{"page_id":1855491,"book_id":1863,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله الذي جعل محمّداً حسن الأخلاق، محمود الشمائل والأعراق، طاهر المولد والنقيبة، طيب المحتد والضريبة، قد أكمل منه الحقيقة، وابتعثه إلى جميع الخليقة، بعد أن نظمها بسلك الإنشاء لأجله، ونثر عليها فرائد نعمائه وفوائد فضله، ثمّ أثنى عليه في الذكر الحكيم بقوله عزّ من قائل: (وَإنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم) نعترف له بتبليغ الرسالة، ونصلّي عليه صلوة تبلغ في كمالها كماله، وعلى عترته المنتجبة، الذين تفرّعوا من شجرته الطيّبة، وصحبه الأماثل، ما ناوب الطالع الآفل.\rأمّا بعد؛ فلقد كان ممّا سمع به الدهر على شحه، أن أطلع في سماء الكرم نيّر صبحه، في عصر كأنّه المعنيّ بقول عمّنا المهدي:\rقد مات من كلتا يديك الكرم ... وسمع جدواك عراه الصمم\rوغاض من وجهك ماء الحيا ... فعاد منك الوجه صخراً أصم\rبل أصدق مواعيد أشرافه كالسراب الآفك في ترقرق نطافه، قد تواصت حتّى أمجاده بالبخل، وتعاقدت على طرد بني الآمال طرد غرائب الإبل، فما أحقّهم فيما جبلوا عليه من الطبع الردي بقول الشريف أبي الحسن الرضي الموسوي:\rوأيد جفوف لا تلين كأنّها ... ولو مطرت فيها العيون جماد\rلهنّ على طرد الضيوف تعاقد ... هراش كلاب بينهنّ عقاد\rولقد أخذه من قول أبي عيادة البحتري:\rلو صافحوا المزن ما ابتلت أكفّهم ... ولو يخوضون بحر الصين ما غرقوا\rجفّوا من البخل حتّى لو بدى لهم ... ضوء السهي في ظلام الليل لاحترقوا\rما فيهم إلاّ من هو منبسط اللسان بالعود، منقبض البنان عن الرفد، حريص إلاّ على حسبه، سمح إلاّ بما أضبت عليه يده من نشبه، كأنّه لم يسمع بقول أبي فراس:\rوما راح يطغيني بأثوابه الغنى ... ولا بات يثنيني عن الكرم الفقر\rوما حاجتي بالمال أبغي وفوره ... إذا لم يفر عرضي فلا وفر الوفر\rفلا ومن جعل السماحة في الأنجاب غريزة، والشحة فى الأحساب غميزة، ما ضمن ثوب هذا الزمن غير \"محمّد حسن\" فهو لما فيه من كرم الأخلاق وشرف النفس وطيب الشمائل وحسن المخائل كما قيل فيه، وأنا القائل:\rملك عظيم القدر أمّ ملك ... من تحت علياه جرى الفلك\rلبست به الدنيا أشعّتها ... فانجاب عن أقطارها الحلك\rنصر الرجا بالحود حين غدا ... بين الرجا واليأس معترك\rإن تنفرد بالجود راحته ... فالناس فى معروفها اشتركوا\rلا تلتقي أجفان حسده ... سهداً كأَنّ لها الكرى حسك\rولقد كان برقة أخلاقه وشرف طبعه وكرم أعراقه وجميل صنعه قد راض كرائم فكري حتّى استلان جماحها ومسج بيد شرفه غررها وأوضاحها، فجعلت ما أنشأته فيه من المدائح أزاء ما اصطنعه إليّ ابتداء من تلك المنايح لأنّ أفضل المكافات عَلَى الصنيعة شكر من أسداها، والثناء على من أولاها من حيث تظمن الثناء نشر المفاخر وتعداد المآثر على أنّه لظرفه ولما عنده من الهزة والأريحية على وقاره كان كثير الإعجاب بأبكار فكري الأتراب، فرأيت أنّ من تمام القيام بحقوق المحبّة لهذا الماجد أن أجمع شمل ما نظمته فيه وزيّنت به حسان معاليه، وأن أضيف إليه ما أنشأته أنا وعمّنا المهدي في أبيه وأُسرته في ضمن كتاب لطيف امع بين حسن العبارة والتأليف، وأن أُودّع فيه ما كتبنا به إليهم من الرسائل، وأوشّح كلّ مقام انتهي إليه بذكر ما يناسبه من الإستحسانات البديعيّة والإستضرافات الأدبيّة والنوادر الغريبة والحكايات العجيبة، لأنّ ذلك أدعى لتناقل المدح، وأبقى على الدهر لذكر الممتدح، وقبل الشروع بهذا المشروع أوعز هو إليّ أن أضمّ إلى ذلك الشمل ما نظمته في غيرهم من ذوي الفضل، وما اتّفق لي من الأبيات والقصائد في الأغراض والمقاصد، فأجبته إلى ما عزم به عَلَيّ إلاّ أنّي لم أثبت فيه ما كان لي في غيرهم إلاّ ما هو آخذ بنصيب وافر من الحسن والظرف إضراباً عن الإطناب المخل، واجتناباً عن الإكثار من إيراد ما يخرج عن المحل، فنظمت تلك القصائد والفوائد وضممت إليها شمل هاتيك البدائد في سلك هذا الكتاب راجياً أن يقع موقع الإستحسان من نضر ذوي الألباب، ووسمته ب \"العقد المفصّل\" في قبيلة المجد المؤثل، ورتّبته على مقدّمة وثمانية وعشرين باباً وخاتمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855492,"book_id":1863,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"أمّا المقدّمة ففي ترجمة من كان لأجله تنميق الكتاب وذكر أشياء تناسبها وفيها فصول وقد ألزمت نفسي أن أنظم في كلّ فصل ما يناسبه.\r\rفصل في نسبه وحسبه وأصله وشرف بيته\rأقول: أمّا نسبه فهو القمر الطالع بأعلا آفاق العراق، محمّد الملقّب بالحسن، المكنّى بأبي الهادي بن محمّد، الملقّب بصالح الزمن بن المصطفى للكرم، وأتقى من عرف واستلم.\r\rنسب أناف على الأنام به ... شرفاً فطال به على قصره\rهو عقد فضل لم تزل أبداً ... تتزيّن العلياء في درره\rذكرت بقولي على قصره قول أبي العلا المعرّي في تعزية الشريفين المرتضى وأخيه الرضي:\rأنتم ذووا النسب القصير فطولكم ... باد على الكبرآء والأشراف\rوالراح إن قيل ابنة العنب اكتفت ... باب من الأسماء والأوصاف\rيريد: أنتم في النسب لا تحتاجون إلى تعدّد آباء كثيرة، بل يكفيكم ذكر أب واحد، لأنّ آبائكم كلّهم كبراء كالراح إذا قيل ابنة العنب كفاها هذا النسب عن ذكر أوصاف زائدة على هذه النسبة.\rوأسماء تكسبها شرفاً، وهذا من أجود التمثيل وأحسنه، لأنّ الرجل إذا كان شريفاً وذكر أباه وعرف به قصر نسبه، وإذا لم يكن شريفاً افتقر إلى أن يذكر آباءً كثيرة حتّى يصل إلى أب شريف يعرف به، وما أحسن قول أبي المناقب وهو يماثل قول المعرّي هذا:\rلا تمتدحه بآباء له كرموا ... وأحرزوا الأمد الأقصى أباً فأبا\rفالراح قد أكثر المدآح وصفهم ... لها ولم يذكروا في وصفها عنبا\rوحكى الفرزدق قال: خرجت من البصرة أُريد العمرة، فرأيت عسكراً في البرية، فقلت: عسكر من هذا؟ فقيل: عسكر الحسين بن علي، فقلت: لأقضينّ حقّ رسول الله ﵌، فأتيته وسلّمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت: الفرزدق بن غالب، فقال: هذا نسب قصير، قلت: أنت أقصر منّى نسباً، أنت ابن رسول الله ﵌.\rوقال رؤبة العجاج:\rقد رفع العجاج ذكري فادعني ... باسمي إذا الأسماء طالت تكفّني\rويقال: إنّه دخل رؤبة على دغفل النسابة، فقال له: من أنت؟ قال: ابن العجاج، فقال دغفل: قصرّت وعرّفت.\rوقال الجمحي وقد أتاه بعض الناس يستشيره في امرأة أراد التزويج بها: أقصيرة هي أم غير قصيرة؟ فلم يفهم ذلك، فقال الجمحي: أردت القصيرة النسب تعرف بأبيها أو جدّها، وعلى هذا قول بعضهم:\rأحبّ من النسوان كلّ قصيرة ... لها نسب في الصّالحين قصير\rقوله: كلّ قصيرة، أراد المقصورة في البيت لا تترك أن تخرج منه.\rولطيف في ذلك قول ذي الرمة:\rوأنت التي حبّبت كلّ قصيرة ... إليّ وما تدري بذاك القصائر\rعنيت قصيرات الجمال ولم أرد ... قصار الخطا شرّ النساء البحاتر\rولنذكر هنا نبذاً ظريفة وجملاً طريفة في الأسماء والكُنى والألقاب من حديث عليّ ﵇ عن النبي ﵌: إذا سمّيتم الولد محمّداً فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجهاً.\rوعنه ﵌: ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم عليها من اسمه محمّد أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلاّ خيّر لهم، وما من مائدة وضعت وحضر عليها من اسمه محمّد أو أحمد إلاّ وقدّس ذلك المنزل في كلّ يوم مرّتين.\rوروى جابر عن النبي ﵌: ما من بيت فيه أحد اسمه محمّد إلاّ وسّع الله عليه الرزق، فإذا سمّيتموه فلا تضربوه ولا تشتموه، ومن ولد له ثلاثة ذكور ولم يسمّ أحدهم محمّداً أو أحمد فقد جفاني.\rوفي شرح النهج لابن أبي الحديد: جاء في الحديث: تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرّة.\rوكان سعيد بن المسيّب بن حزن المخزومي أتى جدّه رسول الله فقال له: من أنت؟ قال: حزن، فأراد النبي تغيير اسمه، فقال: لا بل أنت سهل. فقال: لا بل أنا حزن، عاوده فيها ثلاثاً، ثمّ قال: لا أحبّ هذا، الإسم السهل يوطىء ويمتهن، فقال ﵌: فأنت حزن. فكان سعيد يقول: ما زلت أعرف تلك الحزونة فينا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855493,"book_id":1863,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"وقال الزمخشري: قد قدم الخلفاء وغيرهم من الملوك رجالاً بحسن أسمائهم، وأقصوا قوماً لبشاعة أسمائهم، وتعلّق المدح والذم بذلك في كثير من الأثر، كتب الجاحظ إلى أبي الفرج بن نجاح بن سلمة رسالة، منها: وأقد أظهر الله في أسمائكم وأسماء آبائكم وكناكم وكني أجدادكم من برهان الفال الحسن ونفي طيرة السوء ما جمع لكم صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه الطلب، فأسمائكم وكناكم بين فرج ونجاح وسلامة وفضل، ووجوهكم وأخلاقكم وفق أعراقكم وأفعالكم، فلم يأخذ التفاوت فيكم بنصيب.\rوأراد عمر الإستعانة برجل، فسئله عن اسمه، فقال: سراق بن ظالم، فقال: تسرق أنت ويظلم أبوك، فلم يستعن به.\rوسأل بعضهم رجلاً عن اسمه، فقال: ما اسمك؟ قال: بحر، قال: أبو من؟ قال: أبوالفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلاّ في زورق.\rوكان بعض العرب اسمه وثّاب، وله كلب اسمه عمرو، فهجاه أعرابي آخر، فقال:\rولو هيّا له الله ... من التوفيق أسبابا\rلسمّى نفسه عمرواً ... وسمّى الكلب وثّابا\rوقال محمّد بن صدقة ليموت بن المزرع: صدق الله فيه اسمك، فقال له: أحوجك الله إلى اسم أبيك.\rوما أظرف قول بعضهم في نحوي اسمه نفطويه:\rلا خير في النحو وطلاّبه ... إن كان من طلاّبه النفطويه\rأحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي نياحاً عليه\rومثّل هذا في الظرافة قول بعضهم في من اسمه موسى، وإن كان بمعزل عن البشاعة:\rحلّقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا\rومن الملح النادرة ولم تحضرني كلّها ما حكي أنّ صبيّاً كان اسمه مرّة، واسم أبيه حنظلة، فقال له أبوه: إنّك لمرّ يا مرّة، فقال له: أعجبتني حلاوة أبي.\rويروى أنّه لمّا أقبل قحطبة بن شبيب نحو ابن أبي هبيرة، أراد ابن أبي هبيرة أن يكتب إلى مروان بخبره وكره أن يسمّيه، فقال: اقلبوا اسمه، فوجدوه \"هبط حق\"، فقال: دعوه على هيئته.\rوقال برصوما البرام لاُمّه: ويحك أما وجدتي لي اسماً تسمّيني به غير هذا؟ فقالت: لو علمت أنّك تجالس الخلفاء والملوك لسمّيتك يزيد بن مزيد.\rودخل شريك بن الأعور على معاوية وهو يختال في مشيته، فقال له معاوية: إنّك لشريك وما لله من شريك، وإنّك ابن الأعور والصحيح خير من الأعور، وإنّك لدميم والوسيم خير من الدميم، فبم سوّدك قومك؟ فقال له شريك: وإنّك معاوية وما معاوية إلاّ كلبة عوت فاستعوت فسمّيت معاوية، وإنّك ابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنّك ابن حرب والسلم خير من الحرب، وأنت ابن اُميّة وما اُميّة إلاّ أمة صغرت فسمّيت اُميّة، فبم صرت أميرالمؤمنين؟ فقال له معاوية: أقسمت عليك إلاّ خرجت عنّي، فخرج وهو يقول:\rأيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارم ومعي لساني\rوحولي من ذوي يمن ليوث ... ضراغمة تهشّ إلى الطعان\rيعيّر بالدمامة من سفاه ... وربّات الحجال من الغواني\rذوات الحسن والريبال جهم ... شئيم وجهه ماضي الجنان\rوقيل: ولد لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولد ذكر فبُشِّر به وهو عند معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية: سمّه باسمي ولك خمسمائة ألف درهم، فسمّاه معاوية، فدفعها إليه وقال: اشتر بها لسميّي ضيعةً.\rويقال أنّه ارتفع إلى بعضهم وكان يتشيّع خصمان اسم أحدهما علي والآخر معاوية، فانحنى على معاوية فضربه مائة سوط من غير أن اتّجهت عليه حجّة، ففطن من أين أُتي، فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو أبو عبد الرحمن، وكانت كنية معاوية بن أبي سفيان، فبطحه وضربه مائة سوط، فقال لصاحبه: ما أخذته منّي بالإسم استرجعته منك بالكنية.\rودخل جرير على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أميرالمؤمنين، قال: هذا عدي بن الرقاع، فقال جرير: شرّ الثياب الرقاع، فممّن هو؟ قال: من عامله، فقال جرير: (عامِلَةٌ ناصِبَة، تَصْلى ناراً حامية) ، ثمّ قال:\rيقصر باع العاملي عن العُلى ... ولكن أير العاملي طويل\rفقال له عدي:\rأُمّك كانت خبّرتك بطوله ... أم أنت امرء لم تدر كيف تقول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855494,"book_id":1863,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"فقال جرير: بل لم أدر كيف أقول، فوثب عدي إلى رجل الوليد يقبّلها وقال: أجرني منه، فقال الوليد لجرير: إن ذكرته في شعرك لأسرجنّك ولألجمنّك حتّى يركبك فيعيرك بذلك الشعراء.\rوأظنّ أنّ من تتمّة هذه القصّة ما هذا مضمونه: إنّ جريراً لمّا خرج من عند الوليد وإلى جنبه عدي، قال لمن على الباب: كدت أخرج إليكم وهذا القرد على عاتقي.\rوقيل لبعض صبيان الأعراب: ما اسمك؟ قال: قراد، قيل: لقد ضيّق عليك أبوك الإسم، قال: إن ضيق الإسم لقد أوسع الكنية. قيل: ما كنيتك؟ قال: أبو الصحاري.\rونظر المأمون إلى غلام حسن الوجه في الموكب، فقال له: ما اسمك؟ قال: لا أدري، قال: يا غلام أو يكون أحد لا يعرف اسمه؟ فقال: يا أميرالمؤمنين اسمي الذي أُعرَفُ به \"لا أدري\"، فقال المأمون:\rوسمّيت لا أدري لأنّك لا تدري ... بما فعل الحبّ المبرح في صدري\rومن أبيات المعاني:\rوحللت من مضر بأمنع ذروة ... منعت بحدّ الشوك والأحجار\rقالوا: يريد بالشوك أخواله وهم قتادة وطلحة وعوسجة، وبالأحجار أعمامه وهم صفوان وفهر وجندل.\rوجمع ابن دريد ثمانية اسماء في بيت واحد وهو قوله:\rفنعم أخ الجلى ومستنبط الندى ... وملجأ مكروب ومفزع لاهث\rعياذ بن عمرو بن الجليس بن عامر بن زيد بن منظور بن زبد بن وارث وقال بعضهم:\rلعمرك ما الأسماء إلاّ علامة ... منار ومن خير المنار ارتفاعها\rوقال الفرزدق:\rوقد تلتقي الأسماء في النّاس والكُنى ... كثيراً ولكن ميّزوا في الخلائق\rوقال البحتري:\rوإذا الأنفس اختلفن فما ... يغني اتّفاق الأسماء والألقاب\rقال الزمخشري في ربيع الأبرار: إعلم أنّ الإسم كلّما كان غريباً كان أشهر لصاحبه وأمنع من تعلّق النبز به، كما سمّيت \"اسما\" بنت أبي بكر \"ذات النطاقين\"، وقد صارت لها هذه الصفة علماً بالتغليب بحيث لم يوجد في نظم الشعراء من وصف به غيرها من النساء، وسمّيت بذلك لأنّها كانت تطارق نطاقاً فوق نطاق عند معاناة الأشغال، أو كانت تظاهر بين نطاقين لزيادة التستّر، أو غير ذلك ممّا هو منقول في محلّه.\rقال ابن الأثير في نهايته: المنطق النطاق وجمعه مناطق وهو أن تلبس المرأة ثوبها ثمّ تشدّ وسطها بشيء وترفع وسط ثوبها وترسله على الأسفل لئلاّ تعثر في ذيلها، وهذا أليق بالقول الأوّل وهو أنّها تصنع ذلك عند معاناة الأشغال.\rوفي القاموس: المنطقة كمكنسة ما ينتطق به وكمنبر وكتاب شقّة تلبسها المرأة وتشدّ وسطها فترسل الأعلا على الأسفل إلى الأرض، والأسفل ينجرّ على الأرض ليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان، وانتطقت لبستها.\rقوله: ولا نيفق، نيفق السراويل، الموضع المتّسع منها، وهذا أليق بالوجه الثاني وهو أنّها تصنع ذلك لزيادة التستّر.\rوكما سمّيت هنيدة بنت صعصعة \"ذات الخمار\" وهي عمّة الفرزدق، وكانت تقول: من جاءت بأربعة كأربعتي من نساء العرب يحلّ لها أن تضع خمارها عندهم فصرمتي لها: أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي الزبرقان بن بدر.\rقولها: فصرمتي لها، الصرمة بكسر الصاد وسكون الراء القطعة من الإبل.\rوكما سمّي الإسكندر \"ذاالقرنين\" من حيث ملك الشرق والغرب. وقيل: لكونه رأى في النوم أنّه أخذ بقرني الشمس، أو غير ذلك ممّا ذُكر.\rوكما سمّي خزيمة \"ذا الشهادتين\" وسبب تسميته بذلك أنّ النبي ﵌ استقضاه يهودي ديناراً، فقال له: أولم أقضك؟ فطلب البيّنة، فقال لأصحابه: أيّكم يشهد لي؟ فقال خزيمة: أنا يا رسول الله، فقال: وكيف تشهد بذلك ولم تحضره ولم تعلمه؟ فقال: يا رسول الله إنّا نصدّقك على الوحي من السماء، فكيف لا نصدّقك أنّك قضيته، فأنفذ شهادته وسمّاه بذلك لأنّه صيّر شهادته شهادة رجلين.\rوكما سمّي قتادة بن النعمان \"ذا العينين\" وسبب ذلك أنّه اُصيبت عينه يوم اُحد فسقطت على خدّه، فردّها رسول الله فكانت أصحّ وأحسن من الاُخرى وكانت تعتلّ الباقية ولا تعتل المردودة، فقيل له ذا العينين أي له عينان مكان الواحدة.\rوكما يُسمّى الجارح من الطير \"ذا النظرتين\" لأنّه ينظر ثمّ يطأطأ فإذا أثبت الصيد مكانه قصده.\rوكما يُسمّى الجاسوس من الطّير \"ذا العينين\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855495,"book_id":1863,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"وطاهر بن الحسين \"ذا اليمينين\" سمّى بذلك لأنّه قال له المأمون: يمينك يمين أميرالمؤمنين وشمالك يمين فبايع بيمينك يمين أميرالمؤمنين. وكتب إليه بعض أصحابه كتاباً عنونه بقوله: للأمير المهذّب المكنّى بأبي الطيب ذي اليمينين طاهر بن الحسين.\rوالفضل بن سهل \"ذا الرياستين\" لأنّه دبّر أمر السيف والقلم، وولي رياسة الجيوش والدواوين، ودخل عليه شاعر يوم المهرجان وبين يديه الهدايا، فقال:\rاليوم يوم المهرجان ... وهديّتي فيه لساتي\rلك دولتان قديمة ... وحديثة ورياستان\rلك في الذرى من هاشم ... بيت وبيت خسرواني\rعلم الخليفة حيث أنت ... فصرت في هذا المكان\rفأمر له بجميع الهدايا.\rوللشعراء تصرّفات عجيبة وتفنّنات غريبة في جملة من الأسماء من تفأل وهجاء وغير ذلك من ظرائف الأنحاء.\rقال بعضهم في هجاء من اسمه لؤلؤ:\rسمّتك أُمّك لؤلؤ فكأنّها ... علمت بأنّك بعد حين تثقب\rوسمعت تدعى بالجواد فلم أزل ... متعجّباً حتّى رأيتك تُركب\rنظير قول بعضهم من جملة أبيات:\rإذا قيل في الدنيا جواد فقل نعم ... جواد ركوب لا جواد عطاء\rوقال الباخرزي في مأبون:\rفكأنّه فرعون إلاّ أنّه ... من جانب الوجعاء ذوالأوتاد\rوالوجعاء المراد بها الاُست لا مطلقاً بل أُست المأبون.\rوسمع البحتري قول ابن الرومي:\rسمّاه أُسرته العلاء وإنّما ... قصدوا بذلك أن يتمّ علاه\rفقال: أخذه من قولي:\rكأنّ أباه حين سمّاه صاعداً ... رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد\rوقال البحتري:\rسمّاه سعداً ثمّ لم يسعد به ... عمري لقد ألفاه سعد الذابح\rومن ظريف ما يُحكى أنّ شهاب الدين كان يوماً عند الملك الأشرف، فدخل عليه سعدالدين الحكيم، وكانت بينهما وحشة، فقال الأشرف: ما تقول يا شهاب الدين في سعدالدين؟ فقال: إذا كان عندك فهو سعد السعود، وإذا كان على السماط فهو سعد بلع، وفي الخيام عن الضيوف سعد الأخبية، وعند المريض سعد الذابح (وهذه الأربعة في برج الجدي والدلو ينزلها القمر) .\rوممّا جاء للشعراء في مدح الأنساب والإفتخار بها في الأشعار قول أبي تمام:\rنسب كان عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا\rوقول البحتري:\rنسب كما اطّردت كعوب مثقف ... لدن يزيدك بسطة في الطول\rوقول الشريف الرضي:\rلهم نسب كاشتباك النجوم ... ترى للمناقب فيه ازدحاما\rوقول مهيار:\rأعجبت بي بين نادي قومها ... أُمّ سعد فمضت تسئل بي\rسرّها ما علمت من خلقي ... فأرادت علمها ما حسبي\rلا تخالي نسباً يخفضني ... أنا من يرضيك عند النسب\rقومي استعلوا على الدهر علاً ... ومضوا فوق رؤس الحقب\rعمّموا بالشمس هاماتهم ... وبنوا أبياتهم بالشهب\rوأبي كسرى على أيوانه ... أين في الناس أب مثل أبي\rسؤدد الملك القدامى وعلى ... شرف الإسلام لي والأدب\rقد قبست المجد من خير أب ... وقبست الدين من خير نبي\rوضممت الفخر من أطرافه ... سؤدد الفرس ودين العرب\rوقولي في نسب بعض أكابر العلويين:\rنسب عقدن أصوله ... بذوائب العليا فروعه\rولنختم هذا المقام بما قاله أبوالحسين ابن عبد الله السلامي مخاطباً للشريف الرضي، ولعمري إنّ من ألّفت لأجله هذا الكتاب لخليق بذلك الخطاب:\rمتناسلين وأنت كنت مرادهم ... متردّدين إليك في الأصلاب\rحتّى ولدت فأغفلوا أنسابهم ... وغدى وجودك أشرف الأنساب\rوأمّا حسبه: فغرّة في جباه المآثر، وزهرة في رياض الفضل، قد عطّر جيب الدهر بأرجه، ولألأ سماء الشرف بأشعّته.\r\rحسب لو لبست شمس الضحى ... نوره ما لبست ثوب غروب\rبرد فخر وعلى خير الورى ... بيّد السؤدد مزور الجيوب\rوالحسب هو ما يعدّ من مفاخر الآباء أو المال أو الدين أو الكرم أو الشرف في الفعل أو الشرف الثابت في الآباء، وقد يكون الحسب والكرم لمن لا آباء له شرفاء بخلاف المجد، والذي أراه أنّه لا يكمل للمرء فخره بحسبه إلاّ إذا كان له من المآثر ما كان لآبائه، وإلى ذلك يشير قول الشاعر:\rإنّا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتّكل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855496,"book_id":1863,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثلما فعلوا\rوممّن أجاد في الإفتخار بحسبه أبوالطمحان وذلك حيث قال:\rوإنّي من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه\rأضائت لهم أحسابهم ووجوهم ... دجى الليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه\rنجوم سماء كلّما انقضّ كوكب ... بدى كوكب تأوى إليه كواكبه\rوما زال منّا حيث كان مسوّد ... تسير المنايا حيث سارت مواكبه\rأخذ قوله: أضائت لهم إلى آخره أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم المعروف بالحصيري القيراوي فنقله من الإفتخار إلى الغزل، فقال:\rحتّى إذا طاح منها المرط من دهش ... وانحلّ بالظلم نظم العقد في الظلم\rتبسّمت فأضاء الليل فالتقطت ... حباة منتثر في ضوء منتظم\rوأخذ السيّد الرضي فقال:\rبتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفّنا الشوق من قرن إلى قدم\rوبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم\rوقال أبو التمام وأحسن ما شاء في نعت الأحساب:\rما إن ترى الأحساب بيضاً وضحاً ... إلاّ بحيث ترى المنايا سودا\rوقال أبوطالب المأموني مفتخراً:\rأرى مأربكم في نظم قافية ... وما أرى لي في غير العلا إربا\rعدّوا عن الشعر إنّ الشعر منقصة ... لذي العلاء وهاتوا المجد والحسبا\rويشعر بذلك قول أفلاطون الحكيم: من جمع إلى شرف أصله شرف نفسه فقد قضى الحقّ الذي عليه واستدعى التفضيل بالحجّة، ومن أغفل نفسه واعتمد على شرف آبائه فقد عقّهم واستحقّ أن لا يقدم بهم على غيره.\rوقوله أيضاً: كما أنّ من كان له سلف في الشجاعة والسخاء لا يستحقّ أن يكرم لسلفه إذا كان جباناً بخيلاً، فكذلك سائر أنواع الشرف لا يستحقّ المنتسب إليها التقديم إلاّ إذا حوى ما يذكر به أسلافه.\rوقال أيضاً: السعيد من تمّت به رياسة آبائه، والشقي منهم من انقطعت عنده.\rأقول: بل أرى المرء بحسبه أكمل في الفخر إذا زاد بشرف نفسه ذكر آبائه نباهة، وما أحسن قول مهيار في زيادة الابن على آبائه شرفاً:\rوجئت بمعنىً زائد فكأنّهم ... وما قصروا عن غاية المجد قصّروا\rوقوله أيضاً وهو من بدائعه ونوادره، بل هو بالسحر أشبه منه بالشعر، وذلك حيث قال:\rإن كنت ممّن طواه الدهر ممترياً ... منهم فعندك من منشورهم خبر\rهذا الحسين حيوة خلّدت لهم ... ما هم بأوّل موتى بابنهم نشروا\rصلّى فزادت على السبّاق حلبته ... محلّق العرف جار خطوه حضر\rكالسهم أحرز ذكراً يوم ترسله ... لم يعطه أبواه القوس والوتر\rعصارة فضّلت في الطيب طينتها ... والخمر أطيب شيء منه يعتصر\rقوله: جار خطوه حضر أي واسع.\rوأمّا أصله: فأقول إنّه تفرّع عن أصل تروّت بماء الكرم أرومته، ونمت في طينة الشرف جرثومته، وبسقت أراكة شرفه في آفاق المآثر آخذةً بأطراف المفاخر، فتفيّأ العفاف ظلّ أفنانها، واجتنت أكفّ الآمال ثمار أغصانها.\r\rكريم تفرّع عن دوحة ... ذكى في العلا طيب أعراقها\rوكم قد تغنّت بأحلى المديح ... حمام الثناء على ساقها\rوعلى ذكر الأصل ما رواه الصلاح الصفدي في شرح لامية العجم، قال: نقلت من بعض مجاميع القاضي شمس الدين بن خلّكان قال: أنشدني بعض الاُدباء في الجمال أبي الحسين الجزّار ولا أعرف قائله ولا الأبيات المضافة إليه، فقلت لأبي الحسين ذلك، وقلت إن كنت تعرف ذلك فأنشدنيه وعرّفني قائله، فقال: وما البيت؟ فأنشدته:\rفليس يرجوه نمير كلب ... وليس يخشاه نمير تيس\rقال: فاستحسن ذلك المعنى، وجائني ثاني يوم وقال: قد عملت أبياتاً، وأنشدني قوله:\rألا قل للذي يسئل ... عن قومي وعن أهلي\rيريقون دم الأنعام ... في حزن وفي سهل\rوما زالوا لما يبدون ... من بأس ومن بذل\rيرجّيهم بنو كلب ... ويخشاهم بنو عجل\rقال الصلاح: وأوّل البيتين اللّذَين أوردهما ابن خلّكان هو:\rإن تاه جزّاركم عليكم ... بفطنة في الورى وكيس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855497,"book_id":1863,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"وثانيهما البيت الذي مرّ ذكره، وهما لمجاهد الخيّاط، وله في أبي الحسين المذكور عدّة مقاطيع يهجوه بها، وقد عبث الناس بأبي الحسين وهجاه من أهل عصره خلق كثير بالشعر والأرجاز، وما كان في طبقته ممّن هجاه من يقاربه في النظم.\rولأبي الحسين الجزّار أيضاً وهو في غاية الحسن:\rإنّي لمن معشر سفك الدماء لهم ... دأب وسل بهم إن شئت تصديقي\rتضيء بالدم أشراقاً عراصهم ... وكلّ أيّاهم أيّام تشريق\rومن هذا الباب ما قال بعضهم فيمن كان أبوه حجّاماً وهو في غاية الظرافة:\rأبوك أوهى النجاة عاتقه ... وكم كمي أردى وكم بطل\rله رقاب الملوك خاضعة ... من بين حاف وبين منتعل\rيأخذ من مالها ومن دمها ... لم يمس من ثاره على وجل\rومن الحكايات اللطيفة في هذا الباب ما رواه الصلاح الصفدي عن بعضهم قال: كنت جالساً عند بعض ولات الطوف ليلة، فجاء بعض غلمانه إليه برجلين فقال لأحدهما: من أبوك؟ فقال:\rأنا ابن الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود\rترى الناس أفواجاً على باب داره ... فمنهم قيام حولها وقعود\rفقال الوالي: ما كان أبو هذا إلاّ كريماً، ثمّ قال للآخر: من أبوك؟ فقال:\rأنا ابن من دانت الرقاب له ... مابين مخزومها وهاشمها\rخاضعةً أذعنت لطاعنه ... يأخذ من مالها ومن دمها\rفقال الوالي: ما كان أبو هذا إلاّ شجاعاً وأطلقهما، فلمّا انصرفا قلت للوالي: أمّا الأوّل فكان أبوه يبيع الباقلاء المصلوقة، وأمّا الثاني فكان أبوه حجّاماً، فقال الوالي:\rكن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك مضمونه عن النسب\rإنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي\rوفي معنى هذين البيتين ما روي أنّ الخصيب صاحب مصر سأل أبا نؤاس عن نسبه، فقال: أغناني أدبي عن نسبي.\rوممّا يناسب هذا المعنى قول المتنبي:\rلا بقومي شرّفت بل شرّفوا بي ... وبجدّي فخرت لا بجدودي\rوبهم فخر كلّ من نطق الضاد ... وعوذ الجاني وغوث الطريد\rويقال لمن يفخر بنفسه هو \"عصامي\" إشارة إلى قول النابغة في عصام حاجب النعمان:\rنفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما\rوصيّرته ملكاً هماما ويقال لمن يفخر بآبائه \"عظامي\" إشارة إلى فخره بالأموات من آبائه ورهطه، قال الشاعر:\rإذا ما الحي عاش لعظم ميت ... فذاك العظم حيّ وهو ميت\rودخل عبيد الله بن زياد التميمي على أبيه وهو يجود بنفسه، فقال: ألا اُوصي بك الأمير؟ فقال: إذا لم يكن للحي إلاّ وصيّة الميّت فالميّت هو الحي.\rويقال: إنّ عطاء بن سفيان قال ليزيد بن معاوية: أغنني عن غيرك، قال: حسبك ما أغناك به معاوية، قال: فهو إذاً الحي وأنت الميّت.\rقال علي ﵇: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.\rوقال ﵇: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب آبائه.\rقال الشاعر:\rلئن فخرت بآباء ذوي حسب ... لقد صدقت ولكن بئسما ولدوا\rوكان يقال: أجهل الناس من افتخر بالعظام البالية، وتبجح بالقرون الماضية، واتّكل على الأيّام الخالية.\rوكان يقال: من طريف الاُمور حيّ يتّكل على ميّت.\rوكان يقال: ضعة الدني في نفسه الرفيع في أصله أقبح من ضعة الوضيع في نفسه وأصله، لأنّ هذا تشبه بآبائه وسلفه وذاك قصر عن أصله وسلفه، فهو إلى الملامة أقرب وعن العذر أبعد.\rوافتخر شريف بآبائه فقيل له: لو وفّقت لما ذكرت أباك لأنّه حجّة عليك تنادي بنقصك وتقرّ بتخلّفك.\rوكان جعفر بن يحيى يقول: ليس من الكرام من افتخر بالعظام.\rوقال الفضل بن الربيع: كفى بالمرء عاراً أن يفتخر بغيره.\rوقال: من افتخر بآبائه فقد نادى على نفسه بالعجز، وأقرّ على نفسه بالدنائة.\rوقيل لرجل يدلّ بشرف أبيه: لعمري لك أوّل ولكن ليس لأوّلك آخر.\rومثله: إنّ شريفاً بآبائه فاخر شريفاً بنفسه، فقال الشريف بنفسه: إنتهى إليك شرف أهلك ومنّي ابتدء شرف أهلي، وشتّان بين الإبتداء والإنتهاء.\rوقيل لشريف ناقص الأدب: إنّ شرفك بأبيك لغيرك، وشرفك بنفسك لك، فافرق بين ما لك وما لغيرك، ولا تفرح بشرف النسب فإنّه دون شرف الأدب.\rقال ابن الرومي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855498,"book_id":1863,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"وما الحسب الموروث لا درّ درّه ... بمحتسب إلاّ بآخر مكتسب\rإذا العود لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتدّه الناس في الحطب\rوقال آخر:\rوما فخري بمجد قام غيري ... إليه وقد رقدت الليل عنّه\rإلى حسب الفتى في نفسه انظر ... ولا تنظر هديت إلى ابن من هو\rوقال آخر:\rإذا فخرت بآبائي وأجدادي ... فقد حكمت على نفسي لأضدادي\rهل نافعي إنّ سعي جدّي لمكرمة ... ونمت عن أختها في جانب الوادي\rوقال آخر:\rأيقنعني كوني ابن من كوني ابنه ... أبى لي أن أرضى لفخري بمجده\rإذا المرء لم يحو العلاء بنفسه ... فليس بحاو للعلاء بجدّه\rوهل يقطع السيف الحسام بأصله ... إذا هو لم يقطع بصارم حدّه\rويقال لمن يفخر بغير أولية كانت له \"خارجي\"، قال كثير العبد العزيز:\rأبا مروان لست بخارجي ... وليس قديم مجدك بانتحال\rوأمّا بيته: فأقول إنّه نشأ في بيت رفعت يد العزّ على أوّل الدهر قواعده، وطهرت للطائفين والعاكفين محاريبه ومساجده، ووقّرت الهيبة مجلسه، وزهرت به بشاشته المؤنسه، فلا ينطق نديّه العوراء، ولا تمرّ بأطراف سماطه البذائة والفحشاء، ومن كان له هذا البيت صدق فيه بيت الأرجاني:\rوأحسن حلية بيت حديث ... يصاغ لمن له بيت قديم\rبيتٌ هو معرس السفر، ومغرس الحمد والشكر، ومجتمع الرغائب، ومنتجع المواهب.\r\rبيت مجد إن حوى شكر الورى ... فعلى معروفه كانوا عيالا\rلم يكن للجود إلاّ مطلعاً ... يملأ العين هلالاً فهلالا\rولقد أجاد الإفتخار في بيته الفرزدق بن غالب وذلك حيث قال:\rإنّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعزّ وأطول\rبيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبوالفوارس نهشل\rحدّث سلمة بن عياض مولى بني عامر بن لوي قال: دخلت على الفرزدق السجن وهو محبوس وقد قال قصيدته التي منها:\rإنّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعزّ وأطول\rبيتاً بناه لنا المليك وما بنى ... ملك السماء فانّه لا ينقل\rوقد أُفحم، فقلت: ألا أرفدك؟ فقال: وهل عندك ذاك؟ قلت: نعم، ثمّ قلت:\rبيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبوالفوارس نهشل\rفاستجاد البيت وغاظه قولي، فقال لي: ممّن أنت؟ فقلت: من قريش، قال: من أيّها؟ قلت: من بني عامر بن لوي، فقال: لئام والله وضيعة جاورتهم بالمدينة فما أحمدتهم، فقلت: ألأم والله منهم وأوضع قومك، جائك رسول مالك بن المنذر وأنت سيّدهم وشاعرهم فأخذ بأُذنك يقودك حتّى حبسك فما اعترضه أحد ولا نصرك، فقال: قاتلك الله ما أمكرك، وأخذ البيت وأدخله في قصيدته.\rوحدّث أبو مالك الرواية قال: سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان لرجل منّا يقال له النضر، فحدّثني قال: خرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء كوماء أُريد اليمامة، فلمّا صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصرصران، ارتفعت سحابة فأرعدت وأبرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرى، فأجابوا، فدخلت داراً لهم وأنخت راحلتي وجلست تحت ظلّة لهم من جريد النخل، وفي الدار لهم جويرية سوداء إذ دخلت جارية كأنّها سبيكة فضّة وكأنّ عينيها كوكبان درّيّان، فسألت الجارية: لمن هذه العيساء - تعني ناقتي -؟ فقيل: لضيفكم هذا، فعدلت إليّ وسلّمت عَلَيّ، فرددت ﵍، فقالت: ممّن الرجل؟ فقلت: من بني حنظلة، فقالت: من أيّهم؟ فقلت: من بني نهشل، فتبسّمت وقالت: أنت إذاً ممّن عناه الفرزدق بقوله، وذكرت الأبيات السابقة، قال: فقلت: نعم جعلت فداك وأعجبني ما سمعت منها، فضحكت وقالت: فإنّ ابن الخطفي قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي قد فخرتم به وذلك حيث يقول:\rأخزى الذي رفع السماء مجاشعاً ... وبنى بناءً بالحضيض الأسفل\rبيتاً يحمّم قينكم بفنائه ... دنساً مقاعده خبيث المدخل\rقال: فوجمت، فلمّا رأت ذلك في وجهي قالت: لا بأس عليك فإنّ الناس يقال فيهم ويقولون، ثمّ ساقت حديث اليمامة وقصّة ابن عمّها عمرو بن كعب بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء.\rرجع إلى ما كنّا فيه: قال بعضهم وأحسن كلّ الإحسان بقوله مفتخراً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855499,"book_id":1863,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"إن أكن مهدياً لك الشعر إنّي ... لابن بيت تهدى له الأشعار\rأخذ هذا المعنى الصاحب بن عباد أخذاً حسناً فقال مفتخراً:\rإنّ خير المداح من مدحته ... شعراء البلاد في كلّ نادي\rوقال مهيار الديلمي في أبي الحسن محمّد بن علي بن المزرع وقد بلغ النهاية في الحسن:\rوحبّذا بين بيوت أسد ... بيت إذا ضلّ الضيوف هادي\rأتلع طال كرماً ما حوله ... تشرّف الربى على الوهاد\rموضحة على ثلاثة ناره ... إن سرقوا النيران في الرماد\rبيت وسيع الباب مبلول الثرى ... ممهّد المجلس رخص الزاد\rإن قوّض البيوت أصل جائر ... طنّب بالآباء والأجداد\rترفع من محمّد سجوفه ... جوانب الظلماء عن زياد\rفصل في كرمه وأخلاقه\rأمّا كرمه: فإنّه ومنشىء البشر للكريم الذي صدق فيه المخبر والخبر، وشهد بجوده السمع والبصر، لا كمن كاصله أياديه، خبر يلفقه لسان راويه؛ قد حسن منظره وقبح مخبره.\r\rإن يبلغنّك عن جود امرء خبر ... فكذّب السمع حتّى يشهد البصر\rولا يغرّنّك من راقت ظواهره ... فربّ دوح نظير ما له ثمر\rكأنّما بعث في الجود وحده، مرسلاً لا نبيّ بعده، في زمن لا تندى صفاته، ولا تلين الإستعطاف حصاته، فلا يشار في صلة الأرحام والأواصر إلاّ إليه، ولا تنعقد الخناصر في تعداد الكرام إلاّ عليه، ويحقّ لي أن أُنشىء فيه:\rتوسّمت أبناء الزمان فشمتهم ... وبعضهم في لؤمه مشبه بعضا\rفبين ضنين بالعطا متوقّف ... ولكنّه في المنع كالسيف بل أمضى\rوبين شديد الحرص لو يبس كفّه ... على الأرض يلقى لحظة أمحل الأرضا\rفلم أر للمعروف أهلاً سوى امرء ... يرى صلة الوفّاد يوم الندى فرضا\rعلى أنّه إنّما يحسن إهداء الثناء إليه، مع غنائه عنه بما تثني ألسنة مكارمه عليه، من حيث أنّ المدح يذيع بنشره كما يذيع النسيم الغض بريا المسك على طيب نشره، كما قلت فيه - وفيه التضمين -:\rمحمّد الحسن استغنيت بالحسن ... من مدح مجدك عمّا قيل في الزمن\rفكارم العرب في تلك الجفان وقل ... \"هذي المكارم لا قعبان من لبن\"\rوفاخر الصيد في لبس الثناء وقل ... \"هذي المفاخر لا ثوبان من عدن\"\rوالتضمين المذكور في شطرين من بيتين لبعضهم وهما:\rهذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا\rهذي المفاخر لا ثوبان من عدن ... خيطا قميصاً فعادا بعد أسمالا\rوممّا ورد في مدح الكرم وأربابه وذمّ البخل وأربابه: قال أميرالمؤمنين علي ﵇: الكريم لا يلين على قسر ولا يقسو على يسر.\rوقال ﵇: من قبل عطائك فقد أعانك على الكرم، ولولا من يقبل الجود لم يكن من يجود.\rوقال ﵇: من انتجعك مؤمّلاً فقد أسلفك حسن الظن.\rوقال ﵇: أحبّ الناس إليك من كثرت عندك أياديه، فإن لم يكن فمن كثرت عنده أياديك.\rوقال ﵇: الرغبة إلى الكريم تحرّكه على البذل، وإلى الخسيس تغريه بالمنع.\rوقال الصادق جعفر بن محمّد ﵇: إنّ الحاجة لتعرض للرجل عندي فاُبادر بها خوفاً من أن يستغني عنها أو تأتيه وقد استبطاها فلا يكون لها عنده موقع.\rوكانت أُمّ البنين تقول: أُفٍّ للبخل، لو كان ثوباً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته.\rوقال المأمون: لئن أخطىء باذلاً أحبّ إليّ من أن أُصيب مانعاً.\rوقال محمّد بن السماك: أهنىء المعروف ما لا مطل في أوّله ولا مَنٌّ في آخره.\rومدح نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر فأجزل عطيّته، فقيل له: تسنع بهذا العبد الأسود مثل هذا؟ فقال: إن كان أسود فإنّ ثناه أبيض بقق، وشكره عربي ذو رونق، ولقد استحقّ بما قال أكثر ممّا نال، وهل هي إلاّ رواحل تنضى وثياب تبلى وما يفنى، استعضنا عنه مديحاً يروى وثناء يبقى.\rوكتب رجلاً من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإبقاء على نفسه ويخوّفه الفقر، فردّ عليه: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بالفَحْشاء واللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً واللهُ واسِعٌ عَليمٌ) ، وأنا أكره أن أترك أمراً قد وقع لأمر لعلّه لا يقع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855500,"book_id":1863,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"وقيل لابن عبّاس: من سادة الناس؟ فقال: أمّا في الدنيا فالأسخياء، وأمّا في الآخرة فالأتقياء.\rوسُئِل شعيب: ما الجود؟ فقال: أن لا يضن الرجل بما يملك عمّن هو لعطيّته أهل.\rومن أمثالهم: ألبخل يهدم مباني الكرم.\rوقد ذمّ رجل رجلاً فقال: ما تبل إحدى يديه الاُخرى.\rوقال آخر في البخيل: البخيل يملأ بطنه والجار جايع، ويحفظ ماله والعرض ضايع.\rوقال معاوية لعمرو: ما السخاء يا أبا عبد الله عند العرب؟ قال: جهد المقل. ينظر فيه قول رسول الله ﵌: جهد المقل أكثر من عفو المكثر.\rوكان يقال: ما عزّة أثبت أركاناً ولا ألزم بنياناً من بثّ المكارم واكتساب المحامد.\rومن مختار قول الحكماء في الكرماء واللؤماء قولهم: الكرام في اللئام كالغرّة في جبهة الفرس.\rومن مختار قول الثعالبي في ذلك: الكريم إذا سُئل ارتاح، واللئيم إذا سُئل ارتاع. الكريم في مركز القلب، واللئيم في مزجر الكلب.\rوقال في الكريم على حدّه: طلعة الكريم طلقة عند اللقاء ويده منطلقة بالعطاء.\rوقال في اللئيم على حدّه: همّة البخيل هامدة ومنّته خامدة ويده جامدة، الإحسان إلى اللئيم أضيع من الرقم على بساط الهواء والخط على بسيط الماء.\rوأحسن ما قيل في المبالغة بقلّة الكرام وكثرة اللئام قول الشيخ أبي تمام:\rولقد يكون ولا كريم نناله ... حتّى نخوض إليه ألف لئيم\rومن الغايات قوله في المدح بالسخاء:\rهو البحر أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله\rتعود بسط الكف حتّى لو أنّه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله\rولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله\rقوله: تعود بسط الكف الخ لحظه السيّد الرضي فقال متحمّساً:\rأبر على الآمال فضلي ونائلي ... وطال على الجوزاء قدري ومحتدي\rألفت يدي بذل النوال فلو نبت ... عن الجود يوماً قلت ما هذه يدي\rوممّا يبهي بحسنه قول أبي الحسن بن مرزويه مهيار:\rتعطي حياءً مطرقاً ملثّماً ... وقد وهبت مسنياً ومجزلا\rويسفر الناس على بخلهم ... لأنّهم لا يعرفون الخجلا\rوقال البحتري:\rيعطي عطاء المحسن الخضل الندي ... عفواً ويعتذر اعتذار المذنب\rوقال أيضاً:\rكاد ممتاحه لسابق جدواه ... يكون الإصدار قبل وروده\rوقال أيضاً:\rدع المطي مناخات بأرحلها ... لم ينض عنهنّ تصدير ولا حقب\rفما تزيد على إلمامة خلس ... بأحمد بن عليّ ثمّ تنقلب\rوقال أيضاً:\rأعطيتني حتّى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعةً لم توهب\rفشبعت من بر لديك ونائل ... ورويت من أهل لديك ومرحب\rوقال أبو نصر عبد العزيز:\rقد جدتني باللهى حتّى بها ... وكدت من ضجري أثني على البخل\rلم يبق جودك لي شيئاً أؤمّله ... تركتني أصحاب الدنيا بلا أمل\rوقال البحتري:\rإنّي هجرتك إذ هجرتك وحشةً ... لا العود يذهبها ولا الابداء\rأحشمتني بندى يديك فسوّدت ... مابيننا تلك اليد البيضاء\rوقطعتني بالجود حتّى أنّني ... متخوّف أن لا يكون لقاء\rصلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجباً وبر راح وهو جفاء\rومنه أخذ أبوالعلا المعرّي معنى قوله وزاد فيه التمثيل فقال:\rلو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر\rوفي هذا المعنى ما حكاه علي بن جبله المعروف بالعكوك قال: زرت أبا دلف بالجبل فكان يظهر من برّي وإكرامي والتحفي بي أمراً مفرطاً حتّى تأخّرت عنه حيناً، فبعث إليّ معقلاً فقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّي وأحسبك استقللت برّي فلا تغضب من ذلك فسأزيد فيه حتّى ترضى، فقلت: والله ما قطعني عنه إلاّ إفراطه في البرّ، وكتبت إليه:\rهجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر\rولكنّني لمّا أتيتك زائراً ... فأفرطت في برّي عجزت عن الشّكر\rفملآن لا آتيك إلاّ مسلّماً ... أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر\rفإن زدتني برّاً تزايدت جفوةً ... فلا نلتقي حتّى القيامة في الحشر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855501,"book_id":1863,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"فلمّا وقف أبو دلف على الأبيات قال: قاتله الله ما أحسن شعره وأدقّ معانيه، وبعث إليّ بوصيف معه ألف دينار.\rأقول: قوله: فملآن لا آتيك معناه فمن الآن، فحذف النون، وهذا الحذف شايع مستعمل عند مضايقة الكلام، قال ابن دريد في مقصورته:\rمن رام ما يعجز عنه طوقه ... ملعبأ يوماً آض مهزول المطا\rأي من العبأ.\rوقال الشريف الرضي:\rمن أيّ الثنايا طالعتنا النوائب ... مأي حمىً منّا رعته المصائب\rأي من أيّ الثنايا والنظائر كثيرة.\rرجعٌ إلى ما كنّا فيه من المدح بالسخاء: قال أبو عبادة البحتري:\rبدت على البدو نعمىً منه سابغة ... وقد تحضر أُخرى مثلها الحضر\rلا يتعب النائل المبذول همّته ... وكيف يتعب عين النّاظر النّظر\rوقال أيضاً:\rلا يستريح من الألفاظ منطقه ... إلاّ إلى نعم تفتر عن نعم\rوقال مهيار:\rلهم دوحة خضراء رويّ أصلها ... بماء الندى الجاري وطيب فرعاها\rنمت كلّ مغرور عن المجد سنّه ... يقول نعم في المهد أوّل ما فاها\rوما أحلى قول البحتري في قصيدة:\rإذا باكرته غاديات همومه ... اراح عليها الراح حمراء كالورد\rكأنّ سناها بالعشي لشربها ... تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد\rله ضحكة عند النوال كأنّها ... تباشير برق بعد بعد من العهد\rكأنّ \"نعم\" في فيه حين يقولها ... مجاجة مسك خيض في ذائب الشهد\rوقال إسماعيل بن أحمد الشاشي:\rما قال لا قطّ مذ حلّت تمائمه ... بخلاً بها فوجدنا الجود في البخل\rما ألطف هذا المعنى وأشرفه وهو يشبه قول أبي محمّد الخازن في مدح الصاحب ابن عباد:\rنعم تجنب لا يوم العطاء كما ... تجنّب ابن عطاء لثغة الراء\rوهو من قول الفرزدق:\rما قال لا قط إلاّ في تشهّده ... لولا التشهّد كانت لائه نعم\rومثله ما قيل في قثم بن العباس:\rأعفيت من حل ومن رحلة ... يا ناق إن أدنيتني من قثم\rإنّك إن أدنيتنيه غداً ... حالفني اليسر ومات العدم\rفي وجهه نور وفي باعه ... طول وفي العرنين منه شمم\rأصم عن قيل الخنا سمعه ... وما عن الخير به من صمم\rلم يدر \"ما\" لا و\"بلى\" قدري ... فعافها واعتاض عنها نعم\rومثله قول بعضهم:\rأبى جوده \"لا\" البخل واستعجلت به ... \"نعم\" من فتىً لا يمنع الجود قائله\rقال الزمخشري في أحاجيه: هذا البيت غامض ما رأيت أحداً فسّره.\rوحكى يونس عن عمرو بن العلا أنّه جرّ البخل بإضافة لا إليه وأورده أبو علي بنصب البخل وزعم أنّه مفعول أبى وأنّ لا زائدة، وحكى ذلك عن أبي الحسن الأخفش. قال: وأمّا بقيّة البيت فلم يفسّره وهومشكل جدّاً.\rأقول: ويترجّح في نظري ما فسّره به بعض القدماء قال في معناه أنّه مدح لكريم، أبى جوده أن ينطق بلا التي للبخل واستعجلت بجوده نعم أي سبقت نعم لا صادرة من فتىً لا يمنع. والهاء في قائله تعود على نعم أي قائل نعم لا يممنع الجود، وهذا أليق التفاسير على كثرتها.\rومن ذلك ما قاله الوليد في معاوية يهجوه وقد عكس فيه المعنى المتقدم:\rفإذا سُئلت تقول لا ... وإذا سألت تقول هات\rتأبى فعال الخير لا ... تسقي وأنت على الفرات\rأفلا تميل إلى نعم ... أو ترك لا حتّى الممات\rوقال آخر في المدح:\rبدأت بمعروف وثنّيت بالرضا ... وثلّثت بالحسنى وربّعت بالكرم\rوباشرت أمري واعتنيت بحاجتي ... وأخّرت لا عنّي وقدّمت لي نعم\rوصدّقت لي ظنّي وأنجزت موعدي ... وطبت به نفساً ولم تتبع الندم\rفإن نحن وافينا بشكر فواجب ... وإن نحن قصّرنا فما الودّ متّهم\rوأمّا أخلاقه: فأقول أنّه قد تحلّى بطباع شفافه، وأخلاق أرقّ من السلافه، لا تحمل قذى الواشين لصفائها، ولا تروى عن ابنة العنقود سورة صهبائها، تزيّنها شيم الطف من روضة باكرها الطل، وأطيب من شيحة تتحدّث عن أريجها النسائم.\r\rخلق شف فالنسيم كثيف ... عنده إن قرنت فيه النسيما\rلأخي شيمة تعلم منها ... الغيث إذ يستهلّ أن لا يريما\rقد حواها عن معشر أورثوها ... منه من كان مثلهم مستقيما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855502,"book_id":1863,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"فهي في اللطف أوّلاً وأخيراً ... شرع تفضل العرار شميما\rفكأنّ القديم كان حديثاً ... وكأنّ الحديث كان قديما\rقال علي ﵇: ربّ عزيز أذلّه خرقه، وذليل أعزّه خلقه.\rوقال ﵇: من لم تصلح خلائقه لم ينفع الناس تأديبه.\rوكان يقال: ألق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره.\rووصف أعرابي رجلاً بحسن البشر فقال: لا تراه الدهر إلاّ كأنّه لا غنى به عنك فإذا أذنبت غفر وكأنّه المذنب، وإن أحسن اعتذر وكأنّه المسيء.\rوقال النبي ﵌: إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه وحسن الأخلاق.\rأقول: وحسبك مدحاً لحسن الخلق قوله تعالى لنبيّه: (إنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم) .\rوقال النبي ﵌: مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه، وتكون في الإبن ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في سيّده. قيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصدق البأس، وإعطاء السائل، والمكافات بالصنايع، وصلة الرحم، والتذمّم للجار والصاحب، والحلم في القدرة، والمواساة في الشدّة، وقرى الضيف، ورأسهنّ الحياء.\rوقال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉ فأعجبني سمته وروائه فأثار منّي الحسد ما كان يجنّه صدري من البغض لأبيه، فقلت له: أنت ابن علي بن أبي طالب؟ فقال: نعم، فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليّ نظرة عاطف رؤف، ثمّ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ، وَإمَّا يَنْزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ باللهِ إنَّهُ سَميعٌ عليم، إنَّ الَّذينَ اتَّقَوا إذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فإذا هُمْ مُبْصِرُون) ثمّ قال لي: خفّض عليك، أستغفر الله لي ولك، إنّك لو استعنتنا أعنّاك، ولو استرفدتنا رفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك. قال عصام: فتوسّم في الندم على ما فرط منّي، فقال: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْم يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين) ، أمن أهل الشام أنت؟ قلت: نعم، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، حيّاك الله وبيّاك، انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك تجد عندنا أفضل ظنّك إنشاء الله. قال عصام: فضاقت عَلَيّ الأرض بما رحبت ووددت لو ساخت بي ثمّ تسلّلت منه لواذاً وما على وجه الأرض أحد أحبّ إليّ منه ومن أبيه.\rأقول: أمّا قوله: شنشنة أعرفها من أخزم فهو مثل قائله أبو أخزم الطائي جدّ حاتم الطائي أو جدّ جدّه على ما قيل، ويقال: إنّ ابنه أخزم مات وترك بنين فوثبوا على جدّهم فأدموه، فقال:\rإنّ بَنِيَّ رمّلوني بالدم ... من يلق آساد الرجل يكلّم\rومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم\rوالشنشنة السجيّة والطبيعة. وفي بعض النسخ: ومن يكن درء به يقوم، والدرء الميل والإعوجاج في القنات.\rوعلى ذكر عقوق الأولاد: حدّث المدائني قال: كان جرير بن عطيّة الخطفي الشاعر المشهور من أعقّ الناس بأبيه، وكان ابنه بلالاً أعقّ الناس به، فراجع جرير بلالاً في الكلام فقال له بلال: الكاذب منّي ومنك من ناك أُمّه، فأقبلت عليه أُمّه وقالت: يا عدوّ الله تقول هذا لأبيك؟! فقال لها جرير: دعيه فوالله لكأنّي أسمعها وأنا أقولها لأبي.\rونظير ذلك ما حكي عن يونس بن عبد الله الخيّاط أنّه مرّ برجل وهو يعصر حلق أبيه وكان عاقّاً به، فقال له: ويحك أتفعل هذا بأبيك، وخلّصه من يده، ثمّ أقبل على الأب يعزّيه ويسكّن منه، فقال له الأب: يا أخي لا تلمه واعلم أنّه ابني حقّاً، والله لقد خنقت أبي في هذا الموضع الذي خنقني فيه، فانصرف الرجل وهو يضحك.\rوما أحسن قول أُم ثواب في ابن لها وقد عقّها:\rربّيته وهو مثل الفرخ أطعمه ... أم الطعام ترى في جلده الزغبا\rحتّى إذا آض كالفحال شذّ به ... أباره ونفى عن متنه الكربا\rأمسى يخرق أثوابي يؤدّبني ... أبعد شيبي يبغي عندي الأدبا\rقالت له عرسه يوماً لتسمعني ... مهلاً فإنّ لنا في أُمّنا إربا\rولو رأتني في نار مسعرةً ... ثمّ استطاعت لألقت فوقها حطبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855503,"book_id":1863,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"قولها: كالفحال هو من النخل ما كان من ذكوره فحلاً لإناثه، جمعه فحاحيل، ولا يقال فحال إلاّ في النخل خاصّة. وشذّ به أباره يقال: جذع مشذّب أي مقشّر، وتقشير الجذع إزالة الكرب عنه، وتأبير النخل إصلاحه.\rوقال قرعان في ابنه منزل وقد عقّه من جملة أبيات يقول فيها:\rجرت رحم بيني وبين منازل ... جرّاء كما يستنزل القطر طالبه\rتربّيته حتّى إذا آض شيظماً ... يكاد يساوي غارب الفحل غاربه\rوكان له عندي إذا جاع أو بكى ... من الزاد أحلا زادنا وأطائبه\rتعمّد حقّي ظالماً ولوّى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه\rوربّيته حتّى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه\rوجمعتها دهماً جلاداً كأنّها ... أشاء نخيل لم تقطع جوانبه\rفأخرجني منها سليباً كأنّني ... حسام يمان فارقته مضاربه\rوقال آخر في ولد له:\rفلمّا بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل\rجعلت جزائي غلظة وفضاضةً ... كأنّك أنت المنعم المتفضّل\rرجع الكلام إلى كلام الحسن ﵇: قوله: حيّاك وبيّاك، معنى حيّاك أبقاك الله وملّكك، ومعنى بيّاك أضحكك أو قرّبك أو جاء بك أو بوّئك منزلاً أو أنّه تباع لحيّاك.\rومن محاسن الأخلاق ما يروى عن بهرام أنّه خرج متصيّداً فعنّ له حمار وحش فأتبعه حتّى صرعه وقد انقطع عن أصحابه، فنزل عن فرسه يريد ذبحه وبصر براع فقال له: أمسك على فرسي، وتشاغل بذبح الحمار وحانت منه التفاتة فنظر إلى الراعي وهو يقلع جواهر عذار فرسه، فحوّل وجهه عنه وقال: تأمّل العيب عيب، وعتاب من لا يستطيع الدفاع عن نفسه سفه، والعفو من شيم الملوك، ثمّ قال: يا غلام آتني بفرسي، فلمّا أتاه به ضرب بهرام بيده إلى شريان الراعي ثمّ قال: يا غلام ما بال شريانك يضطرب، لعلّك آذاك وطئنا أرضك بحوافر خيلنا؟ قال: نعم وقد عزمت على السفر لأرض كذا وهو موضع بعيد، فقال بهرام: لا ترع فهذا الموضع وما فيه لك، وكان الراعي خبيثاً داهياً، فقال: إنّ الملوك إذا قالوا قولاً أتبعوه بفعل، فرجع بهرام إلى عسكره وقال له: أتبعني لأوثق لك من هذه الأرض، فأتبعه، فلمّا بصر به الوزير قال: أيّها الملك إنّي أرى جواهر عذار فرسك مقلعاً، فتبسّم وقال: نعم أخذه من لا يردّه ورآه من لا ينم عليه.\rوممّا جاء في الشّيم قولهم: شيم الأحرار إحرار الشّيم.\rوقال الثعالبي: أحسن الشيم ما يشام منه بارق الكرم.\rومن جيّد ما جاء في الشيم والأخلاق الأنيقة قول بعض الشعراء:\rتزين الفتى أخلاقه وتشينه ... وتذكر أخلاق الفتنى وهو لا يدري\rوقول الآخر:\rوبعض أخلاق الفتى ... أولى به من نسبه\rوقول مهيار:\rحببّه إلى النفوس خلق ... لو ذاقه عدوّه حلى له\rوقوله:\rفلو سبكت خلقه المطرب في ... الكاسات ما غودرت الأثملا\rوقول أبي طاب المأموني:\rوخلائق كالخمر درّ فعاله ... حبّب لهنّ وما لهنّ خمار\rوقول الآخر:\rولي شيمة في وجنة الدهر شامة ... تنير على رغم الصباح الدياجيا\rوقول مهيار:\rملآن من شرف التحيّة نفسه ... تحوي الفضائل من جميع جهاتها\rوقول المعرّي:\rوسجايا محمّد أعجزت في الو ... صف لطف الأفكار والأذهان\rوقول البحتري:\rقد وجدنا محمّد بن عليّ ... غاية المجد قائلاً وفعولا\rولقينا شمائلاً تنثر المسك ... سحيقاً كما لقيت شمولا\rوقول أبي تمام:\rفلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع\rفصل في حلمه ونهاه ووقاره وحجاه\rأقول: إنّه الحليم الذي ما ضمنت أحلم منه معاقد حبوه، ولا التفت عللى أوقر منه مجامع ندوه يزينه من الحجى ركانه، ومن النهى ما يعلى على النبلاء مكانه.\r\rزعيم بني الشرف الواضح ... وربّ النهى والحجى الراجح\rحليم إذا ما عرا فادح ... توقّر يرسي على الفادح\rوقور على مقذعات الحسود ... وهل يعبأ البدر بالنابح\rالحلم هو الأناة، والنُّهى العقل، والوقار الحلم، والركانة الوقار والرزانة، والحجى العقل أيضاً.\rقالت الحكماء: الحلم أفضل من العقل لأنّ الله ﷾ وصف نفسه به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855504,"book_id":1863,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"ويقال في المثل: حسب الحليم أنّ الناس أنصاره.\rوقال أميرالمؤمنين علي ﵇: ربّ كلمة يخترعها حليم مخافة ما هو شرّ منها، وكفى بالحلم ناصراً.\rوقال ﵇: لِن واحلم تُنْبل، ولا تعجب فتُمقَت وتُمتَهَن.\rوقيل: من مناقب المرء الحلم من غير ضعف، والجود بغير طلب ثواب الدنيا.\rوقال بعض الحكماء: من اتّخذ الحلم لجاماً إتّخذه النّاس إماماً، ومن لم يكن حليماً لم يزل سقيماً.\rوقيل لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: أردّهم لجهله بحلمه.\rوكان يقال: دلّ على عقل المرء إختياره.\rقال بعض الشعراء:\rقد عرفناك باختيارك إذ كا ... ن دليلاً على اللبيب اختياره\rوقال علي ﵇: العقل إصابة الظنّ ومعرفة ما لم يكن بما كان.\rوقال ﵇: ذمّ العقلاء أشدّ من عقوبة السلطان.\rوقال ﵇: من زاد عقله نقص حظّه، وما جعل الله لأحد عقلاً وافراً إلاّ احتُسِبَ به من زرقه.\rوقال ﵇: الروح حياة البدن، والعقل حياة الروح.\rوقال ﵇: ليس شيء أحسن من عقل زانه علم، ومن علم زانه حلم، ومن حلم زانه صدق، ومن صدق زانه رفق، ومن رفق زانه تقوى، إنّ ملاك العقل ومكارم الأخلاق صون العرض والجزاء بالقرض والأخذ بالفضل والوفاء بالعهد والإنجاز للوعد، ومن حاول أمراً بالمعصية كان أقرب إلى ما يخاف وأبعد ممّا يرجو.\rويقال: العقل منهاة فمن لم تنه تجاربه عدّ من البهائم.\rوقال الثعالبي: العقل أحسن معقل.\rوقال: العاقل من يروى له ثمّ يروي، ويُخْبَر ثمّ يخبِر، ويُشاهد ثمّ يشهد، ويعلم ثمّ يعمل.\rوقال أيضاً: العاقل من يستدلّ بأسارير الوجوه على أسرار القلوب.\rوقال: العاقل من يرى بأوّل رأيه أواخر الاُمور، ويهتك عن أسبابها ظلم الستور.\rوقال: العاقل من يشتهي فينتهي، ويبصر فيقصر.\rومن جيد الشعر في هذا الفصل قول بعضهم:\rالحلم يعقب راحةً ومحبّةً ... والصفح عن ذنب المسيء جميل\rوقال الآخر:\rمن خير ما رُزِق العباد وأُلهموا ... علم يُعاشُ به وحلم راجح\rوقول الرضي:\rوأحلم خلق الله حتّى إذا دنا ... إليها الأذى طارت بها جهلاتها\rينظر فيه إلى قول النابغة الجعدي:\rولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا\rولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا\rوهذا هو الغاية في بابه. ومن جيد ما قيل في الحلم والوقال قول ابن دريد في مقصورته:\rيعتصم الحلم بجنبي حبوتي ... إذا رياح الطيش طارت بالحبى\rوقول البحتري:\rووقور تحت السكينة ما ير ... فع من طرفه ضجاج الخصوم\rوقول المتنبي:\rوبقايا وقاره عاقت الناس ... فكانت ركانةً في الجبال\rفصل في تجاربه وذكائه\rأقول: إنّه هو الذي سبر غور الأيّام بتجاربه، واستشف له النظر فيها أستار عواقبها، ولو تقدّم في الأعصر الأوّل لضرب بذكائه المثل، ورآه الناس أذكى من أياس.\r\rحازم يسلس من بعد الشماس ... كلّ أمر راضه صعب المراس\rذو ذكاء لو أياس رامه ... لدعاه الفخر عد عنه بياس\rقتل الأيّام خبراً وله ... قبس التجريب أسنى الإقتباس\rلو سيوفاً طبعت آرائه ... لبرت ما أدركت حتّى الرواسي\rقال علي ﵇: العقل غريزة تربّيها التجارب.\rوقال ﵇: عليك بمجالسة أصحاب التجارب فإنّها تقوم عليهم بأغلا الغلا، وتأخذها منهم بأرخص الرخص.\rوقال ﵇: في التجارب علم مستأنف، والإعتبار يفيدك الرشاد، وكفاك أدباً لنفسك ما كرهته لغيرك، وعليك لأخيك مثل الذي عليه لك.\rأقول: وبهذا يعلم أنّ العقل نوعان: غريزة ومكتسب بالتجارب، كما أشار إليه أميرالمؤمنين ﵇، ولم يحكم الأمور محكم كالتجربة.\rوقيل: التجارب لا غاية لها.\rوالذكاء حدّة الفؤاد.\rقال علي ﵇: ذكّ قلبك بالأدب كما تذكّي النّار الحطب.\rوالحزم ضبط الرّجل أمره وأخذه بالثقة.\rقال علي ﵇: أحزم الناس من ملك جدّه هزله، وقهر رأيه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن حظّه ولا غضبه عن كيده.\rوقال ﵇: الرأي يريك غاية الاُمور مبدؤه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855505,"book_id":1863,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"وممّا جاء للشعراء في هذا الفصل قول بعضهم:\rإذا ما قتلت الشيء علماً فقل به ... ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله\rوكان يقال: قتل أرضعاً عالمها وقتلت أرض جاهلها.\rقال أبوالطيب المتنبّي:\rقد بلوت الخطوب حلواً ومرّاً ... وملكت الأيّام حزناً وسهلاً\rوقتلت الزمان علماً فما يغر ... ب قولاً ولا يجدّد فعلا\rوقال أيضاً:\rهذا الذي أفنى النظار مواهباً ... وعداه قتلاً والزمان تجاربا\rوممّا ورد لبعض الشعراء يصف شاعراً بالذكاء لكنّه أخرجه مخرج التهكّم، وهو ظريف جدّاً:\rوشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط أذكاء\rأقام يجهد أيّاماً قريحته ... وشبّه الماء بعد الجهد بالماء\rيريد بهذا قول القائل:\rكأنّنا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء\rقوله: أوقد الطبع الذكاء له، يقال: وقدت النار توقّدت هي وأوقدتها أنا واستوقدتها.\rومن الغايات في المدح بالذكاء قول أبي الطيب المتنبّي:\rتعرف في عينه حقائقه ... كأنّه بالذكاء مكتحل\rأشفق عند اتّقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل\rوفي معنى البيت الثاني قول الخالدي:\rلو لم يكن ماء علمي قاهراً فكري ... لأحرقتني في نيرانها فكري\rوعكس هذا المعنى أبوالعلا المعرّى، فنقله من المدح بالذكاء إلى المدح بالشجاعة وشدّة العزم، فقال:\rمن كلّ من لولا تلهّب بأسه ... لا خضر في يمنى يديه الأسمر\rقوله: الأخضر في يمنى يديه الأسمر، أخذه مهيار الديلمي أخذاً لطيفاً فقال، ونقله إلى المدح بالكرم:\rلو ركبوا في عواليهم أناملهم ... يوم الوغى خضرت أطرافها الحمر\rوحكى أبوالحسن العمري قال: دخلت على الشريف المرتضى فأراني بيتين قد عملهما وهما:\rسرى طيف سعدي طارقاً فاستفزّني ... هبوباً وصحبي بالفلاة هجود\rفقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعلّ خيالاً طارقاً سيعود\rفخرجت من عنده ودخلت على أخيه السيّد الرضي، فعرضت عليه البيتين، فقال بديهاً:\rفردّت جواباً والدموع بوادر ... وقد آن للشمل المشتّ ورود\rفهيهات من لقيا حبيب تعرّضت ... لنا دون لقياه مهامه بيد\rفعدت إلى المرتضى بالخبر، فقال: يعزّ عَلَيّ أخي قتله الذكاء، فما كان إلاّ يسيراً حتّى مضى لسبيله.\rوكان أياس معروفاً بالفطنة والذكاء والفراسة، وذكره أبو تمام في قوله:\rإقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء أياس\rوقد جمع في ذكائه مجلّد.\rيقال: إنّه نظر إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء، فقال: هذه حامل وهذه مرضع وهذه بكر، فسُئِلنَ فكان الأمر كما ذكر، فقيل له: من أين لك ذلك؟ فقال: لمّا فزعن وضعت إحداهنّ يدها على بطنها والاُخرى على ثديها والاُخرى على فرجها.\rأقول: وهو أياس بن معاوية، حكى المسعودي في شرح المقامات أنّ المهدي دخل البصرة فرأى أياس بن معاوية وهو صبي وخلفه أربعمائة من العلماء وغيرهم وهو مقدّمهم، فقال المهدي: أُف لهؤلاء الفتّانين، أما كان فيهم شيخ يتقدّمهم غير هذا الحدث؟! ثمّ إنّ المهدي إلتفت إليه وقال: كم سنّك يا فتى؟ فقال: سنّي أطال الله بقاء أميرالمؤمنين سنّ أُسامة بن زيد بن حارثة حين ولاّه النبيّ ﵌ جيشاً فيه أبو بكر وعمر، فقال له: تقدّم بارك الله فيك.\rوقال السيّد الرضي يصف نفسه بالحزم:\rومالي بعلم الغيب إلاّ طليعة ... من الحزم لا يخفى عليها المغيّب\rوقال مهيار في صدق الرأي:\rيرى بوجه اليوم صدر غده ... تعطيه ما في المصدر الموارد\rوقال أيضاً:\rيطلعه نجد كلّ مشكلة ... فكرّ وراء الغيوب مطلع\rوقال البحتري:\rومصيب مفاصل الرأي إن حا ... رب كانت آرائه من جنوده\rقوّمت عزمه الأصالة والرمح ... يقيم الثقاف من تأويده\rفصل في فصاحة لسانه وبلاغة بيانه\rأقول: هو قادح زند الفصاحة، وماسح غرر سوابق البلاغة، لسانه صفحة منصل، وبيانه عقد مفصّل.\r\rبوركت طلعتك الغرّاء يا ... قمراً في فلك العلياء مفرد\rأنت ريحانة فضل لا أرى ... مثل ريّاها بهذا العصر يوجد\rلك ذكر نشره يهدي شذى ... فيه أنفاس النسيم الغض تشهد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855506,"book_id":1863,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"ولسان في القضايا ذرب ... ينطق الفصل إذا الفصل تردد\rوبيان لو يجاري سحره ... سحر هاروت وماروت لبلد\rعقد الألباب تنحل به ... وبه ينتظم الأمر فيعقد\rقال النبي ﵌: الجمال في اللسان.\rوقال أميرالمؤمنين ﵇: من طال لسانه وحسن بيانه فليترك التحدّث بغرائب ما سمع، فإنّ الحسد لحسن ما يظهر منه يحمل أكثر الناس على تكذيبه.\rوقال: المرء مخبوّ تحت لسانه.\rوقال بعضهم:\rكفى بالمرء عيباً أن تراه ... له وجه وليس له لسان\rوقالت الحكماء: الصورة الحسنة بلا منطق حسن كالبيت الحسن ليس به ساكن.\rوقيل: المرء بأصغريه قلبه ولسانه.\rوقيل: المرء مخبوّ تحت طيّ لسانه لا طيلسانه.\rوقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلاّ ضالّة مهملة أو بهيمة مرسلة.\rوقيل: دخل بعض الفصحاء على بعض الاُمراء فازدراه لدمامته وقال: لإن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: مهلاً أيّها الأمير، فإنّما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن تكلّم تكلّم بلسان وإن قاتل قاتل بجنان، ثمّ أنشأ يقول:\rوما المرء إلاّ الأصغران لسانه ... ومعقوله والجسم خلق مصوّر\rفإن غرّة راقتك منه فربّما ... أمر مذاق العود والعود أخضر\rوأنشد أيضاً:\rوكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلّم\rلسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم\rوحسبك شاهداً في هذا المقام بالحكاية التي تقدّمت في نقل ما جرى بين شريك بن الأعور ومعاوية بن أبي سفيان، وقوله في آخر كلامه:\rأيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارم ومعي لساني\rفقوله: وسيفي صارم ومعي لساني يشبه الكلام الذي مرّ في قولهم: إن تكلّم تكلّم بلسان وإن قاتل قاتل بجنان، ويشبهه قول مهيار:\rمالي أذلّ وسيف نصري في فمي ... والمجد يحفظ سارحي وغريبي\rوقول الآخر وهو من شعراء اليتيمة:\rوإذا السيوف قطعن كلّ ضريبة ... قطع السيوف القاطعات لساني\rوقول السيّد الرضي:\rومقولي كالسيف يحتمى به ... أشوس إباء على المقاول\rوقوله أيضاً:\rما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم وأنف حمي\rوإباء محلق بي عن الضيم ... كما راغ طائر وحشي\rوقوله أيضاً:\rإن لم تكن في الجمع أمضى طعنةً ... فلأنت أنفذ خطبةً في المجمع\rبنوافذ للقول يبلغ وقعها ... ماليس يبلغ بالرماح الشرّع\rوقوله في رثاء الحسين بن الحجاج:\rوما كنت أحسب أنّ المنون ... تفلّ مضارب ذاك اللسان\rلسان هو الأرزق القعضبي ... تمضمض في ريقة الأفعوان\rوقول مهيار:\rمن طاعني ثغر الخطوب ... بكلّ سكّيت مفوه\rأُمراء معركة الخطابة ... فاتحو الشبهات عنوه\rفي كلّ جلسة كاتب ... منهم إلى الأعداء غزوه\rوالشعر في هذا الباب كثير جدّاً، وأقول: إنّما يشبه اللسان بالسيف تاره وبالسنان أُخرى لأنّ بعض الكلام الذي هو أثر اللسان وصفته له تأثير في النفوس كتأثير الجرح الحاصل من السنان والسيف، قال الشاعر:\rجرحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان\rوفي بعض النسخ \"الكلام\" بدل اللسان وهو أولى إن كان البيت استهلالاً من حيث يكون مصراعاً.\rولا بأس بإيراد شيء ممّا ورد من الكلام المنثور في البلاغة والكلام البليغ والمتكلّم البليغ: قال أميرالمؤمنين ﵇: البلاغة النصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، ومن النصر بالحجة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإيضاح أوعر طريقه، وكانت الكناية أبلغ في الدرك وأحقّ بالظفر.\rوقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل.\rوقيل لابن المقفع: ما البلاغة؟ قال: هي التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنّه يحسن مثلها.\rوقال معاوية للضحّاك العبدي: ما البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تخطي، وتقول فلا تبطي. فقال: أكذلك أنت؟ قال: أقلني يا أميرالمؤمنين، البلاغة أن لا تخطي ولا تبطي.\rوقال عبد الحميد الكاتب: البلاغة ما فهمته العامّة ورضيته الخاصة.\rوقيل لكلثوم بن عمرو الغساني: ما البلاغة؟ فقال: ما أفهمك لفظه من غير إعادة ولا حبسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855507,"book_id":1863,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: السلاطة والجزالة.\rوقال آخر: البلاغة التقرّب من البعيد والتباعد من الكلفة، والدلالة من القليل على الكثير.\rومن مختار قول الثعالبي في هذا الباب: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه وقلّ مجازه وكثر إعجازه وتناسبت صدوره وإعجازه.\rوقال: ربّ كلام له حسن الوجوه الصباح، وسحر الحدق الملاح.\rوقال في صفة البليغ: البليغ من يبلغ الأغراض البعيدة بالألفاظ القريبة.\rوقيل: البليغ من إذا نطق طبق المفصل، وإذا كتب نسق الدر المفصل.\rنبذة فيما ورد لبعضهم من الكلام البليغ قيل لأعرابي: إنّك لكذوب خوار، فقال: والله إنّي لأصدق من قطاة، وأصلب من صفاة.\rوقال آخر: يكتفي اللبيب بوحي الحديث، وينبو البيان عن قلب الجاهل.\rوذكر أعرابي محلة قوم فقال: ارتحلت عنها ربّات الخدور، وأقامت بها رواحل القدور، ولقد كانوا يعفون آثار الرياح، فعفت آثارهم فذهبت بأبدانهم وبقت ديارهم، فالعهد قريب واللقاء بعيد.\rودعى آخر على رجل فقال: اللهمّ اجعل معيشته السؤال، ومنيته الهزال، ولبوسه العار، ومصيره إلى النّار، وأقلل عدده، وأفني مدده.\rودعت أعرابيّة على زوجها فقالت: ضربك الله بداء لا يكون له دواء إلاّ أبوال القطا.\rوسُئِل أعرابي عن بلدين كم بينهما؟ قال: أديم يوم وعمر ليله.\rودخل خالد بن صفوان على أبي العباس السفاح وعنده أخواله من بني الحرث ابن كعب، فقال: ما تقول يا خالد في أخوالي؟ فقال: هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، إنّ فيهم خصالاً ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنّهم لأطولهم أُمماً، وأضربهم قمماً، وأكرمهم شيماً، وأطيبهم طعماً، وأوفاهم ذمماً، وأبعدهم همماً، هم الجمرة في الحرب، والرفد في الجدب، والرأس في كلّ خطب، وغيرهم بمنزلة العجب. فقال السفاح: لقد وصفت يابن صفوان فأحسنت، فزاد أخواله في الإفتخار، فغضب أبوالعباس لأعمامه فقال: أفخر يا خالد، قال: أو على أخوال أميرالمؤمنين؟ قال: وأنت من أعمامه، فقال: كيف أُفاخر قوماً هم بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد وأغرقهم جرد وملكتهم أُم ولد، فتهلّل وجه أبي العباس. قال الجاحظ وقد ذكر كلام خالد هذا: والله لو فكّر في جميع معائبهم واحتضار اللفظ في مثالهم بعد ذلك المدح المهذّب حولاً كاملاً لكان قليلاً، فكيف وهو على بديهته لم يرض فكراً ولم يجهد خاطراً.\rومثله ما روي أنّه وفد على رسول الله ﵌ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميان، فقال له الزبرقان: يا رسول الله أنا سيّد تميم المطاع فيهم والمجاب منهم، آخذ لهم الحق وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك منّي؛ يعني عمرواً، فقال: أجل يا رسول الله، إنّه لمانع لحوزته، مطاع في عشيرته. فقال الزبرقان: لقد علم أكثر ممّا قال، ولكنّه حسدني شرفي، فقال عمرو: أمّا لئن قال ذلك ما علمته إلاّ ضيق العطن، زمر المروّة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى. فتبيّن الكراهة في وجه رسول الله لاختلاف قوله، فقال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وعضبت فقلت أقبح ما علمت، ولقد صدقت في الاُولى وما كذبت في الاُخرى. فقال النبي عند ذلك: إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحمة.\rوتظلّم رجل إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أميرالمؤمنين ما ترك لنا ذهباً إلاّ ذهب به، ولا فضّة إلاّ فضّها، ولا غلّة إلاّ غلّها، ولا ضيعةً إلاّ أضاعها، ولا علقاً إلاّ علّقه، ولا عرضاً إلاّ عرض له، ولا ماشيةً إلاّ أمتشها، ولا جليلاً إلاّ أجلاه، ولا دقيقاً إلاّ دقّه، فعجب المأمون من فصاحته وكشف ظلامته.\rوقال المنصور لمعن بن زائدة الشيباني: كبرت يا معن؟ قال: في طاعتك يا أميرالمؤمنين. قال: وإنّ فيك لبقيّة، قال: هي لك يا أميرالمؤمنين. قال: وإنّك لجلد، قال: على أعدائك يا أميرالمؤمنين. قال: أيّ الدولتين أحبّ إليك: دولتنا أم دولة بني أُميّة؟ قال: ذلك إليك؛ إن زاد إحسانك على إحسانهم فدولتك أحبّ إليّ وإن نقص عنه فدولتهم أخفّ عَلَيّ.\rوقال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أُميّة؟! فقال: يا أميرالمؤمنين من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، قال: صدقت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855508,"book_id":1863,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"ووصف بعض البلغاء رجلاً فقال: إنّه لبسط الكفّ، رحب الصدر، وطىء الأكناف، سهل الأخلاق، كريم الطباع، ضاحك السنّ، طلق الوجه، سحاب ماطر، وبحر زاخر، يستقبلك بحسن بشر، ويستدبرك بكرم غيب، عبد لضيفه غير ملاحظ لأكيله، ريّان من العقل، ظمآن من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرأي، كاس من كلّ مكرمة، عار من كلّ ملامة، إن سُئِل بذل، وإن قال فعل.\rومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك والله صريح النسب، مستحكم الأدب، من أيّ أقطاره أتيته تلقاه بكرم فعال وحسن مقال.\rوذكر أعرابي قوماً فقال: هم أقلّ الناس ذنباً إلى أعدائهم، وأكثر جرماً إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على المنكر.\rوذمّ آخر رجلاً فقال: هو غني من اللؤم، فقير من الكرم، موته حياة وحياته موت.\rوذمّ آخر رجلاً فقال: هو أكثر ذنوباً من الدهر.\rوذُكِرَ عند أعرابي رجل مريض فقال: ذاك إلى من يداوي عقله من الجهل أحوج منه إلى من يداوي جسمه من المرض.\rوقال آخر: فلان غناه فقر، ومطبخه قفر، يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضايع.\rقوله: ومطبخه قفر نظيره قول الشريف الرضي:\rبيوتهم سود الذرى ولنارهم ... مواقد بيض ما بهنّ رماد\rوذكر أعرابي قوماً فقال: ألقوا من الصلاة الأذان مخافة أن تسمعه الأذان فتدلّ عليهم الضيفان.\rوحدّث محمّد بن سلام قال: تكلّم الخطباء عند المهدي فأطنبوا في وصفه ومدحه، فقام شبيب المنقري فقال لأميرالمؤمنين: أعزّه الله أشباه فمنها القمر الباهر ومنها الفرات الزاخر ومنها الغيث الباكر ومنها الأسد الخادر؛ فأمّا القمر الباهر فأشبه منه حسنه وبهائه، وأمّا الفرات الزاخر فأشبه منه جوده وسخائه، وأمّا الغيث الباكر فأشبه منه طيبه وحبائه، وأمّا الأسد الخادر فأشبه منه شجاعته ومضائه. فقال المهدي: لا حاجة بنا بعد هذا إلى كلام.\rومثل هذا الكلام البليغ ما حكاه أبو محكم قال: اجتمع الشعراء على باب المعتصم، فبعث إليهم محمّد بن عبد الملك الزيّات فقال لهم: إنّ أميرالمؤمنين يقول لكم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري في الرشيد:\rخليفة الله إنّ الجود أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع\rمن لم يكن ببني العبّاس معتصماً ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع\rإن أخلف القطر لم تخلف مخائله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع\rفليدخل وإلاّ فلينصرف، فقام محمّد بن وهيب فقال: فينا من يقول مثله، قال: وأيّ شيء قلت؟ فقال:\rثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر\rفالشمس تحكيه في الإشراق طالعة ... إذا تقطّع عن إداركها النظر\rوالبدر يحكيه في الظلماء منبلحاً ... إذا استنارت لياليه به الغرر\rيحكي أفاعيله في كلّ نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر\rفالغيث يحكي ندى كفّيه منهمراً ... إذا استهلّ بصوب الديمة المطر\rوربّما صال أحياناً على حمق ... شبيه صولته الضرغامة الهصر\rوالهند وانى يحكي من عزائمه ... صريمة الرأي منه النقض والمرر\rوكلّها مشبه شيئاً على حدّة ... وقد تخالف فيها الفعل والصور\rوأنت جامع ما فيهنّ من حسن ... فقد تكامل فيك النفع والضرر\rفالخلق جسم له رأس مدبّرة ... وأنت جار حتاه السمع والبصر\rفأمر بإدخاله وأحسن جائزته.\rولا بأس بذكر أبيات من قصيدة النميري في الرشيد: قال السيّد المرتضى: روي أنّ أبا عصمة الشعبي لمّا أوقع بأهل ديار ربيعة، أوفدت ربيعة وفداً إلى الرشيد فيهم منصور النميري، فلمّا صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل منهم عليه، فاختاروا عدداً بعد عدد إلى أن اختاروا رجلين النميري أحدهما ليدخلا ويسألا حوائجهما، وكا النميري مؤدّباً لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك ولا عرف به، فلمّا مثّل هو وصاحبه بين يدي الرشيد، قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النميري فأنشده: \"ما تنقضي حسرة منّي ولا جزع\"، فقال له الرشيد: قل حاجتك وعد عن هذا، فقال: \"إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع\"، وأنشده القصيدة حتّى انتهى إلى قوله:\rركب من النمر عاذوا بابن عمّهم ... من هاشم إذا لحّ الأزلم الجذع\rمتوا إليك بقربى منك تعرفهم ... لهم بها في سنام المجد مطّلع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855509,"book_id":1863,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"إنّ المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع\rإذا رفعت امرءً فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متّضع\rنفسي فدائك والأبطال معلمة ... يوم الوغى والمنايا بينهم قرع\rحتّى أتى على آخرها، فقال: ويحك قل حاجتك، فقال: يا أميرالمؤمنين أُخربَت الديار وأُخذت الأموال وهُتِكَ الحرم، فقال: أُكتبوا له بكلّ ما يريد، وأمر له بثلاثين ألف درهم، واحتبسه عنده وشخص أصحابه بالكتب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه.\rوقيل: ورد منصور بن سلمة النميري على البرامكة وهو شيخ كبير، فحدّث مروان بن أبي حفصة قال: دخل رجل شامي إلى الرشيد وكان قد تقدّمته البرامكة في الذكر عنده، فأذن له، فدخل فسلّم فأجاد، فأذن له الرشيد، فجلس، قال مروان: فأوجست منه خوفاً فقلت: يا نفس أنا حجازي نجدي شافهت العرب وشافهتني وهذا شامي أفتراه أشعر منّي، قال: فجعلت أرفق نفسي إلى أن استنشده هارون، فإذا هو والله أفصح الناس، فدخلني له حسد، قال: فأنشده قصيدة تمنّيت أنّها لي وأنّ عَلَيّ غرماً، ثمّ ذكر مروان أنّه حفظ من القصيدة أبياتاً وهي:\rأميرالمؤمنين إليك خضنا ... غمار الموت من بلد شطير\rبخوص كالأهلّة جانفات ... تميل على السرى وعلى الهجير\rحملن إليك آمالاً عظاماً ... ومثل الصخر والدرّ النثير\rفقد وقف المديح بمنتهاه ... وغايته وصار إلى المصير\rإلى من لا تشير إلى سواه ... إذا ذكر الندى كفّ المشير\rقال مروان: فوددت أنّه أخذ جائزتي وسكت، وعجبت من تخلّصه إلى تلك القوافي، ثمّ ذكر ولد أميرالمؤمنين ﵇ فأحسن التخلّص، ورأيت هارون يعجب بذلك، فقال:\rيد لك في رقاب بني عليٍّ ... ومن ليس بالمنّ اليسير\rفإن شكروا فقد أنعمت فيهم ... وإلاّ فالندامة للكفور\rمننت على ابن عبد الله يحيى ... وكان من الحتوف على شفير\rوقد سخطت لسخطتك المنايا ... عليه فهي حائمة النّسور\rولو كافأت ما اجترحت يداه ... دلفت له بقاصمة الظهور\rولكن جلّ حلمك فاجتباه ... على الهفوات عفو من قدير\rفعاد كأنّما لم يجن ذنباً ... وكان قد اجتنى حسك الصدور\rوإنّك حين تبلغهم أذاة ... وإن ظلموا لمحترق الضمير\rقال: فلمّا سمع الرشيد هذا البيت منه قال: والله هذا معنىً كان في نفسي، وأدخله بيت المال فحكّمه فيه، ثمّ قال مروان: وكان هارون يبسم وكاد يضحك للطف ما سمع ثمّ أومأ إليّ أن أنشده، فأنشدته قصيدتي التي أقول منها:\rخلّوا الطريق لمعشر عاداتهم ... حطم المناكب كلّ يوم زحام\rحتّى أتيت على آخرها، فوالله ما عاج ذلك الرجل بشعري ولا حفل به، وأنشده منصور يومئذ:\rإنّ لهارون أمّا الهدى ... كنزين من أجر ومن برّ\rيريش ما تبري الليالي ولا ... تريش أيديهنّ ما ييري\rكأنّما البدر على رحله ... ترميك منه مقلتا صقر\rوقال الجاحظ: كان منصور هذا ينافق الريد ويذكر هارون في شعره ومراده بذلك أميرالمؤمنين ﵇ لقول النبي ﵌: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلى أن وشى به عنده بعض أعدائه؛ وهو العتابي، فوجّه الرشيد برجل من بني فزارة وأمره أن يضرب عنقه حيث تقع عينه عليه، فقدم الرجل رأس عين بعد موت منصور بأيّام قلائل.\rقال المرزباني: ويصدّق قول الجاحظ أنّه كان يذكر هارون في شعره ويعني به أميرالمؤمنين ﵇ ما أنشده محمّد بن الحسن بن دريد:\rآل الرسول خيار الناس كلّهم ... وخير آل رسول الله هارون\rرضيت حكمك لا أبغي به بدلاً ... لأنّ حكمك بالتوفيق مقرون\rوممّا امتعض منه هارون الرشيد قوله:\rشاء من الناس راتع هامل ... يعللّون النفس بالباطل\rتقتل ذريّة النبي وير ... جون خلود الجنان للقاتل\rما الشك عندي في لؤم قاتله ... لكنّني قد أشكّ في الخاذل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855510,"book_id":1863,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"ونظير قول المعتصم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري الخ ما رواه ميمون بن هارون قال: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ وحاله متماسكة، فسألته فقال: كنت من جلساء المستعين، فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلاّ ممّن قال مثل قول البحتري في المتوكّل:\rفلو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر\rفرجعت إلى داري وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن ممّا قاله البحتري في المتوكّل، فقال: هاته، فأنشدته:\rولو أنّ برد المصطفى إذ لبسته ... يظنّ لظنّ البرد أنّك صاحبه\rوقال قد أعطيته ولبسته ... نعم هذه أعطافه ومناكبه\rوقال: ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به، فرجعت فبعث إليّ سبعة آلاف دينار وقال: أذخر هذه للحوادث من بعدي ولك عَلَيّ الجراية والكفاية ما دمت حيّاً.\rويناسب هذه الحكاية ما روي عن ابن هرمة أنّه دخل على المنصور ممتدحاً له، فقال له المنصور: وما عسى أن تقول فيّ بعد قولك في عبد الواحد بن سليمان:\rإذا قيل من عند ريب الزمان ... لمقتر فهر ومحتاجها\rومن يعجل الخيل يوم الهياج ... بإلجامها قبل إسراجها\rأشارت نساء بني مالك ... إليك به دون أزواجها\rقلت: يا أميرالمؤمنين فإنّي قلت فيك أحسن من هذا، وأنشده:\rإذا قيل أيّ فتىً تعلمون ... أهشّ إلى الطعن بالذابل\rوأضرب للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل\rأشارت إليك أكفّ الأنام ... إشارة غرقى إلى الساحل\rقال المنصور: أمّا هذا فمسروق من ذاك، وأمّا نحن فلا نكافىء إلاّ بالتي هي أحسن، ثمّ أنعم عليه وأحسن جائزته.\rومثل ذلك ما رواه يموت به المزرع أنّ أحمد بن محمّد بن عبد الله أباالحسن الكاتب المعروف بابن المدبّر الضبي كان إذا مدحله شاعر ولم يرض شعره قال لغلامه: إمض به إلى المسجد ولا تفارقه حتّى يصلّي مأة ركعة، فتحاماه الشعراء إلاّ الأفراد المجيدون، فجائه أبو عبد الله الحسن بن عبد السلام المصري فاستأذنه في النشيد، فقال له: قد عرفت الشرط؟ قال: نعم، ثمّ أنشده هذه الأبيات:\rأردنا في أبي حسن مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة\rفقلنا أكرم الثقلين طرّاً ... ومن كفّيه دجلة والفرات\rفقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهنّ الصّلاة\rفقلت لهم وما يغني عيالي ... صلاتي إنّما الشّأن الزكاة\rفيأمر لي بكسر الصاد منها ... فتصبح لي الصلاة هي الصلاة\rفضحك ابن المدبّر واستظرفه، فقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبي تمام الطائي:\rهنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فانّهنّ حمام\rفاستحسن ذلك وأجزل طلبته.\rوتكلّم خالد بن صفوان بين يدي هشام بن عبد الملك بكلام استحسنه هشام، فحسده بعض جلسائه فقال له: ما اسمك؟ فقال: خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال الرجل: اسمك كاذب وما أحد بخالد، وأبوك صفوان وهو حجر صلد، وجدّك أهتم والصحيح خير من الأهتم. فقال خالد: قد سألت فأجبناك، فممّن أنت؟ قال: من أهل الحجاز، قال: بخّ بخّ بلد العرب، ومنشأ أهل الأدب، فمن أيّ الحجاز؟ قال: من مكّة، قال: بخّ بخّ حرم الله وأمنه ومهجر إبراهيم ومولد إسماعيل، فمن أيّ أهل مكّة أنت؟ قال: من عبد الدار، قال: لم تصنع شيئاً يا أخا عبد الدار، هشمتك هاشم، وأمتك أُميّة، وخزمتك مخزوم، وجمحت بك جمح، وسهمتك سهم، وألوت بك لوي، وغلبتك غالب وأنافت بك مناف، وزهرت عليك زهرة، فأنت ابن عبد دارها، ومنتهى عارها، فتفتح لها إذا دخلت، وتغلق ورائها إذا خرجت. فمرض الرجل بعد ذلك أيّاماً ثمّ مات، فادّعى أهله على خالد ديته لأنّه مات بسبب كلامه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855511,"book_id":1863,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"وقال بعض الروات: وفد علبة بن مسهّر الحارثي على ذي فائش الملك الحميري وكان ذو فائش يحبّ اصطناع سادات العرب ويقضي حوائجهم ويقرب مجالسهم، وكان علبة شاعراً محدثاً ظريفاً، فقال له الملك ذات يوم: يا علبة ألا تحدّثني عن أبيك وأعمامك وتصف لي أحوالهم؟ قال: أيّها الملك، هم أربعة: زياد ومالك وعمر ومسهر؛ أمّا زياد فما استلّ سيفه منذ ملكت يده قائمة إلاّ أغمده في جثمان بطل أو شوامت جمل، وكان إذا حملق النجيد وصلصل الحديد وبلغت النفس الوريد خاض ظلام العجاج، وأطفأ نار الهياج وألوى بالأعراج، وأردف كلّ طفلة مغناج، ذات بدن رجراج، وقال لأصحابه: عليكم النهاب والأموال الرغاب، عطاء لا ضنين شكس، ولا حفلد نكس. وأمّا مالك فكان عصمة الهوالك إذا اشتبهت الأعجاز بالحوارك، يفري الرعيل فري الأديم بالأزميل، ويخبط البهم خبط الذئب نقاد الغنم. وأمّا عمرو فكان البحر الزاخر، والسحاب الماطر، يجود إذا بخل الغيث، ويقدم إذا أحجم الليث، ما قدر إلاّ عفى، ولا عاهد إلاّ وفى. وأمّا مسهّر فكان الذعاف الممقر، والأسد المخدر، يخبي الحرب وييسعر، ويبيح النشب فيكثر، ولا يجنحن ولا يستأثر. فقال: لله درّك يا علبة، مثلك فليصف أُسرته وقومه.\rروى أثيرالدين أبو زرعة العراقي الشافعي والمدايني في كتاب الأمثال عن المفضّل الضبي أنّ رسول الله ﵌ لمّا خرج من مكّة يعرض نفسه على القبائل، خرج إلى ربيعة ومعه علي وأبوبكر، فدفعوا إلى مجلس من مجالسهم، فتقدّم أبوبكر وكان نسّابةً، فسلّم فردّوا ﵇، فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: أفمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى، قال: أيّ هامتها أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر، قال: أفمنكم عوف الذي يقال: لا حرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم بسطام وذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم جساس حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم الخوفزان قاتل الملوك وسالبها أنعمها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم أصهار الملوك من كندة؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا، قال: فلستم إذاً ذهل الأكبر، بل أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من شيبان يقال له دغفل حين بقل وجهه فقال:\rإنّ على سائلنا أن نسأله ... والعبأ لا يعرفه أو يحمله\rيا هذا إنّك قد سألتنا فأجبناك ولم نكتمك شيئاً، فممّن الرجل؟ قال: من قريش، قال: بخّ بخّ أهل الشرف والرياسة، فمن أيّ قريش أنت؟ قال: من تيم بن مرّة، قال: أمكنت والله الرامي من الثغرة، أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فصار يدعى مجمعاً؟ قال: لا، قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا، قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا، فاجتذب أبوبكر زمام ناقته ورجع إلى رسول الله ﵌ هارباً من الغلام، فقال الفتى:\rصادف درء السيل درء يدفعه ... يهيضه حيناً وحيناً يصدعه\rأما والله يا أخا تيم لو ثَبَتَّ لأخبرتك أنّك من زمعات قريش ولست من الذوائب. فتبسّم رسول الله، وقال علي ﵌ لأبي بكر: لقد وقعت من الغلام الأعرابي على باقعة؟ قال: أجل يا أباالحسن، ما من طامّة إلاّ ولها ظامةٌ و\"البلاء موكّل بالنطق\"، فذهبت مثلاً.\rودغفل هذا هو ابن حنظلة النسابة، يضرب فيه المثل بالنسب، وقد كان له معرفة بعلم النجوم وغيره من علوم العرب. وقدم مرّةً على معاوية بن أبي سفيان فاختبره فوجده رجلاً كاملاً عالماً، فقال: بم نلت هذا العلم؟ قال: بلسان سئول، وقلب عقول، وآفة العلم النسيان.\rوحكى البلاذريى قال: دخل صبي من بني أسد سنّه سبع سنين على الرشيد ليعجب من فصاحته، فقال له الرشيد: ما تحبّ أن أهب لك؟ قال: جميل رأيك فإنّي أفوز به في الدّنيا والآخر، فأمر بدنانير ودراهم فوضعت بين يديه، فقال: إختر أحبّها إليك، فقال: أميرالمؤمنين أحبّ خلق الله إليّ وهذه من هاتين، وضرب بيده إلى الدنانير، فضحك منه الرشيد ووصله بمال وأمر أن يضم إلى ولده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855512,"book_id":1863,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"وقال بعض الروات: لمّا استخلف عمر بن العزيز، قدم عليه وفد من أهل الحجاز فاشرأبّ منهم غلام للكلام، فقال عمر: يا غلام ليتكلّم من هو أسنّ منك، فقال: يا أميرالمؤمنين إنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا أمنح الله تعالى عبده قلباً حافظاً ولساناً لافظاً فقد أجاد له الإختيار، ولو أنّ الاُمور بالسنّ لكان في الناس من هو أحقّ بمجلسك منك. فقال له عمر: صدقت، تكلّم، فهذا هو السحر الحلال. فقال: يا أميرالمؤمنين إنّا وفد التهنية لا وفد المرزئة، لم تقدمنا عليك رغبة ولا رهبة، لأنّا قد أمنّا في أيّامك ما خفنا، وأدركنا ما أمّلنا. فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل له: عشر سنين.\rونظير هذه القضيّة ما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار قال: حدّث معبد بن خالد وكان ذميماً قال: وفدنا معشر عدوان على عبد الملك، فقدّموا رجلاً منّا وسيماً، فقال: ممّن؟ قال: عدوان، فأنشد عبد الملك:\rعذيري الحي من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض\rبغى بعضهم بعضاً ... فلم يرعوا على بعض\rومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض\rثمّ قال للرجل: إيه، فقال: لا أحفظها، قال معبد: وكنت خلفه فقلت:\rومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي\rقال للرجل: مَن الحكم؟ قال: لا أدري، فقلت: عامر بن الضرب، فقال له: من القائل؟ قال: لا أدري، فقلت: ذوالأصبع، فقال له: لم قيل ذوالأصبع؟ قال: لا أدري، فقلت: نهشته حيّة فقطعت أصبعه، فقال: ما اسم ذي الأصبع؟ قال: لا أدري، فقلت: حرثان بن الحارث، فقال عبد الملك للرجل: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة ديناراً، فقال لي: وكم أنت؟ قلت: ثلاثمائة، فقال: اجعلوا هذا لهذا، فانصرفت وعطائي سبعمائة وعطائه ثلاثمائة.\rوهذه القصّة وإن لم تكن ممّا نحن فيه إلاّ أنّي أوردتها لناسبتها للقضيّة المتقدّمة قبلها.\rولمّا مات سعيد بن العاص وفد ابنه عمرو على معاوية فاستنطقه، فقال: إنّ أوّل كلّ مركب صعب، وإنّ مع اليوم غداً. فقال معاوية: من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّه أوصى إليّ ولم يوص بي. فقال معاوية: إنّ ابن سعيد هذا لأشدق، فسمّي عمرو الأشدق من ذلك اليوم.\rوحكي عن النظّام أنّه جاء به أبوه وهو حَدِث إلى خليل بن أحمد ليعلّمه، فقال الخليل له يوماً يمتحنه، وبيده قدح زجاج: يا بنيّ صف لي هذه الزجاجة، فقال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: تُريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء، قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء جبرها، قال: فصف لي هذه النخلة، قال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها، قال: فذمّها، قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعليم منك أحوج.\rقال السيّد المرتضى: وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأنّ البلاغة هي وصف الشيء ذمّاً أو مدحاً بأقصى ما يقال فيه.\rوالنظّام هذا هو أبو إسحاق ابن سيّار النظّام. قال الجاحظ: إنّ عبد الوهّاب الثقفي ذكره يوماً فقال: هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، وخصب بعد جدب، وعنىً بعد فقر، وطاعة المحبوب وفرح المكروب مع الشباب الناعم، وله شعر كثير جيّد، فمنه قوله:\rيا تاركي جسداً بغير فؤاد ... أسرفت في الهجران والإبعاد\rإن كان تمنعك الزيارة أعين ... فادخل إليّ بعلّة العواد\rكيما أراك وتلك أعظم منّة ... ملكت يداك بها منيع قيادي\rإنّ العيون على القلوب إذا جنت ... كانت بليّتها على الأجساد\rوله أيضاً:\rتأمّله طرفي فألّم خدّه ... فصار مكان الوهم من نظري أثر\rوصافحه كفّي فألّم كفّه ... فمن صفح كفّي في أنامله عقر\rومرّ بفكري خاطراً فجرحته ... ولم أر خلقاً قط يجرحه الفكر\rيقال: إنّ الجاحظ لمّا بلغه ذلك قال: هذا ينبغي أن لا يناك إلاّ بأير من الوهم.\rويقال: إنّ أبا العتاهية قال: أنشدت النظّام:\rإذا همّ النديم له بلحظ ... تمشّت في محاسنه الكلوم\rقال: ينبغي أن ينادم هذا أعمى.\rقال السيّد المرتضى: وأبيات النظّام تتضمّن معنى بيت أبي العتاهية، ولسنا ندري أيّهما أخذ من صاحبه، والنظّام يكرّر هذا المعنى كثيراً في شعره، فمن ذلك قوله:\rرق فلو بزت سراويله ... علّقه الجوَّ من اللطف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855513,"book_id":1863,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"يجرحه اللحظ بتكراره ... ويشتكي الإيماء بالطرف\rقال السيّد المرتضى: وشبيه مقالة النظّام في وصف الزجاجة والنخلة خبر لبيد المشهور في هجائه للبقلة التي امتحن بهجائها واختبر بذمّها فقال فيها أبلغ ما يقال في مثلها وذلك أنّ عمّاراً وأنساً وقيساً والربيع بن زياد العبسيين وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد عليه العامريّون بنو أُمّ البنين وعليهم أبو البراء عامر بن جعفر بن كلاب؛ وهو ملاعب الأسنّة، وكان العامريّون ثلاثين رجلاً وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان الربيع بن زياد العبسي ينادم النعمان ويكثر عنده ويتقدّم على من سواه وكان يُدعى الكامل لسطاطه وبياضه وكماله، فضرب النعمان قبّة على أبي البراء وأجرى عليه وعلى من كان معه النزل، فكانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فافتخروا يوماً بحضرته، فكاد العبسيّون يغلبون العامريّين، وكان الربيع إذا خلال بالنعمان طعن فيهم وذكر معائبهم، ففعل ذلك مراراً لعداوته لبني جعفر لأنّهم كانوا أسروه، فصدّ النعمان عنهم حتّى نزع القبّة عن أبي البراء وقطع النزل، فدخلوا عليه يوماً فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم ويقدم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضاباً وهمّوا بالإنصراف، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم ويغدوا بإبلهم فيرعاها فإذا أمسى إنصرف بها.\rفأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: مالكم تتناجون؟ فكتموه وقالوا له: إليك عنّا، فقال لهم: أخبروني فلعلّ لكم عندي فرجاً، فزجروه، فقال: والله لا أحفظ أمتعتكم ولا أسرح بإبلكم أو تخبروني، وكانت أُمّ لبيد عبسيّة في حجر الربيع، فقالوا له: خالك قد غلبنا على الملك وصدّ عنّا وجهه، فقال: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه غداً حين يقعد الملك فأرجز به رجزاً ممضّاً مؤلماً لا يلتفت إليه النعمان بعده أبداً؟ قالوا له: وهل عندك ذاك؟ قال: نعم، قالوا: فإنّا نبلوك بشتم هذه البقلة، وقدّامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى الترِبة، فاقتلعها من الأرض فأخذها بيده وقال: هذه البقلة التفلة الرذلة لا تذكي ناراً، ولا تأهل داراً، ولا تسر جاراً، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قيل، بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر البقول فرعا، وأخبثها مرعى، وأشدّها قلعاً، فحرَباً لجارها وجدعاً، ألقوا بي أخا عبس أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس.\rفقالوا: نصبح ونرى فيك رأينا، فقال لهم عامر: أُنظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائم فليس أمره بشيء وإنّما تكلّم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهراً فهو صاحبكم، فرمقوه بأبصارهم فوجدوه قد ركب رحلاً يكدم واسطته حتّى أصبح، فلمّا أصبحوا قالوا: والله أنت صاحبنا، فحلّقوا رأسه وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلّة وغدوا به معهم فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغذّى ومعه الربيع ليس معه غيره، والدار والمجلس مملوئة بالوفد، فلمّا فرغ من الغذاء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع وإلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد وقد دهن أحد شقّي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلاً واحدة، وكذلك العرب كانت تفعل شعرائها في الجاهليّة إذا أرادت الهجاء، فمثّل بين يديه ثمّ قال:\rيا ربّ هيجا هي خير من دعه ... إذ لا تزال هامتي مقزّعه\rنحن بني أُمّ البنين الأربعه ... ونحن خير عامر بن صعصعه\rالمطعمون الجفنة المدعدعه ... والضاربون الهام تحت الخيضعه\rمهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه ... إن استه من برص ملمّعه\rوإنّه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتّى يواري أشجعه\rفلمّا فرغ لبيد، إلتفت النعمان - كأنّه يطلب شيئاً ضيّعه - إلى الربيع يرمقه شزراً وقال: أكذلك أنت؟ قال: والله كذب ابن الحمق اللئيم، فقال: أُفٍّ لهذا الطعام لقد خبث على نفسي، فقال الربيع: أبيت اللعن، أمّا إنّي فعلت بأُمّه لا يكنى، وكانت في حجره، فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أمّا إنّها ممن نسوة غير فعّل وأنت المرء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855514,"book_id":1863,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"قال هذا في تتميمه: وفي رواية أُخرى: أمّا إنّها من نسوة فعُّل، قال ذلك لأنّها كانت من قوم الربيع فنسبها إلى القبيح وصدّقه عليها تهجيناً له ولقومه، فأمر الملك بهم جميعاً فأُخرجوا وأعاد على أبي البراء ألقبه، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه وأمره بالإنصراف إلى أهله، فكتب: إنّي تخوّفت أن يكون قد وقع في صدرك ما قال لبيد ولست برائم حتّى تبعث إليّ من يجرّدني ليعلم من حضرك من الناس أنّي لست كما قال، فأرسل إليه: إنّك لست صانعاً فانتفائك ممّا قال لبيد شيئاً ولا قادراً على ردّ ما زلّت به الألسن فالحق بأهلك، ثمّ كتب إليه النعمان في جملة أبيات جواباً عن أبيات كتبها إليه الربيع:\rقد قيل ذلك إن حقّاً وإن كذباً ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا\rويقال: إنّ حجّاج بن يوسف الثقفي بينما هو جالس في القبّة الخضراء وعنده وجوه أهل العراق وقد حفّت به الوزراء إذ دخل عليه غلام له من العمر عشر سنين، فقال بعد أن نظر في القبّة يميناً وشمالاً: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تُعْبَثُون، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون، وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارين) وكان الحجّاج متّكئاً فاستوى جالساً وقال: يا غلام إنّي لأرى لك عقلاً وذهناً، أفحفظت القرآن؟ قال: أوخفت على القرآن الضياع حتّى أحفظه؟ قال: أفجمعت القرآن؟ قال: أوكان متفرّقاً حتّى أجمعه؟ قال: أفأحكمت القرآن؟ قال: أوليس الله أنزله محكماً. قال الحجّاج: أو استظهرت القرآن؟ قال: معاذ الله أن أجعل القرآن وراء ظهري، قال: ويلك ماذا أقول لك؟ قال: بل لك الويل، قل أوعيت القرآن في صدرك؟ قال الحجّاج: فاقرأ لي شيئاً من القرآن، فاستفتح الغلام يقول: أعوذ بالله منك ومن الشيطان الرّجيم (إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يخرجون مِنْ دِينِ اللهِ أفْواجا) فقال الحجّاج: ويلك إنّه يدخلون في دين الله، فقال الغلام: نعم كانوا يدخلون وأمّا اليوم فيخرجون، قال: ولِمَ ذلك؟ قال: لسوء رأيك فيهم، قال: ويلك هل عرفت المخاطب لك؟ قال: نعم شيطان ثقيف الحجّاج، قال له: ويلك مَن أبوك؟ قال: الذي زرعني، قال: فمن أُمّك؟ قال: التي ولدتني، قال: وأين وُلِدتَ؟ قال: في بعض الفلوات، قال: فأين نُشِأتَ؟ قال: في بعض البراري، قال: ويلك أمجنون أنت فأُعالجك؟ قال: لو كنت مجنوناً ما وصلت إليك ووقفت بين يديك كأنّي فيمن يرجوا فضلك ويخاف عقابك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855515,"book_id":1863,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"قال الحجّاج: فما تقول في أميرالمؤمنين؟ قال: رحم الله أباالحسن، قال: إنّما أعني عبد الملك بن مروان! قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، قال: ويلك بِمَ استحقّ اللعنة؟ قال: والله ما أنكر حقّه غير أنّه أخطأ خطيئة ملأت السّماء والأرض، قال: وما هي؟ قال: استعمالك على رعيّته تستبيح أموالهم وتستحلّ دمائهم، فالتفت الحجّاج إلى أصحابه وقال: ما تشيرون عَلَيّ في أمر هذا الغلام؟ قالوا: أسفك دمه فإنّه خلع الطاعة وفارق الجماعة. فقال الغلام: يا حجّاج، جلساء أخيك خير من جلسائك، قال: أخي محمّد بن يوسف؟ قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، إنّما أعني أخاك فرعون حين قال لجلسائه: ماذا تأمرون في موسى؟ قالوا: أرجه وأخاه، وهؤلاء أمروك بقتلي، إذاً تقوم لله عليك الحجّة غداً بين ملك الجبّارين ومذلّ المتكبّرين. قال الحجّاج: يا غلام قيّد ألفاظك وقصّر لسانك فإنّي أخاف عليك بادرة الاُمراء، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم تستعين بها. فقال الغلام: لا حاجة لي فيها، بيّض الله وجهك وأعلا كعبك. فالتفت الحجّاج إلى أصحابه وقال: هل علمتم ما أراد بقوله: بيّض الله وجهك وأعلا كعبك؟ قالوا: لا، قال: أمّا قوله: بيّض الله وجهك فأراد به البرص والعما، وأمّا قوله: وأعلا كعبك فأراد به الصلب والتعليق، ثمّ التفت إلى الغلام وقال: ما تقول فيما قلته؟ قال: قاتلك الله من منافق ما أفهمك، فقال للحرسيّ: أضرب عنقه. فقال رجل من القوم يقال له الرقاشي: هبه لي أصلح الله الأمير، قال: هو لك، لا بارك الله لك فيه، فقال الغلام: لا أدري أيّكما أحمق: الواهب أجلاً قد حضر أم المستوهب أجلاً لم يحضر؟ قال الرقاشي: إستنقذتك من القتل وتكافيني بهذا الكلام؟! فقال الغلام: هنيئاً لي بالشهادة إن أدركتني السعادة، يا عجباه، جئت من بلاد الضنك والضيق وأرجع إلى أهلي صفراً، يا ليتني أُقتل أحبّ إليّ.\rقال الحجّاج: قد أمرنا لك بمأة ألف درهم، وعفونا عنك لحداثة سنّك وصفاء ذهنك، وإيّاك والجرائة على أرباب الملك فتقع مع من لا يعفو عنك، ولئن رأيتك في شيء من عملي لأضربنّ عنقك. فقال الغلام: العفو بيد الله لا بيدك، والشكوى إليه لا إليك، لا جمع الله بيني وبينك أو يلتقي السامري وموسى، ثمّ خرج، فابتدر الخادم على أثره، فقال لهم: دعوه فما رأيت أشجع منه قلباً ولا أفصح منه لساناً، ولا والله ما وجدت مثله وعسى أن لا يجد مثلي قط.\rأقول: ونظير قوله: أفحفظت القرآن، أفجمعت القرآن، أو استظهرت القرآن، وهو ينحو بالجواب إلى غير ما قصده، الحكاية العجيبة التي ذكرها السيّد المرتضى في الدرر قال: من المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّاني، ذكر الكلبي وأبو مخنف أنّه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم وكان نصرانيّاً، روي أنّ خالد بن الوليد لمّا نزل الحيرة وتحصّن منه أهلها، أرسل إليهم: ابعثوا إليّ رجلاً من عقلائكم وذوي أحسابكم، فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتّى دنا من خالد، فقال: أنعم صباحاً أيّها الملك، قال: قد أغنانا الله عن تحيّتكم هذه، فمن أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أُمّي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت؟ قال: إي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ إنّي أسأله عن الشيء وينحو في غيره. قال: ما أجبتك إلاّ عمّا سألت، فاسأل عمّا بدا لك. قال: أعرب أننتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا ونبط استعربنا، قال: فحَرْبٌ أنتم أم سِلْم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتّى يجيء الحليم وينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تخرج وتضع مكتلها على رأسها لا تتزوّد إلاّ رغيفاً واحداً حتّى تأتي الشام، ثمّ قد أصبحت اليوم خراباً يباباً وذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855516,"book_id":1863,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"قال: ومعه سمّ ساعه يقلّبه في كفّه. قال خالد: ما هذا في كفّك؟ قال: السمّ، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته، وإن كانت الاُخرى لم أكن أوّل من ساق إليهم ذلاًّ وبلاءً، أشربه فأستريح من الحياة الدّنيا، فإنّما بقي من عمري اليسير. قال خالد: هاته، فأخذه ثمّ قال: بسم الله وبالله ربّ الأرض والسماء الذي لا يضرّ مع اسمه شيء، ثمّ أكله فتجللته غشية ثمّ ضرب بذقنه في صدره طويلاً ثمّ عرق فأفاق كأنّما نشط من عقال، فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سمّ ساعه فلم يضرّه، صانعوهم وأخرجوهم عنكم فإنّ هذا مصنوع لهم، فصانعوهم على مائة ألف درهم.\rوهذه وإن كانت ليس هذا محلّها لأنّا في ذكر بلاغة الصبيان، فقد ذكرتها لمناسبة القضيّة التي قبلها.\rويقال: دخل صبي على المنصور فجعل يسأله عن أبيه، وكلّما سأله عن أمر من أُموره قال: فعل ﵀ كذا، وصنع ﵁ كذا، فزجره الربيع صاحب المنصور وقال: إلى متى تترحّم على أبيك في مجلس أميرالمؤمنين؟ فالتفت الصبيّ إليه وقال: إنّك لم تعرف حلاوة الآباء، وكان الربيع لقيطاً.\rوعن عكرمة قال: دخل المعتصم على خاقان يعوده فرأى ابنه الفتح في صحن الدار، فمازحه وقال: يا فتح أيّما أحسن: داري أم داركم؟ فقال: يا أميرالمؤمنين أيّ الدّارين كنت فيها هي أحسن من الاُخرى، فجلس المعتصم مكانه وقال: لا أبرح حتّى ينثر عليه مائة ألف درهم، فنثرت عليه. قال عكرمة: هذا قول الفتح ولم يبلغ العشر.\rوعن الأصمعي قال: دخلت البادية فرأيت أعرابيّة من أحسن الناس وجهاً متزوّجة بأقبح الناس وجهاً، فقلت: يا هذه أترغبين أن تكوني تحت هذا؟ فقالت: بئسما قلتَ، لقد أحسن فيما بينه وبين ربّه فجعلني ثوابه، وأسأت فيما بيني وبين ربّي فجعله عقابي.\rودعت أعرابيّة على زوجها فقالت له: ضربك الله بداء لا يكون له دواءً إلاّ أبوال القطا.\rويقال: إنّ امرأة أبي الأسود الدئلي خاصمته إلى زياد في ولدها، فقالت له: أيّها الأمير إنّ هذا يريد أن يغلبني على ولدي وقد كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له وطاء. فقال أبوالأسود: أفبهذا تريدين أن تغلبيني على ابني، فوالله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه. فقالت: ولا سواء؛ إنّك حملته خَفّاً وحملته ثقلاً، ووضعته شهوةً ووضعته كرهاً. فقال له زياد: يا أباالأسود إنّها امرأة عاقلة فادفع إليها ابنها فأخلق أن تحسن أدبه.\rوفي شرح نهج البلاغة: روى ابن قتيبة في عيون الأخبار قال: دخل الحجّاج على الوليد بن عبد الملك وعليه درع وعمامة سوداء، وقوس عربيّة وكنانة، وذلك في أوّل قدمة قدمها عليه من العراق، فبعثت أُمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان وكانت تحت الوليد إليه تسأله من هذا الأعرابي المستلئم بالسلاح عندك وأنت في غلاله، فأرسل إليها: هذا الحجّاج، فأعادت إليه الرسول: لئن يخلو بك ملك الموت أحياناً في اليوم أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجّاج يوماً، فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه، فقال: يا أميرالمؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعها على سرّك ومكايدة عدوّك. فلمّا دخل الوليد عليها أخبرها وهو يمازحها بمقالة الحجّاج، فقالت: يا أميرالمؤمنين حاجتي أن تأمره غداً أن يأتيني مسلّماً، ففعل ذلك، فأتاها الحجّاج فحجبته، فلم يزل قائماً ثمّ أذنت له، فقالت: أنت الممتنَّ على أميرالمؤمنين بقتلك ابن الزبير وابن الأشعث، أما والله لولا أنّ الله علم أنّك شرّ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام، ولا بقتل ابن ذات النطاقين، أوّل مولود ولد في دار هجرة الإسلام، وأمّا نهيك أميرالمؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذّاته وأوطاره فإن كنّ ينفرجن عن مثلك فما أحقّه بالأخذ منك، وإن كنّ ينفرجن عن مثله فهو غير قابل لقولك، أما والله لقد نفض نساء أميرالمؤمنين الطيب من غدائرهنّ فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من قرن قد أظلّتك رماحهم وأثخنك كفاحهم، وحين كان أميرالمؤمنين أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم فأنجاك الله من عدوّ أميرالمؤمنين بحبّهم إيّاه، قاتل الله القائل حين ينظر إليك وسنان غزاله بين كتفيك:\rأسد عَلَيَّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855517,"book_id":1863,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى ... أم كان قلبك في جناحي طائر\rقم فاخرج، فقام فخرج.\rوروي عن محمّد بن عمّار بن ياسر قال: بلغ الحرث بن حجر الكندي عن الخنساء ابنة عوف بن محلم جمالاً وكمالاً، فأرسل إليها امرأة من كندة يقال لها عصام وقال لها: إذهبي واعلمي لي علم الجارية، قالت: فأتيت أُمّها فإذا أنا بامرأة كأنّها جازية من الضباء، وحولها بنات لها كأنّهنّ الغزلان، فأعلمتها الذي جئت له، فأرسلت إلى ابنتها: يا بنيّتي هذه خالتك قد أتتك تنظر إلى بعض شأنك فلا تستري عنها وجهاً، ولا تخفي عليها خلقاً، وناطقيها إن استنطقتك، فأذنت لها، فلمّا دخلت عليها وتوسّمت خلقها رأيت أحسن الناس وجهاً وجسماً، ثمّ خرجت وهي تقول: تركَ الخداع مَن كشف القناع، حتّى دخلت على الحرث، فقال لها: ما ورائك يا عصام؟ فقالت: أصلح الله الملك، صرّح المخض عن الزّبد، أقول حقّاً وأخبرك صدقاً، رأيت وجهاً كالمرآة الصينيّة الوضيئة، يزينه شعر حالك كأذناب الخيل، إن أرسلته قلت سلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد جلاها وابل، لها حاجبان كأنّما خطّا بقلم أو سوّدا بحمم، تقوّسا على مثل عيني الظبية العبهرة التي لم تَرَ قانصاً ولم يذعرها قسورة، تبهتان المتوسّم إن فتحتهما، وتجللان بأشفارهما ما تحتهما، بينهما أنف كحدّ السيف المصقول، لم يخنس به قصر ولم يعبه طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض، كالجمال شقّ فيه فم لذيذ المتبسّم، فيه ثنايا ذات أشر، وأسنان كالدرر، ينطق فيه لسان ذو فصاحة، وبيان يحرّكه عقل وافر بجواب حاضر، تنطبق عليه شفتان حمراوان كأنّهما في اللين الزبد، تحملان ريقاً كالشهد، ركّب ذلك على عنق بيضاء بضّه مثل سبيكة الفضّة، على صدر كصدر التمثال، قدّ منه عضدان مدمجتان ممتليتان لحماً مكسوّتان شحماً، متّصل بينهما ساعدان رقيق قصبهما، لين عصبهما، وافر لحمهما، متّصل بهما كفّان ما فيهما عرق يمس، ولا عظم يجس، تعقد إن شئت منهما الأنامل وتغيب الفصوص في عقد تلك المفاصل، نتأ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين، يخرقان عنها ثيابها، ويمنعانها أن تقلّد سخابها، تحت ذلك كلّه بطن كالقباطي المدمجة، والطوامير المدرّجة، أحاطت تلك العكن بسرّة كمدهن العاج، خلف ذلك ظهرٌ فيه كالجدول ينتهي إلى خصر لطيف، لولا رحمة الله لانبتر لها كفل بنهضها إذا قعدت، ويقعد بها إذا نهضت، كأنّه دعص رمل لبّده سقيط الطل، تحمله فخذان لفّاوان، وإن قلبتا على نضيد جمان، تحملها ساقان خدلجتان فيهما شعر أسود كأنّه حلق الزرد، تحمل ذلك كلّه قدم كحذو اللسان، فتبارك الله مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما. قال: فتزوّجها فولدت له الأملاك الأربعة: حجراً وشرجيلاً وسلمة ومعدي كرب.\rونظير ما وصفت به هذه المرأة وصف النابغة الذبياني المتجرّدة زوجة النّعمان بن المنذر، والنابغة هذا اسمه زياد بن معاوية بن ضباب، ينتهي نسبه لذبيان ثمّ لمضر، ويكنّى أبا أمامة، وإنّما سمّي النابغة لقوله: وقد نبغت لهم منّا شؤون، وهو أحد الأشراف الذين غضّ منهم الشعر، وهو من الطبقة الاُولى المتقدّمين على سائر الشعراء، وكان خاصّاً بالنّعمان بن المنذر وكان من ندمائه، فرأى زوجته المتجرّدة يوماً وقد غشيها شيء شبيه بالفجأة فسقط نصيفها واستترت بيدها وذراعها، فكانت ذراعها تستر وجهها لعبالتها وغلظها، فقال:\rمن آل أُميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوَّد\rزعم البوارح أنّ رحلتنا غداً ... وبذاك تنعاب الغراب الأسود\rلا مرحباً بغد ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبّة في غد\rأزف الترحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأنّ قد\rفي أثر غانية رمتك بسهمها ... فأصاب قلبك غير أن لم تقصد\rبالدرّ والياقوت زيّن نحرها ... ومفصل من لؤلؤ وزبرجد\rسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد\rبمخضب رخص كأنّ بنانه ... عنم على أغصانه لم يعقد\rوبفاحم رجل أثيث نبته ... كالكرم مال على الدعام المسند\rنظرت إليك لحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العوَّد\rومنها:\rوإذا لمست لمستَ أختم جاثماً ... متحيّزاً بمكانة ملأ اليد\rوإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسّة بالعبير مقرمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855518,"book_id":1863,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"وإذا نزعت نزعت عن متحصّف ... نزع الحزوَّر بالرشاء المحصد\rفملكت أعلاها وأسفلها معاً ... وأخذتها قسراً وقلت لها اقعدي\rوهذا البيت الأخير ليس من القصيدة، وكان سبب إلحاقه فيها ما رواه أبو نؤاس قال: رأيت النابغة الذبياني في منامي فقال لي: بماذا حبسك الرشيد؟ فقلت: بقولي:\rأهج نزاراً وأفر جلدتها ... وهتك الستر عن مثالبها\rفقال لي: أهل ذلك أنت يابن المومسة، فقد استوجبت من كلّ نزاريّ عقوبةً مثلها بما ارتكبت منها، فقلت: وأنت حبسك النّعمان ببيت قلته ستره النّعمان عن الناس، قال: ما هو؟ قلت: قولك:\rسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد\rفقال: أو كان هذا مستوراً؟ فقلت: بقولك:\rوإذ لمست لمست أختم جاثماً ... متحيّزاً بمكانه ملأ اليد\rفقال: اللهمّ غفراً، فقلت: فبماذا؟ قال: بقولي:\rفملكت أعلاها وأسفلها معاً ... وأخذتها قسراً وقلت لها اقعدي\rفحدّث أبو نؤاس بهذا الحديث الزيدي فألحق البيت بقصيدة النابغة.\rويماثل قصيدة النابغة هذه ما قاله بعض العرب وهو القصيدة المشهورة المعروفة بالدّعديّة ولا بأس بذكرها لاشتمالها على نظائر تلك النعوت المارّة في الحكاية السابقة، فمنها:\rآه على دعد وما خلقت ... إلاّ لطول بليّتي دعد\rبيضاء قد لبس الأديم أديم ... الحسن فهو لجلدها جلد\rويزين فوديها إذا حسرت ... ضافي الغدائر فاحم جعد\rفالوجه مثل الصبح منبلج ... والشعر مثل الليل مسودّ\rضدّان لمّا استجمعا حسنا ... والضدّ يظهر حسنه الضدّ\rوجبينها صلت وحاجبها ... شحط المخطّ أزجّ ممتدّ\rفكأنّها وسنى إذا نظرت ... أو مدنف لمّا يفق بعد\rبفتور عين ما بها رمدٌ ... وبها تداوى الأعين الرَّمد\rوتريك عرنيناً يزيّنه ... شَمم وخدّ لونه الورد\rوتجيل مسواك الأراك على ... ثغر كأنَّ رضابه شهد\rوالجيد منها جيد جازية ... تعطوا إذا ما طلّها البرد\rوامتدّ من أعضادها قصب ... فعم زهته مرافق درد\rوالمعصمان فما يرى لهما ... من فعمة وبضاضة زند\rولها أنامل لو أرادت لها ... عقداً بكفّك أمكن العقد\rفكأنّما سقيت ترائبها ... والوجه ماء الحسن إذ تبدو\rوبصدرها حقّان خلتهما ... كافورتين علاهما ندّ\rوالبطن مطويّ كما طويت ... بيض الرياط تصونها الملد\rوالتفَّ فخذاها وفوقهما ... كفل يجاذب خصره النهد\rوبخصرها هيف يزيّنه ... فإذا تنوء تكاد تنتقد\rفقيامها مثنى إذا نهضت ... من لينها وقعودها فرد\rما شأنها طول ولا قِصر ... أزرى بها فقوامها قصد\rولهاهن راب مجسّته ... ضيق المسالك حرَّه وقد\rفإذا طعنت طعنت في لبد ... وإذا جذبت يكاد ينسدّ\rفكأنّه من كبره قدح ... أكلَ العيال وكبّة العبد\rوالساق خرعبة منعّمة ... ثملت وطوق الحجل مشتدّ\rومشت على قدمين خصرتا ... والتفّتا فتكامل العقد\rإن لم يكن وصل لديك لنا ... يشفي الصبابة فليكن وعد\rإن تتهمي فتهامة وطني ... أو تنجدي إنّ الهوى نجد\rقد كان أورق وصلكم زمناً ... فذوي الوصال وأورق الصدّ\rلله أشواقي إذا نزحت ... دار لكم ونأى بكم بعد\rوإذا المحبّ شكى الصدود ولم ... يعطف عليه فقتله عمد\rأما ترى طمريَّ بينهما ... رجل ألحَّ بهزله الجدّ\rفالسيف يقطع وهو ذو صدء ... والحدَّ يفري الهام لا الغمد\rهل ينفعنّ السيف حليته ... يوم الجلاد إذا نبا الحدّ\rويشبه قوله: أما ترى طمريَّ الخ قول بعضهم فيما أخبر به محمّد بن الخطّاب الكلابي: إنّ فتىً من الأعراب خطب ابنة عمٍّ له، فأبى أبوها أن يزوّجه إيّاها لأنّه كان معسراً، فكتب إلى ابنة عمّه بهذه الأبيات:\rيا هذه كم يكون اللوم والفند ... لا تعذلي رجلاً أثوابه قِدَد\rإن يمس منفرداً فالبدر منفرد ... والليث منفرد والسيف منفرد\rأو كنتِ أنكرت طمريه وقد خلقا ... فالبحر من فوقه الأقذار والزَّبد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855519,"book_id":1863,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"أو كان صرف الليالي رثَّ بزّته ... فبين ثوبيه منه ضيغم لبد\rوإنّما أوردت ذلك المقدار من المقصيدة وإن كان فيه ما هو خارج عمّا نحن فيه لحسنها وجودتها.\rونظير تلك الحكاية أيضاً ما روي في عائشة بنت طلحة. أقول: هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرّة، أبوه ابن عمّ أبي بكر لحّاً، وكانت بارعة في الجمال، تامّة الخلق، موصوفة بحسن المعاشرة، محبّبة إلى الأزواج، وكانوا يتنافسون عليها، وتزوّجها عدّة من الرجال، فكان الثانيى من أزواجها يضاعف لها مهرها عن الأوّل حتّى بلغ مهرها عند الأخير ألوفاً كثيرة من المال، وهذا خلاف العادة، فإنّ العرف يقضي بانحطاط مهر الثيّب عن البكر والثالث عن الثاني وهلمّ جرّا، وما ذاك إلاّ لمعنىً في عائشة دون غيرها، ونحن نذكر شيئاً من أوصافها وبعضاً من أخبارها: حكى أبوالفرج في الأغاني قال: اجتمع مصعب بن الزبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وعمرو بن سعيد بن العاص وأتتهم عزّة الميلاء، فقالوا لها: إنّا قد خطبنا وأردنا منك أن تنظري لنا نسائنا، فسألت مصعباً عمّن خطب، قال: عائشة بنت طلحة، وسألت عمرو بن سعيد عمّن خطب، فقال: عائشة بنت عثمان، وسألت عبد الله فقال: أُمّ القاسم بنت زكريّا، فتوجّهت إليهنّ لتنظرهنّ، فبدأت بعائشة بنت طلحة، فدخلت عليها، فأكرمتها عائشة وسُرَّت بها فسألتها عن حاجتها، فقالت لها: إنّي كنت في نسوة من قريش فتذاكرنا جمال النساء وخلقهنّ فذكرناكِ فلم أدرِ كيف أصفكِ، فقالت: ماذا تريدين؟ فقالت لها: فديتك أقبلي وأدبري، فأقبلت وأدبرت، فارتجّ كلّ شيء منها، ثمّ قالت لها عزّه: خذي ثوبك، فأخذته فرأتها من أحسن النساء ثورة وأتمّهنّ محاسن، فعوّذتها وقالت: ما أظنّ أنّ الله تعالى خلق لصورتك هذه شبيهاً في الدّنيا، وودّعتها وانصرفت إلى أُمّ القاسم، فأكرمتها وسُرّت بها وسألتها عن حاجتها، فعرّفتها بمثل ذلك وسألتها أن تقبل فأقبلت وأن تدبر فأدبرت، فرأت منها ما أعجبها فعوّذتها وقالت لها: يا أُم القاسم والله ما رأيت حسناً إلاّ وأنتِ أحسن منه، وودّعتها وانصرفت وفعلت مثل ذلك مع عائشة بنت عثمان، ورجعت إليهم وهم ينتظرونها.\rفقالت لمصعب: أمّا عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ولا مدبرة، مخطوطة المتنين، عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقيّة الثغر، وضيئة الوجه، فرعاء الشعر، لفّاء الفخذين، يرتجّ ما بين أعلاها إلى أسفلها، وفيها عيبان: اُذنان يحاذيان الخدّ في الكبر، وقدمان كذلك، ولكن الأوّل يواريه الخمار والثاني يواريه الخف. ثمّ قالت لعبد الرحمن: وأمّا أُم القاسم فكأنّها خوطة بان، أو جدول عنان، لو شائت أن تعقد وتعقد أطرافها لفعلت، ولكنّها شحّة الصدر وأنت عريض الصدر وإن قبيحاً لا والله حتّى يملأ كلّ شيء مثله. وقالت لعمرو بن سعيد: أمّا عائشة فوالله ما رأيت خلقتها قط لامرأة لكأنّما أفرغت في قالب الحسن إفراغاً غير أنّ في وجهها ردّة، فوصلوها وتزوّجوهنّ.\rقولها: في وجهها ردّة بفتح الراء، تُريد أنّ وجهها ينقص في الحسن عن بدنها.\rوذكر أنّ عائشة بنت طلحة كانت تستلقي على قفاها ثمّ تدحرج الاُترجة من تحت ظهرها فتخرج من الناحية الاُخرى لوفور عجيزتها، وقد قال فيها الحارث بن خالد المخزومي:\rقرشيّة عبق العبير بها ... عبق الدهان بجانب الحقّ\rوتنوء تثقلها عجيزتها ... نهض الضعيف ينوء بالوسق\rقال مسلم بن قتيبة: رأيت عايشة بنت طلحة بمنى - أو قال بمسجد الخيف - ومعها امرأتان تنهضانها للقيام فانخزلت عجيزتها لعظمها، فقالت: إنّي لمعناة منكما. قال مسلم: فذكرت قول الحارث بن خالد المخزومي: وتنوء تثقلها عجيزتها، البيتان.\rقالت سلافة: زرت مع مولاتي عائشة بنت طلحة وأنا يومئذ وصيفة، فرأيت عجيزتها خلفها وهي جالسة كأنّها غيرها، فوضعت يدي عليها لأعلم ما هي، فلمّا وجدت مسّ يدي قالت: من هذه التي تمسّني؟ فقلت: أنا، رأيت هذا الذي خلفك فخلت أنّها امرأة جالسة معك فجئت لأنظر من هي، فضحكت وقالت: ما أكثر ما يعجب ممّا تعجبين منه. قالت سلافة: ولم أر أحسن جسماً من عائشة بنت طلحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855520,"book_id":1863,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"وحكى أبوالفرج في الأغاني: إنّ رملة بنت عبد الله بن خلف وكانت ضرّة عائشة عند عمرو بن عبيد الله قالت ذات يوم لمولاة عائشة: أريني عائشة إذا كانت متجرّدة ولك عندي ألف، فأخبرت عائشة بذلك، ثمّ قامت عائشة كأنّها تغتسل، فأقبلت رملة ورأتها مقبلة ومدبرة، فلمّا فرغت من ذلك أعطت مولاتها الألف وقالت لها: وددت أنّي أُضاعف لك العدد ولم أكن رأيتها.\rوذكر صاحب كتاب نثر الدرر قال: لمّا تزوّج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة حمل إليها ألف ألف درهم؛ خمسمائة ألف مهر وخمسمائة ألف هديّة، وقال لمولاتها: لك ألف درهم إن دخلت بها الليلة، فأمر بالمال فحمل إلى عائشة وغطّي بالثياب، فخرجت عائشة فرأته فاستكثرته وظنّته فراشاً وثياباً، فسألت مولاتها فأعلمتها أنّه مال فاستكثرته وتبسّمت، فقالت لها مولاتها: ما جزاء من حمل هذا أن يبيت وحده، فقالت لها: وهو كذلك ولكن لا يجوز الدخول إلاّ بعد أن أتهيّىء وأتزيّن، فقالت لها: والله إنّ وجهك لأحسن من كلّ زينة، ولا تحتاجين إلى شيء من طيب أو حلى إلاّ وهو عندك، وأكبّت على رجليها تقبّلهما وتطلب منها أن يكون دخوله بها تلك الليلة، فقالت لها: ويحك كيف يكون هذا بهذه السرعة؟ فصدّقتها الخبر وأعلمتها بما جعل لها مصعب من المال، فأمرتها أن تأذن له، فسار إليها من ليلته وأدنى إليه طعام فأكله كلّه حتّى أعرى الخوان منه، ثمّ سأل عن المتوضّأ فأُخبر فقام فتوضّأ ثمّ صلّى ثمّ قام فأسبل الستر وأقام معها حتّى نال منها سبعاً تلك الليلة، ولم يكن عند عائشة أحظى منه في أزواجها، وكان ينال ما يشاء منها عفواً من دون مناكرة. وذكر هذه الحكاية أبوالفرج في الأغاني وأنّها جرت لها مع عمرو بن عبد الله بن معمر وكان قد تزوّجها بعد مصعب بن الزبير.\rوقال إسحاق بن إبراهيم: قيل لنعيمان المخنَّث: كيف رأيت عائشة بنت طلحة؟ قال: أحسن البشر، قيل له: صفها، قال: تناصف وجهها في القسامة، وتجزّء معتدلاً في الوسامة.\rقوله: تناصف وجهها في الوسامة أي أخذ كلّ موضع منه حظّه من الحسن، لم ينفرد بالحسن موضع دون الآخر فيغبن أحد الموضع حظّه. والقسامة الحسن، وهذا أيضاً معنى الفقرة الثانية أي إنّ وجهها أجزاء متساوية في الحسن لا يزيد جزء على جزء، ولقد وصف فأجز وبالغ.\rوحدّث حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها فعاتبها مصعب في ذلك فقالت: إنّ الله تعالى وسمني بميسم الجمال فأحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم، فما كنت لأستره. فكان مصعب إذا عزم عليها في الإستتار استترت وإذا سكت عنها أسفرت وباشرت الناس.\rوحكى صاحب كتاب نثر الدرر قال: لمّا زفّت عائشة بنت طلحة إلى زوجها مصعب بن الزبير سمعت منها امرأةٌ وهو يجامعها شخيراً وغطيطاً في الجماع لم تسمع مثله، فقالت لها في ذلك، فقالت لها عائشة: إنّ الخيل لا تشرب إلاّ بالصفير.\rقلت: وقد نظم بعض الشعراء قولها: إنّ الخيل لا تشرب إلاّ بالصفير، فقال:\rأدرها بالصغير وبالكبير ... وخذها من يدي قمر منير\rولا تشرب بلا طرب فإنّي ... رأيت الخيل تشرب بالصفير\rأقول: والشيء بالشيء يُذكَر حدّث الصولي عن أبي نؤاس قال: حججت مع الفضل بن الربيع حتّى إذا كنّا بأرض بني فزارة أيّام الربيع سرّحت عيني رامقاً في أحسن منظر، واستنشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر، فقلت لمن معي: أمضي بنا إلى هذه الخيام فلعلّنا نجد عندها من نؤثر عنه خبراً نرجع به إلى بغداد، فلمّا انتهينا إلى أوائلها فإذا نحن بخباء وعلى بابه جارية مبرقعة ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر قد حشي فتوراً وملىء سحراً، وقد مدّت يداً كلسان طائر بأطراف كالمذاري، وخضاب كأنّه عنم، فقلت لصاحبي: والله إنّها لترنوا عن مقلة لا رقية لسليمها ولا برء لسقيمها، فاستنطقها فقال: كيف السبيل؟ فقلت: استسقها، فدنى منها فاستسقاها، فقالت: نعمة عين فإن نزلتما فالرّحب والسعة، ثمّ قامت تتهادى في مشيتها كأنّها خوط بان أو قضيب خيزران تتثنّى، تجرّ خلفها كالعرارتين، فراعني والله ما رأيت، فأتت بالماء فأخذته فشربت منه وصببت باقيه على يدي، ثمّ قلت: وصاحبي أيضاً عطشان، فأخذت بالإناء ودخلت الخباء، فقلت لصاحبي: من الذي يقول:\rإذا بارك الله في ملبس ... فلا بارك الله في البرقع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855521,"book_id":1863,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"يريك عيون المهى غرَّةً ... ويكشف عن منظر أشنع\rفمضت مسرعة فنزعت برقعها وتقنّعت بخمار أسود وجائت وهي تقول:\rألا حيّ ركبي معشر قد أراهما ... أطالا ولمّا يعرفا مبتغاهما\rهما استسقيا ماءً على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممّن سقاهما\rيذمّان لبّاس البراقع ظلّةً ... كما ذمَّ تجرٌ سلعتين اشتراهما\rفشبهت كلامهما عقد درٍّ وهي من سلكه فهو ينتثر بنغمة عذبة رخمة رطبة لو خوطب بها الصمّ الصلاب لانبجست ماءً لرطوبة منطقها وعذوبة ألفاظها، كما قال ذوالرمّة:\rولمّا تلاقينا جرت من عيوننا ... دموعٌ كففنا مائها بالأصابع\rونلنا سقاطاً من حديث كأنّه ... جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع\rولم أتمالك أن خررت ساجداً وأطلت من غير تسبيح، فقالت: ارفع رأسك غير مأجور، وامض لشأنك غير موزور، ولا تذم بعدها برقعاً فربّما يكشف عمّا لا يردّ الكرى، ويحلّ القوى من غير بلوغ إرب، ولا قضاء وطر، وليس إلاّ للحين المجلوب، والأمل المكذوب، فبقيت والله معقول اللسان عن الجواب، فالتفت إليّ صاحبي فقال لمّا رأى هلعي: اَلِلَمْعَةِ وجه برقت منه بارقة حسن لعلّك لا تدري ما تحته، أما سمعت قول ذي الرمة:\rعلى وجه مي مسحةٌ من ملاحة ... وتحت الثياب الخزي لو كان باديا\rفقلت: اُلامُ كلاّ والله لأنا أشبه بقوله:\rمنعّمةٌ حوراء يجري وشاحها ... على كشح مرتجًّ الروادف أهضم\rلها بشرٌ صاف وعينٌ مريضةٌ ... وأحسن إيماء بأحسن معصم\rوكوفية بالحسن قد تمَّ حسنها ... ورومية في اللون ظاهرة الدم\rخزاعية الأطراف مريَّة الحشا ... فزارية العينين طائية الفم\rفرفعت ثيابها فإذا قضيب فضة قد حُشي بماء الذهب، يهتزّ على مثل قضيب نقي وصدر كالوذيلة، عليه كالرمانتين أو حقيْ عاج يملاءن يد اللامس، وخصر مطويّ الإندماج يهتزّ على كفل رجراج، لو رمت عقده لانعقد، وسرّة مستديرة يقصر فهمي عن بلوغ وصفها، من تحتها أحمّ جاثم كجبهة ليث خادر، وساقان خدلجان يخرسان الحجلين، ثمّ قالت: أَعارٌ نرى؟ فقلت: لا والله ولكن سبب قدر المحتاج وتعجيل همّ يتبعه سقم. فخرجت عجوز من الخباء فقالت: يا هذا امض لشأنك فإنّ قتيلها مطول لا بؤدى، وأسيرها مكبول لا يفدى، فقالت لها: دعيه فمثله مثل عيلان بقوله:\rفإنْ لم يكن إلاّ تعلّل ساعة ... قليلاً فإنّي نافع لي قليلها\rفولّت العجوز وهي تقول:\rفمالك منها غير أنّك ناكح ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع؟\rفبينما نحن كذلك وإذا بطبل الرحيل قد ضرب، فانصرفنا مبادرين بكمد قاتل وحسرة كاملة وأنا أقول:\rيا ناظراً ما أقلعت لحظاته ... حتّى تشحّط بينهنّ قتيل\rأحللت قلبي في هواك محلّةً ... ما حلّها المشروب والمأكول\rبكمال صورتك التي في مثلها ... يتحيّر التشبيه والتمثيل\rفوق القصيرة والطويلة فوقها ... دون السمان ودونها المهزول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855522,"book_id":1863,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"فلمّا قضينا حجّنا وكررنا راجعين، مررنا بذلك الموضع وقد تضاعفت أنواره وكملت بهجته، فقلت لصاحبي: إمض بنا إلى صاحبتنا لعلّنا نجدها، فلمّا أشرفنا على الخيام ونحن دونها نسير في روضة من تلك الرياض وقد طلعت الغزالة وحباب الطل يغازلها كأعين شرقت بدموعها على قضب زبرجد، فصعدنا رَبوة ونزلنا وهْدةً وإذا بها بين خمسة لا نصلح أن تكون خادمة لإحداهنّ يجتنين من كور ذلك الزهر، ويتقلّبن على ما اعتمّ من عشبه، فلمّا رأينا وقفْن، فقلت: السلام عليكم، فقالت من بينهنّ: وعليك السلام، وقصّت عليهنّ قصّتي، فقلن لها: ويحك ألا رحمتيه وزودتيه شيئاً يتعلّل به من جوى البرحاء؟ قالت: نعم زوّدته يأساً حاضراً ورأياً حائراً، فابتدرت أنظرهنّ خدّاً وأرشقهنّ قدّاً وأبرعهنّ طرفاً فقالت: والله ما أحسنتِ بداً، ولا أجملتِ موعداً، ولقد أسأتِ في الردّ، ولا كافيتيه في الودِّ، وإنّي لأحسبه بك وامقاً، وإلى لقائك شائقاً، فما عليك يا سعافة وإنّ المكان لخال، وإنّ معك من لا ينمّ عليك؟ فقالت: والله ما أفعل من ذلك شيئاً أو تفعليه قبلي وتشركيني في حلوه ومرّه. فقالت لها الأُخرى: تلك قسمة ضيزى، تُعْشَقين أنت فتزَهينَ ويذلّ لك فتمنعين الرّفد، ثمّ تأمرين بما يكون منك لذّةً وشهوةً ومنّي سخرة، ما أنصفتِ في القول ولا أجملتِ في الفعل، ثمّ أقبلن عَلَيّ فقلنَ: إلى مَ قصدت؟ فقلت: تبريد غلّة وإطفاء لوعة أحرقت الكبد وأذابت الجسد. قلن: فهل قلت في ذلك شيئاً؟ قلت: نعم، وأنشدتهنّ:\rحججت رجاء الفوز بالأجر قاصداً ... لحطّ ذنوب من ركوب الكبائر\rفآبت كما آب الشقي بخفّتي ... حنين ولم اوجر بتلك المشاعر\rدهتني بعينيها وبهجة وجهها ... فتاةٌ كضوء الشمس وسنى النواظر\rفقلن: اقترِعْنَ، فاقترعْنَ فوقعت القرعة على أملحهنّ، فضرب إزار على باب غار، فعدلت إليه وأبطأن عَلَيّ قليلاً، وأنا أتشوّف واحدة منهنّ إذ دخل عَلَيّ أسود كأنّه ساريه، بيده هراوة وهو منعظ بمثل ذراع البكر، فقلت له: ما تريد؟ قال: أفعل بك الفاحشة، فخفت وصحت بصاحبي وكان أيداً، فخلّصني منه، فخرجت من الغار وإذا بهنّ يتعادين إلى الخيام كأنّهنّ اللئالي ينحدرن من سلك، وهنّ يتضاحكن، ومعهنّ نياط قلبي يجذبنه بينهنّ، فانصرفت بأخزى من ذات النحيين.\rأقول: وقد أسهبنا في النقل من هذه الحكايات والنوادر، وفيما ذكرناه كفاية.\rقال الثعالبي: أحسن الكلام ما كان قالباً لأهواء القلوب، ويشهد بهذا المعنى قول مهيار بن مرزويه الديلمي الكاتب:\rإقا قال فاعقد خيوط التميم ... عليك فألفاظه تسحر\rوقال أبو عبد الله محمّد بن أحمد الخازن في تهنئة الصاحب بن عباد بمولود ولد له:\rوخذْ إليك عروساً بنت ليلتها ... من حازم مخلص ودّاً ومعتقدا\rأهديتها عفو طبعي وانتحيت لها ... سحراً وإن كنت لم أنفث له عقدا\rوقال مهيار أيضاً:\rسحرت جودك فاستخرجت كامنه ... إنّ الكريم ببيت الشعر مسحور\rفصل في نعت نثره ونظمه\rأمّا نثره: فنثار طل تساقطه الأنداء، ووشي زهر ينمنم به الربيع، ديباجة روضة غناء. وأمّا نظمه: فجان سلك تتمنّى الحور لو زانت به نحورها، ووشحت به الهيف خصورها، إن نسب أغرب، وإن شبب أطرب، فنسيبه الحلو الحلال، وتشبيبه العذب الزلال، بل هو في جميع فنون الشعر طويل الباع، غزير الإطلاع، سمح البديهة، حسن الروية، صادق النظرة، ولود الفكرة، رقيق حاشية النظم، موشي ديباجة النثر.\r\rكم مقامات نهىً حرّرها ... ليس فيها للحر يرى مقامه\rوأنقياتِ بهى لو شامها ... جوهري الشعر ما سام نظامه\rفما أحقّ كلامه بقول القائل:\rكلام الإمام إمام الكلام ... وفوه يفوه بحرّ النظام\rمزاج معانيه في نظمها ... مزاج المدام بماء الغمام\rوهذا من قولهم: كلام الملوك ملوك الكلام، وقولهم: عادات السادات سادات العادات.\rرجْعٌ إلى وصف كلامه: أقول: كلامه هو الذي ليس به عثار، ولا عليه غبار، قد ولي الفضل تحبيره، وملك العقل رسمه وتصويره، فهو كما قال القائل:\rسمع البديهة ليس يمسك لفظه ... فكأنّما ألفاظه من ماله\rهبني وفيت بحمده عن فضله ... من ذا يفي بالشكر عن إفضاله\rبل كما قال هذا القائل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855523,"book_id":1863,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"قد أصبحت ألفاظه صور النُّهى ... وقوالب الأسماع والألباب\rوإذا حللتَ له جناباً واحداً ... حلَّ المؤمّل منك ألف جناب\rقال رسول الله ﵌: إنّ من الشعر لحكمةً، وإنّ من البيان لسحراً.\rوقال علي ﵇: خير الشعراء ما كان مَثلاً، وخير الأمثال مالم يكن شعراً.\rوقال الخليل بن أحمد: الشعراء أُمراء الكلام، يصرّفونه أنّى شاؤا، جائزٌ لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تفريق اللفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره وقصر ممدوحه، والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته.\rوقال السيّد المرتضى في الدرر في أثناء كلام أملاه ردّاً على الآمدي فيما عاب به البحتري: أنّ الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد، فإنّ ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه، وكلام القوم مبنيّ على التوسّع والتجوّز والإشارات الخفيّة والإيماء إلى المعاني تارةً بعد أُخرى من قرب، لأنّهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق وإنّما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم.\rوقال الجاحظ في كتاب البيان: كان الشاعر من العرب يمكث في القصيدة الحول، ويسمّون تلك القصائد: الحوليّات والمنقّحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلاً خنذيذاً وشاعراً مفلقاً، وفي بيوت الشعراء الأوابد والأمثال ومنها الشواهد والشوارد.\rطبقات الشعراء والشعراء أربع طبقات: أوّلهم: الفحل الخنذيذ وهو التام، ودون الخنذيذ: الشاعر المفلق، ودون ذلك: الشاعر فقط، والرابع: الشعرور.\rوقال بعضهم: طبقات الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وشعرور.\rوما أصدق قول القائل:\rالشعراء فاعلمنَّ أربعهْ ... فشاعرٌ يجري ولا يجرى معهْ\rوشاعرٌ من حقّه أن ترفعهْ ... وشاعرٌ من حقّه أن تسمعهْ\rوشاعرٌ من حقّه أن تصفعهْ وذكر شارح الكامل: إنّ الحطيئة دخل على سعيد بن العاص وهو يتغذّى، فأكل أكل جايع، فلمّا فرغ من طعامه وخرج الناس أقام مكانه، فأتاه الحاجب ليخرجه فامتنع وقال: أترغب عن مجالستي، فلمّا سمعه سعيد وكان لا يعرفه قال للحاجب: دعه، ثمّ تذاكروا الشعر، فقال الحطيئة: ما أصبتم جيد الشعر ولو أعطيتم القوس باريها بلغتم ما تريدون. وقيل: إنّه أوّل من قال: أعط القوس باريها، فانتسبوه، فانتسب لهم، وذاكروه فقال لسعيد: اسمع ثمّ أنشد:\rالشعراء فاعلمنّ أربعهْ ... فشاعرٌ لا يرتجى لمنفعهْ\rوشاعر ينشد وسط المجمعهْ ... وشاعر آخر لا يجرى معهْ\rوشاعرٌ يقال خمرٌ في دعهْ ومعنى قوله: خمر في دعه، غطّ وجهك حياءً من قبح ما أتى به، ثمّ أنشد:\rالشعر صعبٌ وطويل سلمهْ ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمهْ\rزلّت به إلى الحضيض قدمهْ ... يريد أن يعربه فيعجمهْ\rأقول: حمل لظة يعجمه على القطع والإستيناف كأنّه قال: فإذا هو يعجمه ولم يحمله على الفعل الذي عملت فيه أن، ولو عطفه عليه لبطل المعنى ولم يكن مستقيماً.\rوقيل للمفضَّل الضبيِّ: لِمَ لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي به يمنعني عن قوله، وأنشد:\rوإنّما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس إن كيساً وإن حمقا\rوإنّ أفضل بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا\rوقال بعضهم:\rوالبيت لا يحسن إنشاده ... إلاّ إذا أحسن منْ شادَه\rوقال الآخر:\rلا تعرضنَّ على الرواة قصيدةً ... مالم تبالغ قبل في تهذيبها\rفمتى عرضت الشعر غير مهذّب ... عدَّوه منك وساوساً تهذي بها\rوقال أبوالفضل الميكالي:\rيا من يقول الشعر غير مهذَّب ... ويسومني التعذيب في تهذيبه\rلو أنّ كلّ الناس فيك مساعدي ... لعجزت عن تهذيب ما تهذي به\rوما أظرف قول العماد الكاتب في هذا الباب وألطفه:\rهي كتبي وليس تصلح من بعدي ... لغير العطّار والإسكاف\rفهي إمّا مزاود للعقاقير ... وإمّا بطائن للخفاف\rوممّن بالغ في هجاء بعضهم على خطله، وبلغ غاية الجدّ في هزله الحسين بن الحجّاج في قوله:\rقيل إنّ الوزير قد قال شعراً ... يجمع الشمل نظمه ويعمهْ\rثمّ أخفاه فهو كالهر يخري ... في زوايا البيوت ثمّ يطمهْ\rومن الكلم النوابغ: العجب ممّن يكثر غلطه ثمّ يكثر لغطه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855524,"book_id":1863,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"ذكرت بقول الحطيئة: الشعراء فاعلمنّ أربعة ما حكاه الثعالبي قال: قال لي سهل بن مرزبان يوماً: إنّ من الشعراء من شلشل، ومنهم من سلسل، ومنهم من قلقل، ومنهم من بلبل. فقلت: أخاف أن أكون رابع الشعراء، وأردت قول الشاعر: وشاعر من حقّه أن تصفعه، الأبيات المتقدّمة. قوله: ومنهم من بلبل أراد قول الثعالبي:\rوإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل\rوالأعشى هو المعني بقوله: ومنهم من شلشل، لقوله:\rوقد غدوت على الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول\rوالمعني بقوله: ومنهم من سلسل، مسلم بن الوليد، لأنّه القائل:\rسلت وسلت ثمّ سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا\rوأبوالطيب المتنبي هو المعني بقوله: ومنهم من قلقل، وذلك حيث يقول:\rوقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل\rوإنّما عيب عليهم ذلك لتكرير اللفظ الواحد في البيت لغير تجنيس بحيث صار مستثقلاً إلاّ أنّ بيت الثعالبي وإن وقع التجنيس في لفظته المكرّرة إذ المراد بالاُولى جمع بلبل؛ وهو طائر معروف، وبالثانية الهموم، وبالثالثة قناة الكوز التى نصب الماء، والبلبلة الكوز الذي فيه بلبل إلى جنب رأسه، ولكنّه صار مستثقلاً للتكرير الذي فيه ولهذا تراه أخف في الجملة من الأبيات الآخر، وقد تفنّن الشعراء في وصف الشعر، فمنهم من عدّه لنفسه شرفاً وفخراً، واستطال به جلالة وقدراً كأبي الطيب المتنبي في قوله:\rلا تحسب الفصحاء تنشد هاهنا ... بيتاً ولكنّي الهزبر الباسل\rوقوله:\rلا بقومي شرفت بل شرّفوا بي ... وبجدّي فخرت لا بجدودي\rوبهم فخر كلّ من طق الضاد ... وعوذ الجاني وغوث الطريد\rأنا ترب الندى وربّ القوافي ... وسمام العدى وغيظ الحسود\rوقوله:\rخليلَيّ مالي لا أرى غير شاعر ... فلمْ منهم الدعوى ومنّي القصائد\rوقوله:\rأفي كلّ يوم تحت ضبعي شويعرٌ ... ضعيفٌ يقاويني قصير يطاول\rوكالبحتري في قوله:\rفإذا ما بنيت بيتاً تبخترت ... كأنّي بنيت ذات العماد\rوقوله:\rويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والحمد\rوتلطّف ما شاء بقوله:\rلا تخف عيلتي وهذي القوافي ... بيت مال ما إن أخاف ذهابه\rوقول المعرّي:\rوإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل\rوقول مهيار:\rوما الشعر إلاّ النسر بُعداً وصورةً ... فلو شاء لم يطمع يداً فيه رافع\rوقد أفلَ النجمان منه فلا يفت ... على عين راء ثالث منه طالع\rبقيت لكم وحدي وإن قال معشر ... وفي القول ما تنهاك عنه المسامع\rولو شئتُ لي أخفى زهير ثنائه ... على هرم أيّام تجري الصنائع\rوكان غبيناً في أُميّة من شرى ... مديح عتاب وهو مغل فبايع\rعلى كلّ حال أنت مُعط وكلّهم ... على سعة الأحوال مُعط ومانع\rوقد وهبوا مثل الذي أنت واهب ... فما سمعوا بعض الذي أنت سامع\rقوله: ثالث منه طالع يعني نفسه لقوله بعده: بقيت لكم وحدي، ويُشير بقوله: وقد أفل النجمان إلى ابننباته والسيّد الرضي، وكنّى بالاُفول عن موتهما، وكان لا يرى غيرهما متقدّماً في هذا الفن، ورثاهما معاً، قال في رثاء ابن نباته من قصيدة جليلة أوّلها:\rحملوكَ لو علموا من المحمول ... فارتاض معتاص وخفَّ ثقيل\rواستودعوا بطن الثرى بك هضبةً ... وأقلّها أنّ الثرى لحمول\rمنها:\rيا ناشد الكلم الغرائب أعوصت ... منها فليس لآيها تأويل\rقف ناد في النادي هل ابن نباتة ... أُذن فيسمع أو فم فيقول\rمنها في وصف شعره:\rوإذا وسمن على لئيم عرضه ... عاراً فليس لما علطنَ نصول\rويظللن يوماً بالملوك حوالياً ... يحفى لهنّ الشمّ والتقبيل\rأبكارهنّ المطمعات نواشز ... وإناثهنّ المغزلات فحول\rمن كلّ بيت أمره بك نافذ ... وعلى اشتطاطك حكمه مقبول\rقال الثعالبي: وهذا ابن نباته هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر ابن نباته السعدي، كان من محاسن الدهر، لا يُعاب إلاّ بعدم من لا يعرف قدره.\rوقال مهيار أيضاً في رثاء السيّد الرضي، وهو دليل على ما ذكرناه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855525,"book_id":1863,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"ولقولة عوصاء ارتجّ بابها ... ففلجتها لمّا ولجت خصامها\rوقلائد قذفت بحارك درّها ... وقضى لسانك وصفها ونظامها\rهي آية العرب التي انفردت بها ... راعيت فيها عهدها وذمامها\rكم معجز منها ظهرت بفضله ... سنن الرجال فلم تجد أفهامها\rوغريبة مسحت يداك موآنساً ... منها الثغور ومفصحاً أعجامها\rحمست حتّى قيل صبَّ دمائها ... وغزلت حتّى قيل صبّ مدامها\rماتت بموتك غير ما أودعته ... في الصحف أو أمددته أقلامها\rرجْعٌ إلى ما كنّا فيه: وممّن عدّ الشعر فخراً القاضي الأرجاني في قوله - وأبدع فيما قال وأغرب -:\rوأحقّ من عني الملوك به ... مَنْ سار فيما قال ذكرهم\rلولا زهير والمديح له ... لم يدر هذا الناس مَنْ هرم\rوأنا الذي لم يسخ بي أحد ... إلاّ غدا ونديمه الندم\rوقال أيضاً أبو سعيد الرستمي:\rمن الناس من يعطي المزيد على الغنا ... ويحرم ما دون الغناء شاعرٌ مثلي\rكما لحقت واوٌ بعمر زيادةً ... وضويق بسم الله في ألف الوصل\rوقال الأرجاني:\rلو كان بالفضل التقدّم يقتنى ... ما كان \"لا\" في أوّل التوحيد\rوأجاد مهيار متظلماً بقوله:\rمالي ولم أسبق إلى الغنم ... قسم الرجال وأغفلوا سهمي\rالحقّ لي والحظّ عندهم ... أظمي ويروى معشر باسمي\rوممّن عدّ الشعر منقصةً في شرفه ومزاياه الموروثة عن سلفه أبوالحسن الشريف الرضي في قوله:\rمالكَ ترضى أنْ تكون شاعراً ... بُعداً لها من عدد الفضائل\rوقوله في مدح أبيه:\rأمعثر الأحداث في أذيالها ... وأفاك مدحي والجدود عواثر\rإنّي لأرضى أن تعيش ممدَّحاً ... وعلاك لا يرضى بأنّي شاعر\rومنهم أبوطالب المأموني حين وفد على الصاحب ابن عباد فأعجب به وبالغ في إكرامه على حسن نظامه، فحسد بعض حاشية الصاحب ودبّت عليه عقارب كيدهم وطفقوا يركبون فيه الصعب والذلول ويرمونه بما يصرف وجه الصاحب عنه وإسقاط منزلته عنده، فقال في ذلك قصيدةً يستأذنه فيها للرحيل، وأحببت إيرادها لحسنها ولأنّ كلّ بيت منها نادرة باهرة، وبديعة سائرة، وهي:\rيا ربع لو كنت دمعاً فيك منسكباً ... قضيتُ نحبي ولم أقض الذي وجبا\rلا ينكرنّ ربعك البالي بلى جسدي ... فقد شربت بكأس الحبّ ما شربا\rولو أفضت دموعي حسب واجبها ... أفضت من كلّ عضو مدمعاً سربا\rعهدي بربعك للذّات مرتبعاً ... فقد غدا لغوآدي السحب منتحبا\rفيا سقاك أخو جفني السحاب حياً ... يحبو ربى الأرض من نور الرياض حبا\rذو بارق كسيوف الصاحب انتضيت ... ووابل كعطاياه إذا وهبا\rومنها:\rوعصبة بات فيها الغيظ متّقداً ... إذْ شدت لي فوق أعناق العدى رتبا\rومن يرد ضياءَ الشمس إن شرقت ... ومنْ يسدَّ طريق الغيث إن سكبا\rفكنت يوسف والأسباط هم وأبو ... الأسباط أنت ودعواهم دماً كذبا\rقد ينبح الكلب مالم يلق ليث شرىً ... حتّى إذا ما رأى ليثاً مضى هربا\rأرى مأربكم في نظم قافية ... وما أرى لي في غير العلا إربا\rعدّوا عن الشعر إنّ الشعر منقصة ... لذي العلاء وهاتوا المجد والحسبا\rفالشعر أقصر من أنْ يستطال به ... إن كان مبتدعاً أو كان مقتضبا\rأسير عنك ولي في كلّ جارحة ... فمٌ بشكرك يجري مقولاً ذربا\rإنّي لأهوى مقامي في ذراك كما ... تهوى يمينك في العافين إن تهبا\rلكن لساني يهوى السير عنك لأن ... يطبق الأرض مدحاً فيك منتخبا\rأظنّني بين أهلي والأنام هم ... إذا ترحّلت عن مغناك مغتربا\rوقول الآخر:\rولست أعدَّ الشعر فخراً وإنّني ... لأنظم منه ما يفوق الدراريا\rولكنّني أحمي حماي وأتّقي ... عداي وأرمي قاصداً من رمانيا\rوقولي في هذا المعنى في رثاء عمّي المهدي وفيه تلميح إلى قوله تعالى: (وَكُلَّ إنسان أَلْزَمْناهُ طائرَهُ في عُنُقِهِ) لأنّه أوصى إليّ في بعض قصائد كان نظمها في مدح جدّه وعترته أن أجعلها معه في كفنه.\r\rوأرى القريض وإن ملكت زمامه ... وجريت في أمد إليه بعيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855526,"book_id":1863,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"لم ترض منه غير ما ألزمته ... من مدح جدّك طائراً في الجيد\rومنهم من بالغ بالوصيّة في التحفّظ على الشعر ووضعه في موضعه كالأعشى بقوله:\rوالشعر قلّدته سلامة ذا ... فائش والشيء حيثما جعلا\rوكالرستمي في قوله:\rبناتي عن أيدي اللئام أصونها ... وغير عجيب أن أصون بناتي\rوكالمهيار في قوله:\rوالشعر صنه فالشعر يحتسب الله إذا لم يصنْ على الشاعرغالِ به واستم المهور الثقيلات وصاهر أكفائه صاهرواحن عليه فإنّه ولد ... أبوه فكر وأُمّه خاطر\rصرّفه فيما ترضى العلاء به ... وبعمر العرض بيته العامر\rلا تمتهنه في كلّ سوق فقد ... تربح حيناً وبيعك الخاسر\rأُنظر إلى مَن وفى مدائح مَن ... أنت وقد بات نائماً ساهر\rإختر وَلوداً للفهم منجبةً ... ما كثر الفهم محمق عاقر\rأُمّاً لفخر يصدق النسب الحرَّ ... ويحيي ذكر الأب الداثر\rأوّلاخ يشفع الوداد له ... يرضيه منه بالفذ والنادر\rأو ملك رحت منه في نعم ... أنت لها لا محالةً شاكر\rوممّن أسف على جعل الشعر في غير موضعه الحطيئة، قيل: إنّه لمّا حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه، فقالوا: يا أبا مليكة أوصِ، فقال: ويل للشعر من رواية السوء. فقيل: أوصِ يرحمك الله، فقال: من ذا الذي يقول:\rإذا نبض الرامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلىً أوجعتها الجنائز\rقيل له: الشمّاخ. قال: بلّغوا غطفان أنّه أشعر العرب. قالوا: ويحك ما هذه وصيّة، أوصِ، قال: بلّغوا أهل ضابي أنّه شاعر حيث يقول:\rلكلّ جديد لذّة غير أنّني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ\rقالوا: أوصِ ويحك بما ينفعك، قال: بلّغوا أهل امرء القيس أنّه أشعر العرب حيث يقول:\rفيالك من ليل كأنَّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذيل\rقالوا: اتّق الله ودع عنك هذا، قال: بلّغوا الأنصار أنّ صاحبهم أشعر العرب حيث يقول:\rيغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسئلون عن السواد المقبل\rفقالوا: إنّ هذا لا يغني عنك فقيل غير ما أنت فيه، فقال: الشعر صعب وطويل سلّمه، الأبيات التي مرّت. فقالوا: يا أبا مليكة ألك حاجة؟ قال: لا ولكن أجزع على المديح الجيّد يُمْدَحُ به من ليس له أهلاً.\rوعلى قول حسان: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم، البيت، ذكرت ما حُكي عن بعض الشعراء قال: قلت بيتاً هو أشعر من بيت حسان، قيل له: وكيف؟ قال: قال حسان:\rيغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسئلون عن السواد المقبل\rوقلت أنا:\rيغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... أحداً ولا يسلون من ذاالمقبل\rفقيل له: هو بيت حسان إلاّ أنّك أفسدته.\rونظير هذا الأخذ قول أبى محمّد الخازن: قل لباغي الندى خف الله لا تسئله عمراً فإنّه موهوبأخذه من قول أبى تمام:\rولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله\rوأقبح من هذا الأخذ ما اتّفق لبعض شعراء عصرنا وذلك أنّه عزّى الحاج محمّد صالح عن كريمة له توفّيت فرثاها بقصيدة سرقها من مهيار الديلمي إلاّ أنّه أفسدها إفساداً قبيحاً، ولولا أنّ العلاّمة الماجد المعنيّ في هذا الكتاب عزم عَلَيّ في إثباتها برمّتها لما أثبتّها على أنّ عدم التنبّه لها يدلّ على خلو عصرنا من أهل الإطلاع على مثل ذلك مع أنّ إنشادها في مثل ذلك النّادي المعظم وقاحة شديدة، قال الشيخ السارق:\rلكم البقا يا آل بيت محمّد ... إنّ السلوَّ بغيركم لم يحمد\rحزتم محامد لا تقاس بغيرها ... فمحمّد ينمى لخير محمّد\rلكم ولي والناس طرّاً سلوٌ ... بالوالد البرّ الرؤف محمّد\rهو صالح الأعمال بل هو منتهى ... الآمال شمس هداية المسترشد\rهو خير من صحّت مآثر مجده ... هو خير من بردا المكارم مرتدي\rهو خير من ألقى النزيل رحاله ... بفنائه من خائف أو مجتدي\rهو ملجأٌ للخائفين وعصمة ... ومعرَّس للطالبين ندي اليد\rلا قبل نائله إذا سئل الندى ... وعدٌ ولا قبل اللقاء بموعد\rقال مهيار:\rلا قبل نائله إذا سئل الندى ... وعد ولا قبل اللقاء وعيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855527,"book_id":1863,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"أُنظر كيف سرق هذا البيت سرقة قبيحةً وأفسد الأخذ من حيث لم يفهم معنى بيت مهيار، لأنّه أطرى هذا الملك بالكرم والشجاعة وبالغ في ذلك فجعل كرمه لمجتديه لا يسبقه وعد ولا لقائه لعدوّه لا يسبقه وعيد وهذا مقصد جليل من مقاصد الشعراء، قال مهيار:\rغضبان يسبق بطشه أخباره ... حتّى يغامر في الرعيل الأوّل\rوقال أبو فراس الحمداني:\rويا ربّ دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجر\rوقال الطغرائي:\rهجوم على الأعداء من صوب أمنهم ... متى ما يشأ يعمي النواظر بالكحل\rوهو كثير جدّاً فأخذه الشيخ برمّته ومدح به الحاج محمّد صالح إمّا لظنّه أنّ البيت كلّه مدح بالسخاء أو لجهله وعدم معرفته بأنّ مثله لا يُمْدَح بشجاعة ولا هيجاء، وقال الشيخ المذكور:\rومع الحفيظة قسوة وفضاضة ... حتّى كأنّ فؤاده من جلمد\rوقال مهيار:\rلك من خلائقه إذا مارسته ... جنبان ذا سهل وذاك شديد\rفمع المروّة هزّة وتعطّف ... فتقول غصن البانة الأملود\rومع الحفيظة قسوة وفضاضة ... حتّى كأنّ فؤاده جلمود\rفأجل فكرك في قلّة معرفة الشيخ مع كبر سنّة الذي أفناه في نظم الشعر، فإنّ مهياراً وصف ذلك الملك بالحزم في جعله ذاخلقين متّصفين بالسهولة والشدّة يجدهما الممارس له محبّاً أو مبغضاً؛ فإن كان محبّاً وجد عنده من الهزّة والتعطّف عليه ما اتّصف به غصن البانة الأملود مبالغةً في حنوّه على أهل مودّته، وإن كان مبغضاً وجد عنده لشدّة حفيضته من قسوة القلب وفضاضته ما يظنّ معه أنّ فؤاده جلمود؛ وهوالقاسي من الصخر، وهذه ملاحظة جيّدة إن شئت سمّيتها بالمقابلة وإن شئت سمّيتها بالطباق المعنوي نظير قوله عزّ من قائل: (أشِدَّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) ، وستقف على بيان ذلك في محلّه مفصّلاً، فما بال الشيخ غفل عن ذلك هذه الغفلة ووصفه بالقسوة والفضاضة فقط؟ وهل يحسن ذلك وإن جعله مع الحفيظة؟ ألم يتصفّح نظم الشعراء في مثل هذا المورد ويحذو حذوهم؟ قال أبو عبادة البحتري:\rمعارك حرب لا يزال موكّلاً ... بقطب رحىً للدارعين طحون\rوسائس جيش يرجع الحزم والحجى ... إلى شدّة في جانبيه ولين\rوقال:\rإذا الخطوب مرّتْ أخلاف درّته ... درَّت بخلفين من شري ومن عسل\rوقال بعضهم:\rمتى يسئلوه المال تندَ بنانه ... وإنْ يسئلوه الضيم تندَ عوامله\rوقال مهيار:\rإن سيل رفداً فهي ينبوع الندا ... أو سيل ضيماً فهي ينبوع الدم\rولا أدري ايّهما أخذ من الآخر إلاّ أنّهما أخذا جميعاً من أبي عبادة البحتري حيث قال:\rيدني يداً بيضاء يختلط الندى ... فيها إذا لقي الفوارس بالدم\rولابن دريد في مقصورته:\rقد مارت منّي الخطوب مرساً ... يساور الهول إذا الهول علا\rلي التواء إن معاديَّ التوى ... ولي استواء إن مواليَّ استوى\rطعمي شَرْي للعدوّ تارةً ... والأري بالراح لمن ودّي ابتغى\rلينٌ إذا لو ينت سهلٌ معطفي ... ألوي إذا خوشنت مرهوب الشذا\rهكذا جرت الشعراء على نمط واحد في مثل هذه الموارد، وفيما أوردناه كفاية في بيان ما نحن فيه.\rقال الشيخ:\rهو ذلك الولى الأجل وووالد ال ... غرر الذين نشوا بأحسن مولد\rوأبو كواكب كالفراقد في سما ال ... عليا لها مالم يكن للفرقد\rإنّي لهم بصفاهم من مفخر ... أو مظهر أو عنصر أو محتد\rوإذا سرى نقص القبائل أقبلت ... تنمي مكارمهم بغير مزيّد\rوقال مهيار:\rوإذا سرى نقص القبائل أقبلت ... تنمي مكارم فيهم وتزيّد\rوقال الشيخ:\rشرف كمال الملك في أطرافه ... حام على النسب الكريم بمذود\rوقال مهيار:\rشرف كمال الملك في أطرافه ... حام عن النسب الكريم يذوّد\rوقال الشيخ:\rوإذا أناخ بهم وفود شمتهم ... كرماً قياماً والوفود بمقعد\rوقال مهيار:\rوإذا أناخ به الوفود رأيتهم ... كرماً قياماً والوفود قعود\rوقال الشيخ:\rوإذا قصدت طروقه لملمة ... فالمصطفى باب لذاك المقصد\rوقال مهيار:\rوإذا أردت طروقه لملمة ... فأبوا المعالي بابه المقصود\rوقال الشيخ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855528,"book_id":1863,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"عشق العلا فسعى وأدرك وصلها ... وطحا بقلب الحاسد المتلدّد\rوقال مهيار:\rعشق العلا فسعى وأدرك وصلها ... متمهّلاً وحسوده ملدود\rوقال الشيخ:\rووفى بأشراط الكفاية داخلاً ... من بابها ورتاجها لم يسدد\rوقال مهيار:\rووفى بأشراط الكفاية داخلاً ... من بابها ورتاجها مسدود\rفتأمّل في سرقة الشيخ لهذا البيت مع سوء فهمه، فإنّه جعل رتاج الكفاية لم يسدّد فشارك الممدوح فيها بالدخول غيره وليس هذا من المدح بمكان، ومهيار الديلمي جعل رتاجها مسدوداً وإنّ غير الممدوح لم يدخل إليها من بابها ويريد بذلك انفراده بالرياسة والتدبير والسياسة وهذا من أشرف المدح.\rقال الشيخ:\rعبقٌ بأرواح السيادة أنّه ... في غير حجر سيادة لم يولد\rوقال مهيار:\rعبق بأرواح السيادة عطفه ... فكأنّه في حجرها مولود\rوقال الشيخ:\rفكأنّه بدر بهالة أنجم ... كلٌّ به عند الشدائد يهتدي\rوشقيقه الحسن الزّكي محمّد ... مصباح مشكاة البلاغة في الندي\rوكفاك في عبد الكريم مكارماً ... وسليله الندب الأمين محمّد\rوبفرقدي فلك المفاخر بضعة ... المهدي نجل العابد المتهجّد\rوبجعفر الفضل الخضم عبابه ... وجواد جود فواضل لم يرعد\rأمحمّد الفضل الحسين وجعفر ال ... جود الروي لغلّة المسترفد\rيا بَني محمّد حسبكم بأبيكم ... فخراً وأنفسكم وفتية أمجد\rقسماً ولم أقسم بسكّان الحمى ... عن ريبة لكنّه لتأكّد\rوقال مهيار في غزل قصيدته:\rقسماً ولم أقسم بسكّان الحمى ... عن ريبة لكنّه تأكيد\rوقال الشيخ:\rلهم الأُولى منعوا مسنّة مقصدي ... وهم الأُولى منعوا مسنّة موردي\rوقال مهيار:\rلهم الأُولى منعوا مكان مطالبي ... وهم وإن كرهوا الذين أُريد\rوقال الشيخ:\rوأُكذّب الواشي إليّ بغدرهم ... وعلى الحديث شواهد لم تُشهَدُ\rوقال مهيار:\rوأُكذّب الواشي إليّ بغدرهم ... وعلى الحديث دلائل وشهود\rوقال الشيخ:\rأعنوا لهم وأنا العزيز بنفسه ... وألين عمداً والنجار مجلّدي\rوقال مهيار:\rأعنوا لهم وأنا العزيز بنفسه ... وألين عمداً والفؤاد جليد\rوقال الشيخ:\rوإذ عزفت فبنت عن دين الهوى ... جذب الغرام إليهم في مقودي\rوقال مهيار:\rوإذا عزفت فبنت عن دين الهوى ... جذب الغرام بمقودي فأعود\rوقال الشيخ:\rطفق العذول وما ارتفدت برأيه ... فيهم ليصلحني بما هو مفسدي\rوقال مهيار:\rطفق العذول وما ارتفدت برأيه ... فيهنّ ببدى ناصحاً ويعيد\rوقال الشيخ:\rيا أُسرة المجد الذي لم ينتبه ... عن مثله عصر لكرّة مرقد\rوقال مهيار:\rيا أُسرة المجد الذي لم تنتبه ... عن مثلها الأيّام وهي رقود\rوقال الشيخ:\rبكم رددت يد الزمان وباعه ... متوسّع بمسائتي متعمّدي\rوقال مهيار:\rبكم رددت يد الزمان وباعه ... متوسّع بمسائتيى ممدود\rوقال الشيخ:\rوعنيت أنت بخلّتي فسددتها ... ونظمت في جدواك كلّ مبدّد\rوقال مهيار:\rوعنيت أنت بخلّتي فسددتها ... ونظمتها بالجود وهي بديد\rوقال الشيخ:\rوإذا تقاعد صاحب عن نصرتي ... أصبحت منك بنصرة وتأيّد\rوقال مهيار:\rوإذا تقاعد صاحب عن نصرتي ... فالنصر حظّي منك والتأييد\rوقال الشيخ:\rفلا جزيتك خير ما جازى امرءٌ ... وجد المقال فقال غير مقنّد\rوقال مهيار:\rفلا جزيتك خير ما جازى امرءٌ ... وجد المقال فقال وهو مجيد\rوقال الشيخ:\rممّا تخال قوافياً ومعانياً ... للسمع قرط لئالىء وزمرّد\rوقال مهيار:\rممّا تخال قوافياً ومعانياً ... بالسمع وهي حبائر وبرود\rوقال الشيخ:\rما أحسب الدنيا تطيب لأهلها ... إلاّ إلى تدبيركم بتردّد\rوقال مهيار:\rما أحسب الدنيا تطيب وأمرها ... إلاّ إلى تدبيركم مردود\rوقال الشيخ:\rلا يبعد الله الأُولى حفظوا العلا ... في بيت مجد للنجوم مشيد\rوقال مهيار:\rلا يبعد الله الأُولى حفظوا العلا ... بيت لهم حول النجوم مشيد\rوقال الشيخ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855529,"book_id":1863,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"لا يعدم الجود الغريب ومنكم ... أطناب أخبية لقوم بأعمد\rوقال مهيار:\rلا يعدم الجود الغريب ومنهم ... شخص على وجه الثرى موجود\rوقال الشيخ:\rجللٌ عرا فطفقت فيه مؤرخاً ... أعني المصاب بموت بنت محمّد\rما زلّ تهتان الرضى يهمي على ... جدث ثوت فيه وتربة مرقد\rأقول: لولا أنّه ألزمني برسم هذه القصيدة التي أخلق بها محاسن قصيدة مهيار لما سوّدتُ وجه قرطاس من هذا الكتاب برسم أغلاطها الفاحشة.\rالسرقات الشعريّة وحيث انتهى جريان القلم إلى هذا المقام فلا بأس بالكلام على السرقات الشعريّة، وقبل الخوض فيها لابدّ من تقرير شيء يكون تمهيداً للمطالب، فنحن نذكر كما ذكروه ونزيده إيضاحاً.\rقالوا: إن كان الإتّفاق بين الشاعرين المتّفقين في غرض من الأغراض العامّة المتقرّرة في العقول والعادات كالوصف بالشجاعة والجود ونحو ذلك فهذا ما لا كلام في أنّه لا يعدّ سرقةً ولا أخذاً ولا استعانةً لاشتراك كلّ أحد في معرفته من حيث أنّه مغروس في جميع النفوس لم ينفرد واحد من النّاس بمعرفته دون الآخر، وإن كان الإتّفاق في وجه الدلالة على الغرض، مثلاً إذا كان الغرض إثبات وصف من أوصاف الشجاعة أو السخاء لإنسان لأنّهما يشتملان على أوصاف كثيرة كالإقدام وعدم المبالات وكثرة القتلى وكثرة القرى والعطاء وغير ذلك، فقول القائل فلان يقري الوحوش في الجلاد، وفلان كثير الرماد ليس المراد بهما مطلق الشجاعة والسخاء، بل كثرة القتلى وكثرة القرى، فوجه الإستدلال على إثبات هذين الوصفين هو كون قرى الوحوش لازم من لوازم كثرة القتلى، وكثرة الرماد لازم من لوازم كثرة إيقاد النار للقرى، فهذا أي وجه الدلالة الذي يقع الإتّفاق فيه لا يخلو إمّا أن يكون من المبتذلات التي تشترك الناس في معرفتها لابتذالها فلا يعدَّ سرقة بل هو الإتّفاق في الغرض العام، وإمّا أن يكون ممّا لا تشترك النّاس في معرفته لكونه لا ينال إلاّ بفكر ولا يصل إليه كلّ أحد فهذا هو الذي يحكم فيه بالتفاضل بين الشاعرين المتوافقين فيه ككون إحداهما أكمل من الآخر أو أنّ في الثاني زيادة على الأوّل أو نقصاً عنه، ثمّ إنّ وجه الدلالة على الغرض بهذا المعنى ضربان: أحدهما: ما هو قاض بنفسه أنّه غريب لا ينال إلاّ بفكر.\rوثانيهما: ما هو عامي لكنّه تصرّف فيه بما أخرجه عن الإبتذال إلى الغرابة.\rإذا تمهّد هذا فنقول: الأخذ والسرقة نوعان: ظاهر وغير ظاهر؛ أمّا الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كلّه إمّا مع اللفظ كلّه أو بعضه، أو يؤخذ وحده، فهذا قسمان: والأوّل منهما إمّا مع عدم تغيير النظم؛ وهو الترتيب والتأليف الواقع بين المفردات، أو مع تغيير النظم، فهذه عدّة أقسام، ولا بأس بذكر ما يُسمّى به كلّ قسم منها وذكر أمثلته.\rأقول: ما أُخذ اللفظ كلّه من غير تغيير لنظمه فمذموم، وهو سرقة محضة، ويُسمّى نسخاً وانتحالاً، كما حُكي عن عبد الله بن الزبير أنّه فعل ذلك بقول معن بن أوس المزني حين دخل على معاوية بن أبي سفيان فأنشده لنفسه:\rإذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل\rويركب حدَّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل\rفقال له معاوية: لقد شعرتَ بعدنا يا أبابكر، ولم يفارق عبد الله المجلس حتّى دخل معن بن أوس المزني وأنشد قصيدته التي أوّلها:\rلعمرك ما أدري وإنّي لأوجل ... عَلَى أيّنا تغدو المنيّة أوّل\rحتّى أتمّها، وفيها البيتان المتقدّمان، فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير فقال: ألم تخبرني أنّهما لك؟! قال: أنا سوآيت المعاني وهو ألّف الألفاظ، وبعد فهو ظئري فما قال من شيء فهو لي - وكان ابن الزبير مسترضعاً في زمينه - فقال معاوية: وكذباً يا أبابكر، فقام عبد الله وخرج.\rوأمّا إبدال الألفاظ كلّها بما يرادفها فذلك أيضاً مذموم وهو سرقة محضة، كما في قول الحطيئة:\rدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فأنت الطاعم الكاسي\rفإنّة يُقال فيه:\rذر المآثر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنّك أنت الآكل اللابس\rوأمّا إبدال بعض الكلمات بما يرافها فهو كذلك مذموم وسرقة محضة، قال امرؤ القيس في لاميته:\rوقوفاً بها صحبي عَلَيّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسىً وتحمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855530,"book_id":1863,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"فإنّه أورد طرفه في داليّته فقال:\rوقوفاً بها صحبي عَلَيّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد\rفهذا بيت امرؤ القيس بعينه إلاّ أنّه أقام تجلّد مقام تحمّل. وقال العباس بن عبد المطّلب:\rوما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم\rوقال الفرزدق:\rوما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف\rفإنّه بيت العباس بعينه إلاّ أنّه أقام تعرف مقام تعلم.\rوأمّا إبدال الألفاظ بما يضادّها في المعنى فهو أيضاً مذموم وسرقة محضة، كقول ابن أبي فنن:\rذهب الزمان برهط حسّان الأُولى ... كانت مناقبهم حديث الغابر\rوبقيت في خلف تحلّ ضيوفهم ... فيهم بمنزلة اللئيم الغادر\rسود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر\rفإنّه عكس قول حسان بن ثابت:\rبيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطراز الأوّل\rوأمّا أخذ اللفظ كلّه أو بعضه مع تغيير لنظمه فيُسمّى إغارةً ومسخاً، وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الثاني أبلغ من الأوّل لاختصاصه بفضيلة لا توجد في الأوّل كحسن السبك والإختصار والإيضاح أو زيادة معنىً، وهذا القسم ممدوح مقبول ويُسمّى حسن الإتّباع، كقول بشار بن برد:\rلو كنتِ تلقين ما ألقى قسمت لنا ... يوماً نعيش به منكم ونبتهج\rلا خير في العيش إن دمنا كذا أبداً ... لا نلتقي وسبيل الملتقى نهج\rقالوا حرام تلاقينا فقلت لهم ... ما في التلاقي ولا في غيره حرج\rمن راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج\rأخذ هذا البيت سلم الخاسر فقال في أبيات أوّلها:\rبان شبابي فما يحور ... وطال من ليلي القصير\rأهدى لي الشوق وهو خلوٌ ... أغنّ في طرفه فتور\rوقائل حين شبَّ وجدي ... واشتعل المضمر الستير\rلو شئت أسلاك عن هواه ... قلبٌ لأشجانه ذكور\rفقلت لا تعجلنّ بلومي ... فإنّما ينبّؤ الخبير\rعذّبني والهوى صغيرٌ ... فكيف بي والهوى كبير\rمن راقب الناس مات غمّاً ... وفاز باللذّة الجسور\rفبيت سلم هذا أجود سبكاً وأخصر لفظاً.. ولقد حدّث أحمد بن صالح قال: لمّا بلغ بيت سلم بشاراً غضب واستشاط وحلف أن لا يدخل إليه ولا يُفيده ولا ينفعه مادام حيّاً، فاستشفع إليه بكلّ صديق وكلّ من يثقل عليه ردّه فكلّموه فيه فقال: أدخلوه إليّ، فأدخلوه فاستدناه ثمّ قال له: يا سلم! من الذي يقول: من راقب الناس لم يظفر بحاجته؟ فقال: أنت يا أبا معاذ جعلني الله فداك، قال: فمن ذا الذي يقول: من راقب النّاس مات غمّاً؟ قال: تلميذك وخرِّيجك وعبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه وقنّعه بمخصرة كانت بيده ثلاثاً وسلمٌ يقول: لا أعوذ إلى ما تكره يا أبا معاذ، ولا آتي شيئاً تذمّه، وإنّما أنا عبدك وصنيعك، وبشار يقول له: يا فاسق أتجيء إلى معنىً سهرت له عيني وتعب فيه فكري وسبقت الناس إليه فتسرقه ثمّ تختصر له لفظاً يقرّبه لتزري به عَلَيّ وتذهب ببيتي، وهو يحلف له أن لا يعود، والجماعة يسئلونه الرضا والكفّ عنه، فبعد جهد شفّعهم فيه وكفَّ عنه وعن ضربه، ثمّ رجع له ورضي عنه. وسُمّي سلم هذا الخاسر لخسرانه في تجارته، لأنّه باع مصحفاً ورثه واشترى بثمنه عوداً يضرب به، كذا في الأساس.\rوكقول بعضهم:\rخلقنا لهم في كلّ عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عيناً وحاجبا\rأخذه ابن نباته السعدي وأحسن إتّباعه فقال:\rخلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب\rفبيت ابن نباته هذا أبلغ لاختصاصه بزيادة معنىً وهو الإشارة إلى انهزامهم حيث أوقع الطعن والضرب على ظهورهم.\rوثانيها: أن يكون الثاني دون الأوّل لفوات فضيلة توجد في الأوّل وهو مذموم مردود، كقول أبي تمام من قصيدة في رثاء محمّد بن حميد بن مسلم الطائي وقد استشهد في بعض غزواته:\rهيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل\rأخذه أبوالطيب المتنبّي فقال:\rأعدى الزمان سخائه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855531,"book_id":1863,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"فالمصراع الثاني من بيت أبي الطيب مأخوذ من المصراع الثاني من بيت أبي تمام لكن مصراع أبي تمام أجود سبكاً.\rوثالثها: أن يكون الثاني مثل الأوّل وهذا أبعد من الذم والفضل للأوّل، كقول أبي تمام:\rلو حار مرتاد المنيّة لم يجد ... إلاّ الفراق على النفوس دليلا\rأخذه أبوالطيب فقال:\rلولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا\rوكقول الأرجاني:\rلم يبكني إلاّ حديث فراقهم ... لمّا أسرّ به إليّ مودّعي\rهو ذلك الدر الذي ألقيتم ... في مسمعي ألقيته من مدمعي\rوقول جار الله في مرثية أُستاذه:\rوقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين\rفقلت هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أُذني تساقط من عيني\rهذا إذا لم يكن فيه دلالة على السرقة، وأمّا إذا كان فيه دلالة عليها باتّفاق الوزن والقافية فهو مذموم، كقول أبي تمام:\rمقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد\rوما سافرت في الآفاق إلاّ ... ومن جدواك راحلتي وزادي\rوقول أبي الطيب:\rوإنّي عنك بعد غد لغاد ... وقلبي في فنائك غير غادي\rمحبّك حيثما اتّجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد\rوأمّا القسم الثاني من النوع الظاهر: وهو أخذ المعنى وحده فيُسمّى إلماماً من ألمّ به إذا قصده، وأصله من ألمَّ بالمنزل إذا نزل به، ويُسمّى أيضاً سلخاً، والسلخ كشط الجلد عن الشاة ونحوها، واللفظ للمعنى بمنزلة الجلد فكأنّه كشط من المعنى جلده وألبسه جلداً آخر، وهو على ثلاثة أقسام: الأوّل: أن يكون الثاني أبلغ من الأوّل، كقول أبي تمام:\rهو الصنع إن يعجل فخيرٌ وإن يرث ... فللريث في بعض المواضع أنفع\rوقول أبي الطيب:\rومن الخير بطؤ سيبك عنّي ... أسرع السحب في المسير الجهام\rفبيت أبي الطيب أبلغ لاشتماله على زيادة بيان للمقصود حيث ضرب المثل بالسحاب.\rالثاني: أن يكون الثاني دون الأوّل، كقول البحتري:\rوإذا تألّق في الندي كلامه ... المصقول خلت لسانه من عضبه\rوقول أبي الطيب:\rكأنّ ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا\rفبيت أبي الطيب دون بيت البحتري لأنّه قد فاته ما أفاده البحتري بلفظتي تألّق والمصقول من الإستعارة التخييليّة حيث أثبت التألق والصقالة للكلام كإثبات الأظفار للمنيّة، ويلزم من هذا التشبيه كلامه بالسيف وهو استعارة بالكناية.\rالثالث: أن يكون مثل الأوّل، كقول أبي زياد:\rولم يك أكثر الفتيان مالاً ... ولكن كان أرحبهم ذراعاً\rوقول أشجع في جعفر المكي:\rوليس بأوسعهم في الغنا ... ولكن معروفه أوسع\rوكقول بعضهم في مرثية ابن له:\rوالصبر يحمد في المواطن كلّها ... إلاّ عليك فإنّه مذموم\rوقول أبي تمام:\rوقد كان يُدعى لابس الصبر حازماً ... فأصبح يُدعى حازماً حين يجزع\rوكقول أبي بكر بن النطاح:\rكأنّك عند الكرّ في حومة الوغى ... تفرّ من الصفّ الذي من ورائكا\rوقول أبي الطّيب:\rوكأنّه والطعن من قدّامه ... متخوّف من خلفه أن يطعنا\rهذا هو النوع الظاهر من الأخذ والسرقة.\rوأمّا غير الظاهر فهو على أقسام: منها: أن يتشابه المعنيان في البيتين، كقول جرير:\rفلا يمنعك من إرب لحاهم ... سواء ذوالعمامة والخمار\rوقال أبي الطيب:\rومنْ في كفّه منهم قناة ... كمنْ في كفّه منهم خضاب\rفتعبير جرير عن الرجل بذي العمامة كتعبير أبي الطيب عنه بمن في كفّه قناة، وكذا تعبيره عن المرأة بذات الخمار كتعبيره عنها بمن في كفّه خضاب.\rومنه قول الطرمّاح:\rلقد زادني حبّاً لنفسي إنّني ... بغيضٌ إلى كلّ امرء غير طائل\rوقال أبوالطيب:\rوإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة بأنّي كامل\rويجوز في تشابه المعنيين اختلاف الموردين، كأن يكون أحد البيتين نسيباً مثلاً والآخر مدحاً أو هجاءً، فإنّ الشاعر الحاذق إذا قصد إلى المعنى المختلف احتال بإخفائه فغيّر لفظه وصرفه عن مورده وعن وزنه وقافيته.\rومنها: أن ينقل المعنى إلى محلٍّ آخر، كقول البحتري:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855532,"book_id":1863,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"سلبوا وأشرقتِ الدماء عليهم ... محمّرة فكأنّهم لم يسلبوا\rوقول أبي الطيب:\rيبس النجيع عليه وهو مجردٌ ... من غمده فكأنّما هو مغمد\rفنقل المعنى من القتلى والجرحى إلى السيف.\rومنها: أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأوّل، كقول جرير:\rإذا غضبت عَلَيّ بنوا تميم ... حسبت النّاس كلّهم غضاباً\rوقول أبي نؤاس:\rليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\rفالأوّل مختصّ ببعض العالم وهو الناس، وهذا يشملهم وغيرهم.\rومنها: القلب؛ وهو أن يكون معنى الثاني نقيض معنى الأوّل، كقول أبي الشيص:\rأجد الملامة في هواك لذيذةً ... حبّاً لذكرك فليلمني اللوَّم\rوقول أبي الطيب:\rأحبّه وأحبّ فيه ملامه ... إنّ الملامة فيه من عذَّاله\rفهذا نقيض معنى بيت أبي الشيص، والأحسن في هذا النوع أن يبيّن السبب كما في هذين البيتين إلاّ أن يكون ظاهراً، كقول أبي تمام:\rونغمةُ معتفي جدواه أحلا ... على أُذنيه من نَغَم السماع\rوقول أبي الطيب:\rوالجراحات عنده نغماتٌ ... سبقت قبل سيبه بسؤال\rأراد أبو تمام أنّ الممدوح يستلذّ نغمات السائلين لما فيه من غاية الكرم ونهاية الجود، وأراد أبوالطيب أنّه إن سبقت نغمة سائل عطاء الممدوح بلغ ذلك فيه مبلغ الجراحة من المجروح، لأنّ عاته أن يعطي بغير سؤال.\rومنها: أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسّنه، كقول الأفوه الأودي:\rوترى الطير على أثارنا ... رأي عين ثقةً إن ستمار\rوقال أبو تمام:\rوقد ظللت عقبان أعلامه ضحىً ... بعقبان طير بالدماء نواهل\rأقامت مع الرايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلاّ أنّها لم تقاتل\rفإنّ أبا تمام لم يلم بشيء من معنى قول الأفوه: رأي عين، ولا: ثقةً إن ستمار، لكن زاد عليه زيادة محسّنة لبعض المعنى الذي أخذه بقوله: إلاّ أنّها لم تقاتل، وبقوله: في الدماء نواهل، وبقوله: أقامت مع الرايات، مع قوله: كأنّها من الجيش، وبهذه الزيادة يتمّ حسن قوله، إلاّ أنّها لم تقاتل، لأنّه لو قيل: ظللت عقبان أعلامه ضحىً بعقبان الطير إلاّ أنّها لم تقاتل لم يحسن هذا الإستثناء المنقطع ذلك الحسن لأنّ إقامتها مع الرايات حتّى كأنّها من الجيش يوهم أنّها تقاتل مثل الجيش فيحسن الإستدراك الذي رفع التوهّم الناشي من الكلام السابق بخلاف وقوع ظلّها على الرايات.\rوهذه الأنواع المذكورة منها مقبول ومنها ما هو فوق ذلك من حيث أنّه يخرجه حسن التصرّف من الإتّباع إلى الإبتداع، وكلّما كان الإتّباع أشدّ خفاءً بحيث لا يعرف أنّ الثاني مأخوذ من الأوّل إلاّ بعد إعمال روية ومزيد تفكّر كان أقرب إلى القبول لكونه أبعد عن الأخذ والسرقة وأدخل في الإبتداع والتصرّف، هذا آخر القول على السرقة وأنواعها.\rأقول: وسرقة الشعر مذمومة، قال في ذمّها الحريري في إحدى مقاماته: واستراق الشعر عند الشعراء أفضع من سرقة البيضاء والصفراء، وغيرتهم على بنات الأفكار كغيرتهم على البنات الأبكار، وأوّل من ذمّ ذلك طرفه ابن العبد في قوله:\rولا أغير على الأشعار أسرقها ... عنها غنيت وشرّ الناس من سرقا\rوأبو تمام الطائي ضجّ من سرقة محمّد بن يزيد الأموي شعره، فقال:\rمن بنوا بجدل من ابن الحباب ... من بنو تغلب حداة الكلاب\rمن طفيلٌ وعامرٌ ومن الحا ... رث أو من عيينة بن شهاب\rإنّما الضيغم الهصور أبو الأش ... بال جبّار كلّ خيس وغاب\rمن عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتابي\rغارة أسخنت عيون المعالي ... واستباحت محارم الآداب\rلو ترى منطقي أسيراً لأصبح ... ت أسيراً لعبرتي وانتحابي\rيا عذاري الأشعار صرتنّ من بع ... دي سبايا تبعن في الأعراب\rطال رغبي إليك يا ربّ يا ربّ ... ورعبي إليك فاحفظ ثيابي\rوكان البحتري قال قصيدة في أبي العباس ابن بسطام أوّلها:\rمن قائل للزمان ما أربه ... في خلق منه قد بدا عجبه\rفعارضه فيها أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بقصيدة يمدح بها الموفّق أوّلها:\rأجدَّ هذا المقال أم لعبه ... أم صدق ما قيل فيه أم كذبه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855533,"book_id":1863,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري:\rما الدهر مستنفد ولا عجبه ... تسومنا الخسف كلّه نوبه\rنال الرضا مادح وممتدح ... فقل لهذا الزمان ما غضبه\rأجلى لصوص البلاد يطردهم ... وظل لص القريض ينتبه\rأُردد علينا الذي استعرت وقل ... قولك يعرف الغالب غلبه\rوقد ذمّ ابن الرومي البحتري بالسرقة فقال:\rقبحاً لأشياء يأتي البحتري بها ... من شعره الغث بعد الكدّ والتعب\rكأنّها حين يسعى السامعون بها ... ممّن يميّز بين النبع والغرب\rرقى العقارب أو هذر البنات إذا ... أضحوا على شعث الجدران في صخب\rمنها:\rحيٌ يغير على الموتى فيسلبهم ... حرَّ الكلام بجيش غير ذي لجب\rما أن تزال تراه لابساً حللاً ... أسلاب قوم مضوا في سالف الحقب\rشعرٌ يغير عليه باسلاً بطلاً ... فينشد الناس إيّاه على رقب\rحتّى إذا كفّ عن عاداته فله ... شعرٌ يئنّ مقاسيه من الوصب\rشعرٌ كنافض حمّى الخيبري له ... برد وكرب فمن يرويه في كرب\rقل للعلاء بن عيسى والذي نصلت ... به الدواهي نصول الآل في رجب\rأيسرق البحتري الناس شعرهم ... جهراً وأنت نكال اللصّ ذي الربب\rوتارة يبرز الأرواح منطقه ... والخلق مابين مغصوب ومغتصب\rومنها:\rإذا أجاد فأوجب قطع مقوله ... فقد دعا شعراء الناس بالحرب\rوإن أساء فأوجب قتله قوداً ... بمن أمات إذا أبقى على السلب\rولا يخفى على ذي لبّ ما في هذه الأبيات من التشنيع على البحتري والإنتقاص من حقّه وفيه يقول ابن الحاجب أيضاً:\rوالفتى البحتري سارق ما قا ... ل ابن أوس في المدح والتشبيب\rكلّ بيت له يجوَّد معناه ... فمعناه لابن أوس حبيب\rوللسري الرفاء من قصيدة خاطب فيها أبا الخطاب الفضل بن ثابت الصابي وقد سمع أنّ الشاعرين الخالديين يريدان الرجوع إلى بغداد وذلك أيّام المهلبي الوزير، أوّلها:\rبكرت عليك مغيرة الأعراب ... فاحفظ ثيابك يا أباالخطّاب\rورد العراق ربيعة بن مكدَّم ... وعتيبة بن الحارث بن كلاب\rأفعندنا شكٌّ بأنّهما هما ... في الفتك لا في صحّة الأنساب\rجلبا إليك الشعر من أوطانه ... جلب التجار طرائف الأجلاب\rفبدائع الشعراء فيما جهّزا ... مقرونة بغرائب الكتّاب\rشنّا على الآداب أقبح غارة ... جرحت قلوب محاسن الآداب\rفحذار من نفثات صلي قفرة ... وحذار من فتكات ليثَي غاب\rلا يسلبان أخا الثراء وإنّما ... يتناهبان نتائج الألباب\rإن عزَّ موجود الكلام عليهما ... فأنا الذي وقف الكلام ببابي\rأو يهطبا من ذلّة فأنا الذي ... ضربت على الشرف المطلّ قبابي\rكم حاولا أمدي فطال عليهما ... إن يدركا إلاّ مثار ترابي\rعجزا ولن تقف العبيد إذا جرت ... يوم الرهان مواقف الأرباب\rولقد حميت الشعر وهو لمعشر ... رمم سوى الأسماء والألقاب\rوضربت عنه المدّعين وإنّما ... عن حوزة الآداب كان ضرابي\rفغدت نبيط الخالديّة تدّعي ... شعري وترفل في حبير ثيابي\rقوم إذا قصدوا الملوك لمطلب ... نقضت عمائهم على الأبواب\rمن كلّ كهل تستطير سباله ... لونين بين أنام البوّاب\rمغض على ذلَّ الحجاب يردّه ... دامي الجبين تجهّم الحجّاب\rومفوّهين تعرّضاً لحرابتي ... فتعرّضت لهما صدور حرابي\rنظراً إلى شعري يروق فترّبا ... منه خدود كواعب أتراب\rشرباه فاعترفا له بعذوبة ... ولربّ عذب عاد سوط عذاب\rفي غارة لم تنثلم فيها الضبا ... ضرباً ولم تبد القنا بخضاب\rتركتْ غرائب منطقي في غربة ... مسبيّة لا تهتدي لإياب\rجرحى وما ضربت بحدّ مهنّد ... أسرى وما حملت على الأقتاب\rلفظ صقلت متونه فكأنّه ... في مشرقات النظم درّ سحاب\rوكأنّما أجريت في صفحاته ... قمر اللجين وخالص الزّرياب\rأغربت في تحبيره فرواته ... في نزهة منه وفي استغراب\rوقطعت فيه شبيبةً لم تشتغل ... عن حسنه بصباً ولا بتصابي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855534,"book_id":1863,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"وإذا ترقرق في الصحيفة ماؤه ... عبق النسيم فذاك ماء شبابي\rيصغي اللبيب له فيقسم لبّه ... بين التعجّب منه والإعجاب\rأعزز عَلَيّ بأن أرى أشلائه ... تدمى بظفر للعدوّ وناب\rأفمنْ رماه بغارة مأمونه ... باعت ظباء الروم في الأعراب\rإنّي نبذت على السواء إليكما ... فتأهّبا للفادح المنتاب\rوإذا نبذت إلى امرء ميثاقه ... فليستعد لسطوتي وعقابي\rوهي طويلة متناسبة في الحسن والعذوبة. وله من قصيدة مدح بها أباالبركات لطف الله بن ناصر الدولة يتظلّم إليه من الخالديين وقد ذهبا بشعره ومدحا به المهلبي وغيره.\r\rيا أكرم الناس إلاّ أنْ يعدَّ أباً ... فات الكرام بآباء وآثار\rأشكو إليك حليفَيْ غارة شهرا ... سيف الشقاق على ديباج أفكاري\rذئبين لو ضفرا بالشعر في حرم ... لمزّقاه بأنياب وأظفار\rسلاّ عليه سيوف البغي مصلتةً ... في جحفل من شنيع الظلم جرّار\rوأرخصاه فقل في العطر ممتهنا ... لديهما يشتري من غير عطّار\rلطائم المسك والكافور فائحة ... منه ومنتخب الهندي والغار\rوكلّ مسفرة الألفاظ تحسبها ... صفيحة بين إشراق وإسفار\rأرقت ماء شبابي في محاسنها ... حتّى ترقرق فيها ماؤها الجاري\rكأنّما نفس الريحان تمزجه ... صبا الأصائل من أنفاس أنوار\rإن قلّداك بدر فهو من لججي ... أو ختّماك بياقوت فأحجاري\rباعا عرائس شعري بالعراق فلا ... تبعد سباياه من عون وأبكار\rمجهولة القدر مظلوم عقائلها ... مقسومة بين جهّال وأغمار\rما كان ضرّهما والدر ذو خطر ... لو حلّياه ملوكاً ذات أخطار\rوما رأى الناس سبياً مثل سبيهما ... بيعت نفائسه ظلماً بدينار\rوالله ما مدحا حيّاً ولا رثيا ... ميتاً ولا افتخرا إلاّ بأشعاري\rهذا وعندي من لفظ أشعشعه ... سلافة ذات أضواء وأنوار\rوله من قصيدة في أبي إسحاق الصابي وقد ورد عليه كتاب عن الخالديين بأنّهما منحدران إلى بغداد:\rقد أظلّتك يا أبا إسحاق ... غارة اللفظ والمعاني الرقاق\rفاتّخذ معقلاً لشعرك يحميه ... مروق الخوارج المرّاق\rقبل رقراقة الحديد تريق ... السمَّ في صفو مائه الرقراق\rكان شنُّ الغارات في البلد القفر ... فأضحى على سرير العراق\rغارة لم تكن بسمر العوالي ... حين شنّت ولا السيوف الرقاق\rجالس فرسانها عَلَيّ جلوساً ... لا أقلّتهم ظهور العتاق\rفجعت أنفس الملوك أبا الهي ... جاء حرباً بأنفس الأعلاق\rبقواف مثل الرياض تمشّت ... بين أنوارها جياد السواقي\rبدع كالسيوف أرهفن حسناً ... وسقاهنّ رونق الطبع ساقي\rمشرقات تريك لفظاً ومعنى ... حمرة الحلي في بياض التراقي\rيا لها غارة تفرّق في الحو ... مة بين الحمام والأطواق\rتسمّ الفارس المقدَّم بالعار ... وبعض الأقدام عار باقي\rلو رأيت القريض يرعد منها ... بين ذاك الإرعاد والإبراق\rوقلوب الكلام تخفق رعباً ... تحت سامي لوئها الخفّاق\rوسيوف الضلال تفتك فيها ... بعذاري الطروس والأوراق\rوالوجوه الرقاق دامية الأب ... شار في معرك الوجوه الصفاق\rفتنفّست رحمةً للخدود ال ... حمر منهنّ والقدود الرقاق\rوالرياض التي ألحّ عليها ... كاذب الودق صادق الإحراق\rوالنجوم التي تظلّ نجوم ... الأرض حسّادها إلى الإشراق\rبعدما لحن في سماء المعالي ... طلعاً وانتثرن في الآفاق\rوتخيّرت حليهنّ فلم تعد ... خيار النحور والأعناق\rوقطّعت الشباب فيه إلى أن ... همّ برد الشباب بالأخلاق\rفهو مثل المدام بين صفاء ... وبهاء ونفحة ومذاق\rمنطق يخجل الرييع إذا حلّ ... عليه السحاب عقد النطاق\rيا هلال الآداب يابن هلال ... صرف الله عنك صرف المحاق\rسوف أهدي إليك خدم المج ... دا إماءً تعاف قبح الإباق\rكلّ مطبوعة على اسمك باد ... وسمها في الجباه والآماق\rوقال في أبي تغلب من قصيدة ذكر فيها أحد الخالديين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855535,"book_id":1863,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"ولابدّ أن أشكو إليك ظلامة ... وغارة مغوار سجيّته الغصب\rتخيّل شعري أنّه قوم صالح ... هلاكاً وأنّ لخالديّ له سقب\rرعى بين أعطان له ومسارح ... فلم يرع فيهنّ العشار ولا النجب\rوكان رياضاً غضةً فتكدّرت ... مواردها وأصفر في تربها العشب\rيساق إلى الهجن المقارف جلبه ... وتسلّبه الغرّ المحجّلة القبّ\rغضبت على ديباجه وعقوده ... فديباجه غصب وجوهره نهب\rوأبكاره شتّى أذيل مصونها ... وريعت عذاراها كما روّع السرب\rوكنت إذا ما قلت شعراً حدت به ... حداة المطايا أو تغنّى به الشرب\rوقال أيضاً في أبي عثمان الخالدي:\rلابدّ من نفثة مصدور ... فحاذروا صولة محذور\rقد أنست العالم غاراته ... في الشعر غارات المغاوير\rأثكلني غيد قواف غدت ... أبهى من الغيد المعاطير\rأطيب ريحاً من نسيم الصبا ... جائت بريّا المسك عن حور\rمن بعدما فتحت أنوارها ... فابتسمت مثل الأزاهير\rوبات فكري بتصانيفها ... ينقشها نقش الدنانير\rيا وارث الأغفال ما حبّروا ... من القوافي والمشاهير\rأعط قفانبك أماناً فقد ... راحت بقلب منك مذعور\rوله أيضاً من قصيدة أُخرى وقد تظلّم بها إلى سلامة بن فهد من الخالديين والتلعفري:\rهل الصبر مُجد حين ادّرع الصبرا ... وهل ناصرٌ للشعر يوسعه نصرا\rتحيف شعري يابن فهد مصالت ... عليه فقد أعدمت منه وقد أثرى\rوفي كلّ يوم للغبيين غارة ... تروّع ألفاظي المحجّلة الغرّا\rغريب كسطر البرق لمّا تبسّمت ... مخائله للفكر أودعته سطرا\rفوجه من الفتيان يمسح وجهه ... وصدر من الأقوام يسكنه الصدرا\rتناوله مثر من الجهل معدم ... من الحلم معذور متى بلّغ العذرا\rفبعَّد ما قرَّبتُ منه غباوة ... وأورد ما سهّلت من لفظه وعرا\rفمهلاً أبا عثمان مهلاً فإنّما ... يغار على الأشعار من عشق الشعرا\rلأطفأتما تلك النجوم بأسرها ... واد نستما تلك المطارف والأزرا\rفويحكما هلاّ بشطر فنعتما ... وأبقيتمالي من محاسنه شطرا\rأقول: ولمّا اشتملت عليه هذه القصائد والمقاطيع من الرقّة والإنسجام وحسن الأُسلوب وجودة السبك والمعاني القريبة والألفاظ الرائقة تمهّد العذر في الإطالة بها، مع ما فيها من التزيّد من السريّ وكثرة التشنيع على الخالديين وسلبهما من التملّي بالأدب إذ مقامهما فيه مشهور، ومحلّهما منه على الألسنة مذكور ومشكور، وناهيك بأبي إسحاق الصابي نقداً للأدب وقد قال فيهما:\rأرى الشاعرَين الخالديين سيرا ... قصائد يفني الدهر وهي تخلد\rجواهر من أبكار لفظ وعونه ... يقصر عنها راجز ومقصد\rتنازع قوم فيهما وتناقضوا ... ومرّ جدال بينهم يتردّد\rفطائفةٌ قالت سعيد مقدَّمٌ ... وطائفة قالت لهم بل محمّد\rفصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم ... وما قلت إلاّ بالّتي هي أرشد\rهما في اجتماع الفضل روح مؤلّف ... ومعناهما من حيث بيّنت مفرد\rكذا فرقدا الظلماء لمّا تشاكلا ... علاً أشكلا هذاك أم ذاك أمجد\rفزوجهما ما مثله في اتّفاقه ... وفردهما بين الكواكب أوحد\rفقاموا على صلح وقالوا جميعهم ... رضينا وساوى فرقد الأرض فرقد\rفما أعدل هذه الحكومة من أبي إسحاق، فما منها إلاّ محسن يحطب في حبل الإبداع ما أراد، ويكاثر بمحاسنه وبدائعه الأفراد. ذكرتُ بهذه الحكومة حكومة الصلتان العبديّ الشاعر المشهور وقد قيل له: إقض بين جرير والفرزدق أيّهما أحسن شعراً وأجلّ حسباً وفخراً؟ فقال:\rأنا الصلتانيّ الذي قد علمتموا ... متى ما يحكم فهو بالحقّ صادع\rأتتني تميم حين هابت قضاتها ... وإنّي لبالفضل المبين قاطع\rكما أنفذ الأعشى قضيّة عامر ... وما لتميم في قضائي رواجع\rسأقضي قضاء بينهم غير جائر ... فهل أنت للحكم المبين سامع\rقضاء امرء لا يتّقي الشتم منهما ... وليس له في المدح منهم منافع\rفإن كنتما حكّمتماني فأنصتا ... ولا تجزعا وليرض بالحقّ قانع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855536,"book_id":1863,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"فإن يك بحر الحنظليين واحداً ... فما تستوي حيتانه والضفادع\rوما يستوي صدر القناة وزجّها ... وما تستوي شمّ الذرى والأارع\rوليس الذنابي كالقدامي وريشها ... وما تستوي في الكفّ منك الأصابع\rألا إنّما تحظى كليب بشعرها ... وبالمجد تحظى دارم والأفارع\rأرى الخطفى بزّ الفرزدق شأوه ... ولكنّ خيراً من كليب مجاشع\rفيا شاعراً لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب تواضع\rويرفع من شعر الفرزدق أنّه ... له بذخٌ لذي الخسيسة دافع\rوقد يحمد السيف الدوان بغمده ... وتلقاه رثاً جفنه وهو قاطع\rيناشدني النصر الفرزدق بعدما ... أناخت عليه من جرير صواقع\rفقلت له إنّي ونصرك كالذي ... يثبت أنفاً هشّمته الجوادع\rوفي ذلك يقول جرير:\rأقول ولم أملك سوابق عبرة ... متى كان حم الله في كرب النخل\rأقول: وممّا يليق أن أذكره في هذا المقام ما صنعه بعض الأُدباء مع بعضهم من التبكيت عليهم في دعوى انتحالهم الشعر إظهاراً للقدرة وافتخاراً بالإستطالة، فمن ذلك ما حكي أنّ صاعد اللغوي صاحب كتاب الفصوص قال يصف باكورة ورد حملت إلى أبي عامر محمّد بن أبي عامر المقلّب بالمنصور:\rأتتك أبا عامر وردة ... يحاكي لك الطيب أنفاسها\rكعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها رأسها\rفاستحسن المنصور ما جاء به، فحسده الحسين بن العريف فقال: هي للعباس بن الأحنف، فناكره صاعد، فقام ابن العريف إلى منزله ووضع أبياتاً وأثبتها في صفح دفتر عتيق كان قد نقض بعض أسطره وأتى بها قبل افتراق المجلس، وهي هذه:\rعشوت إلى قصر عبّاسة ... وقد جدّل النوم حرَّاسها\rفألفيتها وهي في خدرها ... وقد صرّع السكر أنّاسها\rفقالت أسار على هجعة ... فقلت بلى فرمت كاسها\rومدّت يديها إلى وردة ... يحاكي لك الطيب أنفاسها\rكعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها رأسها\rوقالت خف الله لا تفضحنّ ... ابنة عمّك عبّاسها\rفولّيت عنها على غفلة ... ولا خفت ناسي ولا ناسها\rقال: فخجل صاعد وحلف، فلم يقبل منه، وافترق المجلس على أنّه سرقها، وتمكّنت من صاعد بأنّه كان يوصف بغير الثقة فيما ينقله.\rوحدّث البحتري قال: أوّل ما رأيت أبا تمام أنّي دخلت على أبي سعيد محمّد بن يوسف وقد مدحته بقصيدتي التي أوّلها:\rآفاق صبّ من هوىً فأفيقا ... أم خان عهداً أم أطاع شقيقا\rفسرّ بها أبو سعيد فقال: أحسنت والله يا فتى. قال: وكان في المجلس رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كلّ من حضر عنده، يكاد تمسّ ركبته ركبته، فأقبل عَلَيّ ثمّ قال: يا فتى أما تستحيي منّي هذا شعري تنتحله بحضرتي؟ فقال أبو سعيد: أحقّاً ما تقول؟ قال: نعم وإنّما علقه منّي فسبقني به إليك وزاد فيه، ثمّ اندفع فأنشد أكثر القصيدة حتّى شكّكني - علم الله - في نفسي وبقيت متحيّراً، فأقبل عَلَيّ أبو سعيد فقال: يا بني قد كان في قرابتك منّا وردّك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف بكلّ محرجة من الأيمان أنّ الشعر لي ما سبقني إليه أحد، ولا سمعته ولا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئاً، وأطرق أبو سعيد وقطع بي حتّى تمنّيت أنّي سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجرّ رجلي، فخرجت فما هو إلاّ أن بلغت باب الدار حتّى جاء الغلمان فردّوني، فأقبل عَلَيّ الرجل فقال: الشعر لك يا بنيّ، والله ما قلته قط ولا سمعت به إلاّ منك، ولكنّني ظنت أنّك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حتّى عرّفني الأمير نسبك وموضعك، ولوددت أن لا تلد طائيّة أبداً إلاّ مثلك، وجعل أبو سعيد يضحك، فدعاني الرجل فضمّني إليه وعانقني وأعلمني أنّه أبو تمام، وأقبل يقرضني، ولزمته بعد ذلك وأخذت عنه واقتديت به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855537,"book_id":1863,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"ومن ذلك ما اتّفق لعمّي المهدي طابت تربته مع السيّد راضي ابن السيّد صالح القزويني من التبكيت عليه في نسبته إلى انتحال أبيات أرسلها يفتخر بها، وقد أورد هذه القضيّة عمّنا المشار إليه في كتابه مصباح الأدب الزاهر في أثناء كلام عاب به على أب السيّد راضي المذكور في قصيدة له، وبعد فراغه من عدّ معائب تلك القصيدة قال: ومن أيسر تلك الأُمور أنّ ابن رئيس فصحاء هذا العصر في النظم والنثر، الشريف أبو أحمد السيّد راضي ابن السيّد الصالح القزويني نزيل بغداد زهى بنفسه وحسب أنّه وحيد الدهر في النظم والنثر وما برح يجلس في أندية أهل بغداد يطري نفسه ويحسب أنّه ما في الكون أحد يضاهيه بقرض الشعر فإذا عنّ ذكرنا سدّد سهامه وبلغ منّا مرامه بلا جناية منّا سبقت ولا إسائة تقدّمت، ولم تك لنا بعد ببغداد معرفة ولا لنا مع أشرافها أُلفة ولا نحن ممّن يعدّ الشعر يكسو المجيد فخراً أو يرفع له قدراً، بل هو عندنا يخفض الشريف ويضع قدره، فأتّفق أنّ السيّد المذكور حضر نادي بعض أشراف بغداد وان فيه من ذوي المودّة لنا الشيخ حسن الفلوجي فجرى ذكر الأُدباء حتّى انتهى الكلام بهم إلى الحلّة الفيحاء، فأنكر السيّد أن يكون في الحلّة أحد من الأُدباء المجيدين، ووافقه على ذلك الزعم زعيم النادي، فقال الشيخ مُشيراً لنا: إنّ في الحلّة من لو عرفتم لا استعظمتم ما استحقرتهم، فأشار السيّد المشار إليه إلى أبيات نظمها في مدح الإمامين الجوادين: موسى بن جعفر الصادق ومحمّد بن عليّ الرضا سلام الله عليهم بزعم أنّها لا تتشطّر، فأمر أن تبعث لنا لنشطرها، فأرسلها الشيخ المذكور ضمن كتاب إلى الحلّة وابتلى بها غيرنا من أُدبائها حذراً من الفتنة، وذكر في أثناء كتابه أن تعرض الأبيات عَلَيّ، فتفرّست من تلك العبارة أنّها من باب: إيّاك أعني واسمعي يا جاره، فكان الأمر كما تفرّست، وها هي الأبيات:\rموسى بن جعفر والجواد ... ومن هما سرّ الوجود\rهذا غياث الخائفين ... وذاك غيث للوفود\rملكا الوجود فطوّقا ... بالجود عاطل كلّ جيد\rفلمّا عرضت عَلَيّ أمرت من ابتلي بها بالإحجام وخلقت لها مقامةً كمقامات الحارث بن همام في كتاب كتبته: إلى واسطة عقد جيد الزمن، الشيخ حسن، وعزوت الكتاب لولدنا حيدر الذي فاق بنظمه أبا تمام ومسلم ترفّعاً عن مجارات ذلك الصبيّ الذي تزبّب وهو حصرم، وهذا نصّ الكتاب - بعد سلام وثناء طويلين طوينا ذكرهما -: أمّا بعد؛ فقد وردت الوكة محبتك ورود الحياة إلى الأجساد بعد الممات، فلمّا فضضنا ختامها، وكشفنا عن لؤلؤ ثغرها لثامها، ضحك ثغر فصاحتي بعد استعبار وقال: أتنكّر الشمس في رابعة النهار، وهل يقال لأمواج البحور أنّها آل يمور، وللسبعة السيّارة تشببها الحصى بالإنارة، فيالله العجب من إنسانَي عين الأدب، ولسانَي الفصاحة في الخطب والخطب، علمَي المجد المشيّد الحاجّين المحترمَين: عيسى وأحمد، كيف يستحليان بناديهما أكل لحومنا وهو مرّ المذاق؟ ويستحلاّن أن يحملا على هزّل الهجاء يلملم بلاغتنا وإنّ حمله لا يطاق؟ مع أنّنا إذا نشر الأعداء ذمّهما طويناه بالمدح، بجدّ كان أو بمزح، حفظاً للحمة الأدب، فإنّها عندنا أوثق حرمةً من قرابة النسب، ولولا تلك العلاقة الأبيّة لنشر لسان فصاحتي الفرزدق وجرير، وطبقت شقشقته الزوراء بالهدير، لكن من ذا الذي تسخو نفسه بأكل لحمه، وهشم عظمه، وأعجب من هذا كلّه ما وقع ممّن هو لسان قصيّ، وصبح فصاحة لوي، وشمس بلاغة غالب، وكوكب معجزها الثاقب الشريف أبو أحمد السيّد الراضي، من زعمه أنّي لا أعرف طارف الشعر وتليده حتّى امتحنني بتشطير أبيات عزاها إليه مكيدة، مع علمه أنّي أصمعيّ هذا الزمان، ولتدوين آثار من غبر ابن خلّكان، فيا سبحان الله أيجهل أنّي ضربت سير قضايا أهل الأدب، وسيّان عندي من بَعُدَ منهم وقرب، ولئن أردت قصّة تلك الأبيات فهي من الغرائب، وذلك أنّ جماعةً من مفلّقي الشعراء وردوا من النجف الأشرف إلى الزوراء، وقد صحبهم جماعة من الحلّة الفيحاء، فلمّا استقرّ بهم الجلوس في نادي المنادمة، أنشد الشيخ حسن بن نصار على بديهته هذه الأبيات:\rموسى بن جعفر والجواد ومن هما ... سرّ الوجود وعلّة الإيجاد\rهذا غياث الخائفين وذاك غي ... ث للوفود وروضة المرتاد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855538,"book_id":1863,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"مَلكا الوجود فطوَّقا بالجود عا ... طل كلّ جيد للأنام وهادي\rواقترح عَلَيّ الجماعة تشطيرها، فابتدرهم من شعراء الحلّة الفيحاء ذوالشرف والعفّة محمّد بن إسماعيل الخلفة فقال:\rموسى بن جعفر والجواد ومن هما ... للخلق كالأرواح للأجساد\rبهما الوجود قد استفاد لأنْ هما ... سرّ الوجود وعلّة الإيجاد\rهذا غياث الخائفين وذاك غي ... ظ الحاسدين وحاصد الأجناد\rبل ذا مغيث الصارخين وذاك غي ... ث للوفود وروضة المرتاد\rملكا الوجود فطوّقا بالجود عا ... فيه معاً وقماقم الأمجاد\rحتّى برفد نداهما قد زين عا ... طل كلّ جيد للأنام وهادي\rفقام الشيخ محمّد رضا بن الشيخ أحمد النحوي وضرب بيده على فخذه مغضباً وقال: يا للرجال! موتوا عجباً، ما كنت أحسب أنّ الشيخ على جلالة قدره ينتحل شعري الذي قلته في مدح الجوادين، ويزيد لكلّ بيت كلمتين، وينشده بحضرتي، من غير احتفال بسطوتي، كأن لم يدر أنّي قلت، وأنشد:\rموسى بن جعفر والجواد ... ومن هما سرّ الوجود\rهذا غياث الخائفين ... وذاك غيث للوفود\rملكا الوجود فطوّقا ... بالجود عاطل كلّ جيد\rفأزجع الشيخ مسلم بن عقيل وصاح بأعلا صوته: ما هذه الزخارف والأباطيل، وأنتما لفصاحة قمراً سماها، ومصباحاً دجاها، لقد أفسدتما أبياتي، وبددتما نظام كلماتي، وكنت قد أحكمت صدورها بقوافيها، وطرزتها بالجناس متانقاً فيها، ثمّ طلب من ذوي الفضل أن يحكموا بينهم بالعدل، ثمّ التفت إليهم وأنشد:\rموسى بن جعفر والجواد ومن هما ... سرّ الوجود وجعفر الجود\rهذا غياث الخائفين وذاك غي ... ث للوفود شفاء مفؤد\rملكا الوجود فطوّقا بالجود عا ... طل كلّ جيد للأماجيد\rفقال السيّد صادق الفحّام: على أدب الشيخ مسلم السّلام، إذا كان هذا في النظم نضرك، فكلّما قالت الشعراء شعرك، أنا كلّما أجلت فكرتي بالتقاطك لئالىء نظمي من سلكي، أعجب كيف سلمت منك قفانبك، وإذا كان هذا ديدنك في النظام، فما هذه الغفلة منك عن كتاب الله الواحد العلاّم، فطرّزه بالجناس، وافتخر به بين النّاس. فقال مسلم: مهلاً مهلاً لا يخرجك الغضب من الهزل إلى الجدّ، وتنضوا لخصومتي سيفاً ماضي الحد. فقال الصادق: ويلك يا مسلم أتضع سبابتك في فم الأرقم، وتزعم أنّك تسلم، أرأيت نملة حملت ثبير، أو البعوض جرّت الأثير، فأعرني سمعك لأُبيّن لك الخطأ فيما سرقت، فإنّه لا يتغطّى قبحه بحسن التجنيس، أُنظر إلى البيت الأوّل هل ترى للواو في \"ومن هما\" من محصل؟ وهل فيه فائدة إلاّ حفظ الوزن أن يختل؟ وأجل فكرك في ثاني الأبيات ترى أنّك أهملت معناه، وراعيت بالجناس لفظه، إذ جعلت أحدهما غيثاً والآخر غياثاً، فخصصت أحدهما بالشجاعة والآخر بالكرم، مع أنّ كلاًّ منهما جامع للوصفين ولسائر صفات الكمال، وأعد نظرك إلى البيت الثالث فإنّ أجدر لك بعد قولك ملكا الوجود أن تقول: طوّقا جميع ما حواه بالجود، وأجدر بك إذ سرقته أن تنشده كما وجدته، ثمّ اندفع ينشد:\rموسى بن جعفر والجواد هما ... سرّ الوجود وعيبة العلم\rفهما غياث الخائفين هما ... غيث الوفود ومنتهى الحلم\rملكا الوجود فطوّقا كرماً ... ما في الوجود بنائل جمِّ\rثمّ التفت إليه وقال: إنّ عثرتك لا تقال، فإن كنت نائماً انتبه لما أنت به، فقد أسفر الصباح لذي عينين، واستبان للناقد النحاس من اللجين، ثمّ تمثّل بهذه الأبيات:\rيا صاح قد لحنت في قولي وما ... كان بقلبي فيه أمسى مودّعا\rواللحن في المقال لا يعرفه ... إلاّ فتىً برمزه قد برعا\rفإن تجدني قد ذكرت المنحني ... فاعلم بأنّي قد قصدت لعلعا\rأو قلت حزوى فمرادي رامةٌ ... أو الغضا فقد أردت الأجرعا\rفسكت الشيخ مسلم ولم يتكلّم، وظهر عليه أنّه خجل وتندّم.\rقال عمّنا بعد فراغه من هذا الكتاب: والعجب العجيب أنّ كتابي لمّا ورد بغداد ورآه السيّد الشريف خال أنّ هذه القضيّة المبتدعة قضيّة حقيقيّة، مع أنّ فيها إشارات واضحة على أنّها مخترعة خلقيّة، ولم يشعر بأنّ أبياته من مجزوّ الكامل المذال بحرف، وإنّا أضفنا إليه تلك الزيادات مكيدة لئلاّ يعرف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855539,"book_id":1863,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"أقول: ما أنسب ذكر أبيات لمهيار الديلمي بهذا المقام وهي:\rرحمت قوماً وقد مالت رقابهم ... تحت القريض فظنّوا أنّهم حملوا\rوقعقعوا دونه الأبواب فاعتقدوا ... بطول ما قرعوا أنّهم وصلوا\rوحظّهم منه حظّ الناقفات رجت ... أن يجتنى من هبيد الحنظل العسل\rتشرّعوا في بحور منه طامية ... والمنبض العذب فيما بينها وشل\rبحجّة سبلها البيضاء خافية ... وكلّها من مزايا أعين سبل\rوالصحف تملؤ والأقلام متعبة ... وكلّما سمعوا من خاطب نقلوا\rوالقول والنقل مخلوقان في عدد ... قل كلّما تخلق الأسماع والمقل\rلا يكسبان بتقليد ولا أدب ... ولا يفيدهما علم ولا عمل\rرَجْعٌ: قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ فأخرج لسانه وقال: هذا إذا طمع.\rوفي الفتح القريب: سئل حسان: من أشعر الناس؟ فقال: قبيلةً أم قصيدة؟ قيل: كلاهما. قال: أمّا أشعرهم قبيلة فهذيل، وأمّا أشعرهم قصيدة فطرفة.\rوسئل طرفة: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:\rستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد\rوسئل الحطيئة أيضاً: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:\rلا أعدّ الإقتار عدماً ولكن ... فقدُ مَنْ قدر زيته الإعدام\rوهو لأبي داود الأيادي. قالوا: ثمّ مَن؟ قال: عبيدة بن الأبرص. قالوا: ثمّ مَن؟ قال: كفاك والله بي إذا حدّثني رغبة أو رهبة ثمّ عويت في أثر القوافي عواء الفصيل في أثر أُمّه.\rوقال بعضهم: اتّفقت العرب على أنّ أشعر الشعراء في الجاهليّة طرفة، وبعده الحارث بن حلزه، وعمرو بن كلثوم.\rوقال القالي في أماليه: قال عقيل بن بلال: سمعت أبي - يعني بلالاً - يقول: سمعت أبي - يعني جريراً - يقول: دخلت على بعض خلفاء بني أُميّة فقال: ألا تحدّثني عن الشعراء؟ قلت: بلى. قال: فمن أشعر الناس؟ قالت: ابن العشرين - يعني طرفة -. قال: فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشعر ويسديانه. قال: فما تقول في امرء القيس بن حجر؟ قلت: اتّخذ الشعر نعلين يطؤ بهما كيف يشاء. قال: ماذا تقول في ذي الرمّة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتّى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابض عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيئاً؟ قلت: بلى والله يا أميرالمؤمنين، أنا مدينة الشعر التي يخرج منها ثمّ يعود إليها، ولأنّي سبحت الشعر تسبيحاً ما سبحه أحد قبلي. قال: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فأطريت، وهجوت فأدريت - يعني أسقطت - ومدحت فأسنيت، ورحلت فأعرزت، وزجرت فأنحرت، فأنا قلت ضروباً من الشعر لم يقلها أحد قبلي.\rوسأل معاوية الأحنف عن أشعر الشعراء؟ فقال: زهير. قيل: وكيف؟ قال: ألقى على المادحين فضول الكلام وأخذ خالصه وصفوته. قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله:\rوما يك من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل\rوهل ينبت الخطيّ إلاّ وشيجة ... وتغرس إلاّ في منابتها النخل\rوقال من أحجّ لزهير: إنّه كان أحصفهم شعراً، وأبعدهم من السخف، وأجمعهم لكثير من المعنى وقليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأبعدهم تكلّفاً وعجرفيّة، وأكثرهم حكمةً ومثلاً سائراً في شعره.\rوروي عن ابن عباس عن النبي ﵌ أنّه قال: أفضل شعرائكم القائل: ومَن، ومَن؛ يعني زهيراً وذلك في قصيدته التي يقول فيها:\rومَن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم\rومَنْ لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم ومن لم يظلم الناس يظلم\rومَنْ هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو نال أسباب السماء بسلَّم\rومَنْ يجعل المعروف من دون عرضه ... يفرْهُ ومن لا يتّق الشتم يُشتَم\rوأمّا النابغة فكان لجلالة قدره وتقدّمه في الشّعر تضرب له قبّة بسوق عكاظ فتعرض العرب عليه أشعارها.\rقال من احتجّ له: إنّه كان من أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتاً، كأنّ شعره كلام ليس بتكلّف، والمنطق على المتكلّم أوسع منه على الشاعر، لأنّ الشاعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي، والمتكلّم مطلق يتخيّر الكلام كيف شاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855540,"book_id":1863,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"قالوا: والنابغة نبع في الشعر بعد أن احتنك، وهلك قبل أن يهتزّ.\rوكان أبو جعفر يحيى بن محمّد بن أبي زيد العلوي البصري يفضّل النابغة قال ابن أبي الحديد وكان تلميذاً له: استقرأني يوماً وبيدي ديوان النابغة قصيدته التي يمدح بها النعمان بن المنذر ويذكر مرضه ويعتذر إليه ممّا اتّهم به وقذفه أعداؤه، ولا بأس بإيراد ما ذكره من القصيدة في شرح النهج كما سطره فإنّه لا يخلو من فائدة، وهو:\rكتمتك ليلاً بالخموطين ساهراً ... وهمّين همّاً مستكنّاً وظاهرا\rأحاديث نفس تشتكي ما يريبها ... وورد هموم لو يجدن مصادرا\rتكلّفني أن يغفل الدّهر همّها ... وهل وجدت قبلي على الدهر ناصرا\rألم تر خير النّاس أصبح نعشه ... على فئة قد جاوز الحيَّ سائرا\rونحن لديه نسئل الله خلده ... يردّ لنا ملكاً وللأرض عامرا\rفنحن نرجّي الخير إن فاز قدحنا ... ونرهب قدح الدهر إن جاء قامرا\rلك الخير إن وارت بك الأرض واحداً ... وأصبح جدّ النّاس بعدك عاثرا\rوردَّت مطايا الراغبين وعريت ... جيادك لا يحفى لك الدهر حافرا\rرأيتك ترعاني بعين بصيرة ... وتبعث حرّاساً عَلَيَّ وناظرا\rوذلك من قول أتاك أقوله ... ومن دسّ أعداء إليك المأبّرا\rفياليت لا آتيك إن كنت مجرماً ... فلا أبتغي جاراً سوائك مجاورا\rفأهلي فداء لامرء إن أتيته ... تقبّل معروفي وسدّ المفاقرا\rسأربط كلبي إن يريبك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان وحامرا\rوحلّت بيوتي في يفاع ممنّع ... تخال به راعي الحمولة طائرا\rتزلّ الوعول العصم عن قذفاته ... وتضحي ذراه بالسحاب كوافرا\rحذاراً على أن لا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتّى يمتن حرائرا\rأقول وقد شطت بي الدار عنكم ... إذا مالقيت من معد مسافرا\rألا أبلغ النعمان حيث لقيته ... فأهدى له الله الغيوث البواكرا\rوأصحبه فلجاً ولا زال كعبه ... على كلّ من عادى من النّاس ظاهرا\rوربّ عليه الله أحسن صنعه ... وكان له على المعادين ناصرا\rقال: فجعل أبو جعفر يهتزّ ويطرب، ثمّ قال: والله لو مزجت هذه يشعر البحتري لكادت تمتزج لسهولتها وسلالة ألفاظها وما عليها من الديباجة والرّونق، ومَنْ يقول إنّ امرء القيس وزهير أشعر من هذا هلمّوا فليحاكموني.\rأقول: قوله: لو مزجت هذه أي القصيدة بشعر البحتري لكادت تمتزج، فيه إشعار بأنّه يفضّل البحتري على غيره من طبقته بل وغيرها، لأنّ في قوله: لكادت تمتزج، إعلاناً بتفضيله على النابغة الذي هو عنده مقدّم على من سواء.\rفأمّا امرء القيس فاحتجّ له من يقدّمه على الشعراء بأنّه ما قال ما لم يقولوه ولكنّه سبقهم إلى أشياء ابتدعها استحسنها العرب وأتبعه الشعراء عليها، منها: استبقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقّة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء وبالبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والغضا، وقيد الأوابد، وأجاد في النسيب، وفصّل بين النسيب والمعنى، وكان أحسن الطبقة تشبيهاً.\rوقيل: إنّ خاله مهلهلاً أوّل من أرقّ المراثي، واسمه عدي، وأوّل من قصّد القصائد، وفيه يقول الفرزدق: ومهلّل الشعراء ذاك الأوّل. ولم يقل أحد قبله عشرة أبيات غيره.\rوقال في الأغاني: عديٌ لقب مهلهلاً لطيب شعره ورقّته.\rوقيل: هو أوّل من قصّد القصائد، وقال الغزل، فقيل: فهلهل الشعر أي أرقّه، وهو أوّل من كذب في شعره.\rوحدّث عوانة عن الحسن أنّ رسول الله ﵌ قال لحسان بن ثابت: مَن أشعر العرب؟ قال: الزرق العيون من بني قيس، قال: لست أسألك عن القبيلة إنّما أسألك عن رجل واحد، فقال حسان: يا رسول الله إنّ مثل الشعراء والشعر كمثل ناقة نحرت وجاء امرء القيس ابن حجر فأخذ سنامها وأطائبها ثمّ جاء المتجاوران من الأوس والخزرج فأخذا ما والى ذلك منها، ثمّ جعلت العرب تمرّغها حتّى إذا بقي الفرث والدم جاء عمرو بن تميم والنمر بن قاسط فأخذاه. فقال رسول الله ﵌: ذلك رجل مذكور في الدنيا وشريف فيها، خامل يوم القيامة، معه لواء الشعراء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855541,"book_id":1863,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"أقول: والإختلاف في تفضيل الشعراء بعضهم على بعض المتقدّمين منهم والمتأخّرين كثير لا تحصى أقوالهم فيه، وهذا القدر منه كاف في الذكر والإطّلاع.\r\rفصل في إثبات فصول من نثره وعقود من نظمه\rقال أعزّه الله مقرضاً على الكتاب المعروف ب \"مصباح الأدب الزاهر\"، الذي ألّفه عمّي المهدي في أبيه الصالح طابت تربته: هذا الكتاب الرائقة عباراته، الفائقة إشاراته، الشريفة مراميه ومقاصده، اللطيفة مصادره وموارده، المثني على منشئه بلسان إحسانه وإبداعه، وبيان نظمه وأسجاعه، روضة تلحظ منها الأبصار زهرا، فتقطفه فتراه درّاه، فتحقّقه الأفكار فتجده سحرا، فلا تعلم أشاهدت روضةً أو وجدت بحرا، وهذا غير بعيد ممّن خصّهم الله بالتأييد.\r\rكواكبُ في سماء الطرس لاحت ... به الساري اهتدى في الشعر نهجه\rوينظرها الظريف إذا رآها ... مزينةَ حدائق ذات بهجه\rوكتب إليّ أيضاً بهذه الرسالة في غرض له: إنّ أبهى ما رقم في الطروس، وأزهى ما ترتاح إليه النفوس، دعوات هتكت حجاب الظلماء، وقرعت أبواب السماء، حتّى كتبت مع المجرّة سطرا، ورفعت في ديوان القبول صدرا، وتحيّات تعطر أنفاس الصبا والشمائل، وتثبت أشواقاً أنضت الضلوع، وأودت بمهجة كم فيها لبينك من صدوع، تشكوا غراماً لا يهدء وإن ردكت رياح الأشواق، وجفناً لا يغمض وإن نامت عيون العشّاق، أهديهما - بأتمّ الإكرام - إلى من طاب فرعاً وأصلا، واشتمل على الفواضل والفضائل شابّاً وكهلا، صافي الأُرومة، زاكي الجرثومة، الراقي من رتب المجد أسناها، والمتسنّم من ذروة النجد أعلاها، لا برح علم مجده مرفوعاً أبداً، وبناء سعده منصوباً بخفض العدى، ما ألقى الحام درس سجعه، وسقى الغمام غرس نبعه.\rأمّا بعد؛ يا أيّها النّدب، والمنهل العذب، أُعلمك - ثمّ أفاض في ذكر غرضه وهو نظم أبيات لمجاراة بعض شعراء الشام لأمر يقتضيه (وسوف تأتي الأبيات في باب الدال) .\rومن رسالة كتبها إليّ وقد ذهب عَلَيّ أوّلها حين نقلها منها: ذاك من تتبّع آثار آبائه وجدوده، وانتهت إليه مآثر فضلهم وفضلهم لا إنتهاء لحدوده، أدام الله له سنيّ الخلود، وأضفى عليه جلابيت الإقبال والسعود، ما دامت الأفلاك دائره، والأنجم سائره بمحمّد وأهل بيته الذين من تمسّك بهم نجى، وأصحابه الذين نالوا بشرف صحبته كلّ مرتجا، ومنها في التشوّق لي أنا لا زلت ولا أزال مترقّباً عود ليالي الإقبال وإن طوتها يد النوى، متطلّعاً ورود مافيه ورود السلسبيل الزلال، عسى ينطوي الجوى، فلم تفز نفسي بمناها، ولم تحظ عيني بما يجلو قذاها، فلو شرّفني سيّدي بكتابه، ونوّه باسمي في خطابه، ناقعاً بعباراته العذبة غلّة صدري، ورافعاً بها بعد الإنخفاض قدري، لكان ذلك الأليق بكرمه، والأوفق بشيمه، لكنّي لست أعلم سبباً للحرمان، الممتدّ إلى هذا الأوان - هذه نبذة يسيرة من نظمه البديع، وستسمع له في خاتمة الكتاب فصولاً كثيرة من النثر المزري بعقود الدر.\rوأمّا منظومه: فإنّي مورد له في هذا الكتاب ما هو السحر الحلال الجدير بقوله من قال:\rكلمٌ هي الأمثال إلاّ أنّها ... بين الورى أضحت بلا أمثال\rوسأثبت له من الغزل والنسيب، والمدح والفخر، والتأبين والتهجين، وسائر ضروب الشعر وفنونه قوافياً سائرة، تزري بالرياض الناظره، فمن غزله قوله:\rحيّ عنّي بالحمى عهداً قديما ... وتعهّدْ لي به الظبي الرخيما\rرشأٌ بالنبل من الحاطة ... غادر القلب على عمد كليما\rإنْ أقلْ ريم صريم نافرٌ ... فلكمْ أخجل بالعينين ريما\rلا ومن أرشق قلبي لحظه ... أنا لا أعرف لولاه الصريما\rأبلج الخدّين ما ألطفه ... قامةً هيفاء أو كشحاً هظيما\rراع بالرقّة من وجنته ... رائق الورد وبالطبع النسيما\rخلته والشعر في عارضه ... شمس أفق زاحمت ليلاً بهيما\rفامنح الدرياق من عذب اللمى ... فلكم بت بصدغيك سليما\rفالتصابي لي سمير في الدجى ... والجوى في الصبح لي صار نديما\rومنه قوله وهو الذي يكاذ يسيل لرقّته:\rضاع قلب الموله المفتون ... بربى الكرخ لا ربى جيرون\rفانشداه بين الظعون فإنّي ... خلته سار بين تلك الظعون\rحنّت النيب يوم حنَّ فؤادي ... وشجى الساجعات رجع أنيني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855542,"book_id":1863,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"وصبغت الرياض حمراً ولكن ... بمذاب من الفؤاد هتون\rفهي طوراً تذوي بنار زفيري ... وهي طوراً تزهو بماء شئوني\rيا غزالاً تاقت له النفس شوقاً ... لا لغيد من الظباء العين\rأنت ليلاي والرصافة نجدي ... وأنا في هواك كالمجنون\rومنه قوله وأبدع فيه:\rأنا إنْ همتُ صوبةً بالعذار ... في الغرام العذريّ صحّ اعتذاري\rفاحمرار الشقيق يزهو إذا ما ... حفَّ من آس روضة باخضرار\rفنجديه مثل ما بفؤادي ... من لهيب تذكية جذوة نار\rرشأ تستعير رقّته الخمر ... إذا ما مرّ كالنسيم الساري\rكم دموع صبغت فيها أقاح ال ... رمل بعد ابيضاضه باحمرار\rوإذا ما أضمرت كتم هواه ... عن عذولي لم يجدني اضماري\rكيف يجدي كتمان سرّ غرامي ... ودموعي تنمّ بالأسرار\rيا عذولي عَلَى التصابيَّ دعني ... والتصابي إنّ التصابي شعاري\rلا تزد في الهوى أواري فإنّي ... عن عيون الورى أواري أواري\rبأبي من عصيت فيه اللواحي ... وعصاني على هواه اصطباري\rذو قوام إن مرَّ يخطر راع ال ... صب في لدن قدّه الخطّار\rبي رفقاً فلا تزدني أواراً ... إنّ زند الغرام في القلب واري\rومن ذلك أيضاً قوله لا فضّ فوه:\rمالقلبي تهزّه الأشواق ... خبّرينا أهكذا العشّاق\rكلّ يوم لنا فؤاد مذاب ... ودموع على الطلول تراق\rعجباً كيف تدعي الورق وجدي ... ولدمعي بجيدها أطواق\rكم لنا في الحمى معاهد أُنس ... والصبا يانع الجنى رقراق\rعهد لهو به الليالي ترامت ... ماله عرّست به الأحداق\rيالظعن به النياق تهادى ... نهنهي السير ساعة يا نياق\rفباحداجك استقلّت ضياءٌ ... آنسات بيض الخدود رقاق\rفارحمي يا أميم لوعة صبٍّ ... شفه يوم ذي الأثيل الفراق\rكاد يقضي من الصبابة لولا ... أن تحاماه في الوداع العناق\rومنه قوله وقد أغرب فيه:\rالصبر غار وأنجد الدمع ... من ناظري فاعشوشب الربع\rوالقلب حيث نأَى الخليط نأى ... رفقاً به فله الهوى طبع\rحتام ترشق باللحاظ حشاً ... ما مسّها لولا النوى صدع\rوببانة الجرعاء لي رشأٌ ... باهى ذكاءَ بوجهه الربع\rرشأ رشيق القدّ ذو غنج ... أهواه إنْ وصلٌ وإنْ قطع\rقمر تباهى الشمس طلعته ... إن أقض فيه هوىً فلا بدع\rأُمناي هل من ريق فيك رُقىً ... فلكمْ لصدغك في الحشا لسع\rومن ذلك ما قاله من قصيدة وأجاد فيه:\rرشاءٌ يخيط فؤاد عاشقه ... إن خاط بالألحاظ لا الأبر\rقمر إذا ما هزَّ قامته ... أزرى بغص البان والقمر\rالنار في خدّيْه موقدةٌ ... ترمي فؤاد الصب بالشرر\rيا ما أحيلا عين ذي غنج ... مكحولة الأجفان بالحور\rيا سائقاً ظعن الخليط ضحىً ... رفقاً فإنّ القلب في الأثر\rقف بالحمول على ديارهم ... واسئل فهل بالربع من خبر\rومنه قوله مرتجلاً:\rأنا لم أنس بالحمى لك عهداً ... ما أحيلا عهد الحمى ما أحيلا\rوبذات الأثيل قد ضاع قلبي ... مستفزّاً فلا عدمت الأثيلا\rعرصات روضتهنَّ بدمع ... عن دم أفعم المفاوز سيلا\rفبها عرّست ركائب لهو ... أركضت في حشا المتيم خيلا\rخلِّ عنّي ذكر الدمى وهواها ... ودع الغانيات يسحبن ذيلا\rواطوِ يا صاح ما تقادم عهداً ... من أحاديث قيس لبني وليلى\rوأعد ذكرهم فقد طال ليلي ... وحديث الغرام يعذب ليلا\rومن ذلك قوله:\rأصهباء تروق لنا مزاجا ... مزاجكِ يا صبا نجد مزاجا\rأم الروض الأريض سقاه نوءٌ ... من الأنواء فابتهج ابتهاجا\rفلو سالت برقتها طباعٌ ... لأفعمنا برقتك الزجاجا\rعلى أنّ المعاطف منك ماجت ... فكنَّ كجدول بالبرد ماجا\rمرضنَ بلحظك الأحشاء لكن ... رضا بك كان للمرضى علاجا\rأعرت الغص ليناً والحميّا ... عذوبة فيك والقمر انبلاجا\rفرفقاً يا رشيق القدّ رفقاً ... فقلبي فيك للزفرات هاجا\rومذ ناسبت لطف الراح كادت ... بك الأرواح تمتزج امتزاجا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855543,"book_id":1863,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"ولمّا فاح خالك وهو مسك ... علمنا حقَّ نهدك كان عاجا\rفقم بي نغتبط للهو ربحاً ... فسوق مواسم اللذّات راجا\rومن هذا الباب قوله وأحسن فيه:\rنحن قول إذا نظرنا صبونا ... وإذا العشق ملنا ما سلونا\rلم نرح من هوىً معافين إلاّ ... وعلى جمرتين منه غدونا\rجئت مستعدياً من الحبّ عقلي ... فإذا العقل للصبابة عونا\rفتنتنا بحسنها وجناةٌ ... ككؤس الطلا صفاءً ولونا\rوجفون رشقننا بنبال ... نحن منها لولا الهوى ما دنونا\rيا حياتي بختري وصلينا ... ودعي الغانيات يمشين هونا\rوارشفينا من لثتيك رضاباً ... ما مررنا عليه إلاّ حلونا\rأفبعداً بعد التداني يميناً ... ليرى الصب بين هذين بونا\rوله من قصيدة فريدة:\rما شمت أبهج منظراً ... من وجنة زينت بخال\rممنوعة عن ناظري ... بالبيض والسمر العوالي\rرقَّ الفؤاد لها هوىً ... بالله هل رقّت لحالي\rومن ذلك هذه الموشحة الفذَّة في حسنها:\rحبّذا ليل به ظبي الصريم ... مسعف والليل والنجم تحلى\rوسرى في الربع معتلّ النسيم ... والدجى في غرّة البدر تجلّى\rأطربتني روضة قد زانها ... خدّ مَنْ أخجل قدّاً بانّها\rوالصبا قد سرّحت ريحانها ... وعلى وجنة غنيَّ النديم\rفتثنّى مائساً كالغصن دلاّ\rمن ثناياه الورود ابتسمت ... وبخدّيه البرايا افتتنت\rرشأ منه ذكاً قد خجلت ... واستعارت منه ولدان النعيم\rحسن الحاظ تروق العين كحلى\rأبلج الخد عليه الصدغ رف ... ذو شباب رق أعطافاً وشف\rما ثنى عنّي عطفاً بل عطف ... وهداني بمحيّاه الكريم\rنحو نهج في الهوى عزّ وجلاّ\rذو طباع كالصبا في لطفها ... وسجاياه اعجزت عن وصفها\rوحمياً راقني في رشفها ... من ثناياه التي تشفي السقيم\rبرضاب من جنا اليعسوب أحلا\rلست أنسى ذلك الربع الحسن ... قرَّ طرفي فيه بالظبي الأغن\rمن به قدماً حشا قلبي افتتن ... وأنا اليوم على العهد مقيم\rمغرم أصبو ولن أسمع عذلا\rومن ذلك قوله من قصيدة أوّلها:\rنعم الأنيس الراح للأرواح ... فألفه ألف العيد للأفراح\rيا مرسل الأصداغ فوق خدوده ... عجباً سدلت الليل فوق صباح\rتصحو ويسكرك الصبا متدلّلاً ... نفسي فدائك من نزيف صاحي\rكم رمت وصلك مجهداً بوسيلة ... فقصصت لي المرتاش من أجناحي\rوتركتني حيران أختبط الدجى ... لا أهتدي قصداً للحي اللاحي\rريم تدجّج مذرنا متمايلاً ... تيهاً بلدن قناً وبيض صفاح\rومنه قوله وأجاد ما شاء فيه:\rغنى النديم فارقص الحببا ... وتصفقت أكوابه طربا\rقمرٌ وشمس عقاره ازدوجت ... بالماء حتّى انتجت شهبا\rرقّت كرقّته سلافته ... فكأنّه في كأسه انسكبا\rعصرت زبيباً ثمّ مازجها ... سرّ الغمام فارجعت عنبا\rمثل اللجين القسّ عتقها ... فغدا النديم يديرها ذهبا\rنار ولكن في اليد انسكبت ... وطلاً ولكن مائها التهبا\rومن ذلك قوله وفيه حسن التضمين لأنّه ضمن فيه قولهم: الرشف أنقع.\r\rوربّ غرير لم يروع فؤاده ... أخو حنق في روضة الحسن يرتع\rيناولني بالراح راحاً وتارة ... يرشّفني من فيه والرشف أنقع\rومنه قوله وأحسن للغاية لتضمينه قول بعضهم: وللناس فيما يعشقون مذاهب.\r\rوبي رشأ غض الشبيبة أهيف ... رقيق الحواشي وهو للحسن سالب\rيرقّ لحالي إذ يراني متيّماً ... أليف جوى والقلب منّي ذائب\rينادي بعذّالي دعوه وحبّه ... فللنّاس فيما يعشقون مذاهب\rومنه قوله:\r... ومهفهف كلمته ... بلسان من يهوى كلامه\rيا مخجلاً بالجيد وال ... عين الكحيلة ريم رامه\rومورد الوجناة غضّ ... القد إذ يثني قوامه\rما هذه السوداء تحرس ... روض خدّك قال شامه\rومن ذلك قوله:\rوحبيب طلّق المحيا أسيل ... الخد يثني لصبّه أعطافه\rنيقدٌ يعرف النزاهة ممّن ... هام فيه ونسكه وعفافه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855544,"book_id":1863,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"قد حباني لكن بطيف خيال ... قبلةً في شفاهه وارتشافه\rلم أكن أعرف السلافة لكن ... بلماه عرفت معنى السلافه\rومنه وهو من نوادره السائرة:\rعيناه أخجلتا جأذر رامة ... بملاحة فتكت بنا والحورا\rخدّاه في وسط الحشا قد أضرما ... ناراً وعمّا في البريّة نورا\rومنه وهو من بدايعة النادرة:\rسباني ضبي أتلع الجيد أهيف ... طليق المحيّا بالملاحة منعوت\rأليف صباً حلو الشمائل أحورٌ ... تعلّم من أجفانه السحر هاروت\rفلم أستطع صبراً لمرّ فراقه ... وتالله لم يصبر بديمومة حوت\rومنه قوله وهو من نفائس أبكاره:\rيا حبّذا ليلة بالخيف قد زهرت ... فيها النجوم وبدر التم قد سطعا\rوالماء يجري نميرا والرياض زهت ... ونسمة الليل هبّت والحبيب رعى\rفلم تكن لحظة هاتيك من قصر ... حتّى بفرقتنا داعي الصباح دعا\rومن ذلك قوله وهو من عرائس خواطره الباهرة:\rفما روضة من رياض الربيع فلت ... فلت أنمل القطر ريحانها\rوما شطة الريح قد سرَّحت ... ذوائب آس بها زانها\rولا طفلة عضة إنْ ثنت ... معاطفها أخجلت بانها\rإذا رمقت أو لوت جيدها ... فقد فضحت ثمه غزلانها\rبألطف ممّن بهجرانه ... أبان عن النفس سلوانها\rومن ذلك قوله وأحسن فيه تضمين قوله بعضهم: وكلّما فعل المحبوب محبوب.\r\rوأحور فاتر العينين كلّفني ... بالهجر والدمع من عيني مسكوب\rكأنّه يوسف في حسن غرّته ... وإنّني في جليل الحزن يعقوب\rجفا ولكنّني راض بجفوته ... وكلّما يفعل المحبوب محبوب\rومنه قوله وهو من نكاته البديعة:\rإنّي أُحبّك لا لأنّك مخجل ... شمس الضحى وجهاً أغرّ وسيما\rلكن جبلت على هواك طبيعةً ... فأصبت معدوم النظير كريما\rومن ذلك أيضاً وهو من الغريب:\rودّعت من أهوى فودّعني ... يوم الوداع حشاي والصبر\rوتسعّرت كبدي لظىً فلذا ... من مقلتيّ تساقط الجمر\rومن ذلك قوله من قصيدة فريدة أنشأها في عرس سليل شقيقه المصطفى، الكوكب الدرّي، الحاج عبد الغني، أوّلها: قف بالديار فذاك موقفهاحيث الرياض يروق مألفها، فمنها:\rيا جارتاه وللهوى شعبٌ ... غير المتيّم ليس يعرفها\rأو تعجبين وأنت عالمة ... قدماً بأنّ القلب مدنفها\rفلربعها الخالي تشوّقها ... ولريمها الحالي تشوّفها\rألوت لها ولهاً أعنتها ... فعن المنازل ليس تصرفها\rلا أبتغي لدمي بها دية ... ملك الفؤاد عَلَيّ أهيفها\rإن همت فيه هوىً فلا عجب ... بغداد مصر وهو يوسفها\rيرنوا إليّ بمقلة شربت ... كأساً لديَّ يروق قرقفها\rلعبت بها النشوات فاترةً ... فكأنّ من شفتيه يرشفها\rوشقائق بهرت بوجنته ... لا عذر أو بالعين أقطفها\rفكأنّه شمس يزاحمها ... من وفرة الأصداغ مسدفها\rومنه قوله وهو من سوائره الفريدة:\rوقهوةِ طاب من أرواحها عبق ... فلذَّ مصطبح منها ومغتبق\rكالشمس تعبث بالنادي أشعّتها ... إذ لاح من وجنة الساقي لها شفق\rعنيت صهباء قد شيبت بريقته ... أو الّتي من دجى ظلمائها الغسق\rمن كفّ ساق ولكن من لواحظه ... وما أرقّ مداماً كاسها الحدق\rأرخى على الأبلج القاني غدائره ... فالليل منسدل والصبح منفلق\rيا جيرة الحيّ من نجران ما ذرفت ... عيناي إلاّ وشبّت في الحشا حرق\rسقياً لدارك من دار أرقت لها ... وأين منّي لولا عهدها الأرق\rومن غرره في التأبين قوله في رثاء أبيه وهي من أوائل شعره:\rءأبيَّ كيف تذوق عيني لحظةً ... نوماً وكيف من المدامع تجمد\rأم كيف قلبي لا يذوب ومهجتي ... كمداً بنار الحزن لا تتوقّد\rوظعنت عن غضّ النسيم إلى البلا ... ياليت لو أنّي مكانك ألحد\rوتركت من تحنو عليه رقّةً ... أسفاً يحنّ إلى لقاك وينشد\rياللرجال قضى فؤادي نحبه ... وجداً فهل فيكم لقلبي مسعد\rويحقّ لي أن لا أراني صابراً ... فالصبر لي من بعده لا يحمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855545,"book_id":1863,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"ومن نظمه في الفخر من العقود المرزية بنظام الدر، قوله عند فراغه من الحج ورجوعه:\rحمداً لربّ المشعرين فإنّه ... أعلا بزمزم والمقام مقامي\rفحطمت خائنة المقاول والضبا ... أي والحطيم بمذودي وحسامي\rوبدرت أمنع جار بيت مكارمي ... حيث امتنعت بذمّة الإسلام\rومنه وقد جمع فيه بين الإفتخار والعتاب:\rأنحن نحنوا عليكم دائم الأبد ... حنوَّ مرضعة ولهى على ولد\rوإنّكم لم تراعوا حقَّ عهدكم ... بل خنتموه فيا وجدي ويا كمدي\rومن هذا الباب قوله في جواب بعض شعراء النجف:\rبناء الأكارم فيَّ إحتكم ... وشمل المكارم فيَّ انتظم\rوطبعي من خفة كالنسيم ... ويثقل حلمي كطود أشم\rفقل لاُناس سعت جهدها ... لتدرك منّي تراب القدم\rتنحّوا ألم ينهجم عجزكم ... فأين الوجود وأين العدم\rفما تبلغون مقاماً به ... خدين المعالي عليّ الهمم\rوقل لأخي الفضل فرع الكرام ... حميد الخصال وفي الذمم\rتقول ولست بمستعظم ... علوّ مقامي بين الأُمم\rحلبت لكم لبناً صافياً ... وأنتم حلبتم مشوباً بدم\rتجرمت جوراً بهذا الكلام ... وإنّي أُجيبك أن لا جرم\rسأعفو وأصفح عمّا ارتكبت ... ومن شأننا العفو عمّن ظلم\rومنه قوله وفيه الإقتباس من القرآن المجيد:\rيا قاصداً بالكرخ أبحر الندى ... يهنيك منها نهل وعلّ\rروضة مأمولك من سمائنا ... إن لم يصبها وابل فطلّ\rومنه قوله وقد جمع فيه الفخر والتهجين:\rأبى شرفي عتباً عليك وأنت مَنْ ... علمت فته جهلاً وما شئت فاصنع\rويرزي بحقّي بل وبالهجو إنّني ... أذلّك هجواً فالسهى تحت موضعي\rومنه قوله مخمّساً لهذين البيتين:\rورثت عزمة أسد الغاب عن سلفي ... حتّى أذقت عدوّي منهل التلف\rبصولتي وأنا ابن التالد الشرف ... تبكي الفوارس والهنديَّ يضحك في\rيوم الهياج وبالخطيّ تكتحللا غرو إن نال خصمي الرعب والولهُ ... فالسيف عانقه والرمح قبّله\rبموقف مذ وهبت الجو قسطلهُ ... غنى الحسام بشجو والدماء له\rخمر وقامت نشاوى ترقص الأسلومن فرائده اليتيمة في باب التهجين، وهو أقلّ شعره، قوله يهجو جماعة:\rيدعون الإسلام في ظاهر الحا ... ل ولا يعرفون منه المحجّه\rفعماهم عن الصواب دليل ... لهدانا على الرشاد وحجّه\rوقوله فيمن اسمه نظام الملك وهو بديع جدّاً:\rأيدعى نظام الملك من لم يكن له ... نظاماً ولكن كان عاراً على الملك\rوينسبني منه افتراءً وإنّني ... نصير الهدى والدين جهلاً إلى الشّرك\rأقول له قولاً يشابه قوله ... بأنّك فينا من ذوي الدين والنسك\rفقابلته إفكاً بإفك وإن يكن ... لساني قدماً لم يعوَّد عَلَى الإفك\rومنه قوله مداعباً بعض خلصائه:\rأتنسبني جهلاً إلى الخلف عالماً ... بأنّك يا كذّاب أجدر بالخلف\rولا عجب ممّن غدى الجهل ألفه ... إذا ما هذى والألف يعرف بالألف\rومن مدحه، بل ملحه، وهي في الحقيقة من منحه، قوله ف مدح عمّي (المهدي) عند وفودنا عليه:\rلولا الهموم الطارقات وإن أكن ... فرغت شطر القلب في ذكراكا\rلنظمت حبّات الفؤاد فرائداً ... عربيّةً يزهو بها مغناكا\rلكنّني ماذا أقول وإنّما ... يتحيّر النحرير في معناكا\rوقال فيه أيضاً:\rأنور أقاحي الفضل من قد زهت له ... رياض نظام هنّ أبهى من الزهر\rلقد جزت جوزاء الفضائل والنهى ... وأمسيت بدراً مشرقاً في سما الفخر\rوقوله وكتب بهما إليّ:\rنلت أقصى العلا بمجد أثيل ... يا خدّين العلا وقد حزت عزّا\rأحرز الماهرون منْ بلغاها ... لك من معدن الفصاحة كنزا\rوقوله يخاطب الشيخ أحمد قفطان الأصم ذاكراً لي:\rءأحمد إن كنت لم تسمع ... نداء خدّين المعالي فع\rلقد فاق في نظمه حيدر ... لبيد الفصاحة والأصمعي\rوقال يخاطبه أيضاً:\rأحمد الإسم والمسمّى عديم ال ... ند في المكرمات طلق اليدين\rإنّما أنت واحد الدهر ثاني ال ... بحر جوداً وثالث القمرين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855546,"book_id":1863,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":56,"body":"وكتبت إليه بهذه المقطوعة في شهر جمادي الاُولى سنة ١٢٨٧:\rشهدت لنفسك أنّ الكمال ... أتى معها يوم ميلادها\rكما شهدت لك أُمّ العلا ... بأنّك أكرم أولادها\rرضعت النجابة في حجرها ... وضمّك أطهر أبرادها\rفكفّك كعبة معروفها ... ووجهك قبلة قصّادها\rتكاثر في جانبيك الضيوف ... نجوم السماء بأعدادها\rتعلّلها وببرد الحديث ... تزيل حرارة أكبادها\rفتمسي وبشرك عن مائها ... ينوب وخلقك عن زادها\rفعال أخي كرم أرغمت ... مكارمه أنف حسّادها\rوذهنك لولم يكن روضة ... لما أتحفتنا بأورادها\rترفّ بأنفاسك الطيّبات ... عليها حشاشة روّادها\rلك الفائقات بنات القريض ... بإنشائها وبإنشادها\rتودّ الكواعب منها يخط ... طراز الجمال بأجسادها\rفلو بمذهبها قلّدت ... لزان مفضّض أجيادها\rولو بممسكها ضمّخت ... رمت بالغوالي لأضدادها\rولو لعواقدها سحرها ... لحلّت به عزم آسادها\rفأجابني على الوزن والقافية، ولقد أجاد فيما قال:\rأريحانة العزّ من هاشم ... وفهر وفلذة أكبادها\rوبدر سماها عزّها المستنير ... وحائز عزمة آسادها\rوبحر سماحتها المستفيض ... لوفّادها ولورّادها\rلقد فقت في نثرك ابن الهلال ... أبا بدرها وابن عبّادها\rوفي شعرك الحكمي الرضي ... أبا طيبها نور أورادها\rوأبرزت من فكرك الحيدري ... عروساً عديمة أندادها\rبرائق فضلك جلببتها ... فها هي تزهو بأبرادها\rوقلّدتها بالمعاني الرقاق ... فزنت عواطل أجيادها\rوطوّقت نحري بها أنعماً ... يكلّ لساني بتعدادها\rفلو أنّ نفسي غدت مهرها ... لأكمدت أنفس حسّادها\rزهى ربع أنسى بإنشائها ... ونادى علاي بإنشادها\rإذا نظرتها عيون الظريف ... تشاهد أسعد أعيادها\rوأرسل إليّ قصيدة فريدة يطلب منّي تخميسها وهي تعريض بالإستجفاء وتلويح بالعتب عَلَيّ الإبطاء فخمستها وجريت في التخميس مجراه في الأصل لأُمور عتبت بها عليه ثمّ أرسلتها إليه وها هو الأصل والتخميس.\r\rعجباً سمرت بذكر غير مسامري ... وسهرت فيمن ليس فيَّ بساهر\rولأجل أن يجتاز بين محاجري ... ناديت من سلب الكرى عن ناظري\rوتجلّدي بقطيعة وفراقودعوت دونك يا صبا بحياته ... عتباً نسيمك كان خير رواته\rفاستخجلي لي في شذا نفحاته ... من أخجل الغزلان في لفتاته\rوالشمس من خدّيه بالإشراقهبني أقول وما أسألت إقالةً ... يا تاركاً منّي الدموع مذالةً\rأرأيت قبلك إذ هجرت ضلالةً ... من مال عنّي واستقلّ ملالةً\rوالدمع فيه النهل من آماقيفلو أنّ لي إذ كان هجرك حائحي ... قلباً سواك نبوت نبوة جامح\rكن كيف شئت فما هواك ببارح ... أُمناي أنت القلب بين جوانحي\rأُمناي أنت النور في أحداقييا من أقام على الجفاء وما ارعوى ... لا توقدنَّ مكان حبّك بالجوى\rفعلى سواه فؤاد صبّك ما انطوى ... أُمناي حنَّ إليك من فرط الهوى\rتوقاً فؤاد متيّم مشتاقأيداً بغيرك ما شغفت بفاتن ... وعلى الوفاء أقمت منك لظاعن\rألهيتني عن أن أهيم بشادن ... وغدا الجوى ألفي وليس فداوني\rغير الوصال لدائه من راقيرفقاً بصب في هواك معذّب ... لك في عوير حشاه أحسن ملعب\rيدعوك دعوة خائف مترقّب ... هلاّ ترقّ لمدنف متجلبب\rبردا العفاف رمية الأشواق\rبالوصل خلتك قد برقت إثابةً ... فمطرتني هجراً وكنت سحابةً\rأوما كفاك بأنْ أشفَّ كآبةً ... فحشاشتي ذابت عليك صبابةً\rوالعين ترعف بالدم المهراقأنا في هواك قطنت أولم تقطن ... كلف حسنت لديك أو لم أحسن\rيا ثالث القمرين صل وتبيّن ... إن كنتَ فرداً في الجمال فإنّني\rتالله فيك لواحد العشّاقوانظر لنفسك إن أردت تحوّلا ... أيليق غير حشاشتي من منزلا\rأنت المنير السعد شمس ضحى الملا ... وأنا الأثيل المجد بدر سما العلى\rفرع المكارم طيّب الأعراقمن دوحة في المجد طاب نماؤها ... لبني الزمان مظلّة أفيائها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855547,"book_id":1863,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":57,"body":"أنا من عليه تجمّعت أهواؤها ... فإذا الملا اضطربت بها آراؤها\rلعظيمة كشفت لهم عن ساقأوضحت مشكلها بأوّلِ نظرة ... وفتحت مقفلها بأسرع خطرة\rما زلت إن ظلّ الأنام لخبرة ... أهديهم نهج الصواب بفكرة\rكالشمس مشرقة على الآفاقشهدت لي الدنيا غداة أتيتها ... أنّي نهضت لأهلها فكفيتها\rفإذا بها التوت الخطوب لويتها ... وإذا السنون تتابعت أوليتها\rمن راحتيَّ بوابل مغداقوإذا القنا انتظمت نثرت عقودها ... بيد تحلّ طلى العدى وبنودها\rوإذا الظبا ازدحمت ثنيت حدودها ... وإذا الوغى استعرت أذقت أسودها\rطعم الحمام على متون عتاقألقى الوفود بطلعة ميمونة ... ويد بربح ثنائها مفتونة\rتثني العدى في صفقة مغبونة ... بأسنّة خطّيّة مسنونة\rوصوارم صمّ الشفار رقاقحاربت بالهجران من لك سالما ... حتّى كانا كأشجان تظالما\rبك لبست لأوابيك أعدل عالما ... فلئن وصلت أخا الهو فطالما\rكنت الحريَّ بأكرم الأخلاقأفبعد صدق مودّة لم تمنن ... تجفو وتكذب ظنَّ من لم يظنن\rفلئن لحظتَ فأنت عين المحسن ... ولئن أقمت على الجفاء فإنّني\rأشكوك مبتهلاً إلى خلاّقيمتحرّك شوقي لمن هو ساكن ... أدعوه وهو مع التجنّب بائن\rأين المودّة والوفاء معادن ... فأجابني خجلاً ودادك كامن\rبحشاي خيفة عامد لنفاقشوقي لوصلك يابن أكرم ماجد ... صلتي إليك وأنت أكرم عائد\rفتصفّح الدعوى بفكرة ناقد ... والقلب منك وسله أعدل شاهد\rلي المودّة والقلوب سواقيما مالني لهوىً به استانفته ... عوداً كما بدءً عليه الفته\rوالصدق فيما يدّعيه عرفته ... فلثمته في فيه ثمّ رشفته\rوجذبته وضممته لعناقودعوت وصلك لي نهاية بغيتي ... فلقد حفظت عليَّ فيه بقيّتي\rبشراي فزت بمن يشاق لرؤيتي ... وطفقت أنشد نلت غاية منيتي\rيا حبّذا لو أنّ وصلك باقي أقول: هذه نبذة يسيرة من نظم هذا الهمام، الذي برع في فنونه وهو غلام، ولعمري ما هذه نغمات شاعر، بل نفثات ساحر، فلا أدري بأيّة لحظة يوفي النظم والنثر حظّه، وقد نيطت إليه حين ترعرع أمور يقصر العدّ عنها، إذ هو مركز رياستها، وجماع سلسلة سياستها، يقري الضيوف، ويؤمن المخوف، ويصطنع المكارم، ويفرّج العظائم، ويحمل المغرم، ويوضح من الرأي ما استبهم، بين حلّ وعقد، وعكس في القضايا وطرد، فالعيون إليه محدقة، والنفوس بأجنحة الآمال إليه محلقة، وكلّها ألسن تنشده:\rيا أيّها المولى الذي ... تبهى به الرتب الجليله\rوكلامه سحر وأس ... حر منه فطنته الجميله\rما جود كفّك والرجا ... إلاّ الغدير سقى الخميله\rراجي سواك يحزّ لا ... في مفصل بمدى كليله\rففداء همّتك الصحي ... حة في الندى الهمم العليله\rكرمٌ كغادية السحا ... ئب يمطر النعم الجزيله\rعلى أنّ هذه النجعة من نثره، واللمعة من شعره، من نتائج صباه، ونسائج شبيبته، فكيف يكون لو امتدّ به العمر، فتنقل في الرتب العاليه، بهمم نامية:\rوما مرّ يوم جديدٌ عليه ... إلاّ وبان بفضل جديد\rوسأثبت له في خاتمة الكتاب من محاسن النثر وفنون النظم ما يبهر الشعراء والكتّاب. ولنختم هذه المقدّمة بذكر ما ورد في الحثّ على اكتساب الآداب: قال أميرالمؤمنين ﵇: عليكم بالآداب فإن كنتم ملوكاً برزتم، وإن كنتم وسطاً فقتم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم بأدبكم.\rوقال: لا تتّكلوا على البخت فربّما لم يكن وربّما كان وزال، ولا على الحسب فطالما كان بلاءً على أهله، يقال للناقص هذا ابن فلان الفاضل فيتكامل غمّه وعاره، ولكن عليكم بالعلم والأدب، فإنّ العالم يكرم وإن لم ينتسب، ويكرم وإن كان فقيراً، ويكرم وإن كان حدثاً.\rوقال: الأدب عند الأحمق كالماء العذب في أصول الحنظل، كلّما ازداد ريّاً زاد مرارةً.\rوقال الأصمعي: بينا أنا في المسجد إذا أعرابيٌّ يقول: أيّها الناس تعلّموا الأدب فإنّه زيادة في الفضل، ودليل على العقل، وصاحب في الغرابة، وأنيس في الوحدة، وصلة في المجلس، ورياسة في الناس. فقلت: يا أعرابي، أما من حجّة؟ قال: بلى، وأنشأ يقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855548,"book_id":1863,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":58,"body":"تعلّم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخو علم كمَنْ هو جاهل\rوإنّ كبير القوم لا علم عنده ... صغيرٌ إذا التفّت عليه المحافل\rوقال آخر:\rلكلّ شيء حسن زينةٌ ... وزينة العاقل حسن الأدب\rقد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان وضيع النسب\rوكان يقال: حسن الأدب خلفٌ من الحسب.\rوسمع معاوية رجلاً يقول: أنا الغريب، فقال له: الغريب من لا أدب له.\rوقال بعض الشعراء:\rقد كانت الآداب في دهر ... تعلّم النّاس فعال الكرام\rفصارت الآداب في عصرنا ... تفيد ما يأنف منه اللئام\rوقيل لبعض الحكماء: أخبرنا عن دعائم الحكمة، فقال: هي أربع: العقل والعلم والمعرفة والأدب.\rوقيل: حليّ الرّجال الأدب، وحليّ النّساء الذهب.\rوقالت الحكماء: الأدب أشرف النسب.\rوقالوا: قد يستغنى بالأدب عن الحسب.\rوقال سيبويه: تكلّم رجل من أهل الأدب بين يدي المأمون، فقال له: ابن من تكون؟ فقال: ابن أدب، أعزّ الله الأمير، فقال له: نعم النسب الذي انتسبت له.