{"page_id":1080066,"book_id":1146,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":1,"body":"﷽\r\rالمقدمة\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده ا لله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\rاللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\rأما بعد.\rفإن الله تعالى خلق الثقلين لحكمة عظيمة وهي تحقيق عبادته فقال عز من قائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (¬١) ثم أرسل رسله مبينين للناس كيفية التعبد؛ فخص هذه الأمةَ بأكرم رسول، وأعظم شريعة، وأشرف كتاب.\rفكان من أعظم ما تميزت به شريعتنا عن الشرائع السابقة نعمة كمال الدين كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (¬٢)\rقال الطبري ﵀ في تفسير الآية: «لم يزل [الله] يصرف نبيه محمدا ﷺ وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه، درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه» (¬٣)","footnotes":"(¬١) الذاريات: (٥٦).\r(¬٢) المائدة: (٣).\r(¬٣) تفسير الطبري (١/ ٤٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080067,"book_id":1146,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":2,"body":"وكان من عظمة هذا الدين أن جاءت تشريعاته مستغرقة لكل ما أحبه الله ورضيه لعباده أن يتقربوا به إليه، من سائر الطاعات، وملبية رغبة العباد في التقرب إلى ربهم بشتى أنواع القربات، بل ما من عضو من أعضاء البدن، أو حاسة من حواسه، إلا شرع الله لها من العبادة ما تؤدي بها حق شكرها؛ فالقلب واللسان، والسمع والبصر، واليد والقدم لكل منها عبادة مشروعة. (¬١)\rهذا مع مراعاة التوازن في تأدية حقوق الخلق على مختلف الطبقات، وإعطاء النفس حظها من مباح الشهوات كما قال النبي ﷺ في وصيته لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزَورِك (¬٢) عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا». (¬٣)\rوقال سلمان لإبي الدرداء: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا؛ فأعط كل ذي حق حقه». قال النبي ﷺ: «صدق سلمان». (¬٤)\rوقد اقتضت حكمة الله العزيز الحكيم، أن لم يجعل تلك التشريعات كلها حتماً واجباً على كل فرد، بل كانت على مراتب ودرجات:\rفمنها ما هو واجب عيني على كل مسلم، لا يسعه تركه مع القدرة عليه.\rومنها ما هو واجب كفائي على عموم الأمة، تبرأ الذمة بقيام بعضهم به.\rومنها ما هو من نوافل العبادات لا إثم على الأمة بتركها، وإنما جعلها الله","footnotes":"(¬١) انظر لمزيد الاطلاع والبحث في هذا الموضوع مدارج السالكين للإمام ابن القيم (١/ ١٠٩١٢٢) فقد بسط القول في أنواع العبادات وتعلقها بالقلب واللسان والجوارح، وأحكام العبودية الخمسة مع التمثيل والاستشهاد لكل نوع، بما لا مزيد عليه في التحقيق فجزاه الله خيراً.\r(¬٢) الزَّور: هو الزائر. وهو في الأصل مصدر وضع موضع الإسم. وقد يكون جمع زائر. انظر النهاية لابن الأثير (٢/ ٣١٨).\r(¬٣) أخرجه البخاري في صحيحه. الصحيح مع الفتح (١٠/ ٥٣١) ح (٦١٣٤)، ومسلم في صحيحه (٢/ ٨١٣).\r(¬٤) أخرجه البخاري في صحيحه. الصحيح مع الفتح (١٠/ ٥٣٤) ح (٦١٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080068,"book_id":1146,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":3,"body":"ميدانا عظيما لأصحاب العزائم في السبق إلى أعلى الدرجات.\rكما أن هذه العبادات بدرجاتها الثلاث، وما يندرج تحتها من أعمال متفاوتة في الفضل والجزاء عند الله تفاوتا عظيما، وتفاوتها في الفضل لا يرجع إلى معنى واحد بل إلى اعتبارات كثيرة دلت عليها النصوص.\rفهي متفاضلة باعتبار انقسامها إلى واجبات ومستحبات كما تقدم، وباعتبار أجناسها، وباعتبار الإخلاص والمتابعة فيها، وباعتبار المداومة عليها، وباعتبار تعديها للخلق، وباعتبار زمانها ومكانها، وباعتبار ما يصحبها من الأحوال الخاصة، وباعتبار الاقتصاد والتيسير في تأديتها، وباعتبار العامل ومنزلته عند الله إلى غير ذلك من أسباب التفاضل.\rونظرا لأهمية مسألة التفاضل بين الأعمال وشدة الحاجة إلى فهمها الفهم الصحيح في التقرب إلى الله بأفضل الطاعات، والمسابقة إلى أعلى الدرجات، رأيت أنه من الواجب ضرورة الكتابة في هذه المسألة بجمع شتاتها، وتقريب مسائلها، والخروج بقواعد مؤصلة بناء على مدلولات النصوص، وفهم السلف لأفضل ما ينبغي أن تشتغل به الأمة على مختلف طبقاتها، وتنوع قدراتها، وتوجيه الراغبين في الخير لأفضل الأعمال في حقهم بناء على مراعاة الفوارق الفردية، والمؤهلات النفسية، والظروف الزمانية والمكانية، وغير ذلك من الأحوال المؤثرة في تقرير هذه المسألة العظيمة الجليلة.\r\rويكمن إبراز أهمية دراسة هذا الموضوع في النقاط الآتية:\r\r١ - أن هذا الموضوع كان محل العناية التامة من السلف حيث عظمت رغبتهم في التفقه فيه؛ فكثرت أسئلة الصحابة للنبي ﷺ عن أفضل العمل، كما عني به التابعون من بعدهم، والأئمة المحققون من أهل السنة فكثر بحثهم فيه، والتنبيه على أصوله وقواعده مما خلف لنا مادة علمية غزيرة، وفوائد نافعة عظيمة في هذا الباب قد تخفى على بعض طلبة العلم، فضلا عن عامة الناس مما يحتم بحثه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080069,"book_id":1146,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":4,"body":"وتقريبه للناس.\r\r٢ - أن المسلم المتفقه في هذا الباب يقطع في الزمن اليسير، وبجهد قليل في السبق إلى الله ما يقطعه غيره في زمن أكثر، وبجهد أكبر، مما تعظم معه الرغبة لكل مسلم في التفقه فيه، خصوصا في هذا الزمن الذي كثرت فيه الصوارف والأشغال، وضاقت فيه الأوقات عن الكثير من أعمال البر وصالح الأعمال.\r\r٣ - الانحراف في هذا الباب عن السنة والاتباع من قبل طوائف من الأمة من أهل الجهل والابتداع بانشغالهم بالبدع عن السنن، وبالنوافل عن الواجبات، وبالمفضول عن الفاضل من العبادات مما يتحقق بالكتابة فيه معالجة هذه الإنحرافات، والرجوع بالناس إلى السنة في منهج التعبد.\r\r٤ - أن الشيطان قد لبس في هذا الباب على بعض العبَّاد، فزين لهم الأعمال المرجوحة، وشغلهم بها عما هو أرجح وأحب إلى الله منها كما نبه على ذلك بعض الأئمة.\rقال ابن الجوزي ﵀: «فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل» (¬١).\rوقال أيضا: «وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل، ومنهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل، وصلاة الضحى، أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة، أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته» (¬٢).\rوقال الإمام ابن القيم في سياق تعداده للعقبات (الست) التي صرف بها الشيطان العباد عن العبادة أو أفضلها: «العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس (ص: ١٩٠).\r(¬٢) تلبيس إبليس (ص: ٢٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080070,"book_id":1146,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":5,"body":"المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا، ولأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله، وفضله، ودرجاته العالية. فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب عن الأحب، وبالمرضي عن الأرضى». (¬١)\rففي الكتابة في هذا الموضوع تنبيه وتحذير للأمة من كيد الشيطان وتلبيسه كما هي طريقة أهل العلم المتقدمين؛ فلهذه الأسباب، ولغيرها آثرت الكتابة في هذا الموضوع، وتقريبَ مسائله، وجمعَ فوائده في بحث مختصر لطيف مؤصلاً بالأدلة، مدعما بأقوال الأئمة.\rوقد سميته: «تجريد الاتباع في بيان أسباب تفاضل الأعمال».\rوقد سرت في كتابته على خطة منهجية اشتملت على:\rمقدمة، وتمهيد، واثني عشر فصلاً، و خاتمة.\rأما المقدمة: فكانت في أهمية الموضوع وأسباب اختياره.\rوأما التمهيد: ففي بيان عناية السلف بهذا الباب، وحرصهم على التفقه فيه.\rوأما الفصول فهي على النحو الآتي:\rالفصل الأول: تفاضل الأعمال باعتبار جنسها.\rالفصل الثاني: تفاضل الأعمال باعتبار انقسامها إلى واجبات ونوافل.\rالفصل الثالث: تفاضل الأعمال باعتبار النية وقوة الإخلاص.\rالفصل الرابع: تفاضل الأعمال باعتبار حسن المتابعة فيها.\rالفصل الخامس: تفاضل الأعمال باعتبار المداومة عليها.","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٢٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080071,"book_id":1146,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":6,"body":"الفصل السادس: تفاضل الأعمال باعتبار تحققها على وجه الاقتصاد والتيسير.\rالفصل السابع: تفاضل الأعمال باعتبار فضل العامل ومنزلته عند الله.\rالفصل الثامن: تفاضل الأعمال باعتبار الأوقات والأزمان.\rالفصل التاسع: تفاضل الأعمال باعتبار الأمكنة والبقاع.\rالفصل العاشر: تفاضل الأعمال باعتبار تعديها للخلق.\rالفصل الحادي عشر: تفاضل الأعمال باعتبار الأحوال المصاحبة لها.\rالفصل الثاني عشر: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال وما الذي يقدم منها عن التزاحم.\rأما الخاتمة: فهي في النتائج التي توصل إليها البحث.\rهذا وأسأل الله الكريم أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، صوابا على النهج القويم، وأن يجعله قربة لي عنده مدخرة ليوم الدين، وأن يعم بنفعه المسلمين وأن يبارك فيه، وأن يشرح صدور قُرَّائه لفهمه، والعمل بما فيه من توجيهات وإرشادات صحيحة، وأن يغفر لي ما اعتراه من خطأ أو زلل، ويوفقني عاجلا غير آجل لإصلاحه؛ إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم.\rثم أتوجه برغبة صادقة إلى علمائنا ومشايخنا، وإخواني من طلاب العلم، ممن طالع كتابي هذا، أن يتحفني بنصحه وتوجيهه، ويرشدني لما يقف عليه من خطأ في فهم، أو تصحيف لنقل، أو استدراك لمسألة، سائلا الله التوفيق للجميع لما فيه الخير والصلاح والسداد.\rوصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه، وصفوة رسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080072,"book_id":1146,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":7,"body":"التمهيد: عناية السلف بتفاضل الأعمال، وحرصهم على التفقه فيه\rلقد عظمت عناية السلف بموضوع التفاضل بين الأعمال، بدأ بالصحابة رضوان الله عليهم، ثم من جاء بعدهم من أئمة التابعين، ثم من سار على طريقهم من أئمة المسلمين المحققين في أبواب الاعتقاد، والسنة، والحديث، والفقه، على رأسهم الأئمة الأربعة الفقهاء، وتلاميذهم، وأتباعهم رحمة الله عليهم أجمعين.\rوفي الحقيقة إنه لا يمكن حصر كلامهم، وأقوالهم، وجهودهم في تقرير هذا الباب، وإنما أشير هنا إلى ما يدل على ذلك من خلال بعض الأوجه العامة الدالة على عناية السلف بهذا الموضوع، وهي:\r\r١ - كثرة أسئلة الصحابة ﵃ النبي ﷺ عن هذا الموضوع، على ما دلت على ذلك السنة من سؤال جمع من الصحابة النبي ﷺ قائلين: يارسول الله دلنا على أفضل العمل .. ؟ يارسول الله أي العمل أفضل؟\rويخبر بعضهم: سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ (¬١)\rويقول آخر: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل، فكان كلما أجاب النبي ﷺ قال: ثم أي؟ ثم أي؟ كما هو ثابت من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. (¬٢)\rوهذا يدل على عظيم عناية الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الباب،","footnotes":"(¬١) انظر هذه الأحاديث (ص: ١٥ - ١٦) من هذا البحث.\r(¬٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (٦/ ٣) ح: (٢٧٨٢)، ومسلم (١/ ٨٩) ح: (٨٥). وسيأتي بنصه (ص: ١٥) من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080073,"book_id":1146,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":8,"body":"وطلبهم التفقه فيه، وحرصهم على العناية بضبطه وفهمه.\r\r٢ - عناية أئمة الحديث بهذا الموضوع بنقلهم الأحاديث المؤصلة له في مواطن كثيرة من مصنفاتهم، وإفرادها بتراجم خاصة تبرز أهمية هذا الموضوع. ففي تراجم البخاري في صحيحه: «باب أي الإسلام أفضل» (¬١) و «باب تفاضل أهل الإيمان بالأعمال» (¬٢) و «باب أحب العمل إلى الله أدومه» (¬٣) و «باب العلم قبل القول والعمل» (¬٤) و «باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة» (¬٥) و «باب أفضل الناس مؤمن مجاهد». (¬٦)\rوكذلك أورد مسلم في صحيحه كثيرا من الأحاديث في التفاضل بين الأعمال، ترجم لها الإمام النووي بتراجم تشير إلى هذا الموضوع، ومن هذه التراجم: «باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها … » (¬٧) و «باب تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل» (¬٨) و «باب تفاضل أهل الإيمان فيه» (¬٩) و «باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة». (¬١٠)\rكما ذكر أبو داود كثيرا من الأحاديث في الفضائل في سننه منها ما جاء في كتاب الجهاد، وقد ترجم لها بعدة تراجم كقوله: «باب في ثواب الجهاد» (¬١١) و «باب","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب (٥).\r(¬٢) المصدر نفسه كتاب الإيمان، باب (١٥).\r(¬٣) المصدر نفسه كتاب الإيمان، باب (٣٣).\r(¬٤) المصدر نفسه كتاب العلم، باب (١٠).\r(¬٥) المصدر نفسه كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب (١).\r(¬٦) المصدر نفسه كتاب الجهاد والسير، باب (١).\r(¬٧) صحيح مسلم كتاب الإيمان باب (١٢).\r(¬٨) المصدر نفسه كتاب الإيمان باب (١٤).\r(¬٩) المصدر نفسه كتاب الإيمان باب (٢١).\r(¬١٠) المصدر نفسه كتاب البر والصلة والآداب باب (٢).\r(¬١١) سنن أبي داود كتاب الجهاد باب (٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080074,"book_id":1146,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":9,"body":"فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم» (¬١) و «باب فضل الغزو في البحر». (¬٢)\rوعقد الترمذي في سننه كتبا لأحاديث الفضائل مثل: «كتاب فضل الجهاد» (¬٣) و «كتاب فضائل القرآن» (¬٤)\rوالأمثلة على هذا من كتب الحديث كثيرة جدا يصعب حصرها، وإنما أشرت هنا إلى بعضها.\r\r٣ - اهتمام الأئمة المحققين بهذا الباب حيث أفرده بعضهم بالتصنيف، ومن الكتب المصنفة فيه:\rفضائل الأعمال لابن شاهين.\rفضائل الأعمال لابن قدامة.\rهذا غير ما أفرد في بعض الموضوعات الخاصة:\rكفضائل القرآن لأبي عبيد.\rوفضائل القرآن للنسائي.\rوفضائل القرآن لابن كثير.\rوفضائل الأوقات للبيهقي.\rولطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب.\rوهذا مما يدل على اهتمام أهل العلم بهذا الباب حيث أفردوه بهذه التصانيف، وغيرها مما لا يسع المقامُ ذكره.","footnotes":"(¬١) المصدر نفسه كتاب الجهاد باب (٨).\r(¬٢) المصدر نفسه كتاب الجهاد باب (١٠).\r(¬٣) سنن الترمذي (٤/ ١٦٤١٨٨).\r(¬٤) المصدر نفسه (٥/ ١٥٥١٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080075,"book_id":1146,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":10,"body":"٤ - عناية العلماء المحققين بتحقيق مسائل هذا الموضوع، والتوسع في بحثها، وتقريرها، ومن أشهر من عرف بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواطن كثيرة من كتبه، ورسائله، وقد اشتمل مجموع الفتاوى على كثير من الرسائل والمسائل المتعلقة بهذا الموضوع خصوصا الرسائل المجموعة في المجلدات (السابع)، و (العاشر)، و (الحادي عشر). وكذلك ما جاء في (الفتاوى الكبرى)، وبخاصة (المجلد الثاني).\rكما عني بهذا الباب، وتوسع فيه أيضا الإمام الفذ ابن القيم ﵀ في مواضع كثيرة من كتبه ومن أكثرها طرقا له (كتاب مدارج السالكين)، و (إغاثة اللهفان)، و (طريق الهجرتين).\rكما طرق هذا الباب بحثا وتحقيقا حتى يكاد يكون السمة البارزة لكتبه الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي، ومن أشهر كتبه في هذا: كتاب (لطائف المعارف)، و (جامع العلوم والحكم)، و (المحجة في سير الدلجة)، و (ورثة الأنبياء)، و (شرح حديث ما ذئبان جائعان)، و (شرح حديث شداد بن أوس: «إذا كنز الناس الذهب و الفضة … »)، و (الخشوع في الصلاة)، وغيرها من الرسائل المفيدة العظيمة النفع لهذا الإمام المحقق عليه وعلى علمائنا سوابغ الرحمة والغفران.\rوعلى كل حال فما ذكرته في هذه العجالة إنما هي إشارات وشذرات لبعض جهود الأئمة، وعنايتهم بهذا الباب العظيم، وإلا فجهودهم في تقريره كبيرة جدا يصعب الإحاطة بها في هذه الورقات، وهذا مما لا يخفى على الناظر في كتبهم، ورسائلهم عليهم رحمة الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080076,"book_id":1146,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":11,"body":"الفصل الأول: تفاضل الأعمال باعتبار جنسها\rدلت النصوص على تفاضل الأعمال باعتبار جنسها، وتفضيل أجناس بعض الأعمال على بعض.\rفقد ثبت في السنة أن النبي ﷺ سئل عن أفضل العمل في أكثر من مناسبة فتنوعت إجابته.\rففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على ميقاتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». فسكت عن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني. (¬١)\rوفيهما أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». (¬٢)\rوعن أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله». قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها … ». الحديث. (¬٣)","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ٣) رقم: (٢٧٨٢)، وصحيح مسلم (١/ ٨٩) رقم: (٨٥).\r(¬٢) صحيح البخاري مع الفتح (٣/ ٣٨١) رقم: (١٥١٩)، وصحيح مسلم (١/ ٨٨) رقم: (٨٣).\r(¬٣) متفق عليه. صحيح البخاري مع الفتح (٥/ ١٤٨) رقم: (٢٥١٨)، وصحيح مسلم (١/ ٨٩) رقم: (٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080077,"book_id":1146,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":12,"body":"وقد اختلفت أقوال أهل العلم في توجيه تنوع إجابة النبي ﷺ للسائلين، وتباينت أجوبتهم عن ذلك.\rفأجاب بعضهم بأن المراد «بأفضل العمل»: «من أفضل العمل «؛ فتكون الأعمال المذكورة من أفضل الأعمال لا أن كل واحد منه يقصد به أنه أفضل العمل، وحينئذ ينتفي التعارض.\rقال الإمام ابن خزيمة: «إن العرب قد تقول: إن أفضل العمل كذا، وإنما تريد: من أفضل. وخير العمل كذا، وإنما تريد: من خير العمل». (¬١)\rوقد نقل هذا القول الحليمي عن شيخه أبي بكر القفال، (¬٢) وارتضاه، (¬٣) ونقله عنهما النووي في شرحه لصحيح مسلم. (¬٤)\rوقد ضعف هذا القول الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي؛ قال بعد نقله: «وهذا في غاية البعد» (¬٥)\rقلت: وظواهر النصوص لا تعضد هذا القول؛ فإن السائلين كانوا يسألون عن أفضل العمل على الإطلاق، فيذكر النبي ﷺ عملا ثم يستفصل السائل قائلا: ثم ماذا؟ ثم أي؟ فيجيب النبي ﷺ. و «ثم» تفيد الترتيب في لغة العرب لا يفهم منها غير هذا. (¬٦)","footnotes":"(¬١) صحيح ابن خزيمة (٤/ ١٧٤).\r(¬٢) هو أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال الكبير، المتوفى سنة خمس وستين وثلاث مائة بالشاش، وهو غير القفال الصغير المشهور في كتب الفقه. قال الذهبي نقلا عن النووي: إذا ذكر القفال الشاشي فالمراد هو، وإذا قيل القفال المروزي، فهو القفال الصغير. انظر سير إعلام النبلاء (١٦/ ٢٨٣، ٢٨٤).\r(¬٣) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ٤٦٩).\r(¬٤) شرح صحيح مسلم (٢/ ٧٧، ٧٨).\r(¬٥) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب (٤/ ٢١١).\r(¬٦) انظر كتاب معاني الحروف لأبي الحسن علي بن عيسى الرمَّاني ص: (١٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080078,"book_id":1146,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":13,"body":"وقد أجاب بعض العلماء بأن أجوبة النبي ﷺ اختلفت بحسب أحوال السائلين، وأنه كان يجيب كل سائل بالأفضل في حقه، وهذا القول هو المشهور عند أكثر العلماء.\rوقد تتابع على نقله كثير من شراح الحديث.\rوإليه ذهب القفال في أحد جوابيه مع القول الأول كما نقله الحليمي عنه. (¬١) ونقله عنهما جميعا النووي كما تقدم. (¬٢)\rوذكره القاضي عياض ضمن أجوبة أهل العلم عن الأحاديث في شرحه لصحيح مسلم (¬٣) وكذا أبو العباس القرطبي (¬٤) في المفهم منتصرا له ومستدلا. (¬٥)\rكما نقله عن بعض أهل العلم ابن حجر في الفتح ولم يتعرض له بنقد. (¬٦)\rوقد ضعف هذا القول ابن رجب في شرحه لحديث عبد الله بن مسعود حيث قال: «هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه والجمع بين النصوص الواردة به وجوها غير مرضية». (¬٧) ثم ذكره مع الجواب السابق، وذهب إلى توجيه آخر في الجمع بين النصوص على ما يأتي.\rويشكل على هذا القول أمران:\rالأمر الأول: أن الأصل في جواب النبي ﷺ أنه محمول على العموم حيث","footnotes":"(¬١) انظر المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ٤٧١٤٧٢).\r(¬٢) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٧٧).\r(¬٣) إكمال المعلم (١/ ٣٤٧).\r(¬٤) هو أبو العباس أند بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي نزيل الاسكندرية كان من كبار الأئمة ولد سنة ٥٧٨ هـ وسمع بالمغرب من جماعة وتوفي في ذي القعدة سنة ٦٥٦ هـ. شذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\r(¬٥) المفهم (١/ ٢٧٥٢٧٦).\r(¬٦) فتح الباري لابن حجر (٢/ ٩).\r(¬٧) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080079,"book_id":1146,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":14,"body":"لم يستفصل عند الإجابة عن أحوال السائلين، وهذا أمر مقرر في باب الأصول؛ أن عدم استفصال النبي ﷺ عند السؤال عن الحال يُنزّل منزلة العموم القولي؛ إذ لو كان الحكم يتنزل على التفصيل لاستفصل عن الحال للحاجة إليه.\rقال الإمام الشافعي: «ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، ينزله منزلة العموم في المقال». (¬١)\rوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وقد تقرر في الأصول أن عدم الاستفصال من النبي ﷺ أي طلب التفصيل في أحوال الواقعة ينزل منزلة العموم القولي، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\rونزلن ترك الاستفصال منزلة العموم من الأقوال» (¬٢)\rفتخصيص إجابة النبي ﷺ عن أفضل العمل بالسائلين، وأن الإجابة اختلفت باختلاف أحوالهم، تخصيص لعموم النص من غير دليل على التخصيص.\rيقول الإمام الشافعي مقررا عدم جواز تخصيص النصوص إلا بدليل: «ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما، أو في واحد منهما. ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما لم تكن محتملة، له فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية». (¬٣)\rالأمر الثاني: أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر ابتداء، من غير سؤال عن تفضيل بعض الأعمال، فتنوعت الأحاديث في ذلك على نحو ما جاء في إجابة السائلين، كما جاء في حديث ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». (¬٤)","footnotes":"(¬١) المحصول لمحمد بن عمر الرازي (٢/ ٦٣١)، والمسودة في أصول الفقه لآل تيمية ص: ٩٨\r(¬٢) أضواء البيان (٥/ ١٠٠).\r(¬٣) الرسالة للإمام الشافعي (ص: ٢٠٧).\r(¬٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠١) ح: (٢٧٧)، والدارمي (١/ ١٧٥) ح: (٦٥٦)، وأحمد (٥/ ٢٧٧، ٢٨٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦٧٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٢١) ح: (٤٤٩).\rوقد صححه الألباني، ونقل تصحيحه عن جمع من أهل العلم. انظر إرواء الغليل (١/ ١٣٥) ح: (٤١٢)، وحاشية مشكاة المصابيح (١/ ٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080080,"book_id":1146,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":15,"body":"وفي حديث أبي الدرداء أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة، والصلاة»؟ قال: قلنا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين؛ وفساد ذات البين هي الحالقة». (¬١)\rوعن أبي الدرداء أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم؛ فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم». قالوا: بلى. قال: «ذكر الله». (¬٢)\rفهذا لا يستقيم مع قول من حمل تنوع إجابة النبي ﷺ عن أفضل العمل، أنها تتنزل على أحوال السائلين، إذ النصوص ليست محصورة في إجابة السائلين، كما هو ظاهر هنا.\rومن الأجوبة التي ذكرها أهل العلم في الجمع بين الأحاديث: أن الأجوبة اختلفت باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت، أفضل منه في غيره، وحملوا على هذا تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة. قالوا: كان هذا في أول الإسلام لعظم الحاجة إلى الجهاد في إظهار الدين. أو أنه محمول على الجهاد الواجب، وقت النفير إليه. (¬٣)","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٥/ ٢١٨) ح: (٤٩١٩)، والترمذي (٤/ ٦٦٣) ح: (٢٥٠٩) وقال: «هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه «، وأحمد (٤٥/ ٥٠٠) ح (٢٧٥٠٨).\r(¬٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٩) ح: (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٤٥) ح: (٣٧٩٠)، والحاكم (١/ ٦٧٣) ح: (١٨٢٥)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني. انظر حاشية مشكاة المصابيح (٢/ ٧٠٢)، وصحيح الكلم الطيب (ص: ٢٤).\r(¬٣) انظر إكمال المعلم للقاضي عياض (١/ ٣٤٧)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٧٨)، وفتح الباري لابن حجر (٢/ ٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080081,"book_id":1146,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":16,"body":"ومن أوسع ما وقفت عليه من التحقيقات لهذه المسألة وأدقها، ما ذكره الإمام الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه لحديث ابن مسعود ﵁ في فتح الباري، وملخص ما ذكره في الجمع بين النصوص: أن إجابة النبي ﷺ في حديث أبي هريرة بأن أفضل العمل الإيمان بالله ورسوله، هذا وجه ظاهر لا إشكال فيه؛ فإن أفضل العمل ما افترضه الله على عباده، والإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقا. وأما إجابته ﵊ في حديث ابن مسعود بأن أفضل العمل الصلاة على وقتها؛ فلأن الصلاة أفضل أعمال الجوارح، فتارة يذكر النبي ﷺ الإيمان بالله ورسوله؛ لأنه أفضل أعمال القلوب، وتارة يذكر الصلاة؛ لأنها أفضل أعمال الجوارح.\rوحيث أجاب بأحدهما فمقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام، ومراده في كلا الجوابين سائر المباني، فكأنه قال: الشهادتان وتوابعهما، والصلاة وتوابعها، وهو بقية المباني الخمس. ثم ذكره ﵀ أن ذكر النبي ﷺ للجهاد بعد الإيمان في حديث أبي هريرة، وعطفه على الإيمان في حديث أبي ذر يحتمل معنيين:\rأحدهما: أن ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان أفضل الأعمال بعد الإيمان، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان.\rالثاني: وهو أشبه، أن التعبير بالإيمان بالله ورسوله، يندرج تحته بقية أركان الإسلام، على ما سبق تقريره فيكون الجهاد متأخرا عنها في الفضل.\rوأجاب عن تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة بأن ذلك يحتمل أربعة وجوه:\rالأول: كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين، فكان مقدما على الحج.\rالثاني: أنه قد فُهم دخول الحج في ذكر الإيمان بالله ورسوله؛ لأن ذلك يتبعه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080082,"book_id":1146,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":17,"body":"بقية مباني الإسلام ومنها الحج، ويكون المراد بالجهاد التطوع وهو أشبه بقواعد الشريعة.\rالثالث: أن ذلك عندما كان الحج تطوعا؛ فإن الصحيح أن فرضه تأخر إلى عام الوفود. (¬١)\rالرابع: قد يقال: دل حديث أبي هريرة على أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحج؛ فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه.\rوأما تقديم الذكر في النصوص على سائر الأعمال فقال في توجيهه: إن المراد بذلك الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات، وليس الذكر مما يقطع من الأعمال، فمن عمل عملا صالحا، وكان أكثر ذكرا فيه من غيره، فهو أفضل من عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله فيه.\rفتكون النصوص محمولة على من أدى الفرائض مع ذكر الله فهو أفضل ممن أداها بغير ذكر. (¬٢)\rثم خلص ﵀ من هذا التحقيق إلى أن قال: «فتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال: الشهادتان مع توابعهما: وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعها أيضا من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ﷿، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي فروض الأعيان كبر الوالدين، ثم بعد ذلك [أعمال] (¬٣) التطوع المقربة إلى الله، وأفضلها الجهاد». (¬٤)","footnotes":"(¬١) عام الوفود هو عام تسعة من الهجرة. وسمي بذلك لقدوم وفود العرب على النبي ﷺ معلنين دخولهم في الإسلام. انظر البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٢٣٢).\r(¬٢) انظر فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١١٢١٩).\r(¬٣) ليست في المصدر والسياق يقتضيها، فلعلها سقطت والله أعلم.\r(¬٤) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080083,"book_id":1146,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":18,"body":"وهذا التوجيه مع التوجيه السابق له من أقوى ما ذكر في الجمع بين النصوص، ويمكن أن يستخلص منهما أن هناك ثلاثة طرق للجمع بين النصوص لا يكاد يستشكل شيء بعدها في هذا الباب.\rالطريق الأول: حمل الألفاظ المجملة على ما يفسرها من النصوص الأخرى بما يتناسب مع أصول الشرع وقواعد الدين، كإجابة النبي ﷺ وقد سئل عن أفضل العمل في حديث أبي هريرة بقوله: «إيمان بالله ورسوله». وفي حديث ابن مسعود بقوله: «الصلاة على وقتها» فيحمل هذا على إرادة أركان الإسلام كلها على سبيل الإشارة إليها بذكر أعظمها على ما جرت بذلك طريقة النصوص كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ (¬١) وقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (¬٢) فالمقصود هنا هو التزام الكفار بسائر شعائر الدين، والتعبير بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة هو إشارة لما عداهما من باقي المباني والشعائر كما فهم ذلك السلف، قال ابن كثير في تفسير الآية الثانية: «ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهو الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها». (¬٣)\rوكذلك قول النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فمن قالها فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله». (¬٤)\rفقد فهم أبو بكر الصديق دخول الزكاة في حصول العصمة المذكورة في","footnotes":"(¬١) التوبة: (١١).\r(¬٢) التوبة: (٥).\r(¬٣) تفسير ابن كثير (٤/ ١١١).\r(¬٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة الصحيح مع الفتح (٣/ ٢٦٢) ح: (١٣٩٩)، ومسلم (١/ ٥) ح: (٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080084,"book_id":1146,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":19,"body":"الحديث مع أنها لم تذكر صراحة، لكنها كانت داخلة تحت ذكر الشهادة، والأمثلة على هذا كثيرة من النصوص.\rالطريق الثاني: أن تفضيل بعض الأعمال في النصوص لا يرجع إلى فضل جنسها مجردا، وإنما لما يصاحبها من الأحوال الخاصة وحينئذ فلا يعارض بهذه النصوص ما جاء في النصوص الأخرى من تفضيل بعض الأعمال باعتبار جنسها، بل تحمل هذه على التفضيل باعتبار، وتلك على التفضيل باعتبار آخر؛ فإن التفاضل بين الأعمال يحصل باعتبارات كثيرة على ما سيأتي تفصيله في أثناء هذا البحث، وبهذا يمكن الجمع بين النصوص.\rومن الأمثلة لهذا الوجه تفضيل الذكر في حديث أبي الدرداء على سائر الأعمال، فقد ذكر ابن رجب على ما تقدم أن الذكر المفضل هنا هو الذكر الكثير المستدام، وهذا التفضيل هنا ليس باعتبار الجنس، بل باعتبار ما صاحب العمل من المداومة والكثرة وسيأتي مزيد تفصيل لهذا قريبا في فصل مستقل إن شاء الله. (¬١)\rالطريق الثالث: أن تفضيل بعض الأعمال في النصوص كان يتنزل على بعض الأوقات دون بعض ويرجع هذا إلى سببين:\rالسبب الأول: أن بعض النصوص كانت قبل أن يستقر التشريع على ما هو عليه. ومن أمثلة هذا: تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة على ما ذكره ابن رجب ضمن الأوجه المحتملة لتوجيه الحديث وأن ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، والحج تطوعا، قال: فإن الصحيح أن فرض الجهاد تأخر إلى عام الوفود. (¬٢)\rوبهذا وُجِّه أيضا ذكر الجهاد مقترنا بالإيمان في حديث أبي ذر، وأن ذلك قبل","footnotes":"(¬١) انظر الفصل الخامس ص: ١٠١ وما بعدها.\r(¬٢) تقدم نقله ص: (٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080085,"book_id":1146,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":20,"body":"اكتمال دعائم الإسلام، وتعين الجهاد، على ما أشار إلى هذا القاضي عياض، وابن حجر رحمهما الله. (¬١)\rالسبب الثاني: أن تفضيل بعض الأعمال كان بحسب حاجة المسلمين، وما تقتضيه المصلحة في ذلك الوقت الذي تكلم فيه النبي ﷺ بالحديث.\rوقد نص على هذا بعض العلماء في توجيه تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي ذر، وأنه محمول على أول الإسلام، ومحاربة أعائه، والجد في إظاهره. (¬٢)\rفبهذا يمكن الجمع بين النصوص؛ فإن ما يظن بينها من التعارض يتنزل على أحد هذه الأوجه الثلاثة؛ فإنها ثمرة أقوال أهل العلم، وزبدة كلام المحققين في هذا الباب، ويكون توجيه النصوص بها بحسب ترتيبها في الذكر، فإن أمكن الجمع عن طريق الوجه الأول فهو الأولى، ولا يعدل عنه لغيره، فإن لم يكن فالوجه الثاني، فإن تعذر الجمع ينتقل إلى الوجه الثالث، وهذا التدرج في الجمع بين النصوص، هو الذي تقتضيه أصول الشرع وقواعد الدين، والله أعلم.\rوالمقصود في هذا المقام معرفة أفضل الأعمال باعتبار جنسها على ضوء مدلولات النصوص وفهم العلماء لها.\rوالذي يظهر بعد هذا العرض المفصل للنصوص وتوجيهها في هذا الباب أن أفضل الأعمال الواجبات، وأفضلها أركان الإسلام الخمسة؛ فإن النصوص دلت دلالة ظاهرة أن أفضل العمل الإيمان بالله ورسوله، والصلاة على وقتها، فدخلت بقية أركان الإسلام تحت ما ذُكر على ما تقدم تقريره في الطريق الأول من طرق الجمع بين النصوص.\rكما يفهم من النصوص تفضيل الإيمان بالله ورسوله الذي هو مقتضى","footnotes":"(¬١) انظر إكمال المعلم (١/ ٣٤٧)، وفتح الباري لابن حجر (٥/ ١٤٩).\r(¬٢) انظر إكمال المعلم (١/ ٣٤٧)، والمفهم لأبي العباس القرطبي (١/ ٢٧٦)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080086,"book_id":1146,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":21,"body":"الشهادتين، والصلاة، على بقية الأركان؛ للتصريح بذكرهما في النصوص، والتعبير بهما عن غيرهما من بقية المباني.\rوالشهادتان وتحقيقهما تلفظا واعتقادا وامتثالا للعمل بمقتضاهما، أفضل الأعمال على الإطلاق، فبهما يدخل الرجل في الإسلام، وهي الأصل العظيم الذي يندرج تحته بقية الأركان، وسائر خصال الدين، وقد أجمع العلماء على تكفير من ترك التلفظ بالشهادتين وإن اعتقدهما بقلبه، واختلفوا في التكفير بترك شيء من الأركان بعدها مع اعتقاد وجوبها اختلافا كبيرا مشهورا. (¬١)\rفأفضل الأعمال على هذا الشهادتان، ثم الصلاة، ثم الزكاة؛ إذ هي قرينة الصلاة في كتاب الله وفي عامة النصوص، ثم بقية الأركان، ثم سائر الواجبات، وأفضلها بر الوالدين على ما هو ظاهر حديث أبي هريرة فقد ذكر بر الوالدين بعد الصلاة، فدل على أنه آكد الواجبات بعد أركان الإسلام.\rثم يأتي بعد الواجبات نوافل العبادات، وأفضلها طلب العلم النفل، والجهاد، والذكر، فهذه الأعمال الثلاثة أفضل الأعمال بعد الفرائض، وقد جاء في كل واحد منها من النصوص، وكلام أهل العلم ما ظاهره أنه أفضل الأعمال بعد الواجبات.\rفمما جاء في تفضيل العلم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. (¬٢)\rوعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: ذُكِر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». (¬٣)","footnotes":"(¬١) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٦١٠٦١١)، وجامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٥٤).\r(¬٢) الزمر: (٩).\r(¬٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٠) ح: (٢٦٨٥). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080087,"book_id":1146,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":22,"body":"وفي حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب … » الحديث. (¬١)\rوأما ما جاء عن السلف في تفضيل العلم على العبادة، وعلى سائر أعمال البر بعد الواجبات، فعن أبي هريرة، وأبي ذر ﵄ قالا: «باب من العلم تتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع». (¬٢)\rوعن ابن عباس ﵄ قال: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها». (¬٣)\rوعن مطرف بن الشخير ﵀ قال: «فضل العلم خير من فضل العمل وخير دينكم الورع». (¬٤)\rوعن الحسن البصري ﵀ قال: «العالم خير من الزاهد في الدنيا المجتهد في العبادة». (¬٥)\rوعن سفيان الثوري ﵀ قال: «ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت النية». (¬٦)\rوعن قتادة ﵀ قال: «باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه، وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول». (¬٧)\rوعن الزهري ﵀ قال: «ما عبد الله بمثل الفقه». (¬٨)","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦)، وأبو داود (٤/ ٥٨) ح: (٣٦٤١)، وابن ماجه (١/ ٨١) ح: (٢٢٣)، والدارمي (١/ ١١٠) ح: (٣٤٢).\rقال ابن حجر: «له شواهد يتقوى بها «. فتح الباري (١/ ١٦٠)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ١٠٥).\r(¬٢) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢١).\r(¬٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٥٣) ح: (٢٠٤٦٩).\r(¬٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٤٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١١٣).\r(¬٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٠).\r(¬٦) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٤).\r(¬٧) المصدر نفسه (١/ ١١١).\r(¬٨) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٥٦) ح: (٢٠٤٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080088,"book_id":1146,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":23,"body":"وعن وكيع بن الجراح قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من الحديث». (¬١)\rوعنه قال: «لولا الحديث أفضل عندي من التسبيح ما حدثت». (¬٢)\rوعن الإمام الشافعي أنه قال: «طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة». (¬٣)\rوعن بشر بن الحارث قال: «لا أعلم على وجه الأرض عملا أفضل من طلب العلم والحديث لمن اتقى الله وحسنت نيته». (¬٤)\rوالآثار في هذا المعنى كثيرة جدا عن السلف، وإنما هذا طرف منها. (¬٥)\rومما جاء في تفضيل الجهاد من النصوص على غيره من الأعمال:\rحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد. قال: «لا أجده» قال: «تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟» قال: ومن يستطيع ذلك؟ (¬٦)\rومن أقوال السلف في هذا المعنى:\rعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «لسفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة». (¬٧)","footnotes":"(¬١) رواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص: ١٥٠).\r(¬٢) المصدر نفسه (ص: ١٥١).\r(¬٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ١١٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٣).\r(¬٤) رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص: ١٥٠).\r(¬٥) انظر جامع بيان العلم وفضله (١/ ٩٩١٣١)، وشرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (ص: ١٤٨١٥٧)، وشرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٥٢٢٦)، وورثة الأنبياء لابن رجب (ص: ٩٦١٠٣).\r(¬٦) أخرجه البخاري واللفظ له، صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ٤) ح: (٢٧٨٥)، ومسلم (٣/ ١٤٩٨) ح: (١٨٧٨).\r(¬٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080089,"book_id":1146,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":24,"body":"وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: «لأن أغزو في البحر غزوة أحب إلي من أن أنفق قنطارا متقبلا في سبيل الله». (¬١)\rوعن النعمان بن بشير ﵄ قال: «مثل الغازي مثل الذي يصوم الدهر، ويقوم الليل». (¬٢)\rوعن يعلى بن أمية ﵁ قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فحملت على بكر فهو أوثق أعمالي في نفسي». (¬٣)\rوعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي سئل عن أعمال البر فقال: «ما من عمل أفضل من الغزو بعد حجة الإسلام، ثم الرباط في الموضع المخوف». (¬٤)\rومما ورد في تفضيل الذكر من النصوص:\rحديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله». (¬٥)\rومما جاء عن السلف في هذا:\rعن أبي الدرداء ﵁ أنه ذكر له أن أبا سعد بن منبه جعل في ماله مائة محرَّر (¬٦)","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢١٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢/ ٦٥٩).\r(¬٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٥٦).\r(¬٣) أخرجه البخاري في صحيحه. الصحيح مع الفتح (٦/ ١٢٥).\r(¬٤) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٢/ ٨١٩)، وانظر المغني لابن قدامة (١٣/ ١٠).\r(¬٥) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٩) ح: (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٤٥) ح: (٣٧٩٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٧٣) ح: (١٨٢٥) وصححه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في حاشية مشكاة المصابيح (٢/ ٧٠٢)، وصحيح الكلم الطيب (ص: ٢٤).\r(¬٦) المحرَّر: الذي جعل من العبيد حرا فأعتق. النهاية لابن الأثير (١/ ٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080090,"book_id":1146,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":25,"body":"قال: «أما إن مائة محرر في مال رجل لكثير. ألا أخبركم بأفضل من ذلك؟ إيمان ملزوم بالليل والنهار، ولا يزال لسانك رطبا من ذكر الله».\rوعن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: «لو أن رجلين أحدهما يحمل على الجياد في سبيل الله، والآخر يذكر الله لكان هذا أعظم، أو أفضل أجرا يعني الذاكر».\rوعنه ﵁ أنه قال: «لأن أذكر من غدوة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أحمل على الجياد في سبيل الله من غدوة حتى تطلع الشمس».\rوعن سلمان ﵁ قال: «لو بات رجل يعطي القيان (¬١) البيض، وبات آخر يقرأ القرآن ويذكر الله رأيت أن ذاكر الله أفضل».\rوعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: «لو أن رجلين أحدهما في حجرة دنانير يعطيها والآخر يذكر الله كان ذاكر الله أفضل».\rوعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «لأن أكون في قوم يذكرون الله من حين يصلون الغداة إلى أن تطلع الشمس، أحب إليّ من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله إلى أن تطلع الشمس، ولأن أكون في قوم يذكرون الله من حين يصلون العصر حتى تقرب الشمس، أحب إليّ من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله حتى تغرب الشمس».\rوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لو أن رجلين أقبل أحدهما من المشرق، والآخر من المغرب مع أحدهما ذهب لا يضع منه شيئا إلا في حق، والآخر يذكر الله حتى يلتقيا في طريق، لكان الذي يذكر الله أفضلهما». (¬٢)\rوالآثار في هذا كثيرة عن السلف من الصحابة والتابعين، قال ابن رجب:","footnotes":"(¬١) القيان: هو العبيد والإماء. انظر النهاية لابن الأثير (٤/ ١٣٥).