{"page_id":6876052,"book_id":7655,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":1,"body":"شرح متن أبي شجاع - المقدمة\rعلم الفقه من أشرف العلوم، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وقد قدر الله أن تحفظ الأمة فقه أربعة أئمة هم كالنجوم يهتدى بهم، وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وكل مذهب منها يتميز بميزات ليست في غيره، وقد جمع الشافعي بين مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي، وهو أول من أشاع علم أصول الفقه، فكان مذهبه من أقوى المذاهب وأوسعها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876053,"book_id":7655,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":2,"sequence_num":2,"body":"أهمية علم الفقه\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: علم الفقه هو من أشرف العلوم، قال ابن الجوزي: العمر قصير والعلم كثير، فالأولى أن يتجه المرء إلى ما ينفعه، وأنفع العلوم في هذه العصور هو علم الفقه، ويكفيك أن الله جل في علاه ذكر في كتابه الكريم: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥]، والنبي ﷺ أصل أصلاً أصيلاً في حفظ حديثه وفهمه فقال: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: الطريق الأول: إثبات السند.\rالطريق الثاني: فهم المتن.\rوفقه المتن هو رأس الأمر، لذلك على كل طالب علم أن ينشغل بعلم الفقه، وقد قال إمامنا في المذهب الذي سندرسه بإذن الله: من طلب الفقه رجح عقله، ومن طلب الحديث قويت حجته.\rوقد قرر علماؤنا أن فقهاء المحدثين هم أعلم الناس على الإطلاق، وهم في أشرف المراتب على الإطلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876054,"book_id":7655,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":3,"body":"لمحة تاريخية عن نشأة الفقه\rظهر الفقه بعدما جلس أصحاب رسول الله ﷺ مع رسول الله يطلبون حديثه ويعقلون ما يقول، ويتفقهون في الأحكام التي تدور على هذه الأحاديث، وبرع كثير من الصحابة في الفقه، وعلى رأسهم أبو بكر ﵁ وأرضاه، وعمر الفقيه الملهم المحدث، وزيد بن ثابت ﵁ وأرضاه، وابن عباس ﵁ وأرضاه، وعبد الله بن مسعود الفقيه المقرئ الحافظ ﵁ وأرضاه، وأبو موسى الأشعري وغيرهم.\rوعمر بن الخطاب يبين لنا منزلة الفقه من الإسلام عندما بعث كتاباً إلى أبى موسى الأشعري يقول له فيه: الفهم الفهم فيما يأتيك، واحذ حذوا الكتاب والسنة.\rوالسنة مثل القرآن في الحجية، لكنها ليست مثله في المرتبة والرفعة، فالقرآن أعلى المراتب، ثم الحديث القدسي، ثم الحديث النبوي.\rوكان الفقيه من الصحابة يكون قارئاً للقرآن وحافظاً للحديث.\rوهؤلاء الصحابة العلماء ربوا على أيديهم فقهاء برعوا في علم الفقه، منهم فقهاء المدينة السبعة، وهم: الأول: سعيد بن المسيب الذي قال فيه أحمد: أعلم التابعين.\rوالثاني: عروة بن الزبير، والثالث: سليمان بن يسار، والرابع: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والخامس: خارجة بن زيد، والسادس: القاسم بن محمد، واختلف العلماء في السابع منهم: هل هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو سالم بن عبد الله؟ فهؤلاء فقهاء المدينة السبعة كانوا إذا اتفقوا على مسألة انتهى بحثها، ولا أحد يبحث بعد ذلك عن هذه المسألة عند غير هؤلاء السبعة.\rثم بعد ذلك نبغ الفقهاء الذين كانوا في قرون الخيرية الأولى، مثل: الحسن البصري الذي كان واعظاً فقيهاً قاضياً مفتياً، قال بعض العلماء: كلام الحسن يشبه كلام الأنبياء، وقد اندثر مذهبه لأنه لم يحمله أصحابه، وما من مذهب اندثر إلا والعلة في أصحابه، وإلا فهم ملئوا الدنيا علماً وحكمة، ومنهم عامر بن شراحيل الشعبي، فهذا الرجل كان فقيهاً أثرياً حافظاً لأحاديث النبي ﷺ، وقد اندثر مذهبه لأن أصحابه لم يحملوه، ومن طرائف ما حدث مع الشعبي: أن قصاصاً افترى حديثاً عن النبي ﷺ: أن الله سينفخ في صورين، فقام الشعبي وسط الحلقة فقال: اتق الله! كيف تكذب على رسول الله، من أين أتيت بهذا الحديث؟! فقال: أوترد علي يا ابن كذا! وسبه مسبة شديدة، ثم خلع نعله وضربه به فاقتدى به العامة، فما من أحد إلا وخلع نعله وضربه على وجهه، قال: فما عرفت وجهي من قفاي، فما تركوني حتى أقسمت بالله أن الله سينفخ في سبعين صوراً! ومن الفقهاء الذين اندثر مذهبهم: الأوزاعي فقيه الشام، وقد كان فقيهاً بارعاً أثرياً ينبذ الرأي، وكان قد انتشر مذهبه في الشام وفي الأندلس، ولكن لما انتشر مذهب مالك اندثر مذهب الأوزاعي ومذهب كثير من الفقهاء، مثل مذهب الليث بن سعد مفخرة المصريين الثقة الثبت الحافظ، وقد دخل الشافعي في آخر حياته مصر، فنظر في كتب وكلام الليث فقال: الليث أفقه من مالك، وهناك مناظرات طويلة بين الليث بن سعد وبين الإمام مالك، يراجعه في قوله بتقديم عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد.\rومن فقهاء السلف: داود الظاهري وهذا المذهب مذهب قوي جداً، وداود هذا ولد بعد الشافعي، وكان ينكب على كتب الشافعي، وينتصر لمذهب الشافعي، إلا أنه أخذ على الشافعي القول بالقياس، وهو ينكر القياس تماماً، وهذا الذي أضعف مذهب داود الظاهري، وهذا المذهب اندثر حتى قام من ينتصر له وهو ابن حزم فارس الميدان؛ ولذلك بقي إلى الآن مذهب الظاهرية في كتاب المحلى للإمام ابن حزم.\rومن الفقهاء الذين اندثر مذهبهم: الثوري، وكان قريناً للإمام أبي حنيفة، وهو ثقة ثبت حافظ للحديث فقيه دخل أبو حنيفة على الثوري وكان مجلسه يعج بطلبة الحديث، فقام الثوري من مكانه، فأجلس أبا حنيفة مكانه فاستاء أصحابه، ولأهل الحديث كلام فيه غمز في أبي حنيفة لضعف اعتنائه بالحديث، وأيضاً لمذهبه في الإيمان، فقال الثوري: إن لم أقم لعلمه، قمت لسنه، فكان يعرف له قدره، وكان أبو حنيفة يعرف لـ سفيان قدره، وسفيان كان يخالف أبا حنيفة في مسألة القياس والرأي، فكان كثيراً ما يأخذ بالأثر ويعض عليه بالنواجذ، والثوري لا ترى له كلاماً في الفقه إلا في بطون كتب الفقه، وليس له مذهب مستقل.\rثم بعد ذلك من الله على الأمة بأربعة فقهاء بقيت مذاهبهم، وبقي الناس يقتدون بهذه المذاهب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876055,"book_id":7655,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":4,"body":"مذهب أبي حنيفة\rمذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت، هذا الفقيه قال فيه الشافعي: الفقهاء عيال على أبي حنيفة، يعني: ما من فقيه إلا ولا بد أن يشرب وينهل من بحر علم أبي حنيفة في الفقه، والشافعي قرأ كتبه وناظر أصحابه؛ لأنه لم يعاصره، فقد ولد في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة سنة ١٥٠هـ، وهذا فضل الله ﷾؛ فإنه لا يقبض عالماً إلا وفي العام نفسه يقدر أن يولد من يكون عالماً مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ولد بعد موت العز بن عبد السلام بسنة.\rوقد أضعف مذهب أبي حنيفة أنه كان يأخذ كثيراً بالقياس وبالرأي، ولذلك سميت مدرسته بمدرسة الرأي، والذي جر أبا حنيفة إلى ذلك كثرة الرفض والتشيع في بلاده العراق وبلاد فارس، فكثرت النوازل والمسائل، وقد كان يتحرى الأحاديث لأن الكذبة على رسول الله كثيرون في بلده، فهذا الذي جره لأن ينتقل من علم الأثر إلى علم النظر، فتوسع في المدارك وقياس النظير بالنظير، فأصاب في كثير من المسائل لكنه أخطأ في أكثر المسائل، ولذلك ضعف مذهبه؛ لأنه أخذ بالرأي أكثر من الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876056,"book_id":7655,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":5,"body":"مذهب مالك\rالمذهب الثاني الذي أبقاه الله جل في علاه وحمله أصحابه هو مذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، كان علماً لأهل المدينة، وكان فحلاً من أساطين أهل العلم ومن أئمة أهل الشأن، قال فيه الشافعي: إذا ذكر الحديث فـ مالك النجم، وما أحد يعلو على مالك، ولذلك ورد عن الشافعي أنه قال: أصح كتاب بعد كتاب الله هو الموطأ، وهذا قاله قبل أن يصنف صحيح البخاري.\rوالإمام مالك وإن كان مذهبه قوياً لكن تؤخذ على مذهبه أمور من أشد ما تكون، ألا وهي: التوسع في مسألة سد الذرائع، وأيضاً مسألة المصالح المرسلة، فكثيراً ما يحتج بالمصالح المرسلة، ويأخذ بقاعدة سد الذرائع، وأيضاً مما أخذ عليه: أنه كان كثيراً ما يقدم عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد، مع أنه كان معظماً جداً لحديث النبي ﷺ، ووجهة نظر الإمام مالك في تقديمه عمل أهل المدينة أنهم خيرة الناس، وهم الذين نصروا النبي ﷺ، وهم الذين صحبوا النبي ﷺ، فإذا أجمعوا على عمل يخالف سنة آحاد، فغالب ظني أنه لا يمكن أن يكون هذا الحديث صحيحاً أو أنه منسوخ؛ فلذلك رد بعض أحاديث الآحاد ولم يأخذ بها لعمل أهل المدينة، فتراه يقول بجواز أكل القرد والأسد، وأيضاً يقول بطهارة الكلب، وهذه كلها من المفردات التي انفرد بها الإمام مالك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876057,"book_id":7655,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":6,"body":"مذهب الشافعي\rالمذهب الثالث: مذهب إمامنا الإمام الشافعي، وهذا المذهب إن لم يكن هو أقوى المذاهب على الإطلاق فهو من أقوى المذاهب، والمحققون من أهل العلم عندما يرتبون المذاهب في القوة يقدمون مذهب الشافعي ويقولون: إن أكثر فقهاء المحدثين من الشافعية، فيقدمون الشافعية ثم الحنابلة، أو يقدمون المذهب الحنبلي ثم المذهب الشافعي.\rقال مفخرة المصريين محقق كتاب الرسالة الشيخ أحمد شاكر: لو أمرت مجتهداً أن يقلد مجتهداً لأمرته أن يقلد الشافعي؛ فإن الله حباه نظراً ثاقباً في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ.\rومعنى كلام الشيخ أحمد شاكر: أنه لا يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهداً، فلو جاز لي أن آمره لأمرته أن يقلد الشافعي، والدليل على أن المجتهد لا يقلد المجتهد قول ابن مسعود: لا يكن أحدكم إمعة، والله يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، فالذي يستنبط يرجع إليه ولا يرجع هو لأحد، وأيضاً يحرم عليه أن يقلد من جهة النظر، فهذا ازدراء منه لنعمة الله جلا في علاه، لأن الله حباه فهماً في الكتاب وأمره أن يكون من حملة الكتاب، وأمر الناس أن يرجعوا إليه، فلا يجوز له أن يزدري نعمة الله عليه وينزل من هذه الطبقة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، ومفهوم الشرط من الآية: أنه لا يجوز لك أن تسأل إن كنت تعلم.\rوقوة مذهب الشافعي تتجلى في تأصيله وأصول مذهبه، فقد جمع بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، فأخذ علم الحديث من الإمام مالك وتشبع به حتى لقبه أهل العراق بناصر السنة، وذهب إلى محمد بن الحسن الشيباني وناظره وأخذ منه فقه مدرسة الرأي، فجمع بين علم الحديث وعلم الرأي، فكان فقيهاً ينزل النوازل في منازلها وكان يقدر الأمور كما سنبين في أصوله.\rوهذا المذهب كتب الله له الانتشار في جميع أنحاء الأرض، أولاً: في العراق عندما كتب كتابه القديم، وهو المذهب القديم، وقد رحل إلى اليمن فانتشر مذهبه في اليمن، وقد كان أهل اليمن على مذهب مالك وبعدما ذهب الشافعي إلى اليمن صار أكثر اليمنيين شافعية، ومنهم زيدية، ومن أحسن كتب الفقه الشافعي: كتاب البيان للعمراني، وهو شرح آخر للمهذب غير المجموع، وهذا العالم يمني، وقد ظهرت في كتابه قوة أهل اليمن في مذهب الشافعية، ولما رجع الشافعي إلى مصر انتشر المذهب الشافعي في مصر، وتوفي الشافعي في مصر وهو مدفون في القاهرة، وتشرفت مصر بهذا الإمام المطلبي الذي هو ابن عم رسول الله ﷺ، وقد جاء حديث فيه كلام لكن أحمد كان يأخذ به وهو: (يخرج على الدنيا عالم من قريش يملأ الدنيا علماً) قال أحمد: ما أراه إلا الشافعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876058,"book_id":7655,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":7,"body":"مذهب أحمد\rالمذهب الرابع: مذهب الإمام أحمد، والمحققون يرون أن أصول هذا المذهب ترجع لأصول الشافعية، ومذهب الإمام أحمد مذهب فقهي أثري، يعني: ليس له رأي فقهي منفرد، لأن الإمام أحمد كانت أصوله الكتاب والسنة وآثار الصحابة، ويأخذ بالحديث الحسن لغيره، وإذا وجد في المسألة قولاً لصحابي أخذ به، وقال: هذا إجماع سكوتي، وإن اختلفت الأقوال عن الصحابة أخذ بها كلها، ولذلك تجد أصحابه يقولون: أحمد له في هذه المسألة أربعة أقوال، وأكثر مذهب فيه أقوال كثيرة لإمامه هو المذهب الحنبلي؛ لأنه كان يرى أثراً عن عمر فيقول به، ثم يجد أثراً آخر بسند صحيح عن زيد فيقول به، وهكذا فتكثر أقواله؛ لأنه يجمع هذه الآثار ولا يرجح بينها، وهو مذهب متين أصيل لأنه يعتمد على الأثر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876059,"book_id":7655,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":8,"body":"قوة المذهب الشافعي\rالله جل وعلا حبا هذه الأمة بأربعة مذاهب لفحول أربعة انتشرت مذاهبهم: المذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي، والمذهب الشافعي هو أقوى المذاهب على الإطلاق، وقد سألت شيخي حفظه الله أبا إسحاق الحويني -وهو من خيرة الناس- عن أقوى المذاهب، وكان هو قد سأل الشيخ الألباني عن أقوى المذاهب التي يمكن أن يتأصل عليه طالب العلم، والألباني جبل شامخ لا يستطيع أحد أن يصل إلى درجة هذا الجبل، وهو فحل من الفحول، جمع علم الحديث والأصول والفقه، وكان من أقوى الناس مناظرة، وقوة الجدل والمناظرة لا تكون إلا عند إتقان أصول الفقه والقواعد الفقهية، فالرجل كان فحلاً بحق، ولا يصح أن يقال عن الشيخ الألباني ظاهري، وقد يقال: قوله في هذه المسألة يشابه قول الظاهرية، لكن لا يقال: هو ظاهري، أو يقال: ليس بفقيه، فهذا لا يصح مع فحل من فحول الأمة، ولا بد أن نتأدب ونتعلم أن ننزل الناس منازلهم، وهو ينتصر دائماً للكتاب، ولا يأخذ بمذهب معين، فعندما سأله الشيخ أبو إسحاق قال له: الكتاب والسنة، فقال: يا شيخنا! الناس يقولون: لا بد أن يتأصل الطالب على مذهب -وهذا صحيح فلا بد أن يتأصل طالب العلم على مذهب، وليس كل طالب علم يستطيع أن يستنبط الحكم من الكتاب والسنة، فالناس يتفاوتون في العقول والأفهام، وفضل الله يؤتيه من يشاء- فقال الألباني: إن كان لابد فالمذهب الشافعي ثم الحنبلي، قال: وأكثر المحدثين من الشافعية.\rفهذا المذهب قوته تظهر في أنه جمع بين علمي الحديث والفقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876060,"book_id":7655,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":9,"body":"ترجمة الشافعي\rإمام هذا المذهب هو: الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي ابن عم رسول الله ﷺ، يلتقي مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، نشأ يتيماً، وهذا هو دأب العلماء، فقد يكون أحدهم فقيراً، وما ترى عالماً كان غنياً، بل قال الإمام مالك: لن يصل أحد لهذا العلم إلا من أدقعه الفقر.\rوقد ولد بغزة ثم ارتحل مع أمه إلى مكة، فاشتغل بالأدب والبلاغة والشعر، وقابل مسلماً بن خالد الزنجي وهو ليس زنجياً، بل كان شديد البياض، فلقبوه بالعكس، كما هو دأب العرب، فنظر إلى الشافعي وقال له: من أين أنت؟ فقال: أنا مطلبي، فقال: بخ بخ! هلا جعلت فهمك هذا في الفقه؛ فانشغل بعلم الفقه، فأخذ الفقه على يد مفتي مكة مسلم بن خالد الزنجي، ثم ذهب بعد ذلك إلى المدينة فسمع من مالك الموطأ، وكان الإمام مالك ذو هيبة عظيمة، وكان إذا أراد أن يحدث بحديث النبي ﷺ اغتسل أولاً ثم تطيب بأحسن طيب ثم جلس وطلبة العلم جالسون أمامه كأن على رءوسهم الطير، والإمام الشافعي حضر مجلسه وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وجلس في آخر المجلس يستمع للإمام مالك، ولم يكن معه قلم ولا أوراق، وكان الإمام مالك يقرأ عليهم الحديث؛ لأن المحدث أما أن يملي وأما أن يُقرأ عليه فيقر، فكان يملي الأحاديث والشافعي يسمع الحديث ويضع أصبعه في فمه، فتعجب مالك منه، وكان الإمام مالك من أشد الناس تعظيماً لحديث النبي ﷺ، وقد روي عنه أنه كان لا يمشي في المدينة إلا حافياً، فلما سئل عن ذلك قال: احتراماً لصاحب القبر، فلما عظم سنة النبي ﷺ عظمه الله جل في علاه، وأصبح مذهبه منتشراً في كل البلاد والأمصار والأعصار، وهذا هو الذي رفعه على كثير من الفقهاء الذين يتقدمونه فقهاً، فبعد أن انتهى المجلس قال للشافعي: تعال، فجاءه فأغلظ له مالك في القول، وقال له: مالي أراك سيئ الأدب! فقال الشافعي: وما رأيت من سوء أدبي؟ قال: ألا تراني أحدث عن رسول الله ﷺ وأنت تضع أصبعك في فمك؟ قال: كنت أكتب الحديث عنك، فسرد كل الأحاديث التي سردها الإمام مالك، وكان الشافعي صاعقة في الحفظ، وكان إذا قرأ القرآن ونظر إلى صفحة وضع يده في الصفحة الأخرى حتى لا يقرأ الصفحتين، فكان صاعقة في الحفظ، فلما سرد له الأحاديث أعجب به مالك، ودأب العلماء والفقهاء أنهم يميزون طلبة العلم الأذكياء عن غيرهم فأخذه إلى بيته، فقرأ عليه الموطأ في عشرة أيام من حفظه غيباً، فأعجب مالك به كثيراً وكان يقول له: زد في القراءة؛ لأنه كان فحلاً في اللغة، فلما قرأ على مالك الموطأ قال له الإمام مالك: إنه سيكون لك شأن، فعليك بتقوى الله واجتنب المعاصي، ثم قال: أريد أن أرحل إلى العراق، فجاءت هدية إلى الإمام مالك فقسمها بينه وبين الشافعي، وودعه وذهب الإمام الشافعي إلى العراق، وصار يتعلم من فقهاء مدرسة الرأي، وكان يناظرهم، فعندما دخل المسجد أول مرة بدأ يبين مذهبه، وكان إذا رأى خطأ تكلم ولم يسكت، فقام القوم عليه وكادوا يقتلونه، وقالوا لـ محمد بن الحسن: هناك رجل يشوش علينا فناظره، وهو من مكة، وكان المحدثون في العراق يهابون أهل الرأي؛ لأن أهل الرأي إذا تكلم المحدث بالحديث قالوا له: هل هذا الحديث عام أم خاص؟ هل هذا الحديث مطلق أم مقيد؟ فما يعرف، فكانوا يغلبونهم مع أن الآثار معهم؛ لأنهم كانوا يحملون الأحاديث فقط: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، فكانوا يخافون من أهل الرأي، فلما ناظروا الشافعي سألوه: كيف تدخل في الصلاة؟ فقال: بركنين وسنة، فلما سمعه محمد بن الحسن علم أن له قسطاً من العلم فأخذه إلى بيته، فلما ناظر الشافعي ما استطاع أن يغلبه، وعلم أن له مكانة في العلم، فانتشر مذهب الشافعي والتف حوله أهل الحديث لما علموا أنه ينصر سنة النبي ﷺ؛ ولأنه الوحيد الذي يستطيع أن يجابه أهل الرأي، فالتفوا جميعاً حوله، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل ينهى عنه، ويحسب أنه من أهل الرأي، فلما علم أنه ناصر للحديث لازم الشافعي، فكان أحمد يعرف قدر الشافعي، ولما عاتبه يحيى بن معين على مجالسته للشافعي رد عليه، وقد كان يحيى يتكلم في الشافعي.