\rوسمع بعض الأعراب رجلاً يتكلّم في فنّ الآداب، فازدراه لمّا اراد الكلام معه لخساسة حاله، فقال: مالكم يا عبدة الثياب ويا شياة الذئاب حقّرتموني لأطماري ولم تسألوني عن مكنون أخباري؟! وقدم عبد الملك بن صالح بن عليّ بن عبيد الله بن عباس من الرقة بعد خروجه من الحبس، وقد ولاّه الأمين الشام والجزيرة والعواصم، فلقيه ولد أبيه، فلم يرهم أُدباء، فقال: سوأةً لكم يا شرّ خلف من خير سلف، أبتزّ العزّ من أُميّة آبائكم قسراً، وحضوه وحاطوه ثمّ مضوا إلى رحمة الله وخلّفوا لكم فرشاً ممهّدةً، فأهملتم وضيّعتم إقبالاً على الأشربة الخبيثة الملاهي الفاحشة. لله درُّ أخي كلاب حيث يقول:\rإذا الحسب الرفيع تواكلته ... ولاة السوء أوشك أن يضيعا\rورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا\rوقال عبد الملك: لقد استهتر أحداثنا باللذّات، وشغلوا بالشهوات، وبطروا النعم، وأضاعوا الكرم، فصاروا كما قال عبد الرّحمان بن حسان بن ثابت:\rإنّي رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا حرَّ الثياب وتشبعوا\rفإذا تذوكرت المكارم مرّةً ... في مجلس أنتم به فتقنّعوا\rتمّت مقدّمة الكتاب بعونه تعالى، فلنشرع بذكر الأبواب، وهي مرتّبة على حروف الهجاء، متضمّنة ذكر ما أنشأته أنا وعمّنا المهدي فيه وفي أبيه وإخوته والأماجد من قبيلته، وأذكر في الأثناء ما اشتملت عليه تلك القصائد من الأنواع البديعية، والمطالب الأدبيّة، والبعض من تراجم من يجيء له ذكر في أثناء ذلك الشعر، وليعلم أنّ هذه الأبواب المشيّدة البناء ليستدعي فتح أقفالها المحكمة ذكر نبذة من ترجمة ابيه وإخوته ليعلم بذلك أنّ هذا العرق في أيّ طينة وشج، وبأيّ أعراق لفّه الشرف فانتسج: كان أبوه محمّد الملقّب ب \"الصالح\" ديمة منن ومنايح يباري النجوم، ويجاري الغيوم، فيباهي تلك مناقب، ويضاهي هذه مواهب، بل أين غيوث السماء من سما يده البيضاء، وهي في استهلال عواديها كما قلت فيه وفيها:\rصدقتْ بروقك والبوارق خلّبٌ ... وأضاءَ بشرك والزمان مقطّب\rلا قسمت كفّك بالسحاب مساوياً ... بالجود بينهما مخافة أكذب\rفالسحب يحلبها النسيم وكفّك ال ... بيضاء طبعاً جودها يتحلّب\rوكان مع خطره وعظمه في النفوس، حلو البشاشة، طيّب المفاكة، سهل الخليقة، حسن السمت، يديم اصطناع المعروف، ويتابع للعفاة برّه الموصوف، ولقد بنى في الزوراء دار كرم بيد مجده، لإضافة وفده، فخمد ركب الآمال فيها مناخه، وربى طائر الرجاء فيها أفراخه، ولم يكفه ذلك حتّى بنى على كواهل الطرق حصوناً منيعة، وبيوتاً رفيعة، يريح إليها السفر، ويأمن فيها غائلة القفر، وما برح شاغلاً أوقاته بأداء نفل أو قضاء فرض، وما انفكّ عن عمل الصالحات وتربية العلم وطلاّبه أجمع، وتشييد بيوت أذن الله أن ترفع، حتّى سافر إلى نعيم الآخرة، ولم تدنّس الدنيا بعلائقها أثوابه الطاهرة، كانت ولادته ١٢٠١، وقد أرّخت ذلك العام، وإن لم أدركه، بقولي:\rأتى اليوم خاتم أهل النهى ... على أنّه للندى فاتح\rأغرّ غدا السعد لمّا استهلّ ... وهو لغرَّته ماسح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855549,"book_id":1863,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":59,"body":"وهنّى به المجد وفّاده ... وبشَّرها الشرف الواضح\rفقالوا جميعاً وقد أرّخوا ... نرى ولد الخلف الصالح\rعاش ستّاً وثمانين سنة، وتوفي سنة ١٢٨٧، فانهدّت لمماته قواعد الزوراء، وحمل باحتفا عظيم إلى النجف الأشرف، ودفن حيث قبور أُسرته اليوم، وأرّخت عام وفاته بقولي:\rإن يطو مصباح المكارم ضارح ... فلقد أضائت في علاه مصابح\rملك له الشرف الرفيع مشيّع ... وعليه حتّى المكرمات نوائح\rشكت العفاة لدائه لمّا شكى ... وقضى فالخد والقلوب ضرائح\rمَنْ جاره هود دعاه فأرّخوا ... أسعد جوارك ذا محمّد صالح\rأنجب هذا الماجد أولاداً أكبرهم: المهدي، ولد سنة ١٢١٩، وكان مذ ترعرع فريد زمانه، في كرمه وإحسانه، وواحد عصره فيى شرف نفسه وفخره، قد برع في البلاغة والفصاحة، واشتهر من كرم أخلاقه بالسجاحة والسماحة، جامعاً بين نباهة الذكر، وجلالة القدر، عاش اثنين وخمسين عاماً، وتوفي في حياة أبيه سنة ١٢٧١، وقد أرّخت عام وفاته بقولي:\rألا بكّر الناعي بثاو بنانه ... توسّده المعروف تحت ثرى اللحد\rوعاش الهدى فيه ومات بموته ... فأرّخ معاً غاب الهدى وهو المهدي\rواستقلّ بعده بجميع تلك التكاليف وتدبير أموره الزعامة أخوه محمّد الملقّب ب \"الرضا\"، ولد سنة ١٢٤٥، وكان أرقّ طبعاً من الهواء، وأطهر من ماء السماء، إن سكت فوقار مهاب، وإن نطق ففصل خطاب، توفي في حياة أبيه الصالح أيضاً سنة ١٢٨٢، وقد أرّخت عام وفاته بقولي:\rوقف المجد ناعياً عند قبر ... وارت المكرمات فيه حشاها\rودعا أنت جنّة قلت أرّخ ... طاب مأوى نعيمها لرضاها\rثمّ انتهت بعده الرياسة في تلك المكارم إلى أخيه المصطفى، وكانوا كما قال الناظم:\rنجوم سماء كلّما انقضّ كوكب ... بدى كوكب تأوي إليه الكواكب\rولد هذا الماجد سنة ١٢٥٥، وها هو اليوم قمر دارة المجد، وقطب دائرة الثناء والحمد، تشدّ إليه الرحال، وتكثر عليه مزاحمة الآمال.\rأمّا أخوهم محمّد الملقّب ب \"الحسن\" المعنيّ في هذا الكتاب فقد ولد سنة ١٢٦٩ ولا غرو أن أستمل الفكر حتّى يمل، وأستنطق لسان القلم حتّى بكل، في ذكر مناقب هذا الهمام الماجد، ولعمري إنّ مناقبه في الإنارة لتباهي الكواكب السيّارة، علم جم، وأدب وافر، وفضل باهر، وشرف نفس، وعلوّ جدّ، وصراح حسب، وصريح مجد، وببشاشة ونبل، مع طلعت ميمونة، ووجه أنقى من صفحة مرآة، وعرض أملس من صفاة، ولقد رأى ولرأيه الإصابة، أن لا يؤثر خبر الجود إلاّ عمّن أنسى عرابه، ولا يقال جلى في حلبه المكارم وإلاّ من غبر في وجه حاتم، فصقل بجوده حسبه، وأشاع له فرنداً تقتبس المكارم من أشعّته الملتهبة، وبالآخرة أقول أنّ مناقب هذا الهمام لا تحصى، ومزاياه الحميدة لا تستقصى، ولا أقول فيها ما قال أبو تمام:\rإذا شئت أن تحصى فضائل كفّه ... فكن كاتباً أو فاتّخذ لك كاتباً\rفلقد عيب عليه ذلك لما جاء عن الحكماء: لا خير في المعروف إذا أُحصي.\rوقال بعضهم: إذا أحصي المعروف فقد حصر، وإذا حصر فقد وقف على غاية، ولا يكون ذلك إلاّ مع القلّة.\rوقال أبوبكر الصولي على تعصّبه لأبي تمام وتفضيله له: إنّ هذا البيت لم يقع له جيّداً.\rأقول: وربّما يعتذر له بتخريج معنىً وإن كان بعيداً وذلك أن يقال إنّه أراد بلفظتي \"كاتب\" في البيت \"المَلَك الحفيظ\" مبالغةً في كثرة فضائل كفّه حيث جعل إحصائها غير ممكن للبشر، بل لا يحصيها إلاّ الملك الحفيظ أو من شأنه أن يتّخذ كاتباً بهذا المعنى، فهو يقول لمن يخاطبه: إذا أردت إحصاء فضائل كفّه فذلك متعذّر عليك إلاّ أن تكون من الحفظة الكاتبين أو تتّخذ لك كاتباً منهم لأنّ إحصائها خارج عن طوق البشر، ولعلّ هذا المعنى أليق وأنسب بالبيت الذي قبله وهو:\rلو اقتسمت أخلاقه الغرّ لم تجد ... معيباً ولا خلقاً من النّاس عائبا\rلأنّه جعل حسن أخلاقه يفضل على جميع الناس لو اقتسمتها، فكيف يجعل واحداً منهم يحصي فضائل كفّه؟ وممّا يبعث انقداح المعنى الذي ذكرناه في الذهن قول أبي الطيب المتنبّي، وكأنّه نظر إليه فقال:\rخذ من ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمنّي من ثناك الواجبا\rفلقد دهشت لما فعلت ودونه ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855550,"book_id":1863,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":60,"body":"ألا تراه كيف لمحه على أنّه لم يرض بإحصاء الملك الكاتب لفعله، بل جعله يندهش بدونه وهو بعضه فضلاً عن استطاعته كلّه.\rهذا ولا بأس بتوشيح هذا المقام بذكر ما يؤثر من الأخبار عن بعض الكرام: قال معاوية لعرابة الأوسي: بم سدت قومك؟ قال: لست بسيّدهم ولكنّي رجل منهم. قال: عزمت عليك إلاّ أخبرتني. قال: أعطيت في نائبتهم، وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن قصر عنّي فأنا أفضل منه، ومن جاوزني فهو أفضل منّي.\rوكان هرم بن سنان المرّي قد آلى على نفسه أن لا يسلم عليه زهير بن أبي سلمى إلاّ وأعطاه غرّة من ماله؛ فرساً أو ناقة أو عبداً أو أمةً، فأضرّ ذلك بهرم وقدح في حاله، فجعل زهير يمرّ بالجماعة فيهم هرم فيقول: عموا صباحاً خلا هرم، وخيركم تركت.\rوعن أبي عبيدة قال: مرّ حاتم الطائي ببلاد عنزة فناداه أسير في أيديهم: يا أبا سفانة! قتلني الأسار والقمّل، فقال له: ويحك والله لقد أسأت إذ نوّهت باسمي في غير بلاد قومي ومالك مع ذلك منزل، ثمّ نزل فشدّ نفسه مكانه في القيد ثمّ أطلقه فلم يزل في الأسر إلى أن عرف خبره ففداه أهله.\rوقال الأعشى: أتيت سلام ذا فائش فأطلت المقام ببابه حتّى وصلت إليه بعد مدّة، فأنشدته:\rإنّ محلاًّ وإنّ مرتحلا ... وإنّ في جود من مضى مثلا\rإستأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولّى الملامة الرّجلا\rوالشعر قلّدته سلامة ذا ... فائش والشيء حيثما جعلا\rفقال: صدقت، الشيء حيثما جعل، وأمر لي بمائة من الإبل، وكساني وأعطاني كرشاً مدبوغة مملوّة عنبراً فبعتها بثلاثمائة ناقة حمراء.\rوقال أبو عمرو بن العلاء: قدم عبد القيس ابن خفاف البرجمي على حاتم بن عبد الله الطائي في دماء حملها، فقام ببعضها وعجز عن بعض، فقال: يا أبا سفانة إنّي حملت دماء عوّلت فيها على مالي وآمالي؛ فقدّمت مالي وكنت أكبر آمالي، فإن تحمّلتها فكم من حقّ قضيت وهمٍّ كفيت، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمّم يومك ولم أيأس من غدك، فحملها حاتم جميعها عنه، فأنشأ البرجمي يقول:\rيعيش الندى ما عاش حاتم طيىء ... فإن مات قامت للسخاء ماتم\rيفيد الذي فيه الغنا وكأنّه ... لتحقيره تلك العطيّة خادم\rوقال النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض وأغبر أُفق السماء وضنّت المراضع على أولادها وجلفت المال وأيقنّا بالهلاك، فوالله إنّا لفي ليلة صنبرة بعيدة مابين الطرفين وصبيتنا يتضوّرون من الجوع؛ عبد الله، وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيّين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكنوا إلاّ بعد هدأة من الليل، فأقبل يعلّلني بالحديث فعلمت ما يريد، فتناومت، فلمّا توارت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال حاتم: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوَّلاً إلاّ عليك أبا عديّ، فقال: عجّلي بهم فقد أشبعك الله وإيّاهم، فمضت وجائت تحمل اثنين وتمشي خلفها أربعة كأنّها نعامة حولها رئالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبّته ثمّ كشط جلده عنه ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك، قالت النوار: فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، وجعل يأتي الحي بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيّها النيام عليكم النّار، فاجتمعوا عليه والتفع هو بثوبه ناحية ينظر إلينا حتّى فرغنا ولم يذق منه مزعةً وإنّه لأجوع إليه منّا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلاّ عظم وحافر، فأنشأ يقول:\rمهلاً نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا\rيرى البخيل سبيل الجواد واحدة ... إنّ الجود يرى في ماله سبلا\rوذكر صاحب الأنيس والجليس: أنّه وقف رجل على باب خمارويه بن أحمد بن طولون سنةً كاملة لا يقدر على الوصول إليه، فأرق ذات ليلة خمارويه فقال لغلامه: أخرج وانظر من بالباب من الشعراء، فخرج فوجد ذلك الرجل الشاعر فأدخله، فلمّا مثل بين يديه وسلّم عليه قال: يا أخا العرب هات ما عندك، فقال: أيّها الملك، إنّ لي اليوم سنة كاملة لم أقدر على الدخول إليك وقد قلت فأكثرت، ومدحت فأطنبت غير أنّني جائني بالأمس كتاب من امرأتي من بغداد ورددت جوابه. فقال: وماذا كتبت إليك؟ وماذا رددت جوابها؟ فقال شعراً:\rكتبت تبتغي الإياب وتوصي ... ني بتعجيله أشدّ وصيّه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855551,"book_id":1863,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":61,"body":"وشكت علّة إليّ وقالت ... عُدْ إلينا ولو بغير هديّه\rقد لبسنا ثوب التجمّل من بع ... دك حتّى لم تبقَ فيه بقيّه\rفإلى كمْ تغيب والغائب النا ... زح يخشى عليه صرف المنيّه\rأتزوّجت أم أصبت بمصر ... غضةً بضة البنان صبيّه\rفتشاغلت عن عيون تراعي ... ك على البعد بكرةً وعشيّه\rفرددت الجواب مهلاً فإنّي ... سوف آتيك منه بالأُمنيّه\rبألوف من الدنانير حمر ... من خمارية ومن أحمديّه\rقال: إذ ضمنت لها ذاك يا أخا العرب لأعجلنّ سراحك إليها، ولألفينّ لك ضمانك لها، يا غلام، عَلَيّ بألف دينار من ضربي وثلاثة آلاف من ضرب أبي، فأُتي بها. قال الأعرابي: فضممتها وخرجت مسرعاً فلم أشعر إلاّ والخادم في أثري قد لحقني فقال: إرجع، فرجعت إليه وظننت أنّه يستعيدها منّي، فلمّا وقفت بين يديه قال: يا أخا العرب إنّك ضمنت لها الوفاء في شعرك ثمّ ذكرنا أنّه لابدّ من النفقة في الطريق لتصل إليها بغير ما ضمنته لها، يا غلام، سلّم إليه خمسة آلاف أخرى، فضممتها وخرجت مسرعاً فلم أشعر إلاّ والخادم في أثري قد لحقني وقال: إرجع، فرجعت إليه فلمّا وقفت بين يديه قال: يا أخا العرب إنّها تذكر لك:\rأتزوّجت أم أصبت بمصر ... غضة بضة البنان صبيّه\rوقد أردت أن أحقّق ظنّها فيك، يا غلام، سلّم إليه جارية بخمسمائة دينار وجهّزها بمثلها، قال: فضممتها المال والجارية وانصرفت في أحسن حال وأنعم بال.\rوعن العتبي قال: اجتمعنا بباب أبي دلف العجلي أربعمائة شاعر وزائر، فكان يعدنا بمال الكرج، فبينما نحن ذات يوم عزين فى يمحالسنا إذ مرّت بنا الجمال عليها الأحمال، فقلنا: ما هذا؟ فقيل: مال الكرج، فتباشرنا ووافينا بابه من الغد، فإذا بالباب قد فتح وبالنطوع قد بسطت وشققت عليها البدر، فكانت أنانبير دراهم ودنانير ووضع لنا أربعمائة كرسي، ونادى مناديه: ليجلس كلّ رجل على كرسي، فلمّا أخذنا مجالسنا خرج علينا أبو دلف في حلّة حمراء متقلّداً سيفاً، فوضع قائم سيفه بالأرض واتّكأ عليه وأنشأ يقول:\rأيا معشر الزوّار لا يد عنكم ... أياديكم عندي أجلّ وأكثر\rكفاني من مالي جواد ونثرة ... وأبيض من صافي الحديد ومغفر\rثمّ ولّى عنّا وقال: شأنكم والمال، فانتهبناه وحمل كلّ واحد منّا على قدر طاقته.\rوقال أبو العبّاس الشيباني: وفد على أبي دلف عشرة من ولد علي بن أبي طالب ﵇ في العلّة التي مات فيها، فأقاموا شهراً لا يؤذن لهم من شدّة العلّة التي كانت به، فوجد منها راحةً يوماً فقال لبشر الخادم: نفسي تحسّ أنّ بالباب قوماً لهم إلينا حوائج، فافتح ولا تمنعنّ أحداً. قال: فدخلوا إليه وسلّموا عليه، ثمّ ابتدر رجل من ولد جعفر الطيّار فقال: أصلحك الله، إنّا قوم من أهل بيت رسول الله ﵌ وفينا من ولده، وقد حطمتنا السنون وأجحفت بنا النوائب، فإن رأيت أن تجبر كسرنا وتنفي فقرنا فافعل. فقال للخادم: خذ بيدي وأجلسني، فأجلسه ثمّ أقبل عليهم متعذراً إليهم ودعا بدواة وقرطاس وقال: ليأخذ كلّ واحد منكم فليكتب بخطّه أنّه قبض منّي ألفي دينار. قال: فبقينا متحيّرين عند قوله، ولمّا كتبنا الرقاع وضعناها بين يديه، فقال للخادم: عَلَيّ بمال كذا وكذا، فوزن لكلّ واحد منّا ألفي دينار، فلمّا قبضناها قلنا: أيّها الأمير، نفديك بالآباء والأُمّهات، والله ما لنا مال ولا عرض دنيا فخطوطنا ما تصنع بها؟ قال لخادمه: أُنظر يا بشر إذا أنا متُّ فاجعلها في أكفاني وذلك أنّي إذا لقيت جدّكم محمّد ﵌ غداً في عرصة القيامة توسّلت إليه بأنّي قد أغنيت عشرة من ولدك، يا غلام، إدفع لكلّ واحد منهم ألف درهم زيادة إلى ما معه حتّى لا ينفقوا في الطريق شيئاً ممّا أعطيناهم، ثمّ قال: ألحقوا بأهاليكم بارك الله فيكم.\rوذكر أنّ جاراً لأبي دلف ركبه دين فادح حتّى احتاج إلى بيع داره، فساوموه بها فطلب ألفي دينار، فقالوا: إنّها تساوي خمسمائة دينار، قال: وجوار أبي دلف بألف وخمسمائة، فبلغ ذلك أبا دلف فأمر بقضاء دينه وقال: لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا.\rوروي ما هذا مضمونه أنّ بعض الشعراء امتدح ابن العلاء، فلمّا أنشده:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855552,"book_id":1863,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":62,"body":"دع العيس تذرع أرض الفلا ... إلى ابن العلاء وإلاّ فلا\rأمر له بألف دينار وقال: حسبك من الإنشاد فإنّه يلزمنا لكلّ بيت ألف دينار وما في خزانتنا ما يفي بذلك.\rووقف أعرابي على مروان بن الحكم أيّام الموسم بالمدينة فسأله، فقال: يا أعرابي ما عندنا ما نصلك به ولكن عليك بابن جعفر، فأتى الأعرابي باب عبد الله بن جعفر فوجد ثقله قد صار نحو مكّة وراحلته بالباب عليها متاعه وسيف معلّق، فخرج عبد الله، فأنشأ الأعرابي يقول:\rأبا جعفر إنّ الحجيج ترحّلوا ... وليس لرحلي فاعلمنَّ بعير\rأبا جعفر ضنَّ الأمير بماله ... وأنت على ما في يديك أمير\rوأنت امرؤ من هاشم في صميمها ... يصير إليك الجود حيث تصير\rفقال: يا أعرابي! صار الثقل فدونك الراحلة بما عليها، وإيّاك أن تُخْدَعْ عن السيف فإنّي أخذته بألف دينار، فأنشأ الأعرابي يقول:\rحباني عبد الله نفسي فداؤه ... بأعبس مهريّ سباط مشافره\rوأبيض من ماء الحديد كأنّه ... شهابٌ بدا والليل داج عساكره\rوكلّ امرء يرجو نوال ابن جعفر ... سيجري له باليمن والسعد طائره\rسأثني بما أوليتني يابن جعفر ... وما شاكر عرفاً كمن هو كافره\rودخل أبوالدهماء العنبري على جعفر بن سليمان، وكان قد مدحه قبل ذلك بمدّة يسيرة ووصله بصلة سنيّة، فأنشده:\rما زال عودي في ثرىً ثريّ ... مورّقاً من سيبك الوسميّ\rحتّى إذا ما همَّ بالذويّ ... جئتك واحتجت إلى الوليّ\rوما غنيّ عنك بالغنيّفضحك جعفر وقال: ما مللناك فلا تملنا، وعد إلينا متى شئت، وأجزل عطيّته وصلته.\rوقال أبوالشبل: حضرت مجلس عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان إليّ محسناً وعَلَيّ مفضّلاً، فجرى ذكر البرامكة، فوصفهم الحاضرون فأطنبوا في ذكر سماحتهم وفضلهم، فقمت في وسط الناس وقلت لعبيد الله: أيّها الوزير! قد حكمت في هذا الأمر حكماً نظمته في بيتَي شعر لا يقدر أحد أن يردّه عَلَيّ، وإنّما جعلته شعراً ليبقى ويدوّن، أفيأذن الوزير بإنشادهما؟ فقال قل، فربَّ صواب قلته، فأنشدت:\rرايت عبيد الله أفضل سؤددا ... وأكرم من فضل ويحيى بن خالد\rأولئك جادوا والزمان مساعد ... وقد جاد هذا وهو غير مساعد\rفتهلّل وجه عبيد الله وظهر فيه السرور وقال: أفرطتَ، قلت: ولا كلّ هذا قضيت، والله ما حابيتك أيّها الوزير، وما قلت إلاّ حقّاً، وأتبعني القوم في وصفه وتقريضه، فما خرجت من مجلسه إلاّ وعَلَيّ الخلع وتحتي فرس بسرجه ولجامه، وبين يديَّ خمسة آلاف دينار.\rوعن أبي الشبل قال: دخل العتابي على عبيد الله بن طاهر فأنشده:\rجسم ظنّي وحسن ما عوّد الله ... سوائي منك الغداة أتى بي\rأيُّ شيء يكون أحسن من حسن ... رجاء حدا إليك ركابي\rفأمر له بجائزة، ثمّ دخل عليه من الغد فأنشده:\rجودك يكفينيك في حاجتي ... ورؤيتي كافيتي عن سؤال\rوكيف أخشى الفقر ما عشت لي ... وإنّما كفاك لي بيت مال\rفأمر له بجائزة، ثمّ دخل عليه في اليوم الثالث فأنشده:\rبهجات الثياب يخلقها الدهر ... وثوب الثناء غضٌّ جديد\rفأكسني ما يبيد أصلحك الله ... فإنّي أكسوك ما لا يبيد\rفأجازه وخلع عليه.\rوقدم على يزيد بن المهلّب رجل من قضاعة فأنشده:\rمالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأنّ بابك مجمع الأسواق\rأرجوك أم خافوك أم شاموا الغنى ... بيديك فانتجعوا من الآفاق\rإنّي رأيتك للمكارم عاشقاً ... والمكرمات قليلة العشّاق\rولّيت أنعمك البلاد فأصبحت ... تجبى إليك مكارم الأخلاق\rفأمر له بألف دينار، فلمّا كان العام المقبل وفد إليه فأنشده:\rوالله ما أدري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلّب\rولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب\rفاصبر لعادتك التي عوّدتنا ... أو لا فأرشدنا إلا مَنْ نذهب\rفأمر له بألف دينار، وقال: إنّا صابرون على عادتك، فعد متى شئت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855553,"book_id":1863,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":63,"body":"وذكر أنّ عمر بن هبيرة الفزاري أشرف من قصره فإذا هو بأعرابي يحثّ بعيره، فقال لحاجبه: لا تحجب هذا الأعرابي عنّي، فلمّا دنى سأله الحاجب عن شأنه، فقال: إنّي وفدت على الأمير، فأدخله إليه، فلمّا مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك يا أعرابي؟ قال:\rأصلحك الله قلّ ما بيدي ... ولا أُطيق العيال إذ كثروا\rأناخ دهري عَلَيّ كلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا\rقال: فأخذت عمر الأريحيّة فجعل يهتزّ في مجلسه ويقول: أرسلوك وانتظروا؟ إذاً والله لا تجلس حتّى ترجع إليهم، ثمّ أمر له بألف دينار وردّه من ساعته على بعيره.\rوكتب معاوية لمروان بن الحكم يأمره ببيع دور كثير بن الصلت لغرمائه، قال كثير: ففكآرت بمن أذهب إليه فلم أجد مثل قيس بن سعد بن عبادة، وكانت بيني وبينه هجرة، فتحاملت على الذهبا إليه على ما كان بيني وبينه على ما أعلمه من كرمه واحتماله، فلمّا رآني رحّب بي وأدناني وقال: ما الذي أتى بك إلينا؟ فأعلمته بالذي يراد من بيع دوري لغرمائي، وإنّي تذكّرت من أفزع إليه فلم أجد أحداً سواه، فسرَّ بذلك وقال: قد أصبت بالذي قد فعلت، كم دينك؟ قلت: تسعون ألف درهم، فأعطاني إيّاها، فأصبحت فقضيت النّاس الأوّل فالأوّل حتّى لم يبق عَلَيّ شيء ثمّ يسّر الله تعالى بعد ذلك فأتيته بها وجزيته خيراً، فقال: والله ما كان ليرجع إليّ شيء خرج منّي في ذمّة الله عزّوجلّ، فردّها عَلَيّ ولم يقبلها.\rوذكر بعض الروات أنّ مالك بن طوق بينا هو جالس في بهو مطلّ على رحبته ومعه جلساؤه إذ أقبل أعرابي تخدّ به راحلته، فقال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: الأمل في سيب الأمير، والرجاء لنائله. قال: فهل قدّمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم، أربعة أبيات قلته بظهر البريّة، فلمّا رأيت ما بباب الأمير من الأُبّهة والجلالة استصغرتها. قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتك أحسن فقد ربحنا عليك وإلاّ فقد نلت مرادك وربحت علينا؟ قال: قد رضيت، وأنشده:\rوما زلت أخشى الدهر حتّى تعلّقت ... يداي بمن لا يتّقي الدهر صاحبه\rفلمّا رآني الدهر تحت جناحه ... رأى مرتقىً صعباً منيعاً مطالبه\rرآني بحيث النجم من رأس باذخ ... تظلّ الورى أكنافه وجوانبه\rفتىً كسماء الغيث والناس دونه ... إذا أجدبوا جادت عليهم سحائبه\rفقال مالك بن طوق: قد ظفرنا بك يا أعرابي، ما قيمتها إلاّ عشرة آلاف درهم. فقال الأعرابي: إنّ لي صاحباً شاركته فيها ما أراه يرضى ببيعي. قال: أظنّك حدّثت نفسك بالنكث؟ قال: نعم، وجدت النكث في البيع أسهل من خيانة الشريك، فضحك مالك منه وأمر له بالعشرة آلاف درهم.\rوقيل: أتى عبيد الله بن العبّاس رجل من الأنصار فقال له: يابن عمّ رسول الله ﵌ ولد الليلة لي مولود وقد سمّيته باسمك تبرّكاً بك، وإنّ أُمّه ماتت، فقال له عبيد الله: بارك الله لك في الهبة وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثمّ دعا بوكيله وقال: إنطلق الساعة فاشتر للمولود جاريةً تحضنه، وادفع للرّجل مائتي دينار للنفعة على تربيته، ثمّ قال للأنصاري: عد إلينا بعد فإنّك أتيتنا وفي العيش يبس وفي النفقة قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك والله لو سبقت حاتماً بيوم واحد ما ذكرته العرب، ولكنّه سبقك فصرت له تالياً وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ كرمك أغزر من وايله.\rوأتاه سائل وهو لا يعرفه، فقال له: تصدّق فإنّي نبّئت أنّ عبيد الله بن العبّاس أعطى سائلاً ألف درهم وهو لا يعرفه واعتذر إليه، فقال له: وأين أنا من عبيد الله بن العبّاس؟ قال له: أين أنت منه في الحسب أو في كثرة المال؟ قال: فيهما جميعاً. فقال: أمّا الحسب في الرجل فمروّته وفعله فإذا شئت فعلت وإذا فعلت كنت حسيباً، فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته، فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله فأنت خير منه، وإن كنت إيّاه فأنت اليوم خير منك أمس.\rوذكر صاحب الأنيس والجليس أنّ شاعراً وقف على باب معن بن زائدة الشيباني سنة كاملة لا يصل إليه، فرقّ عليه الحاجب وقال: يا هذا أُكتب إليه حاجتك واختصر فيها، فقال: والله لا زدت على بيت واحد من الشعر، ثمّ كتب في رقعة وختمها ودفعها إلى الحاجب، فأخذها إلى معن، فإذا مكتوب فيها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855554,"book_id":1863,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":64,"body":"أيا جود معن ناج معناً بحاجتي ... فمالي إلى معن سواك رسول\rفأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة ثمّ التفت فرأى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة ثمّ التفت فرأى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة والتفت إلى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلم يلحقه الرسول فرجع وقال: يا سيّدي! ما لحقت الرجل، فقال معن: أتراه ظنّ أن نسترجعها؟ والله لو وقف لنفذت إليه بعشرة تتبعها عشرة إلى أن تفني بيوت المال.\rوقيل: كان معن بن زائدة الشيباني قد استخفى من المنصور لأمر أنكره عليه، فجدّ المنصور في طلبه وجعل لمن دلّ عليه عشرة آلاف درهم، قال معن: فاضطربت لشدّة الطلب إلى أن أقمت في الشمس حتّى لوّحت وجهي وخففت من عارضيّ ولحيتي ولبست جبّة صوف وركبت جملاً ثقيلاً وخرجت عليه أطلب البادية لأقيم فيها، فلمّا خرجت من الباب تبعني عبد أسود متقلّد سيفاً حتّى إذا غبت من أعين النّاس والحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، فقلت: ما تريد؟ قال: أنت طلبة أميرالمؤمنين؟ قلت: ومن أنا حتّى يطلبني أميرالمؤمنين؟ قال: أنت معن بن زائدة الشيباني. قلت: يا هذا اتّق الله في دمي، وأين أنا من معن؟ فقال: دع ذا عنك فأنا والله أعرف بك من ولدك وأخيك. قال معن: فقلت له: إن كان الأمر على ما تقول فهذا جوهرٌ قد حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور فيَّ فخذه ولا تسفك دمي، قال: هاته، فأخرجته، فنظر إليه ساعةً وقال: صدقت في قيمته ولست قابله منك حتّى أسألك عن شيء فإن صدّقتني فيه أطلقتك، فقلت له: قل، فقال: إنّ النّاس قد وصفوك بالسخاء والجود فأطنبوا، فأخبرني هل وهبت قط مالك كلّه؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، فلم يزل حتّى بلغ العشر؟ فقلت: أظنّ أنّي فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا رجل رزقي عشرين درهماً على المنصور في الشهر، وهذا الجوهر قيمته آلاف دنانير وقد وهبته لك ووهبتك لجودك المأثور بين الناس لتعلم أنّ في الدنيا من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك وتحتقر بعد هذا كلّ شيء تفعله، ولا تتوقّف عن مكرمة، ثمّ رمى بالعقد في حجري وخلّى خطام الجمل وانصرف، فقلت له: يا هذا فضحتني ولسفك دمي أهون عَلَيّ ممّا فعلت، فخذ هذا الجوهر فإنّي عنه غنيّ، فقال: يا معن! أردت أن تكذّبني في مقامي هذا، والله لا أخذته ولا أخذت لمعروف ثمناً أبداً ومضى، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاء به ما شاء، فما عرفت له خبراَ وكأنّ الأرض ابتلعته.\rوحدّث عون بن الحسين الهمداني قال: كنت يوماً في خزانة خلع الصاحب بن عباد فرأيت في دستور كاتبها، وكان صديقي، مبلغ العمائم الخزّ التي صرفت في تلك السنة للعلويّين والفقهاء والشعراء خارجة غير عمائم الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين، قال: وكان يعجبه الخزّ ويأمر بالإستكثار منه في داره، فنظر أبوالقاسم الزعفراني يوماً إلى جميع من فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملوّنة، فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئاً، فنظر إليه الصاحب وقال: عَلَيّ به، فاستهمل الزعفراني ريثما يتمّ مكتوبه، فأمر الصاحب بأخذ الدرج من يده، فقام وقال: أيّد الله مولانا، شعرٌ أسمعه ممّن قاله، فقال: هات يا أباالقاسم، فأنشده أبياتاً منها:\rسواك يعدُّ الغنى ما اقتنى ... ويأمره الحرص أن يخزنا\rوأنت ابن عباد المرتجى ... فعند نوالك نيل المنى\rوخيرك من باسط كفّه ... وممّن تنائى قريب الجنى\rغمرت الورى بصنوف الندى ... فأصغر ما ملكوه الغنى\rوغادرت أشعرهم مفحما ... وأشكرهم عاجزا الكنا\rأيا من عطاياه تهدي الغنى ... إلى راحتيْ من نأى أو دنا\rكسوت المقيمين والزائرين ... كسىً لم يخل مثلها ممكنا\rوحاشية الدار يمشون في ... ضروب من الخزّ إلاّ أنا\rولست أذكر بي جارياً ... على العهد يحسن أن يحسنا\rفقال له الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أنّ رجلاً قال له: أحملني أيّها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثمّ قال لو علمت مركوباً غيرها لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة ودراعة وقميص وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وجورب ولو علمنا لباساً آخر غير هذا يتّخذ من الخزّ لأعطيناك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855555,"book_id":1863,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":65,"body":"وقال الصاحب بن عباد: حضرت مجلس ابن العميد عشيّة من عشايا شهر رمضان وقد حضره الفقهاء والمتكلّمون للمناظرة وأنا أذكر ذلك في ريعان شبابي، فلمّا تقوّض ذلك المجلس وانصرف القوم وقد حلّ الإفطار أنكرت ذلك بيني وبين نفسي وعجبت من إغفال الأمر بتفطير الحاضرين مع رياسته، وعاهدت الله تعالى أنّيى لا أخلّ بما أخلّ به إذا قمت مقامه.\rقيل: فكان الصاحب لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائناً من كان فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار، فكانت داره لا تخلو ليلة من ليالي الشهر من ألف نفس مفطرة، وكانت صلاته وصدقاته وفقته في هذا الشهر مبلغ ما يطلق منها في جميع السنة.\rوممّا يناسب هذا ما ذكر عن ابن العميد؛ وابن العميد هذا هو أبو الفضل محمّد بن العميد، كان فريد زمانه في الفصاحة والعلوم العربيّة، ولقد كان متوسّعاً في علم النجوم والفلسفة والأدب والترسّل، فلم يقارنه فيها أحد في زمانه، وكان يسمّى الجاحظ الثاني، وكان كامل الرياسة، جليل المقدار، ومن بعض أتباعه الصاحب بن عباد، ولأجل صحبته قيل له الصاحب، وكانت له في الرياسة اليد العليا.\rوقال الثعالبي في اليتيمة: كان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد.\rوكان الصاحب بن عباد سافر إلى بغداد، فلمّا رجع إليه قال له ابن العميد: كيف وجدتها؟ قال: بغداد في البلاد كالأُستاذ في العباد.\rوكان يقال له الأُستاذ والرئيس وكان سائساً مدبّراً للملك قائماً بحقوقه.\rوقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة ومدحوه بأحسن المدائح كأبي الطيب المتنب وأضرابه، وكان ممّن مدحه أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي، وكان ابن نباتة هذا قد ورد على ابن العميد وهو بالريّ، وامتدحه بقصيدة أوّلها:\rبرح اشتياق وادّكار ... ولهيب أنفاس حرار\rومدامع عبراتها ... ترفضُّ عن نوم مطار\rلله قلبي ما يجن ... من الهموم وما يواري\rلقد انقضى سكر الشباب ... وما انقضى وصب الخمار\rوكبرت عن وصل الصغار ... وما سلوت عن الكبار\rسقياً لتغليسي إلى ... باب الرصافة وابتكاري\rأيّام أخطر في الصبا ... نشوان مسحوب الإزار\rحجّي إلى حجر الصّرا ... ة وفي حدائقها اعتماري\rومواطن اللذّات أو ... طاني ودار اللهو داري\rلم يبق لي عيش يلذّ ... سوى معاقرة العقار\rحتّى بألحان قمرت ... بهنّ ألحان القماري\rوإذا استهلّ ابن العميد ... تضائلت ديم القطار\rحرّ صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النضار\rفكأنّما زفّت موا ... هبه بأنواع التجار\rوكأنّ نشر حديثه ... نشر الخزامى والعرار\rوكأنّنا ممّا تفرّق ... راحتاه من النضار\rكلف بحفظ السرّ تح ... سب صدره ليل السرار\rإنّ الكبار من الأمو ... ر تنال بالهمم الكبار\rوإلى أبي الفضل ابتعثت ... هواء حسناء السوار\rفتأخّرت صلته فشفّع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة فلم يزده ابن العميد غير الإهمال مع رقّة حاله التي ورد عليها فتوصّل إلى أن دخل يوم الخميس ومجلسه حفل بأعيان الدولة ومقدّمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه وأشار إليه وقال: أيّها الرئيس! إنّي لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذلّ النعل، وأكلت المحرق انتظاراً لصلتك ووالله ما بي الحرمان، ولكن شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدّقوني فاتّهمتهم، فبأيّ وجه ألقاهم؟ وبأيّ حجّة أُقاومهم، ولم أحصل من مديح ومن نثر بعد نظم إلاّ على ندم مؤلم، ويأس مسقم، فإن كان للنجاح علامة وأين هي وما هي؟ إلاّ أنّ الذين نحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإنّ الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظمهم شأناً، وأنورهم شعاعاً، وأشرقهم دفاعاً. فحار ابن العميد ولم يدر ما يقول، فأثرق ساعة ثمّ رفع رأسه وقال: هذا يضيق عن الإطالة منك في الإستزادة، وعن الإطالة في المعذرة، وإذا ما تواهبنا ما دفعنا إليه، إستأنفنا ما نتحامد عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855556,"book_id":1863,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":66,"body":"فقال ابن نباتة: أيّها الرئيس! إنّها نفثة صدر قد دوى بعد زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني ذا مطل لئيم. فاستشاط ابن العميد وقال: والله ما استوجبت هذا من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون ذا، حتّى دفعنا إلى قرى غائم ولجاج قائم، ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك، وإنّ بعض ما قرّرته في مسامعي ينقض مرّة الحلم، ويبدّد شمل الصبر، وهذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ولا كلّفتك مدحي ولا سألتك تقريضي. فقال ابن نباتة: صدقت أيّها الرئيس، إنّك ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك، ولا كلّفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر إيوانك بأُبهّتك، وقلت: لا يخاطبني أحد إلاّ بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإنّي كاتب ركن الدولة، وزعيم الملّة والحضرة، والقيّم بمصالح المملكة، فكأنّك دعوتني بلسان الحال، ولم تدعني بلسان المقال.\rفثار ابن العميد مغضباً ودخل حجرته، وتقوّض المجلس، وسمع ابن نباتة وهو مارٌّ في صحن الدار يقول: والله إنّ سفَّ التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه ممّا كساً فيه، فلمّا سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل ما كان منه، فكأنّما غاص في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات.\rولا بأس بذكر ما ورد في ذمّ البخل وذكر بعض قضايا البخلاء وذكر بعض الشعر الذي ورد في ذمّهم: قيل: البخل يهدم مباني الكرم.\rآخر: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث.\rآخر: أيّ داء أدوى من البخل.\rوفي آخر: شرّ أخلاق الرجال البخل والجبن وهما من أخلاق النساء.\rوقالت الحكماء: من انتجع لئيماً كان كمنتجع السراب أو نار الحباحب.\rوفي مثل آخر: ما أفلح بخيل قط.\rومن أمثال البخلاء واحتجاجاتهم: قول لا، يدفع البلا، وقول نعم، يُزيل النِعَم.\rوقال بعضهم لابنه: يا بني كن مع الناس كالضارب بالقداح، إنّما غرضك أخذ متاعهم وحفظ متاعك.\rومن بعض الحكايات عنهم: عن المطالبي قال: مرّ ابن الحمامة الشاعر بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته، فقال له: السلام عليكم، قال: كلمة نقولها، قال: إنّي خرجت من أهلي بغير زاد، قال: ما ضمنت لهم قراك، قال: أفتأذن لي أن آتي ظلّ بيتك أتقيّؤ به؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك، قال: إنّي ابن الحمامة، قال: انصرف وكن ابن أيّ طائر شئت.\rوبينما أبوالأسود الدئلي جالس في دهليز داره إذ مرّ به رجل من العرب فقال: السلام عليكم، قال: قلت ما لا ينكر، قال: أأدخل؟ قال: وراك أوسع، قال: إنّ الرمضاء أحرقت قدمي، قال: بُل عليهما تبردا، قال: فهل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نأكل ونطعم العيال فإن فضل شيء كنت أحقّ به من الكلب. قال الأعرابي: تالله ما رأيت ألأم منك؟ قال: بلى قد رأيت ولكنّك نسيت.\rوأتى رجل الحطيئة وهو في غنم له، فقال: السّلام عليك يا راعي الغنم، فرفع الحطيئة عصاه وقال: إنّها عجراء من سلم، قال: إنّي ضيف، قال: وللضيفان أعددتها.\rوكان خالد بن صفوان إذا حصل له الدرهم نقره وقال: طالما شرّقت وغرّبت، والله لأطيلنّ ضجعت ولأديمنّ صرعتك، ولأجعلنّه آخر عهدك بأيدي الرجال.\rوممّا يحكى أنّ بعض البخلاء انتقل إلى دار، فلمّا نزلها وقف به سائل، فقال: صنع الله لك، فأتاه آخر، فقال له مثل الأوّل، ثمّ ثالث فقال له كذلك، ثمّ التفت إلى ابنته وقال لها: ما أكثر السؤال في هذا المكان، فقالت: يا أبة! ما تمسّكت لهم بهذه الكلمة فما تبالي قلّوا أم كثروا.\rومن ذلك ما حكي أنّه كان محمّد بن يحيى بن خالد بن برمك شديد البخل، فدخل يوماً بعض ندمائه على أبيه يحيى بن خالد، فقال له: صف لي مائدة محمّد، قال: هي فترٌ في فتر، وصحافه من حبّ الخشخاش منقورة، وبينه وبين أكيله رغيف، قال: فمن يحضر مائدته؟ قال: الكرام الكاتبون، قال: فمن يأكل معه؟ قال: الذباب، قال: فأنت خاصّ به وثوبك خلق، قال: والله لو ملك محمّد ابنك بيتاً عرضه من بغداد إلى خراسان مملوّاً أبراً ثمّ جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وأولاد يعقوب يسألونه عارية إبرة يخيطون بها قميص يوسف الصدّيق لما فعل. ونظم ابن الرومي هذا المعنى في قوله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855557,"book_id":1863,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":67,"body":"لو أنّ قصرك يابن يوسف ممتل ... اُبراً يضيق بها فضاء المنزل\rوأتاك يوسف يستعيرة إبرةً ... ليخيط قدَّ قميصه لم تفعل\rومن ذلك ما حكي أنّه حضر أعرابي سماط هشام بن عبد الملك، فبينما هو يأكل إذ تعلّقت شعرة بلقمته، فقال له هشام: يا أعرابي نحّ الشعرة عن لقمتك، قال: إنّك لتكثر لمضغي ملاحظة حتّى ترى الشعرة في اللقمة، والله لا أكلت عندك أبداً، وخرج من عنده وهو يقول:\rوللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف البنان على عمد\rوروي ما هذا مضمونه أنّه قيل لبعض البخلاء: من أشجع النّاس؟ قال: من سمع صرير الأسنان على طعامه ولم تتفتّت كبده.\rومن ذلك ما حكي عن أبي القاسم القطّان وكان صاحب نوادر أنّه دخل يوماً من أيّام شهر رمضان والحرُّ شديد على الوزير ابن هبيرة وعنده نقيب الأشراف، فقال له: أين كنت؟ قال: في مطبخ سيّدي النقيب، فقال الوزير: وما تصنع ويلك في شهر رمضان في المطبخ؟ قال: وحياة مولانا كسرت الحرّ، فتبسّم والوزير وضحك الحاضرون وخجل النقيب.\rأقول: وقد أسهبنا في ذلك فلنورد بعض ما ورد في ذمّ البخل والبخلاء من رائق النظم.\rروي ما هذا مضمونه أنّ شريك بن عبد الله امتدح المدبّر بأبيات فردّها إليه مع الحاجب وقال: أمدح بها غيري، فاعتزل ناحية عن بابه وكتب إليه هذه الأبيات:\rرددت عَلَيّ شعري بعد مطل ... وقد دنّست ملبسه الجديدا\rوقلت امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرديدا\rولاسيما وقد أعبقت فيه ... مخازيك اللواتي لن تبيدا\rوهل للحيّ في أثواب ميت ... لبوس بعد ما امتلأت صديدا\rوقال أبو تمام:\rليسودنَّ يفاع وجهك منطقي ... أضعاف ما سوّدت وجه قصيدي\rوليفضحنّك في المواسم كلّها ... صدري كما فضحت يداك ورودي\rوقال أيضاً:\rعيّاش أنّك للئيم وانّني ... إذ صرت موضع حاجتي للئيم\rوقال مهيار:\rبخيلٌ لو أنّ البحر بين بنانه ... وفرّقها عن قطرة لم تسرَّب\rأخذه بعضهم فقال:\rلو عبر الشط أبو ساعده ... في ليلة مظلمة بارده\rوكفّه مملوئة خردلاً ... ما سقطت منها ولا واحده\rوقال البحتري:\rلو صافحوا المزن ما ابتلّت أكفّهم ... ولو يخوضون بحر الصين ما غرقوا\rجفوا من البخل حتّى لو بدا لهم ... ضوء السهى في سواد الليل لاحترقوا\rوقال كشاجم:\rيا من يؤمّل جعفراً ... من بين أهل زمانه\rلو أنّ في أُستك درهماً ... لاستلّه بلسانه\rوقال دعبل الخزاعي:\rإنّ هذا الفتى يصون رغيفاً ... ما إليه لناظر من سبيل\rهو في سفرتين من أدم الطا ... ئف في سلنين في منديل\rختمت كلّ سلّة بحديد ... وسيور قددن من جلد فيل\rفي جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند إسرافيل\rوقال بعضهم:\rفتىً لو أدخل الحمّام حولاً ... وحولاً بعد أحوال كثيره\rوألبس ألف فرو بعد فرو ... ولحفاً حشوها قطن الجزيره\rوواقدت الجحيم عليه حتّى ... تصير عظامه مثل الذريره\rلما عرقت أنامله لبخل ... بعشر عشير معشار العشيره\rوقال ابن الرومي:\rفتىً على خيره ونائله ... أشفق من والد على ولده\rرغيفه منه حين تسأله ... مكان روح الجبان من جسده\rوقال بعضهم وهو لطيف:\rعوَّذ لمّا بتُّ ضيفاً له ... أقراصه منّي بياسين\rوعوّذ الماء بسمر القنا ... وبالأفاعي والثعابين\rوظريف قول بعضهم:\rابا سعيد لنا في شاتك العبر ... جائت وما أن لها بولٌ ولا بعر\rوكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمر والقمر\rوقال بعض الأُدباء:\rويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم ير مثل الجود للعرض حارسا\rوقال البحتري:\rأبا جعفر ليس فضل الفتى ... إذا راح في فرط إعجابه\rولا في فراهة برذونه ... ولا في نظافة أثوابه\rولكنّه في الفعال الكريم ... والخطر الأشرف ألنابه\rرأيتك تهوي اقتناء المديح ... وتسهل مقدار إيجابه\rلئن كنت أنحله الأكرمين ... فما أنت أوّل أربابه\rوإنْ أتطلّب به نائلاً ... فلست مليّاً بأطلابه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855558,"book_id":1863,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":68,"body":"وإنْ أتصدّق به حسبةً ... فإنّ المساكين أولى به\rوقوله أيضاً:\rالله يسهر في مديحك ليله ... متململاً وتنام دون ثوابه\rيقظان ينتخب الكلام كأنّه ... جيش لديه يريد أن يلقى به\rفأتى به كالسيف رقرق صيقل ... مابين قائم سنخه وذبابه\rفجبهته حتّى تخيل أنّه ... هاج أتاك بشتمه وسبابه\rوممّا ينظم إلى البخل الإخلاف في المواعيد والمطل، بل عدّه بعضهم أقبح منه فقال: ألأم من البخل، لأنّ من لم يفعل المعروف لزمه ذمّ اللؤم وحده، ومن وعد وأخلف لزمه ثلاث مذمّات: ذمّ اللّؤم وذمّ الخلف وذمّ الكذب.\rكتب العتابي إلى بعض أهل السلطان: أمّا بعد؛ فإنّ سحائب وعدك أبرقت فلين وابلها سالماً من علل المطل.\rوقيل: الوعد نافلة والإنجاز فريضة.\rوقيل: الوعد مرض المعروف، والإنجاز برؤه، والمطل تلفه.\rوقيل: خلف الوعد خلق الوغد.\rقال بعض الشعراء:\rفما أقبح الخلف بعد المقال ... وما أسمج الخلف بالباخلينا\rوقالت الحكماء: لا مريحة، خير من نعم نجيحة.\rوقالوا: المطل مفسدة للصنيعة.\rوقالت الحكماء أيضاً: الخلف ماحي شرف الكرام ومعف لرسول الجود، وهو أقصى مراتب اللؤم، وفاعله قد باء بغض من الله.\rقال الشاعر:\rفإن تجمع الآفات فالبخل شرُّها ... وشرٌّ من البخل المواعيد والمطل\rوقال أبو نؤاس:\rوعدتني وعدك حتّى إذا ... أطعمتني في كنز قارون\rجئت من الليل بغسّالة ... تغسل ما قلت بصابون\rوقال آخر:\rيحتاج من يرتجي نوالكم ... إلى ثلاث بغير تكذيب\rكنوز قارون أن تكون له ... وعمر نوح وصبر أيّوب\rوقال آخر:\rإنّ أبا أيّوب في فعله ... مؤيّدٌ بالحجج البالغه\rما فيه من عيب سوى أنّه ... يدهن من قارورة فارغه\rلو غيره أخلفني موعداً ... أتته منّي عقربٌ لادغه\rلا يقدر الأعشى على نقضها ... ولا امرء القيس ولا النابغه\rوما أحلى قول الصفي الحلّي وفيه حسن التعليل وهو:\rوعدت جميلاً فأخلفته ... وذلك بالحرّ لا يجمل\rوقلت بأنّك لي ناصر ... إذا قابل الجحفل الجحفل\rوكم قد نصرتك في كرَّة ... تكسر فيها القنا الذبل\rولست أمنُّ بنفعي عليك ... فأعجب بالقول إذ أعجل\rكما قاله الباز في عزّه ... به حين فاخر البلبل\rوقال أراك جليس الملوك ... ومن فوق أيديهم تحمل\rوأنت كما عملوا صامت ... وعن بعض ما قلته تنكل\rوأحبس مع أنّني ناطق ... وحالي عندهم مهمل\rفقال صدقت ولكنّهم ... بذا عرفوا أيّنا الأكمل\rلأنّي فعلت وما قلت قط ... وأنت تقول ولا تفعل\rوقال الآخر:\rوعدلك لا ينقضي له أمد ... ولا لليل المطال منك غد\rعللتني بالمنى غداً فغداً ... إنّ غداً سرمدٌ هو الأبد\rومن الغايات في هذا الباب قول عمّي المهدي طاب ثراه وأظنّه لم يسبق إليه:\rوقلت خذ في الحشر ما وعدته ... ترغم به اليوم أنوف الحسد\rفقمت من آخرتي أنقل لل ... دنيا عطاياً فضلها لم يجحد\rوقولي في غرض لي:\rقالوا طريق الكرخ سمحٌ فلمْ ... تشكو أذى السير اشتكاء العليل\rقلت نعم سمحٌ ولكنّه ... أبعد من انجاز وعد البخيل\rإنتهى ما أردنا ذكره من ذلك، وفيما أوردناه كفاية للطالب ومقنع للراغب، ولنشرع بذكر الأبواب.\r\rالباب الأوّل في قافية الألف\rوتشتمل على فصول\rفصل في المديح\rقلت فيه هذه المقطوعة:\rأنجوم بنورها يستضاء ... نثرتها بأفقها العلياء\rأم مزاياً تودُّ لو أنَّ منها ... فصّلت نظم عقدها الجوزاء\rمكرمات بنشرها الفضل يحيى ... لكريم لولاه مات الرجاء\rلا تقس واصلاً بمن كلّ يوم ... واصلٌ منه للوفود عطاء\rكرماً تستهلُّ في كلّ قطر ... من غواديه ديمة وطفاء\rيا مطيب القرى إذا مااقشعرّت ... ببني الدهر شتوة غبراء\rأين من يرتقي لعلياك منهم ... وهم في الهبوط عنك سواء\rوسماءٌ تظلّهم وهي أرض ... لك لكنّها عليهم سماء\rإنّ هذي الدنيا يشعّ عليها ... رونق منك رائق وبهاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855559,"book_id":1863,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":69,"body":"قد زهت بالزورا لأنّك فيها ... فهي عين لها وأنت الضياء\rلك يا ما أرقّ طبعك حلم ... هو في الخطب صخرة صمّاء\rوسجاياً تنفّس الروض منها ... عن نسيم تطله الأنداء\rأقول: فأمّا الفضل فذكره ابن خلّكان قال: هو الفضل ابن يحيى ابن خالد البرمكي، كان من أكثر البرامكة كرماً مع كرمهم وسعة جودهم، وكان أكرم من أخيه جعفر، وكان أخوه جعفر أبلغ في الرسائل والكتابة منه، وكان هارون الرشيد قد ولاّه الوزارة قبل جعفر، وأراد أن ينقلها إلى جعفر فقال لأبيهما يحيى: يا أبتي، وكان يدعوا الفضل يا أخي، فإنّهما متقاربان في المولد، وكانت أُمّ الفضل قد أرضعت الرشيد واسمها زبيدة، من مولدات المدينة، والخيزران أُمّ الرشيد أرضعت الفضل، فكان أخوين من الرضاع، وفي ذلك قال مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل:\rكفى لك فضلاً أنّ أفضل حرّة ... غذّتك بثدي والخليفة واحد\rلقد زنت يحيى في المشاهد كلّها ... كما زان يحيى خالداً في المشاهد\rقال الرشيد ليحيى: قد احتشمت من الكتابة في ذلك إليه فاكفنيه، فكتب إلى الفضل ولده: قد أمر أميرالمؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: قد سمعت مقالة أميرالمؤمنين في أخي وأطعت، وما انتقلت عنّي نعمة صارت إليه، ولا عزبت عنّي رتبة طلعت عليه. فقال جعفر: لله أخي ما أنفس نفسه وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة العقل فيه وأوسع في البلاغة ذرعه.\rوكان الرشيد قد جعل ولده محمّداً في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر، فاختصّ كلٌّ منهما بمن هو في حجره.\rوكان أبوالهول الحميري قد هجا الفضل، ثمّ أتاه راغباً إليه، فقال له: ويحك بأيّ وجه تلقاني؟ فقال: بالوجه الذي ألقى به الله عزّوجلّ وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك، فضحك ووصله.\rومن كلامه: ما سرور الموعود بالفائدة كسروري بالإنجاز.\rوأمّا أبوه: فكان وزير هارون الرشيد، وكان جدّهم برمك من مجوس بلخ وكان يخدم النوبهار وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران، واشتهر برمك وبنوه بسدانته، وكان برمك عظيم المقدار عندهم، وساد ابنه خالد وتقدّم في الدولة العباسيّة وتولّى الوزارة لأبي العبّاس.\rوأمّا واصل بن عطاء ويُكنّى أبا حذيفة كان معتزليّاً يعرف بالغزّال مولى بني ضبه، وقيل: مولى بني مخزوم.\rوقال المبرّد في الكامل: لم يكن واصل بن عطاء غزّالاً ولكنّه كان يلقّب بذلك لأنّه كان يلازم الغزّالين ليعرف المتعفّفات من النساء فيجعل صدقته لهنّ.\rوقال السيّد المرتضى: قيل إنّه كان مولىً لبني هاشم وإنّما لقّب بالغزّال لأنّه كان يكثر الجلوس في الغزّالين عند رضيع له يعرف بأبي عبد الله الغزّال، فلقّب بالغزّال كما لقّب أبو سلمة حفص بن سليمان بالخلاّل، وهو وزير أبي العبّاس السفّاح قبل خالد بن برمك، ولم يكن أبو سلمة خلاّلاً وإنّما كان منزله بالكوفة بقرب الخلاّلين، فكان يجلس عندهم فسمّي خلاّلاً.\rوقال أبو عبّاس المبردّ: كان واصل بن عطاء ألثغاً قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلّص كلامه منها ولا يفطن لذلك لاقتدراه على الكلام وسهولة ألفاظه، وكان يضرب به المثل في إسقاط حرف الراء من كلامه، وقد استعمله الشعراء في أشعارهم كثيراً، فمنه قول أبي محمّد الخازن من جملة قصيدة يمدح بها الصاحب ابن عبّاد وذلك قوله:\rنعم تجنّب لا يوم العطاء كما ... تجنّب ابن عطاء لثغة الراء\rوقال آخر في محبوب له وكان ألثغاً:\rأعدْ لثغةً لو أنّ واصل حاضرٌ ... ليسمّعها ما أسقط الراء واصل\rوقال آخر:\rأجعلت وصلي الراء لم تنطق به ... وقطعتني حتّى كأنّك واصل\rوقيل: إنّ رجلاً قال لواصل: كيف تقول أسرج الفرس؟ فقال: ألبد الجواد.\rوقال له آخر: كيف تقول ركب فرسه وجرّ رمحه؟ فقال: استوى على جواده وسحب عامله.\rوقال بعضهم فيه:\rويجعل البرَّ قمحاً في تصرّفه ... وخالف الراء حتّى احتال للشعر\rولم يطق مطراً والقول يعجله ... فعاذ بالعيث إشفاقاً من المطر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855560,"book_id":1863,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":70,"body":"أقول: وقد اشتملت هذه المقطوعة على نوع من أنواع التوجيه، والتوجيه هو: إيراد الكلام محتملاً لوجهين مختلفين، من قولهم: كلام موجّه إذا كان له ظاهر وباطن، فكأنّه ذو وجهين؛ فالنوع الذي أشرنا إليه بأنّ هذه المقطوعة اشتملت عليه هو في قولنا فيها:\rمكرمات بنشرها الفضل يحيى ... لكريم لولاه مات الرجاء\rلا تقس واصلاً بمن كلّ وقت ... واصلٌ منه للوفود عطاء\rفلفظة \"النشر\" تحتمل معنيين هاهنا: أحدهما: النشر الذي هو خلاف الطيّ، والمراد به الإذاعة، من نشر الخبر إذا أذاعه.\rوثانيهما: النشر الذي هو الإحياء بعد الموت، وليست هذه اللفظة من التوجيه بشيء، وإنّما جيء بها لمناسبة الألفظ التي وقع فيها التوجيه، وهذا النوع يسمّى التوجيه بأسماء الأعلام، كما سيأتي، لأنّ لفظة \"الفضل، ويحيى، وواصل، وعطاء\" تحتمل معنيين: أحدهما العلميّة، وثانيهما: الفضل الذي هو خلاف النقص، ويحيى: الفعل من الحيوة الذي هو ضدّ يموت، وواصل: إسم فاعل الاُولى من وصله، والثانية: من وصل إليه، وعطاء: هو الإسم من أعطاه.\rإذا تقرّر هذا فنقول: إنّ التوجيه قد يكون باستعمال ألفاظ أهل صناعة معلومة فيكون ظاهره تلك الصناعة وباطنه غيرها، وقد يكون بإيراد الكلام يحتمل المدح والذم، كقول ابن هاني الأندلسي:\rلا يأكل السرحان شلوَ طعينهم ... ممّا عليه من القنا المتكسّر\rفإنّه يحتمل المدح ويكون المقتول منهم والرماح لأعدائهم، ويحتمل الذمّ ويكون المقتول من أعدائهم والرماح لهم، ومثله قول الآخر:\rبارك الله للحسن ... ولبوارن في الختن\rيابن هارون قد ظفرت ... ولن ببنت مَنْ\rفلا يُعْلَم ما أراد ب \"بنت مَنْ\" في الرفعة أو الحقارة. وقد يكون بإيراد كلام يحتمل الدعاء له والدعاء عليه، كقول من قال:\rخاط لي عمروٌ قباء ... ليت عينيه سواء\rقلت شعراً ليس يُدرى ... أمديح أم هجاء\rفهو يحتمل تمنّي العوراء أن تكون صحيحة أو بالعكس. وقائل هذا بشار بن برد، يُروى أنّه فصّل قباءً عند خيّاط أعور اسمه زيد أو عمرو، فقال له الخيّاط على سبيل العبث به: سآتيك به لا تدري أهو قباء أم فرّاجة، فقال له: إن فعلت ذاك لأنظمنّ فيك بيتاً لا يعلم أحد ممّن سمعه أكان لك أم عليك، ففعل الخيّاط، فقال هو البيت.\rومثله ما حكاه ميمون بن مقرون قال: تقدّم جعيفران الموسوس إلى يوسف الأعور القاضي بسرّ من رأى لحكومة في شيء كان في يده من وقف له، فدفعه عنه وقضى عليه، فقال: أراني الله أيّها القاضي عينيك سواء، فأمسك عنه وردّه إلى داره، فلمّا رجع أطعمه ووهب له دراهم ثمّ دعا به فقال له: ماذا أردت بدعائك؟ أردت أن يردّ الله عَلَيّ من بصري ما ذهب؟ فقال له: والله لئن كنت وهبت لي هذه الدراهم تسخر بي وإنّي لأسخر منك لأنّك أنت المجنون لا أنا، أخبرني كم من أعور رأيته عمي؟ فقال: كثير، قال: فهل رأيت أعوراً صحّ قط؟ قال: لا، قال: فكيف توهّمت عَلَيّ الغلط، فضحك منه وصرفه.\rوقال محمّد بن عبد الله بن سنان الخفاجي في كتابه: إنّه ينبغي أن لا يُستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلّمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، ولا الألفاظ التي يختصّ بها بعض علوم الهيئة وغيرها، لأنّ الإنسان إذا خاض في علم وتكلّم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة، ثمّ مثّل ذلك بقول أبي تمام:\rمودّة ذهبت أثمارها شبهٌ ... وهمّة جوهرٌ معروفها عرض\rوبقوله أيضاً:\rخرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعّب الأفعال بالأسماء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855561,"book_id":1863,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":71,"body":"واعترضه ابن الأثير في المثل السائر فقال: إنّ الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة، إنّ الذي أنكره منه هو الذي يشتهيه قلبي. وقال: إنّما قوله: إنّه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلّم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة فهذا مسلّم لكنّه شذّ عنه أنّ سناعة المنظوم والمنثور مستهدفة من كلّ علم وكلّ صناعة، لأنّها موضوعة على الخوض في كلّ معنى وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر له يحصره، فإذا أخذ مؤلّف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنىً من المعاني وأدّاه ذلك إلى استعمال معنىً فقهي أو نحوي أو خيالي فليس له أن يتركه ويحيد عنه لأنّه من مقتضيات ذلك المعنى الذي قصده، ألا ترى إلى قول أبي تمام في الإعتذار:\rفإن يك جرم عنَّ أوْ تكُ هفوة ... على خطإ منّي فوزري على عَمَد\rفإنّ هذا أحسن ما يجيء في باب الإعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله حيث فيه لفظتا الخطأ والعمد اللتان هما من أخصّ ألفاظ الفقهاء، وكذلك قول أبي الطيب المتنبّي:\rولقيت كلّ الفاضلين كأنّما ... ردّ الإله نفوسهم والأعصرا\rنسقوا لنا علم الحساب مقدّما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا\rوهذا من المعاني البديعة وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة فذلك التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتمّ إلاّ بتلك اللفظة موافقةً لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، وهذا محض الخطأ وعين الغلط، إنتهى.\rوأجاب ابن الأثير أيضاً عن البيت الأوّل الذي أنكره ابن سنان على أبي تمام بأنّه ليس منكراً لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلّمين، بل إنّه ركيك في نفسه لتضمّنه لفظة الشبه فإنّها عامية ركيكة وهي التي استخفّت في البيت، وعن البيت الثاني بأنّه ليس بمنكر وهل يشكّ في أنّ التشبيه الذي تضمّنه واقع في موقعه، ألا ترى بأنّ الفعل ينقل الإسم من حال إلى حال وكذلك الخمرة تفعل في العقول في تنقّل حالاتها.\rرجعٌ إلى ذكر بقيّة أنواع التوجيه وأمثلتها: فمن ذلك التوجيه بقواعد النحو.\rقال بعض المتأخّرين:\rعوامل رزق أعملت لغة الردى ... فجسم له خفض ورأس له نصب\rوقال أمين الدين علي السليماني:\rأضيف الدجى معنىً إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خصَّ بالجرّ\rوحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر\rوكان بالعراق عاملان: أحدهما اسمه عمر، والآخر اسمه أحمد، فعزل عمر عن ولايته واستقرّ مكانه أحمد لمال قدّمه، فقال بعض الشعراء:\rأيا عمر استعدَّ لغير هذا ... فأحمد في الولاية مطمئن\rفإنّك فيك معرفة وعدل ... وأحمد فيه معرفة ووزن\rومثله قول ابن عنين فيمن عزل عن وظيفته وكانت سيرته غير مشكورة:\rشكى ابن المؤيّد من عزله ... وذمّ الزمان وأبدى السفه\rفقلت له لا تذمّ الزمان ... فتظلم أيّامه المنصفه\rولا تغضبنَّ إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه\rورشيق قول شرف الدين:\rأتيت حانة خمّار وصاحبها ... محارف متقن للنحو ذو لسن\rوحوله كلُّ هيفاء منعّمة ... وكلّ علق رشيق أهيف حسن\rفقال لي إذ رأى عيني قد انصرفت ... إلى النساء كلام الحاذق الفطن\rأنّث وركّب وصف واعدل بمعرفة ... واجمع وزد واسترح من عجمة وزن\rوبديع قول الشهاب:\rوإذا الثنية أشرقت وشمّمت من ... أرجائها أرجاً ونشر عبير\rسل هضبها المنصوب أين حديثها ... المرفوع عن ذيل الصبا المجرور\rوقول الصفي الحلّي في رياض الممطور:\rإن جزت بالممطور مبتهجاً به ... ونظرت باطن دوحه الممطور\rوأراك بالآصال خفق هوائه ال ... ممدود تحريك الهوى المقصور\rسل بانّه المنصوب أين حديثه ... المرفوع عن ذيل الصبا المجرور\rوظريف قول بعضهم:\rعرّج بنا نحو طلول الحمى ... فلم تزل آهلة الأربع\rحتّى نطيل اليوم وقفاً على ال ... ساكن أو عطفاً على الموضع\rوقول أبي الفتح البستي:\rعزلت ولم أذنب ولم أك خائناً ... وهذا لإنصاف الوزير خلاف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855562,"book_id":1863,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":72,"body":"حذفت وغيري مثبت في مكانه ... كأنّي نون الجمع حين يضاف\rوقوله أيضاً:\rأدرجت في أثناء نسيانكم ... حتّى كأنّي ألف الوصل\rوقوله أيضاً:\rأفدي الغزال الذي في النحو كلّمني ... مناظراً فاجتنيت الشهد من شفته\rوأورد الحجج المقبول شاهدها ... محقّقاً ليريني فضل معرفته\rثمّ افترقنا على رأي رضيت به ... والرفع من صفتي والنصب من صفته\rوما ألطف قول السرّاج الورّاق:\rكم أُناديك مفرداً علماً أر ... فعه عالماً بشرط المنادى\rوجوابي ملغىً يحاكي للولا ... خبر اللو وإنّه ما أفادا\rوظريف قول ابن العفيف:\rيا ساكناً قلبي المعنى ... وليس في سواك ثاني\rلأيّ معنىً كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان\rقال الصلاح الصفدي: وهذا المعنى فيه نقص لأنّ القلب ظرف لاجتماع الساكنين وحينئذ يكون الساكنان غير القلب، والكسر إنّما وقع على القلب لا على أحد الساكنين.\rقال صاحب المعاهد: ومن تأمّله حقّ التأمّل وجده موجّهاً، ثمّ قال: وقد ذكرت ذلك لجماعة من كبار المتأدّبين وما رأيت فيهم من تنبّه له.\rوفي معناه قول ابن شرف القيرواني في رجل عجز عن افتضاض عرسه:\rكم ذكر في الورى وأُنثى ... أولى من اثنين باثنتين\rأرى الليالي أتت بلحن ... لجمعها بين ساكنين\rوقول السراج الورّاق:\rيا ساكناً قلبي ذكرتك قبله ... أرأيت قبلي من بدى بالساكن\rوجعلته وفقاً عليك وقد غدا ... متحرّكاً بخلاف قلب الآمن\rوما أحسن قول ابن نباتة المصري:\rبكيت وما يجدي البكاء على العاني ... ولكنَّ تشتيت الأحبّة أشجاني\rكأنّ زماني خاف لحناً فلم يكن ... ليجمع بين الساكنين بأوطاني\rولمحاسن الشوّاء:\rأرسل فرعاً ولوى هاجري ... صدغاً فأعيى بهما واصفه\rفخلت هذا حيّة خلفه ... تسعى وهذا عقرباً واقفه\rوللسليماني:\rنصبت على التمييز إنسان مقلتي ... أُشاهد قدّاً منه نصباً على الظرف\rءأخشى فراقاً بعدها أو قساوة ... وقد جاء واو الصدغ للجمع والعطف\rولصاحب المعاهد مثله:\rتطمعني في الوصل أصداغه ... حين تريني أحرف العطف\rومن لطائف البهاء زهير قوله في هذا الباب:\rيقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد\rهبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منم وعوائدي\rونظير ذلك مااتّفق لابن عنين وذلك أنّه مرض فكتب إلى الملك المعظّم عيسى بن الملك العال أبي بكر بن أيّوب صاحب دمشق:\rأُنظر إليّ بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي\rأنا كالذي احتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي\rفعاده الملك المعظم ومعه خمسمائة دينار وقال له: أنت الذي، وأنا العائد، وهذه الصلة.\rومثله قول جعفر العلوي الأديب المصري:\rوافيت نحوكم لأرفع مبتدا ... شعري وأنصب خفض عيش أغبرا\rحاشاكم أن تقطعوا صلة الذي ... أو تصرفوا من غير شيء جعفرا\rوقول الأمير أمين الدين السليماني:\rوإنّي الّذي أحببته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي\rوقول الآخر:\rلا تهجروا من لا تعوَّد هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذي\rورفعتم مقداره بالإبتدا ... حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي\rوقول الصفي الحلّي:\rلمّا رأت علياك إنّي كالّذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد\rوافيتني فوفيت لي بمكارم ... فنداك لي صلة وأنت العائد\rوقول ابن أبي حجلة:\rقطع الأحبّة عادتي من وصلهم ... فكان قلبي بالتواصل ما غذي\rوإذا سمعتهم في النحاة بعاشق ... منعوه من صلة له فأنا الذي\rوما ألطف قول محاسن الشوّاء:\rوكنّا خمس عشرة في التئام ... على رغم الحسود بغير آفه\rفقد أصبحت تنويناً وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافه\rوقول ابن العفيف التلمساني:\rومستتر من سنا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في\rكوى القلب منّي بلام العذار ... فعرَّفني أنّها لام كي\rولمحاسن الشوّاء أيضاً:\rلنا صديق له خلالٌ ... تعرب عن أصله الأخس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855563,"book_id":1863,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":73,"body":"أضحت له مثل \"حيث\" كفٌ ... وددت لو أنّها \"كأمس\"\rومثله قول أبي محمّد الواسطي:\rلنا صديق به انقباض ... ونحن بالبسط نستلذ\rلا يعرف الفتح في يديه ... إلاّ إذا ما أتاه أخذ\rفكفّه \"أين\" حين يعطي ... شيئاً وبعد العطاء \"منذ\"\rوقول السراج الورّاق:\rومبخل بالمال قلت لعلّه ... يندى وظنّي فيه ظنٌّ مخلف\rمع الدراهم فيه جمع سلامة ... فأجابني لكنّه لا يصرف\rومن التوجيه في علم العروض والنحو، قول السباسكوني يهجوا عروضياً نحوياً:\rلا تنكروا ما ادّعى فلان من ال ... شعر إذا قال أنّه شاعر\rفالنحو ثمّ العروض قد شهدا ... له على الشعر أنّه قادر\rيقصر ممدوده ويرفعه ... في الجرّ نصب الغرمول في الآخر\rيريك وهو البسيط دائرة ... تجمع بين الطويل والوافر\rوقال الآخر:\rأنا الذي مرضت شهراً كاملاً ... فما رأيت عائداً ولا صله\rلولا الوزير الصاحب الندب الذي ... نعماه لي من الأنام واصله\rشارف قلعاً وتدي وخاف قط ... عاً سببي وقلت هذي الفاصله\rومن التوجيه في علم العروض، قول ابن سارة:\rوبي عروضيٌ سريع الجفا ... وجدي به مثل جفاه طويل\rقلت له قطعت قلبي أسىً ... فقال لي التقطيع شأن الخليل\rوقول نصرالله ابن الفقيه المصري:\rوبقلبي من الجفاء مديدٌ ... وبسيطٌ ووافرٌ وطويل\rلم أكن عالماً بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل\rوللسليماني:\rلا تعذلنّي في العروض ... ولو رأيت القصد جائر\r... دارت عَلَيّ دوائرٌ ... فجهدت في فكّ الدوائر\rوله أيضاً:\rتقاطع صاحباي على هناة ... جرت بعد التصاون والتصافي\rودا مالا يضمّها مكان ... كأنّهما معاقبة الزحاف\rومن التوجيه في صناعة الكتابة، قول ابن الساعاتي:\rلله يوم في سيوط وليلة ... حلف الزمان بمثلها لا يغلط\rبتنا وعمر الليل في غلوائه ... وله بنور البدر فرع أشمط\rوالطلُّ في تلك الغصون كلؤلؤ ... نظم يصافحه النسيم فيسقط\rوالطير يقرؤ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط\rومنه قول ابن لنكك البصيري:\rقف أُنظر إلى درّ السحاب كأنّه ... نثار وأحداق الأزاهير تلقطه\rإذا كتبت أيدي الرياض على الثرى ... بنور فأيدي الغيم بالقطر تنقطه\rوقول أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان:\rءأخا الفوارس لو شهدت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط\rلقرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنّة تنقط\rوقال الصاحب ابن عباد يصف الوحل:\rإنّي ركبت وكفّ الأرض كاتبة ... على ثيابي سطوراً ليس تنكتم\rفالأرض محبرة والحبر من لثق ... والطرس ثوبي ويمنى الأشهب القلم\rوما أحسن قول ابن عبد الطّاهر:\rمفردٌ في جماله إذ تبدّى ... خجلت منه جملة الأقمار\rكيف أرجو الوفاء منه وعامل ... ت غريماً من لحظه ذاانكسار\rذو حواش تلوح من قلم الري ... حان في خدّه لجلّ الباري\rفيه وجدي محقّق وسلوّي ... وكلام العذول مثل الغبار\rفلساني في وصفه قلم الشعر ... ورقي المكتوب بالطومار\rوبديع قول ابن جابر وذكر الأقلام السبعة:\rتعليق ردفك بالخصر الخفيف له ... ثلث الجمال وقدوفّته أجفان\rخدٌّ عليه رقاع الحسن قد خلعت ... وفي حواشيه للصدغين ريحان\rخطّ الشباب بطومار العذار به ... سطراً ففضاحه للناس فتّان\rمحقّق نسخ صبري عن هواه ومن ... توقيع مدمعي المنثور برهان\rيا حسن ما قلم الأشعار خطّ على ... ذاك الجبين فلا يسلوه إنسان\rأقسمت بالمصحف السامي وأحرفه ... ما مرَّ بالبال يوماً عنه السلوان\rولا غبار على حبّي فعندك لي ... حساب شوق له في القلب ديوان\rومن التوجيه في علم الرمل، قول البهاء زهير:\rتعلّمت علم الرمل لمّا هجرتني ... لعلّي أرى شكلاً يدلّ على الوصل\rفقالوا طريق قلت يا ربّ للوفا ... وقالوا اجتماع قلت يا ربّ للشمل\rوقول ابن مطروح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855564,"book_id":1863,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":74,"body":"حلا ريقه والدرّ فيه منضد ... ومن ذا رأى في العذب درّاً منضدا\rرأيت بخدّيه بياضاً وحمرةً ... فقلت لي البشرى اجتماع تولّدا\rومن التوجيه في علم الهندسة، قول ابن جابر أو العلوي المصري في مليح مهندس:\rمحيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأنّ به أقليدساً يتحدّث\rفعارضه خطّ استواء وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلّث\rوقول ابن النبيه في صبي يشتغل بالهندسة:\rوبي هندسي الشكل يسبيك لحظه ... وخال وخدّ بالعذار مطرّز\rومذ خطّ بيكار الجمال عذاره ... كقوس علمنا أنّما الخال مركز\rوقول ابن التلميذ أو أبي علي المهندس المصري:\rتقسّم قلبي في محبّة معشر ... بكلّ فتىً منهم هواي منوط\rكان فزادي مركزٌ وهم له ... محيط وأهوائي إليه خطوط\rوظريف قول بعضهم:\rلمّا انثنى وهو البسيط تبيّنت ... لي منه دائرةٌ كحلقة خاتم\rورأيت في الشكل المدوّر نقطة ... فحللت مركزها بخطٍّ قائم\rوقول ابن هشام بن أحمد:\rقد بيّنت فيه الطبيعة أنّها ... ببيديع أعمال المهندس باهره\rعبثت بمبسمه فخطّت فوقه ... بالمسك قوساً من محيط الدائره\rومن التوجيه في علم النجوم، قول ابن جابر:\rيا حسن ليلتنا التي قد زارني ... فيها فأنجز ما مضى من وعده\rقومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خدّه\rوقول الأرجاني أيضاً:\rمعقرب الصدغ يحكي نور غرّته ... بدراً بدا في سواد الليل معتجرا\rمذ سافر القلب من صدري إليه هوىً ... ما عاد بعد ولم أعرف له خبرا\rوهو المسيء اختياراً إذ نوى سفراً ... وقد سرى طالعاً في العقرب القمرا\rومن التوجيه في علم الموسيقيا، قول البدر بن لؤلؤ الذهبي:\rوبمهجتي المتحمّلون عشيّة ... والركب بن تلازم وعناق\rوحداتهم أخذت حجازا بعد ما ... غنّت وداء الركب بالعشّاق\rومن التوجيه اللطيف، قول ابن نباتة المصري في أسماء متنزّهات دمشق:\rيا حبّذا يومي بوادي جلق ... ونزهتي مع الغزال الحالي\rمن أوّل الجبهة قد قبّلته ... مرتشفاً لآخر الخلخالي\rومن التوجيه في بعض الأسماء، قول القاضي مجدالدين بن عبد الظاهر يصف نهراً صافياً في روضة نزهة:\rإذا فاخرته الريح ولّت عليلة ... بأذيال كثبان الربى تتعثّر\rبه الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به الروض يحيى وهو لا شك جعفر\rوقول ابن الوردي في بعض أسماء الأعلام:\rرأسي بها شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب\rوقول الآخر:\rأرح ناظري من عابس الوجه يابس ... له خلق صعب ووجه مقطب\rأقول له إذ آيستني صفاته ... وإن قيل إنّي في المطالع أشعب\rمتى يظفر الآتي إليك بسؤله ... وينجح من مسعاه قصد ومطلب\rولؤمك سيّار وبشرك باسر ... ووجهك عبّاس وخلقك مصعب\rوقول الوداعي:\rمن أمَّ بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن\rفالعين عن قرّة والكفّ عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن\rفإنّ هذا البيت يصدق على المعنى الواحد وهو أسماء الأعلام من رواة الحديث، وعلى المعنى الآخر وهو المناسبة بين العين والقرّة والكف والصدر والقلب والجبر والسمع والحسن.\rوقول صاحب المعاهد:\rبأبواب الكرام وضعت رحلي ... لكي يروى بفيض الجود محلي\rومن أضحى نزيل المجد يحيى ... بجعفر فضله السامي المحل\rوقوله أيضاً:\rومن هو بحرٌ لا يقاس بفضله ... ربيعٌ وكم يحيى إذا جاء جعفر\rومن هذا القسم قولنا في هذه المقطوعة المصدّر بها هذا الباب:\rمكرمات بنشرها الفضل يحيى ... لكريم لولاه مات الرجاء\rلا تقس واصلاً بمن كلّ وقت ... واصل منه للوفود عطاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855565,"book_id":1863,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":75,"body":"ومن ذلك عدّة توجيهات في بعض الأسماء قلتها مقرضاً على الكتاب الموسوم بالروض الخميل فيما قيل من النظم والنثر في بني جميل وهم أجلّ قوم أمجاد من أكابر أهل بغداد، فنثرت هذه الفصول ونظمت معها أبياتها الباهرة الفائقة بمحاسنها الوافرة، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الروض الخميل، المتضوّع في نشر ذكر آل الجميل، تزهو به كلّ زهرة، ما زهى مثلها على صفحتي نهر المجرّة، وتتمنّى رعي نرجسه الغزالة، ويودّ المشتري أن يبتاع حلّة وشيه بالنثرة، وأنّى له.\r\rروض بدا بين الأنام زاهراً ... لسحب جود بالندى تدبّجه\rفزهرة نعوت أخلاقهم ... ووصف طيب الأصل منهم أرجه\rكأنّما نثرت فيه، أو نظمت سلك قوافيه، كلّ حبّة قلب فهو إلى كلّ قلب محبّب، فما دمية القصر بين الأتراب، تنشد الأغاني في مغاني منازل الأحباب وتعاطي نداماها السلافة ممزوجة لهم بالغيث الذي انسجم، مشفوعةً لهم بمستظرف النغم، ولا يتيمة الدهر مجلوةً في المعاهد، حاليةً بدرر الفوائد وغرر القلائد، بأزهى من أوانس فقره، وأبهى من عرائس أشطره، ولعمري إنّه ليجب على من هو مسلم إذا نظر فيه أن يكون صريع غوانيه فينشىء مطرياً، وينشد معجباً:\rهذا كتاب أم حديقة روضة ... تنتزّه الأحداق في أورادها\rوتودّ لو شرت العيون بياضه ... وسواده ببياضها وسوادها\rنظمت به غرر الكلام مصاقع ... روح الفصاحة قام في أجسادها\rغرراً بدت كالشهب إلاّ أنّها ... بزغت بليل من سواد مدادها\rلو شنّف الشادي الحمام بها إذاً ... خلعت له الأطواق من أجيادها\rيهوى فؤاد المرء يغدو مسمعا ... ليحوز حظّ السمع من إنشادها\rلفظ أرقُّ من الصبا وفخامةً ... معناه تحسب قدّ من أطوادها\rدع ما يزخرفه الربيع وإن زهت ... أزهاره بين الربا ووهادها\rوتصفّح الروض الخميل رغبةً ... لتراه تنسى العين طيب رقادها\rتحظى بكلّ طريفة من حسنها ... غدت العقول العشر من روّادها\rويعدّ من آل الجميل مناقباً ... تهوى النجوم تكون من أعدادها\rوممّا جاء من التوجيه في قواعد الفقه، قول القاضي شرف الدين المقدسي وتلطّف ما شاء:\rأحجج إلى الزهر لنحظى به ... وارم جمار الهمّ مستنفرا\rمن لم يطف بالزهر في وقته ... من قبل أن يحلق قد قصّرا\rوقال آخر:\rكم ليلة فيها وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح\rواختلف الأصحاب ماذا الذي ... يزيل من شكواهم أو يريح\rفقيل تعريسهم ساعةً ... وقيل بل ذكراك وهو الصحيح\rومن التوجيه في الحديث، قول ابن جابر الأندلسي:\rقالت أعندك من أهل الهوى خبر ... فقلت إنّي بذاك العلم معروف\rمسلسل الدمع من عينيَّ مرسلة ... على مدبج ذاك الخدّ موقوف\rوقوله أيضاً:\rعارضوا مرسل الظلام بنقل ... مسند عن حسان تلك الفروع\rعدلوا في رواية الحب جفني ... مع جرح الدموع عند الهموع\rعنعنوا نقل لوعتي عن دموعي ... عن جفوني عن قلبي الموجوع\rوقول الشيخ عبد علي الحويزي:\rبحبّك آحاد الهموم تواترت ... عَلَيّ فدمعي مستفيض بها انهمر\rيسلسل في خدّي مراسيله التي ... يضعّفها الشوق الذي صحّح الخبر\rومن التوجيه في أسماء السور، قول السراج الورّاق:\rكلّ قلب عَلَيّ كالصخر ملآن ... وهيهات أن تلين الصخور\rمغلق الباب ما تلا سورة الفتح ... وقافٌ من دونه والطور\rوقول أبي الحسين الجزّار:\rأشكو لعدلك جور دهر جائر ... فضلّت به فضلائه الجهّال\rمنعت به عقلاؤه إذ قسّمت ... بالجور في أنعامه الأنفال\rوقول المولى الفاضل علي بن مليك:\rألا يا بني الروم القتال فدونكم ... فإنّا تدرّعنا الحديد إلى الحشر\rولا زال آي الفتح تتلوا رماحنا ... وأسيافنا نتلوا بها سورة النصر\rولصاحب المعاهد:\rواقعةٌ قد صار منها تغابن ... على الروم لا ينفكّ أو يحصل الحشر\rلقد سمعوا وقع الحديد فلا ترى ... لهم همّة نحو القتال ولا كرّ\rوم التوجيه في الحكمة، قول الشيخ عبد علي الحويزي:\rأثبتَّ بالوصل الرقاد لناظري ... وشفّعت ذاك له بهجر زائد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855566,"book_id":1863,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":76,"body":"فنفيته والنفي والإثبات لا ... يتواردان على محلّ واحد\rوقوله أيضاً:\rجمعت في طرف المحبّ الكرى ... والسهد في وصلك والبين\rوليس يرضاه أخو فطنة ... لأنّه جمع نقيضين\rوقوله أيضاً من التوجيه في الرياضي:\rقلت له كسرت قلبي ويدي ... عندك ما قابلتها بنافله\rفاجبر وقابل منعماً فقال ما ... قرأت علم الجبر والمقابله\rوقوله أيضاً:\rلا ترج تعريف الورى بصناعة ال ... تنصيف والتحذير والتضعيف\rواجهد بجمع المال تضح معرَّفاً ... فالمال فيه آلة التعريف\rوله أيضاً وهو من التوجيه في علم الهيئة:\rكم قد شهدت الحرب مستلئماً ... سابغة تضمن وقع الحمام\rكالفلك الأطلس في ذاته ... لا يقبل الخرق ولا الإلتئام\rوله ايضاً فيه:\rقلت هل تقسم لي ... جوهر لفظ أشتهيه\rقال ثغري الجوهر الفر ... د ولا قسمة فيه\rوله أيضاً وهو من التوجيه في علم المنطق:\rإن رمت نسلاً فتزوّج غادةً ... أصغر سنّاً منك في التعمّر\rفأوّل الأشكال لا ينتج ح ... تّى يدخل الأصغر تحت الأكبر\rوله أيضاً وهو من التوجيه في علم الأُصول:\rتقول أصلى نار حبّي به ... وظاهرٌ إنّك لا تصلّى\rفهذه مسألة عندنا ... معارض ظاهرها الأُصلاّ\rوله فيه أيضاً:\rوجهك لمّا قد غدا ظاهرا ... مخبراً عن أصلك الطاهر\rحقّقت من هذا الذي بان لي ... تطابق الأصل مع الظاهر\rوله أيضاً قصيدة وهي تشتمل على عدّة توجيهات:\rقلبي وطرفك منصوب ومكسور ... كلاهما مطلقٌ منّا ومأسور\rناديت دمع جفوني كي ترخمه ... يا مستغاثي حالي منك تحذير\rحاكى فؤادي منك الوجه وافترقا ... فذاك نارٌ لتعذيبي وذا نور\rقدّي وقدّك مخفوض ومنتصب ... والثغر والدمع منظوم ومنثور\rبخفض قدري فيك الناس تعرفني ... وهكذاالحب تعريف وتنكير\rقد أعرب الحب نحواً بيننا حسناً ... فالشعر والشعر مرفوع ومجرور\rيا طرف من نهبت قلبي محاسنه ... ذكري كسيفك في الآفاق مشهور\rينجاب ذوالجهل عنّي حين يبصرني ... كأنّما أنا صبح وهو ديجور\rلو رمت فخراً على المحبوب قلت له ... دمعي وثغرك ياقوتٌ وبلّور\rاستاف جونة عطّار بطلعته ... فخاله عنبرٌ والخدُّ كافور\rأقام سوق الهوى خدٌّ له أبداً ... لحبّة القلب فيه اليوم تسعير\rلا ترج منّي امتناعاً عن محبّته ... فطرفه قادر والقلب مقدور\rلنا بمقلته النجلاء ذو شطب ... له على فلك المرّيخ تدوير\rأبدى ضروب بديع طرفه فله ... في فتية العشق تصريع وتشطير\rحمّت لواحظه معسول ريقته ... يا كوثراً منعتنا ورده الحور\rتقول إن صدقتنا القول مقلته ... يا محرمي العشق إنّي كعبه زورور\rقد أخلصت كيمياء الحب وجنته ... كأنّها للهوى العذريّ أكسير\rلو لم يكن كيمياء ما تييسّر للأ ... نفاس والدمع تصعيدٌ وتقطير\rيحيى بجعفر دمعي فيه فضل وفاً ... أنا الرشيد به والقلب مسرور\rيا دمع مقلتي الكشاف أنت لِقر ... آن المحبّة تأويل وتفسير\rوسمت بالدمع أشكالاً خلفت بها ... أقليدساً وهي في خدَّيَّ تحرير\rلله مجلسنا والغصن يعطفه ... من نسمة الصبح تقديم وتأخير\rوالنهر جسم بثوب الزهر ملتحف ... والزهر برد من الريحان مزرور\rفصل الربيع إذا ماالعش وافقه ... للقلب فيه وللأشجار تفطير\rولسماء التباسٌ بالرياض لما ... حكت كواكبها منها التصاوير\rفالزهرة الورد والسعد الشقائق وال ... مجرة النهر والجوزاء منثور\rتصرّفت بي أيّامي لتنقصني ... فما تغيّرت والتصريف تغيير\rلا ينفع المرء تأديب يهذّبه ... إلاّ إذا عضد التدبير تقدير\rأقول: وإنّما ذكرت هذه القصيدة بتمامها لما اشتملت عليه من أنواع التوجيه مع حسن السبك وحلاوة الألفاظ وحسن المطلع والمقطع يعرف ذلك بالذوق السليم.\rرجعٌ إلى ذكر ما نظمته سابقاً فيه على روي هذا الباب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855567,"book_id":1863,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":77,"body":"أقول: وبعثت إليه هذه المقطوعة المخمّسة مشفوعة بهذه الفقرات متعذراً إليه من إبطاء كتابنا هذا عليه، والفقرات هذه: ما عقد الحمد خنصره، ولا فتح المجد بصره، على أنضر عود مكارم، وأزهر طلعة لشائم، من أبلج بسام العشية في الزمن البهيم، سيماء الشرف الوضّاح على قسمات وجهه الكريم، يسفر للجود عن محيّا أنور من بدر تم، يقرأ الوافد عنوان صحيفته هذا قبلة الكرم.\r\rوجهٌ كأنَّ البدر شا ... طره الضياء أو النجوما\rلو قابل الليل البهيم ... لمزَّق الليل البهيما\rيجلو الهموم وربّ وجه ... إن بدا جلب الهموما\rفبوركت طلعة ذلك الأغر، وحيّاه الله ما تعاقب الالبيضان الشمس والقمر، ماجدٌ ما اسودَّ ليل الظن لطامع، إلاّ ابيضّ من أشعّة وجهه بالقمر الطالع، وإنّي وإن أحكمت منّي يد الإخلاص عقد ودّه، وأحنت عليها أن تحلّ بيد هجرانه وصدّه، لمعتذر إليه من إبطائي عليه فلقد ساورني الدهر، بشواغل هي قيد الفكر، فأصبحت قليل الحظوه، ثقيل الخطوه، عاثراً بذيل التقصير، ناظراً منالخجل على البعد بطرف حسير، فبعثت العذر على لسان هذه الغادة الكعاب، التي ربّما وقف الحياء بها دون الباب، وعلمي بكرم أخلاقه، وشرف أعراقه، أن يعيرها سمع مسامح، وها هي الغادة:\rإحدى الغواني إلى الزوراء ... جائتك تمشي على استحياء\rجميلةٌ من بنات الفكر ... مكنونةٌ في حجاب الصدر\rحيّتك تبدي جميل العذر ... فحيّ منها ألوف الخدر\rيا ساكناً مثلها أحشائي\rسيرتها في سماء الحمد ... زهرة مدح لبدر السعد\rلمن أياديه جلت عندي ... قد خففت في ثقيل الرفد\rعن كاهلي منة الأنواء\rمعشوقة أقبلت للوصل ... لسانها ناطق بالفصل\rتغنيك عن غيرها في النقل ... غناء كفيك لي في المحل\rحتّى عن الديمة الوطفاء\rكم رقَّ ديباج نظمي وشيا ... وراق صوغي القوافي حليا\rلجوهر زان نحر العليا ... ذاك الذي لم تلد لي الدنيا\rنظيره من بني حوّاء\rذو طلعة وهي أُمُّ البشر ... من شامها قال بنت البدر\rوراحة وهي أُخت البحر ... كم قلّدت للورى من نحر\rبجوهر الرفد والنعماء\rسماؤها لم تزل منهله ... بها رياض المنى مخضله\rوغيرها ليس تشفي غلّه ... عن الندى لم تزل معتله\rبالبخل لا أفرقت من داء\rيا هل ترى مخلفاً للوعد ... من لم يجد غير بذل الجهد\rإن كنتُ أبطأَت عمّا عندي ... فأنت يا مسرعاً بالصدّ\rأعجل بالعتب من إبطائي\rلا تشمتنّ هجرنا بالوصل ... ولا تسم عقدنا بالحلّ\rفمثلك اليوم خلاًّ من لي ... ومن لك اليوم خلاًّ مثلي\rونحن كالماء والصهباء\rأتت على النفس منها أغلا ... وأنت في العين منها أحلا\rوأنت أولى بقلبي كلاّ ... ذاك الهوى لا تخله ملا\rفمال عنه مع الأهواء\rومن الشعر الأجنبي الّذي اتّفق لي في غيرهم على هذا الروي، قولي مقرضاً على تخميس فارس أهل العصر، في ميدان النظم والنثر، عبد الباقي أفندي العمري، للقصيدة الهمزية المعروفة ب \"البويصيريّة\" والتقريض هذا:\rنسيت في عرفانك الحكماء ... فقبيح أن تذكر الشعراء\rأيُّ فضل لهم يبين وهل لل ... بدر نورٌ إذا استنارت ذكاء\rجئت في النظم مبصر الفكر والدن ... يا جميعاً بصيرةٌ عمياء\rفأزلت العمى بآيات نظم ... أذعنت طاعةً لها البلغاء\rنشرت طيىء الفصاحة لكن ... طويت في انتشارها الفصحاء\rحكم حلوة إلينا بيع عفواً ... سلسلتها رؤية سمحاء\rيرشف السمع لفظها العذب راحاً ... لجميع العقول منها انتشاء\rلو تلاها مردّداً لفظها المرء ... لما احتجن روحه الأعضاء\rوكفى شاهداً بفضلك ما تر ... ويه عنك الهمزية الغرّاء\rبنت فكر مجلوة في قواف ... لم تلد قطُّ مثلها الآراء\rألفاتٌ مثل الغصون تلتها ... لك من كلّ همزة ورقاء\rلبست من جمان نظمك عقداً ... ما تحلّت بمثله عذراء\rأين يابن الفاروق منك الذي ... أبدع في نظمها ولا إطراء\rلو رأى ما أودعت فيها لأضحى ... وهو والنظم واصل والراء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855568,"book_id":1863,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":78,"body":"زبرة قد أشعّت في المتن منها ... جوهراً في فرنده يستضاء\rفهي عادت منه كمثل عصا مو ... سى وتخميسك اليد البيضاء\rومن ذلك أنّ عبد الباقي أفندي سألني تخميس مستهل هذه القصيدة التي خمسها والبيت الذي بعده وذلك حين عزم على تخميسها وأراد الشروع فيه، فأرسلت إليه قولي:\rما لحيث انتهى بك الأُسراء ... لمهب العشر العقول ارتقاء\rوإذا لم يكن إليك انتهاء ... كيف ترقى رقيك الأنبياء\rيا سماءً ما طاولتها سماءجزت إذ فتحت لك الحجب فتحاً ... لعلىً دونها علا الرسل تمحى\rفلهم لو غدا ذرى العرش سطحاً ... لم يساووك في علاك وقدحا لسنىً منك دونهم وسناءومن ذلك ما قلته في غرض من الأغراض وهإيراده في فصل المديح أليق.\rسعدت من عشية زار فيها ... قمر المجد ربعنا فأضاء\rوأظنّ الرياح قد حسدتنا ... فهي وجداً تنفّس الصعداء\rالفصل الثاني في الرثاء\rلمّا توفّي المهدي خلف الخلف الصالح وكان نابه الذكر جليل القدر رثيته بقصيدة فريدة عزيت بها أباه وسلّيته بولديه، والقصيدة هذه:\rغمضت بغتةً جفون الفناء ... فوق إنسان مقلة العلياء\rوله نقبت بغاشية الحز ... ن محيّا الدنيا يد الغمّاء\rحملت وقر عبئها كاهل الده ... ر فأمسى يرغو من الأعياء\rنكبة لم تدع جليداً على الخطب ... ولا صابراً على اللأواء\rيا صريع الحمام صلّى عليك ... الله من نازل بربع الفناء\rوسقى منه تربتةً ضمنت جس ... مك غيث الغفران والنعماء\rفحقيرٌ نوه الجفون وما قد ... ر جفون السحاب والأنواء\rأين عيس المنون منك استقلّت ... بالحصيف المظفّر الآراء\rذهبت في معرَّس السفر جوداً ... وروا حوَّم الأماني الظماء\rيا عفات الأنام شرقاً وغرباً ... دوكم فاحتبوا بثوب العفاء\rوانحبوا عن حريق وجد لمن كان ... عليكم أحنى من الآباء\rيستقلّ الحبا لكم إن وفدتم ... ولو المشرقان بعض الحباء\rرحلوا العيس قاصدين ضريحاً ... فيه ما فيه من علاً وسخاء\rوأعقروا عنده وجلَّ عن العق ... ر قلوباً مطلولة السوداء\rجدث ماء عيشكم غاض فيه ... فانضحوا فوقه دم الأحشاء\rحلَّ فيه من قد كفى آدماً في ... غيث جدواه عيلة الأبناء\rليت شعري أنّى دنا الموت منه ... وهو في ربع عزّة قعساء\rهل أتاه مسترفداً حين أعطى ... ما حوته يداه للفقراء\rفحباه بنفسه إذ أتاه ... مستميحاً يمشي على استحياء\rودّت المكرمات أن تفتديه ... ببنيها الأماجد الكرماء\rهم مكان الجفون منها ولكن ... هو من عينها مكان الضياء\rوهم في الحياة موتى ولكن ... هو ميّتٌ يعدُّ في الأحياء\rيا عقيدي على الجوى عظم الخط ... ب فأهونْ بالدمعة البيضاء\rأجر من ذوب قلبك الدمعة الحم ... راء حزناً في الوجنة الصفراء\rإن سلني عن ظلمة الكون لما ... حلن أنوار أرضه والسماء\rفلبدر الغبراء حال أخوه ... بدر أهل الغبراء والخضراء\rوخفقن النجوم حزناً بجنح ... سام أنوارهنّ بالأطفاء\rوإلى الشمس قد نعوه فماتت ... جزعاً من سماع صوت النعاء\rوقف المجد ناعياً يوم أودى ... شاحب الوجه كاسف الأضواء\rهل ترى صالحاً على الأرض لمّا ... غاب فيها \"المهدي\" بدر العلاء\rقلت خفّض عليك من عظم الرز ... ء ونهنه من لوعة البرحاء\rليس إلاّ \"محمّد\" صالح يو ... جد في الأرض من بني حوّاء\rليس ينفكّ للجميل قريباً ... وبعيداً عن خطّة الفحشاء\rومهاباً له على أعين الده ... ر قضى الكبرياء بالأغضاء\rوبليغاً قد انتظمن معاني ... هـ بسلك الأعجاز للبلغاء\rوفصيحاً بنطقه أخرس الده ... ر فما قدر سائر الفصحاء\rفارس المشكلات إن ندبوه ... لبيان مقالة العوصاء\rفهو من غرّ لفظه يطعن الثغ ... رة منها بالحجة البيضاء\rيا رحاب الصدور في كلّ خطب ... وثقال الحلوم عند البلاء\rإن اسمكم حسن الأسى فلا ضعا ... ف أساكم تضمّنت أحشائي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855569,"book_id":1863,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":79,"body":"فلكم بعضكم ببعض عزاء ... ولنا فيكم جميل العزاء\rوتوفّيت كريمة لمحمّد الصالح في بلاد فارس وجاء بنعشها إلى النجف بعلها الجواد، فرثيتها بقصيدة تأتي في محلّها، ورثاها عمّي المهدي بقصيدة طويلة جمع فيها بين التعزية بوفاتها والتهنئة بقدوم بعلها.\r\rقد بكى الخدر والتقى والحياء ... هل قضت معدن التقى حوّاء\rوعلى ذي الأعواد آسيةٌ تح ... مل أم تلك مريم العذراء\rأم على النعش هاجرٌ سار فيها ... من كرام الملائك العظماء\rأم به سارةٌ سرت لضريح ... عطّرت من أريجة الأرجاء\rمَهْ فهذي التي تربت ببيت ... حسدت ساح أرضه الخضراء\rهي بنت الراقي سرادق علياً ... حيّرت في رقيها الآراء\rفلعظم احتجابها في خباها ... ليس يدري لمن يكنُّ الخباء\rوذووا قربها بها ليس تدري ... أهي في الخدر أم به العنقاء\rلو بدت لا ترى الأنام رداها ... فكأنّ كلُّ مقلة عمياء\rهي من عترة التقى في بيوت ... أسّستها على التقى الأتقياء\rسار فيها الجواد من حيث منه ... رامت العزَّ عزّةٌ قعساء\rوأتى فارساً ومنها اختلاساً ... بيد الحتف سلت الحوباء\rفارتأى أن يسير فيها لأرض ... هي فيهم ما طاولتها سماء\rقد لعمر العلى أتاها فتاها ... وسروراً تاهت به العلياء\rوبه رأس عترة المجد أبدى ... فرحاً فيه زالت الغمّاء\rمَنْ سما للعلى بهمة ندب ... بلغته من العلى ما يشاء\rإنّما الفعل منه للقول تلوٌ ... ومن القول في الأنام هذاء\rفنعم للسؤال ما قال إلاًّ ... وتلتها من كفّه النعماء\rوهو للمؤمنين يخفض جنحاً ... دون أدنى محلّه الجوزاء\rأقبيل العلياء قد برزت من ... فكرتي غادةٌ لكم حسناء\rلبستَتْ حلتَيْ سرور وحزن ... نسجتها السرّاء والضرّاء\rفهي تجلى في التهنئات عروساً ... وهي من مرثياتها الخنساء\rولها تارة غناً وابتسام ... وبأخرى لها عناً وبكاء\rولهذين في قريضي كلٌّ ... منهما حقّه رعاه الوفاء\rوتوفي ولد لي في السنة السادسة والستّين بعد المائتين والألف، فرثيته بهذا المقطوعة:\rهل يطربنّك يا زمان نعائي ... أم إنّك استعذبت ماء بكائي\rفي كلّ يوم منك ألقى شدّة ... ولأنت يوماً شدّة ورخاء\rلازلت ملحم غارة الأزراء ... أو حاشداً جيشاً من النكباء\rحتّى أصبت صميم قلبي بغتة ... وطرقتني بفجيعة صمّاء\rلم تبق لي جلداً وكنت أخالني ... جلداً بكلّ ملمّة دهياء\rومعنّف طرب المسامع ما رمى ... عينيه صرف الدهر بالأقذاء\rقد لامني وحشاه بين ظلوعه ... والأرض مطبقة على أحشائي\rأمعيب حزني لو ملكتُ تجلدي ... ما بتُّ أمزج أدمعي بدمائي\rابنيَّ لو خلع البقاء على امرء ... لخلعت من شغفي عليك بقائي\rمغف قد امتلئت ردى بدل الكرى ... عيناك فاقد لذَّة الإغفاء\rداءٌ ترحّل فيك عنّي معقب ... في مهجتي للوجد أقتل داء\rلهفي عليك بكلّ حين أبتغي ... فيه لقاك ولات حين لقاء\rولئن حجبت بحيث أنت من الثرى ... عن ناظريَّ فأنت في أحشائي\rقربت بك الذكرى وفيك نأى الردى ... نفسي فداؤك من قريب نائي\rلو متُّ من أسفي عليك فلم يكن ... عجباً ولكنَّ العجيب بقائي\rلا زال قبراً ضمّ جسمك تربه ... متنسّمٌ بلطائم الأنداء\rولئن أبت حيث استقلّ بك الردى ... أن تستهلّ حوافل الأنواء\rفحدت إليك على العباد مدامعي ... غيثاً جنوب تنفّس الصعداء\rالفصل الثالث في الغزل\rقلت في ذلك:\rفتاة الحيّ حسبك من جفائي ... صلي قبل التفرّق والتنائي\rأظامية الوشاح إلى مَ أظمي ... وريقك في ترشّفه روائي\rفرفقاً يابنة الغيران رفقاً ... بذي كبد تحنّ إلى اللقاء\rصدودك في حشاه أمضُّ داء ... ووصلك عنده أشفى دواء\rفال خاط الكرى عينَيَّ شوقاً ... لرؤية وجهك الحسن الرواء\rأما والراميات إلى المصلّى ... كأمثال السهام من النجاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855570,"book_id":1863,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":80,"body":"لقد قلّبن أيدي الشوق منّي ... صريعاً بين ألحاظ الظباء\rفكم منها لهوت بذات خدر ... يجول بخدّها ماء الحياء\rبمسبلة المساء على صباح ... ومطلعة الصباح من المساء\rهظيم الكشح مرهفة التثني ... كسول المشي لاعبة العشاء\rالباب الثاني في قافية الباء\rوفيها فصول\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت فيه هذه المقطوعة:\rقفا حييا بالكرخ عنّي ربيبها ... فياطيب ريّاه الغداة وطيبها\rتفيّأ من تلك المقاصير ظلّها ... فعطّر فيهنّ الصبا وجنوبها\rغزالٌ ولكن في الرصافة ناشىءٌ ... وهل تألَف الغزلان إلاّ كثيبها\rفوالله ما أدري أزرَّ جيوبه ... على الشمس أم زرّت عليه جيوبها\rتعشّقته نشوان من خمرة الصبا ... منعم أطراف البنان خضيبها\rلو أنّ النصارى عاينت نار خدّه ... إذاً أوقدت ناقوسها وصليبها\rيرشفينها ريقةً عنبيّةً ... كخلق أبي الهادي روت عنه طيبها\rفتىً كلّ فخر إن نظرنا قداحه ... وجدنا معلاّها له ورقيبها\rتراه الورى في المحل فرّاج خطبها ... ندىً ولدى فصل الخطاب خطيبها\rإلى الحسن اجتبنا الفلا بنزائع ... خفاف سيثقلن الحقائب نيبها\rحلفت بأيديها لسوف أزيرها ... على الكرخ وضّاح العشايا طروبها\rإذا ما طرحتُ الرّحل عنها بربعه ... غفرت لأيّام الزمان ذنوبها\rأقول: الكرخ: محلّة من محال بغداد، وبغداد تسمّى الزوراء، قيل: سمّيت بذلك لانحراف قبلتها، وتسمّى مدينة السلام، ويقال: إنّ السلام إسم الدجلة، وهي بلدة أحدثها المنصور سنة أربعين ومائة، ونزلها سنة ست وأربعين، وفي سنة تسع وأربعين تمّ بناؤها، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة، وهي بين دجلة والفرات، وبغداد الثانية؛ وهي الجديدة، التي في جانب الشرقي، وفيها دور الخلفاء، وهي عبارة عن سبع محال لا تفتقر محلة منها إلى غيرها على شاطىء دجلة، فالذي في الجانب الشرقي الرصافة؛ بناها المنصور حين ضاقت بالرعية والجند سنة إحدى وخمسين وهي مدينة مسوّرة. الثانية: مدفن أبي حنيفة مسوّرة. والثالثة: جامع السلطان غير مسوّرة. والرابعة: مدينة المنصور في الجانب الغربي وتُسمّى باب البصرة، وكان بها ثلاثون ألف مسجد وخمسة آلاف حمّام. والخامسة: مشهد الإمام موسى بن جعفر ﵇ مسوّرة. والسادسة: الكرخ مسوّرة. والسابعة: دارالقز مسوّرة.\rويقال: إنّ المنصور سمّي بالدوانيقي لأنّه كان يحاسب العملة على الدانق لبخله.\rوالنصارى أُمّة المسيح عيسى بن مريم ﵇.\rقال في كتاب الملل والنحل: أنّه أوحي إليه إبلاغاً عند الثلاثين، وكانت مدّة دعوته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيّام، فلمّا رفع إلى السماء اختلف فيه الحواريون وغيرهم، واختلافاتهم فيه تعود إلى أمرين: أحدهما: كيفيّة نزوله واتّصاله بأُمّه وتجسّد الكلمة.\rوالثاني: كيفيّة صعوده واتّصاله بالملائكة توحّد الكلمة.\rأمّا الأوّل فمنهم من قال أشرق على الجسد إشراق النور على الجسم المشف، ومنهم من قال ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني، ومنهم من قال تدرّع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء. وأثبتوا لله ثلاثة أقانيم، قالوا: الباري تعالى جوهر واحد يعنون به القائم بالنفس لا التحيز والحجمية فهو واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنومية، ويعنون بالأقانيم الصفات كالوجود والحياة والإبن وروح القدس، وإنّما تدرّع وتجسّد دون سائر الأقانيم. وقالوا في الصعود أنّه قتل وصلب، قتله اليهود حسداً وبغياً وإنكاراً لنبوّته ودرجته، ولكنّ القتل ما ورد على الجزء اللاهوتي وإنّما ورد على الجزء الناسوتي كما قالوا. وكمال الشخص ثلاثة أشياء: نبوّة وإمامة ومملكة، وغيره من الأنبياء موصوفين بهذه الخصال الثلاث أو بعضها والمسيح درجته فوق ذلك، لأنّه الابن الوحيد فلا نظير له ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء، وهو الذي غفرت به زلّة آدم ﵇، وهو الذي يحاسب الخلق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855571,"book_id":1863,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":81,"body":"ولهم في النزول خلاف: فمنهم من يقول ينزل قبل يوم القيامة، ومنهم من يقول لا نزول له إلاّ يوم الحساب، وإنّه بعد أن قتل وصلب نزل فرأى شخصه شمعون الصفا، كلّمه وأوصى إليه ثمّ فارق الدنيا وصعد إلى السماء، ومعتقداتهم الفاسدة كثيرة لا داعي إلى الإطالة في ذكرها.\rوالناقوس هو الذي تضرب به النصارى لأوقات الصلواة.\rقال جرير:\rلمّا تذكّرت بالديرين أرَّقني ... صوت الدجاج وضرب بالنواقيس\rوما أحسن قول البحترى في هجائه قوماً من النصارى وذلك حيث يقول:\rدارٌ بها جهل السماح وأنكر ال ... معروف بين شماسمس وقسوس\rلم يسمعوا بالمكرمات ولم ينخ ... في دراهم ضيف سوى إبليس\rأسيافهم خشب وحلف نسائهم ... إمّا حلفن بفيشة القسّييس\rآذانهم وقرٌ عن الداعي إلى ال ... هيجاء مصغيةٌ إلى الناقوس\rوالصليب، قال في مجمع البحرين هو للنصاري هيكل مربّع يدّعون أنّ عيسى ﵇ صلب على خشبة على تلك الصورة، وقيل هو شيء مثلّث كالتماثيل تعبده النصارى.\rقال البحتري يهجو نصرانياً وذكر الناقوس والصليب، وذلك أنّ البحتري إدّعى على ذلك النصراني بدين فأنكره عليه، فقال له البحتري: أحلف بما أحلف به من شعري، ثمّ أنشأ قصيدته التي أوّلها:\rتظنُّ همومي لم تعتلج ... وقد خلج البين من قد خلج\rفخالفت مريم في دينها ... وفارقت ناموسها المنتهج\rإلى أن يقول:\rوخرقت غفورها كافراً ... بمن غزل الثوب أو من نسخ\rوأوقدت ناقوسها والصليب ... تحت عشائك حتّى نضج\rوبكرت تخرؤ في المذبح ال ... كبير وتلطخ تلك الدرج\rوأعظمت ما أعظمته اليهود ... تصلّي لقبلتهم أو تحج\rوأير طماس إذا ما أشضَّ ... في صدع امرأتك المنفرج\rونكت عجوزك حتّى ترد ... في وجهها داخلاً ما خرج\rفقال النصراني: أنا لا أستحلّ أن أعود لسماع مثل هذا فكيف أحلف به، ثمّ خرج إليه من ذلك الدين الذي كان عليه.\rوهجا مهيار الديلمي نصرانياً وذلك أنّه مدح بعض الرؤساء فأحاله في جائزته على عامل عنده وكان نصرانيّاً، ثمّ سافر ذلك الممدوح فمطله النصراني ولم يقضه، فكتب مهيار إلى الرئيس بهذه القصيدة ويذكر فيها قصّته مع النصراني، أوّلها:\rإذا عارضٌ نحو أرض عدل ... وطاب الهواء له واعتدل\rإلى أن يقول منها:\rفخالف أمرك فيما أمرت ... ثقيل إذا خفّ رضوى ثقل\rكأنّي أنا قلت في مريم ... وحاشا لها من بغيّ الحبل\rوهدّمت قبلة ماسرجس ... وأطفأت قنديلها المشتعل\rوشاركت في دم عيسى اليهود ... كما عنده أنّ عيسى قتل\rفقولي في البيت الذي تعرّضت فيه لذكر النصارى وهو: لو أنّ النصارى عاينت نار خدّه الخ، معناه أنّ النصارى لو عاينت نار خدّه لانقلبت مجوساً، وأوقدت ناقوسها وصليبها بمعنى تركت معتقدات النصرانية ودانت بمعتقدات المجوسيّة من عبادة النّار.\rقال أبو تمام:\rوكذاك أهل النّار في الدنيا هم ... يوم القيامة جلُّ أهل النّار\rوقال الصفي الحلّي من جملة موشّحه: فاسقنيها قهوة تكسو الكؤسبسنا الأنواروتميت العقل إذ تحيي النفوسراحة الأسراربنت كرم عتقت عند المجوسفي بيوت النّارغرست كرمتها بين القيانيد أفلاطونوبماء الصرح قد كان يطاندنّها المخزونوعلى ذكر المجوس حكاية أبي الهذيل مع المجوسي روى ذلك السيّد المرتضى في الدرر عن أبي الهذيل قال: قلت لمجوسي: ما تقول في النّار؟ قال: بنت الله، قلت: فما البقر؟ قال: ملائكة الله قصَّ أجنحتها وحطّها إلى الأرض يحرث عليها، قلت: فما الماء؟ قال: نور الله، قلت: فما الجوع والعطش؟ قال: فقر الشيطان وفاقته، قلت: فمن يحمل الأرض؟ قال: بهمن الملك أعظم ملائكة الله، فقلت: ما في الدنيا شرّ من المجوس، أخذوا ملائكة الله فذبحوها ثمّ غسلوها بنور الله ثمّ شووها ببنت الله ثمّ دفعوها إلى فقر الشيطان وفاقته ثمّ سلحوها على رأس بهمن أعزّ ملائكة الله، فانقطع المجوسي وخجل ما لزمه.\rوالقداح سهام الميسر وهي عشرة؛ ثالثها الرقيب وسابعها العلى، ومن ضرب بها فأحرز هذين السهمين فقد فاز بالإنصباء العشرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855572,"book_id":1863,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":82,"body":"وعلى قولنا في هذه المقطوعة: ولدى فصل الخطاب خطيبها، ما روي عن السفّاح أنّه أراد أن يخطب يوماً فارتجّ عليه، كانت أوّل خطبة خطبها، فقال: أيّها النّاس! إنّما اللسان بضعة الإنسان، يكلُّ بكلاله إذا كلَّ، وينفسح بانفساحه إذا انفسح، ونحن أُمراء الكلام، منّا تفرّعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنّا لا نتكلّم هذراً، ولا نسكت حصراً، بل نتكلّم مؤيّدين، ونسكت معتبرين، ثمّ نزل، فبلغ ذلك أبا جعفر أخاه، فقال: لله هو لو خطب بمثل ما اعتذر به لكان من أخطب العرب، وهذا من أبلغ الإعتذار عند استغلاق الكلام وأحسنه.\rوخطب آخر فلمّا بلغ إلى قوله أمّا بعد، أُرتجّ عليه فكرّرها ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإمرأتي طالق ثلاثاً.\rوخطب بعض الأُمراء فلمّا بلغ إلى قوله أمّا بعد، أُرتجّ عليه، فركل المنبر برجله وقال: فتى حروب لا فتى منابر.\rوخطب ثابت مولى يزيد بن المهلّب فارتُجَّ عليه، فنزل وهو يقول:\rفإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنّني ... بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب\rوفي رواية أُخرى:\rفإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنّني ... ضروب بماضي الشفرتين صقيل\rفبلغ ذلك يزيداً فقال: لو قاله على المنبر لكان من أخطب الناس، إنتهى.\rواعلم أنّه ينبغي للمنشىء، شاعراً كان أو كاتباً، أن يتأنّق من قصيدته أو خطبته أو رسالته في ثلاثة مواضع: الإبتداء، والتخلّص، والإنتهاء، وإن كان ينبغي له التأنّق والمحافظة في جميع كلامه، إلاّ أنّ الإهتمام بشأن هذه المواضع الثلاثة ألزم، ورعايته أوجب، لأنّ الإبتداء أوّل ما يقرع السماع ويصافح الذهن، فإن وافق السمع ابتداءً مليحاً أصغى إليه، وربّما اغتفر لأجله بعض التقصير فيما بعد، وإن وافق ابتداءً قبيحاً نفره ومجّه، وربّما توجّه اللوم على صاحبه وإن أجاد فيما بعد. ولأنّ التلخّص؛ وهو الإنتقال ممّا يبقى منتظراً له السامع، مرتقباً كيف يكون، فإن كان حسناً متلايم الطرفين، حرّك من نشاط السامع وأعان على الإصغاء إلى ما بعده وإلاّ فبالعكس. ولأنّ الإنتهاء آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس، فإن كان مختاراً حسناً تلقّاه السمع واستلذّه، وإن كان بخلاف ذلك كان العكس. ولا بأس بالكلام على هذه المواضع الثلاثة مفصّلاً، وذكر بعض المقابح التي اتّفقت للشعراء في أثناء قصائدهم. أقول: أمّا الإبتداء: فقد قال بعض علماء الفن أنّه يُسمّى حسن الإبتداء، ويُسمّى براعة المطلع، وحسن المطلع، وبراعة الإستهلال، وينبغي التأنّق فيه بأن تكون ألفاظه متقاربة في الرقّة والجزالة والعذوبة والسلاسة، وأن تكون متناسبة من غير أن يكتسي اللفظ الشريف المعنى السخيف، ولا اللفظ السخيف المعنى الشريف، بل يصاغان صياغة تلايم وتناسب، وبأن يكون سالماً من التناقض والإمتناع ومخالفة العرف والإبتذال وأمثال ذلك من التعقيد وغيره، وأن يستعمل الألفاظ الرقيقة في ذكر الأشواق ووصف أيّام البعاد وفي استجلاب المودّاة وملاينات الإستعطاف وأمثال ذلك، فمن حسن الإبتداء في تذكار الأحبّة والمنازل قول امرء القيس:\rقفانيك من ذكري حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل\rقالوا: إنّه أبدع فيه لأنّه وقف واستوقف وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت عذب عذب اللفظ حسن السبك، إلاّ أنّهم انتقدوا عليه عدم المناسبة في الشطر الثاني، وقالوا أحسن منه في تناسب القسمين قول النابغة:\rكليني لهمٍّ يا أميمة ناصب ... وليل أُقاسيه بطيّ الكواكب\rفإنّ قسميه متناسبان، وألفاظه متلائمة، وإن كان بيت امرء القيس أكثر معانياً منه، وما سمع أشدّ مباينة من قسمي بيت جميل:\rألا أيّها النوّام ويحكم هبوا ... أُسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ\rولقد قال الرشيد يوماً لبعض ندمائه: هل تعرف بيتاً نصفه بدوي في شملة وباقيه محتب بذلة، فأنشده البيت، فاستحسن ذكره.\rومن حسن الإبتداء قول أشجع السلمي:\rقصرٌ عليه تحيّة وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيّام\rوقول أبي تمام:\rلا أنت أنت ولا الديار ديار ... خفّ الهوى وتولّت الأوطار\rوقول المتنبي:\rأتراها لكثرة العشّاق ... تحسب الدمع خلقة في المئآقي\rوقول الشريف أبي جعفر البياضي مشيراً إلى الإبل:\rرفقاً بهنَّ فما خلقن حديدا ... أوما تراها أعظماً وجلودا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855573,"book_id":1863,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":83,"body":"وأحسنه ما ناسب المقصود، بأن يكون فيه إشارة إلى ما سيق الكلام لأجله، ليكون الإبتداء مشعراً بالمقصود، وهو بهذا الإعتبار يُسمّى براعة الإستهلال، من برع الرجل براعة إذا فاق أصحابه في العلم وغيره، فكأنّ هذا الإبتداء فاق غيره من الإبتداءات التي يستهلّ بها الشعراء فمنه قول أبي محمّد الخازن في تهنئة الصاحب بن عبّاد بمولود لابنته:\rبشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أُفق العلى صعدا\rوقول المتنبّي في التهنئة بزوال المرض:\rالمجد عوفي مذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم\rوقول مهيار المشعر بالإعتذار:\rأما وهواها عذرة وتنصّلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا\rوقول الباخرزي المشعر بالتهنئة في النصر على الأعداء:\rوفت السعود بوعدها المضمون ... وتباشرت بالطائر الميمون\rوعلا لواء المسلمين وشافهوا ... تحقيق آمال لهم وظنون\rوقول أبي الطيب المتنبي في الإعتذار والتهنئة:\rلا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال\rومن البديع الفائق قول أبي تمام يهنّي المعتصم بالله في فتح عمورية، وكان أهل التنجيم زعموا أنّها لا تفتح في ذلك الوقت:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعب\rبيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهنَّ جلاء الشك والريب\rوالعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب\rولولا خوف الخروج عمّا نحن فيه لذكرت هذه القصيدة برمّتها، لأنّها من خيار الشعر وأبلغه وأحسنه.\rولا بأس بذكر ما عيب على بعض الشعراء في ابتداء قصائدهم وفي أثنائها، من وقوع ما لا يليق أن يخاطب به الملوك، وما يتطيّر منه، وما يكون مستثقلاً بسبب تكرار اللّفظ الواحد في البيت لغير تجنيس، وما يتضمّن معنيين حسناً وقبيحاً إلى غير ذلك ممّا تجب المحافظة على اجتنابه، فلقد عيب على امرء القيس قوله:\rغدائره مستشزرات إلى العلا ... تظلّ العقاص في مثنى ومرسل\rلتنافر لفظة مستشزرات وثلها على اللسان وعسر النطق بها.\rورؤبة بن العجّاج في قوله:\rوفاحماً ومرسنا مسرجا ... وكفلاً وعثا إذا ترجرجا\rلفظة \"مسرج\" فيها الغرابة.\rوأبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله العجلي في قوله: الحمد لله العليّ الأجلل قالوا: لفظة \"أجلل\" مخالفة للقياس اللغوي، إذا القياس الأجلّ بالإدغام.\rوالفرزدق في قوله:\rوما مثله في الناس إلاّ مملكا ... أبو أُمّه حيٌّ أبوه يقاربه\rعابوا عليه التعقيد، لأنّ بيته لم يكن ظاهر الدلالة على المراد لهذا الخلل الذي في نظمه.\rوقيل: إنّ ذا الرمّة أنشد عبد الملك قوله: ما بال عينيك منها الماء ينسكب، وكانت عين عبد الملك دائماً تدمع، فتوهّم أنّه خاطبه وعرّض به، فقال له: وما سؤالك عن هذا يابن الفاعلة؟ وأمر بإخراجه.\rوجرير الخطفي لمّا أنشد عبد الملك:\rأتصحو أم فؤادك غير صاحي ... عشيّة همّ صحبك بالرواح\rفقال له عبد الملك: بل فؤادك يابن الفاعلة.\rوالأخطل لمّا دخل على عبد الملك وأنشده: خف القطين فراحوا منك أو بكروا، فقال له: بل منك يابن الفاعلة.\rوكذلك أبوالنجم لمّا أنشد هشاماً وكان أحولاً:\rصعوآء قد كادت ولمّا تفعل ... كأنّها في الأُفق عين الأحول\rظنّ هشام أنّه عرّض به فأمر بضربه، فضُرِب، وقال: أدبه خير من جائزته.\rوأبو عبداة البحتري لمّا أنشد يوسف بن محمّد قوله: لك الويل من ليل بطاءٌ أواخره فقال: بل لك الويل والحرب.\rوابن مقاتل الضرير لمّا أنشد الداعي العلوي: موعد أحبابك بالفرقة غد، قال: بل موعد أحبابك ولك المثل السوء.\rوأنشد أيضاً يوم المهرجان:\rلا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرّة الداعي ويوم المهرجان\rفبطحه وضربه خمسين سوطاً وقال: إصلاح أدبه خير من ثوابه، وأمر بتغيير الإبتداء بأن يقال: إن تقل بشرى فهذي بشريان.\rويقال: إنّه اعترض عليه الداعي بعد ضربه وقال: كان ينبغي أن يؤخّر المصراع الأوّل ويفتتح بالثاني، فقال: أيّها الفاضل! أفضل الذكر لا إله إلاّ الله، فقال: أحسنت أحسنت، وأمر له بصلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855574,"book_id":1863,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":84,"body":"وأبو تمام لمّا أنشد أبو دلف العجلي قصيدته البائية التي ابتداؤها: على مثلها من أربع وملاعب، وكان في المجلس رجل يشنؤه، فقال: لعنه الله والملائكة والناس أجمعين. وكان في أبي تمام حبسة شديدة فانقطع خجلاً.\rونقل صلاح الدين الصفدي أنّ شاعراً أنشد الشريف فخرالدولة ابن أبي الحسن نقيب الطالبيين قصيدة يهنّيه في شهر رمضان، وكان الشريف يتأذّى بالصوم لمرض يجده، فكان ابتداء قصيدته: أيّامنا بك كلّها رمضان، فقال الشريف: طوالٌ والله مشؤمة لديّ، مكروهة عندي، مبغضة إليّ، وحرمه ولم يعطه شيئا.\rودخل أبو إسحاق الموصلي على المعتصم وقد فرغ من بناء قصر، فأنشده:\rيا دار غيرك البلى ومحاك ... ياليت شعري ماالذي أبلاك\rفتطيّر المعتصم من هذا الإبتداء وأمر بهدم القصر على الفور.\rوأبو نؤاس مدح الفضل في قوله:\rأربع البلا إنّ الخشوع لبادي ... عليك وإنّي لم أخنك ودادي\rفتطيّر الفضل من هذا الإبتداء، فلمّا بلغ إلى قوله:\rسلام على الدّنيا إذا ما فقدتموا ... بني برمك من رائحين وغادي\rإستحكم تطيّره ولم يمض أُسبوع إلاّ ونزلت بهم النازلة.\rوقال الثعالبي في يتيمة الدهر: إنّ لأبي الطيب المتنبّي إبتداآت ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي كما نعاها عليه العائبون مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أوّل لقية:\rكفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا\rوفي الإبتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة التي تنفر منها السوقة، فضلاً عن الملوك.\rوقوله أيضاً: أوه بديلٌ من قولتي آها، وهو بحمة العقرب أشبه في افتتاح الكلام في مخاطبته ملكاً.\rوقوله أيضاً:\rآحاد في سداس في آحاد ... ليلتنا المنوطة بالتناد\rوهذا كلام الخطل، ورطانة الرطن، وما ظنّك بممدوح شمر للسماع من مادحه فسك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة، وأيّ هزّة تبقى لذاك؟ وأيّ أريحيّة تبقى لهذا؟ ومن ابتداآته المستبشعة التي تنكّرها بديهة السماع قوله:\rملثّ القطر أعطشها ربوعا ... وإلاّ فاسقها السمَّ النّقيعا\rوقوله أيضاً:\rهذي برزت لنا فهجّت رسيسا ... ثمّ انثنيت وما شفيت نسيسا\rفإنّه لم يرض بحذف النداء من هذي، وهو غير جائز عند النحويين، حتّى ذكر الرسيس والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرودة.\rقال الصاحب بن عبّاد: ذكر الأُستاذ الرئيس يوماً الشعر، فقال: أوّل ما يحتاج فيه حسن المطلع، فإنّ أبا دلباب أنشدني يوم نوروز قصيدة ابتداؤها: أقبر فما طلب النوال بطائل، فتطيّرت من افتتاحه بالقبر وتنغّصت باليوم والشعر.\rقلت: كذا كانت حال ابن مقاتل لمّا مدح الداعي العلوي بقوله: لا تقل بشرى ولكن بشريان، فإنّه نفر من قوله: لا تقل بشرى وقال: أعمى وابتدأ بهذا في يوم المهرجان.\rقال الصاحب: وهي من عيون قصائده التي تحيّر الأوهام.\rوقال ابن ضافر: صنعت قصيدةً بالشام سنة تسع وثمانين ومائة في الملك الأفضل أبي الحسن علي ابن الملك الناصر نورالدين، أوّلها:\rدعها ولا تحبس زمام المقود ... تطوي بأيديها بساط الفدفد\rوأنشدتها لمّن كان بالعسكر من أصحابنا المنتسبين إلى الأدب، فما منهم إلاّ من بذل جهده في نقدها ورمى بأفلاذ كبده فيها فكره، ثمّ حملتها إلى حضرته فصادفت قبولاً واتّفق بعد ذلك أن أنشدتها لابن الأجلّ التكريتي، فلمّا أنشدته البيت الأوّل قال: ما يؤمنك إذا أخذ مدرجها في يده وفتحه فوجد أوّل ما فيها: دعها أن يلقيها من يده ويقول قد فعلت ألست كنت تفتضح؟ قلت: بلى والله ولكن قد وقى الله. قال: وهذا نقدٌ غريب.\rوقال الصاحب بن عبّاد: ما زال الناس يستبشعون قول مسلم بن الوليد:\rسلت وسلت ثمّ سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا\rحتّى جاء المبدع يعني أباالطيب المتنبي فقال:\rوأفقد من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال\rقال: والمصيبة في الراثي أعظم منها في المرثي، وقوله أيضاً:\rعظمت فلمّا لم تكلّم مهابةً ... تواضعت فهو العظم عظماً على عظم\rقال صلاح الدين الصفدي: لو سمّي هذا البيت جبانة لكان لائقاً به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855575,"book_id":1863,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":85,"body":"قال الصاحب بن عبّاد: ما أحسن ما قاله الأصمعي لمّن أنشده:\rفما للنوى جدّ النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة لوصال\rسلّط الله على هذا البيت شاةً تأكل هذا النوى كلّه. وقول أبي الطيب المتنبي أيضاً:\rأُسدٌ فرائسها الأُسود يقودها ... أُسدٌ تصير له الأُسود ثعالبا\rقال ابن رشيق: لا أدري من أين تخلّص من هذه الغابة المملوّة أُسوداً.\rوقوله أيضاً:\rالعارض الهتن ابن العارض الهتن ... ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن\rقال ابن وكيع: لولا انتهاء القافية لمضى في العارض الهتن إلى آدم، وبانتهاء القافية علمنا نهاية عدد آبائه المستحقّين للمدح وهم ثلاثة ويقف هذا الأمر.\rوقوله أيضاً:\rجواب مسائلي أله نظيرٌ ... ولا لك في سؤالك لا إلى لا\rقال الصاحب: إنّ مثل هذا البيت يلج سمعاً وقد سمعت بألفافا وما سمعت باللآلاء حتّى رأيت قائل هذا البيت المتكلّف المتعسّف الضعيف الذي لا يقف حيث يعرف.\rوقوله أيضاً:\rومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنّه بي جاهل\rوقوله أيضاً:\rولا ضعف حتّى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف\rوقوله أيضاً:\rولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام\rوقوله أيضاً:\rوقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل\rوذكر صلاح الدين الصفدي قال: أنشد الصاحب أبوالقاسم ابن عبّاد عضدالدولة قصيدته الملقّبة باللاكنيّة لكثرة ما كرّر فيها \"لكن\" وأوّلها:\rأشبب لكن بالمعالي أشبب ... وانسب لكن بالمفاخر أنسب\rوبي صبوة لكن إلى حضرة العلى ... وبي ظمأ لكن من العزّ أشرب\rفلمّا بلغ إلى قوله فيها:\rضممت على أبناء تغلب تائها ... فتغلب ماكر الجديدان تغلب\rقال عضدالدولة: يكفي الله تطيّراً من قوله تغلب.\rوروى صاحب معاهد التنصيص قال: حدّث أبو دعامة أنّ سلم الخاسر دخل على الرشيد فأنشده قوله: حيّ الأحبّة بالسلام، فقال الرشيد: حيّاهم الله، فقال: أعلى وداع أم مقام؟ فقال الرشيد: حيّاهم الله على أيّ ذلك كان، فأنشده: لم يبق منك ومنهم، إلاّ الجلود على العظام، فقال الرشيد: بل منك ومن أحبابك، وأمر بإخراجه وتطيّر منه ومن قوله، فلم يسمع باقي قصيدته ولا أثابه بشيء.\rومثله في إسائة الأدب قول أبي الطيب المتنبي:\rفغدا أسيراً قد بللت ثيابه ... بدم وبلَّ ببوله أفخاذا\rوقوله أيضاً:\rخف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العوانق\rقال الثعالبي: وذكر البول والحيض ممّا لا يحسن ذكره في مخاطبة الملوك.\rوقول عامر بن شهيد:\rذكرٌ على ذكر يصول ... وصارمٌ يسطو بصارم\rقال ابن ظافر: قد غفل عامرٌ غفلة شديدة، وأساء من حيث ظنّ أنّه أحسن في قوله لممدوحه: ذكر على ذكر.\rوقول أبي الفتوح ابن قلاقس على أنّه شمس علاء وعطارد ذكاء:\rبطلاقة أبدت بصفحة وجهه ... وضح الصباح لمن له عينان\rقالوا: ما علمنا أنّه يجعل في وجهه وضحاً حتّى جاء هذا الفاضح ابن شهيد فجعله على ذكر.\rوقول الصاحب بن عبّاد حين أنشد عضدالدولة ابن بويه الديلمي:\rولو كنت تأذن لي بالمسير ... إذاً نهضت جملة الحاشيه\rسبقت جوادك مدّ الطريق ... وسرت وفي يدي الغاشيه\rفعتب عليه في قوله: في يدي الغاشيه.\rوقول مهيار الديلمي:\rوإنّك مذخور لإحياء دولة ... إذا هي ماتت كان في يدك النشر\rقال صلاح الدين الصفدي: إنّي لأعجب من مهيار الديلمي على جلالة قدره واتّقاد خاطره وحسن تخيّله كيف يقول لممدوحه في يدك النشر.\rوقول أبي بكر الخالدي حين أنشد سيف الدولة قصيدة تأنّق فيها وأحكم ألفاظها بقوافيها، وكان المخنّث حاضراً، فلمّا انتهى فيها إلى قوله:\rوأنكرت شيبة في الرأس واحدة ... فعاد يسخطها من كان يرضيها\rفقال المخنّث: أما تستحي تخاطب الأمير بقولك: واحدة؟ فجنّ الخالدي تعجّباً منه فقال له: ما أقول؟ قال: قل: لائحة أو واضحة. وكان أبوبكر وأبو عثمان الخالديّان من خواص سيف الدولة، فبعث إليهما وصيفاً ووصيفة ومع كلّ منهما بدرة وتخت ثياب مصريّ، فقال أحدهما قصيدة طويلة يشكره على صنيعه، فيها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855576,"book_id":1863,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":86,"body":"لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا ... إلاّ ومالك في النوال حبيس\rخوّلتنا شمساً وبدراً أشرقت ... بهما لدينا الظلمة الحنديس\rرشأ أتانا وهو حسناً يوسفٌ ... وغزالةٌ هي بهجة بلقيس\rهذا ولم تقنع بذاك وهذه ... حتّى بعثت المال وهو نفيس\rأتت الوصيفة وهي تحمل بدرةً ... وأتى على ظهر الوصيف الكيس\rوحبوتنا ممّا أجادت حوكه ... مصرٌ وزادت حسنه تنبيس\rفغدا لنا من جودك المأكول وال ... مشروب والمنكوح والملبوس\rفقال له سيف الدولة: أحسنت إلاّ في لفظة المنكوح فليس هو ممّا يخاطب به الملوك.\rوقال أبوالطيب المتنبي:\rعلَّ الأمير يرى ذلّي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا\rعابوا عليه ذلك حيث جعل ممدوحه ساعياً بينه وبين محبوبته في الوصال، ولا خفاء في دنائة هذه الرتبة، وقد سبقه إلى ذلك أبو نؤاس مع أنّه أقلّ شناعة، وإن كان الكلّ شنيعاً، وذلك حيث يقول:\rسأشكو إلى الفضل ابن يحيى بن خالد ... هواك لعلَّ الفضل يجمع بيننا\rوقد سبقهما إلى ذلك قيس بن ذريح حين طلّق زوجته لبنى وتزوّجت غيره، فندم على ذلك وشبّب بها في كلّ معنى، فرحمه ابن أبي عتيق فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إليه، فقال يمدحه:\rجزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيراً من صديق\rوقد جرّبت إخواني جميعاً ... فما ألفيت كابن أبي عتيق\rسعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن الطريق\rوأطفأ لوعةً كانت بقلبي ... أغصّتني حرارتها بريقي\rفلمّا سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس: أمسك يا حبيبي عن هذا المدح، فما يسمعه أحد إلاّ ويظنّني قوّاداً.\rوقول أبي الطيب المتنبي من قصيدة يرثي أخت سيف الدولة ويعزّيه عنها:\rوهل سمعت سلاماً لي ألمَّ بها ... فقد أطلتُ وما سلمتُ عن كثب\rعابوا عليه وقالوا: ما باله يسلّم على حرم الملوك ويذكر منهنّ ما يذكره المتغزّل.\rوقوله أيضاً من هذه القصيدة:\rيعلمن حين يحبي حسن مبسمها ... وليس يعلم إلاّ الله في الشنب\rقال أبوبكر الخوارزمي: لو عزّاني إنسان في حرم لي بمثل هذا لألحقته بها وضربت عنقه على قبره.\rوقال الصاحب بن عبّاد: مررت لأبي الطيب على مرثية في أُمّ سيف الدولة تدلّ على فساد الحس في سوء أدب النفس، وما ظنّك فيمن يخاطب ملكاً في أُمّه فيقول:\rبعيشك هل سلوت فإنّ قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سالي\rفيتشوّق إليها ويخطي خطاً لم يسبق إليه وإنّما يقول هذا من يرثي بعض أهله فأمّا إستعماله إيّاه في هذه المواضع فدالٌّ على ضعف البصر بمواقع الكلام.\rوفي هذه القصيدة يقول:\rصلاة الله خالقنا حنوطا ... على الوجه المكفّن بالجمال\rقال الصاحب بن عبّاد: لا أدري هذه الإستعارة أحسن أم وجه والدة الملك يرثيها بالجمال أم قوله في وصف قراباتها وجواريها:\rأتتهنّ المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في كحل الدلال\rوقول المتنبي أيضاً من قصيدة أُخرى:\rفلا يحزن الله الأمير فإنّني ... لآخذ من حالاته بنصيب\rقال الصاحب بن عبّاد: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبّي بنصيب من حالاته.\rوقوله أيضاً:\rتبلُّ خدّي كلّما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها\rقالوا: هذه كانت تبصق في وجهه.\rوقوله أيضاً:\rيقلّبهم وجه كلّ سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل\rقيل: إنّ الجزار التغلبي قال عندما سمع هذا البيت: هذه كانت عينها في أُستها.