\r(¬٢) أخرج هذه الآثار عن الصحابة في فضل الذكر ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٧٩١٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080091,"book_id":1146,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":26,"body":"«وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال». (¬١)\rفتبين بهذه النقول أن أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض هي هذه الأعمال الثلاثة: العلم، والجهاد، والذكر. كما دلت على ذلك النصوص وأقوال أهل العلم.\rوأما المفاضلة بين هذه الأعمال فمحل نزاع بين أهل العلم المتقدمين، بحسب فهمهم للنصوص الواردة في ذلك، على ما تقدم نقل أقوالهم مفصلة.\rوالذي عليه الأكثر منهم هو تقديم العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر، وإلى هذا ذهب المحققون من أهل العلم بعدهم.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ليس هذا يخفى على أحد ممن نشأ بديار الإسلام». (¬٢)\rوقال ﵀ في شرحه لقول عمر ﵁: «لو لا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بالله، لو لا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب ساجدا، أو أجالس قوما يلتقطون طيب الكلام كما يُلْتَقط طيب الثمر»: «وكلام عمر ﵁ من أجمع الكلام وأكمله؛ فإنه ملهم محدث … فإنه ذكر الصلاة، والجهاد، والعلم، وهذه الثلاثة هي أفضل الأعمال بإجماع الأمة». (¬٣)\rفظاهر من كلام شيخ الإسلام تفضيل العلم كما في النقل الأول عنه، وذكر هنا انعقاد الإجماع على الصلاة، والجهاد، والعلم فدل ذلك على أن الجهاد أفضل","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٦).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٣٠/ ٢٠٤).\r(¬٣) منهاج السنة (٦/ ٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080092,"book_id":1146,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":27,"body":"النوافل بعد العلم، وأما الصلاة فهي أفضل من الجميع؛ لأنها واجبة، ولم يشر شيخ الإسلام هنا للذكر فدل على أنه يلي العلم والجهاد في المرتبة.\rوقال الحافظ ابن رجب مقررا تفضيل العلم على الجهاد والذكر وعلى سائر النوافل: «ومما يدل على تفضيل العلم على جميع النوافل، أن العلم يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة؛ فإن العلم أفضل أنواع الذكر كما سبق تقريره وهو أيضا أفضل أنواع الجهاد». (¬١)\rوالحاصل من كل هذا هو تفضيل العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر في عامة أقوال أهل العلم والتحقيق.\rوقد أجاب بعض أهل العلم عن حديث أبي الدرداء في تفضيل الذكر على سائر الأعمال وغيره من النصوص في هذا المعنى.\rفقال ابن رجب: «النصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد وغيره من الأعمال، وأن الذاكرين لله هم أفضل الناس عند الله، فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير، المستدام في أغلب الأوقات، وليس الذكر مما يقطع عن غيره من الأعمال كبقية الأعمال، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال فمن عمل عملا صالحا، وكان أكثر لله ذكراً فيه من غيره، فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه». (¬٢)\rوقال ابن حجر: «إن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل، وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان، والقلب بالتفكر والمعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلا من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك، كمن يذكر الله بلسانه، وقلبه، واستحضاره، وكل","footnotes":"(¬١) ورثة الأنبياء (ص: ١٠٣).\r(¬٢) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080093,"book_id":1146,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":28,"body":"ذلك حال صلاته، أو في صيامه، أو تصدقه، أو قتاله الكفار مثلا، فهو الذي بلغ الغاية القصوى، والعلم عند الله تعالى». (¬١)\rوبهذا يتبين أن الذكر المفضل على سائر الأعمال في حديث أبي الدرداء، وما جاء في معناه من النصوص، هو ما كان مصاحبا للاستدامة، ومقارنة الأعمال الصالحة الأخرى، وتفضيل الذكر بهذا الاعتبار لا يقتضي تفضيل جنسه على جنس الجهاد، والعلم، وغيرهما من الأعمال؛ إذ المداومة على العمل أو اقترانه بالأعمال الصالحة من الأحوال المؤثرة في تفضيل العمل عند مصاحبتها له فيفضل بها ويشرف على غيره من الأعمال التي خلت منها وإن كان هذا العمل مفضولا باعتبار جنسه.\rوهذا مما يدل على عدم معارضة حديث أبي الدرداء، وما في معناه من النصوص، للنصوص الأخرى في تفضيل العلم، والجهاد باعتبار جنس العمل، فتفضيل الذكر في حديث أبي الدرداء باعتبار، وهو ما يصحب العمل من الأحوال المؤثرة، والتفضيل للعلم، والجهاد، باعتبار آخر وهو التفضيل باعتبار الجنس.\rوكذلك ما قيل في الذكر هنا مقارنا بالعلم والجهاد، يقال في الجهاد مقارنا بالعلم وأن ما جاء من النصوص مما ظاهره تفضيل الجهاد على العلم محمول على ذلك.\rكحديث أبي هريرة السابق في تفضيل الجهاد أن رجلا سأل النبي ﷺ أن يدله على عمل يعدل الجهاد فقال النبي ﷺ: «لا أجده». (¬٢) فإن هذا محمول على الجهاد الدائم غير المنقطع. يدل على هذا قوله ﷺ بعد ذلك: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك … إلى آخر الحديث. فدل هذا على أن الجهاد الذي لا يعدله عمل وهو الجهاد الدائم الذي لا يرجع صاحبه من الغزو،","footnotes":"(¬١) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢١٠).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ٣١","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080094,"book_id":1146,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":29,"body":"أما إذا انتهى الجهاد وانقطعت المداومة فلا يفهم من الحديث تفضيل جنس الجهاد على غيره من الأعمال، ومن ذلك العلم الذي تقدم تفضيل جنسه على جنس الجهاد.\rوالمقصود هنا أن مقتضى النصوص والله أعلم، وكلام أهل العلم هو تقديم جنس العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر، وما جاء من النصوص مما ظاهره خلاف هذا فمحمول على التفضيل باعتبارات أخرى. وموضوع البحث هنا هو التفاضل بين الأعمال باعتبار جنسها، لا ما يحصل به التفاضل بين الأعمال من اعتبارات أخرى هي خارجة عن جنس العمل مما سيأتي تفصيله في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080095,"book_id":1146,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":30,"body":"الفصل الثاني: تفاضل الأعمال باعتبار الوجوب والنفل\rتتفاضل الأعمال في الإسلام باعتبار انقسامها إلى واجبات ونوافل:\rفالواجبات أفضل من النوافل، وأداء الواجبات أحب إلى الله من أداء النوافل، وهذا أصل عظيم من أصول الدين، قد دلت عليه النصوص الشرعية وأقول السلف.\rفعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه … » الحديث. (¬١)\rفدل الحديث دلالة ظاهرة على أن الواجبات أفضل عند الله، وأحب إليه من النوافل.\rقال ابن حجر في شرحه: «يستفاد منه، أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله». (¬٢)\rومن أقوال السلف في تقرير هذا الأصل:\rقول أبي بكر ﵁ في وصيته لعمر: «واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة … » (¬٣)\rفقوله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة من أوجز الكلام، وأبلغه وفيه دلالة على تفضيل الفرائض على النوافل، وأن قبول النوافل مرهون بتأدية الواجبات؛ إذ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري. صحيح البخاري مع الفتح (١١/ ٣٤٠) ح: (٦٥٠٢).\r(¬٢) فتح الباري (١١/ ٣٤٣).\r(¬٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080096,"book_id":1146,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":31,"body":"الواجبات هي الأصل، والنوافل فرع، ولا استقرار للفرع بدون الأصل.\rوعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله تعالى». (¬١)\rوقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: «أفضل العبادات أداء الفرائض، واجتناب المحارم … ». (¬٢)\rوكذلك أقوال العلماء المحققين جاءت مقررة لهذا الأمر:\rقال ابن هبيرة في شرحه للحديث السابق: «يؤخذ من قوله: «ما تقرب» إلخ أن النافلة لا تقدم على الفريضة؛ لأن النافلة إنما سميت نافلة لأنها تأتي زائدة على الفريضة». (¬٣)\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا وجب التقرب بالفرائض قبل النوافل، والتقرب بالنوافل إنما يكون تقربا إذا فعلت الفرائض، لا كما ظنه بعض الاتحادية كصاحب (الفتوحات المكية) ونحوه من أن قرب الفرائض تكون بعد قرب النوافل». (¬٤)\rإلى أن قال بعد ذكره الحديث القدسي المتقدم في معرض رده على الاتحادية: «وقد بين في هذا الحديث أن المتقرِب ليس هو المتقرَب إليه، بل هو غيره، وأنه ما تقرب إليه عبده بمثل أداء المفروض، وأنه لا يزال بعد ذلك يتقرب إليه بالنوافل حتى يصير محبوبا لله فيسمع به، ويبصر به، ويبطش به، ويمشي به». (¬٥)","footnotes":"(¬١) أورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٢٢).\r(¬٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٨٢) رقم: (٣٥٠٧٠).\r(¬٣) الإفصاج عن معاني الصحاح (٧/ ٣٠٣).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٣٣).\r(¬٥) المصدر نفسه (١٧/ ١٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080097,"book_id":1146,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":32,"body":"وقال ﵀ في جواب سؤال: «أيما طلب القرآن أو العلم أفضل»؟\r«الجواب: أما العلم الذي يجب على الإنسان عينا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن؛ فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب». (¬١)\rوقال الحافظ ابن رجب ﵀: «أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالحج والعمرة، وغيرها؛ فإنه ما تقرب العباد إلى الله تعالى بأحب إليه من أداء ما افترض عليهم». (¬٢)\rوأقوال العلماء في هذا كثيرة مشهورة، ومن هذا الباب شدة إنكار السلف على من اشتغل بالنوافل عن الفرائض، أو أدى اشتغاله بالنوافل إلى ضعفه عن أداء الفرائض، على ما جاء في قصة رجل في زمن التابعين كان يصوم، ويواصل حتى يعجز عن القيام، فكان يصلي الفرض جالسا فأنكروا ذلك عليه حتى قال عمرو بن ميمون: «لو أدرك هذا أصحاب محمد ﷺ لرجموه». (¬٣)\rوقال ابن حجر: قال بعض الأكابر: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور». (¬٤)\rفتقرر بهذا تفضيل الفرائض على النوافل، وأن النوافل مهما بلغت لا تبلغ درجة الفرائض في الأجر والثواب عند الله، بل صرح السلف أن النوافل لا تكون مقبولة عند الله حتى تؤدى الفرائض.\rوهذا التقرير هو مقتضى النصوص والله أعلم، وهو الذي تظافرت عليه أقوال السلف، والأئمة المتقدمين، وعليه عامة أهل العلم من بعدهم.","footnotes":"(¬١) الفتاوي الكبرى (٢/ ٢٣٤)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٤).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص: ٤٤٢).\r(¬٣) أورده ابن رجب في لطائف المعارف (ص: ٤٤٧).\r(¬٤) فتح الباري (١١/ ٣٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080098,"book_id":1146,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":33,"body":"وقد ذهب بعض العلماء المتأخرين إلى أن الفرائض أفضل من النوافل إلا في أربع مسائل، دلت النصوص على أن السنة فيها أفضل من الفرض، وهذه المسائل هي:\r\r١ - ابتداء السلام أفضل من رده، مع أن ابتداء السلام سنة، ورده واجب.\r\r٢ - إبراء المعسر سنة، وهو أفضل من إنظاره مع أن إنظاره واجب.\r\r٣ - التطهر قبل الوقت سنة، وبعد الوقت واجب. وهو قبل الوقت أفضل.\r\r٤ - الختان قبل البلوغ سنة، وهو أفضل منه بعد البلوغ وهو واجب.\rذكر هذه المسائل السفاريني، ونقل بعضها عن السيوطي. (¬١) وهي محل نظر:\rأما السلام فقد اختلف العلماء في ابتدائه هل هو سنة أم أنه فرض كالرد. (¬٢)\rفعلى القول بوجوبه، فالمفاضلة بينه وبين الرد من مسائل التفاضل بين الفرائض، ولا نزاع في هذا على ما سيأتي تقريره.\rوأما على القول بأن ابتداء السلام سنة، وهو المشهور فلا يسلم أنه أفضل من رده، وذلك لمخالفة هذا للنصوص الصريحة في تفضيل الفرائض على النوافل، ومن أظهرها الحديث القدسي السابق الذكر، وفيه يقول الله تعالى: «ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». (¬٣) وهذا نص عام يقتضي تفضيل كل الفرائض على كل النوافل.\rوإنما تمسك من قال بتفضيل ابتداء السلام على رده بقول النبي ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». (¬٤)","footnotes":"(¬١) انظر غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني (١/ ٢٨٦).\r(¬٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٩٢)، ومدارج السالكين لابن القيم (١/ ١١٤).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص: ٣٩)\r(¬٤) أخرجه مسلم. صحيح مسلم (٤/ ١٩٨٤) ح: (٢٥٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080099,"book_id":1146,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":34,"body":"وبقوله ﷺ: «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام». (¬١)\rوليس في الحديثين ما يدل على تفضيل ابتداء السلام على رده.\rأما الحديث الأول ففيه تفضيل المبادر بالسلام من المتهاجرين على الآخر، ووجه التفضيل هنا لكونه هو المبادر للصلح، ولا شك أن المبادر للصلح أفضل من المعرض، ويظهر من هذا أن تفضيل المبتدئ بالسلام هنا ليس لمرد إلقائه السلام فقط، بل لمعنى آخر كامن في مبادرته بالسلام، وهو الشروع في الصلح، فلا حجة في هذا عندئذ على المسألة، هذا مع مراعاة أن السلام هنا قد يكون واجبا، وهذا بناء على ما قرره بعض أهل العلم من أن الهجر لا يزول إلا بالسلام، وقال آخرون لا يزول إلا بالسلام والكلام.\rروى ابن وهب عن مالك أنه قال: «إذا سلم عليه فقد قطع الهجرة». (¬٢)\rوقال أبو بكر الأثرم: «قلت لأحمد بن حنبل: إذا سلم عليه هل يجزيه ذلك من كلامه إياه؟ فقال: ينظر في ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يهجره، فإن كان قد علم منه مكالمته والإقبال عليه، فلا يخرجه من الهجرة إلا سلام ليس معه إعراض ولا إدبار». (¬٣)\rوقال ابن مفلح: «والهجر المحرم يزول بالسلام، ذكره في الرعاية والمستوعب». (¬٤)\rفالسلام مشترط على كل حال في زوال الهجر المحرم فدل على وجوبه، وبهذا يتبين أن السلام الممدوح في الحديث واجب، فلا حجة فيه لتفضيل السلام","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٥/ ٣٨٠)، والترمذي (٥/ ٢٦٩٤)، وقال: «حديث حسن «. وقال الألباني: «سنده صحيح «. انظر حاشية مشكاة المصابيح (٣/ ١٣١٨)، وصحيح الكلم الطيب (ص: ١٠٥).\r(¬٢) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٢٧).\r(¬٣) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٢٧١٢٨).\r(¬٤) الآداب الشرعية لابن مفلح (١/ ٢٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080100,"book_id":1146,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":35,"body":"مطلقا على الرد والله أعلم.\rوأما الحديث الثاني ففي فضل إلقاء السلام، وليس فيه ما يدل على أنه أفضل من الرد. كما أنه لا يفهم من لفظ الحديث أن السلام أفضل من بقية الواجبات، وأن المسلم هو أولى الناس بالله على الإطلاق، وأنه أفضل ممن تقرب إلى الله بسائر الواجبات، بل من المقرر في الشرع أن الرجل لا يمدح بالنفل إلا بعد أداء الواجب فيكون هذا الثناء في حق من أدى واجب الرد عند السلام عليه، وبادر المسلمين بالسلام فهو أولى الناس بالله.\rومما تتجلى به صورة هذه المسألة في أن ابتداء السلام ليس بأفضل من رده أن هذا يعرف عند تزاحم الأمرين، وذلك في حق رجل مر في طريق فقابله رجلان يخالفانه في السير، أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، فسلم عليه أحدهما ولم يسلم عليه الآخر فما الأفضل في حقه، الرد على من سلم عليه، أو مبادرة الآخر بالسلام، مع أنه لا يمكن الجمع بين الأمرين لضيق الوقت عن ذلك؟ كأن يكون مستقلا سيارة أو غيرها من وسائل النقل السريعة.\rفإن قلنا بتفضيل الابتداء على الرد، قلنا: الأولى في حقه فعل الأفضل، ونحن مع هذا ندرك أنه لا يسلم من الإثم بترك الواجب وهذا تناقض.\rوإن قلنا بتفضيل الرد زال هذا التعارض، وانتظم في اشتغاله بالرد تحقيق الواجب، وفعل الأفضل، وهو معذور في ترك النفل؛ لاشتغاله بالواجب كما قال أهل العلم: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور». (¬١)\rوأما مسألة إبراء المعسر وإنظاره، فلا يُسَلَّم أن الإبراء نفل محض، بل قد تضمن الإبراء معنى الواجب وزيادة، فَفَضُل من هذا الوجه، وذلك أنه قد تحقق في الإبراء مقصود الإنظار وهو: رفع الحرج بالسداد في ذلك الوقت وهذا","footnotes":"(¬١) تقدم عزوه (ص: ٤٢)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080101,"book_id":1146,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":36,"body":"واجب وإسقاط الحق بالكلية وهذا نفل\rولهذه المسألة نظائر كثيرة في الشرع، كمسألة الإنفاق على الأهل بالمعروف واجب، والإحسان في ذلك والتوسعة في النفقة من غير إسراف أفضل، لتضمنه الواجب وزيادة، وكالإسباغ في الوضوء أفضل من غسل الأعضاء من غير إسباغ، وذلك لاشتمال الإسباغ على الغسل الواجب وزيادة، وكذلك الحلق في التحلل من الإحرام أفضل من التقصير لهذا المعنى، إلى غير ذلك من المسائل التي يتضمن نفلها واجبها وزيادة.\rوكذلك المسألتان الأخيرتان، وهي مسألة التطهر قبل الوقت، والختان قبل البلوغ، قد تحقق بهما تأدية الواجب، وإنما حصل التنفل فيهما في المبادرة إلى الواجب قبل حلول وقته، يدل على هذا ارتفاع الحدث بالتطهر قبل دخول الوقت، وسقوط الوجوب في الاختتان بفعله قبل البلوغ، وبالتالي فإن دعوى أن كل واحد من هذين العملين نفل محض لا يسلم، وإنما هما في الحقيقة تأدية للواجب في كل منهما لكن على سبيل التعجل وبهذا حصل التفضيل.\rومثل هاتين المسألتين سائر الأعمال التي يرغب فيها إلى المبادرة إلى العمل قبل وقت الوجوب، كالسعي إلى الجمعة قبل وقت الوجوب من أول النهار، فإنه أفضل عند كثير من أهل العلم، (¬١) وكذلك قضاء الدين قبل حلول أجله أفضل لما فيه من براءة الذمة، وغير ذلك من المسائل.\rوبهذا يتبين أنه ليس هناك ما يستثنى من قاعدة تفضيل الواجبات على النوافل، بل القاعدة على أصلها من غير استثناء على ما دلت عليه النصوص وقواعد الشريعة، وما هو مقرر عند سلف الأمة، ومن جاء بعدهم من المحققين الذين استفاضت أقوالهم بذكر هذه القاعدة، وتأصيلها في كتبهم، من غير تقييد أو تخصيص.","footnotes":"(¬١) انظر المغني لابن قدامة (٣/ ١٦٤)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080102,"book_id":1146,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":37,"body":"وقد اجتهد بعض العلماء المحققين في استنباط الحكمة من تفضيل الواجبات على النوافل فذكروا في ذلك عدة أوجه:\r\r١ - أن الأمر بالفرائض جازم بخلاف النوافل.\r\r٢ - أن الفرائض يقع بتركها المعاقبة بخلاف النوافل.\r\r٣ - أن الفرض كالأصل والأس، والنفل كالفرع والبناء.\r\r٤ - أن في الإتيان بالفرائض امتثال الأمر، واحترام الآمر، وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، وهذه المعاني وإن تحققت في النوافل لكنها ليس بمقدار تحققها في الفرائض، وذلك لأن الامتثال في الفرائض على سبيل الإلزام، وفي النوافل على سبيل التخيير.\r\r٥ - أن الذي يؤدي الفرض قد يفعله خوفا من العقوبة، ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة. (¬١)\rوإذا تقرر تفضيل الفرائض على النوافل فينبغي أن يعلم أن الواجبات في نفسها تتفاضل، فهي ليست على درجة واحدة.\rففروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات؛ لتعين وجوب فروض الأعيان على كل أحد، ولحصول الإثم بتركها لا محالة، بخلاف فروض الكفايات، فوجوبها كفائي على الأمة قاطبة، لا يلحق الأفراد إثم بتركها ما دام في الأمة من يقوم بها.\rقال الإمام ابن رجب في توجيه تفضيل النبي ﷺ للجهاد في حديث أبي هريرة، وذكره له بعد الإيمان بالله: «إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان وقرينا له، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان». (¬٢)\rوقال أيضا: «وقد يقال: حديث أبي هريرة دل أن جنس الجهاد أشرف من","footnotes":"(¬١) انظر فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٣).\r(¬٢) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080103,"book_id":1146,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":38,"body":"جنس الحج، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه». (¬١)\rوهذا مما يدل على تفضيل فروض الأعيان على فروض الكفايات عند أهل العلم والتحقيق.\rوكلام العلماء في هذا مشهور ومواضع بسطه في كتب الأصول والفقه.\rوفروض الأعيان في نفسها تتفاضل من حيث تعلقها بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، فتقدم في الفضل حقوق الله على حقوق الخلق، كما أن بين أفراد كل قسم من هذين القسمين تفاضل فيما بينها فليست حقوق الله على درجة واحدة في الفضل، وكذا حقوق المخلوقين.\rفدل على تقدم حقوق الخالق على حقوق المخلوقين عمومُ النصوص كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (¬٢) وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ (¬٣) وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (¬٤)\rفقدم الله حقه على حقوق المخلوقين، والآيات في هذا كثيرة جدا.\rومن السنة ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة جاءت للنبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء». (¬٥)\rفأخبر أن حق الله أحق بالوفاء من حق المخلوق.\rوجاء عن سلمان أنه قال لأبي الدرداء ﵄: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك","footnotes":"(¬١) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٧).\r(¬٢) سورة الإسراء: (٢٣).\r(¬٣) سورة النساء: (٣٦).\r(¬٤) سورة لقمان: (١٤).\r(¬٥) أخرجه البخاري من الصحيح مع الفتح (٤/ ٦٤) ح (١٨٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080104,"book_id":1146,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":39,"body":"عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. قال النبي ﷺ: «صدق سلمان». (¬١) فقدم حق الله على حق النفس، وحق الأهل، مما يدل على تفضيل حق الله على سائر حقوق المخلوقين.\rقال الإمام ابن رجب في سياق دراسته للأحاديث في تفاضل الأعمال: «فتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال: الشهادتان مع توابعهما وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعهما أيضا من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ﷿ ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان كبر الوالدين». (¬٢)\rودل على تفاضل حقوق الله فيما بينها نصوص كثيرة منها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». (¬٣)\rفأخبر النبي ﷺ أن أفضل شعب الإيمان لا إله إلا الله، وقدمها على غيرها من الشعب المتعلقة بحقوق الخالق كالصلاة، والصيام، والحج.\rكما دل على هذه المسألة أيضا قول النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس». (¬٤)","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (١٠/ ٥٣٤) ح: (٦١٣٩).\r(¬٢) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٧).\r(¬٣) أخرجه مسلم (١/ ٦٣) ح: (٣٥)، وأخرجه البخاري بلفظ: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان». صحيح البخاري مع الفتح (١/ ٥١) ح: (٩).\r(¬٤) أخرجه البخاري. صحيح البخاري مع الفتح (١٣/ ٣٤٧) ح: (٧٣٧٢)، (٣/ ٢٦١) ح: (١٣٩٥)، و (ص: ٣٢٢) ح: (١٤٥٨)، ومسلم (١/ ٥٠) ح: (١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080105,"book_id":1146,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":40,"body":"فدل الحديث على تفضيل التوحيد على سائر أعمال البر المتعلقة بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، وأنه أول ما يُبدأ به في الدعوة لفضله وشرفه.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية مقررا هذا الأصل: «وكذلك ليس الأمر بالتوحيد، والإيمان بالله ورسوله، وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك، وقتل النفس، والزنا، ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم، كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى، عن اللقمة الساقطة، والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين». (¬١)\rكما دلت النصوص أيضا على التفاضل بين حقوق المخلوقين فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك». (¬٢)\rفقدم النبي ﷺ النفقة على الأهل على غيرها من النفقات لتأكد حقهم على حقوق غيرهم من الناس.\rقال أبو العباس القرطبي: «هذا محمول على ما إذا استوت الحالة في الأهل والأجنبي، فلو كان أحدهما أحوج أو أوكد، لكان المنفق في الأوكد أعظم أجرا، فإذا استوت المراتب فترتيب الأعظم كما وقع في الحديث». (¬٣)\rكما دل أيضا على التفاضل في حقوق الخلق حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل من بني عذرة: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٩).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢/ ٦٩٢) ح: (٩٩٥).\r(¬٣) المفهم (٣/ ٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080106,"book_id":1146,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":41,"body":"فهكذا، وهكذا»، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك. (¬١)\rقال القاضي عياض في شرح الحديث: «وفي قوله: «فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك فلذي قرابتك» فيه حجة في ترتيب الحقوق، وتقديم الآكد فالآكد، وأن الواجبات تتأكد في نفسها، لأن حق النفس واجب، وحق الأهل ومن تلزمه النفقة واجب، لكنه يقدم حق النفس عليها». (¬٢)\rوقال النووي: «في هذا الحديث فوائد منها الإبتداء في النفقة بالمذكور على هذا الترتيب، ومنها أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد». (¬٣)\rفتقرر بهذا تفاضل الواجبات فيما بينها فيقدم منها الأوكد فالأوكد بحسب قوة الوجوب، ومرجع هذا التفاضل هنا هو قوة الوجوب، فكلما كان العمل أوجب كلما كان أفضل. (¬٤)\rكما أن التفاضل بين الواجبات والنوافل، يرجع إلى (قوة المشروعية) فتكون هذه المسألة فرعا عن تلك، بناء على أن التفاضل باعتبار (قوة الوجوب) فرع عن التفاضل باعتبار قوة المشروعية.\rولهذا ناسب تقرير مسألة التفاضل بين الواجبات، بعد تقرير التفاضل بين الواجبات والمستحبات، استكمالا لموضوع البحث، وتنبيها على هذا المعنى.\rوالمقصود هنا بيان أن المنهج الصحيح في التعبد يرجع إلى هذا التأصيل، وهو أن يكون التقرب إلى الله بالواجبات أولا بدأً بالأوكد فالأوكد، ثم بالنوافل أخذا بالأهم فالأهم، فبذلك يحصل السبق إلى الفضل عند الله، وتتحقق المتابعة للنبي ﷺ في العبادة، وعلى قدر التفريط في هذا المنهج يحصل الخلل في العبادة","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١/ ٦٩٢) ح: (٩٩٧).\r(¬٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٣/ ٥١٤٥١٥).\r(¬٣) شرح صحيح مسلم (٧/ ٨٣).\r(¬٤) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٣٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080107,"book_id":1146,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":42,"body":"والانقطاع في السير إلى الله.\rوقد نبه الأئمة المحققون على خطورة الإنحراف في هذا الباب فكان مما اشتهر عنهم هذه المقولة: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور».\rكما نبه بعضهم على أن الإنحراف في هذا الباب من كيد الشيطان وتلبيسه على العباد، وذلك أنه لماّ لم يظفر منهم بالتثبيط عن العمل شغلهم بالمفضول منه عن الفاضل.\rقال الإمام ابن الجوزي في سياق ذكره تلبيس الشيطان على العباد: «فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل» (¬١)\rوقال أيضا: «ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام وقد بقي من الركعة يسير فيستفتح ويستعيذ فيركع الإمام، وهذا تلبيس أيضا؛ لأن الذي شرع فيه من التعوذ والإستفتاح مسنون، والذي تركه من قراءة الفاتحة، وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء، فلا ينبغي أن يقدم عليه سنة». (¬٢)\rوقال ﵀: «وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل، ومنهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل، وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل صلاة الفجر فتفوته الفريضة، أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته». (¬٣)\rوقال في تلبيس الشيطان على أهل الصيام: «وقد لبس على أقوام فحسن لهم الصوم الدائم، وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيام المحرم صومها، إلا أن الآفة","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس (ص: ١٩٠).\r(¬٢) تلبيس إبليس (ص: ١٩٧).\r(¬٣) تلبيس إبليس (ص: ٢٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080108,"book_id":1146,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":43,"body":"فيه من وجهين:\rأحدهما: أنه ربما عاد بضعف القوى فأعجز الإنسان عن الكسب لعائلته ومنعه من إعفاف زوجته، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لزوجك عليك حقا» (¬١) فكم من فرض يضيع بهذا النفل.\rوالثاني: أنه يفوت الفضيلة؛ فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود ﵊ كان يصوم يوما، ويفطر يوما (¬٢)». (¬٣)\rوقد أطال الإمام ابن الجوزي في ذكر صور كثيرة من تلبيس الشيطان على العباد في هذا الباب مما يدل على أهمية ضبطه، والتفقه فيه.\rكما ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن تلبيس الشيطان على العباد في هذه المسألة هي إحدى العقبات الست التي يصرف بها العباد عن الطاعة وعما يحب الله من العباد.\rقال ﵀: «العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبا وربحا؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب عن الأحب، وبالمرضي عن الأرضى له». (¬٤)\rوصدق والله هذان الإمامان الجليلان، فكم كاد الشيطان للإنسان في هذا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح (٤/ ٢١٧) ح: (١٩٧٥)، ومسلم (٢/ ٨١٧٨١٨)، وهو جزء من وصية النبي ﷺ المشهورة لعبد الله بن عمرو ﵄.\r(¬٢) قطعة من وصية النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄ وقد تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\r(¬٣) تلبيس إبليس ص: (٢٠٣ - ٢٠٤).\r(¬٤) مدارج السالكين (١/ ٢٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080109,"book_id":1146,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":44,"body":"الباب، فإنا في كل يوم نشاهد من تلبيس الشيطان على كثير من أهل التعبد والرغبة في الخير ما لا يمكن وصفه، ويصعب حصره، وليس أدل على هذا من اشتغال كثير من طلبة العلم اليوم ناهيك عن غيرهم من الناس بالنوافل والسنن عن الوجبات، في باب العلم والعمل، وذلك كالتعمق في دراسة بعض المسائل الفرعية، التي لا تعدو أن تكون من فروض الكفايات في باب العلم، عن تعلم أوجب المسائل مما لا يتحقق الواجب إلا بها، كما هو الشأن في مسائل التوحيد، والطهارة، والصلاة، وغيرها من المهمات، وكذلك الإنحراف في باب العمل بالإنشغال ببعض السنن وفروض الكفايات عن تأدية الواجبات العينية، كاستغراق الوقت أو جلّه في الدعوة مثلا، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو كثرة الصيام، أو العكوف في المساجد، مع ما يصحب ذلك من تضييع حقوق الوالدين، أو الزوجة والأولاد، أو حقوق العمل، وغير ذلك من الأمثلة التي لا تخفى على متأمل لواقع حال كثير من الناس في هذا العصر، مما يتعين معه مراعاة هذا الجانب المهم، وإعطاؤه حقه من البحث والدراسة، وتوجيه الناس فيه كما فعل الأئمة السابقون نصحا للأمة، وإبراء للذمة. والله تعالى أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080110,"book_id":1146,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":45,"body":"الفصل الثالث: تفاضل الأعمال باعتبار النية وقوة الإخلاص\rالإخلاص لله تعالى في العمل هو الركن الأساس لكل عمل صالح، وهو الأصل الذي يبنى عليه صحة العمل وقبوله عند الله تعالى، كما أن المتابعة في العمل هي الركن الثاني لكل عمل صالح مقبول عند الله.\rوقد دل على هذين الأصلين قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾. (¬١)\rقال الإمام ابن كثير في تفسير الآية: «﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ أي ثوابه وجزاءه الصالح، ﴿فليعمل عملاً صالحاً﴾ أي ما كان موافقا للشرع. ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له. وهذان ركنا العمل المتقبل، لابد أن يكون خالصا، صوابا على شريعة رسول الله ﷺ». (¬٢)\rوالنصوص في تقرير هذه المسألة وأقوال أهل العلم كثيرة جداً، وهي مبسوطة في مواضعها من كتب الاعتقاد والسنة والآداب، ومقصد البحث هنا هو بيان أثر قوة الإخلاص في تفاضل الأعمال عند الله تعالى وإنما عبرت (بقوة الإخلاص)، ولم أقل (الإخلاص)، لأن الإخلاص، هو ركن العمل، الذي لا يقبل إلا به، فالحديث عن الإخلاص من عدمه هو من باب الحديث عن قبول العمل ورده، وحديثنا هنا هو من باب التفاضل بين الأعمال بحسب قوة الإخلاص فيها، ففي هذا الباب قد تحقق ركن الإخلاص في كل الأعمال المفاضل بينها، وإن كان متفاوتا قوة وضعفا.","footnotes":"(¬١) سورة الكهف: من الآية ١١٠.\r(¬٢) تفسير ابن كثير (٥/ ٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080111,"book_id":1146,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":46,"body":"وقد دلت النصوص الشرعية وكلام أهل العلم على تفاضل الأعمال بهذا الاعتبار.\rقال الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. (¬١)\rقال الفضيل بن عياض ﵀ في تفسير أحسن العمل: «أخلصه وأصوبه؛ فإنه إذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً. والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة». (¬٢)\rفقوله ﵀ «أخلصه»: صيغة تفضيل، تدل على التفاضل في الإخلاص، وفي تفسير أحسن العمل بالأخلص والأصوب، دليل على تفاضل الأعمال، باعتبار قوة الإخلاص والمتابعة فيها.\rومما استدل به لمضاعفة الحسنات بحسب الإخلاص وقوته قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. (¬٣)\rفقد ذكر بعض المفسرين أن المضاعفة المذكورة هنا بحسب قوة الإخلاص في العمل:\rقال ابن كثير ﵀: «﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي بحسب إخلاصه في عمله». (¬٤)\rوقال السعدي ﵀: «وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان، والإخلاص التام، وفي ثمرات نفقته ونفعها». (¬٥)","footnotes":"(¬١) سورة الملك: من الآية ٢.\r(¬٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٩٥)، وذكره البغوي في تفسيره (٤/ ٣٦٩).\r(¬٣) سورة البقرة: ٢٦١\r(¬٤) تفسير ابن كثير (١/ ٦٩٣).\r(¬٥) تفسير السعدي (١/ ١٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080112,"book_id":1146,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":47,"body":"ويشهد لهذا ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها، تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها». (¬١)\rقال ابن رجب معلقا: «فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه؛ والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام، وإخلاص النية، والحاجة إلى ذلك العمل وفضله». (¬٢)\rومما يدل على تفاضل الأعمال بحسب قوة الإخلاص فيها، ما جاءت به النصوص من تفضيل أعمال السر على العلانية، وذلك لما يصحب الأعمال السرية من قوة الإخلاص، والبعد عن الرياء والسمعة، ومصانعة المخلوقين.\rقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. (¬٣)\rقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «فيه دلالة على أن إسرار الصدقة، أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة». (¬٤)\rوقال ابن القيم ﵀ مبيناً الفوائد من إخفاء الصدقة: «وأما إيتاؤها الفقراء، ففي إخفائها من الفوائد: الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس، وإقامتِه مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن هذه هي اليد السفلى، وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد عن الإحسان إليه بمجرد الصدقة، مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة، وطلب المحمدة من الناس». (¬٥)\rومما جاء في فضل إخفاء الصدقة من السنة حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح (١/ ١٠٠) ح (٤٢)، وصحيح مسلم (١/ ١١٨) ح (١٢٩).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢١٣).\r(¬٣) سورة البقرة: من الآية ٢٧١.\r(¬٤) تفسير ابن كثير (١/ ٧٠١).\r(¬٥) طريق الهجرتين ص: (٣٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080113,"book_id":1146,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":48,"body":"قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله» وذكر منهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». (¬١)\rقال أبو العباس القرطبي في شرحه: «هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس، وأكثر العلماء، وهو حض على الإخلاص في الأعمال، والتستر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية». (¬٢)\rوقال النووي ﵀: «وفي هذا الحديث فضل صدقة السر، قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع؛ فالسر فيها أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل». (¬٣)\rفدلت النصوص على فضل إخفاء الصدقة، وذلك لما في إخفائها من قوة الإخلاص والبعد عن الرياء كما نص على ذلك العلماء، فتضمن ذلك تفاضل الأعمال بحسب شدة الإخلاص وقوته.\rوالترغيب في إخفاء الصدقة في النصوص محمول على صدقة التطوع، أما الزكاة فإظهارها أفضل، كما تقدم في كلام الإمامين القرطبي والنووي، وهو قول ابن عباس وعليه أكثر أهل العلم بل نقل الطبري وغيره الإجماع على ذلك. (¬٤)\rوقد ذهب بعض العلماء إلى طرد هذا الحكم في كل أعمال البر، وأن الأفضل في","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (٢/ ١٤٣) ح (٦٦٠)، ومسلم (٢/ ٧١٥) ح (١٠٣١)، وفي رواية مسلم: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))، وذكر القاضي عياض أنه وهم جاء من الناقلين عن مسلم، ونقله النووي على سبيل المقرر له. وقطع ابن حجر أن الوهم ليس من مسلم ولا ممن دونه بل من شيخه أو شيخ شيخه يحيى القطان. انظر إكمال المعلم (٣/ ٥٦٣)، وشرح النووي لصحيح مسلم (٧/ ١٢٢)، وفتح الباري (٢/ ١٤٦).\r(¬٢) المفهم (٣/ ٧٦).\r(¬٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٢٢).\r(¬٤) انظر تفسير الطبري (٣/ ٩٣)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣١٥)، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080114,"book_id":1146,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":49,"body":"واجباتها الإظهار، وفي نوافلها الإسرار، كما قرر هذا كل من القاضي عياض والقرطبي والنووي (¬١) رحمهم الله تعالى.\rقلت: ويشهد لهذا فعل السلف؛ فإنهم كانوا يجتهدون في إخفاء أعمالهم ما أمكنهم ذلك، وذلك لما تقرر عندهما في إخفائها من كمال الإخلاص وعظم الأجر.\rعن إبراهيم النخعي قال: «إن كانوا ليكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده». (¬٢)\rوعن الحسن البصري أنه قال: «إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدا .. ». (¬٣)\rوعن الأعمش قال: «بكى حذيفة في صلاته فلما فرغ التفت، فإذا رجل خلفه فقال: لا تعلمن بهذا أحدا». (¬٤)\rوعن محمد بن واسع قال: «كان الرجل ليبكي عشرين سنة، ومعه امرأته لا تعلم به». (¬٥)\rوعن بسطام بن حريث (¬٦) قال: «كان أيوب يرق، فيستدمع فيحب أن يخفي ذلك","footnotes":"(¬١) انظر إكمال المعلم (٣/ ٥٦٤)، والمفهم (٣/ ٧٦)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٢٢).\r(¬٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ١٩٥) رقم (١٢٨).\r(¬٣) المصدر نفسه (١/ ١٩٥) رقم (١٢٩).\r(¬٤) أخرجه الحسن الضراب في ذم الرياء ص: (١٧٥) رقم (٩٢).\r(¬٥) المصدر نفسه ص: (١٧٦) رقم (٩٤).\r(¬٦) بسطام بن حريث الأصفر أبو يحيى البصري ثقة من السابعة. تقريب التهذيب ص: (١٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080115,"book_id":1146,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":50,"body":"على أصحابه فيمسك على أنفه، كأنه رجل مزكوم، فإذا خشي أن تغلب عبرته قام». (¬١)\rوالآثار في هذا المعنى كثيرة جدا عن السلف.\rومما يدل على تفاضل الأعمال بالإخلاص والنية الصالحة، أن العامل إن نوى الخير ثم عجز عنه، أو عن إكماله، لموت أو عذر، كُتِب له أجر العامل، وهذا أصل عظيم من أصول الدين وقد دلت عليه كثير من النصوص.\rقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. (¬٢)\rقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «أي ومن خرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر». (¬٣)\rوذكر الطبري أن هذه الآية نزلت في ضمرة بن العيص الخزاعي لما أُمروا بالهجرة كان مريضا، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله ﷺ، ففعلوا فأتاه الموت وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية. (¬٤)\rوفي معنى هذه الآية ما أخرجه البخاري من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في رجوعه من غزوة تبوك: «إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا، ولا واديا، إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر». (¬٥)\rقال ابن بطال: «هذا يدل أن من حبسه العذر من أعمال البر مع نيته فيها أنه","footnotes":"(¬١) أخرجه الضراب في ذم الرياء ص: (١٨٠) رقم (٩٩).\r(¬٢) سورة النساء: من الآية ١٠٠.\r(¬٣) تفسير ابن كثير (١/ ٣٩١).\r(¬٤) انظر تفسير الطبري (٤/ ٢٤٠).\r(¬٥) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (٦/ ٤٦) ح (٢٨٣٩)، وأخرجه مسلم (٣/ ١٥١٨) ح (١٩١١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁ بلفظ: ((إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض)).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080116,"book_id":1146,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":51,"body":"يكتب له أجر العامل فيها». (¬١)\rوقال النووي: «وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات، فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه». (¬٢)\rقلت: ولا شك أن هؤلاء القاعدين بسبب العذر، ما بلغوا ما بلغوا من الأجر ومشاركة المجاهدين في جهادهم إلا لقوة الإخلاص، وعظم النية في قلوبهم، ومما يدل على هذا وصف الله تعالى لبعض هؤلاء عند تأخرهم عن الخروج مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بسبب عدم النفقة بقوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. (¬٣)\rفوصفهم بدمع العين، وحزن القلب على التخلف عن رسول الله، ﷺ وهذا لا يحصل إلا مع قوة الإخلاص، وصدق النية في الخروج للجهاد، وفيه دلالة ظاهرة على تفاضل الأعمال بحسب الإخلاص وصدق النية.\rوبهذا العرض للنصوص المفسرة بكلام أهل العلم، يتم تقرير هذه المسألة وهو أثر قوة الإخلاص في تفضيل العمل عند الله وزيادة أجره. والله تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥/ ٤٨).\r(¬٢) شرح صحيح مسلم (١٣/ ٥٧).\r(¬٣) سورة التوبة: ٩٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080117,"book_id":1146,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":52,"body":"الفصل الرابع: تفاضل الأعمال باعتبار حسن المتابعة فيها.\rحقيقة المتابعة في العمل: هي امتثال هدي النبي ﷺ فيه، وتأديته على الوجه المشروع الذي كان عليه النبي ﷺ.\rوقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: «أن يُفْعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل» (¬١).