{"page_id":7586075,"book_id":8509,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":1,"body":"دكتور\rحسن إسماعيل عبد الرازق\r\rمن قضايا البلاغة والنقد عند عبد القادر الجرجاني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586076,"book_id":8509,"shamela_page_id":2,"part":"مقدمة","page_num":2,"sequence_num":2,"body":"دكتور\rحسن إسماعيل عبد الرازق\r\rمن قضايا البلاغة والنقد\rعند عبد القادر الجرجاني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586077,"book_id":8509,"shamela_page_id":3,"part":"مقدمة","page_num":3,"sequence_num":3,"body":"﷽\rــ\r\" الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ \"ـ\r((صدق الله العظيم))\rــ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586078,"book_id":8509,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":4,"body":"[مقدمة]\r﷽\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه والتابعين: وبعد:\rفقد جارت أقلام كثيرة بالشكوى من منهج المتأخرين لدراسة البلاغة، لأنهم اعتمدوا في فهمهم لها على التلخيصات والشروح والتقريرات التي من شأنها أن تفرق الأفهام في بحار الخلافات التي لا طائل تحتها، وأن ترس بالعقول في متاهات المناقشات الجدلية التي لا تجدي في توعية الذوق البلاغي، ولا في تنمية الإحساس بجمال الأساليب العربية الأصيلة، ولا في التفريق بين أنماط التعبير بها.\rواشتطت أقلام أخرى فاتخذت من جفاف منهج المتأخرين ذريعة للنيل من اللغة العربية، فنادت بوجوب التخلي عن بذل الجهد، وتضييع الوقت في التعرف على البلاغة العربية التي أصبحت - في نظرهم - لا تواكب العصر.\rوجدت أقلام مخلصة في الرد على هؤلاء وأولئك، واصمة هؤلاء بالمكر والخبث وسوء القصد، وناعته أولئك بالجهل وضحالة الثقافة وسطحية التفكير، ومناديه - في الوقت نفسه - بوجوب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586079,"book_id":8509,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":2,"sequence_num":5,"body":"العودة إلى منهج القدماء - وبخاصة عبد القاهر الجرجاني - دراسة البلاغة.\rوهذه الدراسة - وأن كانت تقدر لهذا الرأي جديته الفكرية - ألا أنها - في الوقت نفسه - لا تغمط المتأخرين حقهم من الإجلال، والتقدير، لما أفنوا فيه أعمارهم من محاولة الغوص إلى أعماق اللسان العربي، لاستخراج ما فيه من درر الفكر، وجواهر التعبير وأن أخطأ الكثيرون منهم مقاصدهم، ولم يتبينوا سبيلهم فما عرفوا وجه الحق فيما اختلفوا فيه، ولا تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود!\rعلى أن منهج القدماء إنما هو منهج الباحث المتخصص، ومنهج المتأخرين هو منهج الدارس المبتدئ إذا استثنينا منه ما يحتويه من خلافات لا تفيد في الوقوف على أسرار التراكيب ولا تجدي في تذوق جمال الأساليب.\rبيد أن منهج المتأخرين منهج\"ناقص\" مبتور، لأنه عدم الصلة بينه وبين المنابع الأصلية التي أستقى منها أفكاره، فشكل بها أبوابه ونوع فصوله، وفرع مسائله وأبرز قضاياه! .\rوغني عن البيان أن تراث عبد القاهر الجرجاني كان أهم المنابع التي أستقى منها المتأخرون بلاغتهم، كالرازي، والسكاكي والخطيب القزويني، وأهل طبقتهم، ولكنهم لم يبينوا لنا كيف أخذوا من عبد القاهر، ولا كيف كان تصوره للبلاغة وأنما اخذوا أفكاره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586080,"book_id":8509,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":6,"body":"دون أن يتبينوا نظريته التي نشأت عنها هذه الأفكار، وهي نظرية النظم التي فرعوا منها مسائل علم المعاني.\rوهذه الدراسة التي نقدمها بين يديك الآن: تبين لك كل هذا فتوضح كيف أخذ المتأخرون عن عبد القاهر الجرجاني\"علم المعاني\" وكيف كان تصوره للبلاغة والفرق بين تصورهم، وتصوره لها، فهي، أذن - تزجى إليك ما فرط فيه المتأخرون، وتبين لك ما أغفلوا تبيينه وتعقد الصلة بين منهجهم وبين منابعهم الحقيقية من تراث عبد القاهر الجرجاني.\rعلى أن سبيل الكتابة عن البلاغة في فكر عبد القاهر الجرجاني مخالف لسبيلها عند المتأخرين ممن لم يهتموا بدراسة تراثه البلاغي إلا من حيث استخراج القاعدة البلاغية، والتبويب العلمي، والتقسيم المنطقي لأنهم بذلك قد أهملوا الظروف الفكرية، والعقلية التي صنف فيهما كتابيه \"أسرار البلاغة\" و\"دلائل الإعجاز\" وحاولوا قياس فكره بفكرهم، ووزن عقليته النادرة بعقليتهم، فحادوا بذلك عن جادة الطريق! وما مثلهم في هذا الذي تكلفوه، من محاولة فرض مقاييسهم البلاغية وتحكيم عقليتهم العلمية في ما أثمرته عقليته النادرة، وما أنتجته قريحته الفياضة إلا مثل من يضع العربة أمام الحصان - أن صح هذا التعبير - على أن الباحث الذي يريد أن يتصدى لدراسة الفكر البلاغي في كتابي عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة يحتاج - أولاً وقبل كل شيء - لكي يفهم مقاصد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586081,"book_id":8509,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":7,"body":"ومراميه من عباراته وإيماءاتها، أن يراعي أموراً ثلاثة على قدر كبير من الأهمية:\rالأمر الأول: دراسة البذور النقدية، والأفكار الأدبية - والاتجاهات الفكرية التي كان لها في تكوين عقلية عبد القادر وإثراء فكرة البلاغي آثار جعلته فارس حلبة البلاغة والنقد الأدبي، وذلك بتتبعها في كتابيه وإرجاع كل فكرة إلى مظانها من كتب الأقدمين.\rوالأمر الثاني: هو دراسة تطور الأفكار البلاغية في ذهن عبد القاهر بحيث يتتبع المراحل الزمنية لهذه الأفكار في كتابيه - من مقتبل حياته حتى أخريات أيامه، ويستتبع هذا الأمر، دراسة أسبقية أحد الكتابين على الآخر، لأن عبد القاهر لم يصرح بأسبقية أحدهما، وان كانت دراسة تطور الأفكار البلاغية في ذهن عبد القاهر ستؤدي بالباحث إلى معرفة أيهما أسبق في التأليف.\rومن أمثلة هذه الدراسة: ما لاحظه الدكتور محمد أبو موسى من أن عبد القاهر قد تطور بتعريف الاستعارة في كتابيه فعرفها بعدة تعريفات، بادئاً في أولهما في أول الأسرار ومنهياً بآخرها في نهايته وأن هذا التعريف الأخير هو الذي تجده في أول الدلائل (١) ثم علق على هذا بقوله\" \" وربما كان هذا الترقي في تحديد الفكرة على هذا النحو في الكتابين أعني ذكر الاستعارة في صدر أسرار البلاغة","footnotes":"(١) التصوير البياني صـ ١٨١، صـ ١٨٢، صـ ١٨٣","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586082,"book_id":8509,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":8,"body":"بهذا التحديد الشامل للمجاز، تم تحديدها في نهاية الكتاب ثم عرضها محددة في صدر الدلائل مما يغري بالقول بأن كتاب دلائل الإعجاز كتب بعد أسرار البلاغة.\"\rوما ذكره - أيضاً - في تعليق له على قول عبد القاهر في أول الأسرار\" وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أن المعنى الذي كانت له هذه الكلم بيت شعر، أو فصل خطاب، هو ترتيبها على طريقة معلومة وحصولها على صورة من التأليف مخصوصة، وهذا الحكم أعني الاختصاص في الترتيب مرتباً على المعاني المرتبة في النفس المنتظمة على قضية العقل، ولن يتصور في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير، وتخصص في ترتيب وتنزيل، وعلى ذلك وضعت المراتب والمنازل في الجمل المركبة وأقسام الكلام المدونة، فقيل: من حق هذا أن يسبق ذلك، ومن حكم ما ههنا أن يقع هنالك، كما قيد في المبتدأ والخبر والمفعول والفاعل حتى حظر في جنس من الكلام بعينه أن يقع إلا سابقاً وفي آخر أن يوجد ألا مبنياً على غيره وبه لاحقاً، كقولنا: أن الاستفهام له الكلام، وأن الصفة لا تتقدم على الموصوف إلا أن تزال عن الوصفية لغيرها من الأحكام\"\rيقول الدكتور محمد أبو موسى\" وهذا الكلام شيء كبير وعلينا أن نلاحظ أن الشيخ قذف بهذه الحقيقة في أول كتاب أسرار البلاغة الذي يظن أنه كتبه قبل دلائل الإعجاز، وبهذا يكون ذلك تقديماً لدراسته في الكتابين وتصوراً قائماً في نفسه وهو يبدأ تجربته في دراسة أحوال الكلام وخصائصه ومراجع مزاياه، وهذا يشير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586083,"book_id":8509,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":9,"body":"إلى طبيعة النظر في هذا الحقل، ويوجه قارئ عبد القاهر من أول الطريق إلى تطلب أشياء وراء الذي يقول ثم أنه في هذا النص يقودنا إلى مسالك في البحث اللغوي يكون فيها أشبه بالبحث في الجنس والمزاج والأحوال النفسية والروحية، وهذا يجعل خصائص تراكيب لغوية، لأنه كما يقول:\rلا يتصور في الألفاظ وجوب تقديم وتأخير، وتخصيص في ترتيب وتنزيل، وإنما هي خصائص أفكار وخواطر يتصور فيها وجوب ترتيب\".\rثم يقول: \"وهذا بين إلى أي مدى عجز المخالفون عن تمثل هذا الدرس بطريقته التي أرشد إليها هذا الشيخ منذ ثمانية قرون وأن هذا الذي نقدمه ليس إلا قشوراً بجانب اللباب الذي ينتظر نقاباً نابهاً يبحث عنه. (١)\rوهكذا تنبه الدكتور محمد أبو موسى إلى أن عبد القاهر إنما وضع أرضية قوية بالغة الأهمية لدراسة كتابيه، وهو يبدأ تجربته في دراسة البلاغة إذ بها يستطيع قارئ عبد القاهر أن يتفهم ما يريد، من بين كلماته، ويلمح ما يوحي إليه من خلال عباراته ويصل إلى الغاية التي يتطلبها، والطلبة التي ينشدها، فلا يحيد عن جادة الطريق التي رسمها، ولا يضل ضلال أولئك الذين عجزوا عن تمثل هذا الدرس بطريقته التي لأرشد إليهما عبد القاهر منذ ثمانية قرون!","footnotes":"(١) خصائص التراكيب صـ ٤، صـ ٥","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586084,"book_id":8509,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":10,"body":"وتسوق إليك ما تلاحظه هذه الدراسة من أن عبد القاهر يتحدث عن التمثيل في \"الأسرار\" ويدخل فيه الأمثال كقولهم:\r\"أخذ القوس بإربها\" وقولهم\" ومازال يفتل له في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد\" (١) ولكنه يعدل عن هذه التسمية في الدلائل، ويسمى هذا النمط من القول\" تمثيلاً - على حد الاستعارة\" بعد أن أدرك أن المثل من قبيل المجاز.\rكما أنه لم يورد الكتابة\" ذكراً في \"الأسرار\" مع أنها أحد أعمدة البيان، ويقول في مقدمته\" وأول ذلك وأولاه وأحقه بأن يستزفيه النظر ويتقصاه: القول على التشبيه والتمثيل (يقصد التشبيه التمثيلي) والاستعارة، فإن هذه أصول كثيرة كأن جل محاسن الكلام - أن لم نقل كلها - متفرعة \"عنها وراجمة إليها\" وكأنها أقطاب\" تدور عليها المعاني في متصرفاتها، وأقطار\" تحيط بها من جهاتها (٢).\rولكنه يعدل عن هذا التصور في الدلائل فيقول - في فصل (في اللفظ يطلق والمراد بغير ظاهره): \" وأعلم أن لهذا الضرب أتساعاً وتفنناً لا إلى غاية، إلا أنه على أتساعه يدور في الأمر الأعم على شيئين: الكتابة، والمجاز\"ثم يقول\" وأما المجاز","footnotes":"(١) راجع أسرار البلاغة من صـ ٧٧ إلى صـ ٨٠ (طبعة صبيح)\r(٢) الأسرار صـ ١٨ (طبعة صبيح) ..","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586085,"book_id":8509,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":11,"body":"فقد عول الناس في حده على النقل، وأن كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز، والكلام في ذلك يطول وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر (يقصد أسرار البلاغة) وأنا نقتصر ههنا على ذكر ما هو أشهر منه واظهر، والاسم والأشهر فيه لشيئين: الاستعارة، والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة\" (١)\rوفي هذا الذي قال عبد القاهر من الأهمية بمكان.\rفقد ألف عبد القاهر\" أسرار البلاغة\" في مرحلة فكرية مبكرة من حياته، ولهذا فإن بعض أفكاره البلاغية لم تكن ناضجة موجهاً في الدلائل، ولهذا فإنه قد ذكر - في الأسرار - أن ما هو أحق باسم التمثيل: ما كان منتزعاً من هيئات مركبة، ومثل له بأمثلة جمع فيها بين ما كان تشبيهاً فقط، وبين ما كان استعارة دون أن يتنبه إلى هذا الخلط، ولكنه عندما نضجت أفكاره البلاغية وضحت له الرؤية، وتميزت لديه أنماط التعبير، ووصل إلى مرحلة فكرية متأخرة من حياته - وهو يكتب الدلائل - أدرك أن من التمثيل أن يكون تمثيلاً فقط، ومنه ما يكون تمثيلاً على حد الاستعارة، وتنوع لتمثيل أمام ناظريه إلى هذين النوعين، وقد سمى المتأخرون النوع الأول تشبيهاً تمثيلياً، والنوع الآخر استعارة تمثيلية.","footnotes":"(١) تا الدلائل صـ ٤٤، صـ ٤٥","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586086,"book_id":8509,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":12,"body":"ولأن عبد القاهر وهو يكتب الأسرار كان في مرحلة فكرية مبكرة من حياته فإنه لم يكن وقتها على ذكر من أن الكتابة هي أحد أعمدة البيان، لأن فكرته عن نظرية البيان إنما استلهمها من كتاب\" نقد الشعر\" لقدامة، (١) وعبد القاهر - وهو يكتب الأسرار - لم يكن قد أطلع على كتاب \"نقد الشعر\" لقدامه، لأنه في تلك المرحلة المبكرة من حياته لم يكن قد أتيح له الحصول على ما كان يريد قراءته من كتب، وقد أجمع المؤرخون على أنه قد أقام بجرجان ولم يبرحها، (٢) فربما كانت الظروف السياسية التي كانت سائدة في تلك الفترة قد حالت بينه وبين أن يقصد بغداد بحثاً عن كتاب قدامه وقد كان العصر الذي عاش فيه عبد القاهر عصر حروب ومغامرات بين طلاب الملك والسلطان في الرقعة الواسعة التي كانت الدولة العباسية تحكمها، وتاريخ تلك الفترة مصبوغ بالدماء - كما يقولون - فلعله آثر الحياة الهادئة في ظلال العلم فعكف عليها وأخلص لها (٣)\rوربما كان السبب في عدم استطاعته الحصول على كتاب نقد الشعر في مقتبل عمره، هو ضيق ذات اليد، فقد كان عبد القاهر مقتراً عليه في الرزق ولم يكن يحيا حياة سعيدة، وما خلفه لنا من شعر ينبض بالسخط على حظ العلماء في هذه الحياة. (٤)","footnotes":"(١) راجع نظرية البيان بين عبد القاهر والمتأخرين للمؤلف من صـ ٥٢.\r(٢) أنباء الرواة جـ ٢ صـ ١٨٩.\r(٣) عبد القاهر الجرجاني للدكتور أحمد بدوي صـ ١٩ صـ ٢٠ (أعلام العرب).\r(٤) شذرات الذهب جـ ٣ صـ ٣٤٠ وابن مكتوم صـ ١١٢ وطبقات الشافعية جـ ٣ صـ ٢٤٢ وبغية الرعاة صـ ١١٣ وفوات الوفيات جـ ١ صـ ٢٥٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586087,"book_id":8509,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":13,"body":"ولسنا ندري مورد رزق عبد القاهر، فلعله هبات بعض الأثرياء الذين أهدى إليهم كتبه، (١) ولعله لم يستطع أن يحصل على كتاب قدامه إلا في فترة متأخرة بعد أن استقرت الحياة السياسية التي كانت مضطربة، وبعد أن أهدى إلى بعض الأثرياء بعض كتبه، ولعله هو نظام الملك أبو الحسن بن علي وزير السلاجقة، إذ ليس بين أيدينا شعر \"مدح به أحداً سوى هذا الوزير الذي أسس المدرسة النظامية ببغداد سنة تسع وخمسين وأربعمائة. (٢) وأزال لعن الأشعرية من المنابر وقد كان عبد القاهر أشعرياً، ولعل نظام الملك قد أنعم عليه فأهداه بعض الكتب التي كانت ببغداد، وكان من بينها كتاب \"نقد الشعر\" لقدامه بن جعفر، إذ كان نظام الملك مجا للعلماء، مقدراً لمكانتهم. (٣)\rولهذا فإنه من المرجح أن يكون حصول عبد القاهر على كتاب نقد الشعر، ومن ثم بداية تأليفه \"الدلائل\" قد كانت بعد سنة ٤٥٩ هـ لأنه الوقت الذي هيئت له فيه الظروف للاطلاع على ما فيه من قضايا بلاغية ونقدية كان لها أثرها في تكوين فكرته عن نظرية البيان التي لاحت عند قدامه متمثلة في الإرداف (أي الكتابة)","footnotes":"(١) عبد القاهر الجرجاني د/ احمد بدري صـ ٩ وأنباه الرواة صـ ١٩٠.\r(٢) وفيات الأعيان جـ ١ صـ ١٤٣ وتاريخ الأمم الإسلامية صـ ٤٢٦ ..\r(٣) تاريخ الأمم الإسلامية (الدولة العباسية) صـ ٤٢٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586088,"book_id":8509,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":14,"body":"والتمثيل (أي الاستعارة التمثيلية)، فالتقطها عبد القاهر، وصاغ منها نظرية البيان التي لخصها في عبارته الوجيزة الشهيرة (المعنى ومعنى المعنى) ومعنى ذلك: أن عبد القاهر قد ألف كتابه \"دلائل الإعجاز\" في العقد السابع من حياته، وهي مرحلة متأخرة من عمره الذي أمتد إلى سنة ٤٧١ هـ.\rوهذا التوقيت موافق لقوله في \"دلائل الإعجاز\" هذه مسألة كنت قد عملتها قديماً، وقد كتبتها ههنا، لأن لها اتصالاً بهذا الذي صار بنا القول إليه: قوله تعالى: \" إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ\" أي لمن كان أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر فيما ينبغي أن ينظر فيه.\" (١)\rفإذا ما تصفحنا \"أسرار البلاغة\" وجدنا هذه المسألة ذاتها، إذ يقول \"ومثل من توقف في التفات هذه الأسامي إلى معانيها الأولى وظن أنها مقطوعة\" عنها قطعاً يرفع الصلة بينها وبين ما جازت إليه، مثل من نظر في قوله تعالى: (إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) فرأى أن المعنى على الفهم والعقل، أخذه ساذجاً، وقبله غفلاً، وقال: القلب ههنا بمعنى العقل، وترك أن يأخذه من جهته، ويدخل إلى المعنى من طريق المثل، فيقول: أنه حين لم ينتفع بقلبه ولم يفهم بعد أن كان القلب للفهم جمل كأنه عدم القلب جملة وخلع من صدره خلعاً كما جعل الذي لا يعي الحكمة ولا يعمل الفكر فيما تدركه","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ١٩٨ ..","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586089,"book_id":8509,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":15,"body":"عينه وتسمعه أذنه كأنه عادم للسمع والبصر، وداخل في العمى والصم، ويذهب عن أن الرجل إذا قال: قد غاب عني قلبي وليس يحضر لي قلبي فإنه يريد أن يخيل إلى السامع أنه قد فقد قلبه دون أن يقول: غاب عني علمي وعزب عقلي، وأن كان المرجع عند التحصيل إلى ذلك، كما أنه إذا قال: لم أكن ههنا: يريد شدة غفلته عن الشيء فهو يضع كلامه على تخييل أنه كان غاب هكذا بجملته وبذاته دون أن يريد الرجل الأخبار بأن علمه لم يكن هناك\". (١)\rفقوله: (كنت قد عملتها قديماً) أشارة واضحة إلى قدم عهده بتأليف الأسرار الذي من المرجح أن يكون قد ألفه في مقتبل حياته الفكرية، وبداية عهده بالتأليف في البلاغة، في الوقت الذي لم تمكنه الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من الحصول على كتاب نقد الشعر لقدامه، للاطلاع على ما فيه من أفكار نقدية بلاغية، فجاء كتابه \"الأسرار\" - وهو الذي يبحث فيه موضوعات البيان - خالياً من الكتابة، ومن الاستعارة التمثيلية - وهما الموضوعان اللذان بنى عليهما عبد القاهر نظرية البيان في \"دلائل الإعجاز\".\rوقريب من هذا الذي تراه: ما لاحظه الدكتور غنيمي هلال (٢) من أن عبد القاهر - وهو يكتب الأسرار - لم تكن قد نضجت عنده بصفة حاسمة نظرية النظم، إذ رأى عبد القاهر - في الأسرار - يقسم الكلام إلى","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ٢٩٠ (طبعة صبيح) ..\r(٢) النقد الأدبي الحديث صـ ٢٨١ ..","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586090,"book_id":8509,"shamela_page_id":16,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":16,"body":"ما هو شريف في جوهره، وما هو شريف بصنعته (١) ولكنه في نظرية النظم - وهو يكتب الدلائل - قد أولى الصورة الأدبية كل حصن ولم يعتد بالكلام الذي لا يتآزر لتتم هذه الصورة، وقسم الكلام إلى حسن للنظم ومعناه، وحسن لنظمه. (٢)\rفإذا ما أضفنا إلى هذا إلى هذا أن عبارة \"توخي معاني النحو فيما بين الكلم\" - وهي الصيغة التي ارتضاها عبد القاهر ترجمة أمينة لنظرية النظم - لم ترد أصلاً في الأسرار علمنا بأن هذه الصيغة لم يكن قد توصل إليها وهو يكتب الأسرار.\rهذه الدراسة شيقة ممتعة حقاً، لأنها تفتح لنا آفاقاً جديدة لدراسة التراث البلاغي والنقدي لعبد القاهر الجرجاني، وتتيح لنا الاستمتاع برؤية حقيقية لأفكاره، وآرائه واتجاهاته، وتهيئ لنا الجو الصحي الذي تفهم فيه عباراته فهماً طبيعياً، لا فهماً متكلفاً، ونرى فيه معالم نظرياته الأدبية والنقدية عن كثب، دون أن تحجبها عن عقولنا دياجير الغيب، وأستار الإهمال!\rوالأمر الثالث: هو دراسة التصور العام للبلاغة في ذهن عبد القاهر والأطر العامة التي تصورها ممثلة لخصائص النظم، وصور البيان وقيم الجمال.","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ١٩، صـ ٢٠.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٧٧ إلى صـ ٧٩. .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586091,"book_id":8509,"shamela_page_id":17,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":17,"body":"وهذه الدراسة التي نقدمها بين يديك الآن تجمع بين هذه الأمور الثلاثة، فهي لم تأل جهداً في تتبع البذور النقدية التي كان لها شأن في إلهام عبد القاهر أسس نظرية النظم وإرجاعها إلى مظانها من تراث سابقيه.\rثم أنها قد تتبعت أفكاره البلاغية والنقدية عن هذه النظرية وتطورت معها من بداية عهده بالتأليف في البلاغة حتى نهاية اكتمالها في عقله وفكره، ومن ثم بداية تطبيقها تطبيقاً عملياً على التراكيب العربية. كما أنها قد حاولت ما وسعتها المحاولة إبراز الصورة الحقيقية التي كان عبد القاهر يتمثلها للبلاغة في عقله وفكره ومن ثم مقارنتها بما صنعه المتأخرون بهذه النظرية إذ صاغوها في تعريفات ثلاثة لعلوم: المعاني، والبيان والبديع.\rعلى أن هذه المحاولة إنما هي ثمرة جهود أساتذتنا الإجلاء، الذين بثوا في أرواحنا من عزائمهم الصادقة ما جعلنا نستمسك بتراثنا العربي في البلاغة والنقد، لكي نستقي من منابعها الأصلية الصحيحة فنروي ظمأ عقولنا، ونطفئ غلة نفوسنا.\rوأرجوا من الله تعالى أن يوفقني لما إليه قصدت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.\"\rحسن إسماعيل عبد الرازق\rالزيتون في يوم الجمعة غرة صفر سنة ١٤٠٢ هـ\rالموافق ٢٧/ ١١/١٩٨١.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586092,"book_id":8509,"shamela_page_id":18,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":18,"body":"الفصل الأول\r(قضية النظم)\rويشتمل على ما يأتي:\r(١) المنابع التي أستقى منها عبد القاهر فكرة النظم.\r(٢) نظرية النظم عند عبد القاهر:\rأ- الأسس التي قامت عليها النظرية\rب- درجات النظم عند عبد القاهر\rجـ- صنيع المتأخرين بهذه النظرية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586093,"book_id":8509,"shamela_page_id":19,"part":"1","page_num":16,"sequence_num":19,"body":"المنابع التي أستقى منها عبد القاهر فكرة المنظم\r\rعندما تحدى القرآن الكريم العرب أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه، وعجزوا عن ذلك ضاع صوابهم، وضربوا أخماساً في أسداساً من حيراتهم، لأنهم لم يستطيعوا مجاراة القرآن الكريم في بلاغته، وهم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، وسادة الكلام! ووصفوا القرآن تارة بأنه شعر، وتارة أخرى بأنه سحر.\rأما أنه شعر: فلأنهم رأوه منظوماً، ولكنه نظم خاص، فلا هو بالشعر، وفيهم الشعراء المغلقون، ولا هو بالنثر وفيهم الخطباء المفوهون! .\rوأما أنه سحر: فلأنهم وجدوا له وقعاً في قلوبهم لم يستطيعوا مغالبته، وتأثيراً في نفوسهم لم يقدروا على التخلص منه.\rعلى أنه أحد خصوم الرسول الألداء - ويقال أنه الوليد بن المغيرة المخزومي - قد استمع إلى النبي ﷺ -وهو يتلو بعض أي القرآن الكريم: فقال: \" والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الأنس، ولا هو من كلام الجن \" وأن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة\" (١)","footnotes":"(١) تفسير الزمخشري في سورة المدثر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586094,"book_id":8509,"shamela_page_id":20,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":20,"body":"وقد جاء في حديث أبي ذر - في سبب أسلامه - أنه قال - قال لي أخي أنيس: أن لي حاجة إلى مكة، فأنطلق فراث فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلاً يقول أن الله تعالى أرسله: فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، ساحر، كاهن، قال أبا ذر: وكان أنيس أحد الشعراء فقال: تالله لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت الكهنة فما هو بقولهم، والله أنه لصادق، وأنهم لكاذبون. (١)\rوالحق أن القرآن الكريم ليس شعراً، وليس سحراً، فقد أقسم الله تعالى للعوب في محكم كتابه قائلاً لهم: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) ومَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ (٤١) ولا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ\" (٢)\rولما بحث العلماء مسألة الإعجاز القرآني، لم تغب عن أذهانهم فكرة النظم القرآني - على الرغم من أن منهم من ذهب إلى أن القرآن الكريم معجزة لتضمنه أخباراً غيبية، كالأخبار عن الأمم السابقة، وكالأخبار عما سيحدث في المستقبل ومنهم من ذهب إلى أن الله تعالى قد صرف العرب عن معارضة القرآن الكريم - وأن كانت في مقدورهم - ألا أن فكرة النظم هي التي انتصرت في النهاية كسر","footnotes":"(١) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن الكريم صـ ١٢٤، صـ ١٢٥.\r(٢) الحاقة (٣٨ - ٤٢) ..","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586095,"book_id":8509,"shamela_page_id":21,"part":"1","page_num":18,"sequence_num":21,"body":"عظيم لإعجاز القرآن الكريم.\rفها هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ يؤديه إحساسه العميق بروعة النظم، وما يكسبه الكلام من الماء والرونق والحيوية والنضرة والروعة إلى أن يصيح في معاصريه: أن أعجاز القرآن الكريم في نظمه، ويؤلف في ذلك كتاباً، ولكنه يسقط من يد الزمن، (١) ولكنه يكرر هذا المعنى في كتاباته، كقوله\" في كتابنا المنزل الذي يدلنا على أنه صدق نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله\rالعباد. (٢)\rوها هو الأديب اللغوي المحدث أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي المولود في سنة ٣١٩ هـ، والمتوفى سنة ٣٨٨ هـ يصنف رسالة في \" بيان إعجاز القرآن\".\rوفي هذه الرسالة يقرر أن الناس قديماً وحديثاً قد ذهبوا في هذا الموضوع من القول كل مذهب، ولكنهم لم يصدروا عن رى ثم يناقش فكرة الصرفة، ويد حصنها ولا يرتضيها، ثم يناقش فكرة تضمن القرآن الكريم للأخبار المستقبلة، ولكنه لا يرتضيها شرحاً لأسرار الإعجاز.","footnotes":"(١) البلاغة تطور وتاريخ صـ ٥٢.\r(٢) الحيوان جـ ٤ صـ ٩٠ ..","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586096,"book_id":8509,"shamela_page_id":22,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":22,"body":"وأما القول بأن السر في إعجاز القرآن الكريم إنما هو بلاغته التي أعجزت العرب، فهو رأي صحيح، غير إن أصحاب هذا الرأي - وهم الغالبية العظمى - لم يحاولوا أن يتبينوا مرجع هذه البلاغة قائلين: قد يخفى سببه عن البحث، ويظهر أثره في النفس، لأنك تجد كلامين: أحدهما يهزك ويطريك وتنتشي له، والآخر لا يهزك ولا يطريك، وهما معاً فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة!\rومثل هذا القول لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفي من داء الجهل به، وقد أستشهد بعضهم على هذا بمثل ما فعل ذو الرمة وجرير:\rفقد ذكرت الرواة أن جريراً مر بذي الرمة وقد عمل قصيدته التي\rأولها: نبت عيناك عن طلل بحزوى ... عفتة الريح وامتننح القطارا\rفقال: ألا أنجدك بأبيات تزيد فيها! ، فقال: نعم، فقال:\rيعد الناسبون بني تميم ... بيوت المجد أوسمة كباراً\rيعدون الرباب وآل تميم ... وسعداً ثم حنظلة الخيارا\rويذهب بينها المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدية الحوارا\rفوضعها ذو الرمة في قصيدته، ثم مر به الفرزدق، فسأله عما أحدث من الشعر، فأنشد القصيدة، فلما بلغ هذه الأبيات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586097,"book_id":8509,"shamela_page_id":23,"part":"1","page_num":20,"sequence_num":23,"body":"قال: ليس هذا من بحرك: مضغها أشد لحين منك! قال: فاستدركها بطبعه، وفطن لها بلطف ذهنه. (١)\rفلابد - أذن - من سبب لاستحسان كلام دون آخر: وبحث عن السبب فوجده، ولم يتعد هذا السبب النظم.\rفالسبب الحقيقي - في رأي الخطابي - إن أجناس الكلام مختلفة فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها: الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل.\rوالقسم الأول: هو أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني هو أوسط الكلام وأقصده، والقسم الثالث: هو أدناه وأقربه.\rوقد حازت بلاغة القرآن الكريم من كل هذه الأقسام الثلاثة حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم بامتزاج هذه الأوصاف الثلاثة نمط من الكلام يجمع بين الفخامة والعذوبة، فكان اجتماع هذين الأمرين الفخامة والعذوبة - في نظمه - مع نبو كل واحد منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن الكريم.\rولا تقوم أجزاء الكلام إلا على هذه الأمور الثلاثة: (لفظ حامل، ومعنى قائم، ورباط لهما ناظم).","footnotes":"(١) ثلاثة رسائل في إعجاز القرآن صـ ٢٥ ..","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586098,"book_id":8509,"shamela_page_id":24,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":24,"body":"ومن هنا كانت فكرة النظم - كما نرى - وهي الفكرة التي أستقى منها عبد القاهر الجرجاني، ومن كتابات أخرى تالية لها حتى نضجت في ذهنه فكرة النظم، وأصبحت نظرية متكاملة واضحة المعالم والخطوط في كتابه \"دلائل الإعجاز\".\rوأما أن النظم هو أساس صور البيان - كما يتضح عند الحديث عن النظم عند عبد القاهر - فقد استقاها عبد القاهر من قول الخطابى:\r\" وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر، لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني، وبه تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان\". (١)\rعلى أن الخطابي قد وجد لإعجاز القرآن وجهاً آخر: وهو صنيعة بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوماً ولا منثوراً إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة، قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والغرق، تقشعر منه الجلود، وتنتزع له القلوب، يجول بين النفس ومضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات","footnotes":"(١) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ ٣٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586099,"book_id":8509,"shamela_page_id":25,"part":"1","page_num":22,"sequence_num":25,"body":"من القرآن الكريم، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه وصارت عداوته موالاة، وكفرهم إيماناً \"وقصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ خير شاهد على هذا. (١)\rولعلك لاحظت أن الخطابي قد ركز على أمرين لبيان أعجاز القرآن الكريم، وهما: النظم وتأثير القرآن في النفوس، وأن هذين الأمرين قد لاحظهما هو بدوره من وصف العرب للقرآن الكريم حين تحداهم - تارة بأنه شعر، لأنهم رأوه منظوماً (٢) - على حد تعبير الخطابي نفسه - وتارة بأنه سحر وذلك لتأثيره في نفوسهم تأثيراً لم يستطيعوا دفعه عنها.\rولعلك تلاحظ - أيضاً - أن هذين الأمرين هما اللذان أدار عليها عبد القاهر كتابيه: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، فقد أراد أولهما على نظرية النظم، وأدار الثاني على مدى تأثير صور البيان في النفوس ويمضي في نفس الطريق أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ×××× وهو من المتكلمين على مذهب الأشاعرة - في كتابه \"إعجاز القرآن\"، فيرد على مطاعن الملاحدة على أسلوب القرآن الكريم، مبيناً أن الحاجة","footnotes":"(١) ثلاث رسائل صـ ٧٠، صـ ٧١.\r(٢) ثلاث رسائل صـ ٢٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586100,"book_id":8509,"shamela_page_id":26,"part":"1","page_num":23,"sequence_num":26,"body":"إلى الحديث عن إعجاز القرآن أمس من الحاجة إلى البحوث اللغوية والنحوية، وأن الجاحظ قد صنف في نظم القرآن كتاباً، غير أنه لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون من قبله، أما هو فيصرح بأنه سيضيف إلى من سبقوه ما يجب وصفه من طرق البلاغة وسبل البراعة.\rوفي أول فصل من كتابه يبين أن القرآن الكريم معجز ببلاغته ثم يعقد فصلاً ثانياً يرد على القائلين بفكرة الصرفة، كالنظام والرمانى.\rوفي فصل أخر يبين وجوه الإعجاز القرآني - في رأيه ورأي أصحابه الأشعريين - فيرجعها إلى أمور ثلاثة:\rأولهما: ما تضمنه القرآن الكريم من الأخبار عن الغيوب وثانيهما: ما تضمنه من القصص الديني وسير الأنبياء، مع أن الرسول ﷺ كان أمياً، لا يقرأ ولا يكتب. وثالثهما: بلاغته. وهنا يتحدث عن نظرية الإعجاز القرآني، فيقول عن القرآن الكريم \"أنه بديع النظم عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.\rولا يزيد على هذا القدر في رويته لفكرة النظم، ولم يتعمق في الوقوف على خصائص النظم - كما فعل عبد القاهر من بعده - اللهم إلا أن يقرر أن القرآن الكريم لا تتفاوت آية ولا تتباين، بخلاف كلام الفصحاء فأنه يتفاوت من موضوع إلى موضوع. وأن القرآن الكريم يخرج في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586101,"book_id":8509,"shamela_page_id":27,"part":"1","page_num":24,"sequence_num":27,"body":"بلاغة صياغته عن طوق الأنس والجن.\rثم يذكر أنه مما يبين لك روعة القرآن الكريم: أن الكلمة منه إذا ذكرت في تضاعيف كلام فإنهما تتألق بين جاراتها تألقاً، وأنه قد وضع في أوائل بعض صوره حروفاً مجموعها: أربعة عشر حرفاً هي نصف حروف المعجم، ليبين بذلك أن كلامه منتظم من نفس الحروف التي يستخدمها العرب، ومع ذلك فأنهم قد عجزوا عن معارضته.\rهذا إلى أنه قد خلا من الغريب الوحشي المستكره، ومن الصنعة المتكلفة السقوتة.\rوبهذا فإن الباقلاني لم يخرج عن قوله: أن القرآن الكريم معجز ببلاغته، وأن بلاغته ترجع إلى نظمه الفريد، ولم يستطع الولوج إلى نظرية النظم لبيان أسرارها وخصائصها.\rغير أن أدبياً معاصراً له هو القاضي على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣١٢ هـ قد تحدث عن النظم في كتابه \" الوساطة بين المتنبي وخصومه\" واستطاع أن يزيل شيئاً من الغموض الذي كان يحيط بنظرية النظم، وأن يزيح الستار قليلاً عن بعض جوانبها، وأن يلهم تلميذه، عبد القاهر من بعده كيفية الوصول إلى معالمها، وأن يعطيه النبراس الذي يهتدي به للوقوف على أسرارها.\rومع أن القاضي الجرجاني لم يكن يتعرض لنظرية الإعجاز القرآني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586102,"book_id":8509,"shamela_page_id":28,"part":"1","page_num":25,"sequence_num":28,"body":"في كتابه هذا، إلا أنه قد تحدث عن النظم باعتباره معياراً من معاييره البلاغية في وساطته بين المتنبي وخصومه.\rأورد القاضي الجرجاني - في وساطته - كلمة \"النظم\" كثيراً، كقوله \"فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع ورونق الاستهلال - ويشيح عنها حتى يهلهل لأجلها النسج ويفسد النظم\" (١) وكقوله: وهو يعيب على قول أبي تمام:\rبدى لمن شاء رهن لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل\rفحذف عمدة الكلام وأخل بالنظم\" (٢) وكقوله \"وهلا بلغ أقصى ما يحتمله الوزن وأكثر ما يمكنه النظم\" (٣) وكقوله: ومنها ما خانه السبك، فساء ترتيبه، وأخل نظمه\" (٤) وكقوله: \"وبين الكلامين في صحة النظم وعذوبة المنطق ما تراه\" (٥) وكقوله: \" وتتبين تفاوتها في سوء الترتيب واختلال النظم\" (٦).","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٩٨.\r(٢) الوساطة صـ ٧٩.\r(٣) الوساطة صـ ٩٩.\r(٤) الوساطة صـ ١٠٠.\r(٥) الوساطة صـ ١٩٢.\r(٦) الوساطة صـ ٤١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586103,"book_id":8509,"shamela_page_id":29,"part":"1","page_num":26,"sequence_num":29,"body":"وكقوله في قول الأعشى:\rإذا كان هادئ الفتى في البلاد صدر القناة - أطاع الأمير \"فإن هذا البيت - كما تراه - سليم النظم من التعقيد - بعيد اللفظ عن الاستكراه\" (١)\rوكقوله في بيت الطيب:\rإذا ما ضربت القرن ثم أجزتني فكل ذهباً لي مرة منه بالكلم\rفلم يحفل بسواه النظم، وهلهلة النسج لما حصل له الغرض في أنهار الطعنة\" (٢)\rوبعد: فماذا قصد الجرجاني من كلمة النظم في المواضع التي ذكرها فيها؟\rفي الواقع أنه لم يكن يقصد منها - إلا ما قصده تلميذه عبد القاهر الجرجاني من بعده، وهو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم، إذ من المستبعد أن يكون قد قصد بها وزن الشعر مثلاً، لأن الأبيات التي نقدها في هذه المواضع لم تكن مختلة الوزن، كما أنه لا يمكن أن يكون قد قصد بها مجرد ترتيب لا يكون على حسب معاني النحو، لأن الترتيب إذا كان بهذه المثابة أدى إلى هلهلة النسج التي يأباها فلم يبق إلا أن يكون قد قصد بها تتبع معاني النحو فيما بين الكلم - كما قصد عبد القاهر الجرجاني تلميذه من بعده","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٤١٨.\r(٢) الوساطة صـ ٤٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586104,"book_id":8509,"shamela_page_id":30,"part":"1","page_num":27,"sequence_num":30,"body":"ولقد شد انتباهي طويلاً ذلك الفصل الذي عقده في وساطته وعنوان له بعبارة \"مواقع الكلام\". فلقد حاول أن يثبت فيه أن مزية الكلام إنما ترجع إلى نظمه، لا إلى جزالته وقوته، ولا إلى ما فيه من تنسيق وتزويق، ولكنه لا يستطيع أن يبين لنا أسباب تلك المزية كما بينها عبد القاهر من بعده - إذ هو لا يستطيع أن يفصح لنا عن تلك الأسباب بأكثر من أن هذا أمر تستخبر به النفوس المهذبة وتستشهد عليه الأذهان المثقفة، بل أنه يجهر بأنك لا تستطيع أن تذكر لهذه المزية سبباً، بل ويقيم الدليل على هذا من الأمور الحسية المشاهدة، فيقول، وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفى أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصت به مقتضياً\".\rفالقاضي الجرجاني يدرك جمال الأساليب، ولكنه لا يكلف نفسه عناء البحث عن أسبابه، وكيف لا؟ وهو الذي يعتبر السائل عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586105,"book_id":8509,"shamela_page_id":31,"part":"1","page_num":28,"sequence_num":31,"body":"هذا السبب متعنتا متجافا؟ ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة وهي مقصورة عن الأولى في الأحكام والصفة وفي الترتيب والصنعة، وفيما يجمع أوصاف الجمال، وينتظم أسباب الاختيار أحلى وأرشق وأحظى وواقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورد دثه رد المستبهم الجاهل، ولكان أقصى ما في وسعك وغاية ما عندك أن تقول: موقعه في القلب الطف، وهو بالطبع أليق، ولم تعدم مع هذه الحال معارضاً يقول لك: فما عبث من هذه الأخرى؟ وأي وجه عدل بك عنها؟ ألم يجتمع لها كيت وكيت، تتكامل فيه ذيه وذيه؟ وهل للطاعن إليها طريق؟ وهل فيها لغامز مغمز؟ يحاجك بظاهر تحسه النواظر، وأنت تحيله على باطن تحصله الضمائر\" (١).\rوهكذا يذكر الجرجاني أن من يحاجك في مثل هذه الصور السابقة إنما ينظر إلى ظاهر تحسه النواظر، وأنت ترجعه إلى باطن تحصله الضمائر، فما ذلك الظاهر الذي يقصده من الكلام؟ وما ذلك الباطن الذي يقصده منه؟\rأن الظاهر الذي يقصده هو: ما يجتمع للكلام من جزالة وقوة، وما يتوافر فيه من تزويق وتنميق، وكان تكتمل فيه نواحي الجمال الظاهرة من صور بيانية، أو بديعية وأما الباطن الذي يريده فهي المعاني اللطيفة والدقائق الخفية التي تحصل عليها من النظم أو من نفس الكلام وجوهره،","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٤١٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586106,"book_id":8509,"shamela_page_id":32,"part":"1","page_num":29,"sequence_num":32,"body":"وموقعه، ومكانه - على حد تعبيره - كما سيصرح بذلك فهو يطبق تلك النظرية على الكلام بعد أن طبقها على الصور الحسية التي تدركها الأبصار، فيقول: \"كذلك الكلام منثورة منظومة مجملة ومفصلة: تجد منه المحكم الوثيق، والجزي القوي، والمصنع المحكم، والمنسق الموشح، قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف، وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى احتمى ببراءته عن المعائب واحتجز بصحته عن المطاعن، ثم تجد لفؤادك عنه نبوة، وترى بينه وبين ضميرك فجوة، فأن خلص إليهما فإن يسهل بعض الوسائل إذنه، ويمهد عندهما حاله، فأما بنفسه وجوهره، وبمكانه، وموقعه\rفلا\" (١).\rفالمدار عند القاضي الجرجاني - في مجال تفضيل نظم على آخر - هو جوهر الكلام، ومكانه، وموقعه - كما ترى - وقد تأثر بهذه العبارة الأخيرة معاصرة القاضي عبد الجيار المتوفي سنة ٤١٥ فقال: \"أعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه أما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٤١٢، ص÷ــ ٤١٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586107,"book_id":8509,"shamela_page_id":33,"part":"1","page_num":30,"sequence_num":33,"body":"ولا بد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لا بد من اعتبار مثله في الكلمات، إذا انضم بعضها إلى بعض، لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها، وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها\" (١).\rوهكذا ألهمه القاضي الجرجاني بفصله الذي عقده في وساطته لمواقع الكلام أن يخطو بنظرية النظم خطوة أخرى.\rوربما كان أصرح مما ذكرناه وأكثر وضوحاً وأحسن شاهداً على تمثل القاضي الجرجاني لنظرية النظم التي كانت تدور بخلده، ولا يستطيع الإفصاح عن مزاياها، قوله: \"واقل الناس حظاً في هذه الصناعة (النقد) من اقتصر في اختياره ونفيه، وفي استجادته، واستسقاطه على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة، ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظاً مروقاً وكلاماً مزوقاً، قد حشى تجنيساً وترصيعاً، وشحن مطابقة وبديعاً، أو معنى غامضاً قد تعمق فيه مستخرجه وتغلغل إليه مستنبطه، ثم لا يعبأ باختلاف الترتيب، واضطراب النظم، وسوء التأليف وهلهله النسج، ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها، ولا يسير ما بينهما من نسب، ولا يمتحن ما يجتمعان فيه من سبب، ولا يرى","footnotes":"(١) المغنى في أبواب التوحيد العدل الجزء السادس عشر صـ ١٩٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586108,"book_id":8509,"shamela_page_id":34,"part":"1","page_num":31,"sequence_num":34,"body":"اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى، ولا الكلام إلا ما صوره له الغرض ولا الحسن إلا ما أفاده البديع، ولا الرونق إلا ما كساه التصنيع\" (١).\rوهكذا يعتبر القاضي الجرجاني أن النقد الأدبي السليم هو الذي يوجه إلا سلامة النظم وحسن الترتيب، لا إلى مظاهر التزويق ومشاهد التنسيق، ولا إلى ألوان البديع المختلفة، من تجنيس وترصيع ومطابقة، وهو حريص كل الحرص على تأكيد هذا المعنى، مهتم كل الاهتمام بمحاولة إبرازها يدور بخلده عن النظم، ولكنه - كما قلنا لا يستطيع أن يبين أسباب جماله، وأسرار حسنه\" وقد حملني حب الإفصاح عن هذا المعنى على تكرير القول فيه، وإعادة الذكر له ولو احتمل مقدار هذه الرسالة استقصاوه، واتسع حجمها للاستيفاء له، لاسترسلت فيه، ولا شرفت بك على معظمه\" (٢).\rولكن الذي نريد أن نثبته هنا هو أن المعاني اللطيفة، والدقائق التي تنشأ عن نظم الكلام، هي تلك التي أدركها القاضي الجرجاني بقلبه، ولم يستطع الإفصاح عنها، والتي أدركها تلميذه عبد القاهر بقلبه، وبحث عنها فوجدها، وبين أسبابها.","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٤١٣.\r(٢) نفس المرجع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586109,"book_id":8509,"shamela_page_id":35,"part":"1","page_num":32,"sequence_num":35,"body":"ولم لا؟ ألم يور القاضي الجرجاني من الأبيات التي استحسنها للبحتري هذه الأبيات:\rبلونا ضرائب من قد نرى فما أن رأينا لفتح ضريباً\rهو المرء أبدت له الحادثات عزماً وشيكاً، ورايا صليباً\rتنفل في خلقي سودد سماحاً مرجى وبأساً مهيباً\rولكنه لم يعلق عليها مبيناً سبب استحاسنه لها واستجادته إياها فأتي عبد القاهر الجرجاني، فيبين ذلك السبب؟ فلا يرجعه إلى صور بيانية أو بديعية، أو غيرهما مما هو راجع إلى الصنعه الخارجية وإنما يرجع إلى المعاني الناشئة عن النظم فيقول \"وإذا قد عرفت ذلك فأعبد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف أو حكمه، أو أدب، أو استعاره أو تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأملهن فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت، واستحسنت، فانظر إلى حركات الإريحية مم كانت؟ وعندما ظهرت؟ فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلت: أعمد إلى قول البحتري:\rبلوناً ضرائب من قد نرى فما أن رأينا لفتح ضريباً\rويتم الأبيات السابقة، ثم يقول: \"فإذا رأيتها قد راقتك، وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازاً في نفسك، فعد فأنظر في السبب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586110,"book_id":8509,"shamela_page_id":36,"part":"1","page_num":33,"sequence_num":36,"body":"واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر وعرف ونكر، وحذف واضمر، وأعاد وكرر، وأتى مأتى يوجب الفضيلة، أفلا ترى أن أول شيء \"يروقك منها: قوله: (هو المرء أبدت له الحادثات) ثم قوله: (تنقل في خلق سودد) بتنكير السودد، وإضافة الخلقين إليه، ثم قوله: (فالكسيف) وعطفه بالفاء، مع حذفه المبتدأ، لأنه المعنى -لا محالة -: فهو كالسيف لم تكرير الكاف في قوله (وكالبحر) ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطاً جوابه فيه - ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالاً على مثال ما أخرج من الآخر وذلك قوله: (صارخاً) هنالك و (مستثيباً) ههنا؟ \" (١)\rوكأن عبد القاهر قد عنى أستاذه القاضي الجرجاني بقوله: \"وإذا عرفت ذلك فاعمد إلي ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره\".\rعلى أن عبد القاهر قد أخذ من أستاذه القاضي الجرجاني فصلاً من وساطته، هو الذي سمى \"مواقع الكلام\" (٢) فحوره عبد القاهر ووضحه وجعل عنوانه \"فصل في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٥٨، صـ ٥٩.\r(٢) الوساطة صـ ٤١٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586111,"book_id":8509,"shamela_page_id":37,"part":"1","page_num":34,"sequence_num":37,"body":"والأغراض التي توم (١) \"فقد بين فيه أن مزية النظم ليست للفروق التي تحدث منه من حيث هي، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، وقد استشهد في ذلك بالصور الحسية كما استشهد القاضي الجرجاني، ثم بدأ بطبقة على الأسلوب، شأنه في ذلك شأن أستاذة، وإليك قطعة من هذا الفصل تؤيد صحة ما نذهب إليه:\rقال الإمام عبد القاهر الجرجاني \"وإذا عرفت أن مدار النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه فاعلم أن الفروض والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم أعلم أن ليست المزية واجبة لها في نفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في (سودد) من قوله: (تنقل في خلقي سودد) وفي (دهر) من قوله (فلو أذنبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً في كل شيء، ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي ألا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا، بل ليس من فضل ومزيه إلا بحسب","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٦٠، ٦٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586112,"book_id":8509,"shamela_page_id":38,"part":"1","page_num":35,"sequence_num":38,"body":"الموضع، وبحسب المعنى الذي تريده، والغرض الذي توم، وإنما سبيل هذه العاني سبيل الاصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش فكما أنك ترى الرجل قد تهدي في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي موقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيها معاني النحور ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم\" (١).\rفعبد القاهر الجرجاني يدرك الفروق والوجوه التي تنشأ عن توخي معاني النحو فيما بين الكلم، أي الناشئة عن النظم، والتي أدركها القاضي الجرجاني، بطبعه، ولم يستطع الإفصاح عنها، ولكنه يستدرك فيبين أن المزية ليست لتلك الفروق في أنفسها ولكنها تعرض لها بحسب المعاني والأغراض التي يصاغ لها الكلام بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض.\rوهذا ما يقصده القاضي الجرجاني بقوله: (ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها ولا يسبر ما بينهما من نسب ولا يمتحن ما يجتمعان","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٦٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586113,"book_id":8509,"shamela_page_id":39,"part":"1","page_num":36,"sequence_num":39,"body":"فيه من سبب\" (١) وبقوله \"فإن خلص إليهما فبأن يسهل بعض الوسائل إذنه، ويمهد عندهما حاله، فأما بنفسه وجوهره، وموقعه ومكانه فلا\" (٢).\rذلك لأن معنى قول القاضي الجرجاني \"ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها .. الخ\" أنه يعيب على الناقد الذي لا يعبأ بمقابلة الألفاظ بمعانيهما، وليست هذه المعاني إلا الأغراض التي يصاغ لها الأسلوب والتي ذكرت في مقدمة وساطته فقال: \"ولا أمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاوك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزله جدك، ولا تعرضك مثل تصريحك، بل ترتب كلا مرتبته، فتلطف إذا تغزلت وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه، فإن لمدح بالشجاعة والباس يتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به وطريق لا يشاركه الآخر فيه، وليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصود","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٤١٣.\r(٢) نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586114,"book_id":8509,"shamela_page_id":40,"part":"1","page_num":37,"sequence_num":40,"body":"على الشعر دون الكتابة، ولا بمختص بالنظم دون النثر، بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلاف كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنيت\" (١)، وعبد القاهر يضرب مثالاً للأسلوبيين يفرق بينهما جمال النظم بما يشاهد من الصور المرئية (٢) تماماً كما فعل القاضي الجرجاني (٣) ثم يعقب ذكر الصورتين المرئيتين بذكر الشاعر والشاعر يفرق بينهما توخي معاني النحو (٤)، كما فعل القاضي الجرجاني، إذا أردف ذكر الصورتين المرئيتين بذكر منثور الكلام ومنظومة (٥).\rوقد سبق أن عرفت أن عبد القاهر الجرجاني قد فسر نظرية النظم بما استشهد به القاضي الجرجاني، وجعله مثالاً لما استجاده وأستحسنه للبحتري (٦).","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٢٤.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٦٠.\r(٣) الوساطة صـ ٤١٢.\r(٤) دلائل الإعجاز صـ ٦٠.\r(٥) الوساطة صـ ٤١٢.\r(٦) الوساطة صـ ٢٧، ودلائل الإعجاز صـ ٥٨، صـ ٥٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586115,"book_id":8509,"shamela_page_id":41,"part":"1","page_num":38,"sequence_num":41,"body":"وإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد فسر \"النظم\" بأنه \"توخي معاني النحو فيما بين الكلم \"فإن القاضي الجرجاني قد كشف عن هذا المعنى، حيث أنه جعل فساد النظم نتيجة لعدم الجري على قوانين النحو، وإذا كان فساد النظم والإخلال به نتيجة لعدم العمل بقوانين النحو، فإن حسن النظم وسلامته، إنما هو في العمل بقوانين النحو، فقد قال: في بيت أبي الطيب:\rكالريح أشجاه طاسمة بأن تسعدا والد مع أشفاه ساجمه\r\"و\" من يرى هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المفرط، فيشك أن وراءها كنزاً من الحكمة، وأن في طيها الغنيمة الباردة حتى إذا فتشها وكشف عنها سترها، وسهر ليالي متوالية فيها حصل على أن \"وفاء كما يا عاذلي بأن تسعداني إذا درس شجاي، وكلما ازداد تدارساً ازددت له شجوا، كما أن الربع شأشجاه دارسه \"فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، حتى يهلهل لأجلها النسج ويفسد النظم، ويفصل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه ويقدم ويؤخر، ويعمى ويعوص، ولو احتمل الوزن ترتيب الكلام على صحته فقيل: \"وفاؤكما بأن تسعدا أشجاه طاسمة كالربع\" أو\" وفاكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمة\" لظهر هذا المعنى الضنون به، المتنافس فيه، فأما قوله \"والد مع أشفاه ساجمه \"فخطاب مستأنف، وفصل منقطع عن الأول، وكأنه قال \"وفاوكما والربع أشجاه ماطسم، والد مع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586116,"book_id":8509,"shamela_page_id":42,"part":"1","page_num":39,"sequence_num":42,"body":"أشفاه مأسجم\" (١).\rويعيب على أبي تمام قوله:\rيدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً من راحتيك دري ما الصاب والعسل\rمعلقاً عليه بقوله: طفحذف عمدة الكلام، وأخل بالنظم، وإنما أراد يدي لما شاء رهن (إن كان) فحذف (إن كان) من الكلام فأفسد الترتيب، وأحال الكلام عن وجهه (٢).\rوذلك معناه: أن أبا تمام - لعدم جريه على قوانين النحو بحذفه عمدة الكلام - قد أخل بالنظم، ولو جرى على قوانين النحو، فلم يحذف عمدة الكلام لكان النظم سليماً.\rويعلق على من أخذ قول أبي العطاء:\rحلت وزيته، فعم مصابها فالناس فيه كلهم مأجور\rفقال: ولقد أصاب غليلها من لم يصب وتصيرت فقداً لهن لم يفقد\rبقوله: \"وبين الكلامين في صحة النظم، وعذوبة المنطق ما تراه\" (٣).\rومعنى ذلك - أيضاً - أن البيتين - وأن كان معناهما واحداً - إلا أنهما قد اتفقا في صحة النظم، وكان لهما من عذوبة المنطق قدر كبير، وليس","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٩٨.\r(٢) الوساطة صـ ٩٧.\r(٣) الوساطة صـ ١٩١، ١٩٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586117,"book_id":8509,"shamela_page_id":43,"part":"1","page_num":40,"sequence_num":43,"body":"بخاف أن كلا البيتين قد جرى على مقتضى قواعد النحو، وبالتالي فإن الجرى على ما تقتضي هذه القواعد تتم به صحة النظم، وتنشأ عذوبة الكلام\".\rهكذا يجعل القاضي الجرجاني صحة النظم في العمل بقوانين النحو، وفساده في عدم العمل بها، ومعنى ذلك بوضوح أن النظم عنده: هو العمل بقوانين النحو، وبعبارة أخرى: هو: توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يوضع لها الكلام - على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني -.\rوليس ذلك استنتاجنا نحن فحسب -ولكنه - أيضاً - استنتاج عبد القاهر الجرجاني نفسه، فقد استنبط ذلك من تصرف القاضي الجرجاني في كتاب الوساطة، فذكر أن العلماء - وأن كان يعني القاضي الجرجاني -قد كشفوا عن وجه النظم، فبعد أن بين أطباق العلماء على تعظيم شأن النظم بقوله \"وقد علمت أطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره، والتنويه بذكره، وأجماعهم على أن لأفضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، ويتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه، ولا قوام إلا به، وأنه القطب الذي عليه المدار والعمود الذي به الاستقلال (١)، وبعد أن بين أن النظم ليس","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٥٤، صـ ٥٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586118,"book_id":8509,"shamela_page_id":44,"part":"1","page_num":41,"sequence_num":44,"body":"إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقضتيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها\" (١).\rذكر الاستنتاج الذي أوضحناه أنفاً، فقال: \"هذا هو السبيل فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطؤه - إن كان خطأ - إلى النظم ويدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو، قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، وعومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزيه وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة، وذلك الفساد، وتلك المزيه، وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه\" (٢).\rثم يقول \"ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه، حيث ذكروا فساد النظم، فليس يخالف في نحو قول الفرزدق:\rوما مثله في الناس إلا مملكاً أبو أمه حي أبوه يقاربه","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٥٥.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٥٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586119,"book_id":8509,"shamela_page_id":45,"part":"1","page_num":42,"sequence_num":45,"body":"وقول المتنبي:\rولذا اسم أغطية العيون جفونها من أنها عمل السيوف عوامل\rوقوله:\rالطيب أنت إذا أصابك طيبه والماء أنت إذا اغتسلت -الغاسل\rوقوله:\rوفاوكما كالربع أشجاه طاسمة بأن تسعدا، والدمع مع أشفاه ساجمة\rوقول أبي تمام:\rثانية في كبد السماء ولم يكن كاثنين ثان إذهما في الغار\rوقوله:\rيدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً ... من راحتيك دري ما الصاب والعمل\rوفي نظائر ذلك مما تواصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطي الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وأضمار أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول العلم، وغذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله إلا يعمل بقوانين هذا الشأن ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم\" (١).","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٥٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586120,"book_id":8509,"shamela_page_id":46,"part":"1","page_num":43,"sequence_num":46,"body":"فعبد القاهر الجرجاني يذكر أن العلماء - والقاضي الجرجاني منهم - قط كشفوا عن وجه ما أراده، حيث ذكروا فساد النظم، وبينوا أسبابه، وهي تنحصر في عدم العمل بقوانين النحو، ويستشهد ما ذكروه في هذا الشأن، وستة الأبيات السابقة قد ذكرها القاضي الجرجاني في وساطته - عدا البيت الخامس - وجعلها في عداد ما عيب من أجل سوء النظم، لعدم جريها على حسب قواعد النحو (١).\rثم يقول: \"وإذا قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف، أو حكمه، أو أدب، أو استعاره أو تجنيس، أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله، فإذا رأيتك قد ارتحت، واهتززت، واستحسنت، فأنظر إلى حركات الأريحية مم كانت، عندما ذا ظهرت، فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلت أعمد إلى قول البحتري: ... ثم يورد أبيات البحتري التي سبق أن ذكرها، وبينت أن القاضي الجرجاني قد استحسنها واستجادها، ولكنه","footnotes":"(١) فالبيت الأول ذكره الجرجاني في وساطته صـ ٤١٩ والثاني صـ ٨٩، والثالث صـ ٨٩، صـ ٣٩ والرابع صـ ٩٨، والسادس صـ ٧٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586121,"book_id":8509,"shamela_page_id":47,"part":"1","page_num":44,"sequence_num":47,"body":"لم يبين لنا سبب تلك الاستجادة، ولا سر ذلك الاستحسان، وأن عبد القاهر الجرجاني قد تكفل بذلك (١).\rولهذا كله: فإننا نعتقد أن نظرية النظم التي جعلها عبد القاهر الجرجاني أساساً لعلم المعاني - كما سمي من بعده- والتي فتح مغاليتها وبين أقسامها، وذكر شواهدها، كانت مستوحاه من كلام القاضي في كتاب الوساطة، وأن عبد القاضي الجرجاني أساس فكرة النظم، ثم تكفل بتفسيرها، وتوضيحها، وذكر شواهدها، ولعل عبد القاهر الجرجاني - وهو النحوي البارع الذكي - قد قرأ - أيضاً - ما دار بين أبي سعيد السيرافي وبين أبي بشر منتى بن يوسف في مجلس أبي الفتح بن جعفر بن الفرات في مناظره حادة بينهما حول جدوى علم النحو وفيها يقول أبو سعيد - السيرافي \"إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يتوصل إليها إلى باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة .. معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضتها المقتضية لها وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الصواب في ذلك، وأن زاع عن التعنت فإنه لا يخلو من أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر والتأويل البعيد، أو مردوداً لخروجه عن عادة القوم","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صفات ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586122,"book_id":8509,"shamela_page_id":48,"part":"1","page_num":45,"sequence_num":48,"body":"الجارية عن فطرتهم، فأما يتعلق باختلاف لغات القبائل فذلك شيء مسلم به ومأخوذ عنهم، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم. إذا قال لك القائل: كن نحوياً لغوياً فصيحاً فإنما يريد: أفهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى، فلا ينقص عنه.\rهذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى وبسط المراد، فأجل اللفظ بالرواد في الموضحة، والأشباه المقربة والاستعارات الممتعة، وسدد المعاني بالبلاغة (١).\rلا بد أن عبد القاهر قد قرأ هذا، فقد وردت في العبارة السابقة عبارة \"معاني النحو\" ولفظه \"التتبع\" تلك التي نجد لها أثراً في قوله: عندما يعرف النظم بقوله: تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يوضع لها الكلام.\rولعله قد قرأ -أيضاً - ما نقلناه لك عن القاضي عبد الجيار - حول فكره النظم والتي كان متأثراً فيها هو الآخر بفكرة القاضي الجرجاني عن جوهر الكلام، وموقعه، ومكانه من النظم.","footnotes":"(١) راجع الجزء الثامن معجم الأدباء صـ ١٩٠ وما بعدها (طبعة دار المأمون القاهرة).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586123,"book_id":8509,"shamela_page_id":49,"part":"1","page_num":46,"sequence_num":49,"body":"نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني\rلما كانت نظرية النظم التي اهتدى إليها عبد القاهر الجرجاني مستقاة من كلام النقاد السابقين عن صحة النظم، وفساده عند الشعراء كالذي رأيته من حديث القاضي الجرجاني، عن روعة النظم وقبحه عند بعض الشعراء، من أمثال: أبي تمام، والبحتري، وأبي الطيب المتنبي وغيرهم، وكان اهتمامه منصرفاً كلية إلى فهم نقاد الشعر لتلك النظرية لأنهم هم الذين استطاعوا أن يكشفوا عن وجه النظم - على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني - كما سبق أن أسلفنا -، وكان عليه أن ينوه بمكانة الشعر، وأن يرد على من زهد فيه ولما كانت نظرية النظم قائمة على أساس نحوي، وكان هنالك من يحاول في جدوى النحو وفائدته - كما في مناظرة أبي سعيد السيرافي ويونس بن متى - كان عليه - أيضاً - أن ينوه بعلم النحو وأن يرد على من زهد فيه.\rعلى أنه من الطبيعي أن يتوجه النقد إلى نتاج قرائح الشعراء وإلى ما تضمنته حصائد ألسنتهم من مدح أو هجاء، أو غيرها من أغراض الشعر الأخرى، وأن يعرض كل ذلك على ميزان النقد بإظهار محاسنه ومساوئه بإبراز ما في أشعارهم من سلامة النظم وحسنه أو من فساد، وقبحه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586124,"book_id":8509,"shamela_page_id":50,"part":"1","page_num":47,"sequence_num":50,"body":"فإذا ما أحسن البعض وسلم نظمه، فإن علة الحسن، وسلامة النظم، ربما لم تكن ظاهرة بينة في ذلك الوقت وإذا ما أساء البعض الآخر وفسد نظمه فإن علة القبح وفساد النظم تبدو بينة جلية، وذلك بمقارنة السيء بالحسن والفاسد بالسليم إذ يبدو الفرق واضحاً جلياً عند المقارنة والموازنة.\rوذلك بخلاف ما إذا كانت المقارنة بين أسلوبين كل منهما سليم النظم صحيح التأليف، لأنه ما دام النظم سليماً والتأليف صحيحاً فإن الفرق بين الأسلوبيين لا يبدو واضحاً جلياً، كالذي قالوه من قولهم (قد يخفي سببه عن البحث، ويظهر اثره في النفس لأنك تجد كلامين أحدهما يهزك ويطربك وتنتشي له، والآخر ليس كذلك وهم فصيحان، ثم لا يوقف على شيء مسمن ذلك على علة) (١).\rولهذا كانت المقارنة بين أساليب الشعراء والموازنة بينهم من حيث الإحسان والإساءة - والإجادة والتقصير وعلى الأخص: من حيث سلامة النظم وحسنه وفساده وقبحه، مبينة وموضحة لعلل السلامة والفساد وأسباب الحسن والقبح، ومن ثم فإنها كانت كاشفة عن وجه النظم على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني، ولهذا كله فإن عبد القاهر الجرجاني قد أشاد بالشعر، وهي على من زهد في روايته، لأنه عن طريق نقده - وبيان جيده من رديئة، وحسنه من قبيحة يظهر ميزان البلاغة ومعيارها، وهو النظم السليم، الذي غذا ما عرفت طريقة الصحيح، وسبيلة القويم، فقد عرفت معيار النقد الأدبي السليم","footnotes":"(١) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ ٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586125,"book_id":8509,"shamela_page_id":51,"part":"1","page_num":48,"sequence_num":51,"body":"الذي به تظهر بلاغة القرآن الكريم، وتكشف دلائل إعجازه.\rذلكم هو السر في حديثه عبد القاهر الجرجاني عن الشعر ورد على من زهد فيه، في مطلع كتابه \"دلائل الإعجاز\" تمهيداً للحديث عن نظرية النظم.\rعلى أن من فضلاء النقاد في العصر الحديث من ذهب إلى غير هذا السبيل الذي سلكناه في بيان السبب الذي من أجله قدم عبد القاهر الجرجاني حديثاً عن الشعر في مستهل كتابة دلائل الإعجاز.\rفقد رأي الدكتور أحمد بدوي أن السر في هذا أن عبد القاهر \"يرى محاسن الكلام والبلاغة الأخاذة تبدو في الشعر في صورة بارعة ويرى من الخطأ حرمان نفسه، وحرمان كتابه من هذا المورد العذب الذي تتجلى فيه البلاغة، وتتبرج في زينتها، فكان من الضروري أن يبدأ كتابه بالدفاع عن هذا المورد العذب الذي سيستمد منه نماذجه وأمثلته (١) ولو كان الأمر كما ذكر الدكتور أحمد بدوي، لما خص عبد القاهر الشعر بالتمثيل وإعطاء النماذج - حيث تجد عبد القاهر لا يمثل بأي القران إلا نادراً - ولأكثر من التمثيل بالقرآن الكريم الذي تتجلى فيه البلاغة بأروع ما تتجلى في الشعر.\rوقد شرح عبد القاهر الجرجاني نظريته في النظم على هذا النحو:","footnotes":"(١) عبد القاهر الجرجاني/ د. أحمد بدوي صـ ٣٧٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586126,"book_id":8509,"shamela_page_id":52,"part":"1","page_num":49,"sequence_num":52,"body":"أولاً: لا تفاضل بين كلمة وأخرى في الدلالة على المعنى قبل دخلوهما في نظم الكلام:\rفإذا ما رأيتهم قد وصفوا اللفظ بالفصاحة والبلاغة والبراعة وما شاكلها مما يعبر عن فضل بعض القائلين على بعض، وينسب فيه الفضل والمزية إلى اللفظ دون المعنى، فليس ذلك إلا وصفاً للكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما كانت له دلالة، ثم تبرجها في صورة إيهي وأزين وآنق وأعجب، وأحق بأن تستولى على النفوس، وتأخذ بمجامع القلوب، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يؤتي المعنى من جبهته التي هي أصح لتأديته، ويختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه، وأحرى بأن يكسبه النيل، ويظهر فيه المزية.\rولهذا فإنه يجب أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلام خبراً أو إنشاء وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة، وبناء لفظه على أخرى:\rفإنه لا يتصور أن يكون للفظتين تفاضل في الدلالة - قبل دخولهما في التأليف - بأن تكون كلمة أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما وسمت به، كان يقال: أن رجلاً - مثلاً - أدل على معناه من فرس على ما سمى به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586127,"book_id":8509,"shamela_page_id":53,"part":"1","page_num":50,"sequence_num":53,"body":"وبأن يتصور في الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون احدهما أحسن نبأ عنه، وأبين كشفاً عن صورته من الآخر كما أنه لا يقع في وهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقمان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون إحداهما مألوفة مستعملة والأخرى غريبة، أو أن تكون هذه أخف نطقاً من تلك.\rولهذا فإنك لا تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جارتها وفضل موانستها لأخواتها.\rوما رأيتهم قالوا في لفظة: أنها متمكنة ومقبولة وفي الأخرى: أنها قلقة نابية إلا لأنهم أرادوا أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق لبين هذه وتلك من حيث معناها، وبالقلق والتنبؤ عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تكن لائقة بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تجيء مناسبة للتالية في يوادها.\rفلا تفاضل بين كلمة أخرى في الدلالة على المعنى قبل دخولهما في التأليف، ولهذا فإن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفردة، وإنما تثبت لها الفضيلة والمزية إذا لاءمت معانيها معاني التي تليها.\rوالدليل على ذلك: أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعيناها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586128,"book_id":8509,"shamela_page_id":54,"part":"1","page_num":51,"sequence_num":54,"body":"ثانياً: ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيب المعاني في النفس:\rهناك فرق بين نظم الحروف، ونظم الكلمات: إذا نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط دون أن يكون هناك معنى اقتضى هذا النظم، ولا أن يكون ناظمها قد تحرى رسماً من العقل في نظمها أما نظم الكلمات فإن الأمر ليس كذلك، لأنك تقتضى في نظمها أثار المعاني، وترتيبها في النفس، فهو نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس بمعناها ضم الشيء إلى شيء كيف جاء واتفق.\rفإذا ما عرفت الفرق بين نظم الحروف ونظم الكلمات على هذا النحو عرفت أن ليس الغرض وينظم الكلمات أن توالت ألفاظها في النطق، ولكن أن تناسقت وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاها العقل.\r\rوالدليل على ذلك:\rأولاً: أن الألفاظ لا تستحق من حيث هي ألفاظ أن تنظم على وجه دون وجه، لأنك لو فرضت أن تنخلع من هذه الألفاظ دلالتها لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء، ولا يتصور أن يجب فيها ترتيب ونظم.\r\rثانياً: أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون الغرض هو ترتيب المعاني في النفس ثم النطق بالألفاظ على حذوها، لكان ينبغي أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه لأنهما يحسان بتوالي الألفاظ إحساساً واحداً، ولا يعرف واحداً منهما في ذلك ما يجهله الآخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586129,"book_id":8509,"shamela_page_id":55,"part":"1","page_num":52,"sequence_num":55,"body":"ثالثاً: أن النظم الذي يتواصفه البلغاء وتتفاضل مراتب البلاغة من أجله صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة، ويستخرج بالروية، فينبغي أن تنظر في الفكر بماذا تلبس؟ بالمعاني أم بالألفاظ؟ (أي شيء وجدته تلبس به فكرك من بين المعاني والألفاظ فهو الذي تحدث فيه صنعتك وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويرك ومحال أن تفكر في شيء وأنت لا تصنع فيه شيئاً وإنما تصنع في غيره.\r\rرابعاً: أن الألفاظ - كما يقولون - أوعية للمعاني، ولهذا فإنها تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولاً في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولاً في النطق، ولهذا فإن المعاني هي المقصودة بالنظم والترتيب قبل الألفاظ، والفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء إنما هو فكر في المعاني، ولهذا فإنك لا تحتاج بعد ترتيب المعاني في نفسك إلى فكر تستأنفه لتجيء بالألفاظ على حذوها وأما الثمرة التي يخرج بها عبد القاهر من هذا الفصل فإنها تتمثل لك فيما يلي:\rأ - لا يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، كما أنه لا يتصور أن تتوخي في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيباً ونظماً.\rب - عليك أن تتوخي الترتيب في المعاني وأن تعمل فكرك هناك، فإذا ما تم لك ذلك اتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586130,"book_id":8509,"shamela_page_id":56,"part":"1","page_num":53,"sequence_num":56,"body":"جـ - إذا ما فرغت من ترتيب المعاني في نفسك وجدت الألفاظ مرتبة على حذوها في نطقك، ولم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيبها لأن الألفاظ خدم للمعاني وتابعة لها، ولاحقة بها.\rد - العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق.+\r\rثالثاً: لا نظم في الكلم حتى يعلق بعضها ببعض وبيني بعضها على بعض:\rوهذه هي المرحلة الثالثة من مراحل بناء النظم في فكر المتكلم، وهي مرحلة وضع اللينات الأساسية لعملية النظم، وبها يبدأ الإمام عبد القاهر في بيان كيفية بناء النظم على أساس من قواعد النحو المعروفة فإذا كنت قد نظرت في الكلمات، واخترتها اختياراً موفقاً، بحيث تكون ملائمة لمعانيها التي هي بها أخص، وأعملت فكرك ورويتك في المعاني التي تريدها لنظم كلامك، فرتبتها في نفسك ترتيباً موفقاً، فترتب لك ألفاظها على حسب ترتيبها في نفسك، فما عليك إلا أن تربط هذه الألفاظ برباط النظم وما هو إلا أن تعلق بعضها ببعض وتبني بعضها على بعض.\rومعنى هذا: أن تعمد إلى اسم، فتجعله فاعلاً لفعل، أو مفعولاً له أو تعمد إلى أسمين فتجعل احدهما خبراً عن الآخر، أو تتبع الاسم أسماً، على أن يكون صفة للأول، أو توكيداً له، أو بدلاً منه، أو تجئ باسم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586131,"book_id":8509,"shamela_page_id":57,"part":"1","page_num":54,"sequence_num":57,"body":"بعد تمام كلامك على أن يكون الثاني في صفة، أو حالاً، أو تمييزاً، أو تتوخي في كلام هو لا ثبات معنى، أن يصير نفياً، أو استفهاماً، أو تمنياً، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، أو تريد في فعلين: أن تجعل احدهما شرطاً في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف، وعلى هذا القياس.\r\rرابعاً: المزية في النظم للمعنى وليست للفظ:\rينعي عبد القاهر الجرجاني على من يرجعون المزية إلى الألفاظ ويثمر عن ساعد الجد في الرد عليهم مبطلاً حججهم ومزيلاً شبهاتهم، فيقول: أنه إذا ما أدعى أحد بأن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي وتعديل مزاج الحروف حتى لا تتلاقي حروف في النطق تثقل على اللسان زاعماً: أن الكلام في ذلك طبقات: فمنه المتناهي في الثقل، ومنه ما هو أخف منه، ومنه ما فيه بعض الكلفة على اللسان إلا أنه لا يبلغ مبلغ ما يعاب من الكلام، وأن الكلام إذا خلا منه، وصفاً مما يشوبه، كان الفصيح المشاهد به، وأن الصفاء - أيضاً - يكون على مراتب يعلو بعضها بعضاً وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز، فإن الذي يبطل هذه الشبهة - أن ذهب إليها ذاهب - أننا إذا قصرنا صفة الفصاحة على هذه الصفات، لزم أن تخرج الفصاحة من حيز البلاغة.\rوإذا فعلنا ذلك لم نخل من أحد أمرين: أما أن نجعلها العمدة في المفاضلة بين العبارتين، وأما أن نجعلها أحد ما نفاضل به، ووجهاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586132,"book_id":8509,"shamela_page_id":58,"part":"1","page_num":55,"sequence_num":58,"body":"من الوجوه التي تقتضى تقديم كلام على كلام.\rفإن أخذنا بالأول، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليها حتى لا يكون إعجاز إلا بها، وفي ذلك من الفساد ما لا يخفي، لأنه يؤدي إلى إخراج البلاغة من حيز الإعجاز، لأن ذلك يخرج المعاني التي ذكروها في حدود البلاغة من: وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريقته التشبيه والتمثيل، والإجمال ثم التفصيل ووضع الفصل والوصل موضعها، وتوفيه الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطها، لأنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف.\rوأن جعلنا الفصاحة أحد ما نفاضل به، ووجهاً من الوجوه التي تقتضى المفاضلة بين كلام وكلام، لم يكن لهذا الخلاف ضرر، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى الفصاحة فنخرجها من حيز البلاغة والبيان، وأن تكون نظيره لهما، أو نجعلها أسماً مشتركاً، يقع تارة لما يقع له تلك وتارة أخرى لما يرجع إلى اللفظ مما يثقل على اللسان، وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.\rويمضى عبد القاهر في الرد على من يرجعون المزية في النظم للألفاظ مبطلاً، حججهم، ومزيلاً شبهاتهم، حتى يتفرغ لتفضيل أمر هذه المزية، وبيان الجهات التي تعرض منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586133,"book_id":8509,"shamela_page_id":59,"part":"1","page_num":56,"sequence_num":59,"body":"خامساً: ثمرة النظم هي: تصوير المعنى:\rبعد أن أثبت عبد القاهر بما لا يدع مجالاً لأدنى شك، أن المزية إنما هي من حيز المعنى، وليست من حيز اللفظ أراد أن يفصل أمر هذه المزية، وأن يبين الجهات التي منها تعرض هذه المزية، فذكر أن ذلك أمر صعب ومطلب عسير، ولولا أنه كذلك لما وجدت الناس فيه بين منكر له أصلاً، ومتخيل له وجهاً غير وجهه، ومعتقد أنه لا تقوى عليه العبارة ولا تملك فيه إلا الإشارة، ولكنه استعان بالله تعالى: وتدرج في بيان ثمرة النظم، فبين أن تصوير المعنى إنما هو الهدف من النظم، وأن هذا التصوير يتألق في أروع صورة إذا جاء عن طريق الصور البيانية الأخاذة، كالكناية، والمجاز.\rوقد ضمن ذلك فصلاً من دلائل الإعجاز جعله فصلاً في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهرة)، وافتتحه مبيناً أن لهذا الضرب من الكلام تفننه واتساعاً لا ينتهيان، إلا أنه على اتساعه وتفننه يدور في الأمر الأعم على موضوعين أثنين هما: الكناية، والمجاز.\r\rفأما الكناية: فهي أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره بلفظه الموضوع له في اللغة بل يجيء إلى معنى هو تاليه ورد في الوجود، فيروي إليه ويجعله دليلاً عليه.\rومثال ذلك: قولهم: (هو طويل النجاد) يريدون أنه طويل القامة و (كثير رماد القدر) يريدون أن كثير القرى، وقولهم في المرأة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586134,"book_id":8509,"shamela_page_id":60,"part":"1","page_num":57,"sequence_num":60,"body":"(ثووم الضحى) والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكيفها أمرها، فقد أرادوا في ذلك كله - كما ترى - معنى ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يرد في الوجود، وأن يكون إذا كان، أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر رماد القدر، وإذا كانت المرأة مترفة، لها من يكفيها أمرها ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟ .\rوأما المجاز: فقد ذكر أن السابقين قد عولوا فيه على حديث النقل، فذكروا أن كل لفظ نقل عن موضوعه مجاز وهذا غير صحيح، يقول عبد القاهر، وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر (يقصد أسرار البلاغة، وفيه دليل على تأخر الدلائل عن الأسرار).\rغير أنه ذكر هنا ما هو الأشهر منه والأظهر، وأن الاسم والشهرة فيه لشيئين اثنين هما: الاستعارة والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة.\rوأما الاستعارة: فهي \"أن تريد تشبيه الشيء بالشيء فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به، فتعيره المشبه به، وتجربه عليه، فإذا أردت أن تقول: رأيت رجلاً هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشة، تركت ذلك كله وقلت: (رأيت أسداً) وهذه الاستعارة هي التي سماها المتأخرون باسم \"الاستعارة التصريحية\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586135,"book_id":8509,"shamela_page_id":61,"part":"1","page_num":58,"sequence_num":61,"body":"وهناك ضرب آخر من الاستعارة: وهو ما كان كقول لبيد:\rوغداة ريحٍ قد كشف وقرةٍ ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها\rحيث جعل للشمال يداً، وهذا الضرب هو ما سمى عند المتأخرين باسم الاستعارة المكنية، وكان العلماء حتى عصر عبد القاهر يضمونه إلى الضرب الأول من الاستعارة، ولكنه فرق بينهما بما يلي:\rأنك في الضرب الأول \"أي في الاستعارة التصريحية\" \"تجعل الشيء ليس به\" فإذا قلت \"رأيت أسداً\" كنت قد أدعيت في إنسان أنه أسد، وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسداً.\rولكنك في الضرب الثاني: (أي في الاستعارة المكنية) \"تجعل للشيء الشيء ليس له \"فإذا قلت \"إذا أصبحت بيد الشمال زمامها \"فقد أدعيت أن للشمال يداً، ومعلوم أنه لا يكون للريح يد\".\r\rالفرق بين الاستعارة والتشبيه البليغ:\rوههنا وضع عبد القاهر ضابطاً للتفريق بين الاستعارة والتشبيه على حد المبالغة - أو التشبيه البليغ - على حد تعبير المتأخرين، لخصه فيما يلي:\rأن جعلك المشبه المشبه به على ضربين:\rأولهما: أن تنزله منزلة شيء وتذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثبات وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586136,"book_id":8509,"shamela_page_id":62,"part":"1","page_num":59,"sequence_num":62,"body":"ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك: رأيت أسداً).\rوثانيهما: أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تجرى اسم المشبه به صراحة على المشبه، فتقول (زيد أسد) و (زيد هو الأسد) أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا، كقولك: أن لقيته لقيت به أسداً وأن لقيته ليلقينك منه الأسد، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسداً أو الأسد وتضع كلامك له.\rوأما الأول فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير.\rوالقياس يقتضى أن يقال في هذا الضرب، أعني ما تعمل في إثباته وتزجيته: أن تشبيه على حد المبالغة، ويقتصر على هذا القدر، ولا يسمى استعارة (١).\r\rوأما التمثيل: وهو الذي يكون مجازاً لمجيئك قبه على حد الاستعارة، فمثاله \"قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: (أراك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى) (٢) والأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: رأيت أسداً: (رأيت رجلاً كالأسد) ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة.\rوكذلك تقول للرجل يعمل غير معمل: (أراك تنتفخ في غير فحم) - و (تخط على الماء) فتجد ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط والمعنى","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٤٤، ٤٦.\r(٢) مجمع الأمثال للميداني صـ ٤٢٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586137,"book_id":8509,"shamela_page_id":63,"part":"1","page_num":60,"sequence_num":63,"body":"أنك في فعلك كمن يفعل ذلك.\rوتقول للرجل يعمل الحيلة - حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان ياباه - ويمتنع منه: (ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد) فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه قتل في ذروة وغارب والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقاً يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس.\rونظير ذلك قولهم: (١) (فلان يقود فلاناً) يعني: أنه يتطلف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه.\rوهكذا كل كلام رأيتهم نحواً فيه التمثيل، ثم لم يفصحوا بذلك، وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلاً (٢)، وهكذا تدرك أن عبد القاهر الجرجاني قد جعل الصور البيانية الرائعة أداة لتصوير المعنى الذي تضمنه نظم الكلام، ولم يفصل بينهما وبين المعاني - كما فعل المتأخرون - اللهم إلا ما قالوه من أن المعاني من البيان بمنزلة المفرد من المركب (٣)","footnotes":"(١) مجمع الأمثال جـ ١ صـ ٢٧.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٤٦، صـ ٤٧.\r(٣) المطول لسعد الدين التفتازاني صـ ٣٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586138,"book_id":8509,"shamela_page_id":64,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":64,"body":"ومن هنا تدرك خطأهم في تصورهم للبلاغة، فقد قسموها علوماً ثلاثة، هي (المعاني) و (البيان) و (البديع)، لأنهم لم ينظروا إلى البلاغة نظرة عبد القاهر الجرجاني إليها، فقد كان عبد القاهر ينظر إلى البلاغة على أنها علم واحد أساسه النظم الذي تتفرع منه مسائل المعاني، ومن هذه المعاني تتكون الصور البيانية الرائعة، من تشبيه ومجاز، وكناية، واستعارة، وتمثيل - على حد الاستعارة - متضمنة قيماً جمالية، راجعة إلى جمال المعاني قبل أن تكون زينة للألفاظ (١).\r\rسادساً: نظرية النظم:\rوبعد أن تدرج عبد القاهر الجرجاني بالقارئ في بيان فكرة النظم وفي كيفية بنائها، وبيان هدفها الاسمي، وهو: تصوير المعنى في صورة رائعة جذابة، وأن هذه الصور، إنما تتبرج وتتزين، وتلوح في أبهى حللها، وأجمل مظاهرها عندما تكون في صورة بيانية رائعة كالمجاز والاستعارة، والتمثيل، صاغ هذا كله في نظرية متكاملة أجملها في قوله: (تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام) مستنبطاً هذه النظرية - كما أسلفنا - من تصرف النقاد السابقين، وبخاصة من وساطة القاضي الجرجاني بين المتنبي وخصومه، جاعلاً شطر النظرية وهو (تتبع معاني النحو فيما بين الكلم) - في فصل، وشطرها الثاني وهو \"على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام\" - في فصل آخر.","footnotes":"(١) راجع في هذا كتابنا نظرية البيان بين عبد القاهر والمتأخرين صـ ٢٥٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586139,"book_id":8509,"shamela_page_id":65,"part":"1","page_num":62,"sequence_num":65,"body":"وإليك ما قاله عبد القاهر الجرجاني في بيان هذه النظرية:\r\"أعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيع عنها وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها، وذلك أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب، وفروقه، فينظر\rفي الخبر إلى الوجوه التي قرأها في قولك: زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، وزيد المنطلق، ومنطلق زيد، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق،\rوفي الشرط والجزاء: إلى الوجوه التي تراها في قولك: أن تخرج أخرج، وأن خرجت خرجت وأن تخرج فأنا خارج وأنا خارج أن خرجت، وأنا أن خرجت خارج.\rوفي الحال: إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعاً وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع، أو وهو يسرع، وجاءني قد أسرع، وجاءني وقد أسرع.\rفيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له.\rوينظر في الحروف التي تشترك في المعنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى: فيضع كلا من ذلك في خاص معناه نحو: أن يجيء \"بما\" في نفي الحال، و\"بلا\" إذا أراد نفي الاستقبال، و\"بأن\" فيما يترجح بين أن يكون وإلا يكون \"وبإذا\" فيما علم أنه كائن.\rوينظر في الجمل التي تسرد: فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586140,"book_id":8509,"shamela_page_id":66,"part":"1","page_num":63,"sequence_num":66,"body":"ثم يعرف فيما حقه الوصل: موضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع \"ثم\"، وموضع \"أو\" من موضع \"أم\" وموضع \"لكن\" من موضع \"بل\".\rويتصرف في التعريف والتفكير، والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضع كلا من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له.\rهذا هو السبيل: فلست يواجد شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً وخطوة إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو، قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له: فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزيه وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة، وذلك الفساد، وتلك المزيه، وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه.\rهذه جملة لا تزداد فيها نظراً إلا ازددت لها تصوراً، وازدادت عندك صحة، وازددت بها ثقة وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر النظم شيئاً إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها، ووافق فيها دري ذلك أو لم يدر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586141,"book_id":8509,"shamela_page_id":67,"part":"1","page_num":64,"sequence_num":67,"body":"ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه، حيث ذكروا فساد النظم فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق:\rوما مثله في الناس إلا مملكاً أبو أمه أبوه يقاربه\rوقول المتنبي:\rولذا اسم أغطية العيون جفونها من أنها عمل كسيوف عوامل\rوقوله:\rالطيب أنت إذا أصابك طيبه والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل\rوقوله:\rوقاوكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمة\rوقول أبي تمام:\rثانية في كبد السماء ولم يكن: كاثنين ثان اذهما في الغار\rوقوله:\rيدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً من راحتيك دري ما الصاب والعمل\rوفي نظائر ذلك مما وصوفوه بفساد النظم - وعابوه من جهة سوء التأليف أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطي الشاعر ما تعاطاه في هذا الشأن على غير صواب وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف أو أضمار أو غير ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586142,"book_id":8509,"shamela_page_id":68,"part":"1","page_num":65,"sequence_num":68,"body":"مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم.\rوإذا ثبت أن سبب فساد النظم، واختلاله، ألا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته، والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم، وأحكامه فيما بين الكلم والله الموفق للصواب.\rوإذا قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معني لطيف، أو حكمه، أو أدب، أو استعاره أو تجنيس، أو غير لك مما لا يدخل في النظم، وتأمله: فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت، فأنظر إلى حركات الأربحية مم كانت؟ وعندما ذا ظهرت؟ فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلت أعمد إلى قول البحتري:\rبلونا ضرائب من قد نرى فما أن رأينا لفتح ضريباً\rهو المرء أبدت له الحادثات عزماً وشيكا هورايا صليباً\rتنقل في خلقي اسودد سماحاً مرجي، وبأساً مهيباً\rفكالسيف أن جئنته صارخاً وكالبحر أن جئته مستثيباً\rفإذا رأيتها قد راقتك، وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزاز في نفسك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586143,"book_id":8509,"shamela_page_id":69,"part":"1","page_num":66,"sequence_num":69,"body":"فعد فأنظر في السبب، واستقص في النظر فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وآخر، وعرف ونكر وحذف واضمر، وأعاد وكرر، وتوخي على الجملة وجها من الوجوه التي يقتضيها علم النحو، فأصاب في ذلك كله ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب الفضيلة: أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها: قوله: (هو المرء أبدت له الحادثات) ثم قوله: (تنقل في خلقي سودد) بتنكير السودد، وأضافه الخلقين إليه، ثم قوله: \"فكالسيف\" وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ، لأن المعنى لا محاله - فهو كالسيف، ثم تكريره الكاف في قوله \"وكالبحر\" ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطاً جوابه فيه، ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالاً على مثال ما أخرج من الأخر وذلك قوله (صارخاً) هناك و (مستثيباً) ههنا، لا ترى حسناً تنسبه إلى النظم ليس سببه ما عددت، أو ما هو في حكم ما عددت فاعرف ذلك.\rوأن أردت أظهر أمراً في هذا المعنى، فأنظر إلى قول إبراهيم بن عباس:\rفلو إذ نبا دهر، وأنكر صاحب وسلط أعداء، وغاب نصير\rتكون عن الأهواز داري بنجوة ولكن مقادير جرت وأمور\rوإني لأرجو بعد هذا محمداً لأفضل ما يرجى أخر ووزير\rفأنت ترى ما ترى من الرونق والطلاوة والحلاوة، ثم تتفقد السبب في ذلك فتجده إنما كان من أجل تقديمه الظرف الذي هو (إذ نبا) على عامله الذي هو تكون، وأن لم يقل، فلو عن الاهواز دارى بنجوه إذ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586144,"book_id":8509,"shamela_page_id":70,"part":"1","page_num":67,"sequence_num":70,"body":"نبا دهر، ثم قال: (تكون) ولم يقل كانت، ثم أن نكر الدهر ولم يقل (فلو إذ نبا الدهر) ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد، ثم أن قال: (وأنكر صاحب) ولم يقل (وأنكرت صاحبا) لا ترى في البيتين الأولين شيئاً غير الذي عددته لك تجعله حسناً في النظم، وكله من معاني النحو - كما ترى - وهكذا السبيل أبداً في كل حسن ومزية رأيتهما قد نسبا إلى النظم، وفضل وشرف أحيل فيهما عليه (١).\rوهكذا يبين عبد القاهر الجرجاني - بعد أن ذكر إجماع العلماء على تفخيم شأن النظم وتعظيم قدره - أنه ليس إلا أن تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم، كأن تفطر في أوجه الخبر، والشرط والجزاء، والحال والحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية، وفي الجمل التي تسرد، فيعرف فيها موضع الفصل، من موضع الوصل.\rوتتصرف في التعريف والنتكير والتقديم والتأخير، في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإظهار والاضمار، فتضع كل ذلك في مكانه وموقعه وتستعمله استعمالا صحيحاً موفقاً.\rولم يفته أن يبين لك: أنه قد استنتج نظريته في النظم من تصرف النقاد السابقين، إذ أنهم جعلوا النظم السليم معياراً نقدياً أصيلاً، فمن خلال نقدهم للأشعار التي استجادوها واستحسنوها، والإشعار التي ردوها واستقحموها، كشفوا عن وجه النظم، إذا أنهم أرجعوا حسن الشعر وجودته إلى سلامة النظم وجودته، وأرجعوا قبح الشعر ورداءته","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صفاحات (٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، ٥٨، ٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586145,"book_id":8509,"shamela_page_id":71,"part":"1","page_num":68,"sequence_num":71,"body":"إلى فساد النظم وسوء تأليفه، كما أنهم قد رأوا سلامة النظم في العمل بقوانين النحو، ورأوا فساد النظم في عدم العمل بها فبإن له بذلك أن النظم ليس إلا تتبع معاني النحو فيما بين الكلم.\rولعلك على ذكر مما أسلفناه لك من أن عبد القاهر الجرجاني قد استنبط هذا القول من تصرف القاضي الجرجاني في وساطته بين المتبني وخصومه وأنه قد استشهد بما استحسنه القاضي الجرجاني من أبيات للبحتري وغيره، وبما استقبحه من أبيات أخرى لبعض الشعراء، وأن الأولى قد أرجع القاضي الجرجاني حسنها إلى سلامة النظم، ولم يزد على هذا وأن الثانية قد أرجع قبحها إلى فساد النظم وهلهلة النسج وسوء التأليف، وأنها لم تجس على قوانين النحو.\rوفي هذا الفصل الذي نعرضه عليك الآن: يذكر أن مزايا النظم إنما تكون وتحدث بسبب المعاني والأغراض التي يقصدها البليغ، غذ ليس للفروق والوجوه التي تحدث في النظم، من تعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير غيرها، مزيه حتى تكون ملائمة ومناسبة للأغراض التي يقصدها البليغ.\rوقد اسلفنا لك أن هذا المعنى قد استقاه من فصل عقده القاضي الجرجاني عن مواقع الكلام، حيث ذكر أن النقد الأدبي السليم أنما هو ذلك الذي يوجه إلى جوهر الكلام وموقعه، ومكانه من النظم، ثم اهتمامه بمناسبة الألفاظ لمعانيها، ومعرفة ما بينهما من أسباب ووشائج قربي،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586146,"book_id":8509,"shamela_page_id":72,"part":"1","page_num":69,"sequence_num":72,"body":"وأن القاضي الجرجاني قد كان يقصد بهذه المعاني: الأغراض التي يقصدها الأديب بشعره أو نثره، والتي أشار غليها في مقدمة وساطته بقوله \"ولا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك ولا هزلك بمنزلة جدك ولا تعرضك مثل تصريحك، بل ترتب كلا مرتبته وتوفيه حقه، فتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه، فإن المدح بالشجاعة والباس بيتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه\" (١).\rوهذا المعنى هذا الذي عبر عنه المتأخرون من البلاغيين في تعريفهم للبلاغة أنهم: مطابقة الكلام لمقتضى الحال (٢).\rيقول عبد القاهر الجرجاني: \"فصل في أن هذه المزايا بحسب المعاني والأغراض التي توم\".\r\"وغذا عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم أعلم أن ليست","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٢٤.\r(٢) الإيضاح صـ ٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586147,"book_id":8509,"shamela_page_id":73,"part":"1","page_num":70,"sequence_num":73,"body":"المزية واجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض.\rتفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التفكير في (سودد) من قوله (تنقل في خلفي سودد) وفي (دهر) من قوله: (فلو أذنبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً وفي كل شيء ولا غذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعلة في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي إلا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا، بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، ويحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي توم، وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدي في الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي موقعها ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وتركيبة إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب: كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم\".\r\rسابعاً: تفاوت درجات النظم بتفاوت صنعته:\rإذا كان الحاذقون بصنعة الكلام يختلفون في طريقة صياغتهم للمعاني ويتفاوتون في طريقة تعبيرهم عن الأغراض والمقاصد التي يعبرون عنها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586148,"book_id":8509,"shamela_page_id":74,"part":"1","page_num":71,"sequence_num":74,"body":"فإن أساليبهم تختلف باختلاف مهاراتهم في صياغة هذه المعاني، وفي التعبير عن أغراض ومقاصدهم، ومن ثم فإن النظم يختلف ويتفاوت باختلاف الصنعة والمهارة، والحذق وتفاوتها من أديب إلى آخر.\rولهذا فإن عبد القاهر الجرجاني قد وجد أن النظم يتفاوت بتفاوت الصنعة فنوفه إلى هذه الأنماط:\rالأول: النمط العالي من النظم:\rوهو ذلك النظم الذي تتحد فيه أجزاء الكلام، وتتماسك ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول ويحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وصنعاً واحداً، وأن يكون حالك فيها حال الباني، يضع بيمينه ههنا في الوقت الذي يضع بيساره هناك وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين.\rوليس لهذا اللون من الكلام حصر، ولا قانون يحيط به، ولكنه يأتي على وجوه شتى منها:\rالمزاوجة بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول البحتري:\rإذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر\rوقوله أيضاً:\rإذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586149,"book_id":8509,"shamela_page_id":75,"part":"1","page_num":72,"sequence_num":75,"body":"ومنها العكس، كما في قول سليمان بن داود القضاعي:\rفبينا المرء في علياء أهوى ... ومنحط أتيح له اعتلاء\rوبينا نعمة، إذا حلا يؤس ... وبؤس إذا تعقبه ثراء\r\rومنها التمثيل، كما في قول كثير:\rوأني وتهيامي بعزة بعدما ... تخيلت مما بيننا وتخلت:\rلكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت\r\rوكقول البحتري:\rلعمرك أنا والزمان كما حنت ... على الأضعف الموهون عادية الأقوى\r\rومنها التقسيم - وخصوصاً إذا قسمت ثم جمعت - كقول حسان:\rقوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا\rسجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق - فأعلم - شرها البدع\r\rومن التقسيم - وهو في غاية الحسن - قول القائل:\rلو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائماً أبداً\rلكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث، أوساء مطرداً\rفقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غداً\r\rفقوله: (سنستجد خلاف الحالتين غدا) جمع لما قسم لطيف، وقد ازداد لطفاً بحسن ما بناه عليه ولطف ما توصل به غليه من قوله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586150,"book_id":8509,"shamela_page_id":76,"part":"1","page_num":73,"sequence_num":76,"body":"(فقد سكنت إلى أني وأنكم)\rوهذا النمط من النظم يعرفه عبد القاهر بأنه: ما تتحد أجزاؤه حتى يوضع وضعاً واحداً، ويسميه بأنه النمط العالي ويفخم من أمره بأنه الباب الأعظم الذي لا ترى سلطان المزية يعظم في شيء كعظمه فيه (١).\r\rالثاني: النمط الأوسط:\rوهذا النوع من النظم - وأن لم يبلغ النمط العالي - فإنه قد حسن لفظه ونظمه، فبدت روعته من ناحيتي اللفظ والنظم معاً، كما ترى في قول عبد الله بن المعتز:\rوأني على أشفاق عيني من العدا ... لتجمع مني نظرة ثم أطرق\rفترى أن هذه الطلاوة، وهذا الظرف إنما جاء من جعله النظر يجمح وهذه رؤية قاصرة، فإن طلاوة البيت وظرفه إنما كانا لأنه قال في البيت (وأني) حتى دخل اللام في قوله (لتجمح) لم قوله (مني ثم لقوله (نظرة) ولم يقل (النظر) - مثلاً - ثم لمكان (ثم) في قوله (أطرق)، وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف وهي: اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله (على إشفاق عيني من العدا).","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٦٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586151,"book_id":8509,"shamela_page_id":77,"part":"1","page_num":74,"sequence_num":77,"body":"وإن أردت أعجب من ذلك، فأنظر إلى قوله:\rسألت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير\r\"فإنك ترى هذه الاستعارة - على لطفها وغرابتها - إنما ثم لها الحسن وأنتهى إلى حيث انتهى بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك وموازنته لها، وأن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف، فأزل كلا منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه فقل: سألت شعاب الحي بوجوه كالدنانير على حين دعا أنصاره، ثم أنظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن والطلاوة، وكيف تعدم أريحيتك التي كانت، وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها (١).\r\rالثالث: النمط الأدنى:\rوهو ذلك القول الذي لا يحتاج في نظمه إلى فكر أو روية، بل ترى سبيله سبيل من يعمد إلى لآلئ فينظمها في سلك حتى يمنعها من التفرق والتبدد، وكذلك إذا كان المعنى لا يحتاج في نظمه إلى أكثر من أن تعطف لفظاً على مثله، كما في قول الجاحظ (من خطبة كتاب الحيوان).","footnotes":"(١) الدلائل صـ ٦٨، صـ ٦٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586152,"book_id":8509,"shamela_page_id":78,"part":"1","page_num":75,"sequence_num":78,"body":"\"جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق سبباً، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الأنصاف وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة\" (١).","footnotes":"(١) الدلائل صـ ٦٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586153,"book_id":8509,"shamela_page_id":79,"part":"1","page_num":76,"sequence_num":79,"body":"صنيع المتأخرين بنظرية النظم\rكان عبد القاهر الجرجاني ينظر إلى البلاغة على أنها علم \"واحد\" يدور حول نظرية النظم، وعن هذا النظم تتفرع موضوعات البلاغة الأساسية المتمثلة في المعاني المأخوذة من تتبع معاني النحو فيما بين الكلم، ومن هذه المعاني تتكون صور البيان المتمثلة في التشبيه والمجاز، والكناية، والقيم الجمالية المتمثلة في ألوان البديع، كالجناس والطباق، والسجع، ونحوها مما يكون حسنة راجعاً إلى جمال المعنى قبل أن يكون زينة للألفاظ ولكن المتأخرين قد نظروا إلى البلاغة على أنها علوم \"ثلاثة\" هي علم المعاني وعلم البيان، وعلم البديع، وصحيح \"أنهم قالوا: أن علم البيان لا بد فيه من اعتبار علم المعاني، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المرطب\" (١).\rولكن هذا القول المنطقي الجاف ليس كافياً، فقد قالوا هذا، ثم تناولوا المعاني بعيداً عن الصور البيانية، وتناولوا الصور البيانية بعيداً عن المعاني فحالوا بذلك بين البلاغة والنقد الذي يمارس تقويم النصوص الأدبية على أسس من معايير الجمال البلاغي التي تعتمد الذوق السليم أساساً في فهم دقائق المعاني ولطائفها وأدراك الصور البيانية، وأنماط التعبير عنها، وتذوق الجمال البديعي من بين أساليبها.\rولكنك قد رأيت كيف أن عبد القاهر الجرجاني قد أظهر لك مزية النظم","footnotes":"(١) شروح التلخيص جـ ٣ صـ ٢٥٦، ٢٥٧ والمفتاح صـ ٧٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586154,"book_id":8509,"shamela_page_id":80,"part":"1","page_num":77,"sequence_num":80,"body":"بين الصور البيانية، فبين مزايا لطائف المعاني ودقائقها في أحداث الصور البيانية الرائعة، بل وفي أحداث قيم الجمال البديعي بينها (١).\rكانت نظرة عبد القاهر الجرجاني إلى البلاغة - إذن - مخالفة تماماً لنظرة المتأخرين إليها - فقد كان ينظر إلى البلاغة على أنها ذوق وإحساس، وجمال في التغيير، ولهذا فإنه قد جعل الذوق البلاغي السليم هو المعيار الصحيح لفهم البلاغة وبحث قضاياها، ودراسة مسائلها.\rأما المتأخرون فإنهم كانوا ينظرون إليها على أنها قواعد علمية بحتة، يجب ضبطها بتعاريف جامعة مانعة، ولهذا فإنهم قد حكموا المنطق في الحكم على القضايا البلاغية التي تضمنها تراث عبد القاهر الجرجاني.\rوبمعنى آخر: فإن عبد القاهر قد كان ينظر إلى البلاغة بمنظار الذوق الأدبي السليم، بينما نظر المتأخرون إليها بمنظار المنطق العلمي الجاف، وشتان ما بين النظريتين! !\rوسنناقش أمرين من الأمور التي عكست نظرة المتأخرين إلى النظم الذي دارت حوله البلاغة في فكر عبد القاهر:\r\rأولاً: اللفظ والمعنى:\rزعم الخطيب القزويني أن في كلام عبد القاهر الجرجاني - عندما ذكر في مواضع كتابة الدلائل أن الفصاحة صفة \"راجعة\" إلى المعنى، وفي مواضع","footnotes":"(١) راجع كتابنا (نظرية البيان) بين عبد القاهر والمتأخرين من صـ ٧٨ إلى صـ ٩٨ وصـ ٢٥٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586155,"book_id":8509,"shamela_page_id":81,"part":"1","page_num":78,"sequence_num":81,"body":"أخرى أن فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه - تناقضاً، فحاول التوفيق بين هذين القولين، بأنه أراد بالفصاحة معنى البلاغة -كما صرح به - وحيث أثبت أنها من صفات الألفاظ أراد أنها من صفاتها باعتبار أفادتها المعاني عند التركي، وحيث نفى ذلك: أراد أنها ليست من صفات الألفاظ المجرورة والكلم المجردة من غير اعتبار التركيب.\rولكن سعد الدين التفتازاني - وقد فهم ما قاله عبد القاهر في الدلائل حتى فهمه - يرد على الخطيب قائلاً: فكأنه لم يتصفح دلائل الإعجاز حق التصفح ليطع على ما هو مقصود الشيخ، فإن محصول كلامه فيه هو: أن الفصاحة تطلق على معنيين: احدهما: ما مر في صدور المقدمة، ولا نزاع في رجوعها إلى نفس اللفظ، والثاني، وصف في الكلام يقع به التفاضل ويثبت به الإعجاز، وعليه يطلق البلاغة والبراعة والبيان، وما شاكل ذلك ولا نزاع - أيضاً - في أن الموصوف بها عرفاً هو اللفظ، إذ يقال: لفظ \"فصيح ولا يقال معنى فصيح، وإنما النزاع في أن منشأ هذه الفضيلة ومحلها هو اللفظ أالمعنى؟ والشيخ ينكر على كلا الفريقين ويقول: أن الكلام الذي يدق فيه النظر ويقع به التفاضل هو الذي يدل بلفظه على معناه اللغوي، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية على المعنى المقصود فهناك ألفاظ ومعان أول، ومعان ثان: فالشيخ يطلق على المعاني الأول، بل على ترتيبها في النفس، ثم على ترتيب الألفاظ في النطق على حذوها اسم: النظم، والصورة والخواص، والمزايا، والكيفيات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586156,"book_id":8509,"shamela_page_id":82,"part":"1","page_num":79,"sequence_num":82,"body":"ونحو ذلك، ويحكم قطعاً - بأن الفصاحة من الأوصاف الراجعة إليها وأن الفضيلة التي بها يستحق الكلام أن يوصف بالفصاحة والبلاغة والبراعة - وما شاكل ذلك إنما هي فيها، لا في ألفاظها المنطقة التي هي الأصوات والحروف، ولا في المعاني الثواني التي هي الأغراض التي يريد المتكلم إثباتها أو نفيها.\rفحيث يثبت أنها من صفات الألفاظ أو المعاني، يريد بهما تلك المعاني الأول، وحيث ينفي أن تكون من صفاتهما يريد بالألفاظ: الألفاظ المنطوقة، وبالمعاني المعاني الثواني التي جعلت مطروحة على الطريق وسوى فيها بين الخاصة والعامة (١).\rوالصواب في جانب السعد، لأن عبد القاهر قد صرح مرازاً بهذا فقد نقل السعد نبذاً من أقواله في هذا المعنى ومنها: أن المعنى تتبين بالألفاظ ولم يكن لترتيب المعاني سبيل إلا بترتيب الألفاظ في النطق تجوزوا، فعبروا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف الترتيب (٢)، وإذا ما وصفوا اللفظ بما يدل على تفخيمه لم يريدوا اللفظ المنطوق، ولكن معنى اللفظ الذي دل به على المعنى الثاني","footnotes":"(١) المطول صـ ٢٨، صـ ٢٩ والإيضاح صـ ٨، صـ ٩.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٤٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586157,"book_id":8509,"shamela_page_id":83,"part":"1","page_num":80,"sequence_num":83,"body":"والسبب: أنهم لو جعلوا أوصافاً للمعاني لما فهم أنها صفات للمعاني الأول المفهومة أعنى الزيادات، والكيفيات، والخصوصيات، فجعلوا كالمواضعة فيها بينهم (١) - أن يقولوا: اللفظ، وهم يريدون الصورة التي حدثت في المعنى والخاصية التي تجددت فيه، وقولنا: صورة تمثيل وقياس لما ندركه بعقولنا على ما ندركه بأبصارنا فكما أن تبين إنسان من إنسان يكون بخصوصية توجد في هذا دون ذلك يوجد بين المعنى في بيت وبينه في بيت آخر فرق، فعبرنا عن ذلك بأن قلنا: للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك، وليس هذا من مبدعاتنا، بل هو مشهور في كلامهم وكفاك قول الجاحظ: وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير ومن النقاد المحدثين (٢) من جاري الخطيب القزويني في زعمه من أن في رأي عبد القاهر الجرجاني تناقضاً حول اللفظ والمعنى ولم يفطن إلى ما فطن إليه سعد الدين التفتازاني مما أوردناه لك آنفاً، فمضى يقول: \"وقد فطن الخطيب القزويني إلى هذا التناقض في رأي عبد القاهر\" ثم يقول: \"والعقل عند عبد القاهر هو كل شيء، وهذا العقل هو الذي يصطنع الفكرة وينظمها وينسقها وبعد أن تأخذ الفكرة مكانها من العقل مرتبة منسقة تهبط على القلم كتابة وعلى اللسان شعراً وخطابة.","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ١٧٣.\r(٢) البيان العربي صـ ١٧٢، صـ ١٧٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586158,"book_id":8509,"shamela_page_id":84,"part":"1","page_num":81,"sequence_num":84,"body":"وليس للألفاظ في هذا موضع من المواضع يحسب لها\"\rعلى أن من هؤلاء النقاد المحدثين من يرى أن عبد القاهر قد تأثر بآراء كثير من سابقيه وحذا حذوهم في الاعتداد بالصياغة وأنها نظير التصوير والنقش وأن جل أفكاره كانت دائرة حول هذه الصياغة وأنه أفاد أفادة كبيرة من أنصار أصحاب اللفظ وترجيحه على المعنى ولكنه قد تجلت أصالته بعد ذلك في ثورته على معاصريه ممن اشتطوا في نصرة اللفظ حتى غفلوا به عن الغاية وممن اعتدوا بما يروقهم من معنى أو من حسن مجازي في الألفاظ مغفلين أمر الصورة الأدبية، وكان لعبد القاهر فضل لا يدانيه فيه ناقد عربي في توثيق الصلة بين الصياغة والمعنى وفي الاعتداد في ذلك بالألفاظ من حيث دلالتها وموقعها مجازية كانت أو حقيقية، وبيان تأثيرها في تأليف الصورة الأدبية، وبالرغم من أن عبد القاهر قد ثار على اعتبار الألفاظ من حيث هي ألفاظ لم يدانه ناقد عربي في بيان قيمة الألفاظ وصلتها بعملية الفكر اللغوية، وتأثيرها في الصورة الأدبية (١).\rويمكننا أن نقول: أن عبد القاهر الجرجاني قد اهتم بصياغته الصورة الأدبية اهتماماً كبيراً، ولكنه في الوقت نفسه ينكر أن يكون للفظ وحده مزية في الإعجاز.\r\rثانياً: قيام علم المعاني على أساس نظرية النظم:\rأخذ المتأخرون تعريف عبد القاهر لنظرية النظم، وهو \"تتبع معاني","footnotes":"(١) النقد الأدبي الحديث محمد غنيمي هلال صـ ٢٨٦، ٢٨٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586159,"book_id":8509,"shamela_page_id":85,"part":"1","page_num":82,"sequence_num":85,"body":"النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام \" -مع تحوير في العبارة - وجعلوه تعريفاً لعلم المعاني، فقد قال السكاكي: علم المعاني هو: تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليتحرز بالوقوف عليها من الخطأ في تطبيق الكلام على ما تقتضى الحال ذكره (١).\rوأنت تجد لفظه \"التتبع\" \"في كلا التعرفين، غير أن السكاكي قد استبدل \"بمعاني النحو\" \"خواص تراكيب الكلام\" وقد اعترض الخطيب على تعريف السكاكي بأن \"التتبع\" ليس بعلم ولا صادق عليه فلا يصح تعريف شيء من العلوم به، ولكنه عرفه بقوله\" هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال (٢) \".\rأما السعد فإنه وأن يكن قد دافع عن تعريف السكاكي، فإنه قد ذكر أن الأوضح أن يقال: \"أنه علم يعرف به كيفية تطبيق الكلام العربي ليقتضى الحال\" (٣).\rولعل السكاكي إنما تحرز من أن يأتي بعبارة معاني النحو التي وجدها في تعريف النظم حتى يكون حديثه خاصاً بالبلاغة بعيداً عن علم النحو ولكنك قد وجدت أن معاني النحو هي نفسها مسائل علم المعاني","footnotes":"(١) المفتاح صـ ٧٧.\r(٢) الإيضاح صـ ٨.\r(٣) المطول لسعد الدين التفتازاني صـ ٣٦، صـ ٣٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586160,"book_id":8509,"shamela_page_id":86,"part":"1","page_num":83,"sequence_num":86,"body":"بل أن النظم إنما هو نظرية عبد القاهر في البلاغة، يقول الخطيب: ثم أن المقصود من علم المعاني منحصر في ثمانية أبواب:\rأولها: أحوال الإسناد الخبري، وثانيها: أحوال المسند إليه وثالثها: أحوال المسند ورابعها: أحوال متعلقات الفعل وخامسها: القصر وسادسها: الإنشاء وسابعها: الفصل والوصل وثامنها: الإيجاز والأطناب والمساواة.\rووجه الحصر: أن الكلام أما خبر أو إنشاء لأنه أما أن يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه أو لا يكون لها خارج: الأول الخبر، والثاني الإنشاء ثم الخبر لا بد له من إسناد ومستند إليه ومسند وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى ثم السند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلاً أو متصلاً به أو في معناه كاسم الفاعل ونحوه وهذا هو الباب الرابع ثم الإسناد والتعلق كل واحد منهما يكون أما بقصر أو بغير قصر وهذا هو الباب الخامس والإنشاء هو الباب السادس ثم الجملة إذا قورنت بأخرى فتكون الثانية أما معطوفة على الأولى أو غير معطوفة وهذا هو الباب السابع ولفظ الكلام البيع أما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد عليه وهذا هو الباب الثامن.\rوقد ترتب على قيام علم المعاني على إنقاض نظرية النظم ما يلي:\rأولاً: عرفوا البلاغة بما ينطبق على معنى النظم فقالوا: بلاغة الكلام هي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته ولهذا يقول الخطيب - بعد أن عرف البلاغة -: وهذا - أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال هو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586161,"book_id":8509,"shamela_page_id":87,"part":"1","page_num":84,"sequence_num":87,"body":"الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم - حيث يقول: \"النظم تآخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام\".\rثانياً: قسموا البلاغة إلى علومها الثلاثة، المعاني والبيان والبديع لأنهم جعلوا مرجع البلاغة إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره وهذا التمييز منه ما يتبين في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحس وهو ما عدا التعقيد المعنوي أما ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد فهو علم المعاني وأما ما يحرز به عن التعقيد المعنوي فهو علم البيان وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو: علم البديع (١).\rثالثاً: أخرجوا محسنات البديع من عقد النظم","footnotes":"(١) الإيضاح صـ ١٠","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586162,"book_id":8509,"shamela_page_id":88,"part":"1","page_num":85,"sequence_num":88,"body":"الفصل الثاني\r(قضية التقديم والتأخير)\r(١) حملة عبد القاهر على القدماء لعدم اهتمامهم بهذه القضية.\r(١) عرض مسائل التقديم والتأخير:\rأ) التقديم في الاستفهام.\rب) التقديم في النفي.\rج) التقديم في الخبر المثبت.\rد) ما يرى تقديمه كاللازم.\rهـ) تقديم النكرة على الفعل وتقديم الفعل عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586163,"book_id":8509,"shamela_page_id":89,"part":"1","page_num":86,"sequence_num":89,"body":"التقديم والتأخير\rيرى عبد القاهر الجرجاني: أنه باب كثير الفوائد، جم المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعة ويفضى بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعراً يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان، غير أنه لم يجد أحداً قد اعتمد فيه شيئاً يجرى مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، فقد ظنوا أنه يكفي أن يقال في كل شيء قدم في موضع من الكلام أنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم، من غير أن يذكروا من أين كانت تلك العناية ولم كان أهم؟ ولهذا صغر أم التقديم والتأخير في نفوسهم، وهونوا الخطب فيه.\rكما أنه من الخطأ أيضاً - أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين فيجعل مفيداً في بعض الكلام، وغير مفيد في البعض الآخر، وأن يعمل تارة بالعناية، وتارة أخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب حتى تطرد لهذا قوافيه، ولذلك سجعه.\rذلك لأنه من البعيد أن يكون في جملة، النظم ما يدل تارة ولا يدل تارة أخرى.\rوقد مضى الأمام عبد القاهر الجرجاني على هدي من هذه الأسس في بحثه لمسائل التقديم والتأخير:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586164,"book_id":8509,"shamela_page_id":90,"part":"1","page_num":87,"sequence_num":90,"body":"يقول الإمام: \"فصل: القول في التقديم: هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعه، ويفضى بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعراً يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان: وأعلم أن تقديم الشيء على وجهين تقديم يقال أنه على نية التأخير وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه وفي جنسه الذي كان فيه كخبر المبتدأ، غذا قدمته على المبتدأ، والمفعول، إذا قدمته على الفاعل كقولك \"منطلق زيد\" و\" ضرب عمراً زيد\" معلوم أن (منطلق) و (عمراً) لم، يخرجا بالتقديم عما كان عليه من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعاً بذلك، وكون ذلك مفعولاً ومنصوباً من أجله كما يكون إذا أخرت.\rوتقديم لا على نية التأخير: ولكن على أن تنقل الشيء من حكم إلى حكم، وتجعله باباً غير بابه وإعراباً غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كل واحد منها أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبراً له فتقدم تارة هذا على ذاك وأخرى ذاك على هذا: ومثاله: ما تصنعه (بزيد) و (المنطلق) حيث تقول مرة: \"زيد المنطلق) وأخرى: (المنطلق زيد) فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكاً على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ - كما كان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586165,"book_id":8509,"shamela_page_id":91,"part":"1","page_num":88,"sequence_num":91,"body":"بل على أن تنقله عن كونه خبراً إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر زيداً على أن يكون مبتدأ - كما كان - بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبراً.\rوأظهر من هذا: قولنا (ضربت زيداً)، و (زيد ضربته) لم تقدم زيداً على أن يكون مفعولاً منصوباً بالفعل - كما كان - ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره وتجعله في موضع الخبر له، وإذ قد عرفت هذا التقسيم، فأني أتبعه بجملة من الشرح.\rوأعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئاً يجرى مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، قال صاحب الكتاب:\r-وهو يذكر الفاعل والمفعول -: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعني - وأن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم - ولم يذكروا في ذلك مثالاً، وقال النحويون: أن معنى ذلك: أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه ولا يبالون من أوقعه كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي، يخرج فيعبث ويفسد ويكثر منه الأذى: أنهم يريدون قتله ولا يبالون من كان القتل منه ولا يعينهم منه شيء فإذا قتل وأراد مريد الأحبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي، فيقول قتل الخارجي زيد، ولا يقول: قتل زيد الخارجي لأنه يعلم أن ليس في أن يعلموا أن القاتل له زيد جدوى وفائدة فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم، ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586166,"book_id":8509,"shamela_page_id":92,"part":"1","page_num":89,"sequence_num":92,"body":"ومتطلعون إليه متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد وأنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه.\rثم قالوا: فإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أن يقتل فقتل رجلاً، وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدم ذكر الفاعل، فيقول: قتل زيد رجلاً، ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل طرافته وموضع الندرة فيه وبعده كان من الظن، ومعلوم أنه لم يكن ناد رأوا بعيداً من حيث كان واقعاً بالذي وقع به ولكن من حيث كان واقعاً من الذي وقع منه، فهذا جيد بالغ، إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير، وقد وقع في ظنون الناس: أنه يكفي أن يقال: أنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم، من غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية ولم كان أهم؟ ولتخيلهم ذلك قد صغر أمر التقديم والتأخير في نفوسهم وهونوا الخطب فيه، حتى أنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضرباً من التكلف وأن لم تر ظناً أزري على صاحبه من هذا وشبهه.\rوكذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار والإظهار والإضمار، والفصل والوصل ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه إلا نظرك فيما غيره أهم لك بل فيما أن لم تعلمه لم يضرك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586167,"book_id":8509,"shamela_page_id":93,"part":"1","page_num":90,"sequence_num":93,"body":"لا جرم أن ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة ومنعهم أن يعرفوا - مقاديرها وصد أوجههم عن الجهة التي هي فيها، والشق الذي - يحويها (١).\r\r(أ) التقديم في الاستفهام بالهمزة\rإذا بدأت بالفعل فقلت: أفعلت؟ كان الشك في الفعل نفسه، وكان غرضك من الاستفهام أن تعلم وجوده ولكنك إذا بدأت بالاسم، فقلت: أأنت فعلت؟ كان الشك في الفاعل من هو؟ وكان التردد فيه، ولهذا فأنه لا يجوز لك أن تقول: أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ لأن الشك في الفعل لا في الفاعل، فكان من الواجب تقديمه كما أنه لا يجوز لك أن تقول: أكتبت هذا الكتاب؟ ، لأن الشك في الفاعل لا في الفعل، وذلك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد أمام عينيك: أموجود أم لا؟\rوكذلك الشأن في الهمزة إذا كانت للتقرير، فقول الله تعالى -حكاية عن قول نمروذ -: \"أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ \"لا شبهه في أنهم لم يقولوا ذلك له ﵇ وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر لهم بأنه منه كان، ولهذا أشاروا إلى الفعل في قولهم \"أأنت فعلت هذا\" وقال هو ﵇ -في الجواب: \"بل فعله كبريهم هذا\" ولو كان التقرير بالفعل","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٧٣ إلى صـ ٧٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586168,"book_id":8509,"shamela_page_id":94,"part":"1","page_num":91,"sequence_num":94,"body":"لكان الجواب: فعلت أو لم أفعل، فالهمزة في هذا، وما شاكله من الأمثلة تقرير بفعل قد كان وإنكار له لما كان؟ وتوبيخ لفاعله عليه\" (١).\rوقد تأتي الهمزة لإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله وماله: قول الله تعالى: أفأصناكم وبكم بالبنين وأتخذ من الملائكة إناثاً؟ أنكم لتقولون قولاً عظيماً \"وقوله تعالى أصطفى البنات على البنين؟ ما لكم كيف تحكمون؟ فالآية الأولى تنكر اختصاصهم بالبنين، والآية الثانية تنكر اصطفاء البنات على البنين.\rولكن إذا قدم الاسم على الفعل صار الإنكار منصباً على الفعل، وذلك كقولك لرجل انتحل شعراً: أأنت قلت هذا الشعر؟ كذبت، لست ممن يحسن مثله، فأنت بهذا قد أنكرت أن يكون هو القائل ولكنك لم تنكر الشعر.\rهذا هو الفرق بين تقديم الاسم، وتقديم الفعل إذا كان الفعل ماضياً أما إذا كان الفعل مضارعاً، وأردت به الحال، كان المعنى شبيهاً بما مضى في الماضي، فإذا قلت: أتفعل؟ كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله، وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم أن الفعل كائن وإذا قلت: أأنت تفعل؟ كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل، وكان أمر الفعل في وجوده ظاهراً، لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن، أو على أنك تريد أن تنكر أن يكون هو الفاعل.","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٧٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586169,"book_id":8509,"shamela_page_id":95,"part":"1","page_num":92,"sequence_num":95,"body":"ومثال تقديم الاسم لأن القصد هو الإقرار بأنه الفاعل: قوله تعالى ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يقصد بذلك أن يقرره بأن يتعب نفسه في إقناع الناس بدينه حتى كأنه يحاول إكراههم على الإيمان ومثال تقديمه لأن القصد هو إنكار أن يكون هو الفاعل: قوله تعالى ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ففي الآية الكريمة إنكار أن يكون المشركون هم الذين يقسمون ﵀ (١).\rوإذا أردت بالمضارع المستقبل، وقدمت الفعل: كان المعنى على أنك تنكر الفعل نفسه وتزعم أنه لا يكون أو أنه لا ينبغي أن يكون:\rفمثال الأول: قول امرئ القيس:\rأيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟\rفهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل وإنكار منه أن يقدر على ذلك ويستطيعه.\rومنه قول الله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.\rومثال الثاني: قولك للرجل يركب الخطر: أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهب في غير الطريق؟ أتغرر بنفسك؟\rومنه قول الشاعر:\rأأترك -إن قلت - دارهم خالدٍ زيارته؟ إني أذن - للئيم!","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٩٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586170,"book_id":8509,"shamela_page_id":96,"part":"1","page_num":93,"sequence_num":96,"body":"وجملة الأمر: أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل (١) سواء أكان بمعنى أنه لا يكون، أو يكون، أو كان بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون.\rوالأول: هو التكذيبي، والثاني هو التوبيخي - كما عرفا فيما بعد - وأن بدأت بالاسم، فقلت: أأنت تمنعني؟ أأنت تأخذ على يدي؟ كنت قد وجهت الإنكار إلى نفس الضمير، وأبيت أن يكون بموضع أن يجيء منه الفعل وأن يكون بتلك المثابة، وصرت كأنك قولت: أن غيرك كالذي يستطيع منعي والأخر على يدي، ولست بذاك، ولقد وضعت نفسك في غير موضعك.\rوقد تجعله لا يجيء منه الفعل، لأن نفسه تاباه، ولا ترتضيه، كأن تقول أهو يسأل فلاناً؟ هو أرفع همة من ذلك، أهو يمنع الناس حقوقهم؟ هو أكرم من ذاك.\rوقد تجعله لا يفعله لصغر قدره، وقصر همته، وأن نفسه نفس لا تسمو، كقولك: أهو يرتاح للجميل؟ هو أقصر همه من ذلك، وأقل رغبة في الخير مما تظن (٢).\rويبين عبد القاهر: أن تفسير الاستفهام بالإنكار في مثل هذا، فيه بعض التجوز، أما الذي هو محض المعنى وحقيقته، فهو إنما يراد بالاستفهام تنبيه السامع، حتى يرجع إلى نفسه لتخجل ويرتدع ويعيا","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٨٠.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٨١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586171,"book_id":8509,"shamela_page_id":97,"part":"1","page_num":94,"sequence_num":97,"body":"بالجواب، ولو كان للإنكار حقيقة، لكان ينبغي ألا يجيء فيما لا يقول عاقل أن يكون حتى ينكر عليه، كقولهم: أتصعد إلى السماء؟ -أتستطيع أن تنقل الجبال؟ أألى رد ما مضى سبيل؟\rولهذا: فإنه لا يقرر بالمحال، وبما لا يقول إنسان أنه يكون إلا على سبيل التمثيل، وعلى أن يقال له: أنك في دعواك ما ادعيت -بمنزله من يطمع في الممتنع\".\rومن هذا الضرب: قول الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ فليس أسماع الصم مما يدعيه أحد، فيكون ذلك للإنكار وإنما المعنى فيه على التمثيل والتشبيه، وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم يسمعون أو أنه يستطيع أسماعهم، منزلة من يرى أن يسمع الصم ويهدي العمي.\rوالسر في أن الله تعالى قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولم يقل: ﴿أتسمع الصم﴾ هو: أن يقال للنبي ﷺ: أأنت خصوصاً قد أوتيت مقدرة أسماع الصم أو هداية العمي (١)؟\rومن لطيف ذلك: قول ابن أبي عيينة:\rفدع الوعيد، فما وعيدك ضائري د أطنين أجنحة الذباب يضير؟\rفقد جعله كأنه قد ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظن أن وعيده يضير.","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٨٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586172,"book_id":8509,"shamela_page_id":98,"part":"1","page_num":95,"sequence_num":98,"body":"وإذا قدم المفعول فإن الإنكار يتجه إلى أن يوقع به مثل ذلك الفعل ولهذا قدم (غير) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ وكان له من الحسن والمزية والفخامة ما تعلم أنه لا يكون لو أخر فقيل: أأتخذ غير الله ولياً؟ وأتدعون غير الله؟ وذلك لأنه قد حصل بالتقديم معنى قولك: أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ ولياً وأن يرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك، وأن يكون جهل أجهل، وعمى أعمى من ذلك؟ ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل: أأتخذ غير الله ولياً؟ وذلك لأن الإنكار حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك.\r\r(ب) التقديم في النفي\rإذا قلت (ما فعلت) كنت قد نفيت عنك فعلاً لم يثبت أنه مفعول، ولكنك إذا قلت (ما أنا فعلت) كنت قد نفيت عنك فعلا ًثبت أنه مفعول، ومنه قول أبي الطيب المتنبي:\rوما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب ناراً\rفالمعنى -كما لا يخفي أن السقم ثابت موجود، ولكنه ليس هو الجالب له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586173,"book_id":8509,"shamela_page_id":99,"part":"1","page_num":96,"sequence_num":99,"body":"ومثله في الوضوح قوله - أيضاً -:\rوما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ولكن لشعري فيك من نفسه شعر!\rفالشعر مفعول على القطع، والنفي والنفي موجه إلى أن يكون هو وحده القائل (١) له.