصفهاني في (المفردات) إن الحث يكون بسير، بخلاف الحض.\rوالذي نطمئن إليه من حس العربية، هو مألوف استعمالها للحض في الحمل على ما يكره، ولعل أصل الاستعمال اللغوي من الحضض وهو داء يشفي بعصارة الصبر، أو هو عصارة من أخلاط كريهة كانوا يتداوون بها. وحضوض: اسم جبل في البحر كانت العرب تنفى إليه خلعاءها.\rوالقرآن الكريم لم يستعمل الحض في آياته الثلاث، إلا في سياقالإنكار لعدم التواصي برعاية المسكين وإطعامه مع اقتران هذا الإنكار بالكفر بالله والتكذيب بالدين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187558,"book_id":1238,"shamela_page_id":368,"part":"2","page_num":187,"sequence_num":368,"body":"آية الحاقة ٣٤: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ .\rالغسلين، طعام من لا يحض على طعام المسكين، فسر بأنه ما يسيل من جلود أهل النار.\rوآية الفجر ١٨: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ .\rوفي آية الماعون، تجئ آية: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ في بيان الذي يكذب بالدين.\rأوجز \"الطبريط ففسرها بأنه الذي لا يحث غيره على إطعام المحتاج إلى الطعام.\rوقال الزمخشري: \"ولا يبعث أهله على بذل طعلن المسكين. جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف. يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لخشى الله تعالى وعقابه ولم يقدم على ذلك\".\rوأضاف إليه الرازي احتمال أن يكون المعنى: ولا يحض نفسه على طعام المسكين.\rونرى أن تفسير الحض بالحث، لا يعطي ملحظ الحمل على ما يكره عادة، كما يفوته لمح خصوصية الاستعمال القرآني للحض في الإنكار لعدم الت��اض على طعام المسكين.\rوتقسسد الآية بعدم حض الأهل، لا يعين عليه النص لفظاً وسياقاً، وإنما هو إنكار لموقف من ينكصون عن احتمال التبعة فلا يؤدون حق الجماعةفي الدعوة إلى الخير والتواصي بالمرحمة، وفي حسابهم أنه يكفي الإنسان تصديقاً بالدين، أن يؤدي فروض عبادته، وأن خطيئات غيره لا يقع عليه منها إثم السكوت على منكر.\rوتأويل الحض بأنه لا يحض نفسه، غير قريب. فضلاً عن كونه يخرج بالآية عن سياقها القرآني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\rوللفخر الرازي ملحظ دقيق في إضافة طعام إلى المسكين، يجدى على ما نفرغ له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187559,"book_id":1238,"shamela_page_id":369,"part":"2","page_num":188,"sequence_num":369,"body":"من دراسة بيانية. قال: \"وإضافة طعام إلى المسكين تدل على أن ذلك حق المسكين. فكأنه - المكذب بالدين - منع المسكين مما هو حقه، وذلك يدل على نهاية بخله وقساوة قلبه وخساسة طبعه\".\r* * *\r﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾\rسبق الحديث عن لفظ \"ويل\" واستقراء الاستعمال القرآني له، في تفسير آية الهمزة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ .\rوالسهو لغة: النسيان والغفلة. ولم يستعمله القرآن الكريم إلا في آيتين:\r﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (الذاريات ١١)\rوآية الماعون، والسهو فيها عن الصلاة، وليس في الصلاة.\rومن ثم نستبعد ابتداء قول من تأولوا السهو في الآية بأنه سهو في الصلاة وليس السهو فيها بخطيئة ولا منكر، وكل مؤمن عرضه لأن يسهو في صلاته، وينجبر مثل هذا السهو في الصلاة بسجود السهو والنوافل على ما هو مقرر في باب سجود السهو من أحكام الفقه.\rفما يكون السهو عن الصلاة؟\rاختلف أهل التأويل فيه، وقد أورد الإمام الطبري من أقوالهم في المقصود بهذا السهو:\rأنه تأخير الصلاة، لا يصلونها إلا بعد خروجها عنه وقتها.