\rوهذا يعني أن المتابعة للنبي ﷺ في عمل لابد أن يتحقق فيها أمران:\rالأول: الموافقة للنبي ﷺ في الفعل بأن يكون مثل فعل النبي ﷺ.\rالثاني: الموافقة له ﷺ في القصد بأن يكون على وجه التعبد، ويخرج من هذا ما فعله النبي ﷺ على غير وجه التعبد وإنما بحكم العادة فمن فعل ذلك على وجه التعبد، لم يكن متابعاً للنبي ﷺ فيه، وكذلك العكس، وهو أن يفعل النبي ﷺ الفعل بنية التعبد، فيصدر مثل هذا الفعل من شخص، لكن بغير نية التعبد، كمن توضأ بنية التنظف فليس في هذا العمل متابعة للنبي ﷺ في المقصد، ولهذا لا تقبل العبادات إلا بنية التعبد.\rومقصود البحث هنا بيان أثر المتابعة للنبي ﷺ في المفاضلة بين الأعمال، ويمكن تقسيم المتابعة باعتبار تأثيرها في العمل ومضاعفة ثوابه إلى قسمين: متابعة خاصة، ومتابعة عامة.\rأما المتابعة الخاصة: فهي المتابعة للنبي ﷺ في عمل مخصوص وهو على درجتين.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى ١/ ٢٨٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080118,"book_id":1146,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":53,"body":"الدرجة الأولى: متابعة واجبة وهي المتابعة للنبي ﷺ في أصل مشروعية العمل، وتحقق شروطه، وأركانه، وواجباته التي لا يصح إلا بها، وهذا القسم مؤثر في أصل قبول العمل فإن تحققت فيه المتابعة وإلا رُدَّ، كمن تقرب إلى الله بما لم يشرعه أصلاً، أو يكون مشروعاً: كالصلاة، أو الصيام، أو الحج، لكن يخل العامل ببعض شروط صحته، أو أركانه، أو واجباته، فهذا العمل مردود من أصله غير مقبول عند الله لفقده المتابعة لهدي النبي ﷺ.\rوعلى هذا دل قول النبي ﷺ على ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد». (¬١)\rوفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». (¬٢)\rقال الحافظ ابن رجب في شرح الحديث: «والأعمال قسمان عبادات ومعاملات: فأما العبادات فما كان منها خارجاً عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله … وأما من عمل عملاً أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، أو أخل فيه بمشروع، فهذا أيضاً مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به … فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل، أو شروطه، موجباً لبطلانه في الشريعة، كمن أخل بالطهارة في الصلاة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع، أو بالسجود، أو بالطمأنينة فهذا عمله مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضاً». (¬٣)\rالدرجة الثانية: متابعة في كمال العمل وهي المتابعة للنبي ﷺ في هديه الكامل في هذا العمل، والاجتهاد في الإتيان به على أكمل ما يكون، من غير نقص فيه بوجه من الوجوه، ويتطلب هذا تحقيق عدة جوانب في العمل:","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٠١ ح (٢٦٩٧) وصحيح مسلم ٣/ ١٣٤٣ ح (١٧١٨).\r(¬٢) صحيح مسلم ٣/ ١٣٤٤.\r(¬٣) جامع العلوم والحكم ١/ ١١٥ - ١١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080119,"book_id":1146,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":54,"body":"الجانب الأول: الإتيان بالسنن والمستحبات التي تصحب العمل، فإنه ما من عمل من الأعمال الصالحة، إلا وقد شرع فيه من السنن والمستحبات ما يزكو به ويفضل وذلك كالإسباغ في الوضوء، والغسلة الثانية، والثالثة، وتخليل الأصابع، واللحية، والأذكار المشروعة بعده (¬١)، وكدعاء الاستفتاح في الصلاة، والزيادة على مرة في تسبيح الركوع والسجود، ورفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، وفي مواطن الرفع، وكالأدعية والأذكار المسنونة في الصلاة (¬٢) وكالتلبية في الحج، والمبيت بمنى ليلة التاسع، وكاستلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني في الطواف، والطهارة في السعي والدعاء فيه (¬٣) وغير ذلك من السنن في العبادات وهي كثيرة ويطول التفصيل فيها.\rفالمتابعة في الإتيان بالسنن في العبادات، مما يكمل به العمل ويفضل على غيره من الأعمال التي لم تتحقق فيها السنن فالوضوء المستوفي السنن، أفضل من الوضوء الذي لم تتحقق فيه وكذا القول في الصلاة، والصوم، والحج، وسائر العبادات، ما تحققت فيه السنن منها أفضل من الذي لم تتحقق فيه.\rوقد دل على ذلك كثير من الأدلة فمن ذلك حديث عثمان بن عفان ﵁: «أنه دعا بإناء فافرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال ﷺ: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه». (¬٤)","footnotes":"(¬١) انظر العمدة مع شرحه العدة لبهاء الدين المقدسي (١/ ٢٩ - ٣٠)، وزاد المستقنع لشرف الدين أبي النجا ص: (٥).\r(¬٢) انظر الإقناع لشرف الدين أبي النجا (١/ ٢٠٥ - ٢٠٧)، والمعتمد في فقه الإمام أحمد (١/ ١٣١ - ١٣٩).\r(¬٣) انظر العمدة مع شرحه العدة (١/ ٢٥٥)، والمغني لابن قدامة (٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨، ٢٤٦، ٢٥٩).\r(¬٤) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (١/ ٢٥٩)، ح (١٥٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٢٠٤) ح (٢٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080120,"book_id":1146,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":55,"body":"فدل هذا الحديث على حصول هذا الثواب العظيم، لمن توضأ نحو وضوء رسول الله ﷺ المذكور، وصلى الصلاة الموصوفة في الحديث، ومعلوم أن الوضوء المذكور متضمن لبعض السنن التي ليست من فروض الوضوء، كالغسلتين الثانية، والثالثة، والإسباغ في الوضوء، وكذلك الصلاة المذكورة، وهي التي لا يحدث المصلى فيها نفسه، فهي درجة عالية من الخشوع، وحضور القلب، وتصح الصلاة الواجبة بدون هذا، ومع وجود حديث النفس، وإن كان ينقص ذلك من ثوابها. نقل ابن بطال ﵀ عن بعض أهل العلم: «وأما من وسوس له الشيطان، وحدث نفسه في صلاته بأشياء دون قصد منه لذلك، فإنه يرجى أن تقبل صلاته ولا تبطل، وتكون دون صلاة الذي لم يحدث نفسه». (¬١)\rوالمقصود هنا أن ذلك الثواب العظيم، لمن توضأ نحو الوضوء المذكور، وصلى الصلاة الموصوفة، حصل بسبب ما تحقق في هذين العملين من السنن الزائدة على الفرض ولهذا تميز الثواب بتميز العمل قال الإمام الطحاوي ﵀: «في هذه الأحاديث دليل أن المفترض من الوضوء هو مرة مرة، وما زاد على ذلك فهو لإصابة الفضل لا الفرض». (¬٢)\rوقال ابن دقيق العيد ﵀: «والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم رفع العسر عنه». (¬٣)\rومما يدل أيضا على فضل الأعمال باعتبار ما يصحبها من السنن ما أخرجه البخاري من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ «لا يغتسل رجل","footnotes":"(¬١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/ ٢٥٠، وانظر إحكام الأحكام لابن دقيق ١/ ٨٦.\r(¬٢) نقله عنه ابن بطال في شرح صحيح البخاري ١/ ٢٤٩.\r(¬٣) إحكام الأحكام ١/ ٨٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080121,"book_id":1146,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":56,"body":"يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». (¬١)\rفرتب الأجر، وهو مغفرة الذنوب إلى الجمعة الأخرى، على مجموع ما ذُكِر، قال ابن حجر في شرح الحديث: «وتبين بمجموع ما ذكرنا أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة، مشروط بوجود جميع ما تقدم، من غسل وتنظيف، وتطيب، أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي، والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى، والتنفل والإنصات وترك اللغو». (¬٢)\rومعلوم أن بعض ما ذكر هي من السنن لا الواجبات قطعاً، كالدهن والطيب، فإن العلماء مجمعون على أنهما غير واجبين، كما نقل الإجماع على ذلك ابن بطال نقلا عن الطبري والطحاوي. (¬٣) وكذلك التنفل قبل الصلاة ظاهر عدم وجوبه، وأما الغسل فاختلف أهل العلم في وجوبه من عدمه، والذي عليه جمهور أهل العلم، أنه مندوب وليس بواجب. (¬٤)\rوعلى كل حال فالثواب في الحديث قد ترتب على فعل الواجب، مع بعض المستحبات، فدلّ ذلك على أن الأعمال الواجبة المفترضة تشرف بما يقارنها من السنن والمستحبات، على ما جاء مجرداً منها، والأدلة على هذه المسألة كثيرة في الشرع وإنما ذكرت هنا ما يستدل به، والله أعلم.\rوالجانب الثاني: تنزيه العمل من الذنوب والمعاصي.","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٣٧٠ ح ٨٨٣.\r(¬٢) فتح الباري ٢/ ٣٧٢.\r(¬٣) انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ٤٧٨، ٤٨٣.\r(¬٤) انظر المغني لابن قدامة ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٧، وشرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ٤٧٧، وفتح الباري لابن حجر ٢/ ٣٦١ - ٣٦٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080122,"book_id":1146,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":57,"body":"فالأعمال الصالحة يعظم أجرها بتنزيهها من الذنوب التي تنقص من أجرها إذا ما خالطتها وقد دلت على ذلك الأدلة.\rقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ • قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. (¬١)\rفدلت هذه الآيات من سورة البقرة على تأثير الذنوب إذا صاحبت العمل في النقص من ثوابه، وأجره عند الله.\rففي الآية الأولى: أخبر أن الأجر عند الله يستحقه من خلت صدقته من المن والأذى، قال ابن جرير ﵀: «أوجب الأجر لمن كان غير مانٍّ، ولا مؤذٍ من أنفق عليه في سبيل الله» (¬٢) فدلت الآية على فضل الصدقة السالمة من المنّ والأذى على التي صاحباها، دلالة بينة ظاهرة حيث رتب الأجر والمثوبة على الصدقة الخالية من المن والأذى دون تلك.\rوفي الآية الثانية: يخبر الله تعالى أن ﴿قول معروف﴾: من كلمة طيبة، ودعاء المسلم ﴿ومغفرة﴾: من عفو عن ظلم، خير من صدقة يتبعها أذى (¬٣)، فدلت الآية على أن العمل الصالح الخالي من الإثم وإن كان مفضولاً من حيث جنسه أفضلُ من العمل الصالح المصاحب للإثم وإن كان فاضلاً.\rقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير الآية: «ذكر الله أربع مراتب","footnotes":"(¬١) سورة البقرة الآيات من ٢٦٢ - ٢٦٤.\r(¬٢) تفسير الطبري ٣/ ٦٣.\r(¬٣) انظر تفسير ابن كثير ١/ ٦٩٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080123,"book_id":1146,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":58,"body":"للإحسان: المرتبة العليا النفقة الصادرة عن نية صالحة، ولم يتبعها المنفق منا ولا أذى.\rثم يليها قول المعروف وهو الإحسان القولي، بجميع وجوهه الذي فيه سرور المسلم، والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئاً، وغير ذلك من أقوال المعروف.\rوالثالثة: الإحسان بالعفو والمغفرة، عمن أساء إليك بقول أو فعل، وهذان أفضل من الرابعة وخير منها، وهي التي يُتْبِعُهَا المتصدقُ الأذى للمعطي؛ لأنه كدّر إحسانه وفعل خيراً وشراً، فالخير المحض، وإن كان مفضولاً خير من الخير الذي يخالطه شر وإن كان فاضلاً». (¬١)\rوفي الآية الثالثة: نهى الله جلّ وعلا عباده عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى، وشبه هذا بحال من ينفق ما له مراءاة للناس، فدلت الآية على إبطال المن والأذى لأجر الصدقة بالكلية وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين:\rقال الطبري ﵀ في تفسير الآية: «يقول لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمن والأذى، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله» (¬٢)\rوقال القرطبي: «عبر عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال، والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي لا غيرها». (¬٣)\rوقال ابن كثير: «فأخبر أن الصدقة تبطل بما تبعها من المن والأذى، فما بقي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى». (¬٤)\rوبنحو هذا قال جمع من المفسرين المتأخرين في تفسيرهم للآية: (¬٥)","footnotes":"(¬١) تفسير السعدي ١/ ١٥٧.\r(¬٢) تفسير الطبري ٣/ ٦٥.\r(¬٣) تفسير القرطبي ٣/ ٣١١.\r(¬٤) تفسير ابن كثير ١/ ٦٩٤.\r(¬٥) انظر فتح القدير للشوكاني ١/ ٢٨٥ وتفسير السعدي ١/ ١٥٨، وأضواء البيان للشيخ محمد الأمين ١/ ١٩٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080124,"book_id":1146,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":59,"body":"ووجه الدلالة من هذه الآية لموضوعنا: أنه إذا ثبت تأثير هذه المعصية المخصوصة في إبطال أجر هذه الطاعة هنا وهي الصدقة أرشد ذلك إلى تأثير جنس المعصية، في جنس الطاعة في النقص من أجرها من باب أولى.\rفدلت كل واحدة من الآيات الثلاث، على أثر تنزه الأعمال الصالحة من الذنوب والخطايا، على كمال أجرها وثوابها عند الله.\rومما جاء في هذا المعنى من السنة حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال «من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (¬١)\rفدل الحديث على انتقاص أجر الصوم بقول الزور والعمل به، بل ظاهر الحديث يدل على بطلانه به (¬٢).\rقال المهلب: «فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه، وتعرض لسخط ربه، وتَرْكِ قبوله منه». (¬٣)\rوقال ابن حجر: «واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم». (¬٤)\rونقل عن السبكي أن «مقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، فإذا لم يسلم عنها نقص». (¬٥)\rوقال ابن رجب معللاً نقص الصيام بذلك «وسر هذا أن التقرب إلى الله تعالى","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ١١٦ ح (١٩٠٣).\r(¬٢) وبه قال بعض أهل العلم وذهبوا إلى أن الصيام يبطل بما ذكر في الحديث، كما نقل هذا ابن حجر في الفتح ٤/ ١١٧، عن ابن المنير وابن العربي رحمها الله.\r(¬٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٤/ ٢٣.\r(¬٤) فتح الباري ٤/ ١١٧.\r(¬٥) المصدر نفسه ٤/ ١١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080125,"book_id":1146,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":60,"body":"بترك المباحات، لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات، ثم تقرب بترك المباحات، كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئاً عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته». (¬١)\rومما ورد صريحاً في السنة في بيان تفاضل الأعمال الصالحة بسبب تنزهها من الذنوب، ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حج فلم يرفث ولم يفسق (¬٢) رجع كيوم ولدته أمه». (¬٣)\rفدل الحديث على فضل الحج الذي خلا من الرفث والفسوق على غيره، وأن هذا الثواب إنما استحقه من سلم حجه من ذلك.\rقال ابن رجب ﵀: «مما يكمل به برّ الحج، اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث، والفسوق، والمعاصي». (¬٤)\rفتقرر بهذا أثر تنزه الأعمال الصالحة، من مخالطة الذنوب والمعاصي في كمال أجرها، وزيادة فضلها عند الله، وانتقاص ذلك بوجودها، كما دلت على ذلك النصوص وتقريرات أهل العلم.\rإذا ثبت هذا فهل تبطل المعاصي أجر العمل إذا خالطته، أم تنقص من ثوابه فقط.\rذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اختلاف العلماء في ذلك على قولين: فمن قائل بالإبطال، ومن قائل بعدمه.","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف ٢٩٢.\r(¬٢) الرفث: هو الجماع في قول الجمهور وقيل: هو اسم للفحش من القول. والفسق: هو المعاصي والسيئات. انظر: فتح الباري لابن حجر ٣/ ٣٨٢.\r(¬٣) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٣٨٢ ح (١٥٢١) وصحيح مسلم ٢/ ٩٨٤ ح: (١٣٥٠).\r(¬٤) لطائف المعارف ٤١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080126,"book_id":1146,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":61,"body":"قال ﵀: «فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات، فهل تحبط بقدرها، وهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر فيه قولان للمنتسبين إلى السنة، منهم من ينكره، ومنهم من يثبته، كما دلت عليه النصوص مثل قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ واَلأَذَى﴾. (¬١) الآية، دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة، وضرب مثله بالمرائي، وقالت عائشة: (أبلغي زيداً أن جهاده بطل) (¬٢) الحديث». (¬٣)\rوذكر في موضع آخر أن القول بالإبطال هو قول الأكثر من أهل السنة:\rقال: «الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات، ولكن قد تحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة». (¬٤)\rوحكى ابن القيم الإجماع على هذا القول في معرض حديثه عن التوبة قال: «فإذا استقرت قاعدة الشريعة، أن من السيئات ما يحبط الحسنات بالإجماع، ومنها ما يحبطها بالنص، جاز أن تحبط سيئة المعاودة حسنة التوبة». (¬٥)\rوذهب ابن رجب إلى التفصيل، في هذا: فذكر أن العمل يبطل بارتكاب ما نهى عنه فيه لخصوصه دون ارتكاب ما نهى عنه لغير معنى يختص به قال: وهذا هو أصل جمهور العلماء. (¬٦)\rالجانب الثالث: إيقاع العبادات في أفضل أوقاتها.\rفقد جاءت الشريعة بتحديد أوقات كثير من العبادات، وهذه الأوقات إما أوقات وجوب لا تصح العبادة إلا فيها، وإما أوقات فضيلة تشرف العبادة فيها","footnotes":"(¬١) سورة البقرة: (٢٦٤).\r(¬٢) أخرجه الدارقطني ٣/ ٥٢.\r(¬٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٣٨.\r(¬٤) نقلا عن ابن مفلح في الآداب الشرعية ١/ ١٢٤.\r(¬٥) مدارج السالكين ١/ ٢٧٨.\r(¬٦) انظر لطائف المعارف ٢٩٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080127,"book_id":1146,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":62,"body":"على ما أُدى في غيرها من الأوقات.\rوالحديث هنا هو عن أوقات الفضيلة التي يشرف بها العمل ويكمل، دون أوقات الوجوب، فالحديث عنها متعلق بالدرجة الأولى، من درجات المتابعة الخاصة وهي المتابعة الواجبة، فإن تأدية العمل في وقته الواجب واجب مندرج تحت تلك المرتبة لا ما نحن بصدده هنا، من عرض جوانب المتابعة المستحبة الكاملة.\rإذا تقرر هذا فينبغي أن يعلم أن الأوقات الفاضلة للأعمال في الشرع على قسمين بحسب انقسام الأعمال إلى فرائض ونوافل:\rفالقسم الأول: أوقات فضيلة للفرائض:\rوهي الأوقات الفاضلة لتأدية الفرائض، كالأوقات الفاضلة لتأدية الصلوات الخمس، وهي أوائل الأوقات من أوقات الصلوات، إلا العشاء فتأخيرها أفضل (¬١)، وكذا الظهر في شدة الحر فيستحب تأخيرها والإبراد بها، كما هو ثابت في السنة. (¬٢)\rوكالوقت الفاضل للإمساك والفطر في الصوم، وهو تأخير الإمساك وتعجيل الفطر، إلى غير ذلك من الأوقات الفاضلة لأداء الواجبات، مما هو مفصل في الفقه، فتأدية الواجبات في أوقاتها الفاضلة أكمل من تأديتها في غيرها، وبذلك يعظم أجرها وثوابها عند الله، كما دلت على ذلك النصوص.\rفعن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل: قال: «الصلاة على ميقاتها … ». (¬٣) الحديث\rفقد فهم بعض أهل العلم من قوله ﷺ (على ميقاتها) أن المقصود من ذلك","footnotes":"(¬١) انظر المغني لابن قدامة ٢/ ٣٢ - ٤٥، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ١٦٥ - ١٦٧.\r(¬٢) انظر الحديث في صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ١٥ ح (٥٣٣) وصحيح مسلم ١/ ٤٣٠ ح (٦١٥) وانظر أقوال أهل العلم في فتح الباري ٢/ ١٦.\r(¬٣) متفق عليه وقد تقدم تخريحه ص (١٥)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080128,"book_id":1146,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":63,"body":"أول الوقت، قال ابن بطال: «فيه أن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها لأنه إنما اشترط فيها؛ أن تكون أحب الأعمال إلى الله إذا أقيمت لوقتها المستحب الفاضل» (¬١)\rوقال بعض العلماء في توجيه الاستدلال بهذا الحديث على ماتقدم: «إن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ أحب يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت». (¬٢)\rومن الأدلة الظاهرة على فضيلة أداء الصلوات في أول الوقت، أداء النبي ﷺ لها في أول الوقت كما هو ثابت في السنة.\rفعن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عَّجَّل، وإذا رآهم أبطئوا أَخَّر والصبح كانوا أو كان النبي ﷺ يصليها بغلس». (¬٣)\rوأما زكاة الفطر فدل على فضيلة أدائها قبل صلاة العيد، ما أخرجه أبو داود وغيره، من حديث ابن عباس ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين؛ فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصّدقات» (¬٤)\rفدل الحديث على فضل تأدية زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم، من غير خلاف يذكر، لنص الحديث على هذا، وإن تنازعوا في إخراجها بعد صلاة العيد هل هو مجزئ مع ترك الفضيلة أم لا يجزئ. (¬٥)","footnotes":"(¬١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ١٥٧.\r(¬٢) ذكره ابن حجر في الفتح ٢/ ٩.\r(¬٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٢/ ٤١ ح (٥٦٠) ومسلم ١/ ٤٤٦ ح (٦٤٦).\r(¬٤) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٦٢ ح (١٦٠٩) وابن ماجه ١/ ٥٨٥ ح (١٨٢٧) والحاكم ١/ ٥٦٨ ح (١٤٨٨) وقال «صحح على شرط البخاري» ووافقه الذهبي، وحسن الحديث الألباني في صحيح ابن ماجه ١/ ٣٠٦ ح (١٤٨٠).\r(¬٥) انظر المغني لابن قدامة ٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨، وشرح صحيح مسلم للنووي ٧/ ٦٣ وزاد المعاد لابن القيم ٢/ ٢١ - ٢٢، وفتح الباري لابن حجر ٣/ ٣٧٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080129,"book_id":1146,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":64,"body":"وأما تأخير السحور فدل على فضله حديث أنس عن زيد بن ثابت ﵄ قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة: قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية». (¬١)\rقال ابن بطال في شرح الحديث قال مهلب: «هذا يدل على تأخير السحور ليتقوى به على الصوم». (¬٢)\rوبه استدل البغوي على فضل تأخير السحور قال: «واستحب أهل العلم تأخير السحور .. ». (¬٣) ثم ساق الحديث.\rوأما فضل تعجيل الفطر فدل عليه حديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». (¬٤)\rقال البغوي ﵀: بعد إيراده الحديث: «والعمل على هذا عند أهل العلم، استحبوا تعجيل الفطر، بعدما تيقن غروب الشمس». (¬٥)\rفدل الحديث على استحباب تأخير السحور وتعجيل الفطر.\rوقد نص على هذا الأئمة المحققون، وأنه هو الذي عليه هدي النبي ﷺ وسنته الثابتة:\rقال عبد الكريم بن أبي مخارق: «من عمل النبوة تعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور». (¬٦)\rوقال ابن عبد البر: «من السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور». (¬٧)","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٤/ ١٣٨ ح (١٩٢١) ومسلم ٢/ ٧٧١ ح (١٩٩٧).\r(¬٢) شرح صحيح البخاري ٤/ ٤٤.\r(¬٣) شرح السنة ٣/ ٤٦٨.\r(¬٤) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٤/ ١٩٨ ح (١٩٥٧) ومسلم ٢/ ٧٧١ ح (١٠٩٨).\r(¬٥) شرح السنة ٣/ ٤٦٨.\r(¬٦) ذكره البغوي في شرح السنة ٣/ ٤٦٨.\r(¬٧) التمهيد ٢١/ ٩٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080130,"book_id":1146,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":65,"body":"وقال ابن القيم في وصف هدي النبي ﷺ: «وكان يعجل الفطر، ويحض عليه، ويتسحر ويحث على السحور ويؤخره، ويرغب في تأخيره». (¬١)\rوإذا ثبت هذا تبين فضل الصيام الذي تحقق فيه تأخير السحور، وتعجيل الفطر، على الصيام الذي لم يتحقق فيه ذلك.\rوبهذا يظهر فضل تأدية العبادات الواجبة في أوقاتها الفاضلة، على تأديتها في غير تلك الأوقات.\rولهذا عني الفقهاء ﵏ في مباحث مواقيت العبادات ببيان أوقات الفضيلة والإجزاء للعبادات، تنبيهاً لهذا الأمر، وترغيباً للناس في إدراك الفضل.\rقال ابن قدامة ﵀: «الأوقات ثلاثة أضرب: وقت فضيلة: وجواز، وضرورة». (¬٢)\rوقال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن للصلوات أوقاتاً خمسة وهي شرط في صحة الصلاة وأن فيها أوقات فضيلة وأوقات توسعة». (¬٣)\rوقال النووي في شرح حديث بريدة (¬٤) «وفيه بيان أن للصلاة وقت فضيلة ووقت اختيار». (¬٥)\rوكلامهم في هذا يطول جداً وإنما ذكرت هنا شيئاً يستأنس به.","footnotes":"(¬١) زاد المعاد ٢/ ٥٠.\r(¬٢) المغني ٢/ ٣٢.\r(¬٣) بداية المجتهد ١/ ٩٢.\r(¬٤) حديث طويل أخرجه مسلم ١/ ٤٢٨ ح (٦١٣) وفيه أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن وقت الصلاة فقال له (صل معنا هذين): [يعني اليومين] ثم صلى النبي ﷺ الصلوات في اليوم الأول أوائل أوقاتها وفي اليوم الثاني في أواخر أوقاتها ثم قال: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم).\r(¬٥) شرح صحيح مسلم ٥/ ١١٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080131,"book_id":1146,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":66,"body":"القسم الثاني: أوقات فضيلة للنوافل.\rومبنى هذا القسم أن نوافل العبادات أجناس متعددة، كالصلاة، والصوم، والصدقة، والقراءة، والذكر، والدعاء، إلى غير ذلك من أنواع النوافل، ولكل جنس من هذه الأجناس وقت فضيلة يفضل فيه هذا العمل على غيره من الأعمال.\rوبيان هذا على وجه التفصيل أن نوافل العبادات بحسب ما تؤدى فيه من الأوقات على نوعين:\rالنوع الأول: ما كان مقيداً بوقت مخصوص، أو حال مخصوصة.\rومن ذلك: قيام الليل، وصلاة الوتر، فهما مقيدان بما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر على المشهور (¬١)\rوالسنن الراتبة التي تؤدى قبل الصلوات أو بعدها مقيدة بأوقاتها المخصوصة. (¬٢)\rوصلاة الضحى مقيدة بوقتها، وهو من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال. (¬٣)\rوأذكار الصباح والمساء مقيدة بوقتي الصباح والمساء، منها ما هو مقيد بطلوع الشمس وغروبها، ومنها ما هو مقيد بعدم انصرافه وثني قدميه من صلاة الصبح والمغرب (¬٤)، وما عدا ذلك من النوافل المقيدة بأوقات مخصوصة.\rوكذلك ما كان مقيداً بحال مخصوصة كأذكار النوم، والأكل والشرب، وأذكار اللباس، والخلاء، ودخول المنزل والمسجد والخروج منهما، وأذكار","footnotes":"(¬١) انظر مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي ص ٢٧٧.\r(¬٢) انظر المغني لابن قدامة ٢/ ٥٤٤.\r(¬٣) انظر زاد المستقنع لشرف الدين أبي النجا ص ١٥.\r(¬٤) انظر الأذكار للنووي ص: ٧٠ - ٨٢ والكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية ص: ٣٠ - ٣٦، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ١/ ٢٦٠ - ٢٦٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080132,"book_id":1146,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":67,"body":"الوضوء ومتابعة المؤذن، وأذكار ركوب الدابة، وأذكار السفر، وتشميت العاطس، والسلام على المسلمين والرد عليهم، إلى غير ذلك من الأذكار المخصوصة مما هو مبسوط في كتب الأذكار. (¬١)\rوأفضل الأعمال في هذه الأوقات والأحوال هو الاشتغال بالمشروع فيها، دون الاشتغال بغيرها من الأعمال المطلقة التي لا تقيد بوقت، أو حال. وذلك لأن العمل المقيد بوقت يفوت بخروج وقته، وانقضاء أجله، بخلاف الأعمال المطلقة فيمكن أداؤها فيما عدا ذلك من الأوقات. قال الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر اختلاف الناس في المفاضلة بين الأعمال:\r«الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة: العمل في مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته». (¬٢)\rوقال أيضا: «فالفضل في كل وقت: إثبات مرضاة الله في ذلك الوقت والحال.\rوالاستقلال بواجب ذلك الوقت، ووظيفته، ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد». (¬٣)\rالنوع الثاني: ما ورد الترغيب في أدائه في بعض الأوقات على سبيل الاستحباب، ويدخل في هذا بعض الأعمال الصالحة التي جاءت النصوص بالترغيب فيها في بعض الأوقات، وإن كانت مشروعة في غير تلك الأوقات، لكن أداءها في الأوقات المرغب فيها أفضل.\rومن ذلك الصلاة المطلقة فهي في الليل أفضل منها في النهار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر تفاصيل ذلك في كتابي: الأذكار للنووي، والكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية.\r(¬٢) مدارج السالكين ١/ ٨٨.\r(¬٣) المصدر نفسه ١/ ٨٩.\r(¬٤) المزمل الآية (٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080133,"book_id":1146,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":68,"body":"قال الضحاك في قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْئاً﴾: «قراءة القرآن بالليل أثبت منه بالنهار وأشد مواطأة بالليل منه بالنهار». (¬١)\rوقال الطبري: «ناشئة الليل أشد ثباتاً من النهار وأثبت في القلب، وذلك أن العمل بالليل أثبت منه بالنهار». (¬٢)\rوقال ابن كثير: «أي أجمع للخاطر في أداء القراءة، وتفهمها، من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش». (¬٣)\rوقد دلت على هذا أقوال الصحابة ﵃:\rفعن ابن مسعود ﵁: «فضل صلاة الليل على صلاة النهار، كفضل صدقة السر، على صدقة العلانية». (¬٤)\rوقال عمرو بن العاص ﵁: «ركعة بالليل، خير من عشر بالنهار». (¬٥)\rقال ابن رجب ﵀: «وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار، لأنها أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص». (¬٦)\rومما يدخل في هذا الباب الاستغفار في السحر، قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (¬٧)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾. (¬٨)\rقال ابن كثير ﵀ «دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. وقد قيل: إن يعقوب ﵇ لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (¬٩)، أنه أخرهم إلى","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨٤.\r(¬٢) المصدر نفسه ١٢/ ٢٨٣.\r(¬٣) تفسير ابن كثير ٨/ ٢٥٢.\r(¬٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد ١/ ١١٩ وقال المحقق: «موقوف بسند صحيح» أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٣٨، وأبو نصر المروزي في قيام الليل. (مختصر قيام الليل للمقريزي ص ٦٣).\r(¬٥) أخرجه المروزي في قيام الليل (مختصر قيام لليل للمقريزي ص ٦٣).\r(¬٦) لطائف المعارف ص ٨٧.\r(¬٧) الذريات: (١٨).\r(¬٨) آل عمران من الآية (١٧).\r(¬٩) يوسف من الآية (٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080134,"book_id":1146,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":69,"body":"وقت السحر». (¬١)\rومنه الذكر طرفي النهار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (¬٢)، وقال ﷿: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (¬٣) وقال جلا وعلا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (¬٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة.\rوأخرج الإمام أبو داود من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة». (¬٥)\rفدلت النصوص على أن هذين الوقتين هما أفضل الأوقات للذكر وبهذا صرح أهل العلم:\rقال الإمام النووي: «اعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار الذكر بعد صلاة الصبح». (¬٦)\rوقال الحافظ ابن رجب: «ويستحب أيضاً الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما: الفجر، والعصر، فيشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. وهذان الوقتان أعني: الفجر، والعصر، هما أفضل أوقات النهار للذكر». (¬٧)\rومما ورد الترغيب فيه في بعض الأوقات الدعاء. فإنه يفضل في أوقات إجابة","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٣).\r(¬٢) الأحزاب الآية (٤١ - ٤٢).\r(¬٣) غافر الآية (٥٥).\r(¬٤) طه الآية (١٣٠).\r(¬٥) سنن أبي دواد ٤/ ٣٧ - ٧٤ ح (٣٦٦٧) وقد حسن الحديث الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٢٦٠.\r(¬٦) الأذكار ص ٧٠.\r(¬٧) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٧٩، ٣٨٠. وانظر المحجة في سير الدلجة ص ٦١، ٦٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080135,"book_id":1146,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":70,"body":"الدعاء، ومن ذلك: وقت السحر، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حتى يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». (¬١)\rوساعة الاستجابة من يوم الجمعة لقول ﷺ في يوم الجمعة «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه» (¬٢)، وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولاً (¬٣) أصحها قولان: الأول: هي ما بين جلوس الإمام على المنبر، إلى الفراغ من الصلاة. الثاني: هي ما بعد صلاة العصر، إلى الغروب. (¬٤)\rويوم عرفة لقول النبي ﷺ «خير الدعاء دعاء يوم عرفة … ». (¬٥)\rقال ابن عبد البر: «وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره. وفي الحديث أيضاً دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب». (¬٦)\rوما بين الأذان والإقامة لقوله ﷺ «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة». (¬٧)\rومما جاء الترغيب فيه أيضاً في بعض الأوقات صيام بعض الأيام: كيوم","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٣/ ٢٩ ح (١١٤٥) ومسلم ١/ ٥٢١ ح (٧٥٨).\r(¬٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ١/ ٤١٥ ح (٩٣٥) ومسلم ١/ ٢/ ٥٨٣ ح (٨٥٢).\r(¬٣) ذكرها بن حجر في الفتح ٢/ ٤١٦ - ٤٢١ وأوصلها إلى (ثلاثة وأربعين) قولا.\r(¬٤) انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ١٤٠ - ١٤١ وزاد المعاد لابن القيم ١/ ٣٩٤ وفتح الباري لابن حجر ٢/ ٤٢١ - ٤٢٢.\r(¬٥) أخرجه الترمذي ٥/ ٥٧٢ ح (٣٥٨٥) وحسنه الألباني: مشكاة المصابيح ٢/ ٧٩٧.\r(¬٦) التمهيد ٦/ ٤١.\r(¬٧) أخرجه أحمد ٢٠/ ٤١ ح (١٢٥٨٤) وأبو داود ١/ ٣٥٨، والترمذي ١/ ٤١٥ وحسنه وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ٢٦١ - ٢٦٢، ح (٢٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080136,"book_id":1146,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":71,"body":"عرفة، وعاشوراء، والأيام البيض من كل شهر، والاثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام ستة أيام من شوال، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ (¬١) وكذلك صيام محرم وقد ثبت أن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان، لما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم … ». (¬٢)\rقال ابن رجب ﵀: «وهذا الحديث صريح، في أن أفضل ما تُطُوِعَ به من الصيام بعد رمضان، صوم شهر الله المحرم، وقد يحتمل أن يراد أنه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملا، بعد رمضان، فأما بعض التطوع ببعض الشهر، فقد يكون أفضل من بعض أيامه، كصيام يوم عرفة، أو عشر ذي الحجة، أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك». (¬٣)\rومما رغب فيه من الأعمال أيضاً في بعض الأوقات العمرة في رمضان لما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لأم سنان الأنصاري: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي». (¬٤) وفي رواية: «تعدل حجة». (¬٥)\rفالتقرب إلى الله بهذه الأعمال في أوقاتها الفاضلة أفضل من التقرب بها في غيرها من الأوقات، وإن كان المتقرب بها في غير أوقاتها الفاضلة مأجور على عمله، لم يخرج عن السنة، لأن هذه العبادات مطلقة، بخلاف القسم الأول فإن العبادات فيه مقيدة بأوقات مخصوصة لا تخرج عن وقتها إلا لعذر، فتؤدى على سبيل القضاء، كقضاء صلاة الليل والوتر في النهار، لمن عرض له عارض في الليل من نوم أو مرض، فينبغي التنبه لهذا الفرق بين القسمين.","footnotes":"(¬١) انظر الأحاديث في ذلك في الصفحات: ١٥٦ - ١٦١، من هذا الكتاب.\r(¬٢) صحيح مسلم ٢/ ٨٢١ ح (١١٦٣).\r(¬٣) لطائف المعارف ص ٧٧.\r(¬٤) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٧٢ ح (١٨٦٣) ومسلم ٢/ ٩١٧، ٩١٨.\r(¬٥) أخرجها البخاري، الصحيح مع الفتح ٣/ ٦٠٣ ح (١٧٨٢) ومسلم ٢/ ٩١٧ ح (١٢٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080137,"book_id":1146,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":72,"body":"ثم هاهنا مسألة متعلقة بهذا القسم، وهي: هل الأفضل في هذه الأوقات، الاشتغال بهذه الأعمال واستغراق الوقت فيها، وتقديمها على غيرها من الأعمال الأخرى التي قد تكون أفضل منها باعتبار الجنس؟ أما أن الأفضل هو الاشتغال بما هو أفضل منها باعتبار الجنس؟.\rالذي يظهر أن الأعمال المذكورة وأوقاتها المرغب فيها ليست على باب واحد بل تتنزل على عدة صور:\rالصورة الأولى: أن لا يتعارض العمل المرغب فيه، ولا يضيق وقته الفاضل عن عمل آخر:\rمثل الصيام فإنه لا يتعارض مع عمل آخر من صلاة، وقراءة، وذكر، وغيرها من أعمال البر، ولا يضيق وقته وهو مدة النهار، عن الجمع بين تلك الأعمال. ومثل العمرة في رمضان، فإنه يمكن الجمع بين تأديتها وبين أعمال البر الأخرى من قراءة وذكر وأمر بمعروف ونهي عن منكر، كما أن وقتها الفاضل وهو طوال شهر رمضان لا يضيق عن التقرب إلى الله بغيرها من أعمال البر.\rوفي مثل هذه الصورة لا شك أن الجمع بين هذه الأعمال أفضل من الاقتصار على العمل الفاضل في هذا الوقت، بل جاء الترغيب في ذلك من النبي ﷺ:\rففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». (¬١)\rوهذا في حق من استطاع الجمع بين هذه الأعمال، أما من عجز عن ذلك ولم","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم ٤/ ١٨٥٧ ح (١٠٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080138,"book_id":1146,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":73,"body":"يقدر إلا على بعضها أو أحدها، فحكمه حكم من تعارض عنده العملان، على ما سيأتي بيانه في الصورة الثانية:\rالصورة الثانية: أن يتعارض العمل المرغب فيه، ويضيق وقته عن عمل آخر، مثل الذكر طرفي النهار، وعلى وجه الخصوص ما رُغب فيه قبل الشروق والغروب، فإن الذكر يتعارض مع أعمال اللسان الأخرى كقراءة، ودعاء، وتعليم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر باللسان، كما أن الانشغال بغيره من أعمال الجوارح، من اتباع جنازة، وعيادة مريض، وقضاء حوائج المسلمين مظنة النقص من كماله لانشغال القلب بغيره، وإن كان اللسان ذاكراً. وكذا الدعاء في ساعة الجمعة، خصوصاً عند من يرى أنها ما بين جلوس الإمام على المنبر حتى ينصرف، فالقول فيها وفي وقتها، كالقول في الذكر ووقته بل إن وقتها أضيق كما لا يخفى.\rففي مثل هذه الصورة لابد من الترجيح بين الأعمال، والاشتغال بما هو أفضل. ثم ينظر هل يقدم العمل المرغب فيه في هذا الوقت، كالذكر، والدعاء، أم يقدم الأفضل باعتبار الجنس كالقراءة مثلاً؟.\rقال الحافظ ابن رجب: «من أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر، وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال كان هديهم ذكر الله فإن قرأ فحسن، وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة، وكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة إنه أفضل من التلاوة حينئذ». (¬١)\rقلت: وهذا هو الظاهر من السنة، فإن المنقول عن النبي ﷺ من الأذكار في طرفي النهار، مما كان يقوله ويرغب فيه شيء كثير، وهذا بلا شك يستغرق وقتاً من أول النهار وآخره، والانشغال بالقراءة أو غيرها يقطع عنه.","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٨٠، ٣٨١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080139,"book_id":1146,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":74,"body":"وبهذا يظهر أن الاشتغال بوظائف الأوقات مقدم على غيره، وإن كان الغير أفضل باعتبار الجنس.\rالصورة الثالثة: أن يتعارض العمل المرغب فيه مع عمل آخر، ولا يضيق وقته الفاضل عن غيره، مثل الصلاة فإنها تتعارض مع غيرها من الأعمال، فلا يمكن الجمع بينها وبين عمل آخر في وقت واحد، وإن كان الوقت الفاضل لأدائها، وهو الليل لا يضيق عن غيرها، بل يبقى متسع من الوقت في التقرب إلى الله بغيرها من قراءة، وذكر، واستغفار، وتعلم، وتعليم، وقضاء حوائج المسلمين.\rوهذه الصورة تأخذ حكم الصورة الأولى، في أن الأفضل هو الاشتغال بما أمكن من أعمال الطاعات مع تأدية العمل المفضل في هذا الوقت، ما دام الجمع ممكناً.\rوهذا هو الموافق لهدي النبي ﷺ إن شاء الله فقد كان يقوم من الليل ما شاء. ولربما عاد أهل البقيع، واستغفر لهم في بعض الليالي، كما في حديث عائشة وقصة خروجه من بيتها ليلاً، وفي رواية: أنه يفعل ذلك في كل ليلة يبيت عندها (¬١)، كما أنه كان أحياناً يسمر مع أبي بكر وعمر في بعض أمور المسلمين. (¬٢)\rوبهذا العرض المفصل يظهر فضل إيقاع العبادات في أوقاتها الفاضلة، على ما تم أداؤه في غيرها من الأوقات الأخرى، وبمراعاة هذا الجانب مع الجانبين السابقين وهما: المحافظة على السنن والمستحبات المشروعة في العمل، وتنزيه العمل في العبادات من الذنوب والمعاصي تتحقق المتابعة في كمال العمل.\rومن خلال هذا كله تتبين حقيقة المتابعة الخاصة بدرجتيها:\r- درجة المتابعة الواجبة المؤثر في قبول العمل.","footnotes":"(¬١) أخرجهما مسلم في صحيحه ٢/ ٦٦٩ - ٧٧١، ح (٩٧٤).\r(¬٢) أخرج الحديث الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ ١/ ٣١٥، وقال: «حديث حسن».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080140,"book_id":1146,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":75,"body":"- ودرجة المتابعة الكاملة المستحبة المؤثرة في كمال العمل وفضله.\rعلى ما تم عرضه وبيانه من خلال النصوص وكلام أهل العلم في ذلك.\rوأما المتابعة العامة:\rفهي المتابعة الكاملة لهدي النبي ﷺ العام في كل أحواله، وبابها واسع جداً يصعب في هذا المقام حصره، وحقيقتها امتثال الشرع كله، ولا سبيل لتحقيقها إلا بكمال الفقه في الدين، وقوة العزيمة على العمل، مع توفيق الله للعبد وإعانته، وليس لمثلي من أهل التفريط والنقص، الحديث عن هذه الدرجة العالية الرفيعة، لولا أن البحث قادني إليها، ولذا فإني أذكر الأصول العامة التي عليها مدار هذه الدرجة بحسب ما وقفت عليه من النصوص، وكلام أهل العلم فيها، وأما تفاصيل جزئياتها: فالمرجع فيه العلماء العاملون، والفقهاء الراسخون، والعباد المثابرون الذين ذاقوا حلاوتها، ونقلهم الله إلى أعتاب مرتبتها.\rفأقول مستعيناً بالله إن مدار هذه الدرجة على عدة أصول:\rالأصل الأول: المتابعة للنبي ﷺ في الشمول في العبادة، بحيث لا يشتغل بنوع دون آخر، بل يجمع بين كل أنواع العبادات، ويضرب بسهم مع كل طائفة من أصحاب الطاعات.\rوجماع ذلك التقرب إلى الله تعالى بكل شعب الإيمان القلبية، والعملية، والقولية، وهي بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. (¬١)\rقال ابن القيم ﵀ في وصف حال المتعبدين التعبد المطلق: «وصاحب","footnotes":"(¬١) انظر الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا ١/ ٦٣، بلفظ «الإيمان بضع وسبعون شعبة» وفي رواية «بضع وسبعون أو بضع وستون» وفي صحيح البخاري مع الفتح ١/ ٥١ بلفظ (بضع وستون … ).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080141,"book_id":1146,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":76,"body":"التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدار تعبده عليها، فهو لا يزال متنقلاً في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة، عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير، حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق … ». (¬١)\rوقد ثبت في فضل التقرب إلى الله بجمع من أنواع البر، أنهم يدعون من أبواب الجنة كلها، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أنفق زوجين من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان.\rفقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ وقال: هل يدعى منها كلها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر». (¬٢)\rوالأصل الثاني: المتابعة للنبي ﷺ في المداومة على العمل قدر الطاقة.\rفعن عائشة ﵂ أنها سئلت: كيف كان عمل النبي ﷺ، وهل كان يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: «كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع». (¬٣)","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين ١/ ٨٩ - ٩٠.