\rوالدليل على أن هناك فرقاً بين تقديم الاسم وتقديم الفعل: أمران:\rأحدهما: أنه يصح لك أن تقول: (ما قلت هذا ولا قاله أحد من الناس) وذلك لأنك عندما قدمت الفعل - نفيته من غير أن يثبت أن مفعول، فيصبح أن تنفيه بعد ذلك عن جميع الناس، ولكن لا يصح أن تقول: (ما أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس)، لما فيه من تناقض، وذلك أن تقديم الاسم في النفي يدل على أن الفعل قد وقع من غيرك، فإذا ما نفيته بعد ذلك عن جميع الناس جاء التناقض.\rوثانيهما: أنك إذا قلت: (ماضربت إلا زيدأ) كان كلاماً مستقيماً ولكنك إذا قلت: (ما أنا ضربت إلا زيداً) كان لغواً من القول وذلك لأن نقص النفي بإلا يقتضى أن تكون قد ذربت زيداً، وتقديمك ضميرك وإبلاؤه حرب النفي يقتضى نفي أن تكون ضربته، وهنا يأتي التناقض (٢).\rعلى أنك تجد هذا الفرق -أيضاً - في تقديم المفعول وتأخيره:\rفإذا قلت: (ما ضربت زيداً)، فقدمت الفعل، كان المعنى: أنك","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٨٤.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٨٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586174,"book_id":8509,"shamela_page_id":100,"part":"1","page_num":97,"sequence_num":100,"body":"لقد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات، وتركته مبهماً محتملاً.\rولكنك إذا قلت: ما زيداً ضربت، فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضرباً وقع منك على إنسان وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه، فإنه يصح لك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربت زيداً، ولا أحداً من الناس) ولكنه لا يصح لك في الوجه الثاني أن تقول هذا، فلو قلت: (ما زيداً ضربت، ولا أحداً من الناس) كان قولاً فاسداً، لما فيه من تناقض - كما أسلفت - ويصح لك أيضاً أن تقول: (ماضيت زيداً، ولكن أكرمته) فتعقب الفعل المنفي بإثبات ضده، ولا يصح لك أن تقول: (مازيداً ضربت، ولكن أكرمت) وذلك لأنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا، فالواجب -إذن - أن تقول: (ما زيداً ضربت، ولكن عمراً) وحكم الجار والمجرور في ذلك حكم المفعول به، فإذا قلت: (ما أمرتك بهذا) كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر: وإذا قلت: (ما بهذا أمرتك) كنت قد أمرته بشيء غيره (١).\r\r(جـ) التقديم في الخبر المثبت:\rإذا جئت بالذي أردت أن تحدث عنه بفعل فقدمت ذكرهن ثم بنيت","footnotes":"(١) نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586175,"book_id":8509,"shamela_page_id":101,"part":"1","page_num":98,"sequence_num":101,"body":"الفعل عليه فقلت: زيد قد فعل وأنا فعلت، وأنت فعلت اقتضى ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل، إلا أن المعنى ينقسم قسمين:\rأحدهما: واضح جلى وهو: أن يكون الفعل قد أردت أن تنص فيه على واحد فتجعله له، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر، أو دون كل أحد، ومثال ذلك: أنا كتبت في معنى فلان، وأنا شفعت في بابه ترد بذلك على من زعم أن ذلك كان من غيرك، أو أن غيرك قد كتبت فيه كما كتبت ومن البين في ذلك: قولهم في المثل: \"أتعلمني بحب أن حرشته؟ ).\rوثانيهما: ما يقصد به تكيد الحكم، وتقويته وتقرره في ذهن السامع وتمكنه منه كقولك: (هو يعطي الجزيل) و (هو يحب الثناء) لا تريد أن تزعم أنه ليس ههنا من يعطي الجزيل ويجب الثناء غيره ولا أن تعرض بإنسان ولكنك تريد أن تحقق على السامع أن إعطاء الجزيل وحب الثناء علبة، وأن تمكن ذلك في نفسه، ومثاله (١) في الشعر قول المعذل ابن عبد الله الليثي من شعراء الحماسة:\rهم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا\rفالشاعر لم يرد أن يدعي تفردهم بهذه الصفة، وأنها ليست لغيرهم كما أنه لم يرد أن يعرض يقوم آخرين، فينفي أنهم أصحابها، وإنما أراد: أنهم فرسان، يمتهدون صهوات الخيل، ويقتعدون الجياد منها","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٨٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586176,"book_id":8509,"shamela_page_id":102,"part":"1","page_num":99,"sequence_num":102,"body":"أما سر كون تقديم المحدث عنه بالفعل أكد لإثبات ذلك الفعل له فهو: أنه لا يؤتي بالاسم سري من العوامل إلا لحديث قد نوى إسناده إليه فإذا قلت/ عبد الله فقد أشعرت قلبه بهذا أنك أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت: -مثلاً - قام أو قلت: خرج أو قلت قدم فقد علم ما جئت به، وقد وطأت له، وقدمت الإعلام فيه فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المتهيئ له، المطمئن إليه، وذلك -لا محالة - أشد لثبوته، وأنفى له، وأدخل - في التحقيق (١) ويشهد لما قاله عبد القاهر، من أن تقديم المحدث عنه يقتضى تأكيد الخبر وتحقيقه: أننا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء في كل مقام يحتاج إلى تأكيد الخبر وتقويته ومنها:\r(أ) ما سبق فيه إنكار منكر، كأن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول، فتقول له: (أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي) وكقول الناس) (هو يعلم ذاك وأن أنكر) و (هو يعلم الكذب فيما قال وأن حلف عليه).\rوكقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وذلك لأن الكاذب ولاسيما في الدين لا يعترف بأنه كاذب، وإذا لم يعترف بأنه كاذب كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب.","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٨٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586177,"book_id":8509,"shamela_page_id":103,"part":"1","page_num":100,"sequence_num":103,"body":"(ب) ما اعترض فيه شك، كأن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك، فتقول: (أنا أعلم ولكني أدار به).\r(جـ) في تكذيب مدع، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وذلك لأن قولهم: (آمنا) دعوى منهم بأنه ملم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به فالمقام مقام تكذيب.\r(د) فيما القياس في مثله أن لا يكون، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وذلك لأن - عبادتهم لها تقتضى ألا تكون مخلوقة.\r(هـ) فيما يستغرب من الأمر، وذلك كأن تقول: (ألا تعجب من فلان يدعي العظيم وهو يعيا باليسير؟ أيزعم أنه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء؟ ! )\r(و) في الوعد والضمان: كقولك: (أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر) وذلك لأن من شأن من تعده وتضمن له، أن يعترضه الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به، فهو أحوج إلى التأكيد.\r(ي) في المدح، كقولك: (أنت تعطي الجزيل) (أنت تقرى في المحل (أنت تجود حين لا يجود أحد)، وكما في قول زهير بن ابي سلمى:\rولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري\rتفري: تقطع من فري الشيء يفريه إذا قطعه والخلق: التقدير،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586178,"book_id":8509,"shamela_page_id":104,"part":"1","page_num":101,"sequence_num":104,"body":"والذي ينصع شيئاً من الجلد ونحوه على مثال سابق كالمزادة والفعل يقدر ثم يقطع، والمعنى: أنت تنفذ ما عزمت عليه بخلاف غيرك، فإنه يقول ولا يفعل والشاهد في قوله: (ولأنت تفري) حيث قدم المحدث عنه وهو ضمير المخاطب على الخبر الفعلي المثبت لتأكيد مدحه\".\r(ز) في الفخر كما في قول طرفه بن العبد:\rنحن في المشتاة ندعو الجفلي لا ترى الآدب منا ينتفر\rوالحفلي: الدعوة العامة إلى الطعام والنفري: الدعوة الخاصة والآدب الداعي إلى الطعام من أدب بأدب مأدبة والمشتى والمشتاة: مكان الشتاء وزمانه، أي أن الذين يأدبون المآدب منا لا يثتقرون الضيوف ولا ينتقوقهم كما يشهد لعبد القاهر -أيضاً -: أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال فإنه لا يكاد يجيء على هذا الوجه ولكن: يؤتي به غير مبني على اسم:\rفإذا أخبرت بالخروج - مثلاً - عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: (قد خرج) ولم تحتج إلى أن تقول: هو قد خرج، وذلك لأنه ليس مما يشك فيه السامع فتحتاج إلى أن تحققه وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه.\rوكذلك: إذا علم السامع من حال رجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد في أنه يركب أولا يركب كان خبرك فيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586179,"book_id":8509,"shamela_page_id":105,"part":"1","page_num":102,"sequence_num":105,"body":"أن تقول: (قد ركب).\rفإن جئت بمثل هذا في صلة كلام ووضعته بعد واو الحال، حسن حينئذ وذلك كقولك: (جئته وهو قد ركب) وذلك لأن الحكم يتغير إذا صارت الجملة في مثل هذا الموضع ويصير الأمر بمعرض الشك، لأنه إنما يقول هذا من ظن أن يصادفه في منزله، وأن يصل إليه من قبل أن يركب.\rوإذا ما استبطأت إنساناً فقتل: (أتانا والشمس قد طلعت) كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن تقول: (أتانا وقد طلعت الشمس).\rفإذا ما أردت وصف إنسان بالعجلة قلت: (أتى والشمس لم تطلع) وكان أقوى في وصفك له بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء فيه من أن تقول (أتى وولم تطلع الشمس بعد) وهو بعد هذا كلام لا يكاد يجيء إلا نابياً.\rفالكلام البليغ في مثل هذا: أن تبدأ بالاسم وتبني الفعل عليه.\rفإذا كان الفعل بعد واو الحال مضارعاً لم يصلح إلا مبنياً على اسم، كقولك: (رأيته وهو يكتب) و (دخلت عليه وهو يملي الحديث).\rوكقول النابعة الجمدي:\rتمززتها والديك يدعو صياحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا\rتمزز الشراب: شربه ممصا، وهو يقصد أنه قد شرب الخمر، والمراد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586180,"book_id":8509,"shamela_page_id":106,"part":"1","page_num":103,"sequence_num":106,"body":"بدعاء الديك الصياح: قرية، والمراد من دنو بني نعش وهي كواكب قرب الغروب، والشاهد في قوله: (والديك يدعو صياحه) حيث جاء الفعل مبنياً على الاسم بعد واو الحال.\rفكل ذلك لا يصلح إلا إذا كان الفعل فيه ميناً على الاسم فلو قلت: أيته ويكتب ودخلت عليه ويملي الحديث، وتمززتها ويدعو الديك صياحه لم يكن شيئاً.\rعلى أنك قد تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم، وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.\rفإنه لا يخفي على من له ذوق أنه لوجيء في ذلك بالفعل غير مبني على - الاسم فقيل أن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين، واكتتبها فتملي عليه، وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون.\rلوجد اللفظ قد نبأ عن المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها.\r\r(د) مما يرى تقديمه كاللازم \"مثل\" و \"غير\":\rوذلك كما في قول أبي الطيب المتنبي من قصيدة له، يغزي فيها أباً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586181,"book_id":8509,"shamela_page_id":107,"part":"1","page_num":104,"sequence_num":107,"body":"عضد الدولة في عمته:\rمثلك يثنى المزن عن صوبه ويسترد الدمع عن غربه\rوقولهم (مثلك رعي الحق والحرمة) وكقول البعثري - عندما قال له الحجاج: لأحملنك على الأدهم: يريد القيد، فقال - على سبيل المغالطة -: ومثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه \"بمثل\" إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، ولكنهم يعنون: أن كل من كان مثله ي الحال والصفة، كان من مقتضى القياس وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر أو لا يفعل، وكذلك حكم (غير) إذا سلك بها هذا المسلك كقول أبي الطيب:\rوغيري يأكل المعروف سحتاً وتشحب عنده بيض الأيادي\rفإنه لم يرد أن يعرض - مثلاً بشاعر سواه فيزعم أن الذي اتهم به عند الممدوح، من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه ولكنه أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممكن يكفر النعمة ويلؤم (١).\rعلى أن استعمال (مثل) و (غير) شيء مركوز في الطباع وهو جار في عادة كل قوم فلو تصفحت الكلام وجدت هذين الاسمين يقدمان أبداً على الفعل إذا نحى بهما هذا النحو الذي عرفت وترى المعنى لا يستقيم معهما إذا لم يقدما (٢).","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٩٢، صـ ٩٣.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٩٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586182,"book_id":8509,"shamela_page_id":108,"part":"1","page_num":105,"sequence_num":108,"body":"(هـ) تقديم النكرة على الفعل وتقديم الفعل عليها:\rإذا قدمت الفعل على النكرة، فقلت: أجاءك رجل؟ كنت تريد أن تسأله هل كان محي من أخد من الرجال إليه، وإذا قدمت الاسم فقلت: أرجل جاء؟ كنت تسأله عن جنس من جاءه: أرجل أم أمرأه؟ وإنما يكون ذلك إذا كنت قد علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي تماماً كما إذا كانت تريد أن تعرف عين الآتي فقلت: أزيد جاءك أم عمرو؟ والمسألة الأولى لا يجوز فيها تقديم الاسم لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل والسؤال عن الفاعل يكون أما عن عينه أو عن جنسه وإذا كان ذلك كذلك كان محالاً أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس لأنه لا يبقى بعد الجنس إلا العين، والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه.\rعلى أنك إذا وصفت النكرة فقلت: أرجل طويل جاءك أم قصير كان السؤال عن أن الجائي من جنس طوال الرجال أم قصارهم فأن وصفت النكرة بالجملة فقلت: أرجل كنت قد عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه؟ كان السؤال عن المعطي أكان ممن عرفه من قبل أم كان إنساناً، لم يعرفه من قبل.\rوحكم الابتداء بالنكرة في الاستفهام حكم الخبر: فإذا قلت (رجل جاءني) لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لامرأة، ويكون الكلام حينئذ مع من عرف أن قد أتاك آت فإذا لم ترد ذلك كان عليك أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586183,"book_id":8509,"shamela_page_id":109,"part":"1","page_num":106,"sequence_num":109,"body":"تقدم الفعل فتقول جاءني رجل) وقولهم: (شر أهر ذانابٍ) إنما قدم فيه شر\" لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا الناب إنما هو من جنس الشر لا من جنس الخير فجرى مجرى أن تقول: رجل جاءني، تريد أن رجل لأمرأة.\rوالدليل على ذلك قول العلماء: أنه إنما يصلح لأنه بمعنى (ما أهر ذاناب الاشر) وأنت لا تقول: ما جاءني إلى رجل إلا حيث يتوهم السامع أنه قد جاءتك امرأة.\rوذلك لأن الخبر ينقص النفي إنما يكون حيث يراد قصر الفعل على شيء ونفيه عما عداه فإذا قلت: ما جاءني إلا زيد كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد ونفيته عن كل ما عداه وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم ومتى لم يرد بالفكرة الجنس لم يقف منها السامع على معلوم حتى يزعم أني أقصر له الفعل عليه وأخبره أنه كان منه دون غيره.\rوليس معنى قول عبد القاهر: أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم (شر أهر ذاناب) لأنه أريد به الجنس أن معنى (شر) و (الشر) سواء ولكن عرضه أن يبين أن الغرض من الكلام: أن الذي أهز ذا الناب إنما هو من جنس الشر لا من جنس الخير، كما أنه إذا قال في قولهم \"أرجل جاء أم امرأة أن السؤال عن الجنس لم يرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال الرجل أم المرأة أتاك ولكنه يعني أن المعنى على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586184,"book_id":8509,"shamela_page_id":110,"part":"1","page_num":107,"sequence_num":110,"body":"أنك سألت عن الآتي: أهو من جنس الرجال أم من جنس النساء؟\rفالنكرة - أذن - على أصلها من كونها لواحد من الجنس، غير أن القصد منك لم يقع على كونه واحداً وإثماً وقع على كونه من جنس الرجال.\rوفي عكس هذا إذا قلت: (أرجل جاءك أم رجلان؟ ) كان القصد منك إلى كونه واحداً دون كونه رجلاً.\rوههنا أصل ينبهك إليه عبد القاهر وهو إنه إذا ما كان في اللفظ دليل على أمرين، ثم قصده أحدهما دون الآخر صار هذا الآخر كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ.\rوإذا ما نظرت فيما قدمه عبد القاهر من قول سيبويه: \"أنك قلت عبد الله فنبهته ثم بنيت عليه الفعل\" وجدته يطابق هذا، وذلك لأن التنبيه لا يكون إلا على شيء معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على شيء معلوم كذلك فإذا ما بدأت بالنكرة فقلت: رجل وأنت لا تقصد بها الجنس وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث رجل لامرأة، كان محالاً أن تقول أني قدمته لأنبه المخاطب له لأنه يخرج بك إلى أن ت قول: أني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه، وذلك مما لا يشك في أنه محال (١).\rوخلاصة رأي عبد القاهر - في إفادة تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي التخصيص أو تقوى الحكم - أن هذا الرأي يدور غالباً حول أداة النفي فإن كانت سابقة على المسند إليه - أيا كانت حاله - أفاد الكلام التخصيص قطعاً وإن لم تسبقه أداة نفي بأن لم يوجد لها في الكلام شبح أصلاً","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٩٤، صـ ٩٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586185,"book_id":8509,"shamela_page_id":111,"part":"1","page_num":108,"sequence_num":111,"body":"أو أخرت عنه، وكان معرفة ظاهراً، أو مضمراً، احتمل الكلام التخصيص تارة، والتقوى أخرى حسبما يقتضيه المقام فإن كان نكرة أفاد التخصيص قطعاً، سواء وقع بعد النفي أو لا.\rأما السكاكي: فإنه - وإن كان يتفق مع عبد القاهر في أن تقديم - المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد التخصيص - له فيه مذهب يخالف مذهب الإمام:\rوخلاصته: أنه لا يعول على نفي تقدم أو تأخر، فلا بحث له في ذلك وإنما بحثه يدور حول المسند إليه نفسه فهو يقول: إن كان المسند إليه ضميراً: كان الكلام محتملاً للتخصيص والتقوى: نحو: أنا عنيت بسألتك وهو سعي في حاجتك.\rوإن كان المسند إليه أسماً ظاهراً معرفة: امتنع التخصيص وتعين الكلام لإفادة التقوى: نحو: على قام بالأمر.\rوإن كان المسند إليه نكرة: أفاد الكلام التخصيص قطعاً نحو \"رجل وفد علينا\"، فالأقسام عنده ثلاثة: تعين التخصيص، تعين التقوى احتمال الأمرين.\rتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي\r* رأي عبد القاهر: يدور حول أداة النفي\r١ - إن سبق أفاد الكلام التخصيص (ما رجل جاء في)\r٢ - وإن لم تسبقه أداة نفي وكان معرفة ظاهراً أو مضمراً (محمد سعي في حاجتك) احتمل الأمرين حسبما يقتضيه المقام (أنا سعيت في حاجتك).\r٣ - فإن كان نكرة أفاد التخصيص قطعاً (رجل سعى في حاجتك).\r* رأي السكاكي: (لا يهمه القضى يحلا بحث له فيه)\r١ - رجل وفد علينا (للتخصيص (المسند إليه نكرة).\r٢ - عليّ قام بالأمر (للتقوى) (المسند إليه اسم ظاهر معرفة).\r٣ - أنا سعيتُ في حاجتك (احتمال) (المسند إليه ضمير)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586186,"book_id":8509,"shamela_page_id":112,"part":"1","page_num":109,"sequence_num":112,"body":"الفصل الثالث\r((قضية التشبيه والتمثل))\r(١) سر التفريق بينهما.\r(٢) تفريق عبد القاهر بينهما.\r(٣) أسباب تأثير التمثيل في النفس.\r(٤) التمثيل - على حد الاستعارة -.\r(٥) التمثيل بين \"الأسرار\" و\"الدلائل\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586187,"book_id":8509,"shamela_page_id":113,"part":"1","page_num":110,"sequence_num":113,"body":"التشبيه والتمثيل\rسر التفريق بينهما:\rلعل السر في أن عبد القاهر الجرجاني قد حاول التفريق بين مصطلحي التشبيه والتمثيل - مع أن الزمخشري من بعده لم يكن يفرق بينهما جرياً وراء المعنى اللغوي الذي لا يفرق بين التشبيه والتمثيل، حيث قالوا: التشبيه كالتمثيل لفظاً ومعنى - هو أن عبد القاهر قد أدرك بثاقب فكرة: أن الكلمتين لا يمكن أن تكونا بمعنى واحد في اللغة، لأنه لا بد لكل كلمة خاصية تتميز بها عن مرادفتها: (فالشبه) لا يمكن أن يكون (كالمثل) من جميع الوجوه، بل أن الشبه يجعل المتشابهين يلتبسان أن ببعضهما حتى أنك لا تكاد تعرف أحدهما من الآخر، ولهذا قالوا: \"تشابهاً وأشتهها: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا\" والشبهة: الالتباس، وشبه عليه الأمر تشبيهاً: لبس عليه، وفي القرآن المحكم والمتشابه (١) \".\rولكن المثل ليس كذلكن فقد قالوا: (المثل والمثيل .. والمثلى: ما جعل مثالاً أي مقداراً لغيره، والمثال: هو المقدار\" (٢).","footnotes":"(١) القاموس المحيط باب الهاء فصل الشين.\r(٢) لسان العرب مادة (مثل).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586188,"book_id":8509,"shamela_page_id":114,"part":"1","page_num":111,"sequence_num":114,"body":"ولهذا بدأ عبد القاهر حديثه عن التشبيه والتمثيل والتفريق بينهما، لأن التشبيه - إذا أمعنا الفكر في المعنى اللغوي وجدنا أنه يسوى بين الشيئين في الصفات الظاهرة من جميع الوجوه حتى يلتبسا، والتمثيل يسوي بينهما في المقدار فقط فالتشبيه: كقولك: خد كالورد: فحمرة الخد كحمرة الورد، إذ الشبه بين الخد والورد - لظهوره - جعل الخدو الورد يلتبسان ببعضهما حتى لا تستطيع التفريق بينهما - وأن كان التشبيه لا يخلو من مبالغة محمودة\".\rوالتمثيل كما في قول الشاعر:\rوأني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت\rلكا لمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت!\rفالمشبه هنا هو: الشاعر وقد هام بحب عزة بعد أن انقطع ما بينهما من وصل، والمشبه به هو: من يرجو أن يستظل بالغمامة وكلما يتهيأ للمقيل تحتها تذهب وتتلاشي: وليس بين المشبه والمشبه به هنا من الصفات الظاهرة ما يمكن معه أن يلتبسا، ولكن بينهما من الأمور الاعتبارية أمران يمكن أن يقدر احدهما بمقدار الآخر، ولهذا خص هذا النوع باسم التمثيل، لأن التمثيل - من حيث اللغة كما أسلفنا - يسوى بين الأمرين في المقدار فقط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586189,"book_id":8509,"shamela_page_id":115,"part":"1","page_num":112,"sequence_num":115,"body":"واستمع أنت إلى عبد القاهر الجرجاني - وهو يفرق بينهما تفريقاً لا يكاد يخرج عما نقول -: (وهكذا تراه في العرف والمعقول لا يمكنك أن تفرق بينهما، ولو رأيت هذا بعد أن رأيت ذاك لم تعلم شيئاً غير الأول حتى تستدل بأمر خارج عن الصورة، ومعلوم\" \" أن هذه القضية إنما توجد على الإطلاق والوجود الحقيقي في الضرب الأول، وأما الضرب الثاني قائماً يجيء فيه على سبيل التقدير والتنزيل .. فالمتشابهات المتأولة التي يتنزعها العقل من الشيء للشيء لا تكون في حد المشابهات الأصلية الظاهرة بل الشبه العقلي كاد الشيء به يكون شبيهاً بالمشبه به\".\rوهكذا تجد أن سر التفريق بين التشبيه والتمثيل يكمن في أن المعنيين - من حيث اللغة - مختلفان، على النحو الذي أسلفناه لك، ولهذا بدا عبد القاهر الجرجاني حديثه عن التشبيه والتمثيل بالتفريق بينهما، وكان سبيله إلى هذا التفريق: أن جعل التشبيه ضربين:\rأما الضرب الأول: فهو: تشبيه الشيء بالشيء من جهة أمر بين لا يحتاج فيه إلى تأول، وذلك بأن تشبيه الشيء بالشيء في الصورة والشكل، أو في اللون، أو في الصورة واللون أو في الهيئة، ويدخل في الهيئة: حال الحركات في أجسامها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586190,"book_id":8509,"shamela_page_id":116,"part":"1","page_num":113,"sequence_num":116,"body":"كتشبيه الذاهب على الاستقامة بالسهم السديد.\rوكذلك كلي تشبيه يجمع بين شيئين مما يدخل تحت الحواس كتشبيه الذاهب على الاستقامة بالسهم السديد.\rوكذلك كلي تشبيه يجمع بين شيئين مما يدخل تحت الحواس كتشبيه بعض الأصوات ببعض، وكتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالعسل، وكتشبيه اللين الناعم بالخز، وتشهية رائحة بعض الرياحين ببعض.\rوكذلك التشبيه من جهة الغزيرة والطباع والأخلاق داخلة في الغريزة، كتشبيهك الرجل بالأسد في الشجاعة.\rفالشبه في كل هذا بين لا يحرى فيه التأول ولا يحتاج إليه.\r\rوأما الضرب الثاني: فهو ما يكون التشبيه فيه محصلاً بضرب من التأول، كقولك: هذه حجة كالشمس في الظهور، فقد شبهت الحجة بالشمس في ظهورها إلا إنك تعلم أن هذا التشبيه لا يتم لك إلا بتأول، وذلك بأن تقول: أن حقيقة ظهور الشمس وغيرها من الأجسام: ألا يكون دونها حجاب ونحوه مما يحول بين العين وبين رؤيتها، والشبهة نظيراً الحجاب فيما يدرك بالعقول، لأنها تمنع القلب رؤية ما هي شبه فيه، كما يمنع الحجاب العين من ترى ما هو من ورائه فإذا ارتفعت الشبهة وحصل العلم بمعنى الكلام الذي هو حجة \"على صحة ما أردت من الحكم قيل \"هذا ظاهر كالشمس\".\rوهذا الضرب هو: ما يسميه عبد القاهر باسم التمثيل:\rعلى أن ما طريقه التأول يتفاوت تفاوتاً شديداً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586191,"book_id":8509,"shamela_page_id":117,"part":"1","page_num":114,"sequence_num":117,"body":"(أ) فمنه ما يقرب مأخذه ويسهل الوصول إليه، ويكاد بداخل الضرب الأول، الذي هو ليس من التأول في شيء وذلك كما في قولك - في المثال السابق: (حجة كالشمس في الظهور).\r(ب) ومنه ما يحتاج فيه إلى قدر من التأمل، كقولهم: ألفاظه كالماء في السلاسة، وكالنسيم في الرقة - وكالعسل في الحلاوة.\r(ج) ومنه ما يدق فيه لنظر ويغمض حتى تحتاج في استخراجه إلى فضل روية، ولطف فكرة، وذلك كما في قول فاطمة بنت الخرشب الانمارية - وقد سئلت عن بنيها أيهم أفضل - \"هم كالحلقة المفرغة، لا يدري أين طرفاها \"فهذا لا يفهمه إلا من له ذهن ونظر يرتفع به عن طبقة العامة، ولهذا فإنك لا تراه إلا في الآداب والحكم المأثورة عند الفضلاء وذوي العقول الكاملة (١).\rفالفرق بين التشبيه والتمثيل: هو أن التشبيه عام \"والتمثيل خاص\"، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلاً (٢) ,\rعلى أن الذي أوجب أن ينقسم التشبهي إلى: تشبيه، وتمثيل هو أن الاشتراك في الصفة يقع تارة في نفسها وحقيقة جنسها،","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ٦٤ إلى صـ ٦٨.\r(٢) أسرار البلاغة صـ ٦٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586192,"book_id":8509,"shamela_page_id":118,"part":"1","page_num":115,"sequence_num":118,"body":"وتارة يقع في حكم لها ومقتضى، فالخد يشارك الورد في الحمرة نفسها، وتجدها في الموضعين بحقيقتها ولكن اللفظ يشارك العسل في الحلاوة، لا من حيث جنسه، بل من جهة الحكم وأمر يقتضيه، وهو ما يجده الذائق في نفسه من اللذة إذا صادفت بحاسة الذوق ما يميل إليه الطبع، فالسامع يجد عند وقوع اللفظ في سمعه حالة شبهة بالحالة التي يجدها الذائق للحلاوة من العسل - والشبه العقلي قد ينتزع من شيء واحد - كما رأيت من انتزاع الشبه للفظ من الحلاوة - وقد ينتزع من أمور عدة يجمع بعضها إلى بعض، ثم يستخرج من مجموعها الشبه كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾، فالشبه منتزع من أحوال الحمار وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول، ثم لا يحس بما فيها، ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، فليس له مما يحمل حظ سوى أنه يقل عليه، فالشبه - كما ترى مقتضى أمور مجموعة ونتيجة لأشياء ألفت وفرق بعضها إلى بعض وقد يجئ الشبه معقوداً على أمرين منفصلين، كما في قولهم (هو يصفو ويكدر) لأنهم أرادوا أن يجمعوا له الصفتين، لا يريدون أن احدهما ممتزجة بالأخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586193,"book_id":8509,"shamela_page_id":119,"part":"1","page_num":116,"sequence_num":119,"body":"وهذا المثال وأن يكن من باب الاستعارة إلا أن الاستعارة مبنية على التشبيه.\rعلى أن الذي هو أولى بأن يسمى تمثيلاً لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح: هو ما تجده لا يحصل لك إلا من جملة الكلام، حتى أن التشبيه كلما كان أو غلى في كونه عقلياً محضاً كانت الحاجة إلى الجملة أكثر، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.\rفقد كثرت فيه الجمل، وأنتزع الشبه من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها من بعض، ولا حذف شيء منها، ولو حذفت منها جملة لأخل ذلك بالمغزى من التشبيه (١).\rأما إذا لم ترتب الجمل هذا الترتيب الذي يضم بعضها إلى بعض فليست من هذا اللون من التمثيل، كما في قولك: هو كالأسد بأساً، والبحر جوداً، والسيف مضاء (٢).\rمظاهر التمثيل: للتمثيل مظهران (٣):","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ٧٩.\r(٢) أسرار البلاغة صـ ٨٠.\r(٣) أسرار البلاغة صـ ٨٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586194,"book_id":8509,"shamela_page_id":120,"part":"1","page_num":117,"sequence_num":120,"body":"أحدهما: أن يجئ المعنى ابتداء في صورة التمثيل - وهو نادر قليل - ولكنه على ندرته في كلام البلغاء كثير في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.\r\rوثانيهما: أن يجيء في أعقاب المعاني لإيضاحها وتقريرها في النفوس، كما في قول أبي تمام.\rوإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود\rلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود\r\rأسباب تأثير التمثيل في النفس\rوجد عبد القاهر الجرجاني بذوقه السليم وحسه المرهف، وذكائه الخارق أن أسباب تأثير التكتيل في النفوس ترجع إلى أمور أربعة:\rأولهما: أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي كأن تنقلها عن العقل إلى الحس وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالطبع، لأن العلم المستفاد من طريق الحواس أو المركوز في الطباع يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام.\rفقد قالوا \"ليس الخبر كالمعاينة ولا الظن كلايقين\" كما أن العلم الأول قد أتى النفس أولاً عن طريق الحواس والطباع، ثم عن طريق النظرية والروية، فهو إذن -أمس بها رحيماً، وأقوى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586195,"book_id":8509,"shamela_page_id":121,"part":"1","page_num":118,"sequence_num":121,"body":"لهيا ذمماً.\rوذلك لأن المعاني التي يجيء التمثيل في عقبها على ضربين غريب بديع يمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه أو استحاله وجوده كما في قول الشاعر:\rفان تفق الأنام - وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال.\rوضرب لا يكون غريباً ولا نادراً فلا يحتاج إلى بينة وحجة وإثبات كأن تنفي عن فعل من الأفعال التي بفعلها الإنسان الفائدة وتدعى أنه لا يحصل من سعيه على طائل، ثم تمثله بالقابض على الماء والراقم فيه، كما في قول الشاعر:\rفأصبحت من ليلي الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع\rوإذا ثبت أن المعاني الممثلة تكون على هذين الضربين، فإن فائدة التمثيل وسبب الأنس في الأول بين \"واضح\"، لأنه يفيد فيه الصحة ونفي الريب والشك، وأما الضرب الثاني فهو وإن كان لا يفيد فيه هذا النوع من الفائدة، فهو يفيد أمراً آخر يجرى مجراه، وهو بيان المقدار فيه، ووضع قياس من غيره يكشف عن حده ومبلغه في القوة والضعف والزيادة والنقصان فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحس عرفت ذلك بحقيقته، وكما يوزن ب القسطاس.\rفالشاعر لما قال: \"كقابض على الماء خانته فروج الأصابع\" أراك رؤية لا تشك معها ولا ترتاب أنه بمبلغ في خيبة ظنه وسوار سعيه إلى اقصى المبالغ وأنتهى فيه إلى أبعد الغايات، وما ذلك إلا بالتمثيل، فنحن نعلم أن المشاهدة تؤثر في النفوس حتى مع العلم بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵇ في قوله: \"بلى ولكن ليطمئن قلبي\".\rومما يدل على أن التمثيل بالمشاهدة يزيد أنساً - وأن لم يكن بك حاجة إلى تصحيح المعاني ولا إلى بيان لمقدار المبالغة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586196,"book_id":8509,"shamela_page_id":122,"part":"1","page_num":119,"sequence_num":122,"body":"فيه - أن تعبر عن المعنى بالعبارة المؤدية له، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس فزعاً، كأن تصف يوماً بالطول، فتقول (يوم كأطول ما يتوهم) ويوم كأنه لا آخر له) فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله:\rويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطاف المزاهر\r\rعلى أن عبارتك الأولى أشد واقوى في المبالغة من هذا، وذلك لأن ظل الرمح متناه تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له.\rوكذلك تقول: يوم كأقصر ما يتصور، وكأنه ساعة، وكلمح البصر فتجد هذا مع كونه تمثيلاً لا يؤنسك إيناس قولهم:\rبلدت من يوم كظل حصاة ... ليلاً كظل الرمح غير موات\r\rوقول الآخر:\rظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب\rوكذلك تقول: \"فلان غذا هم ب الشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه وقصر خواطره على إمضاء عزمه ولم يشغله شيء\" عنه فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن ثم لا نرى في نفسك له هزة ولا تصادف لما تسمعه أربحية وإنما تسمح حديثاً ساذجاً وخبراً عفلاً، حتى إذا قلت:\rإذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانباً\rامتلأت نفسك سروراً، وأدركتك طرية - كما يقول القاضي أبو الحسن - لا تملك دفعها عنك ولا تقل أن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وأن كان يوجب شيئاً منه، فليس الأصل له، بل لأن أراك العزم وافقاً بين العينين، وفتح إلى مكان المعقول من قلبك باباً من العين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586197,"book_id":8509,"shamela_page_id":123,"part":"1","page_num":120,"sequence_num":123,"body":"وثانيها: أن لتصور الشبه بين الشيء في غير جنسه وشكله والتقاط ذلك له من غير محلته باباً آخر من الظرف واللطف، ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفي موضعه من العقل، لأنك ترى به الشيئين مثلين متباينين، ومتألفين مختلفين كما في قول ابن المعتز:\rولا زوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت\rكأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت\r\rفقد أراك شبهاً لنبات غصن يرف وأوراق رطبة من لهب نار مستول عليه البيس ومبنى الطباع وموضع الجبل على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف منها أجدر.\rولا شك أن التمثيل بجمعة بين الشيئين المختلفين في الجنس مما يحرك قوي الاستحسان بل أنه بعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر ما بين المشرق والمغرب ويجمع ما بين المشئم والمعرق وهو بربك للمعاني الممثلة بالأوهام شبهاً في الأشخاص الماثلة والأشباح القائمة، وينطبق لك الأخرس ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد ويريك التئام عين الأصنداد، وأنظر إلى قول الشاعر:\rأنه نار في مرتقى نظر الحاسد ... ماء جار مع الإخوان\rفقد جعل نفسه ناراً، وماء في آن واحد.\r\rوقول الشاعر:\rخشن في عيون أعدائه أقبـ ... ـح من ضيفه رأته السوام\rفقد جعل ممدوحه حسناً قبيحاً في وقت واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586198,"book_id":8509,"shamela_page_id":124,"part":"1","page_num":121,"sequence_num":124,"body":"وقول الشاعر:\rله منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع\rفقد جمل الشيء أبيض وأسود في حال واحد.\rعلى أن عبد القاهر الجرجاني لا يقصد بقول هذا: أنك متى ألفت الشيء بالبعيد عنه في الجنس على الجملة، فقد أصبت وأحسنت ولكنه يشترط لذلك أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر نهها صحيحاً معقولاً، ونجد للملاءمة والتأليف السوي بينهما مذهباً وإليهما سبيلاً، وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك من حيث العقل والحدس في وضوح اختلافهما من حيث العين والحسن، فأما أن تستكره الوصف، تروم أن تصوره حيث لا يتصور فلا لأنك تكون في ذلك بمنزلة الصانع الأخرق، يصنع في تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبلانه، حتى تخرج الصورة مضطربة وتجيء فيها نتو، ويكون للعين عنها من تفاوتها نبو، ولم يرد بقوله: أن الحذق في إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس: أنك تقدر أن تحدث هناك مشابهة ليس لها أصل في العقل، وإنما المعنى أن هناك مشابهات خفية يدق المسلك إليها، فإذا تغلغل فكرك فأدركها، فقد استحققت الفضل.\rووازن ذلك: أن القطع التي يجيء من مجموعها صورة الشنف والخاتم أو غيرها من الصور المركبة من أجزاء مختلفة الشكل لو لم يكن بينها تناسباً مكن ذلك التناسب أن يلائم بينها الملاءمة المخصوصة ويوصل الوصل الخاص، لم يكن ليحصل لك من تأليفها الصورة المقصودة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586199,"book_id":8509,"shamela_page_id":125,"part":"1","page_num":122,"sequence_num":125,"body":"ألا ترى أنك لو جئت بأجزاء مخالفة ثم أردتها على أن تصير إلى الصورة التي كانت من تلك الأولى طلبت ما يستحيل (١) وقد ذكر الدكتور محمد أبو موسى: أن لهذه الفكرة منبتاً عند الجاحظ، مما رواه من قول سهل بن هرون في بيان أن الناس لو سمعوا رجلين كلاهما على مقدار واحد من البلاغة وكان أحدهما قبيحاً ذميماً والآخر جميلاً نبيلاً، لكان إعجابهم بالقبيح الذميم أكثر من أعجابهم بالآخر وذلك كما يقول: لأن الشيء من غير معدنه أغرب وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع، وإنما ذلك كنوادر وكلام الصبيان وملح المجانين، فإن ضحك السامعين من ذلك أشد وتعجبهم به أكثر، والناس موكلون بتعظيم الغريب واستطراف البعيد وليس لهم في الموجود الراهن، وفيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى مثل الذي لهم في الغريب القليل، وفي النادر الشاذ.\rثم يقول الدكتور أبو موسى \"وقد انتفع عبد القاهر بذلك النص انتفاعاً ذكياً في باب التمثيل وبيان أثره في النفوس، ولا بد أن يكون ذلك أساس الفرق في التشبيه الغريب البعيد، والمبتذل القريب لأن مسألة ظهور الشيء من مكان لم يعهد ظهوره منه - التي هي لب هذا النص - محور أساسي في دراسة أسباب تأثير التمثيل، وأسباب الغرابة والطرافة في التشبيه مطلقاً (٢).","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ١٢١، صـ ١٢٢.\r(٢) خصائص التراكيب صـ ١٨، صـ ١٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586200,"book_id":8509,"shamela_page_id":126,"part":"1","page_num":123,"sequence_num":126,"body":"وهذا كلام جيد بالغ الجودة، ولكن عبد القاهر الجرجاني لم يحوجنا إلى أعمال الفكر والروية حتى نهتدي إلى منبع فكرته عن بعد التشبهي وغرابته - والتي تدور حول أعمال الفكر والروية فقد صرح بأنه نقل فكرته هذه عن الجاحظ، فقال \"وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر ومن الفضيلة -\"وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة، ولذة السبع يلطع الدم وأكل اللحم\" من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعة وبعد: فإذا أعدت الحلبات لجري الجياد، ونصبت الأهداف ليعرف فضل الرماه في الأبعاد والسداد، فرهان العقول التي تستبق، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه هو الفكر والروية والقياس والاستنباط ولن يبعد المدى في ذلك - ولا يدق المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشبه بين الأشياء المختلفة، فإن الأشياء المشتركة في الجنس المتفقة في النوع، تستغني بثبوت الشبه بينها وقيام الاتفاق فيها عن تعمل وتأمل في إيجاب ذلك لها وتثبيته فيها، وأنها لصنعة تستدعي جودة القريحة والحذق الذي يلطف ويدق في أن يجمع أعناق المتنافرات المتباينات في ريقه، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، وما شرفت صنعة، ولا ذكر بالفضيلة عمل إلا لأنهما يحتاجان من دقة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما (١).","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ١١٧، صـ ١١٨، صـ ١١٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586201,"book_id":8509,"shamela_page_id":127,"part":"1","page_num":124,"sequence_num":127,"body":"على أن القاضي الجراجاني قد سبق عيد القاهر الجرجاني في تقسيم التشبيه إلى البعيد القريب والغريب المبتذل، وإرجاع البعيد الغريب إلى أعمال الفكر والروية، والقريب المبتذل إلى أنه لا يحتاج إلى أعمال الفكر والروية، فقد ذكر القاضي الجرجاني في السرقات الشعرية تشبيهات كثيرة قد تداولت بين العرب وصنفها صنفين: عام مشترك: وأرجع تداوله وكثره ظهره إلى أنه مركب في النفس تركيب الخلقة (أي أنه لا يحوج في فهمه إلى أعمال الفكر والروية) وصنف سبق إليه المتقدم، وأرجع تداوله إلى كثره استعماله واستفاضته على ألسنة الشعراء، وأن لم يكن قد أتى إلا عن روية كثيرة أو فكر طويل (١).\rوقد أتى القاضي الجرجاني بألوان من التشبيه الذي يعتبره البلاغيون قريباً مبتذلاً، وبين أن الشعر قد تصرفوا فيه بما أخرجه عن دائرة الابتذال إلى دائرة الاختراع والابتداع (٢) فأوحت هذه الفكرة إلى عبد القاهر الجرجاني أن يبحث مسألة التصرف في التشبيه القريب المبتذل بما يجعله بعيداً غريباً (٣).","footnotes":"(١) الوساطة صـ ١٨٤، صـ ١٨٥.\r(٢) الوساطة صـ ١٨٦، صـ ١٨٧، صـ ١٨٨.\r(٣) أسرار البلاغة صـ ١٢٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586202,"book_id":8509,"shamela_page_id":128,"part":"1","page_num":125,"sequence_num":128,"body":"وثالثها: أنه يأتيك من الشيء الواحد بأشياء عدة، ويشتق من الأصل الواحد أغصاناً في كل غصن ثمرة على حدة فهو يعطيك من الزند بإبرائه (أي إخراج ناره) شبه البخيل الذي لا يعطيك شيئاً وشبه البليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى وشبه من يخب سعيه ونحو ذلك.\rكما أنه يعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة\rوالعز والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، كقولهم (هلال نما فعا دبدرا)، يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل، والعقل وسائر معاني الشرف (١).\rأنظر إلى قول أبي تمام، يرثي ولدين لعبد الله بن طاهر وقدمتا في يوم واحد:\rلهفى على تلك الشواهد منهما ... لو أمهلت حتى تصير شمائلاً\rلغدا سكونهما حجى وصباهما ... كرماً وتلك الأربحية نائلاً\rإن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً.\r\rفقد شبه أبو تمام ما كان ينتظر من كل واحد منهما من النمو والارتقاء في درجات الكمال والفضل حتى يبلغ أعلى مراتب الحجي والكرم، والنوال بما يكون للقمر في نموه من مراتب يرتقي فيها من نقصان إلى زيادة حتى يصبر بدراً كاملاً.","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ١٠٦، صـ ١٠٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586203,"book_id":8509,"shamela_page_id":129,"part":"1","page_num":126,"sequence_num":129,"body":"وهذا المثل بعينه يضرب في ارتفاع الرجل في الشرف والعز من طبقة إلى أعلى منها، كما في قول البحتري:\rشف تزيد بالعراق إلى الذي ... عبدوه بالبيضاء أو ببلنجرا\rمثل الهلال بدا فلم يبرح به ... صوغ الليالي فيه حتى أقمرا\r\rويعطيك شبه الإنسان في نشأته ونمائه إلى أن يبلغ حد التمام، ثم تراجعه إذا انقضت مدة الشباب، كما قال:\rالمرء مثل هلال حين تبصرة ... يبدو ضئيلاً ضعيفاً ثم يتسق\rيزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصائم ينمحق\r\rوكذلك يتفرع من حالتي تمامه ونقصانه فروع \"لطيفة\" فمن ذلك قول ابن باباك:\rوأعرت شطر الملك شطر كما له والبدر ف يشطر المسافة يكمل\rوقد قاله في الأستاذ أبي علي وقد استوزه فخر الدولة بعد وفاة الصاحب كما أستوزر أبا العباس الضبي من بعده وقول أبي بكر الخوارزمي:\rأراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... مقيماً وإن أعسرت زرت لماماً\rفما أنت إلا البدر أن قل ضووه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما\r\rفبهذا المعنى لطيف ولكن العبارة لم تساعده على الوجه الذي يجب، وذلك لأن الأغباب: أن يتخلل وقتي الحضور وقت يخلو منه، وهذا يصلح إذا كان إذا نقص نوره لم يوال الطلوع كل ليلة بل يظهر في بعض الليالي ويمتنع من الظهور في بعض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586204,"book_id":8509,"shamela_page_id":130,"part":"1","page_num":127,"sequence_num":130,"body":"ولكن الأمر ليس كذلك، لأن القمر على نقصانه يظهر كل ليلة حتى يكون السرار.