\rأنه الترك للصلاة لا على نية القضاء. وعن ابن عباس: هم المنافقون كانوا يراءون بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا.\rأو هو التهاون بها والتغافل عنها، ولا يبالى أحدهم صلى أم لم يصل.\rوأولى الأقوال عند الطبري بالصواب: \"أنهم ساهون لا هون يتغافلون عنها. وفي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187560,"book_id":1238,"shamela_page_id":370,"part":"2","page_num":189,"sequence_num":370,"body":"اللهو عنها والتشاغل بغيرها تضييعها أحياناً وتضييع وقتها أحياناً أخرى. فصح بذلك قول من قال: عنى بذلك ترك وقتها، وقول من قال: عنى تركها\".\rوأضاف \"الزمخشري\" إلى هذين الوجهين وجهاً ثالثاً: \"أو لا يصلونها كما صلاها رسول الله ﷺ والسلف، ولكن ينقرونها نقراً من غير خشوع وإخبات، ولا اجتناب لما يكره فيها من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، لا يدرى الواحد منهم كم أنصرف، ولا ما قرأ من السور\".\rووقف \"الرازي\" عند تأويل السهو عن الصلاة بتركها، فأثار فيه مسألتين: \"أن يقال إن الله تعالى أثبت لهم الصلاة بقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وأيضاً فالسهو عن الصلاة بمعنى الترك، لا يكون نفاقاً ولا كفر، فيعود الإشكال....\rثم قال: \"ويمكن أن يجاب عن الاعتراض الأول بأنه تعالى حكم عليهم بكونهم مصلين نظراً إلى الصورة، وبأنهم نسوا الصلاة نظراً إ��ى المعنى كما قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ويجاب عن الاعتراض الثاني بأن النسيان عن الصلاة هو أن يبقى ناسياً لذكر الله\".\r* * *\rولا نفهم الآبة بمعزل عن الآية التالية لها وقد ارتبطت بها ارتباط الصلة بالموصول:\r﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ .\rوالمراءاة في العربية أن يظهر الإنسلن خلاف ما يبطن. ووجه المفاعلة فيها أنه يرى الناس من ظاهر أمره ما يرونه موضع ثناء. وهي قريبة من النفاق، وإن شاع في المجال الديني تخصيص النفاق بمن يكتم الكفر ويظهر الإسلام. وإطلاق الرياء عاماً في التظاهر بالإيمان وبالصلاح والبر، وإضمار نقيضها.\rوهو ما يؤنس إليه استعمال القرآن الكريم للرياء والمراءاة في الآيات الخمس:\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187561,"book_id":1238,"shamela_page_id":371,"part":"2","page_num":190,"sequence_num":371,"body":"النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة ٢٦٤)\rومعها آيتا: (النساء ٣٨، ١٤٢)\r﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال ٤٧)\rوآية الماعون في ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ .\rومن معاني الماعون في معاجم اللغة: الماء والمطر، وكل ما يستعار للمنفعة عند الحاجة من فأس وقدر وإناء، ومنه شاع استعماله في الإناء. وقد يطلق الماعون أيضاً على الزكاة، بملحظ من إعطاء حق المال المفروض، على قلته، لمن يحتاج إليه ولا يجوز إمساكه عنه.\rولم يأت الماعون في القرآن الكريم إلا في هذه الآية.\rفي قول إنه الزكاة، اختراه الزمخشري.\rعلى أن أكثر المفسرين فيما نقل الفخر الرازي، تأولوه بأنه ما يتعاوره الناس في العادة، كالفأس والدلو والمقدحة، والملح والماء والنار.\rوعند الرازي أنها سميت ما عوناً لقلة شأنها، كما سميت الزكاة ماعوناً لأنه يؤخذ من المال ربع العشر وهو قليل من كثير.\rونبه الزمخشري إلى أن منع هذه الأشياء التي يتعاورها الناس \"قد يكون محظوراً في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحاً في الموءة في غير حال الضرورة\".