\r(¬٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٧/ ١٩ ح (٣٦٦٦) ومسلم ٢/ ٧١١ ح (١٠٢٧).\r(¬٣) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٤١ ح (٧٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080142,"book_id":1146,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":77,"body":"وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (¬١) وسيأتي بسط الحديث في هذا الباب وبيان حدوده وأثره في التفاضل في العمل، في الفصل القادم إن شاء الله، (¬٢) وإنما القصد هنا التنبيه على أن المداومة على العمل من هدي النبي ﷺ الذي تتحقق به كمال المتابعة له في العمل.\rالأصل الثالث: المتابعة للنبي ﷺ في العمل على وجه السداد والاقتصاد والتيسير واجتناب ما كان منه على وجه التكلف، والاجتهاد والتعسير. (¬٣)\rجاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (¬٤)\rفحذر النبي ﷺ من الرغبة عن سنته، في الاقتصاد في العبادة، وبيَّن أن هديه في التعبد أكمل وأفضل من سلوك طريق الرهبنة والتشدد.\rقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس وتكثير النسل». (¬٥)","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٤١.\r(¬٢) انظر ص: ١٠١ وما بعدها.\r(¬٣) انظر المحجة في سير الدلجة لابن رجب ص ٤٦.\r(¬٤) صحيح البخاري مع الفتح ٩/ ١٠٤ ح (٥٠٦٣) وصحيح مسلم ٢/ ١٠٢٠ ح (١٤٠١).\r(¬٥) فتح الباري ٩/ ١٠٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080143,"book_id":1146,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":78,"body":"وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». (¬١)\rوالنصوص في هذا الأصل، وأقوال العلماء في تقريره كثيرة، وسيأتي عرضها مفصلة في فصل مستقل إن شاء الله. (¬٢)\rالأصل الرابع: المتابعة للنبي ﷺ في الموازنة بين الحقوق بحيث لا يشتغل بحق على حساب آخر، بل يقوم بتأدية الحقوق كلها، وإعطاء كل ذي حق حقه.\rوفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزورك (¬٣) عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً». (¬٤)\rوقال سلمان لأبي الدرداء ﵄ «إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه». قال النبي ﷺ «صدق سلمان». (¬٥)\rوقد كان النبي ﷺ مع عظم قيامه بحق ربه، وانشغاله بأعباء الرسالة لم يشغله ذلك عن تأديته لحقوق الخلق ومجاملتهم وحسن صحبتهم.\rقال جرير بن عبد الله: «ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم». (¬٦)","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري الفتح ١/ ٩٣ ح (٣٩).\r(¬٢) انظر الفصل السادس من هذا الكتاب ص: ١١٥.\r(¬٣) تقدم بيان معناه ص: ٣.\r(¬٤) صحيح البخاري مع الفتح ١٠/ ٥٣١ ح (٦١٣٤) وصحيح ومسلم ٢/ ٨١٣.\r(¬٥) أخرجه البخاري في صحيحه، الصحيح مع الفتح ١٠/ ٥٣٤ ح (٦١٣٩).\r(¬٦) ذكره القاضي عياض في الشفاء ١/ ١٥٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080144,"book_id":1146,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":79,"body":"وعن عائشة ﵂: «ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ﷺ ما دعاه أحد من أصحابه، ولا أهل بيته إلا قال: لبيك». (¬١)\rوجاء في وصفه: «وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويُجْلِسُهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد، والأمة، والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر». (¬٢)\rفالتأسي به ﷺ في تأدية الحقوق سواء ما يتعلق منها بحق الله، أو بحقوق الخلق، مما تكمل به المتابعة له في هديه وعبادته، ويشرف به العبد عند ربه.\rفهذه بعض الأوجه التي تحصل بها المتابعة العامة لهدي النبي ﷺ ولست أزعم حصرها في هذه الأوجه وإنما هذه إشارة لأبرز ملامحها.\rوالمرجع في تفاصيل جزئيات هذه الدرجة العالية، للأئمة الراسخين والعلماء المحققين الذي سبروا سنة النبي ﷺ في كل الأبواب وضبطوا هديه في كل الأحوال، وامتثلوا ذلك في الأقوال والأعمال، فاجتمع لهم في الحديث عنها رسوخ القدم في العلم بها، وطول التجربة في ممارستها.\rوبهذا العرض المفصل تتبين حقيقة المتابعة للنبي ﷺ وبيان درجاتها، وأثرها في تفاضل الأعمال وبه يتحقق المقصود من عقد هذا الفصل، فلله الحمد والفضل.","footnotes":"(¬١) الشفاء للقاضي عياض ١/ ١٥٧.\r(¬٢) المصدر نفسه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080145,"book_id":1146,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":80,"body":"الفصل الخامس تفاضل الأعمال باعتبار المداومة عليها\rمن أسباب التفاضل بين الأعمال المداومة على العمل ولزومه، فإن العمل الدائم، وإن كان قليلا، يفضل العمل المنقطع، وإن كان كثيرا.\rوبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة.\rأخرج الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل». (¬١)\rوعنها ﵂ أن رسول الله سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «أدومه وإن قل». (¬٢)\rوسئلت عائشة ﵂ كيف كان عمل رسول الله ﷺ؟ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: «كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع». (¬٣)\rقال القاضي عياض: «قولها: «كان عمله ديمة» أي دائم غير منقطع ومنه سمي المطر المتوالي ديمة؛ يعني أن ما عمل من خير لم يكن يقطعه، ويتركه بل يداوم عليه». (¬٤)\rفدلت الأحاديث على تقرير هذا الأصل العظيم في السير إلى الله تعالى والتقرب إليه وهو أن أحب العمل إلى الله ما كان على وجه المداومة وإن كان قليلا، وأن هذا هو كان هدي النبي ﷺ في عبادته، كما أخبرت بذلك أعرف","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم (١/ ٥٤١).\r(¬٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٤١).\r(¬٣) أخرجه مسلم (١/ ٥٤١).\r(¬٤) إكمال المعلم (٣/ ١٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080146,"book_id":1146,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":81,"body":"الناس به، وبعبادته، الصديقة بنت الصديق، ﵄.\rولذا كان النبي ﷺ يرشد أمته لهذا الأمر، ويحذرها من التكلف، والتعمق في العبادة مما لا تطيقه النفس؛ لأنه مظنة الانقطاع، وفوات لزوم المداومة، على ما أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: كان لرسول الله ﷺ حصير وكان يُحَجِّره (¬١) من الليل فيصلي فيه، فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار، فثابوا ذات ليلة فقال: «أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووِمَ عليه وإن قل». (¬٢)\rوفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: «من هذه»؟ فقلت: أمرأة لا تنام تصلي، قال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملوا» وكان أحب الدين إلى الله ما دام عليه صاحبه). (¬٣)\rفنهى النبي ﷺ عن التشدد في العبادة لما يفضي من السأم والملالة ومن ثم الانقطاع عن العمل، وأرشد إلى الإقتصاد في العمل مع المداومة، ولذا جعل أهل العلم ضابط التعبد الحقيقي، ومقياس السير الصحيح إلى الله، ما كان على وجه المداومة في العمل.\rقال القاضي عياض في معنى «عليكم من العمل ما تطيقون» أي ما لكم بالمداومة عليه طاقة». (¬٤)\rوقال ابن رجب: «المراد بهذا الحديث: الإقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه». (¬٥)","footnotes":"(¬١) أي يتخذه حجرة كما في رواية مسلم في صحيحه (١/ ٥٤٠).\r(¬٢) صحيح مسلم (١/ ٥٤٠) ح: (٧٨٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (١/ ١٠١) ح: (٤٣)، ومسلم واللفظ له (١/ ٥٤٢) ح: (٧٨٥).\r(¬٤) إكمال المعلم (٣/ ١٤٧).\r(¬٥) فتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080147,"book_id":1146,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":82,"body":"وقال ابن حجر: «قوله: عليكم بما تطيقون. أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه». (¬١)\rوقد دلت أقوال السلف على تقرير هذا المعنى، كما كان عليه هديهم في عبادتهم لربهم لما علموا في ذلك من الفضل وحصول رضا الرب ﷿.\rجاء في رواية مسلم من حديث عائشة السابق في خبر مجيء الصحابة للإقتداء بالرسول ﷺ في صلاتهم، قول الراوي بعد ذكر الحديث: «وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملا أثبتوه». (¬٢)\rوفي صحيح مسلم قال القاسم بن محمد: «وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته». (¬٣)\rوعن الحسن البصري ﵁ أنه كان يقول: «يا قوم المداومة، المداومة فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت». (¬٤)\rوكان ﵀ يقول: «إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوما على طاعة الله ﷿ فبغاك، وبغاك، فإذا رآك مداوما ملَّك ورفضك، وإذا رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك». (¬٥)\rكما دلت على تقرير هذه المسألة وتأصيلها أقوال أهل العلم والتحقيق من شراح الحديث وغيرهم.\rقال ابن حبان في معنى قول النبي ﷺ: «ياعبد الله لاتكن مثال فلان كان","footnotes":"(¬١) فتح الباري لابن حجر (١/ ١٠٢).\r(¬٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، ولعل هذا القول من قول عائشة أو أحد رواة الحديث.\r(¬٣) صحيح مسلم (١/ ٥٤١).\r(¬٤) ذكره ابن رجب في المحجة في سير الدلجة (ص: ٧١).\r(¬٥) المصدر السابق (ص: ٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080148,"book_id":1146,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":83,"body":"يقوم الليل فترك … ». (¬١) قال: «فيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة». (¬٢)\rوقال ابن عبد البر في شرح حديث عائشة: (أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يداوم عليه صاحبه): «وفي هذا الحديث عندي دليل على أن قليل العمل إذا دام عليه صاحبه أزكى له». (¬٣)\rوقال النووي في شرح حديث «عليكم من العمل ما تطيقون … »: وفيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم، خير من كثير ينقطع». (¬٤)\rوقال ابن رجب في رسالة المحجة: «وقد أشار النبي ﷺ في هذه الأحاديث المشار إليها، في أول الجزء من رواية عائشة، وأبي هريرة ﵄ إلى أن أحب الأعمال إلى الله ﷿ شيئان:\rأحدهما: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلا، وهكذا كان عمل النبي ﷺ وعمل آله وأزواجه من بعده …\rوالثاني: أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير». (¬٥)\rوقال ابن حجر في الحكمة من نهي النبي ﷺ عبد الله بن عمرو عن مواصلة الصيام والقيام: «وفيه الحض على ملازمة العبادة؛ لأنه ﷺ مع كراهته له التشديد على نفسه حضه على الإقتصاد». (¬٦)","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري. انظر الصحيح مع الفتح (٣/ ٣٧) ح: (١١٥٢).\r(¬٢) نقله ابن حجر في الفتح (٣/ ٣٨).\r(¬٣) التمهيد (٢٢/ ١٢٠).\r(¬٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧١).\r(¬٥) المحجة في سير الدلجة (ص: ٤٥٤٦).\r(¬٦) فتح الباري (٣/ ٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080149,"book_id":1146,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":84,"body":"فثبت بهذا العرض للنصوص، وأقوال السلف، وأهل العلم من بعدهم تفضيل العمل الدائم المستمر وإن قل، على العمل الكثير المنقطع. وهذا مما يتقرر به أن المداومة على العمل من أسباب التفاضل بين الأعمال فيفضل بها العمل على غيره وإن كان ذلك الغير أفضل من حيث الجنس أو أكثر من حيث الحجم وامتداد والوقت.\rوقد اجتهد العلماء في استنباط الحكمة والعلة التي شرف بها العمل مع المداومة على غيره فذكروا في ذلك أقوالا كثيرة:\rقال ابن الجوزي: «إنما أُحِبَّ الدائم لمعنيين:\rأحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم.\rالثاني: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتا ما كمن لازم يوما كاملا ثم انقطع». (¬١)\rوقال القرطبي: «وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب لتكرار العمل، وفراغ القلب، بخلاف الشاق منها؛ فإنه يكون معه التشويش والإنقطاع غالبا». (¬٢)\rوقال النووي: «وإنما كان القليل الدائم خيرا من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص، والإقبال، على الخالق ﷾، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة». (¬٣)\rوقال ابن رجب: «إن دوام العمل وإيصاله، ربما حصل للعبد به في عمله","footnotes":"(¬١) ذكره ابن حجر في الفتح (١/ ١٠٣)، وقد بحثت عنه في مظانه من كتب ابن الجوزي فلم أجده.\r(¬٢) المفهم (٢/ ٤١٣).\r(¬٣) شرح صحيح مسلم (٦/ ٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080150,"book_id":1146,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":85,"body":"الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه، فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته، ويجزي على دوامه ما لا يجزي المنقطع منه». (¬١)\rوقال أيضا: «فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول عمره في قوته وضعفه استقام سيره، ومن عمل ما لا يطيق فإنه قد يحدث له مرض يمنعه من العمل بالكلية، وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل، فيصير كالمُنْبَتِّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى (¬٢)». (¬٣)\rوقال ابن حجر في الحكمة من نهي النبي ﷺ عن التشدد في العبادة: «إشارة إلى كراهة ذلك، خشية الفتور والملال على فاعله، لئلا ينقطع عن عبادة التزمها فيكون رجوعا عما بذل لربه من نفسه». (¬٤)\rوبعض هذه المعاني التي ذكرها العلماء متقاربة، وما اختلف فيه منها فلا يبعد أنه مقصود كله لله في تشريعه، فلله تعالى الحكمة البالغة، التي لا يحيط بها خلقه، وإنما يذكر كل واحد منهم ما عرف، وكل في علم الله وحكمته.\rوإذا تقرر أن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله أدومها، فهل المداومة مشروعة في كل الأعمال أم في بعضها دون بعض؟ الصحيح من هذا أن الأعمال من حيث المداومة عليها أو عدمها ليست على باب واحد وتفصيل ذلك مرجعه إلى سنة النبي ﷺ وهديه في تعبده.\rوالظاهر من السنة أن الأعمال في هذا على ثلاث مراتب:\rالمرتبة الأولى: ما كان النبي ﷺ يلتزمه، ويداوم عليه في السفر، والحضر،","footnotes":"(¬١) فتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٦).\r(¬٢) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٠/ ٣٤٦) برقم (١٣٠٥٢) ونصه: «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى «.\r(¬٣) لطائف المعارف (ص: ٢٤٢).\r(¬٤) فتح الباري (٣/ ٣٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080151,"book_id":1146,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":86,"body":"كصيام الأيام البيض، وركعتي الفجر، والوتر، وقيام الليل.\rقال ابن عباس ﵄: «كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في سفر ولا حضر». (¬١)\rوقال ابن القيم ﵀: «وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولذلك لم يكن يدعها هي والوتر سفرا وحضرا، وكان في السفر يواضب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين ويقول: سافرت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄ فكانوا لا يزيدون على ركعتين». (¬٢)\rوقال ابن القيم أيضا: «لم يكن يدع قيام الليل حضرا ولا سفرا، وكان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة». (¬٣)\rفالسنة هي التزام هذه الأعمال في السفر والحضر، كما كان النبي ﷺ يفعل، وعدم التزام ما لم يلتزمه النبي ﷺ في السفر من الأعمال، وبهذا تتحقق السنة الكاملة، في الفعل والترك، وهذا أكمل الهدى وأفضله.\rالمرتبة الثانية: ما كان النبي ﷺ يلتزمه من الأعمال ويداوم عليه في الحضر دون السفر، ومن ذلك محافظته على السنن الرواتب في الحضر دائما.\rقال ابن القيم: «كان ﷺ يحافظ على عشر (¬٤) ركعات في الحضر دائما وهي التي قال فيها ابن عمر: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته،","footnotes":"(¬١) أخرجه النسائي (٤/ ١٦٨).\r(¬٢) زاد المعاد (١/ ٣١٥).\r(¬٣) زاد المعاد (١/ ٣٢٤).\r(¬٤) هذا العدد بحسب حديث ابن عمر رضي عنهما، وفي حديث عائشة الذي أخرجه مسلم (٢/ ٥٠٤) ح (٧٣٠) ذكرت اثنتي عشرة ركعة، والخلاف في سنة الظهر القبلية هل هي أربع أم اثنتان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080152,"book_id":1146,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":87,"body":"وركعتين قبل صلاة الصبح». (¬١) فهذه لم يكن يدعها في الحضر أبدا، ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر، وداوم عليهما لأنه ﷺ كان إذا عمل عملا أثبته، وقضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي فمختص به». (¬٢)\rوكان النبي ﷺ يتحرى صيام الاثنين والخميس ويوم عاشوراء.\rأخرج الإمام الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يتحرى صيام الإثنين والخميس». (¬٣)\rوأخرج الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان». (¬٤)\rوكان من هدي النبي ﷺ المحافظة على الأذكار، كأذكار الصباح والمساء، والأذكار الخاصة عند دخول المسجد، والخروج منه، ودخول الخلاء، وغيرها مما هو مفصل في بابه. (¬٥)\rوما كان النبي ﷺ يلتزمه ويتحراه من الأعمال كثير يصعب حصره، وإنما ذكرت هنا بعض ما يستشهد به لهذا النوع من الأعمال.\rوالسنة في ذلك التزام ما كان النبي ﷺ يلتزمه على قدر الإستطاعة، وتحري ما كان يتحراه من الأعمال. والتحري هو: القصد، والإجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل هكذا فسره ابن الأثير ﵀. (¬٦)","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (٣/ ٤٨) ح: (١١٦٥).\r(¬٢) زاد المعاد (٣٠٧٣٠٨).\r(¬٣) سنن الترمذي (٣/ ١١٢) ح: (٧٤٥)، وأخرجه ابن ماجه (١/ ٥٥٣) ح: (١٧٣٩). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٩٠) ح: (١٤١٤).\r(¬٤) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٤٥) ح: (٢٠٠٦)، وصحيح مسلم (٢/ ٧٩٧) ح: (١١٣٢).\r(¬٥) انظر زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٣٦٥) وما بعدها.\r(¬٦) النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080153,"book_id":1146,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":88,"body":"هذا مع مراعاة الرفق بالنفس في هذا الباب، وألا يتكلف العبد ما لا يطيق من العمل، فإن النبي ﷺ كان يطيق من العمل ما لا تطيق أمته لِمَا خصه الله به من الكمالات الدينية، والبدنية، مما لم يحصل لغيره من الأمة.\rالمرتبة الثالثة: ما كان النبي ﷺ يفعله من الأعمال في وقت دون وقت، وفي حال دون حال، ومن أمثلة هذا صيامه بعض الأيام غير الإثنين والخميس، وفطرها أحيانا كما قالت عائشة ﵂: «كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم». (¬١)\rومن ذلك تنوع هديه ﷺ في الوضوء قال ابن القيم: «كان يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصلوات بوضوء واحد. وكان يتوضأ بالمد تارة، وبثلثيه تارة، وبأزيد منه تارة … وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وفي بعض الأعضاء مرتين وفي بعضها ثلاثا». (¬٢)\rومن ذلك هديه في صلاة الضحى، أنه كان يفعلها في بعض الأوقات على قول طائفة من أهل العلم:\rقال ابن القيم: في سياق نقله الأقوال في حكم صلاة الضحى «وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غبا فتصلى في بعض الأيام دون بعض، وهذا أحد الروايتين عن أحمد وحكاه الطبري عن جماعة، واحتجوا بما روى الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «لا إلا أن يجيء من مغيبة. (¬٣)\rثم ذكر حديث أبي سعيد: «كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢/ ٨١٠).\r(¬٢) زاد المعاد (١/ ١٩١١٩٢).\r(¬٣) أخرجه مسلم (١/ ٤٩٦) ح: (٧١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080154,"book_id":1146,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":89,"body":"يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها». (¬١)\rوالسنة في هذا النوع من الأعمال فعلها تارة، وتركها تارة وعدم المداومة عليها كما كان النبي ﷺ يفعل، فمن داوم على مثل هذه الأعمال فقد خالف السنة.\rوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المداومة على مثل هذه الأعمال فأجاب ﵀: «الصواب أن يقال: التنوع في ذلك متابعة للنبي ﷺ فإن في هذا اتباعا للسنة والجماعة، وإحياء لسنته، وجمعا بين قلوب الأمة، وأخذا بما في كل واحد من الخاصة أفضل من المداومة على نوع معين لم يداوم عليه النبي ﷺ لوجوه». (¬٢)\rثم ذكر في ذلك وجوها سبعة ملخصها:\r\r١ - أن هذا هو اتباع السنة والشريعة؛ فإن النبي ﷺ إذا كان قد فعل هذا تارة وهذا تارة، لم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسي والاتباع المشروع.\r\r٢ - أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها، وزوال كثرة التفرق والاختلاف.\r\r٣ - أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يُشَبَّه بالواجب؛ فإن المداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب.\r\r٤ - أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع فإن كل نوع لا بد له من خاصة، وإن كان مرجوحا، فكيف إذا كان مساويا.","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (١/ ٣٥٣)، والحديث أخرجه الترمذي (٢/ ٣٤٢) ح (٤٧٧) وأحمد في المسند (١٧/ ٢٤٦) ح (١١١٥٥) وقد حسنه جماعة وضعفه آخرون للاختلاف في توثيق عطية العوفي. انظر حاشية سنن الترمذي بتحقيق أحمد محمد شاكر (٢/ ٣٤٢) وحاشية المسند بتحقيق شعيب الأرنؤوط وجماعة (١٧/ ٢٤٧).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080155,"book_id":1146,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":90,"body":"٥ - أن في ذلك وضعا لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من الله، ولا أثارة من علم؛ فإن مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحا له على غيره يحب الموافقة عليه، ويكره المخالفة فيه، يكون ذلك سببا لترك حقوق له وعليه.\r\r٦ - أن في المداومة على نوع دون غيره هجران لبعض المشروع، وذلك سبب لنسيانه والإعراض عنه حتى يعتقد أنه ليس من الدين.\r\r٧ - أن الله يأمر بالعدل والإحسان، والعدل التسوية بين المتماثلين، وحرم الظلم ومن أعظم العدل العدل في الأمور الدينية، وإذا كان الشارع قد سوى بين عملين، أو عاملين كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم، وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك. (¬١)\rوبهذا يظهر أن السنة في هذا الباب هو التزام ما التزمه النبي ﷺ وداوم عليه من الأعمال، فما كان يلتزمه في السفر والحضر التُزم كذلك، وما كان يلتزمه في الحضر التُزم في الحضر، وعلى هذا تتنزل النصوص في فضل المداومة على الأعمال فإن النصوص يفسر بعضها بعضا، وهدي النبي ﷺ هو امتثال كامل لسنته القولية.\rوأما ما لم يكن يلتزمه النبي ﷺ بل يفعله في وقت، دون وقت فالسنة فيه عدم الالتزام، والتزامه في هذه الحال مع ما فيه من المخالفة للسنة، فلا بد وأن يفضي إلى تضييع شيء من الواجبات ووجود بعض المفاسد الأخرى التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٤٨٢٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080156,"book_id":1146,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":91,"body":"الفصل السادس تفاضل الأعمال باعتبار تحققها على وجه الاقتصاد والسداد والتيسير\rمن الأصول العامة التي عليها مدار التشريع في هذا الدين، التخفيف والتيسير، وعدم التكليف بما لا يطاق، وبما فيه حرج ومشقة على الأمة في عبادتها لربها (¬١).\rقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (¬٣) وقال ﷿: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾ (¬٤) وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (¬٥).\rقال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير الآية الأخيرة: «أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيئ فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً». (¬٦)\rوقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «وقد بين الله أن هذه الحنيفية السمحة، التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج، وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا». (¬٧)\rوبناء على هذا الأصل في التشريع، أرشد النبي ﷺ أمته، إلى سلوك مسلك الاقتصاد والتيسير في العمل وترك التكلف والتشديد فيه.","footnotes":"(¬١) انظر في تقرير هذا الأصل الموافقات للشاطبي ٢/ ١٠٧/ ١١٩ - ١٢٨.\r(¬٢) سورة البقرة (٢٨٦).\r(¬٣) سورة البقرة (١٨٥).\r(¬٤) سورة المائدة (٦).\r(¬٥) سورة الحج (٧٨).\r(¬٦) تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٥.\r(¬٧) أضواء البيان ٥/ ٧٤٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080157,"book_id":1146,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":92,"body":"ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: من هذه؟ فقلت امرأة لا تنام تُصَلَّيِ قال: «عليكم من العمل ما تطيقون فو الله لا يملُّ الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه». (¬١)\rوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». (¬٢)\rوعن أبي بريدة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي في المسجد، يكثر الركوع والسجود، فقال النبي ﷺ: «أتراه يرائي» فقلت: الله ورسوله أعلم فجمع بين يديه فجعل يصوبهما ويرفعها ويقول: «عليكم هدياً قاصداً، عليكم هدياً قاصداً، عليكم هديا قاصداً، فإنه من يشادّ هذا الدين يغلبه». (¬٣)\rوعن أنس بن مالك ﵁ قال دخل النبي ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: «ما هذا؟» قالوا: لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به فقال: «حلُّوه. ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد». (¬٤)\rفتضمنت هذه الأحاديث، الأمر بلزوم الاقتصاد في العمل، والنهي عن التشديد، والتعنت في العبادة. وفي هذا دلالة ظاهرة على أن العمل على وجه السداد والتيسير، أفضل من العمل على وجه التكلف والتعسير، فإنه لا يمكن للنبي ﷺ مع كمال","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٣/ ٣٦ ح (١١٥١) ومسلم واللفظ له ١/ ٥٤٢ ح (٧٨٥).\r(¬٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ١/ ٩٣ ح (٣٩).\r(¬٣) أخرجه أحمد ٣٨/ ٦١ ح (٢٢٩٦٣) والحاكم في المستدرك ١/ ٤٧٥ وصححه ووافقه الذهبي.\r(¬٤) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٣/ ٣٦ ح: (١١٥٠) ومسلم ١/ ٥٤١ ح (٧٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080158,"book_id":1146,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":93,"body":"حرصه على أمته، أن يوجهها ويرشدها، إلَّا لمَا يعلم أنه خير لها وأزكى في عبادتها لربها، هذا مع امتثاله هذا الهدي في نفسه، وتشديده على المخالف فيه.\rكما جاء في قصة الرهط، الذين أرادوا الانقطاع إلى العبادة، وترك بعض المباحات، فقال صلى على الله عليه وسلم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (¬١)\rفأخبر أنه أخشى الأمة وأتقاها لله وهو مع هذا لا ينقطع للعبادة، بل يسلك مسلك الاقتصاد والتوسط، ويجمع بين العبادة، وإعطاء النفس حظها من المباحات، في غير إفراط ولا تفريط.\rومما جاء صريحاً من السنة، في تفضيل الأعمال المؤداة على وجه التيسير والرفق، على غيرها من الأعمال:\rقوله ﷺ «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». (¬٢)\rقال ابن حجر في شرحه: «قوله أحب الدين: أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحاً أي سهلاً فهو أحب إلى الله، ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند صحيح، من حديث أعرابي لم يسمه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه يقول: «خير دينكم أيسره (¬٣)». (¬٤)\rكما جاءت بالحث على الاقتصاد في العمل، والإرشاد إلى مسلك الرفق في","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص: ٩٨.\r(¬٢) أخرجه البخاري معلقاً في الصحيح. الصحيح مع الفتح ١/ ٩٣، وأخرجه موصولاً من حديث ابن عباس في الأدب المفرد، الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد ١/ ٣٨٥ ح (٢٨٧)، وأخرجه البغوي في شرح السنة ٢/ ٤٦٨ قال ابن حجر إسناده حسن: فتح الباري ١/ ٩٤.\r(¬٣) هو في مسند أحمد من حديث مِحْجَن بن الأدْرَع ٣٣/ ٤٥٧، ٤٥٨ ح (٣٠٣٤٩) وقال محققوه: «حسن لغيره».\r(¬٤) فتح الباري ١/ ٩٣، ٩٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080159,"book_id":1146,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":94,"body":"العبادة، الآثارُ عن السلف ﵏.\rفعن كعب الأحبار قال: «إن هذا الدين متين، فلا تبغض إليك دين الله، وأوغل برفق، فإن المنبت لم يقطع بُعْداً، ولم يستبق ظهراً، واعمل عمل المرء الذي يرى أنه لا يموت اليوم، واحذر حذر المرء الذي يرى أنه يموت غداً». (¬١)\rوعن عمر بن إسحاق (¬٢) قال: «أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قوماً أيسر سيرة منهم، ولا أقل تشديداً منهم». (¬٣)\rوعن الحسن البصري ﵀ قال: «دين الله وُضع، فوق التقصير، ودون الغلو». (¬٤)\rوعن يحيى بن جعده (¬٥) قال: «كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه، عمل دائم وإن قل، خير من عمل كثير منقطع». (¬٦)\rوعن مطرف بن الشخير أنه قال لابن له قد اجتهد في العبادة: «خذ الأمور أوسطها، الحسنة بين السيئتين وشر السير الحقحقة». (¬٧)\rقال أبو عبيد في شرح قول مطرف: «يعني أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة» قال: «والحقحقة: أن يلح في شدة السير، حتى تقوم عليه راحلته أو تعطب، فيبقى منقطعاً به» (¬٨)","footnotes":"(¬١) ذكره الشاطبي في الاعتصام ١/ ٣٠٥.\r(¬٢) عمر ابن إسحاق المدني، مولى زائدة، حجازي مقبول، مات بعد المائة، انظر تقريب التهذيب ص ٤١٠.\r(¬٣) ذكره الشاطبي في الاعتصام ١/ ٣٠٥.\r(¬٤) المصدر نفسه ١/ ٣٠٦.\r(¬٥) يحيى بن جعده بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي قال ابن حجر ثقة من الثالثة تقريب التهذيب ص ٥٨٨.\r(¬٦) ذكره الشاطبي في الاعتصام ص ١/ ٣٠٥.\r(¬٧) أخرجه الطبري في التفسير ٩/ ٤١٢ وأبو نعيم في الحلية ٢٠٩ والبغوي في شرح السنة ٢/ ٤٧١.\r(¬٨) غريب الحديث ٤/ ٣٨٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080160,"book_id":1146,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":95,"body":"وفي تراجم الإمام البخاري لبعض الأحاديث المتقدمة: «باب ما يكره من التشديد في العبادة» (¬١) ترجم به في كتاب التهجد لحديث أنس بن مالك في اجتهاد زينب، وحديث عائشة في خبر المرأة المكثرة من الصلاة. (¬٢)\rوفي كتاب الإيمان ترجم لحديث أبي هريرة المتقدم (إن الدين يسر) (¬٣) بقوله «باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». (¬٤)\rوفي كتاب الرقاق، ترجم لجملة من الأحاديث في هذا المعنى بقوله «باب القصد والمداومة على العمل» (¬٥)\rوفي هذا دلالة على تقرير الإمام البخاري ﵀ لهذا الأصل، وتفضيله العمل على وجه السداد والمقاربة على غيره، كما هو ظاهر في التراجم.\rكما نص على هذه المسألة وقررها العلماء المحققون في السنة والاتباع.\rقال البغوي ﵀ معلقاً على حديث أبي هريرة (إن الدين يسر … ) «ففي الحديث الأمر بالاقتصاد في العبادة، وترك الحمل على النفس بما يؤودها، فإن الله ﷾ لم يتعبد خلقه بأن ينصبوا آناء الليل والنهار، فلا يستريحوا». (¬٦)\rوقال القاضي عياض ﵀ في قول النبي ﷺ (عليكم من الأعمال ما تطيقون): «يحتمل الندب لنا إلى تكلف ما لنا به طاقة من العمل، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، وهو اللائق بنسق الحديث». (¬٧)","footnotes":"(¬١) الصحيح مع الفتح ٣/ ٣٦.\r(¬٢) انظرهما بنصهما ص: ١١٦، ١١٧ من هذا الكتاب.\r(¬٣) انظره ص: ١١٦ من هذا الكتاب.\r(¬٤) الصحيح مع الفتح ١/ ٩٣.\r(¬٥) الصحيح مع الفتح ١١/ ٢٩٤.\r(¬٦) شرح السنة ٢/ ٤٧٠.\r(¬٧) إكمال المعلم ٣/ ١٤٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080161,"book_id":1146,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":96,"body":"وقال أيضاً في بيان فضل المداومة على العمل: «وقلنا: إن فضل ذلك يرجع إلى التخفيف في العبادة». (¬١)\rوقال أبو العباس القرطبي ﵀ في شرح حديث (عليكم من الأعمال ما تطيقون): «هذا حض على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمن الزجر عن التشديد والغلو فيها، وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب لتكرار العمل وفراغ القلب، بخلاف الشاق منها، فإنه يكون معه التشويش والانقطاع غالباً» (¬٢)\rوقال النووي ﵀ في شرح الحديث السابق: «في هذا الحديث كمال شفقته ﷺ، ورأفته بأمته، لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس: نشطة والقلب منشرحاً فتتم العبادة، بخلاف تعاطي من الأعمال ما يشق، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفه، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم». (¬٣)\rوقال الشاطبي ﵀ «والدليل على صحة الأخذ بالرفق وأنه الأولى والأحرى وإن كان الدوام على العمل أيضاً مطلوباً عتيداً في الكتاب والسنة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (¬٤)» .. (¬٥)\rوقال ابن رجب ﵀: «إن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير، دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. (¬٦) … » (¬٧) ثم ساق جملة من الأدلة لذلك.","footnotes":"(¬١) المصدر نفسه ٣/ ١٤٨.\r(¬٢) المفهم ٢/ ٤١٣.\r(¬٣) شرح صحيح مسلم ٦/ ٧١.\r(¬٤) سورة الحجرات (٧).\r(¬٥) الاعتصام ١/ ٢٩٤.\r(¬٦) سورة البقرة (١٨٥).\r(¬٧) المحجة في سير الدلجة ص ٤٦، ٤٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080162,"book_id":1146,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":97,"body":"وقال ﵀: «فأفضل الناس من سلك طريق النبي ﷺ، وخواص أصحابه، في الاقتصاد في العبادة البدنية، والاجتهاد في الأحوال القلبية، فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان». (¬١)\rإلى غير ذلك من أقوال أهل العلم في هذا المعنى، وهي كثيرة جداً مشهورة عند أهل العلم، وموطن بسطها في كتب الاعتقاد والسنة، والفقه وأصوله وشروحها.\rوبهذا العرض للأدلة وكلام أهل العلم، يتبين فضل الاقتصاد في العمل، على المبالغة فيه. وسلوك مسلك الرفق والتيسير في العبادة، على التعنت والتشديد فيها.\rوإذا تقرر هذا، فحقيقة الاقتصاد في العمل مما قد تختلف الناس في حدّه تبعاً لتفاوت الآراء، فما يراه بعضهم مُقْتَصَداً، قد يراه غيره شديداً، والعكس بالعكس، ولذا فينبغي أن يكون المرجع في ذلك إلى النصوص الشرعية، التي هي الحكم الفصل عند الاختلاف.\rويمكن من خلال الأحاديث تحديد الضوابط العامة لحقيقة، الاقتصاد في العمل فيما يأتي:\rأولا- أن يكون العمل على وجه السداد والمقاربة، لقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة (فَسَدِدُوا وقَارِبُوا). (¬٢)\rوالتسديد: «العمل بالسداد، وهو القصد والتوسط في العبادة، فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه» قاله ابن رجب. (¬٣)\rوالمقاربة: هي التوسط بين الإفراط والتفريط، فهي على هذا بمعنى السداد","footnotes":"(¬١) المصدر نفسه ص ٥٦.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ١١٦.\r(¬٣) المحجة في سير الدلجة ص ٥١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080163,"book_id":1146,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":98,"body":"أو قريباً منه. (¬١)\rوقيل: هي أن يعمل بما يقرب من الكمال، إن لم يستطع الأخذ به. (¬٢)\rوالمقصود هو أن يسلك العبد مسلك التوسط في العبادة، بين الإفراط وهو التشدد في العبادة، وبين التفريط وهو النقص عن المشروع، وأن يجتهد في إيقاع العمل على وجه المقاربة، عند العجز عن الكمال.\rثانيا- ألا يتكلف العامل ما لا يطيق من العمل وعليه دل قول النبي صلى الله عليه في حديث عائشة (عليكم من العمل ما تطيقون). (¬٣)\rقال ابن حجر: «منطوقه الأمر بالاقتصاد على ما يطاق، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق». (¬٤) وبه صرح أبو العباس القرطبي كما تقدم (¬٥)\rوالمقصود هو النهي عن تكلف ما لا يطاق في النوافل، وأما الواجبات فإن الله لا يكلف العباد إلا ما يطيقون قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. (¬٦) قال الشاطبي: «ثبت في الأصول أن شرط التكليف، أو سببه القدرة على المكلف به، فما لا قدرة للمكلف عليه، لا يصح التكليف به شرعاً وإن جاز عقلاً». (¬٧)\rوفي تقرير هذا الأصل استدلال من وجه لطيف، للنهي عن تكلف ما لا يطاق في النوافل، فإن الله إذا لم يكلف عباده ما لا يطيقون في الواجبات فدل من باب","footnotes":"(¬١) انظر المصدر السابق ص ٥٢.\r(¬٢) انظر فتح الباري لابن حجر ١/ ٩٥.\r(¬٣) تقدم تخريجه ص: ١١٦.\r(¬٤) فتح الباري ١/ ١٠٢.\r(¬٥) تقدم نقله ص: ١٢٢.\r(¬٦) سورة البقرة (٢٨٦).\r(¬٧) الموافقات ٢/ ١٠٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080164,"book_id":1146,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":99,"body":"أولى أنه لم يرد منهم تحمل ما لا طاقة لهم به في باب النوافل. فتقرر أن تكلف ذلك ليس من الدين لا على سبيل الوجوب أو النفل.\rومعنى تحمل ما لا يطاق: هو تحمل ما يثقل أداؤه ويشق، وإن كان مطاقاً مع التكلف، وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم في معناه.\rقال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. (¬١) يعني «ربنا لا تكلفنا من الأعمال، ما لا نطيق القيام به، لثقل حمله علينا». (¬٢)\rوقال ابن كثير في معنى الآية: «أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة، وإن أطقناها». (¬٣)\rوقال ابن الأنباري (¬٤): «أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه .. فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه». (¬٥)\rوعلى هذا يدخل كل ما يشق من الأعمال، في حكم ما لا طاقة به، وفي هذا رد على بعض المتنطعة، الذين قد يتكلفون من الأعمال ما يثقل عليهم، بدعوى أنهم مطيقون لفعله.\rإذا تقرر هذا فتكلف ما لا يطاق من الأعمال يكون عن طريق:\rالأول: أن يكون العمل في نفسه مما لا يطاق، أو مما فيه حرج ومشقة فادحة، أو","footnotes":"(¬١) سورة البقرة (٢٨٦).\r(¬٢) تفسير الطبري ٣/ ١٥٨.\r(¬٣) تفسير ابن كثير ١/ ٧٣٨.\r(¬٤) هو أبو بكر، محمد بن أبي محمد القاسم بن محمد بن بشار، الأنباري، النحوي، صاحب التصانيف في النحو والأدب، كان علامة وقته في الآداب، وأكثر الناس حفظاً، وكان صدوقاً، ثقة، ديناً، خيِّراً من أهل السنة، ولد سنة ٢٧١ هـ، وتوفي سنة ٣٢٨ هـ. وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢.\r(¬٥) ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية ص ٦٥٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080165,"book_id":1146,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":100,"body":"يؤدي إلى تضييع ما هو أولى منه، وهذه هي الرهبانية التي قال فيها النبي ﷺ (من رغب عن سنتي فليس مني). (¬١)\rالثاني: أن لا يكون في الدخول في العمل مشقة ولا حرج، ولكنه عند الدوام عليه تلحق بسببه المشقة والحرج، أو تضييع ما هو أوكد. (¬٢)\rثالثاً- أن يتمكن من المداومة على العمل من غير مشقة، وإليه الإشارة من النبي ﷺ في قوله: (وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) (¬٣) وذلك بعد قوله ﷺ (عليكم من العمل ما تطيقون) وفيه دلالة على اعتبار المداومة على العمل في الإطاقة المعتبرة شرعاً، وأن من لم يتمكن من المداومة لم يكن مطيقاً، كما تقدم التنبيه عليه في الضابط السابق، وعليه دلت أقوال أهل العلم في سياق شرحهم لقوله ﷺ: (عليكم من العمل ما تطيقون).\rقال القاضي عياض في معناه «أي ما لكم بالمداومة عليه طاقة». (¬٤)\rوقال النووي: «أي تطيقون الدوام عليه بلا ضرر». (¬٥)\rوقال ابن حجر: «أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه» (¬٦)\rوبناءً على هذا فكل عمل لم يتمكن العامل من المداومة عليه أو تمكن من المداومة عليه مع مشقة وكلفة، خرج عن كونه مطاقاً، ميسراً في حقه، وبالتالي قل انتفاعه به. وذلك لأن المداومة مع التيسير مقصودان للشارع في العبادة، فإذا أُخِلَّ بهما أو بأحدهما، تخلف من الأجر والثواب المترتب على تحقيقهما، بقدر ما تخلف من امتثالهما. وهذا بالنسبة لما تشرع المداومة عليه من الأعمال، دون ما","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص: ٩٨.\r(¬٢) انظر الاعتصام للشاطبي ١/ ٣٠٠.\r(¬٣) تقدم تخريجه ص: ١١٦.\r(¬٤) إكمال المعلم ٣/ ١٤٧.\r(¬٥) شرح صحيح مسلم ٦/ ٧٠ - ٧١.\r(¬٦) فتح الباري ١/ ١٠٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080166,"book_id":1146,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":101,"body":"ثبت في السنة فعله في وقت دون وقت، فالسنة فيه عدم الالتزام والمداومة، على ما تقدم تقريره في فصل التفاضل بين الأعمال باعتبار المداومة (¬١) والله تعالى أعلم.\rرابعاً- أن لا يورث ذلك العملُ العاملَ مللاً واستثقالاً للعبادة، وعلى هذا دل قول النبي ﷺ (فو الله لا يمل الله حتى تملوا) (¬٢)\rوالملل هو استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته (¬٣). ومعناه في حق الله: منع ثواب من مل العمل، وقطع أجره. (¬٤)\rقال ابن رجب: «سمى هذا المعنى من الله مللاً وسآمة، مقابلة للعبد على ملله وسآمته، كما قال الله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾. (¬٥) فسمى إهمالهم وتركهم نسياناً، مقابلة لنسيانهم له. هذا أظهر ما قيل في هذا». (¬٦)\rوالمقصود هو المنع من كل عمل يفضي بالعبد إلى السأم من العبادة واستثقالها، وإنما كُرِه ذلك، لما يترتب عليه من محاذير شرعية.\rقال الشاطبي: «الدخول في عمل على نية الالتزام له، إن كان في المعتاد بحيث إذا داوم عليه أورثه مللاً، ينبغي أن يعتقد أن هذا الالتزام مكروه ابتداءً، إذ هو مؤدٍ إلى أمور جميعها نهي عنها» (¬٧) ثم ذكر.\r\r١ - أن الله ورسوله أهدى في هذا الدين التسهيل والتيسير وهذا الالتزام يشبه من لم يقبل هديته، وهذا غير لائق بالمملوك مع سيده فكيف به مع ربه.","footnotes":"(¬١) انظر ص: ١١١.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ١١٦.\r(¬٣) انظر فتح الباري لابن حجر ١/ ١٠٢.\r(¬٤) انظر النهاية لابن الأثير ٤/ ٣٦٠، والمفهم لأبي العباس القرطبي ٢/ ٤١٤، وفتح الباري لابن رجب ١/ ١٦٦.\r(¬٥) سورة التوبة (٦٧).\r(¬٦) فتح الباري ١/ ١٦٦.\r(¬٧) الاعتصام ١/ ٣٠١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080167,"book_id":1146,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":102,"body":"٢ - خوف التقصير، أو العجز عن القيام بما هو أولى، وآكد في الشرع.\r\r٣ - خوف كراهية النفس لذلك العمل المُلْتَزَم، لأنه قد فرض من جنس ما يشق الدوام عليه، بحيث لا يقرب من وقت العمل إلا والنفس تشمئز منه، وتَودُّ لو لم تعمل وإلى هذا المعنى يشير حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا لأنفسكم عبادة الله .. ». (¬١)\r\r٤ - خوف الانقطاع عن العمل؛ لأن بغض العمل وكراهيته مظنة الانقطاع وهو مكروه لمن ألزم نفسه لأجل نقض العهد، وعليه دل قوله تعالى ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. (¬٢)\r\r٥ - الخوف من الدخول في الغلو في الدين، فإن الغلو هو المبالغة في الأمر، ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف. (¬٣)\rفبهذه الضوابط الشرعية يمكن تحديد مفهوم الاقتصاد في العمل من عدمه. فمتى ما تحققت هذه الضوابط في العمل، فهو من الأعمال الميسرة المقتصدة ومتى ما تخلفت أو بعضها، خرج عن مسلك الاقتصاد والرفق، إلى مسلك التكلف والتعنت.\rوإذا ثبت فضل الاقتصاد في العمل، وتأصيله في باب التعبد والسير إلى الله تعالى، بما تقدم ذكره من الأدلة وأقوال أهل العلم في تقريره، فقد ينقدح في بعض الأذهان مظنة التعارض بين هذا الأصل، وبين ما جاء في بعض النصوص من ترتب الثواب على قدر المشقة، كقول النبي ﷺ لعائشة ﵂، لما استأذنته في أن تعتمر من مكة، فأذن لها أن تهل بعمرة من التنعيم وقال لها: «ولكنها على قدر نفقتك أو","footnotes":"(¬١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ٣/ ٢٨ وإسناده ضعيف، وله شاهد من حديث أنس أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٩٩ قال محققه «حسن بشواهده» وليس فيه «ولا تبغضوا لأنفسكم عبادة الله».