\rوقد قال ابن بابك: في نحو هذا:\rكذا البدر ويسفر في تمه فإن خاف نقص المحاق انتقب\rبمعنى أن البدر يكشف عن وجهه وهو في مرحلة التمام فإذا خاف النقصان بالمحاق وصنع نقاباً على وجه.\rوكذلك ينظر إلى مقابلة البدر للشمس واستمداده من نورها وإلى كون ذلك سبب زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاق وحصوله في المحاق، وتفاوت حاله في ذلك، فيصاغ منه كمثال ويبين أشباه ومقاييس، ومن لطيف ذلك قول ابن نباته:\rقد سمعنا بالغر من آل ساسا ... ن ويونان في العصور الخوالي\rوالملوك الأولى إذا أضاع ذكر ... وجدوا في سائر الأمثال\rمكرمات إذا البليغ تعاطي ... وصفها لم يجده في الأقوال\rوإذا نحن لم نضفها إلى مد ... حك كانت نهاية في الكمال\rإن جمعناهما المر بها الجمـ ... ع وضاعت فهي ضياع المحال\rفهو كالشمس بعدها يملاء البد ... ر، وفي قربها محاق الهلال\rعلى أن فكرة كون التمثيل يعطيك من الشيء الواحد أشياء كثيرة هي نفسها فكرة القاضي الجرجاني - وفي وساطته - فمن نظراته الفاحصة الناقدة وجد أن التشبيهات قد تتعدد ويكون المشبه به شيئاً واحداً، وتلك مزية من مزايا التشبيه التي لا تكاد تحصى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586205,"book_id":8509,"shamela_page_id":131,"part":"1","page_num":128,"sequence_num":131,"body":"فقد قال: \"وللشعراء في التشبيه أغراض، فإذا شبهوا بالشمس في موضع الحسن أرادوا به البهائم والرونق والضياء ونصوع اللون والتمام، وإذا ذكروه في الوصف بالنباهة والشهرة أرادوا به عموم مطلعها، وانتشار شعاعها، واشتراك العام والخاص في معرفتها وتعظيمها، وغذا قرونه بالجلال والرفعة أرادوا به أنوارها وارتفاع محلها، وإذا ذكروه في باب النفع والأرفاق، قصدوا به تأثيرها في النشوء والنما\" (١).\rوتلك النظرة الثاقبة من القاضي الجرجاني في التشبيه - قد حدث بعيد القاهر - وتبعه البلاغيون من بعد - أن يذكرها فضيلة من فضائل التشبيه، وأن لم يذكر نفس المثال: الذي ذكره القاضي الجرجاني - وإنما ذكر مثالاً آخر - مماثلاً له.\rولئن جعل القاضي الجرجاني من الشمس مصباحاً مضيئاً لفكرته فلقد جعل عبد القاهر الجرجاني من القمر سراجاً منيراً لترديد نفس الفكرة، واستمع إلى ما يقوله عبد القاهر مردداً به فكرة القاضي الجرجاني \"وأنه ليأتيك من الشمس بأشياء عدة ويشقق من الأصل الواحد أغصاناً في كل غصن ثمرة على حدة .. ويعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة والعز والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، قولهم هلال نما فعاد بدراً يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل والعقل وسائر معاني الشرف (٢).","footnotes":"(١) الوساطة صـ ٤٧٤.\r(٢) أسرار البلاغة من صـ ١٠٦ إلى صـ ١٠٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586206,"book_id":8509,"shamela_page_id":132,"part":"1","page_num":129,"sequence_num":132,"body":"ورابعها: أن المعنى إذا أتاك ممثلاً، فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة، ومن المركوز في الطباع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له والاشتياق إليه كان نيله أحلى، وكان موقعه من النفس أجل وألطف (١)، ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف من موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال الشاعر:\rوهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي\rوليس معنى هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمد ما يكسب المعنى غموضاً، مشرفاً له وزائداً في فضله، لأن عبد القاهر لم يرد هذا الحدث من الفكر والتعب، وإنما أراد القدر الذي يحتاج إليه في نحو قول أبي الطيب:\rفإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال\rوقوله:\rوما التأنيث للاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال\r\rوقوله:\rرأيتك في الذين أرى ملوكاً ... كأنك مستقيم في محال\rوقول النابغة:\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وأن خلت أن المنتأى عنك واسع\rوقوله:\rفإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب","footnotes":"(١) أسرار البلاغة من صـ ١٠٩ إلى صـ ١١٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586207,"book_id":8509,"shamela_page_id":133,"part":"1","page_num":130,"sequence_num":133,"body":"لأنك تعلم أن هذا الضرب من المعاني كالجواهر في الصدف، ولا يبرز لك إلا بعد أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب، لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما أحد يفلح في شق الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة (١).\rوأما التعقيد المذموم، فهو الذي ينشأ من عدم ترتيب اللفظ ترتيباً بمثله تحصل الدلالة على الغرض، حتى إذا احتاج السامع أن يطلب المعنى بالحيلة ويسعى إليه من غير الطريق.\rكما في قول الشاعر:\rوكذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل\rوقوله:\rثانيه في كبد السماء ولم يكن ... كاثنين فإن إذ هما في الغار\rوقوله:\rيدي لمن شاء رهن من يذق جرعاً من راحتيك دري: ما الصأب والعمل وإنما ذم هذا الجنس: لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله، وكدك بسوء الدلالة، وأودع المعنى لك في قالب غير مستو ولا مملس، بل خشن مضرس، حتى إذا رمت إخراجه منك عسر عليك وإذا خرج خرج مشوه الصورة ناقص الحس.\rعلى أن المعنى الذي تحصل عليه من أعمال الفكر والروية إنما يزيدك فرحاً وأنشأ وسروراً، إذا كان لذلك أهلاً، فأما إذا كنت معه كالفائدة","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ١١١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586208,"book_id":8509,"shamela_page_id":134,"part":"1","page_num":131,"sequence_num":134,"body":"في البحر، يحتمل المشقة العظيمة، ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز، فالأمر بالصند مما بدأت به.\rولذلك كان أحق أصناف لتعقيد بالذم، ما يتعبك، ثم لا يجدي عليك، ويورقك ثم لا يروق لك، وما سبيله إلا سبيل البخيل الذي يدعوه لوم في نفسه، وفساد في حسه إلى أن لا يرضي بضعته في بخله وحرمان فضله حتى بأبي التواضع ولين القول، فيأتيه ويشمخ بأنفسه، ويسوم المتعرض له باباً ثانياً كمن الاحتمال تناهياً في سخفه.\rأو كالذي لا يؤيك من خبره في أول الأمر فتستريح إلى الياس ولكنه يطمعك ويحسب على المواعيد الكاذبة حتى إذا طال العناء وكثر الجهد، تكشف عن غير طائل وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل، وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسفه في اللفظ وذهبه به في نحو من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه، وأغراب في الترتيب يعمي الإعراب في طريقه ويضل في تعريفه.\rوالأبيات السالفة هي التي عناها عبد القاهر، والتي سبق أن أشرنا إلى أن القاضي الجرجاني قد أوردها في كتاب الوساطة ونبه إلى أنها لم ترتب ترتيباً سليماً يراعي فيه قانون النحو، وأن القاضي الجرجاني من خلال نقيده لمثل هذه الأبيات قد كشف عن وجه النظم، فبينه عبد القاهر في دلائل الإعجاز.\rولعلك تلاحظ معي أن عبد القاهر هنا - وأن ذكر أن أبا تمام قد تعسف في لفظه وترتيب لكماته، الذي ضل معه النحو وعمى الإعراب لم يهتد إلى عبارة \"توخي معاني النحو فيما بين الكلم\" كما اهتدى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586209,"book_id":8509,"shamela_page_id":135,"part":"1","page_num":132,"sequence_num":135,"body":"إليها وهو يعالج نفس الأبيات في دلائل الإعجاز (١)، مما يدل على أن عبد القاهر - وهو يؤلف \"الأسرار\" لم يكن قد اهتدى إلى ترجمة لنظريته في النظم، وبالتالي فإن تأليف \"أسرار البلاغة\" كان قبل تأليف \"دلائل الإعجاز\".\rوليس معنى أن يكون الكلام في غاية الوضوح وعلى أبلغ ما يكون من الإبانة، أنه يغنيك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفاً ذلك لأن المعاني اللطيفة لا بد فيها من بناء ثان على أول، ورد تال على سابق.\rوإن أردت دليلاً على هذا، وشاهداً ينطبق بصحته فالنظر إلى قول البحتري (٢) في المدح:\rدان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب\rكالبدر وافرط في العلو وضووه ... للعصبة السارين جد قريب\r\rأفلست تحتاج - في الوقوف على الغرض من قوله \"كالبدر أفرط في العلو\" - إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصور حقيقة المراد منه - ووجه المجاز في كونه دانياً شاسعاً، وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وترد البصر من هذه إلى تلك، وتنظر إليه وكيف شرط في العلو الإفراط، ليشاكل قوله: (شاسع) لأن الشسوع هو الشديد من البعد ثم قابله بما لا يشاكله من مراعة التناهي في القرب فقال: (جد قريب)؟","footnotes":"(١) أنظر دلائل الإعجاز صـ ٥٦، والوساطة صـ ٨٩، صـ ٧٩.\r(٢) أسرار البلاغة صـ ٩٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586210,"book_id":8509,"shamela_page_id":136,"part":"1","page_num":133,"sequence_num":136,"body":"هذا هو الذي عناه عبد القاهر الجرجاني بالحاجة غلى الفكر فيه، أن المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه واجتهاد في نيله (١).\rعلى أن المعنى الذي يحوجك إلى أعمال الفكر والروية في استخراجه، وأن لم تحاول استخراجه بأعمال فكرك ورويتك فقد أعمل فيه الأديب أو الشاعر فكره ورويته، ومن الطبيعي: أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التعب ولم يدرك إلا باحتمال النصب كان للعلم بذلك من أمره ما يدعو الناس إلى تعظيم شأنه وتفخيم أمره - مثل ما يكون لمباشرة الجهد فيه، وملاقاة الكرب دونه: \"وإذا عثرت يالهوينا على كنز من الذهب لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كد الطالب، وحمل المتاعب، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من الجود تتحكم عليك، ومحبة للثناء تستخرج النفيس من يذيك، كان من أقوى حجج الصنن الذي يخامر الإنسان أن تقول (أن لم يكدني فقد كد غيري)، كما يقول الوارث للمال المجموع: عفواً إذا ليم على بخله به، وفرط شحه عليه: إن لم يكن كسبي وكدي، فهو كسب والدي وجدي، ولئن لم الق فيه عناء، فلقد عاني سلفي فيه الشدائد - ولقوا في جمعه الأمرين، أفاضيع ثمروه وافرق ما جمعوه، وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمال في بنائه.","footnotes":"(١) أسرار البلاغة صـ ١١٤، صـ ١١٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586211,"book_id":8509,"shamela_page_id":137,"part":"1","page_num":134,"sequence_num":137,"body":"والمبيد لما قصرت الهمم على أنمائه؟ \"\r\rالتمثيل على حد الاستعارة\rلم تكن \"نظرية البيان\" في فكر عبد القاهر الجرجاني قد نضجت وهو يؤلف كتابه (أسرار البلاغة) لأنه صنفه وهو في مقتبل العمر ومستهل حياته البلاغية، ولكنها كانت قد اكتملت في ذهنه، ونضجت في فكره وهو يؤلف كتابه \"دلائل الإعجاز\" لأنه صنفه - على ما هو الأرجح - في أخريات حياته (١).\rوالدليل على هذا: أن موضوعات البيان في \"الأسرار\" - وهي التشبيه والتمثيل (أي التشبيه التمثيلي) والاستعارة، والمجاز المرسل - لم تشتمل على أساسين هامين لهذه النظرية التي تجدها في \"الدلائل\"، وهما: الكناية، والتمثيل - على حد الاستعارة - فقد كان البيان - أذن - في أسرار البلاغة نظرية لم تنضح ولم تكتمل، لأنها لم تتعد أن تكون رؤية قاصرة سلطت على موضوعات من البيان - هي التي أسلفنا هالك - ولكن هذه الروية لم تتسع لتشمل - الكناية، والتمثيل على حد الاستعارة - على حد تعبير عبد القاهر، أو الاستعارة التمثيلية - على حد تعبير المتأخرين (٢).","footnotes":"(١) مراحل البحث البلاغي صـ ١٥٦، صـ ١٥٨.\r(٢) نظرية البيان للمؤلف صـ ٧١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586212,"book_id":8509,"shamela_page_id":138,"part":"1","page_num":135,"sequence_num":138,"body":"والسر في هذا: أن نظرية البيان قد استقاها من تعريف قدامه في كتابه \"نقد الشعر\" - لكل من الارداف (أي الكتابية) والتمثيل فقد عرف قدامه الأرداف (أي الكناية) بأنه: (أن يردي الشاعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى - بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له).\rوأردف قدامه هذا التعريف بتعريف التمثيل بأنه \"أن يريد الشاعر إثبات معنى، فيضع كلاماً على معنى آخر، وذلك المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه).\rورأي عبد القاهر الجرجاني هذين التعريفين للارداف والتمثيل في كتاب نقد الشعر لقدامه، فأدارهما في ذهنه - ولكنه لم يترضى التسمية للكناية بأنها (الأرداف) - ووجد من التعريفين: أن طريق الدلالة فيهما واحد وهو: أن تعبر عن معنى وأنت تقصد بهذا المعنى معنى آخر، ومن هنا صاغ نظريته في البيان - والتي تجدها في الدلائل ولخصها في قوله (المعنى - ومعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى: أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر).\rوتلك النظرية هي المدخل الحقيقي إلى \"علم البيان\" ذلك المدخل الذي قال فيه (الكلام على ضربين: ضربت أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلاً بالخروج على الحقيقة، فقلت خرج زيد، وبالانطلاق عن عمرو فقتل: عمرو منطلق، وعلى هذا القياس، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586213,"book_id":8509,"shamela_page_id":139,"part":"1","page_num":136,"sequence_num":139,"body":"ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية، والاستعارة، والتمثيل) وقد ذكر قبل ذلك في الدلائل أن التمثيل إنما يكون مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة.\rعلى أن نظرية البيان - في فكر عبد القاهر الجرجاني - مرت بمراحل ثلاث (١) حتى اكتملت ووضحت وتبينت معالمها في ذهنه:\rفالمرحلة الأولى: هي المرحلة التي بدأ فيها عبد القاهر يكبت في موضوعات \"البيان\" التي رأي السابقين يكتبون فيها وهي \"التشبيه والتمثيل والمجاز بقسميه: اللغوي والعقلي، وإذ قال - في مقدمة أسرار البلاغة \"وأول ذلك وأولاه، وأحقه بأن يستوفيه النظر ويقتصاه: القول على التشبيه، والتمثيل (التشبيه التمثيلي) والاستعارة فإن هذه أصول \"كثيرة\" كأن جل محاسن الكلام - إن لم تقل كلها - متفرعة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرفاتها، وأقطار تحيط بها من جهاتها\".\rوقد قصد بالتمثيل هنا: التشبيه التمثيلي، لأنه مثل له بقول النابغة:\rفأنك كالليل الذي هو مدركي \"حتى أنه عندما مر بقولهم\": ما زال يفتل منه في الذروة والغارب \"أشار إلى أنه مثل، ولم ينتبه إلى أنه تمثيل -على حد الاستعارة - كما تنبه بعد ذلك في دلائل الإعجاز،","footnotes":"(١) نظرية البيان صـ ٥٢ إلى صـ ٥٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586214,"book_id":8509,"shamela_page_id":140,"part":"1","page_num":137,"sequence_num":140,"body":"وأمر طبيعي أن يبدأ العالم حياته بالتأليف فيما كان دائراً بين العلماء السابقين من مسائل ولكن عبد القاهر - في هذه المرحلة التي كان يكتب فيها (أسرار البلاغة) - لم يكن قد أطلع على كتاب \"نقد الشعر\" لقدامه لأنك لا تجد (في أسرار البلاغة) أثراً للكناية، ولا للتمثيل = على حد الاستعارة - وهما اللتان الهمتا عبد القاهر نظرية البيان - وهو يكتب الدلائل - كما أسلفنا لك -\r\rوالمرحلة الثانية: هي المرحلة التي أستلهم فيها عبد القاهر - وهو يكتب دلائل الإعجاز - \"نظرية البيان\" من كتاب \"نقد الشعر\" لقدامه، والتي وجد فيها أن الكناية، والتمثيل -على حد الاستعارة بل والاستعارة يمكن أن تدخل في إطار واحد هو (أن يطلق اللفظ ويراد به غير ظاهره) مع ما لهذه الأمور الثلاثة من فروع قد لا تحصى عدداً، فعقد في الدلائل فصلاً بهذا العنوان:\r\rوالمرحلة الثالثة: هي المرحلة التي وضحت لديه فيها ملامح النظرية كاملة، مميزة عن غيرها من موضوعات فأطلق فيها القول أطلاق القوانين العامة التي تميز البيان من غيره، ووجد المدخل الحقيقي إلى علم البيان كما أسلفنا لك.\rهذا هو الأصل الذي يجب أن تبنى عليه فهمك لمسائل البيان في فكر عبد القاهر الجرجاني من خلال كتابيه \"أسرار البلاغة\" ودلائل الإعجاز.\rفإذا ما وقعته أمام نظريك فإن في استطاعتك أن تفهم ما يعنيا عبد القاهر من مواءمات البيات في الكتابين كما أنه في استطاعتك -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586215,"book_id":8509,"shamela_page_id":141,"part":"1","page_num":138,"sequence_num":141,"body":"حينئذ - أن تنظر النظرة السليمة إلى تراقه، ومن خلال هذه النظرة تجد الرؤية واضحة جلية، لا تحتاج معها إلى محاولة تأويل ما قد يتعارض من أقواله تأويلاً لم يخطر لعبد القاهر الجرجاني على بال، وهذه النظرية السليمة هي التي أوصد المتأخرون دونها الأبواب، وأغمضوا العيون، وأصموا الآذان، وعكفوا على مسائل البلاغة من خلال الكتابين، دون مراعاة لطبيعة المرحلة التي كان يكتب فيها عبد القاهر كلا من الكتابين، ودونك بعضاً من هذه الأمثلة التي تطور فهم عبد القاهر لها، وهو يكتب الدلائل، بعد أن كانت رؤيتها غائمة أمام ناظريه، وهو يكتب \"الأسرار\" وبخاصة ما يتصل منها بالتمثيل -على حد الاستعارة -:\rيقول عبد القاهر الجرجاني: (أعلم أن الشبه إذا انتزع من الوصف، لم يخل من وجهين:\rاحدهما: أن يكون لأمر يرجع إلى نفسه، والآخر أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه: فالأول: ما مضى في نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة وذلك أن وجه الشبه هناك، أن كل واحد منهما: يوجب في النفس لذة وحالة محمودة ويصادف منها قبولاً، وهذا حكم واجب\" \"للحلاوة من حيث هي حلاوة\" أو للعسل من حيث هو عسل\".\rوأما الثاني - وهو ما ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه: فمثاله أن يتعدى الفعل شيء مخصوص يكون له من أجله حكم خاص، نحو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586216,"book_id":8509,"shamela_page_id":142,"part":"1","page_num":139,"sequence_num":142,"body":"كونه واقعاً في موقعه وعلى الصواب، أو واقعاً غير موقعه، كقولهم \"هو كالقابض على الماء، والراقم في الماء\" فالشبه هنا منتزع مما بين القبض والماء، وليس بمنتزع من القبض نفسه، وذلك أن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيهان فإذا كان الشيء مما لا يتماسك ففعلك القبض في اليد لغو، وكذلك القصد في الرقم، أن يبقي أثر في الشيء، وإذا فعلته فيما لا يقبله كان فعلك كلا فعلك، وكذلك قولهم (يضرب في حديد بارد)، (وينفخ في غير فحم) (١).\rثم قال: \"ومن هذا الباب، قولهم (أخذ القوس باربها)، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذ في موقعه ووجوده من أهلهن فلست تشبه من حيث الأخذ نفسه وجنسه، ولكن من حيث الحكم الحاصل له بوقوعه من باري القوس على القوس، وكذلك قولهم (ما زال يفتل منه في الذروة والغارب) الشبه مأخوذ مما بين القتل وما تعدي إليه من الذروة والغارب ول وأفردته لم تجد شبهاً بينه وبين ما يضرب هذا الكلام مثلاً له، لأنه يضرب في الفعل أو القول، يعرف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة وعن الآباء عليك في مرادك إلى مرافقتك والمصير إلى ما تريد منه، وهذا لا يوجد في الفتل من حيث هو فتل\" وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشعر من ذروة البعير وغاربه\" (٢).","footnotes":"(١) أسرار البلاغة (مطبعة الاستقامة) صـ ١١٦، صـ ١١٧.\r(٢) أسرار البلاغة (مطبعة الاستقامة) صـ ١١٩، صـ ١٢٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586217,"book_id":8509,"shamela_page_id":143,"part":"1","page_num":140,"sequence_num":143,"body":"ثم قال أيضاً: ومن الواضح في كون الشبه معلقاً بمجموع الجملتين\" حتى لا يقع في الوهم تميز أحداهما عن الأخرى قوله \"بلغني أنك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام\" وذلك أن المقصود من هذا الكلام التردد بين الأمرين وترجيح الرأي فيهما ولا يتصور التردد والترجيح في الشيء الواحد فلو جهدت وهمك أن تتصور لقولك \"تقدم رجلاً\" معنى وفائدة ما لم تقل \"وتؤخر أخرى\" أو تنوه في قلبك كلفت نفسك شططاً\" وذكر أبو أحمد العسكري: أن هذا النحو من الكلام يسمى (المماثلة).\r(١) التمثيل في الأسرار (تشبيه تمثيلي): وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل والتمثيل وليس الأمر كذلك، كيف وأنت تقول \"مثلك مثل من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى\" ووزان: هذا أنك تقول: (زيد الأسد) فيكون تشبيهاً على الحقيقة، وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه، ومثله أنك تقول: (أنت ترقم في الماء) (وتضرب في حديد بارد) و (تنفخ في غير فحم) فلا تذكر ما يدل صريحاً على أنك تشبه، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك: أنت كمن يرقم في الماء وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم، وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في صفة اسمه أو صلته\" (١).\rتلك خمسة أمثلة، أو قل أنها خمسة أمثال من الأمثال التي جعلها عبد القاهر الجرجاني من باب التمثيل - على حد تعبيره - أو التشبيه التمثيلي - على حد قول المتأخرين، ولم يتنبه إلى أنها جميعاً","footnotes":"(١) أسرار البلاغة (مطبعة الاستقامة) صـ ١٢٦، صـ ١٢٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586218,"book_id":8509,"shamela_page_id":144,"part":"1","page_num":141,"sequence_num":144,"body":"من باب التمثيل - على حد الاستعارة - على حد تعبيره في الدلائل - أو الاستعارة التمثيلية - على حد تعبير المتأخرين،\rوأول هذه الأمثلة: أو الأمثال: قولهم (يضرب في حديد بارد) وهو مثل يضرب لمن يطمع في غير مطمع، كما قال الشاعر:\rوإذا تألفت القلوب على الهوى ... فالناس تضرب في حديد بارد\r\rويضرب كذلك لمن يطلب الحاجة من غير أهلها، كما قال الشاعر:\rيا خادع البخلاء ممن أموالهم ... هيهات تضرب في حديد بارد\r\rوثانيها: قولهم: (هو ينفخ في غير فحم)، وهو مثل يضرب كذلك - لمن يعمل في غير فائدة، كما قال الأغلب المجلي:\rهل غير غارٍ هذا غاراً فانهدم قد قاتلوا لو ينفخون في فحم\rوصبروا الو صبروا على ألم\rيعني أن قتلاهم لا يغني شيئاً\r\rوثالثها: قولهم (أخذ القوس باربها) وهو مثل يضرب لا عطاء الفعل إلى من يتقنه.\r\rورابعاً: قولهم: (وما زال يفتل منه في الذروة والغارب) وفي حديث الزبير (سأل عائشة الخروج إلى البصرة، فأبت عليه، فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته) والذروة أعلى سنام البعير والكاهل من ذي الخف - وهو ما بين السنام والعنق - والمراد أنه أراد أزالتها عن رأيها كما يفعل بالجمل النفور إذا ما أريد تأنيسه وأزاله نفاره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586219,"book_id":8509,"shamela_page_id":145,"part":"1","page_num":142,"sequence_num":145,"body":"وخامسها: (بلغني أنك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام).\rقال الجاحظ: في البيان والتبيين: لما بايع الناس يزيد بن الوليد وأتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكو والتحبس، كتب: بسم الله الرحمن الرحيم): من عبد الله أميراً المؤمنين يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، أما بعد: فإني أراك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، وهو مثل يضرب لمن يتردد في أمره.\rولو أقتصر الأمر على إيراده أمثله للتمثيل مطلقاً، سواء أكان تشبيهاً تمثيلياً أو استعارة تمثيلية - على حد تعبير المتأخرين - لكان في أماكننا أن نجد مبرراً لهذا، بأن نقول: أنه باب التوسع في إيراد الأنماط البلاغية المتقاربة في المفهوم، ولكن عبد القاهر نفسه يؤكد لك رأيه في أنها جميعها من التشبيه محذوف الوجه والأداة بقوله: \"وذكر أبوه أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمى المماثلة وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل والتميل، وليس الأمر كذلك كيف؟ وأنت تقول: \"مثلك مثل من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى\"؟ ووازن هذا: أنك تقول: \"زيد الأسط\" فيكون تشبيهاً على الحقيقة وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه، ومثله: أنك تقول: أنت ترقم في الماء، وتضرب في حديد بارد، وتنفخ في غير فحم، فلا تذكر ما يدل صريحاً على أنك تشبه، لكنك تعلم أن المعنى على قول: أنت كمن يرقم في الماء، وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586220,"book_id":8509,"shamela_page_id":146,"part":"1","page_num":143,"sequence_num":146,"body":"صفة اسمه أو صلته\" (١).\rفعبد القاهر الجرجاني يرد على أبي أحمد العسكري في زعمه أن هذا النحو من الكلام (يعني المثل) يسمى: ((الماثلة)) بأن هذه التسمية، توهم أنه غير المراد بالمثل والتمثيل، ثم يشمر عن ساعد الجد في دفع أن يكون هذا النحو من الكلام، غير المثل والتمثيل، وذلك بمحاولة إثبات من باب التشبيه الذي حذفت منه الأداة ووجه الشبه تماماً كما في قولك \"زيد الأسد\".\rويبدو أن أباً أحمد العسكري قد ذكر المماثلة ضمن مصطلحاً لفنون البديع التي أوردها في رسالته (صناعة الشعر).\rولئن كانت هذه الرسالة لم تصل إلينا، فإن أباً هلال العسكري فقد ذكر المماثلة ضمن ما نقله عن خاله أبي أحمد العسكري، كما أن الباقلاني قد ذكرها - أيضاً - ضمن ما ذكره من فنون البديع - على هدي من تلك الرسالة - لأنه ذكر صراحة من بعضها أنه ينقل عن أبي أحمد، ونحن لا نستطيع أن ونعرف حكم أبي أحمد على (المماثلة) من حيث هي من قبيل الاستعارة أو من غيرها، لأن الباقلاني الذي ذكرها ضمن فنون البديع -على هدي من رسالة أبي أحمد - يقول: \"من البديع: المماثلة وهي ضرب من الاستعارة، وذلك أن تقصد الإشارة إلى معنى، فيضع القائل ألفاظاً تدل عليه، وذلك أن المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصدت الإشارة إليه، ونظيره من المنثور أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته فكتب إليه","footnotes":"(١) إعجاز القرآن للباقلاني صـ ٤١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586221,"book_id":8509,"shamela_page_id":147,"part":"1","page_num":144,"sequence_num":147,"body":"((أما بعد فإني أراد تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فاعتقد على أيهما شئت)) وكنحو ما كتب به الحجاج إلى المهلب: ((فإن فعلت ذاك وإلا أشرعت إليك الرمح)) فأجابه المهلب لا (فإن أشرع الأمير الرمح، قلبت إليه ظهر المجن .. ) ومن هذا الباب في القرآن ((وثيابك فطهر)) قال الأصمعي ((أراد البدن)). بينما نجد أبا هلال العسكري - في الصناعتين - يقول \"وقال قدامه: من أمثله هذا الباب: قول الشاعر:\rأوردنهم صدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور\r\rقال: قد أشار إلى الفجر إشارة ظريفة بغير لفظه وليس في هذا البيت إشارة إلى الفجر، بل قد صرح بذكر الصبح، وقال هو منحور بالكوكب الدري، أي صار في نحره، قم قال أبو هلال: ووضع هذا البيت في باب الاستعارة أولى منه في باب المماثلة (١).\rفالباقلاني الذي اهتدى برسالة أبي أحمد، يذكر أن المماثلة ضرب من الاستعارة -كما رأيت وأبو الهلال العسكري الذي لا بد أن يكون قد أطلع على رسالة حاله، لأنه نقل منها فنوناً من البديع (٢) يشير إلى أن الاستعارة غير المماثلة.\rولهذا فإننا نرجح ألا يكون أبو أحمد قد صرح بأن المماثلة تغاير الاستعارة أو توافقها.","footnotes":"(١) الصناعتين صـ ٣٤٤، صـ ٣٤٥ (مطبعة محمد علي صبيح).\r(٢) أنظر البلاغة تطور وتاريخ صـ ١٤٤ وأنظر الصناعتين صـ ٣٩١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586222,"book_id":8509,"shamela_page_id":148,"part":"1","page_num":145,"sequence_num":148,"body":"لأنه لو كان قد صرح بأي من الأمرين لما اختلف الناقلان عنه في فهمها لطبيعة المماثلة، ولما حاول عبد القاهر في رده على أبي أحمد أن يثبت أنها مبنية على التشبيه، لأن الاستعارة مبنية عليه - أيضاً - وإذا ما تذكرت الأصل الذي أسلفناه لك، وهو أن عبد القاهر الجرجاني قد تطور بنظرية البيان في كتابه (دلائل الإعجاز) لأن طبيعة المرحلة التي ألف فيها ((أسرار البلاغة)) كانت مغايرة لطبيعة المرحلة التي ألف فيها \"دلائل الإعجاز\"، لعلمت أن عبد القاهر قد صحح مفهومه عن الأمثال التي حاول في \"الأسرار\" أن يجعلها تشبيهاً محذوف الوجه والادادة\".\r\rوغذا ما تتبعت دراسته لهذا النحو من الكلام (يعني الأمثال) لرأيته - بعد أن ميز التشبيه البليغ من الاستعارة يسلكه في عقد الاستعارة بل أنه ليذكر نفس الأمثال التي ذكرت في الأسرا.\rوإليك أولاً: ما قاله في التفريق بين التشبيه البليغ والاستعارة \"وههنا يصل يجب ضبطه: وهو أن جعل المشبه به على ضربين:\rاحدهما: أن تنزله منزله الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين، ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك: رأيت أسداً.\rوالثاني أن تجعل ذلك كالآمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تجري اسم المشبه به صراحة على المشبه، فتقول \"زيد أسد\" وزيد هو الأسد، أو تجيء على وجه يرجع إلى هذا كقولك أن لقتيه لقيت به أسداً، وأن لقيته ليلقينك منه الأسد، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسداً، أو كونه الأسد وتضع كلامك له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586223,"book_id":8509,"shamela_page_id":149,"part":"1","page_num":146,"sequence_num":149,"body":"وأما في الأول: فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير والقياس يقتضى أن يقال في هذا الضرب - أعني ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته -أنه تشبيه - على حد المبالغة - ويقتصر على هذا القدر، ولا يسمى استعارة (١).\r(٢) (التمثيل في الدلائل) استعارة تمثيلية:\rثم أنظر كيف صحح عبد القاهر مفهومه عن الأمثال، وكيف أنه يسلكها، في عقد الاستعارة: فيقول: \"وأما التمثيل الذي يكون مجازاً لمجيئك به -على حد الاستعارة فمثاله قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: (أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى) فالأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ًويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: رأيت أسداً: (رأيت رجلاً كالأسد) ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة.\rوكذلك تقول للرجل يعمل غير معمل (أراد تنفخ في غير فحم) و (تخط على الماء) فتجعله في ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على أنك في فعلك كمن يفعل ذلك.\rوتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ويمتنع منه: (ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد) فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٤٥، صـ ٤٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586224,"book_id":8509,"shamela_page_id":150,"part":"1","page_num":147,"sequence_num":150,"body":"أنه لم يزل يرفق صاحبه رفقاً يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويقتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس، وهو في المعنى نظير قولهم - (فلان يقود فلاناً).\rيعني به: أنه يتلطف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك فيسكن ويثبت في مكانه، حتى يتمكن من أخذه.\rوهذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه التمثيل، ثم لم يفصحوا به وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثلاً (١).","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٤٦، صـ ٤٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586225,"book_id":8509,"shamela_page_id":151,"part":"1","page_num":148,"sequence_num":151,"body":"((الفصل الرابع))\r(قضية البديع)\r١) كلمة (البديع) وتطورها حتى عبد القاهر الجرجاني.\r٢) منزلة البديع من البلاغة.\rأ - البديع في نظر عبد القاهر.\rب - البديع في نظر الخطيب.\r٣) تقسيم محسنات البديع إلى معنوية، ولفظيه:\rأ - من المحسنات المعنوية: (الطباق وأقسامه وبلاغته - مراعاة النظير وبلاغتها - الأرصاد وبلاغته - المشاكلة وبلاغتها المزاوجة وبلاغتها - العكس وبلاغته - التورية وبلاغتها حسن التعليل وبلاغته - تأكيد المدح بما يشبه الذم وبلاغته - تأكيد الذم بما يشبه المدح وبلاغته - مواضع التأنق في الكلام).\rب - ومن المحسنات اللفظية: (الجناس وأقسامه وفروعه وبلاغته - السجع وأقسامه وفروعه وبلاغته).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586226,"book_id":8509,"shamela_page_id":152,"part":"1","page_num":149,"sequence_num":152,"body":"((البديع))\rقال صاحب اللسان: بدع الشيء يبدعه بدعاً بدعاً وابتدعه: أنشأه وبدأه .. والبدعة: الحدث وما ابتدع من الدفن بعد الإكمال، وقال أبو عدنان: المبتدع: الذي يأتي أمراً على شبه لم يكن ابتدأه إياه، وفلان بدع في هذا الأمر: أي أول، لم يسبقه أحد، ويقال: ما هو مني ببدع، وبديع، قال الاحوص:\rفخرت، فانتمت، فقلت: انظريني ... ليس جهل أتيته ببديع\r\rوالبديع: الحدث العجيب، والبديع: المبدع، وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال، والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وأحداثه إياها، والله تعالى - كما قال سبحانه - \"بديع السموات والأرض\".\rلا يقدر الحمس على جبابه إلا بطول السير وانجذابه\rوترك ما أبدع من ركابه\rوفي الحديث: أرجلاً أتى النبي ﷺ)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586227,"book_id":8509,"shamela_page_id":153,"part":"1","page_num":150,"sequence_num":153,"body":"فقال: يا رسول الله: إني أبدع بي فاحملني، أي انقطع بي لكلال راحلتي .. كأنه قد جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليها من عادة السير إبداعاً، أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها\" (١).\rوبعد: فقد رأيت أن كلمة البديع في اللغة العربية قد دارت حول معنى واحد هو: الجديد والمحدث، والمخترع.\rومن هنا تستطيع أن تعرف سر تسمية هذا العلم الذي عرفه المتأخرون بأنه علم \"يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رماية تطبيقه على مقتضى الحال، ووضوح الدلالة على المعنى المراد (٢).\rكما أنه يمكنك أيضاً - أن تضع يديك على نقطة البداية التي منها عرف \"البديع\" طريقه إلى أن يكون موضع قبول واستحسان، أو رد واسترذال حتى صنفت في فنونه كتب الأدب والنقد، ومن بعدها كتب البلاغة فحسب، حتى صار علماً إله خصائصه ومميزاته:\rولم يكن هذا المصطلح معروفاً في العصر الجاهلي، أو في صدر الإسلام، وإنما كان وليد فترة أغرم فيها المحدثون بتتبع فنون البديع في الشعر العربي والنسج على منوالها، فأكثروا من هذه الفنون في أشعارهم حتى سموها باسم (البديع)، وذلك في القرنين الثاني والثالث الهجريين.","footnotes":"(١) لسان العرب: مادة (بدع).\r(٢) الإيضاح للخطيب القزويني صـ ٢٤٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586228,"book_id":8509,"shamela_page_id":154,"part":"1","page_num":151,"sequence_num":154,"body":"وكان إكثار الشعراء في هذه الفترة من ألوان البديع، وتفننهم في تزيين أشعارهم بها مدعاة لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أن يقول: \"والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأريت على كل لسان (١) \".\rعلى أن العرب لم تكن تفاضل بين الشعراء على أساس من (البديع) وإنما كانت تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن - كما يقول القاضي الجرجاني - بشرف المعنى وصحته - وجزالة اللفظ واستقامته.\rوتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغرز، ولمن كثرت سوائر أمثاله، وشوارد أبياته ولم تكن تعبأ بالتجنيس، والمطابقة ولا تحفل بالإبداع (الإتيان بالبديع) والاستعارة، إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض، وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها، ويتفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمد وقصد، فلما أفضى الشعر إلى المحدثين، ورأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميزها عن أخواتها، في الرشاقة واللطف، تكلفوا الاحتذاء عليها، فسموه البديع، فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومتقصد ومشرط (٢).\rوعبارة القاضي الجرجاني هذه، على جانب كبير من الأهمية في مجال التاريخ للبديع، فقد ربطت بين المعنى اللغوي الذي أوردناه لكلمة","footnotes":"(١) البيان والتبين جـ ٤، صـ ٥٥.\r(٢) الوساطة صـ ٣٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586229,"book_id":8509,"shamela_page_id":155,"part":"1","page_num":152,"sequence_num":155,"body":"(البديع)، وهو الجديد والمحدث والمخترع، وبين المعنى الذي قصده العلماء الذين كان لهم قصب السبق في التأليف في ميدانه.\rفلم تكن العرب تعرف هذه التسمية لوجوه تحسين الكلام، لا في العصر الجاهلي، ولا في عصر صدر الإسلام، بل أنها لم تكن تحفل بالبديع ولا تهتم به، لأن أساس المفاضلة بين الشعراء لم يكن باستعمال البديع وإنما كان بحسن الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، وغزارة البديهة، وكثرة الأمثال السائرة، ولكن المحدثين من أمثال بشار بن برد، ومسلم بن الوليد، وأبي نواس هم الذين جروا وراء الأبيات التي كانت تحمل ألواناً من ألوان البديع، وتكلفوا شعراً على منوالها، وسموه بهذا الاسم.\rوفي النصف الثاني من القرن الثالث الهجري: عنيت طائفة المتفلسفة بشؤون البلاغة، متأثرة بكثرة ما نقل عن اليونان من فلسفة، مما جعل الكثيرين منهم يتخذون معايير البلاغة اليونانية أساساً في تقويم الشعر العربي، ولكن البحتري قد جأر بالشكور منهم قائلاً:\rكلفتمونا حدود منطقكم ... والشعر يغني عن صدقه كذبه\rلم يكن ذو القروح يلهج بالمنطق، ما نوعه، وما سببه!\rوناصر البحتري أصحاب البلاغة العربية الخالصة، ومضى يقول الشعر متبعاً خطى الأقدمين، ومتأثر في الوقت نفسه - بطريقة أبي تمام، وهي الطريقة التي كانت تحفى بمحسنات البديع، والفلسفة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586230,"book_id":8509,"shamela_page_id":156,"part":"1","page_num":153,"sequence_num":156,"body":"والفكر العميق، ولكنه لم يستسغ إغراق الشعر في الفلسفة، أو التعمق في استخراج المعاني، كما كان يصنع أبو تمام، ولم يكن كذلك يكثر من استخدام البديع كما كان يكثر أبو تمام.\rوبهذا ظهر البحتري ممثلاً لمذهب القدماء في الشعر، كما ظهر أبو تمام ممثلاً لمذهب المجددين فيه.\rوقد تعرض أبو تمام لحملات عنيفة من اللغويين المحافظين، وأصحاب البلاغة العربية الخالصة.\rوها هو عبد الله بن المعتز يتجرد - في سنة ٢٧٤ هـ - للدفاع عن اللغويين، والرد على المتفلسفة، بتأليف كتابه: (البديع) معلناً غايته منذ السطور الأولى من كتابه، وهي: أن يثبت للمحدثين ممن يجرون وراء الفلسفة، ويتكلفون استخدام البديع، أنهم لم يخترعوا البديع الذين يلهجون به، فيقول: \"قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة، وأحاديث الرسول ﷺ وسلم - وكلام الصحابة، والإعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين، ، من الكلام الذي سماه المحدثون (البديع) ليعلم أن بشاراً، ومسلماً، وأبا نواس، ومن تقيلهم، وسلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفن ولكن كنز في أشعارهم، فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه، ثم أن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه، وتفرغ عليه، وأكثر بنيه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586231,"book_id":8509,"shamela_page_id":157,"part":"1","page_num":154,"sequence_num":157,"body":"وتلك عقبى الإفراط، ونمرة الإسراف، وإنما كان يقول الشاعر في هذا الفن: البيت أو البيتين في القصيدة، وربما قرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت \"بديع\"، وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى نادراً، ويزداد خطوة بين الكلام المرسل (١).\rوعلى هذا فإن أول من وضع هذا الاسم المحسنات الكلام إنما هو عبد الله بن المعتز، بتصنيفه كتاب (البديع)، وهو - وإن لم يقصد بهذه التسمية ما قصده المتأخرون من البلاغيين -كالخطيب القزويني - إذا جعلها شاملة للجديد والمخترع -إلا أنه جعل أنواع البديع خمسة، وهي: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، ورد الإعجاز على ما تقدمها، والمذهب الكلامي ثم أتبعها بذكر بعض محاسن الكلام والشعر، فعد منها ثلاثة عشر نوعاً.\rعلى أن عبد الله بن المعتز -وإن لم يكن مقصده من كتابه هو وضع المعيار الحقيقي للشاعر في نظمه، أو الأديب في نثره، بل كان مقصده، هو الرد على من يلهجون باستخدام البديع أنه أصيل في اللغة العربية - إلا أنه كان شاعراً حساساً، يعرف ما الفنون البديع من أثر في نفوس السامعين، ولكنه -في الوقت نفسه - كان يعيب الإكثار منها، والإفراط في تتبعها، ويفهم من هذا: أن معيار الجودة عنده: إنما هو بحسن موقع هذه الألوان البديعية موقعها من الكلام، وإنما","footnotes":"(١) البديع لعبد الله بن المعترض (١) طبعة كراتشوفسكي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586232,"book_id":8509,"shamela_page_id":158,"part":"1","page_num":155,"sequence_num":158,"body":"يكون ذلك إذا جاءت مناسبة لمكانها من الجملة أو البيت، دون عمد أو قصد من الأديب أو الشاعر.\rوإنما كان أصحاب البلاغة العربية الخالصة قد وجدوا في عبد الله بن المعتز مدافعاً عن مذهبهم وطريقتهم، فلقد وجد المتفلسفة ممن يجرون وراء معايير البلاغة اليونانية في قدامه بين جعفر المتوفي سنة ٣٣٧ هـ مؤيدا لذهبهم ومدافعاً عن طريقتهم: فقد تجرد هو الآخر لتأليف كتابه \"نقد الشعر\" مبيناً في أول صفحة من كتابه: أنه لم يجد أحداً وضع في نقد الشعر، وتخليص جيده من رديئة كتاباً، وأنه قد وجد الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، وقليلاً ما يصيبون وكأنه بهذا يقول: أن نقد الشعر علم لم يستطع فهمه أحد من قبله، لأنه لا يكفي -في نقد الشعر - أن تورد ألواناً من فنون البديع، مستدلاً على وجودها في الشعر الجاهلي والإسلامي، والقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة وكلام الصحابة، وإنما النقد الحقيقي للشعر هو: أن تميز جيده من رديئة.\rولهذا فإنه قد ذكر هدفه من تأليف كتابه، وهو: ذكر أسباب الجودة وأحوالها، ليكون ما يوجد من الشعر قد اجتمعت فيه الأوصاف المجمودة كلها، وخلا من الخلا المذمومة بأسرها، يسمى شعراً في غاية الجودة، ربما يوجد بضد هذه الحال يسمى شعراً في غاية الرداءة، وما يجتمع فيه من المحاليين أسباب ينزل له اسم بحسب قرية من الجيد ومن الرديء، أو وقوفه في الوسط الذي يقال لما كان فيه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586233,"book_id":8509,"shamela_page_id":159,"part":"1","page_num":156,"sequence_num":159,"body":"صالح، أو متوسط، أو لا جيد، ولا رديء (١).\rوفي القرن الرابع الهجري نجد عصر الموازنة بين الشعراء، والتوسط بينهم وبين خصومهم، ومن الكتب التي اهتمت بالبديع في ذلك الفترة: كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفي سنة ٣٩٢ هـ، وقد سرد القاضي الجرجاني في هذا الكتاب ألوان البديع التي كانت دائرة حتى عصره، وهي: التجنيس، والمطابقة، وجمع الأوصاف، والتقفيه، والترصيع.\rغير أن القاضي الجرجاني لم يورد هذه الألوان البديعية لأنه يجعلها من معاييره البلاغية والنقدية في وساطته بين المتنبي وخصومه، وإنما أوردها ليبين أنها من ألوان الصنعة التي أُغرم بها المحدثون، كأبي تمام -فأكثروا منها، فباعدت بينهم وبين طبعهم، فلم يسترسلوا له.\rذلك بأنه - في وساطته - لا يؤلف كتاباً في البديع، فذلك له مجال آخر وتعهد به القاضي الجرجاني، ولا ندري: أو في بعهده أم لا؟ ، فقد قال - بعد أن أورد هذه الفنون -: \"ولنا في استيفاء هذا الكلام وتحديد هذه إلا ضرب قول \"سنفرد له كتاباً يحتمل استعصاؤه فيه \"وإنما ذكر ما ذكر من ألوان البديع توطئه لما يذكره على","footnotes":"(١) نقد الشعر لقدامه ص ١٦، ص ١٧ (طبعة الخانجي).