\rألف الشافعي المذهب القديم في العراق ثم بعد ذلك رحل إلى مصر فنظر في كلام الليث ونظر في الآثار، فغير كثيراً من أقواله من المذهب القديم إلى المذهب الجديد الذي كتبه في مصر، وأخرج كتاباً يخالف فيه مالكاً مع أنه شيخه، لكنه خالفه في مسائل كان الأثر والحجة بخلاف قول مالك، وقد ورد عن الشافعي بسند صحيح أنه قال: أجمعت الأمة على أنه من استبانت له سنة رسول الله فلا يحل له أن يحيد عنها لقول قائل كائناً من كان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876061,"book_id":7655,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":10,"body":"أصول مذهب الشافعي\rارتكز الشافعي في مذهبه على كتاب الله جل في علاه، فهو مصدر التشريع الأول، وهو الكتاب المعجز الذي تكلم به جل في علاه وسمعه جبريل ونزل به إلى النبي ﷺ، وهذا الكتاب نبراس كل من يريد النجاة، فكان الشافعي يأخذ بظاهر القرآن ما لم تأت قرينة تصرف الظاهر إلى المؤول، وهذا يظهر جلياً في مسألة نقض الوضوء من لمس المرأة، فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣]، قال ابن عباس: هو الجماع، وهي كناية وهذا من أدب القرآن، لكن الشافعي قال: هذا خلاف الظاهر، وأصولنا أننا نأخذ بالظاهر، وعضد هذا الظاهر بالقراءة السبعية: (أو لمستم النساء)، فكان يأخذ بظاهر القرآن ما لم تأت قرينة تصرفه، هذا هو الأصل الأول عند الشافعي.\rالأصل الثاني: السنة، وهي قرينة للأصل الأول، فكان يأخذ بسنة النبي ﷺ الصحيحة، وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أنه كان يقول: كل قول لي رأيتم قول رسول الله ﷺ يخالفه فاضربوا بقولي عرض الحائط، وخذوا بقول النبي ﷺ.\rواشتهر عنه أيضاً أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.\rفأي حديث يخالف ما تبناه الشافعي فإن البيهقي يقول: وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.\rالأصل الثالث: إجماع الأمة؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلال، والإجماع فيه نظر عند الشافعي وعند الإمام أحمد، والشيخ الألباني مجدد السنة في عصرنا ومحدث الديار الشامية عندما قال: إن الذهب المحلق لا يجوز لبسه، فعارضوه بالإجماع، فقال بقول أحمد المشهور الذي استقاه من الشافعي: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا؟! فالإجماع نادر جداً، لكن الإمام الشافعي يقول: إذا وجد أخذنا به، والإجماع عزيز جداً إلا في عصر الصحابة وعصر التابعين، فبعدهم تشعبت السبل وكثر الفقهاء والعلماء فصعب نقل الإجماع.\rالأصل الرابع: القياس، والقياس عنده مثل أكل المضطر للميتة، فهو ليس بواسع الخطوة في القياس، والقياس لا يدخل فيه الاستحسان عند الإمام الشافعي، وبعض العلماء يدخل الاستحسان في باب القياس، فـ الشافعي لا يقول بالاستحسان، وهو الاستحسان المطلق، فقد قال الشافعي: من استحسن فقد شرع.\rوأيضاً: فالشافعي يقول بقول الصاحب على خلاف في اعتباره من أصول المذهب، والراجح: أن قول الصاحب حجة إن لم يخالفه أحد؛ ولذلك كان يقول الشافعي: هذا إجماع سكوتي.\rفهذه أصول مذهب الشافعي، وتظهر قوة هذا المذهب في أصوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876062,"book_id":7655,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":11,"body":"مصطلحات في الفقه الشافعي\rتوجد مصطلحات في مذهب الشافعي لا بد لكل طالب علم أن يتقنها وهي: المصطلح الأول: في المسألة قولان، أي: لصاحب المذهب الشافعي قولان: قول قديم وقول جديد، فالقول القديم هو: قوله في المذهب القديم الذي ألفه في العراق، والجديد هو: الذي ألفه في مصر، والمحققون في المذهب الشافعي يرون أن المذهب الجديد المتأخر ينسخ المتقدم، فعندهم الفتوى على المذهب الجديد إلا في عشرين مسألة فقط يفتون فيها على المذهب القديم.\rالمصطلح الثاني: في المسألة وجهان، فالمراد بالوجه: تخريج الأصحاب على أصول الشافعي، وأبرع الناس الذين يخرجون على أصل الشافعي: القفال وطبقته، فكيف يخرجون على أصل الشافعي؟ مثلاً: توجد مسألة لم يرد فيها قول عن الشافعي، فيأتي القفال فينظر في أصول الشافعي التي أصلها في كتابه الرسالة مثلاً، والتي كان الشافعي يمشي عليها، فيخرج له قولاً في هذه المسألة على أصول الشافعي، فيسمى هذا في المذهب: وجهاً ولا يسمى قولاً، فالقول هو ما ينسب للشافعي بلسانه، والوجه هو: ما ينسبه المخرج المجتهد في المذهب، ويعتبر وجهاً معتمداً للشافعي ولو لم يقله الشافعي.\rالمصطلح الثالث: الصحيح، أي: هذا هو قول الشافعي، وغيره ليس بقول الشافعي، فإذا وجدت النووي مثلاً يقول في المجموع: الصحيح، فالمقصود أن هذا هو قول الشافعي، وغيره ليس بقول الشافعي.\rالمصطلح الرابع: الأظهر، معناه: أن في المسألة خلافاً قوياً، فدليل القول الأول قوي، ودليل القول الثاني قوي، فهما على درجة قوية لكن الأول أقوى بشيء ظهر عند مجتهد الفتوى، ومجتهد الفتوى مثل: الرافعي والنووي، أما القفال وطبقته فهم مجتهدون في التخريج، فـ القفال أقوى مكانة من النووي.\rوقولهم: الأظهر هو: ترجيح الأصحاب، وليس ترجيح الشافعي؛ لأنه ورد عنه قولان، فيرى المجتهد أن القول الأظهر في المذهب كذا، فيقول: هذا هو الأظهر الذي يدل عليه الدليل، وهو أشبه بقول الشافعي.\rالمصطلح الخامس: المشهور، وهذا المصطلح فيه دلالة على أن في المسألة خلافاً ضعيفاً، ففي المسألة قولان ولكن القول الثاني مهجور، وما يهجره أحد إلا لضعفه.\rالمصطلح السادس: الأصح، وهذه الكلمة تدل على أن هذا هو الأصح من أقوال الشافعي، فتكون قد وردت له أقوال، لكن الأصح هو هذا القول الذي رجحه مفتي المذهب، وقد يكون هذا هو الأصح من الأوجه.\rالمصطلح السابع: أصح الأوجه، وهذا يكون في الأصحاب، فيأتي مجتهد الفتوى فينظر في هذه التخريجات، فمثلاً أبو حامد الإسفراييني خرج قولاً، والقفال خرج قولاً، فيأتي النووي أو الرافعي فيميز بينهما فيرجح وجهاً على وجه، فيكون ما رجحه هو الأصح.\rالمصطلح الثامن: الأشبه، يعني: أن هذا هو الأشبه بقول الشافعي، فقد ترد أقوال مختلفة تنسب للشافعي، فينظرون إلى تقعيد وتأصيل الشافعي فيقولون: هذا القول أشبه بقول الشافعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876063,"book_id":7655,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":12,"body":"مختصر المزني في فقه الشافعي\rمختصر المزني مجلد واحد كبير، شرحه الماوردي في أربعة وعشرين مجلداً، قال بعضهم: في مختصر المزني: ما رأت عيني ولا سمعت أذني بأفضل من مختصر المزني، والمزني كان صاعقة، قال فيه الشافعي وهو يموت: لو خاصمك الشيطان لخصمته، لقوة حجته، ولذلك العلماء يجعلونه في الطبقة الأولى من طبقات الشافعية، فهو مجتهد مطلق منتسب، والفرق بين المجتهد المطلق المنتسب والمجتهد المطلق غير المنتسب: أن الثاني ليس له مذهب محدد، مثل الشوكاني والصنعاني، أما ابن حزم فهو يلتزم بالظاهرية، وشيخ الإسلام ابن تيمية مجتهد مطلق منتسب للحنابلة، وأحياناً يميل للشافعية.\rفـ المزني قد يخرج قولاً ويقول: هذا أشبه بقول الشافعي عندي، وهذا كثير في مختصره.\rوينبغي لطالب العلم أن يرتقي بعد ذلك فيقرأ مغني المحتاج للشربيني أو يقرأ روضة الطالبين للنووي، أو يقرأ شرح مختصر المزني للماوردي، أو يقرأ المجموع للنووي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876064,"book_id":7655,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":13,"body":"أقوال العلماء في الشافعي\rمكانة الشافعي بين علماء الإسلام عظيمة، وسأختصر أقوال أهل العلم فيه، والشافعي له منة على كثير من أهل الإسلام، فمن هذه الأقوال: قال الحميدي: سمعت مسلماً بن خالد يقول للشافعي: قد والله آن لك أن تفتي، والشافعي ابن خمس عشرة سنة.\rوهذا يحيى بن سعيد القطان الذي هو نقاد فحل من أساطين أهل الحديث، الذي كان يجلس أمامه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل كالتلاميذ، وقد كان شديداً في الجرح والتعديل، قالوا: إذا وثق أحداً فعض عليه بالنواجذ، قال يحيى بن سعيد القطان: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين، وقال حين عرض عليه كتاب الرسالة: ما رأيت أعقل ولا أفقه من الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي هو الذي طلب من الشافعي أن يكتب الرسالة، وكان من أئمة أهل الحديث، قال العلماء: إذا اتفق ابن مهدي والقطان على توثيق رجل فلا تسأل عنه أحداً بعد ذلك؛ لأنه قد مر وجاوز القنطرة، يقول ابن مهدي إمام عصره في الفقه والحديث حين جاءته رسالة الشافعي: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي؛ لأنه بين له العام من الخاص والمطلق من المقيد والمجمل من المفسر، وبين له كيف يجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض.\rوقتيبة بن سعيد ثقة ثبت من رجال الصحيحين قال: مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، والثوري كان بحراً في الحديث، بل كان أوسع حفظاً من الشافعي بالإجماع، وبموت أحمد بن حنبل تظهر البدع، فهو إمام أهل السنة، قال بعضهم: إن الله حفظ الدين بـ أبي بكر في الردة، وبـ أحمد بن حنبل في المحنة، وهي محنة خلق القرآن.\rومعنى قول قتيبة: مات الشافعي وماتت السنن، مع أن السنن برمتها عند الثوري، أنه يوصف العالم بما غلب عليه، فمثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية غلب عليه الفقه، والترجيح بين الأقوال، فيجعل في طبقات الفقهاء، مع أنه بارع وإمام في الحديث، ويصح أن يطلق عليه أنه الحاكم، لكن غلب عليه الفقه، وهكذا الشافعي الغالب عليه الفقه، وأحمد الغالب عليه الحديث، فيوصف العالم بالغالب عليه.\rأيضاً الشافعي خص بذلك لأنه الذي ناظر أهل البدع لتثبيت السنن، فـ الشافعي ناظر مدرسة الرأي ليظهر قوة مدرسة الحديث، وما أحد استطاع أن يقف أمامهم إلا هو، فـ الثوري وهو من أهل الكوفة ما استطاع أن يقف هذا الموقف الذي وقفه الشافعي؛ ولذا لقبوه: ناصر السنة.\rقال أحمد بن حنبل: إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر فقل فيها بقول الشافعي، وقد جاء في الأثر: أنه يخرج عالم من قريش يملأ الدنيا علماً، قال أحمد: ما أراه إلا الشافعي.\rأيضاً قال أحمد في الشافعي: ما أرى أحداً أعظم منة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، ولا شك أن المنة لله أولاً وآخراً، فالله من عليه بالإسلام ومن عليه بالعلم، لكنه يقصد أنه أجلى روعة الإسلام وروح الشريعة بعلمه.\rوقال الإمام أحمد أيضاً: كان الفقه مقفلاً على أهله حتى فتحه الله بـ الشافعي.\rوقال: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني أحاديث رسول الله ﷺ حتى بينها لهم الشافعي.\rوقال لابنه: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل ترى لهذين من عوض؟ وأبو ثور الكلبي كان من أصحاب الرأي، فلما رحل الشافعي إلى العراق جلس أبو ثور ينظر في كتبه فانتحل مذهب الشافعي ونصره، قال: كنت أنا وإسحاق بن راهويه والكرابيسي وجماعة من العراقيين لا نترك بدعتنا -يقصد التمسك بالرأي دون حديث- حتى رأينا الشافعي.\rوقال الكرابيسي: ما كنا ندري ما الكتاب ولا السنة ولا الإجماع حتى سمعناه من الشافعي.\rوقال أيضاً: ما رأيت مجلساً قط أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث وأهل الفقه وأهل الشعر، فكل يأخذ وينهل من علمه، وهذا العلم الواسع ما آتاه الله إلا لـ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤].\rوالنبي ﷺ يقول: (الخير في أمتي كالمطر لا يدري في أوله أو في آخره)، فطلب العلم كان كثيراً في الزمن الأول، لكن العلماء المقتدى بهم قلة، فقد نظر شعبة إلى مجلس أهل الحديث وهو يكتظ بطلبة الحديث، فقال: لو يخرج منهم ثلاثة.\rوأبو داود الطيالسي يقول: فرأيت فما خرج منهم ثلاثة! والثوري كان يقول: الذين يتعلمون العلم ثلث تشغلهم الدنيا، وثلث يتزوجون، وكان يقول: من تزوج فقد ركب البحر! قال: وثلث يكتبون ولا يعقلون، ولا يخرج منهم إلا قليل.\rهذا كلام الثوري وقد كان في القرون الثلاثة الأولى، والنبي ﷺ يقول: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يسير على الدرب، فنسير بطاقتنا وبما نستطيع، فلا نحسب أننا من طلبة العلم، بل نتشبه بهم، ونسير خلفهم سير النمل، لكن من سار على الدرب وصل، فنسأل الله أن يجعلنا ممن يتفقه في دينه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876065,"book_id":7655,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":14,"body":"من أقوال الشافعي\rكان الشافعي يقول: العلم أفضل من صلاة النافلة؛ وذلك لأن صلاة النافلة نفعها ذاتي، والقاعدة عند العلماء: أن النفع المتعدي أفضل من النفع الذاتي، والدليل على ذلك: حديث: (الدال على الخير كفاعله)، فله مثل أجور من تبعه، ولذلك المبتدع الذي ينشر بدعته أشر عند الله من المبتدع الذي يخفي بدعته ويتعبد بها فقط.\rوقال الشافعي أيضاً: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ذهب أهل العلم بشرف الدنيا والآخرة.\rوقال أيضاً: زينة العلم الورع والحلم.\rوقال: من أراد أن تقوى حجته فعليه بالحديث، ومن أراد أن يرجح عقله فعليه بالفقه.\rوقيل للشافعي: مالك تدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ فقال: لأذكر نفسي أني مسافر، يعني: من الدنيا، ففي الحديث: (كن في الدنيا كأنك غريب)، وأخذ العصا سنة في الخطبة.\rوقال الشافعي: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.\rوقال أيضاً: للمروءة أربعة أركان: الأول: حسن الخلق، والثاني: السخاء، والثالث: التواضع، والرابع: النسك.\rنسأل الله جل في علاه أن يجمعنا بكم مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876066,"book_id":7655,"shamela_page_id":15,"part":"2","page_num":1,"sequence_num":15,"body":"شرح متن أبي شجاع - شرح مقدمة المؤلف\rيجب على المسلم أن يتفقه في أمور دينه، حتى يعبد ربه على علم وبصيرة، وقد ألف العلماء قديماً وحديثاً في الفقه مؤلفات كثيرة، في جميع المذاهب الإسلامية، وهناك المطولات والمختصرات، ومن المختصرات المفيدة متن أبي شجاع، وهو في فقه الإمام الشافعي ﵀.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876067,"book_id":7655,"shamela_page_id":16,"part":"2","page_num":2,"sequence_num":16,"body":"شرح مقدمة المؤلف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876068,"book_id":7655,"shamela_page_id":17,"part":"2","page_num":3,"sequence_num":17,"body":"معنى الفقه وأهميته\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين, وصحابته أجمعين.\rقال القاضي أبو شجاع أحمد بن الحسن بن أحمد الأصفهاني رحمه الله تعالى: سألني بعض الأصدقاء حفظهم الله تعالى أن أعمل مختصراً في الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى, في غاية الاختصار ونهاية الإيجاز؛ ليقرب على المتعلم درسه, ويسهل على المبتدئ حفظه, وأن أكثر فيه من التقسيمات, وحصر الخصال, فأجبته إلى ذلك طالباً للثواب، راغباً إلى الله ﷾ في التوفيق للصواب, إنه على ما يشاء قدير, وبعباده لطيف خبير].\rهذا المتن في الفقه, والفقه لغةً هو: الفهم أو دقة الفهم كما قاله المحققون.\rوفي الاصطلاح هو: معرفة الأحكام المستنبطة من أدلتها التفصيلية.\rوالضوابط والقواعد التي يصل بها الفقيه إلى الأحكام من أدلتها التفصيلية إما أن تكون نصاً أو استنباطاً, نصاً يعني: بالآثار, أو استنباطاً يعني بالقياس وغيرها من الأدلة الأصولية.\rوعلم الفقه من أفضل العلوم, وأعزها, والفقهاء قلة, فإذا تصفحت التراجم وجدت المحدثين كثرة كاثرة, وهبهم الله حفظاً بالغاً وضبطاً وإتقاناً في حفظ سنة النبي ﷺ, لكن الفقهاء الذين يتفقهون ويعقلون الأحكام من هذه الأحاديث النبوية قلة, والله جل وعلا يصطفي من يشاء من عباده, ولذلك كان كثير من علمائنا يقولون: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه, فالمتن هو: رأس الأمر, وقد قال النبي ﷺ: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، وقد أخذ على كثير من المحدثين أنهم لم ينشغلوا بفقه ما يحملون, فمثلاً ابن صاعد الذي قال عن البخاري: الكبش النطاح, كان رجلاً محدثاً بارعاً حافظاً متقناً, جلس يوماً في مجلس التحديث, فدخلت عليه امرأة فسألته فقالت: عندنا بئر, وقعت فيه دجاجة فماتت فما الحكم؟ فقال لها: ويحك يا امرأة! لمَ لم تغط البئر؟! ولم يجد لها إلا هذا الجواب, وهي قد جاءت تسأل عن هذا الماء الذي وقعت فيه الدجاجة فماتت, هل هو طهور أو نجس؟ فالفقه علم عزيز, وأعلى طبقات الفقهاء هم: فقهاء المحدثين، وهذا المتن الماتع ليس معتمداً في مذهب الشافعية، لكنه متن سهل يسير يقرب لطالب العلم المذهب الشافعي، لا سيما وأننا سنترك ذكر الخلافات حتى نتأصل على هذا المذهب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876069,"book_id":7655,"shamela_page_id":18,"part":"2","page_num":4,"sequence_num":18,"body":"مشروعية بدء الكتب البسملة\rابتدأ المصنف ﵀ تصنيفه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم, والبدائة ببسم الله الرحمن الرحيم من روائع البيان, لأنه يقتدي بكتاب الله جل في علاه, ويقتدي بسنة النبي ﷺ, فالله ابتدأ كتابه بالبسملة, والبسملة آية من آيات الفاتحة, وهي آية مستقلة تفصل بين السور، وهي بعض آية من سورة النمل.\rوقد ورد فيها حديث اختلف العلماء في تحسينه وتضعيفه، ومعناه صحيح , وله شواهد كثيرة تقويه, وهو: (كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر) , هذا من القول, أما من الفعل فإن النبي ﷺ كان يبعث بالرسائل ويكتب: [بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى فلان].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876070,"book_id":7655,"shamela_page_id":19,"part":"2","page_num":5,"sequence_num":19,"body":"إعراب البسملة وشرحها\rأما إعراب (بسم الله الرحمن الرحيم): فالباء: حرف جر.\rواسم الله مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: أستعين ببسم الله، أو أبتدئ أو أفتتح أو أصنف أو أكتب ببسم الله, وهذه البسملة للاستعانة, أي: أستعين ببسم الله، وأيضاً تكون للتبرك، وقد بدأ بذكر اسم الله؛ لأن اسم الله يتقدم ولا يتقدم عليه شيء.\rواسم: مشتق من السمو وهو العلو، والعلو في حق الله حق, فالله له العلو المطلق, علو القهر وعلو الشأن وعلو الذات, وقيل: مشتق من السمة وهي العلامة, وهذا أيضاً حق، فإن كل اسم من أسماء الله هو من الأسماء الحسنى؛ لأنه علامة على ذات الله جل في علاه, ويتضمن صفة كمال.\rوالله هو: الاسم الأعظم كما رجح ذلك كثير من المحققين؛ لأن أكثر اسم ذكر في القرآن هو الله, فقد ذكر أكثر من ألفي مرة، وأيضاً فالله تضاف إليه كل الأسماء وهو لا يضاف للأسماء, فكل اسم أضيف إلى الله يكون صفة لاسم الله جل في علاه، وهو علم على ذات الله, وكل اسم يضاف إليه يكون صفة, تقول: الله الكريم، فالكريم صفة لله, الله الرحيم، فالرحيم صفة لله, الله الرحمن فالرحمن صفة لله جل في علاه.\rوالله هو الاسم الأعظم لله جل في علاه, ويتضمن صفة كمال وهي صفة الإلهية، فالله هو الذي تألهه القلوب وتحبه تذللاً وخضوعاً, وإذا ذكر اسم الله في كثير زاده بركة, وإذا ذكر في قليل كثره، وبذكره تغفر الزلات، وترفع الدرجات، وتنال الحسنات, وترفع البليات.\rوالرحمن: اسم من أسماء الله، وهو علم على ذات الله، ويتضمن صفة الرحمة، وهذه صفة ذات، والرحيم صفة فعل, ويمكن أن نقول: الرحمن ذو الرحمة الواسعة العامة, والرحيم ذو الرحمة الخاصة، فصفة الرحمة في الرحمن تعم الكافر والمؤمن, وأما في الرحيم فتخص المؤمن؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876071,"book_id":7655,"shamela_page_id":20,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":20,"body":"معنى الحمد\rقال: (الحمد لله رب العالمين) الحمد هو: الثناء الحسن على الذات الإلهية؛ لأنه متصف بصفات الجلال وصفات الكمال الذاتية اللازمة, والصفات المتعدية, فالعبد يثني على الله بما هو أهل له.