\rوقوله أيضاً:\rكفّي بجسمي نحولاً إنّني رجلٌ ... لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني\rقالوا: فهو إذاً ضرطة تسمع ولا ترى.\rوقول الحاجري:\rومااخضرّ ذاك الخدّ نبتاً وإنّما ... لكثرة ما شقّت عليه المرائر\rفلمّا سمعه الناصر بن العزيز قال: عسى أن يكون الخدّ مسلخاً.\rوقول مهيار:\rفي صدرها حجرٌ وتحت صدارها ... ماءٌ يشف وبنانة تتعطّف\rقالوا: أُنظر إلى قوله: في صدرها حجر، ما أبشعه لما فيه من إيهام الدعاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855577,"book_id":1863,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":87,"body":"هذا خلاصة ما أردنا إيراده من محاسن براعة المطلع ومقابح الإبتداء، وما وقع من الهفوات في أثناء قصائد الشعراء، وهي كثيرة يلزم من الوقوف على جميعها الخروج عمّا نحن فيه، وهذا القدر كاف في التنبيه لمن له لبّ وذهن.\rوأمّا التخلّص ويُسمّى حسن التخلّص، وبراعة التخلّص وحقيقته: الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تلايم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، فإن كان الخروج بغير لطيفة وبغير مناسبة تربط بين الكلامين فهو الإقتضاب ويُسمّى الإقتطاع والإرتجال أيضاً وهو أن ينتقل الناثر والناظم ممّا ابتدء به الكلام إلى ما لا يالائمه، وهذا مذهب الجاهليين والمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام مثل لبيد وحسّان، وبعض الإسلاميّين جرى على منهاجهم في ذلك كأبي تمام وغالب شعر البحتري وغالب شعر أبي نؤاس، فممّا جاء لأبي نؤاس قوله في مدح الأمين:\rيا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن\rسنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن\rظنَّ بي من قد كلّفت به ... فهو يجفوني على الظنن\rنام لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن\rرشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن\rما بدا إلاّ استرقّ له ... حسنه عبداً بلا ثمن\rفاسقني كأساً على عذب ... كرهت مسموعه أُذني\rمن كميت اللون صافية ... خير ما سلسلت في بدن\rما استقرّت في فؤاد فتى ... قد رأى ما لوعة الحزن\rمزجت من صوب غادية ... حلبته الريح من مزن\rتضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسنن\rفهو كما ترى انتقل من وصف الخمرة إلى المديح من غير لطيفة ولا مناسبة تلايم بينهما.\rولأبي عبادة البحتري من قصيدة:\rسقاني الفهوة السلسل ... شبيه الرشأ الأكحل\rمزجت الراح من فيه ... بمثل الراح أو أفضل\rإلى أن قال فيها:\rفلمّاسرّت الراح ... به سمح واسترسل\rوقطع التكّة الرأي ... إذا التكّة لم تحلل\rجزى الله أبا نوح ... جزاء المنعم المفضل\rوهذا كما تراه قد انتقل من وصف محبوبه إلى الدعاء لممدوحه بغير لطيفة ولا مناسبة.\rوأمّا حسن التخلّص الذي نحن بصدده فقد ولع به المتأخّرون فأبدعوا فيه وجاؤوا منه بكلّ غريب، ونحن نذكر من ذلك ما يدلّ على صدق الدعوى.\rقال أبو نؤاس يمدح الخصيب صاحب مصر:\rتقول التي من بيتها خفَّ محملي ... يعزُّ علينا أن نراك تسير\rأما دون مصر للغنا متطلّب ... بلى إنّ أسباب الغنا لكثير\rفقلت لها واستعجلتها بوادرٌ ... جرت فجرى في أثرهنّ عبير\rدعيني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير\rإذا لم تطأ أرض الخصيب ركائبي ... فأيُّ فتىً بعد الخصيب تزور\rفتىً يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أنّ الدائرات تدور\rفما جازه جود ولا حلَّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير\rوهذه القصيدة من طنانات أبي نؤاس، وقد عارضها أحمد بن درّاج القصطلي بقصيدة إن لم تزد عليها في البلاغة فما تنقص عنها، وأمّا ابن فضل الله فقد حكم لها بالمزيّة على قصيدة أبي نؤاس، فمنها قوله:\rألم تعلمي أنّ الثواء هو التوى ... وإنّ بيوت العاجزين قبور\rتخوّفني طول السفار وإنّه ... لتقبيل كفّ العامريّ سفير\rدعيني أرد ماء المفاوز آجناً ... إلى حيث ماء المكرمات نمير\rفإنّ خطيرات المهامة ضمّنٌ ... لراكبها إنّ الجزاء خطير\rولمّا تدانت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أنّةٌ وزفير\rتناشدني عقد المودّة في الهوى ... وفي المهد مبغوم النداء صغير\rعييٌ بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير\rفكلّ مفدات الترائب مرضع ... وكلّ محيّات المحاسن ضير\rعصيت شفيع النفس فيه وقادني ... رواح لتدءآب السرى وبكور\rوطار جناح العيس بي وهفت بها ... جوانح من ذعر الفراق تطير\rلئن ودّعت منّي غيوراً فإنّني ... على عزمتي من شجوها لغيور\rولو شاهدتني والهواجر تلتظي ... عَلَيَّ ورقراق السراب يمور\rأُسلّط حرَّ الهاجرات إذا سطا ... عَلَيّ حرّ وجهي والأصيل هجير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855578,"book_id":1863,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":88,"body":"واستنشق النكباء وهي لواقح ... واستوطىء الرمضاء وهي ثغور\rوللموت في عين الجبان تلوّنٌ ... وللذعر في سمع الجريّ صرير\rلبان لها أنّي من الضيم جازع ... وأنّي على مضّ الخطوب صبور\rولو أبصرتني والسري جلُّ عزمتي ... وجرسي لجنيّ الفلات سمير\rوأعتسف الموماة في غسق الدجى ... وللأسد في غيل الغياض زئير\rوقد حوّمت زهر النجوم كأنّها ... كواعب في خضر الحدائق حور\rودارت نجوم القطب حتّى كأنّها ... كؤسٌ خوال ما لهنَّ مدير\rوقد خيّلت طرق المجرّة أنّها ... على مفرق الليل البهيم قتير\rوثاقب عزمي والظلام مروَّع ... وغضي وأجفان النجوم فتور\rلقد أيقنت أنّ المنى طوع همّتي ... وأنّي بعطف العامري جدير\rوروي أنّ أبا نؤاس لمّا قدم على الخصيب صادف في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدونه مدائح لهم فيه، فلمّا فرغوا قال الخصيب: ألا تنشدنا أبا عليّ؟ قال: أنشدك أيّها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى تلقف ما يؤفكون، فأنشده قوله:\rأجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير\rإلى آخر القصيدة وهي هذه التي تقدّمت، فاهتزّ لها وأمر له بجائزة.\rوأقول: إنّ ما ابتدأ به أبو نؤاس وأحمد بن درّاج وافتتحا به قصيدتيهما وتنقّلا فيهما بتلك المعاني اللطيفة والمقاصد الظريفة من أبلغ تلطّفات الشعراء في التوصّل إلى استعطاف الملوك والأُمراء. وممّن تلطّف في التوصّل لاستعطاف ممدوحه في خطاب زوجته أبو سعيد الرستمي في مدح الصاحب بن عبّاد، وأحببت إيراد ذلك لما فيه من اللطف والظرافة وإن لم يكن ممّا نحن فيه، قال:\rأمنجزتي وعدي فقد رحل الركب ... ولم تتأنَّ العيس أم تقف الصحب\rخليلَيَّ لا تستنكرا طول عتبها ... عَلَيَّ فإنّ الحبّ أكثره عتب\rبنفسي بيضاء العوارض أعرضت ... بوجه كان الشرق من حسنه غرب\rوبين الإزار المرتوي حقتُ رملة ... وبين الوشاح الملتوي غصنٌ رطب\rوتحت لثام الخزّ أنفاسها لظىً ... وفوق رداء الكبر أدمعها سكب\rتبدّت مع الأتراب تدعو على النوى ... وإن لم يكن في الغانيات لها ترب\rتسيل على الخدّ الأسيل دموعها ... وصبٌّ دموع العين يروى به الصبّ\rوقد وكلت إحدى يديها بقلبها ... مخافة أن يرفضَّ من صدرها القلب\rفلمّا أجزنَ الجسر قمن ورائه ... كسرب من الغزلان ليس لها سرب\rوعضّت بدرّ الثغر فضّة معصم ... يكاد يثنيه من الذهب القلب\rوكادت تحطّ الرحل لولا عزيمتي ... وجيهية قب ومهريّة نجب\rوقائلة أذرت مع الكحل دمعها ... إلى أيّ أرض ترحل العيس ظاعناً\rوخلفك أفراخٌ بها ظمأ زغب\rتقِ الله فينا لا تزدنا صبابةً ... ببعد فما نلقاه من كثب حسب\rفقلت ثقي بالله يا أُمَّ معمر ... فبعض الصدى ريٌّوبعض النوى قرب\rإذا ماانخت العيس بالريّ سالماً ... فمشرعنا عذب ومرتعنا خصب\rدعيني وطيي نحوها البيد بالسرى ... يقع طائرانا حيث يلتقط الحَبّ\rألم تعلمي أنّ الحيا من جنابها ... تصوب عزاليه علينا فينصب\rفقالت وجالت في نواحي ردائها ... دموعٌ لها في كلّ ناحية غرب\rفتى رستم لا تذكر البين باسمه ... فديناك إنّ البين أيسره صعب\rإلى أن يقول فيها ويعرض بذكر أولاده وأُمّه ويخاطب ممدوحه:\rإذا سار مشتاقٌ إليك فإنّني ... برأسي أخطو بل على هامتي أحبو\rوما عاقني إلاّ بنون كأنّهم ... فراخ الدَّبي في الجو حدثان مادبوا\rوقائلة من بعد سبعين حجّة ... شفيعي إليك الضعف والسنُّ والرب\rأتترك أُمّاً هامت اليوم أو غداً ... يضيق بها من بعدك البلد الرحب\rمنها:\rسأثني بما أوليتني من صنيعة ... عليك كما يثني على المطر العشب\rوأدررت لي أضعاف ما قد مريته ... بشعري من نعماك فامتلأ القعب\rوعاد إنائي من نوالك فيهقا ... يبل الثرى رشحاً وماانقطع الشخب\rوأسكر أشعاري نداك فرنحت ... بشكرك في الدنيا كما رنح الشرب\rومنها:\rوعمَّ جهات الأرض فيض نواله ... فلم يخل واد من نداه ولا شعب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855579,"book_id":1863,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":89,"body":"جوادٌ له في كلّ أُفق غمامة ... وفي كلّ أرض للندى مشرع عذب\rإذا عدَّ كعب في السماح أبت له ... يمينٌ لها في كلّ أنملة كعب\rوهي طويلة وكلّ أبياتها فرائد غرر.\rوقال أبو محمّد الخازن من جملة قصيدة أوّلها:\rبين المجرَّة والثريّا موقفي ... فتأمّلي ثمّ اعذري أو عنّفي\rهو موقفٌ خفرته أطراف القنا ... وحمته أشفار الحسام المرهف\rواصطفت الأُمراء حول سريره ... مثل الأهلّة والنجوم الوقّف\rوتلألأت شرفاته عن طلعة ... يرتدّ عنا الطرف إن لم يخطف\rما قيل إجلالاً وتعظيماً له ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي\rنظمت ملوك بني بويه لتاجه ... خرزات ملكهم الأغرّ الأشرف\rوبنوا له صعداء مجد طنّبت ... بشبا المهنّد والسنان المرهف\rرمقت جبابرة الملوك يفاعها ... بنواظر من خوفه لم تطرف\rمن كلّ وضّاح الجبين متوّج ... علق بلثم بساطه متشرّف\rغصّت بهم عرصاته فكأنّما ... غصّت بهم عرصات يوم الموقف\rمنها في خطاب محبوبته وهو بالمعنى الذي أوردنا هذا الشعر لأجله، وذلك قوله:\rيا هذه لو شمت برقك لم يكن ... هذا المقام محصّبي ومعرّفي\rولقد سبقت الدهر فيه منشدا ... وكذا الجواد ببذّ شأو المقرف\rلم تثن عبرتك التي غيّضتها ... عزمي ولا نغمات قولك لي قف\rهيهات لم ينقض زماعي لؤلؤ ... أذراه نرجس طرفك المستعطف\rمَنْ مبلغٌ سكني بنجد أنّني ... قد ضقت ذرعاً بالخليل المنصف\rوبلوت أطواد الزمان فلم أجد ... إلاّ الحسام المنتضى خلاًّ يفي\rعرضت لألثمها بخدٍّ ورده ... يصفرُّ أحمره إذا لم يقطف\rفنبا مناط وشاحها عن مخطف ... طاو ومهوى قرطها عن نفنف\rواستحجبت أترابها ثمّ انثنت ... ترنوا بطرف كالغزال الأهيف\rففرشنَ عرض طريقها بغدائر ... تناسب بين محلّق ومصفّف\rورمقنَ من حمر القباب بأعين ... رقعن خرق خصاصها المتكشّف\rونفرنَ من شيبي ولولا نوره ... لضللت في ظلم الشباب المسدف\rشيبٌ يناسبه الربيع منوّراً ... بنهاره وبهاره المستظرف\rلولا بياض النور لم تكن الربى ... وتلاعها إلاّ كقاع صفصف\rكم منّة مشكورة ومبرَّة ... عند الحدائق للغمام الأوصف\rلو لم يحلّ بصوبه عطل الربى ... ما اهتزَّ بين مديح ومفوّف\rكم دوحة لفّآء بين حديقة ... غنّاء في ظلّ الغمام المغدف\rإلى أن يقول:\rوتلثّمت شمس النهار ببرقع ... من طرّتيه والسماء بمطرف\rوالأقحوان الغض يجلو مبسّما ... لولا مغازلة الحيا لم يرشف\rحتّى انتهى إلى قوله:\rفي سدَّة للملك مدَّ رواقها ... علياء فخر الدولة العدل الوفي\rملكٌ حوى الدنيا ببأس عابس ... وتبسّم باد وتدبير خفي\rفحمى قواصيها بعزم ثاقب ... ولوى نواصيها برأي محصف\rولقد أجاد أبو تمام وأحسن ما شاء بقوله في هذا المقام:\rخذي عبرات عينك عن زماعي ... وصوفني ما أذلت من القناع\rأقلّي قد أضاق بكاك ذرعي ... وما ضاقت بنازلة ذراعي\rءألفة النحيب كم افتراق ... أطلَّ فكان داعية اجتماع\rتوجّع إنْ رأت جسمي نحيفاً ... كأنَّ المجد يدرك بالصراع\rفتى النكبات من يأوي إذا ما ... يطفن به إلى خلق وساع\rحتّى قال:\rيثير عجاجة في كلّ ثغر ... يهيم به عديّ ابن الرّقاع\r(بمهديّ بن أصرم) عاد عوري ... إلي أيراقه وامتدَّ باعي\rثمّ نعود إلى ما كنّا في ذكره من التلخّصات البديعية: واعلم أنّ أكملها وأحسنها أن يكون الإنتقال في بيت واحد بحيث لا يفطن السامع إلاّ وهو يرى الشاعر قد انتقل ممّا ابتدأ به إلى ما قصده، وهذا أشبه شيء بالسحر، وما ورد من ذلك للمتقدّمين فقليل، فمن ذلك قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان:\rوركب كأنَّ الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب\rسروا يخبطون الليل وهي تلفّهم ... إلى شعث الأكوار من كلّ جانب\rإذا أبصروا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب\rوقول ذي الرمّة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855580,"book_id":1863,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":90,"body":"سمعت النّاى ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا\rوصيدح اسم ناقته، وبلال ممدوحه؛ وهو ابن أبي موسى الأشعري وكان يمدحه كثيراً.\rوأمّا تخلّصات المتأخّرين من الشعراء فقد اعتنوا بها غاية الإعتناء. قال أبو تمام:\rتقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منّا السرى وخطا المهريّة القود\rأمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا ... فقلت كلاّ ولكن مطلع الجود\rقال صلاح الدين الصفدي: والناس يستحسنون هذا من أبي تمام ويعدّونه من الجيد له، وقد أخذه بلفظه من مسلم بن الوليد واجترأ عليه اجتراء السادة على البعيد، لأنّ مسلم هو البادي وأبو تمام هو العادي، وذلك حيث يقول:\rتقول صحبي وقد جدّوا على عجل ... والخيل تستنُّ بالرّكبان في اللجم\rأمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا ... فقلت كلاّ ولكن مطلع الكرم\rوهذا في غاية الحسن التي تكبوا الفحول دون بلوغها، وتعجز الشعراء عن الظفر بمصوغها، فإنّ عين النهى تصل النظر إلى رفعتها وتتأمّل، ومطايا التخييل تكلُّ عن النهوض بعبئها فتتجمّل وما تتحمّل. وقد أخذه أبو إسحاق الغزي فسبكه فلكبه لمّا قال:\rتقول إذا حثثناها وضلّت ... تناجينا بألسنة الكلال\rإلى أُفق الهلال مسير ركبي ... فقلنا بل إلى أُفق النوال\rفأين معالي الشمس ممّا يحاول؟ وأين الثريّا من يد المتناول؟ ولكن هذه الأشياء يتّفق لها سعادة، فما تعارض ولا تقارض.\rوقال البحتري من جملة قصيدة فريدة:\rإذا باكرته غاديات همومه ... أراح عليها الراح حمراء كالورد\rكأنَّ سناها بالعشيّ لشربها ... تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد\rوبديع قول بديع الزمان:\rأبى المقام بدار الذلّ لي كرمٌ ... وهمّةٌ تصل التوحيد والخببا\rوعزمةٌ لا تزال الدهر ضاربة ... دون الأمير وفوق المشتري طنبا\rوقال بعضهم:\rومدامع تجري فتحسب أنّ في ... آماقهنَّ بنان إسماعيلا\rوقول مهيار:\rفكأنّ دمعي مدّ من أيدي بني ... عبد الرحيم وجودها المستتبع\rوكأنّ ليلي من تقارب طوله ... أسيافهم موصولة بالأذرع\rوقوله أيضاً:\rكأنّما قولنا للبابليّ أدر ... سلافة قولنا للمزيديّ هب\rوقول الشابّ الظريف محمّد بن العفيف من قصيدة يمدح بها ابن عبد الظاهر، مطلعها:\rأرح يمينك ممّا أنت معتقل ... أمضي الأسنّة ما فولاذه الكحل\rيا من ترينا المنايا واسمها نظر ... من السيوف المواضي واسمها مقل\rما بال الحاظك المرضى تحاربني ... كأنّما كلُّ لحظ فارسٌ يطل\rمن دونها كثب من دونها حرس ... من دونها قضب من دونها أسل\rومعشر لم تزل في الحرب تنظرهم ... حمر الخدود وما من شأنها الخجل\rيثني حديث الوغى أعطافهم طرباً ... كأنَّ ذكر المنايا بينهم غزل\rمن كلّ ذي طرّة سوداء يلبسها ... وشيبها من غبار الحرب منتصل\rضائت بحسنهم تلك الخيام كما ... ضائت بوجه ابن عبد الظاهر الدول\rوقول البهاء زهير من قصيدة يمدح بها الأمير نصيرالدين الملطي، مطلعها:\rبها خفرٌ يوم اللقاء خفيرها ... فما بالها ضنّت بما لا يضيرها\rأعادتها أن لا يعاد مريضها ... وسيرتها أن لا يفك أسيرها\rيقول فيها:\rفها أنذا كالطيف فيها صبابة ... لعلّي إذا نامت بليل أزورها\rمن الغيد لم توقد مع الليل نارها ... ولكنّها بين الظلوع سعيرها\rتقاضى غريم الشوق منّي صبابة ... مروعة لم يبق إلاّ يسيرها\rوإنّ الّذي أبقته منّي يد الهوى ... فداء نصير يوم وافى نصيرها\rومنها قول شيخ شيوخ حماة من قصيدة داليّة يمدح بها رسول الله ﵌:\rويلاه من نومي المشرّد ... وآه من شملي المبدّد\rولم يزل يدير على خصور هذه الألفاظ الرقيقة، وشاحات معاينة البديعة، إلى أن قال:\rألبسني نشوة بطرف ... سكرتُ من خمره فعربد\rغصن نقاً حلَّ عقد صبري ... بلين خصر يكاد يعقد\rفمن رأى ذلك الوشاح ال ... صائم صلّى على محمّد\rومن التخلّصات البديعيّة قول القاضي الفاضل من قصيدة يمدح بها بعض الخلفاء المهديين، مطلعها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855581,"book_id":1863,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":91,"body":"ترى لحنيني أو حنين الحمائم ... جرت فحكت دمعي دموع الغمائم\rوهل من طلوع أو ربوع ترحّلوا ... فكلٌّ أراها دارسات المعالم\rدعوا نفس المقروح تحمله الصبا ... وإن كان يهفو بالغصون النواعم\rتأخّرت في حمل السلام عليكم ... لديها لما قد حمّلت بسلالم\rفإنَّ فؤادي بعدكم قد فطمته ... من الشعر إلاّ مدحه لابن فاطم\rومن الجيّد قول بعضهم وفيه قلب الحروف:\rقيل كلّ القلوب من ... رهب الحب تضطرب\rقلت هذا تخرّصٌ ... قلب بهرام ما رهب\rوأمّا براعة الختام؛ وهو الذي سمّاه التيفاشي حسن المقطع، وسمّاه ابن أبي الأصبع الختام، وسمّاه صاحب التلخيص حسن الإنتهاء، فهو عندهم عبارة عن أن يختم المنشىء إنشائه بأحسن كلام يحسن السكوت عليه، ولا ينتظر المخاطب غيره، ولقد أحسن الحريري المحافظة على ذلك في مقاماته. وأمّا أواخر السور فممّا لا يجاري لأنّها وردت على أكمل الوجوه من الإبتداء والإنتهاء، وكيف لا وهو كلام ملهم الكلام.\rوأمّا براعة الكلام في الشعر؛ فهي عبارة عن أن يختم القصيدة بأجود بيت يحسن السكوت عليه، لأنّه آخر ما يبقى في الأسماع، وربّما حفظه السامع دون غيره لقرب العهد به، والحذّاق النقّاد يحافظون عليه، قال السيّد الرضي في مدح أبيه:\rأمعثّر الأحداث في أذيالها ... وافاك مدحي والجدود عواثر\rإنّي لأرضى أن تكون ممدّحاً ... وعلاك لا يرضى بأنّي شاعر\rوقال مهيار:\rفبقيتم والحاسدين علاكم ... لا خير في مجد بغير حسود\rوقال أبو نؤاس:\rوإنّي جدير إذ بلغتك بالمنى ... وأنت بما أمّلتُ منك جدير\rفإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلاّ فإنّي عاذرٌ وشكور\rوقال بعضهم:\rبقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبريّة شامل\rوقال الأرجاني:\rبقيت ولا أبقى لك الدهر كاشحاً ... فإنّك في هذا الزمان فريد\rعلاك سوارٌ والممالك معصم ... وجودك طوقٌ والبريّة جيد\rوقال إبراهيم الغزي:\rبقيت بقاء الدهر ما ذرَّ شارق ... وغار جديد المكرمات وأنجدا\rوقال ابن النبيه:\rدمتم بني أيّوب في نعمة ... تحوز بالتخليد حدّ الزمان\rوالله لا زلتم ملوك الورى ... شرقاً وغرباً وعَلَيَّ الضمان\rوقال ابن سنا الملك أيضاً:\rبقيت حتّى تقول الناس قاطبة ... هذا أبو إلياس أم هذا أبوالخضر\rوقال المتنبي:\rوأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلاة ربّك والسلام\rأقول: وقد أوقفناك على خلاصة القول في براعة المطلع وحسن التلخّص والمقطع. فأمّا قصيدتنا التي هي عنوان هذا الباب، فبراعة إستهلالها قولنا:\rقفا حييا بالكرخ عنّي حبيبها ... فياطيب ريّاه الغداة وطيبها\rفهو كما تراه سهل الألفاظ، حسن السبك، متناسب القسمين، مفرغ في قالب العذوبة، مشعر بأنّه في مدح ملك من ملوك بغداد، مقتبل الشبيبة، طيب الضريبة. وكذلك براعة إستهلال الخطبة من كتابنا هذا جائت دالّة على ما بني عليه هذا الكتاب، وذلك قولنا: الحمد لله الذي جعل محمّداً حسن الأخلاق، وهذا من أبرع الإستهلالات وأجودها. وكذلك اشتملت على تخلّص حسن وقع في بيت واحد، وهو قولنا فيها:\rيرشفينها ريقة عنبيّة ... كخلق أبي الهادي روت عنه طيبها\rفهذا كما تراه انتقال من وصف ريقة المحبوب وادّعاء كونها عنبيّة أي خمرة معتصرة من العنب إلى خلق أبي الهادي لأنّها تشبه في عذوبتها خلقه، وإنّ طيبها فائق لأنّها ترويه عن طيبة. وأمّا حسن المقطع فيها فهو هذا الذي يعزّ على الأفكار أن تلد مثله:\rإذا ما طرحت الرحل عنها بربعه ... غفرت لأيّام الزمان ذنوبها\rولنورد ما كان لنا فيهم من النظم على رويّ هذا الباب تكميلاً للفصل.\rأقول: وكتبت إليه معتذراً من تأخّر كتابي إليه:\rقد جنى لي الزمان أعظم ذنب ... وغدا منه شاغلي أن أتوبا\rبخطوب يقول من قد عنته ... هكذا تفحم الخطوب الخطيبا\rليت شعري بم اعتذار محبّ ... قد بدا منه ما يسوء الحبيبا\rفتأمّل في قصّتي وتعجّب ... أفهل هكذا يكون عجيبا\rأنا مستغفرٌ وقد أذنب الده ... ر نأى معرضاً وجئت منيبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855582,"book_id":1863,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":92,"body":"فتجاوز بفضل صفحك عمّن ... لسوى الصفح لم يجيء مستثيبا\rثمّ هب لي جناية الدهر يا من ... لم يلد مثله الزمان وهوبا\rفلقد أقعدتني العلل، حيث أقامني الخجل، ومثلت بي الأمراض، في غيئة من غيره الصدود والأعراض، إلاّ أنّ أملي قبول العذر ممّن فقد بعض أفلاذ كبده، ونزل السقم منه منزلة الصحة من جسده، مع طوارق أُخر، كلّ طارقة منها تقول لا وزر، أيسرها ابتلاء الدهر له بحبسه، مع غير أبناء جنسه، فإنّي منذ فارقت ذلك النادي، وحللت لكن في غير بلادي، مقسم الفكر بين معالجة الأوصاف، ومعالجة انتساخ ذلك الكتاب، وبينا أنا كذلك إذ وردت إليّ تلك الرسائل، ورود الغيث على الجدب الماحل، فلولا أنّها تابعت طروقها، وشفعت برعدها بروقها، لما ألهاني تنسيق الجواب، عن تنميق الكتاب، وإنّها - يا عافاك الله ممّا أشتكيه - وإن كان ورودها إليّ منك، فإنّي قد آثرت الإشتغال بك حتّى عنك، وهذا عذري إليك، وأنا على ثقة من قبوله إذا نشر لديك، وقد جعلت معاني هذه الغادة السحّارة، لما سلف من الذنوب كفّارة.\r\rيا من لويت به يد الخطب ... وبه ثنيت طلايع الكرب\rولقيت حدَّ الحادثات به ... ففللت ذا غرب بذي غرب\rوأرحت آمالي بساحته ... فطرحت ثقل الهم عن قلبي\rبشرى لهاشم حيث سالمني ... فيك الزمان وكان من حربي\rفلتشهد الدنيا وساكنها ... أنّي مخضت لخيرهم وطبي\rوبحسبهم ذمّاً شهادتها ... إنّي لغيرك لم أقل حسبي\rأنت الي آبائه درجوا ... وهم حليُّ عواطل الحقب\rيتناقلون الفخر بينهم ... ندبٌ له يرويه عن ندب\rما زال صبٌّ بالعلا لهم ... يتورَّث العلياء عن صبّ\rحتّى ورثت عظيم سؤددهم ... كرم الغيوث ورفعة الشهب\rفقبضت عن شرف يد الجدب ... وبسطت عن سرف يدالخصب\rومرى مكارمك الثناء كما ... يمري النسيم حلائب السحب\rطبٌّ بأدواء الأُمور لها ... تضع الهناء مواضع النقب\rيفديك كلّ أخي يد هي في ... خصب السنين أليفة الجدب\rلا بالولود ولا اللبون ولا ... بروم غير الشحّ من سقب\rمن لو عصبت بنان راحته ... بالسيف ما درّت على العصب\rماالريح ناعمة الهبوب سرت ... سحراً على نزه من العشب\rبأرقّ منك خلائقاً كرمت ... ممزوجة الصهباءِ بالعذب\rوقلت في أبيه محمّد الصالح هذه الأبيات معرضاً ببعض مناويه ومجاريه:\rفيا نيّر الدنيا الذي في ضيائه ... جلى عن محيّاها ظلام الغياهب\rعجبت لمن يبغي علاك بسعيه ... وما هو من أبناء هذي المطالب\rوما هو إلاّ كالمناسم لوسعت ... مدى الدهر لا تسمو سموّ الغوارب\rوأعجب منه من يجاريك في الندى ... وعندك يغدو باسطاً كفّ طالب\rيهابك إذ تبدو ومرجلُ ظغنه ... من الغيظ يغلي منه خلف الترائب\rويطرق إجلالاً بحيث تظنّه ... قد انعقدت أهدابه بالحواجب\rفحسبك فخراً إنّ عرقك ينتمي ... لعرق علىً في طينة العزّ ضارب\rولو بنداك البحر يقرن لم يكن ... بجنب نداك البحر نهلة شارب\rوقال عمّنا المهدي في أبيه الصالح أيضاً، وينحو فيها تفضيله على كرماء العرب:\rلك الله إنْ كرماء العرب ... أرت قومها في قراها العجب\rوإنّ في ليالي الشتاء التي ... على أنفه الكلب لفَّ الذنب\rأماجدها أوقدت نارها ... لعلّ لها طارق تجتلب\rوإنْ ماجدٌ منهم قد رأى ... بإيقاده النّار ما قد طلب\rفغاية ما عنده ناقة ... يعرقبها من خيار النجب\rويغدو بما صنعته يداه ... من الخير مفتخراً في العرب\rوربع أبي المصطفى دائم ال ... زمان سنا فخره ملتهب\rوطبّق في نوره الخافقين ... وقال هلمَّ لنهب النشب\rفأين سنا نارها من سنا ... أشعّة أنوار عالي الحسب\rونحرهم بدنات الجمال ... من نحره بدرات الذهب\rويلبث طارقها ليلةً ... وفي الصبح للسير عنها وثب\rووفّاده اختلفت في حماه ... على مقتضى مالها من أدب\rفهذا مقيم وذا قادم ... وذا راحل في بطان الحقب\rويحبوهم بالجليل الخطير ... وينسى الخطير الذي قد وهب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855583,"book_id":1863,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":93,"body":"وإن فخرت حيث راعي الهجان ... على نحره خيرهنَّ انتخب\rعلى أنّ راعيها قد بكى ... على ذعلب كونها تحتلب\rفموقده ودً حوبائه ... لنار القرى أن تكون الحطب\rوليس التي هي بين الورى ... لإظهار ما صنعته تحب\rكمَنْ لصنايعه الباهرات ... يرى سترهنَّ عليه يجب\rفيكتمها وهي تبدو كما ... بدت في الدجى زاهرات الشهب\rوقال أيضاً وينحو فيها تفضيله على ملوك الحضر:\rأمَنْ تدخل الوفد من بابه ... ولم تخش دفعة بوّابه\rكمَنْ قد تعمّد في سدّه ... عن الوافدين بحجّابه\rومَنْ فرحاً يلتقي الوافدين ... التقاء محب لأحبابه\rويغمره من نداه بما ... يفوت السحاب بتسكابه\rكمنْ عن عطاياه أضحى يذبّ ... بغرب اللسان وقرضابه\rوصيّر من دونها أرقم ال ... منايا يصرُّ بأنيابه\rأَمَنْ دون أمواله عرضه ... تراه مباحاً لنهّابه\rوغادر ألسنَ أعدائه ... ثناها كألسن أحبابه\rوخير الورى من بأمواله ... يصون كرائم أحسابه\rسل الفخر إن شئت عن بيته ... يقل لك إنّي أدرى به\rلقد ودّت الشهب أن تغتدي ... مدى الدهر أوتاد أطنابه\rفما ابتهر الناس في غيره ... ولا زهت الأرض إلاّ به\rفصل في التهنية\rقلت: وكتبت بها للماجد الصالح مهنياً له بزواج ولده المصطفى:\rجائتك تبسّم والبنان نقابها ... فأرتك بدراً بالهلال منقّبا\rوكأنّما هي حين زفّت كأسها ... شمسٌ تزفُّ من المدامة كوكبا\rعقدت على الوسط النطاق مفوَّقاً ... ولوت على الخصر الوشاح مذهّبا\rأحبب إليك بها عشيقة مغرم ... راض العواذل شوقه فتصعّبا\rهي تلك لاعبة العشاء ومنْ لها ... ألفت بنات الشوق قلبك ملعبا\rأمسيت منها ناعماً بغريرة ... بنسيم ربّاها تعطّرت الصبا\rونديمة لك لو تغنّى باسمها ... حجرٌ لرقّصه غناها مطربا\rسكبت بكاس حديثها من لفظها ... راحاً ألذَّ من المدام وأعذبا\rوترنّمت هزجاً فأطرب لحنها ... قمريَّ مائسة الأراك فطرّبا\rفكأنّها علمت بعرس المصطفى ... فشدت غناً لابن الأراكة أطربا\rفي ليلة طابت فساعة أنسها ... لم تلق عمر الدهر منها أطيبا\rوفد السرور بها لمغنى أصيد ... كرماً يُحيّي الوافدين مرحّبا\rللكرخ ناعمة الهبوب تحمّلي ... منّي سلاماً من نسيمك أطيبا\rوصلي إلى بيت قد انتجع الورى ... منه جناباً بالمكارم معشبا\rبيت على الزوراء يقطر نعمة ... فكأنّه بالغيث كان مطنّبا\rقولي إذا حيّيت فيه أبا الرضا ... فسواك منه هيبةً لن يقربا\rبشراك بسّام العشيّ بفرحة ... ضحكت بها الدنيا إليك تطرّبا\rوجلاً عليك اليمن فيها طلعةً ... غرّاء طالع سعدها لن يغربا\rفاسعد بقرّة ناظريك فقد غدا ... في عرسه المجد الأثيل معجّبا\rأمقيل من لبس الهجير تغرّبا ... ومعرّس السارين تنزع لغّبا\rعجباً لهذا الدهر يصحب بخله ... ولجود كفّك ليس يبرح مصحبا\rوترى جبينك كيف يشرق للندى ... كرماً ويغدو الوجه منه مقطّبا\rأرحبت للأضياف دارة جفنة ... من دارة القمر الوسيعة أرحبا\rوحملت عبأ بني الزمان ولو به ... يعني أبوهم لاستقالك متعبا\rوأما ومجدك حلفة لو لم يكن ... للعالمين سجال جودك مشربا\rنزف اغترافهم البحار وبعدها ... ترك اعتصارهم الغمائم خلّبا\rفمتى تقوم بحارها وقطارها ... لهم مقامك ما جرت وتصبّبا\rيفدي أناملك الرطيبة معجب ... في يبس أنمله بعذلك أسهبا\rلو مسَّ وجه الأرض يبس بنانه ... لرأيته حتّى القيامة مجدبا\rعذبت مذاقة \"لا\" بفيه لبخله ... وبفيك طعم \"نعم\" غدا مستعذبا\rفازادد حتّى في معيشة نفسه ... ضيقاً وللوفّاد زدت ترحّبا\rتسع الزمان بجود كفّك باسماً ... ويضيق صدر الدهر منك مقطّبا\rلو رعت مهجة قلبه وزحمته ... لفطرتها وحطمت منه المنكبا\rولقد جريت إلى العلاء بهمّة ... لم ترضَ عالية المجرّة منكبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855584,"book_id":1863,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":94,"body":"حلّقت حيث الطرف عنك مقصّرٌ ... فصعدت حيث النجم عنك تصوّبا\rولقد تحقّقت اسم غادية الحيا ... فودجت معناه نداك الصيّبا\rوأجّلت فكري في اسم أنفاس الصبا ... فإذا به خلق الرضا قد لقّبا\rسيماء عزّك في أسرّة وجهه ... لله أنت فهكذا من أنجبا\rزيّنت أُفق الفخر منه بكوكب ... ما كان أزهره بفخرك كوكبا\rقد غاض فيض ابن الفرات لجوده ... إذ كان أغزر من نداه وأعذبا\rلا تطر كعباً واطو حاتم طييّ ... وانشر مكارمه تجدها أغربا\rواترك له معناً على ما فيه من ... كرم فمعنٌ لو يراه تعجّبا\rهو خير من ضمّت معاقد حبوة ... وأخوه فخراً خير من عقد الحبا\rطلعا طلوع النيّرين فما رأى ... أُفق المكارم مذ أنارا غيبها\rفعلاهما في المجد أبعد مرتقىً ... ونداهما للوفد أقرب مطلبا\rأبقيّة الكرم الذين سواهم ... لم يتّخذ نهج المكارم مذهبا\rلا زلتم في نعمة ومسرّة ... مادام ظهر الأرض يحمل كبّبا\rقلت في تهنئة محمّد الرضا وقد عوفي من علّة عرضت له وكنت مغرماً بكرم شمائله وشرف فضائله:\rيا نسيم الصبا وريح الجنوب ... روّحا مهجتي بنشر الحبيب\rإنّ روح المحبوب روح لقلبي ... ما لقلبي آس سوى المحبوب\rوعلى البعد منه أن تحملاه ... فعَلَيّ أنفحا به من قريب\rلو سوى نشر يوسف شمَّ يعقو ... ب إذاً لم يزل جوى يعقوب\rوعجيب بمية ذاب قلبي ... ويرى طبّه بنشر المذيب\rليت يا عذبة اللمى من فؤادي ... فيه أطفأت بعض هذا اللهيب\rأو على السفحُ للوداع حبست ال ... ركب مقدارها لفتة من مريب\rمنك لو نلت ساعةً ضمّة التو ... ديع أدركت غاية المطلوب\rوعلى المتن كان منك هلالاً ... حين شرّقتِ جانحاً للغروب\rما لطيف الخيال ضاعف شوقي ... حيث وافى بوعده المكذوب\rفيه جائت من بعد تهويمة الرك ... ب حذراً من عاذل ورقيب\rقلت إنّي وفت فعاد نصيبي ... وصلها والمطال كان نصيبي\rبينما في العناق قد لفنا الشو ... ق ضجيعين في رداء قشيب\rوإذا الوصل في انتباهي أراه ... سرق الإفك من سراب كذوب\rأين ميٌّ منّي وقد عوّذتها ... غلمة الحيّ بالقنا المذروب\rشمس خدر حجابها حين تبدو ... جنح ليل من فرعها الغربيب\rوسوى البدر في الإنارة لولا ... كلف البدر مالها من ضريب\rحسدتني حتّى عيوني عليها ... لو تذكّرتها لأضحت تشي بي\rأو سرْت موهناً إليَّ فظنت ... كلّ نجم في الأُفق عين رقيب\rبوركت ذاالطيب من كثيب حماها ... حملته لنا الصبا في الهبوب\rقال لي الصحب من نشير أتانا ... من حمى الكرخ لا الحمى والكثيب\rمخبراً عن محمّد إن سرى الدا ... ء الذي فيه للحسود المريب\rأيهذا البشير لي حبّذا أنت ... بشيراً يبرء داء الحبيب\rلو سواه روحٌ لجسمي لأتحف ... تك فيه وقلَّ من موهوب\rلي أهديت فرحةً ما سرت قب ... لُ ولا يعدُ مثلها في القلوب\rغرس الدهر قبلها الذنب عندي ... فغدا مثمراً بعفو قريب\rوغريب من الزمان وما زا ... ل لديه اختراع كلّ غريب\rإن أراني وما أراني سواه ... حسنات تجنى بغرس الذنوب\rعجباً كيف أولد النحس سعداً ... شقَّ في نوره ظلام الخطوب\rفمحيا الدنيا غدا وهو طلقٌ ... ما بصافي بياضه من شحوب\rفاحك من غضارة البشر أنساً ... وهو بالأمس موحش التقطيب\rفأبق للمكرمات ما بدت الشمس ... ومالت في أُفقها للغروب\rبسرور صاف وطرف قرير ... ونعيم باق وعيش رطيب\rوقال عمّنا المهدي مهنّياً أباه محمّد الصالح بشفائه من مرض اعتراه:\rإلى عداك سرى عن جسمك الوصب ... وأمَّ يسعى إلى أحبابك الطرب\rوقمت منتعشاً في روح عافية ... بها عرى شانئيك الهمُّ والنصب\rهنّئت في صحّة الجسم الذي بعدت ... من قبل عن مسّه الآثام والريب\rوإنّ عصمته من كلّ مأثمة ... لبرء علّته كانت هي السبب\rبيمنه تتجلّى كلُّ نائبة ... فكيف عنه به لا تنجلي النوب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855585,"book_id":1863,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":95,"body":"فيالها فرحةً منّا تداركت ال ... نفوس من قبل أن يستلّها العطب\rوافى البشير بها يسعى وأنفسنا ... تسعى إليه لما فيها وتقترب\rودَّ الكرام له من فرط بشرهم ... لو أنّهم ملكوا أعمارهم وهبوا\rفأحضرَّ روض الهنا حتّى زهى لهم ... من بعد ما كان مصفرّاً به العشب\rيا ذاالذي زين فيه المجد وهو به ... تزيّنت للمعالي القادة النجب\rما كنت أحسب قوماً يفرحون إذا ... ما اعتلّ من فيه صحَّ المجد والحسب\rمع أنَّ أبياتهم لولاه ما رفعت ... أعمادهنّ ولم يمدد لها طنب\rيا عترة المجد أمّت بيتكم فرحاً ... عذراء ما إن حكتها الخرّد العرب\rجائت تهنّئكم في برء علّة من ... قد شاد بيت علىً من دونه الشهب\rدام السرور لكم فيه ولا برح ال ... سرور عنكم ولا الأفراح والطرب\rفصل في الرثاء\rقلت معزّياً للماجد محمّد الصالح عن كريمة له توفّيت، وهي الّتي مرّ رثائها في حرف الألف في القصيدة الهمزية التي لعمّنا المهدي:\rلحيّ الله دهراً لو يميل إلى العتبى ... لأوسعت بعد اليوم مسمعه عتبا\rولكنّه والشرُّ حشو إهابه ... على شغب إن قلت مهلاً يزد شغبا\rله السوء لم يلبس أخا الفضل نعمةً ... يسرُّ بها إلاّ أعدّ لها السلبا\rعلى الحرّ ملآن من الظغن قلبه ... فبالهمّ منه لم يزل ينحت القلبا\rيطلّ عليه كلّ يوم وليلة ... بقارعة من صرفه تصدع الهضبا\rكأنّ كرام الناس في حلقه شجاً ... وإلاّ قذى بدمي لناظره غربا\rيحاربهم من غير ذنب لنقصه ... فلست أرى غير الكمال لهم ذنبا\rوأصعب حرب منه يوم صروفه ... من الشرف السامي ارتقت مرتقى صعبا\rتخطّت حمى العلياء حتّى انتهت به ... إلى حرم للخطب يشعره رعبا\rوما صدرت إلاّ بنفس نجيبة ... عليها مدى الدهر العلي صرخت غضبى\rأسرّ لها الناعي المفجّع نعيها ... فقامت عليها تعلن النوح والندبا\rوهوَّن فقدان النساء مؤنّب ... يعيب الأسى لو شئت أوسعته ثلبا\rفما كلُّ فقدان النساء بهيّن ... ولا كلّ فقدان الرجال يرى صعبا\rفكم ذات خدر كان أولى بها البقا ... وكم رجل أولى بأن يسكن التربا\rوغير ملوم من يبيت لفقده ... كريمته يستشعر الحزن والندبا\rفكم من أب زانته عفّة بنته ... وكم ولد قد شان والده الندبا\rفساقت بمأثور الكلام له الثنا ... وساق بمنشور الملام له السبا\rبل الخطب فقد الإنجبين ومن له ... بذلك لولا أنّها تلد النحبا\rوربّة نسك بضعة من محمّد ... مضت ما زهت يوماً ولا اتّخذت تربا\rوخبأها فرط الحياء فلم تكن ... تصافح وجه الأرض أذيالها سحبا\rفلو أنّ عين الشمس تقسم أنّها ... لها ما رأت شخصاً لما حلّفت كذبا\rوغير حجاب الخدر والقبر ما رأت ... ولا شاهدت شرقاً لدنياً ولا غربا\rفلم تُدْرَ إلاّ بالسماع حياتها ... وجاء سماعاً أنّها قضت النحبا\rقاما هي العنقاء قلت فصادقٌ ... ولكنْ لسان الإحترام لها يأبى\rوما هي إلاّ بضعة من محمّد ... أجلّ بني الدنيا وأعلاهم كعبا\rوأرحبهم بيتاً وأوسعهم قرىً ... وأطولهم باعاً وأرجحهم لبّا\rرطيب ثرىً منه تحيي وفوده ... محيّاً بأنداء الحيا لم يزل رطبا\rوتلمس منه أنملاً هنَّ للندى ... سحائب فيها علّم المطر السكبا\rبنوا المصطفى أنتم معادن للتقى ... وأرجح أرباب النهى والحجى لبّا\rفلا طرقتكم نكبة بعد هذه ... ولا ساور التبريح يوماً لكم قلبا\rوقلت - وهو من الشعر الأجنبي - في رثاء ولدين صغيرين لي دفنا في مقام ينسب لنبي الله أيّوب:\rيا ثاويين إلى جنب الفرات معاً ... لدى مقام نبيّ الله أيّوب\rأورثتماني وجداً يوم بينكما ... يكاد يقرب منه وجد يعقوب\rفصل في الغزل\rقلت وفيه المبالغة بملازمة الرقيب:\rأيّ وقت به لنفسي تصفو ... لذّة الأُنس في وصال الحبيب\rولو أنّا في الطيف نخلو لأمسى ... معناً حاظراً خيال الرقيب\rالباب الثالث حرف التاء\rوفيه فصول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855586,"book_id":1863,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":96,"body":"فصل في المديح\rقلت فيه هذه البديعة الغرّاء:\rإنّ في الكرخ بين تلك البيوت ... كم لصبّ متيّم من خفوت\rولبيض فضيّة الجسم كم منْ ... وجنات تحمرُّ كالياقوتْ\rيتعطّفنَ عن غصون رشيقات ... ويبسمن عن أغرَّ شتيت\rكلّما أحيت الضحى دعت الشمس ... وقالت لها بغيظك موتي\rمثل موت الحسود غيظا بفخر ال ... حسن الإسم في الورى والنعوت\rماجد يخفض التكرّم منه ... ما علت فيه عنوة الجبروت\rعشقت نفسه مفاكهة العل ... ياء حتّى لقال حبّك قوتي\rلم يزل بيته على أوّل الدن ... يا عيالٌ عليه كلُّ البيوت\rقبلةٌ صلّت القوافي إليه ... قانتات بالمدح أيَّ قنوت\rقد نفى الإثم مصطفى النسك عنه ... مذ بناه على التقى للثبوت\rيابن قوم ما ناضلوا الخصم إلاّ ... شغلوه بسنّة المنكوت\rخلق الناس للكلام ولكن ... خلقوا إن نطقتم للسكوت\rالصب، قال في القاموس: الصبابة هي الشوق أورقته أورقة الهوى، يقال: صببت تصبّ فأنت صبّ وهي صبّة.\rوقال الجوهري: الصبابة رقّة الشوق وحرارته، يقال: رجل صبّ أي عاشق مشتاق، وقد صببت يا رجل بالكسر قال الشاعر:\rولست تصب إلى الظاعنين ... إذا ما صديقك لم يصبب\rوالمتيّم العبد المذلّل. قال في القاموس: تامّته المرأة أو العشق أو الحب تيماً وتيمته تيتيماً عبدته وذلّلته.\rوالخفوت السكون، يقال: خفت الصوت، سكن، ولهذا يقال للميّت خفت إذا انقطع كلامه وسكت فهو خافت، وخفت خفاتاً أي مات فجأةً، قال الشاعر:\rلعمرك إنّي يوم بانوا فلم أمت ... خفاتاً على آثارهم لصبور\rوالخفوت بفتح الخاء، المرأة المهزولة أو التي تستحسن وحدها لا بين النساء.\rقلت: وهذا البيت من جملة أبيات ذكرها السيّد المرتضى في الدرر، قال: إنّ الأصمعي قال: نزلت ذات ليلة في وادي بني العنبر وهو إذ ذاك مغان بأهله (أي أهلٌ بهم) وإذا فتية يريدون البصرة، فأحببت صحبتهم، فأقمت ليلتي تلك عليهم وإنّي لوصب محموم أخاف أن لا أستمسك على راحلتي، فلمّا قاموا ليرحلوا أيقظوني، فلمّا رأوا حالتيى رحّلوا لي وحمّلوني وركب أحدهم ورائي يمسكني، فلمّا أمعن السير تنادوا: ألا فتىً يحدو بنا أو ينشدنا؟ فإذا منشد في سواد الليل بصوت ند (أي مرتفع حزين) :\rلعمرك إنّي يوم بانوا فلم أمت ... خفاتاً على آثارهم لصبور\rغداة المنقى إذ رميت بنظرة ... ونحن على متن الطريق نسير\rفقلت لقلبي حين خفّ به الهوى ... وكاد من الوجد المبرّ يطير\rفهذا ولمّا تمض للبين ليلة ... فكيف إذا مرّت عليه شهور\rوأصبح أعلام الأحبّة دونها ... من الأرض غولٌ نازح ومسير\rوأصبحت نجديّ الهوى متّهم النوى ... أزيد اشتياقاً أن يحنّ بعير\rعسى الله بعد النأي أن يسعف النوى ... ويجمع شملٌ بعدها وسرور\rقال: فسكنت والله الحمّى عنّي حتّى ما أحسّ بها، فقلت لرديفي: أنزل رحمك الله إلى راحلتك فإنّي متماسك، وجزاك الله عن الصحبة خيراً.\rفأمّا قوله: أن يسعف النوى أي يسعفنا بتقريب النوى، فاختصر.\rرَجْعٌ إلى بيان ما لعلّه يحتاج إلى البيان من ألفاظ المقطوعة: المراد بالبيض النساء، وما زالت الشعراء تستحسن وصفهنَّ بالبياض والسمرة، وقد نظمت ذلك كثيراً في أشعارها.\rوقولنا: فضيّة الجسم أي كأنّ جسمها مصوغ من الفضّة لشدّة بياضه.\rوقولنا: وجنات تحمر كالياقوت أي إنّ وجناتها مع بياضها المتقدّم وصفه فيها حمرة كحمرة الياقوت، وهذا من أحسن ما تنعت به مع أنّ إيراده بلفظ تحمرُّ فيه إشعار بأنّ هذه الحمرة من شدّه خجلها حين تعاين كثرة عشّاقها الذين خفتوا أي ماتوا وانقطع كلامهم لشدّة شغفهم بها.\rومعنى يتعطّفن يتمايلن ويتثنين عن قدود حسنة لطيفة كأنّها الأغصان الرشيقة. وإطلاق اسم الأغصان عليها لشدّة الشبه.\rومعنى يتبسّمن عن أغرّ شتيت أي عن ثغر أبيض متباعد الأسنان. قال في القاموس: الشتيت المفرق والمشتت، ومن الثغر المفلج، يقال: هو فلج الأسنان أي متباعدها، ولابدّ من ذكر الأسنان، ولا يقال هو أفلج فقط. وما ألطف قول أبي البحتري وأرشقه:\rولم أنس إذ راحوا مطيعين للنوى ... وقد وقفت ذات الوشاحين والوقف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855587,"book_id":1863,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":97,"body":"ثنت طرفها دون المشيب ومن يشب ... فكلّ الغواني عنه مثنيّة الطرف\rوجنَّ الهوى فيها عشيّة أعرضت ... بناظرتي ريم وسالفتي خشف\rوأفلج برّاق يروح رضا به ... حراماً على التقبيل بسلاً على الرشف\rالبسل، الحلال، والحرام ضدّه، يقال للواحد والجمع والمذكّر والمؤنّث.\rوأمّا قولي: ماجد يخفض التكرّم منه الخ، فهو نظير قول البحتري:\rوتواضع لولا التكرّم عاقة ... عنه علوٌّ لم ينله الفرقد\rوقوله أيضاً:\rمتواضع وأقلُّ ما يعتدّه ... في المجد يوجب نخوة المتكبّر\rوعزّة الجبروت المراد بها عزّة التكبّر، ومن ذلك المتكبّر وهو الذي لا يرى لأحد عليه حقّاً فهو بين الجبريّة والجبروت.\rوالمفاكهة، يقال: فكههم بملح الكلام تفكيهاً، أظرفهم بها، والإسم الفكيهة والفكاهة بالضم، وفكه كفرح فكها وفكاهةً فهو فكه وفاكهة طيب النفس ضحوك أو يحدّث صحبه فيضحكهم. وتفكّه، تعجّب، وفاكهه مازحه، وتفكّهت بالشيء تمنّعت به، والفكه الأشر البطر وكذلك الناعم، والمراد منها هنا الإظراف بملح الكلام أو التمتّع والتنعّم، والأوّل أليق. قال البحتري ولحظ مع الإظراف بملح الكلام طيب النفس:\rومفاكه عبق الكلام كأنّما ... يفضي إليك بلفظ فيه النرجس\rوقال الطغرائي وأراد بالمفاكهة المزاح:\rحلّوا الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت ... بشدّة البأس منه رقّة الغزل\rوقد وقع في قولي منها:\rقبلةٌ صلّت القوافي إليه ... قانتات بالمدح أي قنوت\rمراعات النظير ويُسمّى التناسب، والتوافق، والإيتلاف، والمواخاة؛ وهو جمع أمر وما يناسبه مع إلغاء التضاد وبهذا القيد تخرج المقابلة لأنّ المناسبة بملاحظة التضاد أن يكون كلّ منهما مقابلاً للآخر، فهو في بيتنا هذا قصد المناسبة بذكر الصلواة والقنوت لما تقدّم ذكر القبلة. وقول البحتري:\rكالقسيّ المعطفات بل الإس ... هم مبريّة بل الأوتار\rومعنى البيت أنّه يصف إبلاً أنحلها السرى بحيث صارت من الهزال كالقسيّ بل السهام بل الأوتار لأنّه لمّا ذكر القسيّ ناسب أن يذكر معها ما يناسبها من السهم والوتر وإلاّ فالألفاظ التي يشبه بها في النحول كثيرة مثل الهلال والخلال والعرجون وغير ذلك. قال مهيار الديلمي يصف إبلاً بشدّة النحول:\rقسماً بالمنقبات الحنايا ... شقق الضالّ أو قسيّ النبع\rكلّ جرداء لفّها السير بالسير ... فجائت في النسع مثل النسع\rوالمناسبة في بيت البحتري معنويّة، وهي لفظيّة في قول مهيار الديلمي:\rومدير سيّان عيناه والإبر ... يق فتكاً وريقه والرحيق\rفالمراد بالإبريق هنا السيف البرّاق، وكان يصحّ أن يقال سيّان عيناه والصمصام أو الهندي فاختار الإبريق لمناسبته لفظاً للرحيق إذ الإبريق يطلق على إناء الخمر والرحيق هو الخمر، وهذا ليس من مراعات المعنى في شيء وإنّما هو مراعاة مجرّد اللفظ. ومن أحسن ما ورد في مراعات النظير قول ابن خفاجة يصف فرساً:\rوأشقر يضرم منه الوغى ... بشعلة من شعل البآس\rمن جلنار ناضر جلده ... وأُذنه من ورق الآس\rيطلع للغرّة في وجهه ... حبابةً تضحك في الكاس\rوالمناسبة فيه بين الجلنار والآس والنضارة. وما أبدع قول بعضهم:\rأنتم بنوا طه ونون والضحى ... وبنوا تبارك والكتاب المحكم\rوبنوا الأباطح والمشاعر والصفا ... والركن والبيت العتيق وزمزم\rفإنّه أحسن في المناسبة بين أسماء السور في البيت الأوّل وبين أسماء الأماكن المذكورة في البيت الثاني ولهذا عيب على الطغرائي قوله:\rفيم الإقامة في الزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي\rقال الصلاح الصفدي: أُنظر إلى قلقلة في بيت الطغرائي لأنّه عطف الناقة والجمل على السكن ولو عطف على ذلك ما يناسبه من أهل وولد لكان أحسن وأوقع في النفس. ومن أحسن ما جاء في مراعات النظير قول الشريف الموسوي أبي الحسن الرضي:\rببروق أدراع ورعدِ صوارم ... وغمام قسطلة ووبل دماء\rوبديع قول بعضهم يرثي فقيهاً:\rروضة العلم قطبي بعد ضحك ... والبسي من بنفسج جلبابا\rوهبي النائحات منثور دمع ... فشقيق النعمان بان وغابا\rولأبي العلا المعرّي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855588,"book_id":1863,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":98,"body":"دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطوال الردينيات فافتخر\rفهنّ أقلامك اللاّتي إذا كتبت ... مجداً أتت بمداد من دم هدر\rولبعض شعراء الذخيرة:\rبدار سقتها ديمة أثر ديمة ... فمالت بها الجدران شطراً على شطر\rفمن عارض يبكي ومن سقف مجلس ... يغني ومن بيت يميل من السكر\rومن الغايات قول البديع الهمداني من قصيدة:\rسماء الدجى ما هذه الحدق النجل ... أصدر الدجى حال وجيد الضحى عطل\rإلى أن قال في صفة السرى:\rكأنّ مطايانا سماء كأنّنا ... نجومٌ على أقتادها برجنا الرحل\rومنها:\rكأنَّ السرى ساق كأنّ الكرى طلاً ... كأنّا لها شربٌ كأنّ المنى نقل\rكأنّا جياعُ والمطيُّ لنا فمٌ ... كأنّ الفلا زادٌ كأنّ السرى أكل\rكأنّ ينابيع الثرى ثدي مرضع ... وفي حجرها منّي ومن ناقتي طفل\rكأنّا على أرجوحة في مسيرنا ... لغور بنا يهوي ونجد بنا يعلو\rومنها:\rكأنّ فميى قوسٌ لساني له يدٌ ... مديحي له نزعٌ له أملي نبل\rكأنّ دواتي مطفل حبشيّة ... بناني لها بعلٌ ونقشي لها نسل\rكأنّ يدي في الطرس غوّاص لجله ... بها كلمي درٌّ به قيمتي تغلو\rوما أرشق قول ابن رشيق:\rأصحّ وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم\rأحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كفّ الأمير تميم\rومن المستحسن قول ابن زبلاق في غلام معه خادم يحرسه:\rومن عجب أن يحرسوك بخادم ... وخدّام هذا الحسن من ذاك أكثر\rعذارك ريحانٌ وثغرك جوهر ... وخدّك ياقوت وخالك عنبر\rوردفك مثقال فهل أنت محسن ... عسى مقبلٌ بالوصل يأتي ميسّر\rوما أبدع قول ابن مطروح:\rوليلة وصل خلت ... ويا عاذلي لا تسل\rلبسنا ثياب العناق ... مزرّرةً بالقبل\rومثله قول ابن عماد:\rشقت عليك يد الأسى ... ثوب الدموع إلى الذيول\rوعجيب قول ابن الخشّاب في المستضيء:\rورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت دون الورد وقفة حائم\rظمآن أطلب خفة من زحمة ... والورد لا يزداد غير تزاحم\rوقول ابن شرف في اجتماع البعوض والذباب والبرغوث في مجلس مخاطباً لصاحبه يستهزىء به:\rلك مجلسٌ كملت مسرّتنا به ... للهو لكن تحت ذاك حديث\rغنّى الذباب وظلَّ يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث\rومن النهايات هنا قول القاضي الفاضل:\rفي خدَّه فخٌّ كعطفة صدغه ... والخال حبّته وقلبي الطائر\rرَجْعٌ إلى ذكر باقي أبيات المقطوعة: فأمّا قولي فيها:\rيابن قوم ما ناضلوا الخصم إلاّ ... شغلوه بسنّه المنكوت\rفمعناه أنّ كلاًّ من آبائه منطيق ذو فصاحة وبلاغة ما ناضله خصم إلاّ وقطعه عن الكلام وتركه من شدّة الغيظ والندم مشغولاً بنكت سنّه، ونكت السنّ كناية عن ذلك وكذلك عضّ الإصبع، قال تعالى شأنه: (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظْ) ، وقال بعضهم:\rغيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنّني سبّابة المتندّم\rوقال الرضي:\rتفلي أنامله التراب تعلّلاً ... وأناملي في سنّي المقروع\rوقال أيضاً:\rيعجبني كلّ حازم الرأي لا يط ... مع في قرع سنّه الندم\rوجاء عنهم: رددت يد فلان إلى فيه أي منعته من الكلام. ولا بأس بذكر كنايات أوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج، لأنّ فيها فوائد جليلة، وقد اختصرتها فذكرت أجلّها فائدة وأكثرها دوراناً في كلام الفصحاء: قال أميرالمؤمنين ﵇: العين وكاء السه (السه الأُست) . قال الجوهري: الأُست العجز، وقد يراد به حلقة الدبر، وأصلها سته ولذلك تجمع على أستاه مثل جمل وأجمال، ثمّ قال: وفي الحديث: العين وكاء السه، بحدف عين الفعل، ويروى: وكاء الست، بحذف لام الفعل.\rقال السيّد الرضي: وهذا من الكنايات العجيبة، كأنّه شبّه السه بالوعاء والعين بالوكاء فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء.\rوفي بعض الروايات: إذا نامت العينان استطلق الوكاء. والوكاء رباط القربة.\rويروى ما هذا مضمونه أنّ أباالعلاء المعرّي رقد فحدث منه شيء، فانتبه وبعض الحاضرين يضحك منه، فقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855589,"book_id":1863,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":99,"body":"إذا نامت العينان من متيقّظ ... تراخت بلا شكّ تشارج فقحته\rفمن كان ذاعقل فيعذر نائماً ... ومن كان ذا جهل ففي جوف لحيته\rوقيل: إنّ يحيى بن زياد ومطيع بن أياس وحمّاد الراوية جلسوا على شرب لهم ومعهم رجل منهم فانحلّ وكاؤه، فاستحيى وخرج ولم يعد إليهم، فكتب إليه يحيى بن زياد:\rأَمِنْ قلوص غدت لم يؤذها أحد ... إلاّ تذكّرها بالرمل أوطانا\rخان العقال لها فانبتَّ إذ نفرت ... وإنّما الذنب فيه للذي خانا\rمنحتنا منك هجراناً ومقليةً ... ولم تزرنا كما قد كنت تغشانا\rخفّض عليك فما في الناس ذو إبل ... إلاّ وأينقه يشردن أحيانا\rأقول: وأين خجل هذا من وقاحة بشار بن برد فقد روى عنه أنّه جلس إليه رجل استثقله فأراد أن يخجله ليقوم عنه فضرط وهو بجنبه، ففزع الرجل، فقال له بشار: أسمعت أم رأيت؟ قال: بل سمعت، قال: فلا تصدّق حتّى ترى.\rومن الكنايات المستحسنة قولهم: فلان من قوم موسى إذا كان ملولاً، إشارة إلى قوله تعالى: (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعام واحد) .\rقال أبو نؤاس في امرأة كان يختلف إليها غيره وهو يزورها ولا يعلم، فلمّا وقف على القصّة قال:\rومظهرة لخلق الله ودّاً ... وتلقى بالتحيّة والسلام\rأتيت فؤادها أشكو إليها ... لم أخلص إليه من الزحام\rأظنّك من بقيّة قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام\rوقال آخر:\rفيامن ليس يكفيه صديقٌ ... ولا ألفا صديق كلّ عام\rأظنّك من بقايا قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام\rوقال العبّاس بن الأحنف:\rكتبت تلوم وتستريث زيارتي ... وتقول لست بها كعهد العاهد\rفأجبتها ودموع عيني سجّم ... تجري على الخدّين غير جوامد\rيا فوزُ لم أهجركم لملالة ... عرضت ولا لمقال واش حاسد\rلكنّني جرّبتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد\rويقولون للمكشوف الأمر الواضح الحال \"ابن جلا\" وهو كناية عن الصبح.\rومثله قولهم: فلان قائد الجمل أي إنّه لا يخفى لعظم الجمل وكبر جثّته.\rوفي المثل: ما استتر من قاد جملاً.\rوقالوا: كفى برغائها نداءً.\rومثل هذا قولهم: ما يوم حليمة بسرّ، يقال ذلك في الأمر المشهور الذي لا يستر، يوم حليمة يوم التقى المنذر الأكبر والحارث الغساني الأكبر وهو أشهر أيّام العرب. يقال: إنّه ارتفع فيه من العجاج ما ظهرت معه الكواكب نهاراً. وحليمة اسم امرأة أضيف إليها اليوم لأنّها أخرجت إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب به الداخلين إلى القتال حتّى تفانوا.\rويقال للجارية الحسناء: قد أبقت من رضوان، قال الشاعر:\rجسّت العود بالبنان الحسان ... وتثنّت كأنّها غصن بان\rفسجدنا لها جميعاً وقلنا ... إذ شجتنا بالحسن والإحسان\rحاش لله أن تكوني من الإن ... س ولكن أبقت من رضوان\rوقال نصر بن أحمد البصري من قصيدة:\rتلألأ كالدرّ النقي نفاسةً ... وأشرب خدّاه عقيق حياء\rفأحسبه من حور عدن وإنّما ... أتى هارباً في خلسة وخفاء\rفلم أره إلاّ التفت توقّعاً ... لرضوان خوفاً أن يكون ورائي\rسيؤخذ منّا ليس رضوان تاركاً ... على الأرض حوريّاً وبدر سماء\rويقولون في الشيخ الضعيف: قائد الحمار، إشارة إلى ما أنشده الأصمعي:\rآتي النديّ فلا يقرّب مجلسي ... وأقود للشرف الرفيع حماري\rأي أقوده من الكبر إلى موضع مرتفع لأركبه لضعفي.\rومثل ذلك كنايتهم عن الشيخ الضعيف بالعاجن، لأنّه إذا قام عجن في الأرض بكفّيه، قال الشاعر:\rفأصبحت كنتياً وأصبحت عاجناً ... وشرُّ خصال المرء كنت وعاجن\rقالوا: الكنتي هو الذي يقول كنت أفعل كذا وكنت أركب الخيل يتذكّر ما مضى من زمانه، ولا يكون ذلك إلاّ عند الهرم أو الفقر أو العجز.\rومثله قولهم للشيخ: راكع، ويقال أيضاً للإنسان إذا انتقل من الثروة إلى الفقر: قد ركع.\rويقولون للكبير: يدبُّ له الأرنب، لأنّ من يختل الأرنب ليصيدها يتمايل في مشيته.\rويقولون قيد بفلان البعير، للكبير الذي لا قوّة ليده على أن يصرف البعير تحته على حسب إرادته فيقوده قائد يحمله حيث يريد.\rومن الكناية عن شيب العنفقة قولهم: قد عضَّ على صوفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855590,"book_id":1863,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":100,"body":"ويكنّون عن المرأة التي كبر سنّها فيقولون: قد جمعت الثياب أي تلبس القناع والخمار والإزار، وليست كالفتاة تلبس ثوباً واحداً.\rويكنّون عن الخاضب فيقولون: يسوّد وجه النذير، قال الشاعر:\rوقائلة لي أخضب فالغواني ... تطير من ملاحظة القتير\rفقلت لها المشيب نذير موتي ... ولست مسوّداً وجه النذير\rوزاحم شابّ شيخاً في الطريق، فقال الشاب: كم ثمن القوس؟ يعيره بانحناء الظهر، فقال الشيخ: يابن أخي إن طال بك عمرٌ فسوف تأتيك بلا ثمن، وأنشد لابن أحنف:\rتعيرني وخط المشيب بعارضي ... ولولا الحجول البلق لم تعرف الدهم\rحنى الشيب ظهر فاستمرّت مريرتي ... ولولا انحناء القوس لم ينفذ السهم\rويقولون من رشى القاضي أو غيره: صبّ في قنديله زيتاً، وأنشد بعضهم:\rوعيدُ قضاتنا خبث ومكرٌ ... وزرعٌ حين تسقيه بسنبل\rإذا ما صبّ في القنديل زيت ... تحوّلت القضية للمقندل\rوكان أبو صالح كاتب الرشيد ينسب إلى أخذ الرشى، وكاتب أُمّ جعفر وهو سعدان بن يحيى كذلك، فقال لها الرشيد يوماً: أما سمعت ما قيل في كاتبك؟ قالت: ما هو؟ فأنشد:\rصبّ في قنديل سعدا ... ن مع التسليم زيتا\rوقناديل بنيه ... قبل أن تخفي الكميتا\rقالت: فما قيل في كاتبك أشنع، وأنشدته:\rقنديل سعدان على ضوئة ... فرخٌ لقنديل أبي صالح\rتراه في مجلسه أخوصاً ... من لمحه للدرهم اللائح\rويقولون لمن طلّق ثلاثاً: نجزها بمثلّثة.\rويكنّون عن العزيز وعن الذليل فيقولون: بيضة البلد، فمن يقولها للمدح يذهب إلى أنّ البيضة هي الحوزة والحمى، يقولون: فلان يحمي بيضته أي يحمي حوزته وحمايته، ومن يقولها للذمّ يعني أنّ الواحدة من بيض النعام إذا فسدت تركا أبواها في البلد وذهبا عنها، وقول الشاعر في المدح:\rلكنَّ قاتله من لا كفاء له ... قد كان يُدعى أبوه بيضة البلد\rوقال الآخر في الذم:\rحيا قضاعة لم تعرف لكم نسباً ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد\rويقولون للشيء الذي يكون في الدهر مرّةً واحدةً: هو بيضة الديك.\rويقولون لمن يحمد جواره: جاره جار أبي دؤاد؛ وهو كعب بن مامة الأيادي، كان إذا جاوره رجل فمات وداه، وإن هلك عليه شاة أو بعير خلّفه عليه، فجاوره أبو دواد الأيادي فأحسن إليه، فضُرب به المثل.\rومثل قولهم: هو جليس قعقاع ابن شور، وكان من حديثه أنّه قدم إلى معاوية، فدخل عليه والمجلس غاصّ بأهله ليس فيه مقعد، فقام له رجل من القوم وأجلسه مكانه، فلم يبرح القعقاع من ذلك الموضع يكلّم معاوية ومعاوية يخاطبه حتّى أمر له بمائة ألف درهم فأحضرت إليه فجعلت في جانبه، فلمّا قام قال للرجل القائم له من مكانه: ضمّها إليك فهي لك بقيامك لنا عن مجلسك، فقيل فيه:\rوكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس\rضحوك السنّ إن نطقوا بخير ... وعند الشرّ مطراقٌ عبوس\rويكنّون عن السمين من الرجال: هو جار الأمير، وضيف الأمير، وأصله أنّ الغضبان بن القبعثرى كان محبوساً في سجن الحجّاج، فدعا يوماً فكلّمه فقال له في جملة خطابه: إنّك لسمين يا غضبان! فقال: القيد والرتعة والخفض والدعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن.\rونظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة (والكدنة هي اللحم والشحم) فقال: أرى عليك قطيفة محكمة؟ قال: نعم ذاك عنوان نعمة الله عندي.\rويقولون للكذّاب: هو قموص الحنجرة، يقال: قمص الفرس وغيره استنَّ وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معاً ويعجن برجليه. ويقال: هذه دابّة فيها قماص، سمّي الكذوب بهذا الإسم لأنّ حنجرته تتحرّك من غير رويّة كأنّها فرس قموص.\rويقال: هو زلوق الكبد، والمزلق المكان الذي لا يثبت فيه القدم، ويعنون بهذه الكناية أنّ نحر الكذوب لا يثبت فيه كلام ولا تماسك فيه بل مزلق الكلام ويخرج كيفما كان.\rويقولون فيه أيضاً: هو فاختة البلد من قول الشاعر:\rأكذب من فاختة ... تصيح فوق الكرب\rوالطلع لم يبدُ لها ... هذا أوان الرطب\rوقال آخر في المعنى:\rحديث أبي حازم كلّه ... كقول الفواخت جاء الرطب\rوهنَّ وإن كنَّ يشبهنه ... فليس يدانينه في الكذب\rويكنّون عن النمام بالزجاج لأنّه يشفُّ عمّا تحته، قال الشاعر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855591,"book_id":1863,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":101,"body":"أنمُّ بما إستودعته من زجاجة ... يرى الشيء فيها ظاهراً وهو باطن\rويكنّون عنه بالنسيم، قال الآخر:\rوإنّك كلّما استودعت سرّاً ... أنمُّ من النسيم على الرياض\rويقولون: إنّه لصبح، وإنّه لطيب. قال بعضهم: يقال ذلك لأنّ الصبح لا يكتم ضوئه، والطيب لا يكتم ريحه، والنمام لا يكتم حديثاً.\rويقولون: ما زال يقتل له في الذروة والغارب حتّى استسمحت قرونته أي نفسه، والقرونة النفس، والذروة أعلا اسنام، والغارب مقدّمه، ومعناه: يدور من ورائه لخديعته.\rويقولون في الكناية: ما يدري أيّ طرفيه أطول، قيل: هما ذكره ولسانه، وقيل: هما نسب أبيه ونسب أُمّه.\rويقولون: زوده زاد الضب أي لم يزوده شيئاً لأنّ الضب لا يشرب الماء وإنّما يتغذّى بالريح والنسيم ويأكل القليل من عشب الأرض.\rويقولون للمختلفين من الناس: هم كنعم الصدقة، وهم كبعر الكبش، قال عمرو بن لحاء:\rوشعر كبعر الكبش ألف بينه ... لسان دعيّ في القربض دخيل\rوذلك لأنّ بعر الكبش يقع متفرّقاً.\rوقال بعض الشعراء لشاعر آخر: أنا أشعر منك لأنّي أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمّة.\rفأمّا قول جرير في ذي الرمّة: إنّ شعره بعر ظباء ونقط عروس فقد فسّره الأصمعي فقال: يريد أنّ شعره حلوٌ أوّل ما تسمعه فإن كرّر إنشاده ضعف لأنّ أبعار الظباء أوّل ما تشمّ توجد لها رائحة ما أكلت من الجثجاث والشيح والقيصوم فإذا أدمت شمّها عدمت تلك الرائحة، ونقط العروس إذا غسلتها ذهبت.\rويقال أيضاً في المختلفين هم أولاد علاّت كالإخوة لأُمّهات شتّى والعلّة الضرّة.\rويقال للمتساويين في الردائة: كأسنان الحمار. وأنشد المبرّد في الكامل لأعرابي يصف قوماً من طي بالتساوي في الردائة:\rولمّا أن رأيت بني جوين ... جلوساً ليس بينهم جليس\rيئست من الذي أقبلت أبغي ... لديهم إنّني رجل يئوس\rإذا ما قلت أيّهم لأيٍّ ... تشابهت المناكب والرؤوس\rقال: فقوله: ليس بينهم جليس هجاء قبيح، يقول: لا ينتجع الناس معروفهم فليس بينهم غيرهم.\rويقال أيضاً للمتساويين في الردائة: هما كحماري العبادي، لأنّه قيل له: أيّ حماريك شرٌّ؟ فقال: هذا ثمّ قال هذا.\rويقال في التساوي في الخير: هم كأسنان المشط، ويقال: وقعاً كركبتي البعير، وكرجلي النعامة.\rوقال ابن الأعرابي: كلّ طائر إذا كسرت إحدى رجليه تحامل على الأُخرى إلاّ النعام فإنّه متى كسرت إحدى رجليه جثم، فلذلك قال الشاعر يذكر أخاه:\rوإنّي وإيّاه كرجلي نعامة ... على ما بنا من ذي غنىً وفقير\rوقال أبو سفيان بن حرب لعامر بن الطفيل وعلقمة ابن علاتة، وقد تنافرا إليه: أنتما كركبتي البعير، فلم ينفر واحد منهما. فقالا: أيّنا اليمنى؟ فقال: كلّ منكما يمنى.\rوسأل الحجاج رجلاً عن أولاد المهلّب أيّهم أفضل؟ فقال: هم كالحلقة الواحدة.\rوسأل ابن دريد عن المبرّد وتغلب فأثنى عليهما، فقيل: فابن القتيبة؟ قال: ربوة بين جبلين، أي خمل ذكره بنباهتهما.\rويقال للمتكفّل بمصالح النّاس إنّه وصيّ آدم على ولده، قال الشاعر:\rفكأنّ آدم عند قرب وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء\rببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء\rويقال خليفة الخضر لمن كان كثير الأسفار.\rويقولون للشيء المنتخب المختار: ثمرة الغراب، لأنّه ينتقي خير الثمر.\rويقولون: سمنُ فلان في أديمه، كناية عمّن لا ينتفع به أي ما خرج منه يرجع إليه، وأصله أنّ نحياً من السمن انشقَّ في ظرف من الدقيق فقيل ذلك، قال الشاعر:\rترحّل فما بغداد دار إقامة ... ولا عند من أضحى ببغداد طائل\rمحلُّ ملوك سمنهم في أديمهم ... وكلّهم من حلية المجد عاطل\rفلا غرو إن شلّت يد المجد والعلى ... وقلَّ سماحٌ من رجال ونائل\rإذا غضغض البحر الغطامط مائه ... فليس عجيباً أن تغيض الجداول\rويقولون لمن لا يفي بالعهد: فلان لا يحفظ أوّل المائدة، لأنّ أوّلها: (يا أيُّها الّذين آمَنُوا أوْفُوا بالعُقُود) .\rويقولون لمن هو حسن اللباس: لا طائل عنده هو مشجب، والمشجب خشبة القصار التي يطرح عليها الثياب. قال ابن الحجّاج:\rلي سادة طارق السرور بهم ... يطرده اليأس بالمقاليع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855592,"book_id":1863,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":102,"body":"مشاجبٌ للثياب كلّهم ... وهذه عادة المشاقيع\rجائزتي عندهم إذا سمعوا ... شعري هذا كلام مطبوع\rوإنّهم يضحكون إن ضحكوا ... منّي وأبكي أنا من الجوع\rوروي أنّ كيسان غلام أبي عبيدة وفد على بعض البرامكة فلم يعطه شيئاً، فلمّا وافى البصرة قيل له: كيف وجدته؟ قال: مشجباً من حيث ما أتيته وجدته لا طائل عنده.\rويكنّون عن الطفيلي فيقولون: هو ذباب، لأنّع يقع في القدور، قال الشاعر:\rأتيتك زائراً لقضاء حقٍّ ... فحال الستر دونك والحجاب\rولست بواقع في قدر قوم ... وإن كرهوا كما يقع الذباب\rوظريف قول الآخر:\rوأنت أخو السلام وكيف أنتم ... ولست أخا الملمّات الشداد\rوأطفل حين تجفى من ذباب ... وألزم حين تدعى من قراد\rويكنّون عن القصير القامة بأبي زبيبة، وعن الطويل بخيط الباطل، وكانت كنية مروان بن الحكم لأنّه كان طويلاً مضطرباً. ولهم في تفسير خيط الباطل قولان: أحدهما: إنّه الهباء الذي يدخل من ضوء الشمس في الكوّة من البيت وتسمّه العامة غزل الشمس.\rوالثاني: إنّه الخيط الذي يخرج من فم العنكبوت وتسمّيه العامّة مخاط الشيطان.\rوتقول العرب للملقوّ: لطيم الشيطان.\rويقولون للحزين المهموم: يعدّ الحصى، ويخط الأرض، ويفتُّ اليرموع، واليرموع هو حجارة بيض رقاق تلمع. قال المجنون:\rعشيّة مالي حيلة غير أنّني ... بلفظ الحصى والخط في الدار مولع\rأخطّ وأمحو كلّ ما قد خططته ... بدمعي والغربان حولي وقّع\rوهذا كالنادم يقرع السنَّ، والبخيل ينكت الأرض ببنانه أو بعود عند الردّ.\rويقولون للفارغ: فؤاد أُمّ موسى، وللمثري من المال: منقرس، لأنّ داء النقرس أكثر ما يعتري أهل الثروة والتنعّم. قال بعضهم يهجو ابن زيدان الكاتب:\rتواضع النقرس حتّى لقد ... صار إلى رجل ابن زيدان\rعلّة إنسان ولكنّها ... قد وجدت في غير إنسان\rويقولون للمترف: رقيق النعل، لأنّ الملك لا يخصف نعله وإنّما يخصف نعله من يمشي، وكذلك: مسمط النعال أي نعله طبقة واحدة غير مخصوف.\rويقولون للسيّد: لا يطؤ على قدم أي هو يتقدّم النّاس ولا يتبع أحداً فيطأ على قدمه.\rويقولون: قد اخضرّت نعالهم أي صاروا في خصب.\rوإذا دعوا على إنسان بالزمانة قالوا: خلع الله نعليه، لأنّ المقعد لا يحتاج إلى نعل.\rويقولون: أطفأ الله نوره كناية عن العمى وعن الموت، لأنّ من يموت قد طفئت ناره.\rويقولون: سقاه الله دم جوفه، دعاءٌ عليه بأن يقتل ولده ويضطرّ إلى أخذ ديتة إبلاً فيشرب ألبانها.\rويقولون: رماه الله بليلة لا أخت لها، يعنون ليلة موته.\rويقولون: قدر حليمه أي لا غليان فيها.\rويقولون: لقيت من فلان عرق القربة أي العرق الذي يحدث من حملها.\rويكنّون عن الحشرات والهوام بجنود السعد، يعنون سعد الأخبية وذلك لأنّه إذا طلع انتشرت في ظاهر الأرض بعد اختفائها.\rويكنّون عن اللقيط بتربية القاضي، وعن الرقيب بثاني الحبيب، لأنّه يرى معه أبداً. قال ابن الرومي:\rموقفٌ للرقيب لا أنساه ... لست أختاره ولا أباه\rمرحباً بالرقيب من غير وعد ... جاء يجلو عَلَيّ من أهواه\rلا أحبّ الرّقيب إلاّ لأنّي ... لا أرى من أحبّ حتّى أراه\rويكنّون عن وجه المليح بحجّة المذنب، قال الشاعر:\rقد وجدنا غفلةً من رقيب ... فسرقنا نظرةً من حبيب\rورأينا ثمّ وجهاً مليحاً ... فوجدنا حجّة للذنوب\rويكنّون عن الجاهل ذي النعمة بحجّة الزنادقة.\rويقولون: عرض فلانٌ على الحاجة عرضاً سابرياً أي خفيفاً من غير استقصاء، تشبيهاً له بالثوب السابري والدرع السابرية.\rويقولون: في ذلك وعدٌ سابري أي لا يقرن به وفاء.\rويقولون: عرض عليه عرض عالة أي عرض الماء على النعم العالة التي شربت شرباً بعد شرب وهو العلل لأنّها تعرض على الماء عرضاً خفيفاً لا تبالغ فيه.\rويكنّون عن الشيب بغبار العسكر، وغبار وقائع الدهر، قال الشاعر:\rغضبت ظلوم وأزمعت هجري ... وصبّت ضمائرها إلى الغدر\rقالت أرى شيباً فقلت لها ... هذا غبار وقائع الدهر\rويقولون: القلم أحد اللسانين، وردائة الحظ إحدى الزمانتين.\rوجاء ينفض مذرويه لمن يتوعّد من غير حقيقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855593,"book_id":1863,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":103,"body":"وجاء ينظر عن شماله أي منهزماً.\rوفلان عندي بالشمال أي منزلته خسيسة.\rوفلان عندي باليمين إذا كان بالمنزلة العليا.\rويقولون: هم في خير لا يطير غرابه، يريدون أنّهم في خير كثير وخصب عظيم فيقع الغراب فلا ينفر.\rوكذلك أمر لا ينادى وليده أي أمر عظيم ينادى فيه الكبار دون الصغار. وقيل: إنّ المرأة تشتغل عن وليدها فلا تناديه.\rويقال: أصبح فلان على قرن أعفر؛ وهو الظبي، يريدون أصبح على خطر لأنّ قرن الظبي لا يصلح مكاناً. وأنشد ابن دريد:\rوما خير عيش لا يزال كأنّه ... معرّس يعسوب برأس سنان\rيعني من القلق وإنّه غير مطمئن.\rويقولون: به داء الظبي أي لا داء به، لأنّ الظبيى صحيح لا يزال والمرض قلّ أن يعتريه. قال الباخرزى:\rكالظبي لولا اعتلالٌ في نواظرها ... والظبي لا يشتكي عارض العلل\rوقال رسول الله ﵌: إيّاكم وخضراء الدمن! فلمّا سئل عنها؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء.\rويقولون للمتلوّن المختلف الأحوال: ظلُّ الذئب، لأنّه لا يزال مرّة هكذا ومرّة هكذا.\rويقولون داء الذئب أي الجوع.\rويقولون عهد فلان عهد الغراب، يعنون أنّه غادر لأنّ كلّ طائر يألف أُنثاه إلاّ الغراب فإنّه إذا باضت الأُنثى تركها وصار إلى غيرها.\rويقولون: ذهب بسمع الأرض وبصرها الى إلى حيث لا يدري.\rويقولون: ألقى عصاه إذا أقام واستقرّ.\rويقولون للمختلفين: طارت عصاهم شققاً.\rويقولون: فلان منقطع القبال أي لا رأي له.\rوفلان عريض البطان أي كثير الثروة.\rوفلان رخيّ اللبب أي في سعة.\rوفلان واقع الطير أي ساكن.\rوفلان شديد الكاهل أي منيع الجانب.\rوفلان ينظر في أعقاب نجم مغرّب أي هو نادم آيس. قال الشاعر:\rولم أرَ ليلى بعد موقف ساعة ... بخيف منى ترمي جمار المخصّب\rويبدي الحصى منها إذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب\rوأصبحت من ليلى الغداة بناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب\rألا إنّما غادرت يا أُمَّ مالك ... صدىً أينما تذهب به الريح يذهب\rويقولون: سقط في يده أي أيقن بالهلكة.\rوأعطاه كذا عن ظهر يداً أي ابتداءً لا عن مكافاة.\rوجاء فلان ناشراً أُذنيه أي جاء طامعاً.\rويقال: هذه فرس غير محلفة أي لا تحوج صاحبها أن يحلف بأنّها كريمة.\rويقال: حلب فلان الدهر أشطره أي مرّت عليه ضروبه خيره وشرّه.\rوأبدى الشرُّ نواجذه أي ظهر. وكشفت الحرب عن ساقيها، وكشرت عن نابيها.\rويقولون: استنوق الجمل، للرجل يكون في حديث فينتقل إلى غيره يخلطه به.\rولمن يهون بعد عزٍّ استأتن العير.\rوللضعيف يقوى استنسر البغاث، إنتهى.\rولنرجع إلى تمام المقطوعة: فأمّا قولي فيها:\rخلق الناس للكلام ولكن ... خلقوا إن نطقتم للسكوت\rفمثله قول مهيار الديلمي:\rإذا نطقتم سكت الناس لكم ... على قوى الأنفاس وامتدادها\rكأنّما ألسنكم لهاذمٌ ... على القنا تشرع في صعادها\rوقوله أيضاً:\rتكلّموا وأرمَّ الناطقون لهم ... لا يؤمرون ولا يعصون ما أمروا\rالفصل الثاني في الغزل\rقلت هذه الأبيات:\rأطال اشتغالي في هواه مهفهف ... أنيق الصبا سبحان مبدع فطرته\rأطالع منه في ليالي فروعه ال ... طوال على مصباح أنوار غرّته\rصحيفة وجه عن فؤادي تجيب في ... حروف معان هنَّ عين مضرّته\rبصادِ فم في نقطة الخال معجم ... ولام عذار تحت تشديد طرّته\rالفصل الثالث في شكوى الزمان وعدم نباهة الحظ\rقلت:\rكم تراني استولد الأوقاتا ... فرجاً في انتظاره الصبر ماتا\rوإذا هبت الحظوظ فحظي ... يقطع الليل والنهار سباتا\rالفصل الرابع في الهجاء\rقلت في ذلك:\rوحشٌ من الإنس من يعلق بصحبتهم ... يكنْ كمستبدل سقماً بصحّته\rكأنّني بينهم مسكٌ أحاط به ... ريح البطون فأخفى طيب نفحته\rوقلت أيضاً:\rأُكرّر طرفي فلا أرى أبداً ... إلاّ غبياً أنّى تلفت\rمن كلّ من ذقنه كعانته ... والفمُّ منه كأنّه أست\rومعجب كلّ مشيه مرح ... ومترف كلُّ أكله سحت\rالباب الرابع في قافية الثاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855594,"book_id":1863,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":104,"body":"وفيها فصلان\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت فيه:\rعشقت ظماء الوشح لا بل غراثها ... تودُّ الثريا أن تكون رعاثها\rمن الخرد الوسنانة اللحظ حرّمت ... على العين منّي أن تذوق حثاثها\rنشت في خدور عنك فتيان عامر ... حمت بذكور المرهفات إناثها\rومرتبعات في رياض كأنّما ... ندى حسن في واسم منه غاثها\rكأخلاقه أزهارها اللاء دبجت ... بوطفاء خلنا من يديه انبعاثها\rشأى في المعالي والمكارم والنهى ... فأحرز غايات الفخار ثلاثها\rهمام به لا قست أبناء عصره ... ومن بالصقور الغلب قاس بغاثها\rتراه بنوا الآمال في المحل غيثها ... وعند طروق النائبات غياثها\rتردّت ثياب العيش فيه قشيبةً ... وعند سواه قد تردّت رثاثها\rمن القوم لا تلقى سوى الحمد كسبها ... وليس ترى إلاّ المعالي تراثها\rمعوَّدة سبق السؤال صلاتها ... فإن هي لم تسبق وإلاّ استراثها\rوكم بفتىً لاثت مأزرها العلى ... فما حمدت إلاّ عليه ملاثها\rأقول: العشق طمع يتولّد في قلب العاشق وكلّما قوي زاد صاحبه في الإهتياج، واشتغل فكره في الآمال في محبوبه، والحرص على طلبه، واللجاج في محبّته حتّى يؤدّيه ذلك إلى الغم المقلق، وينشؤ عن ذلك فساد الفكر، ومعه يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون، وتمنّي ما لا يتم حتّى يؤدّيه إلى الجنون، فربّما قتل نفسه وربّما مات غمّاً، وربّما رأى محبوبه فمات من الفرح.\rواعلم أنّ العشق والهوى والحب وإن كان موردها واحد فقد فرّق فيما بينهما عمرو بن بحر الجاحظ فقال: كلّ عشق يسمّى حبّاً، وليس كلّ حبٍّ يسمّى عشقاً لأنّ العشق اسم لما فضل عن الإقتصاد في الحبّ كما أنّ السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الإقتصاد، والهوى يتفرّع عن الحب، والحب هو المتولّد من أوّل نظرة، قال بعضهم في ذلك:\rالحب أوّله حبٌّ تهيم به ... نفس المحب فيلقى الموت كاللعب\rيكون مبدؤه من نظرة عرضت ... وخطرة قدحت في القلب كاللهب\rكالنار مبدؤها من قدحة فإذا ... تأجّجت أحرقت مستجمع الحطب\rوقال الآخر:\rالحب من سمع ومن لحظة ... وفيه أحلاءٌ وإمرار\rرأيت نار الحب بين الحشا ... تفعل ما لا تفعل النّار\rإن لم تكلّم في الهوى ألسنٌ ... تكلّمت باللحظ أبصار\rوالحب داء ماله حيلة ... وليس فيه للفتى عار\rوقيل: إنّ الحب هو الميل الدائم بالقلب للحبيب ومصاحبته على الدوام، كما قيل:\rومن عجب أنّي أحنُّ إليهم ... وأسأل شوقاً عنهم وهم معي\rوتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي\rوكقول الآخر:\rخيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب\rوالحب هو المحبّة، وأحسن الأقوال في اشتقاقها أنّها مشتقّة من حبّة القلب وهي سويداه، وسمّيت بذلك لوصولها إلى حبّة القلب كما قيل مثل ذلك في الشغف، إنّ الحبّ يسمّى شغفاً إذا بلغ شغاف القلب وهو غشاء على القلب رقيق، وكلّ هذه الأوصاف والأحوال بحسب مراتب الحب. فأمّا كون الحب هو المتولّد من أوّل نظرة فقد قالوا أنّ الرجل قد تمرّ به المرأة فيكون ظاهر هيئتها مشاكلاً لطبعه فتتحرّك نفسه وتنبعث همّته وإذا تكرّر نظره إليها زاد حبّه لها، فإن نظرت إليه نظرة فظنَّ أنّ في نظرها جزءً من هوىً له أو أنّ عليها مسحةً من إعجاب به دخل في عداد العاشقين، وقد أجمعوا على أنّ العشق هو الداء العلياء وما له غير وصل الحبيب من دواء، قال مهيار الديلمي:\rأشتكيكم وإلى من أشتكي ... أنتم الداء فمن يشفي السقاما\rوممّا ورد في وصف العشق ما رواه الهيثم بن عدي قال: أصبت صخرة مكتوب عليها: العشق ملك غشوم، مسلّط ظلوم، دانت له القلوب وانقادت له الألباب، وخضعت له النفوس، فالعقل أسيره، والنظر رسوله، واللحظ لفظه، مستوره غامض، وهو دقيق المسلك، عسر المخرج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855595,"book_id":1863,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":105,"body":"أقول: قوله: واللحظ لفظه يشهد بذلك ما قاله البحتري وذلك أنّ السيّد المرتضى روى في الدرر عن يحيى بن البحتري قال: إنّي انصرفت يوماً من مجلس أبي العبّاس محمّد بن يزيد المبرَّد فقال لي أبي البحتري: ما الذي أفدت يومك هذا من أبي العبّاس؟ فقلت: أملى عَلَيّ أخباراً وأنشدني أبياتاً للحسين بن الضحّاك. قال: أنشدني الأبيات، فأنشدته:\rكأنّي إذا فارقت شخصك ساعةً ... لفقدك بين العالمين غرب\rوقد رمتُ أسباب السلوّ فخانني ... ضميرٌ عليه من هواك رقيب\rأغرَّك صفحي عن ذنوب كثيرة ... وغضي على أشياء منك تريب\rكأنْ لم يكن في الناس قبلي متيّم ... ولم يك في الدنيا سواك حبيب\rإلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن ... لشكواي من عطف الحبيب نصيب\rفقال: هذا من أحسن الكلام يابني، ثمّ أنشدني لنفسه:\rحبيبي حبيب يكتم النّاس أنّه ... لنا حين تلقاه العيون حبيب\rيباعدني في الملتقى وفؤاده ... وإن هو أبدى في البعاد قريب\rويعرض عنّي والهوى منه مقبلٌ ... إذا خاف عيناً أو أشار رقيب\rفتنطق منّا أعينٌ حين نلتقي ... وتخرس منّا ألسنٌ وقلوب\rثمّ قال: أرو يا بني هذا فإنّه من أحسن الشعر وظريفه.\rوقال بعضهم: وقد جعل الدمع كناية تخاطبه بها محبوبته إخفاءً للمحبّة التي بينهما بحيث لا يعلم بهما الوشاة:\rومراعة للبين تحسب أنّها ... قمر على غصن تغيب وتطلع\rكتبت إليك على شقائق خدّها ... سطراً من العبرات ماذا أصنع\rفأجبتها بلسان حال معرب ... ما في الحيوة مع التفرّق مطمع\rوما أحسن قول بعضهم في إخفاء المحبّة وإظهار الصدّ حذر العذال والوشاة:\rوخبّرك الواشون أن لا أحبّكم ... بلى وستور الله ذات المحارم\rأصدُّ وما الصدّ الذي تعلمينه ... عزاء بنا إلاّ اجتراع العلاقم\rحياءً وتقياً أن تشيع نميمةٌ ... بنا وبكم أُفٍّ لأهل النمائم\rوإنَّ دماً لو تعلمين جنيته ... على الحيّ جاني مثله غير سالم\rأما أنّه لو كان غيرك أرقلت ... صعاد القنا بالراعفات اللهاذم\rولكنّه والله ما طلَّ مسلماً ... كبيض الثنايا واضحات الملاغم\rرمين فاقصدن القلوب فلا ترى ... دماً مائراً إلاّ جوىً في الحيازم\rإذا هنَّ ساقطن الحديث حسبته ... سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم\rوقال الطغرائي وقد أبدع غاية الإبداع بنظم يستوقف حسنه العيون والأسماع:\rخبّروها أنّي مرضت فقالت ... مرضاً طارفاً شكى أم تليدا\rوأشاروا بأن تعود وسادي ... فأبت وهي تشتهي أن تعودا\rوأتتني في خيفةً تتشكّى ... ألم الوجد والمزار البعيدا\rورأتني كذا فلم تتمالك ... أن أمالت عَلَيّ عطفاً وجيدا\rقال صلاح الدين الصفدي: هذه الأبيات يرشفها السمع مداماً، ويفضلها السامع على العقود نظاما، ويظنّ الشاعر ألفاتها غصوناً، والهمزات عليها حماما.\rرَجْعٌ إلى وصف العشق: روي أنّ المأمون قال ليحيى بن أكثم: ما العشق؟ فقال يحيى: سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه، ويتواتر بها نفسه. فقال له تمامة: أسكت يا يحيى! إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد صيداً وأمّا هذه فمن مسائلنا نحن. فقال له المأمون: قل يا تمامة! فقال: العشق جليس ممتع، وأليف مونس، وصاحب مالك، ومالك قاهر مسالكه لطيفة، ومذاهبه متضادّة، وأحكامه جائزة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب في خواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس وآرائها، وأعطي زمان طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه. فقال المأمون: أحسنت يا تمامة، وأمر له بألف دينار.\rأقول: قوله: إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق الخ تعريض لطيف لأنّه سُئل في هاتين المسألتين وما اهتدي إلى الجواب عنهما، فقد روي في حديث تزويج المأمون ابنته أُمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ الجواد ﵇ أنّ يحيى بن أكثم قال للمأمون: أتأذن لي أن أسأل أبا جعفر عن مسألة؟ فقال له المأمون: إستأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال له أبو جعفر ﵇: سل إن شئت. قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيداً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855596,"book_id":1863,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":106,"body":"فقال له أبو جعفر ﵇: قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أم جاهلاً؟ قتله عمداً أم خطأ؟ حرّاً كان المحرم أم عبداً؟ صغيراً كان أم كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أم نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النّهار؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أم الحج كان محرماً؟ فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والإنقطاع ولجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فلمّا تفرّق الناس وبقي الخاصة قال المأمون لأبي جعفر ﵇: إن رأيت جعلت فداك أن تذكر ما فصّلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ونستفيده؟ فقال أبو جعفر: نعم، إذا قتل صيداً في الحلّ وكان من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحل فعليه جمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الجمل وقيمة الفرخ، فإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، وإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه للحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه للعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه الإثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة.\rفقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر! أحسن الله إليك! فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك؟ قال: ذاك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلاّ استفدته منك. فقال له أبو جعفر: أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النّهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا كان غروب الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحرمت عليه؟ فقال له يحيى والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه فإن رأيت أن تفيدنا؟ فقال له أبو جعفر ﵇: هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أوّل النّهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهرها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان من نصف الليل طلّقها طلقة واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.\rفقول تمامة: إنّما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم قتل صيداً تعريض له بذلك، معناه أنّك مع ما تسمّيت به من الفقه ولا تعرف الجواب عن مسائله، فكذلك أنت من أهل العشق ولا تحسن وصفه.\rوذكر ابن خلّكان عن بعض المؤرّخين أنّه لم يكن في يحيى بن أكثم ما يعاب به سوى ما كان يتّهم به من الهناة الشائعة عنه المنسوبة إليه.\rقال: ونقلت من أمالي أبي بكر محمّد بن القاسم الأنباري أنّ القاضي يحيى بن أكثم قال لرجل يأنس به ويمازحه: ما تسمع الناس يقولون فيّ؟ قال: ما أسمع إلاّ خيراً. قال: ما أسألك لتزكّيني، قال: أسمعهم يرمون القاضي بالأُبنة، قال: اللهمّ غفراً، المشهور عنّا غير هذا.\rوذكر عنه أنّه كان يحسد حسداً شديداً وكان متفنّناً، فإذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه سأله عن الحديث، وإذا رآه يحفظ الحديث سأله عن النحو، وإذا رآه يعلم النحو سأله عن الكلام ليقطعه ويخجله، فدخل إليه رجل من أهل خراسان ذكيٌّ حافظ، فناظره فرآه متفنّناً، فقال له: نظرت في الحديث؟ قال: نعم، قال: تحفظ من الأُصول؟ قال: نعم أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أنّ عليّاً ﵇ رجم لوطيّاً، فأمسك يحيى عنه ولم يكلّمه.\rقال الخطيب: ودخل على يحيى بن أكثم ابنا مسعدة وكانا على نهاية الجمال، فلمّا رآهما يمشيان في صحن الدار أنشد:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855597,"book_id":1863,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":107,"body":"يا زائرينا من الخيام ... حيّاكما الله بالسلام\rلم تأتياني وبي نهوض ... إلى حلال ولا حرام\rيحزنني إن وقفتما بي ... وليس عندي سوى الكلام\rثمّ أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتّى انصرفا.\rويقال: إنّه عزل عن الحكم بسبب هذه الأبيات.\rقال: ورايت في بعض المجاميع أنّ يحيى بن أكثم مازح الحسن بن وهب وهو يومئذ صبيّ فلاعبه ثمّ جمشه، فغضب الحسن، فأنشد يحيى:\rأيا قمراً جمشته فتغضّبا ... وأصبح لي من تيهه متجنّبا\rإذا كنت للتجميش والعضّ كارهاً ... فكن أبداً يا سيّدي متنقّبا\rولا تظهر الأصداغ للنّاس فتنة ... ولا تجعل منها فوق خدّيك عقربا\rفتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاً ... وتترك قاضي المسلمين معذّبا\rوقال أحمد بن يونس الضبي: كان زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى بن أكثم، وكان غلاماً جميلاً، متناهي الجمال، فقرص القاضي خدّه، فخجل الغلام واستحيى وطرح القلم من يده، فقال له يحيى: خذ القلم واكتب ما أملي عليك، ثمّ أملى الأبيات المذكورة.\rوقال إسماعيل الصفّار: سمعت أبا العينا في مجلس أبي العبّاس المبرّد يقول: كنت في مجلس أبي عاصم النبيل وكان أبوبكر بن يحيى بن أكثم ينازع غلاماً، فقال: إن يسرق فقد سرق أب له من قبل.\rوذكر الخطيب في تاريخه: أنّ المأمون قال ليحيى بن أكثم: من الذي يقول:\rقاض يرى الحدَّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من بأس\rقال: أوما يعرف أميرالمؤمنين قائله؟ قال: لا، قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:\rلا أحسب الجور ينقضي وعلى ... الأُمّة وال من آل عبّاس\rقال: فأفحم المأمون خجلاً وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم إلى السند.\rوهذان البيتان من جملة أبيات أوّلها:\rأنطقني الدهر بعد أخراس ... لنائبات أطلن وسواسي\rيا بؤس للدهر لا يزال كما ... يرفع ناساً يحطُّ من ناس\rلا أفلحت أُمّةٌ وحقَّ لها ... بطول نكس وطول أتعاس\rترضى بيحيى يكون سائسها ... ولى يحيى لها بسوّاس\rقاض يرى الحدَّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من بأس\rيحكم للأمرد الغرير على ... مثل جرير ومثل عبّاس\rفالحمد لله كيف قد ذهب ال ... عدل وقلَّ الوفاء في النّاس\rأميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرأسُ شرُّ ما راس\rلو صلح الدين واستقام لقد ... قام على النّاس كلّ مقياس\rلا أحسب الجور ينقضي وعلى ... الأُمّةِ وال من آل عبّاس\rقال: وحكى أبوالفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ليحيى المذكور وقائع في هذا الباب كثيرة، وأنّ المأمون لمّا تواتر النقل على يحيى بهذا اراد امتحانه، فأخلى له مجلساً واستدعاه وأوصى مملوكاً خزريّاً أن يقف عندهما وحده، وإذا خرج المأمون يقف المملوك عند يحيى فلا ينصرف، وكان المملوك في غاية الحسن، فلمّا اجتمعا بالمجلس وتحادثا وانصرف المأمون كأنّه يقضي حاجته فوقف المملوك، فتجسّس المأمون عليهما، وكان قرّر معه أن يعبث بيحيى علماً منه أنّ يحيى لا يتجاسر عليه خوفاً من المأمون، فلمّا عبث به المملوك سمعه المأمون وهو يقول: لولا أنتم لكنّا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد:\rوكنّا نرجي أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط\rمتى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط\rإنتهى.\rرَجْعٌ إلى ما قيل في وصف العشق: قال الأصمعي: سألت أعرابيّة عن العشق، فقالت: جلَّ والله أن يرى، وخفي عن أعين الورى، فهو في الصدور كامن، كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى.\rوقيل لأبي زهير المدني: ما العشق؟ فقال: الجنون داء أهل الذلّ، وهو داء أهل الظرف.\rوقال بعض الأطبّاء في صفة الحب: الحب امتزاج الروح بالروح، ولو امتزج الماء بالماء لامتنع تخليص بعضه من بعض، فكيف والروح ألطف امتزاجاً وأرقّ مسلكاً.\rوسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو أغمض مسلكاً في القلب من الروح والجسد، وأملك من النفس بالنفس، بطن وظهر، ولطف وكشف، فامتنع عن وصفه اللسان، وعمي عنه البيان، فهو بين السحر والجنون، ولطف المسلك والكمون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855598,"book_id":1863,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":108,"body":"وروى أهل السير أنّ الذين علق الحب قلوبهم وماتوا أو جنّوا هم الذين عشقوا بنات العمّ والجيران في الحداثة، وإنّ ذلك هو العشق الذي لا يزايل صاحبه أبداً حتّى يموت أو يهيم على وجهه، ويشهد بذلك قول المجنون:\rوعلقت ليلى وهي ذات موصد ... ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجم\rصغيرين نرى البهم يا ليت أنّنا ... صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم\rومنه قول جميل:\rعلقت الهوى منها وليداً ولم يزل ... إلى الآن ينمو حبّها ويزيد\rوأفنيت عمري في انتظار نوالها ... وأفنت بذاك العمر وهو جديد\rوكان أوّل ما علق جميلٌ بثينة أنّه أقبل يوماً في إبله فاستقبل وداياً يقال له وادي بغيض فاضطجع وأرسل إبله مصعدة وأهل بثينة في ذنب الوادي، فأقبلت بثينة وجارية لها واردتين الماء فمرّتا على فصال له برّك ففرّقتهنّ بثينة وهي إذ ذاك جويرية صغيرة فسبّها جميل فأقترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:\rوأوّل ما قاد المودّة بيننا ... بوادي بغيض يا بثين سباب\rوقلت لها قولاً فجائت بمثله ... لكلّ كلام يا بثين جواب\rوعن رجل من جهينة أنّه قال: صادفت في الحمّام جميل بثينة وأنا لا أعرفه فقلت: من أنت؟ قال: جميل، فقلت له: أنت الذي تقول:\rلها النظرة الاُولى عليهنّ بسطة ... فإن كرّت الأبصار كان لها العقب\rفقال: نعم أنا الذي أقول:\rترى البزل بكرهنّ الرياح إذا جرت ... وبثنة إن هبّت بها الريح تفرح\rقال: فقلت: إنّي والله لأظنّ أنّ عرقوفيها يذكيان إذا كلّت شفرة الحي، فضحك وقال: يابن أخي! لو رأيتها لوددت أن تلقى الله بهنة منها مصرّاً عليها أبداً.\rوممّا ورد من الأخبار التي تشهد بعفّة أهل العشق المتقدّمين ما رواه سهل بن سعد قال: كنت بمصر وخرجت لحاجة فلقيني صديق لي في بعض الطريق فقال لي: هل لك أن تعدل لعيادة جميل فقد ثقل مرضه؟ قلت: نعم، فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إليّ وقال: يابن سعد! ما نقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب مداماً ولم يسفط دماً حراماً قد أتت عليه خمسون سنة يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله؟ فقلت: من هذا، فإنّي أظنّه ناج من عذاب النّار؟ فقال: أنا ذاك، قلت: يا سبحان الله! ما رأيت كاليوم أعجب من هذا، وما أحسبك تسلم وأنت تسبّب ببثينة منذ عشرين سنةً؟ فقال: إنّي في آخر يوم من أيّام الدنيا وأوّل يوم من أيّام الآخرة فلا نالتني شفاعة محمّد إن وضعت يدي يوماً عليها لريبة، وإنّما أكثر ما يكون منّي إليها أنّي آخذ يديها فأضعهما على قلبي فأستريح إليها، ثمّ أُغمي عليه فأفاق وأنشأ يقول:\rصرخ النعيُّ وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول\rولقد أجرُّ الذّيل في وادي القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل\rقومي بثينة واندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كلّ خليل\rثمّ أُغمي عليه فمات.\rوعن الحافظ أبي محمّد الأموي أنّه قال: كانت عنده امرأة تخدمه، وإنّ فتىً علقها وعلقته، فذاع سراهما وشاع أمرهما، فاجتمعا يوماً فقال لها: هلمّ نحقّق ما قاله فينا الناس، فقالت: لا والله لا كان ذلك أبداً وأنا أقرأ: (الأخلاّءُ يَوْمَئِذ بَعضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إلاّ المُتّقين) .\rوروي عن جميل أنّه قال لبثينة ليرى ما عندها: هل لك يا بثينة أن نحقّق ما قاله فينا النّاس؟ فقالت: مه، إنّ الحبّ إذا نكح فسد، ونظم هذا المعنى بعض الشعراء فقال:\rماالحبّ إلاّ نظرةٌ ... وغمز كفٍّ وعضد\rماالحبّ إلاّ هكذا ... إن نكح الحبّ فسد\rوروي عن الأصمعي أنّه قال: قلت لأعرابيّة: ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: العناق والضمّة والمحادثة والغمزة، ثمّ قالت: يا حضري! كيف هو عندكم؟ قلت: يقعد المحب بين رجلي من يحب ثمّ يجهدها. قالت: يابن أخي! ما هذا عاشق، هذا طالب ولد.\rوسأل رجل أعرابياً عن العشق فقال: هو اللحظة والنظرة ومصّ الريقة ولثم الثغر والأخذ من لطائف الحديث بنصيب، فكيف هو عندكم يا حضري؟ فقال: العضّ الشديد، والجمع بين الركبة والوريد، وهو يوقض النيام، ويوجب الآثام. فقال: تالله ما يفعل هذا العدوّ فكيف الحبيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855599,"book_id":1863,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":109,"body":"وقيل لآخر: ما كنت صانعاً بمن أحببت لو ظفرت به؟ قال: أُحلّ الخمار وأُحرّم ما وراء الإزار، وأُطهّر الحب ما يرضى الرب.\rوقيل لآخر: ما كنت صانعاً بمحبوبتك لو ظفرت بها؟ قال: أضمّها وألثمها وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق عشرين سنة بلذّة ساعة تفنى لذّتها ويبقى عقابها، إنّي إن فعلت ذلك للئيم ولم يلدني كريم.\rوما ألطف وأظرف قول بعضهم:\rوباض الحب في قلبي ... فياويلي إذا فرّخ\rوما أصنع في الحبّ ... إذا لم أنزح البربخ\rوكان العشق أكثر وقوعاً في بني عذرة، ولقد اشتهروا فيه بين القبائل، وصاروا يُضرَب بهم المثل في العشق لكثرة من قتل منهم.\rروي عن محمّد بن جعفر ما هذا ملخّصه أنّه قال: سمعت رجلاً من عذرة يتحدّث عند عروة، فقال له عروة: يا هذا بحقٍّ إنّكم أرقّ النّاس قلوباً؟ قال: نعم، والله لقد تركت في الحي ثلاثين شابّاً خامرهم الموت ما لهم داء إلاّ الحب.\rوروي ما هذا مضمونه عن سعد بن عتبة أنّه حضر في مجلسه رجل فاستغربه، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. فقال: عذريٌّ وربّ الكعبة، ثمّ قال له: ولِمَ كان بكم هذا الداء الذي أهلككم؟ قال: لأنّ في رجالنا صباحة وفي نسائنا عفّة.\rوعنهم ما هذا ملخّصه أنّه قال رجل من فزارة لرجل من عذرة: إنّكم لتعدّون موتكم في الحبّ فضيلةً لكم ومزيّة، وإنّما ذاك من ضعف البنية ووهن العقيدة وسوء الرويّة. فقال العذريّ: أمّا إنّكم لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالأعين الدعج من فوقها الحواجب الزج من تحتها المباسم الفلج تفترّ عن الثنايا الغرّ كأنّها البرد والدر لجعلتموها اللاّت والعزّى.\rواعلم أنّ من المعلوم عند العرب أنّ الشيء إذا عظم كالسيف والرمح والأسد والداهية والخمر عظمت فيه عنايتهم ووضعوا له أسماء وصفاتاً كثيرة، ولمّا كان لا شيء عندهم أعظم من الحب كانت عنايتهم فيه أعظم فوضعوا له صفاتاً وأسماء لا تكاد تحصى وأيسرها ما نقله عنهم الحصيري في بعض مصنّفاته فقال: الحب، والعشق، والهوى، والمقة، والعلاقة، والرقّة، والكئابة، والصبابة، والكرب، والصبوة، والشغف، والتوق، والوله، والكلف، والأسف، والدنف، والجوى، والخلّة، والودّ، والكمد، والسهد، والخبل، والجنون، والتدلية، والنبل، والشجون، والحرق، والرسيس، والأرق، والوجل، والحزن، والتلدد، والبلابل، والوهل، والنبالة، والتبالد، والتنيم، والجزع، والخوف، والوصب، والإكتئاب، والشجن، والهلع، والهيام، والنصب، والغرام، والحسرات، والخلاعة، والتباريح، والغمرات، واللعج، والحنين، والتلهّف، والأنين، واللذع، والندم، والإستكانة، واللوعة، والسقم، والفتون، والتفجّع، والمسُّ، واللمم، والداء المخامر، والضنى المسامر، والعقل المختلس، والنفس المحتبس، واللبّ المسلوب، والدمع المسكوب.\rإنتهى كلامنا على العشق.\rوظماء الوشح وغراثها: الظماء هي العطشانة، والغراث هي الجائعة، ووصف الأوشحة بالعطش والجوع كناية عن دقّة الخصر لأنّ ذلك من الصفات المحمودة في النساء، ويقال: هي مخطفة الحشا ومهضومة الحشا ومرهفة الخصر وعظيمة الكشح، ويقابلون ذلك بارتواء الأرداف والمخلخل، والمراد به الساق. قال امرؤ القيس:\rهصرت بفودي رأسها فتمايلت ... عَلَيّ هظيم الكشح ريّا المخلخل\rوقال أبو تمام:\rفتأبّدت من كلّ مخطفة الحشا ... غيداء تكسى بارقاً ورعاثا\rوقال البحتري:\rأظالمة العينين مظلومة الحشا ... ضعيفة كفّي الخيال المؤرّقا\rوقال أيضاً:\rويقلُّ انتصار من هظمته ... ذات كشح مهفهف مهظوم\rوقال أيضاً:\rأوانس ظمآنةٌ وشحها ... ريّانة خرسٌ خلاخيلها\rوقال الآخر:\rونشوان من خمر الدلال سقيته ... شمولاً فنمت عن هواه الشمائل\rشكى ظمأً منه الموشّح وارتوت ... بماء الصبا أردافه والخلاخل\rوهذا الباب واسع جدّاً.\rوالرعاث هو القرط. قال الأرجاني وقد شبّه القرط بالثريّا:\rتذكر كم ليل لهونا به ... قرطك قد كان ثريّاه\rوقال الأموي:\rبدا والثريّا في مغاربها قرط ... بريق شجاني والدجى لم شمّط\rوإنّما يشبّه القرط بالثريّا لأنّه مثله في الهيئة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855600,"book_id":1863,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":110,"body":"وقولي: حمت بذكور المرهفات إناثها، اشتمل على الطباق، والطباق هو من المحسّنات المعنوية ويُسمّى المطابقة، والتطبيق، والتكافؤ، والتضاد.\rقال ابن الأثير في المثل السائر: وهو؛ يعني الطباق، في المعاني ضدّ التجنيس في الألفاظ لأنّ التجنيس هو اتّحاد اللفظ مع الختلاف المعنى، الطباق هو أن يكون المعنيان ضدّين، وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أنّ المطابقة هي الجمع بين الشيء وضدّه كالسواد والبياض والليل والنهار، والظاهر أنّ المقابلة أعمّ من الطباق؛ فإنّ كلّ طباق مقابلة ولا عكس، لأنّه الجمع بين متضادّين مع مراعاة التقابل فلا يجيء باسم مع فعل ولا العكس وذلك غير ملحوظ في المقابلة، ولأنّ المطابقة هي الجمع بين ضدّين، والمقابلة هي الجمع بين ضدّين فصاعداً، ومن أمثلة مجيئه من إسمين قوله تعالى: (وَتَحْسبُهُم أيقاظاً وهُمْ رُقُود) ، ومن فعلين قوله تعالى: (يُحيي ويُميت) ، وقوله: (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بما آتاكُمْ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمللأنصار: إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع. ومن حرفين قوله تعالى: (لهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ) فإنّ في اللاّم معنى الإنتفاع وفي على معنى التضرّر أي لها ما كسبت من خير وعليها مااكتسبت من شرّ، إنتهى.\rوممّا اتّفق لي من الشعر الأجنبي ما قلته مقرضاً على المنظومات الموسومة ب \"الباقيات الصالحات\" نظم عبد الباقي أفندي العمري في مدح أئمّة العصمة ﵌ وقد مدحته فيها، فقلت:\rأربّ القوافي قد غدا لك مذعناً ... بها محرز الفضل اكتساباً ووارثه\rلو المتنبّي شاهد الحكم التي ... نطقت بها ما شكَّ أنّك باعثه\rهي \"الباقيات الصالحات\" أطائب ال ... قريض ولكن ما سواها خبائثه\rفحسبك منها معجزاً بمديح من ... معاجز كلّ الأنبياء موارثه\rغدت كعصا موسى ولكنّما بها ... قد التقفا سحر القريض ونافثه\rكفى أنّها في أُمّة الشعر قبلةٌ ... إليها قديم النظم صلّى وحادثه\rالفصل الثاني في الإستغاثة\rقلت مخاطباً لأميرالمؤمنين ﵇:\rأميرالمؤمنين أغث صريخاً ... ألمَّ بجنب قبرك مستغيثا\rأتاك يحثُّ ناجية المطايا ... وصرف الدهر يطلبه حثيثا\rالباب الخامس في قافية الجيم\rوفيها فصل واحد في المديح\rقلت فيه:\rفيك العلاء مضيئة أبراجها ... فلأنت بدر سمائها وسراجها\rوبك ابتهاج أسرّة الشرف التي ... لولاك بعد أخيك عطّل تاجها\rأقبلتما تتجاريان لغاية ... لم يستقم لسواكما منهاجها\rسبق الأنام لها وجئت مصلّياً ... ومعاً ملطّمةً أتت أفواجها\rحتّى استوت قدماكما في ذروة ... للمجد عزَّ على الورى معراجها\rهو مصطفى الشرف الذي من بعده ... وجدتك أكرم من عليه معاجها\rأنت الذي ارتشف الورى من خلقه ... راحاً ألذَّ من الرحيق مزاجها\rمااعتلّت الدنيا بداء جدوبها ... إلاّ وجودك طبّها وعلاجها\rولقد حميت وئيدة الكرم التي ... لولاك ما سلمت لها أوداجها\rنسجت لك العليا ملابس فخرها ... فزها عليك مطرّزاً ديباجها\rلم تحد مدلجة الركائب رغبة ... إلاّ وكان لربعكم أدلاجها\rما طرَّقتْ أُمُّ الرّجاء لآمل ... إلاّ وأصبح من نداك نتاجها\rأقول: أمّا قولي: سبق الأنام لها الخ، فالسابق أوّل خيل الحلبة، والمصلّي تلو السابق، والملطم تاسع خيل الحلبة. ومن أحسن ما جاء في الإستباق والمساواة قول الخنساء:\rجارى لباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملائة الحضر\rحتّى إذا نزت القلوب وقد ... لزّت هناك العذر بالعذر\rوعلا هتاف النّاس أيّهما ... قال المجيب هناك لا أدري\rبرزت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري\rأولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر\rوهما كأنّهما وقد برزا ... صقران قد حطّا على وكر\rويقال: إنّها قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجنت أباك؟ فقالت هذه الأبيات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855601,"book_id":1863,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":111,"body":"ويقال: أنّه قيل لأبي عبيدة: ليس هذه الأبيات في مجموع شعر الخنساء؟! فقال أبو عبيدة: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل ذلك، ولعمريى إنّها قد بلغت في مدح أخيها من غير إزراء بأبيها النهاية لأنّها جعلت تقدّم أبيها له عن قدرة منه على المساواة وعن غير تقصير منه، وإنّه أفرج له عن السبق معرفةً له بحقّه وتسليماً لكبر سنّه، ومنها أخذ الشريف الرضي قوله:\rولولا مراعاة الأُبوّة جزته ... ولكن لغير العجز ما أتوقّف\rوقال السيّد المرتضى: وكأنّ الخنسا نظرت في هذا المعنى إلى قول زهير:\rفشجَّ بها الأماعز وهي تهوي ... هويّ الدلو أسلمها الرشاء\rفليس لحاقه كلحاق ألف ... ولا كنجائها منه نجاء\rيقدّمه إذا اختلفت عليها ... تمام السن منه والذكاء\rويشبه أن يكون الكميت أخذ من الخنساء قوله في مخلّد بن يزيد بن المهلّب وهو:\rما إن أرى كأبيك أدرك شأوه ... أحدٌ ومثلك طالباً لم يلحق\rتتجاريان له فضيلةُ سنّه ... وتلوت بعدُ مصلّياً لم يسبق\rإن تنزعا فله فضيلة سبقه ... فبمثل شأو أبيك لم تتعلّق\rولئن لحقت به على ما قد مضى ... من بعد غايته فأحج وأخلق\rويشبه هذا المعنى قول المؤمّل بن أميل الكوفي المحاربي يمدح المهدي في حياة المنصور:\rلئن فتَّ الملوك وقد توافوا ... إليك من السهولة والوعور\rفقد فات الملوك أبوك حتّى ... بقوا مابين كاب أو حسير\rوجئت ورائه تجري حثيثا ... وما بك حيث تجري من فتور\rفقال الناس ما من ذين إلاّ ... بمنزلة الخليق من الجدير\rفإن سبق الكبير فأهلُ سبق ... له فضل الكبير على الصغير\rوإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير\rوهذا مأخوذ من قول الشاعر:\rجياد جرت في حلبة فتفاضلت ... على قدر الأسنان والعرق واحد\rقال السيّد المرتضى: ممّا له بهذا المعنى بعض الشبه وإن لم يذكر فيه السن والتفضيل والكبر قول زهير:\rوهو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا\rأو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدّما من صالح سبقا\rويروى أنّه عرضت على جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي جارية شاعرة فأراد أن يبلوها، فقال لها: قولي على معنى بيتي زهير الذين ذكرناهما، فقالت:\rبلغت أو كدت يحيى أو لحقت به ... فنلتما خالداً في شأو مستبق\rلكن مضى وتلا يحيى فأنت له ... تال تعلّلت دون الركض بالعنق\rالعنق دون الركض أي إنّك تعلّل بالعنق اتّقاء وحشمةً لأبيك وجدّك، ولو سرت ركضاً لسبقتهما.\rقال السيّد: ومن أحسن ما قيل في المساواة والمقاربة وهو داخل بهذا المعنى مناسب له قول عبّاد بن شبل:\rإذا اخترت من قوم خيار خيارهم ... فكلُّ بني عبد المدان خيار\rجروا بعنان واحد فضل بينهم ... بأن قيل قد فات العذار عذار\rوقول الكميت:\rمصلٍّ أبوه له سابق ... بأن قيل فات العذار العذارا\rومثله قول العتابي وهو مليح جدّاً:\rكما تقاذف جردٌ في أعنّتها ... سبقاً بآذانها مرّاً وبالعذر\rوأوّل من سبق إلى هذا المعنى زهير في قوله يصف مطايرة البازي القطاة ومقاربته لها:\rدون السماء وفوق الأرض قدرهما ... عند الذنابي فلا فوت ولا درك\rوقد لحظ أبو نؤاس هذا المعنى في قوله يمدح الفضل بن الربيع ويذكر مقارنته لأبيه في الفضل والسؤدد:\rثمّ جرى الفضل فانثنى قدماً ... دون مداه من غير ترهيق\rفقيل راشا سهماً يراد به ... الغاية والنصل سابق الفوق\rويشاكل ذلك قول البحتري في ابن أبي سعيد:\rجدٌّ كجدّ أبي سعيد إنّه ... ترك السماك كأنّه لم يشرف\rقاسمته أخلاقه وهي الردى ... للمعتدي وهي الندى للمعتفي\rفإذا جرى من غاية وجريت من ... أخرى التقى شأواكما في المنصف\rويشبهه أيضاً قوله:\rوإذا رأيت شمائل ابني صاعد ... أدّت إليك شمائل ابني مخلد\rكالفرقدين إذا تأمّل ناظرٌ ... لم يعلُ موضع فرقد عن فرقد\rوأمّا قول الخنساء: يتعاوران ملائة الحضر؛ وهي تعني بالملائة الغبار، فإنّ عدي بن الرقاع نظر إليها في قوله يصف حماراً وأتاناً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855602,"book_id":1863,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":112,"body":"يتعاوران من الغبار ملائةً ... بيضاء محدثة هما نسجاهما\rتطوى إذا وطئا مكاناً جاسياً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها\rوقولها: أسلمت أي بلغت السهل، كأكدي إذا بلغ الكدية. قال السيّد المرتضى: وهذا المعنى وإن كان هو معنى بيت الخنساء بعينه، فقد زاد في استبقائه عليها زيادة ظاهره صار من أجلها بالمعنى أحقّ منها، وقد ابتدأ بهذا المعنى رجل من بني عقيل، فقال من قصيدة:\rيثيران من نهج الغبار عليهما ... قميصين أسمالاً ويرتديان\rأقول: ويعجبني قول القاضي الأرجاني في مدح من تأخّر في زمانه ووصفه بالسبق على أقرانه:\rوالدهر مضمار الكرام وهم ... أشباه خيل فيه تستبق\rما إن لحقتهم وقد سبقوا ... حتّى سبقتهم فما لحقوا\rولي في هذا المعنى تخميس بيت من قصيدة لعبد الباقي أفندي العمري في مدح النبي ﵌:\rلحقت وإن كنت لم تعنق ... لشأو به الرسل لم تعلق\rوأحرزت قدماً مدى الأسبق ... فيا لاحقاً قطُّ لم يسبق\rويا سابقاً قطّ لم يلحقوما أبرع قول القاضي الأرجاني في تفضيل ممدوحه على من تقدّمه من الكرام وهو على ما هو عليه من تأخّر زمانه، وهذا بالسحر أشبه منه بالشعر:\rختمت به الوزراء ختم جلالة ... من كلّ ذي سبق بذكر شائع\rولئن تأخّر وارداً وتقدّموا ... فرطاً له من مبطىء ومسارع\rفالفجر يطلع كاذباً أو صادقاً ... ما زال قدام النهار الساطع\rهو لجّة الكرم التي من قبلها ... كانوا أوائل موجها المتتابع\rما أسلس هذا النظم وأرقّه، وأشرف معناه وأدقّه، فلعمري إنّه ليشهد لناسج برده، أنّه في حوك هذه الحلل الفاخرة نسيج وحده.\rوأمّا قولي:\rولقد منعت وئيدة الكرم التي ... لولاك ما سلمت لها أوداجها\rاستعارة الوئيدة للكرم مشعرة بأنّ الكرم لا يوجد إلاّ عنده، فالوئيدة فعيلة، يقال: وأد بنته يئدها وأَداً دفنها في القبر وهي حيّة فهي موؤودة، قال الله تعالى: (وإذا المَوْؤودَةُ سُئِلَتْ، بأيِّ ذَنْب قُتِلَتْ) ، وكانت كندة تئد البنات.\rوقد اشتمل هذا البيت على التلميح - وهو بتقديم اللام على الميم - أن يشار في فحوى الكلام إلى قصّة أو شعر أو مثل سائر من غير ذكر تلك القصّة والشعر والمثل، وسمّاه ابن المعتزّ - وهو مخترعه الأوّل - حسن التضمين، ووافقه قدامة وابن جعفر ومن تبعهما، وقال: هو أن يضمن المتكلّم كلامه كلمة أو كلمتين من آية أو بيت من الشعر أو فقرة من خبر أو مثل سائر أو معنىً مجرّد من حكمة أو كلام. وسمّاه المطرزي وصاحب التلخيص بالتمليح - بتقديم الميم على اللام - كأنّ الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة. وسمّاه الإمام فخرالدين الرازي التلويح، وقالوا جميعاً: هو أن يشار في فحوى الكلام إلى مثل سائر أو شعر نادر أو قصّة مشهورة من غير أن يذكر جميعها، ولم يختلفوا بالشواهد. قال أبو تمام من قصيدة يمدح بها أبا سعيد محمّد بن يوسف:\rلحقنا بأُخراهم وقد حوَّم الهوى ... قلوباً عهدنا طيرها وهي وقع\rفردّت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع\rنضى ضوئها صبغ الدجنة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزّع\rفوالله ما أدري ءأحلام نائم ... ألمّت بنا أم كان في الركب يوشع\rأشار إلى قصّة يوشع بن نون في ردّه الشمس. وقد ظرف الرصافي البلنسي في تلميحه هذه القصّة فقال يخاطب من إسمه موسى بأبيات أوّلها:\rوما مثل موضعك ابن رزق موضع ... زهرٌ يروق وجدول يتدفّع\rيقول فيها:\rوعشيّة لبست رداء شجونها ... والجوّ بالغيم الرقيق مقنّع\rبلغت بنا أمد السرور تألّفاً ... والليل نحو فراقنا يتقطّع\rفابلل بها ريق الغبوق فقد أتى ... من دون قرص الشمس ما يتوقّع\rسقطت ولم يملك نديمك ردّها ... فوددت يا موسى لو أنّك يوشع\rوقد لمح هذه القصّة أبوالعلا المعرّي فقال:\rفلو صحّ التناسخ كنت موسى ... وكان أبوك إسحاق الذبيحا\rويوشع ردّ يوحاً بعض يوم ... وأنت متى سفرت رددت يوحا\rوقد لمح قلاقس إلى هذه القصّة أيضاً فقال:\rومنتصر في منع مقلوب عقرب ... بما تحته من لسع مقلوب برقع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855603,"book_id":1863,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":113,"body":"أبنت شمسه إلاّ الغروب وقد سما ... لها كلّفي من كلّ عضو بيوشع\rوابن مطروح في قوله:\rوما أنس لا أنس المليحة إذ بدت ... دجىً فأضاء الأُفق من كلّ موضع\rفحدّثت نفسي أنّها الشمس أشرقت ... وإنّي قد أوتيت آية يوشع\rومن جيّد التلميح قول ابن المعتز:\rأترى الجيرة الذين تداعوا ... عند سير الحبيب وقت الزوال\rعلموا أنّني مقيم وقلبي ... راحل فيهم أمام الجمال\rمثل صاع العزيز في أرحل القو ... م ولا يعلمون ما في الرحال\rأشار إلى قصّة يوسف ﵇ حين جعل الصاع في رحل أخيه وإخوته لم يشعروا بذلك، وقول أبي نصر محمّد الأصفهاني في ذمّ الملوك:\rبليت بمملوك إذا ما بعثته ... لأمر أعيرت رجله مشية النمل\rبليدٌ كأنّ الله خالقنا عنى ... به المثل المضروب في سورة النحل\rيشير إلى قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْر) .\rومنه ما ذكره أبوبكر في تحفة القادم أنّ أبابكر الشبلي جلس يوماً على نهر شبل بالجسر فتعرّض له بعض الجواري للجواز فلمّا أبصرته رجعت بوجهها وسترت ما قد ظهر له من محاسنها، فقال أبوبكر المذكور:\rوعقيلة لاحت بشاطىء نهرها ... كالشمس طالعة لدى آفاتها\rفكأنّما بلقيس وافت صرحها ... لو أنّها كشفت له عن ساقها\rحوريّة قمريّة بدريّة ... ليس الجفا والصدُّ من أخلاقها\rقال في تحفة العروس: ويمكن تغيير البيتين الأوّليّين بأن يقال:\rوعقيلة لاحت بشاطىء نهرها ... كالشمس تتلو في المشارق صبحها\rلو أنّها كشفت لنا عن ساقها ... لحسبتها بلقيس وافت صرحها\rومن مجون التلميح قول ابن الحجّاج:\rغضبت صباح وقد رأتني قابضاً ... أيري فقلت لها مقالة فاجر\rبالله إلاّ ما لطمت جبينه ... حتّى يحقّق فيك قول الشاعر\rيريد قول ابن نباتة في وصف فرس أغرّ محجّل:\rوكأنّما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه وخاض في أحشائه\rوما أملح قول بعض شعراء المغرب في التلميح:\rوعندي من لواحظها حديث ... يخبر أنّ ريقتها مدام\rوفي أعطافها النشوى دليل ... وما ذقنا ولا زعم الهمام\rيشير إلى قول النابغة في المتجرّدة امرأة النعمان بن المنذر:\rزعم الهمام بأنّ فاها باردٌ ... عذبٌ مقبّله شهيّ المورد\rزعم الهمام ولم أذقه أنّه ... عذبٌ إذا قبّلته قلت أزدد\rومن بديع التلميح قول الرئيس أبي العبّاس بن أبي طالب:\rوكم ليلة نلت فيها المنى ... وبات لي الحبّ فيها نجيّا\rإذا ضلّ لحظي في جنحها ... هدت وجنتاه الصراط السويّا\rأراع فأسأل عن صبحها ... فيرجع لي جفنها نم هنيّا\rإلى أن بدى لي سرحانها ... يحاول للجدي فيها رقيّا\rفيالك من ليلة بتّها ... أنادم بدر دجاها البهيّا\rحكت ليلة السفح في حسنها ... فأصبحت أحكي الشريف الرضيّا\rيشير إلى قول الشريف الرضي في قصيدته البديعة المشهورة وهي:\rيا ليلة السفح هلاّ عدت ثانية ... سقي زمانك هطّال من الديم\rيقول فيها:\rبتنا ضجيعين في ثوبَيْ هوى وتقى ... يلفّنا الشوق من فرع إلى قدم\rوأمست الريح كالغيرى تجاذبنا ... على الكثيب فضول الريط والكمم\rيشي بنا الطيب أحياناً وآونةً ... يضيئنا البرق مجتازاً على أضم\rوبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواضع اللّثم في داج من الظلم\rوبيننا عفّة بايعتها بيدي ... على الوفاء بها والرعي للذمم\rيولع الطلُّ بردينا وقد نسمت ... رويحة الفجر بين الضالّ والسلم\rوأكتم الصبح عنها وهي غافلة ... حتّى تكلّم عصفورٌ على علم\rفقمت أنفض برداً ما تعلّقه ... غير العفاف وراء الغيب والكرم\rوالمستني وقد جدّ الوداع بها ... كفّاً تشير بقضبان من العنم\rوألثمتني ثغراً ما عدلت به ... أرى الجنى بنبات الوابل الرذم\rثمّ انثنينا وقد رابت ظواهرنا ... وفي بواطننا بعدٌ من التهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855604,"book_id":1863,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":114,"body":"ثمّ اعلم أنّ التلميح منه ما هو واضح الإشارة كما قدّمنا، ومنه ضرب يشبه اللغز، ومن لطائفه قصّة الهذلي مع المنصور فقد روي أنّه وعده بجائزة فنسي فحجّا معاً ثمّ مرّا في المدينة الشريفة ببيت عاتكة، فقال الهذي: يا أميرالمؤمنين! هذا بيت عاتكة التي يقول فيها الأخوص:\rيا دار عاتكة التي أتغزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل\rفأنكر عليه المنصور ابتدائه بالخبر من غير أن يسأله، ثمّ أمرّ القصيدة على باله ليعلم ما أراد، فإذا فيها:\rوأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل\rفعلم أنّه أشار إلى هذا البيت بتلميحه فتذكّر ما وعده به وأنجزه.\rومثله ما حكي أنّ اباالعلا المعرّي كان يتعصّب للمتنبّي وشرح ديوانه وسمّاه \"معجز أحمد\"، فحضر يوماً مجلس الشريف المرتضى، فجرى ذكر المتنبّي عن غير قصد، فهضم المرتضى من جانبه، فقال المعرّي: لو لم يكن إلاّ قوله: لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه، فغضب المرتضى وأمر بسحبه وإخراجه وقال للحاضرين: أتدرون ما عنى بذكر هذا البيت؟ قالوا: لا، قال: عنى قول المتنبّي فيها:\rوإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل\rومن هذا القبيل قصّة السري الرفاء مع سيف الدولة ابن حمدان بسبب المتنبّي، فإنّهما كانا من مدّاحه، فجرى ذكر المتنبّي يوماً في مجلس سيف الدولة، فبالغ في الثناء عليه، فقال له السري: أشتهي أنّ الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لأُعارضها ويتحقّق بذلك أنّه أركبه في غير سرجه، فقال له سيف الدولة على الفور: عارض لنا قصيدته القافيّة التي مطلعها:\rلعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحبّ ما لم يبق منّي وما بقي\rقال السري: فكتبت القصيدة واعتبرتها فلم أجدها من مختاراته لكن رأيته يقول فيها عن ممدوحه:\rإذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثمّ قال له الحق\rفعلمت أنّ سيف الدولة إنّما أشار إلى هذا البيت، فأحجمت عن معارضته.\rومن لطيف التلميح قول أبي نؤاس:\rوقال أصحيابي الفرار أو الردى ... فقلت هما أمران أحلاهما مر\rولكنّني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسر\rولا خير في ردّ الردى بمذلّة ... كما ردَّه يوماً بسوءته عمرو\rيريد عمرو بن العاص لمّا ضربه علي ﵇ يوم صفّين فرمى نفسه على الأرض وكشف عن سوئته فأعرض علي عنه وقال: عورة المرء حمى. وقد وقع ذلك لبسر بن أرطاة مع علي ﵇ كما وقع لعمرو، وذلك أنّ بسراً كان مع معاوية بصفّين، فأمره أن يلقى عليّاً ﵇ وقال له: سمعتك تتمنّى لقائه، فلو أظفرك الله به حصلت دنيا وآخرة، ولم يزل يشجّعه ويمنّيه حتّى رآه فقصده في الحرب والتقيا، فصرعه علي ﵇، فكشف بسرٌ عن سوئته فتركته عليّ، وفي ذلك يقول ابن نضر السهمي:\rأفي كلّ يوم فارس ذو كريهة ... له عورةٌ وسط العجاجة باديه\rيكفّ لها عنه عليٌّ سنانه ... ويضحك منها في الخلاء معاويه\rفقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا ... سبيليكما لا تلقيا الليث ثانيه\rولا تحمدا إلاّ الحيا وخصاكما ... هما كانتا والله للنفس واقيه\rفي أبيات أُخر لا حاجة إلى ذكرها.\rومن بديع التلميح ما حُكي أنّ عبد الرحمن بن الحكم قدم على معاوية الشام وكان قد عزل أخاه مروان عن المدينة وولّى سعيد بن العاص، فوجّهه أخوه وقال له: ألقه أمامي فعاتبه لي واستصلحه، فلمّا قدم عليه دخل إليه وهو يعشّي الناس، فأنشأ يقول:\rأتتك العيس تنفح في براها ... يكشّف عن مناقبها القطوع\rبأبيض من أمّيّة مصرخيّ ... كأنّ جبينه سيف صنيع\rفقال له معاوية: أزائراً جئت أم مفاخراً أم مكاثراً؟ فقال له: أيّ ذلك شئت. فقال: ما أشاء من ذلك شيئاً، وأراد معاوية أن يقطعه عن كلامه الذي عنّ له، فقال: على أيّ الظهر أتيتنا؟ قال: على فرس، قال: ما صفته؟ قال: أجشّ هزيم، يعرض بقول النجاشي له:\rونجي بن حرب سابح ذو غلالة ... أجشَّ هزيم والرماح دواني\rإذا خلت أطراف الرماح تناله ... مرته له الساقان والقدمان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855605,"book_id":1863,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":115,"body":"فغضب معاوية وقال: أمّا إنّه لا يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب، ولا هو ممّن يتسوّر على جارته، ولا يثب على كنانه بعد هجعة الناس، وكان عبد الرّحمن يتّهم بذلك في امرأة أخيه، فخجل عبد الرحمن وقال: يا أميرالمؤمنين! ما حملك على عزلك ابن عمّك الخيانة أوجبت سخطاً أو برأي رأيته وتدبير أصلحته؟ قال: لتدبير أصلحته، قال: فلا بأس بذلك، وخرج من عنده، فلقي أخاه مروان فأخبره بما جرى بينه وبين معاوية، فاستشاط غيظاً وقال لعبد الرحمن: قبّحك الله! ما أضعفك! عرضت للرجل بما أغضبته به حتّى إذا انتصر منك أحجمت عنه، ثمّ لبس حلّته وركب فرسه وتقلّد سيفه ودخل على معاوية، فقال له حين رآه وتبيّن الغضب في وجهه: مرحباً بأبي عبد الملك! لقد زرتنا عند اشتياق منّا إليك، قال: لا هاالله ما زرتك لذلك ولا قدمت عليك، فألفيتك إلاّ عاقاً قاطعاً، والله ما أنصفتنا ولا جزيتنا جزانا، لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص والصهر برسول الله لهم والخلافة فيهم فوصلوكم يا بني حرب وشرّفوكم وولّوكم فما عزلوكم ولا آثروا عليكم حتّى إذا ولّيتم وأفضى الأمر إليكم أبيتم إلاّ إثرة وسوء صنيعة وقبح قطيعة، فرويداً رويداً! فقد بلغ بنوا الحكم وبنو أميّة نيفاً وعشرين، وإنّما هي أيّام قلائل حتّى يكملوا أربعين ويعلم أمرواني يكون منهم حينئذ، ثمّ هم للحسن بالحسنى وللسوء بالمرصاد. فقال له معاوية: عزلتك لثلاث لو لم تكن منهنّ إلاّ واحدة لأوجبت عزلك: إحداهنّ: إنّي أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تستشفي منه. والثانية: كرهتك لأمر زياد. والثالثة: إنّ ابنتي رملة إستعدتك على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها.\rقال له مروان: أمّا ابن عامر فإنّي لا أنتصر منه بسلطاني ولكن إذا تساوت الأقدام عليم أين موضعه، وأمّا كراهتي أمر زياد فإنّ سائر بني أميّة كرهوه وجعل الله لنا في ذلك الكره خيراً، وأمّا استعداء رملة على عمرو فوالله إنّه ليأتي عَلَيّ سنة أو أكثر وعندي بنت عثمان فما كشفت لها ثوباً، يعرض بأنّ رملة إنّما استعدت عليه طلباً للنّكاح. فقال له معاوية: يابن الوزغ! لست هناك. فقال له مروان: هو ذاك وإنّي الآن والله لأبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة وقد كاد ولدي أن يكملوا العدّة؛ يعني أربعين، ولو قد بلغوها علم أين تقع منّي، فانخزل معاوية ثمّ قال:\rفإن أك في شراركم قليلاً ... فإنّي في خياركم كثير\rبغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأُمّ الصقر مقلاة نزور\rفلمّا فرغ مروان من كلامه خضع معاوية وقال له: لك العتبى وإنّي رادّك إلى عملك، فوثب مروان وقال: لا وعيشك لا رأيتني عائداً إليه أبداً، وخرج. فقال الأحنف لمعاوية: ما رأيت قطّ لك سقطة مثلها، ما هذا الخضوع لمروان؟ وأيّ شيء يكون منه ومن بني أبيه إذا بلغوا أربعين؟ وأيّ شيء حسبنا نخشاه منهم؟ فقال له: أُدن منّي أخبرك بذلك، فدنا منه، فقال له: إنّ الحكم بن أبي العاص كان أحد من قدم مع أُختي أُمّ حبيبة لمّا زفّت للنبي، وهو مولىً نقلها إليه، فجعل رسول الله ﵇ يحدّ النظر إليه، فلمّا خرج قيل له: يا رسول الله حدّدت النظر إليه؟ فقال: ابن المخزوميّة، ذاك رجل إذا بلغ ولده ثلاثين أو أربعين ملكوا الأمر بعدي، فوالله لقد تلقّاها من عين صافية. فقال الأحنف: لا يسمعنّ هذا منك أحد فإنّك تضع من قدرك وقدر ولدك بعدك، وإن قضى الله عزّوعلا أمراًيكون. فقال معاوية: فاكتمها عَلَيّ ياأبا عمرو إذاًفقد لعمري صدقت ونصحت.\rومن جيّد التلميح قول أبي تمام الطائي:\rإذا افتخرت يوماً تميم بقوسها ... وزادت على ما وطّدت من مناقب\rفأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855606,"book_id":1863,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":116,"body":"يشير إلى قصّة حاجب بن زرارة حين أتى كسرى في جدب أصلبهم بدعوة النبي ﵌ يستأذنه لقومه أن يصيروا في ناحية من بلاده حتّى يحيوا، فقال: إنّكم معاشر العرب أهل غدر وحرص، فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد وأغرتم على العباد. فقال حاجب: إنّي ضامن للملك أن لا يفعلوا. قال: فمن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي هذا، فضحك كسرى وقال: ما كان ليسلّمها أبداً، فقبلها منه ثمّ أذن لهم، فلمّا أحييي النّاس بدعوته ﵌ وقد مات حاجب، فارتحل عطاء بن حاجب إلى كسرى يطلب قوس أبيه، فردّها وكساه حلّة، فلمّا رجع أهداها إلى النبي ﵌ فلم يقبلها فباعها من يهودي بأربعة آلاف درهم.\rويشير إلى وقعة ذي قار المشهورة وكانت بين الفرس والعرب، وكانت بعد وقعة بدر بأشهر، ورسول الله ﵌ بالمدينة، ولمّا بلغه خبرها قال: هذا أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم. في بعض الأخبار: وبي نصروا. وعن ابن عبّاس قال: ذكرت وقعة ذي قار عند النبي ﵌ فقال: ذلك يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا. وقد لمح إلى ذلك المطراني بقوله:\rتزهو علينا بقوس حاجبها ... زهو تميم بقوس حاجبها\rومن ظريف التلميح قول بعضهم:\rرأى صاحبي عمروا فكلّف وصفه ... وحمّلني من ذاك ما ليس في الطوق\rفقلت له عمروٌ كعمرو فقال لي ... صدقت ولكن ذاك شبّ عن الطوق\rيشير إلى قصّة عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة الأبرش وكانت الجنّ قد استهوته صغيراً ثمّ قدم وقد التحى فأدخلته رقاش إلى الحمّام وألبسته من ثياب الملك ووضعت في عنقه طوقاً من ذهب كان له وأزارته خاله، فلمّا رأى لحيته والطوق في عنقه قال: شبَّ عمرو عن الطوق، فذهبت مثلاً.\rومن غريب التلميح ما يُحكى أنّ رجلاً قعد على جسر بغداد فأقبلت امرأة بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أباالعلا المعرّي، وما وقفا بل سارا مشرقاً ومغرباً. قال الرجل: فتبعت المرأة وقلت: لئن لم تخبريني بما أراد بابن الجهم وما أردت بأبي العلا فضحكتما؟ فضحكت وقالت: أراد به قوله:\rعيون المهابين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري\rوأردت بأبي العلا قوله:\rفيا دارها بالخيف إنّ مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال\rومن ظريف التلميح ما روي أنّ شريك بن عبد الله النميري ساير يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري يوماً فبززت بغلة شريك، فقال يزيد: غضّ من لجامها، فقال شريك: إنّها مكتوبة أصلح الله الأمير. فقال له يزيد: ما ذهبت حيث أردت، ويزيد أشار إلى قول جرير:\rفغضّ الطرف إنّك من نميرِ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rفعرض له شريك بقول ابن داره:\rلا تأمننّ فزارياً نزلت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار\rوكان بنوا فزارة يرمون بإتيان الإبل.\rومثله ما حكي أنّ تميميّاً نزل بفزاريٍّ فقال: قلوصك يا أخا تميم لا تنفر القطا، فقال: إنّها مكتوبة. أشار الفزاري إلى قول الطرمّاح:\rتميم يطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت\rوأشار التميمي إلى قول ابن دارة وهو البيت المارّ. وبيت الطرمّاح هذا بعده:\rولو أنّ برغوثاً على ظهر قملة ... يكرُّ على صفي تميم لولّت\rوقد أخذ ابن لنكك البيت الأوّل فقال:\rتعستم جميعاً من وجوه لبلدة ... تكنّفهم لؤمٌ وجهل فأفرطا\rاراكم تعيبون اللئام وإنّني ... أراكم بطرق اللؤم أهدى من القطا\rومثله ما حكي أنّ تميميّاً قال لشريك النميري: ما في الجوارح أحبّ إليّ من البازي، فقال النميري: وخاصّة إذا يصيد القطا. فأشار التميمي إلى قول جرير:\rأنا البازي المطل على نميرِ ... أتيح من السماء لها انصبابا\rوأشار شريك إلى قول الطرمّاح وهو: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا.\rومن ذلك ما روي أنّ رجلاً من بني محارب دخل على عبد الله بن يزيد الهلالي، فقال عبد الله: ماذا لقينا البارحة من شيوخ بني محارب، ما تركونا ننام. فقال المحاربي: أصلحك الله! أضلّوا البارحة برقعاً فكانوا في طلبه. أراد الهلالي قول الأخطل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855607,"book_id":1863,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":117,"body":"تكشُّ بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري\rضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر\rوأراد المحاربي قول الآخر:\rلكلّ هلاليٍّ من اللؤم برقع ... ولابن هلال برقع وجلال\rومن ظريف التلميح ما حكي أنّ الحيص بيص حضر ليلة عند الوزير في شهر رمضان على السماط، فأخذ أبوالقاسم بن القطّان قطاة مشويّة وقدّمها إلى الحيص بيص، فقال الحيص بيص للوزير: يا مولانا! هذا يؤذيني. قال الوزير: كيف؟ قال: لأنّه يشير إلى قول الشاعر: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا، وذكر البيت، وكان الحيص بيص تميميّاً، إنتهى.\rفأمّا التلميح في بيتي فهو إلى بيت الفرزدق وذلك حيث قال:\rومنّا الّذي منع الوائدات ... فأحيى الوئيد ولم يوئد\rيعني بذلك جدّه صعصعة بن ناجية. ويقال: إنّه أحيى ألف موؤودة.\rوأمّا قولي: ما طرقت أُمّ الرّجاء الخ، يقال: طرقت الناقة بولدها إذا نشب ولم يسهل خروجه، وكذلك المرأة. والنتاج كما في المجمع يقال: نتجت الناقة ولداً بمعنى ولدت أو حملت. قال: وفي الحديث: فما نتج فهو هدي، أي: فما ولد. ويوم ينتج يولد، فيكون معنى البيت ما عرض لآمل رجاء إلاّ وكان نجحه من نداك لا غير، إنتهى.\r\rالباب السادس في قافية الحاء\rوفيها ثلاثة فصول\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت فيه هذه المقطوعة:\rطمحت إليك فما ألذّ طماحها ... هيفاء راض لك الغرام جماحها\rوحبتك للتقبيل منها وجنةً ... تحمي بعقرب صدغها تفّاحها\rخوطية العطفين ذات موشّح ... منه على غصن تدير وشاحها\rمجدولة بيضاء رائقة الصبا ... ملكت على أهل الهوى أرواحها\rوبمسقط العلمين غازلت الدمى ... فعلقتها مرضى الجفون صحاحها\rمن كلّ صاحية الشمائل لم يزل ... سكر الدلال بها يطيل مراحها\rزفّت إليّ كخدّها عنبيّة ... خضبت بلون الراح منها راحها\rوتروّحت ذات الأراك بنفحة ... منها فشاق عبيرها مرتاحها\rوالى أبي الهادي بعثت بمثلها ... في الحسن ما استجلى سواه ملاحها\rلاغرّ يبسط في المكارم راحةً ... بيضاء تمتاح الورى ممتاحها\rبدجىً حوادثها وعند فسادها ... تلقاه مصباح الورى مصلاحها\rما استغلقت لبني المطالب حاجةً ... إلاّ وكان بنانه مفتاحها\rوقد اشتمل قولي: خوطية العطفين الخ على التجريد، والتجريد هو أن ينتزع من أمرء ذي صفة أمراً آخراً مثله فيها مبالغة لها فيه، كأنّه بلغ من الإتّصاف بتلك الصفة إلى حيث يصحّ أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة، وهو على أقسام: منها: أن يكون ب \"من\" التجريديّة نحو قولهم: لي من فلان صديق حميم أي بلغ فلان من الصداقة حدّاً صحّ معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها. وكذلك قولي: منه على غصن تدير وشاحها أي بلغ موشحها وهو خصرها من الرقّة واللطافة حدّاً صحّ معه أن يستخلص منه غصن آخر مثله فيهما.\rومنها: أن يكون ب \"الباء\" التجريديّة، وذلك كقولهم: سألت به البحر ولقيت به الأسد.\rومنها: أن يكون ب \"الباء\" المعيّة والمصاحبة، كما قال الشاعر:\rوشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل\rالمستلئم: لابس اللاّمة وهي الدرع، والباء فيه للملابسة والمصاحبة. والفنيق: الفحل المكرم عند أهله. والمرحل: من رحل البعير أشخصه عن مكانه. والمعنى: تعدو بي ومعي من نفسي لابسٌ درعاً لكمال استعدادي للحرب بالغٌ باتّصافه في الإستعداد أن ينتزع منه مستعد آخر لابس درع.\rومنها: أن يكون بدخول في نحو قوله تعالى: (لَهُمْ فيها دارُ الخُلْد) أي في جهنّم؛ وهي دار الخلد لكنّه انتزع منها داراً أُخرى وجعلها معدّة في جهنّم لأجل الكفّار تهويلاً لأمرها ومبالغةً في اتّصافها.\rومنها: ما يكون بدون توسّط حرف كقول قتادة بن مسلمة الحنفي:\rبكرت عَلَيّ من السفاه تلومني ... سفهاً تعجّز بعلها وتلوم\rلمّا رأتني قد رزيت فوارسي ... وبدت بجسمي نهكة وكلوم\rما كنت أوّل من أصاب بنكبة ... دهر وحي باسلون صميم\rإلى أن يقول فيها:\rومعي أسود من حنيفة في الوغى ... للبيض فوق رؤسهم توسيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855608,"book_id":1863,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":118,"body":"قوم إذا لبسوا الحديد كأنّهم ... في البيض والحلق الدلاص نجوم\rولئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم\rيعني بالكريم نفسه، فكأنّه انتزع من نفسه كريماً مبالغةً في كرمه إذ لم يقل أو أموت.\rومنها: ما يكون بطريق الكناية كقول الأعشى:\rيا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأساً بكف من بخلا\rإنتزع من الممدوح جواداً يشرب الكاس بكفّه على طريق الكناية، لأنّه إذا نفى عنه الشرب بكفّ البخيل فقد أثبت له الشرب بكفّ كريم ومعلوم أنّه يشرب بكفّه فهو ذلك الكريم.\rومنها: مخاطبة الإنسان لنفسه وهو أن ينتزع من نفسه شخصاً آخر مثله في الصفة التي سيق لها الكلام يخاطبه، قال أبوالطيب المتنبّي:\rلا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال\rوممّا اتّفق لي من الشعر الأجنبي في هذا الباب ما سألني نظمه بعض الأعزّاء على في مدح الشهم الماجد صبحي بك وأسأله بفقرات نثريّة أن يكون واسطة في إيصال قصيدتي الرائيّة في إطراء الصدر الأعظم إليه لمودّة موكّدة بينهما، والفقرات هذه: بنان براعة الفصحاء، ولسان يراعة البلغاء لا ينبسطان للإحاطة بمزايا من أوضح لأهل الفخر نهجه، وهداهم صراطه.\r\rشمس العلا بدر سماء الجلال ... إنسان روح الفضل عين الكمال\rالأغرّ الذي إذا أسفر وجهه جائت الشمس تقول: هذا صبحي، والفصيل الذي إذا نطق لسان أقبل الملك يقول لها: هذا سيفي، فإليك عنه تنحّي.\r\rويدّعيه المجد من بينهما ... لنفسه فيعطيان ماادّعى\rوكيف لا يكون كذلك من تستمدّ الشمس من نوره، ويعتضد الملك برأيه في مهمّات أُموره، شهدت معاني بيانه بباهر فضله، ودلّ بديع تبيانه على كمال ظرفه ونبله، وإنّي لمّا آنس فكري على البعد نار ذكائه، ونودي قلبي من جانب طور مجده وعليائه، عرفت أنّ الذي صار قلبي كلّه مستجمعاً لنداه، هو واحد الفضل الذي لا ربّ للكمال سواه، وحيث أنّه يجب في شرع الآداب مدح المتوحّد في الفضل الجامع لصفات الكمال عملت له هذه الحائيّة، ونسجتها حلّةً حليّة، وأهديتها إليه لكن كما تهدى إلى البحر قطرة، وإلى الطود ذرّة، ولا غرو فهي جهد المقلّ، إلى الجواد المكثر المفضل، على أنّي وإن سمّتني الفصاحة حيدر خيسها، ودعتني البلاغة بليث عرّيسها، وكان أبي سليمان عصره، يأتيه بعرض بلقيس المعاني آصف فكره، فيراه مستقرّاً لديه قبل ارتداد طرفه إليه، فأراني لو استخرجت الدراري من نهر المجرّة، ونظمت بكفّ الثريّا أنجم النثره، عقوداً أحلي بها نحور علياه، وأوشح بها حسان مزاياه، لما زدتها بذلك حسنا، ولا أفدت جميل معانيها جميل معنى، بل أكون كمن يقول لماء السحاب: ما أطهرك، ولنور الرياض ما أزهرك.\r\rولم يستفد بالمدح ماليس عنده ... وهل ينفع التحجيل من هو أشهب\rهذا ورجائي من تلك الحضرة، زاده الله نظرة، إيصال هذه الرائيّة الغرّاء (وستأتي في حرف الراء) إلى حضرة صدر الوزراء، وهي وإن كانت حقيرة، في جنب معاليه الخطيرة، فأراها إن شملتها ألطافك بالعنايه، ولحظتها بعين الرعايه، وقعت موقعها لديه، أمّا الحائيّة فهي هذه:\rلتلق ملوك الأرض طوعاً يد الصلح ... حذار حسام صاغه الله للفتح\rوأجرى فرنداً فيه من جوهر العلى ... غدا بخطف الأبصار باللمع واللمح\rفكم شقّ فجراً من دجى ليل حادث ... وأضحك للأيّام من أوجه كلح\rلو الدولة الغرّاء يوماً تفاخرت ... مع الشمس قالت أين صبحك من صبحي\rفتىً في صريح المجد ينمي لمعشر ... بيوتهم في المجد سامية الصرح\rفتىً ولدت منه النجابة حازماً ... بعيد مجال يرفد الملك بالنصح\rأغرّ لسيماء العلى في جبينه ... سناً في حشا الحسّاد يذكي جوى البرح\rله طلعة غرّاء دائمة السنا ... هي الشمس لو تمسي هي البدر لو يضحي\rهو البحر لا بل يشبه البحر جوده ... وهل يستوي العذب الفرات مع الملح\rيزوّج آمال العفاة بجوده ... ويقرنه في الحال في مولد النجح\rويبسط كفّاً رطبةً من سماحة ... إذا قبض اليبس الأكفّ من الشحّ\rأرى المدح للأشراف أفضل زينة ... ولكنّه في فضله شرف المدح\rهو السيف لا بل يفعل السيف فعله ... بقوم على الأضغان مطويّة الكشح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855609,"book_id":1863,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":119,"body":"فقاتل أهل الضغن بالبطش لم يكن ... كقاتل أهل الضغن بالبطش والصفح\rهو الرمح سل عنه فؤاد حسوده ... بما بات يلقى من شبا ذلك الرمح\rتجده كليما وهو أعدل شاهد ... فيا شاهداً أضحى يعدّل بالجرح\rإليك ابن أُمّ المجد عذراء تجتلي ... كأنّ محيّا وجهها فلق الصبح\rبها أرجٌ من طيب ذكرك نشره ... يعطّر أنفاس الصّبا لك بالنّفح\rتودُّ بنات النظم أن لو حكينها ... ويا بعد مابين الملاحة والقبح\rلقد فاز فيها قدحك اليوم مثلما ... غدت وهي فيك اليوم فائزة القدح\rفليس لها كفوٌ سواك ولم يكن ... يليق سواها فيك من خرّد المدح\rفصل في الرثاء\rلمّا ورد من فارس إلى بغداد محمّد الجواد ومعه نعش كريمة محمّد الصالح التي تقدّم لها رثاء في قافية الألف، نظمت هذه القصيدة وأرسلتها للفاضل الصالح المذكور وهو في بغداد:\rيا نعش ما يصنع الصفيح ... لم يدر ماذا به يبوح\rوأيُّ لفظ إليه يغدو ... في وصف معناك أو يروح\rهل فلكٌ أنت من علاه ... إليه طرف السهى طموح\rأم أنت نعشٌ به مسجىً ... جسمٌ لجسم العفاف روح\rسرى على الأرض حاملوه ... وهو بأُفْق السما يلوح\rوخلفه والهٌ ثكولٌ ... أُمّ العلى دمعها سفوح\rتطارح الورق وهي تدعو ... علىمَ ورق الحمى تنوح\rماهي والوجد تدعيه ... قلبي لا قلبها الجريح\rتضمّ أضلاعها حشاها ... ولي حشاً ضمّها الضريح\rفي طلحها ألفها وألقي ... عن وطني شخصها طليح\rلقد بكت بقعة تصلّي ... فيها وشهب السما جنوح\rوانتحب الكاتبان لمّا ... فاتهما وردها الصحيح\rقد غاض ماء الحياء يندي ... به ثرىً نشره يفوح\rتوسّدت والعفاف فيه ... يضمّه جيبها النصيح\rشلّت أكفُّ الزمان ماذا ... من حرم المجد يستبيح\rإليه دبَّ الضرّاء لمّا ... أبدى بأن جاء يستميح\rواغتال محجوبةً بخدر ... يحوطه السؤدد الصريح\rوالعزُّ عنه يذبّ مالا ... يذبُّه الفارس المشيح\rومن أبو المصطفى حماه ... في منعة مالها مبيح\rذاك الذي راحتاه كلٌّ ... على الورى ديمة دلوح\rبالطبح مستحلب نداها ... إنّ حلب الغاديات ريح\rأغرُّ يلقى الوفود طلقا ... والعام في وجهه كلوح\rإن ناظم الخصم ردّ فاه ... مع أنّه المصقع الفصيح\rلسانه ميّت مسجىً ... والفم منه له ضريح\rماهو إلاّ خضم علم ... منه ذووا العلم تستميح\rبل هو عنوان كلّ فضل ... وهم جميعاً له شروح\rونيّر في سما المعالي ... بنوه شهب بها تلوح\rيا من غدا ربعهم وفيه ... أُمّ الندى منتج لقوح\rتلك التي عنكم استقلّت ... عيس المنايا بها تسيح\rطوبى لها جاورت ضريحاً ... عن جاره ربّه صفوح\rواضطجعت في حمىً ضجيعا ... حميّه آدمٌ ونوح\rوتوفي ولد لمحمّد الرضا اسمه جعفر قد سقط من سطح من سطوح الدار إلى الأرض فمات فرثيته وعزّيت أباه وجدّه بهذه القصيدة:\rأجل منْ علىً ما خفت يرقاه فادح ... هلال المعالي طوّحته الطوائح\rومن حيث لا تعلو به الدهر أهبطت ... إلى اللحد نجم الفخر فالدهر كالح\rتناوله من أُفق مجد لعزّه ... قد انحسرت عنه العيون الطوامح\rفمطلعه في مشرق المجد مظلم ... ومغربه في موضع اللحد واضح\rلحي الله يوماً قد أراني صباحه ... تباريح وجد للحشا لا تبارح\rبه صاح ناعية فأشغلت مسمعي ... وقد مضَّ في قعر الحشاشة صائح\rوهمّت جفوني بالبكاء فملكتها ... على الدمع أرجو الكذب والصدق لائح\rوقلت لمن ينعاه إذ جدّ باسمه ... ينوح تبيّنْ باسم مَنْ أنت نائح\rبفيك الثرى لا تسم في النعي جعفراً ... فيوشك أن تجتاح نفسي الجوائح\rفلمّا أبى إلاّ التي تشعب الحشا ... وإلاّ الّتي تبيضُّ منها المسائح\rجمعت فؤادي وانطويت من الجوى ... على حرق ضاقت بهنّ الجوانح\rأعاذلتا عنّي خذا اللوم جانبا ... فلا أدمعي ترقى ولا الوجد بارح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855610,"book_id":1863,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":120,"body":"فلم ينسفح من جفني الدمع وحده ... ولكنَّ كلّي مدمعٌ منه سافح\rأصبراً وذا إنسان عيني أطبقت ... على شخصه أجفانهنَّ الضرائح\rبمن عن ضياء العين يعتاض طرفها ... فيغدو عليه وهو للجفن فاتح\rلتجر الليالي كيف شائت بنحسها ... فما عندها فوق الذي أنا نائح\rوماذا تريني بعدما في مدى الأسى ... بدا لفؤادي سعدها وهو ذابح\rأقول لركب أجمعوا السير موهناً ... وقد نشطت للكرخ فيهم طلائح\rأقيموا فواقي ناقة من صدورها ... لأودعكم مااستحفظته الجوانج\rخذوا مهجتي ثمّ انضحوها عقيرةً ... على جدث دمع العلى فيه ناضح\rوقولا لأيد أهبطت فيه جعفراً ... ولم تدر ماذا قد طوته الصفائح\rلأحدرت من قلب المكارم فلذةً ... قد انتزعتها من حشاها الفوادح\rفغير جميل بعده الصبر والعزا ... ولا العيش لي لولا محمّد صالح\rفتى الحلم لا مستثقلاً لعظيمة ... تخفُّ بها الأحلام وهي رواجح\rتدرّع من نسج البصيرة قلبه ... أضاة أسىً لم تدرعها الجحاجح\rوصابرها دهياء في فقد جعفر ... يكافح منها قلبه ما يكافح\rتسربلتها يا دهر شنعاء وسمها ... لوجهك ما عمّرت بالخزي فاضح\rأفق أيّ وقت منك فيه لجعفر ... تفرغ كفٌّ ليته منك طائح\rوقد شغلت في كلّ لمحة ناظر ... يديك جميعاً من أبيه المنائح\rفتىً يجد الساري على نوره هدىً ... ولو شمّه فجٌّ من الأرض نازح\rكأنّ المحيّا منه والليل جانحٌ ... سهيلٌ لأبصار المهبّين لامح\rنمته إلى المجد الضريح معاشرٌ ... أكفّهم أنواءُ عرف دوالح\rمضيئون ضوء الأنجم الشهب للورى ... فأوجههم والشهب كلٌّ مصابح\rعلى أوّل الدهر استهلَّ نداهم ... فسالت به قبل الغيوث الأباطح\rومدَّ أبوالمهدي فيه أناملا ... رواضعها صيد الملوك الجحاجح\rجرت بالنمير العذب عشر بحارها ... وكلُّ بحار الأرض عذبٌ ومالح\rفما للندى في آخر الدهر خاتم ... سواه ولا في أوّل الدهر فاتح\rفصل في الغزل\rقلت فيه هذه الأبيات:\rبرزت تحمل بالراح راحا ... فكست بهجة نور براحا\rغادةٌ مجدولة تتثنّى ... مرحاً ريّا الشباب رداحا\rومهاة أبت الوصل لمّا ... رأت الشيب برأسي لاحا\rقلت أنت الشمس تغرب ليلاً ... ويراها العالمون صباحا\rفأجابت أنّني أنا بدر ... يأفل الصبح ويبدو رواحا\rثمّ قالت ما ترى الشهب عقداً ... فوق نحري والثريا وشاحا\rقلت فوق الكشح ما جال إلاّ ... وأعار الطير قلبي الجناحا\rفصل في الإستغاثة\rقلت هذين البيتين مستغيثاً بالإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي ﵉ وهما:\rألا يا أباالسجّاد إنّ بوارقاً ... لسحب نداك العذب شمت التماحها\rمخائل صدق منك بالنّجح بشّرت ... أمانيَّ نفس جئت أرجو نجاحا\rالباب السابع قافية الخاء\rوفيها فصلان المديح والغزل\rأمّا المديح\rفقلت فيه:\rحمد الركب في حماك مناخه ... حيث ربّى طير الرجا أفراخه\rيا أخا المكرمات كم من صريخ ... لبني الدهر قد أغثت صراخه\rوبكم العطاء كم مسحت كفُّ ... ك عيناً بدمعها نضاخه\rما دعاك الأنام للخطب إلاّ ... وبنعليك قد وطأت صماخه\rكم حمدنا نقاء كفّك جوداً ... عند كفٍّ نجلا ذممنا اتّساخه\rونسخنا فضل الكرام ومن قر ... آن علياك قد عرفنا انتساخه\rقمت في ريق الشبيبة حتّى ... سدت في الدهر بالنهى أشياخه\rغاض ماء الندى عن الوفد إلاّ ... من يديكم فما تغبُّ نقاخه\rإنّ بين الندي وبينك عقداً ... أمنت وفدُ راحتيك انفساخه\rإنّما أنتم فروع فخار ... كان قدماً آباؤكم أسناخه\rحيث ثوب الرجاء ما رثَّ إلاّ ... وإليكم منه أجدَّ انسلاخه\rهاك يابن الكرام بنت قريض ... شمخت أن ينيلها شماخه\rوأمّا الغزل\rقلت فيه:\rيا لائمي وشهاب وجدي ثاقبٌ ... كيف العزاء وطود صبري ساخا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855611,"book_id":1863,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":121,"body":"وقف السهاد بمقلتي متوسّماً ... فرأى بها أثر الكرى فأناخا\rالباب الثامن حرف الدال\rوفيه فصول\rفصل في المديح\rقلت فيه هذه الغادة الحسناء:\rعيشك غضٌّ والزمان أغيد ... وطرف حسّادك فيه أرمد\rيا لابس النعماء هنّئت بها ... ملابساً كساكهنَّ أمجد\rأقبح شيء أن تذمَّ زمناً ... حسبك فيه حسناً محمّد\rيا أعين الوفّاد قرّي بفتىً ... في مطلع العلياء منه فرقد\rذاك الذي كلتا يديه لجّة ... قد طاب للعافين منها المورد\rمبارك الطلعة مرهوب الحمى ... في بردتيه قمرٌ وأسد\rموقّر المجلس ذو ركانة ... حسوته على شمام تعقد\rبالفصل في صدر الندي ناطق ... كأنّما لسانه مهنّد\rسقيط طلٍّ لك من بيانه ... أو لؤلؤٌ في سلكه منضد\rروضة فضل يجتني رائدها ... زهراً بطيب النشر عنه يشهد\rينمي لقوم في الزمان خلقوا ... جواهراً يزان فيها الأبد\rهم خير من رشحه لسؤدد ... مجدٌ وأزكى من نماه محتد\rأقول: وقد اشتمل قولي: أقبح شيء أن تذمّ زمنا، على المقابلة وذلك أنّي قابلت اثنين باثنين؛ الذمّ والقبح بالحسن والحمد، وقال الصغرائي في لاميته:\rحلو الفكاهة مرّ الجدَّ قد مزجت ... بقسوة البأس منه رقّة الغزل\rفجمع بين ثمانية أشياء لم تجتمع لغيره بهذا الإنساجام والسلاسة، وهي: الحلاوة والمرارة والفكاهة أي المزاح، والجد والقسوة والرقّة والبأس والغزل. وقال أبوالطيب المتنبّي وأحسن غاية الإحسان:\rأزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي\rومن النادر قول بعضهم وقد قابل ستّةً بستّة:\rعلى رأس عبد تاج غرٍّ يزينه ... وفي رجل حرٍّ قيد ذلّ يشينه\rفإنّه قابل لفظة على ب \"في\"، والرأس بالرجل، والعبد بالحرّ، والتاج بالقيد، والعزّ بالذلّ، والزين بالشين.\rحكي أنّ شرف الدين مستوفي إربل أنشد هذا البيت لغيره، وكان أبوبكر محمّد بن إبراهيم الإربلي حاضراً فقال على البديهة وقابل أربعةً بأربعة:\rتسر لئيماً مكرمات تعزّه ... وتبكي كريماً حادثات تهينه\rوكلّما كثر عدد المقابلة كان أبلغ وأحسن.\rوممّا نظمته في أبيه محمّد الصالح هذه القصيدة:\rلا زلت يا ربع الشباب حميدا ... باق وإن خلق الزمان جديدا\rما أنت للعشّاق إلاّ جنّة ... صحبوا بها العيش القديم رغيدا\rأيّام كان العيش غضّاً ناعماً ... والدهر مقتبل الشباب وليدا\rوالدار طيبة الثرى ممّا بها ... يسحبن ربّات الجمال برودا\rيستاف زائرها ثراها عنبراً ... فيكذبن طرفاً يراه صعيدا\rيعطو إلى عذبات فرع أراكها ... ظبيٌ تفيّأ ظلّها الممدودا\rغنخٌ يسلُّ من اللواحظ مرهفاً ... يغدو عليه قتيله محسودا\rهو منتضىً في الجفن إلاّ أنّه ... بين الجوانح يغتدي مغمودا\rأضحت ضرائبه القلوب تعدُّ أد ... ماها به وهو الشقيُّ سعيدا\rوشقيق خدّيه النديّ من الحيا ... أضحى بعقرب صدغه مرصودا\rيمسي سليماً يشتفي بالريق مَنْ ... في الثم بات بقطفه معمودا\rكم بتُّ معتنقاً له في ليلة ... بات العفاف بها عَلَيَّ شهيدا\rوكأنّما في الأُفق هالة بدرها ... وبها الكواكب قد طلعن سعودا\rناد محمّد حلَّ فيه وولده ... بعلاه حفّت ناشئاً ووليدا\rهو دارة الشرف التي قد مهّدت ... أبد الزمان بعزّهم تمهيدا\rمتعاقدين على المكارم أحرزوا ... شرفاً تماثل طارفاً وتليدا\rوعليهم قطباً فقطباً دائرٌ ... فلك الفخار أبوةً وجدودا\rكانوا قديماً والعلى صدفٌ لهم ... درّاً تناسق في الفخار نضيدا\rوأبوهم البحر المحيط وقد بدوا ... منه على جيد الزمان عقودا\rهو لجّة المعروف ما عرف الورى ... إلاّ نداه منهلاً مورودا\rيمسي بنفس لا تميل مع الهوى ... لله يحيى ليله تهجيدا\rوإذا تجلّى الليل أصبح باسطاً ... للوفد كفّاً ما تعبّ الجودا\rنسكٌ كما شاء الإله وأنعمٌ ... لم يحصها إلاّ الإله عديدا\rتنميه من سلف المعالي أُسرة ... غلبوا على الشرف الكرام الصيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855612,"book_id":1863,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":122,"body":"من كلّ معصوم البصيرة لم يزل ... منه الرداء على التقى معقودا\rيا من تعذّر أن يحيط بوصفهم ... نظمٌ ولو ملأ الزمان قصيدا\rوالجامعين المكرمات بوفرهم ... مذ أكثروا في شمله التبديدا\rولهم بأندية العلاؤء إذا بدوا ... تهوي الأعاظم ركّعاً وسجودا\rأهدت لجيد علاكم ابنة فكرتي ... درر الثناء قلائداً وعقودا\rجليت محاسنها عليكم فاجتلوا ... منها لمجدكم كعاباً رودا\rهي نشرة تضفو على أحسابكم ... زغف خلفت بنسجها داودا\rقد خلّدت لكم الثناء وسؤلها ... أنّ الثناء لكم يدوم خلودا\rفبقيتم في غبطة من ربّكم ... لكن بقاء لم يكن محدودا\rقولي: هي نثرة، البيت وقعت فيه التورية لأنّ المعنى الظاهر من هذا اللفظ أنّي خلّفت بنسجها داود نبي الله من حيث أنّه كان ينسج الدروع، وأنا أُريد أنّي خلّفت جدّي السيّد داود بن السيّد سليمان بنسج زغف بدايع الشعر. وقد نظم عمّي المهدي قصيدة داليّة في الماجد الصالح وجارى بها قصيدة قالها الشريف أبو أحمد السيّد صالح القزويني فيه، ولها قصّة ذكرها عمّي في كتابه مصباح الأدب الأزهر، فسمطت قصيدة عمّي المشار إليه وقدّمت قبل التسميط هذه الفقرات: بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على أشرف أنبيائه محمّد وآله الطاهرين، وبعد؛ فيقول الراجي عفو ربّه الغني حيدر بن سليمان الحسيني: إنّي لمّا جارى عمّنا وسيّدنا المهدي السيّد صالح القزويني في قصيدة مدح بها زعيم الفضلاء الجحاجح الحاج محمّد صالح أحببت أن أشطر قصيدة سيّدنا السيّد مهدي كما شطر قصيدة السيّد صالح المذكور الشيخ إبراهيم صادق العاملي، فوجدتها في دقائق معانيها وسلاسة ألفاظها وقوافيها فوق ما قلته فيها:\rومعربة عن فضل من صاغ لفظا ... وأودع فيها من بدايعه اللحنا\rبديعة حسن لو سواه يرومها ... لكان التقاط الشهب من نيلها أدنى\rتودّ قلوب السامعين لو أنّها ... إذا أنشدت في محفل كانت الأُذنا\rفما هي إلاّ وردة مااتّفقت ... كمائم حسن الشعر عن مثلها حسنا\rولا ولدت أُمُّ القريض نظيرها ... ولا فتحت يوماً على مثلها جفنا\rفما روضة غنّاء راقت بزهرها ... وما برحت أزهارها ترضع المزنا\rبألطف من مدح بها لمحمّد ... وإنّي وفيه فاقت الروضة الغنّا\rمسدّدة الأقوال يمسي معيبها ... لخجلته بين الورى يقرع السنّا\rيودُّ إذا ما أنشدوها بمحفل ... له منشىء الأجساد ما خلق الأُذنا\rولو رزق الله السكوت معيبها ... لكان له من نطق مذوده أهنى\rفوا رحمتاه لحاسدها إذا تليت في نادي ذي القدر العلى، فما أراه إلاّ كما قال مهيار الديلمي:\rيظهر منها السرور حاسدها ... ضرورة الحقّ وهو مكتئب\rيطريه البيت وهو يحزنه ... ومن أنين الحمامة الطرب\rوإنّها وحرمة الفصاحة في طولها وأعجازها وأحكام صدورها بأعجازها لمستحيلة التشطير على البارع في الفهم، الماهر في النظم، ولذلك عدلت عن تشطير إلى تخميسها فوجدته أيضاً في غاية الصعوبة لتجنيس كلماتها، وارتباط كلّ بيت بما بعده من أبياتها، كقوله فيها:\rأُناس يرى في الكرخ من فيه طوّحت ... إليهم بنات الشدقميّات من بعد\rجدباً على دارالسلام بيوتهم ... لكعبة جدواهم لمن أمّها تهدي\rوكقوله منها:\rتراه ولو قد كان يخفض نفسه ... لآمله عطفا ويبسم للوفد\rثبيراً على جنب الوثير قد اتّكى ... ودون لقاه هيبة الأسد الورد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855613,"book_id":1863,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":123,"body":"على أنّ في هذين البيتين ما فيهما من التعليق والمقابلة المعنويّة التي لا تخفى على أولي التحقيق، وهي أنّه لمّا أتى بذكر الخفض في البيت الأوّل قابله بضدّه معنىً في البيت الثاني وذلك قوله: ثبير اتّكى على جنب الوثير، من حيث أنّ ثبير هو الجبل، والجبل من شأنه أن يكون مرتفعاً، فقابل الخفض لفظاً بالرفعة معنىً ليكون حسن نظامه مبتدعاً، وكذلك لمّا ذكر في البيت الأوّل أنّه يبسم للوفد، قابله بهيبة الأسد الورد، من حيث أنّ الإبتسام أمنٌ للقلب، والمهابة مخافة له ورعب، وهذا النوع عند علماء البديع يُسمّى: الملحق بالطباق وهو الراجع عند الجمهور إلى الضدّين كقوله تعالى: (أَشدّاءُ على الكفّار رُحماءُ بَيْنَهُمْ) فإنّه تعالى شأنه طابق الأشدّاء بالرحماء لأنّ الرحمة فيها معنى اللين، وكقول بعض شعراء الحماسة:\rلهم جلُّ مالي أن تتابع لي غنىً ... وإن قلّ مالي لا أُكلّفهم رفدا\rفقوله: تتابع مالي بمعنى كثر مالي، ويقابله قولي: قلّ مالي فهو مقابلة من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وكقول أُمّ سعد بن قرط وقد تزوّج امرأةً كانت نهته عنها فقالت أبياتاً تذمّها، وهي من شعراء الحماسة:\rتربّص بها الأيّام علَّ صروفها ... سترمي لها في جاحم متسعّر\rفكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الحر\rفقولها: بمذمومة الأخلاق ليس مقابلاً لقولها: واسعة الحر من جهة اللفظ، بل من حيث المعنى لتأوّله بضيقة الأخلاق لتصحّ المقابلة، ونظائره كثيرة على أنّ في القصيدة من نظائر هذا التعليق الصعب التخميس ما يخرس الفصحاء، ويحير البلغاء، وقد أضربت صفحاً عن ذكره خوف الإطالة، واكتفيت عنه بما قدّمته في هذه المقالة ومع ذلك فقد أقدمت بتخميسها على مجاراته، ومقابلة بدايعه ومخترعاته، وقلت: ما يمنعني عنه وقد أنحلني أدبه، وشربت من نطاف هذا النظام مشربه، فكنت وإيّاه في إطرادنا فيها كما قالت الخنساء في مساواة أخيها لأبيها:\rجارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملائه الحضر\rحتّى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر\rوعلا هتاف الناس أيّهما ... قال المجيب هناك لا أدري\rبرزت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري\rأولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر\rوهما كأنّهما وقد برزا ... صقران قد حطّا إلى وكر\rفجاء تسميطاً ترتاح له أهل الأدب والفضل، وتعجّب منّي إذ حذوت فيه حذو الأصل، فلو لم يكن تسميطاً لما فرق من نظامه، ولا من حسن لامه، ولقيل إنّهما نتيجة فكر واحد، لعدم التمييز بين تلك الفرائد، ولا غرو إن حذوت مثاله، وشابهت أقوالي أقواله، فإنّ من حياضه مشربي، ومن أدبه كان أدبي، فترانا حربين بقول المؤمّل بن أميل الكوفي:\rوجئت ورائه تجري حثيثاً ... وما بك حيث تجري من فتور\rوقال الناس ما من ذين إلاّ ... بمنزلة الخليق من الجدير\rفإن سبق الكبير فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير\rوإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير\rوهذا هو التخميس المذكور، فانظر في ألفاظه ومعانيه، فإنّها أعدل شاهد على ما أدّعيه، وصلّى الله على محمّد وآله.\r\rإذا عنَّ لي برقٌ يُضيء على البعد ... نزت كبدي من شدّة الشوق والوجد\rوناديت معتلَّ النسيم بلا رشد ... نسيم الصبا استنشقت منك شذى الندّ\rأهل سرت مجتازاً على دمنتي هندي\rوهل لسيم الحبّ أقبلت راقياً ... بنشر فتاة الحيّ إذ كان شافيا\rفما كنت إلاّ للصبابة داعيا ... فذكرتني نجداً وما كنت ناسيا\rليال سرقناها من الدّهر في نجد\rنواعم عيش مازج الأُنس زهرها ... رطاب أديم خالط المسك نشرها\rرقاق حواش قرّب الوصل فجرها ... ليال قصيرات وياليت عمرها\rيمدُّ بعمري فهو غاية ما عندي\rرياح الهوى فيها تنشقت عرفها ... وفيها مدام اللهو عاقرت صرفها\rلدى روضة لا يبلغ العقل وصفها ... بها طلعت شمس النهار فلفّها\rظلامان من ليل ومن فاحم جعد\rسوادان يعمى الفجر عند دجاهما ... هما اثنان لكن واحد منتماهما\rأتت تتخفّى خفية في ذراهما ... ولو لم تبرقع خدّها ظلمتاهما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855614,"book_id":1863,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":124,"body":"لشقَّ عمود الصبح من وجنة الخدّ\rفأبصرت منها إذ سهت عنه غرَّةً ... محيّاً هو الشمس المنيرة غرّةً\rولاح لها خدّ هو النّور نضرةً ... قد اختلست منه عيوني نظرةً\rأرتني لهيب النّار في جنّة الخلد\rتحيّرتُ في بدر من الوجه زاهر ... يلوح على غصن من القدّ ناظر\rوأسياف لحظ في الجفون بواتر ... وفي وجنتيها حمرة شكَّ ناضري\rأمن دم قلبي لونها أم من الورد\rفبالشذر أيدي الحسن طرّزن صدرها ... وبالنجم لا بالدرّ وشّحن خصرها\rلها مقلة هاروت ينفث سحرها ... وفي نحرها عقد توهّمت ثغرها\rلئالؤه نظمن من ذلك العقد\rبنفسي خمصاء الوشاح من الدمى ... سقتني حميا الراح صرفا من اللما\rفأمسيت في وصف المدام متيّما ... وما كنت أدري ما المدام وإنّما\rعرفت مذاق الراح من ريقها الشهد\rوقبل ارتشاف الثغر ما لذّة الهنا ... وقبل سنا الخدّين ما لامع السنا\rوقبل رنين الحلي ما رنّة الغنا ... وقبل اهتزاز القد ما هزّة القنا\rوقبل حسام اللحظ ما الصارم الهند\rلها كلُّ يوم عطفة ثمّ نبوة ... وما علقت عنها بقلبي سلوة\rومن بعدها زادت بقلبي صبوة ... ومن قربها مالت بقلبي نشوة\rصحوت بها يا ميّ من سكرة البعد\rولا عجب إن يشف في عطف قلبها ... سقام جفاها يوم بتّ بجنبها\rهي الداء طوراً والشفاء لصبّها ... وإن زال سكر البعد من سكر قربها\rفلا طبَّ حتّى يدفع الضدُّ بالضد\rفمذ كنت ذرّاً قد تعلّقت زينبا ... وفي عالم الأصلاب زدت تعذّبا\rوكنت بها في ظلمة الرحم مطربا ... تعشّقتها طفلاً وكهلاً وأشيبا\rوهما عرته رعشة الرأس والقد\rأغار عليها إن يمرَّ بشعبها ... نسيم الصبا أو يكتسي طيب تربها\rوأدري بحبّي كيف بات بقلبها ... ولم تدر ليلى أنّني كلف بها\rوقلبي من نار الصبابة في وقد\rوأخفيت عن نفسي هوىً سقمه شكت ... ولم تدر أحشائي بمن نارها ذكت\rوكفّي لأسناني لمنْ أسفاً نكت ... وما علمت من كتم حبّي لمن بكت\rجفوني ولا قلبي لمن ذاب في الوجد\rإذا ما تذاكرنا الهوى بتشبّب ... أتيت بتشبيب عن الشوق معرب\rوموهت في ضرب من اللحن مطرب ... فأذكر سعدي والغرام بزينب\rوأدفع في هند ومية عن دعد\rوإن قلت إنّي واجد في جاذر ... فوجدي بريّا لا بوحش نوافر\rوإن قلت أروى فالمنى أُمّ عامر ... وإن قلت شوقي باللوى فبحاجر\rأو المنحني فاعلم حننت على نجد\rفيحسب طرفي في هوى تلك قد قذي ... وإنّ بهاتيك العذارى تلذّ ذي\rوفي ذكر أوطان لها القلب يغتذي ... وما ولعت نفسي بشيء من الذي\rذكرتُ ولكن تعلم النفس ما قصدي\rوأكرم أرباب الغرام الأولى خلوا ... أُناسٌ أسرّوا سرّه مذ به ابتلوا\rوقالوا لقوم للإذاعة ما قلوا ... كذا من تصدّى للهوى فليكن ولو\rتجرّع من أحبابه علقم الصدّ\rفإنّ الفتى من يحكم الرأي فكره ... ويعجز أرباب البصيرة صبره\rوذوالحزم من يخفي على النّاس أمره ... وليس الفتى ذوالحزم من راح سرّه\rتناقله الأفواه للحرّ والعبد\rإذا لم يصنه عن خليل وحسّد ... تحدّث فيه النّاس في كلّ مشهد\rوغنّت به الركبان في كلّ فدفد ... فيسري إلى القاصي كما بمحمّد\rسرت بنت فكري بالثناء وبالحمد\rلقد جمدت دون القريض القرائح ... وماتت بموت الماجدين المدائح\rفما لرتاج النظم الآي فاتح ... وما للثناء إلاّ محمّد صالح\rلقد ضلَّ مهديه لغير أبي المهد\rيظهور العلى في مثله ما استقلّت ... له رتبة عنها الكواكب حطّت\rفتىً إن يرم إدراكه العقل يبهت ... همامٌ إلى علياه حدّة فكرتي\rبعثت فلم تبصر لعلياه من حد\rله خلق ما شاب سلساله القذا ... ولا هو في غير الفخار تلذّذا\rوغى رالعلى منذ الولادة ما اغتذى ... تربّى بحجر المجد طفلاً وقبل ذا\rبراه إله العرش من عنصر المجد\rفعلّم صوب الغيث أن يتهلّلا ... ووازن منه الحلم رضوى ويذبلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855615,"book_id":1863,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":125,"body":"وفات جميع السابقين إلى العلى ... ترقّى النهى قبل الفطام به إلى\rنهاية إدراك الفطام إلى الرشد\rتجمّع شمل الزهد لمّا تشتّتا ... وعاش التقى من بعد ما كان ميّتا\rبذي نسك ما زال لله مخبتا ... ومعتصم ممّا يشان به الفتى\rبعفّة نفس تربه وهو في المهد\rفلا غرو لو عمّت نوافله الملا ... وطبقن ظهر الأرض سهلاً وأجبلا\rوفاق الورى فخراً ومجداً مؤثّلا ... فذا واحد الدنيا انطوى برده على\rجميع بني الدنيا فبورك من برد\rعظيم محلّ كان للفضل جوهرا ... له رتبة طالت على الشمّ مفخرا\rوكيف تضلّ النّاس عن ماجد ترى ... على شرفات المجد مغناه والورى\rبحصبائه لا بالكواكب تستهدي\rإذا هو بالإيحاش بدّل أنسه ... تبيت صروف الدهر تنكر مسّه\rهمام عليه يحسد الغد أمسه ... تراه ولو قد كان يخفض نفسه\rلآمله عطفاً ويبسم للوفد\rرفيعاً بحيث النجم لم يك ممسكاً ... بأذياله والفكر لم يك مسلكا\rوتلفيه في القنادي ولست مشكّكا ... ثبيراً على جنب الوثير قد اتّكى\rودون لقاه هيبة الأسد الورد\rعليم له نفس عن الله لم تمل ... ومن ذكر ما لم يرضه لم يزل وجل\rومنه وعنه العلم بين الورى نقل ... لقد ضاق صدر الدهر في بعض بثّه\rالعلوم وما يخفيه أضعاف ما يبدي\rوعمياء سدّت عن ذوي الرشد سبلها ... تساوى بها علم الأنام وجهلها\rجلاها فتى تدري العلوم وأهلها ... إذا انعقدت عوصاء أشكل حلّها\rفليس لها إلاه للحلّ والعقد\rوغامضة فهم الورى دونها انقطع ... وليس لهم في حلّ معقودها طمع\rإذا اعوصت في كشف غامضها صدع ... فيوضحها بعد الغموض ولم يدع\rلمعترض باباً بها غير منسد\rومن كلّ طخياء جلا كلّ غبرة ... بإيضاح قول من لسان كزبرة\rولم يك إلاّ مجدة فكرة ... رشيد بعين الحزم أوّل نظرة\rيرى ما به ضلّت عقول ذوي الرشد\rتردُّ أمور النّاس في كلّ مشكل ... إلى قلب إن أشكل الرأي حوّل\rومن كلّ أمر فاتح كلّ مقفل ... يسدّد سهم الرأي في كلّ مشكل\rإذا طاشت الآراء فيه عن القصد\rفتىً معه المعروف يرحل إن رحل ... وتنزل آمال الورى حيث ما نزل\rببرد التقى فوق العفاف قد اشتمل ... ترى نفسه من جها الله لم تزل\rبطاعته لله في غاية الجهد\rحليف التقى ماانفكّ الله شاكرا ... وللنوم من حبّ العبادة هاجرا\rوفي ورده ما زال لليل عامرا ... يقوم إلى ما كان ندباً مبادرا\rمبادرة الهيم العطاش إلى الورد\rإذا لم يفض يوماً على الدهر عفوه ... أتاه منيباً يقبض الخوف خطوه\rونادى بصوة لى يرفع نحوه ... فيا سابقاً لا يدرك العقل شاوه\rولا تهتدي الأوهام منه إلى قصد\rألا إسق رياضي إنّها اصفرَّ زهرها ... وضوء لياليَّ التي حلن غرّها\rأنر وجه أيّامي التي اسودّ فجرها ... فشمس سما العلياء أنت وبدرها\rأخوك ربيع الخلق في الزمن الصلد\rونفسكما من كلّ إثم تقدّست ... وداركما قدماً على الجود أسّست\rوجودكما بالنور منه الربا أكست ... وحلمكما منه الجبال لقد رست\rوبطبع من عزميكما الصارم الهندي\rوإنّكما عقدان للفضل حلّيا ... وبدران في أُفق المعالي تجلّيا\rوصقران في جوّ المكارم جلّيا ... وغيثا عطاء أنتما يفضح الحيا\rفيعول إعلاناً من الغيظ بالرعد\rكرامٌ على كلّ الأنام لهم يد ... وبيت علاهم في الزمان مشيد\rوليس عليهم زاد في الفضل سيّد ... لئن زاد في معنىً طريف محمّد\rعليهم فذا فرع لمجدهم التلد\rوإن هم ببطن الأرض من قبل أضمروا ... فإنّ لعلياهم معاليه مظهر\rوطيُّ مساعيهم به عاد ينشر ... وإن درّجوا موتى بعلياه عمروا\rبعمر لأقصى غاية الدهر ممتدّ\rفمن جوهر العلياء كانوا فرنده ... وأوّل من أورى من الجود زنده\rدرى الحيّ فيهم والذي حلَّ لحده ... هم شرّعوا للجود في النّاس نجده\rولولاهم ما كان للجود من نجد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855616,"book_id":1863,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":126,"body":"فهل لسواها الزاخرات قد اعتزت ... وهل غيرها سحت إذا السحب اعوزت\rلقد أحرزت بالوفر حمداً فبرزت ... ولو لم تحزبا لوفر حمداً لأحرزت\rحسان سجاياها لها أوفر الحمد\rإذا في الشتاء الشول غبراء روّحت ... ومصّ الثرى ماء الرياض فصوحت\rفإنّهم فيها سيول تبطّحت ... أُناس يرى في الكرخ من فيه طوّحت\rإليهم بنات الشدّ قميات من بعد\rسنا نارهم قد صيروه نعوتهم ... لمسترشد الظلماء كي لا يفوتهم\rويبصر من وافى لكي يستبيتهم ... جدباً على دارالسلام بيوتهم\rلكعبة جدواهم لمن أُمّها تهدي\rلهم أوجه يستصبحون بها الملا ... كأنّ بدور التم منهنّ تجتلى\rفلو قابلوا فيها دجى الليل لانجلى ... ولو وزنت فيهم شيوخ بني العلى\rلما عدلوا طفلاً لهم كان في المهد\rفطفلهم حذو المسنّ قد احتذى ... وعزّتهم أضحت لعين العدى قذى\rوكلٌّ من الحسّاد فيها تعوّذا ... وكلاًّ إذا أبصرت منهم تقول ذا\rمحمّد فيه شارة الأبّ والجد\rرفيع علىً لا يطلع الفكر نجده ... حليف تقىً لا يعلق الإثم برده\rأخو الحزم ما حلّت يد الدهر عقده ... إذا انعقد النادي تراه وولده\rلناديه عقداً وهو واسطة العقد\rكأنَّ عقاباً فيه بين قشاعم ... وليث عرين فيه بين ضراغم\rوصلّ صفاة فيه بين أراقم ... على أنّهم فيه نجوم مكارم\rتحفُّ ببدر المجد في مطلع السعد\rوجودهم في المحل من جود كفّه ... وإن شمخت آنافهم فبأنفه\rوعرف علاهم فاح من طيب عرفه ... تضوع من أعطافهم ما بعطفه\rلطائم فخر ينتسبن إلى المجد\rأعزُّ بني الدنيا وأطيب عنصراً ... بهم عاد عود الفضل فينان شمّرا\rوفيهم غدا صبح المكارم مسفرا ... سلالة مجد هم مصابيح للورى\rبكلٍّ إذا استهدت فذاك هو المهد\rييبيت على حفظ العلى غير جاهد ... ويبذل فيها من طريف وتالد\rوتبصر منه عين كلّ مشاهد ... فتىً قد رقى العليا بهمّة ماجد\rله أحرزت شأو العلى وهو في المهد\rومنّي ساعة الميلاد في حبّها صبا ... وكانت له أُمّاً وكان لها أبا\rفإن تعتجب من ذا تجد منه أعجبا ... إذا ما ترآئى محتب شكّ في الحبا\rعلى رجل معقودة أو على أحد\rفإن قلت هذا مرهفاً كان أرهفا ... وأخلاقه هنّ الصبا كنّ ألطفا\rوإن قلت ذا ماء السما لست منصفا ... لعمرك ما ماء السماء وإن صفا\rبأطيب ممّا منه قد ضمّ في البرد\rأولي الحمد في غالي الثناء شغفتموا ... وإن عنه في معروفكم قد غنيتمو\rتهشّون شوقاً إن دعا من دعوتموا ... بني المجد من أبكار فكري خطبتم\rفتاة عن الخطّاب تجنح للصد\rبدايع أفكار لها الصيد أذعنت ... وفي حجب الأبصار عنهم تحصّنت\rلها مارنت يوماً ولا لهم رنت ... ولكن رأتكم كفوها فتزيّنت\rلكم وأتت تختال في حلل الحمد\rفلو شامها الأعشى تحير وامتحن ... وإنّ زهيراً لو رآها بها افتتن\rوأنّى لحسّان كمنظومها الحسن ... لها من بديع القول نظم إذا جرى الن\rنوابغ من مضمار إعجازه تكدي\rفينظم من ألفاظه الدرّ مقولي ... وفي النظم يبديه كعقد مفصّل\rبديع معان إنْ فيه ينقل ... إذا ما تلوه في العراق بمحفل\rسرت فيه أفواه الرواة إلى نجد\rفكم قد تبدّت منه للنّاس درّةٌ ... وكم قد تجلّت منه لشمس ضرّةٌ\rومبصره قد قال هل هو زهرةٌ ... وسامعه قد شكّ هل فيه خمرةٌ\rأو إنّ بنظم الشعر ضرب من الشهد\rأرمّ لدى إنشاده المفصح اللسن ... وطاش حجى الفهّامة الحاذق الفطن\rفما أنا في إنشائه قطّ مفتتن ... ولست بإطرائي له مزده وإن\rغدا طرفة بن العبد من حسنه عبدي\rولا أنا من يعلي القريض محلّه ... ولا من يزيد النظم والنثر فضله\rحويت بقومي المجد والفضل كلّه ... وما في نظام الشعر حمدٌ لمن له\rسنامٌ على ينمي إلى شيبة الحمد\rوقال عمّنا المذكور في مدح محمّد الصالح أيضاً وقد حلّ يناديه في بغداد ورأى ما فيه من أُبّهة العظمة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855617,"book_id":1863,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":127,"body":"حللت من الكرخ في معهد ... تسامى علاءً على الفرقد\rفواجهت فيه من الماجدين ... وجوهاً بها يستضيء الندي\rفقرَّت عيونك في ربعهم ... بكلّ فتىً منهم أصيد\rحمىً زهرت من بني المصطفى ... به أنجم المجد والسؤدد\rيقوم مقام ذكاً في الضحى ... أو البدر في الدامس الأسود\rيضيء لمن بأقاصي البلاد ... كمن جاء من أُمم يجتدي\rله الوفد من كلّ فجّ تسير ... على كلّ زيّافة جلعد\rيسابق متّهمهم في السرى ... لقطع الهضاب خطا المنجد\rفيزدحمون على باب از ... دحام الجمال على المورد\rومن وسع ساحته الوفد في ... هـ كخردلة هي في فدفد\rوأوسع منه ببذل الجدى ... أكفّ محمّد للمجتدي\rيرى كلّما كثر القاصدون ... كأنّ بعدُ نعماه لم تقصد\rفتىً أقسم الغيث أن لا تقوم ... عزالاه منه مكان اليد\rومن يمطر الماء أنّى يكون ... كمن هي تمطر بالعسجد\rيدٌ لا تملُّ العطاء الخطير ... إذا ملّه كفّ مسترفد\rوذاالغيث من سئم إن همى ... حياه بصيبه يرعد\rيميناً بأنعمها السابغات ... وما في الأنام لها من يد\rوما طوّقت من مجيد مجيد ... بهنَّ ومن سيّد سيّد\rوما هي أحيت من المجدبين ... ميتاً من البؤس في ملحد\rقد اصطحبت هي والجود حتى ... إذا أعسرت عنه لم تفرد\rولو سألت وهي صفر لأعطت ... أناملها للذي يجتدي\rولولا مست جلمداً فجّرت ... ينابيع ماء من الجلمد\rيودُّ لحبّ العطا أن تكون ... نقيبته جدّة المجتدي\rيرى الوعد نقصاً ومن شأنه ... يجيد العطاء بلا موعد\rوقبل السؤال لوفّاده ... بأسنى مواهبه يبتدي\rفكحل مآقيه مرأى الغريب ... إذا اكتحل الناس بالأثمد\rعظيم المهابة بين الملوك ... ومهما ترائى لها تسجد\rوبالحلم تنظر منه الحبا ... على غير ثهلان لم تعقد\rوآيات عليائه الباهرات ... تتلى بألسنة الحسّد\rله الله من جامع للعلوم ... شمل عواز بها الشرّد\rإذا أورد الفكر في مشكل ... له أعلم النّاس لا يهتدي\rفقبل الصدور له فكرة ... تريه الغوامض في المورد\rوفي صدر أمس يرى ماانطوى ... عليه مغيَّب ظهر الغد\rوفي الإحتجاج بليل الخصال ... له منهجٌ واضح المقصد\rفإن فاه بالقول لم تعرفنَّ ... الحسام الصقيل من المذود\rولم يبق للخصم غير السكوت ... لديه ونقش الثرى باليد\rووجهق علت صفرة الرعب فيه ... وقلب بحرقته مكمد\rفيغدو لدى الناس أحدوثة ... تنقّل في مشهد مشهد\rفياعجباً من جهول جرى ... بحلبة ذا الماجد الأوحد\rأهل قد رأى تولباً في الرهان ... شأى عدوة الصافن الأجرد\rبني المجد من بحر فكري لئالي ... الثناء تساقطن من مذودي\rوقلّدت نحر علاكم بها ... فضائت على النحر كالفرقد\rتظنّ الحواسد فيكم غلوت ... ومن لي بما ظنّه حسّدي\rلقد ضلّ من ظنّ أعلا النظام ... يكون لكم غاية المحمد\rولكنّما هو في مدحكم ... متى أنشدته الورى يحمد\rومن الشعر الأجنبي في هذا الباب ما سألني نظمه إنسان حدقة الدهر، وواسطة عقد الفخر الشريف أبو موسى الميزا جعفر نجل علاّمة العلماء ورئيس المحقّقين الفضلاء أستاذ الكلّ في الكلّ الشريف أبو جعفر السيّد محمّد مهدي الحسيني القزويني الحلّي دام علاه في الثناء على الشهم الماجد حسام الدين وقد أرسله بعض الوزراء حاكماً في الحلّة الفيحاء، فنظمت امتثالاً لأمره هذه القصيدة:\rأطلع شمس الراح ليلاً أغيد ... كأنّه من نورها مجسّد\rوزفّة اتحت الدجى فأشبهت ... مدامه وخدّه المورد\rفلست أدري أجلا لامعةً ... بكفّه به المدام عسجد\rأُمّ كفّه البيضاء من رقّتها ... بها شعاع خدّه يتّقد\rساق من الجوزاء وهو المشتري ... نطاقه وعقده المنضّد\rشمس الضحى تودُّ لو كان ابنها ... وهي لها بدر السماء ولد\rإذا أدارت كفّه لثامه ... خلت الثريّا للهلال تعقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855618,"book_id":1863,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":128,"body":"من لي بقطف زهرة في خدّه ... وعقرب الصدغ عليها رصّد\rمورّد الوجنة ما استخجلته ... إلاّ وماء الورد منها بدّد\rمطرّدٌ في خدّه ماء الحيا ... ماء الحيا في خدّه مطرّد\rعلّقته نشوان من خمر الصبا ... سبط القوام فرعه مجعّد\rأهيف كم تعطّفت قامته ... وهو لألحان الغنا يردّد\rتعطّف البانة تثنيها الصبا ... وفوقها قمريّة تغرّد\rبدر ولكن في الجمال يوسف ... لحسنه بدر السماء يسجد\rوشوقي الكامل ليس حرّه ... يطفيه إلاّ ريقعه المبرّد\rماالحسن إلاّ جمرة بخدّه ... وجمرة في القلب منّي تقد\rأبرد هاتيك بلثم هذه ... يا من رأى ناراً بنار تبرد\rنارٌ ولكن هي عندي جنّة ... من لي لو فيها فمي يخلّد\rكم ليلة بات بها منادمي ... إلى الصباح والوشاة رقّد\rوسنان لم أجذب إليّ خصره ... إلاّ ثنى أعطافه التميّد\rحتّى يرى وخصره من رقّة ... عليَّ في انعطافه منعقد\rأعد عَلَيّ صاحبي ذكر الطلا ... وعدّ عمّا يزعم المفنّد\rراحك يابن النشواة فاغتنم ... حظّك منها والعذار أسود\rوعصر أطرابك في اقتباله ... والعيش غضٌّ لك فيه رغد\rوعاقر الرح يحييك بها ... شريكها في اللب إذا يغرّد\rما ولدت أُمُّ الجمال مثله ... وأقسمت بأنّها ما تلد\rما استجمع اللذّات إلاّ مجلس ... على معاطاة الكؤس يعقد\rماهو إلاّ للندامى فلك ... به من الكأس يدور فرقد\rأو روضة فيها الخدود مجتنىً ... من السقاة والشفاه مورد\rوشادن وفّرته ريحانة ... بطيب ريّاها النسيم يشهد\rيا طالب العدل هلمَّ ظافراً ... فالعدل شخصٌ قد حواه بلد\rأما ترى الفيحاء كيف أصبحت ... والجور من ورائها مشرّد\rهذا حسام الدين بين أهلها ... أصبح والملك بها مقلّد\rسيف بكفّ الملك منه قائم ... مقام حدّيه الطلى والعضّد\rوأنت حيث باسمه شاركته ... لا تفتخر يا أيّها المهنّد\rفهو على هام العداة منتضى ... دأباً وأنت تنتضى وتغمد\rإن أشعرتك رهبةً هيبته ... فمنه في صدر النّديّ أسد\rأغلب لا يطمح في حضرته ... طرفٌ ولا ينطق فيها مذود\rمصوّر في شخصه روح النهى ... عليه أبراد الفخار جدّد\rوغيره يغريك حسن شكله ... ومنه ما في البرد إلاّ جسد\rأبلج عنه وإليه في النّدى ... تروى أحاديث الندى وتسند\rلهم نداه مشرك في وفره ... ومدحهم حقّاً له موحّد\rيا خير من زار الثناء ربعه ... فزار أزكى من نماه محتد\rإليكها سيّارة مع الصّبا ... تتّهم في نشر الثنا وتنجد\rسحّارة الألفاظ بابليّة ... أُمّ الكلام مثلها ما تلد\rبل كلّ معنىً جاهليّ قد غدا ... يودّ منها أنّه مولّد\rلا تحمد العود على قافية ... ما كلُّ عود في الأُمور أحمد\rأنت فدم سيّد أبناء العلى ... ونظمها للشعر فيك سيّد\rومنه أيضاً ما سألني نظمه من دون هذا الكتاب لأجله، وقد سبقت في أوائل الكتاب إشارة إلى قصّته وذلك أنّه ولد مولود لبعض الرؤساء من أهل الشام وكان علويّاً فهنّاه بمولده بعض شعرائها وفي المجلس جماعة من أهل بغداد فعابوا ذلك النظم وافتخروا عليهم بشعراء العراق فأدّى ذلك إلى أن أرسلوا إليه يطلبون مجاراة تلك القصيدة بقصيدة بديعة فريدة ليطولوا بها عليهم ولمّا وصلت إليه أرسلها إليّ وعزم في مجاراتها عليّ، فنظمت هذه العقود النفيسة وأرسلتها إلى حضرته الأنيسة وهي:\rبشرى العلاء فذي مطالع سعده ... ولدت هلالاً زاهراً في مجده\rوحديقة المعروف هاهي أنبتت ... غصناً سيثمر للعفاة برفده\rونشت بأُفق المكرمات سحابة ... من ذلك البحر المحيط لوفده\rالآن ردّ على الزمان شبابه ... غضّاً فأصبح زاهياً في ردّه\rوجلت لك الدنيا غضارة بشرها ... عن منظر شغل الحسود بوجده\rوجلا اصطباح الراح من يد أغيد ... في خدّه تزهو شقائق ورده\rتجلى بكفّ رقيق حاشية الصبا ... متمايل الأعطاف ناعم قدّه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855619,"book_id":1863,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":129,"body":"يكسوا الزجاجة خدّه فيديرها ... حمراء تحسب أنّها من خدّه\rرقص الحباب على غناء نديمها ... طرباً وودَّ يكون موضع عقده\rشهد الضمير بأنّها من ريقه ... مزحت بأطيب لذّة من شهده\rفاشرب فدا الساقي عذولك واسقني ... كأساً وفي فيها الزمان بوعده\rوانهض كما اقترح السرور مهنياً ... بفتىً به الوهّاب جاد لعبده\rميلاده الميمون بورك مولداً ... قد أصبح الإقبال خادم سعده\rتتوسّم العلياء وهو بحجرها ... فيه مخائل من أبيه وجدّه\rجدٌّ له انتهت العلى من هاشم ... وعلاء هاشم لا انتهاء لحدّه\rوكساه في عصر الشبيبة والصبا ... برد النهى والحمد شيبة حمده\rفالبدر ودّ بأن يكون له أخاً ... والشهب تهوى أنّها من ولده\rنضت الحميّة منه سيف حفيظة ... ماء الحيا الرقراق ماء فرنده\rلمّا رأيت الشام يبعد قصده ... عن ركب فيحاء العراق ووخده\rأودت تهنيتي إليه رسالةً ... تهدى على شحط المزار وبعده\rودعوت حاملها لأشرف منزل ... بالشام خذ عنّي السّلام فأدّه\rحيي السعيد محمّداً فيه وقل ... بشرى بأشرف طالع في سعده\rبأغرَّ ينميه إلى عمرو العلى ... حسب محمّده عليّ معدّه\rحملته أُمّ الفخر سيّد قومه ... وأتت به والفضل ناسج برده\rولدٌ يرفع من علاك بولده ... ويشدّ أزرك في بلوغ أشدّه\rلولم يكن فلك المجرّة مهده ... لم تطلع الشعرى العبور بمهده\rقرّت به عين الفخار لأنّها ... لم تكتحل أبداً برؤية ندّه\rفليهنينّ حمى السيادة أنّه ... قد أطلعت شبلاً عرينة أسده\rوانشقّ مسك ثرى النبوّة فيه عن ... ريحانة الهادي ووردة مجده\rفاليوم كفّ لويّ عاد بنانها ... فيها وسلّ حسامها من غمده\rوتباشرت طير السماء كأنّما ... نشر ابن هاشم للقرى من لحده\rوكأنّما الدنيا لتهنية العلى ... ناد تأنّقت السعود بعقده\rوكأنّ كلّ النّاس منطق واحد ... يشدو ليهن الفخر مولد فرّه\rوبديعة في الحسن قد أهديتها ... جهد المقل لمكثر من حمده\rخطبت له بلسان أشرف من بنى ... في الكرخ بيتاً سقفه من مجده\rبيت يظلّل بالنعيم إذا أوى ... ظيف إليه رآه جنّة خلده\rوإليكها غرّاء يأرج عطفها ... بنسيم غالية الثناء وندّه\rنطقت بنا ديك العليّ وأرّخت ... ولد الندى للفضل أسد ولده\rومنه ما هنّيت به علم الشريعة الغرّاء، وعليم المعروف والسخاء الشريف أبو جعفر سيّدنا السيّد محمّد مهدي الحسيني القزويني بزواج ولده السيّد حسين وهو هذا:\rسقتك يا ربع العلى عهّادها ... وطفاء بشر أطلقت مزادها\rتلمع للزهو بها بوارق ... تقدح في القلب العدى زنّادها\rلاطفها فيك نسيم فرح ... إلى حماك ساقها وقادها\rفألبستك زهرها وأنبتت ... مابين أجفان العدى فتّادها\rوأبرزت منك لأحداق الورى ... حديقة نوءُ السرور جادها\rيا رائد الأفراح في دار العلى ... قد صدّقتك نفسك ارتيادها\rباكرْ مناك فارتشف رياضها ... كما اشتهيت واقتطف أورادها\rوحيّ في الدست زعيم هاشم ... وخير من سادت به وسادها\rالقائم المهديّ أقضى من ثنت ... رياسة الدين له وسادها\rوقلْ ولا تحفل بغيظ أنفس ... قد تركت لغيّها رشادها\rما علماء الأرض إلاّ رجلٌ ... قد جمع الله به آحادها\rفاستلّها صوارماً فواعلاً ... فعل السيوف ثكلت أغمادها\rالموقد النار عشيّاً للقرى ... وبشره يتّقد اتّقادها\rوالمرخص الزاد وكان جدّه ... لراكبي ظهر الفلاة زادها\rقد فاخرت جفانه شهب السما ... بضوئها وكاثرت أعدادها\rبشراك وضّاح الدجى بفرحة ... قد بلغت فيها العلى مرادها\rحلّت نطاق الليل عن صبيحة ... قد نسجت أيدي الهنا أبرادها\rأنت الذي قد عقد الله به ... عرى الهدى وأحكم انعقادها\rمنك أعدّت هاشم لمجدها ... من نشر الله به أمجادها\rفقللت فيك مريدي فخرها ... وفي بنيك كثرت حسّادها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855620,"book_id":1863,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":130,"body":"أبناء مجد نشأوا سحائباً ... سقى الإله خلقه عهّادها\rبيض المساعي ومساعي غيرهم ... بيضٌ وصفرٌ أحسنوا انتقادها\rعقدت أطناب العلى وابتدروا ... يرفع كلّ منهم عمادها\rوغيرهم يهدم علياه التي ... سعى أبوه قبله فشادها\rقومٌ إذا شبّ ابن مجد منهم ... ألقت لكفّيه العلى قيّادها\rأو زوّجوه فبأخت شرف ... يحكي طريف مجدها تلادها\rلولم تجد منه المعالي كفوها ... لم ترض إلاّ في الخبا انفرادها\rيا من يروم بأبيه هضبهم ... ونفسه قد سكنت وهادها\rخلفك والفخر بنار ذهبت ... بضوئها وخلّفت رمادها\rبني العلى دونكموها غادةً ... عذراء قد أصفتكم ودادها\rجلّت بكم قدراً فما أنشدتها ... إلاّ ازدهت جبريل فاستعادها\rفصل في الرثاء\rقلت في رثاء المهدي خلف الخلف الصالح وقد توفي في بلاد فارس وجيء بنعشه ليدفن في النجف:\rأغارء دمعك أم منجد ... قد رحل الصبر ولا منجد\rيا رابط الأحشاء في راحة ... قد نضجت بالجمر ما تقصد\rلا تلتمس قلبك في جذوة ... ما بقيت منك عليها يد\rأخلت يبقى لك قلب على ... فاغرة الوجد ولا يفقد\rوإنّ قلباً تحت أنيابها ... طاح شظايا كيف لا يزرد\rحسبك منها زفرة لو غدت ... في جلمد منها نزا الجلمد\rكم هزَّ أظلاعك من فوقها ... حتّى تلاقين جوىً مكمد\rفساقطت منك الحشا أدمعاً ... حمراً على ذوب الحشا تشهد\rلو تعلم الأيّام ماذا جنت ... إذاً لودّت أنّها تنفد\rلقد أحلت بكرّ رزء لها ... في كلّ قلب مأتم يعقد\rإذ كوّرت شمساًبنوا المصطفى ... فيها ترجّوا أفقهم يسعد\rالله يا دهر أبينا هم ... في زهو بشرى للعدى تكمد\rإذ يرد الناهي إليهم بأن ... جاء ابن نعش ذلك الفرقد\rفيغتدي ذاك الهنا حنّة ... فرائص الدنيا لها ترعد\rنعشٌ أُتي يُحْمَلُ فيه النهى ... ميتاً عليه يندب السؤدد\rوخلفه العلياء في صرخة ... تدعو إلى أين به يقصد\rيا حاملي إنسان عيني قفوا ... نشدتكم بالله لا تبعدوا\rدعوه لي حسبي لتجهيزه ... عيني عليه طرفها أرمد\rدموعها الغسل وأكفانه ... البياض والجفن له ملحد\rغدرت يا دهر ومنك الوفا ... لا العذر بالأمجاد مستبعد\rفاذهب ذميماً إنّها غدرة ... وجهك ما عشت بها أسود\rمالك بالسوء لأهل الحجى ... وردت لا طاب لك المورد\rيا ناهداً بالشرّ من جهله ... تعلم بالشرّ لمن تنهد\rوطارقاً بيت ندىً يتقي ... ببابه المتهم والمنجد\rفمقعداه للتقى والندى ... وحاجباه العزّ والسؤدد\rألم تجده حرمناً آمناً ... يحجّه الأبيض والأسود\rفكيف تسعى فيه لا محرماً ... كأنّما أنت به ملحد\rما هو إلاّ بيت فخر له ... قبيلة المعروف قد شيّدوا\rبيت أبوالندب الرضى ربّه ... أكرم من تحت السما يقصد\rمولىً درت أهل العلى أنّه ... دون الأنام العلم المفرد\rوأنّه لولا ندى كفّه ... لم يرَ لا رفدٌ ولا مرفد\rتلقاه طلق الوجه في هيبة ... يفرق منها الأسد الملبد\rمحبّب من حسن أخلاقه ... حتّى إلى من مجده يحسد\rما سهرت من خائف مقلةٌ ... إلاّ وبالأمن لها يرقد\rيا أُسرة المعروف لا نابكم ... من بعد هذا الرزء ما يكمد\rوهذه النكبة مع أنّها ... فيها ثواب الصبر لا ينفد\rلا يحمد الصبر على مثلها ... لكنّه من مثلكم يحمد\rوقال عمّنا المهدي يرثي الرضا نجل مصباح الشرف الواضح الماجد الصالح ويعزّيه به:\rلا تلمني لم تجد ما أجد ... نابني ما عزَّ فيه الجلد\rكفَّ عنّي إنّ منّي بغتةً ... حطم الظهر وشلَّ العضد\rسلَّ من عينيَّ إنسانهما ... وانطوى في اللحد منّي الكبد\rقد أراني الدهر مالم يره ... من عظيمات الرزايا أحد\rذهبت أيدي الليالي بالذي ... هو لي لو حارب الدهر يد\rكنت أنشي للرضا مدحاً فيا ... حزني اليوم رثاه أنشد\rعبجاً كيف لساني ناطق ... وهو في شطن الأسى منعقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855621,"book_id":1863,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":131,"body":"ولفكري وهو في إذهاله ... للئالي نظمه ينتقد\rيالساني قل به ما شئته ... علّني أشفي به ما أجد\rطارح الورقاء في النوح عسى ... هي إن طارحتها لي تسعد\rعدمت نفسي ظلّي إن يكن ... كبدي عنه يزول الكمد\rفلأعطي كمدي من كبدي ... حقّه حتّى يذوب الكبد\rفالأسى آيست منه حيث ما ... للأسى إلاّ لقاه موعد\rهو نفسي كيف أسلو بعده ... هل سلا حوباه قبلي أحد\rهو من بيت رفيع في العلا ... أبداً ما لعلاه أمد\rسكنته عترة المجد التي ... طاب منها في القديم المحتد\rقد دهتها نكبة أحلمها ... ظلَّ من دهشته يرتعد\rولعمري رزءُ آل المصطفى ... ما خلا في الأرض منه بلد\rتعس الدهر أهل مطروفةٌ ... عينه أم قد عراها رمد\rفرمى من حيث لا يبصر من ... غرر الأيّام فيه تسعد\rيا أبا المهدي إن ضلَّ الورى ... عن سبيل الصبر أنت المرشد\rفقبيحٌ إنْ أقلْ صبراً لمنْ ... سنن الصبر إليه تسند\rوعلى أطهر من ماء السما ... منه أطراف حباه تعقد\rلا دهاكم بعد هذا فادح ... ما غدى في الأرض راس وتّد\rوبقيتم سرمداً عيشكم ... هو في عزّ علاكم رغد\rتمّ بعون الله وتوفيقه الجزء الأوّل من كتاب \"العقد المفصّل\" تأليف الشاعر الكبير المفلق الشهير أبي الحسين السيّد حيدر بن السيّد سليمان الحسيني الحلّي ويليه الجزء الثاني أوّله الباب التاسع: حرف الذال.\r@الجزء الثاني الحمد لله الذي جعل محمّداً حسن السجايا، وفضّله على جميع البرايا، وخصّه من بين العرب بغاية الفصاحة ونهاية الأدب.\rوبعد؛ فهذا هو الجزء الثاني من الكتاب المرسوم ب \"العقد المفصل\" في قبيلة المجد المؤثل، وهو كسابقه في فصوله وأبوابه ونكات أغرابه وإعجابه، قد جمع من فنون النظم والنثر ما يزري بعقود الدر، وحوى من الإستحسانات البديعية والإستظرافات الأدبيّة والنوادر الغريبة والحكايات العجيبة ما يرتاج إليه أهل الأدب، وتسكن إليه نفوس ذوي الفضل، والله أسأل أن يقع منهم موقع الإعجاب والإطراب.\r\rالباب التاسع في قافية الذال\rوفيها فصل واحد وهو في الثناء\rقلت فيه هذه المقطوعة:\rقل لأبي الهادي الذي ما أخذت ... بنوا الثنا من الثنا ما أخذا\rلله في ثوب الزمان واحد ... منك بغير المدح ما تلذّذا\rسموت فانحطَّ سواك قائلاً ... من طلب الرفعة فليسم كذا\rيرقى ذرى العلياء من بحجرها ... نشى وفي لبانها المحض اغتذى\rذوفكرة لم ترم في شاكلة ... بسهمها إلاّ وفيها نفذا\rوذولسان في الخصام لم يزل ... أقطع من حدّ حسام شحذا\rيسكت لكن بجواب حاضر ... يترك أكباد الخصوم فلذا\rفاردد أحاديث الصبا إن كنَّ لم ... يروين عن شمائل منه الشذا\rلا حبّذا إن لم يذعن نشره ... وإن أذنَ نشره فحبّذا\rكم قد أقام الدهر عن فريسة ... من برثن الخطب لها منتقذا\rيطرد شيطان العنا عن نفسه ... من بسماح كفّه تعوّذا\rحكى رجاء الوفد لولا جوده ... يونس لمّا بالعراء نبذا\rقولي: يسكت لكن بجواب حاضر الخ لا بأس أن أذكر في هذا المقام من الأجوبة المستحسنة والمسكتة نبذة ممتعة: قال السيّد المرتضى في الدرر: أخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال: حدّثني عبد الواحد بن محمّد الخصيبي قال: حدّثني أبو علي أحمد بن إسماعيل قال: حدّثني أيّوب بن الحسين الهاشمي قال: قدم على الرشيد رجل من الأنصار وكان عريضاً يقال له نفيع، فحضر باب الرشيد يوماً ومعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر ﵉ على حمار له فتلقّاه الحاجب بالبشر والإكرام وأعظمه من كان هناك وعجّل له الإذن، فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ؟ قال: أوما تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا شيخ آل أبي طالب، هذا موسى بن جعفر ﵉. فقال: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير، أمّا لئن خرج لأسوئنّه. فقال له عبد العزيز: لا تفعل فإنّ هؤلاء أهل بيت قلّما تعرّض لهم أحد في خطاب إلاّ وسموه في الجواب سمةً يبقى عارها عليه مدى الدهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855622,"book_id":1863,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":132,"body":"قال: وخرج موسى بن جعفر ﵉ فقام إليه نفيع الأنصاري فأخذ بلجام حماره ثمّ قال له: من أنت؟ فقال: يا هذا إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمّد حبيب الله بن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله على المسلمين وعليك إن كنت منهم الحجّ إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركوا قومي مسلمي قومك أكفّاء لهم حتّى قالوا: يا محمّد أخرج إلينا أكفّائنا من قريش، وإن كنت تريد الصيب والإسم فنحن الذين أمر الله بالصلاة علينا في الصلوات الفرائض في قوله: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ونحن آل محمّد، خلّ عن الحمار، فخلّ عنه ويده ويده ترتعد وانصرف بخزي. فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك.\rوكان عقيل بن أبي طالب جيّد الجواب حاضره، قال له معاوية بن أبي سفيان يوماً: أنا خير لك من خيك. قال عقيل: إنّ أخي آثر دينه على دنياه وأنت آثرت دنياك على دينك، فأخي خير لنفسه منك وأنت خير لي منه.\rوقال له يوماً: إنّ فيكم لشبقاً يا بني هاشم. فقال: هو فينا في الرجال وفيكم في النساء.\rوقال معاوية يوماً: هذا عقيل عمّه أبو لهب. فقال عقيل: هذا معاوية عمّته حمّالة الحطب. وعمّة معاوية أُمّ جميل بنت جرب بن أُميّة وكانت امرأة أبي لهب.\rوقال له يوماً: يا أبا يزيد - وكانت كنية عقيل - أين ترى عمّك أبا لهب؟ فقال عقيل: إذا دخلت النّار فانظر عن يسارك تجده مفترشاً عمّتك حمّالة الحطب، فانظر أيّهما أسوء حالاً الناكح أم المنكوح.\rوقال له بصفّين: يا أبا يزيد! أنت معنا الليلة! قال: ويوم بدر كنت معكم.\rولمّا أتى معاوية نعي الحسن بن علي ﵉ بعث إلى ابن عبّاس وهو لا يعلم الخبر، فقال له: هل عندك خبر من المدينة؟ قال: لا، قال: أتانا نعي الحسن ﵇، وأظهر في قوله سروراً. فقال ابن عبّاس: إذن لا ينسىء الله في أجلك ولا يسدّ حفرتك. قال: أحسبه قد ترك صبيةً صغاراً؟ قال: كلّنا كان صغيراً فكبر. قال: وأحسبه قد كان بلغ سنّاً؟ قال: مثل مولده لا يجهل. قال معاوية: لو قال قائل إنّك أصبحت بعده سيّد قومك. قال: أمّا وأبو عبد الله الحسين ﵇ حيّ فلا. فلمّا كان من غد أتى يزيد بن معاوية ابن عبّاس وهو في المسجد يعزّى، فجلس بين يديه جلسة المعزّي وأظهر حزناً وغمّاً، فلمّا انصرف أتبعه ابن عبّاس بصره وقال: إذا ذهب آل حرب ذهب حلم قريش.\rوتزوّج عبد الله بن الزبير أُمَّ عمرو ابنة منظور الفزاريّة، فلمّا دخل بها قال لها تلك الليلة: أتدرين من معك في حجلتك؟ قالت: نعم عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى. قال: ليس غير هذا؟ قالت: ماالذي تريد؟ قال: معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد، لا بل بمنزلة العينين من الرأس. قالت: أما والله لو أنّ بعض بني عبد مناف حضرك لقال خلاف قولك. فغضب وقال: الطعام والشراب عَلَيّ حرام حتّى أحضرك الهاشميين وغيرهم من بني عبد مناف فلا يستطيعون لذلك إنكاراً. قالت: إن أطعتني لم تفعل وأنت أعلم وشأنك، فخرج إلى المسجد فرأى حلقةً فيها قوم من قريش منهم عبد الله بن عبّاس وعبد الله بن الحصين بن الحرث بن عبد مناف، فقال لهم ابن الزبير: أحبّ أن تنطلقوا معي إلى منزلي.\rفقام القوم بأجمعهم حتّى وقفوا على باب بيته، فقال ابن الزبير: يا هذه! أطرحي عليك سترك، فلمّا أخذوا مجالسهم دعى بالمائدة، فتغذّى القوم، فلمّا فرغوا قال: إنّما جمعتكم لحديث ردّته عَلَيّ صاحبة الستر وزعمت أنّه لو كان بعض بني عبد مناف حضرني لما أقرّ لي بما قلت وقد حضرتم جميعاً، وأنت يا ابن عبّاس ما تقول؟ إنّي أخبرتها أنّ معها في خدرها من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد لا بل بمنزلة العينين من الرأس، فردّت عَلَيّ مقالتي. فقال ابن عبّاس: أراك قصدت قصدي فإن شئت أن أقول قلت وإن شئت أن أكفّ كففت. قال: بل قل، وما عسى أن تقول، ألست تعلم أنّي ابن الزبير حواري رسول الله ﵌ وإنّ أُمّي أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ذات النطاقين، وإنّ عمّتي خديجة سيّدة نساء العالمين، وإنّ صفيّة عمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمجدّتي، وإنّ عائشة أُمّ المؤمنين خالتي، فهل تستطيع لهذا إنكاراً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855623,"book_id":1863,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":133,"body":"قال ابن عبّاس: لقد ذكرت شرفاً شريفاً وفخراً فاخراً غير أنّك تفاخر من بفخره فخرت وبفضله سموت. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنّك لا تذكر مفخراً إلاّ برسول الله ﵌ وأنا أولى بالفخر به منك. قال ابن الزبير: لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوّة. قال ابن عبّاس: قد أنصف القارة من راماها، نشدتكم بالله أيّها الحاضرون أعبد المطّلب أشرف أم خويلد في قريش؟ قالوا: عبد المطّلب. قال: أفهاشم كان أشرف فيها أم أسد؟ قالوا: بل هاشم. قال: أفعبد مناف كان أشرف أم عبد العزّى؟ قالوا: عبد مناف. فقال ابن عبّاس:\rتنافرني يابن الزبير وقد قضى ... عليك رسول الله لا قول هازل\rولو غيرنا يابن الزبير فخرته ... ولكنّما ساميت شمس الأصائل\rفقضى لنا رسول الله ﵌ بالفضل في قوله: ما افترقت فرقتان إلاّ كنت في خيرهما، فقد فارقناك من بعد قصي بن كلاب، أفنحن في فرقة الخير أم لا؟ فإن قلت نعم خصمت، وإن قلت لا كفرت. فضحك بعض القوم، فقال ابن الزبير: والله لولا تحرمك بطعامنا يابن عبّاس لأعرقت جبينك قبل أن تقوم من مجلسك. قال ابن عبّاس: ولِمَ؟ أبباطل فالبطال لا يغلب الحق؟ أم بحق فالحق لا يخشى من الباطل؟ فقالت المرأة من وراء الستر: إنّي والله لقد نهيته عن هذا المجلس فأبى إلاّ ما ترون. فقال ابن عبّاس: مه أيّتها الإمرأة أقنعي ببعلك فما أعظم الخطر وأكرم الخبر، فأخذ القوم بيد ابن عبّاس وكان قد عمي فقالوا: إنهض أيّها الرّجل فقد أفحمته غير مرّة، فنهض وهو يقول:\rألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا لغفا وناما\rفقال ابن الزبير: يا صاحب القطا أقبل عَلَيّ فما كنت لتدعني حتّى أقوم، وأيم الله لقد عرف الأقوام أنّي سابق غير مسبوق، وإنّ حواري وصديق متبجح في الشرف الأنيق خير من طليق. فقال ابن عبّاس: دسعت بجرتك فلم تبق شيئاً، هذا الكلام مردود من أمرء حسود، فإن كنت سابقاً فإلى من سبقت؟ وإن كنت فاخراً فبمن فخرت؟ فإن كنت أدركت هذا الفخر بأُسرتك دون أُسرتنا فالفخر لك علينا، وإن كنت إنّما أدركته بأُسرتنا فالفخر لنا عليك، والكثكث في فمك ويديك. وأمّا ما ذكرت من الطليق فوالله لقد ابتلي فصبر، وأنعم عليه فشكر، وإن كان والله لوفياً كريماً غير ناقض بيعةً بعد توكيها، ولا مُسلّم كتيبةً بعد التأمّر عليها. فقال ابن الزبير: أتعير الزبير بالجبن، والله إنّك لتعلم منه خلاف ذلك. قال ابن عبّاس: والله إنّي لا أعلم إلاّ أنّه فرّ وما كرّ، وحارب فما صبر، وبايع فما تمّم، وقطع الرحم وأنكر الفضل ورام ما ليس له بأهل.\r\rوأدرك منها بعض ما كان يرتجي ... وقصّر عن جري الكرام وبلدا\rوما كان إلاّ كالهجين أمامه ... عناق فجاراه العناق فأجهدا\rفقال ابن الزبير: لم يبق يا بني هاشم غير المشاغبة والمضاربة. فقال عبد الله بن الحصين بن الحرث: أقمناه عنك يابن الزبير وتأبى إلاّ منازعته، والله لو نازعته من ساعتك إلى انقضاء عمرك ما كنت إلاّ كالسغب الظمآن يفتح فاه يستزيد من الريح فلا يشبع من سغب ولا يروى من عطش، فقل إن شئت أو فدع، وانصرف القوم.\rقوله: دسعت بجرتك فلم تبق شيئاً، الجرّة بالكسر ما يخرجه البعير من جوفه عند الإجترار، يقال: دسع البعير بجرته، والدسع: إخراج الحرّة من الجوف.\rوقوله: الكثكث في فمك ويديك، الكثكث والأثلب فتاة الحجارة في التراب، يخاطب بذلك الخائب.\rوقوله: غير ناقض بيعة بعد توكيها ولا مُسلّم كتيبةً بعد التأمّر عليها، تلويح وتعريض بالزبير في نقضه لبيعة أمير المؤمنين وخروجه مع عائشة متأمّراً على كتيبتها يوم الجمل ثمّ أسلمها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855624,"book_id":1863,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":134,"body":"وذكر أبوالعبّاس المبرّد في كتاب الكامل ما يناسب هذا أنّ قتيبة بن مسلم لمّا فتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وآلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يرى الناس عظيم ما فتح الله عليهم، ويعرّفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت وفي صحنها قدور يرتقى إليها بالسلاليم، فإذا بالحضين بن المنذر بن وعلة الرقاشي قد أقبل والنّاس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير، فلمّا رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة: أذِّنْ لي في معاتبته! قال: لا تردّه فإنّه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلاّ أن يأذن له، وكان عبد الله يضعف، وكان قد تسوّر حائطاً قبل ذلك إلى امرأة. فأقبل على الحضين فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسنَّ عمّك عن تسوّر الحيطان. قال: رأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا تُرى. قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها؟ قال: أجل، ولا عيلان، ولو رآها سمّي شبعان ولم يسمّ عيلان. فقال عبد الله: أتعرف يا أبا ساسان الّذي يقول:\rعزلنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجرّ خصاها تبتغي من تحالف\rقال: أعرفه وأعرف الذي يقول:\rفأدّى الغرم من نادى مشيراً ... ومن كانت له أسرى كلاب\rوخيبة من يخيب على غني ... وباهلة بن يعصر والرباب\rقال: أفتعرف الذي يقول:\rكان فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل\rقال: نعم أعرفه وأعرف الذي يقول:\rقوم قتيبة أُمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل\rقال: أمّا الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، أقرأ الأكثر الأطيب (هَلْ أَتى عَلَى الإنسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئَاً مَذْكُوراً) ، فأغضبه فقال: والله لقد بلغني أنّ امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره. قال: فما تحرّك الشيخ عن هيئته الأُولى بل قال على رسله: وما يكون تلد غلاماً على فراشي فيقال فلان بن الحضين كما يقال عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله وقال له: لا يبعد الله غيرك.\rولمناسبة هذه القصّة لا بأس بذكر نبذة يسيرة من التعريضات والكنايات التي هي من الأجوبة المسكتة، فأقول: التعريض هو اللفظ الدالّ على الشيء من طريق المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وبهذا الحدّ يفرّق بينه وبين الكناية، فإنّ الكناية هي اللفظ الذي يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، ومتى أفرد جاز حمله على الجانبين معاً، ألا ترى أنّ اللمس في قوله تعالى: (أو لامَسْتُمُ النِّساء) يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكلّ منهما يصحّ به المعنى ولا يختل، فيجوز حمله على المعنى الحقيقي وهو اللمس المعلوم، وعلى المعنى المجازي وهو الجماع. والتعريض أخفى من الكناية، لأنّ دلالة الكناية وضعيّة وإنّما يسمّى التعريض تعريضاً لأنّه يفهم فيه المعنى من عرض اللفظ أي جانبه.\rقال بعضهم: والكناية تشتمل على اللفظ المفرد واللفظ المركّب فتأتي على هذا مرّة وعلى هذا أخرى، وأمّا التعريض فإنّه يختصّ في اللفظ المركّب ولا يأتي في اللفظ المفرد ألبتة، لأنّه لا يفهم فيه المعنى من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز، بل من جهة التلويح والإشارة وهذا لا يستقل به اللفظ المفرد.\rأقول: ولعلماء هذا الفن في الفرق بين التعريض والكناية وتحديدهما كلام طويل لا حاجة إلى ذكره.\rومن التعريضات اللطيفة ما روى أبوبكر بن دريد في كتاب الأمالي عن أبى حاتم عن العتبي عن ابيه أنّه عرض على معاوية فرس وعنده عبد الله بن الحكم بن أبي العاص، فقال: كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرف؟ قال: أراه أجشّ هزيماً. قال معاوية: لكنّه لا يطلع على الكنائن. قال: يا أمير المؤمنين! ما استوجبت هذا كلّه، قال: قد عوّضتك عنه عشرين ألفاً.\rقال أبو بكر بن دريد: أراد عبد الرحمن التعريض بمعاوية بما قال النجاشي في أيّام صفّين:\rونجى ابن حرب سابح ذو غلالة ... أجشّ هزيم والرماح دواني\rإذا قلت أطراف الرماح تنوشه ... مرته له الساقان والقدمان\rوأراد معاوية بقوله: لا يطلع على الكنائن التعريض بعبد الرحمن أنّه كان يزني بنساء إخوته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855625,"book_id":1863,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":135,"body":"ومن لطيف التعريض ما ذكره عبد الله بن سوار قال: كنّا على مائدة إسحاق بن عيسى بن علي الهاشمي فأتينا بخزيرة - والخزيرة شبه عصيدة بلحم وبلا لحم عصيدة - فقال: إنّها قد عملت بالسكّر والسمن والدقيق. فقال المعدّ بن عيلان العبدي: يا حبّذا السخينة! ما أكلت أيّها الأمير سخينة ألذّ من هذه. فقال: إلاّ أنّها تولد الرياح في الجوف كثيراً. قال: ولا هكذا، إنّ المعائب لا تذكر على الخوان.\rأراد المعدّ ما كانت العرب تعير به قريشاً في الجاهليّة من أكل السخينة، وأراد إسحاق بن عيسى ما تعير به عبد القيس من الفسو، قال الشاعر:\rوعبد القيس مصفرٌّ لحاها ... كأنّ فسائها قطع الضباب\rقال المبرّد: وقد يسير البيت في واحد ويرى أثره عليه أبداً كقول أبي العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:\rفما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتّالا\rفكسّر حلية السيف ... وصغها لك خلخالا\rوكان عبد الله إذا تقلّد سيفاً ورأى من يرمقه بان أثره عليه فظهر الخجل منه.\rومثل ذلك ما يحكى أنّ جريراً قال: والله لقد قلت في بني ثعلب بيتاً لو طعنوا بالرماح بعدها في أستاهم لما حكوا، وذلك قولي:\rوالثعلبي إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا\rوحكى أبو عبيدة عن يونس قال: قال عبد الملك بن مروان يوماً وعنده رجال: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعراً ودّوا أنّهم افتدوا منه بأموالهم؟ فقال أسماء بن خارجة الفزاري: نحن يا أمير المؤمنين. قال: وما هو؟ قال: قول الحارث بن ظالم المزني:\rوما قومي بثعلبة ابن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا\rفوالله يا أمير المؤمنين! إنّي لألبس العمامة الصفيقة فيخيّل لي أنّ شعر قفاي قد بدا منها.\rوقال هاني بن قبيصة النميري: ونحن يا أمير المؤمنين. قال: ما هو؟ قال: قال جرير:\rإذا الله عادى أهل لوم وقلّة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقتل\rقبيلته لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون النّاس حبّة خردل\rولا يردون الماء إلاّ عشيّةً ... إذا صدر الوارد عن كلّ منهل\rوما سمّي العجلان إلاّ لقوله ... خذا القعب واحلب أيّها العبد واعجل\rفكان الرجل منهم إذا سُئل يقول: من بني كعب.\rوكان عبد الملك بن عمير القاضي يقول: والله إنّ التنحنح والسعال يأخذاني وأنا في الخلا فأردّه حياءً من قول القائل:\rإذا ذات دلّ كلّمته لحاجة ... فهمَّ بأن يقضى تنحنح أوسل\rولا غرو فلقد كان البيت من الشعر يضع الشريف ويرفع الوضيع، كما وضع من بني نمير قول جرير:\rفغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rوكما رفع من بني أنف الناقة قول الحطيئة:\rقوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا\rفأمّا قول جرير: فغضّ الطرف إنّك من نمير الخ فقد لقيت نمير من هذا البيت ما لقيت، وجعلهم الشاعر مثلاً فيمن وضعه الهجاء إذ قال وهو يهجو قوماً من العرب:\rوسوف يزيدكم ضعةً هجاء ... كما وضع الهجاء بني نمير\rونمير قبيل شريف وقد ثلم شرفهم هذا البيت.\rومن التعريضات اللطيفة أيضاً ما روي أنّ المفضّل بن محمّد الضبي بعث بأضحية هزبلة إلى شاعر، فلمّا لقيه سأله عنها فقال: كانت قليلة الدم، فضحك المفضّل وقال: مهلاً يا أبا فلان، أراد الشاعر قول القائل:\rولو ذبح الضبي بالسيف لم تجد ... من اللؤم للضبي لحماً ولا دما\rوكانت فزارة تعير بأكل جردان الحمار، لأنّ رجلاً منهم كان في سفر فجاع فاستطعم قوماً فدفعوا إليه جردان الحمار - والجردان بالضم قضيب الفرس وغيره، كذا في الصحاح - فشواه وأكله، فأكثرت الشعراء ذكرهم بذلك، قال الفرزدق:\rجهّز إذا كنت مرتاداً ومنتجعا ... إلى فزارة عيراً تحمل الكمرا\rإنّ الفزاري لو يعمي فيطعمه ... أير الحمار طبيب أبرأ البصر\rوذكر أبو عبيدة أنّ إنساناً قال لأسماء بن خارجة الفزاري: إقض ديني أيّها الأمير فإنّ عَلَيّ ديناً. قال: مالك عندي إلاّ ما ضرب به الحمار بطنه. فقال عبيد بن أبي محجن: بارك الله لكم يا بني فزارة في أير الحمار؛ إن جعتم أكلتموه، وإن أصابكم غرم قضيتموه به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855626,"book_id":1863,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":136,"body":"ويحكى أنّ بني فزارة وبني هلال بن عامر بن صعصعة تنافروا إلى أنس بن مدرك الخثعمي وتراضوا به، فقالت بنوا هلال: يا بني فزارة أكلتم أير الحمار، فقالت بنوا فزارة: مدرتم الحوض بسلحكم، فقضى أنس لبني فزارة على بني هلال، فأخذ الفزاريّون منهم مائة بعير كانوا تخاطروا عليها. وفي مادر وهو الذي مدر الحوض بسلحه يقول الشاعر:\rلقد جللت خزياً هلال ابن عامر ... بني عامر طرّاً بسلحة مادر\rفأُفٍّ لكم لا تذكروا الفخر بعدها ... بني عامر أنتم شرار المعاشر\rهذا آخر ما أردناه أن نذكره من التعريضات، ثمّ لنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر الأجوبة المسكتة.\rيروى أنّ الفرزدق لقيه نبطي بيثرب فقال له: أنت الفرزدق؟ قال: نعم. قال: أنت الذي يخاف النّاس لسانك؟ قال: نعم. قال: فإذا هجوتني يموت فرسي؟ قال: لا. قال: فيموت ولدي؟ قال: لا. قال: فأموت أنا؟ قال: لا. قال: فأدخلني الله في حر أُمّ الفرزدق من رجلي إلى عنقي. فقال له: ولم تركت رأسك؟ قال: حتّى أرى ما تصنع الزانية.\rومرّ الفرزدق بزياد الأعجم وهو قائم ينشد، فقال له: تكلّمت يا أقلف؟ فقال له زياد: ما أسرع ما خبّرتك بها أُمّك. فقال الفرزدق: هذا وأبيك الجواب المسكت.\rعن عوانة قال: جرى بين عروة بن الزبير وبين عبد الملك بن مروان كلام فأغلظ له عروة، وكان الحجّاج حاضراً فقال: يابن العميا! أتكلّم أمير المؤمنين بمثل هذا؟ فقال له: وما أنت وذاك يابن المتمنّية؟! فضحك عبد الملك وقال: قد كنت غنيّاً عن هذا. وإنّما اراد عروة أنّ أُمّ الحجّاج وهي الفارغة بنت همام قالت:\rهل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر ابن حجّاج\rوكان نصر بن الحجّاج هذا من أجمل أهل المدينة.\rوعن المدايني قال: جرى بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد منازعة، فأغلظ له عمرو، فقال له خالد بن يزيد: يا عمرو! أمير المؤمنين لا يُكلَّم بمثل هذا! فقال له عمرو: أسكت فوالله لقد سلبوك ملكك ونكحوا أُمّك فما هذا النصح الموشّح بغش، أنت كما قال الشاعر:\rكمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بينها فلم ترقع بذلك مرقعا\rوهذا كما قيل:\rكتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى حناها\rودخل مالك بن هبيرة السلولي على معاوية فأدناه وأجلسه، وكان شيخاً كبيراً، فخدرت رجله فمدّها، فقال له معاوية: يا أبا سعيد! ليت لنا جارية لها مثل ساقيك! قال: متّصلان بمثل عجيزتك يا أمير المؤمنين، فخجل معاوية وقال: واحدة بواحدة والبادي أظلم.\rوقال معاوية لصحار العبدي: يا أزرق! قال: الباز أزرق. قال: يا أحمر! قال: الذهب أحمر. قال: ما هذه البلاغة التي فيكم يا عبد القيس؟ قال: شيء يختلج في صدورنا فتقذفه ألسنتنا كما يقذف البحر الجوهر.\rوقدم الحجّاج على عبد الملك بن مروان، فمرّ بخالد بن يزيد بن معاوية ومعه رجل من أهل الشام، فقال الشامي لخالد: من هذا؟ فقال الخالد كالمستهزىء: هذا عمرو بن العاص، فعدل إليه الحجّاج فقال: إنّي والله ما أنا بعمرو بن العاص ولا ولدت عمرواً ولا ولدني ولكنّي ابن الغطاريف من ثقيف، والعقائل من قريش، ولقد ضربت بسيفي هذا أكثر من مائة ألف كلّهم يشهد أنّك وأباك وجدّك من أهل النّار، ثمّ لم أجد عندك لذلك جزاءً ولا شكراً، وانصرف عنه وهو يقول: عمرو بن العاص، عمرو بن العاص.\rوقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: والله إنّ فيكم لخصلة يا بني هاشم لا تعجبني؟ قال: ما هي؟ قال: لين فيكم. فقال له عقيل: إيّانا تعير يا معاوية؟! أجل، والله إنّ فينا لليناً من غير ضعف، وعزّاً من غير جبريّة، وأمّا أنتم يا بني أُميّة فإنّ وفائكم غدر، وعزّكم كفر. فقال معاوية: ما أردنا كلّ هذا منك يا أبا يزيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855627,"book_id":1863,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":137,"body":"وقال معاوية يوماً على المنبر: أيّها النّاس إنّ الله تعالى فضّل قريشاً بثلاث: فقال لنبيّه ﵌: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتِكَ الأَقْرَبِين) ونحن عشيرته الأقربون، وقال: (وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) ونحن قومه، وقال: (لإيلافِ قُريش إيلافهم) ونحن قريش. فقال رجل من الأنصار: على رسلك يا معاوية فإنّ الله تعالى قال: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحقّ) وأنتم قومه، وقال: (ولمّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصدُّون) وأنتم قومه، وقال: (وقال الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هذا القُرْآنَ مَهْجُورا) وأنتم قومه، ثلاثة بثلاثة ولو زدتنا لزدناك، فأفحمه.\rوقال قتيبة بن مسلم الباهلي لهبيرة بن مسروح: أيّ رجل أنت لو كانت أخوالك من غير سلول؟ فلو بادلت بهم، قال: أصلح الله الأمير! بادل بهم من شئت وجنّبني باهلة.\rوقال جرير للفرزدق: يا أبا فراس! تحتمل مسألة؟ قال: نعم فسل عمّا بدا لك. قال: أيّما أحبّ إليك: أن يتقدّمك الخير أو تتقدّمه؟ قال: لا يتقدّمني ولا أتقدّمه بل نكون معاً، فاسمع مسألتي، قال جرير: هات، قال: أيّما أحبّ إليك: أن تدخل على امرأتك فتجد يدها على أير رجل أو تجد يد رجل على حرّها؟ فقال: قاتلك الله ما أقبلح لسانك.\rوقيل: إنّ عمرو بن العاص رأى معاوية يضحك، فقال: ممّ تضحك يا أمير المؤمنين؟ قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوئتك يوم ابن أبي طالب، أما والله لقد وجدته كريماً ولو شاء لخرق رقعتك. فقال عمرو: أما والله إنّي لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فأرعدت فرائصك ومال شقّك واحولّت عيناك وربا سحرك وبدا من أسفلك ما أكره ذكره لك، فمن نفسك فاضحك أو دع.\rوقال بلال بن أبي بردة للهيثم بن الأسود في مجلس خالد بن عبد الله القسري: أنا ابن أحد الحكمين، فقال الهيثم: أمّا أحدهما ففاسق وأمّا الآخر فمائق، فأبن أيّهما أنت؟ ودخل عبيد الله بن ظبيان على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: ما هذا الذي يقول الناس فيك؟ قال: وما يقولون يا أمير المؤمنين؟ قال: يقولون إنّك لا تشبه اباك! فقال: والله إنّي لأشبه به من الماء بالماء، ومن الغراب بالغراب، ولكن أدلّك على من لا يشبه أباه، قال: ومن هو؟ قال: من لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام. قال: ومن هو؟ قال: ابن عمّي سويد بن منجوف. وإنّما أراد عبد الملك وذلك أنّه ولد لسبعة أشهر.\rقيل: لمّا ولي سليمان بن عبد الملك أُتي يزيد بن أبي مسلم مولى الحجّاج في جامعة وكان رجلاً ذميماً تقتحمه العين، فلمّا رآه سليمان قال: لعن الله من أجرّك رسنك وولي مثلك. فقال: يا أمير المؤمنين! رأيتني والأمر عنّي مدبر، ولو رأيتني وهو عَلَيّ مقبل لاستعظمت ما استصغرت، ولاستجللت ما استحقرت. فقال سليمان: أين ترى الحجاج: أيهوي في النّار أم قد استقرّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين! لا تقل كذا فإنّ الحجّاج قمع لكم الأعداء، ووطأ لكم المنابر، وزرع لكم الهيبة في صدور النّاس، وبعد فإنّه يأتي يوم القيامة يمين أبيك عبد الملك، وشمال أخيك الوليد، فضعه حيث شئت.\rوروي عن المأمون أنّه قال: ما أعياني جواب أحد قط مثل جواب ثلاثة أحدهم: أُمّ الفضل بن سهل فإنّي عزّيتها عن ابنها وقلت: لئن جزعت على الفضل لأنّه ولدك فها أنا ذا إبنك مكانه، فقالت: وكيف لا أجزع على من جعل لي مثلك ولداً. والثاني: رجل حضرته يزعم أنّه نبيّ الله موسى ﵇، فقلت له: إنّ الله تعالى أخبرنا عن موسى أنّه يدخل يده في جيبه فيخرجها بيضاء من غير سوء، فقال لي: متى فعل ذلك موسى، أليس بعد أن لقي فرعون؟ فاعمل كما فعل فرعون حتّى أعمل كما عمل موسى. والثالث: إنّ جماعة من أهل الكوفة اجتمعوا إليّ يشكون من عاملها، فقلت: إرضوا بواحد منكم أسمع منه، فرضوا برجل منهم، فقال لي في العامل وأكثر، فقلت: كذبت، بل هو العفيف الورع العدل، فذهب أصحابه يتكلّمون، فسكّتهم ثمّ قال: صدقت يا أمير المؤمنين هو كما ذكرت فواسِ بين رعيّتك في العدل، فصرفته عنهم.\rوكتب رجل إلى صديق له يقترض شيئاً، فأجابه يشكو ضيق حاله، فكتب إليه: إن كنت كاذباً جعلك الله صادقاً، وإن كنت صادقاً جعلك الله كاذباً، وإن كنت معذوراً فجعلك الله ملوماً، وإن كنت ملوماً فجعلك الله معذوراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855628,"book_id":1863,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":138,"body":"وفي مثل هذا قول الشاعر وقد أراد أن يقترض شيئاً من صديق له فلم يعطه فقال:\rولقد أتيت لصاحبي وسألته ... في قرض دينار لأمر كانا\rفأجابني والله داري ما حوت ... عيناً فقلت له ولا إنسانا\rوسمع الأحنف رجلاً يقول: ما أحلم معاوية، فقال: لو كان حليماً ما سفه الحق.\rوكان أبوالعينا من أحضر الناس جواباً، وأجودهم بديهة، وأملحهم نادرةً، ولنذكر طرفاً من أخباره، وهي إن لم تكن كلّها من هذا النمط وإلاّ فغالبها: قيل لأبي العينا: ما أحسن الجواب؟ قال: ما أسكت المبطل وحيّر المحق.\rوقال له المتوكّل يوماً: ما أشدّ عليك في ذهاب بصرك؟ فقال: فقد رؤيتك مع إجماع النّاس على جمالك.\rوقال له يوماً: أُريدك لمجالستي! فقال: لا أُطيق ذاك وما أقول هذا جهلاً بما لي في هذا المجلس من الشرف ولكنّي رجل محجوب والمحجوب تختلف إشاراته ويخفى عليه إيماؤه ويجوز عَلَيّ أن أتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أُميّز بين هاتين هلكت، قال: صدقت.\rوروي أنّه قال له يوماً: لولا أنّك ضرير لنادمتك! فقال له: إن أعفيتني عن رؤية الهلال وقرائة نقش الخواتيم فإنّي أصلح للمنادمة.\rوقال له المتوكّل: ما تقول في ابن مكرم والعبّاس بن رستم؟ قال: هما الخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للنّاس وإثمهما أكبر من نفعهما. فقال: بلغني أنّك تودّهما! فقال: لقد ابتعت الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة.\rوقال له يوماً: بلغني أنّ سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: (إنَّ الّذينَ أجْرَموا كانَ مِنَ الّذينَ آمَنُوا يَضْحكُون) .\rوقيل لأبي العينا: إنّ إبراهيم بن نوح النصراني عليك عاتب، فقال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ والنَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) .\rورآه زرقان وهو يضاحك نصرانيّاً، فقال: (يا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أولياء) ، فقال أبوالعينا: (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ في الدّين) .\rقال المرتضى: أخبرنا أبوالحسن علي بن محمّد الكاتب قال: أخبرني محمّد بن يحيى الصولي قال: أخبرنا أبوالعيناء قال: كان سبب اتّصالي بأحمد بن أبي دؤاد أنّ قوماً من أهل البصرة عادوني وادّعوا عَلَيّ دعاوي كثيرة منها أنّي رافضي، فاحتجبت إلى أن خرجت عن البصرة إلى سرّ من رأى فألقيت نفسي على ابن أبي دؤاد وكنت نازلاً في داره أُجالسه في كلّ يوم، وبلغ القوم خبري فشخصوا نحوي إلى سرّ من رأى، فقلت له: إنّ القوم قد قدموا من البصرة يداً عَلَيّ. فقال: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ، فقلت: إنّ لهم مَكْراً، فقال: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرين) ، فقلت له: كثيرون، فقال: (كَمْ مِنْ فِئَة قَليلة غَلَبَتْ فئةً كَثيرة بإذنِ الله) فقلت: لله درّك أيّها القاضي، فأنت والله كما قال الصموت الكلابي - أو - الكهلاني:\rلله درّك أيّ جنّة خائف ... ومتاع دنياً أنت للحدثان\rمتخمّط يطؤ الرّجال غلبةً ... وطأ الفنيق دوارج القردان\rويكبّهم حتّى كأنّ رؤسهم ... مأمومة تنحطّ للغربان\rويفرّج الباب الشديد رتاجه ... حتّى يصير كأنّه بابان\rفقال لابنه أبي الوليد: أُكتب هذه الأبيات، فكتبها بين يديه.\rقال الصولي: حفظي عن أبي العينا الصموت الكلابي على أنّه رجل، وقال لي وكيع: حفظي أنّها الصموت الكلابيّة على أنّها امرأة.\rودخل أبوالعينا على الحسن بن سهل فأثنى عليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فقال: والله ما أستكثر كثيرك أيّها الأمير، ولا أستقلّ قليلك. قال: وكيف ذاك؟ قال: لا أستكثر كثيرك لأنّك أكثر منه، ولا أتستقلّ قليلك لأنّه أكثر من كثير غيرك.\rوقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان يوماً: أعذرني فإنّي عنك مشغول. فقال أبوالعينا: إذا فرغت لم أحتج إليك.\rوقال له: قد تبيّنت فيك الغضب يا أبا عبد الله؟ فقال: قد أجلّ الله قدرك عن غضبي، إنّما يغضب الرجل على من هو دونه فأمّا على من هو فوقه فلا، ولكن أحزنني تقصيرك فسمّيت حزني عضباً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855629,"book_id":1863,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":139,"body":"ويقال: إنّ صاعد بن مخلد كان من أحسن من أسلم ديناً وأكثرهم صلاةً وصدقةً، فصار إلى بابه أبوالعيناء مرّات كثيرة بعقب إسلامه، فحجب وقيل: إنّه مشغول بصلاته. فقال أبوالعيناء: لكلّ جديدة لذّة.\rودخل أبوالعيناء على أبي الصقر يوماً فقال له: ما أخّرك عنّا يا أباالعيناء؟ قال: سرق حماري. قال: وكيف قد سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك. قال: فهلاّ أتيتنا على غيره؟ قال: قعد بي عن الشراء قلّة يساري، وكرهت ذلّة المكاري، ومنّة العواري.\rوزحمه رجل بجسر بغداد على حمار فضرب بيده إلى أُذن الحمار وقال: يا فتى قل للحمار الذي فوقك يقول الطريق.\rوقيل له: هل يلقى في دهرنا من يلقى في دهرنا من يلقى؟ قال: نعم في البئر.\rووقف عليه رجل من العامّة فقال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم. فقال أبوالعيناء: مرحباً بك أطال الله بقائك، ما كنت أظنّ هذا النسل إلاّ قد انقطع.\rوقال له عبيد الله بن يحيى: كيف كنت بعدي يا أباالعيناء؟ قال: في أحوال مختلفة شرآها غيبت وخيرها أويتك.\rووعده ابن المدبّر بغلاً ولقيه بعد ذلك على حمار فقال له: كيف أصبحت يا أباالعينا؟ فقال: على حمار أعزّك الله. قال: العشيّة يجيئك البغل.\rومرّ بباب عبد الله بن منصور وكان قد اعتلّ ثمّ صلح فقال لغلامه: أيّ شيء خبره؟ قال: كا تحب، قال: فمالي لا أسمع الصراخ عليه.\rوقال له ابن مكرم يوماً يعرض به: كم عدد المكذبين بالبصرة؟ قال: مثل عدد الباغين ببغداد.\rسمع ابن مكرم رجلاً يقول: من ذهب بصره قلّت حيلته، فقال: ما أغفلك عن أبي العينا، ذهب بصره وعظمت حيلته.\rوسمع ابن مكرم أباالعينا يقول في دعائه: يا رب سائلك، فقال: يابن الزانية ومن لست سائله.\rوقال ابن مكرم يوماً: ما أحد أعقل من مغنيّة تأكل وتشرب وتتلذّذ وتأخذ الدراهم. قال أبوالعينا: فكيف عقل الوالدة؟ قال: هي أحمق من دغه.\rوقيل له: كم تمدح الناس وتذمّهم؟ قال: ما أحسنوا وأساؤا.\rوقال له المتوكّل يوماً: إنّي لأفرق من لسانك، فقال له: إنّ الشريف فروقة ذو أحجام، وإنّ اللئيم ذو أمنة وإقدام.\rوقال له يوماً وقد دخل عليه: قد إشتقتك والله يا أباالعينا! فقال له: يا سيّدي إنّما يشتدّ على العبد لأنّه لا يصل إلى مولاه، فأمّا السيّد فمتى أراد عبده دعاه.\rوروي أنّه قال له يوماً: ما بقي أحد في مجلسي إلاّ وقد اغتابك وذمّك عند ما جرى ذكرك غيري. فقال أبوالعينا:\rإذا رضيت عنّي كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً عَلَيّ لئامها\rوذكر أبوالعينا قال: قال لي المتوكّل: كيف ترى داري هذه؟ فقلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدّنيا وأمير المؤمنين جعل الدّنيا في داره.\rوقال أبوالعينا: قال لي المتوكّل: من أسخى من رأيت ومن أبخل من رأيت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت أسخى من أحمد بن أبي دؤاد، ولا أبخل من موسى بن عبد الملك. قال: وكيف وقفت على بخله؟ فقلت: رأيته يحرم القيب كما يحرم البعيد، ويعتذر عن الإحسان كما يعتذر من الإسائة. فقال: أجئت إلى من أطرحته فسخيته وإلى من أمسكته فبخّلته. فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّ الصدق ما هو في موضع من المواضع أنفق منه بحضرتك والنّاس يغلطون فيمن ينسبونه إلى السخاء، فإذا نسب الناس السخاء إلى البرامكة فإنّما ذاك سخاء أمير المؤمنين الرشيد، وإذا نسب الناس الحسن بن سهل والفضل بن سهل إلى السخاء فإنّما ذاك سخاء المأمون، وإذا نسبوا أحمد بن أبي دؤاد إلى السخاء فذلك سخاء أمير المؤمنين المعتصم، وإذا نسبوا الفتح بن خاقان وعبيد الله بن يحيى إلى السخاء فإنّما هو سخاؤك، وإلاّ فما بال هؤلاء القوم لم يُنْسَبوا إلى السخاء قبل صحبتهم الخلفاء؟ فقال لي: صدقت، وسرى عنه.\rروى أبوالعينا عن الشعبي قال: دخل الفرزدق إلى سعيد بن العاص وعنده الحطيئة، فلمّا مثل بين يديه قال:\rإليك فررت منك ومن زيادِ ... ولم أحسب دمي لكما حلالا\rفإن يكن الهجاء أحلّ قتلي ... فقد قلنا لشاعركم وقالا\rترى الغرّ الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا\rقياماً ينظرون إلى سعيد ... كأنّهم يرون به الهلال\rفقال له الحطيئة: هذا والله أيّها الأمير الشعر لا ما كنّا نعلّل به منذ اليوم، يا غلام! أقدمت أُمّك إلى الحجاز؟ قال: لا ولكن قدمه أبي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855630,"book_id":1863,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":140,"body":"أراد الحطيئة بقوله: إن كانت أُمّك قدمت الحجاز فقد وقعت عليها وكنت منّي، وأراد الفرزدق بقوله: قدمه أبي أي وقع بأُمّك فكنت أنت أخي.\rوروي عن الشعبي أنّه قال: قاتل الله أباالأسود ما كان أعفّ أطرافه وأحضر جوابه، دخل على معاوية في النخيلة، فقال له معاوية: أكنت ذكرت للحكومة؟ قال: نعم. قال: فما كنت صانعاً؟ قال: كنت أجمع ألفاً من المهاجرين وأبنائهم وألفاً من الأنصار وأبنائهم ثمّ أقول: يا معشر من حضر أرجل من المهاجرين أحقّ أم رجل من الطلقاء، فلعنه معاوية وقال: الحمد لله الذي كفاناك.\rوروي أنّ أباالأسود طلب أن يكون في الحكومة وقال لأمير المؤمنين في وقت الحكمين: يا أمير المؤمنين! لا ترض لأبي موسى فإنّي قد عجمت الرجل وبلوته وحلبت أشطره فوجدته قريب القعر مع أنّه يمان وما أدري ما يبلغ نصحه فابعثني فإنّه لا يحلّ عقدة إلاّ عقدت له أشدّ منها وإنّهم قد رموك بحجر الأرض، فإن قيل إنّه لا صبحة لي فاجعلني ثاني اثنين فليس صاحبهم إلاّ من تقرّب وكان في الخلاف عليهم كالنجم، فأبى ﵇.\rوروى محمّ بن يزيد النحوي أنّ أباالأسود كان نازلاً في بني قشير وكانوا يخالفونه في المذهب لأنّ أباالأسود شيعيّاً، فكانوا يرمونه بالليل فإذا أصبح شكا ذلك، فشكا مرّة فقالوا له: ما نحن نرميك ولكنّ الله يرميك. قال: كذبتم، لو كان الله يرميني ما أخطأني.\rوقال عتبة بن أبي سفيان لعبد الله بن عبّاس: ما منع علي بن أبي طالب ﵇ أن يجعلك أحد الحكمين؟ قال: أما والله لو بعثني لاعترضت مدارج أنفاسه أطير إذا أسفَّ وأسفُّ إذا طار، ولعقدت له عقداً لا تنقض مريرته ولا يدرك طرفاه ولكنّه سبق قدر ومضى أجل والآخرة خير لأمير المؤمنين ﵇ من الدّنيا.\rوقال أبو جعفر محمّد بن عليّ ﵉ لكثير: امتدحت عبد الملك بن مروان؟ فقال له: لم أقل له يا إمام الهدى وإنّما قلت له: يا شجاع، والشجاع حيّة، ويا أسد، والأسد كلب، ويا غيث، والغيث موات. فتبسّم أبو جعفر من قوله.\r\rالباب العاشر في قافية الراء\rوفيها خمسة فصول\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت في مدحه هذه القطعة:\rأيّامنا بك بيض كلّها غرر ... وعيشنا بك غضّ مونق نضر\rووجهك المتجلّي للندى مرحاً ... من نوره تستمدّ الشمس والقمر\rيا شمس دارة أُفْق المجد كم لك من ... صنايع لم تكن في العدّ تنحصر\rلله كم لك من معنىً تحير في ... إدراكه العقل والأوهام والفكر\rقد قلت للمبتغي جهلاً علاك لقد ... جريت لكنَّ عنها شأنك القصر\rتبغي على ماجد ما رامه أحد ... إلاّ وعاد بطرف عنه ينحسر\rذاك الذي ما جرى يوماً لنيل علىً ... إلاّ وقصّر عن إدراكه البصر\rكم زرته فرأيت الأرض قد جمعت ... في مجلس لفتىً فيه استوى البشر\rفي العسر واليسر فيه لم يخب أملٌ ... ولا تغيّر من أخلاقه الغير\rكأنّما صلة الوفّاد واجبة ... عليه نصّت بها الآيات والسّور\rلولاه أصبحت الدنيا بأجمعها ... ما للسماح بها عين ولا أثر\rفليس في السحب من بخل إذا انقشعت ... لكنّها لحياء منه تستتر\rأقول: قد اشتملت هذه المقطوعة على القسم الثاني من الإبداع، والإبداع هو أن يخترع المتكلّم معان غير مسبوق إليها.\rقال عبد الحميد: خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً.\rوهو أي الإبداع ضربان: أحدهما: ما يبتدع عند الحوادث المتجدّدة.\rلمّا بنى عبد الملك باباً للمسجد الأقصى والحجّاج آخر مثله بإزائه فاحترق باب عبد الملك بالصاعنة دونه فشقّ ذلك عليه، فكتب إليه الحجّاج: وما مثلي ومثلك إلاّ كمثل ابني آدم إذ قرّبا قرباناً فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، فسري عنه.\rولمّا عصفت الريح بخيمة سيف الدولة وكانت خيمة كبيرة، سقطت، فتطيّر من ذلك، فقال المتنبّي من جملة قصيدة:\rتضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل\rولا تنكرنَّ لها صرعةً ... فمن فرح النفس ما يقتل\rولمّا أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنّك لا ترحل\rفما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل\rأي أشار بما تفعله من الإرتحال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855631,"book_id":1863,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":141,"body":"وممّا اتّفق لي في وصف خيمة تنصب على صحن دار سيّدنا المهدي الشهير بالقزويني في العشر الأوائل من المحرّم لإمامة مأتم الحسين ﵇ وكانت الخيمة أوّل عام سوداء ثمّ جعل مكانها في العام الثاني بيضاء، فقلت في ذلك:\rاليوم قد صوّت ناعي الهدى ... يفصح بالنعي ولا يكنّي\rبنعي قتيل الطف عند ابنه ... المهدي مولى الإنس والجنِّ\rوقائل ذا السقف ما باله ... ابيضَّ وعهدي فيه كالدجن\rقلت رأى المهدي مستشعر ال ... سواد حزناً باكي الجفن\rفصار عيناً كلّه للبكا ... وها هي ابيضّت من الحزن\rوكان الإمام فخرالدين الرازي يجلس للوعظ إذ أقبلت حمامة وخلفها صقر فألقت نفسها في حجر الإمام، فقال ابن عنين:\rجائت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف\rمن نبأ الورقاء إنّ محلّكم ... حرمٌ وإنّك ملجأ للخائف\rوزارني بعض الأكابر ليلاً فاشتدّ هبوب الريح وارتفع غبار كثير، فقلت في ذلك:\rبوركت عشيّة زار فيها ... فمرّ المجد ربعنا فأضاء\rوأظنّ الرّياح قد حسدتنا ... فهي وجداً تنفّس الصّعداء\rوروى المرزوقي أنّ أبا تمام أنشد المعتصم قصيدته التي يقول فيها:\rإقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\rوكان إسحاق الكندي حاضراً فقال: أمير المؤمنين أكبر من كلّ من شبّهته به، فزاد بديهاً:\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودا في الندى والبأس\rفالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس\rفتعجّب الحاضرون من فطنته وذكائه.\rوثانيهما: ما يبتدع من غير شاهد حال. قال المتنبّي في كافور:\rفجائت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا\rوقال أيضاً:\rصدمتهم بخميس أنت غرّته ... وسمهريّته في وجهه غمم\rفكانت أثبت ما فيه جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم\rوقال التهامي:\rألا إنّ طيّاً للمكارم قبلة ... وحسان منها ركنها ومقامها\rتزاحم تيجان الملوك ببابه ... ويكثر في يوم السلام زحامها\rإذا عاينته من بعيد ترجّلت ... وإن هي لم تفعل ترجّل هامها\rوجاء قول بعض المغاربة في الحمر أبدع ما يكون:\rثقلت زجاجات أتتنا فرّغاً ... حتّى إذا ملأت بصرف الراح\rخفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح\rوروي أنّ أبا نؤاس مرّ على أديب يفيد النّاس بشعره، فلمّا افتتح قوله في الخمر:\rألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر\rوقف وقال: أُنظر ما عساه يقول. فقال الأديب: أشار الشاعر بقوله: وقل لي هي الخمر إلى حظّ حس السمع ليحظى بتمام حسّه، فتعجّب منه أبو نؤاس وقال: ما هجس هذا المعنى في خلدي.\rوقال الأصمعي: قال لي الرشيد: قد أحسن الأخطل في قوله:\rتدبّ دبيباً في العظام كأنّما ... دبيب نمال في نقاً يتهيّل\rفقلت: أحسن منه قول أبي نؤاس:\rإذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل\rوالإبداع في هذه المقطوعة من هذا القسم قولي:\rوليس بالسحب من بخل إذا انقشعت ... لكنّها لحياء منك تستر\rنبذة من بدايع النحويّين: دخل رجل مجلس كافور فقال: أدام الله أيّام سيّدنا - بكسر الميم - ففطن الناس فقال:\rلا غرو إن لحن الداعي لسيّدنا ... وغصّ من دهش بالريق أو بهر\rفقد تفألت من هذا لسيّدنا ... والفال مأثورة عن سيّد البشر\rبأن أيّامه خفضٌ بلا نصب ... وإنّ أوقاته صفو بلا كدر\rوقال المتنبّي:\rحولي بكلّ مكان منهم خلق ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن\rوقال أيضاً:\rإذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم\rأي إذا نوى أمراً يفعله مضى قبل أن يقال لا تفعل أو لم تفعل لأنّه لم يسبق إلى ما يهمّ به نهي أو فتور. ولمح الصفي في هذا المعنى في قوله وهو ما نحن فيه:\rما شدّد النون الثقيلة إنّه ... إن قال يسبق فعله التأكيدا\rوقال بعضهم:\rكأنّ النوى إذ نادت الدمع رخّمت ... ولا أثر فيها أجاب على العين\rوأوضح هذا المعنى من قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855632,"book_id":1863,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":142,"body":"عجبت من دمعتي وعيني ... من قبل بين وبعد بين\rقد كان عيني بغير دمع ... فصار دمعي بغير عين\rوقال الآخر:\rطيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قدماً إليها وإن عاقت معاذيري\rفكيف صبري عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهوى بين ممدود ومقصور\rوقال ابن عنين:\rمال ابن مازة دونه لعفاته ... خرط القتادة أو مناط الفرقد\rمالٌ لزوم الجمع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادي المفرد\rوقال ابن أبي الأصبع:\rأيا قمراً من حسن وجنته لنا ... وظلّ عذاريه الضحى والأصائل\rجعلتك بالتمييز نصباً لناظري ... فهلاّ رفعت الهجر والهجر فاعل\rتنقّلت من طرفي لقلبي مع النوى ... وهاتيك للبدر التمام منازل\rفلقد أبدع في قوله: من طرفي لقلبي، لأنّ القلب والطرف من منازل القمر، والطرف رائد القلب. وقال الأرجاني في هذا المعنى وإن لم يكن ممّا نحن فيه:\rإن تغش طرفي وقلبي نازلاً بهما ... فالطرف والقلب كلٌّ منزل القمر\rواستأذن رجل سيبويه فلم يأذن له وقيل: ينصرف. فقال: اسمي أحمد وهو لا ينصرف. فقيل: أحمد في المعرفة لا ينصرف وأمّا في النكرة فمنصرف.