\rعلى حين يرى الرازي \"أن البخل بهذه الأشياء القليلة يكون في غاية الدناءة. ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه الجيران فيعيرهم إياه، ولا يقتصر من ذلك على الواجب\".\rونقول من الإمام الطبري:\r\"إنهم يمنعون الناس ما يتعاورونه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة والمسكنة ما أوجب الله لهم في أموالهم من حقوق، لأن كل ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس بعضهم من بعض\".﴾ ﴾","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187562,"book_id":1238,"shamela_page_id":372,"part":"2","page_num":191,"sequence_num":372,"body":"وقد احترز عدد من المفسرين في تأويل: ﴿يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ من أن تتجه المراءاة إلى إظهار العمل الصالح إذا كان فريضة \"لأن الفرائض شعائر الإسلام وتاركها مستحق للعن، فيجل نفي التهمة بالإظهار وإنما المكروه المراءاة بإظهار ما هو تطوع ونافلة\" واحترزوا في هذا أيضاً بألا يكون القصد من إظهاره أن يقتدي به.\rوأ��ى السياق في غنى عن مثل هذا الاحتراز، إذ ليس في إظهار فرائض العبادات، ولا في موضع القدوة، مظنة مراءاة توعد بويل.\r* * *\rونفرغ بعد هذا لتدبر البيان القرآني لآيات الماعون، فنرى النذير بويل ﴿لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قد أثبت أنهم فعلاً يؤدون الصلاة، ولكنهم ساهون عن صلاتهم غافلون عن كونها قياماً بين يدى الخالق، يكبح غرور الإنسان ويأخذه بالخشوع والتواضع أمام جلال خالقه وعظمته وقدرته، ويرهف نفسه اللوامة، فلا يطيق دع يتيم محتاج إلى العطف والرحمة، أو السكوت على مسكين يضام ويمنع حقه في طعامه.\rوصلاة الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، لا يمكن أن تقام عن قلب خاشع وضمير مؤمن، وإنما هي مراءاة وتظاهر بالعبادة والتدين والتقوى، قصداً إلى جلب منفعة أو دفع أذى.\rوحين لا تؤدى الصلاة غايتها من النهي عن الفحشاء والمنكر، فإنها تعود بذلط طقوساً شكلية وحركات آلية مجردة عن معناها وحكمتها. والإسلام يرفض هذه الآلية في شعائر الدين، ويتجه بالعبادات إلى أن تكون تهذيباً للنفس ورياضة للضمير وهداية إلى خير الفرد والجماعة.\rوالذي في آية البر:\r﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ﴾ ﴾","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
+{"page_id":1187563,"book_id":1238,"shamela_page_id":373,"part":"2","page_num":192,"sequence_num":373,"body":"الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة ١٧٧)\rوفي آية الحج:\r﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ ٣٧.\rهو ما في آية الماعون، في المصلين الذين يؤدون الصلاة أداء شكلياً وطقوساً وحركات آلية يراءون بها، غافلين عن حكمة إقامتها، ساهين عما تنهي عنه من الفحشاء والمنكر.\r* * *\rويمثل ذلك الهدى القرآني، يروض الإسلام بشريتنا على احتما المسئولية العامة، ويرتقي بالإنسان إلى حيث لا يكتفي بالواجب الفردي وأداء العبادات، بل يعد دع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين تكذيباً بالدين. وليس وراء ذلك مطمح للإنسانية في التزام تبعة وجودها واحتمال أمانة الحق العام في التكافل والتراحم، والدعوة إلى الخير والتواصي بالحق والمرحمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\r﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾\rصدق الله العظيم\rتمَّ الكتاب بحمد الله وتوفيقه\rوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}