\rوالحمد يحبه الله, وهو من أجل العبادات, قال النبي ﷺ: (لا أحد أحب إليه المدح من الله جل في علاه)، فأفضل ما تتقدم به بين يدي خطبتك أو تصنيفك أو كلامك هو حمد الله والثناء عليه بما هو أهل له, وأفضل ما تثني على الله بما هو أهل له توحيد الله جل في علاه, كأن تقول: وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك, لك الملك ولك الحمد, تحيي وتميت, وأنت على كل شيء قدير, أو تقول: أشهد أن لا إله الله, وأن محمداً عبده ورسوله, وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق إلى آخره، فهذا من أبلغ الثناء على الله جل في علاه, وهو إفراد الله جل في علاه بالتوحيد.\r(الحمد لله رب العالمين) الرب هو: الخالق الرازق المدبر سبحانه جل في علاه, يملك كل شيء, وما من شيء في الكون إلا يقول له: كن فيكون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876072,"book_id":7655,"shamela_page_id":21,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":21,"body":"معنى الصلاة على النبي\rقوله: (وصلى الله على سيدنا محمد النبي) هذا من أدب المصنف، فإنه ابتدأ التصنيف أولاً بالثناء على الله جل في علاه, ثم أثنى على ناقل الشرع وهو رسول الله ﷺ.\rوالصلاة على أقسام ثلاثة: الصلاة من العبد, والصلاة من الملائكة, والصلاة من الله جل في علاه, فالصلاة من العبد: الدعاء، كحديث: (كم أجعل لك من صلاتي؟ أجعل لك الثلث الشطر, ثم قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك، ويغفر ذنبك) وفي الحديث الآخر: (من دعي إلى طعام وكان صائماً فليأكل أو ليصل) يعني: يدعو.\rوالصلاة من الملائكة: الاستغفار، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، والجمهور يرون أن الصلاة من الله: الرحمة, والصحيح: أن الصلاة من الله ليست الرحمة، بل الصلاة تغاير الرحمة, وإنما هي الثناء على النبي ﷺ في الملأ الأعلى, وهي تستلزم الرحمة، إذ أن الله جل في علاه لو أثنى على أحد في الملأ الأعلى فلازم هذا الثناء أن يرحمه ويجزل له العطاء , قال أبو العالية: صلاة الله على العبد هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى, وهذا قول أهل التحقيق، ودليل المغايرة بين الرحمة وبين الصلاة: قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]، فغاير بين الصلاة وبين الرحمة، والأصل في العطف المغايرة.\rإذاً: قوله: وصلى الله على سيدنا محمد أي: اللهم أثني على محمد ﷺ ثناءً حسناً في الملأ الأعلى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876073,"book_id":7655,"shamela_page_id":22,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":22,"body":"فوائد الصلاة على النبي وحكمها\rالصلاة على النبي ﷺ فيها فوائد كثيرة منها: إذا صليت عليه مرة صلى الله عليك بها عشراً.\rأيضاً: إذا أكثرت من الصلاة على النبي ﷺ تكفى همك ويغفر لك ذنبك.\rقال: (صلى الله على سيدنا) هل يصح أن يسيد الإنسان النبي ﷺ في مصنفاته وكتاباته؟ نعم، ولم لا؟! فإن النبي ﷺ قد صح عنه أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فالسيادة للنبي ﷺ ثابتة في الدنيا بهذا الحديث، وفي الآخرة في مقام الشفاعة عندما يذهبون إلى كل نبي ويقول: لست لها, فيأتي الناس إلى النبي ﷺ فيقول: (أنا لها أنا لها) , فتظهر سيادة النبي ﷺ في الآخرة.\rوهل الصلاة على النبي ﷺ واجبة أم هي سنة؟\r\rالجواب\r واجبة، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، فقال: صلوا، وهذا فعل أمر، والأصوليون يقولون: ظاهر الأمر الوجوب مالم تأت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، وقد اتفق العلماء على وجوب الصلاة على النبي ﷺ, لكن اختلفوا في مواضع الوجوب, وهذا الخلاف مبني على مسألة أصولية وهي: هل الأمر الذي يدل على الوجوب يدل على التكرار أم لا بد من قرينة؟ فمن قال: يدل على التكرار قال: يجب على المسلم أن يكرر الصلاة على النبي ﷺ, وقيل: موضع الوجوب في الخمس الصلوات بعد التشهد الأخير، وهذا قول الشافعي وانفرد به عن الجمهور, فإنه يرى بطلان صلاة الذي لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير خلافاً للجمهور, وقول الشافعي هذا هو الأصح وهو الأحق, والقول الثالث: يجب مرة واحدة , والقول الرابع: يجب كلما ذكر النبي ﷺ، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ: (رغم أنف امرئ) إلى آخر الحديث, وأيضاً حديث: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل عليّ).\rوالراجح الصحيح: أنها تكفي مرة واحدة، لكن لو ذكر عنده النبي ﷺ ولم يصل عليه فهو من أبخل البخلاء، بل يكون عند ربه مذموماً, لكنه لا يأثم إذا أتى بها مرة واحدة، أما الصلاة عليه في الصلوات فالراجح: الوجوب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876074,"book_id":7655,"shamela_page_id":23,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":23,"body":"أسماء النبي ﵊\rقوله: (وصلى الله على سيدنا محمد) محمد اسم من أسماء النبي ﷺ, والنبي ﷺ له أسماء عديدة أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وتسعين اسماً, هذه الأسماء كلها نسبت لرسول الله ﷺ, فيها المحامد والخصال الحسنة, ولكن لم تثبت كلها، فمثلاً جعلوا من أسمائه طه، وهو ليس اسماً للنبي ﷺ!! ومن أسمائه الثابتة: محمد وأحمد، وهما يدلان على امتلاء الحمد, وقد ذكر في السير: أن عبد المطلب لما سماه محمداً سألوه عن ذلك فقال: أرجو أن يحمد في الأرض وأن يحمد في السماء, وقد كان ذلك، فالله جل في علاه كرم رسوله ﷺ, فهو يثنى عليه في الملأ الأعلى كما يثنى عليه في الأرض, فهو كثير خصال الحمد، ويحمد من قبل الناس، فيكثرون من حمده، ويحمد من قبل الملائكة, وهو محمود عند ربه جل في علاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876075,"book_id":7655,"shamela_page_id":24,"part":"2","page_num":10,"sequence_num":24,"body":"الفرق بين الرسول والنبي\rقوله: (محمد النبي الأمي) ذكر النبي وما ذكر الرسول؛ والرسول أعم من النبي، فالنبي مشتق من النبأ وهو الخبر، والنبي مخبر من قبل الله، وهو مخبِر عن الله جل في علاه, وأما الرسول فقيل: هو كل من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بالتبليغ، والراجح عند أهل التحقيق: أن النبي كل من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بالتبليغ, والرسول كل من أوحي إليه بوحي وأمر بتبليغه.\rإذاً: يتفقان في الوحي, ويفترقان في التبليغ, فكل رسول نبي ولا عكس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876076,"book_id":7655,"shamela_page_id":25,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":25,"body":"جميع الأنبياء رجال\rوالرسل رجال وليسوا بإناث بحال من الأحوال، وشذ ابن حزم فقال: مريم لها نبوة، وهذا كلام باطل مصادم مصادمة صريحة لكلام الله جل في علاه ولكلام النبي ﷺ, قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩]، وجه الدلالة: أسلوب الحصر بما وإلا، فالنفي والإثبات من أساليب الحصر، فالله حصر النبوة والرسالة في الرجال, فكأنه يقول: خرج كل أحد يوحى إليه إلا الرجال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876077,"book_id":7655,"shamela_page_id":26,"part":"2","page_num":12,"sequence_num":26,"body":"المقصود بآل النبي ﵊\rقوله: (على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين) , اختلف العلماء في آل النبي ﷺ على أقوال ثلاثة: القول الأول: كل مؤمن تقي بار, وبعضهم قال: كل الأمة هم آل النبي ﷺ, والدليل قول النبي ﷺ: (إن آل فلان ليسوا بأوليائي إنما أوليائي المتقون)، فالآل هو: الولي الذي يناصر ويظاهر وينشر سنة النبي ﷺ.\rالقول الثاني: قال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب, وهما كما قال النبي ﷺ: (لم يتفرقا في الجاهلية ولا في الإسلام) لم يفترقا بحال من الأحوال, لذلك رجح الشافعي أن آل النبي ﷺ هم: بنو هاشم وبنو عبد المطلب.\rالقول الثالث: آل بيت النبي ﷺ هم عترته فقط.\rوالتحقيق أن نقول: آل النبي يذكرون على الانفراد ويذكرون مع غيرهم, فإذا ذكروا على الانفراد فالمقصود بهم: كل تقي بار, وإذا ذكروا على الاجتماع فالمقصود بهم: عترة النبي ﷺ.\rثم ذكر المصنف الباعث له على تصنيف هذه الرسالة، وقد كان العلماء ليسوا مثلنا تعج الأسواق بالكتابات، فالإمام أحمد نفسه عندما سئل أن يكتب أو يصنف قال: أكتب حديث النبي ﷺ.\rفالمصنف يبين الباعث لكتابته لهذا المتن المختصر, وهو أنه سأله بعض الأصحاب أن يكتب لهم مختصراً في فقه الإمام الشافعي، ويقرب لهم هذا الفقه وأصول هذا المذهب الذي تبنوه, فالباعث له كان حاجة الناس لأن يكتب, وكثير من الناس شرحوا هذا المختصر، وهذا علامة ودلالة وإشارة على إخلاصه في تصنيفه، لأنه ما صنفه لنفسه ولا لذاته, ولكن صنفه من أجل حاجة الناس, ومثل ذلك البخاري في صحيحه الذي جمع فيه حياة النبي ﷺ، وأحوال النبي ﷺ, وأقوال النبي ﷺ, وأفعال النبي ﷺ, فقد قال: وجدت الناس في حاجة ماسة لأن يعرفوا أحوال رسول الله ﷺ.\rفكان هذا الباعث له لكتابة الصحيح، والشافعي في مرض موته قال: تمنيت من الله أن يتعلم الناس علومي ولا ينسبوا لي حرفاً واحداً, فهذه دلالة على الإخلاص, نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من المخلصين المخلَصين الذين يعملون لله جل في علاه.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876078,"book_id":7655,"shamela_page_id":27,"part":"3","page_num":1,"sequence_num":27,"body":"شرح متن أبي شجاع - بداية كتاب الطهارة\rالطهارة هي رفع الحدث وإزالة النجس، والأصل في التطهير أن يكون بالماء، ولا ينجس الماء إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، وقد بين الفقهاء أقسام المياه وأحكامها بالتفصيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876079,"book_id":7655,"shamela_page_id":28,"part":"3","page_num":2,"sequence_num":28,"body":"معنى الطهارة\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة].\rافتتح المصنف كتابه بكتاب الطهارة، والصلاة هي الصلة بين العبد وبين ربه, والصلاة هي عمود الدين, وهي أم أركان الإسلام, فلعظم حق الصلاة يبدأ بها, فلما جاء المصنفون ليبتدئوا بأهم أركان الإسلام قالوا: هذا الركن المهم الركين في هذا الدين له شروط وله أداة تتقدم بين يديه, وهي: الطهارة؛ فلذلك ابتدأ بكتاب الطهارة؛ توطئة ومقدمة بين يدي الركن الركين في هذا الدين وهو: الصلاة.\rوالكتاب لغة: هو ضم الشيء للشيء، وكأنه يقول: هناك مسائل كثيرة في الطهارة ضممت بعضها لبعض حتى يسهل على طالب العلم أن يمحص النظر في هذه المسائل, والكتاب فاعل بمعنى مفعول يعني: المكتوب الذي سيأتيك عن مسائل الطهارة.\rوالطهارة لغةً: النظافة، فيتطهرون أي: يتنزهون ويتنظفون.\rوفي الاصطلاح: هي طهارة مخصوصة، لأعضاء مخصوصة، بصفات مخصوصة.\rوالطهارة تنقسم إلى قسمين: طهارة حسية, وطهارة معنوية.\rأما الطهارة الحسية: فسيأتي تفصيلها, والطهارة المعنوية: هي المقصود الأسمى، وهي أهم ما يجب أن يسارع إليه المرء من طهارة القلب من الحقد ومن الحسد, والله جل في علاه لا يقيس الناس إلا بطهارة القلوب, وطالب العلم إذا أراد أن يفهم مسائل العلم الدقيقة فعليه بطهارة القلب, وهذه تؤخذ من قول ابن عباس: يؤتى المرء الفهم بنيته, يعني: بطهارة قلبه, وقد قال الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]، وفي الصحيح قال النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم)، وأيضاً يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]، وأبو بكر ﵁ وأرضاه ما تقدم على البشر أجمعين إلا بنقاء القلب واليقين والصدق الذي كان في قلبه, ولذلك جاء بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: ما تقدم أبو بكر الصحابة بكثير صلاة ولا صيام, ولكن بشيء قد وقر في القلب.\rفطهارة القلب هي أهم ما ينشغل به المرء، والذي يشغله عيب قلبه عن عيب الناس يطهر قلبه، فيتقرب من الله جل في علاه, وأي طاعة وإن كانت دقيقة يطهر بها الله القلب طهارة عظيمة, وأوضح مثال على ذلك: امرأة كانت زانية تضاجع كل ليلة رجلاً، ولما بلغ بها العطش مبلغه وجدت بئراً فنزلت فشربت ثم وجدت كلباً يلهث منه العطش، فأخذت موقها -أي: خفها- فملأته فسقت الكلب فشكر الله لها, فسقي الكلب عمل جليل تقاطرت حسناته على جبال المعاصي والسيئات فهدمتها! والطهارة الحسية هي: رفع الحدث وإزالة النجس, أما الحدث فهو: الحال القائم بالإنسان الذي يمنعه من استباحة الصلاة, والحدث حدثان: حدث أكبر, وحدث أصغر, فالحدث الأكبر هو: الجنابة, والحيض, والنفاس, قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)) إلى أن قال: ((وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا)) وهذا الحدث الأكبر ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] إلى آخر الآيات, وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢].\rوالحدث الأصغر: قد يكون بخساً وقد يكون غير بخس، فالريح الخارج من الدبر ليس بنجس، فلا أحد يستنجي من الريح وهو من الحدث الأصغر، إلا أنه ينقض الوضوء، ومن الحدث الأصغر: خروج البول والمذي والودي, قال النبي ﷺ: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وفي الصحيح عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني, فقال النبي ﷺ: (اغسل ذكرك) أو قال: (فيه الوضوء).\rومن معنى الطهارة: إزالة النجس، والنجس هو: الجرم الذي يكون على الثوب أو على البدن أو على المكان أو المحل.\rوالحدث ينافي الطهارة، فبانتفاء الحدث تثبت الطهارة، وبوجود الحدث تنتفي الطهارة, ولا يمكن أن يستبيح أحد الصلاة إلا بالطهارة، فرفع الحدث هو لاستباحة الصلاة, وكذلك إزالة النجس لاستباحة الصلاة.\rوالأدلة على إزالة النجس كثيرة، فالشرع قد حث على إزالة النجس أولاً في الثوب قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] , وأيضاً النبي ﷺ -كما صح عنه- صلى بالناس منتعلاً كما هو من السنة أن تصلي في نعليك خلافاً لأهل الكتاب, فصلى بالناس منتعلاً وفي أثناء الصلاة جاءه جبريل فخلع نعله, فخلع القوم نعالهم, فبعدما صلى النبي ﷺ سألهم: (لم خلعتم نعالكم؟! قالوا: يا رسول الله! رأيناك قد خلعت نعليك ففعلنا ذلك, فقال: جاءني جبريل وقال: إن في نعلي أذى) , وهذا فيه دلالة على أن أي نجاسة على الثوب أو على النعل فمن الواجب على المرء أن يزيل هذه النجاسة بالماء.\rوجاء في الصحيح: (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ تسأله عن الطهر من الحيض، فقال لها النبي ﷺ: تطهري! قالت: وكيف أتطهر؟ قال: سبحان الله! تطهري! قالت: كيف أتطهر؟ قالت عائشة: فجذبتها فقلت لها: تتبعي أثر الدم فأمرها النبي ﷺ أن تتطهر من هذا الأثر بأن تتبع أثر دم الحيض بقطنة)، وهذا دليل على وجوب إزالة النجس من على البدن.\rوأيضاً فالنبي ﷺ بين نجاسته لأنه أمر بغسل المحل إذا أصابه, وإذا أصاب الثوب فلابد أن ينضح الماء على الثوب.\rوفي حديث الرجلين اللذين يعذبان في قبريهما: قال ﵊: (أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) , وفي رواية: (كان لا يستتر من بوله) , ولا منافاة بين أنه يعذب لأنه لم يستنزه, ويعذب لأنه لم يستتر, فهذه أدلة على وجوب إزالة النجس من البدن.\rودليل تطهير المحل -يعني: المكان- وأنه لا يصح لأحد أن يصلي في مكان فيه نجاسة: حديث في الصحيحين عن الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد فهم به الصحابة، فقال النبي ﷺ: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله, قال: (وأهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من ماء) , فهذا دليل على أنه يجب إزالة النجس من المحل الذي يصلي فيه المرء.\rومن الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]، وهذا أمر من الله جل في علاه يدل على الوجوب.\rإذاً: الطهارة طهارتان: طهارة حسية ومعنوية, والطهارة الحسية: رفع الحدث وإزالة النجس, والحدث حدثان: حدث أكبر وحدث أصغر, وهذا كله يرفع لاستباحة الصلاة, وإزالة النجس، إما من الثوب أو البدن أو المحل الذي سيصلي عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876080,"book_id":7655,"shamela_page_id":29,"part":"3","page_num":3,"sequence_num":29,"body":"أقسام المياه\rقال المصنف: (باب المياه)، الباب هو: الموصل للشيء, فباب المسجد هو الذي يصل بك إلى داخل المسجد، وباب الدار هو الذي تصل منه إلى الدار, فباب المياه هو الباب الموصل إلى مسائل المياه.\rقال: (المياه التي يجوز التطهير بها سبع مياه).\rهذه السبع يمكن أن نقسمها إلى قسمين: مياه من السماء ومياه من الأرض, ثلاثة من السماء وأربعة من الأرض فيسهل حفظها، وماء السماء طاهر، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره كما سنبين أن أقسام المياه ثلاثة: طهور وطاهر ونجس, وبعض العلماء قال: أقسام المياه طاهر ونجس، وهذا قول الأحناف وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية.\rإذاً: الطهور: هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره, وماء السماء ماء طهور، وهو المطر والبرد والثلج, والدليل على طهارة المطر: قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١] , وقال النبي ﷺ في استفتاح الصلاة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي - إلى أن قال:- واغسلني بالماء والثلج والبرد)، فيصح للإنسان أن يتوضأ بالثلج إذا كان الثلج في الشمس فتتساقط منه القطرات, فيغسل به العضو، وإن لم يستطع أن يغسل العضو فلا يصح الوضوء؛ لأن أصل الثلج ماء متجمد، والماء هو أصل الطهارة، فيصح لك أن تغسل به, فإن استطعت الغسل من الثلج صح الوضوء, وإن لم تستطع لم يصح الوضوء, وإذا قلنا: لا يصح فليس لأمر في ذات الثلج، بل لأمر خارج عن الثلج؛ لأن الثلج طاهر في نفسه مطهر لغيره, إذا أمكن غسل أعضاء الوضوء به.\rوالنوع الثاني: الماء الأرضي وهو أربعة: مياه الأنهار والآبار والعيون والبحار، قال النبي ﷺ عندما سئل عن بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وسئل النبي ﷺ عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، وإذا صح الوضوء من البحر فمن باب أولى النهر, وإذا صح الوضوء من البئر فمن باب أولى العين, وعندنا دليل صريح في الأنهار وهو حديث: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات الخ)، فهذه أقسام المياه التي يمكن للإنسان أن يتوضأ بها ويتقدم بين يدي صلاته بهذه الطهارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876081,"book_id":7655,"shamela_page_id":30,"part":"3","page_num":4,"sequence_num":30,"body":"مسائل في الطهارة\rرجل كان في سفر، فدخل وقت الصلاة وليس عنده ماء، فوجد بئراً فيها ماء، فيجب عليه أن ينظر في ماء البئر، فإن كان طاهراً توضأ به، وإن كان نجساً تيمم وصلى.