\rولنرجع إلى ذكر المدائح: قلت في مدحه هذه القصيدة وأرسلتها إليه:\rعين فتّانة لها القلب خدر ... سحرتني وأعين الغيد سحر\rطفلة الحيّ شأنها اللهو لكنْ ... حالتا لهوها خضابٌ وعطر\rأقرأتني الجمال حرفاً فحرفاً ... وهو في صدرها المطرّز سطر\rوجلت لي وما سوى الثغر كاسٌ ... وسقتني وما سوى الريق خمر\rوهدتني بوجهها وهو بدر ... تحت ليل أضلّني وهو شعر\rنشرته دلاً على ولفتني ... عناقاً فلذَّ لفٌّ ونشر\rياسقى عهدها حيّاً من ثنايا ... ها ودمعي له وميض وقطر\rجرحتني بلحظها ثمّ قالت ... هل لجرح الهوى بقلبك سبر\rلا وكاسي محمد حسن الفخر ... بقلبي جرح الهوى مستمرّ\rحيّ في مطلع السماح هلالاً ... عن عيون الراجين لا يستسرّ\rمستهلاًّ على يد اليمن فيه ... بارك السعد وهو طهرٌ أغرّ\rونمى في العلاء غصن صباه ... وهو من ريق المحاسن نضر\rما نضى بردة الشباب ومنه ... ملؤ برد الزمان مجد وفخر\rخلفكم يا مشائخ الحزم عجزاً ... فات سبقاً كهل التجارب غرّ\rمن إذا حلبة الخطابة فيها ... فمّه والخصوم سبق وحضر\rقال بالفصل ناطقاً فأرموا ... وادّعى الففضل سابقاً فأقرّوا\rورأوا نثره الفريد فقالوا ... أكلامٌ يفيه أم فيه درّ\rيده ليس تألف الدرهم المض ... روب مكثاً لكن عليها يمرّ\rكره البخل مذ ترعرع حتّى ... سمعه عن سماع لا فيه وقر\rوإلى الآن ليس يدري سوى قول ... \"بلى\" منذ قالها وهو ذرّ\rذو محيّاً يكاد يقطر ماء ال ... بشر منه لو كان للبشر قطر\rوسجاياً كالروض باكره الطلُّ ... نسيم الصبا عليه يمرّ\rفهو والمكرمات روح وجسم ... ووشاح يزينها وهي خصر\rوبإيداعها له السرّ لطفٌ ... وبتفويضها له الأمر جبر\rيا أخا المكرمات وهو نداء ... أجد المكرمات فيه تسرّ\rهاك سيّارة مع الريح لكن ... تلك شر رواحها وهي دهر\rبنت فكر على النوى لك أمت ... لم يلد مثلها لمثلك فكر\rكلّما أثقل الحيا من خطاها ... خفّ فيها هوىً إليك مبرّ\rحيّها خير ما اجتليت عروساً ... بنت يوم قبولها منك مهر\rأخت عذر جائت على العتب تسعى ... ألها إن تأخّرت عنك عذر\rوقلت في أبيه محمّد الصالح هذه القصيدة الفائقة بمحاسنها الرائقة:\rبنور وجهك لا بالشمس والقمر ... أضاء أُفق سماء المجد والخطر\rوفي البريّة عن معروفك انتشرت ... رواية الشاهدين السمع والبصر\rتحدّثوا عنك حتّى أنّ كلَّ فم ... به عبير شذىً من نشرك العطر\rوخلقك الروضة الغنّاء ترهم في ... نطاف بشرك لا في ريق المطر\rوكفّك البحر ما غاض الرجاء به ... إلاّ وأبرز منه أنفس الدرر\rودار عزّك تغدوا الوفد ناعمة ... فيها بأرغد عيش مونق نضر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855633,"book_id":1863,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":143,"body":"بها الضيوف تحيي منك أكرم من ... يعطي الرغائب من بدوِ ومن حضر\rحيث الجفان على بعد تضيء بها ... للطارقين ضياء الأنجم الزهر\rلقد غدا الأُفق العلويّ يحسدها ... على مواقدها في سالف العصر\rوودّض لو أنّها كانت له بدلاً ... من الكواكب حتّى الشمس والقمر\rفالشهبوالبدر يطفي الصبح ضوئهما ... والشمس في الليل لم تشرق ولم تنر\rلكنَّ دارك لم تبرح مواقدها ... مضيئة تصل الأصباح بالسحر\rما زلت ترفع فيها للقرى كرماً ... ناراً شكا الأُفق منها لافح الشرر\rيا مقرض الله في عصر به وثقت ... بنوا الزمان بكنز البيض والصفر\rيفدي يديك ابن حرص لا حياء له ... يلقى العفاة بوجه قدَّ من حجر\rجرى لعلياك من جهل فقلت له ... لقد جريت ولكن جري منحدر\rسما بك الحظ لكن عن علاء أبي ال ... مهدي حطّك ذلّ العجز والخور\rأنت المعذّب بالأموال تجمعها ... خوف البغيضين من فقر ومن عسر\rوهو المفرّق ما يحويه مدّخرا ... كنز الخطيرين من حمد ومن شكر\rمهذّب يتبع النعمى بثانية ... دأباً وجود سواه بيضة العقر\rيا ناظراً سير الأمجاد دونك خذ ... منه العيان ودع ما جاء في السير\rتجد به من أبيه كلّ مأثرة ... ما للحيا مثلها في الجود من أثر\rله مناقب مجد كلّها غرر ... في جبهة الدهر بل أبهى من الغرر\rينمى إلى طيبي الأعراق من عقدوا ... على العفاف قديماً طاهر الأزر\rخذوا بني الشرف الوضّاح كاعبة ... مولودة الحسن بين البدو والحضر\rلم تجلَ في مجلس إلاّ بوصفكم ... تبسّمت كابتسام الروض بالزهر\rأن يصد نقص أناس فكر مادحهم ... ففضلكم صيقل الألباب والفكر\rلا زال بيت علاكم للورى كرماً ... تحجّه الوفد مأموناً من الغير\rومن الشعر الأجنبي القصيدة الرائيّة التي قلتها في الثناء العاطر على صدر الوزارة الأعظم وقد سبقت الإشارة إليها في حرف الحاء عند ذكر الحائية التي قلتها في صبحي بك، والرائيّة هذه:\rأحقُّ بالعزّ من لا يرهب الخطرا ... ولا يعاقد إلاّ البيض والسمرا\rوالسيف أجدرُ أن يستلّه لوغىً ... من ليس يغمده أو يدرك الظفرا\rوأبيض العرض من في كفّه صدرت ... بيض القواضب من فيض الدما حمرا\rلم تقض من وصله بكر العلى وطراً ... حتّى من الهام يقضي سيفه وطرا\rوحوزة الملك أولى في حياطتها ... من بات في حفظها يستعذب السهرا\rوذي الرعيّة أحرى في سياستها ... من بالتجارب غور الدهر قد سبرا\rولى يملك يوماً رقَّ مملكة ... من ليس يملأ منها السمع والبصرا\rولا تراض أقاليم البلاد لمن ... لم تسق من خلقيه الصفو والكدرا\rوالحلُّ والعقد لم يورد صوابهما ... إلاّ الّذي ثقةً عن رأيه صدرا\rأما نظرت لسلطان البريّة من ... على الرعيّة ظلّ العدل قد نشرا\rكيف اغتدى مورداً أسرار حضرته ... صدراً أحاط بأسرار النهى خبرا\rفقال خذ منصباً أُمّ العلى نصبت ... أسرّة لك فيه الأنجم الزهرا\rهذي الوزارة فاحلل في ذوائبها ... فالحزم للشمس إن تستوزر القمرا\rفقام في رأيه والسيف يجمع من ... أطراف مملكة الإسلام ما انتُشرا\rمؤيّداً بجنود من مهابته ... قد انتضى معه آرائه زبرا\rإن يجر في حلبات الرأي مبتدراً ... أخلت له الوزراء الورد والصدرا\rوسلّمت لعلاه الأمر مذعنةً ... لما يقول نهى أن شاء أو أمرا\rذو غرمة مثل صدر السيف باترة ... لو لاقت الدهر قرناً عمره انبترا\rرعى المحبّين فيها البدو والحضرا ... وروّع المبغضين الروم والخزرا\rقد قلّد الملك منه سيف ملحمة ... لو يقرع الصحر بأساً بالدما انفجرا\rكم خاض بحر وغىً بالحزم محتزماً ... بالنقع ملتثماً بالصبر متّزرا\rفي جحفل إن سرى ضاقت بأوّله ... الدنيا وآخره لم يدرَ أين سرى\rوجاء والهمّة العلياء فيه أتت ... كالسيل من قلل الأجبال منحدرا\rفعال منتصر لله قام بها ... في الله منتهياً لله مؤتمرا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855634,"book_id":1863,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":144,"body":"إن ينتقم فحقوق الله يأخذها ... وليس يلغي حقوق الله إن غفرا\rحلو السجايا رقيق طبعه عذبت ... له خلائق ينفي صفوها الكدرا\rخلائق كالحميا لو ترشفها ... من كان يبغضه في حبّه سكرا\rآنستِ يا وحشة الدنيا بذي كرم ... أحيى بجدواه ميت الجود فانتشرا\rليس السحائب تحكيه وقد علمت ... من كفّه ماؤها قد كان معتصرا\rولا البحار تضاهيه وإن طفحت ... أمواجها فهي بخلاً تكنز الدررا\rيا من نرى النّاس أنّى عاب غائبةً ... جميعها وحضوراً أينما حضرا\rأمجلساً لك هذي الأرض قد جمعت ... أم أنت قد ضمنت أبرادك البشرا\rإنّ الصدارة لم يصلح سواك لها ... كأنّها أبداً عينٌ وأنت كرى\rلا زال سعدك بالإقبال مقترناً ... يستخدم المبهجين الفتح والضفرا\rوكان عبد الباقي أفندي العمري نظم قصيدة في مدح النبي ﵌ وأرسلها إليّ طالباً تخميسها فخمّستها وأرسلتها إليه، فبعث إليّ بمقطوعة يمدحني بها على ذلك - وستأتيان في حرف القاف - فبعثت إليه بهذه القصيدة شاكراً:\rباتت تروّحني بنشر عبيرها ... بيضاء تجلو النيّرين بنورها\rوجلت عَلَيّ مدامةً بمفاصلي ... منها وجدت فتور عين مديرها\rورأيت شعلة خدّها من كأسها ... قد أوجستها مهجتي بضميرها\rودنت إليّ فأسفرت عن وجنة ... حسداً تموت الشمس عند سفورها\rورنت بناظرتي عقيلة ربرب ... بكرت تريع إلى نطاف غديرها\rوصفت لعيني في بدايع حسنها ... حور الجنان فخلتها من حورها\rثمّ انثنت غنجاً تصدُّ بمقلة ... سرقت من الآرام لحظ غريرها\rوتستّرت بضفائر لو تحتها ... سرت الكواكب مااهتدت لمسيرها\rباتت ترفرف بين أنفاس الصبا ... وتضوع بين ورودها وصدورها\rحتّى لقد حملت شذىً من عرفها ... أشفقت تعرفه الورى بعبيرها\rفوددت أقطع كفَّ ماشطة الصبا ... كي لا ترجّل جعدها بمرورها\rولئن ضننت على النسيم بها فلا ... عجبٌ ولو وافى بوقت هجيرها\rفبمقلتي لو لم أخف إنسانها ... لحجبتها عن لحظ عين سميرها\rوكذبت ما في العين إنسان ولا ... في العالمين صغيرها وكبيرها\rمن أين إنسان لعيني غيرها ... والناس غير أبي الحسين أميرها\rألها أميرٌ في البلاغة غيره ... وبها تشير إليه كفّ مشيرها\rولئن إليه غدت تشير فإنّها ... ما أدركته بفكرها لقصورها\rفرأت مناقب منه فاروقيّهً ... ما إن تزيّنت العلى بنظيرها\rومآثراً عمريّة بقليلها ... كثرت عداد الشهب لا بكثيرها\rنفحت بعارفة عَلَيّ خطيرة ... قد أفحمت منّي لسان شكورها\rجذبت بضبعي فارتقيت بها على ... هام المجرّة رافلاً بجبيرها\rفلو أنّ أعضائي تحوّل ألسناً ... تثني عليه إلى انقطاع دهورها\rبقصائد حبّات قلبي لفظها ... وسواد أحداقي مداد سطورها\rما كنت أبلغ شكرها فيه ولو ... أنّي ملأت الكون في تحريرها\rهو ذاك منتجع الفصاحة مجتنى ... ثمر البلاغة مستمدّ غزيرها\rربّ القوافي السائرات بحيث لم ... يقطع نهاية سيرها ابن اثيرها\rوكميُّ مزبرة ترى لسن الضبا ... خرساً إذا نطقت بآي زبورها\rمن عن لسان الروح أصبح ناطقاً ... لا عن لسان لبيدها وجريرها\rبزواهر نجمت فأطفأ ضوئها ... شعل النجوم الزهر عند ظهورها\rوكأنّما طبعت بمرآة السما ... بدل الكواكب شكلهنّ بنورها\rلم ينشها إلاّ عقوداً ناثراً ... لنظيمها أو ناظماً لنثيرها\rمدحاً يفصّلهنّ مابين الورى ... لنذيرها الهادي وآل نذيرها\rإنّ القوافي ما برحن فواركاً ... لم تمنح الشعراء غير نفورها\rواليوم قد صارت طروقة فحلها ... منه وفرّ نفارها بمصيرها\rمسكت خطام قيادها يده وهم ... لم يمسكوا إلاّ خطام غروّها\rفله ذكور اللفظ دون إناثها ... ولهم إناث اللففظ دون ذكورها\rلا زال منها ناظماً مالم يدع ... فضلاً لأوّلها ولا لأخيرها\rفصل في التهاني\rقلت مهنّياً لأبيه محمّد الصالح وقد عوفي من مرض شديد:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855635,"book_id":1863,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":145,"body":"أيماض برق أم ثغور ... في ضمنها نطف الخمور\rحلب الغمام رضابها ... وحديثها حلب العصير\rلمّا نشرن لها حدي ... ث الوصل كالروض النضير\rساقطن عن برد تنظّ ... م رائق الدرّ النثير\rسقياً لليلة لهونا ... في ذلك الرشأ الغرير\rوالكأس دائرة عَلَيّ ... تعينها عين المدير\rفمفاصلي وجفونه ال ... وسنى سواء في الفتور\rنشوات سكر أمكنت ... ني من محالات الأُمور\rلو يعتفيني عندها ... ربّ الشويهة والبعير\rلوهبت من طربي له ... ربّ الخورنق والسدير\rالآن دع يا سعد قا ... صرة الغواني للقصور\rوانهض لبشرىً طبّق ال ... دنيا بها صوت البشير\rبشفاء من عبرت معا ... ليه على الشعرى العبور\rمولىً غدت بشفائه ... الأيّام باسمة الثغور\rعبق بعطفيه عبير ال ... مجد لا عبق العبير\rتقف المكرم عنده ... وتسير حيث يقول سيري\rوإذا نظرت إلى الزما ... ن بعين منتقد بصير\rلم تلفه إلاّ صحي ... فة مأثرات بني الدهور\rوسوى مآثره الجمي ... لة ليس فيها من سطور\rتغنيه أوّل نظرة ... في الرأي عن نظر المشير\rويرى بعين وروده ... في الأمر عاقبة الصدور\rتغذو حلوبة جوده ال ... عافين بالدَرّ الغزير\rيتشطّرن ضروعها ... لا بالثلوث ولا الشطور\rزرعوا رجائهم بجا ... نب جوده العذب النمير\rفنمى ورفَّ عليه مث ... ل النبت رفَّ على الغدير\rلولا نضارة ولده ... لحلفت عزَّ على النضير\rإذ من بهاه بهائهم ... وكذا الشعاع من المنير\rأوما ترى للبد ما ... للشمس من شرف ونور\rيا معشراً لولاهم ... أضحى السماح بلا عشير\rقرّت عيونكم بصحّ ... ة صفوة الشرف الخطير\rوهناكم المنشور من ... هذا السرور إلى النشور\rولمّا قدم أخوه المصطفى من زيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا سلام الله عليه نظمت في تهنئته هذه القصيدة:\rطرب الدهر فاستهلّ منيرا ... يملأ الكون بهجة وسرورا\rوسرت نفحة من البشر فيه ... ضمخت خيمة السماء عبيرا\rعدن أوقاته رقاق الحواشي ... لك تهدي بشاشةً وحبورا\rكلّ وقت يمرّ منها تراه ... بارد الظل طيّباً مستنيرا\rفكأنّ الهجير كان أصيلاً ... وكأنّ العشيّ كان بكورا\rبوركت من صبيحة في ضحاها ... وفد اليمن بالسعود بشيرا\rوإلى طلعة جلّت كلَّ غم ... ببنان الإقبال أضحى مشيرا\rفتأمّل عقود هذي التهاني ... كيف زانت به الليالي النحورا\rطاب نشر الأفراح في بشر قوم ... لهم الفضل أوّلاً وأخيرا\rشرعٌ في العلى وغير عجيب ... فلها رشح الكبير الصغيرا\rمعهم يولد النهى فترى اليا ... فع كهلاً والكهل شيخاً كبيرا\rخاطروا في العلى فناهيك فيهم ... شرفاً باذخاً ومجداً خطيرا\rمنهم يستضاء شرقاً وغرباً ... بوجوه تكسوا الكواكب نورا\rفمع الشمس يشرقون شموساً ... ومع البدر يشرفون بدورا\rأيّها العصر لا أرى لك مثلاً ... زانك المصطفى فباهي العصورا\rقبله هل مسحت غرّة صبح ... من لثام الأسفار أبدت سفورا\rشخصت نحوه العيون ولكن ... عاد بعضٌ يقذي وبعضٌ قريرا\rفبعين شعاعه كان ناراً ... وبعين شعاعه كان نورا\rبلّغته الرضا عزيمة نفس ... كبرت أن ترى الخطير خطيرا\rكم طوى البيد باسطاً كفّ جود ... نشرت ميّت الندى المقبورا\rواستقلّ البحور جوداً فأجرى ... من أسارير راحتيه بحورا\rما نحا بلدة بمسراه إلاّ ... وأبت نحو غيرها أن يسيرا\rوإذا ذكره أطاف بأخرى ... كاد شوقاً فؤادها أن يطيرا\rفأتى مشهداً لمن طاف فيه ... قد أعدّ الإله أجراً كبيرا\rفيه لطف الله الذي من يزره ... زار في عرشه اللطيف الخبيرا\rوانثنى راجعاً بأحشاء قوم ... معه سافرات وعفن الصدورا\rزار بغداد من بها ركز اليو ... م لواء المفاخر المنشورا\rراقها منه طالعاً بدر مجد ... لا رأت للغروب فيه نذيرا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855636,"book_id":1863,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":146,"body":"ما تجلّى بباهر الضوء إلاّ ... عاد طرف الحسود عنه حسيرا\rفصل في الرثاء\rلمّا توفّي للهمام الماجد عبد الكريم أخي الفاضل الصالح ولد قد جاوز بلوغ الحلم بقليل يُسمآى محمّد ويُلقّب بالكاظم، نظمت في رثائه هذه القصيدة معزّياً بها عمّه وأباه:\rلا أرى للزمان ما عشت عذرا ... أفيدري لمن تأبّط شرّا\rوبمن بغتة ألمّ بخطب ... ساء ذاالفضل فيه عبداً وحرّا\rردَّ فيه حزناً نواصي الليالي ... ووجوه الأيّام شعثاً وغبرا\rجذَّ من دوحة المكارم غصنا ... فذوى بغتةً وقد كان نضرا\rيا هلالاً رجوت يكمل بدراً ... محقته يد الردى فاستسرّا\rمن عذيري من لائم فيك لا أق ... بل عذلاً وليس يقبل عذرا\rلام حتّى بلومه ضقت ذرعاً ... مثلما ضقت في مصابك صدرا\rقلت دعني ومقلة لي عبرى ... ببكاها ومهجة لي حرّا\rلا تسمني قرار عيني فهذا ... ضوئها في ثرى اللحود استقرّا\rهو منّي شطر الحشا أَوَ أسلو ... بعد ما من حشاي فارقت شطربا\rعجباً صرت فيه أسمح للتر ... ب ومنه على أطرح وقرا\rبعد ضنّي على العيون جميعاً ... أن ترى ذلك المحيّا الأغرّا\rكان لي في حايته العيش حلواً ... وهو اليوم بعده قد أمرّا\rوبحسبي ما عشت داءً لنفسي ... أنا أبقى ويسكن اللحد قسرا\rسوئةً للزمان مالي أراه ... ساء من أحسنوا لأبناه طرّا\rهم بنوا المصطفى ومن في البرايا ... كبني المصطفى سماحاً وبرّا\rقد كساهم محمّد صالح الأف ... عال برداً من فخره طاب نشرا\rورعٌ من رآه قال لعمري ... إنّ لله في معانيك سرّا\rيا بني المصطفى رسختم حلوماً ... فغدوتم على النوائب صبرا\rذاالجوى أنتم حريّون فيه ... لكن الصبر أنتم فيه أحرى\rومصاب الماضي يهون إذا ما ... كنت أنت الباقي وإن عزَّ قدرا\rوقال عمّنا المهدي في رثاء الفاضل الصالح محمّد وتعزية أخيه وولديه المصطفى والحسن:\rقوّض الخير عن الدنيا بأسره ... يوم قد سار أبوالخير بقبره\rوانطوت لمّا انطوى في لحده ... بركات الأرض في طيّب عفره\rسلب الدنيا الردى غيث ندى ... ملأ الدنيا ومن فيها بقطره\rفدهاها بعده الجدب الذي ... لفَّ منها السهل والحزن بشره\rوعليه صرخ العالم في ... صرخة قد ثقفت أضلاع صدره\rحقّ أن يهلك من عظم الأسى ... وجوى الندب على واحد دهره\rفعليه منه فاض الخير حتّى ... بلغ الخير إلى هيماء قفره\rفبنى فيها بيوتاً يحسب ال ... سفر لو قد حلّها حلّ بمصره\rوبه كم من أسير بذل ال ... تبر حتّى فكّه من قيد أسره\rوفقير بائس ما إن أتى ... بيته إلاّ انجلت ظلمة فقره\rوبه نعمائه تنسيه ما ... كان فيه من أذى شدّة عسره\rمات من تحيى به الهلكى وها ... هي ماتت بعد محييها بوفره\rبأبي من شيّد الدين وفي ... كلّ ما يملكه قام بنصره\rلم تدع حوبائه من عمل ... صالح إلاّ أعدَّته لحشره\rآه للمجد فمنه الدهر قد ... جب ظهر العز في صارم غدره\rولعظم الخطب في عترته ... حلم أرساها حجىً طار بذعره\rوهو لا يشعر إذ أشغله ... وجده في مأتم الحزن بسكره\rيا أباالمهدي أورثت الورى ... شجناً أكبادها ذابت بحرّه\rفيه قد ماتت ونشر المصطفى ... منك لمّا فاح أحياها بعطره\rوجدت ما فقدت منك به ... لم يزحزح مجده عن مستقرّه\rفتسلّت عنك فيه إذ به ... منك فضلٌ أعجزالنّاس بحصره\rأيّها الرّاحل عن بيت عُلَىً ... تشرق الزوراء من أنوار فخره\rإنّ لله بهذا البيت سرّاً ... بذراريك بدت غاية سرّه\rما براها الله إلاّ لنداىً ... يدفع المضطرّ فيه كرب ضرّه\rوبه جيلاً فجيلاً يرد ال ... وفد من غيث نداها صفو درّه\rلا تخل روض الندى فيه ذوى ... فسحاب الجود هطّال بقطره\rبثرى لحدك طب نفساً فذا ... حسن الجدوى طغى زاخر بحره\rوأتى في كرم ما إن على ... مثله قد فتحت مقلة دهره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855637,"book_id":1863,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":147,"body":"يافع تحسب منه حزمه ... حزم من قد أكمل الدهر بعمره\rيتلقّى الوفد في وجه يرى ال ... وفد ما يأمله منه ببشره\rباذلاً في بيت علياك له ... من صفايا ماله خالص تبره\rوهو فيه وأخوه المصطفى ... مثلما قمت به قاما بأمره\rإلى أن يقول في التعزية:\rيا عقوداً للمعالي نظمت ... من لئالي الشرف المحض ودرّه\rلا عراكم بعد هذا الخطب رزء ... ما ثبير قد رسى في مستقرّه\rوقال عمّنا المهدي أيضاً في رثاء جعفر بن محمّد الرضا وكان سقط من أعلى السطح فمات، وقد تقدّمت مرثيتي له في قافية الحاء معزّياً أباه الرضا وجدّه الصالح:\rحسب الدهر قد أصاب صغيراً ... فرآه في العالمين كبيرا\rويله هل سواه شبل هصور ... لفّ في البرد منه ليثاً هصورا\rأو هلال قبل التمام سواه ... قد بدا للأنام بدراً منيرا\rإنّ آبائه أعدّته كنزاً ... لهم في سنيهم مذخورا\rوهي لو أن تحظّى به لأراها ... من أسارير راحتيه البحورا\rعجباً في حمى أبيه دهاه ... قدر وهو يدفع المقدورا\rفعلى شبله الغضنفر أنّى ... يغتدي في عرينه مقهورا\rكيف نال الزمان فرع علاء ... كان عنه باع الزمان قصيرا\rفتردّى من أوجه ساقطاً في ... الأرض ذاو وكان غضّاً نضيرا\rليت شعري ما كان جعفر موسى ... ولو أن كان مرتقاه الطورا\rكيف قد خرَّ من رفيع علاه ... صعقاً في ابتلائه مسرورا\rلهف نفسي لكوكب ما رأى النا ... س له في سما العلاء نظيرا\rوصغير قد حيّر الفكر في أخ ... لاقه كيف لو يكون كبيرا\rقد رأينا مخائلاً منه لو يب ... قى رأينا اليسير منها خطيرا\rبينما نحن نرتجي أن نرى في ... مقبلات الأيّام منها بشيرا\rونعدُّ الأيّام يوماً فيوماً ... فنراها من طولهنّ شهورا\rإذ دهتنا سوداء في فقده قد ... سلبتنا إنسانها والنورا\rما لذي الحادثات قد أبدلتنا ... بالهنا فيه عبرةً وزفيرا\rوأعادت منّا التهاني مراث ... لفظها يوقد القلوب سعيرا\rما لساني فيها تأخّر عيّاً ... ومتى أعيت القوافي جريرا\rإنّه قد رأى المصاب جليلاً ... ولأمر قد لاحظ التأخيرا\rولعمريى محمّد صالح إن ... يغتدي الذنب عنده مغفورا\rماجد إن نظرت شأو علاه ... رجع الطرف عن علاه حسيرا\rواحد ماله من الناس كفوٌ ... فيساويه في العلى تصديرا\rذو لسان يوم الخصام يراه ال ... تخصم في نحره حساماً طريرا\rوإذا في الجدال أشكل أمر ... قد رأى حلّه الحصيف عسيرا\rفهو قبل الإصدار إن أورد الرأ ... ي رأى في المغيّبات الأُمورا\rغمز الدهر حلمه فانثنى الده ... ر سفاهاً في حلمه مغرورا\rفغدا مسخطاً رضاه بعقد ... منه قد ردّ نظمه منثورا\rوهو قد أسبغت يداه عليه ... نعماً لم دا بهنّ كفورا\rولكم من أبناه أحيى كبيرا ... بالندى لم أمات منه صغيرا\rابني الأنجم الزواهر أنتم ... يلتقي الخطب طفلكم مسرورا\rوفتاكم لكلّ أمر عظيم ... ما يراه في الله إلاّ حقيرا\rبدّل الله حزنكم فرحةَ ما ... دامت الأرض للورى وسرورا\rوكتب عمّنا المذكور رسالةً إلى الفاضل الصالح محمّد يعزّيه عن ولد صغير له توفّي قبل فطامه وشفّعها بقصيدة فريدة أثبتها هنا، وبها يعلم أنّه هو المجلي في هذه المحلبة التي قلّما جرى فيها فارس من فرسان القريض، ولم يكبّ به الطرف، ويهوي إلى حيث لا يبصره الطرف، وهذه القصيدة:\rجهلت فقالت مات وهو صغير ... وصغير أبناه الكرام كبير\rكالعين أصغر ما بها إنسانها ... وإلى السماء يكون منه النور\rأيضرّه صغرٌ وفيه شارةٌ ... للناظرين إلى علاه تشير؟\rأنظر مخائله فها هي بشّرت ... أن ما له بين الأنام نظير\rهو كالهلال إذا استتمّ كماله ... فسناه في أُفق السماء منير\rويعمُّ أهل الأرض نور ضيائه ... وعليه أبناء السبيل تسير\rمن عطفه للخفر عند رضاعه ... قد ضاع للشعرى العبور عبير\rأوما درت شبل الهصور يعود إن ... أخطاه صرف الدهر وهو هصور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855638,"book_id":1863,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":148,"body":"أهون بأحداث الزمان وإن تكن ... لعظيم أبطال الأنام تبير\rقد جائته في الرضاع وقلبها ... فزعاً بجنح الرعب منه يطير\rهي لم تهبه لقوّة فيه وهل ... من قوّة للطفل وهو صغير\rلكنّها نظرت مخائل للعلى ... فيه عظائم شأنهنّ كبير\rغالته غصناً جذَّ في سيف الرّدى ... من دوحة العلياء وهو نضير\rكانت ترجّيه لأنباها الورى ... إن فيهم خطب ألمّ كبير\rفالآن قد قطع الرجا منه فمن ... لبنيهم في الحادثات يجير\rمهلاً إذا سلم الأصول وخولست ... بعض الفروع فليس ذاك يضير\rولها محمّد صالح يبقى حمىً ... مادام باق في الزمان ثبير\rالمستجار بظلّه في حيث لا ... من رائعات الحادثات مجير\rشهم إذا ما رمت تحصي وصفه ... لم يحصه المنظوم والمنثور\rرفع المعالي وهو قطب سمائها ... فعليه أفلاك العلاء تدور\rفي الكرخ إن فتحت لطيمة مجده ... منها وراء النهر فاح عبير\rوإذا انطوى فخر الكرام ففخره ... في الخافقين لوائه منشور\rتدعى أنامله مجازاً أنملاً ... وحقيقة هي في العطاء بحور\rابني الأطائب كلّ فرد منكم ... بعظيم أجر الصابرين خبير\rفي الله تلتذّون فيما نابكم ... ولديكم الأمر الجليل حقير\rولكلّ ما تستصغرون مصابه ... فجزائه عند الإله كبير\rفصل في الغزل\rقلت فيه:\rإنّ التي سكنت ضميري ... في حسنها سلبت شعوري\rبرشاقة القدّ الرطيب ... ولفتة الظبي الغرير\rقد أرهفت من لحظها ... سيفاً ضريبته ضميري\rقسماً بعامل قدّها ال ... خطّار يخطر في الحرير\rما أسكرتني خمرة ... لولاك يا عين المدير\rوقلت أيضاً متغزّلاً:\rمرّت بنا أمس تيميّة ... ساحبةً أردانها العاطره\rآنسة الدل ترى وهي إن ... آنستها وحشيّه نافره\rقد جذبت أحشائنا مذ غدت ... ترمقنا بالنظرة الفاتره\rفانجذبت من شغف نحوها ... تسبق منّا الأرجل السائره\rوعاد منّا كلُّ ذي صبوة ... وفي حشاه رجله عاثره\rالفصل الخامس في الهجاء\rقلت في ذلك:\rما أكثر النّاس إلاّ إنّهم بقرٌ ... تأتي المثالب أفواجاً إذا ذكروا\rلو شام آدم بعضاً من فضائحهم ... لما أحبّ إليه تنسب البشر\rالباب الحادي عشر: في قافية الزاء وفيها فصل في المديح قلت في مدحه هذه القطعة الباهرة:\rودار عُلىً لم يكن غيرها ... لدائرة الفخر من مركز\rبها قد تضمّن صدر النّديّ ... قتىً ليديه الندى يعتزي\rصليب الصفاة صليب القناة ... عود معاليه لم يغمز\rأرى المدح يقصر عن شأوه ... فأطنب إذا شئت أو أوجز\rفلست تحيط بوصف امرء ... نشا هو والمجد في حيّز\rربيب المكارم ترب السماح ... قرى المعتفي ثروة المعوز\rفأيّ العوارف لم يبتدىء ... وأيّ المواعد لم ينجز\rفتى في صريح العلى ليس فيه ... لكاشح علياه من مهمز\rوذو هاجس أينما زجّه ... فما طلب الغيب بالمعجز\rتراه خبيراً بلحن المقال ... بصيراً بتعمية الملغز\rنسجن المكارم أبراده ... وقلن لأيدي الثنا طرّزي\rترى الدهر يحلب من كفّه ... لبون ندىً قطّ لم تغرز\rفأمّا قولي فيها:\rتراه خبيراً بلحن المقال ... بصيراً بتعمية الملغز\rفقد اشتمل على ذكر اللحن والتعمية واللغز؛ فأمّا اللحن فهو الكناية عن الشيء والتعريف بذكره والعدول عن الإفصاح عنه، قال الله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلْ) . وقال الشاعر:\rولقد وحيت لكم ليكما تفطنوا ... ولحنت لحناً ليس بالمرتاب\rوقال الآخر:\rوحديث ألذّه وهو ممّا ... ينعت الناعتون يوزن وزنا\rمنطق صائب وتلحن أحيا ... ناً وخير الحديث ما جاء لحنا\rوقيل: إنّ المعنيّ من اللحن في هذاالبيت هو الفطنة وسرعة الفهم على معنى ما روي عن النبي ﵇ أنّه قال: لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته، أي أفطن لها وأغوص عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855639,"book_id":1863,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":149,"body":"وأخبر أبو عبد الله محمّد بن عمر بن موسى المرزباني قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله العسكري قال: حدّثنا العنبري قال: حدّثنا علي بن إسماعيل اليزيدي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: تكلّمت هند بنت أسماء بن خارجة فلحنت وهي عند الحجاج، فقال لها: تلحنين وأنت شريفة في بيت قيس؟ قالت: أما سمعت قول أخي مالك لامرأته الأنصاريّة؟ قال: ما هو؟ قالت: قال:\rمنطق صائب ونلحن أحيا ... ناً وخير الحديث ما كان لحناً\rفقال لها الحجاج: إنّما عنى أخوك اللحن في القول إذا كنى المحدّث عمّا يريد ولم يعن اللحن في العربيّة فأصلحي لسانك.\rقال السيّد المرتضى: وقد ظنّ عمرو بن بحر الجاحظ مثل هذا بعينه وقال: إنّ اللحن مستحسن في النساء الغرائر - جمع غريرة وهي التي لم تجرب الأُمور - وليس بمستحسن منهنّ كلّ الصواب والتشبّه بفحول الرجال، واستشهد بأبيات مالك بعينها وظنّ أنّه اراد باللحن ما يخالف الصواب، وتبعه على هذا الغلط عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري فذكر في كتابه المعروف بعيون الأخبار أبيات الفزاري واعتذر بها من لحن أن أُصيب في كتابه.\rقال الشريف المرتضى: وأخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال أخبرنا محمّد بن يحيى الصؤلي قال حدّثني يحيى بن علي المنجّم قال حدّثني أبي قال قلت للجاحظ: مثلك في عقلك وعلمك بالأدب ينشد قول الفزاري ويفسّره على أنّه أراد اللحن في الإعراب وإنّما أراد وصفها بالظرف والفطنة وإنّها توري عمّا قصدت له وتتنكّب التصريح به؟ فقال: قد فطنت لذلك بعد، فقلت: غيّره من كتابك، فقال: كيف لي بتغيير ما سار به الركبان. قال الصؤلي: فهو في كتابه على خطأه.\rقال الشريف المرتضى: ومن حسن اللحن الذي هو التعريض والكناية ما أخبرنا به أبوالحسن علي بن محمّد الكتاب قال: حدآثنا أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي أنّ رجلاً من بني العنبر حصل أسيراً في بكر بن وائل فسألهم رسولاً إلى قومه فقالوا له لا ترسل إلاّ بحضرتنا لأنّهم كانوا عزموا على غزو قومه فخافوا أن ينذرهم فجيء بعبد أسود فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إنّي لعاقل، قال: وما أراك عاقلاً، وأشار بيده إلى الليل، فاقل: ما هذا؟ قال: الليل، قال: أراك عاقلاً، ثمّ ملأ كفّيه من الرمل فقال: كم هذا؟ قال: لا أدري وإنّه لكثير، فقال: أيّما أكثر النجوم أم النيران؟ قال: كلٌّ كثير، فقال: أبلغ قومي التحيّة وقل لهم ليكرموا فلاناً فإنّ قومه لي مكرمون - يعني به أسيراً كان في أيديهم من بكر -، وقل لهم إنّ العرفج قد أدبى وشكت النساء وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معكم حيساً، واسالوا عن خبري أخي الحارث.\rفلمّا أدّى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد ألحن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملاً أصهباً، ثمّ سرّحوا العبد ودعوا الحارث فقصّوا عليه القصّة، فقال: قد أنذركم؛ أمّا قوله: قد أدبى العرفج، يريد أنّ الرجال قد استلئموا ولبسوا السلاح، والعرفج جنس من الشوك، وأدبى أي أورق وصار الورق عليه كالدبا، الدبا صغار النمل، أي ارتحلوا عن الدهناء وأركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب. وقوله: أكلت معكم حيساً، يريد أخلاطاً من النّاس قد غزوكم لأنّ الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا ما قال وعرفوا لحن كلامه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855640,"book_id":1863,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":150,"body":"وممّا يناسب هذه القضيّة وهو من التعريض بالأفعال دون الأقوال - وهذا وإن كان ذكره في باب التعريض أليق إلاّ أنّ فيه شبهاً بهذه القضيّه - ما ذكر أنّ الأخوص بن جعفر الكلابي أتاه آت من قومه فقال: إنّ رجلاً لا نعرفه جائنا فلمّا دنا منّا بحيث نراه نزل عن راحلته فعلق على شجرة وطباً من لبن ووضع في بعض أغصانها حنظلة ووضع صرّة من تراب وحزمة من شوك ثمّ أثار راحلته فاستوى عليها وذهب. وكان أيّام حرب تميم وقيس عيلان، فنظر الأخوص في ذلك فعيّ به فقال: أرسلوا إلى قيس بن زهير، فقال: ألم تك أخبرتني أنّه لا يردّ عليك أمر إلاّ عرفت ما فيه ما لم تر نواصي الخيل؟ قال: ما خبرك؟ فأعلمه، فقال: قد تبيّن الصبح لذي عينين، هذا رجل قد أخذت عليه العهود أن لا يكلّمكم ولا يرسل إليكم وإنّه قد جاء فأنذركم: أمّا الحنظلة، فإنّه يخبركم أنّه أتاكم بنوا حنظلة، وأمّا الصرّة، فإنّه يزعم أنّهم عدد كثير، وأمّا الشوك، فيخبركم أنّ لهم شوكة، وأمّا الوطب، فإنّه يدلّكم على قرب القوم وبعدهم، فذوقوه فإن كان حلواً حليباً فالقوم قريبون وإن كان قارصاً فالقوم بعيدون وإن كان مسخاً لا حلواً ولا حامضاً فالقوم لا قريبون ولا بعيدون، فقاموا إلى الوطب فوجوده حليباً، فبادروا إلى الإستعداد وغشيتهم الخيل فوجدتهم مستعدّين.\rويناظر هذه الحكاية ما حكي أنّ قتيبة بن مسلم دخل على الحجّاج وبين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك وهو يقرؤه ولا يعرف معناه وهو مفكّر، فقال له: ما الذي أحزن الأمير؟ قال: كتاب ورد من أمير المؤمنين ولا أعرف معناه، قال: إن رأى الأمير إعلامي به، فناوله إيّاه وفيه: أمّا بعد فإنّك سالم والسّلام، فقال قتيبة: مالي إن إستخرجت لك ما أراد به؟ قال: ولاية خراسان، قال: إنّه ما يسرّك أيّها الأمير ويقرّ عينك، إنّما أراد قول الشاعر:\rيديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم\rأي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر، فولاّه خراسان.\rقال في القاموس: وقول الجوهري يقال للجلدة التي بين العين والأنف سالم غلط واستشهاده ببيت عبد الله بن عمر باطل، وهذا البيت لعبد الله بن عمر قاله في ابنه سالم.\rوذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين قال: خطب الوليد بن عبد الملك فقال: أمير المؤمنين عبد الملك قال: إنّ الحجّاج جلدة مابين عيني وأنفي، ألا وإنّي أقول: إنّ الحجّاج جلدة وجهي كلّه.\rوأمّا اللغز وهو الأحجية والمعمى، فإن يجيء المتكلّم بأوصاف أو بوصف في ألفاظ مشتركة من غير الموصوف ويشير بها إلى مقصود مجهول أو اسم بتغيير حروفه وإمّا بتصحيف أو بعكس أو حساب. والحاصل أنّ أنواعه كثيرة ليس هذا محلّ حصرها لتشعّبها، ومدار هذا النوع على الحزر والحدس والفطنة ومعرفة الحساب، ولنودر نبذة من الأمثلة في ذلك، قال بعضهم في الضرس:\rوصاحب لا أملُّ الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد\rما إن رأيت له شخصاً فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا آخر الأبد\rوقال الحريري في الميل:\rوما ناكح أختين سرّاً وجهرة ... وليس عليه في النكاح سبيل\rمتى يغش هذي يغش في الحال هذه ... وإن مال بعل لم تجده يميل\rيزيدهما عند المشيب تعاهداً ... وبرّاً وهذا في الفحول قليل\rوقال الآخر في الخيمة:\rومضروبة من غير ذنب أتت به ... إذا ما هدى الله الأنام أضلّت\rوقال بعضهم في اسم عثمان:\rحروفه معدودة خمسة ... إذا مضى حرف تبقى ثمان\rوقال الآخر في القلم:\rوذي شحوب راكع ساجد ... ودمعه من عينه جاري\rملازم الخمس لأوقاتها ... معتكف في خدمة الباري\rوقال الآخر في الميزان:\rوقاضي قضاة يفصل الحكم ساكتاً ... وبالحق يقضي لا يبوح فينطق\rقضى بلسان لا يميل وإن يمل ... على أخد الخصمين فهو مصدق\rوقال الآخر فيه:\rوما حاكم أعمى وفصلٌ قضاؤه ... ولو كان ذا عين لما قام بالفصل\rوفي هذا القدر من الأمثلة كفاية، لأنّ هذا الباب واسع جدّاً لا تحصى أمثلته لكثرتهما.\r\rالباب الثاني عشر في قافية السين\rوفيها فصل في المديح\rقلت في مدحه هذه القطعة الموجزة:\rأدر يا نديم علينا الكؤسا ... فقد شاقت الراح منّا النّفوسا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855641,"book_id":1863,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":151,"body":"نشطنا عشيّاً لشرب المدام ... فأرعش بكأسك منّا الرؤسا\rوقم هاتها من بنات الكروم ... على ورد خدّيك تجلّى عروسا\rكأنّ الندامى على شربها ... بدور دجىً تعاطى شموسا\rتداعوا لنيرانها ساجدين ... ودعواهم لا عدمنا المجوسا\rسأحبس ما عشت ركب الرجاء ... بحيث يفكّ النوال الحبيسا\rلدى من تخيّرت المكرمات ... على نحرها منه عقداً نفيسا\rله المجلس المحتبي بالنهى ... يراع به من يروع الخميسا\rوقلّ بأن يفرش الفرقدين ... ويتّخذ البدر فيه جليسا\rفيابن نجوم جرت في العلاء ... لقوم سعوداً وقوم نحوسا\rغدا بك يوم الندى ضاحكاً ... ويوم العدا عاد جهماً عبوسا\rبقيت على عطل الحاسدين ... تحلي يد المدح فيك الطروسا\rفأمّا قولي:\rسأحبس ما عشت ركب الرجاء ... بحيث يفكّ النوال الحبيسا\rفقد وقع فيه التصدير ويُسمّى ردّ العجز على الصدر وهو عبارة عن أن يأتي الشاعر بكلمة في صدر البيت متقدّمة أو متأخّرة ثمّ يأتي بلفظها أو معناها أو بما تصرّف من لفظها في عجزه. وأمثلة هذا النوع كثيرة وله عدّة ضروب، وأحسنه ما كانت فيه اللفظة افتتاحاً للبيت والأُخرى ختاماً له كبيتنا المذكور، وكقول الشاعر:\rتمنّت سليمي أن أموت صبابةً ... وأهون شيء عندنا ما تمنّت\rوقول البحتري:\rضرائب أبديتها في السماح ... بها لم نجد لك يوماً ضريبا\rوقول الآخر:\rكلّ ريم يعطوا فيصطاد ليثاً ... عند ليث يسطو فيصطاد ريما\rوقول أبي تمام:\rوجوه لو أنّ الأرض فيها كواكب ... توقّد للساري لكانت كواكبا\rوقوله أيضاً:\rوليل بتّ أكلؤه كأنّي ... سليم أو سهرت على سليم\rأراعي من كواكبه سواماً ... هجاناً لا تريع إلى المسيم\rبل شعر أبي تمام أغلبه مبني على التصدير وبذلك بلغ غاية الإستحكام من إتقان مبانيه وتمكّن قوافيه إذا القافية تكون مرادة من أوّل البيت وعليها يبتني نظمه وحسن الصناعة يقتضي ذلك.\r\rالباب الثالث عشر في قافية الشين\rوفيها فصلان\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت فيه هذه القطعة:\rولربّ ريم طرفها ... بالهدب سهم اللحظ راشا\rورمى به صبّاً لفرط ... ضناه يرتعش ارتعاشا\rقالت جنحت لسلوة ... فانظر لسهمكَ كيف طاشا\rفأجبتها لا والذي ... جعل النهار لنا معاشا\rأنا في سبيل هوى الكوا ... عب أربط العشّاق جاشا\rهيهات أسلو أو يقا ... ل سلا الندى حسنٌ وحاشا\rذاك الذي لحوائم ... الآمال لم يترك عطاشا\rمذ قام للعليا مؤمّل ... ها وبحر نداه جاشا\rماتت نفوس الحاسدين ... بغيضها والفضل عاشا\rمن لو تساجله الغيو ... ث أراك وابلها رشاشا\rتستشعر الأسد الغضا ... ب لعظم هيبته اندهاشا\rوعلى سراج جبينه ... الآمال تحسبها فراشا\rوقد اشتمل قولي فيها:\rهيهات أسلو أو يقا ... ل سلا الندى حسنٌ وحاشا\rعلى الإيغال وهو ختم البيت بما يفيد نكتة يتمّ المعنى بدونها، فإنّ بيتنا هذا تمّ معناه قبل القافية إذ المراد منه تعليق حصول السلو عن عشقها على سلو الحسن عن الندى بناء على أنّه تعليق على محال وهو كما تراه حصل بتمامه قبل القافية، فلمّا أتينا بها أفدنا زيادة التنزيه مع المبالغة في ذلك، ومن النظائر قول الخنساء في أخيها صخر ترثيه:\rوإنّ صخراً لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علم في رأسه نار\rفقولها: علم كاف في المقصود وهو تشبيهه بما هو معروف في الهداية، لكنّها أتت بقولها: في رأسه نار إيغالاً وزيادة للمبالغة.\rوفسّره قدامة فقال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافية، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعراً أفاد معنىً زائداً على معنى البيت كقول ذي الرمّة:\rقف العيس في أطلال ميّة فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرسوم المسلسل\rأظنّ الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصّل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855642,"book_id":1863,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":152,"body":"فالبيت الأوّل تمّ كلامه قبل القافية بقوله: رسوماً كأخلاق الرداء، ولمّا احتاج إليها وأتى بها بقوله: المسلسل أفاد معنىً زائداً، وكذلك صنع في البيت الثاني فإنّه لمّا تمّ كلامه قبل القافية بقوله: كتبديد الجمان، واحتاج إليها وأتى بها بقوله: المفصل، أفاد معنىً زائداً لو لم يأت بها لم يحصل ذلك المعنى.\rوقال بعضهم: الإيغال مأخوذ من إيغال السير وهو الإسراع وقطع منتهى الأرض وذلك أنّ الشاعر إذا استكمل بيته بتمامه أتى بقافية معنىً زائداً على معنى البيت فكأنّه قد أوغل الفكر حتّى استخرجها.\rوحكي عن الأصمعي أنّه سُئِل عن أشعر النّاس، قال: الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً، أو ينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد معنىً. فقيل له: نحو من؟ قال: نحو الفاتح لأبواب المعاني امرؤ القيس وذلك حيث قال:\rكان عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يشقب\rونحو قول زهير:\rكان فتات العهن في كلّ منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطم\rفكلام امرؤ القيس إنتهى إلى قوله: الجزع، فأفاد معنىً زائداً بقوله: لم يثقب، ومعنى قول زهير إنتهى في الكلام إلى قوله: حبّ الفنا، فأفاد معنىً زائداً بقوله: لم يحطم. وبيان الزيادة فيهما هو أنّ امرؤ القيس شبّه عيون الوحش بالجزع وهو الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض، لكنّه أتى بقوله: لم يثقب، إيغالاً وتحقيقاً للتشبيه، لأنّ الجزع إذا كان غير مثقوب كان أشبه بالعيون.\rقال الأصمعي: الظبي والبقرة إذا كانا حيّين فعيونهما كلّها سود فإذا ماتا بدا بياضهما وإنّما شبّهها بالجزع وفيه بياض وسواد بعد ما ماتت، والمراد كثرة الصيد، يعني ممّا أكلنا كثرت العيون عندنا.\rوزهير شبّه ما تفتت من العهن بحبّ الفنا - والفنا شجر ثمره أحمر وفيه نقط سود وقال الفرا: هو عنب الثعلب -، فلمّا قال زهير بعد تمام معنى بيته: لم يحطم، أراد أن يكون حبّ الفنا صحيحاً لأنّه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة.\rوقيل: كان الرشيد يعجب من قول مسلم بن الوليد:\rإذا ما علت منّا ذوابة شارب ... تمشّت به مشي المقيّد في الوحل\rوكان يقول: قاتله الله ما كفاه أن يجعله مقيّداً حتّى جعله مقيّداً في وحل.\rوحكي أنّ بعض الشعراء قال لأبي بكر بن مجير: إنّي نظمت قصيدة وأعجزني روي بيت واحد فما أدري كيف أتمّمه؟ قال له أبوبكر: أنشدنيه، فأنشده: \"قوله سليل الإمام وصنو الإمام وعمّ الإمام\" فقال له من غير تفكّر ولا رويّة: قل: \"ولا منتهى\" فوضعه في قصيدته على ما تمّمه وكان أمكن قوافيه وأقواها.\rويشبه هذه القضيّة وإن لم يكن ممّا نحن فيه إذ ليس هو من الإيغال بشيء ما حكي أنّ زهير بن أبي سلمى قال بيتاً ونصف البيت الثاني ثمّ أكدى، فمرّ به النابغة الذبياني فقال له: يا أبا أمامة أجز، قال: ماذا؟ قال:\rتراك الأرض أمّا متَّ خفاً ... وتحيى ما حييت بها ثقيلا\rنزلت بمستقرّ العزّ منها، ثمّ قال: فماذا؟ قال: فأكدى والله النابغة. وأقبل كعب بن زهير وهو غلام فقال أبوه: أجز يا بني، فقال: ماذا؟ فأنشده البيت الأوّل ومن البيت الثاني قوله: نزلت بمستقرّ العزّ منها، فقال كعب: فتمنع جانبيها أن يزولا، فقال زهير: أنت والله ابني.\rويعجبني قول عمّنا المهدي في الهاشميين، فلقد أوغل أحسن الإيغال وأبدع فيما قال:\rوحين قامت على ساق جئت غضباً ... لها بنوا مضر الحمراء على الرّكب\rمن تحتهم لو تزول الأرض لانتصبوا ... على الهوى هضباً أرسى من الهضب\rفقوله: أرسى من الهضب إيغال وأظنّه لم يُسْبَق إلى هذا المعنى وهو من معانيه الفريدة.\r\rالفصل الثاني في الرثاء\rقلت في رثاء الورع التقي، والنّاسك النقي شيخنا الشيخ محسن ابن الشيخ حسين الملقّب بمصبح الحلّي وقد رثيت أباه قبله بقصيدة حائيّة لم يحضرني منها سوى بيت أرّخت فيه عام وفاته وقد اشتمل على التورية فأحببت ذكره هنا، وهو قولي:\rومذ راح للجنّات قلت مؤرّخاً ... لا طيب ظلّيها حسين مصبح\rفأمّا مرثية العالم العامل، والفريد الكامل الشيخ محسن المشار إليه طاب مرقده فهي هذه:\rبكيت لمحمول إلى القبر في نعش ... سرى حاملوه في الثرى وهو في العرش","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855643,"book_id":1863,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":153,"body":"نعاك لي الناعي فخلت حشاشتي ... عليها التقت أنياب أفعي من الرقش\rوقد كنت أرجو أن أُهنّيك بالشفا ... فأصبحت أنشي في رثاك ما أنشي\rوما خلت أنّ الدهر فيك مخاتلي ... يراصدني سرّاً بغائلة البطش\rإلى أن رأت عيني سريرك والعلى ... على أثره ثكلى وتعلن بالجهش\rفلم أرَ لي من حيلة غير أنّني ... نظرت إليه إذ نأى نظر المغشي\rكأنّ الذي في الأُفق نعشك سائراً ... وطرفي السهى والحامليك بنوا نعش\rمشت خلفك التقوى تشيّع روحها ... ومن غير روح ما رأى ميّت يمشي\rبكتك وظفر الوجد يخدش قلبها ... فمدمعها المحمر من ذلك الخدش\rلئن كنت فيما تبصر العين ثاوياً ... بدار البلى في ذلك الجدث الوحش\rفإنّك عند الله حيٌّ منعّم ... لديه على تلك النّمارق والفرش\rولولا ابنك الزاكي لأدمى تأسّفاً ... عليك التقى كفّيه بالعضّ والنّهش\rولكن رأى والحمد لله باقياً ... له حسنٌ فاختار ما اختار ذوالعرش\rفتىً حنيت منه على قلب خاشع ... جوانح ذي نسك سلمن من الغشّ\rفما ينطق العوراء مذود فضله ... ولا سمع تقواه يعي قولة الفحش\rتعاهد غيث العفو مرقد محسن ... يبلّ ثرىً وأراه رشّاً على رشّ\rالباب الرابع عشر في قافية الصاد\rوفيها فصل في المديح\rقلت في مدحه هذه القطعة الفذّة:\rأنخ يا سعد ناجية القلاص ... بحيث الدار طيّبة العراص\rوعد فأعد حقائبها بطاناً ... بنائل موئل النفر الخماص\rفثمّة ضاحك العرصات عمّت ... نوافله الأداني والأقاصي\rبها حلّت تميمتها المعالي ... وأمست وهي مرخية العقاص\rأما وندىً كم انتاش ابن دهر ... به نصب البلا شرك اقتناص\rلقد خلص الثناء على مجيد ... به وجد السبيل إلى الخلاص\rأغرّيري دلاص الحمد أصفى ... على عرض الكريم من الدلاص\rترقّى في العلاء بحيث منها ... تبوء في الذائب والنواصي\rشرى درر الثنا تغلوا ونادى ... أوفري أنت عندي في ارتخاصي\rويا عَرضي هدرت دماك جوداً ... ويا عرْضي اقترح شرف القصاص\rفقل يا بحر مدّك رهن جزر ... وقل يا بدر تمّك لانتقاص\rدعا دعوى الفخار فكلّ فخر ... به لمحمّد شرف اختصاص\rفأمّا قولي:\rوعد فأعد حقائبها بطاناً ... بنائل موئل النفر الخماص\rالمراد بالخماص الجياع إلاّ أنّه مرّة يلخط به الجياع من الفقر وهم العفاة فهو منجاهم ومقرّهم لأنّهم لا يفدون إلاّ عليه لاستماحة جوده، ومرّة يلخط به الجياع من الإيثار بطعامهم وهم الكرام الذين تطرقهم الأضياف فهو موئلهم الذي تجتمع أُمورهم عليه وتنتهي آراؤهم في المهمّات إليه والملحوظ بذلك رياسته عليهم وزعامته فيهم، وتفسير الخماص بهذاالمعنى من أحسن صفات المدح، قال مهيار الديلمي:\rيبيت خميصاً جنبه ووساده ... وطارقه خصباً كما شاء بائت\rوفي خطبة لفاطمة ﵍: وفهتم بكلمة الإخلاص مع النفر البيض الخماص.\rوعلى ذكر الحقائب ما رواه السيّد المرتضى في الدرر قال: أخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم قال: أخبرنا أبو عبيدة عن يونس قال: دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك ومعه نصيب الشاعر، فقال له سليمان: أنشدني، فأنشده:\rوركب كان الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب\rسروا يخبطون الليل وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوار من كلّ جانب\rإذا أبصروا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب\rفاسودّ وجه سليمان وغاظه فعله وكان ظنّ أنّه ينشده مدحاً له، فلمّا راى نصيب ذلك قال: ألا أُنشدك؟ فأنشده:\rأقول لركب قافلين رأيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب\rقفوا خبّروني عن سليمان أنّني ... لمعروفه من أهل ودّان طالب\rفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\rفقال له سليمان: أنت أشعر أهل جلدتك.\rوفي بعض الأخبار: إنّ الفرزدق قال ذلك في نصيب لمّا سأله عنه سليمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855644,"book_id":1863,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":154,"body":"وروي أيضاً أنّه لمّا أنشد نصيب أبياته، قال له سليمان: أحسنت ووصله ولم يصل الفرزدق، فخرج الفرزدق وهو يقول:\rوخير الشعر أكرمه رجالاً ... وشرّ الشعر ما قال العبيد\rقال السيّد المرتضى: ولا شبهة في أنّ أبيات الفرزدق مقدّمة في الجزالة والرصانة على أبيات نصيب، وإن كان نصيب قد أبدع وأغرب في قوله: ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب، إلاّ أنّ أبيات نصيب وقعت موقعها ووردت في حال تليق بها، وأبيات الفرزدق جائت في غير وقتها وعلى غير وجهها فلهذا قدّمت أبيات نصيب على أبيات الفرزدق مع تقدّمه في الشعر وبلوغه فيه إلى الذروة العليا والغاية القصوى، وكان شريف الآباء، كريم البيت، له ولآبائه مآثر لا تدفع ومفاخر لا تجحد.\rوروي أنّه قيل له: هل حسدت أحداً على شيء من الشعر؟ قال: لا لم أحسد أحداً على شيء منه إلاّ ليلى الأخيليّة في قولها:\rومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما\rحتّى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما\rلا تقربنّ الدهر آل مطرف ... لا ظالماً أبداً ولا مظلوما\rعلى أنّي قد قلت: وركب كأنّ الريح تطلب عندهم، وذكر الأبيات المتقدّمة.\rقال السيّد المرتضى: وليست أبيات الفرزدق بدون أبيات ليلى بل هي أجزل لفاظاً وأشدّ أسراً إلاّ أنّ أبيات ليلى أطبع وأنصع. وقد كان الفرزدق مشهوراً بالحسد على الشعر والإستكثار لقليله والإفراط في استحسان مستحسنه. وقد روي أنّ الكميت بن زيد الأسدي لمّا عرض على الفرزدق أبياتاً من قصيدته التّي أوّلها:\rأتصرّم الحبل حبل البيض أم تصل ... وكيف والشيب في فوديك مشتعل\rوالأبيات:\rلما عبأت لقوس المجد أسهمها ... حيث الجدود على الأحساب تنتضل\rأحرزت من عشرها تسعاً وواحدة ... فلا العمى لك من رام ولا الشلل\rالشمس أدّتك إلاّ أنّها امرأة ... والبدر أدّاك إلاّ أنّه رجل\rحسده الفرزدق وقال له: أنت خطيب، وإنّما سلّم له الخطابة ليخرجه عن أسلوب الشعراء، ولمّا بهره حسن الأبيات وأفرط بها أعابه ولم يتمكّن من دفع فضلها جملة، عدل في وصفها إلى معنى الخطابة. وحسد الفرزدق على الشعر وإعجابه بجيده من أدلّ دليل على حسن نقده له، وقوّة بصيرته فيه، وإنّه كان يطرب للجيّد منه فضل طرب، ويعجب منه فضل عجب. ويدلّ أيضاً على إنصافه فيه وأنّه مستقلّ للكثير الصادر منه فإنّ كثيراً من النّاس قد يبلغ منهم الهوى والإعجاب والإستحسان لما يظهر منهم من شعر أو فضل إلى أن يعموا عن حاسن غيرهم فيستقلّوا منهم الكثير ويستصغروا الكبير، إنتهى.\rأقول: وكذا كانت حال أبي عبداة البحتري، فلقد كان معجباً بشعره، تيّاهاً بنظمه، لا يرى فيه فضلاً لغيره عدا أبي تمام، فإنّه كان يقدّمه على نفسه ويسمّيه الشيخ ويقول: ما علمنا أكل الخبز بالشعر سواه. وممّا يدلّ على زهوه بنفسه ما نقل في معاهد التنصيص عن بعضهم قال: كنت عند المتوكّل والبحتري ينشده:\rعن أيّ ثغر تبتسم ... وبايّ طرف تحتكم\rحتّى بلغ إلى قوله:\rقل للخليفة جعفر ... المتوكّل ابن المعتصم\rوالمجتدى ابن المجتدى ... والمنعم ابن المنتقم\rأسلم لدين محمّد ... فإذا سلمت فقد سلم\rقال: وكان البحتري من أبغض النّاس إنشاداً يتشادق ويتزاور في مشيه مرّة جانباً ومرّة القهقري، ويهزّ رأسه مرّة وينكّسه أخرى، ويشير بكمّه ويقف عند كلّ بيت ويقول: أحسنت والله، ثمّ يقبل على المستمعين فيقول: مالكم لا تقولون لي أحسنت، هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله. فضجر المتوكّل من ذلك. قال ناقل هذه الحكاية: فأقبل عَلَيّ المتوكّل وقال: أما تسمع يا صيمري ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيّدي، فمرني فيه بما أحببت، فقال: بحياتي أهجه على هذا الروي الذي أنشدنيه، فقلت: تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول، فدعا بقرطاس ودواة وحضرني على البديهة، فقلت:\rأدخلت رأسك في حرِ أُمّ ... وعلمت أنّك تنهزم\rيا بحتريّ حذار ويحك ... من قضاقضة ضغم\rفلقد أسلت بوالديك ... من الهجا سيل العرم\rفبأيّ عرض تعتصم ... وبهتكه جفّ القلم\rوالله حلفة صادق ... وبقبر أحمد والحرم\rوبحقّ جعفر الإما ... م ابن الإمام المعتصم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855645,"book_id":1863,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":155,"body":"لأصيرنّك شهرةً ... بين المسيل إلى العلم\rفي أبيات أخرى من هذا النمط. قال: فخرج مغضباً يعدو وجعلت أصيح به:\rأدخلت رأسك في حرِ أُمّ ... وعلمت أنّك تنهزم\rالمتوكّل يضحك ويصفق بيده حتّى غاب عنه، وأمر لي بالصلة التي أُعدّت للبحتري.\rولولا خوف الإطالة لذكرت من إعجاب بعض الشعراء بنظمهم ما يطول ذكره.\r\rالباب الخامس عشر في قافية الضاد\rوفيها فصلان\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت في مدحه هذه القطعة المفردة:\rوسم الربيع بزعمه ذات الأضا ... كذب الربيع فذاك دمعي روّضا\rوقف السحاب بها معي لكنّما ... دمعي استهلّ وإنّما هو أومضا\rبكر الخليط عن الدّيار فلم أزل ... أدعوه إذ هو واصطباري قوّضا\rيا راحلاً عن ناظريَّ لمهجتي ... أزمعت من سفح العقيق إلى الغضا\rالآن أبناء الرجاء غدا السرى ... لهم يحبُّ وكان قبل مبغضا\rمن حيث لم يستقبلوا في مطلب ... وجه النجاح هناك إلاّ أعرضا\rحلف الزمان بأن يديم مطاله ... حتّى لدى حسن المكارم يقتضي\rوصلوا السهول إلى الحزون وإنّما ... قطعواالفضاء لخير من ضمَّ الفضا\rلبسوا له ليل المطامع أسوداً ... وبه اجتلوا صبح المكارم أبيضا\rفرأوا أغرَّ يكاد يقطر بشره ... ماءً له اهتزَّ الرجاء وروّضا\rوفتىً له الشرف الرفيع بأسره ... ألقى مقاليد السماح وفوّضا\rأعباء مجد لو تكلّف ثقلها ... حتّى يلمّلم لم يطق أن ينهضا\rذكر السيّد المرتضى في الدرر قال: أخبرنا أبو عبيد الله قال: حدّثني محمّد بن العبّاس قال: قال بعضهم لأبي العبّاس محمّد بن يزيد النحوي ما أعرف ضاديّة أحسن من ضاديّة أبي الشيص، فقال له: كم ضاديّة حسنة ولكن لا تعرفها، ثمّ أنشده لبشار قوله:\rغمض الجديد بصاحبيك فغمّضا ... وبقيت تطلب في الحبالة منهضا\rوكأنَّ قلبي عند كلّ مصيبة ... عظم تكسّر صدعه فتهيّضا\rوأخ سلوت له فأذكره أخ ... فمضىوتذكرك الحوادث ما مضى\rفاشرب على تلف الأحبّة إنّنا ... جزر المنيّة ظاعنين وخفّضا\rولقد جريت مع الصبا طلق الصبا ... ثمّ ارعويت فلم أجد لي مركضا\rوعلمت ما علم امرؤ في دهره ... فأطعت عذّالي وأعطيت الرضى\rوصحوت من سكري وكنت موكّلاً ... أرعى الحمامة والغراب الأبيضا\rالحمامة أراد بها المرآة، والغراب الأبيض الشعر الشائب. فيقول: كنت كثيراً أتعهّد نفسي بالنظر في المرآة وترجيل الشعر. وصف الغراب بالأبيض لأنّ الشعر كان غربيباً أسود من حيث كان شابّاً ثمّ ابيضّ بالشيب. رَجْعٌ إلى ذكر باقي القصيدة، وذلك قوله:\rما كلُّ باقة تجود بمائها ... وكذاك لو صدق الربيع لروّضا\rهكذا أنشده المبرّد ويحيى بن علي، وأنشده ابن الأعرابي:\rما كلُّ بارقة تجود بمائها ... ولربّما صدق الربيع فروضا\rقد ذقت ألفته وذقت فراقه ... فوجدت ذاعسلا وذاجمر الغضا\rياليت شعري فيم كان صدوده ... ءأسأت أم رعد السحاب وأومضا\rويلي عليه وويلتي من بينه ... كان الذي قد كان حلماً وانقضى\rسبحان من كتب الشقا لذوي الهوى ... ما كان إلاّ كالخضاب فقد نضى\rقال المبرّد: وهي طويلة.\rقال السيّد المرتضى: ولأبي تمام والبحتري على هذا الوزن والقافية وحركة القافية قصيدتان ضاديّتان إن لم تزيدا على ضاديّة بشار التي استحسنها المبرّد لم تقصرا عنها. فأوّل قصيدة أبي تمام:\rأهلوك أضحوا راحلاً ومقوّضاً ... ومزمّماً يصف النوى ومعرّضا\rإن يدج عيشك إنّهم أموا اللوى ... فبما أضاء وهم على ذات الأضا\rبدّلت من برق الثغور وبردها ... برقاً إذا ظعن الأحبّة أو مضى\rما أنصف الشرخ الذي بعث الهوى ... فقضى عليك بلوعة ثمّ انقضى\rعندي من الأيّام ما لو أنّه ... أمسى بشارب مرقد ما غمّضا\rلا تطلبنّ الرزق بعد شماسه ... فترومه سعياً إذا ما غيّضا\rما عوّض الصبر امرؤ إلاّ رأى ... ما فاته دون الذي قد عوّضا\rيا أحمد ابن أبي دؤاد دعوة ... ذلّت بذكرك لي وكانت ريّضا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855646,"book_id":1863,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":156,"body":"لمّا انتضيتك للخطوب كفيتها ... والسيف لا يرضيك حتّى ينتضى\rقد كان صوّح نبت كلّ قرارة ... حتّى تدوح في نداك وروّضا\rأوردتني العدّ الخسيف وقد أرى ... أتبرّض الثمد البكيّ تبرّضا\rوأمّا قصيدة البحتري فهذه:\rترك السواد للابسيه وبيّضا ... ونضى من الستّين عنه ما نضى\rوشناه أغيد في تصرّف لحظه ... مرض أعلَّ به القلوب وأمرضا\rإلى أن يقول:\rقعقعت للبخلاء أذعر جاشهم ... ونذيرة من فاصل أن ينتقضى\rوكفاك من حنش الصريم تهدّداً ... إن مدَّ فضل لسانه أو نضنضا\rلا تنكرن من جار بيتك إن طوى ... أطناب جانب بيته أو قوّضا\rفالأرض واسعة لنقلة راغب ... عمّن تنقّل ودّه وتنقّضا\rلا تهتبل أغضاي أمّا كنت قد ... أغضيت مشتملاً على جمر الغضا\rلست الذي إن عارضته ملمّة ... أصغى إلى حكم الزمان وفوّضا\rلا يستفزّني الطفيف ولا أرى ... تبعاً لبارق خلّب إن أومضا\rأنا من أحبّ تحرّياً وكأنّني ... فيما أعاين منك ممّن أبغضا\rأغببت صيبك كي يجمّ وإنّما ... غمد الحسام المشرفي لينتضى\rوسكتُّ إلاّ أنّ أعرض قائلاً ... نزراً وصرّح جهده من عرّضا\rالفصل الثاني في التهنية\rقلت مهنّياً أخاه الماجد محمّد الرضا المترجم في أوّل الأبواب بختان ولديه عبد الحسين وعبد العزيز، وذلك حيث قلت:\rصبح الهنا اليوم تجلّى أبيضا ... وبالمنى ربع التهاني روّضا\rفقم إلى كاس التهاني فاصطبح ... فيها بناد بسنا البشر أضا\rفإنّ هذي فرحة من قبلها ... لمثلها الزمان ما تعرّضا\rمن لم يكن يأخذ منها حظّه ... فليت شعري ما الذي تعوّضا\rوكيف لا يدخل في كلّ حشاً ... منها سرورٌ سرَّ أحشاء الرضا\rأسخى الورى الناهض من ثقل الندى ... بما به كلّ الورى لن تنهضا\rذاك الذي من كرم النفس يرى ... ندب صلات وفده مفترضا\rذاك الذي كلتا يديه رهمة ... ربعيّة بها المنى قد روّضا\rذاك الذي للمستنين جوده ... رقىً إذا صلُّ الجدوب نضنضا\rله سجاياً من أبيه حسنت ... وبسط كفّ في الندى ما انقبضا\rوغرّة من لمعها تحت الدجى ... أعارت البرق السنا فأومضا\rيصرّح البشر لها للمجتدي ... بالنجح قبل أن يرى معرّضا\rأحبب بدهر جلب البشرى له ... وكان قبل جلبها مبغّضا\rإذ في ختان قرّتي عين العلى ... سرَّ الأنام أسوداً وأبيضا\rطاب الهنا فيه لهم فياله ... قطعاً به وصل الهنا تقيّضا\rواليوم في ختان كلّ أرّخوا ... بالزهو قد حوى محمّد الرضا\rالباب السادس عشر في قافية الطاء\rوفيها فصل في المديح\rقلت في مدحه:\rليس إلاّ إليك للعيس ينشط ... كلُّ رحل إلى حماك يحط\rيا أخا المكرمات حسبك فخراً ... أنّها حين تعتزي لك رهط\rلك خلق به الرضا لمحبّ ... ولذي البغض والقلى فيه سخط\rبشّروا يا بني الرجاء الأماني ... بابن علياء كفّه الجعد سبط\rوأنزلوا حيث لا تمدُّ الليالي ... يد خطبوحيث لا الدهر يسطو\rفي حمىً ليس يرفع الطرف فيه ... رهبةً أشوسٌ ولا الليث يخطو\rحرم آمن مهابته ستر ... على من به استجار يلطّ\rرجع الدهر لاقتبال صباه ... بعد ما قد علاه للشيب وخط\rبفتى أصبحت مناقبه الغرّ ... على جبهة الزمان تخط\rيقبض المال لا لغير العطايا ... فالندى في يديه قبض وبسط\rلو رأينا الجوزاء تحكي مزاياه ... لقلنا لدرّها أنت سمط\rوالثريّا قد داسها فلهذا ... لم نقل أنّها لعلياه قرط\rأقول: قولي: ليس إلاّ إليك للعيس نشط، الأُنشوطة عقدة واهية يسهل انحلالها كالتكّة، فيقال في المثل: ما عقالك بأُنشوطة، معناه: ما مودّتك بواهية. ويقال في المثل أيضاً: كأنّما أنشط من عقال، أي حلّ من عقال، فالأوّل من نشطت الحبل أنشطه نشطاً عقدته أُنشوطة، والثاني من أنشطته أي حللته. والإنتشاط مدّ الحبل حتّى ينحلّ، ومنه قول مهيار:\rقم فانتشطها حسبها أن تعقلا ... ودع لها أيديها والأرجلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855647,"book_id":1863,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":157,"body":"ويقال في المثل: لا حتّى يرجع نشيط من مرو، نشيط إسم رجل بنى داراً لزياد بالبصرة وهرب إلى مرو قبل أن يتمّها، وكلّما قيل لزياد: تمّم دارك، يقول: لا حتّى يرجع نشيط من مرو، فلم يرجع وصار مثلاً.\rوالناشط: الثور الوحشي يخرج من أرض إلى أرض، ومنه قوله تعالى: (وَالنَّاشِطاتِ نَشْطَاً) أي النجوم تنشط من برج إلى برج، والهموم تنشط بصاحبها، قال هميان بن قحافة السعدي:\rأمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طوراً وطوراً واسطا\rفالنشط في بيتنا إمّا مأخوذ من هذا أو من المعنى المتقدّم في أنشطته نشطاً.\rوقولي: لك رهط، رهط الرجل قومه وقبيلته، وجعل المكارم رهطاً له لزيادة الإختصاص، قال البحتري:\rحتّى لو أنّ المجد خيّر في الورى ... نسباً لأصبح ينتمي في يعرب\rأراد باختصاصه بهم إنتماء المجد إليهم. وقال أبو تمام:\rإذا ألجمت يوماً لجيم وحولها ... بنوا الحصن نجل المحصنات النجائب\rفإنّ المنايا والصوارم والقنا ... أقاربهم في الروع دون الأقارب\rوقولي: يلطّ، هو من لطّ الستر أرخاه، قال السيّد المرتضى في رثاء أُمّه:\rأم من يلطّ لي ستر دعائه ... حرماً من البأساء والضرّاء\rوالوخط: أوّل الشيب، من وخطه الشيب إذا خالطه.\rوالسمط هو الخيط مادام فيه الخرز وإلاّ فهو سلك، والمسمّط من الشعر ما قفي أرباع بيوته وسمّط في قافية مخالفة، يقال: قصيدة سمطيّه ومسمّطة، قال بعضهم:\rومستلئم كشفت بالرمح ذيله ... أقمت بعضب ذي سفاسق ميله\rفجعت به في ملتقى الحيّ خيله ... تركت عتاق الطير تحجل حوله\rكأنّ على سرباله نضح جريالالسفاسق: طرايق السيف، ويقال إنّها فرنده. ولا يذهب عليك أنّ التخميس والموشّح كلّه من هذا، لا أنّ المتأخّرين اخترعوا طريقتهما، وإنّما غيّروا فيهما التسمية لمناسبة لحظوها فسمّوهما بذلك.\r\rالباب السابع عشر في قافية الظاء\rوفيها فصل في المديح\rقلت في مدحه هذه المدحة:\rرأت المشيب بعارضيك فغاضها ... وثنت بذات البان عنك لحاظها\rهيفاء لو برزت لنسّاك الورى ... يوماً لأصبى دلّها وعاضها\rريم لئالي نحرها تحكي لئا ... لىء ثغرها اللائي حكت ألفاظها\rقد كان شملك بالكواعب جامعاً ... أيّام سوق صباك كان عكاظها\rفتنبّهت عين الزمان ففرّقت ... بالشيب شملك لا رأت إيقاظها\rرقّت إليك قلوبهنّ مع الصبا ... وأعادهنَّ لك المشيب غلاظها\rفدع الغواني القاتلات بصدّها ... كم فتنة غنح الحسان أفاظها\rواهتف هديت ولو من النبل العدا ... كسرت عليك لغيظها أرعاضها\rبمدائح الحسن الذي آباؤه ... كانوا لأسرار الندى حفّاظها\rحمّال ثقل المكرمات بهمّة ... لم تشك مذ نهضت بها أبهاظها\rيا من أعار النيّرات ضيائها ... فزهت وأعطى المخدرات حفاظها\rأوقدت نار قرى لضيفك ضوئها ... وبقلب كاشحك اقتدحت شواظها\rفأمّا قولي: رأيت المشيب بعارضيك الخ فمثل قول مهيار الديلمي من قصيدة:\rولم أنس إذ راحوا مطيعين للنوى ... وقد وقفت ذات الوشاحين والوقف\rثنت طرفها دون المشيب ومن يشب ... فكلّ الغواني عنه مثنيّة الطرف\rوقد ولع الشعراء في وصف المشيب فأتوا فيه بكلّ معنى دقيق، في نظم أنيق، ويعجبني قول بعضهم في جارية سوداء:\rوجارية من بنات الحبوش ... ذات لحاظ صحاح مراض\rتعشّقتها للنصابي فشبت ... غراماً ولم أك بالشبيب راضي\rوكنت أعيّرها بالسواد ... فصارت تعيّرني بالبياض\rوظريف قول بعضهم وهو من الهزل المراد به الجدّ:\rتبسّم الشيب بذقن الفتى ... يوجب سفح الدمع من جفنه\rحسب الفتى بعد الصبا ذلّة ... أن يضحك الشيب على ذقنه\rوذمّ الشباب بعضهم بقوله:\rلم أقل للشباب في دعة الله ... ولا حفظه غداة استقلاّ\rزائراٌ زارنا أقام قليلاً ... سوّد الصحف بالذنوب وولّى\rوما أحسن قول أبي العلا المعرّي في مدح الشيب:\rخبّريني ماذا كرهت من الشيب ... فلا علم لي بذنب المشيب\rأضياء النهار أم وضح اللؤ ... لؤ أم كونه كثغر الحبيب\rوفي هذا المعنى قول بعضهم في ذمّ الشباب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855648,"book_id":1863,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":158,"body":"أخبرني فضل الشباب وماذا ... فيه من منظر يروق وطيب\rغدره بالخليل أم حبّة للغي ... أم كونه كعيش الأديب\rوبديع قول حسن بن النقيب في التأسّف على فقدان المشيب لا على أخلاق رداء الشباب القشيب:\rلا تأسفنّ على الشباب وفقده ... فعلى المشيب وفقده يتأسّف\rهذاك يخلفه سواه إذ انقضى ... ومضى وهذا إن مضى لا يخلف\rوأمّا قولي في هذه المقطوعة:\rهيفاء لو برزت لنسّاك الورى ... يوماً لأصبى دلّها وعاضها\rفنظير قول ابن دريد في مقصورته حيث يقول:\rولاعبتني غادة وهنانة ... تضني وفي ترشافها برؤ الضنا\rلو ناجت الأعصم لانحطَّ لها ... طوع القياد من شماريخ الذرى\rأو صابت القانت في مخلولق ... مستصعب المسلك وعر المرتقى\rألهاه عن تسبيحه ودينه ... تأنيسها حتّى تراه قد صبا\rكأنّما الصهباء مقطوب بها ... ماء جنى ورد إذا الليل غشا\rيمتاحه راشف برد ريقها ... بين بياض الثغر منها واللما\rومنها:\rيا هؤلاء هل نشدتنّ لنا ... ثاقبة البرقع عن عيني طلا\rما أنصفت أُمّ الصبيين التي ... أصبت أخا الحلم ولمّا يصطبى\rوأمّا قولي فيها:\rريم لئالي نحرها تحكي لئا ... لىء ثغرها اللائي حكت ألفاظها\rفالمقصود منه أنّ عقدها وأسنانها وألفاظها كلّها لئالىء يظهر ذلك من تشبيه بعضها ببعض. وللشعراء في هذا النحو والتشبيه معان غريبة، فمن ذلك قول البحتري:\rولمّا التقينا والنقا موعدٌ لنا ... تعجّب رائي الدرّ منّا ولاقطه\rفمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه\rوقال المتنبّي في ذلك:\rديار اللواتي دارهنّ عزيزة ... بسمر القنا يحفظن لا بالتمائم\rحسان التثنّي ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهنّ النواعم\rويبسمن عن درٍّ تقلّدن مثله ... كأنّ التراقي وشحت بالمباسم\rوشبّه الأرجاني الدمع في خدّ معشوقه باللؤلؤ في حال الفراق فقال:\rنأى النوم عنّي لمّا نأوا ... وأقسم لا عاد حتّى يعودوا\rفبلّغ سلامي بدر الخيام ... يكسفه نأيه والصدود\rبآية ما قال يوم الرحيل ... مرعيّة للخليل العهود\rولمّا وقفنا غداة الوداع ... وقيّدت لتظعن بالحيّ قود\rبكى وتنفّس خوف الفراق ... فأسلم عقديه جفن وجيد\rكان الذي خلعته النحور ... من لؤلؤ لبسته الخدود\rوقال أيضاً:\rوكأنّ كلّ مليحة يوم النوى ... قد علّقت في الخدّ عقد الجيد\rوأمّا قولي فيها:\rواهتف هديت ولو من النبل العدا ... كسرت عليك لغيظها أرعاضها\rفالرعظ بالضم مدخل سنخ النصل وفوقه لفائف العقب وتُسمّى الرصاف، والجمع أرعاظ، ويقال: إنّ فلاناً ليكسر عليك أرعاظ النبل، مثلٌ لمن يشتدّ غضبه، كأنّه يقول: إذا أخذ السهم نكت به الأرض نكتاً شديداً حتّى تنكسر رعظه، أو معناه: يحرق عليك الأسنان، شبّه مداخل الأسنان ومنابتها بمداخل النصال من النصال، ومثلٌ آخر: ما قدرت على كذا حتّى تعطّفت عَلَيّ أرعاظ النّبل.\r\rالباب الثامن عشر في قافية العين\rوفيها فصلان\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت في مدحه هذه الأبيات:\rدعوا كبدي ودونكموا دموعي ... فداعي البين يهتف بالجميع\rوما أبقي على كبدي ولكن ... لتأنس في محلّكم ضلوعي\rكتمت بها الهوى زمناً إلى أن ... دعاها يومُ بينكم أُذيعي\rفصاعدت الدموع لكم نجيعاً ... ويوشك أن تسيل مع الدموع\rوبالعلمين واضحة المحيّا ... رشوف الثغر طيّبة الفروع\rتمنّي المستهام بغير نيل ... فتطمعه بخالبة لموع\rمنعت وصالها فسلوت عنها ... وقلت لها ورائك من منوع\rفأنت وما صنعت فعنك حسبي ... بمدح محمّد الحسن الصنيع\rربيع زماننا وأرقُّ طبعاً ... إلى الندماء من زمن الربيع\rربيب مكارم وفتى معال ... ترعرع في ذرعى الشرف الرفيع\rدرور أنامل الكفّين جوداً ... غداة السحب جامدة الضروع\rكسا أعطافه نفحات فخر ... وقال لها على الثقلين ضوعي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855649,"book_id":1863,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":159,"body":"الرشوف هي المرأة الطيّبة الفم، والرشف المصُّ، وقد رشفه يرشفه، ويرشفه وارتشفه أي امتصّه. وفي المثل: الرشف أنقع إذا ترشّف الماء قليلاً قليلاً كان أسكن للعطش. وعلى قولي: تمنّى المستهام الخ قول بعضهم:\rلقد كنت جلداً قبل أن توقد النوى ... على كبدي ناراً بطيئاً خمودها\rولو تركت نار الهوى لتضرّمت ... ولكنَّ شوقاً كلّ يوم يزيدها\rوقد كنت أرجو أن تذوب صبابتي ... إذا قدمت أيّامها وعهودها\rفقد جعلت في حبّة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها\rبمرتجه الأرداف هيفٌ خصورها ... عذابٌ ثناياها عجافٌ قيودها\rمخصرّة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن ممّا زيّنتها عقودها\rوصفرٌ تراقيها وحمرٌ أكفّها ... وسودٌ نواصيها وبيضٌ خدودها\rيمنيننا حتّى ترفُّ قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طلٌّ يجودها\rويروى أنّ منها:\rولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أُصيب وليدها\rهل الله عاف عن ذنوب تسلّفت ... أم الله إن لم يعف عنها معيدها\rفمعنى قولي: تمنّي المستهام أنّها تريه من الإمارات في أحوالها وأقوالها ما يقرب إلى ظنّه الظفر بحصول ما تشتهيه نفسه من وصالها بحيث يبقى متشوّفة نفسه إلى أن يحظى بتلك الإرادة متوقّعاً حصولها، وهذا الطمع ممّا جرت به العادة. وما أحسن قول البحتري في صفة الأحوال المطمعة:\rإنّ في السّرب لو يساعفنا السرب ... شموساً يمشين مشياً وئيدا\rيتدافعن بالأكفّ ويعرضن ... علينا علوارضاً وخدودا\rوما أحلى قول أبي حيّة النميري:\rألمّا بسلمى قبل أن ترمي النوى ... بنافذة نبض الفؤاد المتيّم\rيقف عاشق لم يبق من روح نفسه ... ولا عقله المسلوب غير التوهّم\rفقلنا لها سرّاً فدنياك لا يرح ... صحيحاً وإن لم تقتليه فالممي\rفألقت قناعاً دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفٍّ ومعصم\rومن المطمعات الرقّة واللين في الكلام كما وصفه الله عزّوجلّ فقال: (لا تَخْضَعْنَ بالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذي في قَلْبِهِ مَرَض) وقال بعض الشعراء، وأحسن في ذلك ما شاء:\rومستخفيات ليس يخفين زرننا ... يسحبن أذيال الصبانة والشكل\rجمعن الهوى حتّى إذا ما ملكنه ... نزعن وقد أكثرن فينا من القتل\rموارق من ختل المحبّ عوارف ... بختل أولى الألباب بالجدّ والهزل\rمريضات رجع القول خرس عن الخنا ... تألّفن أهواء القلوب بلا بذل\rولآخر:\rبيض حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكّة صيدهنّ حرام\rيحسبن من لين الكلام زوانياً ... ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام\rوللمتنبّي:\rأفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب\rولا برزن من الحمام مائلةً ... أوراكهنّ صقيلات العراقيب\rولآخر:\rوإذ دعونك عمّهنّ فإنّه ... نسب يزيدك عندهنّ خبالا\rولآخر:\rوكانت تسمّيني أخاها تعلّلاً ... فقلت لها أفسدت عقل أخيك\rوإنّي لأستحسن لبعض شعراء عصرنا المسمّى بملاّ محمّد التبريزي قوله وفيه التورية:\rوقائلة عمّي وما أنا عمّها ... ولكنّني أفدي بعمّي خالها\rوعلى ذكر التمنّي فما أحسن قول مهيار الديلمي:\rأتمنّى والمنى جهد المقلّ ... واقضي الدهر في ليت وهل\rوأسوّي كلف العيش إذا ... أظلمت لي بطلاوات الأمل\rسلوة وهي الغرام المشتكى ... وتعاليل أسىً هنَّ العلل\rقيل: إنّ بعضهم تمنّى في منزله فقال: ليت لنا لحماً نطبخ منه سكباجاً، فما لبث أن جاء ابن جاره بصفحة وقال: أغرفوا لنا قليلاً من المرق، فقال: إنّ جيراننا يشمّون رائحة الأماني.\rولذا قيل: الأماني بضائع النوكى.\rوقيل: التمنّي رأس مال المفلس.\rوعلى ذكر الطمع ما روي أنّه تخاصم رجلان عند دير، فقال أحدهما: أير هذا الرّاهب في حر أُمّ الكاذب، فما لبث أن نزل الراهب منعضّاً وهو يقول: أيّكما الكاذب.\rويقال: إنّ بعضهم اجتاز بدارا فسمع صاحبها يقول لزوجته: إن لم أحمل عليك ألف رجل فما أنا برجل، فجلس على الباب إلى أن أعيى ثمّ قام وضرب الباب وقال: تحمل على هذه القحبة أو نمضي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855650,"book_id":1863,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":160,"body":"وقيل لأشعب الطمّاع: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلبة أُم حؤمل تبعتني فرسخين وأنا أمضغ كندراً.\rوقيل له يوماً: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروساً في المدينة تزفّ إلاّ كنست بيتي ورششته طمعاً في أنّها تزفّ لي.\rووقف على رجل خيزراني يعمل طبقاً فقال: وسعه قليلاً، فقال الخيزراني: وما تريد بذلك؟ لعلّك تريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن يشتريه بعض الأشراف فيهدي إليّ فيه شيئاً. ونوادره كثيرة.\rواتّفق أنّا سافرنا إلى بغداد أوّل الشتاء، فهبت علينا في بعض الطريق ريح نكباء وأرخت السماء عزالاها وذلك وقت الطفل، فملنا إلى حصن بناه على الطريق أبوالممدوح محمّد الصالح، فلمّا نزلنا فيه أنشأ عمّنها المهدي فيه وله الأصل النفيس، ولي هذا التخميس:\rأجل لم يكن في ساحة الكون فاعلمن ... لسار حمىً إلاّ ببيتين في الزمن\rببيت بناه الله أمناً من المحن ... وبيت على ظهر الفلاة بناه من\rله همّة من ساحة الكون أوسع\rألا ربَّ قفر قد قطعنا فضائه ... بيوم وصلنا بالصباح مسائه\rولمّا علينا الليل مدّ ردائه ... نزلنا به والغيث يكسب مائه\rكأنّ قطره من سيب كفّيه يهمع\rكأنّ النعامى حين وافت بقطره ... لنا حملت من خلقه طيب نشره\rفما قطرة إلاّ تتابع وفره ... وما برقه إلاّ تبسّم ثغره\rلوفّاده من جانب الكرخ يلمع\rفبورك بيتاً كان فيه احتجابنا ... عن السوء مذ أمسى إليه انقلابنا\rبه أمنت حصب الرياح ركابنا ... ومنه وقفتنا أن تبلَّ ثيابنا\rمقاصر من شأو الكواكب أرفع\rمقاصرُ بتنا من حماها بجنّة ... وقينا الأذى من حفظها بمجنّة\rغدت مجمع السارين أنس وجِنّة ... ولم ير في الدّنيا مقاصر جنّة\rلشمل بني الدنيا سواهنّ تجمع\rفوحشتنا زالت بإنس رحابها ... عشيّه بتنا في نعيم جنابها\rإلى أن نسينا السير تحت قبابها ... كأنّا حلولٌ في منازلنا بها\rولم تتضمّنا مهامة بلقع\rبنا أدلجت تطوي المهامة عيسنا ... إلى أن بأيدي السير دارت كئوسنا\rفمالت نشاوى نحوهنَّ رؤسنا ... وبتنا بها حتّى تمنّت نفوسنا\rنقيم بها ما دامت الشمس تطلع\rومذ كان فيها بالسرور مبيتنا ... محيث ثمار الإنس والبشر قوتنا\rرأينا الهنا في ظلّها لا يفوتنا ... وعنها وإن عزمت علينا بيوتنا\rوددنا إلى أكنافها ليس نرجع\rفلا عجب أن تغد صبحاً وعتمةً ... بها الوفد من كلّ الجهات ملمّةً\rوتمسي لهم بالخوف أمناً وعصمةً ... ففيها أبوالمهدي أسبغ نعمةً\rعلى النّاس فيها طوق النّاس أجمع\rبها عمَّ أهل الأرض دان وشاسعا ... وفيها لكلّ الخير أصبح جامعا\rوليس لهذي وحدها كان صانعاً ... له الله كم أسدى سواها صنائعا\rبأمثالها سمع الورى ليس يقرع\rلقد غمر الدّنيا معاً بسخائه ... فكانت لساناً ناطقاً بثنائه\rوأدّب صرف الدهر بعد اعتدائه ... فلا برحت في الكون شمس علائه\rبأُفق سماء المجد بالفخر تطلع\rالفصل الثاني في التهاني\rأقول: لمّا قدم الممدوح الفاضل الشيخ محمّد الحسن من حجّ بيت الله الحرام في سنة ١٢٩٢ وكنت عازماً أن أُؤرّخ ذلك العام وأشهد حضرته لتلاوة ما أنشأته من النظام، فمنعني عن ذلك حلول وباء تلك السنة يشبه الطاعون بشدّته وخطبه المتفاقم، وقلت: ما أصدق من قال: عرفت الله بنقض العزائم، فأنشأت هذه الموشّحة اببديعة وأرسلتها إلى حضرته الرفيعة:\rعرَّفت ناسكةً ذات اللما ... فرنت فاتكةً في أضلعي\rولكم بالهدب راشت أسهما ... فرمت شاكلتي صبري معي\rأنشقتني يوم جمع عرفها ... وعلى الخيف حمتني رشفها\rكحل الغنج بسحر طرفها ... ما رنت للصبّ إلاّ أقسما\rما كذا ترنوا ظباء الأجرع ... والغواني تدّعي السحر وما\rهو إلاّ تحت ذاك البرقع\rغادة أقتلها لي كلّها ... مثلما أحيى لقلبي وصلها\rذات غنج قد سباني دلّها ... طرقت وهناً فقالت أجرما\rأذرأتني بائتاً في الهجع ... ونعم يا ريم طرفي هوّما\rطمعاً منك بطيف ممتع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855651,"book_id":1863,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":161,"body":"دميةٌ نشر الخزامى نشرها ... بفتات المسك يزري شعرها\rكم ليال هي عندي بدرها ... قابلت فيهنّ مرآت السما\rبمحيّاها فقيل انطبعي ... هي والظبية من واد كما\rهي والبدر معاً من مطلع\rكلّما ورَّد خدّيها الخجل ... قطفت ذيّالك الورد المقل\rلا تسل عنها وعنّي لا تسل ... وقفت فاستوقفتني مسقما\rوأفاضت فأفاضت أدمعي ... عجباً راقبت فيها الحرما\rواستحلّت صيد قلبي الموجع\rكم قضت في سعيها من منسك ... ما أضاعت فيه إلاّ نسكي\rفلقد عدتُ بقلب مشرك ... في الهوى يعبد منها صنما\rفهو في اللاهين لا في الرّكع ... ضلّةً يقرؤ قلْ من حرَّما\rزينة الله ولمّا يقلع\rلست أنسى بالمصلّى موقفاً ... فيه يرجى العفو عمّا سلفا\rإذ بدت أحلى الغواني مرشفا ... تجرح النسك بلحظ إن رمى\rسهمه قرطس قلب الورع ... وانثنت تطعن في الحجّ بما\rقد حوى لين الرماح الشرّع\rيا سقى الله ضحيّات النقا ... وسقاها الروض وشياً مونقا\rكم أرت عيني وجهاً مشرقا ... وجلت لي من فتاة مبسما\rعن شتيت واضح ملتمع ... قد دعا دمعي ولكن رخّما\rفأجابت بعقيق أدمعي\rعجبت حين بدت في تربها ... ورأتني بين صرعى حبّها\rثمّ قالت للتي في جنبها ... هل وصلن الغيد قبلي مغرما\rوسوى الشيب له لم يشفع ... سنّة ما عملت فيها الدمى\rوهي في دين الهوى لم تشرع\rلا ومن أودع في خصري النحول ... ورمى نرجس جفني بالذبول\rلست أحيي أشيباً واسمي قتول ... للذي ماء الصبا فيه نمى\rغصنه من ناشىء أو يفع ... كلّما استقطرت منه اللمما\rقطرت ماءً فبلّت موضعي\rقلتُ يا سالبتي طيب الوسن ... ما لمن تصبى المعنى والسنن\rفصلي الصبّ الذي فيك افتتن ... واجعلي وصلك في هذا الحما\rبدعةً جائت كبعض البدع ... وألمّي كخيال سلما\rهوّم الركب فحيّى مضجعي\rمن رأى خدّيك قال العجب ... كيف في الماء يشعُّ اللهب\rوالّتي طاب أبوها العنب ... بالذي أودعها منك الفما\rفغدت أورى لقلب المولع ... ما الذي من يرتشفه أثما\rهي أم فوك فزيدي ولعي\rوحديث تتهاداه الربى ... طاب نشراً بين أنفاس الصبا\rعن بشير جاء يطوي السبسبا ... تأرج البشرى عبيراً أينما\rحلَّ في الأربع بعد الأربع ... شعبت شمل العلى فالتأما\rودّعت قلب الحسود انصدع\rفادر يا صاحبي كأس الطرب ... واطرح في كأسها بنت العنب\rقم فشاركني بما سرَّ الحسب ... بشّر المجد وهنّ الكرما\rوعلى هذا الهنا بارك معي ... قد تجلّى كلّ أفق أظلما\rبسنا هذي البدور الطلّع\rزُهْرُ مجد زَهَرَ الدهر بهم ... لا خلت أفلاكه من شهبهم\rكلّما خفَّ الهوى في صبّهم ... وعلى المسرى إليهم عزما\rثقلت نهضته في المربع ... من أمور طاريات كلّما\rهمَّ ينحو قصدهم قلن ارجع\rلك يا عبد الكريم الفرح ... ولأعدائك زال الترح\rوصفت لابن أخيك المنح ... مصطفى المجد بأزكى من نمى\rشرفٌ سام لمجد أرفع ... كبدور التم تنضوا اللثما\rعن ثغور كالبروق اللمع\rقرَّ طرف الفخر منها بالحسن ... ذاك من قرّت به عين الزمن\rشخصة والدهر روحٌ وبدن ... فحياة الدهر لمّا قدما\rرجعت للنّاس أحلى مرجع ... ما براه الله إلاّ عيلما\rلبني الآمال عذب المشرع\rمذ حوى صدر المعالي قلبها ... وسماء المجد أبدت قطبها\rسبّحت غرّ القوافي ربّها ... وأتت تهدي إليه أنجما\rما حواها فلكٌ في مطلع ... درراً وهي تسمّى كلّما\rمثلها ما أنشدت في مجمع\rشهدت للمجد أبهى محفل ... فدعت فخراً وقالت هوّلي\rأيّها القالة مثلي فصلي ... من فريد المدح ما قد نظما\rثمّ يا صاغة مثلي رصّعي ... أو فكفّي وأريحي القلما\rوبياض الطرس للطرس دعي\rهذه الأفناء أفناء الشرف ... منتدى الآداب فيها والظرف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855652,"book_id":1863,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":162,"body":"لم يزل للمدح فيها معتكف ... من يرد يهدي إلى هذي السما\rيلتقط من هذه الزهر معي ... ما وعاها الدهر إلاّ مغرما\rقال أحسنت فقرط مسمعي\rدار مجد مصطفى الفخر بها ... كأبيه حلمه من هضبها\rفالورى في شرقها أو غربها ... كلّها تلحظ منه علما\rشامخاً هضبته لم تطلع ... خيرها مجداً وأعلى منتمى\rفي العلى من كلّ ندب أروع\rيا عرانين المعالي والشرف ... لكم أهديتها أسنى التحف\rكعروس الغيد تجلى وتزف ... فلها البشر بكم زهواً كما\rلكم البشر بها في المجمع ... والبسوا الأفراح ثوباً معلما\rعنكم طول المدى لم ينزع\rولمّا ختن ولدا أخ الممدوح الماجد المصطفى وهما عبد الغني ومحمّد سليم نظمت هذه الموشّحة لتهنئة أبيها وعمّها:\rنصب العشق لعقلي شركا ... من جعود كم سبت ذا ولع\rومن اللحظ بقلبي فتكا ... بسهام ليتها لم تنزع\rيا نديميّ على الورد الندي ... من خدود الخرّد الغيد الكعاب\rغنّياني بلعوب بالعشي ... ليس غير العطر تدري والخضاب\rقد حوى مرشفها العذب الشهي ... شهدة قد لقّبوها برضاب\rأطرباني ودعا من نسكا ... إنّما الجنّة تحت البرقع\rفي محيّا ذات خدر قد حكى ... قمر التمّ بأبهى مطلع\rعلّلاني برشوف ثغرها ... مرتو خلخالها عطشى الوشاح\rغضّة الجيد رهيب خصرها ... لم تكن تبسم إلاّ عن أقاح\rطرّقت زائرة تسترها ... طرّة في ليلها يعمى الصباح\rبتّ لا أجذبها إلاّ اشتكى ... خصرها ممّا تلوّى ولعي\rلفنا الشوق وقال احتبكا ... بعناق وبضمّ ممتع\rغادة قامتها الغصن الوريق ... فوقه ريحانة الفرع ترف\rصدغها والخد آس وشقيق ... فتروّح وإذا شئت اقتطف\rخالها والريق مسكٌ ورحيق ... فتنشق وكما تهوى ارتهف\rنصبت ألحاظها معتركا ... غير عذريّ الهوى لم يجمع\rجفنها في سيفه كم سفكا ... من دم لولا الهوى لم يضع\rمعركٌ للشوق كم فيه مقام ... لأخي قلب من الوجد صديع\rوبه كم قلبت أيدي الغرام ... بين ألحاظ الغواني من صريع\rودعت حوراؤه موتوا هيام ... فلدينا أجركم ليس يضيع\rفي سبيل الحب ما قد هلكا ... فمعي يمسي ومن يمسي معي\rكان في جنّة حسني مسلكا ... أينما مدّ يداً لم يمنع\rأقبلت سكرى ومن خمر الصبا ... عطفتها نشوة الدلّ عليك\rتسرق النظرة من عين الظبا ... وبلحظ فاتر ترنو إليك\rتخذت ماشطة كفَّ الصبا ... كلّما رجّلت الجعد لديك\rنثرت مسكا بذي البان ذكا ... فسرت نفحته في لعلع\rكم تستّرت بها فانهتكا ... ذلك الستر بطيب المضجع\rونديم لفظه العذب الرخيم ... كنسيم الورد في رقّته\rقبله ما خلت ولدان النعيم ... بعضها يسرق من جنّته\rإنّما آنست يا قلبي الكليم ... شعلةً في الكاس من وجنته\rلا تقل كيف من الكاس ذكا ... جمرُ خدّيه معاً في أضلعي\rفذكاً وهي تحلُّ الفلكا ... إن تقابل بزجاج تلذع\rعدّ عن ذكرك ربّات الخدور ... واعدلي ذكر أرباب الحسب\rوادر راح التهاني والحبور ... للندامى واطرح بنت العنب\rفصبا الأفراح عن نور السرور ... فتحت يا سعد أكمام الطرب\rوالعلى والمجد بشراً ضحكا ... في سرور قال للسعد أسطع\rإن يكن قطعاً ففيه اشتركا ... بسرور ليس بالمنقطع\rطاولوا الشمَّ بني الشم الرعان ... والبسوا الفخر على طول السنين\rما أتمّ المجد فيكم فالزمان ... منكم العليا به في كلّ حين\rلم تلد إلاّ غنيّاً عن ختان ... وسليماً من زيادات تشين\rكلّكم في منبت العزّ زكا ... وكطيب الأصل طيب المفرع\rمن نرى منكم نخله ملكا ... قد ترائى بشراً في المجمع\rلكم البشرى ذوي الفخر الأغر ... بسليلي أكرم النّاس قبيل\rلست أدري أفهل أنتم أسرّ ... بهما اليوم أم المجد الأثيل\rوهل العلياء عيناها أقرّ ... بهما أم عين ذي الرأي الأصيل\rمصطفى المعروف من لو ملكا ... حوزة الأقطار لم تتّسع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855653,"book_id":1863,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":163,"body":"لأياد كم بها قد سمكا ... من سماء لعلاه أرفع\rإن أقل يا بدر مجد زهرا ... وبزعمي غاية المدح بلغت\rقال لي البدر كفاني مفخراً ... فبتشبيهك لي هذا مدحت\rأو أقل يا بحر حود زخرا ... قال لي البحر لماذا بي سخرت\rقست من لو رام فخراً لاتّكى ... وكفى عنّي بصغرى أصبع\rكم بها نجل غثياً فبكى ... وغدا ينحب بالرعد معى\rواحدٌ في كلّ فضل منفرد ... بمزاياً في الورى لم تكن\rحلف الدهر به أن لا يلد ... للعلى مثلاً له في الزمن\rلا تخلها حلقةً لم تنعقد ... فبها استثنى له بالحسن\rذاك من أصعد حتّى أدركا ... من سنام المجد مالم يفرع\rوغدا للفخر يجلو فلكا ... لاح والشمس به في مطلع\rذي كمال سقيت روضته ... فارتوت بالعذب من ماء النهى\rكم له عند المعالي نهضة ... لو بها شاء إذاً حطّ السهى\rوهو الغيث ولكن ومضه ... ينبت الشكر بمنهلّ اللهى\rمثلما ينبت طوراً حسكا ... في عيون حسداً لم تهجع\rأعينٌ ليت الكرى إن سلكا ... بين جفنيها جرى في الأدمع\rالفصل الثالث في الحماسة\rقلت هذه الأبيات وفيها تضمين هذا البيت:\r\"ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأُخرى الأعادي فهو يقضان هاجع\"\rألفتُ قراع الدهر إذ أنا يافع ... فكيف تروع اليوم قلبي الروائع\rلقد عركت منّي الليالي ابن حرّة ... على العرك منه لا تلين الأخادع\rوسيّان عندي سلمُ دهري وحربه ... وما هو معط والذي هو مانع\rلعمري ليصنع أيّها شاء إنّه ... حقيرٌ بعيني كلّما هو صانع\rفما أنا مسترٌّ بحسن صنيعه ... ولا أنا ممّا سائني منه جازع\rسأنشد لا عجزاً ولكن تحمّساً ... لي الله أيّ الحادثات أُصارع\rوأيّ الأعادي أتّقى وهم الحصا ... عديداً وكلٌّ مجهرٌ ومصانع\rفحيث طرحت اللحظ أبصرت منهم ... أخا حنق شخصي لأحشاه صادع\rإذا ما رآني عنّي ازورَّ طرفه ... كأنّي رمحٌ بين جفنيه شارع\rوإنّي ولا فخرٌ كفاني تفرّدي ... تحاشدهم أنّى حوتنا المجامع\rأريهم بأنّي عن دهاهم مغفّلٌ ... وعندي لهم خبؤٌ من الحزم رادع\rكذئب الغضا تلقاه رخواً إذا مشى ... ويشتدُّ إن واثبته وهو قاطع\r\"ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأُخرى الأعادي فهو يقضان هاجع\"\rالباب التاسع عشر في قافية الغين\rوفيها فصل في المديح\rقلت في مدحه:\rذكرت بذات الأثل حيث مضى لنا ... زمان به ظلّ الشبيبة سابغ\rكواعب ترمي عن قسيّ حواجب ... بأسهم لحظ لاتّقيها السوابغ\rتدبُّ على الورد النديّ بخدّها ... عقارب من أصداغهنّ لواذع\rلوادغ أحشاء يبيت سليمها ... ودرياقه عذب من الريق سائغ\rلهوت بها حيناً أطيع بها الهوى ... غراماً وشيطان الصبابة نازغ\rإلى أن رأت عيني يد الشيب ناصلاً ... بها من كلا فوديّ ما الله صابغ\rفأصبحت لا قلبي من الغيد فارغ ... بلى قلبها منّي غدا وهو فارغ\rوأمسيت في ليل من الغمّ تحته ... فؤادي له ضرس من الهمّ ماضغ\rإلى أن جلا عنّي الهموم بأسرها ... هلال عُلىً في مطلع السعد بازغ\rهلال عُلىً تجلوه طوقاً لنحرها ... له ربّه من جوهر المجد صائغ\rفتىً لم تكن أهل المساعي جميعها ... لتبلغ من علياه ما هو بالغ\rيقصّر كعب عن نداه وحاتم ... ويقصر حتّى جرول والنوابغ\rفأمّا قولي: كواعب ترمي عن قسي حواجب، فنظيره قول أبي الحسن الهمداني من شعراء اليتيمة:\rظلّت تجيل لحاظها ... كالسيف لم يخط المضارب\rللسحر في أجفانها ... مهما أدارتها ملاعب\rجعلت قسيّ سهامها ... إن ناضلته عقد حاجب\rلم تخط سهماً أرسلته ... إنّ سهم اللحظ صائب\rوقول القاضي الأرجاني:\rأذمت لنا سلمى عشيّة سلّمت ... علينا بتوديع لإيماء حاجب\rفما شبهت عيني لها قوس حاجب ... أشارت به نحوي سوى قوس حاجب\rوقول الصفي الحلّي:\rلم تترك الأتراك بعد جمالها ... حسناً لمخلوق سواها يخلق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855654,"book_id":1863,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":164,"body":"إن نوزلوا كانوا أُسود عرينة ... أو غوزلوا كانوا بدوراً تشرق\rجذبوا القسي إلى قسي حواجب ... من تحتها نبل اللواحظ ترشق\rوتشبيه اللحظ بالسهم، والحاجب بالقوس، كثير جدّاً في الشعر.\rوأمّا قولي: تدبّ على الورد النديّ بخدّها، فمثله قول صفي الدين الحلّي:\rدبّت عقارب صدغه في خدّه ... وسعى على الأرداف أرقم جعده\rوبدت محاسنه ففوق لحظه ... سهماً يذود بشوكه عن ورده\rوقال ابن بسّام البغدادي: كنت أتعشّق غلاماً لخالي، فنمت ليلة وقمت لأدبّ عليه فلسعتني عقرب، فقلت: آه، فانتبه خالي وقال: ما أتبى بك إلى هنا؟ فقلت: قمت لأبول، قال: صدقت لكن في أُست غلامي فحضرني إذ ذاك هذه الأبيات فقلت:\rولقد سريت مع الظلام بموعد ... حصلته من غادر كذّاب\rفإذا على ظهر الطريق مدبّة ... سوداء قد علمت أوان ذهابي\rلا بارك الرحمن فيها إنّها ... دبّابة دبّت إلى دبّاب\rوقيل: إنّ صاحب الغلام أنشد:\rوداري إذا نام سكّانها ... تقيم الحدود بها العقرب\rإذا غفل النّاس عن دينهم ... فإنّ عقاربنا تضرب\rوقد تركنا ذكر كثير من النظائر في الدبيب لفحشها. وما أحسن ما اعتذر به القائل من ترك الدبيب:\rقالوا وقد بصروا بأيري نائماً ... عند الدبيب إليه رخو المفصل\rماذا عراه فقلت ساري ليلة ... عرف المحلّ فبات دون المنزل\rومثل قوله: رخو المفصل ما قال أبوالنجم العجلي وذلك أنّه دخل على هشام وقد أتت عليه سبعون سنة، فقال له هشام: ما رأيك في النساء؟ قال: إنّي لأنظر إليهنّ شزراً، وينظرن إليّ خزراً، فوهب له جارية وقال له: أُغد عَلَيّ واعلمني ما يكون منك، فلمّا أصبح غدا عليه فقال له: ما صنعت شيئاً ولا قدرت عليه، وقلت في ذلك أبياتاً هي:\rنظرتْ فأعجبها الذي في درعها ... من حسنه ونظرتُ في سرباليا\rفرأت لها كفلاً ينوء بخصرها ... وعثماً روادفه وأجثم ناتيا\rورأيت منتشر العجان مقلّصاً ... رخواً مفاصله وجلداً باليا\rومنها:\rما بال رأسك من ورائي طالعاً ... أظننت أنّ حر الفتاة ورائيا\rفاذهب فإنّك ميّت لا ترتجى ... أبد الأبيد ولو عمرت لياليا\rوقال الحسين بن الحجّاج:\rإذا يئس المرء من أيره ... رأت عرسه اليأس من خيره\rومن كان في سنّه طاعناً ... فقد عدم الطعن في غيره\rوقال أيضاً:\rنم فما عندك خير يرتجى ... أيّها الأير القليل المنفعه\rكنت بالأمس جموحاً في الصبا ... فاشتهيت الخفض واخترت الدعه\rطالما جدّلت فرسان الوغى ... وافتتحت القلعة الممتنعه\rوتقحّمت مطامير الهوى ... فعرفت الضيق منها والسعه\rوقال أيضاً:\rقالت وقد قلت اعبثي لي به ... يوماً وقد نامت وقد ناما\rوقال بعضهم:\rتقول لي وهي غضبى من تدلّلها ... وقد دعتني إلى أمر فما كانا\rإن لم تنكني نيك المرء زوجته ... فلا تلمني إذا أصبحت قرنانا\rكأنّ أيرك من شمع رخاوته ... فكلّما عركته راحتي لانا\rوقال بعضهم:\rتعقّف فوق الخصيتين كأنّه ... رشاءٌ على رأس الركيّة ملتفُّ\rكفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثمّ يسقطه الضعف\rومن ظريف ما يحكى أنّ بعض البغايا دخلت مع رجل في بيت، فلمّا خلا بها لم ينعض، فلمّا طال عليها أخذت تعنّفه، فلمّا زادت عليه في اللوم قال لها: ويلك! أنت تفتحين بيتاً، وأنا أنشر ميتاً، وإنّ بينهما لفوتاً.\rوحكي عن المبرّد أنّه قال: عشقت جارية في قصر المعتزّ بالله، فلحقني بها ما خفت عاقبته على نفسي، وطال شوط مطالها، وأنا بنفس ترجي وصالها، فلمّا رحمت عبدها وأنجزت وعدها وحضرتني زائرة نام أيري لشوم طيري، فاجتهدت أن يقوم فأبى، فتحيّرت خجلاً، وتلدّدت وجلاً خوفاً أن تظنّ تلك السيرة، ولا تعرف السريرة، فأخذت سكّين الدواة، فقالت: ما تصنع؟ قلت: أقطعه، فقالت: دعه تبول منه، فكان ذلك أشدّ عَلَيّ من جدع أنفي، فانصرفت وأنا أقول: الشأن في أير يقوم، فالتفتت إليّ وقالت: وهوىً بلا نيك يدوم، فقلت: أيري على مرّ الزمان، فمن أذمّ ومن ألوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855655,"book_id":1863,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":165,"body":"وقال الأصمعي: تزوّجت أعرابيّة غلاماً من الحي، فقال لها: يا واسعة، يعيرها بذلك، فقالت بديهة:\rإنّي تنقّيت من بعد الخليل فتىً ... مرزءاً ماله عقل ولا باه\rما غرّني فيه إلاّ حسنُ نقبته ... ومنطقٌ لنساء الحيّ تيّاه\rفقال لمّا خلا بي أنت واسعة ... وذاك من خجل منّي تغشّاه\rفقلت لمّا أعاد القول ثانية ... أنت الفداء لمن قد كان يملاه\rوتزوّج بعضهم امرأة، فسُئِل عنها بعد أيّام، فقال: فيها خصلتان من خصال البرد والسعة.\rوقيل: إنّ رجلاً كان يدلّ بعضم الأير، فقال يوماً لامرأة واقعها وأعجبه ما معها: هل خرج من خلفك؟ فقالت له: وهل دخل الآن.\rوحكي ما هذا مضمونه أنّ رجلاً أراد شراء جارية فسألها: كم دفعوا فيك؟ فقالت: وما يعلم ...\rودخلت جارية على راشد في رسالة من مولاتها إليه، فرأت حماراً قد أدلى، فبهتت وقالت: تقول لكم مولاتي كيف أير حماركم؟ فقال راشد: قائم ...\rوقيل: تزوّج رجل صغير الأير امرأةً، فلمّا واقعها اعتذر إليها، قال: إن كان أيري صغيراً فهو ذكيّ، فقالت: ليته كان كبيراً أبله.\rوقال بعضهم:\rوفيشة ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من خرق وطيش\rإذا بدت قلت أمير الجيش ... من ذاقها يعرف طعم العيش\rويقال: دبّ رجل على امرأة، فانتبهت مذعورة، فقال لها: ما تأمرين، أخرجه؟ قالت: لا دعه يذهب ويجيء حتّى أُفكّر.\rأقول: وميل النساء وشغفهنّ بذلك معروف، ولهنّ في الإشتياق إلى الرجال من النثر والنظم ما لا يحصى.\rقيل لأعرابيّة: أيّ الأيور أحبّ إليك؟ قالت: الشديد أسره، العظيم نشره، البطي فتره، الكثير غزره، الذي إن أصاب حفر، وإن أخطأ عقر.\rولبعض نساء العرب من رائق النظم قولها:\rأيا أخوي اللائمي على الهوى ... أُعيذكما بالله من مثل مابيا\rسألتكما بالله إلاّ جعلتما ... مكان الأذى واللوم أن تاوياليا\rويا أمتا حبّ الهلالي قاتلي ... سطون النوى لا زال عنّي نائيا\rأشم كغصن البان جعد مرجّل ... شغفت به لو كان شيئاً مدانيا\rفإن لم أوسّد ساعدي بعد هجعة ... غلاماً هلاليّاً فشلت بنانيا\rثكلت أبي إن كنت ذقت كريقه ... سلافاً ولا ماء الغمامة صافيا\rونظير قولها: أشم كغصن البان الخ ما قالته بعض بنات العرب فيما حكي أنّه كان لذي الإصبع بنات أربع، فعرض عليهنّ أن يزوّجهنّ، فأبين وقلت: خدمتك وقربك أحبّ إلينا، ثمّ تشرّف عليهنّ حيث لا يرينه، فقلن: لتقل كلّ واحدة ما في نفسها، قالت الكبرى:\rألا هل أراها ليلةً وضجيعها ... أشمّ كنصل السيف غير مهنّد\rعليم بأدواء النساء واصله ... إذا ما انتمى من سرّ أهلي ومحتدي\rفقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته، ثمّ قالت الثانية:\rألا ليت زوجي من أناس ذوي عداً ... حديث الشباب طيّب الثوب والعطر\rلصوق بأكباد النساء كأنّه ... خليفة جلن لا ينام على وتر\rفقلن لها: أنت تريدين فتىً غنيّاً ليس من أهلك، ثمّ قالت الثالثة:\rألا ليته يكسي الجمال نديّه ... له جفنة تشقى بها المعز والجزر\rله حكمات الدهر من غير كبرة ... تشين فلا فان ولا ضرع غمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855656,"book_id":1863,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":166,"body":"فقلن لها: أنت تريدين سيّداً شريداً، وقلت للرابعة: قولي، فقالت: لست أقول شيئاً، فقلن: يا عدوّة الله علمت ما في أنفسنا ولا تعلمينا ما في نفسك، فقالت: زوجٌ من عود خير من قعود، فمضت مثلاً، فزوّجهنّ أربعهنّ وتركهنّ حولاً، ثمّ أتى الكبرى فقال: ياابنتي كيف ترين زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم الحليلة، ويُعطي الوسيلة، قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال الإبل، نشرب ألبانها جزعا، ويروى جرعا، ونأكل لحمها مزعا، وتحملنا وضعيفنا معا. فقال: يا بنتي زوج كريم، ومال عميم. ثمّ أتى الثانية فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم أهله، وينسى فضله. قال: وما مالكم؟ قالت: البقر تألف الفناء، وتملو الإناء، وتودك السقاء، ونساء مع نساء. قال: حظيت ورضيت. ثمّ أتى إلى الثالثة فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ فقالت: لا سمح بذر، ولا بخيل حكر. قال: فما مالكم؟ قالت: المعزى نولدها فطما، ونسلخها أدما، لم نبغ بها نعما. فقال لها: جذوة مغينة. ثمّ أتى الصغرى فقال: ياابنتي كيف زوجك؟ قالت: شرّ زوج، يكرم نفسه، ويهين عرسه. قال: فما مالكم؟ قالت: شرّ مال. قال: وما هو؟ قالت: الضان جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصمّ لا يسمعن، وأمر مغويتهنّ يتبعن. فقال أبوها: اشبه امرؤ بعض بزّه، فمضت مثلاً.\rقولها: وأمر مغويتهنّ يتبعن أي القطيع من الضأن يمرّ على قطنرة فتزلّ واحدة فتقع في الماء فيقعن كلّهنّ اتّباعاً لها، والضأن توصف بالبلاة.\rقال الأصمعي: رأيت امرأة من العرب تطوف بالكعبة وتنشد بلسان ذرب:\rأستغفر الله لذنبي كلّه ... قبّلت إنساناً بغير حلّه\rلحسن عينيه وحسن دلّه ... مثل غزال كانس فى ظلّه\rوانتصف الليل ولم أصلّه ... والخمر مفتاح لهذا كلّه\rفقلت لها: لله درّك ما أحدّ جنانك، وأفصح لسانك؟! فقالت: إليك عنّي، ما ترك كتاب الله لأحد فصاحة، ولقد سمعت منه آية جمعت أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين وهي قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أن أرضعِيهِ فإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَني إنّا رادُّوهُ إليكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِين) .\rوفي فتح القريب: إنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، فمرّ بامرأة مغلق عليها بابها، فاستمع لها عمر وهي تقول:\rتطاول هذا الليل تسري كواكبه ... وأرقني أن لا ضجيع أُلاعبه\rفوالله لولا الله لا شيء غيره ... لحرّك من هذا السرير جوانبه\rوبتُّ أُلاهي غير بدع ملعن ... لطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه\rيلاعبني طوراً وطوراً كأنّما ... بدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه\rيسرُّ به من كان يلهو بقربه ... يعاتبني في حبّه وأُعاتبه\rولكنّني أخشى رقيباً موكّلاً ... بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه\rثمّ تنفّست الصعداء وقالت: لهان على ابن الخطّاب وحشتي في بيتي، وغيبة زوجي عنّي، وقلّة نفقتي. فقال عمر: يرحمك الله، فلمّا أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة وكتب إلى عامله يسرح إليها زوجها.\rويقال أيضاً بطريق آخر: إنّ عمر بن الخطّاب خرج في الليل، فسمع امرأة تقول:\rتطاول هذا الليل واسودَّ جانبه ... وأرقني أن لا خليل أُلاعبه\rفوالله لولا الله إنّي أُراقبه ... لزلزل من هذا السرير جوانبه\rفقال عمر بن الخطّاب: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت حفصة: ستّة أشهر أو أربعة، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيش أكثر من أربعة أشهر.\rوحدّث أبوالعينا قال: حجّ الحسين بن الضحّاك فمرّ في منصرفه عل يموضع يعرف بالقريتين وإذا جارية كأنّها القمر في ليلة التم تتطلّع من تحت ثيابها وتنظر إلى حرها ثمّ تضربه بيدها وتقول: ما أضيعني وأضيعك، فأنشا الحسين يقول:\rمررت بالقريتين منصرفاً ... من حيث يقضي ذووا الهوى النسكا\rإذا فتاة كأنّها القمر التم ... إذا ما توسّط الفلكا\rواضعةً كفّها على حرّها ... تقول واضيعتي وضيعتكا\rفلمّا سمعت قوله ضحكت وغطّت وجهها وقالت: وا فضيحتاه.\rويروى أيضاً ما هذا مضمونه أنّ امرأةً قالت لأُخرى: خرجت اليوم إلى العيد، قالت لها: إي وحياتك، قالت لها: فما رأيت؟ قالت: أحراءً تتثأب وأيوراً تتمطّى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855657,"book_id":1863,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":167,"body":"قال صاحب المعاهد: وقد روي هذه الحكاية عن أبي حيّان التوحيدي.\rومن بديع الإستعارة على سخفه ومجونه قول السعيد ابن سناء الملك وهو:\rيا هذه لا تستحي ... منّي فقد كشف المغطّى\rإن كان فرجك قد تثأب ... إنّ أيري قد تمطّى\rويقال: كان عبد المطّلب المخزومي قاضياً على المدينة، وكانت عنده امرأة مات عنها خمسة أزواج، فمرض فجلست عند رأسه تتباكى وتقول: إلى من توصي بي؟ قال: إلى السادس الشقي.\rومن جيّد الهزل المناسب لهذا المقام قول بعضهم:\rيستغفر النّاس بأيديهم ... وهنّ يستغفرن بالأرجل\rفياله من عمل صالح ... يرفعه النيك إلى أسفل\rومثله أيضاً:\rقد هزّني الشوق ... من أجل أبي طوق\rفلم أشعر تدحرجت ... من تحت إلى فوق\rومن ظريف الهزل والمجون ما حكي أنّ الحسين بن الحجاج كان له صديق وكان له ابن يقال له أبا جعفر مستهتراً بالقحاب، فسأله أن يعاتبه ويشير عليه بالتزويج، فكتب إليه ابن الحجاج:\rإيّاك والعفّة إيّاكا ... إيّاك أن تفسد معناكا\rأنت بخير يا أبا جعفر ... ما دمت صلب الأير نيّاكا\rومن النوادر الظريفة ما حكي أنّه كان بإصبهان رجل حسن النعمة، واسع النفس، كامل المروّة يقال له سماك ابن النعمان، وكان يهوى مغنية من أهل إصبهان تعرف بأُمّ عمرو، فلإفراط حبّه إيّاها وصبابته بها وهبها عدّة من ضياعه وكتب عليه بذلك كتباً وحمل الكتب إليها على بغل، فشاع الخبر بذلك وتحدّث الناس واستعظموه، وكان بإصبهان رجل متجلّف بين الركاكة، يهوى مغنّية أخرى، فلمّا اتّصل به ذلك ظنّ بجهله وقلّة عقله أنّ سماكاً إنّما أهدى إلى أُمّ عمرو جلوداً لا كتابة عليها وأنّ من الهدايا التي تستحسن عند من تهدى إليه، فابتاع جلوداً كثيرة وحملها على بغلتين لتكون هديّته ضعف هديّة سماك وأنفذها إلى التي يحب، فلمّا وصلت الجلود إليها ووقفت على الخبر فيها فغيّظت عليه وكتبت إليه رقعة تشتمه وتحلف أنّها لا تكلّمه أبداً، وسألت بعض الشعراء أن يعمل أبياتاً في هذا المعنى لتودعها الرقعة، ففعل، وكانت الأبيات:\rلا عاد طوعك من عصاكا ... وحرمت من وصلي مناكا\rفلقد فضحت العاشقين ... بقبح ما فعلت يداكا\rأرأيت من يهدي الجلود ... إلى عشيقته سواكا\rوأظنّ أنّك رمت أن ... تحكي بفعلك ذا سماكا\rذاك الذي أهدى الضياع ... لأُمّ عمرو والصكاكا\rفبعثت منتقنة كأنّك ... قد مسحت بهن فساكا\rمن لي بوصلك يا رقيع ... ولست أهوى أن أراكا\rلكن لعلّي أن أقطّع ... ما بعثت على قفاكا\rونظير هذه النادرة في اللطافة ما نقل عن الحسين بن الضحّاك أنّه قال: كان رجل من أهل الشام عيجب الخلقة، والشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك منه، وكان حظي التعجّب منه، وكان يأتي بكتب عتيقة له ما رأيت كتباً أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها، فأجهد نفسي في الجواب عنها وأصرف عنايتي إليها على علمي أنّ الشامي على جهله لا يميّز بين الخطأ والصواب، ولا يفرّق بين الإبتداء والجواب، ولمّا طال ذلك عَلَيّ حسدته وتنبّهت على فساد حاله عند محبوبته، فسألته عن اسمها، فقال: بصبص، فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها كان جائني به:\rأرقصني حبّك يا بصبص ... والحبّ يا سيّدتي يرقص\rأرمصت أجفاني بطول البكا ... فما لأجفانك لا ترمص\rوأنبىء وجهك ذاك الذي ... كأنّه من حسنه سعفص","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855658,"book_id":1863,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":168,"body":"قال: فجائني بعد ذطلك فقال: يا أبا علي! ما كان ذنبي إليك؟ وما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: وما ذاك عافاك الله؟ فقال: ما هو إلاّ أن وصل إليها ذلك الكتاب حتّى بعثت إليّ: إنّي مشتاقة إليك، والكتاب لا ينوب عن أن أراك، فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا لتقف بحياله حتّى أراك، فتزيّنت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع فبينا أنا أنتظر مكلّماً لي أو مشيراً إليّ وإذا شيء قد صبّ عَلَيّ فملأني من فرقي إلى قدمي، وأفسد ثيابي وسرجي، وصيّرني وجميع ما عَلَيّ ودابّتي في نهاية السواد والنتن والقذارة، وإذا هو ماء قد خلط ببول وسواد وسرجين، وانصرفت بخزي وكان ما مرّ بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز والضحك والصياح أعظم ممّا جرى عَلَيّ، ولحقني من أهلي ما هو شرٌّ من ذلك وأعظم من كلّ ما ذكرته إنمنعت رسلها وانقطعت عنّي. قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول: إنّ الآفة أنّها لم تفهم الشعر بجودته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسرّ بالشماتة إليه.\rوحيث انجرّ الكلام إلى ذكر هذين الغبيين فلا بأس بتوشيحه بذكر نوادر بعض الحمقاء ونوادرهم كثيرة.\r\rنبذة من نوادر الحمقاء\rمنها ما أورده أبو العبّاس السنجري في كتابه قال: قال واحد من أهل حمص لآخر: عليك بالسنّة تدخل الجنّة، فقال: وما السنّة؟ فقال: حبّ أبي بكر بن عثمان، وعمر بن الصدّيق وعثمان بن الفاروق وعلي بن أبي سفان ومعاوية بن أبي طالب. فقال صاحبه: وما معاوية بن أبي طالب؟ قال: كان ﷺ رجلاً عابداً من أهل حملة العرش، وكاتب المؤمنين، وخال الوحي، وختن النبي على ابنته عائشة جدّة فاطمة.\rوجاء بعضهم إلى القضاة آخذاً بتلبيت رجل، فقال: أعزّ الله القاضي، اصلى الله عليه وآله وسلم نّ هذا رافضي ناصبي مجبري مشبهي جهمي مبتدعي حروري يشتم عليّ بن أبي طالب ويحبّ عمر بن أبي قحافة وأبابكر بن عفّان. فقال القاضي: لا أعرف أيّ شيء أحسد منك: علمك بالمذاهب أم معرفتك بأنساب العرب؟ ومات ابن قاض وكان القاضي يتفلسف، فلمّا أرادوا دفن الميّت قال للحفّار: أضجعه على شقّة الأيسر فإنّه أهضم للطعام.\rوجاء حمصي إلى الطبيب فقال: إنّ امرأتي تشكت جوفها أو وسط بطنها أو فوق بطنها. فقال الطبيب: إحمل مائها إليّ لأنظر فيه. قال: لعلّك تعني بولها؟ قال: نعم، فذهب وجاء بطست، فقال الطبيب: ألا جئت به في قارورة؟ فقال: جعلت فداك إنّ إحليلها أوسع من ذلك.\rولنكتف من ذكر نوادرهم بهذا المقدار، ثمّ نعود إلى الكلام على ما في بعض أبيات المقطوعة. أقول: فأمّا قولي:\rتدبُّ على الورد النديّ بخدّها ... عقارب من أصداغهنّ لواذع\rلوادغ أحشاء يبيت سليمها ... ودرياقه عذب من الريق سائغ\rففيه تشابه الأطراف وهو أن يجع الشاعر أو الناثر قافية بيته الأوّل أوّل بيته الثاني ليبقى الطرفان متشابهين، والنّاثر كذلك يفعل في السجعات، وهذا النوع كان يسمّى التسبيغ بسين مهملة وغين معجمة. وإنّما ابن أبي الأصبع قال: هذه التسمية غير لائقة بهذا المسمى فسمّاه: تشابه الأطراف، ومن أبرع ما جاء نظماً في ذلك قول ليلى الأخيليّة في الحجّاج وذلك ما روى في الفتح القريب أنّ مولىً لعنبسة بن سعيد ابن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجاج، فدخل يوماً ودخلت عليهما وليس عند الحجاج غير عنبسة، فأقعدني فجيء الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئاً وجائني به، ثمّ جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب، فقال له الحجاج: أدخلها، فدخلت، فلمّا رآها الحجاج طأطأ رأسه حتّى ظننت أنّ ذقنه أصاب الأرض، فجائت حتّى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنّت وهي حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نفسها، فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما أتانا بك؟ فقالت: أخلاف النجوم، وقلّة الغيوم، وكلب البرد، وشدّة الجهد، وكنت لها بعد الله الرفد. فقال لها: صفي لنا الفجاج، فقالت: الفجاج مغبره، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذوالبال مختل، والهالك للقل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون محجفة مبلطة، لم تدع لنا هيعاً ولا ريعاً، ولا عافطة ولا نافطة، أذهب الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال، ثمّ قالت: قلت في الالمير قولاً، فأنشأت تقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855659,"book_id":1863,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":169,"body":"أحجّاج لا يفلل سلاحك إنّما ... المنايا بكفّ الله حيث تراها\rأحجّاج لا يعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها\rإذا هبط الحجّاج أرضاً مريضة ... تتبّع أقصى دائها وشفاها\rشفاها من الداء العضال الذي بها ... غلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها\rسقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث حال حشاها\rإذا سمع الحجّجاج ردّ كتيبة ... أعدّ لها قبل النزول قراها\rأعدَّ لها مسمومةً فارسيّة ... بأيدي رجال يحلبون صراها\rفما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجفّ ثراها\rقال: فلمّا قالت هذا البيت قال الحجّاج: قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها، ثمّ التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إنّي لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبداً، ثمّ التفت إليها فقال: حسبك، فقالت: إنّي قلت أكثر من هذا، فقال لها: ويحك حسبك، ثمّ قال: يا غلام إذهب إلى فلان فقل له: إقطع لسانها، فذهب بها، فقال له: يقول الأمير: إقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجّاج فالتفتت إليه وقالت: ثكلتك أُمّك أما سمعت ما قال؟ إنّما أمر أن تقطع لساني بالصلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضباً وهمّ بقطع لسانه، فقال: أُرددها، فلمّا دخلت عليه قالت: كاد وأمانة الله يقطع مقولي، ثمّ أنشأت تقول:\rحجاج أنت الذي ما فوقه أحد ... إلاّ الخليفة والمستغفر الصمد\rحجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نور في الدجى يقد\rثمّ أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيّها الأمير إلاّ أنّا لم نر أحداً قط أفصح لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها، فقال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة من حبّها.\rوعلى اختصار هذه الرواية أنّ الحجّاج قال لها في أثناء محادثتها له: أنشدينا في رثاء توبة، فأنشدت قصيدة منها قولها:\rكأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصا بالكراكر\rفلمّا فغت من القصيدة قال محصن الفقعسي وكان من جلساء الحجاج: ومن هذا الذي تقول هذيه فيه وإنّي لأظنّها كاذبة، فنظرت إليه ثمّ قالت: أيّها الأمير! إنّ هذا القائل لو رأى توبة لسرّه أن لا تكون في داره عذراء إلاّ وهي حامل منه. قال الحجاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت غنيّاً عنه، ثمّ أجزل لها صلتها.\rأقول: فأمّا قولها: لو رأى توبة لسرّه أن لا تكون في داره عذراء إلاّ وهي حامل منه، فيناسبه ذكر هذه القضيّة وإن كانت تلك من الجدّ في الجواب وهذه من الحماقات المضحكة وذلك أنّ لقمان بن عاد وكان منجباً وله أخت محمقة فقالت لإحدى نساء أخيها: هذه الليلة الطهر وهي ليلتك فدعيني أنام في مضجعك فإنّ لقمان رجل منجب فعسى أن يقع عَلَيّ فأنجب، فوقع عليها فحملت منه بلقيم، فلذلك قال النمر بن تولب:\rلقيم ابن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما\rليالي حمقاوها استحصنت ... إليه فغرَّ بها مظلما\rفأحبلها رجل محلم ... فجائت به رجلا محلما\rفأمّا قولي في المقطوعة:\rيقصر كعب عن نداه وحاتم ... ويقصر حتّى جرول والنوابغ\rكعب بن مامة الأيادي هو الذي كان يضرب به المثل في الجود، فيقال: أجود من كعب، وهو الذي أراده أبو سعيد الرستمي في قوله من قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد، ولقد أحسن ما شاء وأجاد:\rإذا عدّ كعب في السماح أبت له ... يمين لها في كلّ أنملة كعب\rويقال: إنّ صاحبه النمري صحبه في سفر له فقلَّ ماؤهم فجعلوا يتقاسمونه بالمقلّة وهي حصاة كانوا يضعونها في قعب ثمّ يغمرونها بالماء ويشربونها على السويّة، فلمّا تصافو الماء أي تقاسموه حصصاً كان النمري كلّما وصل الماء إلى كعب قال له: أذكر أخاك النمري، فيؤثره على نفسه بنصيبه من الماء حتّى هلك عطشاً.\rوقيل: إنّه كان قد أشرف على الماء فقيل له: رد يا كعب فلم يقدر على الورود لضعفه فظلّلوا عليه خوفاً من السباع، فلمّا رجعوا إليه بالماء وجدوه ميتاً، فقال له أبوه مامه:\rما كان من سوقة أسقى على ظماء ... خمراً بماء إذا ناجودها بردا\rمن ابن مامة كعب ثمّ عيّ به ... ردّ المنيّة إلاّ حرّة وقدا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855660,"book_id":1863,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":170,"body":"أوفى على الماء كعب ثمّ قيل له ... رد كعب إنّك ورّادٌ فما وردا\rفأمّا حاتم فقد تقدّم ذكره، وأمّا النوابغ فمعروفون، وأمّا جرول فهو الحطيئة، وقد تقدّم طرف من أخباره. ويعجبني له هذه الأبيات وهي قوله:\rوطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل ... ببيداء لم تعرف لساكنها رسما\rأخا جفوة فيه من الإنس وحشة ... يرى البؤس فيها من شراسته نعما\rتفرّد في شعث عجز إزائها ... ثلاثة أشياخ تخالهم بهما\rحفاة عراة ما اغتذوا خبز ملة ... ولا عرفوا للبرّ مذ خلقوا طعما\rرأى شبحاً عند العشاء فراعه ... فلمّا رأى ضيفاً تسوّر واهتما\rوقال هيا ربّاه ضيفاً ولا قرىً ... بحقّك لا تحرمه تاالليلة اللحما\rفقال ابنه لمّا رآه بحيرة ... أيا أبتى اذبحني ويسّر له طعما\rولا تعتذر بالعدم علّ الذي طرى ... يظنّ لنا مالا فيوسعنا ذمّا\rفروى قليلاً ثمّ أحجم برهةً ... وإن هو لم يذبح فتاه لقد هما\rفبيناهم عنت على البعد عانة ... قد انتظمت من خلف مسحلها نظما\rظماء تريد الماء فانساب نحوها ... على أنّه منها إلى دمها أظمى\rفأمهلها حتّى تروّت عطاشها ... وأرسل فيها من كنانته سهما\rفخرّت بجوض ذات جحش فتية ... قد اكتنزت لحماً وقد طبّقت شحما\rفيابشره إذ جرَّها نحو قومه ... ويا بشرهم لمّا رأوا كلمها يدمى\rوباتوا كراماً قد قضوا حقّ ضيفهم ... وما غرموا غرماً وقد غنموا غنما\rوبات أبوهم من بشاشته أباً ... لضيفهم والأُمّ من بشرهم أُمّا\rالباب العشرون في قافية الفاء\rوفيها ثلاثة فصول\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت في مدحه:\rالفتك نافرة الظبا الهيف ... واستوطنت في ربعك المألوف\rفانعم بناعمة الشبيبة غضة ... بيضاء ضامية الوشاح رشوف\rأبداً يروق العين في وجناتها ... وردٌ ولكن ليس بالمقطوف\rهي قبلة صلّى لها غزلي كما ... صلّى ثناي لقبلة المعروف\rالماجد الحسن المكارم ملجأ ... العاني الكريث ونجدة الملهوف\rقمر زهت منه البسيطة كلّها ... بأشعّ من قمر السماء الموفي\rالأزهر الغطريف نجل الأزهر ... الغطريف نجل الأزهر الغطريف\rما راق في صدر النديّ بشاشة ... إلاّ وراع بهيبة ابن غريف\rومقوّم الآراء ثقّفه النهى ... وكذا الرماح تقام بالتثقيف\rكرماً يتابع للوفود هباته ... لم يثن في عذل ولا تعنيف\rوالجود عند سواه أن يعد الندى ... ويميت ذاك الوعد بالتسويف\rهو غيث مكرمة وبدر مفاخر ... ومحطّ آمال وأمن مخوف\rقولي في هذه المقطوعة:\rالأزهر الغطريف نجل الأزهر ... الغطريف نجل الأزهر الغطريف\rاشتمل على التكرار، والتكرار هو إعادة الشيء بنفسه لفائدة، ويأتي على وجوه للتنوية بشأن الممدوح كما في بيتنا هذا، وكما في بيت المتنبّي:\rالعارض الهتنى ابن العارض الهتن ... ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن\rومنه إيقاع الجزاء نفس الشرط نحو قولهم: من أدرك الضمان فقد أدرك أي مرعى ليس بعده مرعىً إلى غير ذلك، وإمّا لتقرير المعنى وإمّا لمقارنة تمام الفصل لئلاّ يأتي الكلام متبوراً لطوله، وإمّا ليناط به حكم آخراً وللترغيب أو للترهيب، والحاصل أنّ الوجوه التي يأتي التكرار لأجلها كثيرة ليس هذا الكتاب موضعاً لضبطها، ولا بأس بذكر بعض الشعر في هذا المقام.\rقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة الحميري:\rلنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت ... صدور العوالي واستشال الأسافل\rونعم الفتى يا توب كنت ولم تكن ... لتسبق يوماً كنت فيه تجاول\rونعم الفتى يا توب كنت مقدّماً ... على الخيل تمضيها ونعم المنازل\rونعم الفتى يا توب كنت لخائف ... أتاك لكي يحمى ونعم المجامل\rونعم الفتى يا توب جاراً وصاحباً ... ونعم الفتى يا توب حين تناضل\rلعمري لأنت المرء أبكي لفقده ... ويكثر تشهيدي له لا أوائل\rلعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده ... بجدٍّ ولو لامت عليه العواذل\rلعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده ... ولو لام فيه ناقص الرأي جاهل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855661,"book_id":1863,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":171,"body":"لعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده ... إذا كثرت بالملحمين التلاتل\rأبى لك ذمّ النّاس يا توب كلّما ... ذكرت أمورٌ محكماتٌ كوامل\rأبى لك ذمّ النّاس يا توب كلّما ... ذكرت سماحٌ حين تأوى الأرامل\rفلا يبعدنك الله يا توب إنّما ... لقيت حمام الموت والموت عاجل\rولا يبعدنك الله يا توب إنّما ... كذاك المنايا عاجلات وآجل\rولا يبعدنك الله يا توب والتقت ... عليك الغوادي المدجنات الهواطل\rوعن مصعب بن عبد الله الزهري قال: تزوّج عمرو الغساني بنت عمّ للنعمان بن بشير الأنصاري وكلف كلّ واحد منهما بصاحبه، وكان مالك شجاعاً فاشترطت عليه أن لا يقاتل شفقة عليه وصابة به وأنّه غزا حيّاً من لخم وباشر القتال بنفسه فأصابته جراح فقال وهو مثقل:\rألا ليت شعري عن غزال تركته ... إذا ما أتاه مصرعي كيف يصنع\rفلو أنّني كنت المؤخّر بعده ... لما برحت نفسي عليه تطلّع\rومكث يوماً وليلة ومات من جراحته، فلمّا وصل خبره إلى زوجته بكته سنة ثمّ اعتقل لسانها وامتنعت من الكلام وكثر خطّابها، فقال عمومتها وولاة أمرها: زوّجوها لعلّ لسانها ينطلق فإنّما هي النساء، فزوّجوها بعض ملوك القبائل، فساق إليها ألف بعير، فلمّا كانت الليلة التي أُهديت إليه فيها، قامت على باب القبّة فقالت:\rيقول رجال زوّجوها لعلّها ... تقرّ وترضى بعده بخليل\rفأيقنت في النفس التي ليس بعدها ... رجاء لهم والصدق أفضل قيل\rوحدّثني أصحابه أنّ مالكاً ... أقام ونادى صحبه برحيل\rوحدّثني أصحابه أنّ مالكاً ... ضروب بحدّ السيف غير فلول\rوحدّثني أصحابه أنّ مالكاً ... جواد بما في الرحل غير بخيل\rوحدّثني أصحابه أنّ مالكاً ... خفيف على الجدّات غير ثقيل\rثمّ شهقت شهقة فماتت.\rوقال مهلهل ابن ربيعة يرثي أخاه كليباً:\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا طرد اليتيم من الجزور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا ما ظيم جار المستجير\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا رجف العضات من الدبور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأُمور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... غداة تلاتل الأمر الكبير\rالفصل الثاني في التهنئة\rقلت مهنّياً للماجد محمّد الصالح بزواج ولد الجواد محمّد وكان زعيم القبيلة:\rأبشر فيك العلى والشرف ... وأهدي الى المجد أسنى التحف\rوأنظم فيك لجيد الفخار ... لئال تفوق لئالي الصدف\rوأجلو عليك بنادي السرور ... عروس الثنا بالتهاني تزف\rأباالمصطفى أنت فخر الكرام ... وأكرم من بالفخار التحف\rلك الله أكمل هذا السرور ... بعزٍّ عليك لواه يرف\rولا زلت في آلك الأكرمين ... ترى ما يقرُّ عيون الشرف\rتروح على فرح فيهم ... وتغدو على فرح يؤتنف\rجلا اليوم بشرك وجه الزمان ... فماء الغضارة فيه يشف\rنظمت بأيّامك الصالحات ... شمل المكارم حتّى ائتلف\rاقول لمن بات ينضي الركاب ... رويدك في السى لا تعتسف\rإذا للإقامة فيه أتم ... أجدّ به نيّةً فاعتكف\rوحي به من وبادر إلى ماجد بيته ... به للأكارم نعم الخلف\rترى علّة المكث للضيف فيه ... طيب القرى فهو لا ينصرف\rأبي المصطفى ... ربيع العفاة إذا الضرع جف\rأجل نظراً في مزايا علاه ... وفي قومه خلفاً عن سلف\rتجد فيه كلّ صفات الكمال ... وفيهنّ عبد الكريم اتّصف\rفتىً وكفت كرماً كفّه ... فعلمت الغيث حتّى وكف\rترى للمكارم والأكرمين ... في المصطفى المجد نشراً ولف\rإذا بسط الكف يوم العطاء ... طوى كلّمن نشرته الصحف\rله حلف الدهر أن لا يجيء ... بمثل وقد برَّ فيما حلف\rوكيف يساجله الأكرمون ... وكلّهم من نداه اغترف\rولو شاء جارى بصغرى بنان ... أخيه من الأكرمين الأكف\rوأبدى من الحسن المكرمات ... مزاياً جمعن حسان الظرف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855662,"book_id":1863,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":172,"body":"هو الحسن الندب من في الكمال ... أقرَّ الحسود له واعترف\rتباري الصبا كرماً راحتاه ... وأخلاقه الغرُّ منها أشف\rبني المصطفى من يباهيكم ... وأنتم نجوم سماء الشرف\rحللتم من المجد أوساطه ... وغيركم منه حلّ الطرف\rسبقتم إلى صهوات العلى ... فأعلى الورى خلفكم مرتدف\rثقال الحلوم فلو توزنون ... برضوى إذاً لرجحتم وخف\rيقرُّ بعين العلى أن ترى ... بيوتكم للعلى مختلف\rوإنّ عليهنّ طير السعود ... بأجنحة اليمن زهواً يرف\rأهنّيكم بفتى ماجد ... حسان العلى فيه تبدي الشغف\rغدا عرسه روضةً للهنا ... وزهر السرور بها يقتطف\rبه قد غفرنا ذنوب الزمان ... وقلنا عفا الله عمّا سلف\rوبتنا على طرب نستطيب ... أرقَّ النشيد بنادي الشرف\rنفضُّ ختام رحيق السرور ... ونرشف أعذب ما يرتشف\rنعمّكم ونخصّ الجواد ... فيابورك الفرح المنتصف\rليهن بغرس هلال له ... ظلام الخطوب به ينكشف\rجواد جرى سابقاً للندى ... وعن شأوه الدهر عجزا وقف\rفيا أُسرة الفخر لا زلتم ... ببشر مدى الدهر لا ينصرف\rالفصل الثالث في الرثاء\rقلت في رثاء كريمة توفّيت لسيّد العلماء ورئيس المحققين والفضلاء علاّمة الزمن المهدي نجل الحسن أعلى الله كلمته ورفع درجته، وهذه ليست التي مرّت مرثيتنا لها في باب الهمزة، وإنّما تلك كريمته الصغرى وهذه كريمته الكبرى:\rمالهم يا قبر قد جدّوا انصرافا ... بعدما قد دفنوا فيك العفافا\rوحثوا منك على عين العلى ... تربةً تستافها الحور استيافا\rنفضوا تربك والصبر معاً ... عن يد تمسك أكباداً لهافا\rوردوا أمس ثقالاً بالجوى ... فبماذا صدروا اليوم خفافا\rهل أعادوا معهم ما أخذوا ... من حشاشات تبقوها ضعافا\rلا ومن قد طهر الماء بها ... مذ لها مطلقه صار مضافا\rوالتي راح الحيا ملتحفاً ... معها طاهر برديها التحافا\rبل أعادوا جمرة الوجد إلى ... أضلع باتت إليها تتجافى\rحجب القبر ابنة الوحي التي ... شرف الذكر بعلياها أنافا\rمن كريمات على الله لها ... ضرب العصمة خدراً وسجافا\rلم تلد إلاّ الذي يسقي كلا ... ماتحي سجليه شهداً وذعافا\rوالتي ما مدّت العليا على ... مثلها يوماً لتخدير طرافا\rساقها الحتف ولكن بعدما ... شقّ من صدر الهدى عنها الشغافا\rأبت العلياء إلاّ ردّها ... وأبى الموت بها إلاّ انصرافا\rوعليها مسح المجد ضحى ... مقلة عمياء لا تدري الجفافا\rأوحشت من أُمّ شبل غابة ... لو بها مرَّ أبو شبل لخافا\rكعبة التخدير إلاّ أنّها ... خلقت للملأ الأعلى مطافا\rدار قدس أودع الله بها ... خير أهل الأرض نسكاً وعفافا\rقل لمن رام انحرافاً عنهم ... ضلّ من يبغي عن الحقّ انحرافا\rسادة للرشد في مهديّهم ... جعل الله من الغيَّ انتصافا\rكلّهم أبحر علم طفحت ... فاغترف من أيّهم شئت اغترافا\rفضّلوا الخلق أكفّاً سحباً ... ترفع المحل وأخلاقاً سلافا\rأسكرت في حبّهم حتّى العدى ... فهي الصهباء لطفاً وارتشافا\rكرماء لقرى أضيافهم ... ينحرونالبدر لا البدن العجافا\rآمنوا في الله من آمنه ... وأخافوا من له الله أخافا\rيا ذوي الحلم وفيكم رقّة ... فقتم فيها حنوّاً وانعطافا\rإنّما هزت قنا صبركم ... نكبة الدهر فزادتها ثقافا\rوعلى زحف الليالي لا شكت ... أبداً أبيات علياكم زحافا\rوقال عمّنا المهدي قدّس الله روحه في رثاء أخي الممدوح الماجد محمّد الرضا نوّر الله ضريحه:\rقلبك خلف الطاعنين انصرفا ... ألحق الظعون أم تخلّفا\rعلمت فيمن لا يزال عاطفا ... عليه في حثّ السرى ما عطفا\rوظلّ في صيخودة من حزنه ... تعسّف السير بها فضعفا\rوعنه في جمانة المجد سرى ال ... موت للحد نورها فيه اختفى\rوالهفتا لدرّة المجد التي ... أمست لها ثرى اللحود صدفا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855663,"book_id":1863,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":173,"body":"من بعد ما كانت على جيد العلى ... عقداً وفي أُذنيه كانت شنفا\rيامسعدي عيني من الحزن قد ابي ... ضّت ومنها دمعها ما نزفا\rقد غشيتني ظلمة الحزن التي ... مادمت فوق الأرض لن تنكشفا\rمن ناقلٌ لي للرضا صحيفةً ... أقصُّ فيها من شجوني طرفا\rلعلّه على محبّه الذي ... أنحله فقدانه أن يعطفا\rإنّي أرى لهابريداً ومتى ... قد بعث الحي لميت صحفا\rروحي فداء للذي قد غاب عن ... عيني وعن قلبي ما تخلّفا\rفذكره لم يخل من قلبي وإن ... ذكرته قلبي منّي اختطفا\rمنها:\rلله يوم هتّف الناعي به ... بموته وليته لا هتفا\rوقفت من حرّ الأسى ذا قدم ... خيل على جمر حشاه وقفا\rأعضّ كفّي أسفاً ولم يفد ... إذ فاتني عضّي كفّي أسفا\rومنها:\rوالوعة المجد على نيّره ... الزاهر أمسى في الثرى ملتحفا\rكان هلالاً يرتجى كماله ... وحينما حاز الكمال انخسفا\rوروضة المعروف في أزهارها ... صوّحها الدهر وكانت أنفا\rوالمكرمات أصبحت معولةً ... على أخيها تكثر التلهّفا\rتدعوا أخي صحبت منك ماجداً ... عنّي في حياته ما صدفا\rوأنت للوفّاد بحرٌ زاخر ... منك متى شاء النوال اغترفا\rلله أيّ ماجد بموته ... الناس وأملاك السماء اختلفا\rهذه تلقّت روحه ضاحكة ... وهذه تبكي عليه أسفا\rوهذه لروحه قد زيّنت ... جنّة عدن فرحاً والغرفا\rوتلك شقّت جدثاً لجسمه ... بصرخة ثهلان منها رجفا\rيا نكبة لم يستطع مصابها ... لسان كلّ ناطق أن يصفا\rومنها في تعزية أبيه الماجد محمّد الصالح:\rيا من تراه الناس في الجلى إذا ... ماليلها بالحادثات أسدفا\rأقرّها قلباً إذا ما أقبلت ... سوداء قلب الدهر منها وجفا\rأنت الذي بوجهه عن الورى ... ما إن دجا الحادث إلاّ انكشفا\rفي الأسى تهدي إلى قلب من ... صبرك لو جلَّ المصاب تحفا\rفيغتدي قلبك من رقّته ... أشدُّ إصلاداً بها من الصفا\rمحمّد للصبر أنت صالح ... عرفت من معناه ما لن يعرفا\rوهي طويلة. واعلم أنّ كثيراً من شعر عمّنا المذكور لم نذكر منه إلاّ اليسير اتّكالاً على ذكره له في كتابه المسوم ب \"مصباح الأدب الزاهر\".