\r(¬٢) سورة الحديد (٢٧).\r(¬٣) انظر الاعتصام للشاطبي ١/ ٣٠١ - ٣٠٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080168,"book_id":1146,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":103,"body":"نصبك» (¬١)\rوفي رواية: «إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك». (¬٢)\rوقوله ﷺ «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى». (¬٣)\rوقد نقل ابن حجر عن ابن المنير وغيره في شرحه «إن السبب في زيادة الأجر وجود المشقة بالمشي إلى الصلاة». (¬٤)\rوالجواب على هذا أن المشقة المذكورة في هذه النصوص والتي يعظم الأجر بقدرها، هي المشقة التي يستلزمها العمل دون أن تكون مقصودة للشارع ولا للعامل، فالحج والاعتمار من الأماكن البعيدة، مثلا، أعظم أجراً من الحج والاعتمار من الأماكن القريبة، وذلك لزيادة النفقة والنصب في حق القادم البعيد، وإن كانت الكلفة الحاصلة بذلك ليست مقصودة للشارع ولا للعامل، لكن لا سبيل لتحقق المشروع إلا بها ولا سبيل لدفعها، فيؤجر العامل عليها، وهذا بخلاف ما لو أمكن دفعها فتعمدها العامل، فلا يؤجر عليها، كأن يكون للحاج أو المعتمر طريقان أحدهما قريب سهل، والآخر بعيد شاق، فسلك البعيد طلباً للأجر بزيادة المشقة، فلا يؤجر على ذلك بل يلحقه الذم، حيث لم يسلك مسلك الرفق في تحقيق المشروع، وهذا التقرير هو الذي دلت عليه النصوص وأقوال أهل العلم.\rأما النصوص فكثيرة جداً، وقد تقدم في بداية هذا الفصل ذكر طرف منها، وهي متضمنة أن الله لم يرد بنا في الدين العسر، ولم يشرع لنا ما فيه كلفة وحرج ومشقة علينا، فضلاً أن تكون الكلفة والمشقة مقصودة بالتشريع.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٣/ ٦١٠ ح (١٧٨٧) ومسلم ٢/ ٨٧٧.\r(¬٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٦٤٤ وقال (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.\r(¬٣) أخرجه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الصحيح مع الفتح ٢/ ١٣٧ ح ٦٥١ ومسلم ١/ ٤٦٠، ح (٦٦٢)\r(¬٤) فتح الباري ٢/ ١٣٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080169,"book_id":1146,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":104,"body":"بل قد جاء في النصوص أن المانع من تشريع بعض الأمور، التي هي محبوبة للشارع، وتتحقق بها بعض المقاصد الشرعية، إنما هو دفع المشقة عن الأمة.\rكقوله ﵊: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة». (¬١)\rوأخر صلاة العِشَاء يوما وقال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا». (¬٢)\rفبين النبي ﷺ أن المانع له من الأمر بالسواك عند كل صلاة، وتأخير العشاء إلى ذلك الوقت، هو خشية المشقة على الأمة، ومعلوم أن النبي ﷺ إذا كان قد ترك بعض ما هو محبوب في الشرع لرفع المشقة عن أمته، لا يمكن مع هذا أن يأمرها بسلوك مسلك الشدة في العبادة من غير مصلحة ويرتب الثواب على ذلك. فهذا من أبعد ما يكون، وهو من أظهر الأدلة لهذه المسألة والله أعلم.\rوأما ما جاء عن العلماء في تقرير هذه المسألة:\rفيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قول بعض الناس الثواب على قدر المشقة، ليس بمستقيم على الإطلاق، كما قد يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتدعة … ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته، لكان صحيحاً اتصاف (الأول) باعتبار تعلقه بالأمر (والثاني): باعتبار صفته في نفسه.\rفأما كونه مُشِقاً (¬٣) فليس سبباً لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقاً، ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٢/ ٣٧٤ ح (٨٨٧) ومسلم ١/ ٢٢٠ ح (٢٥٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٢/ ٥٠ ح (٥٧١).\r(¬٣) جاء في حاشية الكتاب طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف «هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب (شاقاً)»","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080170,"book_id":1146,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":105,"body":"وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة، كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر: يكون أجره أعظم من القريب، كما قال النبي ﷺ لعائشة في العمرة: «أجرك على قدر نصبك». لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعيد يكثر النصب فيكثر الأجر ..\rفكثيراً ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، وهذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم». (¬١)\rويقول الإمام الشاطبي «إن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظراً إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل، أما هذا الثاني فلأنه شأن التكليف في العمل كله، لأنه إنما يقصد نفس العمل المترتب عليه الأجر، وذلك هو قصد الشارع بوضع التكليف به، وما جاء على موافقة قصد الشارع هو المطلوب.\rوأما الأول فإن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات كما يذكر في موضعه إن شاء الله فلا يصلح فيها إلا ما وافق قصد الشارع، فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة خالف قصد الشارع، من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد للمشقة باطل، فهو إذا من قبيل ما ينهى عنه، وما ينهى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إن ارتفع النهي عنه إلى درجة التحريم، فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة قصد مناقض». (¬٢)\rوذكر في الاعتصام في معرض الحديث عن البدع: «فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة، أحدهما سهل والآخر صعب،","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٢٠ - ٦٢٢ وانظر أيضاً الكتاب نفسه ٢٢/ ٣١٣ - ٣١٥.\r(¬٢) الموافقات ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080171,"book_id":1146,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":106,"body":"وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد، فيأخذ بعض المتشددين بالطريق الأصعب، الذي يشق على المكلف مثله، ويترك الطريق الأسهل بناء على التشديد على النفس، كالذي يجد للطهارة مائين: سخنا وبارداً فيتحرى البارد الشاق (¬١) استعماله، ويترك الآخر، فهذا لم يعط النفس حقها الذي طلبه الشارع منه، وخالف دليل رفع الحرج من غير معنى زائد، فالشارع لم يرض بشرعية مثله» (¬٢).\rوبهذا يندفع توهم معارضة النصوص الواردة في ترتب الأجر على المشقة، للأصل العظيم السابق تقريره وهو أن أفضل الأعمال ما كان على وجه الاقتصاد والتيسير، وأنها أحب إلى الله مما كان منها على وجه التشدد والتعسير.\rوبه يتحقق المقصود من تقرير هذا الأصل في باب المفاضلة بين الأعمال، وكونه من المبادئ العظيمة لهذا الدين بحسب ما تقدم ذكره من الضوابط الواجب مراعاتها في هذا الباب والله تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) قوله (البارد الشاق) إنما قصد الشاطبي ﵀: التمثيل عندما يكون استعمال البارد هو الشاق، لا أن البارد لازم للمشقة، بل قد يكون الساخن هو الشاق كما في بعض الأوقات في البلدان الحارة، أو في حق بعض الناس، ولو كانت العبارة ( … فيتحرى ما يشق استعماله) لكانت أدق دفعاً للإيهام.\r(¬٢) الاعتصام ١/ ٣٤٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080172,"book_id":1146,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":107,"body":"الفصل السابع: تفاضل الأعمال باعتبار فضل العامل ومنزلته عند الله.\rمن أسباب التفاضل بين الأعمال التي دلت عليها النصوص، وقررها أهل العلم، تفاضل الأعمال بحسب شرف العامل ومكانته عند الله.\rقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾. (¬١)\rقال الطبري في معنى قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ «قول يعطها الله ثواب عملها مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس». (¬٢)\rوفي هذه الآية دلالة ظاهرة على شرف العمل وفضله بشرف العامل وعلو قدره فلما كن أزواج النبي ﷺ بهذا الشرف والمكانة عند الله وقربهن من رسوله ﷺ ضاعف الله لهن أعمالهن على غيرها من أعمال سائر النساء.\rقال ابن رجب «وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبي ﷺ من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النبي ﷺ». (¬٣)\rومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (¬٤)","footnotes":"(¬١) سورة الأحزاب (٣٠ - ٣١).\r(¬٢) تفسير الطبري (١٠/ ٢٩٢).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٠٨).\r(¬٤) سورة الحديد (٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080173,"book_id":1146,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":108,"body":"قال ابن عباس: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أجرين، وفي رواية ضعفين، وبه قال مجاهد. (¬١)\rوفي هذا دلالة على تفضيل العمل، ومضاعفة أجره، لفضل العامل فهذه الأمة خير الأمم كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. (¬٢) ولهذا أعطاهم الله الأجر على العمل القليل ما لم يعط غيرهم على العمل الكثير.\rفعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل عطاء، قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء». (¬٣)\rقال ابن حجر: «وفي الحديث تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها». (¬٤)\rومن الأدلة لهذه المسألة من السنة ما أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ حد أحدهم ولا نصيفه». (¬٥)","footnotes":"(¬١) انظر تفسير الطبري (١١/ ٦٩٣، ٦٩٤).\r(¬٢) سورة آل عمران (١١٠).\r(¬٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (٤/ ٤٤٥) ح (٢٢٦٨) وانظره بالأرقام (٢٢٦٩) (٣٤٥٩) (٥٠٢١) (٧٤٦٧) (٧٥٣٣).\r(¬٤) فتح الباري (٤/ ٤٤٩).\r(¬٥) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٢١) ح (٣٦٧٣) وصحيح مسلم (٤/ ١٩٦٧) ح (٢٥٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080174,"book_id":1146,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":109,"body":"قال البيضاوي في شرحه: «معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية». (¬١)\rوقد دلت على هذه المسألة أقوال السلف:\rروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن زيد قال: «والله لمشهد يشهده الرجل منهم، يوما واحدا في سبيل الله، مع رسول الله ﷺ اغْبرَّ فيه وجهه، أفضل من عمل أحدكم لو عمرّ عمر نوح». (¬٢)\rوقال ابن مسعود: «أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد ﷺ، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة». (¬٣)\rفظهر بهذا فضل عمل الصحابة على عمل غيرهم، وهذا مما يدل على التفاضل في العمل باعتبار منزلة العامل.\rوإذا تقرر هذا فإن أهل العلم، قد نبهوا على بعض أسباب هذا التفضيل، وهو وإن كان الذي يظهر من النصوص وأقوال أهل العلم، أن التفضيل يرجع لفضل العامل ومكانته عند الله، إلا أن وراء ذلك أيضا أسبابا أشار إليها أهل العلم.\rفمنها: أن الفضل في العمل، يرجع إلى ما عليه العامل الفاضل من عمل باطن يغلب به غيره. وهذا ما أشار إليه ابن مسعود في قوله: «كانوا أزهد منكم في الدنيا».\rومنها: ما يكون عليه العامل من فقه في الدين وتأثير ذلك في عبادته، من حيث الإتقان، والإخلاص، والاشتغال بما هو أفضل، وأنفع، بما يناسب كل وقت.","footnotes":"(¬١) ذكره ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٣٤).\r(¬٢) المصنف لابن أبي شيبة (٤/ ٢٣١، ٢٣٢).\r(¬٣) ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص (٤٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080175,"book_id":1146,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":110,"body":"وإلى هذا أشار أبو الدرداء ﵁ في قوله: «يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يعيبون سهر الحمقى وصيامهم ومثقال ذرة من بر صاحب تقوى ويقين، أعظم، وأفضل، وأرجح، من أمثال الجبال من عبادة المغترين». (¬١)\rوقال يحيى بن معاذ: «كم من مستغفر ممقوت، وساكت مرحوم، هذا أستغفر وقلبه فاجر، وهذا سكت وقلبه ذاكر». (¬٢)\rوقال غيره: «ليس الشأن فيمن يقوم الليل، إنما الشأن فيمن ينام على فراشه، ثم يصبح وقد سبق الركب». (¬٣)\rوقال بعضهم منشداً:\rمَنْ لي بمثلِ سيرِك المُدَلَّلِ تمشي رُوَيْداً وتَجِي في الأولِ (¬٤)\rوبهذا يتم تقرير هذه المسألة والله تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢١١). وذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص (٤٤٨)، بلفظ «يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يسبق سهر الجاهلين وصيامهم».\r(¬٢) المصدر نفسه ص (٤٤٩).\r(¬٣) المصدر نفسه ص (٤٤٩).\r(¬٤) ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص (٤٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080176,"book_id":1146,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":111,"body":"الفصل الثامن: تفاضل الأعمال باعتبار الأوقات والأزمان\rالتفاضل بين الأوقات والأزمان من الأصول المقررة في الشرع وعلى ذلك تظافرت أقوال أهل العلم:\rقال قتادة: «إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر» (¬١).\rوقال ابن عبد البر في شرح حديث: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة): «وفي فضل يوم عرفة دليل أن للأيام بعضها فضلاً على بعض؛ إلا أن ذلك لا يدرك إلا بالتوقيف» (¬٢).\rوقال ابن القيم: «والله سبحانه لا يخصص شيئاً ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله … ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض … » (¬٣).\rوقال ابن رجب: «وجعل الله سبحانه لبعض الشهور فضلاً على بعض كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (¬٤) كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر» (¬٥).","footnotes":"(¬١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٤٩، ١٤٨.\r(¬٢) التمهيد ٦/ ٤١.\r(¬٣) زاد المعاد ١/ ٥٤.\r(¬٤) سورة التوبة: ٣٦.\r(¬٥) لطائف المعارف ص ٤٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080177,"book_id":1146,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":112,"body":"وقد دلت النصوص الشرعية على تفضيل بعض الأعمال باعتبار زمانها، وإن لم تكن من حيث الأصل أفضلَ من غيرها، وإنما اكتسبت الفضل من شرف الزمان الذي وقعت فيه.\rويمكن تقسيم الأزمان والأوقات التي دلت النصوص على تفضيل العمل فيها إلى قسمين رئيسين:\rالقسم الأول:\rأزمان وأوقات دلت النصوص على تفضيل الأعمال فيها مطلقا. ويدخل تحت هذا القسم أنواع منها:\r\r١ - الأشهر الحرم:\rوهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. (¬١)\rقال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. (¬٢)\rروى الطبري وغيره عن ابن عباس ﵄ وقد ذكر الآية إلى قوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: «لا تظلموا أنفسكم في كلهن، ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم». (¬٣)\rوقال الطبري: «الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر، وشرفهن على سائر شهور","footnotes":"(¬١) صح الحديث بذكرهن كما أخرجه البخاري في صحيحه. انظر صحيح البخاري مع الفتح (١٠/ ٧).\r(¬٢) سورة التوبة: (٣٦).\r(¬٣) تفسير الطبري (٦/ ٣٦٦)، وأخرجه البيهقي في فضائل الأوقات (ص: ٨٠٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080178,"book_id":1146,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":113,"body":"السنة، فخص الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصهن بالتشريف». (¬١)\rفظهر بهذا تفضيل الأعمال في هذه الأشهر لفضلها عند الله تعالى.\rقال ابن رجب ﵀: «فأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم … وأفضل صيام الأشهر الحرم صيام شهر الله المحرم». (¬٢)\rوجاء في فضيلة صيام محرم على وجه الخصوص ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». (¬٣)\rوقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل.\rفقال الحسن البصري وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، قال ابن رجب: ورجحه طائفة من المتأخرين.\rوقال سعيد بن جبير: أفضل الأشهر الحرم ذو القعدة، وذو الحجة.\rوذهب بعض الشافعية أن أفضل الأشهر الحرم رجب.\rقال ابن رجب: وهو قول مردود. (¬٤)\r\r٢ - شهر رمضان:\rقال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. (¬٥)\rقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «يمدح الله تعالى شهر الصيام من بين سائر","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري (٦/ ٣٦٧).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص: ٧٨).\r(¬٣) أخرجه مسلم (٢/ ٨٢١) ح: (١١٦٣).\r(¬٤) انظر لطائف المعارف (ص: ٧٩).\r(¬٥) سورة البقرة: (١٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080179,"book_id":1146,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":114,"body":"الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه». (¬١)\rوقد أوجب الله صيام شهر رمضان، وهو ركن من أركان الإسلام، وهو أفضل ما تقرب إلى الله به في هذا الشهر إذ أن صيامه واجب وتأدية الواجبات مقدم على النوافل كما تقدم تقريره. (¬٢)\rوقد ورد الترغيب في قيامه؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». (¬٣)\rكما ثبت في السنة الترغيب في سائر أعمال البر في هذا الشهر على ما أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدَت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفُتِّحَت أبواب الجنة فلم يُغْلَق منها باب، وينادي منادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر اقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». (¬٤)\rوهذا مما يدل على تفضيل كل أعمال البر في هذا الشهر، ويتأكد منها القيام بعد فرض الصيام كما ثبت من حديث أبي هريرة السابق في فضل قيام رمضان.\r\r٣ - العشر الأواخر من رمضان:\rففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». هذا لفظ البخاري. (¬٥)","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٠١).\r(¬٢) انظر الفصل الثاني من هذا الكتاب.\r(¬٣) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (٤/ ٢٥٠) ح: (٢٠٠٩)، ومسلم (١/ ٥٢٣) ح: (٧٥٩).\r(¬٤) سنن الترمذي (٣/ ٥٧) ح: (٦٨٢). وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٨٢ ح (١٥٣٢) وقال: «صحيح ولم يخرجاه بهذه السياقة». وقد صحح الحديث العلامة الألباني في صحيح الترغيب (ص: ٤٨٩).\r(¬٥) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٦٩) ح: (٢٠٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080180,"book_id":1146,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":115,"body":"ولفظ مسلم: «أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر». (¬١)\rوفي رواية أخرى عن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». (¬٢)\rفدلت الأحاديث على فضل هذه الليالي، وتفضيل العمل فيها على باقي ليالي الشهر لمزيد عناية النبي ﷺ بها وتخصيصها بما لم يكن في غيرها من الأعمال.\rويتأكد فيها القيام على غيره من الأعمال كما هو ظاهر من النصوص.\r\r٤ - عشر ذي الحجة:\rوقد ورد في فضلها قول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. (¬٣) وقال ابن عباس ﵄: «إن الليالي العشر التي أقسم الله بها هي الليالي العشر الأول من ذي الحجة». (¬٤)\rوبه قال عبد الله بن الزبير، ومسروق، وعكرمة، ومجاهد وقتادة، والظحاك، والسدي، ومقاتل وغيرهم. (¬٥)\rقال الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه». (¬٦)\rوقال ابن رجب: «وأما الليالي العشر فهي عشر ذي الحجة، هذا الصحيح الذي عليه جمهور والمفسرين من السلف، وغيرهم، وهو الصحيح عن ابن","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم (٢/ ٨٣٢) ح: (١١٧٤).\r(¬٢) أخرجها مسلم (٢/ ٨٣٢) ح: (١١٧٥).\r(¬٣) سورة الفجر (١، ٢).\r(¬٤) تفسير الطبري ١٢/ ٥٦٠.\r(¬٥) انظر تفسير الطبري (١٢/ ٥٦٠)، وزاد المسير لابن الجوزي، (٩/ ١٠٣) وتفسير ابن كثير (٨/ ٣٩٠).\r(¬٦) تفسير الطبري (١٢/ ٥٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080181,"book_id":1146,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":116,"body":"عباس روى عنه من غير وجه». (¬١)\rوروى البخاري من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه. قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء». (¬٢)\rقال الإمام ابن رجب في سياق الحديث عن فضائل عشر ذي الحجة: «وقد دل الحديث على أن العمل في أيامه أحبُّ إلى الله العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله، فهو أفضل عنده … وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا ولذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد. ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد؛ فإنه ﷺ سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عُقِرَ جواده، وأُهْرِيق دَمُهُ. (¬٣) وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله … وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله ﷿ منها، وكذلك سائر الأعمال. وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره». (¬٤)","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (٤٧٠).\r(¬٢) صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ٤٥٧) ح: (٦٦٩).\r(¬٣) أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ١٤٦) ح: (١٤٤٩). وقد ذكره الشيخ بمعناه. ونصه أن النبي ﷺ سئل:» أي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه، قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه وعُقِر جواده «.\r(¬٤) لطائف المعارف (ص: ٤٥٨٤٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080182,"book_id":1146,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":117,"body":"وقد اختلف أهل العلم في المفاضلة بين ليالي عشر ذي الحجة، وليالي العشر الأواخر من رمضان.\rقال ابن رجب ﵀: «فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر، (¬١) وهذا بعيد جدا … والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. والله أعلم». (¬٢)\r\r٥ - أيام التشريق:\rقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. (¬٣)\rقال ابن عباس ﵄:» يعني بالأيام المعدودات أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد النحر «. (¬٤)\rوبه قال أجلة المفسرين كعطاء، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك، وغيرهم (¬٥) وأفضلها اليوم الأول لقول النبي ﷺ: «أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر ثم يوم القرِّ». (¬٦)\rويوم القرِّ: هو اليوم الحادي عشر سمي بذلك لأن أهل منى يستقرون فيه. (¬٧)","footnotes":"(¬١) ممن ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ونصره كذلك ابن القيم. انظر الفتاوى الكبرى (٢/ ٤٧٧)، وزاد المعاد (١/ ٥٧).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص: ٤٦٨٤٦٩).\r(¬٣) سورة البقرة (٢٠٣).\r(¬٤) أخرجه الطبري في التفسير (٢/ ٣١٤).\r(¬٥) انظر المصدر السابق.\r(¬٦) أخرجه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن قُرط ﵁ (٢/ ٣٦٩) ح (١٧٦٥) وأحمد في المسند (٤/ ٣٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (١٠٦٤).\r(¬٧) انظر النهاية لابن الأثير ٤/ ٣٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080183,"book_id":1146,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":118,"body":"قال ابن رجب: وأفضلها أولها، ولا يجوز فيه النفر، ثم يوم النفر الأول، وهو أوسطها، ثم يوم النفر الثاني، وهو آخرها (¬١)، ويشرع فيها للحاج تأدية المناسك المشروعة فيها من رمي ومبيت، وتشرع فيها الأضحية لمن لم يذبح يوم النحر، كما يشرع للحاج وغيره فيها التكبير المطلق، والمقيد، والجهر به، ويستحب الإكثار فيه في هذه الأيام (¬٢)، لقول النبي ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله»، وأما والصيام فلا صيام فيها (¬٣) كما دل عليه الحديث وذلك للتقوي على الذكر والطاعة قال ابن رجب ﵀: «وفي قول النبي ﷺ إنها أيام أكل وشرب وذكر الله ﷿ إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته». (¬٤)\r\r٦ - ليلة القدر:\rقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. (¬٥)\rروى الطبري عن مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: عملها وصيامها، وقيامها خير من ألف شهر». (¬٦)\rوعن عمرو بن قيس الملائي قال: «عمل فيها خير من عمل ألف شهر». (¬٧)\rوأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من","footnotes":"(¬١) انظر لطائف المعارف (٥٠١).\r(¬٢) انظر كتاب فضائل الأوقات للبيهقي ص (٤١٣ - ٤٢٥).\r(¬٣) المقصود صيام التطوع، أما صيام القضاء: الفرض، أو نذر، أو صيام من لم يجد الهدي، ففيه خلاف مشهور بين العلماء، انظر لطائف المعارف ص (٥٠٦).\r(¬٤) لطائف ص (٥٠٤).\r(¬٥) سورة القدر: (١٣).\r(¬٦) تفسير الطبري (١٢/ ٦٥٣).\r(¬٧) المصدر نفسه (١٢/ ٦٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080184,"book_id":1146,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":119,"body":"قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». (¬١)\rفدلت هذه النصوص على تفضيل ليلة القدر على غيرها من ليالي السنة وتفضيل العمل فيها مطلقا، على سائر الأعمال، ويتأكد من ذلك القيام لورود النص الخاص به والله أعلم.\r\r٧ - يوم عرفة:\rأخرج الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء». (¬٢) وأخرج الترمذي عن عمر بن شعيب عن جده عن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة … » (¬٣) الحديث.\rقال ابن عبد البر في شرحه: «وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره». (¬٤)\rفدل الحديثان على تفضيل هذا اليوم، وتفضيل العمل فيه خصوصاً الدعاء كما دل على ذلك الحديث، كما جاءت السنة بمشروعية صيامه على ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: « … صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». (¬٥)\rوقد اختلف أهل العلم في صيامه للحاج بعد اتفاقهم على مشروعية صيامه","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٥٠) (٢/ ٢٠١٤) وصحيح مسلم (١/ ٥٢٤).\r(¬٢) صحيح مسلم (٢/ ٨٩٢) ح: (١٣٤٨).\r(¬٣) تقدم تخريجه ص: ٨٩.\r(¬٤) التمهيد (٦/ ٤١)\r(¬٥) صحيح مسلم (٢/ ٨١٨) ح: (١١٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080185,"book_id":1146,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":120,"body":"لغير الحاج.\rقال ابن قدامة: «أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة، وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه، وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. وقال عطاء: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف؛ لأن كراهة صومه إنما هي معللة». (¬١)\rثم رجح ابن قدامة عدم صيامه للحاج محتجا بفعل النبي ﷺ في ذلك اليوم. (¬٢)\r\r٨ - يوما العيدين:\rأخرج أبو داود من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يوما يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ: إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، يوم الفطر». (¬٣)\rقال البيهقي: «فزاد الحسن فيه فقال: أما يوم الفطر فصلاة وصدقة، قال يعني الصاع وأما يوم الأضحى فصلاة ونسك يعني ذبائحكم». (¬٤)\rعن عبد الله بن قرط ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرِّ (¬٥)». (¬٦)","footnotes":"(¬١) المغني (٤/ ٤٤٤).\r(¬٢) انظر المغني (٤/ ٤٤٤).\r(¬٣) سنن أبي داود (١/ ٦٧٥) ح (١١٣٤) ومسند أحمد (١٩/ ٦٥) ح (١٢٠٠٦) والمستدرك للحاكم (١/ ٤٣٤) ح (١٠٩١) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\r(¬٤) كتاب فضائل الأوقات ص: (٣٠٣، ٣٠٤).\r(¬٥) تقدم بيان معناه ص: ١٤٨.\r(¬٦) تقدم تخريجه ص: ١٤٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080186,"book_id":1146,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":121,"body":"ويشرع فيهما تأدية صلاة العيد وخروج الناس إليها، ويسن الاغتسال والتطيب فيهما، وإظهار الزينة، ويشرع في عيد الفطر إخراج زكاة الفطر، قبل الخروج للصلاة وهي واجبة، ويستحب في عيد النحر ذبح الأضاحي، والأكل منها والإهداء والتصدق وهي سنة مؤكدة.\rويشرع في العيدين التكبير، والتهليل، في يوميهما وليلتيهما، وقد كان النبي ﷺ يخرج للعيدين مع طائفة من أصحابه رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، وكان أصحابه يفعلونه من بعده، ويخرجون للأسواق والطرقات مكبرين. (¬١)\rقال عبد الرحمن السلمي:» كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى «. (¬٢)\rويوما العيدين يوما أكل وشرب وزينة ويحرم صيامهما، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر … » (¬٣)\r\r٩ - يوم الجمعة:\rروى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها». (¬٤)\rفدل الحديث على تفضيل يوم الجمعة على سائر الأيام.\rوبه استدل بعض أهل العلم على تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة، وفي","footnotes":"(¬١) انظر السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٩٣ - ٤٠٢)، وخلاصة الأحكام للنووي ٢/ ٨١٩ - ٨٤٩، وكتاب الأزمنة المفصلة في الإسلام للدكتور على بن عباس الحكمي (٨٨ - ١٠١).\r(¬٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٩٥).\r(¬٣) أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح ٤/ ٢٣٩ ح (١١٩١) ومسلم في صحيحه (٢/ ٨٠٠).\r(¬٤) صحيح مسلم (٢/ ٥٨٥) ح: (٨٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080187,"book_id":1146,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":122,"body":"المفاضلة بينهما نزاع مشهور بين أهل العلم، فمن قائل بتفضيل بوم الجمعة، ومن قائل بتفضيل يوم عرفة، وأعدل الأقوال في هذا ما قرره الإمام ابن القيم حيث قال: «والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة، ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة». (¬١)\rوقد دلت النصوص على تفضيل العمل يوم الجمعة، وأفضل أعماله تأدية صلاة الجمعة، والعناية بها من التهيأ لها قبلها، والمحافظة على إكمالها.\rوروى الإمام البخاري عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». (¬٢)\rوالأحاديث في فضائل يوم الجمعة، وتفضيل الأعمال فيه كثيرة وهي مبسوطة في مواضعها من كتب السنة، وإنما ذكرت هنا ما يستدل به لفضل هذا اليوم.\rوكل ما ذكرته تحت هذا القسم مما تقدم عرضه من الأزمان قد جاءت النصوص بتفضيلها، وتفضيل العمل فيها على الإطلاق، من غير أن تُخَصَّ بعد تأدية الواجب فيها بعمل دون آخر، وإن كانت بعض الأعمال قد تتأكد فيها على غيرها كما تقدم التنبيه على شيء من هذا في موطنه. والله أعلم.\rالقسم الثاني:\rأزمان وأوقات دلت النصوص على تفضيل بعض الأعمال فيها على الخصوص، ومنها:","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (١/ ٦٠) وحكى هذا القول الإمام الشوكاني عن الحافظ العراقي، انظر نيل الأوطار (٣/ ٢٤٠)، وانظر الأزمنة الفاضلة في الإسلام للدكتور علي الحكمي ص (١٩٩ - ٢٠٠).\r(¬٢) صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ٣٧٠) ح: (٨٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080188,"book_id":1146,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":123,"body":"١ - شهر شعبان:\rثبت في السنة أن النبي ﷺ كان يكثر من الصيام فيه فيصوم أكثره.\rأخرج الشيخان من حديث عائشة ﵂ أنا قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان». (¬١)\rوفي رواية عنها ﵂ قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان وكان يصوم شعبان كله … ». (¬٢)\rوفي رواية: «لم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً». (¬٣)\rنقل الترمذي عن ابن المبارك قال: «جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صامه كله». قال الترمذي: «كأن ابن المبارك رأى كلا الحديثين متفقين». (¬٤)\rوقال النووي: «قولها كان يصوم شعبان كله كان يصومه إلا قليلاً الثاني تفسير للأول وبيان أن قولها كله أي غالبه». (¬٥) وإليه ذهب ابن حجر. (¬٦)\rوفي توجيه للفظين أقوال أُخر (¬٧) وهذا أصحها والله أعلم.\rوقد دلت الأحاديث على تخصيص شعبان بكثرة الصيام، دون غيره فدل على فضل صيامه على هذه الصفة على صيام غيره من الأشهر.","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢١٣) ح (١٩٦٩) وصحيح مسلم (٢/ ٨١٠).\r(¬٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (٤/ ٢١٣) ح (١٩٧٠).\r(¬٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٨١١)\r(¬٤) سنن الترمذي (٣/ ١٠٥).\r(¬٥) شرح صحيح مسلم (٨/ ٣٧).\r(¬٦) فتح الباري (٤/ ٢١٤).\r(¬٧) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٨/ ٣٧) وفتح الباري لابن حجر (٤/ ٢١٤، ٢١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080189,"book_id":1146,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":124,"body":"وقد اختلف في الحكمة في تخصيص شعبان بكثرة الصيام تبعاً لاختلاف الروايات في ذلك، وأصح ما جاء فيه (¬١) ما أخرجه أحمد من حديث أسامة بن زيد وفيه قال قلت: «يا رسول الله ولم أرك تصوم من شهر من شهور ما تصوم من شعبان، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». (¬٢)\r\r٢ - يوم عاشوراء:\rفقد دلت السنة على تفضيل الصيام فيه خاصة دون غيره من الأعمال.\rأخرج الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ قال: « … ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان». (¬٣)\rوفي حديث أبي قتادة المتقدم عن النبي ﷺ قال: « … صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (¬٤)\rومراتب صومه ثلاثة: أكملها: أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم، ذكره ابن القيم ﵀. (¬٥)","footnotes":"(¬١) انظر فتح الباري (٤/ ٢١٥).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٣٦/ ٨٥) والنسائي (٤/ ١٧١) وقد حسن إسناده محققو المسند.\r(¬٣) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٤٥) ح: (٢٠٠٦)، ومسلم (٢/ ٧٩٧) ح: (١١٣٢).\r(¬٤) تقدم تخريجه (ص: ١٥١)\r(¬٥) انظر زاد المعاد (٢/ ٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080190,"book_id":1146,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":125,"body":"ولا يشرع في يوم عاشوراء إظهار شيء من شعائر الفرح، كالاكتحال والاختضاب، وتوسيع النفقة على العيال، مما أحدثه النواصب، ولا شيئ من مظاهر الحزن من شق الجيوب، ولطم الخدود، والنياحة، والبكاء، مما أحدثه الرافضة.\rقال شيخ الإسلام في وصف حال الطائفتين: «فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه الأحزان والأتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة». (¬١)\rوقال ﵀: «ولم يسن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئا من هذه الأمور، لا شعائر الحزن والترح، ولا شعائر السرور والفرح، ولكنه ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء فقال: «ما هذا»؟ فقالوا: هذا يوم نجَّى الله فيه موسى من الغرق فنحن نصومه. فقال: «نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه». (¬٢)\r\r٣ - الأيام البيض من كل شهر:\rوهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.\rوقد وردت الأحاديث بمشروعية صيامها، وأنها تعدل صيام الشهر.\rعن قتادة بن ملحان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: «هو كهيئة الدهر». (¬٣)\rوعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣١٠).\r(¬٢) المصدر نفسه (٢٥/ ٣١٠).\r(¬٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٢١) ح: (٢٤٤٩)، والنسائي (٤/ ١٩٤)، وقد حسن الحديث الألباني في صحيح الترغيب (ص: ٥٠٥) ح: (١٠٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080191,"book_id":1146,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":126,"body":"ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». (¬١)\rوقد ذهب بعض أهل العلم أن الأيام البيض هي: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر.\rوالصحيح المشهور هو القول الأول ذكر هذا النووي (¬٢) وهو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة.\rوقد جاءت النصوص في الصحيحين وغيرها بصيام ثلاثة من كل شهر من غير تحديد بالأيام البيض، كما في حديث أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام». (¬٣)\rوقد ترجم البخاري للحديث بقوله: «باب صيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». (¬٤)\r\r٤ - ستة أيام من شوال:\rوقد ثبتت السنة بمشروعية صيامها لما أخرجه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». (¬٥)\rقال النووي في شرح الحديث: «فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي، وأحمد، وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة، وقال مالك، وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحدا من أهل العلم يصومها، قالوا:","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٢)، والترمذي (٣/ ١٢٥) ح: (٧٦١) وقال: «حديث حسن»، وحسن الحديث الألباني في صحيح الترغيب (ص: ٥٠٤) ح: (١٠٢٤).\r(¬٢) رياض الصالحين (ص: ٤٣٧).\r(¬٣) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٢٦) ح: (١٩٨١)، وصحيح مسلم (١/ ٤٩٩) ح: (٧٢١).\r(¬٤) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٦٦).\r(¬٥) صحيح مسلم (٢/ ٨٢٢) ح: (١١٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080192,"book_id":1146,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":127,"body":"فيكره لئلا يظن وجوبه. ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح، وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس، أو أكثرهم، أو كلهم لها». (¬١)\rوقال ابن رجب: «استحب صيام ستة أيام من شوال أكثر العلماء، روى ذلك عن ابن عباس ﵄، وطاووس، والشعبي، وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأنكر ذلك آخرون». (¬٢)\rقال أبو العباس القرطبي مجيبا ومعتذرا لخلاف من خالف: «ويظهر من كلام مالك هذا: أن الذي كرهه هو وأهل العلم الذين أشار إليهم، إنما هو أن توصل الأيام الستة بيوم الفطر لئلا يظن أهل الجهالة والجفاء أنها بقية من صوم رمضان، وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم، وينقطع ذلك التخيل». (¬٣)\rوقد اختلف أهل العلم في تحديد هذه الستة.\rفذهب بعضهم إلى استحباب صيامها متتابعة من أول الشهر، وهو قول ابن المبارك والشافعي.\rوذهب آخرون إلى عدم اشتراط التتابع وأنه يستوي أن تتابع أو تفرق في الشهر كله فهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد.\rوذهب فريق ثالث إلى أنها لا تصام عقيب الفطر، ولكن تصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها، وهو قول معمر وعبد الرزاق. (¬٤)\rوظاهر كلام النووي الانتصار للقول الأول، (¬٥) كما انتصر أبو العباس القرطبي للقول الثاني. (¬٦)","footnotes":"(¬١) شرح صحيح مسلم (٨/ ٥٦).\r(¬٢) لطائف المعارف ص ٣٨٩.\r(¬٣) المفهم (٣/ ٢٣٧).\r(¬٤) انظر لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٩٠٣٩١).\r(¬٥) انظر شرح صحيح مسلم (٨/ ٥٦).\r(¬٦) انظر المفهم (٣/ ٢٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080193,"book_id":1146,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":128,"body":"٥ - الاثنين والخميس من كل أسبوع:\rعلى ما ثبت في السنة من استحباب صيامهما فعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه وُلِدتُ، وفيه أُنْزِل عليّ». (¬١)\rوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس؛ فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». (¬٢)\r\r٦ - ثلث الليل الآخر:\rويشرع فيه القيام، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، على ما جاءت بذلك النصوص قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. (¬٣)\rوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎، كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». (¬٤)\rوهذا مما يدل على عظيم فضل هذا الوقت؛ لنزول الرب فيه ﵎ إلى السماء الدنيا؛ ومناداته عباده، ولهذا شرع قيام هذا الوقت وورد الترغيب فيه.\rأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهوده وذلك أفضل». (¬٥)","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢/ ٨٢٠).\r(¬٢) أخرجه الترمذي (٣/ ١١٣) ح: (٧٤٧)، وقال:» حديث حسن غريب «. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (ص: ٥٠٦) ح: (١٠٢٧).\r(¬٣) سورة الذاريات (١٧ - ١٨).\r(¬٤) صحيح البخاري مع الفتح (١٣/ ٤٦٤ ح: (٧٤٩٣) وصحيح مسلم ١/ ٥٢١ ح (٧٥٨).\r(¬٥) صحيح مسلم (١/ ٥٢٠) ح (٧٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080194,"book_id":1146,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":129,"body":"وقد وردت النصوص بالتقرب إلى الله في هذا الوقت بالصلاة، والدعاء، والاستغفار، كما هو ظاهر من النصوص المتقدمة. وأضاف بعض أهل العلم قراءة القرآن (¬١) وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الأفضل من ذلك فأجاب: (الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة، نص على ذلك أئمة العلماء وقد قال: (¬٢) «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». لكن من حصل له نشاط وتدبر وفهم للقراءة دون الصلاة فالأفضل في حقه ما كان أنفع له) (¬٣).\r\r٧ - أول النهار وآخره:\rوقد وردت النصوص بالترغيب في الذكر في هذين الوقتين:\rقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. (¬٤)\rوقال تعلى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾. (¬٥) وقال ﷿: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. (¬٦) وقال تعالى في ذكر زكريا ﵇ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. (¬٧)\rومن السنة حديث جابر بن سمرة في وصف هدي النبي ﷺ قال: «كان لا","footnotes":"(¬١) انظر: قيام الليل للمروزي (باب ثواب القراءة بالليل) ص (١٦٤)\r(¬٢) أي النبي ﷺ وقد أخرج الحديث من طريق ثوبان ﵁ ابن ماجه (١/ ١٠٠١) ح (٢٧٧) وأحمد في المسند (٥/ ٢٧٧، ٢٨٢) وصحح الحديث الألباني انظر إرواء الغليل (٢/ ١٣٥) ح (٤١٢) وصحيح الترغيب ص (١٥٨) ح (١٩٠).\r(¬٣) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٣٦).\r(¬٤) سورة الأحزاب (٤١ - ٤٢).\r(¬٥) سورة غافر (٥٥).\r(¬٦) سورة الأنعام (٥٢).\r(¬٧) سورة مريم (١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080195,"book_id":1146,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":130,"body":"يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام … ». (¬١)\rوقد ثبت الترغيب في بعض الأذكار المخصوصة في هذين الوقتين، ومن ذلك:\rما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد». (¬٢)\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو بكر: يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: «قل اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشِرْكِه» قال: «قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك». (¬٣)\rوالأذكار المشروعة في الصباح والمساء كثيرة، وهي مبسوطة في كتب الأذكار والسنن، وإنما ذكرت هنا ما يستدل به على فضل هذين الوقتين.