\rمثال آخر: رجل أراد أن يصلي ولم يجد ماء، ووجد ثلجاً جامداً، فإن استطاع أن يغسل أعضاءه بهذا الثلج وجب عليه أن يتوضأ به، وإن لم يستطع لم يصح وضوءه بهذا الثلج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876082,"book_id":7655,"shamela_page_id":31,"part":"4","page_num":1,"sequence_num":31,"body":"شرح متن أبي شجاع - القول في أنواع المياه\rالماء ثلاثة أقسام: طهور، وهو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهو الماء المطلق.\rوطاهر في نفسه غير مطهر لغيره، وهو الماء المستعمل والمتغير بما خالطه من الطاهرات، فهذا الماء لا يصح استعماله في رفع الحدث أو إزالة النجاسة، كما هو مذهب الشافعي خلافاً لمذهب أبي حنيفة.\rوماء نجس، وهو الذي حلت فيه نجاسة، وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876083,"book_id":7655,"shamela_page_id":32,"part":"4","page_num":2,"sequence_num":32,"body":"إثبات الفرق بين الماء الطهور والطاهر\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة: فصل أنواع المياه وأقسامها: المياه التي يجوز التطهير بها سبع مياه: ماء السماء وماء البحر وماء النهر وماء البئر وماء العين وماء الثلج وماء البرد.\rثم المياه على أربعة أقسام: طاهر مطهر غير مكروه استعماله وهو الماء المطلق.\rوطاهر مطهر مكروه استعماله وهو الماء المشمس.\rوطاهر غير مطهر وهو الماء المستعمل والمتغير بما خالطه من الطاهرات.\rوماء نجس وهو الذي حلت فيه نجاسة وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير.\rوالقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].\rأقسام المياه ثلاثة: الماء الطهور, والطاهر, والنجس, وهذا على المذهب وهو مذهب الجماهير وقد خالف في ذلك الأحناف ورجح قولهم شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب مرجوح.\rوالطهور عند الشافعية نوعان: طهور يجوز استعماله بلا كراهة, وطهور يجوز استعماله مع الكراهة.\rوالأدلة على أن الطهور غير الطاهر كثيرة منها: أن الله جل في علاه لما بين أنواع المياه ذكر الطهور صراحةً ولم يذكر الطاهر، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ولم يقل: طاهراً، والنبي ﷺ كان يتلو هذه الآية على أصحابه، ولو كان الطهور بمعنى الطاهر لبينه رسول الله ﷺ، وقد جاءت الآثار تؤكد أن هذا المعنى هو المراد, فعندما سئل النبي ﷺ عن ماء البحر قال النبي ﷺ: (هو الطهور ماؤه) موافقاً لكلام الله جل في علاه, ولم يقل: هو الطاهر، فهذه الآثار تثبت لنا اسم الطهور لا الطاهر, ولم يرد عن واحد من الصحابة أن الماء نوعان فقط: طاهر أو نجس, وإذا اعترض معترض وقال: هذه التقسيمات لم تعرف في عصر الصحابة قلنا: نعم، فالتفصيلات عرفت في القرن الثالث تيسيراً على طالب العلم, لكن لم يذكر الصحابة رضوان الله عليهم هذه المسألة ولم يثبتوا الطهورية أو الطهارة, فنبقى على أصل الآثار التي وردت عن النبي ﷺ أنه قال: (طهور) وقال: (نجس)، ونفرق بين الطهور والطاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876084,"book_id":7655,"shamela_page_id":33,"part":"4","page_num":3,"sequence_num":33,"body":"الماء المطلق والمقيد\rالطهور الذي يجوز استعماله دون كراهة هو: الماء المطلق, وهو الماء العاري عن التقييد, والتقييد نوعان: تقييد بإضافة, وتقييد بوصف, فالماء المطلق هو الذي لم يتغير ولم يضف لشيء، كماء السماء وماء البحر وماء البئر وماء النهر.\rوالقيد نوعان: إما قيد بالإضافة أو قيد بالوصف، قيد الإضافة مثل: ماء ورد, وماء كافور، فقد اختلط الكافور مع الماء فغيره وسلبه اسم الإطلاق وجعله ماء كافور.\rوالنوع الثاني: مقيد بالوصف, كقول الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨]، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦]، فهذا وصف له أنه يتدفق أو أنه مهين.\rإذاً: الماء المطلق الذي يصح التطهر به هو الماء الذي لم يضف إلى غيره ولم يوصف بوصف مقيد له, كالماء الدافق وغيره.\rوالماء المعهود المقترن بألف ولام العهد لا يسمى ماءً مطلقاً، كما قالت أم سليم كما في الصحيح: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ فقال لها النبي ﷺ: (نعم إذا رأت الماء)، فالماء المراد به هنا: ماء المني.\rإذاً: الماء الطهور الذي يصح الوضوء به هو: الماء المطلق العاري عن الإضافة أو عن الوصف أو لام العهد, فيستطيع الإنسان أن يتطهر ويتوضأ بماء السماء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره.\rومن الماء المطلق: ماء البحر، فيجوز التطهر به عند جماهير العلماء خلافاً لأعلم التابعين سعيد بن المسيب فإنه قال: أحب إلي أن يتيمم ولا يتوضأ بماء البحر، واستدل بحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (إن تحت البحر ناراً)، وهذا القول يصادم قول النبي ﷺ: (هو الطهور ماؤه)، وحديث: (تحت البحر نار) يحتمل تأويلات: التأويل الأول: كأنه يشبه سرعة جريان الماء في البحر وتلاطم الأمواج بسرعة النار, وهناك تأويل آخر: أن البحر مآله إلى النار، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦]، فيوم القيامة يحدث ذلك، ونحن الآن بصدد الطهارة من أجل الصلاة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876085,"book_id":7655,"shamela_page_id":34,"part":"4","page_num":4,"sequence_num":34,"body":"حكم الماء المشمس\rعند الشافعية ماء طهور يكره استعماله, فهو مطلق لم تسلب منه الطهورية, لكن يكره استعماله، وهو الماء المشمس, وجماهير العلماء أنه لا يكره استعمال الماء المشمس.\rوالمشمس عند الشافعية له ضوابط منها: أولاً: أن يجمع في إناء وتتسلط عليه الشمس وهو في الآنية، فيخرج بذلك ماء البحار وماء الأنهار والآبار؛ لأنها كبيرة وواسعة لا تتأثر, فقالوا: أن تكون متجمعة في أواني.\rثانياً: أن يكون هذا في البلاد الحارة وليس في البلاد الباردة.\rثالثاً: أن يكون استعماله على البدن لا على الثوب.\rفهذا الماء حكمه عند علماء الشافعية الكراهة، والكراهة هي: طلب الكف لا على وجه اللزوم بل على وجه الاستعلاء، وحكمه: يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله, فمن توضأ بالماء المشمس لم يأثم, وتصح طهارته، وإن صلى تصح صلاته.\rوقد استدل الشافعية على كراهة الماء المشمس من الأثر ومن النظر، أما الأثر: فحديث في السنن عن عائشة ﵂ وأرضاه: أنها سخنت ماءً لرسول الله ﷺ ليتوضأ به، فلما علم أنه قد سخن قال: (يا حميراء! لا تفعلي فإنه يورث البرص).\rوعن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه قال: (نهى النبي ﷺ عن التطهر بالماء المشمس).\rوعن ابن عباس ﵁ وأرضاه عن رسول الله ﷺ قال: (من توضأ بالماء المشمس فأصابه الوضح -أي: البرص- فلا يلومن إلا نفسه).\rوفي مسند الشافعي عن عمر بن الخطاب أنه نهى عن التوضؤ بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص.\rومن النظر قالوا: القاعدة أنه لا ضرر ولا ضرار, والله يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] , فلا يجوز استخدام الماء المشمس إلا على سبيل الكراهة.\rوقالوا: الماء المشمس إذا سقطت عليه أشعة الشمس وكان في آنية نحاس أو غيرها فإنها تحدث زهومة تعلو على الماء, فإذا وضع الرجل يده ليتوضأ كانت هذه الزهومة على جلد الإنسان، فيحدث احتباس الدم في جلد الإنسان فيحدث البرص, قالوا: والإنسان مأمور شرعاً أن يتجنب ما يضره.\rوالتحقيق: أن الماء المشمس لا يكره استعماله، والأحاديث التي استدلوا بها لا تصح، فحديث عائشة فيه خالد بن إسماعيل قال فيه يحيى بن معين: كذاب وضاع، والحديث الموضوع لا حجة فيه بحال من الأحوال.\rوحديث أنس إسناده أظلم من الأول.\rوحديث ابن عباس فيه عمر بن صبح وهو كذاب، وفي سنده أيضاً انقطاع بين سماك وابن عباس , ففيه علتان.\rأما قولهم: الماء المشمس يورث البرص، فنقول: المسألة تدور على الطب, ولا تدور على الأثر, والماء المشمس ماء طهور لم يسلب الطهورية, فيصح للإنسان أن يستخدم الماء المشمس ويتوضأ به؛ لأنه ماء مطلق, إلا إذا ثبت بالدليل أنه يضر الجسد، فتبقى المسألة دائرة على الضرر، وهذا الذي بينه الشافعي في الأم فقال: ولا أكره الماء المشمس إلا من أجل الطب.\rفنقول: بحمد الله التقدم في الطب موجود, فإن أقر الأطباء بأن الماء المشمس يضر بالجسد ويورث البرص قلنا بالحرمة ولم نقل بالكراهة, فإن قال الأطباء: لا يؤثر الماء المشمس على البدن, فنقول بعدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل, ولا دليل للشافعية، وإن ثبت الضرر طبياً فكان ينبغي أن يقولوا بالحرمة لا الكراهة, لأن الأصل عندكم: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] , لكن قالوا: هذا المرض مظنون وليس مقطوعاً به, والمظنون لا ينبني عليه الجزم في الأحكام, فلا نقول: حرام لأنه ليس يقيناً أنه يورث البرص, لكن يغلب على الظن أنه يورث البرص، والرد عليهم بأن كثيراً من الأحكام ينزل غالب الظن فيها منزلة اليقين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876086,"book_id":7655,"shamela_page_id":35,"part":"4","page_num":5,"sequence_num":35,"body":"أنواع من المياه يكره استعمالها\rتوجد أنواع من المياه يكره استعمالها مع أن الطهورية لم تسلب منها, وهي ماء بئر ثمود، وماء قوم لوط وهو البحر الميت، وماء بئر ذروان الذي وضع فيه السحر، وماء زمزم، فهذه المياه يكره استعمالها عند الشافعية, قالوا: وعندنا أدلة: أما ماء بئر ثمود فهم مغضوب عليهم، وقد نهى النبي ﷺ عن المرور على ديارهم إلا أن يكون الإنسان باكياً مسرعاً, فكيف يستخدم الآلات التي كانوا يستخدمونها؟! وفي البخاري: أن النبي ﷺ لما مر مع أصحابه على ديار ثمود فأخذ الصحابة ماء من بئر ثمود ثم عجنوا به العجين ليأكلوا، نهاهم النبي ﷺ عن استخدامه وقال: (اعلفوا هذا العجين بهائمكم، وأهريقوا هذا الماء) , ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمرهم بإتلاف الماء، ولا يجوز في الأصل إتلاف الماء؛ لأنه مال ظاهر، فهذا في تحريم استعمال ماء ثمود، لكن صرف الشافعية الحكم من التحريم إلى الكراهة؛ لأن العلة من النهي عن استعماله أن يصيبهم ما أصابهم، وهذه علة مظنونة، فما دام الماء مطلقاً، والعلة مظنونة، فقد قالوا بالكراهة لا التحريم.\rالثاني: ديار قوم لوط: وهو البحر الميت، فقوم لوط مثل ثمود جاءتهم اللعنة, واستخدام ماء البحر الميت للوضوء فيه تفصيل: إن استخدمه من الجانب الذي كان فيه قوم لوط فإنه مكروه ويصح الوضوء، وإن استخدمه من الجانب الآخر فلا كراهة.\rوالآن ظهرت مسألة استخراج المستحضرات التجميلية من البحر الميت، فالورع تركها، وقد قيل بحرمتها، والتدقيق هو التفصيل السابق، فإن استخرجت من الموضع الذي كان فيه قوم لوط حرم استعمالها، وإلا فالأصل الإباحة، وكما ذكرنا فالورع الترك.\rوماء ذروان يدخل في نفس المسألة التي تكلمنا عليها وهي حكم بئر ثمود.\rأما ماء زمزم فأصول المذهب على أنه يصح الاغتسال به, ويصح التطهر به, وتوجد أدلة كثيرة على ذلك منها: قول الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقال النبي ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء) , وهو ماء مطلق، فيصح استعماله إلا أن يدل الدليل على المنع.\rوالحنابلة يمنعون من التوضؤ والاغتسال بماء زمزم، ويستدلون على ذلك بأثر عن العباس أنه قال: لا أحله لمغتسل، وعضدوا هذا الأثر بقول النبي ﷺ: (ماء زمزم لما شرب له)، فقالوا: هذا ماء مبارك فلا يصح استعماله في الغسل ولا في الوضوء ولا رفع الحدث ولا إزالة النجس.\rفنقول: أولاً: قول العباس الصحيح أنه: قول عبد المطلب وليس قول العباس، فلا يصح الاستدلال به.\rالأمر الثاني: هذا القول خالف التأصيل الشرعي العام وهو: أن الماء الطهور المطلق يصح استعماله ما لم يدل دليل على المنع، ولم يدل لنا دليل على المنع.\rالأمر الثالث: قالوا: هو ماء مبارك، فنقول: أعظم بركة منه الماء الذي نبع من بين يدي أصابع النبي ﷺ، وشرب منه القوم وتوضئوا واغتسلوا منه.\rإذاً: ماء زمزم ماء مبارك ويصح الاغتسال به ويصح الوضوء به, لكن يكره إزالة النجاسة بماء زمزم لما عرف من تعظيمه والبركة التي تلحقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876087,"book_id":7655,"shamela_page_id":36,"part":"4","page_num":6,"sequence_num":36,"body":"أقسام المياه\rأقسام المياه ثلاثة: طهور، وطاهر, ونجس.\rفالطاهر هو: المستعمل أو الماء المطلق المتغير بما خالطه من الطاهرات, والتغيير له ثلاث حالات: تغيير بما كان في المقر, وتغيير بالمجاورة, وتغيير بالمخالطة.\rفالمتغير بما في مقره كالطحلب الذي في البحر أو البئر أو العين، فهذا التغير لا يؤثر، ولا يجعله مسلوب الطهورية, والمتغير بالمجاورة مثل بحيرة بجانبها ميتة وتغير الماء، فيصح التوضؤ بهذا الماء.\rوالمتغير بالمخالطة مثل دق الكافور في الماء, وهذا التغير يؤثر في الطهورية؛ لقول النبي ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وفي راوية زاد: (إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) وهذه الزيادة ضعيفة، لكن أجمع أهل العلم: على أن التغير في اللون أو في الطعم أو في الرائحة يؤثر في طهورية الماء، كما سنبين في الدرس القادم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876088,"book_id":7655,"shamela_page_id":37,"part":"5","page_num":1,"sequence_num":37,"body":"شرح متن أبي شجاع - أنواع المياه - الماء الطهور والطاهر\rالماء ينقسم إلى: طاهر وطهور ونجس، خلافاً للأحناف وابن تيمية، فهم يرون أن الماء لا يخرج عن كونه طاهراً أو نجساً، ومن المسائل التي كثر الجدل فيها بين الفقهاء: مسألة الماء المستعمل، ففي مذهب الإمام الشافعي أن الماء المستعمل طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر، وللماء المستعمل حالات وصور كثيرة لا ينبغي للفقيه أن يجهلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876089,"book_id":7655,"shamela_page_id":38,"part":"5","page_num":2,"sequence_num":38,"body":"أقسام المياه عند الشافعية\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد.\rفإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم المياه على أربعة أقسام: طاهر غير مطهر، وهو الماء المستعمل، والمتغير بما خالطه من الطهارات، وماء نجس، وهو الذي حلت فيه نجاسة، وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير، والقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].\rتكلمنا فيما سبق عن أقسام المياه، وبينا أن تقسيم المذهب هو التقسيم الراجح والصحيح، وما خالف في ذلك إلا الأحناف، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وبينا أن هذا فيه ضعف، وقلنا: إن المياه على ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876090,"book_id":7655,"shamela_page_id":39,"part":"5","page_num":3,"sequence_num":39,"body":"الأدلة من الأثر والنظر على الماء الطهور\rوهذا يؤيده الأثر والنظر، أما من الأثر: فقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ولم يذكر: (طاهراً)، وقوله ﷺ عندما سئل عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ولم يذكر (طاهراً).\rوقلنا: إن الطهور لا بد فيه من بيان معناه؛ حيث وأن الأدلة جاءت مجملة، غير مبينة لمعنى (الطهور)، ولعل سائلاً يسأل: ما معنى الطهور المذكور في الآية والحديث؟ فيجاب بأن الطهور يطلق على أمرين: الأول: الطاهر في نفسه.\rوالثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وعند ذلك يتضح لنا معنى الإجمال في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال:١١]، فإنه قد جاء بيان هذا المجمل بقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]، فتعدى الطهارة ليصبح طاهراً مطهراً لغيره.\rوأما من النظر: فإنك إذا نظرت إلى الماء وجدته باقياً على أصل خلقته لم يتغير منه أحد أوصافه الثلاثة؛ لقول النبي ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة في الحديث، وإن كانت ضعيفة، إلا أن الإجماع وقع عليها، فإذا تغير أحد أوصاف الماء بشيء طاهر خالطه فعند ذلك قد يسأل سائل: تحت أي قسم من أقسام المياه يندرج هذا لدى الأحناف وابن تيمية، فمثلاً: ماء اختلط به كافور، أو ورد، أو مسك؟ ف\r\rالجواب\r أنه يندرج تحت قسم الطهور).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876091,"book_id":7655,"shamela_page_id":40,"part":"5","page_num":4,"sequence_num":40,"body":"الماء الطهور، وأقسامه\rوالصحيح أن الماء: طهور، وطاهر، ونجس، وقد قلنا: بأن الطهور على قسمين: الأول: طاهر في نفسه مطهر لغيره بلا كراهة.\rالثاني: طاهر في نفسه مطهر لغيره مع الكراهة.\rوذكرنا أصنافاً وأقساماً أخرى، وآخرها الماء المشمس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876092,"book_id":7655,"shamela_page_id":41,"part":"5","page_num":5,"sequence_num":41,"body":"أحوال الماء المشمس\rالحالة الأولى: إذا كان شديد الحرارة.\rالحالة الثانية: إذا كان معتدل الحرارة، وعند ذلك يستطيع المكلف أن يسبغ الوضوء، وأن يوصل الماء إلى كل عضو من أعضاء الوضوء.\rوإسباغ الوضوء محل خلاف بين العلماء، فالقول الأول: إن كان الإسباغ هو للعضو نفسه، أي: للجزء المفترض على المكلف، فإن إسباغ الوضوء هو إتمامه على وجهه المفترض الذي أمر به الشارع الحكيم.\rالقول الثاني: الزيادة في غسل الأعضاء، بأن يشرع في الغسل إلى العضد والساق، وبهذين القولين للعلماء في الإسباغ فقد نظروا إلى الماء المسخن، فقالوا: إن استطاع بهذا الماء إسباغ الوضوء صح وضوءه دون كراهة، وإن لم يستطع إسباغ الوضوء صح وضوءه مع الكراهة، والقول بالكراهة متفرع عن تفسير العلماء للإسباغ، وقد جاءت السنة النبوية بالزيادة في غسل الأعضاء، وقد ورد ذلك من حديث أبي هريرة ﵁ أنه كان يتوضأ فيشرع في الغسل إلى العضد والساق.\rوقد قرر الحافظ ابن حجر أن هذا من المرفوع، وليس من المدرج، وعلى ذلك قال بعض العلماء: إن الإسباغ هو: الزيادة في موضع الزيادة، وتفرع عن هذا القول قولان لأهل العلم، القول الأول: الحرمة، والقول الثاني: الكراهة.\rفإذا ترك مستحباً فهو مكروه؛ لأنه ﷺ إذا توضأ شرع إلى العضد والساق، ويحرم بناءً على من قال بأن الإسباغ هو: وصول الماء للعضو نفسه فقط بدون زيادة؛ لأنه يكمل غسل الفرض كما جاء في حديث أبي هريرة السابق، والصلاة تكون عند ذلك صحيحة، لكن الوضوء غير كامل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876093,"book_id":7655,"shamela_page_id":42,"part":"5","page_num":6,"sequence_num":42,"body":"الماء الطاهر، وأقسامه عند الشافعية\rوالخلاصة: أن الشافعية جعلوا الماء المشمس -المسخن- في مصف المياه المكروه استعمالها، وإن كانت طاهرة مطهرة لغيرها.