\r\rالباب الحادي والعشرون في قافية القاف\rوفيها فصلان\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت في مدحه:\rحمّلتك الديار ما لا تطيق ... مذ عرى شمل أهلها التفريق\rعرصات حبست أيدي المراسيل ... عليها والدمع منك طليق\rكنت ترتادها وريقة روض ... وهي اليوم دمنةٌ لا تروق\rسحقتها اليوم المطايا كأن لم ... تك بالأمس وهي مسك سحيق\rصاح ماذا عليك من رسم دار ... قد تعفّت وزال عنها الفريق\rأوحشت غير أن يئنَّ ابن ورقاء ... بها أو يحن صبٌّ مشوق\rفأطرح ذكرها لمدح عظيم ... هيبةً باسمه تضيق الحلوق\rحسن الفعل ماجد الفرع والأصل ... جدير بالمكرمات خليق\rلحقته أماجد العصر لكن ... عزَّ في شأوه عليها اللحوق\rذو لسان كما ينضنض صلٌّ ... وفم فيه ريقة الصلّ ريق\rوهو في أعين الخصوم لسان ... وبأحشائهم سنان ذليق\rوإذا غاية من المجد عنّت ... لم يعقه عن نيلها العيوق\rقولي: لحقته أماجد العصر الخ قد مضى طرف من ذكر المسابقة في قافية الجيم ونحن نذكر طرفاً منها الآن، قال مهيار الديلمي:\rعرفت من نفسك ما لم يعرفوا ... فطرت حتّى صرت حيث تستحق\rكم عجبوا منك وأنت ترتقي ... وانتظروا فيك الزليل والزلق\rوخاوصوك حسداً بأعين ... لم تحفل الشهلة منها والزرق\rحتّى تركت النجم في خضرائه ... يخطر زهواً إن سبقت ولحق\rوإنّي لأستحسن لعمّنا المهدي في السبق واللحوق من جملة قصيدة ولقد أجاد في معنى أبياته هذه:\rورأوك تسعى للمعالي ساحبا ... ذيل الفخار على ذرى الجوزاء\rفجروا وراك فغبت عن أبصارهم ... فتخيّلوا سبقوك للعلياء\rوإذا هم بمكانهم لا يستطي ... عون اللحوق بكم من الإعياء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855664,"book_id":1863,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":174,"body":"فجسومهم في الأرض واهية القوى ... وعقولهم طارت مع العنقاء\rياليتها تبعت عقولهم ولا ... تبقى لهم في خزية شنعاء\rوقال السري الرفاء:\rكم حاولا أمدي فطال عليهما ... أن يدركا إلاّ مثار ترابي\rعجزا ولن تقف العببيد إذا جرت ... يوم الرهان مواقف الأرباب\rومثل قوله: أن يدركا إلاّ مثار ترابي، قول السيّد الرضي في صفة الجواد، ولقد أحسن وأجاد:\rوذي حجول نافض سبيبه ... على طموح الناظرين بازل\rينقضُّ لا تلحق من غباره ... إلاّ بقايا فلق الجراول\rوفي هذا البيت من المبالغة ما لا يخفى، لأنّه جعل هذا الجواد في سرعة عدوه لا يلحق غباره وإنّما يحلق منه فلق الجراول - وفلق الجراول الحجار الصغار التي تنحتّ من الصخر وتكون مع ترابه لدقّتها - وحيث انتهى الكلام إلى ذكر الجواد وشدّة عدوه لا بأس بذكر نبذة ممّا نظمته الشعراء في الخيل، قال الطغرائي:\rسبقت حوافرها النواظر فاستوى ... سبق إلى غاياتها وصفون\rلولا ترامي الغايتين لأقسم ... الرائون أنّ حراكها تسكين\rوتكاد تشبهها الصروف لو أنّها ... لم تعتلقها أعين وظنون\rوما أحسن ما وصف به ابن حجاج فرسه:\rقال له البرق وقالت له ... الريح جميعاً وهما ما هما\rءأنت تجري معنا قال لا ... إن شئت أضحكتما منكما\rهذا ارتداد الطرف قد فتّه ... إلى المدى سبقا فمن أنتما\rوقال ابن دريد:\rيجري فتكبو الريح في غاياته ... حسرى تلوذ بجراثيم السحا\rوقال ابن نباته:\rلا تعلق الألحاظ من أعطافه ... إلاّ إذا كفكفت من غلوائه\rقال ابن حمديس الصيقلي:\rيجري فلمع البرق في أثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق\rويكاد يخرج سرعة من ظلّه ... لو كان يرغب في فراق رفيق\rوما أبدع قول ابن المعتز:\rفكأنّه موج يذوب إذا ... أطلقته وإذا حبست جمد\rوما أحلا قوله أيضاً:\rيكاد أن يخرج من إهابه ... إذا تدلّى السوط لولا اللبب\rوقال شمس الدولة:\rأبت الحوافر أن يمسَّ بها الثرى ... فكأنّه في جريه متعلّق\rوكأنّ أربعة تراهنُ طرفه ... فتكاد تسبقه إلى ما يرمق\rولقد أجاد عمّنا المهدي حيث نسج على منوال هذا المعنى فقال:\rيعدو عليهم على عداء سابحة ... من شدّة الجري لم تبصر توائمها\rتطير بين السما والأرض جائلة ... كأن قوائمها كانت قوادمها\rوقال بعضهم:\rكم سابح أعددته فوجدته ... عند الكريهة وهو نسر طائر\rلم يرم قط بطرفه في غاية ... إلاّ وسابقه إليها الحافر\rوبليغ قول الصفدي:\rيا حسنه من أشقر قصّرت ... عنه بروق الجورّ في الركض\rلا تستطيع الشمس من جريه ... ترسمه ظلاًّ على الأرض\rوعجيب قول الصفي:\rوأدهم يقق التحجيل ذي مرح ... بميس من عجبه كالشارب الثمل\rمطهّم مشرف الأذنين تحسيه ... موكلا باستراق السمع عن زحل\rركبت منه مطاليل تسير به ... كواكبٌ تلحق المحمول بالحمل\rإذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرّت بهاديه وانحطّت عن الفل\rوغريب قوله أيضاً:\rوأغرّ تبريّ الإهاب مورد ... سبط الأديم محجّل ببياض\rأخشى عليه بأن يصاب بأسهمي ... ممّا ييسابقها إلى الأغراض\rوقال المتنبّي:\rيقبّلهم وجه كلّ سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل\rإن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت مالها كفل\rوبديع قول جمال الدين:\rوأدهم اللون فات البرق وانتظره ... فغارت الريح حتّى غيّبت أثره\rفواضعٌ رجله حيث انتهت يده ... وواضع يده أنّى رمى بصره\rسهم تراه يحاكي السهم منطلقاً ... وماله غرض مستوقف خبره\rيعقّر الوحش في البيداء فارسه ... وينثني وادعاً لم يستثر غبره\rوقال ابن نباتة:\rوردٌ مع العرب منسوب فلا قطعت ... يد الحوادث من أنسابه شجره\rإذا امتطى ظهره رامي السهام مضى ... والسهم حذواً فلولا سبقه عقره\rعجبت حين تسمّى سابحاً وله ... وثب لو البحر راسى دونه طفره\rفتخاء في هضبات الحسن صاعدة ... أولا فصاعقة في السهل منحدره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855665,"book_id":1863,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":175,"body":"لمّا ترفّع عن ندٍّ يسابقه ... أضحى يسابق في ميدانه بصره\rومن الشعر الأجنبي تخميس قصيدة في مدح النبي وذلك أنّ مركز دائرة الفصاحة، من حلّ من الزوراء أشرف ساحه، الذي كانت تغترف أهل النظم من حبره، وننسج ديباج كلامها على منوال نثره، عبد الباقي أفندي الفاروقي العمري نظم هذه القصيدة القافية في مدح النبي سيّد البرية وأرسلها إلى الفيحاء، فخمستها وأرسلتها إليه إلى الزوراء، وسمّطْتُها بهذا العقد النفيس، الذي جاء حسبما اقترحه من التخميس:\rتعاليت من فاتح خاتم ... عليم بما كان من عالم\rفيا صفوة الله من هاشم ... تخيّرك الله من آدم\rوآدم لولاك لم يخلق\rبك الكون آنس منه مجيئاً ... وفيك غدا لا به مستضيئاً\rلأنّك مذ جاء طلقاً وضيئاً ... بجبهته كنت نوراً مضيئاً\rكما ضاء تاج على مفرق\rفمن أجل نورك قد قرّبا ... إله السماء آدماً واجتبى\rنعم والسجود له أوجبا ... لذلك إبليس لمّا أبى\rسجوداً له بعد طرد شقي\rوساعة أغراه في إفكه ... بأكل الذي خصَّ في تركه\rعصى فنجى بك من هلكه ... ومع نوح إذ كنت في فلكه\rنجا وبمن فيه لم يغرق\rوسارة في سرّك المستطيل ... غداة غدا حملها مستحيل\rبإسحاق بشّرها جبرئيل ... وخلّل نورك صلب الخليل\rفبات وبالنّار لم يحرق\rحملت يصلب أمين أمين ... إلى أن بعثت رسولاً مبين\rوهل كيف تحمل في المشركين ... ومنك التقلّب في الساجدين\rبه الذكر أفصح بالمنطق\rبراك المهيمن إذ لا سماء ... ولا أرض مدحوّة لا فضاء\rومذ خلق الخلق والأنبياء ... سواك مع الرسل في إيلياء\rمع الروح والجسم لم يلتق\rوكلٌّ رأى الله لم يحذه ... علاك وعلمك لم يغذه\rفنزّه عهدك عن نبذه ... فجئت من الله في أخذه\rلك العهد منهم على موثق\rصدعت به والورى في عماء ... فحفّت بمجدك جند السماء\rورفَّ عليك لواء الثناء ... وفي الحشر للحمد ذاك اللواء\rعلى غير رأسك لم يخفق\rوحين عرجت لأسما مقام ... وأدناك منه إله الأنام\rأصبت بمرقاك أعلا المرام ... وعن غرض القرب منك السهام\rلدى قاب قوسين لم تمرق\rوقدماً بنورك لمّا أضاء ... رأت ظلمة العدم الإنجلاء\rفمن فضل ضوئك كان الضياء ... لقد رمقت بك عين العماء\rوفي غير نورك لم ترمق\rأضاء سناك لها مبرقاً ... وقابل مرآتها مشرقاً\rإلى أن أشاع لها رونقاً ... فكنت لمرآتها زيبقاً\rوصفو المرايا من الزيبق\rبك الأرض مدّت ليوم الورود ... وأضحت عليها الرواسي ركود\rوسقف السما شيد لا في عمود ... فلولاك لاانطمَّ هذا الوجود\rمن العدم المحض في مطبق\rولولاك ما كان خلق بعود ... لذات النعيم وذات الوقود\rولا بهما ذاق طعم الخلود ... ولا شمّ رائحةً للوجود\rوجود بعرنين مشتنشق\rولو لم تجدك لمولوده ... أباً أُمُّ أركان موجوده\rإذاً عقمت دون توليده ... ولولاك طفل مواليده\rبحجر العناصر لم يبغق\rولولاك ثوب الدجى ما انسدل ... ونور سراج الدجا ما اشتعل\rولولاك غيث السما ما نزل ... ولولاك رتق السماوات وال\rأراضي لك الله لم يفتق\rففيك السماء علينا بنى ... وذي الأرض مدّ فراشاً لنا\rفلولاك ما انخفضت تحتنا ... ولولاك ما رفعت فوقنا\rيد الله فسطاط إستبرق\rولا كان بينهما من ولوج ... لغيث تحمل ماءً يموج\rولا انتظم الأرض ذات الفروج ... ولا نثرت كفّ ذات البروج\rدنانير في لوحها الأزرق\rولاسير الشهب ذات الضياء ... بنهر المجرّة ربّ العلاء\rولم ينش نوتي زنج المساء ... ولا طاف من فوق موج السماء\rبسيطة أيدي الحيا المغدق\rولولاك ما فلّت الغاديات ... بأنمل قطر نواصي الفلاة\rلا الرعد ناغى جنين العضات ... ولا كست السحب طفل النبات\rمن اللؤلؤ الرطب في بخيق\rولا صدغ آس بدا في ربى ... على خدّ ورد غدا مذهبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855666,"book_id":1863,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":176,"body":"ولا رنحت قدّ غصن صبا ... ولا اختال نبت ربىً في قبا\rولا راح يرفل في قرطق\rأفضت نطاف ندىً دافقات ... بها اخضرَّ عرس رجا الكائنات\rفلولاك ما سال وادي الهبات ... ولولاك غصن نقي المكرمات\rوحقّ أياديك لم يورق\rلك الأرض أنشأ علاّمها ... وقد نصبت بك أعلامها\rفولالك لم تنخفض هامها ... وسبع السماوات أجرامها\rلغير عروجك لم تخرق\rولولاك يونس ما خلّصا ... من الحوت حين دعا مخلصا\rوعيسى لما أبرأ الأبرصا ... ولولاك مثعنجرٌ بالعصا\rلموسى بن عمران لم يفلق\rولا يوم حرب على الشرك قاظ ... بسيف هدىً مستطير الشواظ\rولا أنفس الكفر أضحت تفاظ ... ولولاك سوق عكاظ الحفاظ\rعلى حوزة الدين لم تنفق\rبحبل الهدى كم رقاب ربقت ... وكم لبني الشرك هاماً فلقت\rوكم في العروج حجاباً خرقت ... وأسرى بك الله حتّى طرقت\rطرائق بالوهم لم تطرق\rلقد كنت حيث تحير العقول ... بشأو عُلىً ما إليه وصول\rفأنزلك الله هاد رسول ... ورقاك مولاك بعد النزول\rعلى رفرف حفَّ بالنمرق\rلك الله أنشى من الأُمّهات ... كرائم ما مثلها محصنات\rومذ زوّجت بالكرام الهدات ... بمثلك أرحامها الطاهرات\rمن النطف الغرّ لم تعلق\rلحقت وإن كنت لم تعنق ... لشأو به الرسل لم تعلق\rوأحرزت قدماً مدى الأسبق ... فيا لاحقاً قطُّ لم يسبق\rويا سابقاً قطُّ لم يلحق\rخلقت لدين الهدى باسطاً ... لنا وبأحكامه قاسطاً\rوحيث صعدت عُلىً شاحطاً ... تصوّبت من صاعد هابطاً\rإلى صلب كلّ تقي نقيّ\rهبطت بأمر العليّ الودود ... إلى عالم عالم بالسعود\rونورك سام لأعلا الوجود ... فكان هبوطك عين الصعود\rفلا زلت منحدراً ترتقي\rفلمّا وصلت إليه هذه القصيدة متحلّية بهذا السمط كتب إليّ بهذه المقطوعة يشكرني على ذلك:\rلقد أبد السيّد المرتقي ... بتسميطه ذروة الأبلق\rوفاه بما فيه لا فضَّ فوه ... لبيد الفصاحة لم ينطق\rوبرَّز في حلبة غيره ... إليها وإن طار لم يسبق\rوقلّد أبكار شعري حلىً ... تباهي الكواكب في الرونق\rكأنَّ انحلال نظامي لديه ... من الربط كان على موثق\rفقيد منه نحور الشطور ... فها هي للحشر لم تطلق\rوأدناه منه وأحنى عليه ... حنو الشفيق على المشفق\rوحيدر في فتكه ما سواه ... إذا ماادّعى الفتك لم يصدق\rغداً باقراً البطون الفنون ... فأظهر منها الصريح النقي\rومن فكره الحسن العسكري ... عليها لقد كرَّ في فيلق\rتسامي فطال على واستحال ... من الباقيات على مابقي\rفمن ذا يجاريه وهوالخضم ... وفي لجّة منه لم يغرق\rإذا صال أو جال يوم النضال ... فمن ذا يحامي ومن ذا يقي\rبنار قريحته ذهنه ... عجبت له كيف لم يحرق\rومن لطفه كيف لا يستطير ... ومن صفوه كيف لم يبرق\rومن لينه كيف لا ينثني ... ومن ريعه كيف لم يورق\rومن أُفقه كيف لا يستنير ... ومن برجه كيف لم يشرق\rوفي ريّه كيف لا يرتوي ... وفي ريّه كيف لم يعبق\rعلى رقعتي صال تخميسه ... كما صال رخٌّ على بيدق\rفهل بالغ من بليغ مداه ... وقد جاء بالمفحم المفلق\rعلى نسق مثل تنسيقه ... بنان التصوّر لم تنسق\rتخلّق في خلق لو يقال ... بطيب الخلوق به أخلق\rتملّك حرَّ الكلام الرقيق ... فمن رقّه قطُّ لم يعتق\rله مزبرٌ يرو عن ذي الفقار ... إذا هو أجراه في مهرق\rومنه الصرير يحاكي الصليل ... فيخبر عن غزوة الخندق\rويصعد للأوج منه الصريف ... فيسمعنا نغمة الموسقي\rومن نعت خير الورى جدّه ... تحدّى لما فيه لم يلحق\rهو اليوم مثلي به يحتمي ... وفيه غداً من لظى نتّقي\rفلا زال والفضل يرنو إليه ... بألحاظ ذي صبوة شيّق\rبه أهل حلّته تستطيل ... على آل كيوان في جلّق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855667,"book_id":1863,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":177,"body":"ومن ذلك ما نظمته في مدح علم المفاخر ومعدن المآثر، غصن الدوحة الطيّبة من آل عبد مناف السيّد سلمان أفندي نقيب الأشراف، وذلك بمدينة السلام بغداد سنة ١٢٩٥.\r\rبني العشق ما أحلى إلى كلّ عاشق ... طلاً لمشوق زفّها كفُّ شائق\rولم أر في الأحشاء ألطف موقعاً ... وأرشق من نبل العيون الرواشق\rوأغرق أهل الحب في الحبّ مهجة ... بكلّ غرير في المحاسن فائق\rأضنّهم حتّى على لحظ عينه ... بما احمرَّ من ورد بخدّيه رائق\rوما العمر عندي كلّه غير ليلة ... يبيت رهيف الخصر فيها معانقي\rترفُّ على صدري خوافق فرعه ... رفيف حشاً منّي على الشوق خافق\rكأنّ الثريا طوّقته هلالها ... ومن حسدت مدّت له كفّ سارق\rمن الريم لم يألف سوى الرمل ملعباً ... ولم يرتبع إلاّ بأحناء بارق\rونشوان من مشمولة الدلّ قدّه ... أرقّ من الغصن انعطافا لوامق\rمورد ما بين العذارين زارني ... فنزّه أحداقي بورد الحدائق\rوقلت وقد أرخى على الخدّ صدغه ... لقد سلسل الريحان فوق الشقائق\rأُقبّل طوراً ورد خدّيه ناشقاً ... عبير شذاً ما شقَّ عرنين ناشق\rوألثم طوراً ثغره العذب راشفاً ... سلافة خمر لم تدنّس بذائق\rخلوت وما بي ريبة غير نظرة ... تزوّدتها منه بعيني مسارق\rوراودته لكن من الثغر قبلة ... ألذَّ وأشهى من غبوق لغابق\rوأعرضت عمّا دون عقد إزاره ... عفافاً وقد زالت جميع العوائق\rوحسبك منّي شيمة قد ورثتها ... عن الغالبين الكرام المعارق\rخليلي ما للكأس كفّي ولا فمي ... ولا كبدي للناهدات العواتق\rنسبت ومابي يعلم الله صبوة ... ولا اجتذبت أحشاي بعض العلائق\rعشقت ولكن غير جازية المها ... وما العشق إلاّ للمعالي بلائق\rخذا من لساني ما يروق ذوي النهى ... ويترك أهل النظم خرس الشقاشق\rمديحاً له تجلو مفارقها العلى ... و\"سلمان\" منها غرّة في المفارق\rوقورٌ على الأحداث لا تستخفّه ... إذا طرقت في الدهر إحدى البوائق\rومن كعليّ القدر كان أباً له ... يزن بحجاه راسيات الشواهق\rنقيب بني الأشراف أعلى كرامهم ... عماداً وأسناهم فناءً لطارق\rفما قلبت أُمُّ النقابة قبله ... ولا بعده في مثله طرف رامق\rفتىً إن سرى يوماً لإحراز مفخر ... فليس له غير العلى من مرافق\rلقد غدت الدنيا عليه جميعها ... مغاربها تثني ثناء المشارق\rتطرّق أُمّ المجد في بيت سؤدد ... يظلّل عزّاً بالبنود الخوافق\rفأنجب من سلمان وهو ذكا العلى ... ببدر نهى يجلو ظلام الغواسق\rهمامٌ نمته دوحة نبويّة ... إلى مثمر في المجد منها ووارق\rيعدُّ رسول الله فخراً لمجده ... وحسبك مجداً في الذرى والشواهق\rتضوع بعطفيه السيادة مثلما ... تضوّع عرف المسك طيباً لناشق\rبه اقتدحت زند النجابة هاشم ... ففي وجهه من نورها لمع بارق\rسما في المعالي طالباً قدر نفسه ... إلى شرف فوق الكواكب باسق\rوفات جميع السابقين إلى العلى ... فقصّر عن إدراكه كلّ سابق\rوقالوا رويداً حكَّ عاتقك السهى ... فقال وهل قدر السهى حكُّ عاتقي\rتمنطق طفلا بالرياسة واحتذى ... بأخمصها تيجان أهل المناطق\rإليكم ملوك الأرض عن ذي سرادق ... تجمّعت الدنيا به في السرادق\rتقبّل أهل الفخر أعتاب داره ... فيأرج منهم طيبها في المفارق\rفداء مفاتيح الندى من بنانه ... أكفّ على أموالها كالمغالق\rتعلّل راجيها إذا اسودَّ ليله ... بكاذب وعد فجره غير صادق\rنديّ بنان الكفّ في كلّ شتوة ... يجفّ بها ضرع الغيوم الدوافق\rفحيث يشيم المجدبون بوارقاً ... تمنّوا نداه غيث تلك البوارق\rوضيء المجالي والمعالي كليهما ... وعذب السجايا والندى والخلائق\rأخف عل يالأرواح طبعاً من الهوى ... ولكنّه في الحلم هضبته شاهق\rفما طلعة البدر المنير مضيئة ... كطلعته الغرّاء في كلّ غاسق\rمهيبٌ فلولا ما به من تكرّم ... لما لمحته رغبة عين رامق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855668,"book_id":1863,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":178,"body":"فما هيبة الضرغام دون عرينه ... كهيبته القعساء دون السرادق\rتضايقت الدنيا ببعض فخاره ... على أنّه فرّاج كلّ المضائق\rيضيق فضاء الأرض في رحب صدره ... إذا هي غصّت بالخطوب الطوارق\rمن الفاطميين الذين تراضعت ... قناهم طلا الأعداء في كلّ مازق\rهم توّجوا هام الملوك ببيضهم ... وداسوا على أنماطهم بالسوابق\rإذا نزلوا كانوا ربيع بني المنى ... وإن ركبوا كانوا حماة الحقائق\rتعانق فوق الخيل عالية القنا ... عناق سواها الغيد فوق النمارق\rهم القوم ما في الشيخ منهم لكهلهم ... وما منهم في كهلهم للمراهق\rوهذا ابنهم سلمان والفرع طيبه ... يجيء على مقدار طيب المعارق\rإذا مسحت منه العلى وجه سابق ... جلت من أبي محمود غرّة لاحق\rفتىً علمه يحكي غزارة جوده ... وما علم قوم غير محض التشادق\rلقد قوّمت منه الإصالة رأيه ... فكان لفتق الدهر أحزم راتق\rومنطيق فضل لو يشاء لسانه ... لفلَّ حدود الفاصلات البوارق\rيحاكي بقطع الخصم أسياف قومه ... فيمضي مضاها في الطلا والمرافق\rويطعنه في قلبه بنوافذ ... نفوذ قناهم في قلوب الفيالق\rأباالمصطفى أرغمت أنت وذوالنهى ... شقيقك في العليائ شمّ المناشق\rلقد زنتما جيد العلى من بنيكما ... بسمطي فريد في العلى متناسق\rفياقمراً سارت بذكر علائه ... نجوم القوافي في سماء المهارق\rإليك تعدّت فكرتي كلّ فكرة ... لما لم يكن فيه مجال لحاذق\rفجاءت من القول الذي انفردت به ... بآيات نظم أفحمت كلّ ناطق\rسلمت على الدنيا وفخرك مشرق ... يضيء ضياء الشمس في كلّ شارق\rلك الدهر عبد لا يرى المجد عتقه ... ولا هو يلوي عنكم جيد آبق\rواتّفق لي مع ذلك الماجد زعيم الزوراء ونعيمها، والمحرز طريق المكارم وقديمها، نقيب الأشراف ببغداد السيّد سلمان أفندي خلّد الله مجده ما لو ظفرت بلئالئه الحور، لزيّنت به النحور، ووشحت به الحضور، فمنه أنّي وردت بغداد في سنة ١٢٩٥ فلمّا حللت بنادي جوهرة الزمن، الفاضل الماجد الشيخ محمّد الحسن خلف الخلف الصالح نشر الله فضله، وطوى بالإعدام من حاسده ظلّه، بلغني أنّ السيّد المذكور يتشوّق إليّ كثيراً، فنظمت هذه الأبيات وأرسلتها إليه برسم الهديّة.\r\rسبقت الورى مجداً يدوم بلا حدّ ... فكان بلا قبل ويبقى بلا بعد\rخلقت كما شائت نقيبتك التي ... أتاها الندا كوني فكانت بلا ندّ\rوجئت إلى الدّنيا كما اشتهت العلى ... تعيد من المعروف أضعاف ما تبدي\rوتبسط أندى من أديم غمامة ... بناتاً يعلّمن الحيا كيف يستنجدي\rوفي القوم من يغدو به مستميحه ... كمستقطر ماءً من الحجر الصلد\rيقولون في الدنيا بنت دارك العلى ... فقلت بل الدنيا بها بنيت عندي\rكذبنا فذا رضوان بشرك مخبر ... يحدّث عنها أنّها جنّة الخلد\rفمنك المزيّا قد تقسّمن فردها ... وأعجب شيء قسمة الجوهر الفرد\rألست من القوم الذين وليدهم ... يرشّح طفلاً للعلى وهو في المهدى\rفما حضنوا إلاّ بحجر نقابة ... ولا رضعوا يوماً سوى حلم الرشد\rفيا قمم الأعداءللأرض طأطأي ... ويا عينهم عودي من الجفن في غمد\rنضا الله في كفّ النقابة سيفها ... وقال احتكم ما شئت يا فاصل الحدّ\rوهبتك أبصار العدى وقلوبها ... فدونك ما تختاره من ذوي الحقد\rوممّا يعير الأرض فخراً على السما ... وببهي الحصا فيها على أنجم السعد\rبيوتٌ بها قد أودع الله منكم ... أطائب ما استصفاه من عترة المجد\rلكم أذن الله العظيم برفعها ... وأنتم مصابيح بها الناس تستهدي\rلوجهك قد صلّى بها المدح والثنا ... لأنّك فيها قبلة الشكر والحمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855669,"book_id":1863,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":179,"body":"فأمّا قولي فيها: يوقولن في الدنيا بنت دارك العلى الخ، ففيه العقد وهو نظم الكلام المنثور، ويقابله الحل، وهو نثر المنظوم وكلاهما من محسناة الكلام. وقد عقدنا كلمات منثورة لأبي العينا، وذلك أنّه دخل على المتوكل وهو في قصره المعروف بالجعفري، فقال له المتوكل: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال أبوالعينا: الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه.\rومنه إنّي نظمت فيه هذين البيتين وأرسلتهما إليه:\rلقد قلت للأرض ادّعت بنجومها ... عليك السما فخراً فقالت أجيبها\rلئن هي بالأشراف منها تزيّنت ... فما الفخر إلاّ حيث حلّ نقيبها\rومنه ما جرى لي مع أخيه فريد الزمان، وجمال العصر والأوان السيّد عبد الرحمن أفندي دام مجده، وذلك أنّه بعث إليّ الحاج مصطفى آل كبّه أن يرسل له كتاب نهج البلاغة وقصيدة الرضي المقصورة التي قالها في رثاء الحسين ﵇، فأرسلهما، وكانت المقصورة غير تامّة، ثمّ بعد ذلك وجد المقصورة تامّة فأرسلها وسالني أن أكنت معها عن لسانه شيئاً، فقلت:\rيا من تفرّع من ذوابة معشر ... غدت النقابة منهم في آلها\rهذي بديلة أختها المقصورة ... الأُولى أتتك تفوقها بكمالها\rفلمّا وصلت إليه أرسل أبياتاً يلتمس من الله بها نصر المسلمين وسلطانها، وخذلان المشركين وأعوانها، وسألني تشطيرها وتخميسها وهي هذه:\rيا إله الخلق يا بارئنا ... نحن في الضيق فكن عوناً لنا\rوانصر الغازين وارحم حالهم ... وتلطّف بهم في ذا العنا\rفهم المفدون أرواحهم ... وهم الموفون فرضاً بيّنا\rفأجزهم خيراً وضاعف أجرهم ... أنت فيّاض العطايا والغنى\rواخذل الكفّار واخرب دارهم ... واهلكنهم واشف فيهم قلبنا\rفنشطت لما ندبني إليه وأنا معترف بأنّ له المنّ عَلَيّ لا لي المنّ عليه، لأنّه لمّا دعاني للأخط بخطي من الإنتظام، في سلك الداعين بالنصر لحامي حوزة الإسلام، وبالتأييد لجند المسلمين، المرابطين في سبيل الله في جهاد الكافرين، وقلت:\rوما فاتني نصرهم باللسان ... إذا فاتني نصرهم باليد\rثمّ شطرت فقلت:\r\"يا إله الخلق يا بارئنا\" ... لك نشكوا اليوم ما حلَّ بنا\rكظّنا حشد الملمّات فها ... \"نحن في الضيق فكن عوناً لنا\"\r\"وانصر الغازين وارحم حالهم\" ... فلقد أبلوا بلاءً حسنا\rحيث عانوا فيك ما عانوا فجد ... \"وتلطّف بهم في ذا العنا\"\r\"فهم المفدون أرواحهم\" ... ليقوا فيها الهدى والسننا\rلك قد دانوا فمن يفضلهم ... \"وهم الموفون فرضاً بيّنا\"\r\"فأجزهم خيراً وضاعف أجرهم\" ... واجعل النصر بهم مقترنا\rومن الفيء فوفّر حظّهم ... \"أنت فيّاض العطايا والغنى\"\r\"واخذل الكفّار واخرب دارهم\" ... وأبحنا أرضهم والقنّنا\rقد تشفّوا فادلنا منهم ... \"وأهلكتهم واشف فيهم قلبنا\"\rثمّ قلت مخمّساً:\rنشأت نكباء يا ذارئنا ... إن تذرها أهرمت ناشئنا\rخذ بأيدينا وكن كالئنا ... يا إله الخلق يا بارئنا\rنحن في الضيق فكن عوناً لناواخذل الكفّار واشغل بالهم ... وأبحهم واخترم آجالهم\rواصطلمهم ليروا أعمالهم ... وانصر الغازين وارحم حالهم\rووتلطّف بهم في ذاالعناقوموا للحرب أشباحهم ... ثمّ باعوا الكرب أفراحهم\rفزد اللهمّ أرباحهم ... فهم المفدون أرواحهم\rوهم الموفون فرضاً بيّناعنهم ضع يا إلهي أسرهم ... وبنصر منك فاشدد أزرهم\rمحّضوك اليوم حقّاً صبرهم ... فأجزهم خيراًوضاعف أجرهم\rأنت فيّاض العطايا والغنىفي حمى الأشراك أوقد نارهم ... واقتساراً ولهم أدبارهم\rولئلاّ يخذلوا كن جارهم ... واخذل الكفّار واخرب دارهم\rواهلكنهم واشف فيهم قلبناثمّ كتبت إليه مع هذا الشعر بهذه الفواصل من النثر والأبيات التي في أثنائها لي قلتها فيه وهي هذه:\r\"ممّن وقع منه طائر القلب ... حيث يلتقط الحُب لا الحَب\"\rإلى فتىً من قبيلة آبداً ... قبيلة في الفخار واحدها\rلم تنمه هاشم لذروتها ... إلاّ وغيظاً يموت حاسدها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855670,"book_id":1863,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":180,"body":"جلا على الطرس من فرائده ... عروس فكرّ زهت فرائدها\rخلوقها من شذا حجّاه ومن ... جوهر ألفاظه قلائدها\rقد انتظمت بسلك الإيجاز، وانتظم في سلكها الإعجاز، فبرزت تخطر دلالا، وتسحب أبراد البلاغة اختيالا، تجرّ تلك الأذيال، على نثر هو السحر الحلال، قد تنزّلت من سماء ذلك الجلال آياته الباهره، واستغرقت من الصب حواسه الخمس بما أقامه في مقام الذهول فجدير أن يتلى عليه فإذا هم بالساهره، وحيث أنّ الداعي وإن كان ليس ببعيد الغور، يرى الأمر الصادر من تلك الحضرة للفور، بادر إلى الإمتثال، راجياً أن ينظمه القبول في سلك من حظي بالإقبال، عقد الله عزّ ذلك الجناب بناصيته الدهر، ولا برحت تأرج بعبير ثرى تلك الأعتبار مفارق الملوك الغر، ما ضرب الليل رواقه، وحلّ بيد الصبح عن الغزالة نطاقه، وهذا دعاء للبريّة شامل.\rفكتب إليّ جواباً أبدع فيه وأغرب في تقريض التخميس والتشطير المذكورين، وجاء في آخره قوله: ثمّ إنّي ورفيع قدرك، وسنيّ فصاحتك، وعَلَيّ بلاغتك قد صرت غريق بحار الحيرة لا أدري كيف أؤدّي شكرك، وبأيّ لسان أصفك فأكافي فضلك، بما تنزّلت له العزم وشددت حيازيم الهمّة ونقلت الأقدام، لأداء هذا المرام، قصر بي ضعف قوى الفكر، وعيّ اللسان، وضيق الجنان، وكبّوا أدهم القلم في هذا الميدان، لعلوّ شرفك الذي لا يبارى، ووفور محاسنك التي لا تجارى، غير أنّ العدول عن ذلك بالكليّة إخلال بالواجبات، لأنّ شكر المحسن من المفروضات، وبناء على أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه أقول، وليس سواء عالم وجهول: لأشكرنّك شكراً يليق بجنابك، ويفي بإحسانك، ما كرّ الجديدان، وتعاقب الملوان.\rفأجبته عن هذه الرسالة، بهذه العجالة وهي: لاطفت الصب جميلة برّك، وتلطّفت بالمغرم المشوق عقيلة نثرك، قد زارت محبّاً رفعها على الأحداق، واجتنى في لثم محاسنا ثمرات الأوراق، ثمّ حلّ عنها النطاق ببنان فكره المتأمّل، ونضى عنها أبرادها الرقاق إلاّ لبسة المتفضّل، فوجدها آخذةً بأطراف النباهة في الفكاهة، ووجد نفسه عن منادمة مثلها على طرف من العي والفهاهة، فترك مفاوضتها المدح، وعدل عن مقارضتها الثناء ولا قدح.\r\rلي العذر كلَّ لسان القلم ... وجفَّ بما فوق طرسي رسم\rوعندي ولا عربي سواه ... لسان بهذا المقال انعجم\rأكلّفه نعت سعد السعود ... ومن للثريّا به وهو فم\rوغاية وصفي له أن أقول ... يا علماً ويقلّ العلم\rهو البدر لكنّه للكمال ... وبدر السما بين نقص وتم\rمن الماثلين بصدر النديّ ... رزان الحلوم رزان القمم\rفيامن إذا غاب قال الحضور ... وإن حضر القول كلُّ إرم\rمننت ابتداء بدرّ المقال ... ويا بحر بالطبع منك الكرم\rنعم حقّ لي فيك شكر الزمان ... فحسن اعتنائك أعلى النعم\rولكن عجزت فمالي يد ... بما يستقلّ بهذي الحكم\rهذا والرجالء إسبال ستر التكرّم، والإغضاء على عيوب هذه الألوكة كما هو شأنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\r\rالفصل الثاني في التهنئة\rقلت في زواج الممدوح وزواج ابن أخيه الرضا مهنياً بذلك الماجد محمّد الصالح:\rحيتك من وجناتها بشقيقها ... وجلت عليك مدامة من ريقها\rوتبسّمت لك عن ثناياً لم تشم ... عين كبارقها ولا كعقيقها\rوحبتك من رشفاتها بسلافة ... ما فضَّ مرتشفٌ ختام رحيقها\rوتعطّفت لك بانة غير الصبا ... لم يحظ قبلك بانعطاف رشيقها\rورنت بأجفان إليك فواتر ... بأخي الهوى الدنيا تضيق لضيقها\rيا أهل رامة ما الجمال وما الهوى ... إلاّ لشائق ريمكم ومشوقها\rنفحتكم بعبيرها ريح الصبا ... ونحتمكم ديم الحيا ببروقها\rفسقت ملاعبكم بأوطف تزدهي ... منه برائق زهره وأنيقها\rغيث بسيب ندى محمّد صالح ... تشبيه واكف سحبه ودفوقها\rملك تجلّى في البريّة فخره ... السامي تجلّي الشمس عند شروقها\rفإذا تكرّم كان فارج ضيقها ... وإذا تكلّم كان ضيق حلوقها\rهو خير من رضع المكارم درّها ... ورعى لها مذ كان فرض حقوقها\rمن مثله وهو ابنها البرّ الذي ... ما هم لمحة ناظر بعقوقها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855671,"book_id":1863,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":181,"body":"ورث العلى عن سابقين لغاية ... ما للبريّة مطمع بلحوقها\rولدته ثمّ أباالأمين فأحرزت ... بهما ثناء عدوّها وصديقها\rبلغا السماء علىً وزاد أبوالرضا ... شرفاً سما فيه على عيوقها\rأحيت أنمله العفاة ومن رأى ... لججاً تكون بها حياة غريقها\rكرم كغادية السحاب تزينه ... لمعات بشر كالتمال بروقها\rيا من تفرّع في الذرى من دوحة ... تجني المكارم من ثمار وريقها\rمن دوحة الشرف التي بثرى العلى ... وشجت قديماً ساريات عروقها\rأهدى لك الفرح الإله مخلّداً ... وكساك من حلل الهنا برقيقها\rهذي المسرّة كم أقرّت أعيناً ... ولا عين كانت قذى في موقها\rفليهنينّك سائغ الطرب الذي ... لك قد أغصَّ الحاسدين بريقها\rواسعد بعرس محمّد حسن العلى ... وأخي النهى عبد الحسين شقيقها\rداما بظلّلك رافهين ولم تزل ... تغلي حشاشة من أبى بحريقها\rابني العلى ارتشفوا سلافة فرحة ... أحلى من الصهباء في راووقها\rطاف السرور بها فقلت مؤرخاً ... وصل الأحبّة عرسكم برحيقها\rوقلت مهنّياً للفاضل محمّد الصالح عند قدوم ولدي ولده المهدي من الحج وهما عبد الهادي ومحمّد الحسين، وأرسلتها إليه.\r\rوصلت وريعان الشبيبة مونق ... وجفت وقد لبس المشيب المفرّق\rوالغيد طوع نسيم ريعان الصبا ... يهتزُّ غصن شبابهنّ المورق\rوالشيب إن حطّت عقاب نهاره ... فغراب ليلة وصلهنَّ محلّق\rأدرت فتات الحي إنّي مذ نأت ... قلبي أسير هوىً ودمعي مطلق\rأنا والجوى والدمع وهي ومهجتي ... طوع البعاد مغرب ومشرق\rعافت أخا دمعي العقيق وثغرها ... أمسى يضيء به أخوه الأبرق\rلله موقفنا صبيحة أجمعت ... بيناً له جزعاً بريقي أشرق\rومسكت قلبي كي يقرّ وإنّه ... ليكاد يلفظه الزفير فيخفق\rوكظمت أنفاسي الغداة وفوقها ... كادت مجامع أضلعي تتفرّق\rجاذبتها فضل الرداء فأقبلت ... بالعنف تجمع ما جذبت وأرفق\rومذ استقلَّ بها الفراق دعوتها ... بالدمع إذ هو من لساني أطلق\rالله يا ذات النطاق بواجم ... لسن المدامع عن جواه تنطق\rوتذكّري عهد المودّة بيننا ... أيّام أوقاتي بلهوك تنفق\rمتألّفين بحيث لا ظلُّ الهوى ... ضاح ولا صفو الوداد مرنّق\rفي روضة عذراء لم يبرح بها ... يمري مذانبه الغمام المغدق\rيسري النسيم عليلةً أنفاسه ... فيها بنشر من عبيرك يعبق\rوعيون نرجسها المندى غازلت ... منك المحيّا وهو شمس تشرق\rفكأنّ في أجفانهنّ الطلُّ من ... أنوار وجهك أدمعٌ تترقرق\rولهوت منك بذات خدر زانها ... ثوب الشباب الغض لا الاستبرق\rطوراً تعاطيني الحديث وتارةً ... راحاً بها شمل الهموم تفرّق\rقالت وقد عاقرتها من كفّها ... صرفاً لها نور يروق ورونق\rألها نظير قلت خلق محمّد ... في لطفه منها أرقُّ وأروق\rخلق لأبلج غير معقود الندى ... ديم الغمام به غدت تتخلّق\rعذبت بفيه نعم فليس بغيرها ... يلقى الذي من جوده يسترزق\rويودُّ أنَّ بكلّ منبت شعرة ... منه بقول نعم لساناً ينطق\rأثرى من الحسب الكريم وكلّمن ... أثرى بلا حسب مقلٌّ مملق\rالمستجار من الزمان بظلّه ... إن جاء يرعد بالخطوب ويبرق\rوالمستضاء بوجهه إن يدج من ... دهم الحوادث ليلهنَّ الأودق\rومسدّد الآراء أسهم رأيه ... غرض القضايا الغامضات تطبق\rبقضان قد سبرت تجارب حزمه ... غور الزمان بأيّ فنّ يطرق\rإن أبهمت يوماً مطالع شبهة ... عمياء فيها الحقُّ لا يتحقّق\rيغشى نعاس الجهل تحت ظلامها ... بصر القلوب المدركات فتخفق\rفعمود صبح بيانه بضيائه ... غسق العمى لذوي البصائر يفلق\rوإذا تحيّرت العقول بمشكل ... صعب مجال الوهم فيه ضيّق\rجمع العقول عللى الصواب بحجّة ... فيها احتمال الريب لا يتطرّق\rفمن السكينة والوقار سكوته ... وله المقال الفصل ساعة ينطق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855672,"book_id":1863,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":182,"body":"وعلاؤه الآفاق ضقن بعظمها ... وبعظم مفخره البسيطة أضيق\rفالناس في جدواه شخص واحد ... وبمدحه الدنيا جميعاً منطق\rونداه لو سكتوا لنوّه باسمه ... إنّ الندى لهو الخطيب المفلق\rوإذا ترادفت المحول تشعّبت ... منه غمائم للبلاد تطبّق\rوغدا يرفُّ على البريّة ظلّها ... ويريق النعماء فيهم تغدق\rحتّى تمجّ الأرض ماء نعيمها ... ريّاً وبالعشب الثرى يتشقّق\rفتبيت حالية بوشي ربيعها ... ولساكنيها العيش غضّاً يونق\rمننٌ تفوت الواصفين وإنّما ... وصف الأنام ببعضها يستغرق\rوإذا انتمى فلدوحة الشرف التي ... تنمو على مرّ الزمان وتورق\rوشجت قديماً ساريات عروقها ... حيث المجرّة نهرها يتدفّق\rفأصولها فوق السما وفروعها ... شرفاً إلى ما لا نهاية تبسق\rإلى أن قلت في قدوم الهادي والحسين من الحج:\rقدماً معاً والسعد طائر يمنه ... غردٌ يرفُّ عليهما ويرنق\rولئن تشوّقت البلاد إليهما ... فإلى لقائهما المعالي أشوق\rلا مسَّ أيدي الراميات إلى منىً ... نصبٌ ولا منها عقرن الأسوق\rفلكعبة البيت الحرام بكعبتي ... أمل العفاة سرت خفائف تعنق\rوبثقل أجرهما ثقيلات الخطا ... صدرت كأنّ لها الرواسي أوسق\rالمحرمَين وإن أحلاّ دائماً ... زهداً بما تهوى النفوس وتعشق\rفكأنّ كلّ مقام احتلاّ به ... حرمٌ وحجٌّ كلُّ يوم يخلق\rوالركن يشهد أنّ كفّهما التي ... استلمته لا إثمٌ بها متعلّق\rنحرا غداة النفر هدياً قال لم ... يقبل سواي لو أنّ هدياً ينطق\rوسرين من حرم الإله جوانحاً ... بهما إلى حرم النبي الأينق\rبيت لو البيت استطاع لجائه ... بالركن يسعى سعي من يتملّق\rفالدهر فيه محرم فمقصّر ... والفخر فيه طائف فمحلّق\rعكفا به يتمسّكان فناشق ... لثم الضريح ولاثم يستنشق\rواستقبلا حرم الوصيّ وإنّه ... حرم الإله به الملائك تحدق\rوحمىً يجير من السعير لأنّه ... نفحات عفو الله منه تعبّق\rفاستشفعا لله فيه ويمّما ... ناد بغير العزّ ليس يروّق\rرفعت بأعلا الكرخ منه سرادق ... بعلائها العيّوق لا يتعلّق\rجمع الصلاح على التقى أطرافه ... وغدا لواء الفخر فيه يخفق\rأوما ترى كأس المسرّة تجتلي ... لعشيرة الشرف الرفيع وتدهق\rعقدوا الندي وللوفاء محبّهم ... ينشي القريش مهنّياً وينمق\rيا من رباعهم غدت مملوئة ... بالوفد من كلّ الأماكن تطرق\rفتحوا لهم باب السماح بهنَّ في ... زمن به باب المكارم مغلق\rقد زفَّ فكري من عقائله لكم ... عذراء ليس لغيركم تتشوّق\rأضحت بجيب الدهر جونة عنبر ... في نشر ذكركم تضوع وتعبق\rجائت كما اقترح السرور وإن يكن ... كثر القصيد فغيرها لا يعشق\rوترى الوفا نفس الكريم لأهله ... فرضاً ولو بأدائه هي تزهق\rوتمجّه نفس اللئيم ولو لها ... لا زلت بالعسل المصفّى تلعق\rوقال عمّنا المهدي مهنّياً للفاضل محمّد الصالح بعرس ولده مصطفى الشرف الواضح آل كبّه:\rأتتكومنها الشمس في الوجه تشرق ... ونشر الخزامى في الغلائل يعبق\rرشيقة قدٍّ في السهام لحاظها ... حشا صبّها عن قوس حاجب ترشق\rولم تشبه الأغصان قامة قدّها ... وأنّى ومنها قدُّ مية أرشق\rوليس التي بالماء يورق غصنها ... كمن هو من ماء الشبيبة مورق\rلقد فضحت في عينها جؤذر النقا ... وإن هي في عينيه ترنو وترمق\rوهاروت منها قد تعلّم سحره ... فما بالها ما قد تعلّم تسرق\rفأعجب بها للمرء تسلب قلبه ... وأضلاعه عن قلبه لا تشقق\rفتأخذه منه وأضلاع صدره ... على قلبه مجموعة لا تفرق\rتميس وقرطاها قليقان والحشا ... على وفق قرطيها من الشوق يخفق\rوما قلقنا إلاّ تمنّت نفوسهم ... مكانهما أكبادهم تتعلّق\rوفاحت عليهم للمسرّات نفحة ... عليهم بأنواع المسرّات تعبق\rوطبّقت الدنيا سروراً بعرس من ... بغير النهى آباؤه ما تمنطقوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855673,"book_id":1863,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":183,"body":"وقد نادت الدنيا بنيها ألا ابشروا ... سينشي لكم روض من الجود مونق\rفللمصطفى زفّ الفخار نجيبة ... ببيت علاء بالفخار يسردق\rومن نسله فيكم تعول أماجد ... على نهج آباها المكارم تنسق\rلقد عقدوا النادي فكانوا نجومه ... وفي صدره شمس العشيرة تشرق\rوكم قام مابين السماطين مصقع ... بتلك التهاني منشداً يتأنّق\rفيهتزُّ عطفاها لمدح زعيمها ... ومبسمها عن بارق يتألّق\rفتىً كلّما ترنو ترى فيه غيرما ... رأيت من الفضل الذي ليس يسبق\rوما للعلى إلاّ محمّد صالحٌ ... لأكمام أزهار المعالي يفتق\rوإنّ على الزوراء كالشمس بيته ... بأشراقه غرب تساوي ومشرق\rفمن بأقاصي الخافقين يرى سنا ... ضياه كمن في جنب علياه ملصق\rومن كان في مرمي سحيق يشمُّ من ... ثرى أرضه مسكاً سحيقاً وينشق\rفطينته من طينة المجد صلصلت ... ومن نور شهب الفخر حصباه تخلق\rوساحته مدّت به من سماحة ... سحاب نداها في البريّة مغدق\rزوبالشرف الوضّاح عَلَيّ سقفه ... فأضحت به ريح المكارم تخفق\rوفي منتهى العلياء إن صيّروا له ... أساساً لعمري السقف أين يحلّق\rإذا ما تجلّى ربّه يوم مفخر ... رأيت أجلاّء البريّة تصعق\rفيامن رأى منه الأنام عجائباً ... ببحر معانيها البصائر تغرق\rفضحت الذي جاراك إذ فتَّ طرفه ... فظنّ بمضمار العلى هو أسبق\rولم يدر أمسى في الحضيض وأنت عن ... هواجس أوهام الأنام محلّق\rحنانيك فيك الوهم لا يتعلّق ... فإنّى لك الصيد الأماجد تسبق\rسموت وخلّفت النجوم بغيظها ... ورائك تبدوا تارةً ثمّ تخفق\rوبدر السما من شدّة الغيظ وجهه ... به كلفٌ لا ينجلي حين يشرق\rإذا الشهب لم تلحقك كيف بك الذي ... تقاعد في الأرض البسيطة يلحق\rفهذا وما شارفت ما تستحقّه ... وأنت بمن جاراك في السبق ترفق\rفلو تعطين منك النقيبة حقّها ... وكنت إلى حيث التسحقّق تجلّق\rلقمت مقاماً دون أدنى محلّة ... تقطّع أوهام الورى وتفرّق\rلعمري لانت الحوّل القلب الذي ... لما فتقت أيدي الحوادث ترتق\rإذا أعوصت عمياء أسدف نهجها ... ومن دونها باب الإصابة مغلق\rوضلّ بها رأي الحصيف وكلّما ... تثبّت فيها حازم الرأي يزلق\rكشفت بديهاً أمرها وكأنّما ... على غامضات الغيب صدرك مطبق\rفما أنت إلاّ آية جلَّ قدرها ... بأعجازها أعداء مجدك صدّقوا\rوهي طويلة ومن أرادها فليطلبها من كتابه المسمّى بمصباح الأدب الزاهر.\r\rالباب الثاني والعشرون في قافية الكاف\rوفيها فصل واحد في المديح\rقلت في مدحه:\rقامت تجني لي في دلّها ... قلت لها رفقاً بأسراك\rقالت نعتّ البدر في سعده ... قلت نعم وهو محيّاك\rقالت وصفت الدرّ في سمطه ... قلت بلى وهو ثناياك\rقالت نسيم الورد أطريته ... قلت أجل والورد خدّاك\rقلت فمن خصرك قلبي اشتكى ... ضعفاً فقالت كذب الشاكي\rقلت إذاً أدعوا له بالضنا ... قالت وزده ثقل أوراك\rقلت فمشغوف الحشا ماله ... منك سوى أن يتمنّاك\rعنآي أذيعي يا نموم الصبا ... مقالةً طابت كريّاك\rآليت لا أنسب خبثاً إلى ... عصر أتى بالحسن الزاكي\rأحنى بني الأيّام عطفاً على ... ضرّائك منهم وهلاّك\rذو راحة حاكي الحيا جودها ... والفضل للمحكي لا الحاكي\rبخلت البحر فقال الورى ... ما أجمد البحر وأنداك\rتجني ادّعي له الجناية ولم تكن صدرت منه. وقد وقع في هذه المقطوعة المراجعة ومنهم من يسمّيها بالسؤال والجواب وهو ضربان: أحدهما: أن يكون بين اثنين كما جرى بين ابن الدمينة وبين محبوبته. حدّث ابن أبي السري عن هشام قال: هوى ابن الدّمينة امرأة من قومه يقال لها أميمة فهاج بها مدّة فلمّا وصلته تجنّى عليها وجعل ينقطع عنها ثمّ زارها ذات يوم فتعاتبا طويلاً ثمّ أقبلت عليه، فقالت والشعر لها:\rوأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855674,"book_id":1863,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":184,"body":"وأبرزتني للناس حتّى تركتني ... لهم غرضاً أُرمى وأنت سليم\rفلو أنّ قولاً يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم\rقال: فأجابها ابن الدمينة فقال:\rوأنت التي كلّفتني دلج السرى ... وجون القطا بالحلمتين جثوم\rوأنت التي قطّعت قلبي حرازة ... وقرّفت قرح القلب فهو كليم\rوأنت التي أحفظت قومي وكلّهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم\rقال: ثمّ تزوّجها بعد ذلك وقتل وهي عنده.\rوكتب ابن مطروح إلى زهير المصيري يطلب منه درج ورق ومداداً، فقال:\rأفلست يا سيّدي من الورق ... فابعث بدرج كعمرك اليقق\rوإن أتى بالمداد مقترناً ... فمرحباً بالخدود والحدق\rومن ظرفه أنّه فتح الراء من الورق وكسرها وكتب عليها معاً فسير إليه مداداً ودرجاً وكتب:\rمولاي سيّرت ما أمرت به ... وهو يسير المداد والورق\rوعزّ عنديى تسيير ذاك وقد ... شبّهته بالخدود والحدق\rوالثاني: إمّا أن تحكي محاورةً جرت بين اثنين كما قال حسين بن حجّاج في وصف فرسه وقد تقدّم يلزم أن نذكره هنا مرّة ثانية:\rقال له البرق وقالت له ... الريح جميعاً وهما ما هما\rءأنت تجري معنا قال لا ... إن شئت أضحكتكما منكما\rهذا ارتداد الطرف قذفته ... إلى المدى سبقاً فمن أنتما\rوإمّا أن تحكي محاورة جرت بينك وبين آخر، وذلك كما قال الصاحب بن عبّاد:\rوقائلة لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتقل في الأُمم\rفقلت دعيني عَلَى غصّتي ... فإنّ الهموم بقدر الهمم\rوقال الآخر:\rوقائلة خلّ التصابي لأهله ... فإنّ الصبا عند المشيب جنون\rفقلت لها كفّي عن اللوم واقصري ... لذيذ الكرى عند الصباح يكون\rوقال الآخر:\rإذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى ... تقولين لولا الهجر لم يطب الحب\rوإن قلت كربي دائم قلت إنّما ... يعدُّ محبّاً من يدوم له كرب\rوإن قلت مالي الذنب قلت مجية ... حياتك ذنب لا يقاس به ذنب\rوظريف قول بعضهم:\rقالت ألا لا تلجن دارنا ... إنّ أبانا رجل غائر\rقلت فإنّي طالب غرّةً ... منه وسيفي صارم باتر\rقالت فإنّ البحر من دوننا ... قلت فإنّي سابح ماهر\rقالت فإنّ القصر عالي البنا ... قلت فإنّي فوقه طائر\rقالت أليس الله من فوقنا ... قلت بلى وهو لنا غافر\rقالت لقد أعييتنا حيلة ... فأت إذا ما هجع السامر\rواسقط عينا كسقوط الندى ... ليلة لاناه ولا آمر\rوظريف قول الآخر:\rسألتها عن فؤادي أين مسكنها ... لأنّه ضاع منّي يوم مسراها\rقالت لديَّ قلوب جمّة جمعت ... فأيّها أنت تعني قلت أشقاها\rوحسن قول الباخرزي:\rقالت وقد فتّشت عنها كلّمن ... لاقيته من رائح أو غادي\rأنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي\rونادر قول الآخر:\rأقول له على م تميل عجباً ... على ضعفي وقدك مستقيم\rفقال تقول عنّي فيَّ ميلٌ ... فقلت له كذا نقل النسيم\rوبديع قول الآخر:\rعاتبت طيف التي أهوى فقلت له ... كيف اهتديت وجنح الليل مسدول\rفقال آنست ناراً من جوانحكم ... يضيء منها لدى السارين قنديل\rفقلت نار الهوى معنىً وليس لها ... نور يضيء فماذا القول مقبول\rفقال نسبتنا في القول واحدة ... أنا الخيال ونار الشوق تخييل\rوما أحلا قول الآخر:\rجارية أعجبني حسنها ... ومثلها في النّاس لم يخلق\rخبّرتها أنّي محبّ لها ... فأقبلت تضحك من منطقي\rوالتفتت نحو فتاة لها ... كالرشأ الوسنان في قرطق\rقالت لها قولي لهذا الفتى ... أُنظر إلى وجهك ثمّ اعشق\rوقال الآخر:\rولمّا توافقنا بمنعرج اللوى ... بكيت إلى أن كدت بالدمع أشرق\rفقالت أتبكي والتواصل بيننا ... فقلت ألسنا بعده نتفرّق\rوقال الآخر:\rقالت لطيف خيال زارها سحراً ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد\rفقال خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد\rقالت صدقت الوفا في الحبّ شيمته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855675,"book_id":1863,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":185,"body":"وقال الآخر:\rقالوا أحب حبيباً ما تأمّله ... فكيف حلّ به للسقم تأثير\rفقلت قد يعمل المعنى بقوّته ... في ظاهر اللفظ رفعاً وهو مستور\rوما أبدع قول الآخر:\rقالوا عشقت وأنت أعمى ... ظبياً كحيل الطرف ألمى\rوحلاه ما عاينتها ... فظنون قد شغلتك وهما\rفأجبت أنّي موسوي ... العشق إنصاتاً وفهما\rأهوى بجارحه السماع ... ولا أرى ذات المسمّى\rالباب الثالث والعشرون في قافية اللام\rوفيها فصلان\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت في مدحه:\rحيتك تنهمل انهمالا ... وطفاء مرخية العزالى\rيا دار لا سلبت أكفّ ... الدهر حسنك والجمالا\rوتنسّمت فيك الريا ... ح صباً ولا هبّت شمالا\rفلكم على هيفاء قد ... ضرب الغيور بك الحجالا\rمن كلّ ناعمة الصبا ... تثني معاطفها دلالا\rيا سعد عدّ عن الهوى ... فلقد أطلت به المقالا\rأعط المدائح حقّها ... ودع الغزالة والغزالا\rخف الرجاء لمن نشأن ... أكفّهم سحباً ثقالا\rقومٌ على الزوراء أو ... جههم نجوم دجىً تلالا\rبمحمّد الحسن ارتقوا ... شرفاً على الجوزاء طالا\rداسوا النجوم بفخره ... وبحلمه وزنوا الجبالا\rهو أمجد الدنيا أباً ... هو أكرم الثقلين خالا\rالعزلاء فم المزادة الأسفل والجمع العزالى بكسر اللام وإن شئت فتحت، مثل الصحارى والصحاري والعذارى والعذاري. قال الكميت:\rمرته الجنوب فلمّا اكفهر ... حلّت عزاليه الشمئل\rوتنسّمت، النسيم الريح الطيّبة، يقال: نسمت الريح نسيماً ونسماناً، ونسم الريح أوّلها حين تقبل بلين قبل أن تشتدّ، والنسم الإنسان، وتنسّم تنفّس. وقولي: وتنسّمت فيك الرياح مأخذو من هذا استعارة والمراد وتنفّست فيك الرياح.\rوالصبا ريح ومهبها المستوي أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وتزعم العرب أنّ الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثمّ تسوقه فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا فردعت بعضه على بعض حتّى يصير كسفاً واحداً. والجنوب تلحقه روادفه به وتمدّه، والشمال تمزق السحاب. قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً:\rويلي عليك إذا تهبّ الر ... يح باردة شمالا\rوقالت عمرة بنت عجلان ترثي أخاها عمرواً:\rكأنّهم لم يحسسوا به ... فيخلوا النساء له والحجالا\rولم ينزلوا بمحال السنين ... به فيكونوا عليه عيالا\rوقد علم الضيف والمجتدون ... إذا اغبرّ أُفقٌ وهبت شمالا\rوخلت عن أولادها المرضعات ... ولم تر عين لمزن بلالا\rبأنّك كنت الربيع المغيث ... لمن يعتريك وكنت الثمالا\rالفصل الثاني في التهنية\rقال عمّنا المهدي من قصيدة في تهنئة الماجد محمّد الصالح بمولود ولد لابن أخيه:\rاليوم أظهرت السعود هلالها ... وارت كرام بني العلا إقبالها\rوكسا سناه طلعة الدنيا بهاً ... قد زادها حسناً وزاد جمالها\rوثنت له أعطافها وكأنّها ... أعطاف غانية تريك دلالها\rتاهت بمولده سروراً إذ رأت ... فيه مخائل ما رأت أمثالها\rلو لم يكن طفلاً لحقّق ظنّها ... فيه وصدق في علاه فآلها\rفلتهن فيه قبيلة المجد التي ... حسدت مصابيح السما إقبالها\rمن معشر أولى الزمان كرامهم ... كانوا قبيل المكرمات وآلها\rحرصت على حفظ النوال وضيّعت ... مابين طلاّب الندى أموالها\rمن ذا يساجل جودها وأكفّها ... لم تحك هامية السحاب سجالها\rهذا محمّدها الذي هو آية ... في الجود لم ترى في الورى أمثالها\rقد فجّرت يده ينابيع الندى ... لعفاته وسقتهم سلسالها\rوقال أيضاً من قصيدة في تهنئته بزواج ابن أخيه أيضاً وأوّلها:\rمن ثغرها سقتك ميُّ سلسلا ... فبت من خمر لماها ثملا\rفدبّ في الأعضاء منك مثلما ... تدبّ في الأعضاء صهباء الطلا\rقد شابه المدام لكن وجه من ... يرشفه من فرح تهلّلا\rومحتسي كأس المدام وجهه ... مقطّب وإن عليه تجتلى\rفارشف هنيئاً لعساً فهو الذي ... في هذه الدنيا يسمّى العسلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855676,"book_id":1863,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":186,"body":"ووجهها الشمس فما برقعها ... يحجبه إذا عليه انسدلا\rإلى أن يقول:\rنعمت بالأنعم في وصالها ... بروضة فيها السرور اكتملا\rكما بعرس كاظم على الورى ... وجه الزمان بالمسرّات انجلى\rوطائر السعد بسجعه على ... بيوت آل المكرمات هلهلا\rوالشرف الوضّاح ناري جذلا ... مبشّراً بالكرخ أبناء العلى\rزفّت إلى علاكم كريمة ... من بيت مجد بالعلى تأثّلا\rتنمى لأعلا الماجدين من غدت ... عزّته للخائفين معقلا\rجاء كريماً في زمان أهله ... جليلهم يرضع فيه البخلا\rفي فترة من الندى كأنّما ... جاء به إلى الأنام مرسلا\rحيث على الفلس يرى منها الفتى ... بهدب جفنيه يخيط المقلا\rلا بل من الحرص يودُّ بدل ... المخّ عليه الرأس كان مقفلا\rفقام فيهم شارعا لجوده ... شرائعاً للنّاس أضحت منهلا\rونطقت آيات جدوى كفّه ... بمعجز النوال مابين الملا\rله مزايا ليس تحصى غير أن ... كلٌّ غدا بين الأنام مثلا\rيا صفوة المجد الأثيل هاكموا ... عقد نظام فيكم تفصّلا\rقد نظمته بنت فكر لبست ... من وشيها للتهنيات حللا\rويمّمت ربعكم فغودت ... عليكم في الأنديات تجتلى\rالباب الرابع والعشرون في قافية الميم\rوفيها أربع فصول\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت في مدحه:\rقل لامّ العلى ولدت كريماً ... رقَّ خلقاً وراق خلقاً وسيما\rبدر مجد مدحته فكأنّي ... من مساعيه قدنظمت نجوما\rملك تلمح النواظر منه ... ملكا في سما المعالي كريما\rمجده في ارتفاعه ثامن الأف ... لاك من فوقها أطلَّ قديما\rوإذا ما رأيت دار أبي الهادي ... ومعروفها رأيت نعيما\rإن رحلت ارتحل لربع نداه ... وأقم فيه إن ترد أن تقيما\rفهو الجنّة التي استعذب النا ... س جميعاً رحيقها المختوما\rسبر الدهر بالتجارب حتّى ... بالنهى والفخار صار زعيما\rواستهلّت كلتا يديه إلى أن ... لم يدع في بني الزمان عديما\rفبه ينزل الرجا وإليه ... كلّ ركب سرى ينصُّ الرسيما\rهو من أيكة على أوّل الدهر ... زكت في ثرى المعالي أروما\rأثمرت سؤدداً وفخراً وعزّاً ... ونمتها غطارفاً وقروما\rوقد اشتمل قولي:\rوإذا ما رأيت ثمّ مغانيه ... ومعروفها رأيت نعيما\rعلى الإقتباس وهو على رأي بعضهم لا يكون إلاّ من الكتاب، وعلى رأي الآخرين أنّه لا يكون إلاّ من القرآن أو من الحديث. قال من لا يرى الإقتباس إلاّ من القرآن هو أن يضمن المتكلّم كلامه كلمة أو آية من الكتاب العزيز خاصّة، وهو على ثلاثة أقسام: محمود مقبول، ومباح مبذول، ومردود مرذول؛ فالأوّل ما كان في الخطب والعهود في مدح النبي ﵌، والثاني: ما كان في الغزل والصفات والرسائل ونحوها، والثاث على ضربين: أحدهما تضمين ما نسبه الله عزّوجلّ إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان أنّه وقّع على مطالبة فيها شكاية من عمّاله: (إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) والآخر تضمين آية كريمة في معرض هزل وسخف، كقول بعضهم:\rقالت وقد أعرضت عن غشيانها ... يا جاهلاً في حمقه يتباها\rإن كان لا يرضيك قبلي قبلةً ... لأولينّك قبلةً ترضاها\rوالأحسن في الإقتباس من القرآن نقله عن معناه كما قال ابن الرومي:\rلئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي\rلقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع\rفقوله: بواد غير ذي زرع معناه في القرآن واد لا ماء فيه، ونقله إلى جناب لا خير فيه ولا نفع. ومثله قول الخبّاز البلدي:\rألا إنّ إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصّر في اللسع\rظننت بهم خيراً فلمّا بلوتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع\rوقال آخر في هجاء بعضهم:\rجميع ما يفعله كلفة ... إلاّ أذاه فهو بالطبع\rمن حلَّ منّا بفناء له ... حلّ بواد غير ذي زرع\rوقال الأخوص في الإقتباس:\rإذا رمت عنها سلوةً قال شافع ... من الحب ميعاد السلوّ المقابر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855677,"book_id":1863,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":187,"body":"ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودٍّ يوم تبلى السرائر\rوقال الأبيوردي في هجاء بعضهم:\rوقصائد مثل الرياض أضعتها ... في باخل ضاعت به الأحساب\rفإذا تناشدها الرواة وأبصروا ... الممدوح قالوا ساحرٌ كذّاب\rوقال القاضي المنصور الهروي:\rومنثقب بالورد قبّلت خدّه ... وما لفؤآدي من هواه خلاص\rفأعرض عنّي مغضباً قلت لا تجر ... وقبّل فمي إنّ الجروح قصاص\rوقول أبي منصور عبد الله بن سعيد:\rحلّة الغانيات حلّة سوء ... فاتّقوا الله يا أولى الألباب\rوإذا ما سئلتموهنّ شيئاً ... فاسئلوهنّ من وراء حجاب\rوروي ما هذا مضمونه أنّ بعض الشعراء كان ينشد بعض الأُمراء وبينهما الحجاب، فلمّا بلغ قوله:\rأُنظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين\rأمر برفع الحجاب حتّى أتمّ إنشاده ثمّ أجازه.\rوالغاية في القبح قول بعضهم:\rأقبل والعشّاق من خلفه ... كأنّهم من حدب ينسلون\rتقول عيناه لعشّاقه ... هيهات هيهات لما توعدون\rوردفه يقرؤ من خلفه ... لمثل ذا فليعمل العاملون\rوقال بعضهم في الإقتباس من الحديث:\rقال لي إنّ رقيبي ... سيّىء الخلق فداره\rقلت دعني وجهك الجنّة ... حفّت بالمكاره\rولعمّنا المهدي هذه القصيدة في مدح ديمة المنايح الماجد محمّد الصالح وذلك أنّا حللنا في ربعه فأنشدت وكان ابتداؤها موافقاً للحال التي ذكرها:\rقد حملتك النجائب الرسم ... لمن على الكرخ بيتهم علم\rقد كنت تهوى لقاء من سكنوا ... فيه ويهوون ملتقاك هم\rفقر عيناً فيه برؤيتهم ... ففيك قرّت فيه عيونهم\rوانظر إلى ما سمعت عنه تجد ... ما يقصرون دون وصفه الكلم\rبيت جميع الدنيا بساحته ... وتحت أبراد ربّه الأُمم\rمن احترام الورى لساحته ... تخال في الكرخ أودع الحرم\rعلى التقى أُسّست قواعده ... وكلّ أيّام دهره حُرم\rكأنّ على الأرض ساحة قمر ... بها على الخلق تكشف الظلم\rتحسبها المدلجون إن سطعت ... نار قراها في الليل تضطرم\rفيه أُناس تخال أنّهم ... الأملاك من كلّ مأثم عصموا\rشعارها الصمت وهي إن نطقت ... تفجّرت من كلامها الحكم\rتبيت تبكي من خشية الواحد الفر ... د وتضحي للوفد تبتسم\rتحنوا على الأبعدين مشفقة ... حنّو من فيه أطت الرحم\rفي الله تمسي خمص الحشا وعلى ... بذل قراها الأنام تزدحم\rيسأم أرفادها الوفود ولا ... في بذله يعتريهم سأم\rللشرف الباذخ الرفيع سمت ... من قبل أن يفطموا بها الهمم\rلو قيل للمجد من هم سمكوا ... وانبعثت من أكفّها الديم\rتعتمُّ حين الرضاع سؤددها ... وترتدي الفخر حين تنفطم\rأوّل ما ينطقن رضيعهم ... حيّ على الجود أيّها الأُمم\rأو قد أطاق القيام تسرع لل ... علياء فيه بخطوها القدم\rأو سابقته لها الكرام ولو ... مشى الهوينا بفوت طرفهم\rأماجد زيّنت سماء على ال ... مجد بشهب منها كهولهم\rعقد طلاها هم وواسطة ... العقد على نحرها زعيمهم\rتشمُّ من عطفه عبير شذا ... فخار آبائهم ومجدهم\rقوم على الأرض غيث نائلهم ... قبل نزول السحاب منسجم\rصفوة بيت العلى وطينته ... قد عركتها قدماً أكفّهم\rمن قبل أن تنصب الجبال على ... الأرض عماد العلياء قد دعموا\rدلّ على طيب أصله شرف ... تورّثته منهم فروعهم\rفمن آرها قدماً وينظر ابنا ... ها فما يفرقنّ بينهم\rغرُّ مساعيهم العظام وما ... منها اصطفتها النفوس والشيم\rبين ذراريهم إن اقتسمت ... فقد حواها طرّاً زعيمهم\rمنطهيقاً في الخصام حيث فلم ... المنطيق منه اللسان ينعجم\rإن هدرت منه فيه شقشقة ... فألسن الإختصام تنحسم\rلا يرجع اللفظ في مقالته ... كي يتأتّى برجعه الكلم\rوإنّما اللفظ في تتابعه ... سيل ولكن سيله عرم\rتصفرُّ من قرعه المسامع من ... مخاصميه رعباً وجوههم\rكأنّ من لونها لصفرته ... لم يك فيهنّ قبل ذاك دم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855678,"book_id":1863,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":188,"body":"لقد تحاماه أن يناضله ... من هو في العلم عيلم علم\rفالفصحا لم تطق تجادله ... أنّى ومنه مهابة وجموا\rتخال من صمتهم وجوههم ... لم يتصوّر في خلقهنّ فم\rذب عن الدين في سنان فم ... كم فيه عنه تكشّفت غمم\rوثلَّ فيه عرش الضلال وقد ... هدم منه ماليس ينهدم\rبني المعالي إليكم مدحاً ... يسمعها من بإذنه صمم\rتلبس عرض الكريم سابغة ... في الطعن منها الرماح تنحطم\rكأنّها سرمد الزمان على ... أفواه حسّاد مجدكم لجم\rوإن غدوتم وما لشانئكم ... بين بني الدهر مهمز بكم\rسيّارة تقطع البسيطة لا ... غور عداها منكم ولا أكم\rوفي قلوب الورى لآخرهم ... جيلاً فجيلاً بالحفظ ترتسم\rقد غودرت عندكم كفاتحة ال ... كتاب لم تنسها قلوبهم\rالفصل الثاني في التهنية\rنظمت في تهنية الماجد محمّد الصالح بقدوم ولديه محمّد الرضا وأخيه المصطفى من الحج هذه الموشّحة البديعة:\rاجتل الكاس فذي كفّ الصبا ... حدرت عن مبسم الصبح اللثاما\rواصطبحها من يدي عضّ الصبا ... أغيد يجلو محيّاه الظلاما\rبنت كرم زوّجت بابن السحب ... فتحلّت في لئالي من حبب\rمذ جلاه الشرب في نادي الطرب ... ضحكت في الكاس حتّى قطبا\rكلّمن كان لها بيدي ابتساما ... وانثنى الزامر يشدو مطربا\rغرقوا بالراح كسرى يا ندامى\rهي نار في إناء من برد ... عجباً ذابت به وهو جمد\rأبداً تحرق نمرود الكمد ... وإذا منها الخليل اقتربا\rغودرت برداً عليه وسلاما ... فاحتسى أعذب من ماء الزبى\rخمرةً أطيب من نشر الخزامى\rأشبهت صافية في الأكؤس ... دمعة الهجر بخدّي العس\rإن أديرت مثّلت للمحتسي ... وجنة الساقي بها فاستلبا\rعقله حتّى تراه مستهاما ... ليس بدري وجنة قد شربا\rأم سلاف عتقت عاماً فعالا\rتنشي الخفة في روح النسم ... وتروض الصعب منهم للكرم\rلو حساها وهو في اللؤم علم ... مادرٌ منه إذاً لانقلبا\rذلك اللؤم سماحاً مستداما ... ودعا خذ مع عقلي النشيا\rآخر الدهر ودعني والمداما\rكم على ذات الفضا من مجلس ... قد كساء الروض أبهى ملبس\rفيه بتنا تحت برد الحندس ... نتعاطى من كؤس شهبا\rتطرد الهمّ وإن كان لزاما ... إذ به نامت عيون الرقبا\rليتها تبقى إلى الحشر نياما\rونديمي من بني الترك أغن ... شهدة النحل بفيه تختزن\rهبّ يثني عطفه سكر الوسن ... بمدام خلت منها خضبا\rأنملا أبدى بها الحسن وشاما ... وكأنّ خداه منها أشربا\rحمرة إذ زفّها جاماً فجاما\rرشأ جسد صافي جسمه ... من شعاع الخمر لا من جرمه\rخفيت صهباؤه من كتمه ... لسناها مذ عليه غلبا\rنور خدّيه فما تدري الندامى ... أسنا خدّيه أبدى لهبا\rأم سنا الكأس لهم أبدى ضراما\rإن يقل لليل عسعس شعره ... قال للصبح تنفّس ثغره\rأو من الردف تشكى خصره ... قال يا زادك من زان الظبا\rبالحصور الهيف ضعفا وانهضاما ... ولكاسيك الوشاح المذهبا\rزاد جفنيه فتوراً وسقاما\rيا أليفي صبوتي بشراكما ... جاء ما قرّت به عيناكما\rذا جديد الأنس قد حيّاكما ... وخلاصاً لكما قد جلبا\rناقلا عن صفة الراح الكلاما ... فاجعلاه للتهاني سببا\rفعل من يرعي لذي الود الذماما\rخلّيا ذكر أحاديث الغضا ... واطويا من عهد حزوى ما مضى\rوانشرا فرحة إقبال \"الرضا\" ... وأخيه \"المصطفى\" ابن المجتبى\rإنّ إقبالهما سرّ الأناما ... وكذا الدنيا استهلّت طربا\rإذ معاً آبا وقد نالا المراما\rبوركا في الكرخ من بدري على ... شعّ أوج المجد لمّا أقبلا\rومحيّا الفخر بالبشر انجلى ... وغدا زهواً ينادي مرحبا\rبمنيري أبرج المجد القدامى ... بكما قرّت عيون النجبا\rآل بيت المصطفى السامي دعاما\rرجع السعد إلى مطلعه ... وألبها رد إلى موضعه\rوالندى عاد إلى منبعه ... بسراجي شرف قد أذهبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855679,"book_id":1863,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":189,"body":"بالسنا عن أُفق الكرخ الظلاما ... وخضمي كرم قد عذبا\rمورداً يروي من الضامي الأواما\rهل بنات السير في تلك الفلا ... علمت غاربها ما حملا\rوبماذا من وقار وعلى ... رحلت بالأمس تطوي السبسبا\rجدداً تهبط أو تعلوا أكاما ... وأريحت بالمصلّى لغبا\rقد برت أقتابها منها السناما\rكم لأيدي العيس يا سعد يد ... أبداً مشكورة لا تجحد\rفعليها ليس ينأى بلد ... وبها وخداً سرت أو خببا\rيدرك الساري أمانيه الجساما ... ويرى أوطأ شيء مركبا\rظهرها من طلب العزّ وراما\rأطلعت في الكرخ من حجب السرى ... قمري سعد بها قد أزهرا\rوغراماً بهما أُمّ القرى ... لو أطاقت لهما إن تصحبا\rحين آبا لأتت تسعى غراما ... وأقامت لا ترى منقلبا\rعن حمى الزوراء ما دامت وداما\rأوبةٌ جائت ينيل المنح ... ذهبت فرحتها بالترح\rفبهذا العام أُمّ الفرح ... ولدتها فاجدّت طربا\rبعدما حالت بها من قبلُ عاما ... ولها الإقبال قد كان أبا\rسعده أخدمه اليمن غلاما\rفاهن والبشرى أبا المهدي لك ... تلك علياك لبدريك فلك\rقد بدا كلٌّ بها يجلو الحللك ... فترى الأقطار شرقاً مغربا\rلم يدع ضوئهما فيه ظلاما ... والورى أبعدها والأقربا\rبهما تقتسم الزهو اقتساما\rملّت القلب سروراً مثلما ... قد ملئت الكفّ منها كرما\rواحتبت زهوا تهنّيك بما ... خصّك الرحمن من هذا الحبا\rحيث لا زلت لها تعرى الذماما ... جالياً إن وجه عام قطبا\rللورى وجهاً به تسقي الغماما\rففداء لك يا أندى يدا ... من بني الدهر وأزكى محتدا\rمعشر ما خلقوا إلاّ فدا ... لبسوا الفخر معاراً فنبا\rعن أُناس تلبس الفخر حراما ... كلّما فيهم علا الحظُّ أبى\rقدرهم من ضعة إلاّ الرغاما\rتشتكي من مسّ أبدانهم ... حللٌ ترفع من شانهم\rوإذا صرَّ بإيمانهم ... قلمٌ فهو ينادي عجبا\rصرت في أنملة اللؤم مضاما ... من بها قرّ مقيما عذبا\rإنّها سائت مقرّاً ومقاما\rهب لهم درهمهم أصبح أب ... فسما فيهم إلى تلك الرتب\rأكرام هم لدى نصّ النسب ... إن يعدّوا نسباً مقتضبا\rلا عريقاً في المعالي أو قدامى ... عدموا الجود معاً والحسبا\rفبماذا يتسمون كراما\rعبدوا فلسهم دهرهم ... وعليه قصروا شكرهم\rفاطرح بين الورى ذكرهم ... وأعد ذكر كرام نجبا\rقصّروا الوفر على الجود دواما ... وبنوا للضيف قدماً قببا\rرفعت منها يد الفخر الدعاما\rمعشر بيت علاهم عامر ... بهم للضيف زاه زاهر\rفيه ما أمُّ الأماني عاقر ... تلد النجح فتكفي الطلبا\rوأبو الآمال لا يشكو العقاما ... وعلى أبوابه مثل الدبا\rنعم الوفد لها تلقي ازدحاما\rصفوة المعروف قرّوا أعينا ... واهنأوا بالصفو من هذا الهنا\rلكم السعد جلا وجه المنى ... بيد اليمن ومنه قربا\rلكم الإقبال ما ينأى مراما ... فالبسوا أبراد زهو قشبا\rعنكم لا نزعت ما الدهر داما\rوإليكم غادة وشحتها ... وبريا ذكركم عطّرتها\rوإلى عليائكم أزففتها ... فلها جاء افتتاحا طيّبا\rنشر راح الأُنس منكم لا الخزامى ... ولها تشهد أنفاس الصبا\rمن ثناكم مسكه كان ختاما\rوقلت مهنّياً للفاضل الصالح حين قدم من الحج أخوه عبد الكريم وولده محمّد الأمين، وكانت قد هبت على الحاج تلك السنة في الموقف ريح شديدة أهلت الأكثر منهم وقد أشرقت إلى ذلك أثناء القصيدة، وهي هذه:\rفقت يا أيّتها الدار نجوما ... في السنا فخراًوفي الجود الغيوما\rونعم أنت بآل المصطفى ... معدن الفخر حديثاً وقديما\rلم تلد أُمُّ المعالي منهم ... فيك إلاّ واضح الوجه كريما\rمعشر طابوا فروعاً في العلى ... وزكوا في طينة العزّ أروما\rوكفاهم بأبي المهدي فخراً ... حيث أضحى لهم اليوم زعيما\rالمحيّا عند بذل الجود وجهاً ... صاحياً والمرتجى كفّاً مغيما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855680,"book_id":1863,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":190,"body":"تخجل المزن إذا ساجلها ... بيد أرطب منهنّ أديما\rوتموت الشهب إن قابلها ... بمحيّاً يكشف الليل الهبيما\rليم في الجود ولا جود لمن لا ... يغتدي بين الورى فيه ملوما\rوكريم الطبع من لم يتغيّر ... طبعه في عذل من أضحى لئيما\rليس يثني الغيم عذل فمتى ... ينثني من علم الجود الغيوما\rهمم لو عن مدىً زاحمها ... منكب الدهر لردّته حطيما\rعاد مرعي الفضل مخضرّاً به ... وهو لولا جوده كان هشيما\rتحمد النّاس فإن جئنا به ... لم نجد أحمدهم إلاّ ذميما\rمن أُناس ركبوا ظهر العلى ... وجروا في حلبة الفخر قديما\rذهبوا بيض المجالي طيّبي ... عقد الأزر مصاعيباً قروما\rوتبقوا من بينهم لعلالهم ... زينةً في نحرها عقد نظيما\rكرماء لا تباري كرماً ... حلماء تزن الشمّ حلوما\rكم دعتهم للقوافي ألسن ... تركت قلب أعاديهم كليما\rيا نجوماً في سما المجد زهت ... ويسرُّ المجد قولي يا نجوما\rللعلى أنتم مصابيح كما ... لشياطين العدى كنتم رجوما\rقد أقرّ الله منكم أعيناً ... كم لحظتم بالغنا فيها عديما\rوحباكم فرحةً تشملكم ... والمحبّين خصوصاً وعموما\rذهب الروع الذي غمَّ وقد ... جائت البشرى التي تنفي الغموما\rبالفتى عبد الكريم المجتبى ... وأمين الفضل من طاب أروما\rقد لعمري سنن الحج لها ... ما رأت مثلهما أمس مقيما\rخيف يدنو منهما الكرب الذي ... لذوي الأحلام ما أبقى حلوما\rقلت كلاّ لا أراه أبداً ... منهما يدنو وإن كان عظيما\rفهما من أُسرة في برّهم ... يدرؤ الخطب وإن كان جسيما\rآل بيت المصطفى حيتكم ... غادة تجلو لكم وجهاً وسيما\rأقبلت زهواً تهنّيكم بما ... زاد من يحسد علياكم وجوما\rفبقيتم في سرور دائم ... ولكم لا برح السعد نديما\rوقال عمّنا المهدي في تهنية الحاج محمّد صالح كبّه وقد عوفي من مرض كان قد عراه:\rلصحّة جسمك صحَّ الكرم ... وعنك سرى لعداك السقم\rوثغر المعالي غداة انتعشت ... لفرحتها في شفاك ابتسم\rووجه الزمان غدا مشرقاً ... وعنه تجلّت غواشي الظلم\rوأيّامه عدن للنّاس بيضا ... بمن زانها بجسام النعم\rهمام ملي الدهر فخراً علىً ... عطاءً كصوب الحيا المنسجم\rبه فتح المجد باب الندى ... بعصر به سدَّ باب الكرم\rكريم أعاد لهذا الزمان ... شبيبته بعد ما قد هرم\rبه فرح الدهر إذ لم يجد ... نظيراً له في كرام الأُمم\rإذا رمت مدح أبي المصطفى ... لأحصي ما فيه يفنى الكلم\rوتبقى معان من اللفظ قد ... خلت وعلى الطرس لم ترتسم\rأما من بيان لهذي المعاني ... فعنها لساني عجزاً إرم\rوهل حيلة حيث لا حيلة ... لحصر معاني كريم الشيم\rفتىً كلّ أعماله حسبما ... به أمر الله باري النسم\rله الله من ناسك في تقاه ... من كلّ مأثمة قد عصم\rويأخذه فزع التائبين ... ولم يك مثلهم قد أثم\rفيحسبه من يراه سقيما ... وما فيه سقم ولا من ألم\rوإنَّ معائب أفعاله ... محاسن أفعال أهل الشيم\rوما مرَّ يوم من الدهر إلاّ ... بأعماله الصالحات انتظم\rفذا نجم خلّص أهل التقى ... بعصر خلا منهم قد نجم\rوجاء بآخر هذا الزمان ... بمالم يجيئوا به في القدم\rومن بعد نسّاكه الصالحين ... صدع الهداية فيه التئم\rطليق المحيّا إذا وفده ... على باب بيت علاه ازدحم\rفيلقاه مستبشراً ضاحكاً ... وتغمره كفّه بالنعم\rفما هو إلاّ حياً للندى ... بتسكابه فاضح للديم\rوبدر علىً يتجلّى به ... ظلام الخطوب إذا ماادلهَم\rسما لعلىً دون إدراكها ... قد انقطعت عاليات الهمم\rوقام بأعباء مجد سواه ... من الماجدين بها لم يقم\rالفصل الثالث في الرثاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855681,"book_id":1863,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":191,"body":"لمّا توفّي الماجد الصالح محمّد نظمت هذه القصيدة معزّياً بأبيها ولديه المصطفى والحسن وكانت قد ألمت أسباب قد اقتضت تأخّرها شهراً كاملاً فكتبت أمام القصيدة هذه المقدّمة الفريدة كالإعتذار عن التأخير وقرأتا معاً في محفل الرثاء، وهاهي المقدّمة:\rوقفت على الزوراء وهي يتيمة ... تحنُّ لمن أبقى المعالي ثواكلا\rفتنعاه طوراً للفواضل والنهى ... وطوراً له تنعى النهى والفواضلا\rقد شقّت بيد المصاب جيبها وردائها، حين أخذت رجفة الحزن أحشائها، وجزت بمدية الجزع ناصيتها ولمتيها، وبادرت حثو التراب على رأسها بكلتا يديها، وغسل الدمع من عينها سوادها، فصبغت فيه أبرادها، وبرزت في محفل النياحة، معولة يا عظيم المناحة، موحشة العيوس والتقطيب، معلنةً بالبكاء والنحيب، ما ترائت للعيون ماثله، إلاّ وأنشأت قائلة:\rبكائي بعيني لم يكفيني ... لمن قطع الدهر فيه وتيني\rفليت توزع دمعي الأنام ... لأبكي عليه بكلّ العيون\rوهي في نعاء قلق الدهر من ضجّته، وبكاء غرق الصبر في لجّته، فحين رأيت خطبها عظيما، وشاهدت كربها جسيما، مسكت بكفّي رواجف صدري، وطفقت أسألها على سبيل تجاهل العارف كأنّني لست أدري:\rفقلت على من رنّة النوح والبكا ... فقالت عَلَى من لا نرى الدهر مثله\rأليس أبي ذاك الذي تعهدونه ... طوت نوب الأيّام عنّي ظلله\rفقلت وعندي من فؤادي بقيّة ... خذي بأيد الآخران قلبي كله\rفما ينطبع في مرآة فكري، ولا يرتسم في لوح صدري، أن يروع قلبي ما بقيت صوت ناعيه، بعد أن ملأت سمعي رنّة هذه الواعة، التي ضرب فيها بازل الحزن بجرانه على صدر رباحة الكرم، وانقصمت من إلقاء كلكله عليها فقارة ظهر الشرف الأقدم، ورباع السؤدد أضحت فيها ثميلة الدمع محلولة الوكاء، بعد ما كانت مطلولة الربع بمخيلة السخاء، وعاد رواق المجد محفلاً للنوح والرثاء، بعد ما كان محلاًّ للمدح والثناء.\r\rعادت مراث تهنيات العلى ... ينصدع القلب بإنشادها\rقد رحل اليوم سرور الورى ... فلتلتمسه يوم ميعادها\rقد دفنت تحت الثرى عيدها ... وأبقت النحر لأكبادها\rفلا ازدهاها يوم نيروزها ... ولا أتى الفطر بأسعادها\rوبمن تسر، أو تسعد مابقي الدهر، والذي كانت عيالاً عليه، وعين رجائها ممدودة إليه، قد أدرج والتقى في طاهر برده، ووسّد والصلاح في لحده، ولقد هممت أن أعقل لسان هذه الثاكلة، وأواري شخص هذه النائحة الماثلة، لتأخّر زمانها، وعدم مبادرتها كأمثالها من أترابها وأخدانها، ولقولهم \"إذا قدمت المرزية سمجت التعزية\" فقالت: لا واد معك الغزار، لا يقر لي قرار، دون أن أنوح عليه بما يكون كالمثل السائر، في نعوت فلك مصابه الدائر، أبتلك المراثي يناح دوني عليه، فتكون كفاءً لعظيم مصابه، وإن تقدّمتني إليه، فإليك عنّي إنّ الكلم رحيب، وما المصاب كمن يؤمّل أن يصيب، وربّ نائحة وسواها المستعبرة، \"وليست الثكلى كالمستأجرة\"، على أنّ كلّ يوم يمرّ من بعده، ولا يرى فيه فهو يوم فقده، وأمّا وأخلاقه الزاهرة، وتربة مرقده الطاهرة، التي لا يزال فيها نسيم الرحمة والرضوان، يهب أطيب مهب، فيحلب فيها سحائب الغفران، وإن لم يكن هناك ذنب لأن تركت لي عناني، وأطلقت في ميدان القول لساني، لأنوحنّ عليه نياحة ترجف منها الأرض بأوتادها، وتمزق عليها الدنيا أحشائها قبل أبرادها، ولأدعنَّ ساعة قيامي بها تشبه قيام الساعة، حتّى يحطم الدهر صدره وأضلاعه، وتقول للخنساء أين أنت منها، ويا بنة الأرا خلفك عنها، فخلعت عنها عذارها، وتركت لها مضمارها، وأوسعت لها من مجالها، فافتتحت في عتاب الدهر براعة استهلالها:\rيا دهر ما شئت فاصنع هان ما عظما ... هذا الذي للرزايا لم يدع ألما\rرزءٌ تلاقت رزايا الدهر فاجتمعت ... فيه فهوَّن ما يأتي وما قدما\rما بال أُمّ الليالي فيه قد حملت ... فليتها وأبا أيّامها عقما\rلقد تحكّم في الدنيا فنال بها ... من النواظر والأحشاء ما احتكما\rعجّت ولا كعجيج الموقرات به ... وهل تلام وهذا ظهرها انقصما\rمضى الذي طبّقتها كفّه نعماً ... فطبّقتها الليالي بعده نقما\rالآن غودرت الآمال حائمة ... وأين في الدهر منها من ببلُّ فما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855682,"book_id":1863,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":192,"body":"وقبّة المجد قد مالت ولا عجب ... فإنَّ أثبت أركان العلى انهدما\rفلينتظم مأتماً عمر الزمان لمن ... بالصالحات جميعاً عمره انتظما\rولتحتلب عينها الدنيا لمن يده ... كانت حلوبة جود تقتل الأزما\rوكيف تسئم من دمع تتابعه ... ومن متابعة النعماء ما سئما\rفي الكفّ ما زرعت حسن الرجاء له ... إلاّ وأمطرها من كفّه كرما\rيا آخذاً كلّ قلبي في ملامته ... دع الملام وشاطرني الدموع دما\rواقرع بلومك سمع الدهر حيث أتى ... برنّة تركته يشتكي الصمما\rطويت من يستظلّ المعدمون به ... فليت يا دهر قسراً ظلّك انهدما\rهل يعلم الزمن الغدّار لا علما ... ماذا به هجم المقدار لا هجما\rفأيُّ رزء يايّ الناس يكبر في ... صدر الأنام سوى هذا الذي دهما\rأفي ذوي الحلم فالثاوي زعيمهم ... أم في بني فالعلم الثاوي أبوالعلما\rأم في الأنام جميعاً فالذي افتقدوا ... هو الذي جمعت أبراده الأُمما\rبل كلّ ميّت له ثلم بحوزته ... لكنَّ في موته الإسلام قد ثلما\rقام النعيُّ على دار السلام له ... فقلت بعدك ليت الكون لا سلما\rمازال بشرك بالعافين ملتمعاً ... حتّى تحوَّل في أحشائهم ضرما\rوإن بكتك فلا منٌّ عليك لها ... بمآء جودك جاري جفنه انسجما\rهذي الدموع بقايا ماء عيشهم ... من فضل ما كنت توليهم عليك همى\rإن لم تفظ بك عن وجد نفوسهم ... فسوف بعدك عن قرب تغيض ظما\rيا راحلاً ولسان الحال ينشده ... وللمقال لسان بالأسى انعجما\rواهاً أباالمصطفى ماذا يقول فمي ... وما البلى منك أبقى للجواب فما\rالموت حتم وإن كان المنى لك أن ... تبقى ولو جاوزت أيّامك الهرما\rوددت يومك لم يجر القضاء به ... لو كان للوح أن يستوقف القلما\rحتّى تفرّج غمّاء الجدوب كما ... فرّجت من قبلها أمثالها غمما\rماذا يراد بأهل الأرض فابتدرت ... دهياء يوشك أن تستأصل النسما\rأشاءَ ربّك إرسال العذاب بها ... لما جنوها ذنوباً تهتك العصما\rفغيض الماء من أنهارها وطوى ... بالموت شخصك عنها والحيا انعدما\rمشت بنعشك أهل الأرض تحمله ... فخفَّ حتّى كأن لم يحملوا علما\rوما دروا رفعته من كرامته ... أهل السماء على أكتافها عظما\rلم يرفعوا قدماً إلاّ وقد وضعت ... من قبلهم غرُّ أملاك السما قدما\rكأنَّ نعشك محمول به ملك ... وخلفه العالم الأعلى قد ازدحما\rساروا به وسماء الدمع ترسلها ... لك النواظر مدراراً ولا سئما\rوعبَّ حين التقى ماء العيون على ... أمر نزا منه قلب الدهر واضطرما\rفكنت نوحاً وكان الفلك نعشك وال ... طوفان فائر دمع أغرق الأُمما\rإن يحملوك على علم فما حملوا ... إلاّ الركانة والأخطار والهمما\rأو يدفنوك على علم فما دفنوا ... إلاّ المحاسن والأخلاق والشيما\rأو ينفضوا الكفّ من ترب به دفنوا ... ميتاً فتربك بالأفواه قد لثما\rكأنّ قبرك فوق الأرض نجم سما ... أو أنّه في ثراه حلَّ نجم سما\rيا نازلاً حين لا صوتي يلمُّ به ... عليك أُمّ المعالي جزت اللمما\rوقفت بعدك في الزوراء أنشدها ... أين الذي كان للاجين معتصما\rوأين من يزهر النادي بطلعته ... للزائرين ويجلو عنهم الغمما\rومن بنى لقرى الأضياف دار علىً ... عمادها الفخر فيه طاولت إرما\rومن تردُّ جميع المشكلات له ... إذا القضيّة أعيى فصلها الحكما\rوأين للشتوة الغبراء من كرماً ... ما قطّب العام إلاّ ثغره ابتسما\rوأين من كان للعافين يلحفها ... جناح رحمته ما دهرها أزما\rلا فرق مابين أقصاها إذاص نسباً ... عنه ومابين أدناها له رحما\rوأين من ليتامى الناس كان أباً ... في برّه قد تساوت كلّها قسما\rفي فقد آبائها لليتم ما عرفت ... لكنّها عرفت في فقدك اليتما\rأحببت في الله كتمان الصنيع ولا ... يزداد إلاّ ظهوراً كلّما كتما\rمن كان يحلف إن لم يعتلق أبداً ... إثمٌ بردك لم يحنث ولا أثما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855683,"book_id":1863,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":193,"body":"إلاّ وقتك حشا العافين صائنة ... ولا وقاء إذا رامي القضاء رمى\rوهل توفيك شكر المنعمين وقد ... طوقت حيّاً وميتاً جيدها نعما\rبالأمس وجهك تستسقى الغمام به ... واليوم قبرك تستسقى به الديما\rيا غائباً ما جرت في القلب ذكرته ... إلاّ ترقرق دمع العين وانسجما\rلا غرو إن يعقد الإسلام حوزته ... جميعها مأتماً يوري الحشا ضرما\rفالثاكل الدين والمثكول شخصك وال ... ناعي الهدى والمعزّى خاتم العلما\rمحمّد حسنٌ نظم الثناء له ... فقلَّ في سلك تقواه من انتظما\rسقت ضريحك من جدواك واكفة ... وطفاء ترضع داراً ما الحيا فطما\rأُعيذ قلبك أن يهفو به حذر ... على المكارم أو يغدو لها وجما\rطب في ثرى الأرض نفساً لا النديُّ خلا ... من الوفود ولا عهد الندى انصرما\rوأنت يا حرم المجد المنيف علىً ... لا راعك الدهر واسلم للعلى حرما\rإن يوحشنّك ما من بدرك انكتما ... فليؤنسنّك من نجميه ما نجما\rلولا ابنه المصطفى للجود قلت شكت ... من بعد إنسانها عين الرجاء عمى\rندب به فتح المعروف ثانيةً ... من بعد ما بابيه أوّلاً ختما\rمن يلقه قال هذا في شمائله ... محمّد صالحٌ إن يغتدي علما\rحلو الخلائق في جيل لهم خلق ... لو مازج الكوثر الخلديّ ما طعما\rالمشتري الحمد والأشراف أكسبها ... لجوهر الحمد أغلاها به قيما\rلو قال قوم نرى في الجود مشبهه ... لقلت هاتوا وعدّوا العرب والعجما\rأستغفر الله إن شبّهت أنمله ... بالقطر منسجماً والبحر ملتطما\rنعم حكاه أخوه من به ظهرت ... مخائل من أبيه تفضح الديما\rمحمّد وكفى أنّ الزمان لنا ... عن منظر حسن منه قد ابتسما\rإذا بدا سمت الألحاظ ترمقه ... تخاله بهلال العيد ملتثما\rمن لفظه العذب إن شئت ألتقط درراً ... أو فاقتطف زهراً أو فاقتبس حكما\rفاهتف بمن مات من الأهل العلاء وقل ... لولا الردى لافتضحتم فاشكروا الرجما\rأمات نشرُ مساعيه مساعيكم ... حتّى انطوت مثلكم تحت الثرى رمما\rفلو رآه زهيرٌ في شبيبته ... إذاً لفداه واختار الفدى هرما\rمن دوحة ما نمت إلاّ غصون علىً ... وكلّ غصن بماء المكرمات نما\rيا أسرة المجد لا زلتم بأسركم ... عقداً على نحر هذا الدهر منتظما\rصبراً بني الحلم إنّ الصبر منزلة ... حتّى لمن منكم لم يبلغوا الحلما\rوحسبكم مصطفى العلياء فهو لكم ... نعم الزعيم به شمل العلى التئما\rالفصل الرابع في الإعتذار\rقال عمّنا المهدي من قصيدة في عاب الحاج محمّد صالح كبّه أوّلها:\rنهضت تحمل عذراً وسلاما ... منهما تسقيك شهداً ومداما\rيقول فيها ويذكر رسالة عتب أرسلها معها:\rبليت في سيرها حتّى اغتدت ... لم تجد من تلكم البلوى عصاما\rمن ألوك صحبتها حملت ... من غليظ القول للعتب كلاما\rتأكل البيداء في أرجلها ... وتلفُّ الأرض سهلاً وأكاما\rمنها في المدح:\rملك دون علاه زحل ... ومن الآمل يدنو حيث قاما\rكفّه أجرت ينابيع الندى ... وعليها ازدحم النّاس ازدحاما\rما عسى أثني على من عبده ... كان في وجنة هذا الدهر شاما\rإلى أن يقول:\rيا جواداً لو غوادي كفّه ... مطرت بحراً به العالم عاما\rظنّ برق السحب منها خلّباً ... وغوادي كفّه عادت جهاما\rمالما أسديته من نائل ... طرف شكري عنه أمسى يتعامى\rلست ممّن يكفر النعمى سوى ... أنّ نفسي أنفت من أن تضاما\rولئن منّي ألوكٌ نقلت ... لك من ألحان أقوالي كلاما\rوبها لمتك لا أنّي أرى ... حسناً فيما جنوه أن تلاما\rإن رموا سيراً بسهم لم يصب ... فبهم أنشبت إعلاناً سهاما\rولهم من مقولي صلّ نقىً ... لم يروا منه رقىً إلاّ الحماما\rولك اقتصَّ لساني منهم ... وأراهم قوله حرباً عقاما\rوجلا من غارة القول التي ... أجلبوها عنك لا عنّي القتاما\rحيث أنّ النّاس لامتك ومذ ... قد كشف الأمر قالت لا ملاما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855684,"book_id":1863,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":194,"body":"الباب الخامس والعشرون في قافية النون\rوفيها ثلاثة فصول\rالفصل الأوّل في المديح\rقلت في مدحه:\rلازلت يا دهر تجلو منظر حسناً ... عن طلعة سعدها في يمنها اقترنا\rلماجد اشرقت في الكرخ غرّته ... شمساً تمزّق في أنوارها الدجنا\rأغرَّ سار فكان البدر ترمقه ... الدنيا وجاد فكان العارض الهتنا\rوكم سمعت بداع من لمكرمة ... فهل سمعت سواه من يقول أنا\rمحمّد حسن الأخلاق راحته ... البيضاء كم طوّقت جيد الورى مننا\rأما وحبوة علياه وما جمعت ... من الفخار وبرديه وما ضمنا\rلقد كسا مجده الزوراء باجمعها ... برداً من الفخر فيه فاخرت عدنا\rيا باسطاً للندى كفّاً بنائلها ... تبخّل الأجودين البحر والمزنا\rقسنا الورى فوجدناها الوهاد لكم ... جميعها ووجدناكم لها القننا\rوالحلم يولد فيما بينكم معكم ... يا خفّة الطود لو في طفلكم وزنا\rلا زال بيت علاكم للورى حرماً ... من راعه الدهر واستذرى به أمنا\rأنتم جواهر عقد الفخر لا برحت ... بكم تحلي يدا علياكم الزمنا\rأقول: فأمّا قولي:\rيا باسطاً للندى كفّاً بنائلها ... تبخّل الأجودين البحر والمزنا\rففيه التوشيع وهو من الوشيعة وهي الطريقة الواحدة في الروي المطلق، كأنّ الشاعر أهمل البيت كلّه إلاّ آخره فإنّه أتى فيه بطريقة تعدُّ من المحاسن وهو عبارة عن إتيان المتكلّم أو الشاعر باسم مثنّى في آخر الكلام، أو البيت لم يكن بعده إلاّ مفردان هما غير ذلك المثنّى، فيكون الأخير منهما هو قافية البيت أو سجعة الكلام كقول النبي ﵌: يشيب المرؤ وتشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل. وشاهده من النظم قول أبي تمام:\rإنّ الحمامين من بيض ومن سمر ... دلّوا الحيانين من ماء ومن عشب\rوقول أبي محمّد عمارة بن أبي الحسن الحكمي الشاعر المشهور ولقد أجاد فيما قال:\rحيث الخلافة مضروب سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن كرم\rوللإمامة أنوار مقدّسة ... تجلوا البغيضين من ظلم ومن ظلم\rوللنبوّة آيات تدلّ لنا ... على الخفيين من حكم ومن حكم\rوللمكارم أعلام تعلّمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم\rوللعلى السن تثني محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم\rفي أبيات آخر على هذا المنوال، والشواهد في هذا المقام كثيرة ولا طائل في الإكثار منها.\r\rالفصل الثاني في الرثاء\rلمّا توفّي محمّد الرضا خلف الفاضل محمّد الصالح، حملت جنازته من بغداد للنجف واجتازوا بها على الحلّة ولم أكن يومئذ بها ولم أعلم بالأمر حتّى عادوا، فقلت:\rنعم هذه يا دهر أُمّ المصائب ... فلا توعدني بعدها بالنوائب\rألا هلمّ فاستمع مقالي، وتعجب ممّا تصرّفت بي الليالي، هل رأيت مثلي فقيداً شطّ به المزار، فلا يدري بنفسه وهي قد خرجت من دار الدنيا إلى دار القرار.\r\rكفاني بهذا جوىً ما بقيت ... يجدّد في القلب داءً رغيها\rنعم وكلّما أردت النياحة في هذه المصيبة، أفحمني استعظام هذه النازلة الغريبة، فاعذل عن هذه الحبسة نفسي، وأتمنّى لو أنّني حبست قبلها برمسي، حتّى قالت لي النفس أجل، مالك سبق السيف إلى أوداجك العذل، ما عسى أن أقول ولمن أعزي وأنا الثكول، وعلى من أنوح وأنا الفقيدة، ولمن في اللحد أُنادي وأنا الملحودة.\r\rما أخطأك النائبات ... إذا أصابب من تحبُّ\rبلى، لا سمحت لك قريحة لبّي، أو تنوح عنّي بلسان حالي، وإلاّ فبحسبي نياحة قلبي، فاجتباها إليّ مقالها، وقلت على لسان حالها:\rأطوياني ملامة وانشراني ... بلغ الوجد حيث لا تبلغان\rقد عناني جوىً يطول وفيه ... يقصر اللوم عن مردّ عناني\rكيف عيني لم تغد بيضاء حزناً ... وهي قد أصبحت بلا إنسان\rإنّ صوت النعي مذ خاض سمعي ... خلته في حشاي غرب سنان\rوعضضت البنان غيظاً ولكن ... لا يفيد المكلوم عضَّ البنان\rفاعذراني إذا ربطت فؤادي ... بيدي وانطويت ممّا دهاني\rإنّ قلبي من دهشتي طار حزناً ... فغدا وهو دائم الخفقان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855685,"book_id":1863,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":195,"body":"كفكفا عن حشاي غرب ملامي ... من جراح الجوى بها ما كفاني\rأين منّي صبري لأرضى فأسلو ... صبري اليوم والرضا ميّتان\rأنا يا لائميّ أدرى بطبّي ... فاعذلاني ما عشت أو فاعذراني\rسلياني بردّ روحي وإلاّ ... فبماذا عنه إذاً سلواني\rقرباه فوق الثرى اليوم منّي ... أو فمنه تحت الثرى قرباني\rوأقبراه إذاً بقلبي وإلاّ ... فخذاني لقبره واقبراني\rوإلى جنب مهجتي وسداه ... أو إلى جنب جسمه وسّداني\rفحياتي وموته رزءآن ... لم أقدر عليَّ يجتمعان\rبل تخيّلت أن يعيش وأفنى ... أو سواء تضمّنا حفرتان\rلم أُفارقه أجنبيّاً ولكن ... هو روحي قد فارقت جثماني\rقد نشرنا ما بيننا الود دهراً ... فطواه الردى وليت طواني\rغمّضا ناظريَّ ما عشت غيضا ... فعلى من بعد الرضا تفتحان\rوزفيري ثقف حنايا ضلوعي ... فعلى ودّ من يبتن حواني\rوخطوب الزمان دونك شخصي ... فلك اليوم قد كشفت عياني\rنزعت عنّي الحوادث درعي ... فبمن أتّقي شبا الحدثان\rكم به قد لويت دهري وهذا ... دهري اليوم كيف شاء لواني\rلك أسمحت يا خطوب الزمان ... ذهبت نخوتي فهاك عناني\rقد أبانت حشاي فاستهدفيها ... نكبة طوّحت ضحىً بأبان\rراصدتني من حيث لست أراها ... أعين النائبات وهي تراني\rفرمتني من حيث لا أتّقيها ... بسهام الهموم والأحزان\rفأنا اليوم يا نوائب كلّي ... مقتل بارز لمن قد رماني\rكنت قدماً إذ ودّ نبلك عنّي ... ببناني فأين منّي بناني\rقد نعاه الناعي إليّ أيدري ... لا درى أنّه إليّ نعاني؟\rحملوه وخلفه كلّ عاف ... بدماه عيناه فائرتان\rعجباً خفّ نعشه وهو قد سار ... بثقل المعروف والإحسان\rبل أراه ما خفّ إذ سار لكن ... حملته ملائك الرحمان\rفاحملاني إلى ثراه احملاني ... وقفا بي عليه وقفة عاني\rيا فقيداً فقدت منه غماماً ... كلّما قلت قد ظمأت سقاني\rودفيناً دفنت منه حساماً ... كنت أعددته لحرب الزمان\rأغمدته في الترب كفّي فشلّت ... فات نصري وأبتُ بالخذلان\rشغلت منطقي عليه المراثي ... وخلا من هوى سواه جناني\rيا تراني أثني على منْ بمدح ... وهو من أجنّة يا تراني\rمات محيي الثنا ولولا أبوه ... قلت في لحده دفنت لساني\rذاك مولىً صفاته الغرُّ جائت ... في مزايا علياه طبق المعاني\rصالح الفعل راجح الفضل امن الم ... ستغثين غيث أهل الأماني\rورع ناسك تفرّغ لله ... بقلب من خوفه ملآن\rجامعاً قوّة الحميّة للدين ... انتصاراً ورقّة الإيمان\rوبعزّ الملوك يصبح مرهوباً ... ويمسي بذلّة الرهبان\rقد بنى للقرى على الكرخ بيتاً ... والتقى أسّ ذلك البنيان\rشارع الباب تلتقي طرق الأر ... ض جميعاً لديه بالضيفان\rرافعاً تحت ظلمة الليل للسا ... رين فيه ذوائب النيران\rكرماً قد أعدَّ للضيف فيه ... عدد الطارقين غرّ الجفان\rقلت للبحر هل تساويه يوماً ... قال كلاّ لا يستوي البحران\rوسألت الحيا أتحكيه جودا ... قال أين الباكي من الجذلان\rيا أباالمصطفى وحلمك أرسى ... في لقاء الخطوب من ثهلان\rلك نفس تقدّست وبها قد ... حزت أعلى مراتب العرفان\rفرّغ النفس من جوى الثكل يا من ... هو في الفضل ملؤ عين الزمان\rالباب السادس والعشرون في قافية الواو\rوفيها فصل واحد في المديح\rقلت في مدحه:\rأفحمتني وأنا المفوَّه ... وارق من أثنى ونوَّه\rإرتجت باب رويتي ... فتبدلّت ضعفاً بقوّه\rفافتح على ذهني أصف ... ما فيك من شرق الفتوّه\rوتدان من فكري فمج ... دك لم ينل فكرٌ علوّه\rأولست بالسيف الذي ... أمنت مرجوه نبوّه\rجمع الصباحة والسما ... حة والسجاحة والمروّه\rوحنا على الدنيا فلا ... فقدت بنو الدنيا حنوّه\rوأجدّ من رسم المكا ... رم ما شكت قدماً عفوّه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855686,"book_id":1863,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":196,"body":"محض الصنيعة لا كجو ... د سواه مصنوع مموّه\rفي كلّ يوم عنده ... حسنى يسوء بها عدوّه\rشرع كلا وقتيه أحر ... ز في الندى بهما سموّه\rفغدوه كرواحه ... ورواحه يحكي غدوّه\rوقد اشتملت هذه المقطوعة على اللزوم، وهذا القسم منهم من سمّاه لزوم ما لا يلزم، ومنهم من يسمّيه الإعنات، وقالوا جميعاً فيه: هو أن يلزم الناثر في نثره أو الشاعر في شعره قبل حرف الروي حرفاً فصاعداً على حسب قوّته مشروطاً بعدم التكلّف، وهو في مقطوعتنا هذه التزم أحد الواوين في القافية لأنّه غير لازم إذ يسوغ أن تكون القافية مثلاً غدوه أخوه، ومثل ذلك قصيدة كثير عزّة التي يقول فيها:\rخليلَيّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمّ احللا حيث حلّت\rفي التزام أحد اللامين وهي طويلة مشهورة. ومن الكتاب العزيز قوله تعالى: (وَالطُّور، وكتاب مَسْطُور) فالطاء في أحد الفاصلتين لزوم.\r\rالباب السابع والعشرون في قافية الهاء\rوفيها فصل واحد في المدح\rقلت فيه:\rباتت تعاطيني حميّاها ... بيضاء كالبدر محيّاها\rجائت من الفردوس تهدي لنا ... نفحة كافور بمسراها\rلولم تكن من حورها لم يكن ... رحيقها بين ثناياها\rذات قوام حبّذا بانة ... منه نسيم الدلّ ثنّاها\rووجنة تغنيك في شمّها ... عن شمّك الورد بريّاها\rبتُّ كما شئت بها ناعماً ... معانقاً مرتشفاً فاها\rفي روضة تروي شاذها الصبا ... عن حسن لا عن خزاماها\rمن لم يدع للفخر من غاية ... إلاّ وقد أحرز أقصاها\rلم تجر أهل السبق في شأوه ... إلاّ غدا العجز قصاراها\rذو راحة أغزر من ديمة ... تحلبها كفّ نعاماها\rتنميه من حيّ العلى أسرة ... أحلى من الشهد سجاياها\rهم أنجم الأرض بأنوارهم ... أضاء أقصاها وأدناها\rالباب الثامن والعشرون في قافية الياء\rوفيها فصل واحد في المديح\rقلت في مدحه:\rللمجد طلعتك البهيّه ... شمسٌ تشعّ على البريّه\rوبنان كفّك للندى ... وطفاء ساكبة رويّه\rولك المناقب في سما ... ء الفخر زاهرة مضيّه\rلا زلت يابن جلا هموم ... الوفد طلاّع الثنيّه\rكالطود حلمك أو تهزّك ... للثناء الأريحيّه\rأبني الزمان ورائكم ... عن هذه الرتب العليّه\rودعوا الفخار بأسره ... لا غرَّ بسّام العشيّه\rخير البريّة من تعيش ... على عوارفه البريّه\rهذا أبوالهادي الذي ... يعطي ويحتقر العطيّه\rلم يرض بالدنيا وما ... فيها لوافده هديّه\rكرماً تبشّر وفده ... بالنجح بهجته الوضيّه\rحلو الحميّا خلقه ... مرّ الحفاظ مع الحميّه\rفأمّا قولي:\rوبنان كفّك للندى ... وطفاء ساكبة رويّه\rففيه التضمين من قول بعضهم في رثاء الحسين ﵇:\rأمرر على جدث الحسين ... وقل لأعظمه الزكيّه\rيا أعظماً لا زلت من ... وطفاء ساكبة رويّه\rوقد صرفته عن معناه لأنّ ساكبة صفة للوطفاء ورويّة صفة للأعظم وقد جعلتهما كلاهما صفة للوطفاء. والتضمين هو أن يضمن الشاعر شعره شيئاً من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهوراً عند البلغاء، وإن كان مشهوراً فلا حاجة إلى التنبيه. قال البحتري في هجاء بعض النّاس:\rولقد رأيت البيض تأخذ درعه ... فذكرت عرض محمّد بن الهيثم\rغرض الأيور يقول عند لقائها ... ليس الكريم على القنا بمحرّم\rمزج المدح لإنسان بذمّ آخر وتضمّن من قول عنتر قوله: ليس الكريم على القنا بمحرّم، وهنا نادرة أحببت ذكرها وإن لم تكن من التضمين إلاّ أنّ فيها مناسبة لحال المهجو.\rقيل: إنّ الحسن بن وهيب وكان يُرمى بالأبنة استعرض غلاماً فقال: أكشف عن ساقيك وذراعيك وجعل يفتّشه والغلام يخجل، فقال له نجاح الكاتب: لا تخف إنّك أنت الأعلى.\rولبعضهم في الهزل:\rوباخل يشنؤ الأضياف حلَّ به ... ضيف من الصفع نزّال على القمم\rسألته ماالذي يشكو فجاوبني ... ضيف ألمَّ برأسي غير محتشم\rوالتضمين هذا من قول المتنبّي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855687,"book_id":1863,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":197,"body":"ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلاً منه بالقمم\rوقال ابن أبي الأصبع:\rإذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكّرت مابين العذيب وبارق\rويذكّرني من قدّها ومدامعي ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق\rوظريف قول ابن نباتة في الهزل:\rأقول لمعشر جلدوا ولاطوا ... وباتوا عاكفين على الملاح\rألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rأتنسى صدع أُمّك فوق أيري ... بذور كما يذور بني رياح\rتقول وقد جلست عليه إيه ... وقد قعدت على الورد الوقاح\rألسنا خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rفقلت دعي فليس أوان فخر ... ولا بأوان هجو وامتداح\rولكنّ الأوان أوان نيك ... وإدخال الفياشل في الفقاح\rوقال ابن نباتة:\rتصدّى إلى أيري فقلت له اثئد ... وحقّك لو عاينته وهو ثائر\rرأيت الذي لا كلّه أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صاير\rومن ظريف التضمين ما حكي أنّ الحيص بيص الشاعر قتل جرو كلب وهو سكران فأخذ أبوالقاسم القطان الشاعر كلبة وعلّق في رقبتها قصّة وأطلقها عند باب الوزير، فأخذت القصّه من عنقها وأدخلت على الوزير، فإذا فيها مكتوب:\rيا أهل بغداد إنّ الحيص بيص أتى ... بخزية أورثته العار في البلد\rأبدى شجاعته بالليل مجترياً ... على جري ضعيف البطش والجلد\rفأنشدت أُمّة بعد ما احتسبت ... دم الأبيلق عند الواحد الصمد\rأقول للنفس تأساءً وتعزية ... إحدى يديَّ أصابتني ولم ترد\rكلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي\rالبيتان الأخيران لامرأة من العرب قتل أخوها ابناً لها فقالتهما تسلية لنفسها.\rوقال بعضهم في قاض مات غلامه وبغلته معاً وضمن المثل، فقال:\rقالوا غلام القاضي وبغلته ... راحا جميعاً منه على البغته\rقلت لقد برح الزمان به ... لم يبق لا فوقه ولا تحته\rوقال آخر مضمّناً في مدح بعضهم:\rأستغفر الله أين الغيث منقطعاً ... من جوده وهو طول الدهر متّصل\rمن حاتمٌ عدّ عنه واطرح فيه ... في الجود لا بسواه يضرب المثل\rأين الذي برّه الآلاف يتبعها ... كرائم الخيل ممّن برّه الإبل\rلو مثل الجود سرحاً قال حاتمهم ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل\rوالأحسن في التضمين صرفه عن معناه الأصلي فمن ذلك قول أبي الحسن في تضمين قصيدة امرء القيس وجرّها إل مدح النبي ﵌ فقال:\rنبي الهدى قد قال للكفر نوره ... ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي\rتلا سوراً ما قولها بمعارض ... إذا هي نصّته ولا بمعطّل\rوقد تلاعب الشعراء بتضمين هذه القصيدة، فمن ذلك قول أبي منصور:\rأكتاب ديوان الرسائل مالكم ... تجمّلتم بل متّم بالتجمّل\rوأرزاقكم لا تستبين رسومها ... لما نسجتها من جنوب وشمئل\rإذا ما اشتكى الإفلاس والضر بعضكم ... تقولون لا تهلك أسىً وتحمّل\rحلفتم على باب الأمير كأنّكم ... قفانيك من ذكرى حبيب ومنزل\rوكتب بعضهم إلى ابن نباتة:\rأفي كلّ يوم منك عتب يسوئني ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل\rوترمي على طول المدى متجنّياً ... بسهميك في أعشار قلب مقتل\rفي أبيات طويلة فأجابه متهكّماً:\rفطمت ولائي ثمّ أقبلت عاتباً ... أفاطم مهلاً بعض هذا التدلّل\rبروحي ألفاظ تعرّض عتبها ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل\rفأحييت ودّاً كان كالرسم عافياً ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل\rومن التضمين الغريب ما اخترعه الصاحب فخرالدين في مداعبة رجل من أصحابه كبير الأنف وهو:\rتأنّف عن وصف الغزال تغزّلي ... بلحية أنف ذي حقاف عقنقل\rمن البق فيها جملة قد تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل\rفياقبح شعر فوق أنف معرقف ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل\rترى القمل والضبيان في عرصاتها ... وقيعانها كانّه حبّ فلفل\rكأنّ الفسا إن قيس مع ريح أنفه ... نسيم الصبا جائت بريا القرنفل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855688,"book_id":1863,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":198,"body":"والشواهد في هذا النوع كثيرة، وما أحلى قول بعضهم وكان مغرماً بالتضمين:\rأُطالع كلّ ديوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيري\rأضمّن كلّ بيت فيه معنىً ... فشعري نصفه من شعر غيري\rتمّت الأبواب بعون الملك الوهّاب، وتتلوها خاتمة الكتاب.\r\rخاتمة الكتاب\rوفيها فصول\rفصل في نبذة من رسائلي له\rكتبت إليه بهذه الرسالة جواباً عن رسالة بعث بها إليّ:\rفي فمي لم يزل لذكرك نشر ... طيب واختبر بذاك النسيما\rوبمرآة فكرتي لم يزل شخ ... صك نصب العينين منّي مقيما\rوعلى النحر من علاك ثنائي ... ليس ينفك عقده منظوما\rلا تظنّ العباد يحجب عنّي ... منك ذيّالك المحيّا الكريما\rفوشوقي وموقع الودّ منّي ... قسماً لا أراه إلاّ عظيما\rأنت عندي بالذكر أحضر من قل ... بي بقلبي فكن بذاك عليما\rلست أقوى لحمل عتبك يا من ... حملت فخره المعالي قديما\rفاثن من غرب عتبك اليوم عنّي ... فيه قد تركت قلبي كليما\rإنّي ومن جعلك ريحانة الأديب، وسلوة الغريب، لم أستوجب منك كلّ هذا العتاب، ولم أستجلب بمسائة كلّ هذا الخطاب، وهبني أسأت فأين العفو والكرم، ولعمري لقد تجرّمت عَلَيّ فلا جرم، إنّي أعتذر الآن فأقول ما حلت إزرار جيبها الصبا، ولا فتحت إكمام النور على الربى، بأوقع في النفس، وأشغل للحواس من الخمس، من بديع بيان، كأنّه قطع جنان، يجلو بواضح الإعتذار ظلمة العتب، ويمحو بصادق التنصّل كاذب الذنب، من محبّ صدع التقريع منه الأحشاء، وأرمضت قلبه هواجر الإستجفاء، إلى من حنوت له ولا حنواً المرضعات على العرام، وعذوت له الحبّ ولا غذاء الآباء طرائف الهيام، حتّى شبّ وليد شوقي إليه على الشغف، ونشا طفل ولوعي به في حجر الصبابة والكلف، وحتّى سكنت نفسي إلى هواه، سكون الجفن الساهر إلى كراه، أعني به جوهرة الزمن، وغرّة وجهه الحسن، أنمى الله غصن شبيبته على الفضائل، وشدّ إزر المعروف من عطائه بواصل.\r\rفله أياد لا تزال ... سمائها كرماً مخيله\rونقيبة ما غيّرت ... في الجود عادتها الجميله\rويد كضرع الغيث ... يمخضها الرجا مخض الثميله\rأمّا بعد؛ فحين وصلت إليّ عقيلة فكرك، وجميلة نظامك ونثرك، طرحت عنها الإزار، وحللت من غلالتها الإزرار، ثمّ قبلت منها فتاة يزري بفتات المسك خلوقها، وبابنة العنقود راووقها، فشفت بعذب كلامها غلّة صدري، ونفثت بسحر بيانها في عقد صبري، قد نشرت لدي حديث واصل، ثمّ بسطت على لسان عاذل، فأباتني تأنيبها مبيتاً نابغي، وقلّبني توبيخها في مضجع ابن هاني المغربي، بل كلّما ضرب الليل على الأُفق رواقه، وعقد على الشفق إزراره ونطاقه، أمسي وهمومي القارعة، وأفلاذ كبدي الواقعة، وفاتحة الرعد سائغ ريقي، وخاتمة الأعلى في شرايين أوردتي ووشائج عروقي، وآرائي في الشعراء، وأحشائي ما جعله الخليل وسط الأنبياء، تقريباً بلا استثناء، وكلّما فلق الصبح بعموده هامة الغسق، وشهر خاضباً من وريد الظلام سيفه الشفق، أصبح ولسان حالي، يترجم عن لسان مقالي، إذا رأيت قوماً، إنّي نذرت للرحمان صوماً.\rفوا عجباه والدهر سلك عجائب، والأيّام مثرية من الغرايب، كيف يتطرّق إلى وهم، أو يتصوّر في خيال أخي وهم، إنّي في تياك المودّة أشقى، بعد ما تمسّكت منها بالعروة الوثقى، لا وعافاك الله من العلل، وبلغك منتهى المجد وقد فعل، لا يلهو عن تلك المحبّة عميدها، ولا يخلق على تعاقب الليالي والأيّام جديدها، وليت شعري اعتاض عنك، بأيّ بدل منك، ولمن أربى مولود الوفاء، وإلى من أزفّ عروس الإخلاص والصفاء، وملتمس الثقة، لا يداع المقه، كالمرتبع بواد غير ذي زرع، والمنتجع في بواد خالية اللمع، والمغترف من الراب الخادع، والقابض على الماء خانته فروج الأصابع، فهم ومن جعلكم جواهر الزمن، حريون بقول المهيار أبي الحسن:\rخلق إذا حدّثت عن أخلاقها ... فكأنّما كشّفت عن سوآتها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855689,"book_id":1863,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":199,"body":"وأمّا وعليا أبيك، وخلاله الصالحة التي اجتمعت فيك، لا أنت على بعدك، يا نسيج وحدك، ثاني النفس لدي، وثالث عيني بل أعزّ منها عَلَيّ، وما تركت المواجهه رغبة عن المشافهه، ولا المراسله رغبة عن المواصلة، كلاّ بل لعوائق طاريه، وشواغل غير متناهيه، تلهي الحليم عن نفسه، وتنسيه يومه فضلاً عن أمسه، ولولاها:\rلنثرت حبّات الفؤاد الوكةً ... ونظمتها شوقاً إليك قريضا\rوكتبت إلى أخيه الحاج محمّد رضا بهذه الرسالة وصدّرتها بهذه الأبيات:\rأغضَّ النسيم تحمل سلامي ... فحيّ بريّاه دار السلام\rسلام محبّ عريق الوداد ... غريق الفؤاد ببحر الغرام\rيميت بشوق بياض النهار ... ويحيي بتوق سواد الظلام\rوتهفوا نوازع أشواقه ... بلبّ حشاشته المستهام\rيطالع بالفكر وجه الحبى ... فيحظى برؤية بدر التمام\rحبيب أروح قلبي العليل ... من ذكره بنسيم المدام\rوشوقي إلى درّ ألفاظه ... كشوق الرياض لدرّ الغمام\rممّن سكن روحه بمحاني الزوراء، وأقام جسمه بمعاني الفيحاء، إقامة المغترب عن وطنه، اللابث في غير عطنه، لا يملك على الخفوق، أثناء قلبه المشوق، ولا يلقى سمعه إلى نديم، ولو كان من أفصح الأنام، ولا يرتاح إلى مفاكه، ولو كان من ولدان النعيم، عبق الكلام، ولا ينظر إلاّ بعين إنسيّة الأجفان، وحشيّة الإنسان، قد عرفت أماقها الأرق، وأنكرت أحداقها الرفق، لم تفتح على أُناس بصرها، إلاّ استوحشت منه فغضّت عنهم نظرها.\r\rأتأنس في فتح أجفانها ... عيوني في غير إنسانها\rويخلص يوماً لنفسي السرور ... إذا واصلت غير خلصانها\rإذاً كذبت في ادّعاء الوداد ... نفسي وما الكذب من شانها\rنعم عندها الغدر بعد الوفاء ... هو الكفر من بعد إيمانها\rعلى أنّي لم أبرح مسائي وصباحي، وغدوي ورواحي، وعشيّي وإبكاري، وأصيلي وأسحاري، حرج الصدر، متشعّب الفكر، ملوي الحشاشة على حسرات متعاليه، مطوي الجوانح على زفرات إلى التراقي متراقيه، من لوعة غير ماضيه، أقتل من ماضية الحد، وصبابة كأنّها جمرة ذاكية الوقد، فإذا غشيني الدجى بغياهبه، ورقدت الورى أحصيت عدد كواكبه، بعين ابن شوق نسيت أجفانه الكرى، وإذا نضا الليل عنّي ثياب ظلمائه، وألبسني النهار جلباب ضيائه، أقبلت على نفسي أُعلّلها بوشيك التداني، وأسلى غلّة شوقها بسراب الأماني، فتذمّ من أمسها ما استدبرت، وتحمد من يومها ما استقبلت، حتّى يأكل فم الغروب قرص الشمس، ولم تحصل من الرجاء إلاّ على اليأس، ولمّا لم يبق لي في قوس الآمال منزع، ولا في مطمعات الأماني مطمع، سبرت بعين البصيرة والعقل، مذاهب طرق الوصل، فوجدتها على ثلاثة أنحاء، بين أهل المودّة والإخاء، إمّا بمشاهدة العيان على القرب، أو حضور الحبيب في مهجة المحب، أو بثّ الشوق إليه والوجد، بالمراسلة على البعد، فألفيت أوّلها مستحيلا، بعد أن طلبته بكرة وأصيلا، وأمّا الثاني، فما عداني، وحين وصلت بالنظر طريقها الثالث، وقطعت عن أوّلها قرينة البواعث، وجدت نفسي مقصرةً في عدم إتيانه، لاقتدارها عليه مع شدّة إمكانه فلم أزل أوبّخها في ذلك وألومها، وأعذلها والندم فيما هنالك نديمها، إلى أن تمنّت من شدّة الخجل، لو سبق السيف إليها ذلك العذل، وقد أخرسها الذنب، وأفحمها العتب، لأنّها قطعت لسان عذرها، في شباة هجرها، حيث أنّها وإن طلبت من أنواع المواصلة أطيبها، وأكملها لذّةً وأعذبها، إلاّ أنّ ما لا يدرك أجله، لا يترك أقله، ولكن منها هذه الزلّة، صدرت مع ماجد شابه فرعه أصله، ووصف طيب أخلاقه، كريم أعراقه، ولذلك نهضت بعد كبوتها، بأذيال هفوتها، وسلكت إلى المواصلة، بطريق المراسلة، وإلى المخاطبة بالمكاتبة، ومع ذلك فهي تستمدّ اللطف، وترجو الصفح، وتأمّل قبول العذر والسلام.\rوكتبت إليه هذه الرسالة أيضاً:\rفما روضة مرشوفة عن عبيرها ... تحدّثن أنفاس الصبا والجنائب\rبأطيب عرفاً من سلام بنشره ... يعطّر فاه كلّ راو وخاطب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855690,"book_id":1863,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":200,"body":"ترفعه عوامل شوق تنازعت خلدي، وجلبت السقم في تصرّفها إلى كبدي، فنسخت جميل صبري، وأطالت اشتغال فكري، إلى حضرة من نصب الله على التمييز علم فخره، فانخفضت بالإضافة إلى عزّه جميع أبناء دهره، وجزمت بنوا الدنيا أنّه في السماحة البحر المحيط، إذ بسط لها بالعطاء كفّاً استغرق وافر جودها ما حوته دائرة البسيط، فأقال به من كبوة الجدّ عثارها، حتّى سلمت له بالفضل إقرارها، فهو في أصله الذي عرقت به العلياء، كما قلت فيه مخاطباً له بهذه الثناء:\rيا أمجد الناس فرعاً ... ينمى لأكرم أصل\rوقاتل المحلّ جوداً ... في كلّ أزمة محل\rوابن القرى ولعمري ... أبوك زاد المقلّ\rلا يستشار سواه ... في كلّ عقد وحلّ\rالموقد النّار ليلاً ... للطارق المستدلّ\rمرفوعة وعليها ... مراجل الزاد تغلي\rيمتدّ منها لسان ... إلى السّماء متجلّي\rحتّى يضيء سناه ... في كلّ حزن وسهل\rيدعوا الضيوف هلمّوا ... إلى القرى لمحلّي\rفيهتدي بسناه ... إليه كلّ مضلّ\rأكرم به من كريم ... له انتهى كلّ فضل\rوالخلق منك ومنه ... مثلان من غير مثل\rهذا مجاجة مسك ... وذاك شهدة نحل\rيفدي علاك ابن خفض ... ساع برجل ابن ذل\rيبغي العلى وهو شيخ ... همّ بهمّة طفل\rوهل تنال الثريّا ... عفواً بباع أشل\rوماله في طريق ... العلياء موطىء نعل\rولا له حوض جود ... يرجى لعل ونهل\rإلاّ حقيقة بخل ... تبدو بصورة بذل\rولعمري كيف ينالها، وهي علاء ماجد تفرع من دوحة ضربت في طينة المجد أرومها، وأخذ بأطراف الشرف حديثها وقديمها، فهو ينتمي منها إلى نسب كريم الطرفين، وحسب لم يزن معشار فخره فخار الثقلين، ذاك صفوة المكارم، من أبنائها الأكارم، رفع الله قواعد مجده، وخفّض حواسد جدّه، وجعل كوكب سعده طالعاً في سماء الفخار، ما استدار الفلك الدوّار.\r\rدعاء إخلاص إذا رفعته ... قال الحفيظان معي آمينا\rأمّا بعد؛ فالغرض من توشيع هذه الألوكة وتسهيمها، وترصيف منثورها ومنظومها، بثُّ وجد حركت ساكنه الذكرى، وترويح كبد أرمضتها هواجر البعد فغودرت حرّى، وتعليل نفس لم تزل من ثنايا الشوق إليكم متطلّعه، ولأخباركم من فم الصادر والوارد لم تزل منتجعه، ليرد عليها في ارتيادها، ما يجلب المسرّة إلى فوآدها، من صحّة أجسادكم التي هي لجسم الزمان أرواح تدبّره، وصفاء أيّامكم التي هي أوضاح هذا الدهر وغرره، وصّل الله عزّكم بيمن إقبالها، وقرن لكم بعمر الدهر غضارة اقتبالها، فلست أسأل غيرك من محقّق الحقائق، في كلّ غاسق وشارق، والسلام عليكم، ما رفّ فوآدي بأجنحة الشوق إليكم.\rوكتبت إليه بهذه الرسالة أيضاً:\rنسخت ولم يحص اشتياقي ولو له ... جميع الذي قد ضمّه الكون ناسخ\rلقد دان قلبي في شريعة حبّكم ... فليس له حتّى القيامة ناسخ\rسلام فتقت نور زهره صبا الحب، وأعربت أنفاس نشره عن طي سريرة الصب، ورقّت ألفاظه حتّى سرق النسيم طبعه من رقّتها، ونفحت بريا الإخلاص فقراته حتّى استعار العنبر المحض طيبه من نفحتها، وما هي فقرات في الطروس قد رسمت، بل روح محب أذابها الشوق وفي قالب الألفاظ تجسّمت، فلو نشق أرواح عرفها من غشيته سكرات الموت لصحا، ولو سرح النظر في لؤلؤ ألفاظها ذوالطبع السليم لسحرت عقله ماس منها مرحا.\r\rعرائس لفظ حكى مسكها ... على الطرس أنفاس ريح الصبا\rرقاق كرقّة قلب المحب ... وخدّ الحبيب بعصر الصبا\rحكت في العذوبة أخلاق من ... له أهديت وإليها صبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855691,"book_id":1863,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":201,"body":"من محبّ قطع قلبه الشوق الملح، وبرح به الغرام المبرح، وحال من البعاد بينه وبين حبيبه، ما أوقد في أحشائه سعير وجد إذا انحنت عليه أضلاعه تجافت عن لهيبه، وغودر جنباه من تلهّب أنفاسه الحرار، يرسل عليهما شواظ من نار، وكاد في تصاعد حريق زفرته، يضرم الهواء ناراً في كرّته، وحشدت جحافل الغرام في منحني ضلوعه، وانتجعت سفح عقيق دموعه، فهي تستدير عينه دموعها في كلّ آن، فتنبعث كأنّهنّ الياقوت والمرجان، وأوطنت الصبابة في غوير لبّه، وقوّض السلو عن غضا قلبه، وحال من مترادفات الأشجان، بينهما برزخ لا يبغيان، وأوشك الفراق أن ينسف طود حلمه بريح عقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلاّ جعلته كالرميم، فلا يتناهى في تحرير نعنت شوقه الكلام، ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام، إلى من حلقت به قدامي شرفه، فقصّر كلّ محلق عن شأو علاه التي أحرزها عن سلفه، وغذي بلبان العلياء إلى أن بحجرها نشا، وارتشف مدامة حبّها إلى أن انتشى، وطابت منه الخليقة، فكانت بما قلت فيها خليقة.\r\rيا طيب أخلاق كريم روى ... السامع عنها ما رأى المبصر\rبأنّها أطيب من روضة ... طينتها مازجها العنبر\rلو مزج الماء بها شارب ... ما شكَّ فيه أنّه الكوثر\rندب له في حلبات العلى ... دون الأنام الورد والمصدر\rكأنّ من يأوي إلى بشره ... من وحشة في روضة يحبر\rمعارج العلياء مرصودة ... ليس عليها غيره يظهر\rالفصيح الذي عقدت عليه الفصاحة حبك نطاقها، والبليغ الذي مدّت فوق البلاغة رفيع رواقها، والماجد الذي سمح الدهر بجوده، فدلّ على نفي بخل الدهر وإثبات جوده، وأحيى به روضة الأدب بعد ما ذوت، وأجدّ به ربوع الفضل بعد ما عفت، ورفع به سماء المجد بعد هبوطها، واقام به أعمدة السؤدد بعد سقوطها، وأقرّ عيون السماح منه بإنسانها، ووصل بيمين المعروف منه ببنانها، ونشر به جميع ما طوى من المحاسن العجيبه، وأظهر به ما أخفى من بدايع الكلمات الغريبه، فهو من أهل زمانه بمنزلة الروح من الجسد، والواسطة من العقد المنضّد، فأكرم به من ماجد بهيج تعشوا من ضوء صباح محيّاه نواظر الرائين إذا ملأت من نوره البصر، وأعجب به من فطن تعشوا في ظلام الأشكال إلى مصباح ذكاه بصائر ذوي النظر، لا زالت شمس إقباله طالعة في أعلى بروج المراتب، وكوكب سعده ثاقباً في سماء شرفه التي يتمنّى أن يحلّ فيها سعد الكواكب، ولا برح طائر اليمن له مزجورا، وروض مسرّته غضّاً مونقاً نضيرا، بمحمّد وآله المبرّئين من الزلل، وصحبه الذين مالهم في التقى من مثل.\rأمّا بعد؛ فإنّي لم أزل فيك للغرام نديماً، وعلى الصبابة حيثما رحلت مقيماً، تذهب بي الأشواق كلّ مذهب، وطرف عيني لم يزل في آفاق السماء مقلب، فكأنّ عيني وقد نبت عن إغضائها، ووكلت بعدّ النجوم وإحصائها.\r\rأنا أحصي النجوم فيك ولكن ... لذنوب الزمان لست بمحصي\rغير أنّي كلّما ألحّ على قلبي الجوى فأضناه، روّحته بذكراك فتنتعش بعد الضعف قواه، وبينا أعلّل نفسي بذكر الوصال، وهي من شدّة الشوق تتمثّل بذكر من قال:\rولم أر مثل قطع الشوق قلبه ... على أنّه يحكي قساوته الصخر\rإذ وردت منك إليّ رسالة بديعة الكلام، حسنة النسق والإنسجام، قد افتتحت بزهر السلام روضة كلماتها، وختمت بمسك الثناء عقود فقراتها، فنشقت منها نسيم المودّة حين نشرت لدي، واقتطفت منها نور المحبّة حين قُرئت عَلَيّ، وهزّني إليها الطرب، وملكني بها العجب، ولمّا استوقفت النظر فيها، وأجلت الفكر في ألفاظها ومعانيها، سكرت من كؤس ألفاظها ولا جام، بمدامة معانيها ولا مدام، قد ابتدأت برفع خبر الشوق نحوالخليل، وأنهت إليه الجزم بتمييزه فيما بنيت عليه من مضمر الحب وظاهر المدح الجليل، وأنبأت فيما أكّدت من الشوق أن لا بدل من الصب عند صبّه، وأن لا عوض عنه حين نعتت من اشتغال قلب الحبيب بمحبّه، وإنّ هوى الخليل مقصور على خليله في كلّ أحواله، بالإضافة إلى عدم الإستثناء في حذف عذاله، وصرحت عن إلغاء مقالة الحسّاد، وإثبات ما راموا نفيه من المحبّة والوداد، فطفقت أكسوها من استبرق المدائح برداً أحكم فكري نسجه، وأحلّيها بعقود الثناء، وإن لم تزد حسنها بهاء وبهجه.\r\rأطرسك أم خدُّ عذراء بكر ... وذا درُّ لفظك أم لفظ در","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855692,"book_id":1863,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":202,"body":"سحرت غداة فضضت الختام ... عنه كأنّ لفظه نفث سحر\rوشكّكني حسن تنميقه ... أوشي بنانك أم وشي زهر\rفناهيك بها من مبلغة أوعزت فأوجزت، ومفصحة لما فيه لكلّ منطيق أعجزت، قد حملت جزيل الحمد من مبادر بشكره، إلى من تقدّم إليه بمدح مجده وتنويه قدره، فنسأل الله سبحانه أن يجعل عزّكم ملازماً للدوام ما بقي الدهر، ويصل بالبقاء ما خلع عليكم من مطارف الوقار والفخر، إنّه على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.\rولمّا قدم قطب دائرة الوزراء والي بغداد المعظم أحمد مدحت باشا نظم بيتين يتخمّس بهما وهما قوله:\rفلا والقنا والمرهفات البواتر ... فلا ترة أبقيت لي عند واتر\rأيذهب خصم في دم لي مضيّع ... ولست أذيق الخصم طعم البواتر\rفكتب إليّ الحاج مصطفى إلى الحلّة يستجثني بعد الإلتماس على تشطيرهما وتخميسمها وإن أنثر مع ذلك نبذة في مدح الوالي المشار إليه، وأن أنظم من الشعر ما يحسن به الثناء عليه، وذكر أنّه حضر في بعض تلك المجالس وجرى ذكر البيتين فضمن التشطير والتخميس ثمّ ألزمني بذلك وحثّني على الإستعجال فأجبته وقلت مصدّراً للنثر بهذين البيتين مورياً فيهما باسم الوالي المقدم ذكره:\rلي قواف في جنبها البحر رشحه ... سلسلتها روية لي سمحه\rمدح الدهر حسنها غير أنّي ... لست أرضى بها لأحمد مدحه\rذاك من ألحف بيضة الإسلام جناح ظلّه، وأقام دون حوزة الملك سرّاً من زبر آرائه ونصله، ومدَّ غطاء الأمن على الدين، وبسط العدل بين جميع المسلمين، قد اصطفاه حضرة مصدر التأمير للرياسة، وأرسله على حين فترة من التدبير والسياسة، فجاء بعد ما غاضت بحيرة البراعة، وخمدت نيران البأس والشجاعة، جامعاً بين آية النصل، ومعجز المقال الفصل، تنفجر من بنانه ينابع الكرم، وتفرق عن بيانه جوامع الحكم، حتّى هتف لسان العراق، الآن برزت شمس العدل باهرة الإشراق، ودرّ حلب البراعة، ونطق بعد الإفحام لسان البراعة، واستطيبت نفحات غوالي الفضل، بعد ما منع من شمّها زكام الجهل، وقام وزن الآداب بعد كا كسدت منها البضايع، حين نجم مشتري زهرة الكمال في حضرةِ فلكيّة المطالع، كما قلت فيها:\rحضرة مولىً سواه ليس يرى ... في غير هذا الزمان إنسان\rمذ شبّ يكسي العلى ومرهفه ... شاب به الدهر وهو عريان\rفأرض أفنيتها الشرف، ونديم أنديتها الظرف، وخلّتاها الشجاعة والكرم، وخادماها السيف والقلم، وسفيراها العلاء والمجد، وسميراها الثناء والحمد، والهيبة حاجب طراقها، والعزّة خفير رواقها، ويحقّ هاهنا الإنشاء، وإن كان قاصراً لسان الهيبة والثناء:\rرواقك ذالا بل وليجة خادر ... بل الليث يخطو دونه خطو قاصر\rلك العسكر الجرّار والهيبة التي ... مخافتها تكفيك جرّ العساكر\rخطبت الوغى بالرمحوالسيف شاغلا ... لسانيهما بين الكلا والمغافر\rفسيفك فيها ناثر غير ناظم ... ورمحك فيها ناظم غير ناثر\rوكم من عدوّ قد خلقت لقلبه ... جناحين من ذعر ورعب مخامر\rفهابك حتّى ساعة السلم لم يكن ... ليلقاك إلاّ في حشىً منك طائر\rوخافك حتّى حين يخلو بسرّه ... كأنّ رقيباً منك خلف السرائر\rطلعت ثنيّات التجارب كلّها ... فصرت ترى بالورد ما بالمصادر\rرويد الأعادي إنّ حزمك عوده ... على الغمز يوماً لا يلين لهاصر\rوإن جهلت يوماً حسامك فلتسل ... به هامها عن عهده بالمغافر\rلك القلم النفّاث في عقد النهى ... بديع بيان من معان سواحر\rفوالله ما أدري أهل نثر ساحر ... على الطرس يبدو منه أم سحر ناثر\rوفكرك يوحي أيّ نظم وإنّها ... لقول كيم جلّ لا قول شاعر\rهذا ولقد رغدت سماء ذلك الفكر المدار، فقرعت سمع الأعداء بصاعقتين يخطب منهم برقهما القلوب والأبصار، قد أوشكت أن تطلع على نفوسهم منهما الآجال، إذ تحمّس بهما فقال:\rفلا والقنا والمرهفات البواتر ... فلا ترةً أبقيت لي عند واتر\rأيذهب خصم في دم لي مضيّع ... ولست أذيق الخصم طعم البواتر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855693,"book_id":1863,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":203,"body":"هذا والله الشعر الذي تكاد تقطر منه الحماسة دما، وتجبن عن إنشاده الثريا حتّى لو كانت للأسد فما، وحيث فاض على الأسماع صوب هذين العارضين، وصقل الخواطر والطباع لمع هذين البارقين، رجوت على قلّة البضاعة، ونزارة الإطّلاع في هذه الصناعة، أن أنخرط في سلك من شكر، وأكون في نظم من خمّس وشطر، فقلت لا متحمّساً، بل على سبيل الحكاية مخمّساً:\rأثرت الثرى نقعاً بكرّ الضوامر ... إلى أن تركت الدهر أعمى النواظر\rفقل للعدى أمنّا شفى الكرُّ خاطري ... فلا والقنا والمرهفات البواتر\rفلا ترةً أبقيت لي عند واترأبحتكم للعفو أبرد مشرع ... غداه غسلتم كلّ جرح بمدمع\rطمعتم لعمر الله في غير مطمع ... أيذهب خصم في دم لي مضيّع\rولست أذيق الخصم طعم البواترثمّ أقمت إلى جنب كلّ شطر جليل، خادماً له من نظام جميل، فقلت مشطّراً:\r\"فلا والقنا والمرهفات البواتر\" ... عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادر\rلقد صلت حتّى قلت حسبي من الوغى ... \"فلا ترةً أبقيت لي عند واتر\"\r\"أيذهب خصم في دم لي مضيّع\" ... وسيف حفاظي فلَّ صرف الدوائر\rفكيف تذوق النوم عيناي لحظة ... \"ولست أذيق الخصم طعم البواتر\"\rثمّ رأيت أن أخمّس هذا التشطير، تلذّذا بمعاودة الفكر إلى ذلك النظام الخطير، فقلت:\rسطوت فلمّا لم أدع غير صاغر ... عفوت إلى أن لم أجد غير شاكر\rرعى الله صفحي عن عظيم الجرائر ... فلا والقنا والمرهفات البواتر\rعن الخصم لم أصفح سوى صفح قادرحملت له أثقال عزمي وقد طغى ... على عود هذا الدهر حتّى بها رغا\rفلا وأبي لم يبق لي بعد مبتغى ... لقد صلت حتّى قلت حسبي من الوغى\rفلا ترةً أبقيت لي عند واترضمنت على سيفي بهمّة أروع ... دم المجد من خصمي لأكرم مودع\rفلست له ابناً أن يضع عند مدّعي ... أيذهب خصم في دم لي مضيّع\rولست أذيق الخصم طعم البواترأبى جدُّ سيفي أن أُكلّم لفظة ... بغير شباه من أرى فيه غلظة\rلقد أطعمت عيني الحفيظة يقظة ... فكيف تذوق النوم عيناي لحظة\rولست أذيق الخصم طعم البواترثمّ شفّعته بهذه المقطوعة، وإن لم تكن لائقة لتلك الحضرة الرفيعة:\rأثنت عليك بأسرها الدول ... وتشوّقت الأعصر الأول\rوأعدت للأيّام جدّتها ... فاليوم عمر الدهر مقتبل\rوأرى الممالك يابن بجدتها ... لك شكرها كنداك متّصل\rأوسعتها وفضّلتها كرماً ... عنه يضيق السهل والجبل\rوسبرت غور زمانها فغدا ... لا جرح إلاّ هو مندمل\rمافي الحياة لخالع أمل ... أنت الحمام وسيفك الأجل\rمن ذا يردُّ لعزمتيك شباً ... وشباك يقطع قبلما يصل\rلو شئت قتل الدهر ثمّ درى ... لقضى عليه قبلك الوجل\rإن تنتعل قمم الملوك فقد ... توجّتهم بالفخر لو عقلوا\rوطأت لك الدنيا باخمصها ... همم بساط نعالها القلل\rولئت أقمت بحيث أنت وقد ... أمنت بك الأقطار والسبل\rفالأرض حيث تجوسها بلد ... والناس حيث تسوسها رجل\rوإذا الصواهل أرعدت وعلا ... برق الصوارم أمطر الأسل\rوعلت رياح الموت خافقة ... بأجشَّ قسطله له زجل\rخضت السيوف وكلّها لجج ... تحت الرماح وكلّها ظلل\rوجنيت عزَّ الملك محتكما ... من حيث نبت في الكلا الذبل\rولديك آراءٌ مثقفة ... ما مسّة اكمثقّف خطل\rفإذا طعنت بها العدا وصلت ... منهم لحيث السمر لا تصل\rوعزائم كالشهب ثاقبة ... في كلّ ناحية لها شعل\rقل للقبائل لا نعدّكم ... جمع القبائل كلّها رجل\rأسدٌ قلوب عداه من فرق ... ذهلٌ ونابل فكره ثعل\rفاطرح أحاديث الكرام له ... فبه لكلّ منهم مثل\rواترك تفاصيل الملوك فقد ... أغنتك عنها هذه الجمل\rيابن الوزارة أنت واحدها ... لا راعها بفراقك الثكل\rومن ادّعى للعين ليس سوى ... إنسانها ابن تشهد المقل\rفأقم وبدرك كامل أبداً ... والبدر منتقص ومنتقل\rفي دولة صلحت وزارتها ... لك فهي تحسدها بك الدول\rفصل في رسائله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855694,"book_id":1863,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":204,"body":"لمّا ورد أخوه المصطفى إلى الحلّة الفيحاء مع قطب دائرة الولاية المنصور المؤيّد \"عاكف باشا\" ونزلا دار رئيس علمائها وزعيم فضلائها السيّد مهدي القزويني دام علاه، فكتب المصطفى بيتين قالهما على لسانه ارتجالاً علم العلم المشهور السيّد محمّد بن السيّد مهدي المذكور وأرسلها إلى أخيه مع البرق \"التلغراف\" وهما:\rببابل طاب عيشي ... مابين روض أنيق\rفصرت نعمان دهري ... لو أنّ عندي شقيقي\rفأجابه الجناب الحاج محمّد حسن في الحال على سبيل الإرتجال وأرسلهما إليه في التلغراف وفيهما التورية:\rرصافتي رصفتها ... مدامعي بالعقيق\rبها صبغت الأفاحي ... لكي تريني شقيقي\rفأجابه جناب السيّد المذكور عن لسان جناب الحاج مصطفى أيضاً وذلك في التلغراف أيضاً وفيها التضمين:\rلقد سحرتني بابل فاستمالني ... هواها عن الزوراء من حيث لا أدري\rولو لم يكن فيها هجرت لأجلها ... \"عيون المها بين الرصافة والجسر\"\rفأجابه الحاج محمّد حسن في الحال بلسان البرق \"التلغراف\":\rأتسحر مثل المصطفى أرض بابل ... وإن حلَّ فيها ثالث الشمس والبدر\rوهذي عصا موسى أخيه بكفّه ... ترآئت فما أبقت لبابل من سحر\rوكتب أيضاً إلى أخيه المذكور هذين البيتين بالتلغراف جواباً عن تلغراف كتبه إليه:\rوافت الوكة سيّد شفت كما ... شفّ النسيم وخلقه والماء\rتحكي هلال العيد عن متيّم ... هو والتصبّر واصلٌ والراء\rولمّا وصل جناب الحاج مصطفى إلى بغداد بعث إلى الحلّة للشريف أبي موسى الميرزا جعفر نجل علاّمة العلماء السيّد مهدي القزويني الحسيني هذين البيتين وأرسلهما مع البرق والإنشاء لأخيه الحسن:\rلم أنس عهد مغان فيك مزهزة ... قد أنستني فأنستني بك الوطنا\rفما تجاوزت ميلاً عنك مرتحلاً ... حتّى اكتحلت بسهد يطرد الوسنا\rفأجابه الميرزا المذكور برقياً أيضاً وفيها التورية باسمه واسم أخيه جناب الحاج محمّد حسن وهما:\rعلى محاني بابل ... من بعد مسراك العفا\rياحسناً في فعله ... أنت لقلبي مصطفى\rوكتب حرسه الله إلى علم العلم والفضل السيّد سلمان نقيب الأشراف وأرسلها على لسان البرق \"التلغراف\" وهو إذ ذاك في دمشق الشام متوجّهاًً إلى وطنه دارالسلام:\rما زلت تولي أولياك الهنا ... بعزمة ترغم حسّادك\rمرتقياً في كلّ آن علىً ... عَلَى السهى ترفع بغدادك\rوكتب أيّده الله وأعزّ علياه بهذه الرسالة إلى حضرة السيّد عبد الرحمن أفندي نجل المرحوم نقيب الأشراف السيّد علي الأفندي تغمّده الله برضوانه وكان قد أراد كتاب نهج البلاغة ومقصورة السيّد الرضي في رثا الحسين ﵇ وكلّف بذلك حضرة الحاج مصطفى فأرسلهما إليه وكتب معهما جناب الحاج محمّد حسن عن لسانه:\rريحانة المجد المؤثّل من رأت ... عين المكارم أنّه إنسانها\rشرفاً أخوك من النقابة سيفها ... الماضي وأنت لدى الخصام لسانها\rنور حدقة الشرف الباذخ، ونور حديقة العلم الراسخ، من انتهج من البلاغة نهجها القويم، وتسنّم من النجابة برجها الكريم، سلالة النسب القصير، وغرّة الحسب الواضح المستنير، الذي تعطّرت العلياء بارج فخره الندي، السيّد عبد الرحمن أفندي، مدّ الله عليه رواق العزّ والتخليد، وأضفى جلالبيب الإقبال والتأبيد.