\rقال الإمام ابن رجب ﵀: «فهذه الأوقات الثلاثة، منها وقتان وهما أول النهار وآخره، يجتمع في كل من هذين الوقتين عمل واجب، وعمل تطوع: فأما العمل الواجب فهو صلاة الصبح وصلاة العصر، وهما أفضل الصلوات الخمس، وهما البردان اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة، وقد قيل في كل منهما أنهما الصلاة الوسطى، وأما التطوع فهو ذكر الله بعد صلاة الصبح حتى","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم (١/ ٤٦٣) ح (٦٧٠).\r(¬٢) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٧١) ح: (٢٦٩٢).\r(¬٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٦٧) ح: (٣٣٩٢)، وقال:» حديث حسن صحيح «. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080196,"book_id":1146,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":131,"body":"تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وقد وردت في فضله نصوص كثيرة، وكذلك وردت النصوص الكثيرة في أذكار الصباح والمساء، وفي فضل الذكر حين يصبح وحين يمسي». (¬١)\rفظهر بهذا التقرير المفصل تفاضل الأزمان، والأوقات، وتفاضل العمل باعتبار فضل الزمان الواقع فيه، كما تبين من خلال النصوص اختصاص بعض الأوقات والأزمان بوظائف مخصوصة من العبادات، وهذه العبادات المخصوصة بتلك الأوقات هي أفضل ما يتقرب به إلى الله في ذلك الوقت، وإن كان هذا العمل مفضولا من حيث جنسه.\rقال الإمام ابن القيم في سياق ذكره اختلاف الناس في أفضل الأعمال: «الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل الأمر إلى ترك الأوراد من صلاة الليل، وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.\rوالأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك أداء حق الزوجة والأهل.\rوالأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة، والقرآن، والدعاء، والذكر، والاستغفار». إلى أن قال بعد أن ذكر أنواعا كثيرة من العبادات المخصوصة بأوقات أو أحوال: «فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت وظيفته ومقتضاه.","footnotes":"(¬١) المحجة في سير الدلجة (ص ٦١٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080197,"book_id":1146,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":132,"body":"وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم هم أهل التعبد المقيد». (¬١)\rوهذا التقرير الذي ذكره الإمام ابن القيم هو أفضل ما ذكر في هذا الباب، وهو مقتضى النصوص. والله تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٨٨٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080198,"book_id":1146,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":133,"body":"الفصل التاسع: تفاضل الأعمال باعتبار الأماكن والبقاع\rمن أنواع التفاضل التي شرف الله بها بعض المخلوقات على بعض، التفاضل بين الأماكن والبقاع، على ما جاءت بذلك النصوص.\rولست بصدد تقرير هذه المسألة لذاتها، وإنما القصد هنا تقرير ما يتعلق منها بموضوع البحث ألا وهو تحقيق مسألة التفاضل بين الأعمال باعتبار الأماكن والبقاع.\rويمكن أن تقسم البقاع والأماكن باعتبار تأثيرها في المفاضلة بين الإعمال إلى قسمين:\rالقسم الأول:\rبلدان دلت النصوص على شرفها وفضل سكناها، وهي:\r\r١ - مكة المكرمة حرسها الله:\rروى الشيخان من حديث أبي شريح العدوي ﵁ أن النبي ﷺ قال صبيحة فتح مكة: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب». (¬١)\rوأخرج الترمذي عن عبد الله بن عدي بن حمراء ﵁ قال: «رأيت رسول الله","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ٢٠) ح: (٤٢٩٥)، وصحيح مسلم (٢/ ٩٨٧) ح: (١٣٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080199,"book_id":1146,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":134,"body":"ﷺ قائما على الحزْوَرَة (¬١) فقال: «والله إنك لخيرُ أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت». (¬٢)\r\r٢ - المدينة النبوية حرسها الله:\rروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاها (¬٣)، أو يقتل صيدها». وقال: «المدينة خير لهم لو كان يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت على لأوائها (¬٤)، وجَهْدِهَا إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة». (¬٥)\rوأخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». (¬٦)\r\r٣ - الشام:\rورد في فضل الشام كثير من الأحاديث الصحيحة منها حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: «طوبى لأهل الشام» فقلنا: لأي شيء ذاك؟ فقال: «لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم». (¬٧)","footnotes":"(¬١) الحَزْوَرَة في اللغة: الرابية الصغيرة، وقد كانت الحزورة سوق مكة مم دخلت في المسجد لما زيد فيه، انظر معجم البلدان لياقوت الحموي (١/ ٢٥٥).\r(¬٢) سنن الترمذي (٥/ ٧٢٢) ح: (٣٩٢٥)، وقال الترمذي:» هذا حديث حسن غريب صحيح «. وصححه ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٨٨)، وابن حجر في الفتح (٣/ ٧٦)، وقال الألباني:» إسناده صحيح «. مشكاة المصابيح (٢/ ٨٣٢).\r(¬٣) العضاة: ما عظم من شجر الشوك واشتد شوكه، لسان العرب (١٣/ ٥١٦).\r(¬٤) اللأواء: الشدة وضيق المعيشة، النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٢١).\r(¬٥) صحيح مسلم (٢/ ٩٩٢) ح: (١٣٦٣).\r(¬٦) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٩٣) ح: (١٨٧٦)، وصحيح مسلم (١/ ١٣١) ح: (١٤٧).\r(¬٧) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٤٩) ح: (٢٩٠٠)، وقال:» حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه «. ووافقه الذهبي في التلخيص. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ح: (٥٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080200,"book_id":1146,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":135,"body":"وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تخرج نار من حضرموت أو بحضرموت فتسوق الناس». قلنا: يا رسول الله ما تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام». (¬١)\rفدلت النصوص على فضل هذه البلدان الثلاثة وفضل سكانها، وما يحصل به من البركة في الرزق، والعصمة من بعض الفتن، كالعصمة من فتنة الدجال ممن لزم مكة والمدينة فإن الدجال لا يدخلها (¬٢) والفرار إلى الشام في آخر الزمان، عند خروج النار من حضر موت قبل قيام الساعة، كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ، وكذلك فضل من صبر على لأواء المدينة، وما يرجى له من شفاعة النبي ﷺ.\rوأما فضل العمل في هذه البلدان الثلاثة، باستثناء المساجد الثلاثة المفضلة فيها، - فلم أقف فيه على نص سوى، حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا: «من أدرك رمضان بمكة، فصام وقام منه ما تيسر له، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان … ». (¬٣) وهذا الحديث ضعفه العلماء فلا حجة فيه. (¬٤)\rوإنما ذكر أهل العلم أن العمل يفضل في هذه البقاع لشرفها، من غير أن يذكروا دليلا خاصا على هذا.\rقال ابن رجب ﵀: «واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب، منها شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحَرَم». (¬٥)","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٨/ ١٣٤) ح: (٤٥٣٦)، قال المحققون: إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه الترمذي (٤/ ٤٩٨) ح: (٢٢١٧)، وقال:» هذا حديث حسن غريب صحيح «.\r(¬٢) وردت بذلك عدة أحاديث في الصحيحين انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٩٥) ح (١٨٧٩ - ١٨٨٢)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٢٦٥) ح (٢٩٤٣).\r(¬٣) سنن ابن ماجه (٢/ ١٠٤٠) ح (٣١١٧).\r(¬٤) قال ابن رجب:» إسناده ضعيف «لطائف المعارف (ص: ٢٨٥)، وذكر الألباني أنه موضوع. ضعيف سنن ابن ماجه (ص: ٢٤٥).\r(¬٥) لطائف المعارف (ص: ٢٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080201,"book_id":1146,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":136,"body":"وقال ابن حجر ﵀ في سياق شرحه لحديث «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة … »: «واستدل بهذا الحديث على تفضيل مكة على المدينة؛ لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها، مما تكون العبادة فيه مرجوحة». (¬١)\rوقال ضمن حديثه عن مسألة تفضيل صلاة النافلة في المسجدين: «ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه يعني حديث (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا». (¬٢)\rفظاهر هذه الأقوال تفضيل الأعمال في هذه البلدان المفضلة لشرف المكان والله أعلم.\rوبناء على هذا فإن العمل في هذه البلدان يتفاضل تبعا لتفاضل هذه البلدان؛ فإنها متفاوتة في الفضل، وقد أجمع العلماء على أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، ويليهما بيت المقدس، ثم اختلف العلماء في المفاضلة بين مكة والمدينة. (¬٣)\rقال ابن عبد البر: «وذكر أبو يحيى الساجي قال: اختلف العلماء في تفضيل مكة على المدينة، فقال الشافعي: مكة خير البقاع كلها، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين.\rوقال مالك والمدنيون: المدينة أفضل من مكة، وأختلف البغداديون وأهل البصرة، فطائفة تقول: مكة، وطائفة تقول: المدينة». (¬٤)","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١/ ٦٧).\r(¬٢) المصدر نفسه (١/ ٦٨).\r(¬٣) انظر الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها. لجمال الدين بن ظهيرة (ص: ١٥١).\r(¬٤) التمهيد (٦/ ١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080202,"book_id":1146,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":137,"body":"وذكر ابن ظهيرة أن القول بتفضيل مكة هو قول الأحناف، والشافعية والحنابلة، ووهب، وابن حبيب من المالكية، وهو قول الجمهور. (¬١)\rقال ابن عبد البر: «والآثار في فضل مكة عن السلف أكثر، وفيها بيت الله الذي رضي من عباده على الحط لأوزارهم بقصده مرة في العمر». (¬٢)\rالقسم الثاني:\rأماكن دلت النصوص على فضلها، وفضل العمل فيها، ومضاعفته.\rوهي عموم المساجد التي أنشئت لإقامة الصلاة وذكر الله.\rوتفضيل الإعمال باعتبار المساجد يقع على نوعين:\rالنوع الأول:\rتفضيل إقامة الصلوات المكتوبة للرجال، في المساجد على إقامتها في غيرها من البيوت والأسواق.\rروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في الجماعة، تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط بها عنه خطيئة … ». (¬٣)\rقال ابن حجر ﵀: «والذي يظهر لي أن البخاري قصد الإشارة بأثر الأسود وأنس (¬٤)، إلى أن الفضل الوارد في أحاديث الباب مقصور على من جمع في","footnotes":"(¬١) انظر الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها (ص: ١٥١).\r(¬٢) التمهيد (٢/ ٢٩٠).\r(¬٣) صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ١٣١) ح: (٦٤٧)، وأخرجه مسلم مختصرا (١/ ٤٤٩) ح: (٦٤٩).\r(¬٤) أي في ترجمته للباب فقد ترجم البخاري بقوله: (باب فضل صلاة الجماعة، وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر، وجاء أنس إلى مسجد قد صلى فيه، فأذن وأقام وصلى جماعة).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080203,"book_id":1146,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":138,"body":"المسجد دون من جمع في بيته مثلا». (¬١)\rوقال ﵀ بعد أن ذكر خمسا وعشرين خصلة تقتضي حصول الأجر الوارد في الحديث: «مقتضى الخصال التي ذكرتها اختصاص التضعيف بالتجمع في المسجد وهو الراجح عندي». (¬٢)\rفظهر بهذا فضل إقامة الصلوات الخمس للرجال في المساجد على غيرها من الأماكن لشرف المساجد وفضلها على غيرها.\rوأما النوافل فتأديتها في البيوت أفضل لقول النبي ﷺ «إن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة». (¬٣)\rوهذا في حق الرجال، وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل فرضها ونفلها كما أرشد النبي ﷺ إلى ذلك أم حميد الأنصارية (¬٤) ﵂.\rالنوع الثاني:\rتفضيل إقامة الصلوات في المساجد المفضلة، على إقامتها في غيرها من المساجد.\rوقد جاءت السنة بتفضيل أربعة مساجد، وتفضيل الصلاة فيها على غيرها وهي:\r\r١ - المسجد الحرام.\rففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». (¬٥)","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٢/ ١٣١).\r(¬٢) فتح الباري (٢/ ١٣٤).\r(¬٣) أخرجه مسلم من حديث زيد بن ثابت (١/ ٥٣٩) ح (٧٨١).\r(¬٤) انظر الحديث في مسند أحمد (٦/ ٣٧١).\r(¬٥) صحيح البخاري مع الفتح (٣/ ٦٣) ح: (١١٩٠)، وصحيح مسلم (٢/ ١٠١٢) ح: (١٣٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080204,"book_id":1146,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":139,"body":"وأخرج ابن ماجه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه». (¬١)\rفظهر بهذا مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام، وأنها تفضل مائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد، وهذا أكثر ما ورد في مضاعفة الصلاة في المساجد فيكون المسجد الحرام بهذا أفضل مساجد الأرض على الإطلاق.\r\r٢ - المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.\rوقد تقدم في الحديثين السابقين ما يدل على مضاعفة الصلاة فيه وأنها تفضل ألف صلاة فيما عداه من المساجد، إلا المسجد الحرام. وبهذا يكون المسجد النبوي أفضل المساجد بعد المسجد الحرام.\r\r٣ - المسجد الأقصى:\rقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه﴾ (¬٢)\rوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثا: حكما يصادف حكمه، وملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال النبي ﷺ: «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة». (¬٣)","footnotes":"(¬١) سنن ابن ماجه (١/ ٤٥٠) ح (١٤٠٦) قال الألباني» سنده صحيح على شرط الشيخين وصححه المنذري والبوصيري «إرواء الغليل (٤/ ١٤٦).\r(¬٢) سورة الإسراء: (١).\r(¬٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٥١) ح: (١٢٠٨)، والإمام أحمد بسياق أطول المسند (١١/ ٢١٩) ح: (٦٦٤٤)، والحاكم كذلك (١/ ٨٤) ح: (٨٣) وقال:» هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة وقد احتجا بجميع رواته ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علة «. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٣٧) وقال محققو المسند:» إسناده صحيح «.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080205,"book_id":1146,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":140,"body":"وهذا مما يدل على فضل الصلاة في المسجد الأقصى، وأنه يرجى لمن صلى فيه مغفرة الذنوب، كما دل على ذلك الحديث والله أعلم.\rوالمسجد الأقصى هو أحد ثالث المساجد في الفضل، بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي، وهذه المساجد الثلاثة هي التي صح الحديث فيها عن النبي ﷺ أنه لا تشد الرحال إلا لها كما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى». (¬١)\r\r٤ - مسجد قباء:\rأخرج الإمام أحمد عن سهل بن حنيف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من خرج حتى يأتي هذا المسجد يعني مسجد قباء فيصلى فيه كان كعدل عمرة». (¬٢)\rفظهر بهذا العرض تفاضل الأعمال وتفاوتها في الفضل بحسب تفاوت أماكنها في الفضل والشرف.\rكما تبين من خلال النصوص وكلام أهل العلم أن التفاضل باعتبار الأماكن يحصل بأحد ثلاثة أوجه من أوجه التفاضل.\rالوجه الأول: مضاعفة العمل نفسه إلى أضعاف كثيرة، كمضاعفة الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي، على الصلاة في غيرهما من المساجد، على تفاوت في قدر المضاعفة بينهما كما تقدم، وكمضاعفة الصلاة في عموم المساجد على الصلاة في البيت بخمسة وعشرين ضعفاً.","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح (٣/ ٦٣) ح: (١١٨٩)، ومسلم (٢/ ١٠١٤) ح: (١٣٩٧).\r(¬٢) المسند (٢٥/ ٣٥٨) ح: (١٥٩٨١)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٣) ح: (٤٢٧٩)، وصححه ووافقه الذهبي. وقال محققو المسند: «صحيح بشواهده، وهذا إسناد حسن».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080206,"book_id":1146,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":141,"body":"والوجه الثاني: التفضيل العام من غير مضاعفة، كتفضيل الأعمال في عامة الأماكن الفاضلة الشريفة على الأعمال في غيرها من الأماكن، كما قرره بعض المحققين على ما تقدم.\rالوجه الثالث: أن يؤجر العامل على عمل يسير بثواب عمل آخر أفضل من عمله، كما ورد في فضل الخروج إلى مسجد قباء والصلاة فيه أن ذلك يعدل عمرة.\rوبتأمل هذه الأوجه يظهر اختصاص كل واحد منها بما يميزه عن غيره من الأوجه الأخرى، ولعل الحكمة في هذا والله تعالى أعلم تنويع الحوافز للأعمال الصالحة، مع مراعاة تفاوت الناس في الاستجابة لبعض هذه المحفزات دون بعض، ولقد لاحظت بحكم مخالطتي للناس أن من الناس من لو خوطب بفضل الصلاة في مسجد قباء مثلاً وأنها تعدل عمرة، لكانت استجابته لذلك أعظم من استجابته للفضيلة الواردة في فضل الصلاة في مسجد النبي ﷺ وقد يحصل العكس، وكل ذلك بحسب تفاوت الناس في الاستجابة لهذه المحفزات، فكان في مخاطبتهم بها جميعاً والتنويع في ذلك أبلغ الأثر في استجابة أكبر قدر من الناس لذلك فسبحانه العليم الحكيم اللطيف الخبير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080207,"book_id":1146,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":142,"body":"الفصل العاشر تفاضل الأعمال باعتبار تعديها للخلق\rالأعمال الصالحة تنقسم باعتبار تعديها للخلق واقتصارها إلى قسمين:\rالقسم الأول:\rأعمال مقتصرة على العامل نفسه لا تتعدى لغيره، وهي سائر العبادات التي يتقرب بها العباد إلى ربهم فيما بينهم وبينه من غير أن تتعلق بمخلوق.\rوالقسم الثاني:\rأعمال متعدية للخلق، وهي كل الأعمال التي يتعدى نفعها للمخلوقين وتتحقق بها مصالحهم الدينية والدنيوية.\rوقد قرر العلماء المحققون في أبواب المفاضلة بين الأعمال الصالحة، تفضيل الأعمال المتعدية على القاصرة وذلك لما يحصل بالأعمال المتعدية من عموم النفع للخلق، وتحقق المصالح التي لا يقوم أمر الدين ولا يصلح حال الدنيا إلا بها.\rوقد استدلوا لذلك بعامة النصوص التي دلت على تفضيل الأعمال المتعدية والترغيب فيها والثناء على أهلها:\rومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. (¬١)\rأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: «خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام». (¬٢)","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران: (١١٠).\r(¬٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (٨/ ٢٢٤) ح (٤٥٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080208,"book_id":1146,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":143,"body":"قال ابن كثير ﵀: «وهكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطية العوفي، وعكرمة، وعطاء، والربيع ابن أنس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني خير الناس للناس: والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾». (¬١)\rفدل فهم السلف للآية أن الخيرية قد حصلت للأمة لكونهم أنفع الناس للناس، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يحصل به دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا مما يدل على أثر الأعمال المتعدية في السبق إلى الخير والفضل عند الله، خاصة ما يتعلق منها بنفع الناس في دينهم الذي تتحقق به سعادتهم في الدنيا والآخرة.\rوفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. (¬٢)\rروى الطبري عن معمر قال تلا الحسن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته وقال: إنني من المسلمين هذا خليفة الله». (¬٣)\rكما دلت السنة على تفضيل الأعمال المتعدية على غيرها في أحاديث كثيرة.\rمنها:\rما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم، كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٩١).\r(¬٢) سورة فصلت (٣٣).\r(¬٣) تفسير الطبري (١١/ ١٠٩ - ١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080209,"book_id":1146,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":144,"body":"فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت منه طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». (¬١)\rقال ابن حجر في شرحه: «وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها». (¬٢)\rوفي الحديث دلالة ظاهرة على تفضيل الأعمال المتعدية على القاصرة وذلك من جهتين:\rالأولى: تفضيل النوعين الأولين من الأراضي بتعدي نفعهما على الثالث الذي لم ينتفع به.\rالثانية: تفضيل النوع الأول، بزيادة نفعه على الثاني، إذ الأول ممسك للماء منبت للعشب، والثاني ممسك للماء غير منبت للعشب، فمثل النوع الأول مثل الفقهاء العاملين المعلمين لغيرهم، ومثل النوع الثاني مثل الجامعين للعلم من غير فقه ولا فهم له، لكنهم أدوه إلى غيرهم، ومثل النوع الثالث مثل من لم يحملوا العمل ولم يحفظوه فلم ينتفعوا في أنفسهم ولم ينفعوا الناس بنقله ولا بتعليمه.\rومما يتجلى به فضل نفع الناس في العلم، وعظم أجره، ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». (¬٣)","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح (١/ ١٧٥) ح (٧٩) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٨٧) ح (٢٢٨٢).\r(¬٢) فتح الباري (١/ ١٧٧).\r(¬٣) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٦٠) ح: (٢٦٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080210,"book_id":1146,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":145,"body":"والنصوص في فضل تعليم والناس، ودعوتهم للخير ومدح القائمين به كثيرة في الشرع، ويكفيه شرفا وفضلا أنه عمل الأنبياء والمرسلين، الذي شرفهم الله به، واصطفاهم له من بين سائر خلقه.\rكما جاءت النصوص أيضا بالثناء على أهل الخير والفضل، الباذلين للمعروف، المحسنين للخلق، وأنهم خيار الخلق عند الله.\rأخرج الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». (¬١)\rوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». (¬٢)\rوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من خيركم أحسنكم خلقا». (¬٣)\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على أناس جلوس فقال: «ألا أخبركم بخيركم من شركم؟ قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا. قال: «خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره». (¬٤)","footnotes":"(¬١) سنن الترمذي (٤/ ٣٣٣) ح: (١٩٤٤)، والحاكم (٤/ ١٨١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\r(¬٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٣٦) ح: (١٩٧٧)، والدارمي (٢/ ٢١٢) ح: (٢٢٦٠).\rقال الألباني صحيح على شرط الشيخين. الأحاديث الصحيحة رقم: (٢٨٥).\r(¬٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (١٠/ ٤٥٢) ح: (٦٠٢٩)، ومسلم (٤/ ١٨١٠) ح: (٣٣٢١).\r(¬٤) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٢٨) ح: (٢٢٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في المسند (١٤/ ٤١٠) ح: (٨٨١٢). وقال محققو المسند: «إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080211,"book_id":1146,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":146,"body":"فدلت هذه الأحاديث على أن خيار الخلق عند الله خيارهم للناس، وأن أفضلهم عند الله أنفعهم لخلقه. وهذا من أقوى ما ورد في الدلالة على هذا الباب ومن أظهر ما ذكر في تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة في الدين، والله أعلم بها.\rومما جاء عن النبي ﷺ أيضاً في تفضيل الأعمال المتعدية، وخدمة الناس على العبادة القاصرة على العبد، ما أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلا الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب، وامتهنوا، وعالجوا. فقال النبي ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». (¬١)\rوهذا من الأدلة الظاهرة الجلية، في تقديم خدمة الناس، ونفعهم، على العبادات القاصرة.\rومما تتقرر به هذه المسألة أفعال السلف، المتضمنة تقديمهم الأعمال المتعدية، على العبادات اللازمة، وسعيهم في خدمة الناس ونفعهم.\rقال مجاهد: «صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني (¬٢).\rوعن مصعب بن أحمد بن مصعب أنه صحب أبا محمد المروزي في الحج، وكان قد اشترط عليه ألا يخالفه قال: «فخرجت معه وكان إذا حضر الطعام يؤثرني، فإذا عارضته بشيء قال: ألم أشرط عليك أن لا تخالفني، فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يُلحق نفسه من الضرر، فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد، ونحن نسير، فقال يا أبا أحمد اطلب الميل (¬٣)، ثم قال لي: اقعد في","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ٨٤) ح: (٢٨٩٠)، وصحيح مسلم (٢/ ٧٨٨) ح: (١١١٩).\r(¬٢) ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص: (٤١٣).\r(¬٣) الميل: قدر مد البصر، ويطلق على الأعلام المبنية في طريق مكة، لأنها بنيت على مقادير مد البصر من الميل إلى الميل، انظر لسان العرب (١١/ ٦٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080212,"book_id":1146,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":147,"body":"أصله، فأقعدني في أصله، وجعل يديه على الميل، وهو قائم قد حنا عليَّ، وعليه كساء قد تجلل به، يظلني من المطر، حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر» (¬١).\rوكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك. منهم عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان (¬٢).\rوكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا من شرطي فيغسله، وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه قال له: هذا من شرطي فيغسله، فلما مات نظروا في يده فإذا فيها مكتوب من أهل الجنة، فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم».\rوهذا مما يدل على تقديمهم ﵏ تلك الأعمال على العبادات القاصرة، وذلك أن اشتغالهم بخدمة الناس يأخذ من أوقاتهم الشيء الكثير، ولو علموا أن العبادات القاصرة أنفع لهم، ما كانوا ليشتغلوا بغيرها عنها، مع ما هم عليه من تمام الفقه، وشدة الحرص على الخير، واغتنام الفرص.\rكما دل على هذا الأمر أقوال العلماء المحققين، فقرروه في كتبهم ووضحوه.\rيقول الإمام ابن الجوزي واصفا حاله: «ما زالت نفسي تنازعني بما يوجبه مجلس","footnotes":"(¬١) صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٣٨٢).\r(¬٢) انظر الزهد لعبد الله بن المبارك (٢/ ٦٥٩)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٧)، لطائف المعارف ص (٤١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080213,"book_id":1146,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":148,"body":"الوعظ، وتوبة التائبين، ورؤية الزاهدين إلى الزهد والإنقطاع عن الخلق، والإنفراد بالآخرة، فتأملت ذلك فوجدت عمومه من الشيطان، فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون يبكون ويندبون على ذنوبهم، ويقوم في الغالب جماعة يتوبون ويقطعون شعور الصبا، وربما اتفق خمسون ومائة، ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مائة، وعمومهم صبيان قد نشأوا على اللعب، والانهماك في المعاصي، فكان الشيطان لبحر غوره في الشر رآني أجتذب إلي من أجتذب، منه فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه؛ ليخلو هو بمن أجتذبهم من يده، ولقد حسن إليَّ الإنقطاع عن المجالس … ». (¬١)\rإلى أن قال: «وأما الانقطاع فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير، والعزلة عن الشر واجبة على كل حال، وأما تعليم الطالبين، وهداية المريدين فإنها عبادة العالم، وإن من بعض العلماء إيثاره التنفل بالصلاة، والصوم، عن تصنيف كتاب أو تعليم علم ينفع لأن ذلك بذر يكثر ربعة ويمتد زمان نفعه … فلعيك بالنظر في الشَّرْب (¬٢) الأول، فكن مع الشَّرْب المقدم، وهم الرسول ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم.\rفهل نقل عن أحد منهم ما ابتدعه جملة المتزهدين، والمتصوفة من الانقطاع عن العلم والانفراد عن الخلق؟ وهل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثهم على الخير، ونهيهم عن الشر؟». (¬٣)\rفتأمل كيف نبه هذا هذا العالم المتفقه، على خطورة الانصراف إلى العبادة وترك تعليم الناس، ووعظهم، مما يتعدى نفعه للناس، وأن ذلك من تلبيس الشيطان وكيده ثم تقريره لهذه المسألة بما أستدل له من سيرة الرسول ﷺ وأصحابه في","footnotes":"(¬١) صيد الخاطر (ص: ٨٢).\r(¬٢) الشَّرْب: مصدر شَرِبَ، ويطلق على الفهم، ويقال ما زال بني فلان على شَربة واحدة، أي على أمر واحد. انظر لسان العرب: (١/ ٤٨٧، ٤٩٣)، والمقصود هنا لزوم ما كان عليه السلف.\r(¬٣) صيد الخاطر (ص: ٨٣٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080214,"book_id":1146,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":149,"body":"قيامهم بالعلم والنصح والتوجيه، وعدم الانقطاع إلى العبادة واعتزال الخلق.\rيقول الإمام النووي في ترجمته لأحد أبواب (رياض الصالحين): «باب فضل الإختلاط بالناس، وحضور جمعهم، وجماعتهم، ومشاهد الخير، ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم وغير ذلك من مصالحهم، لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء، وصَبَر على الأذى». (¬١)\rثم قال: «اعلم أن الإختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي كان عليه رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأكثر الفقهاء ﵃ أجمعين قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (¬٢) والآيات في معنى ما ذكرته كثيرة معلومة». (¬٣)\rويقول الإمام ابن القيم في سياق نقله أقوال العلماء في أفضل الأعمال: «الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء والإشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه». (¬٤)\rثم نقل جملة من حججهم على هذا فقال: واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النّفاع متعد إلى الغير، وأين أحدهما من الآخر. ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وقد قال الرسول ﷺ","footnotes":"(¬١) رياض الصالحين (ص: ٢٤٤).\r(¬٢) سورة المائدة: (٢).\r(¬٣) رياض الصالحين (ص: ٢٤٤).\r(¬٤) مدارج السالكين (١/ ٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080215,"book_id":1146,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":150,"body":"لعلي لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حُمْر النعم، وبأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله، وبأن الأنياء بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم، ولم يبعثوا بالخلوات، والانقطاع عن الناس والترهب. (¬١)\rويقول الإمام المحقق ابن رجب مقررا هذه المسألة: «وفي الجملة فخير الناس أنفعهم للناس، وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتقين بذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (¬٢)» (¬٣)\rوقال: «الإحسان إلى الرفقة في السفر، أفضل من العبادة القاصرة، لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه». (¬٤)\rوبهذه النقول المستفيضة من النصوص وأقوال أهل العلم يتم تقرير هذه المسألة وهي: تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة اللازمة لعموم النفع واتصال الأجر. على أنه ينبغي أن يراعى في هذا المقام التوازن بين أنواع التفاضل السابقة، فقد يكون العمل القاصر عبادة واجبة، فلا يقدم عليه ما كان متعديا من النفل، وكذلك مراعاة الأحوال الأخرى في أسباب التفاضل مما سيأتي تفصيله إن شاء الله في مبحث مستقل بحول الله وقوته.","footnotes":"(¬١) انظر مدارج السالكين (١/ ٨٧٨٨).\r(¬٢) سورة آل عمران: (١٣٤).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص: ٤١١).\r(¬٤) المصدر نفسه (ص: ٤١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080216,"book_id":1146,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":151,"body":"الفصل الحادي عشر تفاضل الأعمال باعتبار الأحوال المصاحبة لها\rمن أنواع التفاضل بين الأعمال التي دلت عليها النصوص اقترانها ببعض الأحوال المؤثرة في زيادة أجرها أو مضاعفته.\rويمكن تقسيم هذه الأحوال من حيث الجملة إلى قسمين رئيسين:\rأحوال عامة، وأحوال خاصة.\rفالعامة: هي الأحوال المتعلقة بعامة الناس في عصر من العصور أو مصر من الأمصار، ويندرج تحت هذا القسم عدة أحوال دلت النصوص على تأثيرها في تفضيل الأعمال المصاحبة لها، ومن هذه الأحوال:\rأولاً: حال فساد الناس وظهور الفتن.\rفقد دلت الأحاديث على تفضيل العمل في هذه الحال كما أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء». (¬١)\rوأخرج الطبراني من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ سئل بعد ذكر الحديث «ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس». (¬٢)\rففي الحديث الثناء على الغرباء الذين وصفهم النبي ﷺ بأنهم يصلحون إذا أفسد الناس، أي يعملون بالدين، ويتقربون بصالح الأعمال، إذا ترك الناس","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم ١/ ١٣٠ ح (١٤٥).\r(¬٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ٤/ ٦٥ ح (٣٠٨٠) وأخرجه الهيثمي في المجمع وصححه ٧/ ٢٧٨، وللحديث عدة شواهد من حديث عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وحكم الألباني بصحة أسانيدها، انظر الأحاديث الصحيحة ٣/ ٢٦٧ ح (١٢٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080217,"book_id":1146,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":152,"body":"العمل وظهر فيهم الفساد، وهذا متضمن تفضيل عملهم في هذه الحال، على غيره من الأعمال التي لم تصحبها.\rومن الأدلة لهذه المسألة أيضاً قوله ﷺ لأصحابه: «إن من ورائكم أيام الصبر، المتمسك فيهن يومئذ مثل ما أنتم عليه، له كأجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم». (¬١)\rفأخبرهم أن للعامل في هذه الأيام أجر خمسين منهم، على أنه لا يفهم من هذا تفضيل هؤلاء العاملين في تلك الأزمان على أصحاب النبي ﷺ؛ إذ الصحبة فضيلة في ذاتها لا يبلغها أحد بعمله كما هو مقرر عند المحققين من أهل السنة (¬٢)، ولذا أخبر النبي ﷺ أن الله يعطي هؤلاء العاملين أجر خمسين من الصحابة، ولم يقل إنهم أفضل منهم، لكن في هذا الحديث دلالة على مضاعفة أجر العاملين في أزمان الفتن على العاملين في غيرها.\rوهذا من الأوجه التي يظهر بها فضل العمل في أزمان الفتن على غيرها، وهو معنى زائد على التفضيل فقط المفهوم من الحديث السابق.\rفإن المفاضلة بين الأعمال تحصل بتفضيل عمل على آخر دون مضاعفة للأجر، وتحصل بمضاعفة أجره مرات عديدة، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند الحديث عن التفاضل باعتبار الأمكنة. (¬٣)\rفظهر بهذا شرف العمل في أزمان الفتن وفساد الناس من هذين الوجهين الصحيحين، وقد يضاف لهما وجه ثالث وهو ما دل عليه الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «العبادة في","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٤/ ١٠٠ ح (٣١٤٥) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (٤٩٤).\r(¬٢) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/ ٥٢٧ وفتح الباري لابن حجر ٧/ ٧.\r(¬٣) انظر ص: ١٧٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080218,"book_id":1146,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":153,"body":"الهرج كهجرة إليَّ». (¬١)\rفجعل للعامل في الهرج وهي «الفتن واختلاط أمور الناس» (¬٢) أجر المهاجر إليه، وهذا وجه آخر من الأوجه التي يشرف بها العمل بأن يعطى العامل أجره كأنما عمل مع النبي ﷺ، وله من المعاني والترغيب في الأجر وحفز الهمم غير ما يحصل بالمعنيين المتقدمين.\rوالمقصود هنا بيان فضل العمل في حال الفتن على العمل في غيرها من هذه الأوجه الصحيحة كلها على ما دلت عليه الأحاديث السابقة والله تعالى أعلم.\rثانيا: أحوال غفلة الناس.\rفقد جاءت النصوص بالترغيب في العمل فيها على ما جاء في حديث أسامة بن زيد ﵁ وفيه قال قلت: «يا رسول الله ولم أرك تصوم من شهرين ما تصوم من شعبان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر يرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». (¬٣)\rقال ابن رجب ﵀ وفي قوله: «يغفل الناس عنه بين رجب ورمض ٠ ان، إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله، من الأزمان، أو الأماكن، أو الأشخاص، قد يكون غيره أفضل منه، إما مطلقاً، أو الخصوصية، فيه لا يتفطن لها أكثر الناس، فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم.\rوفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله ﷿، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة، ويقولون: هي ساعة غفلة، وكذلك فضل القيام في وسط الليل، لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر …","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم ٤/ ٢٢٦٨ ح (٢٩٤٨).\r(¬٢) انظر شرح صحيح مسلم للنووي ١٨/ ٨٨.\r(¬٣) تقدم تخريجه والحكم عليه ص: ١٥٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080219,"book_id":1146,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":154,"body":"ولهذا ورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة، حتى قال أبو صالح (إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق) وسبب ذلك أنه ذكرٌ، في موطن الغفلة، بين أهل الغفلة». (¬١)\rثم ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ فوائد العمل في أوقات الغفلة وخصائصه فذكر منها:\r\r١ - أنه يكون أخفى وإخفاء النوافل وإسرارُها أفضل.\r\r٢ - أنه أشق على النفوس وأفضل الأعمال أشقها على النفوس (¬٢)، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة، لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم لقلة المقتدين بهم فيها.\r\r٣ - أن المنفرد بالطاعة بين أهل المعاصي والغفلة قد يُدْفع به البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم ويدافع عنهم … قال بعض السلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس. (¬٣)\rثالثاً: الأحوال التي تعظم فيها حاجة المسلمين إلى بعض الأعمال، ولا تتحقق مصالحهم الدينية أو الدنيوية إلا بها.\rفتفضل هذه الأعمال في تلك الأحوال لعظم الحاجة إليها.\rكالإنفاق على المسلمين ومصالحهم في حال الفاقة والعسر على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف ٢٥١، ٢٥٢.\r(¬٢) تقدم تقرير هذه المسألة، وبيان وجه الجمع بينها وبين ما دلت عليه النصوص، من كون أفضل الأعمال ما كان على وجه الاقتصاد والتيسير انظر ص: ١٣٠ - ١٣٥ من هذا الكتاب.\r(¬٣) انظر لطائف المعارف ص ٢٥٢ - ٢٥٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080220,"book_id":1146,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":155,"body":"إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. (¬١)\rقال القرطبي في تفسير الآية: «إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل». (¬٢)\rوكالقيام على خدمة المسلمين عند حاجاتهم لذلك، فهو أفضل الأعمال وأعظمها أجراً عند الله، كما دل على ذلك حديث أنس في الصحيحين: قال: «كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلاً الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا فقال النبي ﷺ ذهب المفطرون اليوم بالأجر». (¬٣)\rفأخبر النبي ﷺ عن فضل عمل المفطرين على الصائمين لقيامهم بالخدمة التي اشتدت إليها الحاجة وعجز الصوام عنها.\rقال أبو العباس القرطبي في شرح عبارة: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر): «يعني أنهم لما قاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يُحتاج إليه فيه، كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف». (¬٤)\rوهكذا كل عمل يحتاج إليه المسلمون وتتحقق بهم مصالحهم في وقت من الأوقات، فالاشتغال به مقدم على غيره، وهو أفضل في حق أهل ذلك الزمان، وهذا ما أشار إليه ابن مسعود في قوله مخاطباً أصحابه: «إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، قليل سائلوه كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، قليل معطوه، كثير سائلوه، العلم فيه خير من العمل». (¬٥)","footnotes":"(¬١) سورة البلد (١٤).\r(¬٢) تفسير القرطبي ٢٠/ ٧٠.\r(¬٣) تقدم تخريجه ص: ١٨٢.\r(¬٤) المفهم ٣/ ١٨٢.\r(¬٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد ٢/ ٢٥٨ برقم (٧٨٩) وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٣٨٢ برقم (٣٧٨٧) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله مرفوعاً للنبي ﷺ ١/ ١١٤ ح (١٠٣) والصحيح وقفه على ابن مسعود ﵁ انظر حاشية جامع بيان العلم بتحقيق أبي الأشبال الزهيري.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080221,"book_id":1146,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":156,"body":"فأخبر أن الاشتغال بالعمل في زمن انتشار العلم أفضل من العلم، لاكتفاء الناس بما عندهم من العلم وقلة سائليه، وإنما هم محتاجون للعمل، وان الاشتغال بالعلم في حال قلته وضعفه، أفضل من العمل، لحاجة الناس إلى العلم وكثرة سائليه، فبين أن الأفضل لكل أهل زمان هو الاشتغال بما تدعوا الحاجة إليه.\rويقول الإمام المحقق ابن القيم في تقرير هذا الأصل: «فأفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت، بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل، وصيام النهار، بل ومن ترك تمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك أداء حقوق الزوجة والأهل … والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أوالبدن أو المال، الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم، أو موته، عيادته وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهروب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم، أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه». (¬١)\rوهذا كله مما يتعلق بالأحوال العامة للأمة.\rوأما الأحوال الخاصة المتعلقة ببعض الأفراد دون بعض والتي دلت","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين ١/ ٨٨، ٨٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080222,"book_id":1146,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":157,"body":"النصوص على تفضيل الأعمال المصاحبة لها فكثيرة ومنها:\r\r١ - الأحوال التي تضعف معها دواعي الاستقامة وتقوى أسباب المخالفة، فتفضل الأعمال الصالحة في هذه الحالة على غيرها.\rومن أصحاب هذه الحالة الذين تحققت فيهم صورتها بعض الأصناف السبعة الذين ورد في الحديث أن الله يظلهم في ظله، يوم لا ظل إلا ظله (¬١) وهم: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله.\rفهؤلاء شرفت طاعتهم، وفضل عملهم، لاستقامتهم على الطاعة، مع قوة الدافع إلى المخالفة في حقهم.\rفدافع الظلم لدى السلطان قوي لقدرته عليه وكثرة المعينين له عليه، خصوصاً إذا صاحب ذلك تزيين الظلم للإمام من بطانة السوء، وتهوينه عليه وإغرائه بالمظلومين وأنهم مستحقون لذلك، فلزوم العدل في هذه الحالة، وترك الظلم من الإمام دليل على قوة الإيمان والمراقبة لله، وأن الحامل له على ذلك تقوى الله، بخلاف غير الإمام فلربما كان تنزهه عن الظلم لأسباب أخرى، من عجز أو خشية عقوبة دنيوية، أو تسلط مظلوم وانتقامه.