\rالقسم الثاني الذي قسمه العلماء: وهو الماء الطاهر، والماء الطاهر عند الشافعية أقسام: ماء طهور باق على أصل خلقته، ثم تغير بالاستعمال أو سلبت طهوريته بالاستعمال، ويسمى بـ: الماء المستعمل، وماء طهور باقٍ على أصل خلقته، وتغيرت أحد أوصافه الثلاثة بمخالطة الطاهرات له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876094,"book_id":7655,"shamela_page_id":43,"part":"5","page_num":7,"sequence_num":43,"body":"الماء المستعمل\rالقسم الأول: الماء المستعمل، فالكلام عليه عند الشافعية من وجوه، الوجه الأول: ضبط تعريف الماء المستعمل، الثاني: أقسام الماء المستعمل، الثالث: حكمُ استعمال الماء المستعمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876095,"book_id":7655,"shamela_page_id":44,"part":"5","page_num":8,"sequence_num":44,"body":"ضابط الماء المستعمل\rوالماء لا يكون مستعملاً إلا بقيدين عند الشافعية: القيد الأول: أن يكون منفصلاً عن العضو مستخدماً في الطهارة، فخرج بذلك: الماء المتردد على العضو، وقد جاء من حديث رقية وغيرها: (كان الرسول ﷺ يتوضأ فلم يمسح على رأسه فوجد بللاً في لحيته، فأخذ البلل ومسح به رأسه)، فهذا الماء الباقي على اللحية يُسمَّى عند الشافعية، بـ (الماء المتردد على العضو)، ولا يسمى (مستعملاً) عند الشافعية، فقد يقال: كيف يقول الشافعية بأن الماء المستعمل غير طاهر وعندهم حديث ظاهر في هذه المسألة، وهو حديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ وأقول: أبق لي أبق لي، ويقول: أبق لي أبق لي).\rففي هذا الحديث دلالة على أن النبي ﷺ استعمل الماء المستعمل، وعائشة كذلك استعملت الماء المستعمل؟ ف\r\rالجواب\r أن هذا التفسير غير صحيح للحديث؛ لأن هذا الدليل أجنبي عن النزاع، ولأن ما في الإناء لا يسمى مستعملاً.\rوالقيد الثاني: أن يستعمله في طهارة فرض، فخرج بذلك: الطهارة للنفل.\rفلو أن رجلاً توضأ لصلاة الفجر، وبقي على الوضوء إلى صلاة الظهر، ثم توضأ لصلاة الظهر، وهو لا يزال على طهارة من الفجر، فجاء رجلٌ آخر وأراد أن يتوضأ بهذا الماء المستعمل (من طهارة نفلٍ) فإن هذا الماء لا يكون مستعملاً؛ لأنه لم يُستعمل في الطهارة للغرض، وإنما استُعمل في الطهارة للنفل.\rوهذا القيد صراحة فيه ضعف؛ لأنك لو دققت النظر فيه لوجدت أن النية هي التي تفرق بين أن تكون هذه الطهارة لفرض أو نفل.\rأيضاً قالوا: إن النية للفرض تسلب الطهورية عن الماء، وهذا ليس بتقعيد صحيح في المياه؛ لأن النية لا تسلب الطهورية عن الماء، فيبقى القيد الأول هو السالم والصحيح لأن يكون قيداً للماء المستعمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876096,"book_id":7655,"shamela_page_id":45,"part":"5","page_num":9,"sequence_num":45,"body":"أقسام الماء المستعمل، وآراء العلماء فيه\rأقسام الماء المستعمل: القسم الأول: ماء استعمل لإزالة النجس؛ لأن الطهارة الحسية طهارتان: طهارة لإزالة النجس، وطهارة لرفع الحدث، ولذلك جاء في حديث المغيرة بن شعبة في الصحيح قال: (ذهب رسول الله ﷺ بين الأشجار -يعني ذهب فأبعد- وكان النبي ﷺ إذا أراد قضاء الحاجة أبعد فقضى حاجته، فأتاه بإداوة فيها ماء فأخذ الماء فاستنجى به، ثم توضأ ومسح على الخفين)، فالاستنجاء بالماء هو: استعمال الماء، ويسمى: (الاستطابة).\rالقسم الثاني: ماء استعمل لرفع الحدث.\rفأما القسم الأول المستعمل في إزالة النجس فهو نجس بالاتفاق، ولا تصح الطهارة به ولا استعماله، والدليل على ذلك: أنه ماء قليل لاقى نجاسة، سواء تغير أم لم يتغير، وهذا على المذهب وهو الراجح.\rوالخلاصة: أن الماء المستعمل لإزالة النجس، غير طاهر وغير طهور.\rوأما القسم الثاني -وهو الذي وقع فيه الخلاف- فهو الماء المستعمل في رفع الحدث، بشرط أن ينفصل عن العضو، وشرط آخر: أن يستعمل في طهارة فرض لا نفل.\rوسبق أن قلنا بترجيح القيد الأول أو الشرط الأول.\rوهذه المسألة في المذهب لها قولان، وقبل أن أدخل في هذه المسألة فإنه إذا قال الشافعية: في المسألة قولان، فالمراد بذلك قولان لإمام المذهب، وإذا قالوا: في المسألة وجهان، فالمراد بذلك: تخريج الأصحاب على قول للشافعي، فهو لم يرد القول للشافعي، وإنما أخذوا أصول الشافعي وخرجوا له منها قولاً.\rإذاً: في المسألة قولان ينقل عن الشافعي: القول الأول: عدم استعمال هذا الماء؛ لأنه مسلوب الطهورية، فهو طاهر في نفسه وليس بطهور، ورجحه النووي.\rوالقول الثاني: قاله أبو ثور، -وأبو ثور من أصحاب الإمام الشافعي - والصحيح أنه قول للشافعي بأنه: طهور، ويترك تعبداً، ورجحه الرافعي.\rوأدلة الفريقين على النحو الآتي: فالفريق الأول لهم أدلة من الأثر والنظر: أما من الأثر: فاستدلوا بحديث في سنن أبي داود: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)، وقد حسنه بعض العلماء، وضعفه آخرون.\rفقالوا: نحن نتفق جميعاً على أن المتبقي في الإناء من فضل طهور المرأة يصح للإنسان أن يتوضأ به ويستعمله؛ لأنه ليس بمستعمل، ولم ينفصل عن العضو، ثم يبقى لنا توجيه هذا الحديث الذي نهى فيه النبي ﷺ عن التطهر والوضوء بفضل طهور المرأة، فنقول: توجيه نهي النبي ﷺ عن الوضوء بفضل طهور المرأة محمول على الماء المستعمل.\rومما استدلوا به كذلك: حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح، قال النبي: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) وتوجيه الحديث: أن الماء هذا لا يصير نجساً بالاغتسال فيه، فلو انغمس الجنب في البئر، فإنه يرفع الحدث الأكبر عنه، ولا يصير الماء نجساً بذلك، قالوا: فنهي النبي ﷺ هنا يتوجه على أن الماء يصير مستعملاً، فيأتي المكلف فيريد أن يستعمل الماء، فيعلم أن من الناس مَنْ قد استعمله، فلا يصح له استعماله؛ لأنه قد سلبت طهوريته بالاستعمال.\rوأما دليلهم من النظر: فهو القياس على الماء الذي اتفقنا عليه؛ لأن هناك قاعدة عند العلماء تقول: عند التنازع نرد المختلف فيه إلى المتفق عليه، ونحن معاشر الشافعية متفقون على أن الماء الذي استعمل في إزالة النجاسة نجس، فعند ذلك نقيس هذا الماء على الماء المستعمل في إزالة النجاسة، فبالقياس ينبني لنا أن هذا الماء لا يصح استعماله.\rوأما الفريق الثاني فلهم أدلة من الأثر والنظر: فأما من الأثر: فقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، قالوا: وتفسير الطهور بينه النبي ﷺ بقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة وقع الإجماع عليها كما ذكرنا وهذا الماء لم يتغيَّر منه أحد أوصافه الثلاثة، فلم تسلب منه الطهورية، ولم يتغير منه شيء.\rأيضاً استدلوا بحديث، أنه ﷺ عندما دخل على ميمونة، وكان قد بقي ماء من طهورها، فأراد ﷺ استعماله فقالت: يا رسول الله! إني كنت جنباً، يعني: اغتسلت من هذا الماء وأنا جنب، فقال لها: (سبحان الله! إن الماء لا يجنب)، وهذا فيه دلالة على أن الماء باقٍ على أصل خلقته.\rوأما دليلهم من النظر: فقالوا: نحن وأنتم متفقون على أن الماء الطهور: هو الماء الذي بقي على أصل خلقته، فلم يتغير منه طعم أو لون أو رائحة، وهذا الماء قد بقي على أصل خلقته، ولم نر فيه تغييراً في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، فهذه أدلة من الأثر والنظر تبين لنا أن الماء المستعمل لم تسلب طهوريته، فلما قال ذلك الرافعي، اعترض النووي، وقال: أنت وأنا نتفق على المنع من استعماله، فلم تمنع من استعماله مع أنك قلت بطهوريته؟ قال الرافعي: قلت ذلك تعبداً، قال النووي: أنا ألجئك بالقول بسلب طهوريته، فقال له: وكيف ذلك؟ قال: إن أصحاب رسول الله عندما كانوا يسافرون ومعهم الماء، فكانوا يتوضؤون، فإذا احتاجوا إلى الماء لشربهم أو غيره تيمموا، ولا يجمعون الباقي من المستعمل في طهارتهم، فدل ذلك على أنه لو كان على الطهورية، لفعل أصحاب رسول الله ﷺ ذلك ولاستعملوه، فقال له الرافعي: ألزمتني الحجة، وأنا أوافقك على أن الصحابة كانوا يتوضؤون ولا يجمعون هذا الماء ليستعملوه مرة ثانية، لكن ليس لعدم الطهورية، بل تعبداً أو استقذاراً، وهذا كلام المالكية.\rوالخلاصة: أن الراجح والصحيح: أن الماء المستعمل لرفع حدث باق على أصل خلقته، وهو على الطهورية، فلم تسلب الطهورية منه، وهو الراجح من المذهب، لكنه لم يستعمل إما استقذاراً وإما تعبداً.\rوأما الرد على ما استدل به الفريق الأول فإننا نقول: أما الحديث الذي استدلوا به (أنه ﷺ: نهى الرجل أن يتوضأ بفضل طهور المرأة)، فهو حديث متكلم فيه، أي: حديث ضعيف، وقد صححه الإمام النووي رحمه الله تعالى، وعلى فرض القول بصحته، فإن لنا فيه توجيهاً، وهو: أنه إذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يتوضأ الإنسان بفضل طهور المرأة، فنقول: إن هذا النهي هو للاستحباب، وليس للوجوب، ويكون لعلة الاستقذار فالإنسان عندما يرى امرأة تتوضأ أمامه يستقذر أن يستعمل هذا الماء المنفصل عن عضوها، فالنهي هنا ليس لأنه سُلِبَ منه الطهورية، ولكن للاستقذار أو للتعبد، فإذا قلنا فرضاً لصحة هذا الحديث، فإن النبي ﷺ قد أخذ الماء الذي استعملته ميمونة، واغتسل به، فبطل الاستدلال به؛ لأن النبي ﷺ قد استعمل الماء الذي بقي من استعمال ميمونة له.\rوالحديث عام في المتبقي من الماء وفي المستعمل، ولا يوجد دليل على الخصوصية، ومن زعم ذلك فعليه بالدليل، وأما بالنسبة للحديث الصحيح، (أن النبي ﷺ نهى أن يغتسل الجنب في الماء الدائم)، فنقول لأصحاب القول الأول: نحن نتفق معكم على هذا النهي، لكن لا نتفق معكم على توجيهكم لهذا النهي، بأن الماء سيصير مستعملاً بل لا يصير مستعملاً، ولو صار مستعملاً فلن تسلب الطهورية منه، فإن النبي ﷺ إنما نهى عن ذلك سداً للذريعة، حتى لا يأتي المكلف فينظر إليك، فيجدك قد وقعت أو غصت في هذا الماء، فيستقذر الماء فلا يستعمله، وأيضاً لا يوجد دليل صريح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تغتسل في الماء الدائم وأنت جنب؛ لأنه سيصير مستعملاً فيسلب طهوريته، بل إن الماء إذا وقع فيه أحد، ثم خرج منه، فإنه لم يتغير منه أحد أوصافه الثلاثة، فدل ذلك على أن هذا الماء باق على أصل خلقته، وهذا الرد عليهم من جهة الأثر.\rوالرد عليهم من جهة النظر: أنهم قاسوا الماء المستعمل في النجاسة على الماء المستعمل في الطهارة، فنقول: إن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وهذه قوادح في العلة، والأصل هنا لا يساوي الفرع في العلة، فلا يمكن أن تقيس؛ لأن الأصل لا يساوي الفرع؛ لعدم المطابقة بينهما فالماء الذي استعمل لإزالة النجاسة قد لاقى نجساً، أما الآخر فقد لاقى محلاً طاهراً.\rوعند ذلك اختلف المحلان، فالمحل الأول نجس، والآخر طاهر، فلا يصح قياس المحل الطاهر على المحل النجس.\rوأما الاستدلال بأن الصحابة لم يستخدموا هذا الماء، فنقول أيضاً: توجيهكم بعدم استخدام الصحابة في أسفارهم للماء المتبقي توجيه غير سديد، بل التوجيه الصحيح: أن لهذا الدليل توجيهان: التوجيه الأول: أن هذا الماء كان قليلاً، ولا يمكن جمعه؛ لأنه يتناثر على التراب، فلا يبقى منه ماء كثير يُمكن أن يُتطهر به.\rفمثلاً: لو أن رجلاً في صحراء ومعه زجاجة ماء، فاستعمل نصف الزجاجة في الشرب، ثم أخذ الشطر الآخر، وقال: أتوضأ لأصلي، وبينما يتوضأ يتناثر ويتساقط الماء على الرمال فلا يمكن أن يجمعه ليستخدمه في طهارة أخر.\rالتوجيه الثاني: أنه للاستقذار، أي: استقذر هذا الماء لا أنه سلب منه الطهورية.\rوالخلاصة: أن الماء المستعمل في (طهارة الحدث) بقي على أصل خلقته، لم يتغير منه طعم أو لون أو رائحة، فينزل تحت عموم قول النبي ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، ويصح استعماله أيضاً خلافاً للشافعية، لا تقذراً أو تعبداً كما قال المالكية.\rوالراجح في ذلك: أن الماء المستعمل لو بقي مدة طويلة، فله استعماله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876097,"book_id":7655,"shamela_page_id":46,"part":"5","page_num":10,"sequence_num":46,"body":"حكم الماء الطاهر إذا اختلط بغيره من الطاهرات\rالنوع الثاني: الطاهر الذي خالطه طاهر، وهو قول واحدٌ عند الشافعية، فهو طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، كماء القطران، وماء الورد، وماء الزعفران، وماء السدر، وماء الكافور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876098,"book_id":7655,"shamela_page_id":47,"part":"5","page_num":11,"sequence_num":47,"body":"أنواع المتغير من المياه\rالمتغيِّر أنواع: منها: المتغير بالطاهرات وهو أقسام: القسم الأول: المتغير بالإضافة، والإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وإضافة لا تسلب الطهورية.\rأولاً: الإضافة التي لا تسلب الطهورية: كإضافة مقر، كأن تقول: ماء بئر، وماء بحر، وماء نهر، فهذه تسمى إضافة مقر، وهي لا تسلب الطهورية، مع أنه ماء مقيد، فهي ليست إضافة لازمة.\rمثاله: أن تقول عن ماء البحر وأنت واقف على الشاطئ: هذا ماء فتتوضأ منه، فيمكن أن يتخلى عن هذه الإضافة.\rالثانية: إضافة وصف، كأن تقول: ماء زلال، وماء عذب، وماء أجاج، فهذه لا تسلب الطهورية منه.\rثانياً: إضافة تسلب الطهورية، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إضافة جنس، وإضافة حكم، وإضافة غلبة.\rفأما القسم الأول: إضافة غلبة، فهو الذي يحدث فيه التغيير، والتغيير هنا تغيير بالمخالطة، وتغيير بالمجاورة.\rفأما المتغير بالمخالطة فهو: الذي ذابت فيه جزيئات المخالط في الماء مثل: ذوبان جزيئات السكر في الماء، وذوبان جزيئات القطران في الماء، وهكذا.\rوأما المتغير بالمجاورة: فهو إما أن يكون تغيير مقر، أو تغيير جوار.\rفالتغيير بالمقر مثل: الطحلب الذي يكون في الماء، والتغيير بالجوار، مثل الميتة توضع على حافة البئر، والأشجار التي تتساقط أوراقها في الماء، فتؤدي إلى تغيُّر الماء؛ بسبب المجاورة.\rومن المتغير ما يكون بسبب طول المكث.\rوالخلاصة: أن المتغير بالمخالطة طاهر، لكن لا يصح استعماله، وأما المتغير بالمجاورة فلا تسلب الطهورية منه، بل يبقى على أصل خلقته ويتوضأ به عند الشافعية، ويقولون: للضرورة، والصحيح أنه على الطهورية؛ لأنه يشق صون الماء عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876099,"book_id":7655,"shamela_page_id":48,"part":"5","page_num":12,"sequence_num":48,"body":"الرد على شيخ الإسلام، ومن وافقه في تقسيمه للمياه\rأختم هذا الباب بالرد على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، في تقسيمه المياه إلى قسمين: طاهر، ونجس، وأقول: ليس عندهم إلا أثران في ذلك، الأثر الأول: حديث في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (اغسلنها بماء وسدر)، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي أنه قال: وهذه فيه دلالة على أن الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات، طاهر يصح استعماله؛ لأنه قال: (اغسلنها)، وهذا الغسل هو للميت، وقد صح بماء وسدر، بل وقال: (واجعلن في الآخرة كافوراً)، فهذا أيضاً ماء مخلوط بكافور، ففيه دلالة: على أنه يصح استعمال الماء المتغير بالطاهر.\rالأثر الثاني: حديث عند أبي داود: (أن النبي ﷺ: توضأ هو وميمونة من قصعة كان فيها أثر العجين).\rفأما الرد على الأثر الأول: فإنه قد يعتريه بعض الاحتمالات، الاحتمال الأول: أنه إذا غُسِلَ الميت بماء وسدرٍ، ثم غسل بماء فقط، فهل يصح أن نقول: بأننا قد ائتمرنا بأمر النبي ﷺ، يعني: أننا قد غسلنا الميت بالماء الذي خالطه سدر، ثم غسلناه بالماء فقط؟\r\rالجواب\r قد يحتمل هذا وقد لا يحتمل.\rالإجابة الثانية: أن الماء كان كثيراً، وكان السدر قليلاً، فائتونا بالدليل على أن السدر قد غير الماء؛ لأنه قال: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً إن رأيتن ذلك)، فإذاً لا بد أن يكون الماء كثيراً، والسدر قليلاً، وعند ذلك يكون عندنا احتمال آخر، وهو: أن السدر لم يغير الماء، فالماء لا تسلب طهوريته إلا إذا تغير، فهو غير متغير، وهذا الاحتمال قائم، والدليل إذا تتطرق إليه الاحتمال كساه الإجمال وسقط الاستدلال به.\rوأما الأثر الثاني الذي استدلوا به: (أن النبي ﷺ توضأ من قصعة فيها أثر عجين).\rفـ ابن قدامة يقول: وأما الإجابة عن هذا الأثر، بأن الماء الذي توضأ منه ﷺ كان فيه أثر العجين فلم يؤثر في الماء بالتغيير؛ فالعجين كان قليلاً فبقي الماء على أصل خلقته، لم تسلب طهوريته؛ فيصح الوضوء والتطهر به.\rوالإجابة الثانية: أن نقول: كانت صلبة، يعني: لم تذب جزئياتها في الماء، ولو أننا سلَّمنا جدلاً: بأن الماء قد تأثر بهذا العجين وتغيَّر فإن هذا التغيير يكون بالمجاورة وليس بالمخالطة، وعندنا التغيير بالمجاورة يصح التطهر به؛ لأنه لا يسلب الطهورية؛ لأننا نتفق جميعاً على أنه إذا وقع ورق الشجر على الماء فغيَّره، فيجوز لنا التطهر به؛ لأن التغيير لم يكن بالمخالطة، فمازالت جزئيات الماء كما هي لم تتحد مع جزئيات أخرى.\rالخلاصة: أن المسألة تبقى على الأثر النبوي واللفظ النبوي دون تغيير، قال ﷺ: (الطهور ماؤه)، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، إذاً طهورٌ وليس بطاهر، حتى نقف عند الآثار النبوية، والألفاظ النبوية التي جاءت عن رسولنا ﷺ، وبهذا تسلم الأدلة لنا، فنقول: بأن الماء طهور وطاهر ونجس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876100,"book_id":7655,"shamela_page_id":49,"part":"6","page_num":1,"sequence_num":49,"body":"شرح متن أبي شجاع - الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات\rالماء المتغير بما خالطه من الطاهرات أنواع، وله أحكام فصلها أهل العلم، والماء النجس هو الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، واختلف الفقهاء في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير، فمذهب الشافعي أنه نجس، ومذهب مالك أنه طاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876101,"book_id":7655,"shamela_page_id":50,"part":"6","page_num":2,"sequence_num":50,"body":"ضابط الماء الذي تغير بالطاهرات\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم المياه على أربعة أقسام وطاهر غير مطهر وهو: الماء المستعمل، والمتغير بما خالطه من الطاهرات، وماء نجس وهو الذي حلت فيه نجاسة وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير، والقلتان: خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].\rعندنا أصل أصيل وهو: أن الماء يبقى على أصل خلقته، والماء المطلق هو الطهور الطاهر في نفسه المطهر لغيره، والنبي ﷺ يقول: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة ضعيفة، لكن إجماع أهل العلم على العمل بها، فالإجماع هنا هو المعتمد لا هذه الزيادة.\rوالماء إن لم يبق على أصل خلقته وتغير، وخرج عن الإطلاق سلب الطهورية، وصار مضافاً وليس ماء مطلقاً، والإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وإضافة لا تسلب الطهورية، فالإضافة التي لا تسلب الطهورية: إضافة مقر أو ممر أو إضافة وصف، فإضافة مقر مثل: ماء البحر، وماء النهر، والمتغير بالطحلب، فهذه إضافة لا تسلب الطهورية، وإن غيرت الصفة.\rوإضافة الوصف: كأن تقول: ماء أجاج، أو ماء عذب كنهر النيل، ومعنى ماء أجاج يعني: ماء ملح، أو مالح على اللغة الصحيحة، فهذه الإضافة لا تسلب الطهورية، وهذه الإضافة لا نتكلم عنها الآن؛ لأن القسم الذي سنتكلم عنه هو الإضافة التي تسلب الطهورية، وهي ثلاثة أنواع: إضافة غلبة، وإضافة حكم، وإضافة جنس.\rفإضافة غلبة هي: إضافة تغلب على الماء فتغير صفة الماء، مثلاً: عندك إناء فيه ماء وأردت أن تغتسل به، وجاء ابنك فوضع الكافور في الماء، فتغير لون الماء، والكافور غير نجس، فهذا الماء تغير بملاقاة الطاهرات، وكذلك لو وقع طيب في الماء فغيره.\rإذاً: الإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وهي إضافة تغير وتؤثر، وإضافة لا تؤثر ولا تغير.