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586234,"book_id":8509,"shamela_page_id":160,"part":"1","page_num":157,"sequence_num":160,"body":"أثره وتدريجاً إلى ما بعده ليكون كالشاهد المقبول قوله، وبمنزلة المسلم أمره.\rوالدليل على أن القاضي الجرجاني لم يكن يعجب بألوان البديع إعجابه بالاسترسال للطبع: أنه قارن بين أبيات في الغزل لأبي تمام، قد ملأها بألوان البديع والصنعة، من طباق وجناس، واستعارة، وبين أبيات لإعرابي قد استرسل لطبعه، وجرى على سجيته، فلم يحفل بإبداع أو صنعه، ففضل قول الإعرابي على قول أبي تمام.\rعلى أننا نجد بعض الأدباء في القرن الخامس الهجري ينصرف إلى تقنين البلاغة وتفريع ألوان البديع، كأبي هلال العسكري المتوفي سنة ٣١٥ في كتابة: (الصناعتين) وابن رشيق القيرواني المتوفي سنة ٤٦٣ هـ في كتابة و\"العمدة في صناعتا لشغر ونقده\".\rأما أبو هلال فقد استقصى فنون البديع التي سجلها النقاد من قبله: وذكر أن فنون البديع خمسة وثلاثون فناً، وأنه زاد على ما أورده السابقون ستة فنون، والتقى بعبد الله بن المعتز في عشرة فنون هي: الاستعارة، والتطبيق أو الطباق، والتجنيس أو الجناس، والكناية والتعريض، ورد الإعجاز على الصدور، والالتفات، والاعتراض، والرجوع وتجاهل المعارف، والمذهب الكلامي، والتقى بقدامة في اثنى عشر فناً، هي: المقابلة، وصحة التقسمي، وصحة التفسير، والإشارة، والأرداف والتوابع، والغلو، والمبالغة، والعكس والتبديل، والترصيع، والإيغال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586235,"book_id":8509,"shamela_page_id":161,"part":"1","page_num":158,"sequence_num":161,"body":"والتوشيع، والتكسيل، والتقسيم.\rأما الستة التي وضعها فهي: التشطير، والمجاورة، والاستشهاد، والاحتجاج، والمضاعفة، والتطلف، والتطريز.\rوتبقى سبعة فنون لم يذكر لها أصلاً ويبدو أنه نقلها من رسالة خاله أبي أحمد السكري \"صناعة الشعر\"، وتلك الفنون هي السائلة، والتذييل، والاستطراد، وجمع المؤتلف والمختلف، والسلب والإيجاب والاستثناء، والتعطف.\rعلى أن الفنون الستة التي ذكر أنه قد اكتشفها وسماها بأسمائها لم تجد لها مجالاً في ميدان البديع، ومن ثم فإن صنيعه هذا لا يعد اكتشافاً، ولا يرقى إلى درجة الابتكار.\rغير أن التطريز -وهو أن يقع في أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية في الوزن، فيكون فيها كالطراز للثوب كما في قول أحمد بن طاهر:\rإذا أبو قاسم جاءت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر\rوإن اضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النير: الشمس والمقر!\rوإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر!\rمن لم يكن حذراً من حد صولته ... لم يدر المزعجان: الخوف والحذر!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586236,"book_id":8509,"shamela_page_id":162,"part":"1","page_num":159,"sequence_num":162,"body":"فهو ما يمكن أن نجد له مكاناً بين المحسنات البديعية الأخرى (١).\rوأما أصحاب العمدة، فإنه قد تحدث هو الآخر من خلال كتابه عن فنون البديع، وأضاف إليها أربعة، هي:\r\"الاتساع\" و\"الاطراد\"، و\"نفي الشيء بإيجابه\" و\"التفريغ\".\rوهكذا تعددت فنون البديع وتفرعت -قبل عبد القاهر الجرجاني - ولم يكن القصد من تنويعها أو تفريعها في الغالب -هو الحكم على النصوص الأدبية بالجودة أو الرداءة - كما هو الحال عند الامدي والقاضي الجرجاني - وإنما كان الغرض هو إظهار مدى ما للمؤلفين من قدرة على اكتشاف الألوان البديعة المتناثرة بين ثنايا النصوص الأدبية - كما هو الحال عند أبي هلال وابن رشيق -.","footnotes":"(١) البلاغة تطور وتاريخ صـ ١٤٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586237,"book_id":8509,"shamela_page_id":163,"part":"1","page_num":160,"sequence_num":163,"body":"((منزلة البيع من البلاغة))\rعرفت مما أسلفنا لك: أن البديع - في أصل تسميته - لم يكن هو المحسن، وإنما كان الجديد المحدث المخترع، وأنه إنما سمى بذلك لأن الشعراء المجددين أغرسوا بالأبيات التي تحمله، فاتبعوها ونسجوا على منوالها.\rوقد عرفت أيضاً، أن أول من ألت في البديع وهو ابن المعتز قد جمع هذه الفنون التي شملت ما هو محسن في نظر المتأخرين، وما هو من صميم علمي المعاني والبيان كما أن غيره من ألفوا في البلاغة قد جمعوا هذه الفنون على أنها هي البلاغة نفسها، والتي أرجعوا إليها مزية البلاغة -كالرماني - أو ارجعوا إليها مزية البلاغة، والحسن جميعاً كأبي هلال العسكري، وابن رشيق القيرواني.\rولهذا، فإنه ليس بمعقول أن ينحي البديع عن البلاغة -كما فعل الخطيب القزويني، إذا جعله تابعاً لعلمي المعاني والبيان، لا يقصد لذاته، ولا يؤم لنفسه - ولهذا - أيضاً - فإنك سترى عبد القاهر الجرجاني، يضع البديع في موضعه الصحيح من البلاغة، فلا يفرده عنها، ولا يجعل حسنه تابعاً، وإنما يجعل هذا الحسن من صميم العنى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586238,"book_id":8509,"shamela_page_id":164,"part":"1","page_num":161,"sequence_num":164,"body":"نظرة عبد القاهر الجرجاني إلى البديع:\rوضع عبد القاهر الجرجاني (البديع) موضعه الحقيقي من علم البلاغة: فقد جعل بعض فنونه -كالمزاوجة، والتقسيم، والعكس، من النمط الأعلى من النظم، وقد علمت أن النظم هو أساس البلاغة التي تفرعت منهتاً مسائل علم المعاني، وصور البيان، وقيم الجمال البلاغي: المعنوية منها واللفظية - على حد سواء - وقد كانت ألوان البديع حتى عصر عبد القاهر الجرجاني داخلة في إطار علم البيان، من حيث الدراسة والتصنيف، بل أن بعض صور البيان -كالاستعارة والتمثيل - كانت معدودة -من قبله - في فنون البديع.\rعلى أن عبد القاهر الجرجاني لم يكن يجعل البديع علماً مستقلاً، بل أنه لم يكن يجعل فنون البديع إلا صوراً من صور البيان، ندخل في إطار نظرية النظم مثلما تدخل صور البيان، ولهذا فإنه يسلك المزاوجة، والعكس، والتقسيم، والسجع، والاستعارة، والتشبيه في عقد النظم، ويجعلها من النظم الذي يتحد في الوضع، ويدق فيه المصنع، بل أنه ليمتدحه بأنه النمط العالي، والباب الأعظم، والذي لا ترى سلطان المزية يعظم في شيء كعظمة فيه\" (١).","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز ص ٦٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586239,"book_id":8509,"shamela_page_id":165,"part":"1","page_num":162,"sequence_num":165,"body":"ومما هو أصل في أن يدي النظر، وبغض المسلك في توخي المعاني: أن تتحد أجزاء الكلام، ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول، وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعاً واحداً، وأن يكون حالك فيها حال الباني، يضع ببينه في حال ما يضع بيساره هناك، وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين:\rفمن المزاوجة قول البحتري:\rإذا ما نهى الناهي، فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر\rومن العكس قول سليمان بن داود القضاعي:\rفبينا المرء في علياء أهوى ... ومنحط أتيح له اعتلاء\rوبينا نعمة إذ حال بؤس ... وبؤس إذ تعقبه ثراء\r\rومن التمثيل قول كثير عزة:\rوأني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت:\rلكالمرتجي ظل الغمامة، كلما ... تبوأ منها للمقبل اضمحلت\r\rومن التقسيم - وخصوصاً إذا قسمت ثم جمعت - قول حسان بن ثابت:\rقوم غذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشباعهم نفعوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586240,"book_id":8509,"shamela_page_id":166,"part":"1","page_num":163,"sequence_num":166,"body":"سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق -فاعلم - شرها البدع\rومن تشبيه شيئين بشيئين: قول الفردزق:\rوالشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصبح بجانبيه نهار\rعلى أنه من الكلام ما لا يحتاج إلى فكر وروية لينتظم، بل أنه لا يحتاج إلى أكثر من أن تضم بعضه إلى بعض، صنيع من يعمد إلى لآلئ لينظمها في سلك حتى يمنعها من التفرق، كما في قول النابغة في الثناء السجوع: \"أيفا خرك الملك اللخمي\"؟ فوالله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولا خصمك خير من رأسه، ولخطؤك خير من صوابه، ولعيك خير من كلامه، ولخدمك خير من قومه\" (١).\rوهكذا يسلك عبد القاهر الجرجاني فنون البديع في عقد النظم، ولهذا: فإن المزية فيها إنما هي بحسب المعاني التي وضعت لها، والأغراض التي دعت إليها، فليس لسهولة الألفاظ فيها، وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد حتى يكون قد ألف منها كلام، ثم كان ذلك الكلام صحيحاً في نظمه، والغرض الذي أريد به\" (٢).","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٦٧.\r(٢) دلائل الإعجاز صـ ٣٣١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586241,"book_id":8509,"shamela_page_id":167,"part":"1","page_num":164,"sequence_num":167,"body":"ولهذا نعم العلماء من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن يضيم لهما المعنى، ويدخل الخلل عليه من أجلهما، كالذي صنع أبو تمام في قوله:\rذهبت بمذهبه السماحة، والتوت فيه الظنون: أمذهب أم مذهب؟\rفإذا ما نظرت إلى تجنيسه في: (أمذهب أم مذهب؟ ) فاستضعفته، وإلى تجنيس من قال:\rناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أو دعاني\rفاستحسنته، لم تشك بحال في أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللفظ، ولكن: لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأول، وقويت في الثاني، وذلك لأنك رأيت أبا تمام لم يزدك بمذهب ومذهب، على أن أسمعك حروفاً مكرره، لا تجد لها فائدة -وإن وجدت - إلا مكلفاً متحملة، ورأيت الأخر قد أعاد عليك للفظه كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك، وقد أحسن الزيادة ووفاها: ولهذه النكتة كان التجنيس -وخصوصاً المستوفي منه (١).\rفعبد القاهر الجرجاني لا يعتبر فنون البديع علماً مستقلاً، لأنه لم يفردها بالذكر، وإنما يدخلها في باب النمط العالي من النظم الذي","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز صـ ٣٣١، ٣٣٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586242,"book_id":8509,"shamela_page_id":168,"part":"1","page_num":165,"sequence_num":168,"body":"لا تجد سلطان المزية يعظم في شيء كعظمة فيه، ولا يجعل حسنها عرضياً، بل جعله حسناً ذاتياً، لأن الجناس والسجع وغيرهما مما يظن أن الحسن فيه راجع إلى اللفظ، كل ذلك حسنه راجع إلى المعنى، لأنه لا يحسن إلا غذا كان المعنى هو الذي قد طلبه.\rفالبديع عند عبد القاهر الجرجاني إنما هو في أكرم مكان من البلاغة وأرفعه.\r\rالبديع في نظر السكاكي:\rلم يعرض السكاكي لألوان البديع على أنها عدم \"مستفل\" عن علمي كالمعاني والبيان، بل عرض لها على أنها تشارك مسائل العلمين في تزيين الكلام بأبهى الحلل والوصول به إلى أعلى درجات التحسين.\rعلى أنه لم يشر إلى أن هناك فرقاً بين هذه الألوان وبين غيرها من مباحث هذين العلمي، بل أنه ليذكر ضمن هذه الألوان: الالتفات، والإيجاز والأطناب، وينبه القارئ إلى أنها قد سلفت في علم المعاني.\rعلى أن صنيع السكاكي بوضعه فنون البديع في هذا الموضع الذي - أشرنا إليه، له ما يبرره عنده؟\rذلك لأنه عندما عرف علم المعاني بأنه \"تتبع خواص تراكيب الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586243,"book_id":8509,"shamela_page_id":169,"part":"1","page_num":166,"sequence_num":169,"body":"في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره: ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره \"وعرف علم البيان بأنه \"معرفة إيراد المعنى على كلام ما يقتضى الحال ذكره \"وعرف علم البيان بأنه \"معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه، والنقصان ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه \"ثم حصر علم المعاني في مسائلة التي عرض لها وكذلك حصر علم البيان، هذا الحصر بعد هذا التحديد للعلمين جعل هذه المحسنات البديعية لا تندرج ضمن مسائل العلمين، ولما كان تعريفه البلاغة بقوله: \"هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفيه خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه، والمجاز، والكناية على وجهها \"شاملاً لهذه المحسنات جعلها متضافرة مع مسائل العلمين في البلوغ بالكلام إلى أعلى درجات التحسين والتزيين.\rولهذا فإنه بعد أن انتهى من علمي المعاني والبيان قال (١): \"وإذا تقرر أن البلاغة بمرجعيها، وأن الفصاحة بنوعيها مما يكسو الكلام حلة التزيين، وبرقية أعلى درجات التحسين، فها هنا وجوه مخصوصة كثيراً ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام، فلا علينا أن نشير إلى الأعرف منها، وهي قسمان: قسم يرجع إلى المعنى وقسيم يرجع إلى اللفظ\".","footnotes":"(١) مفتاح العلوم للسكاكي ص ٢٠٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586244,"book_id":8509,"shamela_page_id":170,"part":"1","page_num":167,"sequence_num":170,"body":"وكأن السكاكي بصنيعه هذا يشير إلى أن من هذه المحسنا ما يمكن رجوعه إلى علم المعاني، كالطباق ونحوه، ومنها ما يمكن أن يرجع إلى مسائل البيان كالمشاكلة ونحوها.\rويمكن أن يقال -أيضاً: أن السكاكي بعد أن انتهى من علمي المعاني والبيان، عرض لتعريف البلاغة والفصاحة وهما من قبيل المقدمات لهذين العلمين - ولا ينفي عنهما هذا الاسم تأخير السكاكي لهما ووضعهما في ذيلهما - ثم ضم إليهما هذه المحسنات.\rوهذا الصنيع من السكاكي، يشير إلى أن محسنات البديع -عنده - من قبيل المقدمات التي لا بد منها لطالب على المعاني والبيان (١).\r\rالبديع في نظر الخطيب القزويني:\rخدعت طريقة السكاكي -التي أسلفناها لك في عرضه لفنون البديع - الخطيب القزويني، فراح يجعل فنون البديع علماً مستقلاً عن علمي المعاني والبيان، مع أن البديع قد خالط العلمين منذ بداية التأليف في البلاغة حتى عصر الخطيب القزويني.\rوليس هذا فحسب، بل أنه قضى على ألوان البديع بأن تكون \"حلي مزينة، تكسو الكلام بهجة، بعد رعاية المطابقة، ووضوح الدلالة، وانهما","footnotes":"(١) الصبغ البديهي ص ٢٥٢، ص ٢٥٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586245,"book_id":8509,"shamela_page_id":171,"part":"1","page_num":168,"sequence_num":171,"body":"عرضية ليست بالذاتية (١) \"، فكان بهذا العمل أول الجانبين على البديع ممن ألفوا في البلاغة نوضعه هذا الوضع الشائن البغيض.\rيقول الخطيب القزويني في تعريفه لعلم البديع: \"هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال، ووضوح الدلالة (٢) \".","footnotes":"(١) المرجع السابق ص ٣٠٤.\r(٢) الإيضاح ص ٢٤٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586246,"book_id":8509,"shamela_page_id":172,"part":"1","page_num":169,"sequence_num":172,"body":"تقسيم محسنات البديع:\rقسم السكاكي محسنات البديع إلى قسمين: قسم يرجع إلى المعنى، وقسم يرجع إلى الألفاظ، وتابعه الخطيب القزويني في هذا التقسيم: فقال بعد أن عرف علم البديع بأنه \"علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة \" -: وهذه الوجوه ضربان: ضرب يرجع إلى المعنى، وضرب يرجع إلى اللفظ.\rوليس معنى هذا أن القسم الأول أنما هو تحسين للمعنى فحسب، وإن الثاني إنما هو تحسين للفظ فحسب، ولكن المقصود بهذا التقسيم: أن القسم الأول منه - وهو المعنوي - إنما تحسينه يرجع إلى المعنى أولاً وبالذات، وأن تبع ذلك تحسين للفظ كما في المشاكلة، لما فيها من إبهام المجانسة اللفظية وأن القسم التالي منه -وهو اللفظي - إنما تحسينه يرجع إلى اللفظ أولاً وبالذات وأن نبع ذلك تحسين للمعنى (١).\rوقد رأيت أن عبد القاهر الجرجاني قد رأى أن الحسن لا يمكن أن يكون للفظ في حد ذاته من غير نظر إلى المعنى، حتى أن ما يتوهم فيه في يد \"الفكرة في حد ذاته من غير نظر إلى المعنى، حتى أن ما يتوهم فيه في بد \"الفكرة أن الحسن لا يتعدى فيه النفط والجرس، كالتجنيس موقع معنييهما من العقل جسداً، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً،","footnotes":"(١) شروح التلخيص (مواهب الفتاح) جـ ٤ ص ٢٨٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586247,"book_id":8509,"shamela_page_id":173,"part":"1","page_num":170,"sequence_num":173,"body":"ولهذا استقبح في قول أبي تمام:\rذهبت بمذهبه السماحة والتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب؟\r\rواستحسن في قول أبي الفتاح البستي:\rناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني\rلأنه في الأول لم يزدك على أن أسمعك حروفاً مكررة، تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، وفي الثاني أعاد عليك للفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها؟\rوإنما قدم المعنوي على اللفظي: لأن المقصود الأصلي هو المعاني، والألفاظ توابع وقوالب لها، ولهذا قالوا:\rلولا المعاني ما كانت الألفاظ، ولم يقولوا: لولا الألفاظ ما كانت المعاني (١).\r\rفمن المحسنات المعنوية:\r١) الطباق: ويسمى المطابقة -أيضاً - وهي - في اللغة -: الموافقة والطباق في اصطلاح البلاغيين:","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز ص ٣٣١، ٣٣٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586248,"book_id":8509,"shamela_page_id":174,"part":"1","page_num":171,"sequence_num":174,"body":"هو الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة.\rوهذا التقابل أن يكون بلفظين من نوع واحد، كأن يكونا: أسمين، أو فعلين، أو حرفين، وأما أن يكون بلفظين من نوعين مختلفين.\rفمثال الطباق بلفظين من نوع واحد - وهما أسمان - قول الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ فقط طابق بين \"أيقاظ\" و \"رقو\" وهو أسمان.\rومثال الطابق بلفظين من نوع واحد وهما فعلان -: قول الله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾، فقط طابق بين (تؤتي) و (تنزع) كما أنه قد طابق بين (تعز) و (تذل).\rوقول النبي ﷺ: \"أنكم لتكثرون عن الفزع، وتقلون عند الطمع\"، فقد طابق بين (تكثرون) و (تقلون).\rوقول أبي صخر الهذلي (١):\rأما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر","footnotes":"(١) مواهب الفتاح جـ ٤، ص ٢٨٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586249,"book_id":8509,"shamela_page_id":175,"part":"1","page_num":172,"sequence_num":175,"body":"فقد طابق بين (أبكى) و (أضحك) كما أنه قد طابق بين (أمات) و (أحيا).\r\rوقول بشار بن برد:\rإذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم\r\rفقد طابق بين (نبه) و (نم) كما أنه قد طابق بين: أيقظتك ونم - وإن كان الفعلان الأخران مختلفين، فأولهما ماض، وثانيهما: أمر.\rومثال الطباق بلفظين من نوع واحد -وهما حرفان: قول الله تعالى: \"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت\" فقد طابق هنا بين لام الملك المؤذن بالانتفاع، وبين (علي) التي للاستعلاء المؤذن بالتحمل والضرر.\r\rوقول الشاعر:\rعلى أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لأعلى، ولا ليا\rفقد طابق هنا بين قوله (علي) وقوله (ليا)، والمعنى:\rأنه تحمل الهوى وقاسي منه العذاب، وقد كان هذا موجباً لمدحه لا لذمه، ولكنه مع كل هذا فإنه راس بأن يخلص منه، وليس عليه ذم، ولا له مدح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586250,"book_id":8509,"shamela_page_id":176,"part":"1","page_num":173,"sequence_num":176,"body":"وأما الطباق بلفظين من نوعين مختلفين: فمثاله قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي ضالاً فهديناه، فقد طابق هنا بين (ميتاً) و (أحييناه) وهما من نوعين مختلفين، إذ (ميتا) اسم أما (أحيينا) ففعل ماض.\rوقول طفيل بن عوف الغنوي:\rبساهم الوجه لم تقطع أبا جله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول\rوساهم الوجه: أي متعيره من كثرة الجري، صفة لفرسه، والأباجل جميع أبجل، وهو عرق الفرس والبعير بمنزلة الأكحل من الإنسان: وهو عرق في اليد يفصد ويوم الروع: أي الفزع، وهو يقصد الحرب، أي أنه يخرج إلى الحرب بفرس قوي من شأنه أن يصان، ولكنه مبذول يوم الروع.\rفقد طابق هنا بين (يصان) و (مبذول) وهما من نوعين مختلفتين، فالأول فعل مبني للمجهول، والثاني: اسم مفعول على أن الطباق قد يكون ظاهراً كالذي أسلفناه لك، وقد يكون خفياً، كما في قوله تعالى: \"مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً\"، فقد طابق هنا بين (اغرقوا) وبين (أدخلوا ناراً).\rوقول أبي تمام:\rمهما الوحش إلا أن هاتا أو أنس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586251,"book_id":8509,"shamela_page_id":177,"part":"1","page_num":174,"sequence_num":177,"body":"(مها الوحش) جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية (هاتا) يعني هذه (قنا الخط) القنا جمع قناة وهي الرمح، والخط موضع باليمامة تصنع فيه الرماح وتنسب إليه الرماح المستقيمة.\rوالشاعر يمدح نسوة فيقول: هنا كمها الوحش في سعة العين وسوادها وأهدابها إلا أنهن أو أنس ومها الوحش نوافر، وهن كقنا الخط في طول القدر استقامته إلا أن تلك القنا ذوابل وهذه النسوة نواضر.\rفقد طابق هنا بين (هاتا) و (تلك)، لأن هاتا اسم إشارة للقريب، وتلك اسم إشارة للبعيد.\rوللطباق تقسيم آخر: -بحسب الإثبات والنفي، أو الأمر والنهي - وهو بهذا الاعتبار قسمان:\rطباق الإيجاب: وأمثلته: ما تقدم لك من أمثلة.\rوطباق السلب: وهو: أن (أن تجمع بين فعلي مصدر واحد، احدهما مثبت، والآخر منفي، أو احدهما أمر والأخر نهي).\rفمثال الجمع بين المثبت والمنفي: قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586252,"book_id":8509,"shamela_page_id":178,"part":"1","page_num":175,"sequence_num":178,"body":"فقد طابق هنا بني (لا يعلمون) وهو فعل منفي، وبين (يعلمون) وهو فعل مثبت.\rوقول الشاعر:\rوننكر - إن شئنا - على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول\r\rفقد طابق هنا بين (ننكر) وهو فعل مثبت، وبين (لا ينكرون) وهو فعل منفي.\r\rوقول البحتري:\rيقيض لي من حيث لا أعلم - النوى ... وبشرى إلى الشوق من حيث أعلم\rيقيض بمعنى: يهيأ، والنوى: الفراق، والمعنى، أنه يهيأ له الفرق من حيث لا يعلم أسبابه، لأن محبوبته تهجره بلا أسباب، ولكن الشوق يسري إليه من حيث يعلم أسبابه، لأن هذه الأسباب إنما هي حبة لمحبوبته.\rوقد طابق هنا بين لا أعلم) وهو فعل منفي وبين (أعلم) وهو فعل مثبت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586253,"book_id":8509,"shamela_page_id":179,"part":"1","page_num":176,"sequence_num":179,"body":"ومثال الجمع بين الأمر والنهي: قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، فقد طابق هنا بين (لا تخشو) وهو نهي عن خشية الناس، وبين (اخشون) وهو أمر بخشية الله تعالى.\rومن الطباق نوع يسمى تدبيحاً: وهو: أن يذكر في معنى - كالمدح أو غيره - ألوان بقصد الكناية، أو التورية، أما تدبيح الكناية: فكقول أبي تمام - من قصيدة في رثاء محمد بن حميد:\rتردي ثياب الموت حمراً؛ فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر\r\rومعنى: تردي ثياب الموت: أي اتخذها رداء، والمراد بثياب الموت: ما كان يلبسه وهو يحارب، وغنما كان حراً لأنها أحمرت بدر القتلى، والسندس: رقيق الحرير، والأول كناية عن القتل، والثاني كناية عن دخول الجنة، وقد طابق بين (حمرا) و (خضر).\rوقول ابن حيوس:\rإن قرد علم حالهم عن يقين فالقهم يوم نائل أو نزال\rتلق ببيض الوجوه، سود مثار النقع، خضر الأكناف، حمر النصال.\rوالنائل هو: العطاء، النزال بمعنى القتال، ومثار النقع منتشر الغبار، ويقصد عبار الحرب، والأكناف، جمع كنف وهو الجانب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586254,"book_id":8509,"shamela_page_id":180,"part":"1","page_num":177,"sequence_num":180,"body":"وخضرتها: كناية عن سواد دروعها، لأن العرب تسمي الضارب إلى السواد أخضر، وحمر النصال: كناية عن قتل الأعداء بها، وقوله: بيض الوجوه كناية عن كرمهم، وما بعده كناية عن شجاعتهم.\rوأما تدبيج التورية: فكقول الحريري: \"قد أزور المحبوب الأصفر، وأغبر العيش الأخضر، وأسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود حتى رثي لي العدو الأزرق، فيا حبذا الموت الأحمر\".\rففي قوله: \"أزور المحبوب الأصفر\" تورية بالذهب.\rهذا: ويلحق بالطباق أمران:\rأولهما: أن يجمع بين معنيين لا يتنافيان في ذاتهما، ولكن يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر بسببه، أو لزومه، أو نحوهما: نحو قول الله تعالى: \"أشداء على الكفار رحماء بينهم\" وذلك لأن الشدة لا تقابل الرحمة وإنما تقال اللين الذي هو سبب في الرحمة.\rومنه قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِي وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلك لأن السكون لا يقابل ابتغاء الفضل، وإنما يقابل الحركة اللازمة لابتغاء الفضل، وقد عدل عن لفظ الحركة، لأن الحركة نوعان: حركة لمصلحة، وحركة لمفسدة، وقد قصدت الحركة الأولى، ولم تقصد الثانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586255,"book_id":8509,"shamela_page_id":181,"part":"1","page_num":178,"sequence_num":181,"body":"ومن فاسد هذا النوع: قول أبي الطيب:\rلمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها سرور محب، أو إساءة مجرم؟\rوذلك لأن ضد المحب: هو المبغض، ولكن المجرم قد لا يكون مبغضاً.\r\rوثانيهما: ما يسمى إبهام التضاد: وهو: أن يجمع بين معنيين غير متقابلين، ولكن غير عنهما بلفظين متقابلين في معنييهما الحقيقيين وذلك كقول دعبل الخزاعي:\rلا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى!\r\rاستعار الضحك للمشيب برأسه استعارة تبعية، لظهوره التام برأسه، لأن كلا منهما يشبه الآخر في اللون، وقد طابق بين (ضحك) و (بكى) والضحك - في البيت - لا يضاد البكاء، لأن الضحك في البيت معناه: ظهور الشيب، ولكن المعنيين الحقيقيين متضادان.\rوقول أبي تمام - في الشيب -:\rله منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع\r\rوالأبيض الناصع هو الشديد البياض، والأسود الأسفع هو الأسود إلى حمرة، وقد استعار (الأسود الأسفع) لما يحدثه منظره في نفسه من الهم والحزن، فمعناه الحقيقي هو الذي يقابل ما قبله لا المجازي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586256,"book_id":8509,"shamela_page_id":182,"part":"1","page_num":179,"sequence_num":182,"body":"وقوله أيضاً:\rوتنظري خبب الركاب ينصها ... محيى القريض إلى مميت المال\rوتنظري بمعنى: انتظري - والخبب: ضرب من العدو، وهو أن يتراوح الفرس في عدوه بين يديه ورجليه، بأن يقوم على أحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة. والركاب: الإبل، وقوله: ينصها: بمعنى يستحثها شديداً.\rومحيي القريض: كناية عن نفسه، ومميت المال: كناية عن الممدوح. والشاهد في البيت هو: أن المراد من (المحيى) والمراد من (المميت) في البيت غير متضادين، ولكن معنييهما الحقيقيين متضادان.\rهذا، والفرق بين إيهام التضاد والتدبيج: أن إيهام التضاد يكون بطريق المجاز، أما التدبيج فإنه يكون بطريق الكناية أو التورية.\r\rالمقابلة:\rوالمقابلة نوع من الطباق، وهي: أن يؤتى بمعنيين متوافقين، أو معان متوافقة، ثم بما يقابلها على الترتيب فمثال مقابلة اثنين باثنين: قول الله تعالى﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً ولْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴿ويقول النبي ﷺ: \"أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586257,"book_id":8509,"shamela_page_id":183,"part":"1","page_num":180,"sequence_num":183,"body":"وقول النابغة الذبياني:\rفتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا\rوالمقابلة هنا بين (يسر صديقه) و (يسوء الأعاديا).\r\rوقول الشاعر:\rفواعجبا، كيف اتفقنا؟ فناصح ... وفي، ومطوى على الغل غادر\rوالمقابلة هنا بين (ناصح وفى) وبين (مطوى على الغل غادر).\r\rومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة: قول أبي دلامة،\rما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل!\rوالمقابلة هنا بين (أحسن) و (أقبح) وبين (الدين) و (الكفر) وبين (الدنيا) و (الإفلاس).\rوقول أبي الطيب المتنبي:\rفلا الجود يغني المال، والجد مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجد مدبر\rوالجد: هو الحظ، وقد قابل هنا بين (الجود) و (البخل) وبين (يفنى) و (يبقى) وبين (مقبل) و (مدبر).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586258,"book_id":8509,"shamela_page_id":184,"part":"1","page_num":181,"sequence_num":184,"body":"ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى (٥) وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وأَمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنَى (٨) وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.\r\rفقد قابل هنا بين كل من (أعطى) و (بخل)، (اتقى) و (استغنى)، لأن معنى استغنى: أنه زهد فيما عند الله، فلم يتق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة فلم يتق. وبين (صدق) و (كذب) وبين (اليسرى) و (العسرى).\rمثال مقابلة خمسة بخمسة: قول أبي الطيب المتنبي:\rأزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي\r\rفقد قابل بين (أزورهم) و (أنثنى) وبين (سواد) و (بياض) وبين (الليل) و (الصبح) وبين (يشفع) و (يغرى) وبين (لي و (بي).\rعلى أنهم قد رجحوا بيت أبي الطيب الآنف الذكر، على بيت أبي دلامة الذي أسلفناه من قبل، وذلك بكثرة المقابلة فيه مع سهولة النظم، وبأن قافية أبي الطيب متمكنة بينما قافية أبي دلالمة مجلوبة لأجل الوزن. والقافية غير أنهم قالوا: أن المقابلة في بيت أبي دلامة أجود منها في بيت أبي الطيب، لأن ضد الليل هو النهار وليس الصبح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586259,"book_id":8509,"shamela_page_id":185,"part":"1","page_num":182,"sequence_num":185,"body":"ومن مقابلة ستة بستة: قول عنترة:\rعلى رأس عبدٍ تاج عزيزينه ... وفي رجل حرٍ قيد ذلٍ يشينه\rفقد قابل بين (على) و (في) وبين (رأس) و (رجل) وبين (عبد) و (حر) وبين (تاج) و (قيد) وبين (عزل) و (ذل) وبين (يزينه) و (يشينه).\rعلى أن السكاكي قد قال في تعريف المقابلة: \"أن يجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطاً شرطت هناك ضده، كقوله تعالى: ﴾ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى ...... ﴿الآيتين؛ لما جعل التيسير مشتركاً بين الإعطاء والإتقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير مشتركاً بين أضداد تلك وهي المنع والاستغناء والتكذيب.\rوبهذا لا يكون في بيت أبي دلامة مقابلة - عند السكاكي - لأنه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس ضده، بل شرط فيهما الاجتماع أيضاً.\r\rبلاغة الطباق والمقابلة:\rيقول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586260,"book_id":8509,"shamela_page_id":186,"part":"1","page_num":183,"sequence_num":186,"body":"فقد قابل في هذه الآية بين (تؤتى) و (تنزع) وبين (تعز) و (تذل)، ولما كان الغرض من هذه الآية الكريمة هو: تصوير القدرة في أوسع معانيها، وبيان السلطان في أشمل مظاهره وأكملها، فإن ذلك لا يتم إلا بالجمع بين الضدين، والحكم بأنه يقدر على الأمرين: الإيتاء أو ما في معناه، والنزع أو ما في معناه، وكذلك: الإعزاز والإذلال.\rعلى أن ذكر المقابل لابد منه في صياغة مثل هذا الغرض، لأنه قد يقدر شخص على الإيتاء ولكنه لا يقدر على نزع، ويستطيع إنسان أن يعز، ولكنه قد يعجز عن الإذلال، ومع هذا فإنك لا تضن عليه بوصفه بالقدرة، ولكن المضنون به عليه هو الحكم له بالقدرة التامة والسلطان الشامل.\rوبالإضافة إلى هذا فإن الطباق والمقابلة من الأمور الفطرية المركوزة في الطباع، والتي لهما علاقة وثيقة ببلاغة الكلام، فالضد أكثر خطوراً. بالبال عند ذكر ضده - كما يقولون -.\rوقد أكمل الفخر الرازي - في نهاية الإيجاز - خطة عبد القاهر في \"باب النظم الذي يتحد في الوضع\" فأدرج - الطباق والمقابلة في هذا الباب، لأنهما من مقتضيات الأحوال، وموجبات الأغراض (١).","footnotes":"(١))) الصبع البديعي ص ٤٧١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586261,"book_id":8509,"shamela_page_id":187,"part":"1","page_num":184,"sequence_num":187,"body":"٢) مراعاة النظير:\rوهي: \"أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه، بغير تضاد بينهما.\rومثاله: قول الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾، لأن الشمس والقمر سماويان، ولا تضاد بينهما.\rوقول بعضهم للوزير المهلبي: أنت أيها الوزير: \"إسماعيلي الوعد، شعيبي التوفيق، يوسفي العفو، محمدي الخلق\".\rفالتناسب هنا بين (إسماعيل) و (شعيب) و (يوسف) و (محمد) لأنهم أنبياء، وبين (الوعد) و (التوفيق) و (العفو) و (الخلق) لأنها أخلاق.\rوقول أسيد بن عنقاء الفزاري:\rكأن الثريا علقت في جبينه ... وفي خده الشعرى وفي وجهه القمر.\r\rوالثريا: مجموعة من الكواكب، والشعرى: كوكب، والتناسب هنا في جمع (الثريا) و (الشعرى) و (القمر) وهي كواكب.\rوفي جمعه (الجبين) و (الخد) و (الوجهة) لأنها من راد واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586262,"book_id":8509,"shamela_page_id":188,"part":"1","page_num":185,"sequence_num":188,"body":"وقول ابن خفاجة - في وصف فرس أشقر:\rمن جلنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس\rوالجلنار هو زهر الرمان، والآس هو: الريحان: أراد أن يشبه جد فرسه بالجلنار في طراوته، وأذنه بورق الآس في انتصابها.\rوالتناسب هنا في جمعه (الجلنار) و (الآسى) لأنهما من الزهورة وجمعه (الخد) و (الأذن) لأنهما من مكان واحد.\r\rوقول البحتري في صفة الأبل الانضاء:\rكالقسي المعطفات، بل الأسـ ... ـهم مبرية بل الأوتار.\rوالقس جمع قوسي، والبرية المنحوتة، والأوتار جمع وتر وهو الخيط الجامع بين طرفي القوس، والإضراب ببل هنا للترقي إذ الأسهم أرق من القسى، والأوتار أرق من الأسهم، والمراد هو تشبيه الأبل المهازيل بذلك في الرقة.\rوالتناسب هنا بين (القسى) و (الأسهم) و (الأوتار) وهي أدوات الحرب.\rوقول ابن رشيق القيرواني يمدح أبا علي تميماً بن المعز بن باديس:\rأصح وأقوى ما سمعناه ي الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586263,"book_id":8509,"shamela_page_id":189,"part":"1","page_num":186,"sequence_num":189,"body":"أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن البحر عن كف الأمير تميم!\rوالحيا: هو المطر، وقد ناسب هنا بين (الصحة) و (القوة)، و (السماع) و (الخير المأثور) و (الأحاديث) و (الرواية) ثم ناسب بين (السيل) و (الحيا) و (البحر) و (كف تميم).\rهذا إلى ما في البيت الثاني عن سلامة الترتيب في العنعنة إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر، تماماً كما يقع في سند الأحاديث، فالسيول أصلها المطر، والمطر. أصله البحر، وقد جعل كف الممدوح أصلاً للبحر على سبيل المبالغة.\r\r(ومن مراعاة النظير) لون يسمى: تشابه الأطراف: وهو (أن تختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى).\rومثاله قول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وذلك لأن اللطف، وهو ما لا تدركه الأبصار مطلقاً، إذ هو المراد هنا - يناسب ما لا يدرك بالبصر، كما أن الخبرة تناسب من يدرك شيئاً لأن من يدرك الشيء يكون خبيراً به.\rعلى أن اللطف - هنا - إذا أريد به معنى الرأفة، فإن الآية تكون من إيهام التناسب الذي سيأتيك بعد قليل.\rوقول الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586264,"book_id":8509,"shamela_page_id":190,"part":"1","page_num":187,"sequence_num":190,"body":"لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فقد ختم الآية بقوله (الغني الحميد) ليبين بهذا أن ماله ليس لحاجة، وإنما هو غني عنه جواد به، فإذا ما جاد به حمده المنعم عليه.\rومن هذا الضرب قول الله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\rوذلك لأنه لما قال: (وإن تغفر لهم) أوهم ذلك أنه سيقول في الفاصلة (الغفور الرحيم) ولكنه بالتأمل والإمعان في الآية الكريمة نجد أنه يجب أن تكون الفاصلة هي (العزيز الحكيم) - كما في الآية الكريمة -، وذلك لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس له فوقه أحد يود عليه حكمه فلابد أنه هو (العزيز) وذلك لأن العزيز في صفات الله تعالى: هو الغالب ولابد أن يوصف (بالحكيم) أيضاً - لأن الحكيم هو من يضع الشيء في محله، والله تعالى كذلك، غير أنه قد يخفى وجه الحكمة في بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة، فكان الوصف بقوله (الحكيم) احتراساً حسناًن وعلى هذا فإن المعنى: وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لا حد في ذلك، والحكمة فيما فعلته.\rومما يلحق بمراعاة النظير: ما يسمى بإيهام التناسب: وهو: أن يجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين بكون لهما معنيان متناسبان ولكنهما غير مقصودين، كما في قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586265,"book_id":8509,"shamela_page_id":191,"part":"1","page_num":188,"sequence_num":191,"body":"وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ فالمراد من النجوم في الآية الكريمة: النبات الذي لا ساق له، ولا مناسبة بينه وبين الشمس والقمر بهذا المعنى، ولكنه يناسبهما إذا كان بمعنى الكوكب.\r\rبلاغة مراعاة النظير:\rيقول الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ فجمع بين الشمس والقمر وهما متناسبان، لتقارنهما في الخيال، وكونها كوكبين سماويين يبددان ظلام الكون، وإذا كان الغرض من هذا الجمع هو الحكم عليهما بأنهما يجريان بحسبان معلوم المقدار، لا يزيدان عليه، ولا ينقصان عنه، وفي ذلك نظام الكائنات واختلاف الفصول والأوقات وحساب الشهور والسنين إذا كان ذلك هو الغرس فإن هذا الصنيع - وهو الجمع بين الشمس والقمر - أقصر الطرق في أداء ذلك الغرض وإيصاله إلى النفوس على أنه من الممكن أن يقال - في غير القرآن - الشمس بحسبان، والقمر بحسبان، ولكنه يكون لغواً من القول وباطلاً من التأليف، لأنه أطناب لا داعي يستدعيه، ولا غرض يستوحيه.\r\rفأسلوب مراعاة النظير - وهو جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد - مما تقتضيه الأحوال، وتستدعيه الأغراض (١).","footnotes":"(١))) الصبع البديعي ص ٤٧٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586266,"book_id":8509,"shamela_page_id":192,"part":"1","page_num":189,"sequence_num":192,"body":"على أن الفخر الرازي قد أدرجه هو الآخر، في باب النظم الذي يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع، كما لخطة عبد القاهر التي رسمها في هذا الشأن.\r\r٣) الارصاد أو التسهيم:\rويسميه قدامة والعسكري باسم التوشيح: وهو: أن يجعل قبل العجز من العقرة أو البيت ما يدل على العجز. إذا عرف الروي، وقد افتخر به ابن نباته السعدي في قوله:\rحذها إذا أنشدت في القوم من طرب صدورها عرفت منها قوانيها\rومثال الارصاد قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\rفالارصاد هنا في قوله تعالى (ليظلمهم)، لأنه يدل على أن العجز من مادتا الظلم، ويعين كون المادة من الظلم مختومة بنون بعد واو، معرفة الروي في الآيات الكريمة قبلها وهو: النون.\rوقول زهير:\rسئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً - لا أبا لك - يسأم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586267,"book_id":8509,"shamela_page_id":193,"part":"1","page_num":190,"sequence_num":193,"body":"والارصاد هنا في (سئمت)\rوقول عمرو بن معد يكرب:\rإذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع.\rوالارصاد هنا في قوله: (إذا لم تستطع).\r\rوقول البحتري:\rأبكيكما دمعاً - ولو أني على ... قدر الجوى أبكي - بكيتكما كماً\rوالجوى: حرقة العشق أو الحزن. والارصاد هنا في قوله: (أبكيكما دمعاً)، لأنه لا يبقى عندهم إلا بكاء الدم وقوله - أيضاً -:\rأحلت دمي من غير جرم وحرمت بلا سبب يوم اللقاء كلامي\rفليس الذي حللته بمحللي وليس الذي حرمته بحرام.\rوالارصاد هنا في قوله (حرمته):\r\rبلاغة الارصاد:\rسبق أن أسلفنا لك أن في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ارصاداً محله: (يظلمهم) وقد دل هذا الارصاد على أن عجز الآية من مادة الظلم، إذ لا معنى لأن يقال في غير القرآن - مثلاً - ولكن كانوا أنفسهم ينفعون أو يمنعون من الهلاك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586268,"book_id":8509,"shamela_page_id":194,"part":"1","page_num":191,"sequence_num":194,"body":"أو غير ذلك، وأن كون المادة الروى هي النون بعد الواو، معلوم من روى الآية السابقة وهي قوله تعالى، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وإذا كان الغرض من هذه الآية: هو نفس أن يكون من الله تعالى ظلم للعباد، وإثبات ظلمهم لأنفسهم، كان من طبيعة هذا مثل هذا الأسلوب الذي يؤدي به مثل هذا الغرض: أن يدل أوله على آخره، وسابقه على لاحقه: فقد روى أنه لما بلغت قراءة النبي ﷺ ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ قال عبد الله بن أبي سرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فقال النبي ﷺ: \"كذلك أنزلت\".\rعلى أن الجاحظ قد أورد قول عبد الله بن المقفع: ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر: البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته.\rوإذا تعلق غرس المتكلم بمثل هذا، كان ما أسموه باسم \"الارصاد\" من صميم البلاغة، لأنه مما يقتضيه المقام (١).\r\r٤) المشاكلة:\rوهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير تحقيقاً","footnotes":"(١))) الصبع البديعي ص ٤٧٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586269,"book_id":8509,"shamela_page_id":195,"part":"1","page_num":192,"sequence_num":195,"body":"وتقديراً.\rأما وقوع اللفظ في صحبة غيره تحقيقاً، فكقول أبي الرقعق احمد بن محمد الأنطاكي:\rقالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه قلت اطبخوا إلى جبة وقميصاً\rفكأنه قال: خيطوا لي جبة وقميصاً.\rوقول الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. فالمشاكلة هنا في إطلاق لفظ (سيئة) على جزاء السيئة.\rوقول أبي تمام:\rمن مبلغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل.\rوالأفناء جمع فن وهو الجماعة. والمشاكلة هنا في قوله (بنيت الجار)، لأن الجار لا يبنى وإنما أتى بهذا اللفظ مشاكلة قبل المنزل. لأن المقصود، قبل بناء المنزل، والمقدر كالمذكور.\rوشهد رجل عند شريح فقال: \"إنك لسيط الشهادة\"، أي مستمر في حفظها، لأن السيوط في الأصل: إنطلاق الشعر وإمتداده، فقال الرجل: \"إنها لم تجعد عني\" أي أنهما لم تقصر عن إدراكه وحفظه، والتجعد في الأصل، ضد السيوطة، فقد عبر عن عدم تقصيره في إدراكه للشهادة بلفظ (لم تجعد) لوقوعه في صحبة قوله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586270,"book_id":8509,"shamela_page_id":196,"part":"1","page_num":193,"sequence_num":196,"body":"(سيط الشهادة) مشاكلة.\rعلى أن الذي سوغ بناء الجار - والجار لا يبنى - وسوغ تجعيد الشهادة - والشهادة لا تجعد - إنما هو مراعاة المشاكلة إذ لولا بناء الدار لم يكن ليصح بناء الجار، ولولا سبوط الشهادة، لم يكن ليصح تجعيدها.\r\rومن المشاكلة. قول الصاحب بن عباد في قاض شهد عنده برؤية هلال الفطر فلم يقبل شهادته:\rأترى القاضي أعمى ... أم تراه يتعامى؟\rسرق العبد، كأن ... العبد أموال اليتامى؟\rفقد جعل العيد مسروقاً، لوقوعه في صحبة أموال اليتامى:\rوأما وقوع اللفظ في صحبه غيره تقديراً: فمثاله قول الله تعالى ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.