\rوكذا الشاب فدافع المعصية فيه أقوى، لقوة البدن، وغلبة الشهوة، وعدم اكتمال العقل، فنشأته على الطاعة ومغالبة الهوى دليل على قوة الإيمان والمراقبة لله قال ابن حجر: «خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة، لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى». (¬٢)","footnotes":"(¬١) انظر الحديث في صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ١٤٣ ح (٦٦٠) وصحيح مسلم ٢/ ٧١٥ ح (١٠٣١).\r(¬٢) فتح الباري ٢/ ١٤٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080223,"book_id":1146,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":158,"body":"وكذلك البواعث الحاملة على الزنا بمن دعت إليه من ذات منصب وجمال، عظيمة جداً، من كون هذه المرأة طالبة لهذا الأمر بنفسها، مجتهدة في وقوعه، ومن كونها ذات منصب، يخشى من سطوتها عند المخالفة، ويرجى نفعها عند الموافقة، وهي مع هذا ذات جمال، يرغب فيها مع التجرد من كل ما سبق، فكيف وقد اجتمعت فيها الأسباب كلها، فلا شك أن عدم مطاوعتها لطلبها ممن دعته لذلك من الرجال دليل على عظم خشية الله في قلب ذلك الرجل، وشدة المراقبة لله في نفسه قال الحافظ ابن حجر: «والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب، لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها، لا سيما وقد أعنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها». (¬١)\rولهذا استحق هؤلاء الأصناف الثلاثة ذلك الثواب العظيم من الله، بأن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما استحق غيرهم من باقي الأصناف السبعة ذلك الثواب، لأسباب أخرى تحققت في أعمالهم فتميزت بها عن غيرها.\rومن صور هذه المسألة ما جاء في حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من كظم غيظه، وهو يقدر على أن ينتصر، دعاه الله ﵎ على رؤوس الخلائق، حتى يخيره في حور العين، أيتهن شاء، ومن ترك أن يلبس صالح الثياب وهو يقدر عليه، تواضعاً لله ﵎، دعاه الله ﵎ على رؤوس الخلائق حتى يخيره في حلل الإيمان أيتهن شاء». (¬٢)\rفدل الحديث على فضل هذين العملين، وهما كظم الغيظ مع القدرة على","footnotes":"(¬١) فتح الباري ٢/ ١٤٥.\r(¬٢) أخرجه أحمد في السنن ٢٤/ ٣٨٤ ح (١٥٦١٩) وأبو داود ٥/ ١٣٧ ح (٤٧٧٧) والترمذي ٤/ ٣٧٢ ح (٢٠٢١) وقال: (حسن غريب) وابن ماجه ٢/ ١٤٠٠ ح (٤١٨٦) وحسن الحديث الألباني في صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٠٧ ح (٣٣٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080224,"book_id":1146,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":159,"body":"الانتصار، وترك لبس صالح الثياب تواضعاً، مع القدرة على الصالح منها، وإنما شرف العملان هنا بالقدرة على ما يضادها، فظهر أن الباعث عليها هو إيثار مراضاة الرب، وهذا بخلاف ما لو تحقق العملان المذكوران من غير قدرة على ما سواهما، كمن كظم غيظه من غير قدرة على إنفاذه، ولبس غير الصالح لعجزه عن الصالح، فلا الأن الأجرين المذكورين.\rومما يدخل في هذا الباب أيضاً ترك المراء لمن كان محقاً، على ما ورد فضل ذلك في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا زعيم ببيت في ربض (¬١) الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً … » (¬٢)، فترتب على من ترك المراء في هذه الحالة هذا الفضل العظيم، لقوة الدافع على المماراة بسبب كون الممارى محقاً وحجته على خصمه ظاهرة، ونصره عليه متحققاً، فترك المراء مع كل هذا، دليل على قوة الإيمان وإيثار ما عند الله على نشوة النصر، وحب العلو في الأرض.\rوهكذا كل عمل صالح ضعفت دواعي فعله، وقويت أسباب تركه أو المخالفة فيه، فإنه يعظم أجره بسبب ما يحصل من المجاهدة، ومدافعة الهوى، والصبر على الطاعة فيه.\r\r٢ - حال قدرة العامل على بعض الأعمال وإتقانها دون غيرها من الأعمال، فاشتغال العبد بما يقدر على تأديته على وجه الإتقان أفضل من اشتغاله بغيره مع عدم الإتقان.\rوالأصل الذي عليه مبنى هذه المسألة أن الله تعالى بحكمته البالغة، قد فاضل بين الخلق في قدراتهم البدنية، والعقلية، والنفسية، كما فضل بعضهم على بعض في الأرزاق وهم بحسب ذلك: يتفاوتون في القدرة على بعض الأعمال دون","footnotes":"(¬١) ربض الجنة ما حولها خارجاً عنها، تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع. النهاية لابن الأثير ٢/ ١٨٥.\r(¬٢) أخرجه أبو داود ٥/ ١٥٠ ح (٤٨٠٠) وقد حسنه الألباني في الأحاديث الصحيحة ح (٢٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080225,"book_id":1146,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":160,"body":"بعض، فاشتغال العبد بما يحسن من الأعمال ويكون أنفع للأمة، أفضل من تكلفه الاشتغال بعمل لا يحسنه أو يضعف عنه، وإن كان هذا المُتَكَلَّف هو أفضل من حيث الجنس.\rوقد دلت على هذه المسألة عدة أدلة منها:\rقول الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾. (¬١)\rقال ابن عباس في معنى قول الله تعالى: ﴿على شاكلته﴾ «على ناحيته».\rوعن مجاهد قال: «على طبيعته على حِدَته».\rوقال الحسن وقتادة: «على نيته».\rوقال مقاتل «على خليقته».\rوقال الفراء: «على طريقته التي جبل عليها».\rوقال القتيبي: «على طريقته وجبلته». (¬٢)\rوقال ابن القيم في تفسير الآية: «كل يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به … فالمريد الصادق المحب يعمل ما هو اللائق به والمناسب له». (¬٣)\rوالآية وإن وردت مورد الخبر عن عموم الناس، وأن كل واحد هو عامل بما يناسب طبيعته، وما جبل عليه، إلا أنها متضمنة توجيه أهل الإيمان إلى العمل بما يناسب قدراتهم وطبائعهم، كما تقدمت الإشارة إلى هذا في كلام ابن القيم ﵀، وهذا المعنى هو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة وأرشد النبي ﷺ إليه أمته في قوله: «عليكم من العمل ما تطيقون». وما جاء في معناه من الأحاديث","footnotes":"(¬١) سورة الإسراء (٨٤).\r(¬٢) مدارج السالكين ٢/ ٣٧١.\r(¬٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٤٠، ١٤١ وتفسير البغوي ٣/ ١٣٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080226,"book_id":1146,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":161,"body":"مما تقدم نقلها في فصل التفاضل في العمل باعتبار الاقتصاد والتيسير. (¬١)\rوقد كان النبي ﷺ يراعي هذا الجانب المهم فيما يسنده إلى أصاحبه من أعمال، فيوجه كل واحد منهم إلى ما يعلم قدرته عليه وإتقانه له من الأعمال، بحسب استعداداتهم الفطرية، والنفسية والجسدية، والعلمية.\rفوجه بعضهم إلى تعليم الناس في الأمصار أمور دينهم (¬٢) وأسند إلى بعضهم قيادة الجيوش والسرايا (¬٣) وكان يرجع إلى أهل الرأي والخبرة فيستشيرهم فيما يعرض له من أمور المسلمين (¬٤)، واتخذ كُتَّابا بين يديه ممن كانوا يحسنون الكتابة (¬٥)، وكان يتعهد من علم منه الحرص على العلم بالتعليم ولربما دعا لبعضهم بذلك كما دعى لأبي هريرة وابن عباس (¬٦) ﵄.\rكما كان في مقابل هذا لا يُمَكِّن من العمل من علم ضعفه أو عجزه عنه كما ردَّ طائفة من أصحابه عن الخروج معه للجهاد يوم أحد لصغر سنهم وضعفهم عن الجهاد (¬٧)، وامتنع من تولية من سأله الإمارة مصرحاً بسبب ذلك في قوله: «إنك ضعيف وإنها أمانة». (¬٨) وأمر عبد الله بن زيد ﵁ بعد أن رأى في منامه صفة الأذان أن يعلمه بلال بن رباح معللاً ذلك بكونه (أندى منه صوتاً) فكان بلال مؤذن رسول الله ﷺ (¬٩).","footnotes":"(¬١) انظرها ص: ١١٦ - ١١٧.\r(¬٢) انظر زاد المعاد لابن القيم ١/ ١٢٣.\r(¬٣) انظر الفصول في سيرة الرسول ﷺ لابن كثير ١٢٢ - ١٢٥.\r(¬٤) انظر المستدرك للحاكم ٢/ ٢٤٧، والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٦٦٤.\r(¬٥) انظر زاد المعاد لابن القيم ١/ ١١٧، والمختصر الكبير في سيرة الرسول ﷺ لابن جماعة ص: ١١١.\r(¬٦) انظر صحيح البخاري مع الفتح ١/ ٢١٥، وسنن الترمذي ٥/ ٦٧٩، ٦٨٠.\r(¬٧) انظر تاريخ الطبري ٢/ ٥٠٥.\r(¬٨) انظر الحديث في صحيح مسلم ٣/ ١٤٥٧ ح (١٨٥٢).\r(¬٩) انظر الحديث في مسند أحمد ٢٦/ ٤٠٢ ح (١٦٤٧٨) وقال محققه «إسناده حسن».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080227,"book_id":1146,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":162,"body":"إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يمكن حصرها إلا بصعوبة من سيرة النبي ﷺ في مراعاته هذا الأمر المهم فيما يوجه إليه أصحابه وما يأمرهم به من أعمال. الأمر الذي يتضمن إرشاد الأمة إلى ضرورة مراعاة القدرة على العمل والتمكن من تأديته على الوجه المشروع لكل عامل، بحسب ما يعلم من نفسه.\rكما دلت على تقرير هذا الأصل أيضاً أقوال السلف وأهل العلم المحققين في السنة:\rفعن تميم الداري ﵁ أن رجلاً سأله عن مقدار قراءته القرآن في كل ليلة فغضب ثم قال له: «أرأيت إن كنتَ أنا مؤمناً قوياً وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك فلا تستطيع فتنبتُّ، أرأيت إن كنت مؤمناً قوياً وأنا مؤمن ضعيف أتيتك بنشاطي حتى أحمل قوتك على ضعفي ولا أستطيع فأنبت، ولكن خذ من نفسك لدينك، ومن دينك لنفسك، يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها». (¬١)\rفبين هذا الصحابي الجليل تفاوت الناس في القدرة على العمل وأن ما يكون مقدوراً عليه من العمل في حق بعضهم لا يكون كذلك في حق الآخرين وبالتالي فاشتغال كل واحد بما يقدر عليه وتستقيم عليه عبادته هو الأفضل في حقه.\rوقد كان ابن مسعود ﵁ يقلُّ الصيام ويقول: «إنه يضعفني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي» (¬٢). وهذا تحقيق منه ﵁ لهذا الأصل وامتثاله له في عبادته.\rومن أقوال العلماء المحققين في تقرير هذا الأصل قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في جواب سائل له عن أفضل الأعمال؟ «وأما ما سألت عن أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن المبارك في الزهد ٢/ ٧٩٨ برقم (١٠٥٠).\r(¬٢) أورده ابن رجب في لطائف المعارف ص ٤٤٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080228,"book_id":1146,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":163,"body":"أوقاتهم». (¬١)\rويقول في موطن آخر: «إن الأفضل يتنوع تارة بحسب أجناس العبادة كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة … وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه، فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل». (¬٢)\rويقول ﵀ أيضاً: «أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال، فلو أُمروا بها لفعلوها على وجه لا ينتفعون به، أو ينتفعون انتفاعاً مرجوحاً، فيكون في حق أحد هؤلاء العمل الذي يناسبه، وينتفع به أفضل له مما ليس كذلك». (¬٣)\rويقول الحافظ ابن رجب في سياق حديثه عن نهي الشارع عما لا يحتمله العبد، وما لا يطيقه من العمل: «ومن احتمل بدنه ذلك ولم يمنعه من حق واجب عليه لم ينه عن ذلك، إلا أن يمنعه عما هو أفضل من ذلك من النوافل، فإنه يرشد إلى عمل الأفضل، وأحوال الناس تختلف فيما تحتمل أبدانهم من العمل». (¬٤)\rفتبين بهذا أثر القدرة على العمل في التفاضل في الأعمال، لما يترتب على ذلك من إتقان العمل وتحقيقه على أكمل الأوجه وأتمها كما دلت على ذلك النصوص الشرعية وأقوال العلماء المحققين في السنة.\r\r٣ - حال اقتران الأعمال الصالحة واجتماعها في حق العبد، فإن ذلك من أسباب التفاضل في الأجر والثواب عند الله تعالى.\rوللجمع بين الأعمال الصالحة ثلاث صور، دلت النصوص عليها وعلى فضلها.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٦٠.\r(¬٢) المصدر نفسه ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٨.\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٣٧).\r(¬٤) لطائف المعارف ص ٤٤٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080229,"book_id":1146,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":164,"body":"الصورة الأولى: الجمع بين خصال البر خلال العمر.\rوذلك بأن يجتمع للعبد العمل بعدة أنواع من شعب الإيمان وخصال البر، فيكون أكمل ممن اقتصر على بعضها أو على خصلة واحدة منها استغرق فيها عمره.\rومن الأدلة على هذه الصورة.\rقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾. (¬١)\rقال ابن كثير: «قال الثوري ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها وأخذ بمجامع الخير كله». (¬٢)\rومن الأدلة لهذه المسألة أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾. (¬٣)\rقال الشوكاني في تفسير الآية عند قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ «أي مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها، وأجراً عظيماً على طاعتهم التي فعلوها: من الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع والتصدق، والصوم، والعفاف، والذكر، ووصف الأجر بالعظم للدلالة على أنه","footnotes":"(¬١) البقرة (١٧٧).\r(¬٢) تفسير ابن كثير ١/ ٤٨٦.\r(¬٣) سورة الأحزاب (٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080230,"book_id":1146,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":165,"body":"بالغ غاية المبالغ». (¬١)\rوقال الشيخ السعدي بعد تفسيره لهذه الصفات المذكورة في الآية: «من قام بهن فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإحسان، فجازاهم على عملهم ﴿مغفرة﴾ لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات و ﴿أجرا عظيما﴾ لا يقدر قدره إلا الذي أعطاه». (¬٢)\rوالآيات في هذا المعنى كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. (¬٣)\rوقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. (¬٤) إلى غير ذلك من الآيات المتضمنة المجازاة بالأجور العظيمة والدرجات العالية في الجنة لمن اجتمعت فيه بعض خصال البر والخير والإحسان.\rوأما ما جاء في هذا المعنى من السنة فحديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب -يعني الجنة- يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدْعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم وأرجو أن","footnotes":"(¬١) فتح القدير ٤/ ٢٨٢.\r(¬٢) تفسير السعدي ٦/ ١٠٩.\r(¬٣) سورة المؤمنون الآيات (١ - ١٠).\r(¬٤) سورة آل عمران (١٣٣ - ١٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080231,"book_id":1146,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":166,"body":"تكون منهم يا أبا بكر». (¬١)\rففي الحديث دلالة ظاهرة على فضل الجمع بين خصال البر، وذلك أن كل صاحب خصلة يدعى للجنة من باب هذه الخصلة، ويدعى من جمع بين الخصال كلها، من الأبواب كلها ومنهم أبو بكر ﵁ وأرضاه. (¬٢)\rولهذا ترجم شُرَّاح صحيح مسلم لهذا الحديث وما جاء في معناه بما يدل على هذا المعنى، فترجم القاضي عياض (باب من جمع الصدقة وأعمال البر). (¬٣)\rوترجم أبو العباس القرطبي «باب أجر من أنفق شيئين في سبيل الله، وعظم منزلة من اجتمعت فيه خصال من الخير». (¬٤)\rوترجم النووي: (باب فضل من ضم إلى الصدقة غيرها من أنواع البر). (¬٥)\rوبمجموع هذه الأدلة يظهر فضل الجمع بين الأعمال الصالحة على الاشتغال بنوع واحد منها، وهذا مقتضى النظر الصحيح الموافق لأصول الشريعة في باب الإيمان، فإن من عبد الله بأكثر من نوع من أنواع العبادة، يكون قد جمع بين عدة شعب من شعب الإيمان، فإن الأعمال الصالحة شعب الإيمان، وعلى قدر ما يحقق العبد من الشعب يقوى إيمانه، حتى إذا ما استكمل الشعب كلها وهي تزيد على الستين أو السبعين كمل إيمانه كمالاً مطلقاً، لا يبلغ درجته من قصر في بعض الشعب.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٧/ ١٩ ح (٣٦٦٦) ومسلم ٢/ ٧١١ ح (١٠٢٨).\r(¬٢) لا يشكل على هذا قول النبي ﷺ (أرجو أن تكون منهم) لأن الرجاء من الله ومن نبيه ﷺ واقع، ثم إنه قد جاء في بعض روايات الحديث، التصريح بوقوع ذلك لأبي بكر، انظر فتح الباري ٧/ ٢٩.\r(¬٣) إكمال المعلم ٣/ ٥٥٤.\r(¬٤) المفهم ٣/ ٧٠.\r(¬٥) شرح النووي ٧/ ١١٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080232,"book_id":1146,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":167,"body":"الصورة الثانية: الجمع بين خصال البر في وقت واحد.\rوقد دل على هذه الصورة حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ «من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا. قال فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». (¬١)\rوالظاهر من الحديث أن هذا الثواب المذكور، وهو دخول الجنة، مترتب على اجتماع الخصال المذكورة في الرجل في يوم واحد، فقد كان في كل مرة يقول من (فعل اليوم؟) ثم قال (ما اجتمعن … ) فمفهومه: أن يجتمعن على القيد السابق، أي يجتمعن في يوم واحد.\rيؤيد هذا ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد، بعد ذكر الحديث عن مروان بن معاوية أحد رواة الحديث أنه قال: «بلغني أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم، إلا دخل الجنة». (¬٢)\rومن هنا فارقت هذه الصورة الصورة السابقة. ففي هذه الصورة اجتماع للعمل في حق العامل في وقت واحد، وفي الصورة السابقة اجتماع للعمل في حق العامل في حياته كلها، من غير تقييد بالاشتراك في الزمن، بل قد يعمل بعمل في زمن، ويعمل بغيره في زمن آخر، فينبغي التنبه للفرق.\rكما ينبغي أن يقرر في الصورة الثانية أن الزمن المقيد لاجتماع الأعمال المذكورة فيه وهو (اليوم) وإن كان معتبراً في هذا الموطن إلا أنه لا يلزم أن يكون هذا الزمن قيداً عاماً لكل أفراد هذه الصورة، بل قد يأتي الشارع بالترغيب في","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم ٢/ ٧١٣ ح (١٠٢٨).\r(¬٢) الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد ١/ ٦٠٨ ح (٥١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080233,"book_id":1146,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":168,"body":"الجمع بين أعمال أخرى، في زمن أوسع، كأن يكون شهراً، أو أقل، أو أكثر كما جاءت النصوص بالترغيب في أعمال البر في شهر رمضان على ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ «من قام رمضان، إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه». (¬١)\rوأخرج الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفِّدَت الشياطين، ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفُتِّحَت أبواب الجنة فلم يُغْلَق منها باب، وينادي منادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر اقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». (¬٢)\rفهذان الحديثان وغيرهما، يدلان على فضل المسارعة لأعمال البر في شهر رمضان، وعلى فضل الجمع بين خصال الخير فيه، وهذا ظاهر من الترغيب في القيام، والجمع بينه وبين الصيام كما في الحديث الأول، كما أن في الاخبار عن فتح أبواب الجنة كلها كما في الحديث الثاني والذي تقدم في حديث أبي هريرة السابق (¬٣) أن كل باب منها يختص بنوع من أنواع البر، إرشاد من وجه لطيف إلى فضل الجمع بين أعمال البر في هذا الشهر وحفز الهمم لذلك.\rقال ابن رجب بعد ذكر بعض الآيات في الترغيب في الجمع بين أعمال البر في حال الصيام: «وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام، والصدقة وطيب الكلام، فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث». (¬٤)\rوقال: «إن الجمع بين الصيام والصدقة، أبلغ في تكفير الخطايا، واتقاء جهنم، والمباعدة عنها، وخصوصاً إن ضمَّ إلى ذلك قيام الليل» (¬٥).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص: ١٤٤.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ١٤٤.\r(¬٣) انظر ص: ٢٠٦ من هذا الكتاب.\r(¬٤) لطائف المعارف ٣١٢.\r(¬٥) لطائف المعارف ٣١٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080234,"book_id":1146,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":169,"body":"والمقصود هنا هو التنبيه على تنوع أفراد هذه الصورة، باعتبار الزمان المرغب في اجتماع الأعمال فيه، فقد يكون يوما، أو أسبوعاً، أو شهراً، بحسب ما جاءت به النصوص.\rالصورة الثالثة: اقتران العمل من جنس واحد بمثله.\rوقد دل على هذه الصورة قوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتقدم: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة». (¬١)\rقال ابن حجر في شرحه: «والمراد بالزوجين إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد». (¬٢)\rوالمقصود بالزوج في الحديث هنا (الفرد) ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (¬٣) ويقع الزوج على الاثنين أيضاً، وقيل إنما يقال للفرد زوج إذا كان معه آخر ذكره القاضي عياض في شرح الحديث. (¬٤)\rوقد ذهب أهل العلم، إلى أن الحديث وإن كان في النفقة، إلا أنه يشمل سائر أعمال البر، في حصول الأجر المذكور باقترانها بأجناسها:\rقال القاضي عياض: «يحتمل أن يكون هذا في جميع أعمال البر، من صلى صلاتين، أو صام يومين، والمقصود من هذا كله والله أعلم تشفيع صدقته بأخرى مثلها». (¬٥)\rوقال أبو العباس القرطبي: «وهذا نص في عموم كل شيء يخرج في سبيل الله، وقيل: يصح إلحاق جميع أعمال البر بالإنفاق، ويدل على صحة هذا بقية الحديث إذ قال فيه: «من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص: ٢٠٥.\r(¬٢) فتح الباري ٤/ ١١٢.\r(¬٣) سور هود الآية ٤٠.\r(¬٤) إكمال المعلم ٣/ ٥٥٥.\r(¬٥) المصدر نفسه ٣/ ٥٥٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080235,"book_id":1146,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":170,"body":"من أهل الصيام دعي من باب الصيام». (¬١)\rوإلى هذا الفهم ذهب النووي (¬٢) وهو ظاهر كلام ابن حجر في الفتح والله أعلم.\rفثبت بهذا أثر اقتران الأعمال الصالحة في التفاضل في العمل، من خلال الصور الثلاث المذكورة، على ما دلت على ذلك الأدلة وتقريرات أهل العلم.\rوبه ختام هذا الفصل، الذي تم من خلاله بيان التفاضل في الأعمال، باعتبار اقترانها ببعض الأحوال المؤثرة في زيادة أجرها وثوابها عند الله.\rعلى أنه يحسن التنبيه هنا إلى أن ماتم عرضه من الأحوال المؤثرة في التفاضل، سواء أكانت عامة أم خاصة، ليس هو إلا من باب التمثيل لا الحصر، ولا أدعي أني استوفيت الأحوال كلها، بل لم يكن هذا من قصدي، إذ الأحوال من هذا النوع كثيرة يصعب حصرها، وإنما أردت التنبيه ولفت النظر إلى هذا النوع من أنواع التفاضل والتمثيل لذلك بما تيسر، فما جاءت به النصوص من أحوال أخرى فهو ملحق بأصله، ومقارن بالمذكور من مثله، والله تعالى أعلم.","footnotes":"(¬١) المفهم ٣/ ٧١.\r(¬٢) انظر شرح صحيح مسلم ٧/ ١١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080236,"book_id":1146,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":171,"body":"الفصل الثاني عشر: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال وما الذي يقدم منها عند التزاحم\rتقدم من خلال البحث ذكر أسباب التفاضل بين الأعمال، باعتبارات كثيرة تزيد على العشرة، كما هو ظاهر من استعراض البحث.\rوهاهنا سؤال مهم تتعين الإجابة عليه وهو: هل بالإمكان الجمع بين أنواع التفاضل كلها، وتحققها مجتمعة للعامل، أم أن هذا غير ممكن؟\rوالجواب على هذا أن اجتماع أسباب التفاضل كلها للعامل ممكن ومتصور، بل هذا هو الأصل الذي نُدِب إليه العباد في أعمالهم، بأن يحققوها على أحسن الأوجه وأكملها، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (¬١) بل إن اجتماع كثير من أسباب التفاضل المذكورة في عمل واحد متصور ممكن، وذلك بأن يجتمع في العمل أن يكون فاضلا باعتبار جنسه، متعديا للخلق، كما يتحقق للعامل فيه قوة الإخلاص، وحسن المتابعة، مع تأديته له على وجه الاقتصاد والسداد، ولزوم المداومة، إلى غير ذلك من الأسباب المذكورة، التي يتصور اجتماعها في عمل واحد، فيزكو بقدر ما اجتمع فيه من أسباب التفاضل.\rلكن ينبغي أن يقرر هنا أن إمكانية اجتماع أسباب التفاضل في حق العامل من حيث التقرير العلمي، والتصور الذهني، أو حتى تحققها في الخارج في بعض الأفراد: أن هذا لا يعني أن يكون هذا الحكم عاما في حق كل الأفراد، بل ولا في الغالب منهم؛ وذلك أن بعض أسباب التفاضل قد يتعذر تحقيقها مجتمعة لدى الكثير من الناس: إما قدراً، أو شرعاً، فلا يكونون حينئذ مخاطبين بها، بل لابد لمن كانت هذه حاله، أن يرجح بين أسباب التفاضل، فيأخذ بالأقوى منها في","footnotes":"(¬١) الملك: من الآية ٢","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080237,"book_id":1146,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":172,"body":"التفضيل والأنسب لحاله.\rومن هنا كانت الحاجة ملحة لعقد هذا المبحث الخاتم للمقارنة بين أسباب التفاضل عند التزاحم.\rومدار البحث في هذه المسألة وقطب رحاها يبنى على النظر في أصلين:\rالأول: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال من حيث الإطلاق، وما الذي يقدم منها عند التزاحم.\rالثاني: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال في حق المعينين باعتبار تفاوت أحوالهم.\rأما الأصل الأول: وهو الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال من حيث الإطلاق، فهذا الأصل مبناه على معرفة مراتب أسباب التفاضل بين الأعمال، وما الذي يقدم منها عند التزاحم من حيث الجملة. وذلك أنه تقدم في ثنايا البحث، أن الأعمال تتفاضل باعتبارات كثيرة، فإذا ما تعارض عملان فاضلان باعتبارين، كأن يفضل أحدهما باعتبار جنسه، والآخر باعتبار مكانه، أو يفضل أحدهما باعتبار المتابعة، والآخر باعتبار المداومة، فلابد والحالة هذه من الترجيح، للأخذ بالأفضل وتقديمه على المفضول المرجوح.\rوالموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال والترجيح بينها، من أدق المسائل وأصعبها، وهي تحتاج للنظر في شعب كثيرة، ومسائل متنوعة، مع إلمام واسع بمقاصد الشرع، وأصول الدين.\rقال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: «فعلى المتكلم في هذا الباب، أن يعرف أسباب الفضل أولا، ثم درجاتها، ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعا». (¬١)","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (١/ ١٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080238,"book_id":1146,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":173,"body":"وقد اجتهد العلماء المحققون ﵏، في جمع شتات هذا الباب وتقريب أبعاده، بذكر بعض القواعد العامة في الموازنة بين أسباب التفاضل بين الأعمال، استنبطوها من النصوص الشرعية.\rوسأذكر هنا جملة منها، لتكون عونا للناظر في هذا الباب بعد عون الله وتوفيقه. فمن هذه القواعد:\rالقاعدة الأولى: تقديم الواجبات على النوافل.\rوذلك لأن تأدية الواجبات أفضل عند الله وأحبّ إليه من تأدية النوافل على ما تقدم تقريره في الفصل الثاني من هذا الكتاب (¬١) فينبغي مراعاة هذا الأصل عند الترجيح بين الأعمال الفاضلة، فإذا ما حصل التزاحم بين عملين فاضلين، قدم ما كان تفضيله راجعا إلى الوجوب، على ما كان تفضيله راجعا إلى سبب آخر من الأسباب المتقدمة في تفاضل الأعمال.\rيقول الشيخ السعدي ﵀ في (القواعد والأصول الجامعة): «القاعدة الثالثة والثلاثون: إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين على المرجوح .. ». (¬٢)\rفإذا تعارض لدى العامل واجب عيني في حقِّه كطاعة والدٍ، أو ولي أمر، أو القيام على حقوق الزوجة والأولاد الواجبة، أو قيام الزوجة بحقوق زوجها، إذا تعارضت هذه الواجبات مع أعمال أخرى مستحبة في حق هذا العامل، فإن هذه الأعمال المستحبة لا تقدم على الحقوق الواجبة ولو كانت المستحبة هي أفضل باعتبار جنسها، أو تعديها للخلق، أو مصاحبتها لزمان، أو مكان فاضلين، إلى","footnotes":"(¬١) انظر ص: ٣٩ وما بعدها.\r(¬٢) ص: ٦٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080239,"book_id":1146,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":174,"body":"غير ذلك من أسباب التفضيل الأخرى.\rوكذا ما قيل في المفاضلة بين الواجبات والنوافل، يقال في المفاضلة بين الواجبات نفسها؛ فإنها تتفاوت في قوّة الوجوب كما تقدم تقرير ذلك (¬١) فيقدم الأوجب فالأوجب عند التزاحم.\rومن الأمثلة لتوظيف أهل العلم هذا الأصل في الترجيح بين الأعمال:\rجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لمن سأله: طلب القرآن أو العلم أفضل؟ فقال:\r«أما العلم الذي يجب على الإنسان عيناً، كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن؛ فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب». (¬٢)\rويقول الشيخ السعدي: «وكذلك يجب تقديم من تجب نفقته على من تستحب، وعلى الصدقة المستحبة، ويجب تقديم من تجب طاعته على من تستحب، وأمثلة تقديم الواجب على المستحب كثيرة جدا، ومن أمثلة تقديم أعلى الواجبين طاعة المرأة لزوجها، مقدمة على طاعة الأبوين». (¬٣)\rالقاعدة الثانية: تقديم السنن الراتبة على السنن المطلقة.\rوذلك لمكانة السنن الرواتب من الدين، وتأكيد الأئمة على أهمية التزامها، بل وذمهم من داوم على تركها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في جواب من سأله عن حكم من لا يواظب على السنن الرواتب: «من أصرّ على تركها، دلّ ذلك على قلّة دينه، وردتّ شهادته، في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما». (¬٤)\rوقد نص بعض أهل العلم على تقديمها على السنن المطلقة، وعلى فضلها","footnotes":"(¬١) انظر ص: ٤٩ - ٥٣.\r(¬٢) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٣٤)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٤).\r(¬٣) القواعد والأصول الجامعة ص: ٦٧.\r(¬٤) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080240,"book_id":1146,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":175,"body":"عليها.\rيقول ابن عبد البر ﵀ في سياق حديثه عن ركعتي الفجر: «وآكد ما يكون من السنن، ما كان رسول الله ﷺ يواظب عليه، ويندب إليه ويأمر به». (¬١)\rويقول ﵀: «وأعمال البر كلها مرغوب فيها، وأفضلها ما واظب رسول الله ﷺ منها (¬٢)، وسنّها». (¬٣)\rويقول الشيخ السعدي ﵀: «ويقدم [أي العبد] السنن الراتبة على السنن المطلقة» (¬٤)\rوهذا يقتضي تقديم السنن الرواتب قبل الصلوات وبعدها على غيرها من المستحبات، التي قد تكون أفضل باعتبار جنسها، كطلب علم، وتعليمه، وجهاد، أو تكون أفضل باعتبار تعدّيها كعموم الإحسان إلى الخلق وذلك لكون السنن الرواتب تفوت بفوات وقتها، والمداومة عليها مقصودة للشارع بخلاف غيرها فيمكن تحقيقها في غير هذا الوقت.\rالقاعدة الثالثة: تقديم وظائف الأوقات والأحوال في الأوقات والأحوال التي شرعت فيها على غيرها من العبادات.\rوقرر هذا الأصل الإمام ابن القيم في سياق نقله الخلاف بين الناس في أفضل العمل، وذكر أن أصحاب هذا القول هم أهل التعبّد المطلق، وأن العمل بمقتضى هذا الأصل هو أفضل العمل.\rقال ﵀: «الصنف الرابع قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب","footnotes":"(¬١) التمهيد (٢٢/ ٧١).\r(¬٢) هكذا في المصدر والذي يظهر أن الصواب «ماواظب عليه … » فسقطت كلمة «عليه» من السياق.\r(¬٣) المصدر نفسه (٢٢/ ٧١).\r(¬٤) القواعد الأصول الجامعة ص: ٦٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080241,"book_id":1146,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":176,"body":"في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.\rوالأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب. وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن، والدعاء، والذكر، والاستغفار، والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن، والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع وإن بَعُد كان أفضل، والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك ..\rفالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه .. » (¬١)\rويدل على صحة تقرير هذا الأصل وجهان ظاهران في العلم:\rالأول: أن الاشتغال بمقتضى وظيفة الوقت والحال هو الموافق لهدي النبي ﷺ، فقد ندب أمته في هذه الأوقات والأحوال إلى هذه الوظائف. فلا ينبغي أن تعارض هذه الوظائف بغيرها من الأعمال التي لم تُخَص بهذه الأوقات، فأُمِرنا عند سماع المؤذن بإجابته، وعند لقاء المسلم بالسلام عليه، وعند دخول المسجد والخروج منه، ودخول المنزل والخروج منه بأذكار مخصوصة، فلا ينبغي أن تعارض هذه الوظائف: بقراءة القرآن مثلاً، أو الذكر المطلق، أو غير ذلك من","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٨٨ - ٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080242,"book_id":1146,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":177,"body":"الأعمال مما جاءت الأدلة بالترغيب فيها مطلقا.\rالثاني: أن هذه الوظائف المقيدة بوقت وحال، تفوت بفوات وقتها وحالها، فلا يمكن تداركها بخلاف العبادات الأخرى المطلقة فإنها لا تفوت، ولهذا رجح شيخ الإسلام ابن تيمية الأذكار المشروعة في وقت أو حال، على قراءة القرآن، بالنظر لهذا المعنى.\rقال ﵀: «إن قراءة القرآن أفضل من جنس الذكر من حيث الجملة، وإن كان هذا الكلام قد يكون أفضل من القراءة كما أن الشهادتين في وقت الدخول في الإسلام، أو تجديده، أو عندما يقتضي ذكرهما، مثل: عقب الوضوء، ودبر الصلاة، والأذان وغير ذلك، أفضل من القراءة.\rوكذلك في موافقة المؤذن، فإنه إذا كان يقرأ وسمع المؤذن، فإن موافقته في ذكر الأذان أفضل له حينئذ من القراءة، حتى يستحب له قطع القراءة لأجل ذلك؛ لأن هذا وقت هذه العبادة يفوت بفوتها، والقراءة لا تفوت». (¬١)\rالقاعدة الرابعة: تقديم الفضائل المتعلقة بذات العبادة على الفضائل المتعلقة بزمانها ومكانها.\rوقد أشار إلى هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سياق حديثه عن المفاضلة بين سماع قراءة الإمام في صف متأخر والصلاة في الصف الأول من غير سماع فقال: «ووقوف المأموم بحيث يسمع قراءة الإمام، وإن كان في الصف الثاني أو الثالث أفضل من الوقوف في طرف الصف الأول مع البعد عن سماع قراءة الإمام؛ لأن الأول صفة في نفس العبادة، فهو أفضل من صفة مكانها، كما رجحنا الرمل مع البعد في الطواف، على الدنو مع ترك الرمل». (¬٢)\rكما ذكر هذه القاعدة الشيخ ابن عثيمين ﵀ في سياق الترجيح بين الرمل في","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٣٩).\r(¬٢) الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية جمع علاء الدين البعلي ص: ٧٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080243,"book_id":1146,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":178,"body":"الطواف أو القرب من الكعبة عند عدم التمكن من الجمع بينهما فقال: «فإن قال قائل إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة، وبين أن أمشي مع القرب فأيهما أقدم؟ الجواب قَدِّم الأول، فارمل ولو بعدت عن الكعبة؛ لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى، من المراعاة المتعلقة بزمانها أو مكانها، وهذه القاعدة لها أمثلة:\rمثال ذلك لو أن رجلا حين دخل عليه وقت الصلاة وهو حاقن، أو بحضرة طعام، فهل الأولى أن يقضي حاجته، ويأكل طعامه، ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها، أو العكس؟\rالجواب: الأول. فهنا راعينا نفس العبادة دون أول الوقت؛ لأنه إذا صلى فارغ القلب، مقبلا على صلاته كانت صلاته أكمل.\rمثال آخر: لو أن شخصا أراد أن يصلي في الصف الأول وحوله ضوضاء وتشويش، أو حوله رجل له رائحة كريهة، فهل الأولى أن يتجنب الضوضاء والرائحة الكريهة، ولو أدى ذلك إلى ترك الصف الأول. أو أن يصف في الصف الأول مع وجود التشويش؟ لا شك أن الأولى تجنب التشويش، وترك الصف الأول؛ لأن هذا يتعلق بذات العبادة». (¬١)\rوهذا مما يدل على ترجيح أسباب التفاضل المتعلقة بالإخلاص أوالمتابعة أوغيرهما من الأسباب المتعلقة بأصل العبادة، على الأسباب الخارجة عنها كالأسباب المتعلقة بالزمان أو المكان.\rمثل أن يتزاحم عند العامل تأدية الصلاة من أولها في مسجد قريب مفضول،","footnotes":"(¬١) الشرح الممتع شرح زاد المستنقع (٧/ ٢٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080244,"book_id":1146,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":179,"body":"أو تأديتها في مسجد فاضل مع فوات شيء منها، كما يسأل عن هذا بعض طلاب العلم في المدينة النبوية، وهل الأفضل تأدية الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع فوات شيء منها، أو إدراك الصلاة من أولها في مسجد آخر من مساجد المدينة، فيترجح هنا:\rتأدية الصلاة من أولها في مسجد آخر على الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع فوات شيء منها وذلك من وجهين:\rالوجه الأول: أن إدراك الصلاة من أولها مأمور به على سبيل الوجوب، وإدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع إمكانية تأدية الجماعة في مسجد آخر مأمور به على سبيل الندب، ولا يتقدم المندوب على الواجب.\rالوجه الثاني: وهو راجع إلى هذه القاعدة التي نحن بصددها وهو أن إدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ فضيلة راجعة إلى ذات العبادة، وإدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ فضيلة راجعة إلى مكان العبادة، فتترجح الفضيلة المتعلقة بذات العبادة، عن المتعلقة بمكانها.\rومن الأمثلة لهذا ممّا يتعلق بالزمان: تأدية الصلاة النافلة في النهار على وجه الكمال، تفضل على تأديتها في الليل مع التقصير، وإن كانت صلاة الليل أفضل من حيث الجملة. (¬١)\rلكن لما تعارضت هنا فضيلتان تقدّمت الفضيلة المتعلّقة بذات العبادة وهي أداء الصلاة على وجه الكمال، على الفضيلة المتعلقة بالزمان والله أعلم.\rالقاعدة الخامسة: إذا تساوى عملان أو أكثر في الفضل، أو رجح أحدهما على الآخر، فالأفضل هو الجمع بين هذه الأعمال، دون المداومة على أحدها وترك الآخر.\rوهذه مسألة مهمة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهي تصلح أن تكون","footnotes":"(¬١) تقدم تقرير هذه المسألة ص: ١٩٨ - ٢٠٣ من هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080245,"book_id":1146,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":180,"body":"قاعدة في باب المفاضلة بين الأعمال.\rقال ﵀: «والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي، ويدعو، ويذكر على وجه مشروع، وأخذ ذلك الوجه عنه أصحابه، وأهل بقعته، وقد تكون تلك الوجوه سواء، وقد يكون بعضها أفضل …\rلكن هنا مسألة تابعة، وهو أنه مع التساوي أو الفضل أيما أفضل للإنسان المداومة على نوع واحد من ذلك، أو أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة كما كان النبي ﷺ يفعل، فمن الناس من يداوم على نوع من ذلك مختاراً له، أو معتقدا أنه أفضل، ويرى أن مداومته على ذلك النوع أفضل، وأما أكثرهم فمداومته عادة ومراعاة لعادة أصحابه وأهل طريقته، لا لاعتقاد الفضل.\rوالصواب أن يقال: التنوع في ذلك متابعة للنبي ﷺ؛ فإن في هذا اتباعا للسنة والجماعة، وإحياء لسنته، وجمعاً بين قلوب الأمة، وأخذاً بما في كل واحد من الخاصة أفضل من المداومة على نوع معين لم يداوم عليه النبي ﷺ لوجوه». (¬١)\rثم ذكر في ذلك وجوها سبعة ملخصها:\rالأول: أن في هذا إتباع السنة والتأسي بالنبي ﷺ.\rالثاني: أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها وزوال التفرّق والإختلاف.\rالثالث: أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبه بالواجب فالمداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب.\rالرابع: أن في ذلك تحصيل مصلحة كلَّ واحد من تلك الأنواع فإنّ كلَّ نوع لابد له من خاصة.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080246,"book_id":1146,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":181,"body":"الخامس: أن في ذلك وضعاً لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من الله.\rالسادس: أن في المداومة على نوع دون غيره هجران لبعض المشروع ونسيانه والإعراض عنه.\rالسابع: أن الشارع إذا كان قد سوّى بين عملين كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم، وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك (¬١).\rوالمقصود هنا بيان أن تنويع العبادة والتقرب إلى الله بكل الأنواع المشروعة، أفضل من الاقتصار على بعضها وترك غيرها.\rوهذا هو حقيقة العبودية الكاملة، وذلك أن الإيمان شعب كما دلت على ذلك النصوص ولا يتحقق الكمال في الإيمان إلا باستكمال شعبه كلها، كما قال عمر بن عبد العزيز: «إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان». (¬٢)\rومع هذا فلا ينبغي أن يفهم من هذا التقعيد هنا، التهوين من شأن المداومة على بعض أعمال البر، التي جاءت السنة بالمداومة عليها، فقد تقدم في ما مضى من البحث أن المداومة على العمل من أعظم أسباب التفاضل بين الأعمال، كما دلت على ذلك النصوص وأقوال أهل العلم. (¬٣)\rوإنما التحذير هنا هو من الانقطاع إلى عمل واحد، أو أكثر والمداومة عليها، مع ترك غيرها من أعمال البر، لا المداومة المشروعة على بعض الأعمال التي كان النبي ﷺ يداوم عليها؛ فإن هذه المداومة لا تتنافى مع التقرب إلى الله بغيرها من","footnotes":"(¬١) انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٤٨٢٥١).\r(¬٢) ذكره البخاري معلقا. صحيح البخاري مع الفتح (١/ ٤٥).\r(¬٣) انظر ص: ١٠١ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080247,"book_id":1146,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":182,"body":"شعب الإيمان وأعمال البرّ، كما كان على ذلك النبي ﷺ وأصحابه ومن سار على طريقهم من سلف الأمة الصالح.\rولهذا صرح شيخ الإسلام في كلامه السابق بأن التنويع في العمل أفضل من المداومة على نوع معين، لم يداوم عليه النبي ﷺ، فاستثنى ما كان يداوم عليه النبي ﷺ من المداومة المفضولة هنا، وهي ما كانت راجعة إلى محض اختيار العامل معتقدا فضلها، أو مقلدا فيها غيره كما نبه عليه شيخ الإسلام في عرض كلامه.\rوقد تقدم في فصل (تفاضل الأعمال باعتبار المداومة) بيان مراتب الأعمال من حيث المداومة وعدمها على ضوء النصوص الشرعية فلتراجع في موضعها.\rالقاعدة السادسة: إذا تقابل عملان أحدهما ذو شرف في نفسه والأخر ذو تعدد وكثرة فأيهما يقدم؟\rذكر هذه القاعدة الإمام ابن رجب رحمه في تقرير القواعد فقال:\r«القاعدة السابعة عشرة: إذا تقابل عملان: أحدهما ذو شرف في نفسه ورفعة وهو واحد، والآخر ذو تعدد في نفسه وكثرة، فأيهما يرجح؟\rظاهر كلام أحمد ترجيح الكثرة. ولذلك صور:\rأحدها: إذا تعارض صلاة ركعتين طويلتين، وصلاة أربع ركعات في زمن واحد، فالمشهور أن الكثرة أفضل. وحكي عن أحمد رواية أخرى بالعكس، وحكي عنه رواية ثالثة بالتسوية.\rوالثانية: أهدى بدنة سمينة بعشرة، وبدنتين بعشرة أو بأقل.\rقال ابن منصور: قلت لأحمد: بدنتان سمينتان بتسعة، وبدنة بعشرة. قال: ثنتان أعجب إلي، ورجح الشيخ تقي الدين تفضيل البدنة السمينة وفي سنن أبي داود حديث يدل عليه (¬١).","footnotes":"(¬١) قال محقق الكتاب الشيخ مشهور بن حسن (١/ ١٣٢): «يشير المصنف إلى ما أخرجه أبو داود في السنن (كتاب الضحايا باب ما يستحب من الضحايا رقم: ٢٧٩٦) … عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ضحى بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد، ويشرب في سواد. وإسناده صحيح على شرط مسلم».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080248,"book_id":1146,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":183,"body":"والثالثة: رجل قرأ بتدبر وتفكر سورة، وآخر قرأ في تلك المدة سوراً عديدة.\rقال أحمد في رواية جعفر بن أحمد بن أبي قيماز، وقد سئل أيما أحب إليك: الترسل أو الإسراع؟ قال: أليس قد جاء بكل حرف كذا وكذا حسنة؟ قالوا له: في السرعة؟ قال: إذا صور الحرف بلسانه ولم يسقط من الهجاء.\rوهذا ظاهر في ترجيح الكثرة على التدبر.\rونقل عنه حرب: أنه كره السرعة، إلا أن يكون لسانه كذلك لا يقدر أن يترسل.\rوحمل القاضي الكراهة على إذا لم يبين الحروف .. » (¬١) إلى آخر ما ذكر من الأوجه.\rوالحاصل أنه يتنازع المسألة هنا سببان من أسباب التفضيل، أحدهما: يرجع إلى تحسين العمل وإتقانه، وآخر يرجع إلى كثرته وتعدده.\rوالعلماء في المفاضلة بين النوعين على مذاهب:\rفمنهم من مال إلى التوقف في أصل المفاضلة بين النوعين، ذاهبا إلى أنه: كما أن التفاضل غير ممتنع، فكذلك التساوي في الفضل وارد، باعتبار أن لكل عمل جهة فضل يختص بها، وهذا ظاهر كلام ابن حجر ﵀ في المفاضلة بين الإسراع والترتيل في القراءة.