\rوالإضافة التي تغير -وهي محل الكلام- أنواع: تغير بالمخالطة، وتغير بالمجاورة، وتغير بطول المكث.\rالنوع الأول: التغير بالمخالطة: مثل ذوبان جزئيات الطاهر في جزئيات الماء، مثل: وضع ملعقة سكر في كوب من الماء فتغير طعمه.\rفهذا التغير حصل بالمخالطة، ولا يصح التطهر به؛ لأن الماء سلب طهوريته، وخرج من أصل خلقته إلى نوع آخر، فهو طاهر في نفسه غير مطهر لغيره.\rالنوع الثاني: تغير بالمجاورة: مثل ميتة ملقاة بجانب بئر، فبعد مدة تغيرت رائحة ماء البئر بسبب هذه الميتة المجاورة لها.\rوالفارق الدقيق بين المتغير بالمجاورة والمتغير بالمخالطة: أن المتغير بالمخالطة أصبح الشيئان فيه شيئاً واحداً، وإذا كان الكافور صلباً فوضع في ماء ثم أخرجته ولم يذب فيه، لم يتفتت منه شيء في الماء، فهذا الصلب الموجود لا يؤثر في الماء ولو حصل التغير، وهذا يسمى تغيراً بالمجاورة؛ لأن الجزيئات لم تتحلل في الماء.\rوالماء المتغير بالمجاورة يصح التطهر به، وخالف ابن سيرين، فقال: الماء المتغير بالمجاورة يصح التطهر به مع الكراهة، فنرد عليه ونقول: الكراهة حكم شرعي، ولا دليل على ذلك.\rإذاً: حكم الماء المتغير بالمجاورة أنه طهور ولا يسلب الطهورية، وعندنا قاعدة: المشقة تجلب التيسير، وقد قال الشافعي: إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق، والمشقة تجلب التيسير، والماء القليل يستطيع الناس أن يحفظوه ويصونوه من أي شيء يختلط به، وإن كان كثيراً كالقلتين أو أكثر يشق على الناس صونه، فسنسهل في الأحكام، وإن كان لا يشق شددنا في الأحكام؛ لأن الأحكام عندنا تدور على أنه إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق.\rفإن قيل: الماء المتغير بالمخالطة هو ماء متغير، والمتغير بالمجاورة هو ماء متغير، فلماذا فرقتم بين الماءين مع أن هذا ماء قد تغير، وهذا ماء قد تغير، لكنكم سميتم الأول متغيراً بالمخالطة، وسميتم الثاني متغيراً بالمجاورة، والاثنان في النظر متغيران؟ قلنا: فرقنا في الحكم في هذه المسألة بسبب وما لا يشق صونه، ولما يشق صونه، فإن كان يشق صونه قلنا: سهل الشرع الحكم؛ لأن الله جل وعلا ما أمر المكلف بأي تكاليف إلا وهو يسهل عليه، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].\rإذاً: الماء المتغير بالمجاورة غير الماء المتغير بالمخالطة، وإن تشابها في التغير، فالمتغير بالمجاورة ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره.\rالثالث: المتغير بطول المكث، وهذا التغير بطول المكث أيضاً يشق صون الماء عنه، فإذا كان يشق صون الماء عنه فلا بد أن نقول: حكمه التيسير، وهو طاهر في نفسه مطهر لغيره.\rإذاً: تغير الماء على أقسام ثلاثة: متغير بالمجاورة، ومتغير بالمخالطة، ومتغير بطول المكث، والفرق بينهما: أن المتغير بالمخالطة تحللت أجزاء هذا الطاهر في أجزاء الماء، والمتغير بالمجاورة يبقى الطاهر كما هو صلباً ما تغير وما تحلل، لكنه عكر الماء، والفرق ظاهر؛ لأن الأول تحللت فيه الجزئيات، والثاني: بقي على ما هو عليه، والثالث: متغير بطول المكث.\rوالحكم: أنه يجوز للإنسان أن يتوضأ من الماء المتغير بالمجاورة، ولا يستطيع أن يتوضأ بالمتغير بالمخالطة؛ لأن المتغير بالمخالطة سلبت طهوريته، والمتغير بالمجاورة لم تسلب طهوريته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876102,"book_id":7655,"shamela_page_id":51,"part":"6","page_num":3,"sequence_num":51,"body":"مسائل في المياه\rرجل كان في الصحراء، فدخل وقت الصلاة، فوجد بئراً، فأراد أن يتوضأ منها، فرأى الماء معكراً، فما الحكم؟ ننظر في سبب هذا التغير، فإن كان التغير بمخالط فلا يصح الوضوء من هذه البئر، وإن كان التغير بمجاور أو بطول المكث جاز الوضوء منها.\rمثال آخر: البنت الصغيرة أخذت الصابون ووضعته في الحوض فتحلل الصابون، وتغير الماء، فهذا تغير بالمخالطة، فلا يصح أن يتوضأ به.\rوتوجد إضافة قليلة لا تؤثر وليس لها تغيير، كحبيبات سكر قليلة تقع في إناء الماء فلا تؤثر فيها ولا تغيره، أو قليل من الزعفران، أو الطيب، أو العود، أو الزيت، أو الدهن، فإما أن تطفو، وإما ألا ترى لها أثراً، فالشيء القليل معفو عنه إذا لم يتغير طعم أو لون أو رائحة؛ لأن هذا لم يتغير، فهو باق على أصل خلقته، فيصح التطهر به.\rوإضافة الكافور للماء عند غسل الميت لها حالتان: أن تدق الكافور حتى يصبح حبيبات صغيرة جداً.\rجاء رجل ليغسل رجلاً ميتاً، فأخذ الكافور فجعله في الماء الكثير، فنظر إلى الماء فوجده قد تغير، فغسل الميت، فلما غسل الميت جاءني فسألني وقال لي: أنا غسلته بماء وكافور، قلت: ماذا فعلت بالكافور؟ قال: جعلته حبيبات صغيرة، قلت: هل رأيت منها شيئاً؟ قال: لم أر منها شيئاً، وغسلت الرجل، هل أكفنه الآن في كفنه أم أغسله مرة أخرى بماء مطلق غير متغير؟ فأجيبه: بأن هذا الماء تغير بالمخالطة وهذا ماء طاهر وليس بطهور، فعليك أن تغسله بعد ذلك بماء صاف غير مختلط بكافور حتى نقول: إنك غسلته بماء طهور بقي على أصل خلقته.\rمثال آخر: مات رجل، وجاءت زوجته تغسله، فأخذت قطعة صلبة من الكافور فوضعتها في الإناء، والكافور له رائحة طيبة، وطعمه مر كالحنظل، قالت: هو قطع صلبة جداً لم أستطع دق هذه القطعة، فوضعتها فاشتممت الماء فوجدت له رائحة طيبة جداً، فالماء أصبح متغيراً برائحة كافور نفاذة، فهذا التغير بالرائحة النفاذة تغير بالمجاورة، فيصح الغسل به.\rمثال آخر: وضع رجل دهن الطيب في خزان الماء، فطفا الدهن على الماء، وصار للماء رائحة طيبة، فهل يجوز الوضوء منه؟\r\rالجواب\r نعم؛ لأن هذا تغير بالمجاورة وليس تغيراً بالمخالطة.\rمثال آخر: وقعت أوراق شجرة على ماء البئر فغيرته، فهذا الماء يجوز الوضوء به؛ لأن هذا تغير بالمجاورة لا بالمخالطة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876103,"book_id":7655,"shamela_page_id":52,"part":"6","page_num":4,"sequence_num":52,"body":"الماء النجس\rإذا وقعت النجاسة في الماء فغيرت وصفاً من أوصافه الثلاثة، طعمه أو رائحته أو لونه، سواء كان قليلاً أو كثيراً؛ فبالإجماع أنه يصير نجساً لا يصح رفع الحدث به، ولا إزالة النجس.\rوعند الشافعية في المذهب التفريق بين الماء القليل والماء الكثير، وضابط التفريق بين الماء القليل والكثير هو: مقدار القلتين، فلو كان عندنا إناء فيه ماء، فوقعت فيه قطرة من النجاسة ولم تغيره، فهو نجس عند الشافعية؛ لأنه ماء قليل.\rوإذا كان الماء أكثر من قلتين فوقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو طهور.\rودليل الشافعية على التفريق بين القليل والكثير حديث عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وهذا الحديث صحيح على الراجح، ولهذا الحديث منطوق ومفهوم، فمنطوق الحديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، وإن وقعت فيه أي نجاسة لم تنجسه على الإطلاق، لكن الإجماع على أنه لو تغير أحد أوصافه يكون نجساً.\rومفهوم الحديث: إذا كان الماء أقل من قلتين فالحكم يختلف، الأول: لم يحمل الخبث، وهذا يحمل الخبث، فإذا كان الماء أقل من قلتين ووقعت النجاسة فيه ولو قطرة بول، فعند الشافعية ينجس.\rالدليل الثاني: الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)، ثم علل وبين الحكمة فقال: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، قال الشيخ أحمد شاكر: إذا كان الخلاف في اللغة فقول الشافعي حجة، فقد كان من العرب الأقحاح، قال الشافعي: العلة أنهم كانوا يستطيبون بالحجارة، أي: كانوا يستجمرون بالحجارة، والاستجمار بالحجارة ينقي المحل من العين ويبقى الأثر، فإذا نام تعرق لأن بلادهم حارة، فإذا حك بإصبعه محل النجاسة فإنه سيعلق بإصبعه شيء من النجاسات، وهذه النجاسة يسيرة جداً لا يمكن للإنسان أن يراها، فإذا قام وقد علقت بأصابعه النجاسة، ووضع يده في الإناء، فإن هذا الماء الذي في الإناء سيكون حكمه النجاسة، ووجه الدلالة من الحديث: عدم التفصيل، فالنبي ﷺ ما قال في حديثه: فإن تغير الماء فلا يجوز استعماله، وإن لم يتغير فيجوز استعماله، بل أطلق وقال: (لا يضع يده)، سواء تغير، أو لم يتغير، فيكون حكمه واحداً وهو: النجاسة.\rالدليل الثالث: قال النبي ﷺ (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً)، وفي رواية: (إحداهن بالتراب)، أو قال: (طهارة إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً) وفي رواية: (فأهرقه) فأمر بإلقاء الماء لأنه قد فسد بالنجاسة، وهذه النجاسة جاءت من ولوغ الكلب في الإناء، فالنبي ﷺ في هذا الحديث لم يقل: لو تغير الماء فألقوه، وإن لم يتغير فأبقوه، ما فصل، فهذا وجه استدلالهم بهذا الحديث.\rالدليل الرابع: حديث الهرة، فقد كان أحد الصحابة يتوضأ من الإناء، فجاءت هرة لتشرب فقرب لها الإناء، فدخلت زوجة ابنه فاندهشت ونظرت إليه، فقال لها: قال النبي ﷺ: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم)، فوجه الدلالة عند الشافعية من هذا الحديث: أن ولوغ القط في الإناء القليل لا ينجسه، ولو كان نجساً لنجسه، بدليل قوله: (إنها ليست بنجس)، فمفهوم المخالفة أنه لو كان سؤر القط نجساً، وشربت من الإناء فإنه ينجس سواء تغير أو لم تغير.\rقالوا: هذه أدلة من الأثر، أما من النظر: فإن يجعلنا نفرق بين الماء القليل والماء الكثير أن المشقة تجلب التيسير، فلما كان حفظ وصون الماء القليل يسير على الناس شددنا عليهم في الأحكام، فقد قال الشرع: لا بد أن تحفظوا ماءكم من النجاسات، فإن لم تحفظوا فقد فرطتم، فيكون الحكم عليكم شديداً، وهذا الماء ينجس، وإن كان كثيراً يشق عليكم حفظه يسرنا عليكم في الأحكام.\rوالمالكية خالفوا في هذا، وعندهم أدلة قوية جداً، حتى إن الغزالي وهو من الشافعية قال: ليت الشافعي قال بقول مالك في المياه، وهذا الكلام لا يؤخذ به ولا يعتبر، بل فحول الشافعية يرون أن مذهب الشافعي هو الصحيح، والدليل معه، والمالكية يستدلون بعموم قول النبي ﷺ: (الماء طهور)، يعني سواء كان قليلاً أو كثيراً (لا ينجسه شيء) قالوا: هذا عام في القليل والكثير، واستدلوا أيضاً بحديث الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد، فالنبي ﷺ قال: (لا تزرموه، وأهريقوا عليه ذنوباً من ماء) وذنوب الماء قليل، وهو يطهر النجاسة، فكيف تفرقون بين القليل والكثير؟! قالوا: ولو التقى الماء القليل مع البول سينجس؛ لأن عندكم أن الماء القليل لو لاقى نجاسة ينجس، وسنبين الرد على هذا نزولاً عند رغبة الإخوة، ففي هذه المسألة سنتوسع بذكر الخلاف فيها، وسنبين الرد على المخالف إن شاء الله.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876104,"book_id":7655,"shamela_page_id":53,"part":"7","page_num":1,"sequence_num":53,"body":"شرح متن أبي شجاع - الماء النجس\rلقد اشتد النزاع بين الفقهاء في مسألة ملاقاة الماء للنجاسة، فمن قائل بالتفريق بين القليل والكثير، ومن قائل بالبقاء على الأصل وهو الطهارة ما لم يتغير، ومن قائل بغير ذلك، والناظر في هذا الاختلاف يجده اختلافاً مبنياً على الأدلة وبعضه على التعصب والهوى، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876105,"book_id":7655,"shamela_page_id":54,"part":"7","page_num":2,"sequence_num":54,"body":"الماء النجس\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد.\rفإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد.\rحديثنا عن القسم الثالث، وسنتحدث عنه باستفاضة، ونتعرض للخلاف مع المالكية والترجيح في ذلك.\rالقسم الثالث: الماء النجس، وهو الماء الذي لاقته نجاسة سواء كانت دقيقة أم جليلة.\rوقد أجمع أهل العلم كما نقل ابن المنذر: أن الماء الطهور إذا لاقى نجاسة فغيرت وصفاً من أوصافه: طعماً أو رائحة أو لوناً فإن هذا الماء يصير نجساً بالتغيير.\rوهذه أدلة وآثار وإن كانت ضعيفة، لكن الإجماع انعقد على صحة معناها: حديث ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير من طعمه أو لونه أو ريحه) فهذه الزيادة: (إلا ما غير من طعمه أو لونه أو ريحه) اتفق المحدثون على ضعفها، لكن أجمع أهل العلم على صحة مقتضى هذا الكلام: أن الماء إذا تغير وصف من أوصافه فإن هذا التغير يؤثر فيه سلباً وإيجاباً، فهو نجس، فإذا لاقى الماء الطهور الباقي على أصل خلقته طاهراً كالصابون أو الزعفران أو الورد وأثر فيه فغير طعماً أو لوناً أو ريحاً فإنه يصير طاهراً، وإذا لاقى نجاسة صار نجساً، والفرق بينهما: أن الماء النجس ينجس غيره إذا استعمل، بمعنى: أن الرجل إذا أراد أن يتوضأ بماء وظهر أن هذا الماء نجس قلنا له: إنه لا بد في مواضع الوضوء أن تمرر عليها ماءً مطلقاً حتى تزيل هذه النجاسة؛ لأنك تلبست بنجاسة.\rأما إذا كان ماء وصابوناً فتوضأ بالماء والصابون عند من يقول: إن هذا الماء طاهر وليس بطهور، فإنا لا نقول شيئاً غير أنه يعيد الوضوء، فإذا ارتقى الماء مثلاً إلى ثيابك أو شعرك أو جسمك أو رجلك أو موضع من مواضع جسمك فلا تمرر عليه الماء فلست مطالباً بذلك؛ لأن الطاهر مر على جسدك ولك أن تصلي.\rأما الثاني: وهو الماء النجس: فإنه إذا أصاب ثوبه وصلى وهو يعلم أن ثوبه قد انصبغ بالماء النجس فإن صلاته لا تصح وهذه ثمرة الخلاف، حيث نقول: يتفقان ويفترقان، فيتفقان في أن الماء الطاهر يتفق مع الماء النجس في عدم صحة الطهارة به لا في رفع الحدث ولا في إزالة النجس، بل لا بد من ماء مطلق خلاف الأحناف، فالأحناف يقولون: بأن المائعات تزيل الأنجاس، فالصحيح: أنهما يتفقان في إزالة النجاسة، في أن النجس إذا أصاب ثوباً أو أصاب موضعاً وجب غسل هذا الموضع؛ لأنه أصابته نجاسة فلا يصح الصلاة به، وأما إذا أصاب الماء الطاهر الجسد أو الثوب صحت الصلاة لو كان متوضئاً.\rوالغرض المقصود هو: هل تصح إزالة النجاسة بالماء أم لا؟ لأن هذا قول الأحناف، وقد رجحه أيضًا شيخ الإسلام، والخلاف ضعيف جداً، والقول الحق هو قول الجمهور: أنه لا تصح إزالة النجاسة إلا بالماء حتى ولو كان بالشمس، يعني: لو وجد النجاسة على ثوب والشمس كانت عليه فاستحالت النجاسة، يعني: إذا كانت النجاسة تتحول من النجاسة إلى شيء آخر فهل تصح أم لا؟ وهذا بحث قوي جداً في استحالة النجاسة: فهل تبقى النجاسة على ما هي عليه بعد تحول العين إلى عين أخرى؟ مثال ذلك: خنزير مات في مكان فيه ماء أو مكان فيه ملح فتحولت عين الخنزير من الخنزير إلى ملح فصار ملحاً، وهذا التحول ممكن في الواقع، وهو سهل جداً، فهل يصير بهذه الاستحالة طاهراً أم نجساً؟ وهي مسألة وعرة وليست بالهينة والخلاف فيها شديد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876106,"book_id":7655,"shamela_page_id":55,"part":"7","page_num":3,"sequence_num":55,"body":"مذهب الشافعية في الماء إذا لاقى نجاسة وأقوال مخالفيهم\rوفي موضع الكلام على النجاسة إذا لاقت الماء الطهور كأن تقول: وقعت قطرة خمر -عند من يقول بنجاسة الخمر- على ماء، فمذهب الشافعي: أن الماء إذا لاقى نجاسة -سواء كان حوضاً كبيراً أم إناءً صغيراً- فغيرت وصفاً من أوصافه طعماً أو لوناً أو ريحاً صار الماء نجساً وهذا بالإجماع كما قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بملاقاة النجاسة صار نجساً، واستند بذلك على الإجماع وليس على الحديث، فالحديث ضعيف ولا حجة في الأحاديث الضعاف بأي حال من الأحوال.\rأما إذا كان الماء قليلاً فهذا هو موضع المعترك بمعنى: لو أن ولداً صغيراً مثلاً دخل إلى حوض لرجل أراد أن يغتسل فبال في هذا الحوض، وهذا الماء كما هو لم يتغير، ودخل الرجل يريد الاغتسال وما عنده إلا هذا الماء المخزون فهل يصح أن يغتسل من هذا الماء وهو لم يتغير مع أن النجاسة لاقته؟ المذهب الشافعي يقول: الماء القليل إذا لاقته نجاسة غيرت أو لم تغير فيه فإنه نجس، أي: أنه لا يصح رفع الحدث به، ولا تصح إزالة النجاسة، بل ولا يصح استعماله بحال من الأحوال، وعليه إراقة هذا الماء، ودليلهم: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) قالوا: وهذا منطوق، والمفهوم: أنه إذا كان أقل من قلتين حمل الخبث: أي: ما استطاع أن يدفع الخبث عن نفسه إذا لاقته النجاسة فاستقرت فيه، وذابت جزيئاتها في جزئيات الماء فصار حكمه نجساً.\rلكن الأحناف شددوا الوطأة عليهم وقالوا: المنطوق الذي تستندون إليه ليس لكم فيه ناقة ولا جمل، فمعنى قول النبي ﷺ: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) يعني: لم يتحمل، أي: لو كان قلتين فوقعت فيه نجاسة لم يتحمل النجاسة وأثرت فيه ونجسته، فكيف تفرقون بين قلتين وبين غيره؟ فهم يطعنون في الشافعية من أجل القلتين وإلا فهم يقولون أيضًا بالقليل والكثير، لكنهم قالوا: إن هذا الماء لا يمكن أن يتحمل النجاسة، ولا يمكن أن تؤثر فيه فقلنا لهم: هذا الكلام وإن كان له احتمال لكن احتماله ضعيف جداً، وعندنا عمدة من الأدلة التي نعتز بها أو نعض عليها بالنواجذ منها: الرواية الأخرى التي جاءت عن النبي قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) وهذا صريح في المقام وهو رد قاطع على الأحناف، والحديث يفسر الحديث، قال النبي ﷺ: (لم ينجس) فقول الأحناف لم يتحمل الخبث قولٌ خطأ؛ فقد فسره الحديث الثاني، فقال: (لم ينجس)، أي: لم يحمل النجاسة أو لم تؤثر فيه النجاسة.\rقالوا: والدليل الثاني في التفريق بين القليل والكثير: حديث النبي ﷺ: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما أو حتى يغسلها ثلاثاً) قالوا: وهذا ليس تعبدياً بل هو معلل، والعلة قالها النبي ﷺ إشارة: (لأنه لا يدري أين باتت يده) وهذا فيه إشارة وتلميح من النبي ﷺ على أن الحديث له علة، والعلة: أن يده من الممكن أن تمس أثر النجاسة لأنهم كانوا يستطيبون بالأحجار، فيزيلون العين ويبقى الأثر، فمن الممكن أن تحتك الأصابع أو اليد بالجسد فتؤثر، أو يعرق المرء فتلمس النجاسة، وهذه النجاسة ستكون غير ظاهرة، فلو وضع يده في الإناء الذي ماؤه ليس كماء البحر، وإنما هو ماء قليل، فإذا وضع يده في ماء قليل فإنه سيتغير وصف من أوصافه؛ فسيضع يده التي تحمل النجاسة فتنجسه.\rفإذاً: -قالوا: إن أمر النبي ﷺ بألا يضع يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وبيان العلة أو الإشارة إلى العلة في آخر الحديث: (لأنه لا يدري أين باتت يده) يدل على التفريق بين القليل وبين الكثير؛ لأن النبي ﷺ لم يقل بلغ أو لم يبلغ، تغير أو لم يتغير، قال: (في الإناء) والإناء هذا إشارة إلى أن الماء قليل، ولم يقل النبي ﷺ: إذا غير فهو نجس، وإن لم يغير فليس بنجس، ولم يقل النبي ﷺ قولاً، فدل على أن الحكم واحد سواء غير أم لم يغير.\rفقوله: (لأنه لا يدري أين باتت يده) فيه: إشارة من النبي ﷺ أنها لو باتت في مكان نجس فستنجس هذا الماء، لكن المالكية لم يجدوا قولاً قوياً يردوا به إلا أن قالوا: لا نوافق على أن الحديث معلل، بل الحديث تعبدي، وهذه الأعمال تعبدية كالأربع ركعات في الظهر والثلاث ركعات في المغرب، قلنا: القاعدة عند علمائنا: إذا دار الحكم على التعليل أو على التعبد وجب حمله على التعليل لا التعبد؛ لأن الله في أكثر من حكم يخاطب العقول (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، وقول النبي ﷺ: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، فدل ذلك على أن الله يخاطب العقول ويعلل الأحكام، وهذه حكمة من الله جل في علاه حتى تزداد الإيمانيات، فإذا دار حكم الحديث على التعبد أو على التعليل وجب حمله على التعليل، هذا هو الأولى والصحيح، فإذاً نقول لهم: إذا قلتم: يحمل على التعبد قلنا لكم: قد أشار النبي ﷺ بالتعليل عندما قال: (لا يدري أين باتت يده)، قالوا: وهذا تفريق بين القليل والكثير.