\rوالمعنى: تطهير الله، فقد عبر عن تطهير الله بلفظ الصبغة، للمشاكلة وإن لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ، لأن قرينة الحال - وهي سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر - دلت على ذلك، فقد كان النصارى يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586271,"book_id":8509,"shamela_page_id":197,"part":"1","page_num":194,"sequence_num":197,"body":"بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وظهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا.\r\rبلاغة المشاكلة:\rقال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فعبر بلفظ السيئة عن الاقتصاص، لوقوع الاقتصاص في صحبة السيئة وقد ساق الخطيب هذه الآية نفسها (شاهداً على المجاز المرسل الذي تكون علاقته السببية وعلق عليها بقوله: \"تجوز بلفظ السيئة عن الاقتصاص، لأنه سبب عنها، تهتداه يسوقها شاهداً على المشاكلة\".\rوهو بهذا الخلط قد أوقع غيره ممن تابعوه في هذا الخلط أيضاً فراحوا يفصلون بين المشاكلة والمجاز والكناية بفواصل لا يقرها عقل.\rغير أن الذي نطمئن إليه هو أن المشاكلة داخلة في إطار المجاز، غير أن منها ما ينطوي تحت المجاز المرسل كما في الآية التي أسلفناها لك ومنها ما ينطوي تحت المجاز بالاستعارة، كما في قول أبي الرقعمق (أحمد بن محمد الأنطاكي من شعراء اليتيمية والمتوفي سنة ٣٩٩ هـ) - وقد كان له أخوان أربعة ينادمهم أيام كافور الإخشيدي، فجاء، رسولهم في يوم قارس البرد، وليست له كسوة تقيه شر البرد، فقال له: \"إخوانك يقرئونك السلام ويقولون لك: قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاةً سمينة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586272,"book_id":8509,"shamela_page_id":198,"part":"1","page_num":195,"sequence_num":198,"body":"فاشتد علينا ما نطبخ لك منها، فكتب إليهم:\rإخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... فأتى رسولهم إلى خصوصاً\rقالوا: أقترح شيئاً نجد لك طبخت ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصاً\rفقد عبر الشاعر عن الخياطة بالطبخ، تشبيهاً لها به في كونها مما ينبغي أن تكون موضع رغبتهم ومحل عنايتهم، فإذا كانت رغبتهم قد اتجهت إلى الطبخ ليطعموه، فينبغي أن تكون منهم مثل تلك الرغبة في خياطة جبة وقميصها يتقي قارس البرد ويعتصم من أذاه، فلا حرج - إذن - من تطبيق الاستعارة التي أساسها التشبيه على هذا الأسلوب، وعلاقة المشابهة - وهنا - واضحة - كما رأيت -.\rولهذا فإن أسلوب المشاكلة من البيان، وهو من البلاغة في التصميم.\r\r٥) المزاوجة:\rومعناها، أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء، بأن يرتب على كل منهما معنى مرتب على الآخر. كما في قول البحتري:\rإذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها البحر.\rفقد زاوج هنا بين نهي الناهي، وأصاختها إلى الواشي في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586273,"book_id":8509,"shamela_page_id":199,"part":"1","page_num":196,"sequence_num":199,"body":"أن رتب عليهما لحاجة ما.\rوقوله - أيضاً -:\rإذا احتربت - يوماً - ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى، ففاضت دموعها.\rفقد زاوج بين (الاحتراب) و (تكر القربى) في أن رتب عليهما فيضان شيء.\r\rبلاغة المزاوجة:\rفي بيت البحتري:\rإذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر\rالذي زاوج فيه بين نهي الناهي وأصاختها إلى الواشي الواقعيين في الشرط والجزاء، حيث رتب عليهما لجاح شيء نقول: إذا كان الغرض من هذا البيت هو: تصوير حالة مع معشوقته، من أنه لا يزيد، نهي الناهي عن حبها إلا تمكيناً في الهوى وثباتاً في الحب، أما هي فسرعان ما يزعزعها الوشاة، فتمعن في الهجر وتسرف في القطيعة فشتان ما بين اللجاجين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586274,"book_id":8509,"shamela_page_id":200,"part":"1","page_num":197,"sequence_num":200,"body":"وإذا كان الشأن في العاشق والمعشوق أن يوصفا بما ذكره البحتري، وكانت المبالغة في توفير هذا الوصف لكليهما مما يتعلق بها الغرض، ويتفاوت فيها المتكلمون قوة وضعفاً، فصنيع البحتري مما يقتضيه المقام وهو من البلاغة في الصميم.\rفقد رتب البحتري لجاج الهوى على نهي الناهي له عن حبها ثم يمضي يرتب اللجاج على أصاختها إلى الواشي فظن قبل ذكر المتعلق أنه من نوع بجاجة حتى يتواءما في الحب ويستويا في الصباية والهوى، فلما ذكر المعلق علم أنه ليس من نوعه، وإن كن لا يقل عنه في بابه (١).\rهذا، وقد أسلفنا لك أن عبد القاهر الجرجاني قد أدخل المزاوجة في باب النظم الذي يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع فسلكها في عقد النظم الذي تفرغت منه مسائل البلاغة.\r\r٦) العكس والتبديل:\rوهو: \"أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر\".\rوله وجوه:\rأولاً: أن يقع بين أحد طرفي جملة ما وأضيف إليه، كقولهم \"عادات السادات، سادات العادات\".","footnotes":"(١) الصبع البديعي ص ٤٧٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586275,"book_id":8509,"shamela_page_id":201,"part":"1","page_num":198,"sequence_num":201,"body":"وكقولك: (شعر الأمير، أمير الشعر).\rوثانيها: أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين، كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾.\rوكقول الحمامي:\rرمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سوداً\rفرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا\rوحرب: جد معاوية بن أبي سفيان، والحدثان: الدهرن والمقدار القدر، وسعدن بمعنى: ذهلن.\rوالعكس واضح من البيت الثاني:\r\rوثالثها: أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين، كما في قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\rوقول أبي الطيب المتنبي:\rفلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده\rوالمعنى: أن المجد والمال في الدنيا مثلاً زمان، لأن المال - في رأي أبي الطيب - سبيل إلى المجد، كما أن المجد سبيل للحصول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586276,"book_id":8509,"shamela_page_id":202,"part":"1","page_num":199,"sequence_num":202,"body":"على المال.\r\rبلاغة العكس والتبديل:\rفي قول الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وقد وقع العكس بين متعلقي فعلين في جملتين، فقد تعلق الفعل في الأول بالحي الخارج من الميت، كالإنسان يخرج من النطفة - كما يقولون - وتعلق الفعل في الثانية بالميت الخارج من الحي، كالبيضة التي تخرج من الدجاجة - كما يقولون - وقد تقدم الحي على الميت في التعلق الأول، ثم عكس في الثاني.\rوإذا كان الغرض من هذه الآية تصوير مظهرين من مظاهر القدرة التي تفوق جميع القدر، وكان إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة وأدل على سعة السلطان من عكسه، وهو إخراج الميت من الحي، كان الأول جديراً بالتصوير ثم يتلوه الثاني، وبدون هذا ينعكس الغرض ولا يتم المراد.\rولهذا كان أسلوب العكس من البلاغة في الصميم، لأنه مما يقتضيه المقام (١).","footnotes":"(١) الصبغ البديعي ص ٤٧٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586277,"book_id":8509,"shamela_page_id":203,"part":"1","page_num":200,"sequence_num":203,"body":"٧) التورية:\rوهي: أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد، ويراد به البعيد منهما.\rوهي نوعان:\rمجردة، ومرشحة.\rأما المجردة: فهي التي لا تجامع شيئاً مما يلائم المورى به، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فالتورية هنا في قوله: (استوى) وله معنيان: قريب، وهو استقر، وليس مراداً، وبعيد، وهو: استولى وهو المراد، بدليل استحالة الاستقرار الحسي على الله تعالى، وهذه الاستحالة هي القرينة التي صرفت اللفظ عن المعنى القريب إلى المعنى البعيد.\rوالتورية هنا مجردة، لأنها لم تقترن بما يلائم المعنى القريب، وقيل: أن التورية هنا مرشحة، لأن قوله تعالى: على العرش، يلائم المعنى القريب.\rوأما المرشحة: فهي التي قرن بها ما يلائم المورى به، أي المعنى القريب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586278,"book_id":8509,"shamela_page_id":204,"part":"1","page_num":201,"sequence_num":204,"body":"والترشيح أما أن يكون قبل التورية، وأما أن يكون بعدها:\rومثال ما كان الترشيح فيها قبلها: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾.\rفالتورية هنا في قوله تعالى: \"بأيد\" لأن اللفظ هنا، له معنيان: قريب، وهو: جمع يد وهي الجارحة، ولكنه ليس مراداً، لاستحالة ذلك على الله تعالى، وبعيد، وهو: القوة، وهو المراد، والاستحالة قرينة صارفة للفظ عن المعنى القريب إلى المعنى البعيد.\rأما الترشيح هنا فقد جاء قبل التورية، وهو قوله تعالى: ﴿بَنَيْنَاهَا﴾.\rومنه قول يحيى بن منصور الحنفي:\rفلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر\rفما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضنا الجفون على وتر\rقوله أنخنا: كناية عن إقامتهم بدارهم واكتفائهم بأنفسهم، والكريهة هي الحرب، والوتر: هو النار.\rوالتورية هنا في قوله (الجفون) لأن هذا اللفظ له معنيان:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586279,"book_id":8509,"shamela_page_id":205,"part":"1","page_num":202,"sequence_num":205,"body":"قريب وهو: أجفان العيون، وليس مراداً، وبعيد، وهو أجفان السيوف.\rوالترشيح هنا في قوله (أغضينا)، لأنه مما يلائم العين، وقد جاء قبل التورية، والقرينة هنا حالية، وهي أنه يتحدث عن الحرب التي تستخدم فيها السيوف، وهذه القرينة هي التي صرفت اللفظ عن معناه القريب إلى معناه البعيد.\rأما ما كان الترشيح فيها بعدها، فمثاله: قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيغية باردة:\rكأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعاً من الحلل.\rأو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل.\r\rفكانون من أشهر السنة الشمسية، ويقع في زمن البرد، وتموز: شهر منها يقع في زمن الدفء، والحلل، جمع حلة: وهي: التوب والغزالة: هي الشمس، وخرفت بمعنى: قل عقلها مجازاً، والجدي: برج ملاصق للدلو، والحمل: أول بروج الربيع ويعني: أن الشمس قد خرفت فنزلت في برج الجدي وقت الحلول ببرج الحمل، والجدي برج البرد، والحمل برج الدفء، والتورية هنا في قوله (الغزالة) لأن هذا اللفظ له معنيان: قريب، وهو:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586280,"book_id":8509,"shamela_page_id":206,"part":"1","page_num":203,"sequence_num":206,"body":"الظبية، وليس مراداً، بقرينه الحديث عن بروج الشمس، وبعيد وهو: الشمس، وهو المراد.\rوالترشيح هنا: في قوله: (خرفت) وقد جاء بعد التورية - كما ترى -.\rوقد تقترن التورية بما يلائم المعنى البعيد، أو بما يلائم المعنيين معاً، ولكنها تكون مجردة.\rفمثال ما يلائم المعنى البعيد: قول عماد الدين:\rأرى العقد في ثغره محكماً ... يرينا الصحاح من الجوهر.\r\rفالتورية هنا في (الصحاح) لأن معناها القريب هو: كتاب الجوهري في اللغة، وليس هذا المعنى مراداً، ومعناها البعيد: أسنان محبوبه، وقد قرنت هذه التورية بما يلائم المعنى البعيد، وهو قوله: (في ثغره).\rومثال ما يلاءم المعنيين جميعاً: قول الشاعر:\rومولع بفاخ؛ ... يمدها وشباك.\rقالت لي العين: ماذا ... يصيد؟ قلت: كراك!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586281,"book_id":8509,"shamela_page_id":207,"part":"1","page_num":204,"sequence_num":207,"body":"فالتورية هنا قوله: (كراكي)، لأن معناها القريب: أنها جمع كركي - وهو طائر رمادي اللون يأوي إلى الماء، ومعناها البعيد: نوم العين، وهو المراد. وقوله: (يصيد) يلائم المعنى القريب، وقوله (العين) يلائم المعنى البعيد.\rعلى أن التورية التي قرنت بما يلائم المعنى القريب، تسمى مهيأة. والتي قرنت بما يلائم المعنى البعيد، تسمى: مبينة والتورية ضربان: ضرب يستحكم حتى يصيد اعتقاداً، فلا يدرك عدم إرادة المعنى القريب ألا يتأمل وطور نظر.\r\rكما في قول الشاعر:\rحملناهم طراً على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابساً\rوالتورية هنا في قوله (الدهم) ومعناها القريب: الفرس الأسود، ومعناه البعيد: القيد من الحديد، وهو المراد بقرينة ما ذكره من خلع الدماء عليهم بالطعان حتى صارت لهم كالملابس، إذ لا يصح بعد - هذا أن يكون المراد حملهم على الأفراس.\rوالضرب الثاني: لا يبلغ ذلك المبلغ، ولكنه شيء يجري في الخاطر، وأنت تعرف حاله، فلا يحتاج عدم إرادة المعنى القريب فيه إلى تأمل وطول نظر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586282,"book_id":8509,"shamela_page_id":208,"part":"1","page_num":205,"sequence_num":208,"body":"وذلك كما في قول عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع:\rلولا التطير بالخلاف، وأنهم ... قالوا: مريض لا يعود مريضاً\rلقضيت نحبي في فنائك خدمة ... لأكون مندوباً قضى مفروضاً\r\rوالخلاف، مخالفة العرف والعادة، والنحب: الأجل، والمندوب: اسم مفعول من الندب والتورية هنا في قوله: (مندوباً) لأن هذا اللفظ له معنيان: قريب، وهو: السنون من السنة، وليس مراداً وبعيد، وهو: المرثى، وهو المراد هنا، لأن المعنى: لأكون ميتاً مرئياً قضى مفروضاً عليه وهو: الموت حزناً على ذلك المريض.\rوالشاهد هنا في أن عدم إرادة المعنى القريب واضح لا يحتاج إلى تأمل.\r\rبلاغة التورية:\rقال ابن يعقوب المغربي (١) في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ - الأيدي: جمع يد، واليد لها معنيان قريب وهو الجارحة المعلومة، وبعيد، وهو: القدرة التي إطلاق اليد عليها مجاز، والمراد بها هنا: المعنى البعيد الذي هو القوة والقدرة، والقرينة: استحالة الجارحة على الله تعالى، وقد تقدم منه وجه خفائها فتكون تورية وإن كانت مجازاً، وقد قرنت","footnotes":"(١) شروح التلخيص جـ ٤ من ص ٣٢٤ - ص ٣٢٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586283,"book_id":8509,"shamela_page_id":209,"part":"1","page_num":206,"sequence_num":209,"body":"بما يلائم المعنى القريب الذي هو الجارحة - وهو البناء - لأنه إنما يعهد بالجارحة والمعهود بالقوة: الإيجاد والخلق، فقد رشح فيها معنى التورية، وأصلها الذي هو الخفاء بوجود ما يبعد عن المراد مع خفاء القرينة. وهذا - أعنى: كون اليد أطلقت على معناها المجازي البعيد بقرينة خفية فكانت تورية - مبنى على ما اشتهر بين أهل الظاهر من المفسرين الذين يقتصرون على ما يبدو، ولم يظهر لهم هنا للأيدي إلا المعنى البعيد.\rوأما عند من يوسم بالتحقيق، ممن يمارس مقتضى تراكيب البيان، فالكلام تمثيل على سبيل الاستعارة وهو: أن مجموع \"بنيناها بأيد\" نقل عن أصله على طريق التشبيه، وأصله: وضع لبنة وما يشبهها على أخرى بقوة الأيدي، إلى الإيجاد بالقوة، لأن النفس بالمحسوس أعرف .....\rفمبنى التورية عند ابن يعقوب على خفاء القرينة، مع كون المراد بعيداً وإن لم نسلم له بهذا الشرط، فكم من مجاز قد خفيت قرينته وبعدت عن كثير من الأذهان، ويكون مع هذا واقعاً موقعه من الروعة والخلابة والسحر والجمال. وكم من تورية - في عرفهم - ظهرت قرينتها، ومع هذا فإنهم لم يضنوا عليها بهذا الاسم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586284,"book_id":8509,"shamela_page_id":210,"part":"1","page_num":207,"sequence_num":210,"body":"والعصام يقول (١) في تعريف التورية: \"فالمختصر الواضح أن يقال: هو: أن يطلق اللفظ على غير ما وضع له لقرينة خفية مما يتعلق بإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة \"ثم قال: \"فهو داخل في أصل البلاغة، فكيف عد من البديع؟ \".\rفتعريف العصام للتورية ينطبق على تعريفهم للمجاز سوى تقييده بخفاء القرينة - وقد علمت أن هذا قيد غير كاف للفصل بينهما - كما أسلفنا -.\rولهذا فإن الذي نطمئن إليه هو: أن التورية من باب المجاز إذا كان العنى المورى عنه مجازياً، وأما إذا كان حقيقياً: فهي من باب المشترك، وهو مجازاً وحقيقة على خلاف قارفي موطنه من كتب الأصول.\rوعلى أية حال فإن التورية عائدة على الأسلوب بالتحسين الذاتي لا العرضي (٢).\rوإنما عدت من البديع، لأن المعنى القريب فيها: لسرعة إدراكه قبل البعيد. يكون كالحجاب، فيظهر من ورائه للطفه بصورة الوجه","footnotes":"(١) الأطول جـ ٢ ص ١٩٤.\r(٢) الصبع البديعي ص ٤٨٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586285,"book_id":8509,"shamela_page_id":211,"part":"1","page_num":208,"sequence_num":211,"body":"البرقع الجميل.\r٨) المبالغة:\rوهي: أن يدعي لوصف بلوغه - في الشدة أو الضعف - حداً مستحيلاً، أو مستبعداً.\rوتنقسم إلى ثلاثة أقسام:\r\rالقسم الأول:\rالتبليغ: وهو من بلغ الفارس إذا مد يده بعنان فرسه ليزيد من جريه (١)، وهو أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف جداً ممكناً عقلاً وعادة.\r\rومثاله قول امرئ القيس:\rفعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكاً، فلم ينضح بماء فيغسل\rومعنى عادي: أنه والى بينهما بأن صرع الثاني أثر الأول في شرط واحد، والثور: ذكر الوحش، ولا نعجة: أنثاه وقوله: دراكا بمعنى: متتابع، ومعنى لم ينضح: لم يرشح بعرق فيغسل به جسده","footnotes":"(١) لسان العرب مادة (بلغ).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586286,"book_id":8509,"shamela_page_id":212,"part":"1","page_num":209,"sequence_num":212,"body":"أو يفصل منه لما يصحب العرق من الوسخ.\rفقد وصف الدرس بأنه أدرك ثوراً، وبقرة وحشيين في مضمار واحد، ولم يعرق، وهذا وصف ممكن عقلاً وعاد.\rوقول أبي الطيب المتنبي:\rواصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب.\r\rقفيته: بمعنى أتبعته، وضمير المفعول في؟ ؟ ؟ ؟ للوحش، والضمير في به: لفرسه.\rوالمعنى: أنه يصرع بفرسه بقر الوحش، ثم ينزل عنه وهو في نشاطه حين ركبه، وهذا وصف ممكن عقلاً وعادة.\r\rالقسم الثاني:\rالإغراق: وهو من قولهم: أغرق الفرس، إذا استوفى الحد في جريه، وهو: أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حداً ممكناً عقلاً ولكنه مستحيل عادة.\rومثاله قول عمير بن الإيهم التغلبي:\rونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتعه الكرامة حيث مالا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586287,"book_id":8509,"shamela_page_id":213,"part":"1","page_num":210,"sequence_num":213,"body":"فقد ادعى الشاعر أن جاره لا يميل عنه إلى جهة ألا وهو يتبعه الكرامة، وهذا وصف ممكن عقلاً ولكنه مستحيل عادة.\r\rوقول أبي الطيب المتنبي:\rكفي بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني!\rفقد ادعى أبو الطيب أنه بلغ من الضعف والحول إلى درجة لا يستطيع معها أحد أن يستدل عليه إلا بالكلام.\rوهذا وصف ممكن عقلاً، ولكنه مستحيل عادة.\r\rومثله قول ابن الفارض:\rكأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت، فلم تهد العيون لرؤيتي!\r\rعلى أن التبليغ والأعراق مقبولان، وذلك لإمكان الوصف في التبليغ عقلاً وعادة، ولا مكان الوصف في الإغراق وعقلاً وإن لم يكن ممكناً عادة.\r\rوالقسم الثالث:\rالغلو: من قولهم: غلا في الأمر، إذا جاوز الحد فيه، وهو: أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حداً مستحيلاً عقلاً وعادة.\rومثاله قول أبي نواس:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586288,"book_id":8509,"shamela_page_id":214,"part":"1","page_num":211,"sequence_num":214,"body":"وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق!\rفقد ادعى أبو نواس أن ممدوحه قد أخاف أهل الشرك قاطبة، حتى أنه قد أخاف من لم يخلق منهم وهذا وصف مستحيل عقلاً وعادة، ولهذا فإنه غير مقبول.\r\rوإنما يقبل العلو في حالات ثلاث:\rالأولى: أن يدخل عليه ما يقربه إلى الصحة، نحو لفظة (يكاد) في قول الله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فإضاءة الزيت من غير أن تمسه النار، أمر مستحيل عقلاً وعادة، ولكن الذي قربه من الإمكان لفظه (يكاد) ومن هنا كان الغلو في الآية الكريمة مقبولاً.\rوفي قول ابن حمد يس الصقلي - يصف فرساً -:\rويكاد يخرج مسرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق.\r\rفخروج الفرس عن ظله من شدة السرعة وصف مستحيل عقلاً وعادة، ولكن الذي قربه إلى الصحة هو قوله (ويكاد) ولهذا كان الغلو هنا مقبولاً.\rومما يقرب الغلو إلى الصحة: لفظ (لو) و (لولا)، وحرف التشبيه، و (يخيل) وما أشبهها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586289,"book_id":8509,"shamela_page_id":215,"part":"1","page_num":212,"sequence_num":215,"body":"والثانية: أن يتضمن الغلو نوعاً حسناً من التخييل، كما في قول أبي الطيب المتنبي:\rأقبلت تبسم، والجياد عوابس ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا\rعقدت سنابكها عليها عثيراً ... لو تبتغي عنقاً عليه لأمكنا\r\rوالخبب: ضرب من العدو، وسنابك الخيل أطراف حوافرها، والعثير: الغبار، والعنق: السير السريع يقول: أنك أقبلت مبتسماً، وجيادك عوابس لكثرة ما عليها من حديد الدروع والقنا، وقد بلغت سرعتها أن سنابكها أثارت غباراً انعقد فوقها وأصبح كالأرض، حتى أنها لو أرادت أن تسير مسرعة عليه لأمكنها ذلك، وهذه مبالغة مقبولة، لأن الذي سوغها ما فيها من تخييل حسن، وهو ادعاؤه كثرة الغبار وجعله كالأرض في الهواء.\rوقد جمع القاضي الارجاني بين التخييل الحسن ووجود ما يقرب إلى الصحة - في قوله - يصف الليل بالطول -\rيخيل لي: أن سمر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني\rوسمر الشهب بالدجى: أحكمت فيها بالمسامير، والدجى: جمع دجية وهي الظلمة، والأهداب: جمع هدب، وهو شعر أشفار العينين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586290,"book_id":8509,"shamela_page_id":216,"part":"1","page_num":213,"sequence_num":216,"body":"وقد ادعى الشاعر هنا أن طول الليل وصل إلى حالة أن الشهب أحكمت في ظلماته بالمسامير، وأن أهداب عينيه قد شدت إلى النجوم بحبال، وهذا وصف غير ممكن عقلاً وعادة، ولكن الذي قربه من الإمكان: هو هذا التخييل الحسن الناشئ عن ادعاء أن هناك حبالاً ومسامير كانت سبباً في وقوف الشهب وشد الأجفان إليها، مع دخول ما يقرب إلى الصحة وهو (يخيل)، ولهذا كان الغلو هنا مقبولاً.\rوالثالثة: أن يخرج الغلو مخرج الهزل والخلاعة، لأن صاحبهما لا يعد موصوفاً بنقيصة الكذب، كما بعد في الحد.\rوذلك مثل قول الشاعر:\rأمر بالكرم إن عبرت به ... تأخذني نشوة من الطرب\rأسكر بالأمس أن عزمت على ... الشرب غداً إن ذا من العجب!\r\rفقد ادعى الشاعر أنه يسكر بالأمس إن عزم على الشرب غداً وهذا أمر غير ممكن عقلاً وعادة، لما فيه من تقدم المعلول على علته، غير إن إخراجه مخرج الهزل والخلاعة، هو الذي جعل الغلو هنا مقبولاً.\rعلى أن (أل) في (الأمس) للجنس، فيشمل أفراده المقدرة في المستقبل، وكذلك المراد بغد، وبهذا صح قوله: أسكر بالأمس، بالمضارع مع أمس، وقوله (أن عزمت) بأن التي تقلب الماضي إلى المستقبل.\rوالمراد سكره من مروره بالكرام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586291,"book_id":8509,"shamela_page_id":217,"part":"1","page_num":214,"sequence_num":217,"body":"آراء العلماء في المبالغة\rللعلماء - في المبالغة - آراء ثلاثة:\rالرأي الأول:\rأن المبالغة مقبولة مطلقاً، سواء أكانت تبليغاً، أو اغراقاً، أو غلواً، لأنها واردة في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وفصيح كلام العرب.\rوهذا من شأنه أن يتيح الفرصة أمام الكتاب والشعراء - لاتساع مجال القول - أن يبدعوا، ويكثروا من اختراع الصور البيانية.\rولو ردت المبالغة، لبطل التشبيه، وغيبت الاستعارة - ورد المجاز، وذهب كثير من محاسن الكلام لأن أعذب الشعر - عندهم - أكذبه - كما يقولون -.\rفقد سئل النابغة الذبياني: من أشعر الناس؟ فقال: \"من استجيد كذبه، وأضحك رديئه\".\rويقول ابن قتيبة في كتابه (تأويل مشكل القرآن): \"وكان بعض أهل اللغة يأخذ على الشعراء أشياء من هذا الفن، وينسبها فيه إلى الإفراط وتجاوز المقدار، وما أرى ذلك إلا جائزاً حسناً\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586292,"book_id":8509,"shamela_page_id":218,"part":"1","page_num":215,"sequence_num":218,"body":"ومن رأيه أن كل ما وقع في القرآن الكريم من أساليب اللغة اقترنت به (كاد) ظاهرة أو مقدورة.\rفمن الأول: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أي ينظرون إليك نظراً قوياً شزراً ملؤه - العداوة والحقد حتى يكاد هذا النظر يزحزحك عن مكانك.\r\rالرأي الثاني:\rأن المبالغة مردودة مطلقاً: لأن في الحقائق متسعاً لمن يريد القول.\rولأن المبالغة دليل عجز الشاعر عن الظفر بمحاسن الكلام، وهي تنافي الغرض من الكلام الذي هو الإفصاح والإبانة.\rولأن أعذب الشعر - عندهم - أصدقه - كما يقولون - وكما يقول حسان بن ثابت:\rوإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس، إن كيساً وإن حمقاً\rوإن شعر بيت أنت قائله ... بيت يقال - إذا أنشدته - صدقاً\r\rيروي المبرد وغيره: أن الاقتصاد في أداء المعاني هو الأفضل، وإن أحسن الشعر: ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة، ونبه - بفطنته - على ما يخفى على غيره، وساقه بوصف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586293,"book_id":8509,"shamela_page_id":219,"part":"1","page_num":216,"sequence_num":219,"body":"قوى واختصار.\rوالرأي الثالث:\rأن المبالغة إذا كانت تبليغاً، وإغراقاً، فهي مقبولة، وإن كانت غلواً، فإن جاءت بلفظ يقربها من الصحة والإمكان، بأن جاءت متضمنة تخييلاً حسناً، أو جاءت في معرض الهزل والخلاعة، فهي مقبولة - أيضاً - وإن لم تتضمن شيئاً مما ذكر فهي مردودة.\rوهذا هو رأي الكثير من البلاغيين، كأبي هلال العسكري، والخطيب القزويني، وغيرهما.\rوالمبالغة في الصميم من البلاغة، لأن أكثر الصور البيانية مبنية عليها، كالتشبيه - على حد المبالغة - والاستعارة لأنها مبنية على المبالغة في التشبيه، وكالمجاز بجميع صوره.\r\r٩) حسن التعليل:\rوهو: أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي، لا يدركه إلا من له بصر بالتعرف على لطائف المعاني، ودقائقها.\rوإنما كان حسناً، لأنه يظهر ما ليس واقعاً متخيلاً كأنه الواقع الحقيقي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586294,"book_id":8509,"shamela_page_id":220,"part":"1","page_num":217,"sequence_num":220,"body":"وقد قسموا حسن التعليل إلى أربعة أقسام: لأن الوصف المراد، إما أن يكون ثابتاً، وإما أن يكون غير ثابت أريد إثباته والوصف الثابت: أما ألا تظهر له علة عادة، وإما أن تظهر له علة غير المذكورة، والوصف غير الثابت: أما أن يكون ممكناً، وإما أن يكون غير ممكن، فكانت الأقسام أربعة على النحو التالي:\r\rالقسم الأول:\rوهو حسن التعليل للوصف الثابت التي لا تظهر له علة في العادة.\rومثاله: قول أبي الطيب المتنبي:\rلم تحك نائلك السحاب، وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء.\r\rلم تحك: بمعنى لم تشابه، ونائلة: عطاؤه، وحمت: أصابتها الحمى، والصبيب: ما صب م المطر، والرحضاء: عرق الحمى.\rيقول: أن السحاب لم تشابه عطاءك بغزارة مطرها، وإنما أصابتها الحمى، لأنها لم تجار عطاءك في غزارته فما الصيب المتدفق منها إلا عرق الحمى التي أصابتها.\rفنزول المطر لا يظهر له في العادة علة - وإن كانت له علة حقيقية، ولكن الناس لا ينظرون إليها\rوكقول أبي تمام:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586295,"book_id":8509,"shamela_page_id":221,"part":"1","page_num":218,"sequence_num":221,"body":"لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي\r\rوعطل الرجل من المال ونحوه: خلا منه، وحرب للمكان العالي: أي عدوله لا يجامعه.\rفقد علل أبو تمام: عدم إصابة الغني الكريم بالقياس على عدم إصابة السيل المكان العالي، لأن الكريم لعلو قدره كالمكان العالي، أو كالطود الأشم، والغنى - لحاجة الناس إليه - كالسيل.\rومن لطيف هذا القسم: قول أبي هلال العسكري:\rزعم البنفسج أنه كعذاره ... حسناً فسلوا من قفاه لسانه!\r\rوالبنفسج: نبات طيب الرائحة، وله هنة تحت ورقه، جعلها الشاعر كلسان له صل (ص ٢١٨) من قفاه، والعذار: أول ما يبدو على الحسن من الشعر.\rوالشاهد: أن خروج هنة ورقة البنفسج إلى الخلف مما لا تظهر له علة، ولكن الشاعر جعل علة ذلك: أن البنفسج قد افترى كذباً على محبوبه بأنه يشبه عذاره.\rوقول ابن نباته - في صفة فرس -:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586296,"book_id":8509,"shamela_page_id":222,"part":"1","page_num":219,"sequence_num":222,"body":"وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا\rسرى خلف الصباح يطير مشياً ... ويضوي خلفه الأفلاك طياً\rفلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا\r\rالأدهم: اللون الأسود، والثريا: سبعة كواكب في عنق الثورة وقد استعارها الشاعر لغرته، وسرى: مشى ليلاً، والضمير في سرى: للأدهم، والضمير في خاف، للصباح والقوائم: جمع قائمة، وهي رجل الفرس أو يده، والمحيا: الوجه.\rيقول الشاعر: أن فرسه الأدهم الشديد السواد الذي لشده سواده كأن الليل يستمد ظلمته منه، والذي له غرة بين عينيه كأنها الثريا تطلع بين ظلام الليل، وقد مشى ليلاً بسرعة كانت لها الأفلاك تطوى من خلفه طياً، فلما خاف الصباح من أن يسبقه الأدهم ويفوته تعلق بقوائمه ومحياه متشبثاً بهما.\rوبهذا أرجع الشاعر سبب البياض في غرة فرسه، وقوائمه إلى تشبث الصبح بهما، وهذه علة غير حقيقية.\r\rالقسم الثاني:\rوهو حسن التعليل للوصف الثابت الذي تظهر له في - العادة - علة غير المذكورة.\rومثاله: قول أبي الطيب المتنبي - في مدح بدر بن عمار -:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586297,"book_id":8509,"shamela_page_id":223,"part":"1","page_num":220,"sequence_num":223,"body":"ما به قتل أعاديه، ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب!\rبمعنى أن ممدوحه لا يقتل أعداءه خوفاً منهم لأنهم - عاجزون عنه -، إنما يقتلهم، لأنه يخاف أن يخلف ما ترجوه الذئاب منه، من أنهم يطعمون من قتلاه في الحرب.\rفقتل الملوك أعداءهم - عادة - إنما يكون لإرادة هلاكهم لدفع مضارهم عن أنفسهم حتى يصفو لهم ملكهم من منازعتهم، وليس لما ادعاه من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدق رجاء - الراجين.\rوتلك مبالغة منه في وصفه بالجود، كما أنها تتضمن مبالغة أخرى في وصفه بالشجاعة - على وجه تخييلي - أي أنه تناهى في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم، حتى أنه إذا غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه هذا إلى أن هذا المدح بالجود، والشجاعة قد تضمن مدحاً آخر، وهو: أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق.\rوقول أبي طالب المأموني - في بعض الوزراء ببخارى:\rمغرم بالثناء فصب بكسب ... المجد يهتز للسماح ارتياحاً\rلا يذوق الإغفاء إلا رجاءً ... أن يرى طيف مستميح رواحاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586298,"book_id":8509,"shamela_page_id":224,"part":"1","page_num":221,"sequence_num":224,"body":"والصب: ذو الولع الشديد، والإغفاء: النوم الخفيف، والمستميح: طالب العطاء، والرواح: العشى.\rيقول: أن ممدوحه لولوعه الشديد بإكتساب المحامد التي تورث الإنسان مجداً فإنه لا ينام إلا رغبة منه في رؤية طيف لطالب نواله في وقت العشى.\rفقد علل الإغفاء برغبته في رؤية طيف طالب نواله، مع أن للإغفاء علة حقيقية غيرها.\rعلى أن هذا المعنى مأخوذ من قول قيس بن الملوح، المعروف بالمجنون:\rوإني لأستغشى - وما بي نعسة - لعل خيالاً منك يلقى خياليا.\rوليس بمستبعد أن يكون هذا البيت من القسم، ولكنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة - ذلك المبلغ وذلك لأنه قد يتصور أن ينام الحب - إذا بعد عهده بحبيبه - لكي يراه في منامه.\rومن لطيف هذا الضرب قول احمد بن محمد بن ثوابه:\rأتتني تؤنبني بالبكاء ... فأهلاً بها، وبتأنيها\rتقول - وفي قولها حشمة - ... أتبكي بعين تراني بها؟\rفقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأنيبها!\r\rوالحشمة: الغضب، أو الاستحياء، والأول هو الأظهر هنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586299,"book_id":8509,"shamela_page_id":225,"part":"1","page_num":222,"sequence_num":225,"body":"فالعادة قد جرت على أن دموع الحب إنما هي بسبب أعراض الحبيب، أو اعتراض الرقيب أو غيرهما مما يوجب الاكتئاب والحزن، وليس ما ذكره من التأديب على الاساءة باستحسان غير الحبيب.\r\rالقسم الثالث:\rوهو: حسن التعليل للوصف غير الثابت الذي أريد إثباته، وكان ممكناً.\rومثاله: قول مسلم بن الوليد:\rيا واشياً حسنت فينا اساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق!\r\rالواشي: هو الساعي بالفساد، وإنساني: يعني به إنسان عينه، وهو سوادها.\rفقد استحسن إساءة الواشي، وذلك أمر خالف فيه الناس، ولهذا فإنه قد عقبه بتعليل هذا الاستحسان بأن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم إنسان عينيه من الغرق، وما كان كذلك فهو حسن.\rفاستحسان إساءة الواشي لم يقل به أحد، ولكنه ممكن.\rوقول الطغرائي:\rعداي لهم فضل علي ومنة ... فلابد أبعد الرحمن عني الأعاديا\rهم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاجتنيت المعاليا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586300,"book_id":8509,"shamela_page_id":226,"part":"1","page_num":223,"sequence_num":226,"body":"فثبوت الفضل والمنة للأعداء أمر ممكن، ولكن الناس لا يعترفون بذلك، ولكن الشاعر لما خالف الناس في هذا، بحث عن علتين طريقتين صوغ بهما هذه المخالفة، وقربها من العقل.\r\rالقسم الرابع:\rوهو حسن التعليل للوصف غير الثابت الذي أريد إثباته، وكان غير ممكن!\rومثاله قول عبد القاهر الجرجاني - في معنى بيت فارسي:\rلو لم تكن فيه الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق.\r\rفنية الجوزاء خدمة الممدوح صفة غير ثابتة، وممتنعة، لأن النية إنما تكون ممن يعقل، ولكنه أدعى ثبوتها بأنها منتطقة، أي قد رشدت النطاق في وسطها شأن الخدم عادة.\r\rومنه قول الشاعر:\rسألت الندى والجود: مالي أراكما ... تبدلتما ذلاً بعز مؤبد\rوما بال ركن المجد أمسى مهدماً ... فقالا: أصبنا بابن يحيى محمد.\rفقلت: فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد\rفقالا: أقمنا كي نعزي بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد!\r\rفكل ما ذكره الشاعر غير واقع، ولا ممكن الوقوع، وليس له من علة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586301,"book_id":8509,"shamela_page_id":227,"part":"1","page_num":224,"sequence_num":227,"body":"فالندى والجود لم يذلا، وركن المجد لم ينهدم، ولم يكن الندى والجود عبدين للمرثي، ولا أقاما بعده للعزاء ثم يلحقان به في الغد ولكن الشاعر تخيل كل هذا وعلل له من عند نفسه.\r\rما يلحق بحسن التعليل:\rإذا كانت العلة التي يوردها الشاعر أو الأديب مبنية على الشك لا على الإدعاء والإصرار، لم تكن العلة من حسن التعليل، وإنما تكون ملحقة به.\rومثال ما يلحق بحسن التعليل قول أبي تمام:\rربى شفعت ريح الصبا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع\rكأن السحاب الغرغيين تحتها ... حبيباً فما ترقا لهن مدامع!\r\rالربى: جمع ربوة، وهي التل المرتفع من الأرض، والصبا: ريح تهب من الشرق، والمزن: واحدة مزنة، وهي السحاب الأبيض وجادها: بمعنى أمطرها، والهامع: السائل بكثرة، والسحاب الغر: السحاب الممطرة الغزيرة الماء، وترقا مخفف ترقاًّ بمعنى تسكن.\rيقول أبو تمام: أن ريح الصبا قد شفعت لرياض الربا عند السحاب، ؟ ؟ ؟ (ص ٢٢٤) السحاب الرياض - بسبب هذه الشائعة - أمطاراً غزيراً، حتى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586302,"book_id":8509,"shamela_page_id":228,"part":"1","page_num":225,"sequence_num":228,"body":"كأن السحاب قد غيبت حبيباً تحت ثرى هذه الرياض، ولهذا فإنها ما تنفك تبكيه ولا ينقطع لها دمع عليه.\rفقد علل الشاعر أمطار السحاب بما ذكر، ولكنه قد بنى هذا التعليل على الشك بلفظة (كأن) لأنها تفيد الشك ولهذا لم يكن من حسن التعليل، وإنما هو ملحق به.\r\rومنه قول ابن الرومي:\rلما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد\rوإلا فما يبكيه منها؟ وإنها ... لاوسع ما كان فيه وأرغد\rإذا أبصر الدنيا استهل، كأنه ... لما سوف يلقى من أذاها مهدد!\r\rفقد علل الشاعر بكاء الطفل ساعة إبصار الدنيا - في البيت الثالث - بأنه مهدد بما سوف يلقاه من أذاها ولكنه قد بنى العلة على الشك، فكان ملحقاً بحسن التعليل وليس به.\r\rبلاغة حسن التعليل:\rفي قول أبي هلال الذي أسلفناه لك:\rزعم البنفسج أنه كعذاره ... حسناً فسلوا من قفاه لسانه!\r\rوالبنفسج به زائدة تحت ورقة لا يظهر لوجودها على هذا الوضع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586303,"book_id":8509,"shamela_page_id":229,"part":"1","page_num":226,"sequence_num":229,"body":"علة تعلل بها، فادعى أبو هلال أنها كاللسان له وقد سل من قفاه عقاباً له على زعمه أنه يشبه عذار محبوبه.\rوهذا تعليل خيالي؟ ؟ ؟ (ص ٢٢٦) استدعاه مقام الغزل والبلوغ بالمحبوب إلى أعلى قمم الحسن والجمال حتى عوقب البنفسج على زعمه مشابهته هذا العقاب الشنيع بسل لسانه من قفاه.\rوالصنعة - كما يقول عبد القاهر الجرجاني - إنما يمد باعها، وينشر شعاعها، ويتسع ميدانها، وتتفرع أعنانها حيث تعتمد الاتساع والتخييل، ويدعي الحقيقة فيما أحله التقريب والتمثيل، وحيث يقصد التلطف والتأويل، ويذهب بالقول مذهب المبالغة والإغراق في المدح والذم والوصف والبث، والفخر والمباهاة، وسائر المقاصد والأغراض، وهناك يجد الشاعر سبيلاً إلى أن يبد ويزيد، ومدداً من المعاني متتابعاً، ويكون كالمغترف من غدير لا ينقطع والمستخرج من معدن لا - ينتهي (١) \"والتماس علة لطيفة لشيء\" غير معلل مما يؤكد هذا المعنى ويقويه (٢).","footnotes":"(١) أسرار البلاغة ص ٣٣٦، ص ٣٣٧.\r(٢) الصبع البديعي ص ٤٨٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586304,"book_id":8509,"shamela_page_id":230,"part":"1","page_num":227,"sequence_num":230,"body":"على أنك إذا استعرضت أساليب حسن التعليل التي عرض لها عبد القاهر الجرجاني (١)، وجدتها عنده من البلاغة في أكرم مكان.\r\r١٠) تأكيد المدح بما يشبه الذم:\rهو: أن يبالغ المتكلم في المدح، فيعمد إلى الإتيان بعبارة يتوهم السامع منها في بادئ الأمر أنه ذم، فإذا هو مدح مؤكد.\rوهو ثلاثة أضرب:\rالضرب الأول:\rوهو أفضلها: أن يستثني من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها، وذلك كقول النابغة الذبياني:\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب.\r\rيقول: أنهم سلموا من العيوب غير أن سيوفهم قد تثلمت من مقارعة الأبطال في ميادين النزال، ولكن تثلم السيوف في مثل هذه المواطن مما يفتخر به، وبهذا يكون قد أتى بدليل ظاهر على شجاعتهم، فأكد مدحهم، ونفى ما كان السامع يترقبه بعد ذكر كلمة \"غير \" من أنه سيذكر صفة ذم.","footnotes":"(١) أنظر أسرار البلاغة ص ٢٥٧، ص ٢٥٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586305,"book_id":8509,"shamela_page_id":231,"part":"1","page_num":228,"sequence_num":231,"body":"وسر بلاغة هذا الضرب من وجوه ثلاثة:\rأولها: أنه كدعوى الشيء بينه: فكأن النابغة - في البيت السابق - قد استدل على سلامتهم من العيب، بأن ثبوت العيب فيهم معلق بكون فلول السيوف من مقارعة الأبطال في ميادين النزال عيباً، وهو محال، والمعلق على المحال محال، فيكون عدم العيب محققاً.\rوثانيها: أن الأصل في الاستثناء الاتصال، وذكر أداة الاستثناء قبل ذكر ما بعدها يوم إخراج شيء مما قبلها، وأنه إثبات عيب، فإذا جاء المدح بعدها، تأكد المدح، لأنه إثبات مدح بعد مدح.\rوثالثها: أن هذا الخداع الذي يأتي به الأديب أو الشاعر من إيهام الذم بذكره أداة الاستثناء، وتلك الخلابة التي يبعثها في أسلوبه بذلك الإيهام، مما ينبه السامع إلى الاهتمام بما يقوله، وينشط ذهنه لاستقبال المعاني التي يضمنها مدحه.\rومن هذا الضرب: قوله تعالى - في السابقين من أهل الجنة- ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. فكلمة السلام التي جاءت بعد (إلا) في الآيتين، ليست من اللغو والتأثيم، وإنما هي ألفاظ تحية ورحمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586306,"book_id":8509,"shamela_page_id":232,"part":"1","page_num":229,"sequence_num":232,"body":"ومنه قول ابن الرومي:\rليس به عيب سوى أنه لا تقع العين على شبهه!\rفذكر أنه خالص من العيوب، ولكنه لما ذكر أداة الاستثناء (سوى) أوهم أنه سيثبت له عيباً، ولكنه لما ذكر أن العين لا تقع على شبهه، أي أنه لا شبيه له في الحسن، وهذه صفة مدح لا صفة ذم، كان هذا الصنيع مؤكداً لمدحه الذي بدأه.\rومنه. قول صفي الدين الحلي:\rلا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم يسلو عن الأهل والأوطان والحشم.\rأي أنهم مبرأون من العيوب، غير أنهم يكرمون نزيلهم حتى يسلوا أهله، ووطنه، وحشمه، وتلك صفة مدح لا صفة ذم فتأكد بهذا مدحهم وبلغت العبارة أسمى درجات البلاغة.\rلأنه قد استدل على سلامتهم من العيوب بأن علق ثبوت العيب فيهم على كون إكرامهم لنزيلهم عيباً، وهو محال والمعلق على محال محال، وهذا أشبه بقولهم: حتى يبيض القار، وحتى يشيب الغراب.\rولأنه لما ذكر أداة الاستثناء قبل ذكر إكرامهم لنزيلهم - والأصل في الاستثناء الاتصال - أوهم صنيعه هذا أنه سيخرج شيئاً مما نفاه عنهم، وأنه سيثبت لهم عيباً، فلما أثبت لهم صفة إكرام النزيل تأكد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586307,"book_id":8509,"shamela_page_id":233,"part":"1","page_num":230,"sequence_num":233,"body":"مدحه لهم، لأنه مدح بعد مدح.\rولأن هذه الخلابة التي بعثها في أسلوبه بهذا الخداع اللفظي نبهت السامع إلى أن يتجه إلى طريقته في مدحه، فينشط لسماع ما يثبته لهم من جليل الصفات وحميد الخصال.\r\rوالضرب الثاني:\rأن يثبت لشيء صفة مدح، ويعقبها بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى ومثاله: قول النبي ﷺ: \"أنا أفصح العرب بيد أني من قريش\".\rبيد كغير لفظاً ومعنى، وهي أداة استثناء: لما أثبت النبي ﷺ لنفسه أنه أفصح العرب أشعر بهذا أن هذه الصفة قد كملت فيه، فلما عقب هذه الصفة بأداة استثناء - وهي بيد - أوهم هذا الصنيع أنه سيخرج شيئاً مما قبل الاستثناء، فلما لم يجد إلا صفة مدح أخرى مماثلة للتي أثبتها، وهي أنه من قريش، وقريش أفصح العرب، أثبتها هي الأخرى، فجاءت مدحاً بعد مدح، فتأكد المدح الأول.\rووجه بلاغة هذا الضرب يرجع إلى الوجهين الأخيرين من ثلاثة الوجوه التي أسلفناها للضرب الأول: وهذا الوجهان هما ما يلي: -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586308,"book_id":8509,"shamela_page_id":234,"part":"1","page_num":231,"sequence_num":234,"body":"الأول: أن الأصل في الاستثناء الاتصال، وذكر أداة الاستثناء قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شيء مما قبلها، وأنه إثبات عيب، فإذا جاء المدح بعدها تأكد المدح الأول، لأنه إثبات مدح بعد مدح.\rوالثاني: أن هذا الخداع اللفظي الذي يأتي به الشاعر أو الأديب من إيهام الذم بذكره أداة الاستثناء، وتلك الخلابة التي يبعثها في أسلوبه بذلك الإيهام، مما ينبه السامع إلى الاهتمام بما يقوله، وينشط ذهنه لاستقبال المعاني التي يضمنها مدحه.\rولم يتضمن هذا الضرب الوجه الأول الذي أثبتناه للضرب الأول - وهو أنه كدعوى الشيء ببينة -، ولهذا كان الضرب الأول أفضل من الثاني وأبلغ منه.