\rقال ﵀: «والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف، والحركات، والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر، وأن يستويا؛ فإن من رتل وتأمل كمن تصدق","footnotes":"(¬١) تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب (١/ ١٣٠١٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080249,"book_id":1146,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":184,"body":"بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد تكون بالعكس». (¬١)\rوحقيقة هذا القول: التوقف في المفاضلة بين النوعين وعدم الترجيح، بل التوقف في ثبوت التفاضل بينهما من أصله.\rوما ذهب إليه ابن حجر من احتمال التساوي في الفضل: وجهه أنّ كل عمل يختص بخصيصة ليست موجودة في الآخر، فاحتمال مقاومة كل واحدة من الخصيصتين للأخرى في الفضل متصور، وبالتالي يتساوى العملان.\rوإلى هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سياق حديثه عن أسباب التفاضل بين الأعمال من حيث العموم فقال: «وكثير ممّا تتنازع الطوائف من الأمة في تفاضل أنواعه لايكون بينها تفاضل، بل هي متساوية، وقد يكون مايختص به أحدهما مقاوما لما يختص به الآخر … » (¬٢).\rومن العلماء من رجّح كل واحد من النوعين باعتبار فقال: «إن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرا، وثواب الكثرة أكثر عدداً؛ لأن بكل حرف عشر حسنات» نقله ابن الجزري عن بعض الأئمة مستحسناً له. (¬٣)\rومحصل هذا القول هو الرجوع إلى أصل المسألة، وهو أن كل واحد من النوعين يفضل باعتبار، ولا يزال التساؤل واردا على أصحاب هذا القول في أي العملين أرجح؟ وما الذي يقدم منهما عند العمل؟.\rومن أهل العلم من سلك مسلك الترجيح والمفاضلة بين النوعين، ثم اختلفوا في الراجح:","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٩/ ٨٩).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٥٢).\r(¬٣) انظر النشر في القراءات العشر لابن الجزري (١/ ١٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080250,"book_id":1146,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":185,"body":"فمنهم من رجح الكثرة، وهو الظاهر من مذهب أحمد كما نقله ابن رجب سابقا.\rومنهم من رجح حسن العمل في نفسه وإن قل، ونقله ابن رجب عن شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض صور المسألة على ماتقدم.\rوهذا القول هو الراجح إن شاء الله، وهو قول جمهور أهل العلم من السلف والخلف حكى ذلك عنهم بعض المحققين في صورة التلاوة.\rقال النووي: «واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع، قالوا: وقراءة جزء بترتيل، أفضل من قراءة جزئين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل». (¬١)\rوقال ابن الجزري في (النشر): «وقد اختلف في الأفضل هل الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة .. والصحيح بل الصواب، ما عليه معظم السلف والخلف، وهو أن الترتيل مع قلة القراءة أفضل». (¬٢)\rوقال المناوي: «ولو تعارض الإسراع والترتيل روعي الترتيل عند الجمهور». (¬٣)\rوترجيح هذا القول من عدة أوجه:\rالأول: أنه هو الذي تعضده ظواهر النصوص كما في قوله تعالى: ﴿الَذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (¬٤).\rففي الآية الترغيب في تحسين العمل، لا في كثرته ولذا قال محمد بن عجلان في تفسير الآية: «لم يقل أكثر عملا» (¬٥)","footnotes":"(¬١) المجموع (٢/ ١٨٨).\r(¬٢) النشر في القراءات العشر (١/ ١٦٥).\r(¬٣) فيض القدير (٢/ ٦١).\r(¬٤) سورة الملك: من الآية ٢\r(¬٥) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080251,"book_id":1146,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":186,"body":"وكذلك ما جاء في حديث عثمان بن عفان ﵁ المتفق على صحته من الترغيب في صلاة ركعتين لا يحدث فيهما المصلي نفسه، على ما تقدم في فصل (التفاضل باعتبار المتابعة) (¬١) وهذا ترغيب في تحسين العمل ولم يرد مثله في الكثرة.\rالثاني: أن هذا القول هو المنقول عن بعض الصحابة وبعض السلف: فعن أبي جمرة الصنيعي قال: قلت لابن عباس: إنّي سريع القراءة إني أقرأ القرآن في ثلاث فقال: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحبّ إليّ من أن أقرأ كما تقول». (¬٢)\rوفي رواية أخرى عنه قال: «لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله». (¬٣)\rوفي سنن الدارمي عن علي ﵁ أنّه قال: «إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها». (¬٤)\rوعن مجاهد أنه قال: «أحبّ النّاس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه». (¬٥)\rوعنه أنه سئل عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران، والآخر البقرة وحدها، وزممنهما وركوعهما وسجودهما واحد سواء، فقال: «الذي قرأ البقرة وحدها أفضل». (¬٦)\rوالآثار في هذا المعنى كثيرة عن السلف وهي تدل على ترجيحهم التدبر","footnotes":"(¬١) انظر ص: ٧٠.\r(¬٢) أخرجه الآجري في أخلاق حملة القرآن (ص: ٨٢).\r(¬٣) أوردها النووي في التبيان في آداب حملة القرآن (١/ ٤٥).\r(¬٤) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ١٠١).\r(¬٥) ذكره القرطبي في تفسيره (١٩/ ٣٨).\r(¬٦) أورده النووي في التبيان (١/ ٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080252,"book_id":1146,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":187,"body":"والترتيل، على الإسراع وكثرة القراءة، وهي ما بين صريحة في هذا، أو ظاهرة الدلالة عليه.\rالثالث: أن ترجيح تحسين العمل على الكثرة والتعدد هو الذي تقتضيه الأصول الشرعية في باب المفاضلة. كما تقدم في القاعدة الرابعة: (أن الفضائل المتعلقة بذات العبادة مقدمة على الفضائل الخارجة عنها) فالفضل في تحسين العمل كالإطالة في الصلاة. والتدبر في التلاوة، راجع إلى ذات العبادة، والفضل في تعدد الركعات وكثرة القراءة راجع إلى سبب خارج عن ذات العبادة، فمن هنا ترجح القول بتقديم تحسين العمل مع الانفراد، على الكثرة والتعداد والله تعالى أعلم.\rفمن خلال هذه القواعد يتمكن الباحث والناظر في هذا الباب من الإلمام بمراتب الفضل وما الذي يقدم منها أو يؤخر، ومن ثم الترجيح بين أسباب التفاضل بين الأعمال، والأخذ بالأرجح فالأرجح منها. وبه يتحقق الأصل الأول للناظر في هذا الباب والمتمثل في الموازنة بين أسباب التفاضل على وجه الإجمال.\rوأما الأصل الثاني: وهو الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال في حق المعينين.\rفتراعى فيه أحوال المعينين وأفراد الناس، وما يناسب حال كل واحد منهم من الأعمال، فلا يلزم من كون العمل فاضلا من حيث الجملة، أن يكون هذا حكمه في حق كل أحد، بل قد يكون العمل المفضول من حيث الجملة، أفضل ممن هو أشرف منه في حق بعض الناس.\rومثال ذلك تعلم العلم، وتعليمه، ونشره بين الناس، مقدم من حيث الجملة على الجهاد في سبيل الله. (¬١)\rلكن بالنظر إلى أحوال المعينين قد يكون الجهاد في سبيل الله أفضل، في حق","footnotes":"(¬١) تقدم تقريره عن أكثر أهل العلم انظر الصفحات: ٢٨ - ٣٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080253,"book_id":1146,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":188,"body":"القادرين الذين يضعفون عن العلم، بل هو أفضل في حق من لا يتحقق أمر الجهاد إلا بهم، أو يعظم بلاؤهم فيه حتى مع القدرة على العلم. فيراعى في هذا الجانب، حال العامل في نفسه والأحوال العامة المؤثرة في ترجيح عمل على آخر، بحسب ما يتحقق بذلك من المصالح العامة والخاصة.\rومن هنا يظهر الفرق بين الأصل الأول، والذي مدار البحث فيه على النظر المجرد للعمل ودرجته في الفضل من حيث الجملة على ما تقدم في البحث وبين هذا الأصل الذي تراعى فيه أحوال العاملين عند المفاضلة بين الأعمال في حقهم.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقررا هذا الأصل:\r«وهنا أصل ينبغي أن نعرفه: وهو أن الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة، لم يجب أن يكون أفضل في كل حال، ولا لكل أحد، بل المفضول في موضعه الذي شرع فيه، أفضل من الفاضل المطلق. وكذلك أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال، فلو أمروا بها لفعلوها على وجه لا ينتفعون به، أو ينتفعون انتفاعا مرجوحا، فيكون في حق أحد هؤلاء العمل الذي يناسبه وينتفع به أفضل له مما ليس كذلك». (¬١)\rويقول في موطن آخر: «وقد يكون العمل المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين، لكونه عاجزا عن الأفضل، أو لكون محبته ورغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أكثر، فيكون أفضل في حقِّه، لما يقترن به من مزيد عمله وحبه وإرادته وانتفاعه، كما أن المريض ينتفع بالدواء الذي يشتهيه ما لا ينتفع بما لا يشتهيه، وإن كان جنس ذلك أفضل». (¬٢)\rويقول أيضا: «وقد يكون بعض الناس انتفاعه بالمفضول أكثر بحسب حاله، إما لاجتماع قلبه عليه، وانشراح صدره له، ووجود قوته له، مثل من يجد ذلك في الذكر أحياناً دون القراءة، فيكون العمل الذي أتى به على الوجه الكامل، أفضل في حقه من","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٣٦).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080254,"book_id":1146,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":189,"body":"العمل الذي يأتي به على الوجه الناقص، وإن كان جنس هذا أفضل، وقد يكون الرجل عاجزا عن الأفضل، فيكون ما يقدر عليه في حقه أفضل له، والله أعلم». (¬١)\rوبناءً على هذا فينبغي لكل فرد مراعاة عدة جوانب عند تزاحم الأعمال في حقِّه:\rفيراعى منزلة العمل بالنسبة له فيقدم ما كان واجبا في حقه على غيره من النوافل (¬٢) دون النظر إلى مراتب هذه الأعمال من حيث التفضيل العام، فقد يكون ما هو واجبٌ في حقّه مرجوحاً مفضولا من حيث العموم، كأن يتزاحم الجهاد في سبيل الله أو طلب العلم النفل في حقه، مع ما هو دون هذين العملين من حيث الجملة، كاشتغاله بتربية أولاد، أو إنفاق على زوجة، أو صلة قريب، فيقدم هذه الواجبات العينية على الجهاد في سبيل الله أو طلب العلم النفل، وإن كان الجهاد وطلب العلم أفضل من حيث العموم.\rفإذا تساوى العملان في درجة المشروعية، بأن كان كلاهما واجبا، أو كلاهما نفلاً، قدم أوجب الواجبين، وآكد النفلين في حقه على ما تقدم تقرير ذلك. (¬٣)\rفإذا تساويا في المرتبة نظر في مدى قدرته على كل واحد منهما، فيقدم ما يقدر على أدائه على ما يعجز عنه، وإن كان المقدور عليه دون ذلك في التفضيل العام، على ما قرره شيخ الإسلام في كلامه السابق. والمقصود بالعجز هنا ما كان موجباً للكلفة والمشقة لا العجز التام عن العمل (¬٤) فليس هذا محل البحث هنا. فإذا تساويا في القدرة نظر في مدى تمكنه","footnotes":"(¬١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٣٧)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٣)، وانظر أيضا مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٢٨، ٢٢/ ٣٠٩، ٢٣/ ٥٨).\r(¬٢) انظر تقرير هذه المسألة ص: ٣٩ وما بعدها، وص: ٢١٤ - ٢١٦.\r(¬٣) انظر تقرير هذه المسألة ص: ٢١٤ - ٢١٧.\r(¬٤) انظر تقرير هذه المسألة ص: ١٢٥ - ١٢٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080255,"book_id":1146,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":190,"body":"من تأديتهما على وجه الكمال. فيقدم ما أمكنه تأديته على وجه الكمال، على ما أداه على وجه النقص والتقصير. (¬١)\rفإن تساويا في كل ما تقدم قدم الأفضل من حيث الجملة، على ضوء ما تقدم تقريره من الأصول والقواعد المقررة في الأصل الأول.\rومن خلال هذا العرض يتبين للقارئ والناظر في هذا الباب الضوابط الشرعية، والقواعد الكلية، للموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال، وكيفية الترجيح بينها، وما الذي يقدم منها ويؤخر عند التزاحم، على ضوء النصوص الشرعية وأقوال الأئمة.\rوالله تعالى أعلم وهو الهادي لكل خير وفضل.","footnotes":"(¬١) انظر تقرير هذا الأصل ص: ١٩٨ - ٢٠٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080256,"book_id":1146,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":191,"body":"الخاتمة\rلقد كان من لطف الله وتوفيقه، وإعانته وتسديده، أن يسر لي إتمام هذا البحث.\rفجاء بحمد الله مشتملاً على فوائد عظيمة، وقواعد شريفة، ولطائف منيفة، في باب التفاضل في العبادة، وهي ظاهرة إن شاء الله لمن قرأ هذا البحث وتدبره.\rوإنما أشير في هذا المقام إلى شيء منها تمشيّاً مع منهجية البحث، وتيسيراً لمطالعتها في موطن واحد.\r\r١ - ومن هذه الفوائد غزارة المادة العلمية في موضوع التفاضل في العبادة، لكثرة النصوص الواردة فيه وتنوع دلالتها عليه، مما يدل على تأصّله في العلم، وعراقته في الشرع، وهذا مما يشحذ الهمم إلى مزيد العناية ببحثه والتفقه فيه، ثم امتثال ذلك في العمل، والترقي في مراتب الفضل.\r\r٢ - عناية السلف من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وأئمة الهدى، بهذا الباب يتمثل هذا في تعدد الأسئلة من الصحابة للنبي ﷺ عنه، وكثرة الآثار عن السلف في تقريره، ووضع الأئمة المحققين لكثير من القواعد والضوابط في تأصيله وتقريب مسائله.\r\r٣ - تفاضل الأعمال باعتبار أجناسها كما دلت على ذلك إجابات النبي ﷺ للسائلين عن أفضل العمل، وغيرها من النصوص الأخرى الدالة على تفاضل الأعمال بهذا الاعتبار.\r\r٤ - بيان أن أفضل الأعمال على الإطلاق والله أعلم أركان الإسلام الخمسة، وأفضلها الشهادتان تلفظًا واعتقادًا وامتثالا للعمل بمقتضاهما، ثم الصلاة ثم الزكاة ثم بقية الأركان، ثم سائر الواجبات بعدها، وأفضلها بر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080257,"book_id":1146,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":192,"body":"الوالدين، ثم بعد الواجبات نوافل العبادات، وأفضلها طلب العلم النفل، والجهاد، والذكر على اختلافٍ بين العلماء في المفاضلة بين هذه الثلاثة الأخيرة، والمشهور عنهم هو تفضيل العلم ثم الجهاد ثم الذكر، على ما تم تقرير ذلك مفصلاً.\r\r٥ - تفاضل الأعمال باعتبار انقسامها إلى واجبات ونوافل، وتقديم الواجبات على النوافل، وبيان أن هذه القاعدة على أصلها من غير استثناء على ما دلت على ذلك النصوص وقواعد الشريعة، خلافًا لما زعمه بعض العلماء المتأخرين من استثناء بعض المسائل من هذه القاعدة فهو قولٌ مرجوح عند التأمل كما تقدم نقد ذلك مفصلاً.\r\r٦ - تفاضل الواجبات في نفسها وتقديم فروض الأعيان منها، على فروض الكفايات، وحقوق الخالق على سائر حقوق المخلوقات، وكذلك تفاضل النوافل في نفسها، وتقديم السنن الراتبة منها على المطلقة، والمؤكدة على ما سواها.\r\r٧ - تفاضل الأعمال باعتبار النية وقوة الإخلاص على ما دلت على ذلك النصوص الشرعية وأقوال الأئمة.\r\r٨ - تفاضل الأعمال باعتبار حسن المتابعة فيها، على ما دلت على ذلك النصوص من الكتاب والسنة.\r\r٩ - بيان انقسام المتابعة في العمل إلى قسمين خاصة وعامة. فالعامة هي المتابعة للنبي ﷺ في كامل هديه وكل أحواله، والخاصة هي المتابعة له في عمل مخصوص وهي على درجتين واجبة: مؤثرة في قبول العمل، وكاملة: مؤثرة في كماله.\r\r١٠ - تفاضل الأعمال باعتبار المداومة عليها على ما دلت على ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080258,"book_id":1146,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":193,"body":"النصوص وأقوال أهل العلم.\r\r١١ - بيان انقسام الأعمال باعتبار المداومة وعدمها إلى ثلاث مراتب، الأولى: ما كان النبي ﷺ يدوام عليه في السفر والحضر. والثانية: ما كان يداوم عليه في الحضر دون السفر. والثالثة: ما كان يفعله في وقت دون وقت من غير مداومة. وأن الفضل في كل مرتبة هو الإقتداء بفعل النبي ﷺ فيها.\r\r١٢ - تفاضل الأعمال باعتبار تأديتها على وجه الاقتصاد والتسير، على ما دلت على ذلك النصوص وأقوال السلف، وأقوال الأئمة المحققين في هذا الباب.\r\r١٣ - أنه لا تعارض بين ما جاء في النصوص من الترغيب في الاقتصاد في العمل وسلوك مسلك الرفق فيه، وبين ما جاء في النصوص الأخرى من أن الأجر في العمل على قدر المشقة. فالمشقة المذكورة هنا هي التي يستلزمها العمل دون أن تكون مقصودة للشارع ولا للعامل، وبهذا تتفق النصوص على أنه ليس للعامل أن يسعى في جلب المشقة لنفسه في العمل، فإن حصلت من غير اختيار أُجر عليها.\r\r١٤ - تفاضل الأعمال باعتبار فضل العامل ومنزلته عند الله، وأن العمل يشرف بشرف العامل وعلو قدره في الدين على ما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.\r\r١٥ - استنباط بعض أهل العلم للعلة في تفضيل العمل باعتبار العامل، وأن مرجع ذلك إما لما عليه العامل من عملٍ باطن يغلب به غيره. وإما لما يكون عليه العامل من فقهٍ في الدين مؤثر في كمال عبادته من حيث الإتقان وقوة الإخلاص فيها.\r\r١٦ - تفاضل الأعمال باعتبار الأوقات والأزمان على ما دلت على ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080259,"book_id":1146,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":194,"body":"النصوص وتظافرت عليه أقوال أهل العلم.\r\r١٧ - بيان انقسام الأوقات التي دلت النصوص على تفضيل العمل فيها إلى قسمين، قسم دلت النصوص على تفضيل الأعمال فيه مطلقًا، كالأشهر الحرم، ورمضان، والعشر الأواخر من رمضان، وعشر ذي الحجة. وقسم دلت النصوص على تفضيل بعض الأعمال فيه على وجه الخصوص، كالصيام في يوم عاشوراء، والأيام البيض، والاثنين والخميس، وكالقيام، والقراءة، والذكر في ثلث الليل الآخر، والذكر في طرفي النهار.\r\r١٨ - تفاضل الأعمال باعتبار الأماكن والبقاع على ما دلت على ذلك النصوص الشرعية.\r\r١٩ - انقسام الأماكن باعتبار تأثيرها في تفاضل الأعمال إلى قسمين:\rأ/ بلدان دلت النصوص على شرفها وفضل سكناها وهي مكة والمدينة والشام.\rب/ أماكن دلت النصوص على فضلها وفضل العمل فيها ومضاعفته وهي عموم المساجد وهي على نوعين:\rالنوع الأول: ما جاءت النصوص بتفضيل إقامة الصلوات المكتوبة فيها على إقامتها في البيوت والأسواق في حق الرجال وهي عامة المساجد.\rوالنوع الثاني: ما جاءت النصوص بتفضيل إقامة الصلوات فيها، على إقامتها في غيرها من المساجد، وهي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء.\r\r٢٠ - تفاضل الأعمال باعتبار تعدِّيها للخلق على الأعمال القاصرة ودلالة النصوص وأقوال العلماء المحققين على ذلك.\r\r٢١ - تفاضل الأعمال باعتبار اقترانها ببعض الأحوال المؤثرة في زيادة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080260,"book_id":1146,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":195,"body":"أجرها، أو مضاعفته، على ما دلت على ذلك النصوص.\r\r٢٢ - انقسام الأحوال المؤثرة في تفاضل الأعمال إلى قسمين:\rأ/ عامة وهي متعلقة بعامة الناس في عصر من العصور، أو مصر من الأمصار، كحال فساد الناس وظهور الفتن، وأحوال غفلة الناس، والأحوال التي تشتد فيها حاجة المسلمين إلى بعض الأعمال الخاصة فتفضل بهذا الاعتبار.\rب/ خاصة وهي التي تتعلق ببعض الأفراد دون بعض، كالأحوال التي تَضْعُفُ فيها دواعي الاستقامة وتقوى أسباب المخالفة في حق العامل، وكحال قدرة العامل على عمل دون غيره، فيفضل المقدور عليه بهذا الاعتبار.\r\r٢٣ - عظمة التشريع في هذا الدين حيث تنوعت فيه الأعمال الصالحة، وتعددت أسباب الفضل، لتتماشى مع فطر الناس وقدراتهم وأحوالهم، فيُسهم كل فردٍ من المسلمين بما يقدر عليه في بدنه، ويكون أنفع له في دينه، فسبحان الحكيم العليم ما أعظم إحسانه لخلقه ولطفه بهم.\rوبه ختام هذا البحث فلله الحمد على ما يسّر من جمع مادته وصياغته، واستنباط أحكامه ومسائله. حتى جاء بهذه الصورة، فما كان فيه من إصابة وهدى فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ وزلل فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان. فاللهم تقبله مني واجبر تقصيري فيه، واجعله خالصًا لوجهك الكريم مقربًا لمرضاتك. ثم الدعاء موصول لكل من وقف من طلاب العلم فيه على خطأ فنبهني له، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080261,"book_id":1146,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":196,"body":"فهرس المصادر والمراجع\r\r١ - القرآن الكريم.\r\r٢ - الآداب الشرعية والمنح المرعية.\rلشمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي. مكتبة ابن تيمية.\r\r٣ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام.\rللإمام تقي الدين ابن دقيق العيد. ت: أحمد محمد شاكر عالم الكتب. ط: الثانية ١٤٠٧ هـ.\r\r٤ - أحكام القرآن.\rلأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي. تحقيق محمد عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية. بيروت لبنان.\r\r٥ - الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية.\rتأليف علاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي. تحقيق: أحمد بن محمد حسن خليل. دار العاصمة. المملكة العربية السعودية. ط: الأولى ١٤١٨ هـ.\r\r٦ - أخلاق حملة القرآن.\rللحافظ أبي بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة ٣٦٠ هـ. تحقيق: فواز أحمد زمرلي. الناشر: دار الكتاب العربي. ط: الأولى ١٤٠٧ هـ.\r\r٧ - الأدب المفرد (مع شرحه فضل الله الصمد).\rلأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. خرج أحاديثه محب الدين الخطيب. المكتبة السلفية. الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080262,"book_id":1146,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":197,"body":"٨ - الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار.\rلأبي زكريا يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ. دار العربية للطباعة والنشر بيروت.\r\r٩ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل.\rللعلامة محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. ط: الثانية ١٤٠٥ هـ.\r\r١٠ - الأزمنة الفاضلة في الإسلام وما تتميز به من الخصائص والأحكام.\rللدكتور علي بن عباس الحكمي. الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ. مطابع الصفا. مكة المكرمة.\r\r١١ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.\rللعلامة محمد الأمين بن محمد المختار. نشر مكتبة ابن تيمية. ط: الأولى ١٤٠٨ هـ.\r\r١٢ - الاعتصام.\rلأبي إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الشاطبي. دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت. لبنان. ١٤٠٥ هـ.\r\r١٣ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان.\rلأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية. تحقيق: محمد سيد كيلاني. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ١٣٨١ هـ\r\r١٤ - الإفصاح عن معاني الصحاح.\rللوزير العالم ابن هبيرة المتوفى سنة ٥٦٠ هـ. تحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد. دار الوطن للنشر الرياض ط: الأولى ١٤١٩ هـ.\r\r١٥ - الإقناع لطالب الانتفاع.\rللعلامة شرف الدين أبو النجا. تحقيق: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي نشر: هجر للطباعة والنشر. ط: الأولى ١٤١٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080263,"book_id":1146,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":198,"body":"١٦ - إكمال المعلم بفوائد مسلم.\rللإمام أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي. تحقيق: د/ يحيى إسماعيل. دار الوفاء. ط: الأولى ١٤١٩ هـ.\r\r١٧ - بدائع الفوائد.\rللإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ). تحقيق: معروف مصطفى زريق، وزميليه. دار الخير. ط: الأولى ١٤١٤ هـ.\r\r١٨ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد.\rلأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد المتوفى سنة ٥٩٥ هـ. الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان ط: الرابعة ١٣٩٨ هـ.\r\r١٩ - البداية والنهاية.\rللحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. ط: الأولى ١٤٠٦ هـ. دار الهجرة للطباعة.\r\r٢٠ - تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك).\rلأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ). تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.\r\r٢١ - التبيان في آداب حملة القرآن.\rللإمام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ. دار النشر: الوكالة العامة للتوزيع. دمشق. ط: الأولى ١٤٠٣ هـ.\r\r٢٢ - تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم).\rللحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير. تحقيق: سامي بن محمد السلامة. دار طيبة. ط: الثانية ١٤٢٠ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080264,"book_id":1146,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":199,"body":"٢٣ - تفسير البغوي (معالم التنزيل).\rللإمام أبي الحسين محمد بن الحسين البغوي (ت: ٥١٦). تحقيق: خالد بن عبد الرحمن العك، مروان سوار. دار المعرفة. بيروت. لبنان. ط: الأولى ١٤٠٦ هـ.\r\r٢٤ - تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان).\rللشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ١٣٩٨ هـ.\r\r٢٥ - تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن).\rلأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. دار الكتب العلمية. بيروت لبنان.\r\r٢٦ - تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن).\rلأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي تعليق: محمد إبراهيم الحفناوي. خرج أحاديثه د/ محمود حامد عثمان. دار الحديث ط: الأولى ١٤١٤ هـ.\r\r٢٧ - تقريب التهذيب.\rللإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ هـ. تقديم ومقابلة محمد عوامة. دار الرشيد سوريا حلب. ط: الأولى ١٤٠٦ هـ.\r\r٢٨ - تقرير القواعد وتحرير الفوائد.\rللإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي. تحقيق: مشهور حسن آل سلمان. دار ابن عفان. ط: الأولى ١٤١٩ هـ.\r\r٢٩ - تلبيس إبليس.\rللحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي. دار المدني للطباعة والنشر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080265,"book_id":1146,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":200,"body":"٣٠ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد.\rللإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر. تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي. ومحمد بن عبد الكريم البكري ١٣٨٧ هـ. توزيع مكتبة الأوس.\r\r٣١ - جامع بيان العلم وفضله.\rللإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر. تحقيق: أبي الأشبال الزهيري. دار ابن الجوزي. ط: الرابعة ١٤١٩ هـ.\r\r٣٢ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم.\rلزين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين بن رجب الحنبلي. تحقيق: د/ وهبة الزحيلي. المكتبة التجارية. مصطفى أحمد الباز. ط ١٤١٣ هـ.\r\r٣٣ - الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها.\rلجمال الدين محمد جار الله بن ظهيرة. ط: الثالثة ١٣٩٣ هـ.\r\r٣٤ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء.\rللحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني. نشر مكتبة الخانجي بمصر.\r\r٣٥ - خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام.\rللإمام الحافظ يحيى بن شرف بن مري النووي. تحقيق: حسين إسماعيل الجمل. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط: الأولى ١٤١٨ هـ.\r\r٣٦ - ذم الرياء.\rلأبي محمد الحسن بن إسماعيل بن محمد الضراب. المتوفى سنة ٣٩١ هـ. تحقيق: د/ محمد باكريم با عبد الله. ط: الأولى ١٤١٦ هـ.\r\r٣٧ - الرسالة.\rللإمام محمد بن إدريس الشافعي. تحقيق: أحمد محمد شاكر. ط: الأولى ١٣٥٨ هـ شركة مكتبة مصطفى الحلبي بمصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080266,"book_id":1146,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":201,"body":"٣٨ - رياض الصاحين.\rللإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي. ضبطه وكتب هوامشه حسن شكر. دار الكتب العلمية. بيروت لبنان.\r\r٣٩ - زاد المستقنع في اختصار المقنع.\rللعلامة شرف الدين أبو النجا. المتوفى سنة ٩٦٠ هـ. نشر مكتبة الرياض الحديثة.\r\r٤٠ - زاد المسير في علم التفسير.\rللإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي المكتب الإسلامي. ط: الرابعة ١٤٠٧ هـ.\r\r٤١ - زاد المعاد في هدي خير العباد.\rلأبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية. تحقيق: شعيب الأرنؤوط عبد القادر الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة.\r\r٤٢ - الزهد والرقائق.\rللإمام عبد الله بن المبارك المتوفى سنة ١٨١ هـ. تحقيق: أحمد فريد، دار المعراج الدولية. ط: الأولى ١٤١٥ هـ.\r\r٤٣ - سلسلة الأحاديث الصحيحة.\rللشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ١ طبعة المكتب الإسلامي. ٢ طبعة مكتبة المعارف بالرياض.\r\r٤٤ - سنن ابن ماجه.\rللإمام الحافظ أبي عبد الله بن يزيد القزويني. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. مطبعة دار إحياء الكتب العربية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080267,"book_id":1146,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":202,"body":"٤٥ - سنن أبي داود.\rسليمان بن الأشعث السجستاني دار الحديث للطباعة والنشر حمص سورية.\r\r٤٦ - سنن الترمذي (الجامع الصحيح).\rلأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي تحقيق إبراهيم عطوه شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.\r\r٤٧ - سنن الدارقطني.\rللإمام الحافظ علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ. عنى بتصحيحه عبد الله هاشم يماني المدني. دار المحاسن للطباعة القاهرة.\r\r٤٨ - سنن الدارمي.\rللإمام الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. تحقيق فؤاد أحمد زمرلي وخالد السبع العلمي. دار الريان. ط: الأولى ١٤٠٧ هـ.\r\r٤٩ - السنن الكبرى.\rللإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي. دار الفكر.\r\r٥٠ - سنن النسائي (المجتبى).\rللإمام الحافظ أبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر. ط: ١٣٨٣ هـ.\r\r٥١ - سير أعلام النبلاء.\rللإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق: شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة. ط: التاسعة ١٤١٣ هـ.\r\r٥٢ - شذرات الذهب في أخبار من غبر.\rلأبي الفرج عبد الحي بن العماد الحنبلي المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ، دار المسيرة، بيروت. ط: الثانية ١٣٩٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080268,"book_id":1146,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":203,"body":"٥٣ - شرح السنة.\rللإمام أبي محمد الحسن بن مسعود البغوي. تحقيق: علي محمد معوض. عادل أحمد عبد الموجود. دار الكتب العلمية.\r\r٥٤ - شرح صحيح البخاري.\rلأبي الحسين علي بن خلف بن عبد الملك. تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم. مكتبة الرشد. ط: الأولى ١٤٢٠ هـ.\r\r٥٥ - شرح صحيح مسلم.\rللإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي. المطبعة المصرية بالأزهر ط: الأولى ١٣٤٧ هـ.\r\r٥٦ - شرح العقيدة الطحاوية.\rللإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي (ت: ٩٧٢ هـ). تحقيق: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط: الثانية ١٤١٣ هـ.\r\r٥٧ - شرح الكوكب المنير.\rلابن النجار الفتوحي. تحقيق: د/ محمد الزحيلي. ونزيه حماد. مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.\r\r٥٨ - الشرح الممتع شرح زاد المستقنع.\rللعلامة محمد بن صالح بن عثيمين. مؤسسة آسام للنشر. المملكة العربية السعودية. الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\r\r٥٩ - شرف أصحاب الحديث ونصيحة أهل الحديث.\rللحافظ أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي. تحقيق: عمرو عبد المنعم سليم. نشر مكتبة ابن تيمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080269,"book_id":1146,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":204,"body":"٦٠ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ.\rللقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي. تحقيق: علي محمد البجاوي. الناشر: دار الكتب. بيروت.\r\r٦١ - صحيح البخاري.\rللإمام محمد بن إسماعيل البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن حجر (انظر فتح الباري).\r\r٦٢ - صحيح الترغيب والترهيب.\rتحقيق محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي.\r\r٦٣ - صحيح الجامع الصغير.\rللشيخ محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. ط: الثالثة ١٤٠٨ هـ.\r\r٦٤ - صحيح ابن خزيمة.\rللإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. نحقيق: د/ محمد مصطفى الأعظمي المكتب الإسلامي.\r\r٦٥ - صحيح سنن ابن ماجه.\rللشيخ محمد ناصر الدين الألباني. نشر مكتبة التربية العربي لدول الخليج. ط: الأولى ١٤٠٧ هـ.\r\r٦٦ - صحيح مسلم.\rللإمام مسلم بن الحجاج المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر استانبول تركيا تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\r\r٦٧ - صفة الصفوة.\rللإمام جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ). ضبطه وخرج أحاديثه وعلق عليه عبد الرحمن اللاذقي حياة شيحا اللاذقي دار المعرقة. بيروت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080270,"book_id":1146,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":205,"body":"ط: الأولى ١٤١٥ هـ.\r\r٦٨ - صيد الخاطر.\rللإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. تحقيق: د/ عبد الرحمن البر. دار القبلتين الرياض.\r\r٦٩ - ضعيف سنن ابن ماجه.\rللعلامة محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\r\r٧٠ - الطبقات الكبرى.\rلأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي. دار صادر. بيروت.\r\r٧١ - طريق الهجرتين وباب السعادتين.\rللإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية. عنى بإخراجه محب الدين الخطيب. ط: الثانية ١٣٩٤ هـ.\r\r٧٢ - العمدة في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل.\rلأبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي مع شرحه العدّة لبهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي. نشر مؤسسة قرطبة. الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\r\r٧٣ - غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب.\rللإمام محمد السفاريني الحنبلي. ط: مطبعة الحكومة بمكة ١٣٩٣ هـ.\r\r٧٤ - غريب الحديث.\rلأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي المتوفى سنة ٢٢٤ هـ. مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد. الدكن. الهند. الطبعة الأولى ١٣٧٨ هـ.\r\r٧٥ - الفتاوى الكبرى.\rلشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية. تحقيق: عبد القادر عطا. مصطفى عبد القادر عطا. دار الريان للتراث. القاهرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080271,"book_id":1146,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":206,"body":"٧٦ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري.\rللإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ط: دار المعرفة. بيروت لبنان.\r\r٧٧ - فتح الباري شرح صحيح البخاري.\rللحافظ زين الدين أبي الفرج ابن رجب الحنبلي. تحقيق محمود بن شعبان بن عبد المقصود وجماعة معه. نشر مكتبة الغرباء بالمدينة النبوية.\r\r٧٨ - فتح القدير بين فني الرواية والدراية من علم التفسير.\rلمحمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠). دار الفكر للطباعة والنشر.\r\r٧٩ - الفصول في سيرة الرسول ﷺ.\rللحافظ أبي الفداء إسماعيل ابن كثير. تحقيق محمد العيد الخطراوي. محي الدين مستو. ط: السابقة ١٢١٦ هـ.\r\r٨٠ - فضائل الأوقات.\rلأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي. تحقيق عدنان عبد الرحمن القيسي. مكتبة المنارة مكة المكرمة. ط: الأولى ١٤١٠ هـ.\r\r٨١ - فيض القدير.\rلعبد الرؤوف المناوي. دار النشر: المكتبة التجارية الكبرى. الطبعة الأولى ١٣٥٦ هـ.\r\r٨٢ - القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة.\rتأليف عبد الرحمن بن ناصر السعدي. تحقيق: د/ خالد بن علي المشيقح. دار ابن الجوزي. ط: الثانية ١٤٢٣ هـ.\r\r٨٣ - كتاب الجهاد.\rللإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم الشيباني. تحقيق: مساعد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080272,"book_id":1146,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":207,"body":"بن سليمان الراشد. دار القلم. دمشق. ط: الأولى ١٤٠٩ هـ.\r\r٨٤ - كتاب معاني الحروف.\rلأبي الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي ت: ٣٨٤ هـ. تحقيق: د/ عبد الفتاح إسماعيل شلبي. ط: الثانية ١٤٠٧ هـ.\r\r٨٥ - الكلم الطيب.\rلشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي.\r\r٨٦ - لسان العرب.\rللإمام أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري. دار صادر. بيروت. ط: الثالثة ١٤١٤ هـ.\r\r٨٧ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف.\rلزين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي. تحقيق ياسين محمد السواسي. دار ابن كثير.\r\r٨٨ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.\rللحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧ هـ. عنيت بنشره مكتبة القدسي. القاهرة ١٣٥٣ هـ.\r\r٨٩ - المجموع.\rللإمام يحيى بن شرف النووي. المتوفى سنة ٦٧٦ هـ. تحقيق: محمود مطرحي. دار الفكر. بيروت. ط: الأولى ١٤١٧ هـ.\r\r٩٠ - مجموع الفتاوى.\rلشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية. جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد. الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080273,"book_id":1146,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":208,"body":"٩١ - المحجة في سير الدلجة.\rللحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب. تحقيق. يحيى مختار غزاوي. دار البشائر الإسلامية.\r\r٩٢ - المحصول.\rلمحمد بن عمر بن الحسين الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ. تحقيق: طه جابر فياض العلواني. الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ط: الأولى ١٤٠٤ هـ.\r\r٩٣ - مختصر قيام الليل.\rلأبي عبد الله محمد بن نصر المروزي. نشر حديث أكاديمي. فيصل أباد. باكستان.\r\r٩٤ - المختصر الكبير في سيرة الرسول ﷺ.\rلعز الدين بدر الدين بن جماعة الكناني (ت: ٧٦٧). تحقيق: سامي مكي العاني. دار النشر للنشر والتوزيع. ط: الأولى ١٤١٣ هـ.\r\r٩٥ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.\rللإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية. تحقيق: محمد حامد الفقي. دار الكتاب العربي. بيروت لبنان.\r\r٩٦ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل برواية ابنه عبد الله.\rتحقيق ودراسة علي بن سليمان المهنا. مكتبة الدار بالمدينة المنورة. ط: الأولى ١٤٠٦ هـ.\r\r٩٧ - المستدرك على الصحيحين.\rللإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية. بيروت لبنان. ط: الأولى ١٤١١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080274,"book_id":1146,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":209,"body":"٩٨ - مسند الإمام أحمد.\rللإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل. بتحقيق شعيب الأرنؤوط وجماعة معه. مؤسسة الرسالة. طبع على نفقة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله.\r\r٩٩ - المسودة في أصول الفقه.\rلآل تيمية. جمعها شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني المقدسي المتوفى ٧٤٥ هـ. مطبعة المدني.\r\r١٠٠ - مشكاة المصابيح.\rللإمام محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي. تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. ط: الثالثة ١٤٠٥ هـ.\r\r١٠١ - المصنف في الأحاديث والآثار.\rللإمام أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة. تحقيق: محمد عبد السلام شاهين. دار الكتب العلمية. لبنان بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\r\r١٠٢ - المصنف.\rللحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. المكتب الإسلامي.\r\r١٠٣ - المعتمد في فقه الإمام أحمد.\rجرى فيه الجمع بين نيل المآرب، ومنار السبيل، وملخص إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. إعداد: علي عبد الحميد بلطه جي، محمد وهبي سليمان. دار الخير. ط: الأولى ١٤١٨ هـ.\r\r١٠٤ - المعجم الأوسط.\rللإمام أحمد بن سليمان الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ). تحقيق: الدكتور محمود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080275,"book_id":1146,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":210,"body":"الطحان. مكتبة المعارف. الرياض. ط: الأولى ١٤١٥ هـ.\r\r١٠٥ - معجم البلدان.\rللإمام أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي. دار إحياء التراث العربي. بيروت ١٣٩٩ هـ.\r\r١٠٦ - المغني.\rلموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي. تحقيق. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي. د/ عبد الفتاح محمد الحلو. هجر للطباعة. القاهرة. ط: الأولى ١٤٠٦ هـ.\r\r١٠٧ - المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم.\rللإمام الحافظ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي. تحقيق: محي الدين ديب مستو. يوسف علي بديوي. دار ابن كثير. بيروت دمشق ط: الأولى ١٤١٧ هـ.\r\r١٠٨ - منهاج السنة.\rلشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية. تحقيق: محمد رشاد سالم. ط: إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ط: الأولى ١٤٠٦ هـ.\r\r١٠٩ - الموافقات في أصول الشريعة.\rلأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠ هـ. عنى بضبطه وترقيمه الشيخ عبد الله دراز، المكتبة التجارية بمصر.\r\r١١٠ - المنهاج في شعب الإيمان.\rللإمام أبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي. تحقيق: حلمي محمد فوده. دار الفكر. الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1080276,"book_id":1146,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":211,"body":"١١١ - النشر في القراءات العشر.\rللإمام الحافظ أبي الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣ هـ. خرج آياته الشيخ زكريا عميرات. دار الكتب العلمية. بيروت. ط: الأولى ١٤١٨ هـ.\r\r١١٢ - النهاية في غريب الحديث.\rللإمام مجد الدين المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير. ط: دار الفكر. بيروت لبنان الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\r\r١١٣ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.\rللعلامة محمد بن علي بن محمد الشوكاني. المتوفى سنة ١٢٥٥ هـ. مكتبة دار التراث. القاهرة.\r\r١١٤ - ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء.\rللإمام زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب. نشر مكتبة التراث الإسلامي.\r\r١١٥ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان.\rلأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (ت: ٨٦١ هـ). تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد. ط: الأولى ١٩٤٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}