\rأمّا بعد؛ فقد سيّرنا إليك ما أمرت به من النهج الواضح، والمقصورة في خيام الأحزان المشجيه في ذلك المصاب الفادح، امتثالاً لأمرك، وطوعاً لإرادتك، والسلام.\rوممّا قاله دام مجده في مدح الشريف العلوي السيّد محمّد سعيد النجفي الملقّب بحبّوبي:\rلعبت للطلا به نشوات ... فتثنّى واحمرّت الوجنات\rطعنتني أعطافه الميد لمّا ... فتكت بي ألحاظه الفاترات\rغير بدع إذا أصاب فؤادي ... إنّما أسهم الهوى صائبات\rتلك في معرك الغرام علينا ... مشرعا وهذه ماضيات\rفإذا جال فاللحاظ سيوف ... وإذا مال فالقوام قناة\rهي أمضى من أنصل ورماح ... حملتها يوم الكفاح كماة\rراع غزلان عالج والمصلّى ... منه جيد ومقلة والتفات\rفهو ما أنفك بالفؤاد ولكن ... هي سرب في عالج سانحات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855695,"book_id":1863,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":205,"body":"نسمات الصبا خجلن إذا ما ... مرّ يوماً وللصبا نسمات\rحسدت ضوء وجهه الشمس لكن ... سرقت لحظ ناظر به المهاة\rفالمغاني بوجهه مزهرات ... والغواني بلحظه مولعات\rقد هدى وجهة المشوق إليه ... وسعيد من فيه تهدى الهداة\rالمعيُّ فات ابن سينا بفضل ... لسنا نوره لنا لمعات\rوشحته إذ كان للمجد أهلا ... للمعالي من آل فهر سرات\rفسما ذروة السماكين لمّا ... حسنت منه للأنام الصفات\rبمحياه للطلاقة معنىً ... وبكفّيه للنوال سمات\rلم أقس فيك بالفصاحة قساً ... ذاك ملح وأنت عذب فرات\rلك حوزالرهان في كلّ مجرى ... إن أعدّت بين الملا الحلبات\rفلو اسطعت أن تريث قليلا ... لسعت ولهاً لك القصبات\rفأجابه السيّد المذكور السيّد محمّد سعيد عنها بقصيدة يمدحه بها وهي هذه:\rدموعي وهي حمرٌ مرسلات ... وشت بي عند أهلك لا الوشات\rأتنكر يا أخا القمرين لتمي ... وفي خدّيك من شفتي سمات\rفسل عطفيك كم طعنا فؤادي ... إذا علمت بموقعها القناة\rأتحكي السمر قدك باعتدال ... وما ثقفت وهي مثقّفات\rوسل كبدي ففي كبدي سهام ... بأهداب الجفون مربّشات\rفلو نزعت لحاظك عن قسيّ ... لما حملت سواهنّ الرماة\rلقد وقعت على كبدي كأنّي ... لأحداق المها عندي ترات\rفصلني إن وصلت أخا غرام ... فشملي كاد يصدعه الشتات\rوإن نظر الزمان إليَّ شزراً ... وكادت أن تقاطعني الحياة\rفقد أحيى بوصلك لي وتحيى ... بجود محمّد الحسن العفاة\rفعنع في مدائحه حديثاً ... فذاك أصحُّ ما نقل الرواة\rقد اختلفت طباع النّاس نوعاً ... كما اختلفت بالسنها اللغات\rفكان أجلّها شأناً همام ... تغنّت في مدائحه الحداة\rفتى قد أعوزت كفّاه شبهاً ... وإن زعمته دجلة والفرات\rهما قد شرّقا سيراً فخصّا ... مسيلاً لم تسل منه الفلاة\rوقد عمّت يداه الكون جوداً ... قد امتلأت به الستّ الجهات\rطما نهر المجرّة من نداه ... فأنجمه أقاح نابتات\rكتب جناب الحاج محمّد حسن حرسه الله بيتين إلى حضرة نقيب الأشراف السيّد سلمان أفندي يهنّيه بالعيد عيد النحر وبرتبة \"مكة ?ايه سي\" التي حصلت له من نفحات حامي حوزة الملّة الإسلاميّة حضرة \"السلطان عبد الحميد خان\" دام عزّه وأرسلهما بالتلغراف إلى بغداد من كربلا لأنّه كان فيها والبيتان قوله:\rأقامك ربّ مكّة مستجاراً ... بسعيك إذا بلغت مقام قربه\rفعيد النحر فيك وأنت ركن ... حقيق أن يهنّي بيت ربّه\rوكتب أيضاً إليه هذين البيتين على لسان أخيه الأفخم جناب الحاج مصطفى يهنّيه بذلك:\rبمجدك الدهر لا بالعيد مبتهج ... وفي محيّاك يزهو لا محيّاه\rفالله حيّاك بالعيد السعيد كما ... بنور طالعك الميمون حيّاه\rوقال أيضاً حرسه الله تعالى مشطراً ومخمّساً هذين البيتين وقد التمسه على ذلك الحاج أحمد ال?ا?هـ ?ي والبيتين هما:\rعكس المدام بخدّه فتورّدا ... ودنا يعاطيها يحاكي الفرقدا\rوبدا يجول بحليته مشهراً ... سيف اللوا حظليته لن يغمدا\rفقال مشطّراً ومخمّساً:\rأفدي رشاً غصّ الشبيبة أغيدا ... بوضيء وجنة خدّه الساري اهتدى\rمذ كان في كلّ المحاسن مفردا ... عكس المدام بخدّة فتورّا\rوبخدّه نور الجمال تجسّدارشأ بغير حشاي ليس بقاطن ... وهواي عن مغناه لى بظاعن\rناديته صل ذاجوىً بك كامن ... فدنا بشمس الراح بدر محاسن\rودنا يعاطيها يحاكي الفرقدانادمته رشأ تلفّت أحورا ... ولثمته قمرا تكامل مسفرا\rفغدا يهزُّ من المهفهف أسمرا ... وبدا يجول بحلّتيه مشهّرا\rمن مقلتيه على العباد مهنّدارقّت معاطفه كرقّة خدّه ... وزهت خلائقه كرهوة ورده\rقد سلّ مرهف لحظه من عمده ... فبمهجتي وأنا الصريع بحدّه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855696,"book_id":1863,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":206,"body":"سيف اللواحظ ليته لن يغمداوأرسل هذه القصيدة من جصّان جناب السيّد عبّاس ابن السيّد محمّد ابن السيّد العلاّمة السيّد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة أعلا الله مقامه مادحاً بها ومهنّياً لجناب الحاج محمّد حسن في عرسه المبارك وذلك في سنة ١٣٤٩:\rأنهى إلى القلب خمار الشقف ... فياخمار الصرف منه انتصف\rوخذ بما أسرف ويك من دمي ... فأنت مابيني وبين مسرف\rمعربد اللحظ بأيّ علقت ... ألحاظه غودر أيّ متلف\rوأغيد يخطر في دور الطلا ... هزَّ الردينيّ بأسنى مطرف\rمغنّجاً ماارفضَّ إلاّ بثَّ لي ... من جفنه النشوة قبل القرقف\rوهو إذا ما ثقلت أردافه ... رجرجها السكر وسوق المعزف\rلولا انكسار منك يا أجفانه ... الوسنى لما جردّت غير مرهف\rوأنت يا قامته قد غمزت ... مرهف جفنيه الطلا فانقظصفي\rقم واسقنيها امتزجت أكوابها ... من لثّتيك فهو أحى مرشف\rواشبب لظاها فهي مهما استعرت ... لو رسبت في البحر ما إن تنطفي\rوإن سعت للمزج منك قدم ... فلا أقيلت عثرات الرفرف\rلا دعدعاً أوانا من أرواحها ... أدركها صرفا برشح الأنف\rبكسرويات إذا ما أشرقت ... فهي شموس أشرفت في كتف\rنسيت مالي فالشموس دونها ... إذ هي عمر الدهر لمّا تكسف\rقرَّطها الساقي غداة ارتعشت ... كفّاه من أبهى لئالي الصدف\rفهي بنادي اللهو مهما بزغت ... أخالها الشمس بدت في شنف\rفياغيون اللهو بالراح انطفي ... ويا خياشيم الأباريق ارعفي\rوأنت يا زوراء قد راق الهنا ... في ضفّتيك بهجة تزخرفي\rقد أذن المجد إلى شمس الضحى ... إن تلك أبراج العلى فازدحفي\rفقد رأيت للشيف أن يرى ... أخا الشريف وأباً للشف\rمن عقد الله له مئازر ... الفخار من قبل انعقاد النطف\rخلفك يا أحساب من فاضله ... قد قعدت بك الجدود فقفي\rفوَّقها شهباً وقد تفلتت ... به إلى المجد التماس الهدف\rهم شرعوا المجد زمان لم تكن ... أكرومة بين الورى أو تعرف\rفأوضحوا النهج إلى أبنائهم ... فهي لهم بالمكرمات تقتفي\rفأتبعوا التالد في طريفه ... فهم كرام خلفاً عن سلف\rوأرخصوا ما هو غال فهم ... لديهم العسجد مثل الخزف\rأي ويمين الخير كفّ المصطفى ... فهي بغير الخير لمّا تكف\rلو شحَّ نوء القطر في روائه ... لاخلفته بالقطار الموطف\rلا أحسب الصحف التي تسوّدت ... بمدحه إلاّ وضاء الصحف\rجمُّ المزايا لا تطيق رقمها ... وإن تحرّينا انتساق الأحرف\rيا مسعفي هنّ سميَّ المصطفى ... هنّ سميَّ المصطفى يا مسعفي\rبمن به العلياء قرّت عينها ... لا برح الدهر بعيش الترف\rفكتب إليه الحاج محمّد حسن بهذه الرسالة يتشوّقه ويشكره: سلام أحى من ريقة النحل، وأبهى من خصب بعد محل، وألطف من ساعة منح فيها الحبيب بالوصل، تزفّه نفحات الأشواق، محفوفاً بحبات القلوب والأحداق، إلى من عبرت معاليه على الشعرى العبور، وحلّ من جنان البراعة في جنان اعلا القصور، علوي الذات، المعي الصفات، من لمك أعنّة الفضائل فألقت إليه قيادها، وأذعنت له فصحاء البيان بالمقال الفصل فسادها، وحاز قصبات السبق في حلبات المعالي، وحلى عواطل الفضل من بحر كماله بالدرر واللئالي، وفاز من أقداح المفاخر بالمعلي والرقيب، فكان في درر فرائده وغرر قصائده ريحانة الأديب، وسلوة الغريب، ذاك سليلب الشرف الباذخ، وليث عرّيس البأس الراسخ، من عطر الأكوان بعرف معارفه وكرمه، وانتشت الأرواح بمكارم أخلاقه ومحاسن شيمه، عديم ندّه في المنثور والمنظوم، نسيج وحده في حلّ مشكلات العلوم، المتفرّع من دوحة جلال طيّبة الأغراس، والمتضوّع في روضة كمال عطريّة الأنفاس، علم الفضل المفرد، وعيلم العلم الأوحد، ذاك خلي السيّد عبّاس المؤيّد، أدام الله له من الخلود أسناه، وأضفى عليه من الإقبال أبهاه، رافعاً علم مجده بخفض عداه، صاقلاً روض سعده بقطر نداه، ما سجعت الحمائم بالأغاني، وهبّت النسائم في المغاني، بمحمّد أفص من نطق بالضاد، وأبلغ من أوتي جوامع الكلم فأروى ببلاغته كلّ قلب صاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855697,"book_id":1863,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":207,"body":"أمّا بعد؛ فالداعيى لتنميق صحيفة الإخلاص، والوكة المحبّة والإختصاص، هو محض الإستفهام عن مزاج من فضح النسيم طبعاً، والإستعلام عن دوام ابتهاج من ترك محبّيه على ساحة الفراق صرعى، على أنّي أسير أعلاق الوجد والهيام، ورهين أشراق الشوق والغرام، فالأرض تارة معشبة بدموعي، وأخرى مصوحة بضرام ولعي وهلوعي.\r\rفبرح بي شوق ملحٌّ إلى فتىً ... تعلم منه الغيث كيف يجود\rهمام طما بحراً بكلّ فضيلة ... وقد ساغ منه للأنام ورود\rوبينما أُعلّل النفس بالفوز في نظر محياك، وأروّح الروح بجميل ذكرك ونشر ريّاك، إذ وردتني مألكة نثرك الرائق، وعقيلة نظمك الفائق، منسوجة ببنان الفضل البار، فأزرت بوشي صنعاء، مرصّعة بدرر بحر البارع الماهر، فحسدتها قلائد الحسناء، فيا أيّة االسيّد الذي أضاء بفلك المجد بدر علاه، والبارع الذي ما نصب للفضل منبر إلاّ رقاه.\r\rكسوتَ فضلي أبراداً مفوّقةً ... من النهى نسجتها أنمل الفكر\rوزنت جيد العلى من بحر فكرك في ... منظومة درراً أبى من الدرر\rألفاظها نفحات الروض باكره ... قطر الندى فغدا مستطرف الزهر\rلها معان بآراء الورى فعلت ... فعل اللحاظ بأبناء الهوى العذري\rلقد تحلّت وراقت في دقائها ... كما تحلّت عيون الغيد بالحور\rفليس لفظ حوته غير منتخب ... وليس معنىً زهاها غير مبتكر\rفيالها من بدائع بيان بزغت في أكواب الطروس شماً، وذكّرتنا سلاف أسلافها وأنستنا قبساً وقسّاً، فأسكرتنا براح معانيها الرقاق، وملئت جانبي بغداد بالإشراق، وغنّت بها بلابل السعد، على منابر الأغصان، وحدّت بها حداة الوخد، بمطربات الألحان، فيامن تحلّت بدرر ثنائه الطروس، وانتعشت بذكر صفائه النفوس.\r\rلولا الهموم الطارقات وإن أكن ... فرغت شطر القلب في ذكراكا\rلنظمت حبّات القلوب فرائداً ... عرنيةً يزهو بها مغناكا\rلكنّني ماذا أقول وإنّما ... يتحيّر النحرير في معناكا\rغير أنّي حين حرّكتني لواعج الشوق والكلف، وهيّجتني علائق التوق والشغف، بعثت بهذه الخريدة الهيفاء، والفريدة الغرّاء فأعرها سمع رأفتك الكامله، وألحظها بعين محبّتك الشامله، وهي هذه:\rنبت الروض من دموعي الذوارف ... إذ شجاني في الدوح سجع الهواتف\rذكّرتني وكيف أنسى أغناً ... مائس القد كالرديني هائف\rوغزالاً مورد الخد غضّاً ال ... جيد مرَّ الصدود حلو المراشف\rراقني منه مرسلات جعود ... بين قاني خدوده والسوالف\rفلو أنّي لم أخش تلك الأفاعي ... كنت من ورد خدّه الغضّ قاطف\rعكّف الحسن والدلال عليه ... والتصابي باد عليه وعاكف\rلاذ بالمستجار من وجنتيه ... منه خالٌ بكعبة الحسن طائف\rأمن النّاس حيث فيَّ استجاروا ... وفوآدي مروَّع منه خائف\rيا رشيقاً قد راق للعين حتّى ... ما عليه من ناعمات المطارف\rعد لربع تخذّت فيه صبوحي ... وغبوقي اللما وأنت المساعف\rفترفّق بالمستهام وإنّي ... جئت مستعطفاً بلين المعاطف\rوأمنحن بالوصال يا روح روحي ... شافعاً للتليد منه بطارف\rيا فؤادي دع عنك ذكر غزال ... شأنه الدل للصدود محالف\rواذكر عهد سيّد ألمعيّ ... أبهر النّاس بالحجا والمعارف\rيا أباالفضل قد تساميت فضلاً ... ولسان الثنا بفضلك هاتف\rحار وصفي في كنه فضلك يا من ... بمزاياه لم يحط وصف واصف\rإن أقل فاضل فما الفضل إلاّ ... لك عبدٌ للأمر عندك واقف\rأو أقل حاتم الندى فأيادي ... ك ندىً عمّت الورى بالعوارف\rإنّما حاتم وإن فاض جوداً ... هو بالجود من بحارك غارف\rوحداة المطا بذكرك غنّت ... وتحلّت بالمدح فيك المصاحف\rردّ لي عهدك القديم بمغنىً ... ألبسته يد الربيع مطارف\rففؤادي قد بان مذ بنت عنّي ... وهو أنّي خطفت كالبرق خاطف\rوضلوعي انحنت عَلَيّ جمرات ال ... شوق والجفن في دمق القلب راعف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855698,"book_id":1863,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":208,"body":"وكتب أيضاً إلى السيّد المذكور السيّد الشريف العالم الفاضل السيّد محمّد سعيد حبّوبي كتاباً وضمّ إليه قصيدة فائيّة يصف بها القصر الذي سيأتي ذكره يمحده بذلك ويمدح جناب الحاج محمّد حسن والكتاب هذا:\rأهدي إليك مع النسيم تحيّة ... تدع النسيم من التلهّب بارقاً\rفاصحر لها ما إن تهبّ مجزية ... بربى ديارك شائماً أو ناشقا\rسلام أرقُّ من نسمات الصبا، وإن أدركت من رقّة طبعك نصيبا، وأطيب من نفحات الكبا، وإن تضمّخت من نثرك طيبا، نظمته من بيض لؤلؤ مكنون، فانسقت فرائده صفوفا، ثمّ احترقتها بنار الشجون، فاسودّت في الطروس حروفا، لى طراز حلّة الفخر المذهّبة، ونور الدوحة الفاطمىّ المهذّبة، نخبتي من النّاس، مولاي السيّد عبّاس، حفظه الله وحرسه، بالنبيّ وآله، ومن عقد في عراهم مرسه، وأتبعهم في أحواله وأقواله.\rوبعد؛ فالقصد الأصلي، والمطلب الأوّلي، هو الفحص عن ذاتك التي هي عنوان الشرف، وطباعك المصقولة بأكفّ الترف، المسكوبة في أقداح اللطافة والظرف، التي ما تعاطي ذكرها الأحباب، إلاّ وأسكر الأرواح ما يروقها، المتشعشة في الأكواب، مذ كان من العلم والأدب راووقها، وإن سئلت عن صبك العميد، فهو بحمد الله في عيش رغيد، وإنّي وردت إلى الزوراء، قبل تزويج زين الخلاء، فكنت بهجة الألسن حيث لم نأنس إلاّ وذكرناك، ومتى النفوس والأعين، حيث ما منينا إلاّ وتمنّينا.\r\rفلكم جلسنا مجلساً ... فيه الأنيس جميل ذكرك\rهذا بمدك آخذ ... ويروح ذا بمزيد شكرك\rفكأّ ذكرك خمرة الأنس المتعاطات، والخطوة بمجيئك خطوة الأمل المتباطات، فلم توفق آفاقنا بإشراق شمسك، ولا ردَّ يومنا ما فات من أمسك، فكان بعدك كالغصة في ذلك العيش، وفي مراماة تلك القارة يميناً وشمالاً سهمنا بالطيش، حتّى زارت الزوراء خريدتك الفائيّة، التي آنستنا بكلّ بحترية وطائيّة، فتغنّت الندمان بها على كلّ سلافة، ونظمتها عقوداً كعاب الرصافة، بعد أن أقبلت ترفل في قوافيها، فتلقّتها الأخلاّء بالقبول، وعانقوا من ضخامة معانيها، ما تفصّمت في ساقها الحجول، فانعقد مجلس لأجلها، وتعطّشت الأسماع لسجلها، فلم يبق بيت إلاّ استعيد مائة وعشراً، ولا لطيمة مسك إلاّ وفضت ما استقصيناها نشراً، إذ تبسّمت مفترة عن ثغر عبّاس، وانسكبت صهباء على مسامع الجلاس، فانهت خمار شغفها إلى قلوب السامعين، وحلّت بانعقاد نطفها عرى المتعصّبين، فلو كان السامعون من ذبيان، لا نيغ فيهم غيرك من زياد، ولو كنت في سالف ذلك الزمان، لما أبقى طريفك من تلاد، ولو وعاها الوليد لشاب، أو سمعتها أخت صخر لارفضَّ قلبها وذاب، ولعمري هي صدر التهاني من الناظمين، وإن كنت منخرطاً في سلكهم، فقد رمت الوزارة على المهنّين، فردّوني وظفروا منك بملكهم، فهي المقدّمة على تأخيرها، والمعشوقة على تأميرها، ولعمري لهي الشنب المرتشف من الثغور، والحبب المرقص بأقداح الخمور، هذا وقد أرسلت إليك هذه الخود الكعاب، فأذّن لها ولا تغلق من دونها الباب، فهي وإن لم تكن بشأنك وافيه، إلاّ أنّها تحلّت عن بديعتك بالقافيه.\r\rبلوى الرقمتين من أُمّ أوفى ... طلل بان أهله فتعفّى\rغيّرته الأعصار يوماً وليلاً ... وشمالاً يعصفن بالربع عصفا\rومحاه مسرى الرياح جنوباً ... وانهطال السماك سحباً ووكفا\rوثلاث لم يبلها صوب قطر ... لا ولا كابدت من البين صرفا\rقربت بينها ولائد بكر ... وارتضتها مواقد الحيّ ألفا\rبين نوئين خلفت ضمياء ألقت ... من حليّ لها سوراً ووقفا\rقال لي صاحبي وقد أخضل الدمع ... ردائي ومزنة الشوق وطفا\rطارحاً بالطلول عبأ دموع ... أثقلت ناظري عسى أن يخفّا\rأو تبكيك باللوى عرصات ... دارسات الطلول من أُمّ أوفى؟\rصاح دعني في اربع نعمتني ... بلعوب لطيفة الخصر هيفا\rكان عهدي بها قريبة عهد ... لم ترعني في موعد الوصل خلفا\rتتمشّى مدلّة بين بيتي ... جاريتها ممكورة تتكفّى\rبقضيب يهزّه اللين قدّاً ... وكثيب يرجّه الثقل ردفا\rهي روض الجمال يرتادها الطر ... ف اختلاسا وتمنع الكفّ قطفا\rمبسماً واضحاً ووجها أغرّاً ... وحشىً مخطفا وزندا ألفا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855699,"book_id":1863,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":209,"body":"وثنايا كأنّهنَّ لئال ... نسقتها نساقة الغيد رصفا\rهي أحلى من الرحيق إذا ما ... خلطوها بالزنجبى المصفّى\rوجفوناً أودى بها السقم حتّى ... كدن يحكينني سقاماً وضعفا\rفتنت نرجس البطاح إذا ما ... نبهته الصبا وقد كان أغفى\rريّشت نبلها وريّشت نبلي ... فمضى لحظها وأرعشت كفّا\rوارتمينا فكنت أكذب مرمىً ... وانثنينا فكنت أصدق حتفا\rهزَّ منها الصبا قضيبي أراك ... للتصابي ولفنا الشوق لفّا\rإن تعشقتها هوىً فلعمري ... أنا ممّن إذا تعشّق عفّا\rأدّعي حبّها لينصل منّي ... ربّ مبد أيدي هواه ليخفى\rأهلها قرّبوا الجمال وحطّوا ... حجبها للنوى حجالاً وسجفا\rفتبدّت من القطيفة شمساً ... واستقلّت على الرحالة خشفا\rفبعيني ظعائناً جزن بالرمل ... وراء الهضاب يحدون عنفا\rأيّها الرّاكب التي انتجوها ... من ظليم أصاب وجناءَ حرفا\rفهي خلقٌ مابين ذاك وهذا ... أعملت للسرى جناحا وخفّا\rعجّ إذا جزت أرض بدرة واقصد ... شعب جصان جادها الغيث وكفا\rواخلع النعل في مقدّس واد ... لو أتاه المشوق يوماً تحفّى\rواقرأنَّ السلام عنّي خليلاً ... قد قرأنا هواه حرفاً فحرفا\rعلويّاً حاز المعالي لا بل ... زانها مبسماً وجيداً وطرفا\rيا أباالفضل كنية قد أبانت ... لك فضلاً فأصبحت لك وصفا\rوعميد الوغى إذا هيج يوماً ... وحليف الإبا إذا سيم خسفا\rرفَّ شوقاً إلى لقاك فؤادي ... عمرك الله هل فؤادك رفّا\rلم يزل بي إلى لقائك لوح ... ولو أنّي أفنيت دجلة رشفا\rإن تسلني كيف استمرّت حياتي ... فبطيّ الكتاب جائتك لفّا\rأم تراك الغداة تذكر عهداً ... قد تقضّى ومعهداً قد تعفّى\rأزعجتنا النوى وكنّا جميعاً ... بربى الكرخ في نعيم وزلفى\rفي مشيد من القصور منيف ... أوطأته حمراء دجلة كتفا\rفسما تحسب البسيطة رامت ... أن تشمَّ السما فمدّته أنفا\rشامخ الركن والأزاهير تزهوا ... جهتي أرضه أماماً وخلفا\rتحت ورديّة إذا ضربوها ... رفعت تشتكي إلى الله طرفا\rهي في طرحها سدىً وإذا ما ... ضربت جلّلت على الجوّ سقفا\rضربوها وهل تحدُّ فتاة ... ما رمي عرضها الكواشح قذفا\rزانها الفرس بالتصاوير حتّى ... مثّلت لي الضبا صنفاً فصنفا\rورواها البديع نوعين منه ... دون كلّ الفنون نشراً ولفا\rفانتظمنا عقداً وواسطة العقد ... أغرّ قد راق طبعاً وشفّا\rذاك من علم الهيام فؤادي ... وسقاني مدامة الحبّ صرفا\rذاك معنى الثنا بكلّ لسان ... ملىء الدهر من مزاياه صحفا\rذاك خلي محمّد الحسن الأخ ... لاق والخلق أحسن الخلق وصفا\rلم أفه باسمه المطيّب إلاّ ... وفضحنا أرواح دارين عرفا\rفعليك السلام منه ومنّي ... ما تغنّى الحمام يندب ألفا\rوقال السيّد الجليل والفاضل النبيل السيّد عبّاس المتقدّم ذكره مقرضاً على نظم هذا السيّد المبدع، والمنشي المخترع، وقليل بمقامه، أن أقول أجاد في نظامه، وهو:\rهذا نظامك يا فرد الجمال أتى ... كالروض جرت عليه ذيلها الديم\rجزل المعاني رقيق اللفظ موجزه ... يروق مبتدؤٌ منه ومختتم\rقد ضمن الزهر إلاّ أنّه كلم ... والأنجم الزهر إلاّ أنّه حكم\rمنظّم لدراريه ابن بجدته ... طرف له السبق لا زلت له قدم\rوذاك منثورك الزاهي فرائده ... يبثّها منك فكر ثاقب وفم\rعبد الحميد بن يحيى في بلاغته ... وابن العميد إذا قيسا به عدم\rنظم هو اللؤلؤ المكنون زان به ... نحر العلى مفرد في مجده علم\rذاك الفتى الحسن الميمون طائره ... بوجهه تنجلي الغمّاء والظلم\rفلا يزال السعيد الجد في دعة ... ما هزَّ عطفيه في يوم الندى الكرم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855700,"book_id":1863,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":210,"body":"وكان حضرة سيّدنا المؤيّد، بعناية الواحد الصمد، الميرزا جعفر نجل علم الملّة والشريعة السيّد مهدي القزويني دام علاه قد سافر من الحلّة الفيحاء إلى المرقد المقدّس لزيارة سيّد الشهداء، وكذلك الماجد الحاج محمّد حسن قد قدم من الزوراء للزيارة فضمّهما معاً مجلس المؤانسة والمفاكهة فعزم الحاج محمّد حسن على حضرة سيّدنا أن يشرّف إلى بغداد ويتشرّف بزيارة الكاظمين ﵉ فوعده بذلك بعد رجوعه إلى الحلّة فكتب إليه بعد ذلك يتشوّق إليه ويتقاضاه ذلك الوعد الذي سبق منه، والكتاب هذا:\rلوعة الوجد أحرقت أحشائي ... وفؤادي في الحلّة الفيحاء\rخامرتني الأشواق في مجلس الذ ... كر فكان السهاد من ندمائي\rأنا لم أصف للهنا بهواء ... مذ تنائيتم ولا عذب ماء\rومحال صفاء دجلة مالم ... يجر ماء الفرات في الزوراء\rبك يا حلية المعاني ومعنى ... رقّة الماء راق معنى الهواء\rفعليك السلام ما سجع الورق ... سحيراً في بانة الجرعاء\rمن موّق إلى على علوي ... جاز هام السماك والجوزاء\rذاك من علم البحر التيّار، بصغرى أنملته، إن يجود بدرر الرائقه، وأعار الرند والعرار، من طيب نفحته، ما عطر الأرجاء بنسمته الفايق، هضبته الحلم الراسخ الرزين، وعيبة العلم الموروث عن الأنزع البطين، من تسنّم ذروة الزعامة من هاشم، ونشر بالرياسة أعلامه على قبيلة المكارم، معنى أبهة الشرف، وحياة روح الكمال والظرف، نيّر أفق المجد الأزهر، حضرة مولانا وعمادنا الميرزا جعفر، لا برح سنا هالة عليائه، متشعشعا بمطالع آفاق سمائه، ما اهتدت لمناهج السرى حداة الأظعان، بأنجم فضله السيّارة، وبلت بنوء الوجد أزهار الثرى من دم دمعتها الهتان، إذ رشقتها الأحداق بألحاظها السحّارة.\r\rآمين آمين لا أرضى بوادحة ... حتّى أضيف إليه ألف آمينا\rأمّا بعد؛ ومن طرز حلّة البراعة، من أفلاك نهاك بأنجم النثرة نظماً ونثراً، ورفع ببنانك اليراعه، في محفوظ لوح حجاك على هام المجرّة شرفاً وقدراً، لأليف شوق مخامر، ألحّ على الصب بزفراته، وحليف نوق مسامر، برح بالقلب بجمراته.\r\rفسل دراي الأُفق عن محاجري ... هل غير بعد نورها أرقّها\rوسل مغاني الكرخ عن مدامعي ... هل غير قاني مزنها أغرقها\rتلك مغان لم تزل مزهرة ... لو لم يكن حرُّ الجوى أحرقها\rوسل حمامات تئنّ لوعة ... في الدوح بالهدبل من أنطقها\rومن غداة راعني يوم النوى ... بذائب من الحشا أطوقها\rوإنّي لأسئل من نشر أشعّة فضائلك على سائر الأرجاء، وكسا الكون من نشر عوارفك وفواضلك حلل الشرف والعلياء، أن يعيد الزوراء بزورة بدر المجد باسمة الثغور، ويسعف المتّسمين بالولاء بإنجاز سالف الوعد فيطوّقهم بالحبور، وأسألك أيّها الراقي من ثريّا الفخار بسلّم محامده مناطها، والغائص في عيلم علمه الزخّار ليلتقط درر فوائده فأحسن التقاطها، أن ينوب عن الداعي بلثم أنامل مولانا العماد، وينهي أكمل ثنائه إلى القادة الأمجاد، وأن لا ينسي المحب وحاشا كرائم عاداته، من مستجاب دعواته.\rفأجابه السيّد المذكور الميرزا جعفر عن رسالته هذه بقوله:\rأرج معاهد من معاهد الزوراء ... نشره فاح في حمى الفيحاء\rأم عروس زفّت من الكرخ تمشي ... لي على الدل لا على استحياء\rونجوم من الرصافة ألبسن ... حمى بابل برود ضياء\rأم سطور بها حباني حبيب ... هو من مهجتي قريب نائي\rلسكرتني ألفاظها ومعاني ... ها فقل في الكؤس والصهباء\rوسبتني صدورها وقوافي ... ها فقل في المشوق والحسناء\rهيجت لي شوقاً بها كان قدماً ... كامناً في ضمائر الأحشاء\rلفتىً ينتمي إذا انتسب النا ... س فخاراً لأكرم الآباء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855701,"book_id":1863,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":211,"body":"ذاك من حلق نسر مجده الطائر، عن أن تصل أفكار الواصفين إليه، وتعالى شأن سعده الباهر، عن أن تقع أبصار الناعتين عليه، بدر هالة الكمال المشرقة، على الأرجاء أنواره، وفرقد دائرة الإفضال المتألقة، أشعّته وآثاره، فرع الشرف الباهر، وسلالة المجد الموروث كابراً عن كابر، عين أعيان الزمن، وغرّة وجهه الحسن، لا زال نيّر مجده، طالعاً في آفاق سعده، ما طاف بربعه المعمور طائف، وسعى بفناء عزّه بادي الوفد والعاكف، آمين آمين.\rأمّا بعد؛ فقد وافت الوكتك التي حيّرت بما حبرت فيها عقول ذي الألباب، ورسالتك التي أعجزت بما أوجزت فيها من المحكمة وفصل الخطاب.\r\rفكم أهاجت في الأسى لي مهجة ... إلى حمى الزوراء ما أشوقها\rوكم أذالت في الهوى لي مقلة ... إلى مغاني الكرخ ما أرمقها\rوكم روت لي عنك في إسنادها ... مودّه في الدهر ما أصدقها\rوكم دعت بالفضل من ذي لهجة ... عليك بالثناء ما أنطقها\rفاسأل من ألبسك مطارف الفخر حتّى صرت إنسان عين الزمان، وكساك برود العزّ حتّى أشير إليك بالبنان، أن يتمّ لنا ما أمّلناه من مواصلتك، وبعجل ما تمنّيناه من زيارتك، والسلام عليك ورحمة الله.\rوممّا كتب به جناب الحاج محمّد الحسن إلى النجف إلى جناب السيّد محمّد سعيد حبّوبي:\rنسم الصبان إن جزت كوفان بلّغي ... سنا هامة العليا تحيّة مغرمه\rوإن فهت نطقا فانشري طي لوعة ... ورتها الليالي بين جنبي متيّمه\rعسى أنّ ألفاً لم يعودنّ جفوةً ... يرقّ لرقّ ريُّ خدّيه عن دمه\rفلا والهوى لولاه لم أدر ما الهوى ... مولم يشجني ورق الحمى بترنّمه\rولم تلهني عن ذكره ريم رامة ... ولا عيس نعمى لا وربّي وأنعمه\rفيا روح روح الصب عجّل بردّها ... فما هي إلاّ أنت يا بدر أنجمه\rودمت لمنثور اللئالي منظّما ... فرائد فكر أنت لجيُّ عيلمه\rأما والذي هداني صراط ولائك، ومزج يوم أخذ الميثاق حوبائي بحوبائك، لم يسل عميد هواك عن سعيد جدّ علاك، ونشر عاطر رياك، وفجر باهر محيّاك، ولا آناً يرشق الأكحل فيه بنلة لحظة، بل ولا زماناً ينسق إلاّ لثغ ذوالدل من فية مدرة لفظه.\r\rإنّي ولاعج شوقي بات ينفرني ... طعم الكرى وغرامي الصبر إنساني\rفسال إنسان عيني في مدامعها ... وأنت بأضوء عيني عين إنساني\rولكم أماتت كئابتي من النهار بياضه، وأحيت فرط صبابتي سواد الظلام ولا غضاضة، وكيف يملك عنان أساء من أنسى هيامه بني عذره، على أنّه لو نبا حدّ وجده واساه لم يقبل الهوى عذره، فلا وحلّة فضلك السابغه، وشرعة نبلك السائغه، ما ريع مذ أتيت سهم داعيك بالطيش، كلاّ ولا راق إذ نأيت بعين مراعيك لذّة العيش.\r\rولم ترق حدائق مبهجة ... ما لم يكن وجهك نور روضها\rولا الصبا سارية ما لم يكن ... يروي لنا خلقك نشر غضّها\rفكيف عن مثلك يا عديمه ... تذوق عين الصب طعم غمضها\rزنت العلى من هاشم معنى العلى ... ففزت في لبابها ومحضها\rبوركت من ندب على رغم العدا ... أعلى منار وندبها وفرضها\rوجدّك الأعلى على سمائها ... والعروة الوثقى لأهل أرضها\rفلا زال رواق عزّك على قصر نسبك القصير ممدودا، ولا برح ساحل يمّ جودك العذب النمير للناهلين منهلاً مورودا، وإنّي لأسأل من أبدع فطرة ذات مجدك المؤثّل، وزان جيد الفضائل والفواضل بجوهر عقدك المفصّل، ورصّع من مستظرف نهاك فرائد الجمان بكلّ درّة يتيمه، ورصّف من مستطرف غضّ بهاك قلائد العقيان بدرر أشعّة طلعتك الكريمه، أن يعطر بطيب مجالسك الذكيّة، أندية الرصافة، فنتعاطى بها منادمة أخلاقك الزكيّه، عن منادمة السلافه، ولمّا أن هزّني إليك الشوق الملحّ، وأمالني وجداً عليك الهوى المبرح، نظمت ببنان المودّة عقود قلائد هذه الغانيه، فأزففتها تمشي على استحياء إلى جنّة فضلك العاليه.\r\rدم الدمع من عين المتيّم مرزم ... لك الله من دامي الحشا يا متيّم\rشجاك الهوى وجداً فأشجيت نائحاً ... حمامات ذات الأثل إذ تترنّم\rفما غار منك الصبر إلاّ وأنجدت ... مدامع حمر منك والركب متّهم\rفيا سائقي أضعان لبنى ترفّقاً ... بقلب مشوق ليس ينفك عنكم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855702,"book_id":1863,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":212,"body":"ربيع الثرى ذوا بحرّ حشاشتي ... ونومي مذبنتهم عليَّ محرّم\rفليس الهوى العذري إلاّ لمغرم ... قضى أسفاً يوم النوى وهو مغرم\rوما كنتم الواشون سرَّ صبابتي ... وأيّة أسرار من الحبّ تكتم\rتتيّم قلبي في هواكم وإنّما ... يقطع أفلاذ الفؤاد التتيّم\rبنفسي ريماً سانحاً بين سربكم ... وبد سما حسن حواليه أنجم\rمغنّج لحظ ماالسيوف وإن مضت ... بحاسمة مالم تكن عنه تحسم\rرقيق حواش ما الصبا برقيقة ... إذا نسمت إن لم تكن عنه تنسم\rمفلّج ثغر ما الأقاحي نظيرة ... إذا لم يزنها ثغره المتبسّم\rتدبّ على ورد بخدّيه عقرب ... وفوق رقيق الخصر يناسب أرقم\rفيهمّ لي ما كان بالثغر موضحاً ... ويوضح لي ما كان بالشعر مبهم\rترعرع في حجر الدلال وقد نشا ... رقيق صباً يلهو به المتنعّم\rلهوت ولكن عن هواه بماجد ... إذا عدّد الأشراف فهو المقدّم\rفتىً فات معناً بالنوال وحاتماً ... بلفظ ومعنى وهو أعلى وأكرم\rفتىً فاز بالقدح المعلّى من النهى ... وكان له في حلبتيه التقدّم\rفيانجعة العافي عفى رسم مهجتي ... من الوجد لولا أن خيالك ترسم\rوربعي يا أنسى بنأيك موحشٌ ... أجل وربيعي من دموعي مرهم\rفهلاّ تراعي ما مضى من عهودنا ... وتثنّى لنا أيّام كنّا وكنتم\rويا بدر ما بدر السماء بمرتق ... إليك ولو أنّ الكواكب سلّم\rبنعلك دس هام الدراري مباهياً ... فأنت لجيد الفضل عقد منظّم\rونهاية المأمول من مولاي، ومالك حوز ولاي، أن يذكر الداعي لدوام عزّه، تحت قبّة ذخره في عظائم الأمور وحرزه، وينوب عنه بالبشرى في لثم يدي علم العلم وكنزه، متّعنا الله ببقاه، وبلغ به من الفضل أعلا مرتقاه، وإبلاغ الفضلاء الكرام أوفر الثناء عنّا وأكمل السلام.\rوكتب إليه من النجف، مركز دائرة الكمال والظرف، من لا تعقد الخناصر بغير اسمه، ولا تصاب شاكلة الغرض إلاّ بسهام رويته وفهمه، فرع زيتونة الفخار، ولسان فصحاة نزار، الذي هو بكلّ المزايا فريد، جناب السيّد محمّد سعيد الملقّب بحبّوبي النجفي جواباً عن هذا الكتاب:\rإليك يا أباالهاديى تحيّة شيّق ... تضمّخ فيها شمأل وشمول\rفآية تسليمي إذا ضاع عنبر ... شذاه وما هبّت صباً وقبول\rوكلّ أريج ضاع فهو تحيّة ... وكلّ نسيم هبّ فهو رسول\rأخي والذي طوّقني بفضلك طوق الحمامة، لا ينتزع من جيدها ولا تخشى انفصامه، وملكك دون البريّة صعب عناني، لئن خلا منك ناظري فقد امتلأ منك جناني، وكأنّك لم تبرح نصب عيني، وإن حالت المهامة بينك وبيني، وعندي من الشوق ما تتلجلج ألسنة الأقلام عن ذكره وتقريره، وتبيضّ عيون المحابر في الأرقام عند تحبيره وتحريره، على أنّي لو جاوزت به سماعي، وأفشيت سرّه إلى يراعي، لالتهبت ريقته جمرة تجفّف لسانه، ولتعثر في مناجات القرطاس فلم يعرف بيانه، ولأعيى المحابر أن تبرد برشفاتها أنفاسه، ولم تبق من ريقه رشحة ينقط بها أطراسه، على أنّه أصمّ لا يسمع سرّاً أو نجوى، وليس بذي قلب فيرقّ لبث أو شكوى.\r\rولو أنّني فاوضت ذاالطرس بعضه ... لأحرقه حتّى وهي وبيدا\rولم تقو عيسى أن تنوء بحمله ... ولو مسخت أخفافهنَّ حديدا\rولو سخرت شمّ الجبال لنقلة ... وحملنه لانهلن منه صعيدا\rألا فليطب بالكرخ عيش أحبّتي ... فما ذقت عيشاً بالغريّ رغيدا\rوأشرب عذب الماء رنقا كأنّما ... سقاني ضيعاً صدّكم وصديدا\rومن شقوتي أن يحكم البين بيننا ... ويا شدّ ما أشقى الزمان سعيدا\rغيره:\rفلي زفرة وجه النّهار وزفرة ... أسامر فيها الليل دون سميري\rوما تلك أنفاساً تشبّ وإنّما ... شظايا فؤادي في شواظ زفيري\rغيره:\rوخامرت من داء الصبابة نشوة ... أخال لها ما إن مشيت نزيفا\rوسار وجيباً نحوكم بين أضلعي ... فؤادي إذ لا يستطيع وجيفا\rوأنكرت كلّ النّاس ألفاً وصاحباً ... وكلّ المغانيى مربعاً ومصيفا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855703,"book_id":1863,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":213,"body":"وكلّما متّعت في طيب ذكراك اللسان، قالت العين لاحظ لي في غير العيان، ولقد خالطني برح لم أجد له من براح، وبراني ممضه بري القداح، فبينا أنا أطالع النجود والتهائم، واستنشد عنك البروق والنسائم.\r\rإذا بابن موسى جاء من نحو أرضكم ... بما لو أتى عيسى به لتجمّلا\rرسالة شوق مذ فضضت ختامها ... وجدت بها للدرّ \"عقداً مفصّلا\"\rفقبّلت منها أحرفاً وحسبتني ... أُقبّل من كفّيك في الطرس أنملا\rوشاهدت معناكم بها ولربّما ... بدا المرء في آياته فتمثّلا\rفقلت أراني لست أهلاً لمثلها ... فقال جواد قد حنا وتفضّلا\rوإنّي لم أبعث إليه رسالة ... سوى الريح إن هبّت جنوبا وشملألا\rفتهلّل وجه الأرض لبشري وابتهاجي، على أنّي كدت أن أطير بأجناح السرور عنها فرحا، وقلت لبراق سعدي رويداً فقد تناهي معراجي، فها أنا أختال على أفلاك الأماني مرحا، وكدت قبل أن أفض لها ختما، أن أستأصلها تقبيلاً ولثما، حتّى إذا فضضت ختامها، ورفعت عن لألأ غرّتها لثامها، وجدتها معاجز محمّديّة، ورأيتها فقراً حسنيّة، تفيض بأسرار البلاغة ينابيع بيانها، وتشير إلى المودّة أساريع بنانها، وتأرّجت الأرجاء بطيبها نفحا، وطفق لسان الشكر ينشىء له مدحا، وترنّمت بلابل الوجد صدحاً.\r\rطلعت الوكته عليك بأسعد ... وأتتك تحسبها سبيكة عسجد\rوكأنّ أحرفها على وجناتها ... آس العذار يشقّ خدّي أمرد\rولقد أتت والكتب بيض قبلها ... ورديّة تجلو خدود مورد\rوتبسّمت تفترُّ من كلماتها ... كالخود تبسم عن خمار أسود\rكاللؤلؤ المنثور وشي حروفها ... لو لم تكن صبغت بماء زبرجد\rبالشمئل الشمل استقلّ نسيمها ... وأريجها قد ضاع بالندّ الندي\rحتّى كأنّك قد ك تبت سطورها ... دون اليراع بمندل متوقّد\rفلثمتها في ناظري لا في فمي ... وحملتها في صبوتي لا في يدي\rوطفقت أسحب مطرفيَّ تمايلا ... فكأنّنيى خامرت نشوة صرخد\rفكأنَّ معناها سلافة قرقف ... وكأنّما يسقي السلافة منشدي\rأمشرّفاً قدري برائق لفظه ... ومطوّقاً جيدي به ومقلّدي\rهل كيف تختلس المداد مقدّراً ... كفٌّ قد انبجست ببحر مزبّد\rوتشكّل الكلمات في رشحاتها ... وهي السحابة تشتهلّ لمجتدي\rيا ساكني الزوراء حسبكم النوى ... فلقد وهى جلدي لكم وتجلّدي\rأمرضتموني بالبعاد وإنّما ... أقصى شفائي إن أراكم عوّدي\rألقيت أقليدي إليكم طائعا ... ولكم تقاعس عن سواكم مقودي\rكثرت عَلَيّ النائحات صوارخاً ... إن لم أكثّر في هواكم حسّدي\rموّهت عنك بحاجر وبلعلع ... ولأنت من تلك العبارة مقصدي\rفليحل بالزوراء عيشك سائغاً ... أنّي أغصُّ بكلّ عيش أرغد\rوليهنّ أعينك الرقاد فإنَّ لي ... عيناً إذا رقد الملا لم ترقد\rأن أسلمتك يد الغرام فإنّني ... ملقىً بقبضته أروح وأغتدي\rأو تنس لي العهد القديم فإنّما ... نسيان عهدي حين أقوى معهدي\rفلو أنّ لي للكرخ أوبة راجع ... لتخذت مغناه مقدّس مشهدي\rثمّ لم تكتف منك بإرسال هذا الكتاب، وتشريفي بما أكبرته من لذيذ ذلك الخطاب، حتّى عقدت لي قصيدة على حيالها، وزففت لي خريدة من منيع حجالها، قد أخرست كلّ متكلّم بليغ، ورقّت لسلاستها كلّ لذيع، لقد واترت أنعامك على غير مستحقّه، ولعمري لأنت يا محمّد الحسن في خلقه وخلقه، فلم أطو على العجز عن شكرها كشحا، ولم أضرب عن التعرّض لحمدها صفحها، فاقتدحت قريحة خبا زنادها، وأجريت رويّة قد كبت في مضامير القريض جيادها.\r\rيا ريم حسبك مهجتي مرعى ... لا شيح كاظمة ولا الجرّعا\rوكفاك عن ورد تلمُّ به ... عين تفيض غروبها دمعا\rفارحم جوانح قد حللت بها ... دون الحمى وسكنتها ربعا\rترمي لحاظك والسهام معاً ... إنّ اللحاظ أشدّها وقعا\rالله من سهم رميت به ... فأصاب لا غرباً ولا نبعا\rكانت حواجبك القسىّ له ... وبغمزهنَّ نزعته نزعا\rريّشته بالهدب مرتمياً ... فتركت آساد الشرى صرعى\rيرعاك من لم ترع ذمّته ... ولكمن رعيت لغير من يرعى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855704,"book_id":1863,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":214,"body":"كم ليلة أرسلت غيهبها ... لك بردة ونشرتها فرعا\rفإذا طلعت شمس ضحىً ... وإذا انثيت فبانة الجرعا\rفبأضلعي وبما تضمُّ رشاً ... كابدت في كبدي له صدعا\rأرخى الجعود لردفه فغدت ... فوق الكثيب أراقماً تسعى\rوبعقربي صدغيه وجنته ... شاكت مقبّل وردها لسعا\rمن لي بأغيد راح محترساً ... بالعقرب الحجناء والأفعى\rأحمامة الوادي عداك جوىً ... لو حلَّ فرعك أحرق الفرعا\rإنّي اتّخذتك لي منادمة ... ولقد شربت فغرّدي سجعا\rيا ربع أين الساكنوك فقد ... أضحت خدودك بعدهم سفعا\rفلقد بكيت لبينهم بدم ... حتّى صبغت ملابسي ردعا\rلو صحّ للمشتاق مرتجع ... لربوعهم لرأى بها الرجعى\rوأقام خسماً من فرائضه ... ولطاف حول حماهم سبعا\rإن يقطعوا فهواي متّصل ... لم يلف منصرماً ولا قطعا\rإن أهوهم فتطبّعٌ وأرى ... لمحمّد الحسن الهوى طبعا\rقرم كأنّ السيف في يده ... برق أضاء بمزنة لمعا\rوعلى المجرّة قد جرت خبباً ... أفراسه فأثّرنها نقعا\rلو سابقته الشمس ما لحقت ... ولا دركت بسباقه الظلعا\rومتوّج بالفخر ترمقه ... شمس النهار إذا الضحى شعّا\rوتودُّ لو مدّت إليه يداً ... وسعت له لو أنّها تسعى\rيخشاه حتّى السيف في يده ... فيكاد يقطع حدّه قطعا\rيا من أبحت له الفؤاد هوىً ... وحجبته عن غيره منعا\rوإذا نظرت وجدته بصراً ... وإذا وعيت وجدته سمعا\rما راجحتك الراسيات حجاً ... يا من يخفّ على الصبا طبعا\rقسماً بشعث قد حدا بهم ... حادي الحجيج ويمّموا جمعا\rبمحو شنّات قد قطعن بهم ... شقق الفلا جزعاً يلي جزعا\rومعطفات كالقسيّ سرت ... رمي السهام تفلتت نزعاً\rحتّى أجزن بذي الأراك ضحىً ... وعلى المطاف حبسن والمسعى\rلقد انقلبت لبينكم بجوىً ... وضنى أضيق لوصفه ذرعا\rإنّي اتّخذت هواكم حسباً ... أعزى إليه وحبّكم شرعا\rحسبي من الدنيا هواك وما ... تولّت إن ضّرّاً وإن نفعا\rوإليك ما وشت إليك يدي ... ماليس تصنع مثله صنعا\rبأنامل لم تقض حقّكم ... ولو أنّني أعلقتها شمعا\rوقال جناب السيّد الشريف محمّد سعيد حبّوبي يهنآي جناب الحاج محمّد حسن في زواجه في سنة ١٢٩٣:\rلي في محيّاك ما للنّاس في القمر ... هدى لمسراي أو عون علي سهري\rفامرح ببرديك تيهاً إنَّ بينهما ... روح الجمال بدت في أحسن الصور\rوما رأيتك إلاّ قلت مبتهجاً ... لولا محاسن هذا لم أرد بصري\rيا شادناً لم يزل واشيه يرصده ... فما اجتمعت به إلاّ على حذر\rادنيته وقد أثاقلت من نفسي ... لما استطار إلى خدّيه بالشرر\rخشيت أحرق روضاً راق مرتعه ... أرعيته سائمات اللحظ والبصر\rونحن في مربع حاك الربيع له ... برود موشية خيطت بلا أبر\rخال الكثيب به ردفاً فغار له ... وراح يكسوه أبراداً من الزهر\rفبتُّ أعبث في أعطاف ذي غنج ... مهفهف رقصته نغمة الوتر\rمفلّج الثغر يسقى من مراشفه ... صهباء ما دنّستها كفُّ معتصر\rأرخى الغدائر أكليلا فحين بدا ... بدا بلا معجر في زيّ معتجر\rما مزّق الليل سيف من أشعّته ... إلاّ وحاك له ثوباً من الشعر\rيعطو بأتلع لو حلّت قلائده ... لما فقدن لما يبقين من أثر\rمن عقده وثناياه ومنطقه ... وراشح العرق المنهلّ بالدرر\rرأيت منتظماً يزهو بمنتظم ... وشمت منتثراً يهمي بمنتثر\rيا حاكماً جائراً في حكمه أبداً ... وأيّ ملك تولّى الحكم لم يجر\rزدني بحبّك تعذيباً أسرُّ به ... فليس لي غير ما تهواه من وطر\rقد غرّني خدّك القاني برقّته ... وما علمت بأنّ القلب من حجر\rأم هل نسيت ليالينا التي سلفت ... عجلى وأبطؤ منها لمحة البصر\rولو تطاول ليلي الدهر يجمعكم ... ثمّ انقضى عبت ذاك الليل بالقصر\rيا جارتا بزرود طال عهدك ... بالمستهام فلم يذكر ولم يزر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855705,"book_id":1863,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":215,"body":"بعد ارتفاعي في عينيك صغّرني ... مثل السهى إذ رأته العين ذا صغر\rسلي بي الخيل تنزوا في شكائمها ... فما جهلت بهذا الحيّ من مضر\rإنّي تركت طريق المجد واحدة ... كي لا يرى المجد إلاّ مقتفي أثري\rوطال باعي حتّى كاد يدرك لي ... ما لست أدركه في منتهى بصري\rبذا نظمت دراري الشهب تهنئة ... لما شهدت زفاف الشمس للقمر\rمحمّد الحسن الزاكي الذي شهدت ... بفضله فصحاء البدو والحضر\rالمطعم الجزر ابن المطعم الجزر ابن ... المطعم الجزر ابن المطعم الجزر\rمؤيّد تهتك الأستار فكرته ... حتّى يحيط بكنه الكلّ بالفكر\rوربّ علم جليل راغ عن ملك ... يغدو بجملته وقفاً على بشر\rنداه والغيث غيث عمّ سيبما ... والمنبت الحمد غير المنبت الشجر\rسرٌّ بكفّك لم يغرق مقبّلها ... وقد تلقى بفيه ديمة المطر\rفيا أخيَّ ومن أدعو سواك أخاً ... وهذه دعوة يسمو بها قدري\rقالت لحلمك رضوى حين راجحها ... ما طبع ربّك إلاّ نسمة السحر\rيا مجهداً يتمنّى أن يجيء له ... بمشبه في طوامير من السير\rخذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به ... ففي العيان وثوق ليس في الخبر\rيا راكباً ذات لوث في مناسمها ... رقىً تقيها سمام الأين والضجر\rحرف أبوها ظلم في مناسبه ... وأُمّها الحرف للمهرية الصعر\rفخلقها برزخ مابين ذاك وذي ... مثل الظليم ولكن ذاك لم يطر\rوأعجب لها ذات أخفاف وأجنحة ... حصاء من ريشها ترتاش بالوبر\rيمّم بها حيث حلَّ المصطفى بلداً ... بزري حصاه بحسن الأنجم الزهر\rوحيّه مبلغاً علياه تهنئةً ... تضمّخت من شذاه بالشذا العطر\rبفرحة صدحت تشدوا بلابلها ... كسحب كفّيك عمّت سائر البشر\rأباالغني أما في راحتيك غنىً ... عن السحاب فلم يهمي بمنهمر\rوالشمس تطلع أحياناً وقد علمت ... بأنّ وجهك بدر غير مستتر\rوهبهما حكياً بعضاً فمن لهما ... أن يجمعا شبه الأحوال والصور\rيا حائزي قصب العليا بسبقهما ... بلغتما منتهى العليا على قدر\rوما ونى واحد عن واحد فهما ... كالفرقدين خلال الأنجم الزهر\rلا تأملا صدري عن ورد ودّكما ... في المورد العذب ما يلهي عن الصدر\rبقيتما ملجأ العافي ومأمنه ... ما هيّجت مستهاماً نسمة السحر\rوقال نابغة زمانه ذوالفضل الواضح الشيخ صالح الملقّب بالحريري مهنّياً له بزواجه وبالعيد ومهنّياً أخاه المصطفى به:\rوافتك تختال بثوب الدلال ... منجزة وعدك بعد المطال\rزارتك والليل دجا يقظةً ... وكنت منها تكتفي بالخيال\rناعسة الأجفان لكنّها ... إذا رنت ترمي الحشا بالنبال\rتطعن قلب الصب في قامة ... تشرع كالرمح بيوم القتال\rإن هجرتني العمر أو واصلت ... فإنّني راض على كلّ حال\rوأنكرت وجدي فكم لي بها ... عقيق دمع فوق خدَّي سال\rلست أطيق الهجر إن لم أكن ... أُعلّل النّفس بيوم الوصال\rياما أحيلي ليلة أشرقت ... بطلعة تخجل بدر الكمال\rيا لائمي دعني فقد عمّني ... نور محيّاً فيه أبصرت خال\rالكأس فيما بيننا كوكب ... والراح شمس والمدير الهلال\rوكم سقتني ليلة الوصل من ... رضا بها المعسول خمراً حلال\rتجود في قهوتها مثلما ... تجود كفّ المجتبى بالنوال\rالحسن الأخلاق من فضله ... أنسى الورى فضل السحاب الثقال\rقل للذي رام إذا ما سعى ... يدنو إلى علياك رمت المحال\rأقصر ولو أصبحت ذا رفعة ... ما أبعد الجوزاء من أن تنال\rفأنت رأس الفخر صدر العلى ... وأنت قلب المجد روح الكمال\rفديتك النفس أخا المصطفى ... وما حوت يمناي عزّاً ومال\rأتحفك الدهر بإقباله ... تحفة بشرى لكم لا تزال\rقد زارك العيد به فاحتفل ... زورة ظبي غنج ذي دلال\rفيك نهنّي العيد يابن الأولى ... سموا سماء المجد دون الرجال\rوكنت أنت المقتفي نهج من ... قد كانت الدنيا عليه عيال\rصالح هذا الدهر من كان في ... راحته الراحة يوم النوال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855706,"book_id":1863,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":216,"body":"ما أصلح الدهر سوى صالح ... بالبذل والحلم وصدق المقال\rفمن سواه قد بنى كعبةً ... كانت هي المأوى لنا والمئال\rماانفكّ عنها الدهر قصّادها ... لها مدى العمر تشدّ الرحال\rفإنّ في ساحتها المجتبى ... يبدؤ بالإعطاء قبل السؤال\rفدم مدى الأيّام والمصطفى ... أخوك في نعماء من ذي الجلال\rلا يحسن التاريخ إلاّ له ... قارن بدر السعد شمس الجمال\rوممّا قاله السيّد الشريف الذي أبدع في اختراع بدائعه الرائقة، وبرع في ابتداع إختراعه الفائقة، السيّد محمّد سعيد حبّوبي النجفي دام مشمولاً باللطف الجلي والخفي، مادحاً توأمي المجد الأشم، وعمادي السؤدد الأقدم، الأفخمين الأعظمين الحاج مصطفى والحاج محمّد حسن دام علاهما مدى الأيّام، ما سجعت على الأراكة ورق الحمام:\rمنح الصبابة أضلعاً وفؤادا ... وعصته سلوة مقصر فتمادى\rوطغى عليه الحب وهو أميره ... فأطاع جامح قلبه وانقادا\rولهان يفرح إن دنا أهل الحمى ... منه ويحزن إن نأوه بعادا\rبعثوا الخيال وما رقدت فليتهم ... بعثوا إليّ مع الخيال رقادا\rأحيي الدجى قلقاً كأنّ نواظري ... خلقت محاجرها قذىً وسهادا\rقلق الوساد كأنَّ من أهواه قد ... أهدى وشاحيه إليّ وسادا\rقطف العيون ارورد من وجناته ... غرس المضاجع للمحبّ قتادا\rيا غارساً بالجزع روضة حسنه ... ومخيف رائدها ظباً وصعادا\rكنيت عنك بمن سواك مورياً ... بهوى سعاد وما هويت سعادا\rأعرضت عنّي وادّعيت مودّتي ... أرأيت أعراضاً يكون ودادا\rإن لم تساعف بالوصال فربّما ... عوّدت قلبي للجفا فاعتادا\rولقد أزورك بالمنى وخداعها ... وأجوب في فكري إليك وهادا\rأبق فؤادي جمرة لا تطفه ... فالنّار إن خدمت تعود رمادا\rإنّي تعبّدني الهوى لمغنّج ... دان الجمال لعزّه وانقادا\rكبر الوقور إذا مشى يعتاده ... حتّى إذا غلب الدلال تهادى\rفكأنَّ في برديه ملكا ظافراً ... جذلان أبدى زهوه وأعادا\rقاس رقيق نال من زهر الربى ... خدّاً ومن زبر الحديد فؤادا\rفإذا هززت هززت منه أراكة ... وإذا سئلت سئلت منه جمادا\rلا يستجيب ولا ينيب ولا يثيب ... ولا يقيل ولا ينيل مرادا\rينأى فلا بعد الدنوّ فإن دنا ... يوماً نوى لك فرقة وبعادا\rوتريبه عيني تخالس لحظه ... وضنىً طلى جسدي عليه جسادا\rإنّي لأستر عفّتي بخلاعتي ... وأريد فيما أنتحيه مرادا\rوالضد قد يبدو بمظهر ضدّه ... أوما ترى نور العيون سوادا\rبذمام ذيّاك الغزال حشاشة ... أسرت ولم تقبل فدىً فتفادى\rأخذ الحشاشة ثمّ ضنَّ بردّها ... وأبى البخيل بأن يكون جوادا\rلله يوم وداعه من عصبة ... وقفت وقد سرت الجمال وخادا\rوقفت بهم أقدامهم أن يقتفوا ... أثر النياق فأركضوا الأكبادا\rفوق الركائب أنجم لا تجتلي ... ورياض حسن تمنع الروّادا\rعرب معاطف غيدهم ورماحهم ... سيّان كلّ ينثني ميّادا\rسلوا لواحظهم فكنَّ صوارماً ... وغدت ذوائبهم لهنّ نجادا\rفتخال كلاًّ في المحاسن يوسفاً ... وتخال من مصر له بغداد\rيا ربع لذّاتي ومربع جيرتي ... روى معاهدك الغمام وجادا\rلا أبتغي للوصل فيك نهاية ... أبداً ولا للعيش فيك نفادا\rلا والذي سمك السموات العلى ... وأقامهنَّ وما أقام عمادا\rودحا البسيط صحارياً وصحاصحاً ... وسباسباً وفدافداً ووهادا\rلا أرتضي غير الأكارم معشراً ... يوماً ولا غير العراق بلادا\rكلاّ ولا أنشي لغير المصطفى ... وأخيه قافية تروق نشادا\rالباذلين لكّ ثاو بلغة ... والمتبعين لكلّ ركب زادا\rوالسابقين بكلّ حلبة مفخر ... والجائزين من العلى الآماد\rسلكا من العلياء نهج أبيهما ... إنّ الشبول لتقتفي الآسادا\rعلمي هدىً قمري دجىً مطري جدى ... إن أرشدا أو أشرقا أو جادا\rوتجاريا فتباريا وتساويا ... في كلّ ما قد أبديا وأعادا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855707,"book_id":1863,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":217,"body":"الكلُّ يأبى ما أباه شقيقه ... خلق الكرام وما أراد أرادا\rكالناظرين على الزمان تراهما ... يتشاركان معاً كرىً وسهادا\rلم تغتمض عين إذا ما أختها ... أرقت ولا هي تستطيع رقادا\rفهما يد العلياء ساعة بطشها ... أو ناظراها المبصران رشادا\rمن معشر ضربوا رواق بيوتهم ... فوق السماك وغادروه مهادا\rوإذا الفخار غدا هنالك حلبة ... ركبوا مساعيهم فكنّ جيادا\rومن العزائم ينتضون صوارماً ... ومن الحفائظ يشرعون صعادا\rمادت لبشرهم البسيطة بهجة ... فرست حلومهم بها أطوادا\rءأباالغني وتلك أسمى كنية ... تدعى بها بين الورى وتنادى\rشكرت مساعيك البلاد وأهلها ... وإليك قد ألقى الزمان قيادا\rطأ فوق متن الفرقدين بأخمص ... وأسحب على فرقيهما الأبرادا\rإن أعرقت عيس إليك أرحتها ... وكفيتها الإتهام والإنجادا\rوإلى أبي الهادي انتهت جمل الثنا ... وأحاط فيها طارفا وتلادا\rالمخرس البلغاء والمعيبهم ... حججاً تسلُّ على الخصوم حداد\rيتهلّل النادي ببهجة بشره ... كالروض راوحه الغمام وغادى\rيبدو بمنبلج الجبين تخاله ... شمس الضحى والكوكب الوقّادا\rتسمو لطعلته العيون تشوّقاً ... لترود أحسن منظر مرتادا\rيتباشرون إذا رأوه كأنّه ... برق وراء المحل زفَّ عهادا\rشرف القبائل في مواقف فخرها ... إن طوّقت بهباته الأجيادا\rأخويَّ إن ضاقت بوصف علاكما ... سعة القريض وما بلغت مرادا\rفلي القوافي الشاردات كأنّها ... حصّ الجمان يقلّد الأجيادا\rمن كلّ معربة المتون تناسقت ... مثنى فرائد درّها وفرادا\rلولاكم ما كنت أنظم عقدها ... يوماً ولا أعطيتها الإنشادا\rأخويَّ فلتشرق شموص علاكما ... بسما المكارم تصحب الآبادا\rوكتب أيضاً علم العلم والأدب، نادرة الدهر وفريد العصر السيّد محمّد سعيد حبّوبي النجفي إليه من النجف هذه الموشّحة البديعة يهنّيه بها في زواج ولد أخيه عبد الغني ويهنّي أباه الحاج مصطفى وقد قدّم قبلها هذه الأبيات والفقرات:\rعليك سلام الله ما غرّدت ورق ... وما هلّ وسميٌّ وما أومض البرق\rوما نظرت بالروض مقلة نرجس ... جرى من ضروع المزن مدمعها الودق\rوما حنَّ مشتاق إلى ما يشوقه ... ومادام للقلب العلوق بكم خفق\rوما غربت شمس النهار وأشرقت ... ومادام من أوطانها الغرب والشرق\rأحبّك حبّاً لست أدري خواطر ... من الخبل تعروني لذلك أم عشق\rفأخرس عن نطقي وتجري محاجري ... بسرّي وكاد القلب إذ ذاك ينشق\rفربّ لسان كالعيون له بكاً ... وربّ عيون كاللسان لها نطق\rهذا وقد وجّهت إليّ وجهتكم هذه الموشحة التي هي لتهنية المجد بكم مرشّحه، فإن شملت منكم بالقبول، فإنّ ذلك غاية المأمول.\r\rهزّت الزوراء أعطاف الصفا ... وصفت لي رغدة العيش الهني\rفارع من عهدك ما قد سلفا ... وأعد يا فتنة المفتتن\rعارض الشمس جبيناً وجبين ... لنرى أيّكما أسنى سنا\rواسب في عطفك عطف الياسمين ... وانثنى غصناً إذا الغصن انثنى\rحبّذا لو قلبك القاسي يلين ... إنّما قدّك كان الألينا\rفانعطف غسناً إذا ماانعطفا ... قدّك المهزوز هزَّ الغصن\rإنّ في خدّيك روضا شغفا ... مقلة الرائي وكفّ المجتني\rيا غزال الكرخ وا وجدي عليك ... كاد سرّي فيك أن ينهتكا\rهذه الصهباء والكاس لديك ... وغرامي في هواك احتنكا\rفاسقني كأساً وخذ كأساً إليك ... فلذيذ العيش أن نشتركا\rأترع الأقداح راحاً قرقفا ... واسقني واشرب او اشرب واسقني\rولماك العذب أحى مرشفا ... من دم الكرم وماء المزن\rمن طلاً فيها النديّ ابتسما ... إذ سرت تارج في نشر العبير\rأطلعت شمس سماها أنجما ... من حباب ولها البدر مدير\rفالسما أرض أو الأرض السما ... إذ غدت تلك كهذي تستنير\rفي ربوع ألبستها مطرفا ... أنمل الزهر من الوشي السني\rوحمام البشر فيها هتفا ... معرباً في لحنه لم يلحن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855708,"book_id":1863,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":218,"body":"وحميا الكاس لمّا صفقت ... أخذت تجلى عروساً بيديه\rخلتها في ثغره قد عتقت ... زمناً واعتصرت من وجنتيه\rمن بروق بالثنايا ائتلقت ... في عقيق الجزع أعني شفتيه\rكشفت ستر الدجى فانكشفا ... وانجلى الأفق بصبح بين\rاكسبتنا إذ سقتنا نطفا ... خفة الطبع وثقل الألسن\rسلها حمراء من إبريقه ... بسنا تحسبها نار الفريق\rوغدا يمزجها من ريقه ... حبّذا مزج رحيق برحيق\rرقصت بالدن من تصفيقه ... حبباً كالدر في ذوب العقيق\rرسب الياقوت فيها وطفا ... فوقه لؤلؤه الرطب السني\rما رآها البرق إلاّ انشغفا ... بسناها شغف المفتتن\rأنت يا روحى المنى روحي فداك ... مسقمي حبّاً ومبري سقمي\rأتشكّى لك من سيف جفاك ... لا تبح يا مانع الريق دمي\rقد شبت الخمر لكن كلماك ... ما رأت عيني ولا ذاق فمي\rلو به ابتلَّ غليلي لانطفى ... لا بدمع حرّه أشعلني\rكلّما كفكفت منه وكفا ... فوق خديَّ وكيف المزن\rأصبحت روحي في مثل الخلال ... إذ تلاشى الجسم في علّته\rوأنا أصبحت عن شخصي مثال ... بارزاً للناس في صورته\rمن رآني خالني طيف الخبال ... واعتراه الشك في يقظته\rلا تسلني عن نحولي فجفا ... ناحل الأجفان قد أنحلني\rمن لذي جسم عليل نحفا ... بالهوى ليت الهوى لم يكن\rمن رشاً لمّا تبدّى رابعا ... أشرق افترَّ تثنّي نفرا\rقمرا ثمّاً وبرقاً لامعاً ... وقنا لدناً وظبياً أعفرا\rإن بدا أبدى الربيع اليانعا ... وعن الزهر المندى أسفرا\rخدّه والصدغ فيه اكتنفا ... وردة محفوفة في سوسن\rأو شقيق فوق الآس ضفا ... أو كميٌّ متّق في جوشن\rأو هو الديباج زرته الحسان ... في قميص من حرير أخضر\rأو هو الياقوت في عقد الجمان ... ناطه الزنجيى فوق المنحر\rأو هو الجمر ذكا بين الدخان ... أو هو الكافور تحت العنبر\rأو هو الدينار حين انصرفا ... في يمين الحبشي الأدكن\rأو هو المرّيخ شقّ السدفا ... وترائي في الظلام المردن\rقرطوه بالثريا والأثير ... ولووا في جيده طوق الهلال\rوكسوه دون موشي الحرير ... قمص العزّ وأبراد الدلال\rوجلوه جلوة البدر المنير ... قمراً يشرق في برج الجمال\rكسروي الشكل رومي القفا ... يوسفي الحسن صلت المرسن\rقلبه ينحت من صمّ الصفا ... وجنى وجنته الورد الجني\rأنا آساد الشرى دون الشرى ... نتّقيني فلماذا أتّقيه\rمن مريض الجفن كم قد شهرا ... صارماً فيه حمى رشفة فيه\rودمي طلَّ لديه هدرا ... أراه إن ودى القتل يديه\rماله ساق لجسمي التلفا ... وهو في شرع الهوى لم يضمن\rلا تقل يحكم فينا جنفا ... إنّه أدرى بهذي السنن\rوافر الأرداف أبدت نقصه ... بدقيق الخصر إذ رجّت لديه\rما تأمّلت بعيني شخصه ... غيرة من نظر العين عليه\rولو اسطاعت لكانت قمصه ... أعين ما نظرت إلاّ إليه\rإنّها منذ تولّى وجفا ... هجرت حتّى لذيذ الوسن\rأنا أهوى أن يراها مألفا ... لتقيه أعيني من أعيني\rملك بالحسن أصحى معجبا ... وهو لا يحكم إلاّ في القلوب\rإن جنى ذنباً تجنّى مغضبا ... وله من ذنبه نحن نتوب\rمن رأى قبلك يا غضّ الصبا ... مذنباً يجزي بريئاً بالذنوب\rقلت إذ مرّ بقدّ أهيفا ... ومن الدهشة ما يخرسني\rأيّها الساكن قلبي مألفا ... كيف ترضى بحريق المسكن\rفاحد بالركب إذا الركب حدا ... فيه يوماً وأقم ما إن أقام\rيمن نجداً إذا ما أنجدا ... وإذا اتهم فالمسرى تهام\rوهو إن يشهد فامّ المشهدا ... وسلام لك من دارالسلام\rإن ثوى جسمي فحلَّ النجفا ... ففؤادي عنده لم يظعن\rأين من حلوا بجمع والصفا ... من مقيم بالغريّ الأيمن\rأيّها العّذال كفّوا عذلكم ... بالهوى العذري عذريى اتّضحا\rوامنحوا يا أهل نجد وصلكم ... مستهاماً يتشكّى البرحا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855709,"book_id":1863,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":219,"body":"واذكروني مثل ذكري لكم ... ربّ ذكري قربت من نزحا\rالوفا يا عرب يا أهل الوفا ... لا تخونوا عهد من لم يخن\rلا تقولوا صدَّ عنّا وجفا ... عندكم روحي وعندي بدني\rأنا ما حوّلت عنكم شغفي ... لا ولا من سكرتي فيكم صحوت\rعنكم لم أسل في شيء وفي ... قربكم عن كلّ شيء قد سلوت\rليس في الدّنيا صفيٌّ أو وفي ... أنا قد جرّبت جيلي وبلوت\rفلكم جبت إليكم نفنفا ... طالباً أوطانكم من وطني\rفحفت عيسى ومن بعد الحفا ... لم تجد في الربع غير الدمن\rيا معيسيل اللمى خذ بيدي ... أنا في حبّك مشبوب غريق\rبتُّ أستشفي بدمعي كبدي ... كيف يستشفي حريق بحريق\rفخذوا دمعي وردّوا كمدي ... ليس لي فيكم رفيق أو فريق\rأسفاً من أهل نجد أسفا ... كيف أهواهم وهم من زمني\rوإذا نبت البطاح اختلفا ... غلب الشوك على الورد الجني\rلا تخل ويك ومن يسمع يخل ... إنّني بالراح مشغوف الفؤاد\rأو بمهضوم الحشا ساهي المقل ... أخجلت قامته سمر الصعاد\rأو بربّات خدور وكلل ... يتفننَّ بقرب وبعاد\rإنّ لي من شرفي برداً ضفا ... هو من دون الهوى مرتهني\rغير أنّي رمت نهج الظرفا ... عفّة النفس وفسق الألسن\rلست بالغيد مشوقاً مغرماً ... لا ولا أستسقينهنّ الأكؤسا\rأو تصببني الغواني بعدما ... حاك لي مبيض فودي برنسا\rفابغ من حزمك طرفاً ملجما ... إذ غدت خيل التصابي شمّسا\rوالهُ واسلُ ويك عمّن سلفا ... عهده حتّى كأن لم يكن\rإن يخنك الصبر فالأنس وفا ... يوم تزويج الفتى عبد الغني\rسعد بالسعد انجلى قطر العراق ... مالئاً بالبشر أقطار الملا\rوحميا الأُنس تجلوها الرفاق ... وبها مجلس الأنس كملا\rفاسقني سقيت بالكاس الدهاق ... إنّنا اليوم بلغنا الأملا\rفاتلُ من غرّ القوافي صحفا ... ما يعيها القلب قبل الأذان\rحاليات بتهاني المصطفى ... وأخي الحمد أخيه الحسن\rعارضا عاف وروضا رائد ... نبتا من قبل نبت العارضين\rأملا راج وغيضا حاسد ... من رأى الغيضين كانا أملين\rما تعدّا واحد عن واحد ... باقتران كاقتران الفرقدين\rجريا مجراهما ماختلفا ... مستقلّين معاً في سنن\rلا يزل شملها مؤتلفا ... أبد الدهر وعمر الزمن\rقل لشاني المصطفى كنت الفدا ... للذي ترهب من أنصله\rملك ما إن تجلّى أو بدا ... سجد الدهر على أرجله\rوإذا غاضت ينابيع الندى ... أخذت تمتاح من أنمله\rوالحيا من راحتيه اغترفا ... فسقى الأرض بغيث هتن\rتحسب التبر لديهخزفاً ... باذلاً ما يقتنيه المقتني\rيتبع الهمّة ماضي عزمه ... فيرى الأبعد أدنى ما ينال\rوتراه هيّناً في سلمه ... وإذا ناضل يصمي بالنضال\rلا تهال الحرب إلاّ باسمه ... وهو من حرب الضواري لا يهال\rيسم الصعب إذا ما أرجفا ... سمة الذلّ إلى أن ينثني\rلو بشمّ الراسيات اعتكفا ... واختفى خائفه لم يأمن\rوأخوه القرم وقّاد الذكا ... كان أن يهتك أستار الغيوب\rكلّما صوّب فكراً أدركا ... خالص الرأي من الرأي المشوب\rقد براه الله ملكاً ملكا ... طيّب الأعراق تهواه القلوب\rجاء في الحلم يضاهي الأحنفا ... وحجاً رضوى به لم توزن\rوذكاء وتقى ما عرفا ... لأياس وأويس القرني\rترجمت خلقك لي ريح الصبا ... مذ سرى طبعك في أنفاسها\rفسرت تفضح أزهار الربي ... بشذاً فاق الشذا من آسها\rكاد لولا شانه أن يشبا ... طبعك المصبي الطلا في كاسها\rبمراس لك لولان الصفا ... ملمساً ملمسه لم يلن\rوشبا عزم يفلُّ المرهفا ... ويقود الصعب قود المذعن\rأنتما من أُسرة المجد الأثيل ... ما تخطّى بعضهم عن بعضهم\rورثوا المجد قبلاً عن قبيل ... وتعاطوه تعاطي فرضهم\rوإذا ما أجدب الربع المحيل ... أخصبت جوداً مغانيى أرضهم\rهذه العلياء لا ما زخرفا ... من أسانيد دنيّ لدني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855710,"book_id":1863,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":220,"body":"شرفا آل المعالي شرفا ... فبكم أشرق وجه الزمن\rكانت الدنيا جماداً يبسا ... فسقوها وهم أندى المزن\rبيد قد عمّ حين انبجسا ... سيبها أهل الصحاري والمدن\rوأبي لولاكم لاندرسا ... مربع العلياء لا بل لم يكن\rوغدا المعروف قاعاً صفصفا ... ليس في مغناه غير الدمن\rأنتم جدّدتموه مذ عفا ... وأبنتم منه مالم يبن\rأنتم الناس بلى ثمّ بلى ... والأيادي البيض أقوى حجج\rأنتم الناس فخاراً وعلا ... وسواكم من سوام الهمج\rعطل الأجياد من كلّ حلى ... لم يسيروا للعلى في منهج\rحاولوا العزّ فنالوا الصلفا ... وتولّوا باشتباه بيّن\rسيّر الرائي إذا ما انكشفا ... ذلك السرّ انكشاف العلن\rفرس العلياء ماانفكّت جموح ... لم ترض ظهراً لمن يركبها\rكم رأت من جسد مافيه روح ... فرمته ما درى مذهبها\rلا تغرّنّك أجساد تلوح ... نضرة فيها فذا مطلبها\rليس هذا الضرب إلاّ خزفا ... أي ومن في فضله سدّدني\rسل عن العسجد منّي صيرفا ... إنّني أدرى بما في معدني\rلا تؤمّل من لئيم كرما ... ليس للطرفا دخان طيّب\rوإذا استجديت يوماً ديّما ... فاختبر أيّ الغمام الصيّب\rدع أُناساً قد تصدّوا برما ... وهم في جبّ جهل غيّبوا\rقد تودُّ الأرض أن تنخسفا ... وهم في ظهرها كالبدن\rلم تجد في مائهم قطّ صفا ... لا ولا في الكأس غير الدرن\rأنتم القوم الذين اتّسعا ... في معاليهم مجال الشعرا\rحاولوا حصراً لها فامتنعا ... وأبت شهب السما أن تحصرا\rشرفاً فضلاً كمالاً ورعاً ... كرماً عزّاً علاً مفتخرا\rسلّم الفضل لكم لو أنصفا ... مستبدٌّ بلجاج بيّن\rذاك لو أصغى لشعري انكسفا ... وتلوّى كتلوّي المحجن\rيا أباالهادي وما أملحها ... كنيةً تحلو مذاقاً بفمي\rهاكها غرّاء قد وشّحها ... لؤلؤ لولاك لم ينتظم\rأملت منك بأن تمنحها ... بقبول يا جميل الشيم\rلم أقل ما قلت إلاّ شغفا ... بك يا حلية جيد الزمن\rليس قصدي وقصيدي اختلفا ... أنا من وافق سرّي علني\rفصل في نبذ من فرائد نظمه\rوقد تقدّمت منه نبذة يسيرة في مقدّمة التاب، فمنه قوله:\rشجاك هوى الملاح فذبت وجدا ... ونادمت السهى أرقاً وسهدا\rوأشجيت الحمائم في مناح ... يهدُّ حشاك والأطواد هدّا\rوراعك يوم ذات الأثل ظعن ... ألحَّ عليك بالزّفرات وخدا\rفصوح من زفيرك كلّ زهر ... وعاد بدمعك الزهر المندّى\rفدع نجداً وسكّاناً بنجد ... أليس الكرخ قد أنساك نجدا\rبأغيد أبهر النسمات لطفاً ... وراع شقايق النعمان خدّا\rوأخجل سرب آرام المصلّى ... لحاظاً والغصون الميد قدّا\rأرقّ من النّسيم الغضّ طبعاً ... له قلب من الجلمود قدّا\rكليلات لواحظه ولكن ... نبا لمضائها الهنديّ حدّا\rفيا لله من لحظات ريم ... لعوب بالفؤاد تروع أسدا\rفلا والله لا أنسى لألفي ... غداة معالم العلمين عهدا\rولا والله لا أنسى سلاماً ... أبيت له سوى العبرات ردّا\rومنه قوله:\rرعى الله ربعاً جاده مرزم الحيا ... ترامت به أيدي المطي الرواسم\rمشين سراعاً يستبقن إلى حمى ... به ولعي من قبل شدّ التمائم\rفياسائقاً ظعن الخليط تحيّة ... إلى سكن عن مغرم فيه هائم\rيبيت بلبّ طائش ونواظر ... تنقّب شجواً بالدموع السواجم\rومنه قوله:\rرقص المدمع من غناء الحمام ... لليال مضت بدار السلام\rفي مغان كجنّة الخلد فيها ... ضحك الروض من بكاء الغمام\rفاسقياني وغنّيا باسم ألفي ... فعسى باسمه ترقّ مدامي\rلست أنساه مائساً يتثنّى ... بالرديني من رشيق القوام\rإنّ ليلي من وجهه في انبلاج ... ونهاري من شعره في ظلام\rإن يكن يوسف الجمال فإنّي ... أنا يعقوب لوعة وهيام\rأنا نشوان للقيامة سكراً ... بمعانيه لا بكأس وجام\rأنا لم أدر إن تذكّرت ألفي ... أحياتي بذكره أم حمامي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855711,"book_id":1863,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":221,"body":"رشق القلب يا خليلي عمداً ... بسهام اللحاظ لا بالسهام\rفعيوني من هجره في انهمال ... وفؤآدي من حبّه في اضطرام\rخدّه أخجل الورود وأزرى ... لحظه البابليُّ بالآرام\rوله زيد علاه:\rأنا أشجيت يا منى حوبائي ... بمناحي حمامة الجرعاء\rوففضحت البروق عند زفيري ... وبدمعي مدامع الأنواء\rصوّح الروض من زفيري لو لم ... يجر من مقلتي بفيض الماء\rولقد زوَّر الخيال لعيني ... طيف ظبي بالكرخ والزوراء\rيا منائي أين الليالي اللواتي ... بك راقت وهل سواك منائي\rأنا راض ولو بطعن فؤادي ... منك دلاًّ بالقامة الهيفاء\rأنا لا أختشي سوى فتك سيف ... غمده جفن عينك النجلاء\rلا تسلني يا ريم عن داء قلبي ... إنّ من نجلك المريضات دائي\rعمرك الله حيّني بسلام ... واحي قلبي بالريقة اللعساء\rوله دام مجده:\rقدَّك يا ريم الحمى بانه ... فتنثني أم ساق ريحانه\rفامرح بإبراد الصبا لاهياً ... ودع معناك واشجانه\rصرعنني أجفانه بالحمى ... لمّا سبت باللحظ غزلانه\rوراك عن لومي يا لائمي ... لا يملك المشتاق سلوانه\rهل كيف نيران الحشا تنطفي ... وحبّه أسعر نيرانه\rأم كيف أصحو من خمار الهوى ... وقامة المحبوب نشوانه\rفتنت حبّاً يالقومي به ... وعينه النجلاء فتّانه\rومن قوله:\rأرقت ولي بين الخيام مغنّج ... يخامره من ناظريه مدام\rرماني بألحاظ فأصمى بها الحشا ... وما ذاك إلاّ أنّهنّ سهام\rفبلّغه إن هزّتك من أريحيّة ... شمول قفاها نشوة وغرام\rسلام مشوق كلّما رقّق الصبا ... حواشيه أو ما راق منه سلام\rوقال أيضاً أيّده الله تعالى:\rوليلة جلببتها برد أنوار ... نضّارة الأُفق عن هالات أقمار\rبيضاء قد باهلت خضرائها فارت ... حمراء دجلة فيها جدَّ أسفار\rقد زخرفت جبهات الأُفق فانتظمت ... بها الكواكب من راس ومن سار\rولوح ابن علاّط في مجرّتها ... كأنّه زورق يجري بأنهار\rكأنَّ ما نظمته نثر منتظم ... وأنَّ ما نثرته نظم أنثار\rفذي بدجلة ما قد أبدعته وها ... أبراجها مثلاً بالصفو والجاري\rياليلةً صفو عيشي في هواك صفا ... لا شاب صفوك توديع بأكدار\rيروقني منك للطاووس أجنحة ... ترفُّ لكنّما ارتاشت بأزهار\rسهرتها والأماني الغرّ تحدق بي ... وبتها ونجوم الليل سمّاري\rبساحة لثمت خدّي شقايقها ... فوردته نسيمات من الساري\rفرشنها سوسناً أيدي الربيع فإن ... فوفن بالورد وشاها بنوّار\rأذكى الشقايق فيها مثل ماالتهبت ... في وفرة الليل إقباس من النّار\rأحال ريّا خاماها يداً حملت ... مجامراً أوقدتها المندل الداري\rباهى بها الأُفق حتّى لو أعدَّ له ... أسحاره ثمّ لاقاها بأبكار\rلم أقض من صفوها لا والهوىوطري ... وكم قضيت من العلياء أوطاري\rوكم سكرنا ولم نشرب بكاس طلا ... وكم طربنا ولم نضرب بأوتار\rإذ راح فيها حمام الأيك يسمعني ... نقر المزاهر أو تنغيم مزمار\rوروح القلب فيها نشر سارية ... من النسيم استشالت ذيل أسحار\rفضوّعت بشذاها أفق ساحتنا ... كما تضوع بنشر الحمد أطماري\rوبات سيّار ركب القلب يذكر لي ... في مهمه الحب إدلاجاً لأكوار\rفيا رشا بضميري طاب مرتعه ... لم يجد في كتم سرّ الحبّ أضماري\rهتكت أستار ليل الهجر مبتسما ... بطلعة هتكت في الوصل أستاري\rفإن أطقت زماناً كتم عالجتي ... على هواك فقد نمّت بأسراري\rأثرن نقع هيامي خيل عاذلتي ... على هواه فلم يقفين آثاري\rمهفهف القدّ قاني الخدّ ذو هيف ... حلو المعاطف مجدول بزنّار\rلم أدر ما شعّ في خدّيه من قبس ... أمن لظى القلب أم من جذوه النّار\rوما هداني من وضّاح مبسمه ... أكاس صهباءَ أم مقباس أنوار\rفاسكر الصبّ وهناً من محاجره ... مالم يعتقه في حانوت خمّار\rبدرت اشتار شهداً من مراشفه ... ولم أكن قبل ذا يوماً بمشتار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855712,"book_id":1863,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":222,"body":"لا تأخذي بارتيابي في هواه فقد ... زرت على عفّة ياميُّ أزراري\rومنه قوله:\rنور الأفاحي ثغره ... منهما بدا منه ابتسام\rوالأقحوان شيق خدّ ... يه وربقته المدام\rوالبان مائس قدّه ... وجفونه الوسنى سهام\rوالليل فاحم جعده ... فأظلّنا منه الظلام\rوالصبح وجنة خدّه ... فعلى محيّاه السلام\rومنه قوله:\rكم ليلة من ليالي الشوق مقمرة ... هبّت بها نسمات الشوق والشغف\rسهرتها محصباً منها كواكبها ... مراعياً بدرها من شدّة الدنف\rفمذ أبت مقلتي إلاّ انسكاب دم ... وأشرفت كبدي الحرّا على التلف\rقال النديم على م الوجد قلت له ... نعم تذكّرت من قد حلَّ بالنّجف\rفقطّت قلبي الذكرى وبرح بي ... شوق ملح وتوق أوهنا اكتفي\rوله حرسه الله:\rمالي ومالك يا أغن ... فالقلب عندك مرتهن\rأنت الذي إن زرتني ... أذهبت عن قلبي الحزن\rوإذا هجرت متيّماً ... غادرته غرض المحن\rبجفاك واصلني الجوى ... حتّى جفا جفني الوسن\rفأملك عليَّ حشاشتي ... يا مالكي من غير من\rقد كنت تمنحني المنا ... وتزور سرّاً أو علن\rفشحذت لي حدّ الظبا ... وقلبت لي ظهر المجن\rيا راكب الحرف التي ... تجتاب سهلاً عن حزن\rهلاّ مررت بربعهم ... وحبست في تلك الدمن\rونشدت ثمّة مهجة ... عبثت بها كفّ الزمن\rينزو فؤادي كلّما ... برق من الزوراء عن\rفيها بديع محاسن ... ملك الفؤاد بلا ثمن\rيامن بنقض عهوده ... في الودّ نقض العهد سن\rإنّي لذكرك حافظ ... حفظ الفرائض والسنن\rوله دام فضله:\rوشادن في المحجّه ... أعلى من الشمس حجّه\rما رقَّ غصن صباه ... إلاّ وزادك بهجه\rغدا لعيني نورا ... وللحشاشة مهجه\rيسبي العيون بغنج ... أفدي بروحي غنجه\rأنار وهو هلال ... قد أصبح القلب برجه\rفالشمس تقفو سناه ... والبدر ينهج نهجه\rأورى بقلبي ناراً ... وغادر العين لجّه\rيا أغيداً كلّ واد ... للدلّ جاوز فجّه\rقم عاطني الجام صرفاً ... أو فاجعل الريق مزجه\rعلى أزاهر روض ... قد دبّج الورد مرجه\rكفّ الحيا طرزنه ... وأحسن النور نسجه\rوقال أيّده الله:\rراق النسيم وطبع من أهوى ... وسلاف فيه جنّه المأوى\rوصفت معاهدنا فلا عدمت ... نفسي لييلات الهوى صفوا\rوأغرّ إذ راقت مراشفه ... لم أدر إلاّ المنّ والسلوى\rوكأنّما قبسٌ بوجنته ... وعلى لظاه أضالعي تطوى\rما ألهف الحرّان عن برد ... يرنو إليه ومنه لا يروى\rإن تلو من عزمي أعنّته ... فلغير من أهواه لا تلوى\rأو يقو عن حلو اللما جلدي ... فعلى مرير الصدّ لا يقوى\rيا غصن ما أحلى شمائله ... وآهاً إليه يجود في رضوى\rقد أوهنت كشحيه مجهدة ... أردافه فحذار أن تهوى\rياطيب ليلتنا وقد عبثت ... أبدي النسائم في ربى حزوى\rحيث النديم بها أخو غنج ... حلو المراشف أشنب أحوى\rبسواد طرّته النهار دجا ... وبصبح غرّته الدجى أضوى\rلست الملوم وقد بدا شغفي ... متضاعفاً فبثثت بالشكوى\rفلقد غويت بريقه وعلى ... من عاود النشوات أن يغوى\rوقال يصف النارجيليه ويتغزّل:\rيا نارجيليّةً تهدى بكفّ رشاً ... حلو الدلال رشيق القدّمياس\rغضّ الشبيبة أحوى الطرف ذي غنج ... أرقّ طبعاً من الصهباء في الكاس\rحكيت لي نغمة الموسيق مطربة ... برجع صوت مجيب جذب أنفاسي\rكأنّ رأسك والمقباس كلّله ... تاج تحلّى بياقوت على الراس\rفبنى عليه السيّد محمّد سعيد حبّوبي وقال يصفها أيضاً:\rونارجيليّة تهدى بكفّ رشاً ... حلو الدلال رشيق القدّمياس\rظلّت تعربد في كفّيه شاربة ... من ريقه العذب لا من نهلة الكاس\rحتّى إذا جاد لي فيها بثثت بها ... وجدي عياناً تراه أعين النّاس\rحيث الدخان إذا ما جاس في كبدي ... موهّت في نفحه تصعيد أنفاسي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855713,"book_id":1863,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":223,"body":"جائت تزر فويق الماء مأزرها ... وفوق مفرقها لئلاء مقباس\rأعديتها داء برحائي معاكسةً ... فالدمع في قلبها والنّار في راس\rوقال يصف مجلساً كان فيه السيّد محمّد سعيد والسيّد عبّاس المتقدّم ذكرهما:\rحبّذا مجلساً تضمّن قوماً ... من نسيم الصبا أشفَّ طباعا\rفهم أنجم المعالي ولكن ... تّخذوا هامة النّجوم رباعا\rوقصار الأنساب يقصر عنهم ... من سواهم وإن تطاول باعا\rنشروا من على لوي لواءً ... فيه من طيب نشره الكون ضاعا\rوقال مقرضاً على أبيات للشريف الألمعي السيّد حسين بن السيّد راضي القزويني وأوّلها:\rمابين سلع ومنى ... ريم على الخيف رنا\rماالسيف إلاّ طرفه ... وقدّه لدن القنا\rإلى أن يقول:\rياسيف يمناي التي ... أرهبت فيه الزمنا\rومن إذا ما زارني ... أذهب عنّي الحزنا\rأحسنت في نظم ولا ... زلت حبيباً محسنا\rقد راقني في رقة ... فيها فؤادي افتتنا\rفكم تذكّرت بها ... سرور عيش ظعنا\rأيّام آنسنا لدى ... طور الهوى نارالهنا\rحيث الربيع مزهر ... والبدر وقّاد السنا\rوالقلب مرتاح بمن ... كان لقلبي سكنا\rوممّا قاله أيّده الله:\rلك طبع أرقُّ من نفحة الورد ... ووجه من أبلج الصبح أسنى\rولحاظ من الصوارم أمضى ... وقوام فاق الردينيّ حسنا\rكيف لا أتّقيهما بفؤادي ... إنّ ذا مائس وهاتيك وسنا\rوقال مرتجلاً يصف محجّة الحديد بين الكاظميّة وبغداد:\rربَّ مقصورة تطير كقلبي ... يوم بان الخليط لا بجناح\rغضّة الصفحتين تسبق طرفين ... بطرفين في عمودي صباح\rفهي البرق أو براق إذا ما ... جاز في عدوه سنام الضراح\rفإذا ما أويتها مستظلاًّ ... فزت من سهمها بأعلى القداح\rنعمتنا من صفوها باغتباق ... وازدهتنا من لهوها باصطباح\rوانتظمنا بها نظام عقود ... رصفتها بنان ذات الوشاح\rوانتسقنا بأفقها كنجوم ... ونبتنا بروضها كأقاح\rوارتوينا بلطفها لا بماء ... وانتشينا بوصفها لا براح\rبنت سير لدى السرى إن تغنّت ... أعزبت عن ضمير ذات الجناح\rوله دام توفيقه:\rأعذارٌ على الشقيقين لاحا ... أم دجى الليل قد بدا لي صباحا\rأم سطورٌ نقشنها أنمل اللهو ... على أكؤس المدام ارتياحا\rأم أنيق الريحان عانق ورداً ... لا بل الآس قابل التفاحا\rوله أيضاً:\rمابين رامة والغوير أخوصباً ... لعبت صباً بقوامه فترنّحا\rنادمته بجماله متمنطقا ... وجذبته بدلالة متوشّحا\rوقال في الثغ:\rوأما ولام عذار غض شبيبة ... فتن الأنام هوى بنقطة خاله\rما بتُّ طوع يد ابن آدم خاضعاً ... لكنّني أصبحت طوع دلاله\rوأما وصاد فم العذيب رضابه ... وبنون حاجب فاتني بجماله\rلو رام منّي بذل نفسي سائلاً ... لوهبتها في الحبّ قبل سؤاله\rوأما ولثغته بثا متلجلج ... وبميم مبسمه وعذب زلاله\rلم يصف لي عيش ولو ملكت يدي ... جنّات عدن دون يوم وصاله\rونحن قد أوردنا بعض ما يؤثر من النظم في اللثغ في هذا الكتاب عند ذكر واصل بن عطاء ونتبعه هنا نبذة أخرى: قال أبو عمرو يوسف بن هارون الكندي يشير إلى واصل وكان لثغا قد تجنّب الراء:\rلا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء\rفإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وقعدت منتحباً أنا والراء\rولأبي نؤاس في الثغ ببدل السين ثاء وكان اسمه عبّاساً:\rوشادن قلت له ما اسمه ... فقال لي بالغنج عبّاث\rبات يعاطبني سخاميّةَ ... وقال لي قد هجع النّاث\rأما ترى حثن أكاليلنا ... زيّنها النثرين والآث\rفعدت من لثغته ألثغاً ... وقلت أين الطاث والكاث\rوقال حرسه الله وفيه الجناس المفروق وهو مااتّفق ركناه لفظاً واختلفا خطّاً:\rوكم قائل لي عش بأنس فقلت لا ... حبيب مدان أو مواس فانتعش\rفقال أجل عش مستهاماً فقلت لا ... أرم الحياة العاشقين فأنت عش\rوقال وفيه الجناس المذكور أيضاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855714,"book_id":1863,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":224,"body":"ذو شامة من نار خدّيه قد ... تقاربت مثوىً ولم تحترق\rأشار لي تخلص في ودّنا ... أحبته أنّي لكم تحت رق\rأقول: ولا بأس بذكر بعض الشواهد للجناس المفروق. وقال أبوالفتح البستي:\rكلّكم قد أخذ الجام ولا جام لنا ... ماضر مدير الكأس لو جاملنا\rوقال المطوّعي:\rأمير كلّه كرم سعدنا ... بأخذ المجد عنه واقتباسه\rيحاكي النيل حين نروم نيلاً ... ويحكي باسلاً في وقت باسه\rوقال البستي أيضاً:\rإن هزّ أقلامه يوماً ليعملها ... أنساك كلّ كميّ هزَّ عامله\rوإن أقرَّ على رقٍّ أنامله ... أقرّ بالرقّ كتاب الأنام له\rوقال أبو بشر المأمون أو علي الخوارزمي مهنّياً بعض أصحابه بزفاف:\rبدر دجىً أصحبوه شمس ضحىً ... بارك ربّ السماء فيها له\rضمّتهما هالة الوصال معاً ... من ذا رأى النيّرين في هاله\rوقال بعضهم:\rلنا صديق يجيد لقماً ... راحتنا في أذى قفاه\rماذاق من كسبه ولكن ... أذى قفاه أذاق فاه\rوهو القائل أيضاً:\rلنا صديق إن رأى ... مهفهفاً لاطفه\rوإن يكن في دهرنا ... مهفهف لاط فهو\rوقال ابن العفيف:\rأسرع وسر طالب المعالي ... بكلّ واد وكلّ مهمه\rوإن لحى عاذل جهول ... فقل له يا عذول مه مه\rوقال الحريري في مقاماته:\rسم سمةً تحسن آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه\rوالمكر مهما اسطعت لأتانه ... لتقتني السؤدد والمكرمه\rوقال ابن العفيف أيضاً:\rإنّ الذي منزله ... من سحب دمعي أمرعا\rلم أدر من بعدي هل ... ضيّع عهدي أم رعى؟\rوقال أبو نصر القشيري:\rتقبيل خدّك أشتهي ... أملي إليه أنتهي\rإن نلت ذاك فلم أبل ... بالروح منّي إن تهي\rدنياي لذّة ساعة ... وعلى الحقيقة أنت هي\rفصل: في ماله من النظم المشترك بينه وبين أليفه العالم الفاضل السيّد محمّد سعيد حبّوبي النجفي اتّفق أنّه كان جالساً في قصر له عند بستان له على دجلة شرقي بغداد وقدّام القصر روضة يانعة أنيقة وقد ضبت فيها خيمة كبيرة كثيرة التصاوير وكان معه من أهل العلم والأدب جمع منهم السيّد المذكور فأنشئا معاً في وصف ذلك القصر وتلك الخيمة قصيدة مدح كلّ منهما صاحبه بها، وهي هذه: قال السيّد:\rما شاقني ركب ذاك الحيّ إذ نزحا ... كلاًّ ولا هاج لي ترحاله برحا\rولا توسّمت رسماً في منازلهم ... ولا تطلّعت برقاً بالغضا لمحا\rإنّي وقد بتُّ وهالآمال طوع يدي ... أنادم المسعفين اللهو والفرحا\rوغيهب الليل بحر ماج ملتطماً ... فليست الشهب إلاّ لؤلؤ طفحا\rوالبدر زورق تبر سار يحمله ... نهر المجرّة ينحو فيه حيث نحا\rوقال جناب الشيخ محمّد حسن:\rفي روضة جمعت شمل الهوى سحراً ... ماست بسارية أغصانها مرحا\rبتنا نشاوي بخمر الأُنس عن طرب ... نميل سكراً ولم نشرب بها قدحا\rنعم شربنا بكاس الثغر ريقة من ... مذ ماس أوهمنا المغبوق مصطبحا\rلم يصح منّا بعذويّ الهوى ثمل ... إلاّ وأسكر من جفنيه حيث صحا\rرقّت فراقت سجاياً منه قد طردت ... عنه النفور وعن أحشائنا الترحا\rفلم تكن أرمٌ حسناً كروضتنا ... كلاّ ولا صرح بلقيس الذي انصرحا\rوماءُ دجلة جار في جداولها ... والعندليب على عيدانها صدحا\rوقال السيّد:\rترى الشقايق فيها وهي جمر غضا ... يزيده الماء وقداً كلّما سفحا\rفأعجب لجمر يذكي الماء شعلته ... والماء يطفي لهيب الجمر ما نضحا\rيحمر خدّ ثراها في شقائقه ... كأنّما قبّلته الريح فانجرحا\rوالأقحوانة ثغر بات يرمقه ... للنرجس الغض طرف كلّما انفتحا\rوكم غزال كحيل الطرف ذي غنج ... مهفهف القدّ في أرجائها سنحا\rقد أخجل البدر حسناً فالندى عرق ... في وجنة الورد من بدر السما رشجا\rأما تراه لئال بات ينظمها ... مسرى الصبا وبها غصن النقا اتّشحا\rفيالها روضة لو كان يرمقها ... طرف السنان بصدر الرمح لانشرحا\rوقال الشيخ محمّد حسن:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855715,"book_id":1863,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":225,"body":"رقّت كرقّة من حلو بساحتها ... طبعاً أرقّ من الساري إذا نفخا\rفاقوا الخلائق في خلق وفي خلق ... وفيهم للورى نهج الهدى اتّضحا\rوقال السيّد:\rفلست أدري ءأملي فيهم غزلاً ... لما رأيتهم أو أنشي المدحا\rوقال الشيخ محمّد حسن:\rفيالهم معشراً أضحى وليدهم ... على شيوخ ذوي الآراء قد رجحا\rكالألمعي سعيد الجد خير فتى ... به مرام النهى والفضل قد نجحا\rمولى تسامى لأهل الفضل بدر سماً ... كما غدا للمزايا الغرّ قطب رحى\rمن مقلة المجد قد أمسى السواد لها ... ومن صباح المعالي أصبح الوضحا\rما هزَّ مزبره يوماً لغامضه ... إلاّ وضاق من أشكالها انفسحا\rوما جرى بمضامير النهى لسناً ... إلاّ وضاقت لديه ألسن الفصحا\rوما ترائى بيوم البذل بحر ندى ... إلاّ وأخجل صوب المزن فافتضحا\rولا تقلّد يوماً سيف عزمته ... إلاّ وأرجع ليل الحادثات ضحى\rقتّال آساد يوم الحرب مرهفه ... كالبرق يختطف الأرواح مالمحا\rمحّضته الحب طبعاً جلّ عن زلل ... وأكمل الحبّ مالله قد صرحا\rما غاب لا غاب وهو الروح عن بصري ... إلاّ وأبصرت في قلبي له شبحا\rيروح في فتية لم يشؤ شأوهم ... طرف العبور ولا طرف ولا طمحا\rوقال السيّد:\rمحمّد الحسن الزاكي عميدهم ... أكرم بذي حسب كالشمس راد ضحى\rنشا بحجر المعالي فانتشت طربا ... ومذ رقى متنها اهتزّت له مرحا\rشكائم الدهر ملقاة بساحته ... بها يردّ جماح الدهر ما جمحا\rفليهنّأ الكرخ من علياه في ملك ... غلامه الدهر يجري حسبما اقترحا\rمخائل الجود لم تخلب ببارقه ... وليس يخبو زناد الفضل ما قدحا\rيا دهر كن طوعه ما دمت فهو فتى ... كصخرة الواد لم تعبأ بمن نطحا\rيا أيّها القمر المرخي أشعّته ... تهدي لساحته الغادين والروحا\rإليك درّ قصيد رصّفته يدا ... فكر بغير رياض الودّ ما سرحا\rفلك من الشعر في البحر البسيط سرى ... سرى النسيم وفي آدابه سبحا\rما كنت أهلا لفوزي في مديحكم ... لكنّني لم أجد عن ذاك منتدحا\rولو نظمت دراري الأُفق أجمعها ... مدائحا لك لاستقللتها مدحا\rفهاكها جملاً أعيت مفصّلها ... فمتن فضلك لا يحصيه من شرحا\rولم أزدك علىً لكن لتبلغني ... منك الوداد وحسبي ذلكم منحا\rوأنت كالبدر أغناه تبلجه ... للناظرين له عن مدح من مدحا\rوممّا اشتركا في نظمه أيضاً هذه القصيدة وقد مدح كلّ منهما صاحبه بها. قال السيّد:\rصبح محيّاك بليل العذار ... أسفر أم ليل بدا في نهار\rوصدغك الملوي أم عقرب ... تلسع أحشائي فيعيي القرار\rفالصدغ من آس ومن نرجس ... عيناك والخدّان من جلّنار\rأياأخا الغصن إذا ماانثنى ... وياأخا البدر إذا ما أنار\rإنّي أهواك على ما أرى ... من قلّة الودّ وبعد المزار\rكم جرت بالحكم على عاشق ... أكلّ من قد ولّى الحكم جار\rأنت الذي أجّج في أضلعي ... ناراً تذكّيها الدموع الغزار\rإن يك بالأضلاع حرّ الجوى ... فما دموع العين إلاّ حرار\rيقدح زند الشوق في مهجتي ... ناراً ومن عيني يطير الشرار\rكم ليلة بالقصر قضّيتها ... يشدو المغنّي والحميّا تدار\rيطوف في كاساتها أغيد ... دبّت بخدّيه ثمال العذار\rلم يرق العين سوى حسنه ... مالم يكن من حسنه مستعار\rفاعتقل الصعدة من قدّه ... واستلّ من جفنيه بيض الشفار\rما زال يرمي الليل من كأسه ... بشعلة حمراء حتّى أنار\rلولم تكن ذهبيّة ماالتوى ... من رشحها في معصميه السوار\rأقبل فيها باسماً ثغره ... وهي كخمر نضّ عنه الخمار\rفذي ثناياه وذا ريقه ... من حبب الطافي وشمس العقار\rوالجوّ قد طبّق في عارض ... يهزم بالقطر محول الدرار\rكأنّما الرعد فنيقٌ به ... يحدوا غواديه حداء العشار\rفي روضة غنّاء مصقولة ... لا غبَّ سقياها ملثّ القطار\rحاك الربيع الغضُّ أبرادها ... بنفسجا طرّزه بالعرار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855716,"book_id":1863,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":226,"body":"سدَّى لها السوسن حتّى إذا ... أطاله ألحمه بالبهار\rفيالها مطارفا وشّعت ... توشيع ربّات الأزار الأزار\rدبّجها النرجس فاعجب لها ... مدبّجاً قد دبجت بالنضار\rوالأيك في أعطافه راقص ... إذ غنت الورق وصاح الهزار\rوقال الحاج محمّد حسن في مدح السيّد المذكور:\rفآنست مبهجة في فتىً ... زكى له الفرع وطار النجار\rبشراك يا هاشم في سيّد ... يحقُّ أن تفخر فيه نزار\rأخفّ طبعاً من نسيم الصبا ... لكنّه هضبة رضوى وقار\rيا من شأى في زعمه شأوه ... أقصر فما أدركت منه الغبار\rفحبّذا تلك الليالي وإن ... مرّت وإن كانت ليال قصار\rوقال السيّد:\rوغارب للهو لم يعره ... كوري ولم أشدده إلاّ وسار\rطويت للعمر به مهمهاً ... طيَّ المذاكي حلبات العذار\rفليتني ما جزت هذا المدى ... كلاّ ولا قشعت هذا الغبار\rوليت ذاك الليل لم ينطوي ... ولم يكن يطلع هذا النهار\rإذا اغتدي والغيد يرمقنني ... كأنَّ من أهدابهنّ العذار\rفعاد مبيضّاً كنور الكبا ... أرخص بهذا النور عند النوار\rقطّع حبل الودّ ما بيننا ... بياضه تقطيع بيض الشفار\rيا راكب الوجناء يطوي بها ... مهامه البيد قفاراً قفار\rعرّج على الكرخ وسلّم على ... من في محيّاه النديُّ استنار\rالحسن الزاكي حليف الندى ... ونجعة العاني وحامي الذمار\rأقسم بالخوص نجوب الفلا ... أنجد فيها سائق أو أغار\rتحمل شعثاً فوق أكوارها ... قد لبسوا الليل وراء النهار\rحتّى أناخوها بحيث انجلت ... مشاعر النسك ومرمى الجمار\rلأنت ربّ المجد ربّ العلى ... ربّ الأيادي البيض ربّ الفخار\rأعيت مزاياك الورى عدّة ... كالشهب إلاّ أنّ منها البحار\rكأنَّ من نيلك صوب الحيا ... لو أنّه من فضّة أونضار\rوأنت قطب والمعالي رحىً ... فلم يكن إلاّ عليك المدار\rولم يرق للمجد من معصم ... لم يلوَ من علياك فيه سوار\rوليس للعلياء من مفخر ... مالم يكن نعلك تاج الفخار\rهل أمت العيس بركبانها ... مأوى سوى مأواك أو مستجار\rكأنّما الأكوار آلت على ... أظهرها إلاّ إليك الظهار\rفاسلم رغيد العيش ما غرّدت ... بلابل السعد وغنّى الهزار\rوممّا اشتركا في نظمه. قال السيّد:\rبعيني من يروق العين حسنا ... رشاً من وجنتيه الورد يجني\rثقيل الردف رجرجه التثنّي ... بنفسي ما ترجرج أو تثنّي\rإذا خفّ القوام به نهوضاً ... تقول له روادفه تأنّي\rترنّحه النسائم حيث هبّت ... ويرقصه الحمام إذا تغنّي\rوقال الشيخ:\rوظبي من بني ثعل أغن ... بروحي ذلك الظبي الأغنّا\rرشاً بالمعجزات يريك عيسى ... ويوسف بالمحيّا الطلق حسنا\rيميت بهزّ قامته ويحيى ... بريقته الذي صرعته طعنا\rوقال السيّد:\rفأمّا لاح فهو يلوح شمساً ... وأمّا ماس فهو يميس غصنا\rفإن عبدتك رهبان النصارى ... فقد ألفوا لديك جليل معنى\rوإن أقضي بحبّك مستهاماً ... فكم قلبي قضى صب معنى\rقضى القيسان قبلي قيس ليلى ... من الهجر الطويل وقيس لبنى\rوقال الشيخ:\rفهل يسوي الجوى حنيت ضلوعي ... وهل لسوى لقاك القلب حنّا\rلقائك دون كلّ منىً منائي ... لو أنّ المرء يدرك ما تمنّى\rتلهّب من فؤادي كلّ واد ... وأعشب من دموعي كلّ مغنا\rفما جمر الغضا إلاّ زفير ... أذاب جوانحي فجرين مزنا\rوقال السيّد:\rشجاني إن شممت رياح نجد ... وشمت بها وميض البرق وهنا\rوقال الشيخ:\rفأشجيت الحمامة في مناحي ... وهدَّ من الفؤاد الوجد ركنا\rوممّا اشترك في نظمه هو والسيّد. قال السيّد:\rرويداً سائق النوق ... فما ودّعت معشوقي\rفبالأحداج لي رشأ ... رمى سهما بلا فوق\rبسهم اللحظ يرشقني ... وقلبي جدّ مرشوق\rكأنّ القلب يوم سرى ... هوى من فوق عيّوق\rفليت العيس لا رحلت ... ولا قامت على سوق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855717,"book_id":1863,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":227,"body":"فقد خفّت بمنبلج ... من اللؤلؤ مخلوق\rوقال الشيخ:\rصفت لي خمر ريقته ... وما مرّت براووق\rوقال السيّد:\rفذى عَلَى وذي نهلي ... ومصبوحي ومغبوقي\rإشاراتي لها أبداً ... ومفهومي ومنطوقي\rفإن هبّت روائحه ... سباني عرف منشوق\rكمسك أو كغالية ... بفهر الحيّ مسحوق\rفليت العين لا نظرت ... غزالا مرَّ في السّوق\rرماني سهم ناظره ... وما ارتدَّ على فوق\rفذي الإشراك تعلقني ... وما كنت بمعلوق\rوقال الشيخ:\rونجديَّ الحمى غنج ... رشيق القدّ ممشوق\rتحلّت ريم رامتها ... بلحظ منه مسروق\rلقد قالت عواذله ... ودمعي انهلَّ من موقي\rتبدّل من مراشفه ... بعذب غير مطروق\rفقد أصبحت ذائقه ... بعهد غير موثوق\rوممّا اشتركا فيه أيضاً. قال الشيخ:\rلك قامة تدعى بصعده ... وحسام لحظ ما أحدّه\rفصرعت في حدّيهما ... مضنىً يكابد فيك وجده\rحيران موهون القوى ... كلفا أضاع لديك رشده\rفسل الحمى عن وجده ... إذ بات في الزفرات وحده\rيا بانة الوادي إذا ... غضّ النسيم أمال قدّه\rوقال السيّد:\rهل غير طرفك صارم ... في الكحل قد صقلوا فرنده\rكن حيث كنت فإنّه ... أبد الزمان يراك عنده\rهو مطلق قبل الهوى ... وعلقنه الأشراف بعده\rهل غير خدّك جمرة ... تقد الجوانح وهي ورده\rفانظر إلى قمر الدجى ... يرياك طلعته وجعده\rوقالا أيضاً وهو ممّا اشتركا فيه. قال السيّد:\rبات معناك بأعلاقه ... مستنجداً أدمع آماقه\rوقال الشيخ:\rفإن ذوى الروض بأنفاسه ... يحيى من الدمع بمهراقه\rفسل من الكرخ ذرى دوحه ... فكم شجاني سجع أوراقه\rقال السيّد:\rإيّاك يا قلب وهذا الرشا ... أو فادَّرع عن سهم أحداقه\rوقال الشيخ:\rرقّت حواشي رشأ مذ رنا ... باللحظ أصمى قلب مشتاقه\rوقال السيّد:\rمورد الوجنة قد عنعنت ... حمرتها عن دم عشّاقه\rوقال الشيخ:\rيفضح غصن البان في لينه ... ويخجل البدر بإشراقه\rقلتومنه الشمس قدأشرقت ... تباركت قدرة خلاّقه\rتحكي لنا رقّة أعطافه ... في لطفها رقّة أخلاقه\rفما الهوى إلاّ هوى شادن ... غضّ رقيق الطبع رقراقه\rما ضرّه وهو نسيم الصبا ... لو رقّ للمضنى بأشواقه\rقد سرقت منه المها لحظة ... مذ حسدت موضع أطواقه\rابرئني هزُّ قنا قدّه ... حيث براني سيف أحداقه\rوقال السيّد:\rتلسعني عقرب أصداغه ... فيسمح الثغر بدرياقه\rأطفأ من ريقته لاعجي ... إن برحت بي نار أعلاقه\rكان حليفي في زمان الصبا ... حتّى تذاوى غضّ أوراقه\rواليوم أضحى لاوياً جيده ... يصرف عنّي لحظ أحداقه\rقل للصبا إن صحّ عتب الصبا ... أسلمت ذاالقلب لإحراقه\rفاذهب فدتك النفس من ذاهب ... لم يمض أعلاقي بأعلاقه\rقد فاتني مذ فتَّ ريح الهوى ... إذ كنت لي موسم أسواقه\rدع ذا وقل يا راكباً أعيساً ... يطوي الدياميم بأعناقه\rعرّج على الكرخ إذا جئته ... وحيّ عنّي بدر آفاقه\rمحمّداً الحسن المجتبى ... من لا يضاهى حسن أخلاقه\rماطاب روح الجود حتّى روى ... نافحه عن طيب أعراقه\rفليحل جيد الدهر في فضله ... فإنّه أحسن أطواقه\rوليعكف الخلق على كفّه ... فإنّها مفتاح أرزاقه\rإليك منّي يا حليف الندى ... مدح امرء راق بأوراقه\rقد كاد أن يغرق لكنّما ... مدحك لا يحصى بأغراقه\rليس سوى حبّك في قلبه ... مغلغلا مابين أطباقه\rما خفّ ركبي عنك إلاّ لوى ... إلى مغانيك بأعناقه\rوممّا اشتركا في نظمه. قال السيّد:\rفتكت بي سيوف تلك اللحاظ ... في مغاني منّي وسوق عكاظ\rوقال الشيخ:\rنبّهت مغفي الفؤاد إفتتانا ... بهواها ولسن بالإيقاظ\rكدت أن أملك الشهادة لولا ... أن حمتني عذوبة الألفاظ\rوقال السيّد:\rكم تخوّفتها فلمّا لقتني ... لم يفدني تخوّفي واحتفاظي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855718,"book_id":1863,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":228,"body":"وقال الشيخ:\rفالثرى من دم الجفون نديٌّ ... وفؤادي من خدّه في شواظ\rوممّا اشتركا في نظمه أيضاً. قال السيّد:\rأصات الركب تغليسا ... وزجّوا للسرى العيسا\rفهل يسطيع سائقهم ... يردّ العيس تنكيسا\rويلويهنّ مبتدلاً ... عن الأدلاج تعريسا\rوقال الشيخ:\rفبالأحداج لي غصن ... يباهي الذبل الميسا\rوقال السيّد:\rفيالله من صنم ... له أصبحت قسّيسا\rوقال الشيخ:\rتفوق الشمس طلعته ... بحسن فاق بلقيسا\rرسمنا ذكره سوراً ... لنقراهنّ تدريسا\rبعيد لم ننله بدي ... كأنّي رمت برجيسا\rوقال السيّد:\rرميت القلب في كرب ... فهل تسطيع تنفيسا\rوممّا اشتركا في نظمه أيضاً. قال السيّد:\rيا حامل الوردة ما ألطفك ... فهل ترى لي اليوم إن أرشفك\rبادرة الناظر بالله قل ... بهذه الوردة من أتحفك\rلا أقطف الورد ولكنّني ... قد كدت من روضك أن أقطفك\rأنكرني أهلي لكنّهم ... ما أنكروني قبل أن أعرفك\rعنّفني فيك عديم الحجا ... فلم يكن يصرفني مصرفك\rعنّفني فيك فلم يلوني ... فلم لوى جيدك إذ عنّفك\rشبّهك الشمس إلاّ أنّه ... قد أنصف الشمس وما أنصفك\rثقّلك التمويج يا ردفه ... فأنت ياذالخصر من خفّفك\rوأنت يا مبسمه لؤلؤ ... قد رقت ترصيفاً فمن رصّفك\rقتلت أسد الغيل يا طرفه ... ما كان أقواك وما أضعفك\rصرعت في خدّك منّي الحشا ... بالله يا ذاالطرف من أرهفك\rويا بنان الكفّ لا تقضني ... دمي فقد زانك أم طرفك\rوقال الشيخ:\rيا أهيف القد ترفق على ... مضنى الهوى أما تمل أهيفك\rرقَّ على الرق نسيم الصبا ... إذ كان من عهد الصبا مدنفك\rوروّح الأرواح في نشر من ... رقَّ وفي ريّاه قد لطفك\rوقال السيّد:\rفآه يا قلبي لو أنّني ... ضمنت فيك اليوم من أتلفك\rأخلفك الموعد ظبي الحمى ... فهل له ينجز ما أخلفك\rإن لم يكن يسعف في منية ... فحسبك الإقبال إذ أسعفك\rفي مدح من في مدحه زينة ... لقائل قد قال أوفكَّ فك\rلذاك خلّي الحسن المجتبى ... أحسن من أطلق عان وفك\rوذاك ذاك الصارم المنتضى ... على دم العدم وفيه انسفك\rفامرح على العيوق من عزّة ... واسحب على هامته مطرفك\rيعدُّ في تعريفه مخطئاً ... يا علم الأعلام من عرّفك\rوممّا اشتركا في نظمه أيضاً. قال السيّد:\rدبّ من صدغه على الخدّ عقرب ... كلّما رامه المتيّم يلسب\rفبنفسي أفدي بديع جمال ... مستهام به الفؤاد المعذّب\rمترف تقطف اللواحظ منه ... ورد خدّين بالجمال مشرب\rأرسل الجعد خيفة من رقيب ... فهو شمس في جنح ليل تحجّب\rوقال الشيخ:\rمن بني الترك أهيف القد غض ال ... جيد طفل حلو المعاطف ربرب\rوجنتاه من المنيرين أسنى ... ولماه من الحميّة أعذب\rبلهيبيهما احترقت ولكن ... بردا باللما فلقّب أشنب\rوقال السيّد:\rحاول الستر بالنقاب ولكن ... أحرقته أنواره فتلهّب\rفهو ماانفكّ مسفراً لعيون ... إن بدا مسفراً لنا أو تنقّب\rوقال الشيخ:\rصال بالمرهفين من ناظريه ... فهو ريم في معرك الحسن يرهب\rوقال السيّد:\rلو سرى في الشرات يوم كفاح ... لاختشت حربه سرات المهلّب\rأنت يا قائد الجمال جموعاً ... كيف يدنوا إليك قائد مقنب\rوقال الشيخ:\rبفؤادي أفديك من ذي دلال ... غنّج بالفؤاد يلهو ويلعب\rذاك ساق قاسي الفؤاد ولكن ... كاد من رقّة على الكاس يسكب\rفسقى معجلاً برقّة طبع ... كاد من لطفه على الكاس يشرب\rومن النظم المشترك بينه وبين الشريف النجفي السيّد محمّد سعيد حبّوبي أيضاً هذه اللامية. قال السيّد:\rهل سلا عاشق سواي فأسلو ... والتأسّي في شرعة الحبّ يحلو؟\rوقال الشيخ:\rلا وألفي ما راق عيني إلاّ ... أعين تخجل المها منه نجل\rهي مرضى وما بهنّ سقام ... وهي كحلى وليس فيهنّ كحل\rوقال السيّد:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855719,"book_id":1863,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":229,"body":"زججت حاجباً لها وهو قوس ... ورمتني بلحظها وهو نبل\rوقال الشيخ:\rيا حبيباً أدال صدغيه حسن ... وقضيباً أمال عطفيه دلُّ\rرشق قلبي بسهم لحظيك جور ... واقتطافي من ورد خدّيك عدل\rورصالي إن كان عندك صعباً ... فحمامي مذ بنت عنّي سهل\rوقال السيّد:\rيا هلالاً وارى البعاد سناه ... عن عيوني فما لها تستهلّ\rفلقد أبكت الحمامة عيني ... فهي تملي وأدمعي تستملّ\rولقد شاق لحظ عينك قلبي ... ومتى شاق قلب جرحاه نصل\rلنا حرّمت في هواك رقادي ... لم يا منيتي دمي تستحلّ\rوقال الشيخ:\rكرّرا لي حديث ريم زرود ... يا نديميَّ إنّه لا يملّ\rواسقياني على اسمه العذب راحاً ... إنّ راحي على اسمه العذب تحلو\rقال السيّد:\rكتب الذكر نصب عيني كتاباً ... من معانيه لم أزل فيه أتلو\rيا عريباً بين الرصافة والكر ... خ أقاموا لا بل بقلبي حلّوا\rكم هجرتي وكم وصلتم مشوقاً ... وكذاك الزمان هجر ووصل\rوقال الشيخ:\rولكم بالجفا قتلتم محبّاً ... وكذاك الهوى حياة وقتل\rوقال السيّد:\rلي مابين سربكم ريم سرب ... لحظ عينيه صارم لا يفلّ\rوقال الشيخ:\rبخدود بيض وسود جعود ... هو طورا يهدي وطوراً يضلّ\rأحرقتني تلك الأسيلات لو لم ... أك في ظلّ شعره أستظلّ\rفلقد ساب كانسياب الأفاعي ... فوق متنيه فاحم اللون جثل\rإن يكن ثغره المفلّج برقاً ... فحنيني رعد ودمعي وبلّ\rوقال السيّد:\rأيّها العاقد النطاق بقلبي ... لك بالقلب عقدة لا تحلّ\rلا ترعني بسيف جفنيك سلا ... إنّ روحي تسلُّ مهما يسلُّ\rلي على الكرخ رشّة من دموعي ... داميات وغلّة لا تبلُّ\rأيّها المدلجون للكرخ تخدي ... بهم ضمر نجائب بزل\rبعملات كأنّهنّ الحنايا ... تقطع البيد والمرافق فتل\rقد محاها السرى فلم ير منها ... إن ترائت إلاّ نسوع ورحل\rقف على الكرخ ثمّ حيّي غزالاً ... قتل الصبّ منه سحر ودلُّ\rعن محبّ يزداد فيه ولوعاً ... فيه ما مرّ بين سمعيه عذل\rوقال الشيخ:\rيا عذوليّ تشمتنَّ بهجري ... فعسى أن يعود ما كان قبل\rولهما أيضاً معاً. قال الحاج محمّد حسن:\rبك يا بهجتي حمى الكرخ أبهج ... وبرياك لا بمسّك تارج\rوقال السيّد:\rلك صدغان فوق خديك لاحا ... مثلما التفَّ بالشقيق بنفسج\rوقال الشيخ:\rيا أخا البدر طلعة ما أحيلا ... كأس خمر من عذب ريقك تمزج\rوقال السيّد:\rيا قضيباً يقدء إن تثنى ... وكثيباً بردفه إن ترجرج\rوقال الشيخ:\rيا حياتي إن لم تصلني فقل لي ... هل سبيل إلى السلو فننهج؟\rلا تباهي ليلي سناً يا نهاري ... إنّ من وجنتيه ليلي تبلّج\rقرّ عيناً يا عاذلي بهواه ... صرعتني ألحاظ هذا المغنّج\rوقال السيّد:\rسعر الحسن خدّه فتلظّى ... وسقاه ماء الصبا فتموّج\rوقال الشيخ:\rعكس الحسن إذ رماني بلحظ ... لون دمعي بخدّه فتضرّج\rوقال السيّد:\rأولم يدر قاتلي حرج الق ... تل لعمري ولو درى ما تحرّج\rلهج المادحون فيَّ ولكن ... أنا في غير ذكره لست ألهج\rوممّا أشترك فيه هو والسيّد المذكور قوله:\rبرحت بي لواعج الحبّ وجداً ... بأغنٍّ هزَّ الرديني قدّا\rهو ريم الفلاة لحظاً وجيداً ... والتفاتاً وورد نعمان خدّا\rقال السيّد:\rوهو غصن التقا إذا ما تثنّى ... وهلال السما إذا ما تبدّى\rزرَّ برديه فوق روض جمال ... تقطف العين منه زهراً مندّى\rفبأهلي هذا وإن عزَّ أهلي ... بل بروحي أفديه فهو المفدّى\rوممّا اشتركا فيه أيضاً. قال السيّد:\rيا منزل الحيّ بدار السلام ... جاد مغانيك ملثُّ الغمام\rوقال الشيخ:\rكم أنعشتنا فيك ريح الصبا ... سارية مرّت بلين القوام\rوقال السيّد:\rمن أهيف الخصر هظيم الحشا ... تقعده الأرداف عند القيام\rيميس كالصعدة مهزوزة ... يحملها الأرعن يوم الزحام\rوقال الشيخ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855720,"book_id":1863,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":230,"body":"يا طرفه الفتّان حتّى متى ... ترشق أفلاذ الحشا بالسهام\rأنت حياة الصب لكنّما ... صريع جفنيك صريع الحسام\rهتكت أستار الدجى مشرقاً ... بطلعة تفضح بدر التمام\rعلمت آرام النقا لفتة ... يا غصنه والأقحوان ابتسام\rوالبان ليناً والهوى رقّة ... والماء لطفاً وفؤادي الهيام\rوممّا اشتركا فيه أيضاً وللسيّد الشطر الأوّل من المطلع وللشيخ الشطر الثاني:\rأيّها المشرق في الزوراء شمساً ... أنت لي نفس وإن أفدك نفساً\rوقال الشيخ:\rفبعيني يا رشيقاً قدّه ... لك عين فتكت بي وهي نعسا\rوقال السيّد:\rلست أنسى عهدك الماضي وإن ... مرَّ بالعين خيالاً لست أنسى\rطفت سبعاً حول مغناك كما ... قمت أقضي صلوات الشوق خمساً\rأنت كالشمس دنت أنوارها ... لعيون وعدتها الكفّ لمسا\rإن شربت الكاس لا يمزجها ... لك ريق لا سقاني الله كأسا\rروّض الصخر رواء مدمعي ... وزفيري عاد فيه الروض يبسا\rإنّ داء الوجد لو أبرأته ... عاد ذاك الداء بالمشتاق نكسا\rولهما وهو ممّا اشتركا فيه أيضاً. قال السيّد:\rلا ومجرى نطاقك المعقود ... فوق مهتزّ قدّك الأملود\rلم تحلَّ اللحاظ وهي سيوف ... عقدة الوجد من حشا المعمود\rما أحيلاك مائساً نتثنّى ... بثياب من الصبا وبرود\rوقال الشيخ:\rوأحيلا سود الغدائر تسعى ... كالأفاعي من فوق بيض الخدود\rوقال السيّد:\rقصمت كاهلي محاسن طفل ... قسم الحسن بين بيض وسود\rهالة الحسن من سناه استنارت ... فاستدارت بغيهب من جعود\rوقال الشيخ:\rمنه لولا احمرار خدٍّ أسيل ... لم ترق نضرة احمرار الخدود\rربّ كأس ورديّة شمت فيها ... وجنتيه فساغ منها ورودي\rعنعنت لي احمرارها عن لماه ... عن دم المدمع عن دم العنقود\rأنا لاه عن ذكر ليلى ولبنى ... ومغان بالمنحنى وزرود\rبربوع بالكرخ مثل نحور ... نظمتنا بها انتظام عقود\rلك يا ريم رامة لحظات ... فتكت بي بمصلت معمود\rوقال السيّد:\rلا تدر لي من صاب صدّك صاباً ... إنّ طعم الصديد دون الصدود\rولها أيضاً. قال الشيخ أدامه الله:\rوجنة من أهوى الهوى ألمها ... إذ سرقت من دمع عيني دمها\rفمن دمي قد ارتوت حتّى روت ... للناظرين عن دمي عندمها\rما راق لي كلثمها وإنّما ... تمنعني الرقّة أن ألثمها\rوقال السيّد:\rإن خطّ نوناً حولها عذاره ... فخلّه بنقطة أعجمها\rقد أوحضت طرق المنى لئلائها ... لكنّ ليل شعره أبهمها\rكم سلسلت سلاسلا جعوده ... قيّدت الليث فما فصّمها\rقالوا الغرام مهلك قلت لهم ... ما عيشتي إن لم أكن مغرمها\rوقال الشيخ:\rكان حياة مهجتي لو لم يكن ... إلى الحمام لحظه أسلمها\rفكيف لا أيئس من سلامتي ... وقد أقام هجره مأتمها\rلله ألحاظ له سقيمة ... ما كان أمضاها وما أسقمها\rوقال السيّد:\rفلا تقل مقلته قد فوّقت ... ألحاظها بل فوّقت أسهمها\rوقال الشيخ:\rكأنّها تطلب عندي ترة ... فليتني أعلم من أعلمها\rكتمت فيما قد مضى صبابتي ... فيها فمن لي اليوم أن أكتمها\rهل تنقع الأدمع نّي غيلتي ... كيف وفي نار الجوى أضرمها\rفحيّ بالزوراء ريم سربها ... يا حادي الركب الذي يمّمها\rوقال السيّد:\rوحيّ بدراً في سماها مشرقاً ... أمدَّ من شعاعه أنجمها\rيا عاذليَّ في الهوى تورّعوا ... وأطرحوا نفسي ومن تيّمها\rوممّا اشتركا فيه أيضاً. قال الشيخ:\rنعم الأنيس الراح للأرواح ... فألفه ألف العيد للأفراح\rوادر على تذكاره قدح الطلى ... فلتلك أحسن خمرة الأقداح\rإرتاح مشتاقاً إليه ولم أكن ... لولا هواك إليه بالمرتاح\rكيف الرصافة تستهلّ هلالها ... وبها هلال جبينك الوضّاح\rأم كيف في حزوى نعارض نشرها ... ولقد نفحت بنشرك الفيّاح\rتصحو ويسكرك الصبا متدلّلا ... نفسي فداؤك من نزيف صاحي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855721,"book_id":1863,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":231,"body":"كم رمت وصلك مجهداً بوسيلة ... فقصصت لي المرتاش من أجناحي\rوتركتني حيران أختبط الدجى ... لا أهتدي قصداً للحيّ اللاحي\rريم تدجّح مذرنا متمايلا ... تيهاً بلدن قناً وبيض صفاح\rفاحذره إن هزَّ القوام فإنّما ... للطعن هزَّ مثقّف الأرماح\rلطفت شمائله فكان بلطفها ... كالروح بل كالروح بل كالراح\rناحت عليَّ النائحات صوارخاً ... إن لم أفز من وصله بنجاح\rسفحت عيوني مائها لنواظر ... تروي بفتكتها عن السفاح\rكان الصبا للعشق أحسن موسم ... تربو بضاعته عَلَى الأرباح\rإن تشج حائمة الحمام سواجعاً ... فلكم شجاها بالغوير مناحي\rيا مرسل الأصداغ فوق خدوده ... عجباً سدلت الليل فوق صباح\rوارشت من عينيك أقتل أسهم ... فتركت قلبي مثخناً بجراح\rوقال السيّد:\rأمحمّد الحسن الخصال أليةً ... بنداك لا بالعارض السفّاح\rإنّي عشوت إليك عن كلّ الورى ... والشمس مغنية عن المصباح\rوعقلت عيسى في ذراك معرّساً ... في ذروة الشرف الرحيب الساح\rراحت إليه واغتدت بذميمها ... فأراحها من مغتدىً ورواح\rألقيت إقليدي إليه ولم أكن ... ألقي إلى أحد يد الممتاح\rهذا آخر ما أردنا إثباته في هذا الكتاب ولنختم عليه حامدين الله مصلّين على رسوله محمّد خاتم المرسلين وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين.\rتمّ طبعه على نسخة مخطوطة بيد مصنّفه - كانت تلك النسخة عند الشيخ العلاّمة الحاج محمّد حسن آل كبّه وهي المهداة له من المؤلّف - وقد أذن ولد المؤلّف الفاضل الكامل السيّد حسين للقائمين بطبعها إذناً مطلقةً بنشرها وطبعها خدمةً للأدب وحبّاً لنشر آثاره - وقد انتهى طبعه في شهر ربيع الثاني سنة ١٣٣٢ -.\r\rتذييل في ذكر بعض تقريظات الكتاب\rالتقريظ الأوّل\rما أنشأه العلم العلاّمة، جوهرة الزمن، وغرّة وجهه الحسن، الفاضل الماجد المهدى إليه الكتاب، وهو هذه القطعة الشعر، بعد فقرات بديعة من النثر. قال أدام الله مجده.\r\rهبّت تحيّيك بوادي السدير ... سارية الريح بنفح العبير\rفي روضة غنّاء غنّت بها ... بلابل السعد بيوم مطير\rفقمت مرتاحاً إلى نشرها ... مقابلاً نفحتها بالزفير\rفملت والقامة من فاتني ... نشوانة باللحظ دون العصير\rفهي كغصن البان ميّاسة ... عهدي لروحي الروح عند الهجير\rمهفهف الأعطاف غضّ الصبا ... عذب اللما حلو السجايا غرير\rطاب به عيش الهنا مثلما ... طاب برو الفضل نشر العبير\rمولىً روى العلياء عن حيدر ... حامي ذمار الجار والمستجير\rوحاز في حلبة سبق النهى ... نهاية ما حازها ابن الأثير\rوفاز بالقدح المعلّى كما ... شاء العلى فهو عليها أمير\rأبهرنا في آية ضمّنت ... سحر النهى لا سحر طرف الغرير\rفرقّ ديباج التهاني بها ... وشياً بصنعاء عديم النظير\rوراق أبهاج المعالي بها ... حلياً بها الأبهاج غضٌّ نضير\rفما امرؤ القيس على فضله ... إن قيس يوماً في نهاه الخطير\rولا أبوالطيب وإن طاب لي ... إلاّ حصىً قيس ببدر منير\rوما الحريري وإن زانه ... نسج لئالي الفضل دون الحرير\rالتقريظ الثاني\rما تفضّل بإنشائه علم العلم الراسخ، وطود الشرف الشامخ، ينبوع السماحه، وفارس ميدان البلاغة والفصاحة، أبوالمعزّ سيّدنا السيّد محمّد نجل علاّمة العلماء معزّ الدين السيّد مهدي القزويني لا زال بدر سعده، مضيئاً في آفاق مجده. قال أيّده الله:\rقسماً بجلالة منشيه ... وبآيات تليت فيه\rوبناظم سمط فرائده ... ومفصّل عقد لئاليه\rومسوّد طرس صحائفه ... من بيض حسان معانيه\rومرصّع ناصع غرّته ... ومطرّزها بدراريه\rومشيّد ركن قواعده ... ومؤسّس سمت مبانيه\rبرياض الورد به ابتهجت ... لسقيط الطلّ بناديه\rوبحمرة خدّ شقائقه ... وبياض ثغور أقاحيه\rبسطور التبر لناظره ... وعقود الدرّ لرائيه\rبشوارده وفرائده ... ومدائحه وتهانيه\rهذا الفرقان وقد بلغت ... حدّ الإعجاز مثانيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855722,"book_id":1863,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":232,"body":"بل هذا النهج لحيدرة ... ودلائله ظهرت فيه\rسطعت في الدهر مفاخره ... وشواهدهنَّ قوافيه\rوسما شرفاً بمكارمه ... ورقى فخراً بمعاليه\rوزكا نسباً وعلا حسباً ... بمآثره ومساعيه\rبفضائله وفواضله ... أضحى لا حرَّ بواديه\rحتّى قد ﷿ عن ... الأنداد فليس تدانيه\rباهل عرب الإسلام به ... بأقاصيه وأدانيه\rومخضرمها ومولدها ... من حاضره أو باديه\rوانشد أدباهر الدهر له ... من ذا في الدهر يدانيه\rوانظر إن شئت له قلما ... بنبي عن قدرة باريه\rواسمع نظماً يروي فضلاً ... لمصدره ومقفيه\rوانشق من زهر حدائقه ... كالمسك تفوح غواليه\rواقطف من روض محاسنه ... ورداً كخدود غوانيه\rواسجد إن أنشد منشده ... بيتاً أو حدّث راويه\rكسجود الذكر لسامعه ... قد عمّ الحكم وتاليه\rالتقريظ الثالث\rما أنشأه العلاّمة الأوحد المتفرّد في المعقول والمنقول، والفروع والأصول، فصيح قريش ومنطيقها، والمجلي في حلبة بلاغتها، سيّدنا السيّد حسين نجل العلاّمة المتقدّم ذكره السيّد مهدي القزويني. قال أدام الله عزّه:\rأعقود تنضّدت من جمان ... أم رياض تفترُّ عن أقحوان\rأم ورود ترفّ فاقتطفتها ... حدق الناظرين بالأجفان\rأم عروس من صنعة الفكر جائت ... تتهادى مابين خمس بنان\rأم شطور من الكمال سطور ... تتجلّى أم محكم الفرقان\rيا نديميَّ قرّطاني نشيداً ... بأغانيه لا بلحن الأغاني\rلعبت بالعقول غرّ معاني ... هـ كلعب الشمول بالإنسان\rنفحنا أزهاره فانتشقنا ... من خزاماه نفحة الريحان\rنسجت وشيه البلاغة فانصا ... ع وما للربيع فيه يدان\rواجتنينا منه شقائق لكن ... أنفت نسبة إلى النعمان\rغازلتنا عيونها فانثنينا ... وبنا صارف عن السلوان\rوارتنا محاسنا عرفتنا ... أنّها صنع حيدري الزمان\rمن سما مفرق العلاء فجازت ... بمساعيه ذروتي كيوان\rلاح فيى مطلع الكمال هلالاً ... أطلعته السراة من عدنان\rقد براه الإله شخص كمال ... مفرداً جلَّ عن شبيه مداني\rيا وحيد الزمان في كلّ فضل ... وفريداً من عالم الأكوان\rلم تقم عن نظيره محصنات ... عقمت بعد أن تجيء بثاني\rلك أمضي من السنان يراع ... ضاق ذرعاً به الحسام اليماني\rولك السائرات شرقاً وغرباً ... ببديعغ من لفظها والمعاني\rلست أدري أذاك رائع شعر ... لاح لي أم قلايد العقيان\rإنّ أقلامك التي تنفث الس ... حر حلالا إذا جرت في البيان\rمعجزات لو الكليم يراها ... ليس يرضى بآية الثعبان\rفتراه والفكر يبتدران ... فهما فرقدان لا يبغيان\rوالقوافي بسيره سائرات ... ليس يحكي مسيرها النيران\rتلك تجري لمستقرّ وهذي ... شرع سيرها بكلّ أوان\rكلّ بكر عذراء لم تفترعها ... يد فكر ولا جرت في لسان\rالتقريظ الرابع\rما أنشاه أصدق أهل الفضل رويّه، وأصفاهم طويّه، وأملكهم لعنان الفصاحه، وأدلّهم على الصعب من المعاني كيف يروض جماحه، السيّد إبراهيم ابن السيّد حسين الطباطبائي وجدير بمن جدّه بحر العلوم، أن تراه أعلم أهل الفن بالتقاط درر المنثور والمنظوم. قال دام علاه:\rهل الروض القشيب أعاد زهرا ... أو العذب الرطيب أعلَّ قطرا\rأو الودق المفوف حاك برداً ... أو النوء المطرّز خاط طمرا\rأو النور المكمّم باكرته ... بروق سحابة وطفاء غرّا\rوهل هزّت صباً بالغور مهداً ... لطفل حواضن النوروز غيرى\rعلى عذبات أوراق رقاق ... عقدن على الغصون الميد أزرا\rمطارلف للربيع معضّدات ... ترفّ نواصعاً بيضاً وحمرا\rهل الشفق المشعشع شفَّ لوناً ... أو الصبح استنار فشقَّ فجرا\rبل الفقر الخوالد حبّرتها ... يد تستخدم الأقلام ثرّا\rتسومها شوارد نازعات ... تلفُّ أباطحاً وتجوب وعرا\rكأمثال الصلال بكلّ شعب ... نوافث بالسام تسور سورا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855723,"book_id":1863,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":233,"body":"طوت منها الصحائف عايقات ... تعير ذوائب النسرين نشرا\rفهل دارين ذات الطيب أهدت ... لطائم في الطروس تفوح عطرا\rعقيد الفضل قد فصّلت عقداً ... بعقد جمانة البحرين أزرى\rنط العقد المفصّل بين قرطي ... مبتلة لعبوب الجيد عفرا\rتشظى رصفه فغدا شعاعاً ... يساقط لؤلؤ في الطرس نثرا\rفأعرب عن كتاب كنوز فضل ... أحاط بجوهر الأفكار خبرا\rلعمري عبَّ منه عباب يمّ ... فأعيى ملحم الصدفين قطرا\rضربت عن المعاني العون حتّى ... قرعت حصانها تفتضّ بكرا\rهو القلم الذي في الطرس يجري ... فيزري بالجراز العضب مجرى\rومتّهم لدى الجلى أمين ... تراه مبرّأً طوراً وطورا\rولولا علمة عرفت بفيه ... لأعوز فاقداً نفعاً وضرّا\rينكسّس منه في القرطاس رأساً ... ليودع مسمع الألواح سرّا\rكمثل الصبّ أنحله هواه ... فباح بسرّه المكتوم جهرا\rالتقريظ الخامس\rما نظمه بدر سماء الشرف، وذكاء دارة النجف، من شحذ الحذق ظبة ذهنه، وألجم عن النطق كلّ مفوّه على حداثة سنّه، أفقه الشعراء لا بل أشعر الفقهاء، عقد الشرف الفريد، سيّدنا السيّد محمّد سعيد حبّوبي. قال دام فضله:\rهذا كتاب المجد مصحفه ... ومآل وحي الفضل مألفه\rفدلائل الإعجاز أسطره ... وقلائد العقيان أحرفه\rهذا المفصّل باسم منشئه ... وهو المفضّل إذ تصفّحه\rكالفلك تشحنه غرائبه ... فيشقّ لجّ الفكر مجدفه\rمتضوّعاً كالروض باكره ... صوب الغمام فراق زخرفه\rكالماءبالرصف اصطبحت به ... أو عقد غانية ترصفه\rودّت عيوني لو تكون فماً ... تحسوا سلافته وترشفه\rويودُّ سمعي لو يكون يداً ... لينال زهراً منه يقطفه\rفاسئل به إن شئت ذا أدب ... فمميّز الدينار صيرفه\rوكأنّه لعموم مادحه ... سيّان حاسده ومنصفه\rيا أيّها العلوي حزت علاً ... مااسطاع حصراً من يوصفه\rلله من قلم كتبت به ... وأنامل أخذت تصرفه\rفي سحر بابل قد أتى ويرى ... ثعبان موسى ليس يلقفه\rيصل المحابر وهي تظمؤه ... ويصدّ عنها وهي ترشفه\rمتوقّف مالم يعلّ فماً ... فإذا أعلَّ يقلُّ موقفه\rظام قان شرب المدام مشى ... للطرس يلقيه ويقذفه\rوكأنّه لدقيق قامته ... صبّ نحيف الجسم مدفنه\rعاري المناكب لا يخاط له ... بردٌ ولا ممّا يفوفه\rلا يعلم السرّ المصون وقد ... ينيبك عن سرٍّ ويكشفه\rجمُّ اللغات لسانه ذرب ... لا يختشي ممّا يحرّفه\rمتكلّم بالحقّ مؤتمن ... ما صحَّ عنه ما يصفّحه\rومبيّن ما لا يبيّن له ... ومعرّف ماليس يعرفه\rالتقريظ السادس\rما أنشأه طراز الحلّة البغداديّة، ومنطقيها في قصل كلّ قضيّة، الحاج ملاّ عبّاس الصفّار الزبوري. قال حرسه الله للفضل والأدب:\rكتابك تحت كتاب الإله ... وفوق كتابة كلّ الورى\rأقول وعيناي ترنو إليه ... لقد جمع الصيد جوف الفرا\rوأهتف إن قيس فيه سواه ... أين الثريا وأين الثرى\rأجل، ها أنا أتمنّى عند رؤيته أنّ أغضائي كلّها نواظر تبصره، وخواطر تتذكّره، وألسنه تذكره، والناظر لا يملّ لحظا، والخاطر لا يكلُّ حفظا، واللسان لا يزلُّ لفظا، سدَّ على الأُدباء موارد الصفات، ومصادر التشبيهات، هذا وهو أرقّ من الماء والهواء، وألذّ وألطف من الصهباء، تدار بين الندماء، ما أجلّت نظري في صحاح جوهر منظوم، هذا العقصل المفصّل، ومنثور درر هذا السيّد المفضّل، إلاّ همت شوقاً فيه، وودت أستقصيه، واعترفت مع ما تحقّق من قصر باعي وتقصير يراعي بالقصور، وعزمت على زجر النفس عن كلّ منظوم ومنثور، ثمّ بدا لي مع ضعف حالي، وإشغال بالي، شكر هذه النعمة الغير المتناهية، لصاحب هذه الهمّة العاليه، فنظمت هذه القصيدة، التي هي بقصورها فريده:\rوافى مذ وافاني غده ... ووفى لي فيما أقصده\rغصن يسري في بدر دجى ... طافت في شمس ضحىً يده\rرشأ بسيوف لواحظه ... شمل العشّاق يبدّده\rيشدو فيرقُّ لنغمته ... إسحاق اللحن ومعبّده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855724,"book_id":1863,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":234,"body":"تلفي شرفي بمحبّته ... وعذابي عذب مورده\rيدني أجلي فيقرّبه ... في يوم وصال يبعّده\rريّان الخدّ مورده ... سكران اللحظ معربده\rغصن يسري في بدر دجىً ... يزري بالغصن تأوّده\rياليلاً بثُّ أُسامره ... ما أسرع ما وافى غده\rتركي ناش في عجم ... وصفاء اللون يبغدده\rبتنا بقميصي عفتنا ... والحيُّ تولّت حسّده\rولهيب فؤاد أضرمه ... بزلال الريق أبرده\rويميت القلب وينشره ... سيف عيناه تجرّده\rزمن تجب النعماء له ... جحد الباري من يجحده\rعجباً من خصر رقّته ... حملت جبلاً هو مجهده\rعجباً للخدّ بنار الورد ... جلا الأبصار توقّده\rأيعود زمان الفوز به ... ويشاهدني وأُشاهده\rكمشاهدتي لكتابة من ... هو فرد الدهر وسيّده\rهو حيدر أهل العلم له ... ملك بالنظم يسدّده\rوله من خالقه نظر ... مابين الخلق يؤيّده\rمولىً للنظم يكمّله ... فيقيم الملك ويعقده\rنفحات الطيب بعنصره ... تبدوا والطيب مولده\rصلحت لله سريرته ... فالصالح ما كتبت يده\rيا ثالث بدري عالمنا ... بل أنت لفضلك مفرده\rمن قاسك في أحد فأنا ... في وصف علاك أفنده\rندب يحلولي المدح به ... فلهذا صرت أُردّده\rبحرٌ والبدر بطلعته ... يبدو والكوثر مورده\rفحماه آل الخلق ولا ... يزل الإقبال يؤيّده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}