\rقالوا: الدليل الثالث: حديث (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) في رواية قال: (فليرق هذا الماء لما يصيبه)، فيريقه مع أن إتلاف المال لا يجوز، لكن يريقه؛ لأنه تنجس، والنبي ﷺ لم يفصل: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فتغيرت أحد أوصافه فليرق هذا الماء، أو قال: إن لم تتغير أحد أوصافه فعليكم بالماء واستخدموه، بل قالها مطلقاً، فدل على استواء كلا الحالتين، قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعاً ويعفره الثامنة بالتراب -أو قال: أولاهن بالتراب، أو قال: عفروه الثامنة بالتراب أو آخرهن بالتراب-)، ففيه دليل: على أن الماء القليل تنجس لما ولغ فيه الكلب، وهذا تعضيد لمن يقول بالتفريق بين القليل والكثير.\rأيضًا الحديث الرابع وهو: حديث الهرة: (عندما قرب صاحب الهرة الإناء لها لتشرب منه فنظرت زوجة ابنه مندهشة، فقال: لم تندهشين؟ أو قال: لا تعجبين يا بنيتي! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، أي: أنها ليست بنجس، وهذا ظاهر الدلالة، إذاً: يبقى مفهوم المخالفة: فلو كانت الهرة نجسة لكان لعابها نجساً، ولو كان نجساً لنجس الإناء، فهذه دلالة واضحة أيضًا لهم في التفريق بين القليل والكثير.\rومن الأحناف طائفة تقول: نحن نفرق كما تفرقون، لكنا لا نقول بقولكم، فنحن نقول إن التحديد في القليل والكثير بتحريك الماء، بمعنى أننا إذا وقفنا على حافة البئر حركنا طرف البئر من هنا فإذا تحرك في آخره فهذا ماء قليل، فإذا وقعت النجاسة فيه فقد نجس، وإن لم يتحرك فهذا ماء كثير، فإن النجاسة لو وقعت فيه لم تنجسه، وهذا الخلاف لا نريد أن ندخل فيه حتى لا نشوش عليكم، فنبقى في الخلاف القوي أفضل.\rأما قول المالكية في ذلك فقد جاءوا بأدلتهم وهي من القوة بمكان، فقالوا: لا نقبل قولكم، بل عندكم من قبل قولنا وتمنى أن الشافعي قال بقولنا، كما قال الغزالي: تمنيت لو أنه رجع الشافعي إلى قول مالك في هذه المسألة، وما ذلك إلا للتأثير القوي والنظر الدقيق في هذه المسألة، ودليلهم هو قول النبي ﷺ كما في حديث بئر بضاعة) (عندما سألوه: يا رسول الله! بئر بضاعة يلقى فيه الكلاب والنتن والحيض أو قالوا: المحايض؟ فقال النبي ﷺ: الماء طهور لا ينجسه شيء) فالماء: اسم جنس معرف بالأل واللام يطلق على الماء القليل والماء الكثير، ورد الشافعية عليهم وقالوا لهم: قول النبي ﷺ في الماء ليس على العموم؛ لأن هذه القصة حدثت في بئر بلغ القلتين وأكثر من القلتين، كما قال أبو داود: إنه طاف على بئر بضاعة فألقى رداءه فكان ذراعاً وربعاً عمقاً وذراعاً وربعاً طولاً وذراعاً وربعاً عرضاً؛ ولذلك قيد الشافعية القلتين: بخمسمائة رطل عراقي أو خمس قرب، وقالوا: هذا مخصوص، وقد رد عليهم المالكية بقولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يهمنا بئر بضاعة أو غيره فقد ذكر النبي ﷺ الماء عموماً، أي: كل الماء قليلاً كان أو كثيراً، واجتمعنا نحن وأنتم على ما غيّر طعماً أو لوناً أو رائحة، وهذا أول دليل.\rأما الدليل الثاني للمالكية -وهذا الدليل أقوى من الأول- ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (دخل أعرابي المسجد فبال في ناحية المسجد فهم الصحابة بقتله، وقام الصحابة عليه، فقال لهم النبي ﷺ: لا تزرموه -أي: لا تقطعوا عليه بوله، اتقوا الله وكونوا رفقاء بأصحابي -ثم قال: أهريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو قال: ذنوباً من ماء)، والذنوب هذا: إناء فيه قليل من الماء، فقوله: أهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من الماء، قالوا: وهذا واضح الدلالة بأن الماء القليل إذا لاقى النجاسة فحكمه حكم ماء الطهارة إلا إذا تغير طعم أو لون أو رائحة، ووجه الدلالة عند المالكية قالوا: فقد حكم النبي ﷺ بطهارة المحل، وطهارة المحل هذه جاءت بملاقاة الماء القليل لهذا البول الكثير، فلاقى الماء القليل الكثير من البول، وحكم النبي ﷺ بطهارة المحل؛ لأنه أباح لهم الصلاة بعد ذلك، فلما حكم بطهارة المحل دل على أن الماء القليل إن لم يتغير أوصافه ولاقى نجاسةً فإنه لا يصير حكمه حكم النجاسة.\rوقد رد المالكية على أدلة الشافعية في ذلك فقالوا: أنتم تحتجون أولاً بحديث: إذا بلغ الماء قلتين، وهذا عمدة أدلتكم، فالرد عليكم من وجهين: (الوجه الأول: هذا الحديث ضعيف ولسنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876107,"book_id":7655,"shamela_page_id":56,"part":"7","page_num":4,"sequence_num":56,"body":"الرد على أدلة المالكية في قولهم بعدم تنجس الماء\rلكن انتصاراً للمذهب لا تقليداً فالصحيح الراجح هو القول الأول: قول الشافعية؛ لأن هذا الذي تلتئم به شمل الأحاديث؛ لأن النبي ﷺ قد فرق بين القليل وبين الكثير في قوله: (لا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما)، وقول النبي ﷺ (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) فيه تفريق بين القليل وبين الكثير، وفي قول النبي ﷺ: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).\rأيضًا تفريق بين القليل وبين الكثير وهذا ظاهر جداً.\rوأما الأدلة الثانية التي جاءت عامة كقوله ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فسنرد عليها ثم نرد على الأدلة الأخرى، فأما قولكم بعموم قول النبي ﷺ: (الماء طهور لا ينجسه شيء) وافقناكم على ذلك وقلنا هذا حديث عام، وحديثنا: إذا بلغ الماء القلتين خاص فالمفهوم الخاص هذا يخصص العموم في حديث الماء، فهو لا ينجسه شيء بمعنى: أن الماء كل الماء قليلاً كان أو كثيراً (الماء طهور لا ينجسه شيء) ويأتي مفهوم المخالفة بحديث (إذا بلغ الماء قلتين) فنقول: عندنا قاعدة أصولية: وهي أنه إذا تعارض عام مع خاص فلا بد أن يتقدم الخاص على العام، فنقول: معنى كلام النبي ﷺ: (الماء طهور) يعني: إن كان فوق القلتين فهو طهور لا ينجسه شيء، فإذا وقعت النجاسة في الماء الذي بلغ القلتين فلم تغير أحد أوصافه فهو طهور لا ينجسه شيء، فقد خصصنا هذا العموم بمفهوم (إذا بلغ الماء قلتين)، وهذا صحيح أصولياً: إذ العام لا يتعارض مع الخاص ويقدم الخاص على العام.\rقلنا: وقد رددتم على أدلتنا بتعارض المنطوق مع المفهوم، وقلنا: هذا جيد، إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدم المنطوق على المفهوم، لكن هناك شيء آخر لا بد أن تدركوه ألا وهو: أن المنطوق والمفهوم لهما تعامل أولاً، فإذا استطعنا الجمع بين المنطوق والمفهوم فالجمع مقدم على الترجيح؛ لأن القاعدة عند العلماء: إعمال الكلام أولى من إهماله؛ لأنك لو قلت بعموم هذا الحديث طرحت خصوص الحديث الثاني، وإذا قلت بالخصوص طرحت العموم، فأنت تجمع بين الاثنين، فتقول: يعمل العام في مجاله، ويعمل الخاص في مجاله، فنحن نقول: إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدمنا المنطوق إلا إذا استطعنا التوفيق بين المنطوق وبين المفهوم، وبذلك يمكن جمعه بأن يعمل العام في عمومه، فيقال: الماء طهور لا ينجسه شيء إذا كان فوق القلتين فوقعت فيه النجاسة فلا نحكم بنجاسته حتى يتغير وصف من أوصافه، ونعمل بالخصوص أيضًا إن كان أقل من القلتين فإننا نحكم بنجاسته إذا لاقى نجاسة.\rوالرد على الحديث الثاني وهو حديث بول الأعرابي هو من القوة بمكان، فنقول: الحمد لله أننا من أهل الإسلام، وندور مع الإسلام حيث دار، وندور مع الآثار حيث دارت، والشرع هو الذي قال: لا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً خوفاً من ملاقاة النجاسة؛ لأنه لا يدري أين باتت يده، والشرع هو الذي أمر بصب ذنوب الماء على البول، فنحن نقول لكم: نحن مع الرسول حيث ما اتجه، فقد اتجه أولاً: بألا نضع أيدينا في الإناء حتى لا ينجس الإناء وقلنا به، واتجه ثانياً عندما كان البول في الأرض أن تصب عليه الماء، ونحن قلنا بهذا، فإذا كنا نحن نفرق بين القليل وبين الكثير فنحن نفرق كذلك بين ورود النجاسة على الماء وبين ورود الماء على النجاسة، فإذا قالوا: هل الورود مؤثر؟ قلنا: لا ليس الورود هو المؤثر، بل النجاسة إذا وردت على الماء، أو سقطت على الماء كان لها قوة على زج جزيئاتها في جزيئات الماء فتؤثر في الماء حكماً، فلو أن الماء في إبريق فصببناه النجاسة فإنه سينزل دفعة واحدة فيتدفق تباعاً، فإذا ورد الماء على النجاسة تباعاً فإن الدفعة الأولى ستفتت جزيئات النجاسة، والدفعة الثانية تضيع هذه العين أو الأثر، ثم تأتي الثالثة فتنهي أو تغمر هذه الجزيئات القليلة في الدفعات التي تتوالى فيبقى المكان أو المحل طاهراً، فإذا ورد الماء على النجاسة كانت له قوة دفع، ولذلك قال العلماء: إن الماء يغير الماء بطرائق كثيرة منها: أن الماء يتغير بالمكاثرة؛ لأن له قوة يدفع بها النجاسة عن نفسه، أما رأيت أنه يدفع النجاسة عن نفسه إذا بلغ القلتين، فهذه قوة في الماء، فالماء إذا انصب أو ورد على النجاسة كانت له قوة دفع النجاسة وتفتيتها، فتنغمر ولا تظهر أبداً في الماء، أما إذا سقطت النجاسة في الماء فقبعت في القاع فقد تحللت جزيئاتها في جزيئات الماء، فإذاً: نحن أسعد الناس بالأدلة والآثار، وندور مع الآثار حيث دارت، أولاً: مع أثر النبي في ألا يضع يده في الإناء؛ لأن النجاسة لو سقطت فستتحلل وتحول حكم الماء، وأيضًا مع الرسول حينما قال صبوا عليه ذنوباً من الماء؛ لأن الماء له قوة دفع، فسيدفع هذه النجاسة ويفتتها فلا تتحلل جزيئاتها إلا في الدفعة الأولى، ثم يأتي والباقي على محل طاهر فيبقى المحل طاهراً، إذاً هذا الحديث هو عمدة أدلتهم وقد انهار بفضل الله، فتسلم لنا الأدلة ويسلم لنا قول المذهب بالتفريق بين القليل وبين الكثير، وإن كان بعض الحنابلة قد قال بعدم التفريق، وقال بقول مالك، لكن المحققين في مذهب الإمام أحمد يقولون بقول الشافعي في التفريق بين القلتين وبين غيره، وانظر في المغني وغيره في الإنصاف فستجد أن المحققين من الحنابلة يرجعون لهذا القول؛ لأن هذا القول أقوى من ناحية الأثر والنظر، فنحن نقول لهم: إن ناحية النظر أيضًا معنا؛ لأن القاعدة عندنا وعندكم: أن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق، والمشقة تجلب التيسير، فقلنا لهم: لما كانت المشقة في مسألة القلتين تصب على البول الذي باله الأعرابي فإن الناس لن يصلوا على الأرض، بل سيصلون وهم يسبحون، فنقول: هذه مشقة على الناس أن يفعلوا ذلك، فجاء الحكم بالتخفيف، وقال: أوردوا الماء على النجاسة فإن ورود الماء على النجاسة له قوة دفع يدفع النجاسة والعكس بالعكس، فلما كان الإناء يمكن حفظه قيل له: سقطت فيه النجاسة وأثرت فيه؛ لأنه يمكن أن يحفظه، والمشقة تجلب التيسير، فتسلم بذلك الأدلة، ويبقى لنا الدليل ناصع البياض ظاهراً لا تشويش عليه، فإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث في التفريق بين القليل وبين الكثير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876108,"book_id":7655,"shamela_page_id":57,"part":"8","page_num":1,"sequence_num":57,"body":"شرح متن أبي شجاع - النجاسة المؤثرة وغير المؤثرة\rالنجاسة نوعان: مؤثرة وغير مؤثرة، ومن النجاسة غير المؤثرة: ما لا ترى بالعين لصغرها، فهذه يعفى عنها، والقول بوجوب غسلها فيه حرج، والقاعدة الشرعية: أن المشقة تجلب التيسير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876109,"book_id":7655,"shamela_page_id":58,"part":"8","page_num":2,"sequence_num":58,"body":"مذهب الشافعية في الماء\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: فقد ذكرنا أن المياه ثلاثة أقسام: قسم طهور طاهر في نفسه مطهر لغيره, وقسم طاهر في نفسه غير مطهر لغيره, وقسم نجس.\rوذكرنا أن المذهب هو التفريق بين الماء القليل والكثير, وحد القلة والكثرة عند الشافعية هو: القلتان.\rفمذهب الشافعية: أن الماء إن كان قليلاً ووقعت فيه نجاسة تنجس, سواء تغير أم لم يتغير, فلا نظر إلى التغير, بل النظر إلى القلة والكثرة، وإذا بلغ الماء قلتين فالنظر للتغيير, فإن تغير أحد أوصاف الماء من طعم أو لون أو رائحة بخس وإلا لم ينجس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876110,"book_id":7655,"shamela_page_id":59,"part":"8","page_num":3,"sequence_num":59,"body":"النجاسة المؤثرة وغير المؤثرة\rكل نجاسة وقعت في الماء الكثير وغيرت له طعماً أو لوناً أو رائحة فقد نجسته, وإن كان قليلاً ولم تغيره فقد نجسته أيضاً, إلا النجاسة اليسيرة المعفو عنها, فإذا وقع الذباب على شيء نجس ثم طار ووقع على ثوب فإنه لا بد أن يكون قد حمل من النجاسة على الثوب، فإذا دقق المرء النظر في الثوب لن يجد علامة للنجاسة, وهذه نجاسة غير مرئية، فهل يصير الثوب بذلك نجساً لا بد من غسله؟ أيضاً هل الماء إن كان أقل من قلتين ووقعت الذبابة على هذا الماء فهل يصير بذلك نجساً أم لا؟ ففي المذهب ستة أقوال في هذه المسألة، فمنهم من يفرق بين الماء والثوب, ومنهم من يقول بالنجاسة على الإطلاق، ومنهم من يقول بالطهارة على الإطلاق.\rوالقول الراجح من المذهب هو أن الذباب إذا وقع على الماء أو وقع على الثوب فالثوب طاهر والماء طهور، والدليل على ذلك أدلة كلها نظرية تستقى من أدلة أثرية منها: قاعدة اليسير يعفى عنه, وهذه القاعدة مستقاة من مقاصد الشريعة، فلو أمرناه بغسل الثوب الذي وقع عليه الذباب، فقد ألحقنا به المشقة، لا سيما والذباب يقع في الثوب في كل وقت، والله ﷿ يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\rوأيضاً المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع، ولو أمرنا المكلف بإلقاء الماء الذي وقع عليه الذباب أتلفنا الماء وإن أمرناه بغسل الثوب شققنا عليه، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج:٧٨]، وهذا مما عمت به البلوى, فالمسألة كلها دائرة على رفع الحرج، وعلى أن المشقة تجلب التيسير، ولذلك قال العلماء: يغتفر في الفرع ما لا يغتفر في الأصل، واليسير يغتفر، فمثلاً وجد ١% من الكحول في الطيب والباقي كله روائح فنقول: هذه النسبة تغمر في هذه الكثرة، بل تتفتت في هذه الكثرة، فيغتفر اليسير، فالصحيح الراجح أن نقول: هذه النجاسة نجاسة يسيرة تغتفر، وهذا ما مال إليه النووي وغيره، فاليسير من النجاسات التي لا يراها الإنسان بطرف عينه تغتفر، ولا يكلف المرء بغسل المحل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876111,"book_id":7655,"shamela_page_id":60,"part":"8","page_num":4,"sequence_num":60,"body":"حكم ما لا نفس له سائلة إذا وقع في الماء\rالحيوان ضربان: الضرب الأول: ما له نفس سائلة كبهيمة الأنعام، وما لا نفس له سائلة كالبراغيث والنحل والنمل والذباب، فهذه لا نفس لها سائلة، أي: لا دماء لها سائلة, والراجح عند الشافعية: أنه إذا وقع الذباب في الإناء فغمسته فإنه لا ينجس الماء؛ لأن المشقة تجلب التيسير، ونحن نقول: الذباب ليس بنجس، والأدلة على ذلك: الحديث الذي في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) وفي سنن أبي داود قال: (فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) أي: يقدم جناح الداء, والأبحاث الطبية أظهرت أنه يقدم جناح الداء، فوجب عليك أن تغمسه، ومن لم يفعل ذلك أثم، ولو مات من ذلك الداء فحكمه حكم قاتل النفس؛ لأنه قد خالف شريعة الله جل في علاه, قال النبي ﷺ: (فليغمسه فإن في أحد جناحيه الداء وفي الآخر الدواء وإنه يتقي بالداء)، وإذا غمس الذباب في الإناء فالذباب لا بد أن يموت، قال الشافعي: هو ميتة، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، والرجس عائد على كل ما ذكر، فالميتة نجسة، لكن نقول: هذا الكلام خطأ؛ لأنه مخالف لصريح إباحة النبي ﷺ بأن يغمس الذباب في الإناء، والنبي ﷺ يعلم بأنه إذا غمس الذباب في الماء فإنه سيكون ميتة، وهذا الماء لا يصير نجساً؛ لأن النبي ﷺ بين أنه يباح أن تأكل هذا الطعام أو أن تشرب هذا الشراب, فدل على أن هذه الميتة لا تنجس الماء لأنها ليست بنجس, وهل يصح أن يؤكل الذباب؟ لا يصح؛ لأنه مستقذر، وبعض العلماء فصل فقال: الحيوان الذي لا نفس له سائلة ضربان: ضرب يكون أجنبياً عن الطعام والشراب كالذباب والنحل والنمل, وضرب يكون من الطعام كدود التمر مثلاً، فإذا أكل مع الطعام يجوز وهو ليس بنجس، أما بالنسبة للنمل والنحل ونحوهما فنقول: هذه مستقذرة لا تؤكل، لكن الراجح أنها ليست بنجس، لقول النبي ﷺ: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم) , فأباح الغمس وهو يعلم أنها ستموت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876112,"book_id":7655,"shamela_page_id":61,"part":"8","page_num":5,"sequence_num":61,"body":"حكم تغير الماء بوقوع الذباب فيه\rإذا وقع الذباب الذي يحمل النجاسة على الماء فغمسه المرء فتغير فما حكم هذا الماء؟ النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه)، وقد رجحنا أن الذباب ميتة وهو ليس بنجس, ومثله الدود الذي في الجبن أو في التمر، فهذا ليس بنجس، بل يجوز أن يؤكل مع ذلك الطعام تبعاً.\rوالإمام النووي وغيره يقول في هذه المسألة: ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، فإذا تغير الماء تغير بنجس، فإذاً لا يصح استعماله، ونحن رجحنا أن ما لا نفس له سائلة ميتة طاهرة، فيكون الماء تغير بطاهر، فيصير الماء طاهراً, ووقوع النجاسة من الذباب في الإناء له ثلاث حالات: الحالة الأولى: مرت الذبابة على نجاسة وهذه النجاسة يسيرة، فوقعت على الماء وكادت تموت ثم طارت، فنظر الناظر فوجد الماء قد تغير, هذه الحالة الأولى.\rالحالة الثانية: لم تقع الذبابة على النجاسة، ثم سقطت في الماء فماتت فيه فغيرته.\rالحالة الثالثة: وقعت في النجاسة ثم وقعت في الماء فماتت فلم تغيره.\rحكم الحالة الأولى: ينجس الماء؛ لأنه تغير بنجاسة، وهذا بالاتفاق؛ لأن النبي ﷺ قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته).\rحكم الحالة الثانية: إن لم يتغير الماء فالراجح في المذهب أن الماء طهور, يصح استعماله؛ لأن هذه نجاسة لم تر بالطرف فهي يسيرة، واليسير معفو عنه، أما إن غيرت الماء فالمسألة على قولين في المذهب: القول الأول: أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، فلما غيرت الماء صار الماء نجساً, والراجح: أن ميتة الذبابة طاهرة وليست نجسة؛ لأن النبي ﷺ أباح غمس الذباب في الماء وشرب الماء، فهي طاهرة وليست بنجسة, فيكون الماء قد تغير بطاهر، فينتقل من الطهور إلى الطاهر، فصار ماء طاهراً لا يمكن استعماله في رفع الحدث أو إزالة النجاسة، لكن يمكن استعماله في أمور أخرى, في اغتسال تبرد أو الشرب، وهذا هو الراجح.\rحكم الحالة الثالثة: إذا ماتت ولم تغيره فهو باق على أصل خلقته، فحكمه الطهورية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876113,"book_id":7655,"shamela_page_id":62,"part":"8","page_num":6,"sequence_num":62,"body":"أدلة الشافعية في نجاسة ما لا نفس له سائلة والرد عليها\rفي المذهب أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، ولحديث: (أحلت لنا ميتتان الجراد والحوت)، ولم يذكر ما لا نفس له سائلة.