\r\rوالضرب الثالث: وهو أن يؤتى بمستثنى فيه معنى المدح معمول لفصل فيه معنى الذم، فيتفرغ للعمل فيه، ويكون الاستثناء مفرغاً، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾. وكقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾. أي ما تعيبون منا إلا أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان بآيات الله، فالاستفهام في الآية للإنكار.\r\r١١) تأكيد الذم بما يشبه المدح:\rهو أن يبالغ المتكلم في ذمه، فيعمد إلى الإتيان بعبارة يتوهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586309,"book_id":8509,"shamela_page_id":235,"part":"1","page_num":232,"sequence_num":235,"body":"منها السامع في بادئ الأمر أنه مدح، فإذا هو ذم مؤكد.\rوهو ضربان:\rأحدهما: أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها، كقولك: \"فلان لا خير فيه إلا أنه يسئ إلى من يحسن إليه\".\rفقد نفيت الخير عن فلان، وهذه صفة ذم، ثم استثنت بعد هذا النفي صفة ذم أخرى وهي أنه يسيء إلى من يحسن إليه، فجاء ذماً بعد ذم، فتأكد الذم الأول.\rولهذا فإنه يجري فيه ما يجري في الضرب الأول، من أنه كدعوى الشيء ببينه، وأنه ذم على ذم، وأن به خداعاً لفظياً ينبه السامع، وينشط ذهنه لاستقبال ما يذم به.\r\rوثانيهما: أن يثبت للشيء صفة ذم، ويعقبها أداة استثناء تليها صفة ذم أخرى له، كقولك: \"فلان فاسق إلا أنه جاهل\".\rويجري فيه ما يجري في نظيره من تأكيد المدح بما يشبه الذم.\r\rومنه قول الشاعر:\rيا حبيب الإله جد لي بقرب ... منك يا صفوة العزيز الرحيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586310,"book_id":8509,"shamela_page_id":236,"part":"1","page_num":233,"sequence_num":236,"body":"يا رسولاً أعداؤه أراذل النا ... س جميعاً لكنهم في الجحيم.\rفقد وصف الشاعر أعداء رسول الله ﷺ بأنهم أراذل الناس وأحقرهم وهذه صفة ذم؛ فلما استدرك بقوله (لكنهم) أوهم السامع أنه سيأتي بعدها بصفة مدح، فلما قال: في الجحيم - ولا يدخل الجحيم إلا أراذل الناس - علم السامع أنه أتى بصفة ذم أكدت صفة الذم الأولى، لأنها أتت ذماً بعد ذم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586311,"book_id":8509,"shamela_page_id":237,"part":"1","page_num":234,"sequence_num":237,"body":"مواضع التأنق في الكلام\rوقف نقاد العرب طويلاً عند مطلع القصيدة، وعند الانتقال من فاتحتها إلى الغرض منها، ثم عند خاتمتها.\rولهذا قالوا: أنه ينبغي للشاعر أو الأديب أن يتأنق في ثلاثة مواضع من كلامه حتى تكون أعذب لفظاً وأحسن سبكاً، وأصح معنى:\r\rالموضع الأول:\rالابتداء، ويسمونه (حسن الابتداء)، لأنه أولها يقرع السمع، فإن أحسن الشاعر أو الأديب ابتداء كلامه، أقبل السامع على كلامه، وأحسن الإصغاء إليه فوعاه، وإن كان غير ذلك أعرض عنه ولم يلتفت إليه، وإن كان في غاية الحسن.\rوضربوا لحسن الابتداء أمثلة كثيرة من المطالع الجيدة، فمنها قول النابغة:\rكليني لهم - يا أميمة - ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب.\rقالوا: أنه أحسن ابتداءات الجاهلية (١)، وذلك لأنه دل من أول الأمر","footnotes":"(١) الصناعتين ص ٤١٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586312,"book_id":8509,"shamela_page_id":238,"part":"1","page_num":235,"sequence_num":238,"body":"على حال الشاعر عندما غضب عليه النعمان وتوعده، وصور ما يعتلج في قلبه من هم أعياه، وأقض مضجعه، وحرمه النوم الهانئ، فألم به أرق جعل ليله طويلاً، وكل ذلك قد وضع في أسلوب بين واضح، وارتباط قوي بين شطري البيت وتناسب في القوة والجزالة.\rكما أنهم قالوا: أن أحسن مرئية جاهلية ابتداء قول أوس بن حجر:\rأيتها النفس: اجملي جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا (١)\r\rولعل حسن هذا المطلع راجع إلى تعبيره عما كان يضمره الشاعر لهذا الذي يرئيه من حب وإعزاز، وما كان يخضى عليه من عدوان الموت، ونزل الحام بساحته، أما وقد نزل هذا الحذو، فإنه نفسه قد مضت في الحزن إلى أبعد الغايات، واستسلمت إلى البكاء والنحيب والجزع، وهو لذلك يطلب إليها أن تتحمل المصاب في صبره، وألا تسترسل في آلامها برغم أن ما تحذره من المكروه قد نزل بساحتها وألم بها.\rومن المطالع الجيدة التي أعجب بها القاضي الجرجاني لأبي الطيب المتنبي:\rأتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقه في المآقي؟","footnotes":"(١) الصناعتين ص ٤١٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586313,"book_id":8509,"shamela_page_id":239,"part":"1","page_num":236,"sequence_num":239,"body":"فالشاعر محب متيم، يذرف دموعه لينال وصال محبوبه، ولكنها لاهية عنه، ومحبوبته جميلة، رائعتا الجمال، يعشقها كل من يراها، كأنها لكثرة عشاقها الذي يذرفون دموعهم في سبيل رضاها، قد ظنت أن الدموع في عيون الناس أمر طبيعي جبل عليه الناس جميعاً، ولهذا أنها لا تثير انتباهها، ولا تستعطف قلبها دموع أبي الطيب.\rوربما كان سر إعجاب القاضي الجرجاني بهذا المطلع راجعاً - بالإضافة إلى جمال الأسلوب ووضوح المعنى وجدته - إلى إيراد، في صيغة تساؤل يثير في النفوس الانتباه، وتحريك الأذهان، وإصغاء الأذان، وإلى تعبيره عن محبوبته بالضمير الذي يثير في النفوس كل هذه الأمور، ويثير فيها الشوق إلى معرفة هذه المحبوبة من تكون؟ أو كان الشاعر عندما عبر عنها بالضمير قد افترض أن الناس جميعاً يعلمون جبه وأنه لن يكون إلا لمن فتن الجميع بجمالها، وتعلقوا بمحاسنها.\rولهذا فإن الجرجاني قد عبر عن إعجابه بهذا المطلع فقال: \"فإنه ابتداء ما سمع مثله، ومعنى انفرد باختراعه (١) ومن المطالع التي أعجب بها الجرجاني قول أبي الطيب:\rإذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعراً متيم؟ !","footnotes":"(١) الوساطة ص ١٥٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586314,"book_id":8509,"shamela_page_id":240,"part":"1","page_num":237,"sequence_num":240,"body":"ولعل سر إعجابه بهذا المطلع راجع إلى طرافته وجدته، فقد فاجأ السامع بما لم يكن متوقعاً منه ومن غيره من الشعراء، فقد كان النسيب في قصائد المدح أمراً أجرى عليه العرف، واستساغته النفوس، ولكنه بدأ قصيدته هذه المرة ساخراً من أولئك الشعراء الذين يدعون الحب والصبابة كلما مدحوا أحداً، والسخرية من الشعراء الذين يبدأون - قصائدهم في المدح بالنسيب - وإن كان أبو نواس قد سبق إليها - إلا أن سخريته كانت منصبة على حياة العرب الاجتماعية قاصداً تحقيرهم، والنيل من مكانتهم، فهناك فرق بين اتجاه أبي نواس، واتجاه أبي الطيب.\r\rقبح الابتداء:\rينبغي أن يتجنب الشاعر في مديحه كل ما يتطير منه حتى لا يتشاءم منه الممدوح أو بعض الحاضرين، : وذلك كمطلع قصيدة أبي نواسن يهنئ بها بعض بني برمك بدار بذل في تجمليها كل ما يملك من الجهد، إذ بدأها أبو نواس بقوله:\rأربع البلى؛ إن الخشوع لباد ... عليك وإني لم أخنك ودادي.\rفتطير منها البرمكي وأشمأز حتى ظهر الوجوم عليه (١).","footnotes":"(١) العمدة ص ١٥٠٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586315,"book_id":8509,"shamela_page_id":241,"part":"1","page_num":238,"sequence_num":241,"body":"ومن هذا القبيل: ما يروى أن المعتصم بنى قصراً فخماً جلس فيه، وجمع الناس من أهله وأصحابه وصعد إلى العرش، فاستأذنه اسحق ابن إبراهيم الموصلي في النشيد فأذن له، فأنشده شعراً بالغ الجودة في وصفه ووصف المجلس إلا أن أوله تشبيب بالديار القديمة وبقية آثارها فكان أول بيت منها:\rيا دار، غيرك البلى؛ فمحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟\rفتطير المعتصم منها (١).\rواعترض عبد الملك بن مروان على جرير، عندما بدأ ينشد قصيدته، فقال:\rأتصحوا أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح؟\r\rفقال له عبد الملك: \"بلى فؤادك\" كأنه استثقل هذه المواجهة، وإلا فهو يعلم أن الشاعر يخاطب نفسه (٢).\rكما اعترض على ذي الرمة عندما دخل عليه، فاستشده شيئاً من شعره، فأنشده قصيدته التي يقول في مطلعها:","footnotes":"(١) الصناعتين ص ٤١٨.\r(٢) العمدة ج ١ ص ١٤٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586316,"book_id":8509,"shamela_page_id":242,"part":"1","page_num":239,"sequence_num":242,"body":"ما بال عينك منها الماء يسكب؟\rوكانت عين عبد الملك تدمع دائماً، فتوهم أنه خاطبه، أو عرض به، فقال: وما سؤالك عن هذا؟ ومقته (١) وشبيه بهذا: ما يذكر من أن شاعراً يدعى: أبا مقاتل: افتتح قصيدة يمدح بها (الداعي) بقوله:\rلا تقل بشرى، ولكن بشريان غرة الداعي ويوم المهرجان.\rفانتبه الداعي، وقال له: هلا قلت: \"إن تقل: بشرى فعندي بشريان (٢) \".\rومن ابتداءات أبي الطيب التي عيبت عليه قوله في مخاطبة كافور:\rكفى بك داء: أن ترى الموت شافياً وحسب المنايا أن يكن أمانيا\rقالوا: ففي الابتداء بذكر الداء والموت ما فيه من الطيرة اليت تنفر منها السوقة، فضلاً عن الملوك (٣) ونحن مع من قال: \"إن هذا المطلع .. \". كان صادق التعبير إلى مدى بعيد عن نفسية المتنبي بعد هذا الأزمة التي مرت به بعد أن فارق مغضباً سيف الدولة، فقد رأى الحياة لا خير فيها، ووجد الموت شافياً له من آلامه (٤) \".","footnotes":"(١) العمدة جـ ١ ص ١٤٨.\r(٢) الصناعتين ص ٤١٩.\r(٣) يتيمة الدهر جـ ١ ص ١٢٣.\r(٤) أسس النقد الادبي عند العرب ص ٣٠٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586317,"book_id":8509,"shamela_page_id":243,"part":"1","page_num":240,"sequence_num":243,"body":"وإذا صح ما يقال من أن أبا الطيب لم يكن يعتبرا بالمسك كافوراً أهلاً لمدائحه - وذلك هو ما يغلب على ظننا - وإن مدائحه فيه لم تكن إلا هجاء في صورة مدح، فإن أي اعتراض على مطلعه هذا يكون ساقطاً من أساسه.\r\rبراعة الاستهلال:\rوأحسن الابتداءات: ما ناسب الفرض الذي قصد إليه الشاعر بقصيدته، والمعنى الذي تضمنته هذه القصيدة، ويسمى هذا (براعة الاستهلا) كقول أبي تمام يهنئ المعتصم بالله بفتح عمورية - وكان أهل التنجيم قد زعموا أنها لا تفتح في ذلك الوقت: -\rالسيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب.\rبيض الصفائح لأسود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب.\rوقول أبي محمد الخازن، يهنئ ابن عباد بمولود لبنته:\rبشرى، فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا.\r\rومن ألطف البراعات: براعة مهيار والديلمي، فقد بلغه أنه وشى به إلى ممدوحه، فتنصل عن ذلك بألطف عذر، وأبرزه في معرض النسيب، فقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586318,"book_id":8509,"shamela_page_id":244,"part":"1","page_num":241,"sequence_num":244,"body":"أما وهواها حلقة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها، فامحلا\r\rثم قال بعده:\rسعى جهده لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا!\rومن براعة الاستهلال: قول أبي الطيب المتبي في عتاب سيف الدولة:\rوأحر قلباً من قلبه شيم ومن بجسمي وحالي عنده سقم.\rفهو واضح الدلالة عل الغرض المقصود من قصيدته وهو: الشكوى والعتاب.\rوقوله - في رثاء أم سيف الدولة -:\rنعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال.\rالمشرفية: السيوف، والعوالي: الرماح، والمنون: الموت.\rوقول التهامي - في رثاء ابنه -:\rحكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار!\r\rوالموضع الثاني: التخلص: ويقصدون به: الانتقال من المعنى الذي ابتدأت به القصيدة كالنسيب ونحوه إلى الغرض المقصود منها، مع مراعاة الملاءمة بينهما، ويسمونه (حسن التخلص):","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586319,"book_id":8509,"shamela_page_id":245,"part":"1","page_num":242,"sequence_num":245,"body":"وذلك بأن يخرج الشاعر مما بدأ كلامه به من النسيب - مثلاً - إلى المدح أو غيره بلطف نحيل، ومع رعاية الملاءمة بينهما، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني، لشدة الممازجة والالتئام والانسجام بينهما، حتى كأنهما قد افرغا في قالب واحد (١).\rفمن حسن التخلص قول أبي تمام:\rيقول في (قومس) قومي - وقد أخذت ... منا السرى، وخطا المهرية القود -:\rأمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا! ولكن مطلع الجود!\r\rوقول البحتري:\rسقيت رباك بكل نوء عاجل ... من ويله حقاً لها معلوما\rولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما.\r\rوقول المتنبي - في مدح سيف الدولة -:","footnotes":"(١) العمدة جـ ١ ص ١٥٦، وشرح الإيضاح، وخزانة الأدب ص ١٨٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586320,"book_id":8509,"shamela_page_id":246,"part":"1","page_num":243,"sequence_num":246,"body":"خليلي: إني لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى، وبنى القصائد.\rفلا تعجبا؛ إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد.\r\rوقوله - أيضاً - يمدح المغيث العجلى:\rمرت بنا بين ترسيها، فقلت لها: ... من أين جالس هذا الشأن العرسا؟\rفاستضحكت، ثم قالت: كالمغيث يرى ... ليت الشرى وهو من عجل إذا انتسبا!\r\rالاقتضاب:\rعلى أن حسن التخلص مما اعتز به المتأخرون من الجاهليين والمخصريين، فلم تكن العرب تهتم به كثيراً بل كانت تقول عند فراغها من نعت الإبل وذكر القفار، وما هم بسبيله: (دع ذا) و (عد عن ذا) ويأخذون فيما يريدون، أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه (١) وإن كنا نجد بعض التخلصات الجيدة لزهير بن أبي سلمى - في","footnotes":"(١) العمدة جـ ١ ص ١٥٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586321,"book_id":8509,"shamela_page_id":247,"part":"1","page_num":244,"sequence_num":247,"body":"هرم بن سنان -:\rأن البخيل ملوم حيث كان ولكن الكريم - على علاته -هريم\r\rومن اقتضاب المتأخرين قول أبي تمام:\rلو رأى الله في الشيب خيراً ... جاورته الأبرار ف الخلد شيباً\rكل يوم تبدي صروف الليالي ... خلقاً من أبي سعيد غريباً\r\rفقد اقتضب الشاعر هنا حديثه عن الشيب وانتقل إلى المدح دون تخلص.\rوقول البحتري:\rلولا الرجاء لمت من ألم الهوى ... لكن قلبي بالرجاء موكل،\rإن الريبة لم تزل في سيرة ... عمرية مذ ساسها المتوكل.\r\rفقد انتقل البحتري من حديثه عن الهوى إلى مدحه للمتوكل دون وسط بين المعنيين، أو إيجاد نوع من العلاقة بينهما.\rعلى أن هناك نوعاً من الاقتضاب قريباً من حسن التخلص، لأنه لا يخلو من وجود مناسبة أو ملاءمة، كقولهم، - بعد حمد الله - أما بعد، لأنه لم يؤت بما بعدها فجأة من غير قصد إلى ربطه بما قبله على نوع من الربط، لأنها بمعنى: مهما يكن من شيء بعد الحمد أو نحوه فإنه كذا وكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586322,"book_id":8509,"shamela_page_id":248,"part":"1","page_num":245,"sequence_num":248,"body":"وإنما كان هذا النوع اقتضاباً: لأن الإنتقائي فيه من الحمد أو نحوه إلى غيره من غير ملائمة أو مناسبة.\rومنه قول الله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ﴾ أي: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر.\rوقوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ﴾.\r\rوالموضع الثالث:\rالانتهاء، لأنه آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس ويسمونه: (حسن الانتهاء) فإذا كان مختاراً جيداً، جبر ما قد يكون قد وقع فيه الشاعر من تقصير، وإن كان غير مختار ولا جيد، لم يجبر شيئاً مما وقع فيه الشاعر، بل إنه برما أنسى السامع محاسن القصيدة كلها.\rومن حسن الانتهاء قول أبي نواس:\rفبقيت للعلم الذي تهدى له ... وتقاعست عن يومك الأيام\r\rوقول أبي تمام - في خاتمة قصيدة فتح عموريه -:\rإن كان بين صروف الدهر من رحم، ... موضولة، أو ذمام غير مقتضب\rفبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب\rأبقت بني الأصفر المراض كاسمهم ... صفرا الوجوه، وجلت أوجه العرب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586323,"book_id":8509,"shamela_page_id":249,"part":"1","page_num":246,"sequence_num":249,"body":"والبيت الأخير من حسن الختام، لأنه أفاد نهاية الفتح فآذن بانتهاء الكلام.\rعلى أن أحسن الانتهاءات ما آذن منها بانتهاء الكلام، كأن يكون لفظاً موضوعاً للدلالة على الانتهاء عادة أو عرفاً، كالدعاء والسلام ويسمونه: (براعتا المقطع)، كقول الشاعر:\rبقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل.\r\rوقول أبي الطيب - في مدح سيف الدولة -:\rفلاحظت لك الهيجاء سرجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا\r\rوجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها.\rومن المحسنات اللفظية:\r١) الجناس:\rوهو: ما اتفق فيه اللفظان في وجه من الأوجه الآتية: وهي: نوع الحروف وعددها، وهيئتها، وترتيبها، مع اختلافهما في المعنى، وهو نوعان: تام، وغير تام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586324,"book_id":8509,"shamela_page_id":250,"part":"1","page_num":247,"sequence_num":250,"body":"فأما الجناس التام:\rفهو ما اتفق فيه اللفظان في الوجوه الأربعة السابقة.\rومثاله: قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾، فقد اتفقت لفظتا (ساعة) في الآية الكريمة في الوجوه - الأربعة المذكورة، مع اختلافهما في المعنى، لأنه قد أريد بالأولى (القيامة) وبالثانية (الساعة الزمنية).\rوهو ثلاثة أنواع: مماثل، ومستوفي، ومركب:\r\rأ- فالمماثل: ما اتفق فيه اللفظان في نوع الكلمة، كأن يكونا اسمين، أو فعلين، أو حرفين:\rفالاسمان: كالآية السابقة\rوكقول أبي تمام:\rإذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب.\rجابت بمعنى اخترقت. والقسطل: الغبار الساطع في الحرب. وصدعوا: بمعنى: أمالوا، والعوالي: الرماح والشاهد هو: أن صدور العوالي: هي أعاليها، ولكن صدور الكتائب هي نحورها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586325,"book_id":8509,"shamela_page_id":251,"part":"1","page_num":248,"sequence_num":251,"body":"وهما: اسمان.\rوالفعلان: كقولك (فلان يضرب في البيداء فلا يضل، ويضرب في الهيجاء فلا يكل) فلفظ (يضرب) الأول بمعنى قطع المسافة، ولفظ (يضرب) الثاني بمعنى الحمل على الأعداء وهما فعلان.\rوالحرفان: كقولك: تذرك بالصبر تظفر به، فالباء، الأولى للتعدية والثانية للتسمية:\r\rب- والمستوفي: ما اختلف فيه اللفظان في نوع الكلمة، كأن يكون أحدهما اسماً، والأخر فعلاً، أو أحدهما حرفاً والآخر اسماً، أو فعلاً.\rفمثال الاسم مع الفعل قول أبي تمام:\rما مات من كرم الزمان فإنه يحيا لدى يحيى بن عبد الله.\r(فيحيا) الأول: فعل مضارع، والثاني: اسم علم.\rوقول الآخر:\rوسميته (يحيى) (ليحيا) فلم يكن إلى رد أمر الله فيه سبيل.\r(فيحيى) الأولى اسم علم، (يحيا) الثانية: فعل مضارع بمعنى يعيش","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586326,"book_id":8509,"shamela_page_id":252,"part":"1","page_num":249,"sequence_num":252,"body":"وكقول بعضهم:\rإذا رماك الدهر في معشر ... قد أجمع الناس على بغضهم\rفدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم\rفكنى من (دارهم) و (أرضهم) قد ذكر فعلاً، ثم ذكر اسماً.\rومثال الاسم مع الحرف قولهم: (رب رجل شرب رب رجل آخر).\rفرب الأولى: حرف جر، ورب الثانية: اسم للعصير المستخرج من العنب.\rومثال الفعل مع الحرف قولك: علا محمد ﷺ على جميع الأنام. (فعلا) الأولى فعل ماض، و (على) الثانية: حرف جر.\r\rجـ- والمركب: هو: أن يكون اللفظان مركبين، أو يكون أحدهما مركباً والآخر مفردا.\rفمثال ما كان اللفظان فيه مركبين: قول الشاعر:\rفلم تضع الأعادي قدر شأني ... ولا قالوا: فلان قد رشاني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586327,"book_id":8509,"shamela_page_id":253,"part":"1","page_num":250,"sequence_num":253,"body":"فاللفظ الأول مركب من القدر والشأن، واللفظ الثاني مركب من (قد) ومن الفعل المشتق من الرشوة.\r\rوالثاني: وهو ما كان أحد اللفظين فيه مركباً - بتنوع إلى ثلاثة الأنواع الآتية: مرفو، ومتشابه، ومفروق.\rفالمرفو:\rهو ما كان اللفظ المركب فيه مكوناً من كلمة وجزء كلمة، كقولهم: (أهذا مصاب هلم طعم صاب) فاللفظ الأول وهو (مصاب) بمعنى: اسم مفعول من أصاب، والثاني مركب من كلمة هي (صاب) بمعنى: العلقم، وجزء كلمة: هي الميم من (طعم).\rوالمتشابه:\rهو ما كان اللفظ المركب فيه مكوناً من كلمتين وكان اللفظان متفقين في الخط، كقول الشاعر:\rإذا ملك لم يكن ذا هبة فدعه، قد ولته ذا هبة\rفاللفظ الأول مركب من كلمتين هما: (ذا) بمعنى صاحب و (هبة) بمعنى عطية.\rيعني: كريم، واللفظ الثاني مفرد، وهو اسم فاعل من الذهاب،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586328,"book_id":8509,"shamela_page_id":254,"part":"1","page_num":251,"sequence_num":254,"body":"وقد اتفق اللفظان في الخط.\rوكقولهم: يا مغرور: أمسك، وقسى يومك باسمك، فاللفظ الأول مفرد، لأنه فعل أمر من الإمساك بمعنى: كف عن غرورك هو اللفظ الثاني مركب من كلمتين هما: (أمس) بمعنى اليوم الذي قبل يومك، وكان الخطاب وقد اتفق اللفظان في الخط - كما رأيت -.\rوالمفروق:\rهو ما كان اللفظ المركب فيه مركباً من كلمتين، وكأن اللفظان مختلفين في الخط، كقول أبي الفتح البستي،\rكلكم قد أخذ الجام ولا جام لنا: ما الذي ضر مدير الجام لو جاملنا؟ !\rفاللفظ الأول مركب من (جام) بمعنى كأس و (لنا) الجار والمجرور، واللفظ الثاني مفرد وهو: جاملنا والضمير كالجزء من الكلمة، لاتصال الضمير فيها بالفعل.\rوكقول أبي حفص عمر بن علي المطوعي:\rلا تعرضن على الرواة قصيدة ما لم تبالغ قبل في تهذيبها\rفمتى عرضت الشعر غير مهذب عدوه منك وساوساً تهذى بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586329,"book_id":8509,"shamela_page_id":255,"part":"1","page_num":252,"sequence_num":255,"body":"فاللفظ الأول مفرد وهو: مصدر (هذب) بالتضعيف، والضمير المضاف إليه كالجزء من الكلمة، والثاني مركب من كلمتين هما: - (تهذي) و (بها) من الهذيان وهو: الاختلاط في القول، وقد اختلف اللفظان في الخط.\rووجه حسن هذا القسم، أي التام: حسن الإفادة مع أن الصورة صورة الإعادة.\r\rوأما الجناس غير التام:\rوهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الوجوه الأربعة التي اشترط وجودها في الجناس التام.\rوله بحسب حالات الاختلاف - أربع حالات:\rالحالة الأولى: الاختلاف في نوع الحروف:\rفإذا كان اللفظان مختلفين في نوع الحروف فالجناس بينهما إما أن يكون مضارعاً، وإما أن يكون لاحقاً.\rأ- فالمضارع: ما كان الحرفان اللذان وقع بينهما الخلاف متقاربين في المخرج، سواء أكانا في أول اللفظ أو في وسطه، أو في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586330,"book_id":8509,"shamela_page_id":256,"part":"1","page_num":253,"sequence_num":256,"body":"نهايته، وسمى مضارعاً، لمضارعه المخالف من اللفظين لصاحبه في المخرج.\rوالحرفان المختلفان إما أن يكونا في الأول، كقول الحريري: (بيني وبين كنى ليل وأمس، وطريق طامس) والدامس: شديد الظلمة والطامس: الذي ليس فيه أثر يهتدي به.\rوأما أن يكونا في الوسط: كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ فالهمزة والهاء من الحلق.\rوأما أن يكونا في الآخر: كقول النبي ﷺ \"الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة\".\rب- واللاحق: ما كان الحرفان اللذان وقع بينهما الخلاف غير متقاربين في المخرج، سواء أكانا في الأول أو في الوسط، أو في الآخر.\rوسمى لاحقاً: لأن أحد اللفظين ملحق بالآخر في الجناس.\rفمثال الأول: قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ والهمزة واللام غير متقاربين في المخرج، لأن الهاء حلقية، واللام لسانية.\rومثال الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ والهاء والدال غير متقاربتين في المخرج، لأن الهاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586331,"book_id":8509,"shamela_page_id":257,"part":"1","page_num":254,"sequence_num":257,"body":"حلقية، والدال لسانية.\rومثال الثالث: قول البحتري:\rهل لما فات من تلاق تلاقي؟ ... أم لشاك من الصبابة شافي؟\rوالتلاقي: مصدر من تلاقي الأمر: تداركه، والصبابة: الشوق، بالجناس بين \"تلاق\" و\"تلاقي\" والقاف والفاء في آخرهما متباعدتان في المخرج.\rعلى أنه يشترط في اللفظتين المختلفين في نوع الحرب ألا يقع الاختلاف في أكثر من حرف واحد، وإلا لم يبق بينهما تجانس لفظي، (كفتح وفقد) و (علم وعرف) و (خبز وخرج) إذ ليس بين تلك الألفاظ تجانس لفظي، لأن الاختلاف في نوع الحرب قد وقع في أكثر من حرف.\r\rوالحالة الثانية:\rوهي حالة الاختلاف في عدد الحروف:\rفإذا ما اختلف اللفظان في عدد الحروف بأن كان عدد أحد اللفظين زائداً، سمى (الجناس الناقص)، وذلك لنقصان أحد اللفظين عن الآخر في عدد الحروف، وهو أنواع: (مطرف، ومكتنف، ومذيل).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586332,"book_id":8509,"shamela_page_id":258,"part":"1","page_num":255,"sequence_num":258,"body":"فالمطرف:\rما كانت الزيادة فيه في أول اللفظ، كما في قوله تعالى:\r﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ فالجناس بين (الساق) و (المساق) جناس ناقص، لأن باللفظ الثاني زيادة هي الميم في أوله.\rوالمكتنف:\rما كانت الزيادة فيه في وسط اللفظ نحو قولهم: (جدى جهدي) بفتح الجيم فيهما، والهاء زائدة في وسط اللفظ الثاني.\rوالمذيل:\rما كانت الزيادة فيه في آخر اللفظ، كقول أبي تمام:\rيمدون من أيدي عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضب.\rأي: عاصيات على أعدائهم، عاصمات لأوليائهم، وقواض، أي مهلكات، وقواضب: أي قاطعات.\rفبين (عواص وعواصم) جناس ناقص، لزيادة حرف الميم في آخر اللفظ الثاني، وكذلك بين (قواض وقواضب) جناس ناقص، لزيادة حرف الباء في اللفظ الثاني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586333,"book_id":8509,"shamela_page_id":259,"part":"1","page_num":256,"sequence_num":259,"body":"وكقول الخنساء:\rإن البكاء هو الشفا ... من الجوى بين الجوانح\rوالجوى: حرقة القلب، والجوانح: الضلوع: فبين (الجوى، والجوانح) جناس ناقص لزيادة حرفي النون والحاء في آخر اللفظ الثاني.\rوقد يسمى ما كان الاختلاف فيه بزيادة أكثر من حرف في الآخر (مذيلاً).\r\rوالحالة الثالثة:\rهي حالة الاختلاف في هيئة الحروف:\rفإذا اختلف اللفظان في هيئة الحروف كان الجناس نوعين (محرفاً، ومصحفاً).\rفالمحرف:\rما اختلف فيه اللفظان في الحركات والسكنات: نحو قولهم: جبسة البرد، جنة البرد)، إذ بين (البَرد والبُرد) جناس محرف، لاختلافهما في الهيئة، فالأول بضم الباء، وهو نوع من الثياب، والثاني: ضد الحر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586334,"book_id":8509,"shamela_page_id":260,"part":"1","page_num":257,"sequence_num":260,"body":"والمصحف:\rما اختلف فيه اللفظان نقطاً، بحيث لو زال إعجام أحدهما أو كليهما لم يتميز أحدهما عن الآخر، كقول أبي نواس:\rمن بحر شعرك أغترف ويفيض علمك أعترف.\rفبين (أعترف واعترف) جناس \"مصحف\"، إذ ليس بينهما خلاف إلا بالنقط، بحيث لو تجرد اللفظان عنه لما تميز أحدهما عن الآخر.\r\rوالحالة الرابعة:\rحالة الاختلاف في ترتيب الحروف:\rفإذا اختلف اللفظان في ترتيب حروفهما سمى \"جناس القلب\": وهو أربعة أنواع: (قلب كل وقلب بعض، ومجنح، ومستو).\rفالقلب الكلي:\rما انعكس فيه ترتيب الحروف، كقولهم: حسابة فتح لأوليائه وحتف لأعدائه، فبين (فتح وحتف) جناس قلب كلي، لأن الترتيب فيها قد انعكس كلياً، لأن (حتف) مقلوب (فتح).\rوالقلب الجزئي: ما انعكس فيه ترتيب بعض الحروف، كما في قولك:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586335,"book_id":8509,"shamela_page_id":261,"part":"1","page_num":258,"sequence_num":261,"body":"(اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا) لأن انعكاس الترتيب فيه ليس في كل الحروف.\rوالمجنح:\rما كان فيه أحد اللفظين اللذين وقع بينهما القلب في أول البيت والآخر في آخره، كأن له جناحين، كما في قول الشاعر:\rلاح أنوار الهدى من كفه في كل حال\rفلفظ لاح مقلوب حال، ولفظ حال مقلوب لاح، وقد وقع أولهما في أول المصراع الأول وثانيهما في آخر المصراع الثاني.\rوالمستوى:\rما كان اللفظ فيه، بحيث لو عكس، وبدئ بحرفه الأخير إلى الأول لم يتغير نحو: \"كل في فلك\"، لأنك لو عكست هذا الترتيب، فبدأت من الكاف في (فلك) كان هو بعينه.\rومنه قول الشاعر:\rمودته تدوم لكل هول وهل كل مودته تدوم؟\rفإنك لو بدأت بآخر حرف من البيت إلى أوله لما تغير اللفظ ولا المعنى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586336,"book_id":8509,"shamela_page_id":262,"part":"1","page_num":259,"sequence_num":262,"body":"بلاغة الجناس:\rفي أثناء احتجاج عبد القاهر الجرجاني للمعنى على اللفظ - في أول أسرار البلاغة - ذكر أن هناك أقساماً قد يتوهم في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة أن الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ والجرس إلى ما يناجى فيه العقل النفسي، ولكنها إذا حققت النظر، وأمعنت الفكر ترجع إلى هذا الذي يناجى فيه العقل النفسي ثم بين أن من هذه الأقسام التجنيس والحشو.\rأما التجنيس: فقد كشف النقاب عن سر إعجابك به قائلاً: \"أما التجنيس فإنك لا تستحسن اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل حميداً، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله - من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب -:\rذهبت بمذهب السماحة فالتوت ... فيه الظنون: أمذهب أم مذهب؟\r\rواستحسنت تجنيس القائل \"حتى نجا من خوفه وما نجا\"، وقول المحدث:\rناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني!\r\rلأمر يرجع إلى اللفظ علم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأول وقويت في الثاني ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفاً مكررة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586337,"book_id":8509,"shamela_page_id":263,"part":"1","page_num":260,"sequence_num":263,"body":"تدوم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيه الآخر قد أعاد عليك اللحظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه الصريرة صار التجنيس وخصوصاً المستوفى منه، الشفق في الصورة من حلى الشعر ومعدوداً في أقسام البديع.\rفقد تبين لك أن ما يعطي التجنيس من الفضيلة لم يتم إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه إلا مستحسن ولما وجد فيه معيب مستهجن، ولذلك؟ ؟ ؟ الاستكثار منه والولوع به، وذلك لأن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ خدم المعاني، والمعرفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها المستحقة طاعتها (١).\rفالحسن في التجنيس - عند عبد القاهر - حسن معنوي قبل أن يكون لفظياً، لأنك لا تستحسن اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعاً حميداً، ولم يكن مرمى الجامع بينهما فرمى بعيداً، ولأن الفضيلة في التجنيس إذا كانت باللفظ وحده، لكان التجنيس مستحسناً في كل حال، مع أن الأمر ليس كذلك، \"لأن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها لتجنيس إليه\".\rوعلى هذا فإن التجنيس لا يستحسن إلا إذا كان مطابقاً لمقتضى الحال، ولهذا فإنه في البلاغة من الصميم.","footnotes":"(١) أسرار البلاغة ص ١١، ص ١٢ (مطبعة الإستقامة).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586338,"book_id":8509,"shamela_page_id":264,"part":"1","page_num":261,"sequence_num":264,"body":"أما سر استحسان التجنيس - عند عبد القاهر أيضاً - فهو: هذا الخداع اللفظي الذي يخدعك به الشاعر أو الأديب ويبدي لك الكلام في صورة التكرير والإعادة، مع أنه قد تضمن حسن الإفادة والزيادة.\rومع أن عبد القاهر الجرجاني قد ذكر هذه الفائدة للتجنيس - وهي حسن الإفادة مع أن الصورة صورة التكرير والإعادة - فإن بهاء الدين السبكي ينقل عن صاحب كنز البلاغة، عماد الدين إسماعيل بن الأثير الحلبي - وهو من علماء القرن الثامن الهجري - أنه قال: \"لم أر من ذكر فائدة الجناس، وخطر لي أنها الميل إلى الإصغاء إليه فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلاً وإصغاء إليها، ولأن اللفظ المشترك إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوف إليه (١). وكأنه لم يطلع على أسرار البلاغة على أنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق المتكلم نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلاً، ولا تجد عنه حولاً.\rومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه وأحق بالحسن وأولاه: ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه وتأهب لطلبه، أو ما هو لحسن ملاءمته - وإن كان مطلوباً -، بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك","footnotes":"(١) شروح التلخيص جـ ٤، ص ٤١١، ص ٤١٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586339,"book_id":8509,"shamela_page_id":265,"part":"1","page_num":262,"sequence_num":265,"body":"كما يمثلون به - أبداً - من قول الشافعي - رحمه الله تعالى - وقد سئل عن النبيذ، فقال: \"أجمع أهل الحرمين على تحريمه\". ومما تجده كذلك قول البحتري - من قصيدة يمدح بها ابن نويخت -:\rيمشي عن المجد الغبي ولن ترى في سؤدد أربا لغير أريب\rوبعد: فقد رأيت أن التجنيس مما يكسو الأسلوب جمالاً، ويزيد المعنى قبولاً وتمكيناً، وبهذا كان من صميم البلاغة.\r\r٢) السجع:\rهو: توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد في الآخر.\rوتسمى كل واحدة من العبارتين اللتين وردت بهما الفاصلتان المتفقتان قرينة، لمقارنتها لصاحبتها كما أنها تسمى أيضاً - فقرة.\r\rوللسجع أنواع ثلاثة هي: المطرف، والمرصع، والمتوازي:\rفأما المطرف:\rفهو: ما اختلفت فيه الفاصلتان في الوزن العروضي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾؟\rفقوله: \"وقارا\" هو الفاصلة الأولى، وقوله: \"أطوارا\" هي الفاصلة الثانية، وقد اختلفت الفاصلتان في الوزن العروضي، لأن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586340,"book_id":8509,"shamela_page_id":266,"part":"1","page_num":263,"sequence_num":266,"body":"الأولى على وزن (فعولي) والثانية على وزن (مستفعل).\rوإنما سمى هذا النوع باسم (المطرف) لأن الذي وقع به التوافق إنما هو الطرف وهو الحرف الأخير.\r\rوأما المرصع:\rفهو ما كانت فيه ألفاظ إحدى الفقرتين، أو أغلبها مثل ما يقابلها من ألفاظ الفقرة الأخرى في الوزن والتقفيه (ص ٢٦٣)، كما في قول الحريري: (فهو يطبع الاسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه) وكقول أبي الفضل الهمذاني: (أن بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا) وقول أبي الفتح البستي: (ليكن أقدامك توكلا، واحجامك تأملا).\rوإنما سمى هذا النوع باسم (المرصع) تشبيهاً له بالعقد الذي ترصع فيه اللآلئ.\r\rوأما المتوازي:\rفهو ما لم تكن فيه ألفاظ أحدى الفقرتين ولا أغلبها مثل ما يقابلها من ألفاظ الفقرة الأخرى فطابع الفقرتين يسوده الاختلاف، وليس الاتفاق، وهذا الاختلاف إما أن يكون في الوزن والتقفيه معاً، وإما أن يكون في التقفيه دون الوزن، وإما أن يكون في الوزن دون التقفيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586341,"book_id":8509,"shamela_page_id":267,"part":"1","page_num":264,"sequence_num":267,"body":"فمثال ما كان الاختلاف فيه في الوزن والتقفيه معاً: قول الله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾.\rفالقرينتان، هما: (سرر مرفوعة) و (أكواب موضوعة) لأن لفظ (فيها) لا يوجد ما يقابله، فلا اعتبار به (فسرو) - وهو نصف القرينة الأولى - يقابله أكواب) من القرينة الأخرى، وقد اختلفتا في الوزن والتقفيه.\rفوزن (سرو) (متفا) ووزن (أكواب) (مستفعل) وتقفيه الأولى بالراء أما الثانية فبالهاء.\rومثال ما كان الاختلاف فيه في التقفيه دون الوزن: قولهم: (حصل الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت)، أي: أنعم الله علي فحصل عندي وملكت الناطق وهو الرفيق، والصامت كالخيل ونحوها والمغار (فحصل) على وزن (هلك) وقافتيهما مختلفة، لأن قافية الأولى هي اللام ولكن قافية الثانية هي الكاف وكذك يقال في ناطق وحاسد، وأما (صامت) و (شامت) فلابد فيها من التوافق وزناً وقافية، لأنهما فاصلتان.\rوأما ما كان الاختلاف في الوزن دون التقفيه: فقد مثل له السعد في شرحه للتلخيص بقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ لأن وزن (المرسلات) - في نظره - مخالف لوزن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586342,"book_id":8509,"shamela_page_id":268,"part":"1","page_num":265,"sequence_num":268,"body":"(العاصفات).\rوالحق ما قاله المحقق ابن يعقوب المغربي (١): من أن المعتبر هنا هو الوزن الشعري لا الوزن النحوي، وعليه فهما متوافقان إذا المتحرك في مقابلة المتحرك، والساكن في مقابلة الساكن، وعدد الحروف المنطوق بها واحد فيهما، فهما في الوزن العروضي (فاعلات) وإن كان وزن - المرسلات في النحو (المفعلات) والعاصفات (الفاعلات).\rويبدو أنهم لم يجدوا مثالاً لهذا الفرع من تقسيمهم العقلي، فأعرضوا عنه صفحاً.\rويشترط لحسن السجع اختلاف قرينته في المعنى، ولهذا فإن قول الصاحب بن عباد في قوم مهزومين \"طاروا واقين بظهورهم صدورهم، بأصلابهم نحورهم\" لا يعد سجعاً حسناً، لعدم اختلاف قرينتيه في المعنى لأن أصلابهم بمعنى ظهورهم، ونحورهم بمعنى صدورهم.\rوأحسن السجع ما تساوت قرائنه، كقوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. فهذه قرائن ثلاث تساوت في أن كلاً منها مركب من كلمتين.","footnotes":"(١) شروح التلخيص جـ ٤ ص ٤٤٨، ص ٤٤٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586343,"book_id":8509,"shamela_page_id":269,"part":"1","page_num":266,"sequence_num":269,"body":"ويليه ما طالت قرينته الثانية: أو الثالثة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فهاتان قرينتان ثانيتهما أكثر عدداً من الأولى، وكقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ فقوله: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قرينة ثالثة، وهي أطول من سابقتها.\rعلى أنه لا يحسن أن يؤتى بالقرينة الثانية أو الثالثة أقصر من سابقتها، لأن السجع قد استوفى أمده في الأولى فإذا جاءت الثانية أو الثالثة أقصر، بقى الإنسان عند سماعه؟ ؟ ؟ ؟ ؟ (ص ٢٦٦) من يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها.\r\rبلاغة السجع:\rسبق أن أسلفنا لك عند الحديث عن بلاغة الجناس: أن عبد القاهر الجرجاني قد سوى بين الجناس والسجع في أنهما لا يكونان مقبولين إلا إذا كان المعنى هو الذي قد طلبهما، وساق المتكلم إليهما حتى يجدهما فلا ينبغي بهما بدلاً، ولا يجد عنهما حولاً.\rوهنا نقول لك: أن عبد القاهر الجرجاني بعد أن أورد أمثلة للجناس المقبول، ساق أمثلة أخرى لما جاء من السجع هذا المجيء، وجرى هذا المجرى، وحل هذا المحل من الحسن والقبول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586344,"book_id":8509,"shamela_page_id":270,"part":"1","page_num":267,"sequence_num":270,"body":"ومما أورده في هذا المجال قول قيس بن سعد بن عبادة: \"اللهم هب لي حمداً، هب لي مجداً، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال\". وقول النبي ﷺ: \"يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام\".\rثم قال: \"فأنت لا تجد في جميع ما ذكرت لفظاً اجتلب من أجل السجع، وترك ما هو أحل بالمعنى منه وأبريه، وأهدى إلى مذهبه، ولذلك أنكر الأعرابي - حين شكا إلى عاملي الماء بقوله: (حلات (ص ٢٦٧) ركابي، وشققت ثيابي وضربت صحابي) فقال له العامل: وتسجع أيضاً؟ - إنكار السجع حتى قال: فكيف أقول؟ وذاك أنه لم يعلم أصلح لما أراد من هذه الألفاظ، ولم يره بالسجع مخلاً بمعنى أو محدثاً في الكلام أو تكرارها، أو خارجاً إلى تكلف، واستعمال لما ليس معتاد في فرضه. وقال الجاحظ: لأنه لو قال: حلأت أبلى أو جمال، أو نوقى، أو بعرائي، أو صرمتي، لكان لم يعبر عن خفي معناه، وإنما حلئت ركابه فكيت بدع الركاب إلى غير الركاب؟ وكذلك قوله: وشققت ثيابي، وضربت صحابي (١).\rويقول الدكتور احمد موسى - في الصبع البديعي -: \"وإذ كانت للسجع فائدة ونكتة لا تقل عما ذكروه للجناس إذ أنه يخامر العقول","footnotes":"(١) أسرار البلاغة ص ٨، ص ٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586345,"book_id":8509,"shamela_page_id":271,"part":"1","page_num":268,"sequence_num":271,"body":"مخامرة الخمر، ويخدر الأعصاب أخدار الغناء، ويؤثر في النفوس تأثير السحر، ويلعب بالأفهام لعب الريح بالهشيم، لما يحدثه من النغمة المؤثرة والموسيقى القوية التي تطرب لها الآذان، وتهش لها النفس، فتقبل على السماع من غير أن يداخلها ملل أو يخالطها فتور، فيتمكن المعنى في الأذهان ويقر في الأفكار، ويعز لدى العقول، وكان كل أولئك مما يتوخاه البلغاء، ويقصده ذووا البيان واللسن كان السجع مما يستدعيه المقام، وتوجيه البلاغة (١).\rوبعد: \"فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله\" وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم\".\rحسن إسماعيل عبد الرازق","footnotes":"(١) الصبع البديعي في اللغة العربية ص ٤٩٦، ص ٤٩٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586346,"book_id":8509,"shamela_page_id":272,"part":"1","page_num":269,"sequence_num":272,"body":"\"مراجع البحث ومصادره\"\r١) القرآن الكريم.\r٢) أسرار البلاغة، لعبد القاهر الجرجاني.\r٣) أسس النقد الأدبي عند العرب للدكتور أحمد بدوي.\r٤) إعجاز القرآن للباقلاني.\r٥) الأطول للعلامة عصام الدين.\r٦) الإيضاح، للخطيب القزويني.\r٧) البديع، لعبد الله بن المعتز.\r٨) البلاغة تطور وتاريخ للدكتور شوقي ضيف.\r٩) البيان العربي للدكتور بدوي طبانة.\r١٠) البيان والتبيين: للجاحظ.\r١١) التصوير البياني، للدكتور محمد أبو موسى.\r١٢) الحيوان، للجاحظ.\r١٣) الخصائص، لابن جني.\r١٤) الصبع البديعي في اللغة العربية للدكتور احمد موسى.\r١٥) الصناعتين، لأبي هلال العسكري.\r١٦) العمدة في صناعة الشعر ونقده، لابن رشيق.\r١٧) الكشاف، للزمخشري.\r١٨) القاموس المحيط، للفيروزبادي.\r١٩) المطول، لسعد الدين التفتازاني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586347,"book_id":8509,"shamela_page_id":273,"part":"1","page_num":270,"sequence_num":273,"body":"٢٠) المغني في أبواب التوحيد والعدل، للقاضي عبد الجبار.\r٢١) المفتاح، للسكاكي.\r٢٢) المنهاج الواضح في البلاغة للأستاذ حامد عوني.\r٢٣) النقد الأدبي الحديث للدكتور محمد غنيمي هلال.\r٢٤) الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني.\r٢٥) أنباه الرواة، للقبطي.\r٢٦) بيان إعجاز القرآن للخطابي (مطبعة دار التأليف).\r٢٧) بغية الوعاة، للسيوطي.\r٢٨) تاريخ الأمم الإسلامية، للخضري.\r٢٩) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (دار المعارف).\r٣٠) خزانة الأدب، للبغدادي.\r٣١) خصائص التراكيب للدكتور محمد أبو موسى.\r٣٢) دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني.\r٣٣) شذرات الذهب.\r٣٤) شرح الإيضاح.\r٣٥) شروح التلخيص.\r٣٦) طبقات الشافعية للسبكي.\r٣٧) عبد القاهر الجرجاني للدكتور احمد بدوي.\r٣٨) فوات الوفيات.\r٣٩) لسان العرب، لابن منظور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7586348,"book_id":8509,"shamela_page_id":274,"part":"1","page_num":271,"sequence_num":274,"body":"٤٠) مجمع الأمثال للميداني.\r٤١) مراحل البحث البلاغي للدكتور حسن إسماعيل عبد الرازق.\r٤٢) معجم الأدباء، لياقوت.\r٤٣) مواهب الفتاح، لابن يعقوب المغربي.\r٤٤) نظرية البيان للدكتور حسن إسماعيل عبد الرازق.\r٤٥) نقد الشعر، لقدامة.\r٤٦) وفيات الأعيان، لابن خلكان.\r٤٧) يتيمة الدهر، للثعالبي.\r* * * * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}