\rوالجواب عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام:١٤٥]: أن هذا ميتة ما له نفس سائلة، والجواب عن حديث: (أحلت لنا ميتتان الجراد والحوت) أن المعنى: أحلت لنا ميتتان في المأكول الذي له نفس سائلة، وليس فيما لا نفس له سائلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876114,"book_id":7655,"shamela_page_id":63,"part":"8","page_num":7,"sequence_num":63,"body":"الماء المتنجس يطهر بالمكاثرة\rالماء يطهر بالمكاثرة، وهذه مسألة تطهير الماء, فالماء قسمان: ماء قليل، وماء كثير، وحد القلة والكثرة عندنا القلتان, فإذا وقعت نجاسة في ماء أقل من القلتين فإنه ينجس، فإذا أردنا أن نطهر هذا الماء فإننا نطهره بالمكاثرة، فنزيد فيه من الماء حتى يبلغ ذراعاً وربع ذراع عمقاً وطولاً وعرضاً، فإذا بلغ القلتين وصار صافياً لا نرى فيه تغيراً فهو طهور؛ لأنه لم يتغير أحد أوصافه, وإذا وجدناه متغيراً بعد ما بلغ القلتين فما زال نجساً، فإذا زدنا فيه من الماء حتى زال التغيير فإنه يكون طهوراً.\rقال الماوردي في الحاوي: والفارق بين الماء والمائع: أن الماء يطهر بالمكاثرة، والمائع لا يطهر بالمكاثرة.\rوأما شيخ الإسلام وغيره فلا يفرق بين الماء والمائع في المكاثرة، فلو وقعت النجاسة في السمن أو الزيت فيجوز عنده أن يزيد الزيت بزيت آخر حتى يزيل تغيره فيطهر، والصحيح: أن المائعات تختلف عن الماء، فإن الماء له قوة دفع النجاسة عن نفسه لقول النبي ﷺ: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، فهو يدفع الخبث عن نفسه.\rوأيضاً: الماء يطهر غيره، والمائعات ليست كذلك، فالماء يطهر غيره وله قوة تطهير نفسه بالمكاثرة.\rوالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغيره فحكمه الطهورية فيصح استعماله في رفع الحدث وإزالة النجس.\rويمكن أن يطهر الماء الذي وقعت فيه النجاسة فغيرته بالنزح، فينزح منه حتى تزول النجاسة، مثاله: وقعت نجاسة في بئر فغيرته، فننزح بالدلو من هذا البئر حتى نرى الماء لم يعد متغيراً، فيطهر إن كان أكثر من قلتين، ويكون طاهراً مطهراً، وإن كان أقل من قلتين فلا يطهر.\rويمكن أن يطهر الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرته بطول المكث، فإن له قوة دفع النجاسة عن نفسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876115,"book_id":7655,"shamela_page_id":64,"part":"8","page_num":8,"sequence_num":64,"body":"حكم الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة\rالماء الراكد إما أن يكون أقل من قلتين أو أكثر من قلتين، فإن كان أقل من قلتين ووقعت فيه النجاسة فهو نجس سواء غيرته النجاسة أم لم تغيره، فلا يصح استعماله، وإذا كان فوق القلتين ووقعت فيه نجاسة فإننا ننظر فإن غيرت فيه وصفاً من الأوصاف الثلاثة فهو نجس، وإن لم يتغير فهو طهور يصح استعماله.\rوإذا كان الماء الراكد فوق القلتين, ووقعت فيه نجاسة فغيرت طرفاً منه والطرف الآخر لم يتغير, فما حكمه؟ هذا فيه تفصيل: ننظر الطرف المتغير والطرف الغير متغير، فإن كان بين الطرف الذي تغير والآخر قلتان أو هو نفسه قلتان فنقول: إن لم يتغير فهو باق على الطهورية؛ لأن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث, وإن كان أقل من القلتين والمسافة أقل من القلتين فنحن لا نعتبر في الأقل من القلتين التغيير، فإذا وقعت فيه النجاسة نجس كله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876116,"book_id":7655,"shamela_page_id":65,"part":"8","page_num":9,"sequence_num":65,"body":"حكم الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة\rالجرية في الماء الجاري تصل إلى القلتين وقد لا تصل إلى القلتين, فالقليل إذا وقعت فيه نجاسة فغيرته أو لم تغيره فهو نجس، والكثير إن لم تغيره النجاسة فهو على أصل خلقته وحكمه الطهورية، وهذا إذا كانت الجرية نفسها تبلغ قلتين طولاً وعمقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876117,"book_id":7655,"shamela_page_id":66,"part":"9","page_num":1,"sequence_num":66,"body":"شرح متن أبي شجاع - الأعيان المتنجسة وما يطهر منها [١]\rتنقسم الأعيان إلى: أعيان طاهرة، وأخرى نجسة، والأعيان النجسة إلى: أعيان نجسة بذاتها، وأعيان متنجسة، فمن الأعيان النجسة بذاتها: الكلب والخنزير، ومن الأعيان المتنجسة: النجاسة الواقعة في الثوب أو السمن ونحوهما، ومن أساليب التطهير الدباغ الخاص بالجلود، وقد اختلف العلماء في الجلد هل يطهر بالدباغ؟ وهل يمكن الانتفاع بالجلود في البيع والشراء والأكل؟ وجواب ذلك تجده في هذه المادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876118,"book_id":7655,"shamela_page_id":67,"part":"9","page_num":2,"sequence_num":67,"body":"حكم الأعيان المتنجسة\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد.\rفإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل الأعيان المتنجسة وما يطهر منها.\rوجلود الميتة تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876119,"book_id":7655,"shamela_page_id":68,"part":"9","page_num":3,"sequence_num":68,"body":"أقسام الأعيان\rالأعيان على أقسام ثلاثة: أعيان طاهرة، وهذه الأعيان كبهيمة الأنعام والآدمي.\rوأعيان نجسة، وهي قسمان: أعيان نجسة بذاتها، وأعيان متنجسة يعني: أن النجاسة طارئة عليها، فالأعيان النجسة بذاتها: كالخمر والخنزير والكلب على خلاف بين العلماء، فهناك خلاف عريض بين العلماء في الخمر والكلب، لكنهم اتفقوا على نجاسة الميتة والخنزير.\rوالقسم الثاني: أعيان متنجسة، والأعيان المتنجسة نوعان: متنجسة بنجاسة طارئة نستطيع تطهيرها، ومتنجسة بنجاسة طارئة لا نستطيع أن نطهرها.\rأما النوع الأول الذي نستطيع تطهيره: فهي النجاسة التي تقع على الثوب، أو النجاسة التي تقع على السمن الجامد، فلو وقعت فأرة على السمن وهو جامد فإننا نستطيع أن نطهره، بأن نأخذها وما حولها ويبقى الباقي على الطهارة بفضل الله.\rوأدخل بعضهم جلد الميتة إذا دبغ، يعني: تجوزاً أن هذا أصل الميتة، فيدخل أيضاً في النجاسة التي يمكن تطهيرها؛ لأن جلد الميتة نجس بالموت، فيطهر بالدباغ كما سنبين.\rوالنوع الثاني: هو النجاسة التي لا يمكن تطهيرها: كوقوع النجاسة في اللبن أو في الزيت أو في الخل، فلا نستطيع الفصل فيها، فهذه أعيان متنجسة نجاسة طارئة لا تخلو عنها ولا نستطيع تطهيرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876120,"book_id":7655,"shamela_page_id":69,"part":"9","page_num":4,"sequence_num":69,"body":"حكم استخدام الميتة والانتفاع بها عند الشافعية\rوالذي يخصنا من هذه الأعيان التي تكلمنا عنها هو الأعيان المتنجسة نجاسة طارئة يمكن تطهيرها، والذي يخصنا منها هو الكلام على جسم الميتة، فالإنسان في الصحراء له سقاء وله أوعية يشرب فيها العسل، ويشرب فيها الماء، ويشرب فيها اللبن، ويشرب ما يشرب، وهذه الأوعية تعتبر في محل الأواني، وهذه يمكن أن تتخذ من الحديد، لكن العرب كانوا يستخدمون الجلد فيجعلون منه قربة يشربون بها، فهذه القربة هل يمكن للإنسان أن يستخدمها من كل شيء من المأكول أو غير المأكول؟ من الميتة أو من الحي أو من غير ذلك؟ فهذا موضوع فقهنا اليوم: وهو الكلام على هذه الجلود التي تستخدم كأوانٍ، كقرب، أو أشنان للشرب، وكيف يمكن أن ننتفع بجلود الميتة؟ أقول: في المذهب الشافعي يقعدون لنا قاعدة مهمة جداً وهي: الحياة لازمها الطهارة في المأكول وفي غير المأكول، ويقصدون بالمأكول: بهيمة الأنعام، كالماعز والضأن والبعير والبقر، وغير المأكول: كالأسد والذئب والنمر.\rوهل الضبع مأكول أم غير مأكول؟ من العلماء من جعله غير مأكول بدليل: أنه ذو ناب، والنبي نهى عن كل ذي ناب.\rومنهم من جعله مأكولاً بدليل: أنه لما قتل في الحج اعتبره النبي ﷺ صيداً وجعل فيه الكبش، فلما اعتبره صيداً علمنا أنه مأكول، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلونه بين الصفا والمروة، ولا ينكر أحد عليهم، فهو كإجماع السكوت، وقالوا: المقصود بالناب في الحديث أي: الذي يعدو بنابه على الإنسان.\rولذلك قال النبي ﷺ: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، وذكر منها الكلب)، والمقصود: الكلب العقور الذي يعدو بنابه على الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876121,"book_id":7655,"shamela_page_id":70,"part":"9","page_num":5,"sequence_num":70,"body":"تقعيد الشافعية لطهارة الجلد بالدباغ\rنقول: إن الشافعية قعدوا لنا قاعدة وهي: الحياة لازمة للطهارة في المأكول وغير المأكول، والموت لازم للنجاسة في المأكول وغير المأكول، ولذلك قالوا: إذا كانت الحياة تقوى على تطهير الحيوان والموت ينجسه فإننا نقول: بأن الدباغ -وهذه تكملة القاعدة- ينزل منزلة الحياة بالنسبة للجلد، وعليه فالجلد يطهر، كما كانت الحياة لازمة للطهارة فإذاً الدباغ لازم للطهارة، وقالوا: وهذا ليس من بنات أفكارنا ولا من كيسنا بل هو من الأثر والنظر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876122,"book_id":7655,"shamela_page_id":71,"part":"9","page_num":6,"sequence_num":71,"body":"الدليل على طهارة الجلد بالدباغ\rأما الآثار: فحديث السنن عن النبي ﷺ عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه مر عليهم وماتت شاة لـ ميمونة ﵂ وأرضاها، فقال: (هلا انتفعتم بها؟ قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة) يعني الميتة لا ينتفع بها، فقال: (إنما يحرم من الميتة أكلها -ثم قال- إيما إهاب دبغ فقد طهر، ومعنى الإهاب: الجلد قبل الدباغ، فقال: (أيما أهاب) يعني: أيما جلد قبل الدباغ دبغ فقد تحول من النجاسة إلى الطهارة، قال: إيما إهاب دبغ فقد طهر، وهذا دليله على عموم الطهارة في جلود كل مأكول وغير مأكول؛ لأن الأسماء المبهمة تدل على العموم، سواء كان مأكولاً أم غير مأكول، ويستثنى من ذلك: الكلب والخنزير، فلا تطهر جلودهما لأدلة ستأتي، وكأن النبي ﷺ يقول: وجلد الضبع، وجلد الذئب، وجلد الأسد، وجلد بهيمة الأنعام، وجلد الضأن، وجلد الماعز إذا دبغ وهو ميتة فهو طاهر، وأقرب مثال يضرب في ذلك: الحمار الوحشي والحمار الأهلي، فالحمال الأهلي لا يؤكل بالإجماع، والحمار الوحشي يؤكل بالإجماع، إذاً: لو كان الحمار الوحشي ميتة والحمار الأهلي ميتة، فنحن نقول: هل يمكن بالدباغ أن يطهر الجلد ويمكن استخدامه أم لا؟ فعند الشافعية قالوا: بالعموم، قلنا لم؟ قالوا: لأن النبي ﷺ قال: (أيما)، وأيما هذه للعموم، يعني: المأكول وغير المأكول، وأيضاً قول النبي ﷺ: (طهور جلد الميتة دباغه)، أو قال: (طهور الميتة دباغه)، فجعل الدباغ هو المطهر، فهذا من الأثر.\rومن النظر أن نقول: إن كانت الحياة دالة على طهارته فما من أحد وضع يده مثلاً على الحمار الوحشي، أو وضع يده على البعير وقيل له: اغسل يدك حتى تصح صلاتك، لأنها ليست نجسة بل هي طاهرة، قالوا: فكما أن الحياة لازمة للطهارة وأن الموت لازم للنجاسة فإن الدباغ يساوي الحياة في هذه المسألة، فألحقوا الدباغ بالحياة؛ لأنه فعل ما تفعل الحياة، فالحياة تدل على طهارة البعير، والدباغ بعد الموت إن كان ميتاً يدل على طهارة الجلد، قالوا: وهذا إلحاق الدباغ بالميتة، وهذا من النظر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876123,"book_id":7655,"shamela_page_id":72,"part":"9","page_num":7,"sequence_num":72,"body":"حكم الانتفاع بجلود الميتة المدبوغة في البيع والشراء\rإذاً: الشافعية يرون أن جلود الميتة كلها إلا الكلب والخنزير يمكن أن ينتفع بها، لكن بشرط وقيد وهو الدباغ، والدباغ هو التنظيف، أي: تنظيف الجلد، فتأخذ الجلد وتنظفه من بقايا اللحم وغيره، وبعد أن تنظفه وتمرر عليه الماء تضع عليه الملح أو الأشنان أو غير ذلك، ثم تضعه عدة أيام في الشمس، من أجل أن يتصلب في الشمس فلا تجد منه الرائحة المنتنة، فيصير الجلد هنا طاهراً ظاهراً وباطناً، فإن كان طاهراً فينتفع به في الصلاة، وينتفع به في السقاء، بحيث يكون قربة للسقاء، وينتفع به كفرش، وينتفع به في كل شيء، إلا البيع والشراء فهنا محل نظر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876124,"book_id":7655,"shamela_page_id":73,"part":"9","page_num":8,"sequence_num":73,"body":"خلاف الشافعية في الانتفاع بالجلد بالبيع\rوهناك قولان في المذهب: أي قول قديم وقول جديد، فالقول القديم في العراق والجديد في مصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876125,"book_id":7655,"shamela_page_id":74,"part":"9","page_num":9,"sequence_num":74,"body":"القول القديم المنع وأدلته\rأما القول القديم فقالوا: لا ينتفع بالميتة ببيع ولا شراء، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآيات، فقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) أي: حرمت عليكم أكلاً وشراباً وسقاءً وفرشاً وجلداً وعصباً وعظماً وشعراً وكل شيء، فالميتة اسم جنس فيه ألف ولام، فيعم كل أجزاء الميتة، وعندنا دليل خاص في المسألة، فقد جاء في الحديث الصحيح عن جابر ﵁ وأرضاه (أن النبي ﷺ حرم بيع الخمر والأصنام والخنزير، قال: والميتة)، فحرم بيع الميتة، وهذا على العموم يعني: حرم كل شيء يخص الميتة، فحرم بيع لحمها وشحمها وعظمها وعصبها وشعرها، وأيضاً جلدها حتى ولو دبغ؛ لأن الدليل المخصص لم يأت حتى الآن، وهذا بالأثر وبالنظر، قالوا: حتى لو قلتم لنا: يجوز البيع لأنه يجوز الانتفاع، فإن القاعدة عندنا وعندكم: أنه لا يستلزم جواز الانتفاع جواز البيع، ولا يلزم من إجازة الشرع للانتفاع جواز البيع، وهناك أمثلة من الشرع على ذلك: فالكلاب حرم الشرع بيعها بعد أن أجاز الانتفاع بها، فأجاز الانتفاع بالكلاب في الحراسة، وهذه مسألة خلافية أيضاً، فبعض العلماء قال: إن كلب الحراسة يجوز بيعه، وأنا لا أرجح هذا، والصحيح الراجح: أنه لا يجوز بيع الكلاب بحال من الأحوال، لكن يجوز الانتفاع بها.\rمثال آخر: عسب الفحل، فقد نهى النبي ﷺ عنه مع أنه جوز الانتفاع به.\rإذاً القول القديم: لا يجوز البيع ولا الشراء، واستدلوا بهذه الأدلة التي سقناها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876126,"book_id":7655,"shamela_page_id":75,"part":"9","page_num":10,"sequence_num":75,"body":"القول الجديد الجواز وأدلته\rثانياً: القول الجديد: وكثير في أقوال الشافعية القول القديم والجديد، فالجديد هو الراجح إلا في حوالي ثمانية عشر مسألة أو أكثر أو أقل، قالوا: يجوز البيع والشراء، واستدلوا على ذلك بعموم الأدلة مع خصوص النظر.\rأما عموم الأدلة: فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فالربا هو المحرم فقط وهذا حلال البيع، فيدخل تحت العموم.\rقالوا: وخصوص النظر: أنه لما حرم الله بيع الميتة، إنما حرمها للنجاسة، فالعلة النجاسة، والحكم عندنا يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، فإذا وجدت النجاسة حرم البيع وإذا انتفت النجاسة أحل البيع وصح، قالوا: وهنا الجلد نجس بالموت وقد طهر بالدباغ، فهنا العلة انتفت، فرجع الحل على ما هو عليه بعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥].\rونحن بعنا الطاهر وما بعنا النجس، فيصح البيع أو تصح المعاملة بالبيع والشراء، هذا القول الجديد وهو الراجح الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876127,"book_id":7655,"shamela_page_id":76,"part":"9","page_num":11,"sequence_num":76,"body":"الرد على أدلة القول القديم\rوالرد على أدلة القول القديم ما يلي: الدليل الأول: قولهم: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣]، قلنا: هذه الآية عامة في تحريم الميتة في كل شيء، ولما حلل النبي ﷺ جلدها بعد الدباغ فقد خص بذلك، والقاعدة عند العلماء: لا يتعارض عام مع خاص، بل يقدم الخاص على العام لاسيما وأن الخاص قطعي في الدلالة والدليل العام ظني الدلالة، وأيضاً: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.\rإذاً: الآية عامة ودليلنا خاص ولا يتعارض عام مع خاص، بل يقدم الخاص على العام.\rالأمر الثاني: لما قالوا لنا: إن النبي ﷺ حرم بيع الخمر والأصنام وحرم بيع الميتة، قلنا لهم: نوافقكم على العموم، وهو أنه حرم بيع الميتة، لكن العلة النجاسة، إذ أن كل ميتة نجسة، والجلد إن طهر بالدباغ فقد انتفت العلة، فهذا الحديث عام في كل الميتة، في الجلد والعصب والشعر والعظم، ثم خص الجلد المدبوغ لأنه صار من النجاسة إلى الطهارة بالدباغ فيصح بيعه.\rإذاً: الصحيح الراجح في ذلك: الانتفاع مطلقاً، وأصول المذهب تقول: الحياة لازمة للطهارة، والموت لازم للنجاسة، والدباغ لجلد الميتة التي هي نجسة يجعلها طاهرة، فيؤول إلى الانتفاع به مطلقاً، فينتفع به صلاة وفرشاً، بيعاً وشراءً، سواء في ذلك المأكول وغير المأكول على المذهب إلا ما استثني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876128,"book_id":7655,"shamela_page_id":77,"part":"9","page_num":12,"sequence_num":77,"body":"حكم الانتفاع بالميتة عند الحنابلة وأدلتهم\rوقال الحنابلة: لا يجوز الانتفاع بأي شيء من الميتة، لا جلد، ولا عصب، ولا عظم، ولا شعر، حتى ولو دبغ الجلد، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣]، فقوله: حرمت عليكم الميتة، الألف واللام استغراقية، فتستغرق كل الميتة، جلداً، وعصباً، وعظماً، ولحماً، وشحماً، وكل شيء فيها، والتحريم هنا عام في كل شيء، يعني: تحريم الانتفاع أو البيع والشراء، أو تحريم الأكل وغيره، فهذا تحريم كل شيء؛ لأن هذا الدليل عام.\rقالوا: والدليل الخاص: حديث السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، قالوا: وهذا فاصل للنزاع، وأيضاً هذا الدليل فيه حظر، وكل الأدلة التي عندكم تدل على الإباحة، والحظر يقدم على الإباحة، قال رسول الله ﷺ: (لا تنتفعوا)، و (لا) ناهية، والأصل في النهي: التحريم، إذاً يكون المعنى: حرم عليكم الانتفاع بأي شيء، لا جلد مدبوغ ولا غير مدبوغ، قالوا: وهذه هي الأدلة، وهذه رواية عن أحمد ورواية عن بعض المالكية أيضاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876129,"book_id":7655,"shamela_page_id":78,"part":"9","page_num":13,"sequence_num":78,"body":"حكم الانتفاع بالميتة عند المالكية وأدلتهم\rوقال المالكية: نقول بالانتفاع بكل شيء، سواء في ذلك جلد الكلب والخنزير أو غيرهما.\rفقال الشافعية: إنما استثنينا الكلب والخنزير لأدلة، أما الخنزير فبالنص من كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، فقال: (فإنه)، والضمير عائد على أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الخنزير، فإذاً الخنزير بالتنصيص يحرم، وألحقنا الكلب بالخنزير لدليل من السنة وهو حديث في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا ولغ الكب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً)، وفي رواية: (ليرق هذا الماء وليغسله سبعاً) وذلك لأن لعابه نجس، قالوا: واللعاب أشرف ما يكون في الكلب، فإن كان أشرف ما يكون في الكلب نجس فإذاً باقي ما في الكلب يأخذ الحكم، فيكون الجلد والشعر نجس وكل شيء فيه نجس، وهذا من الأثر.\rأما بالنظر فقد قالوا: إن كانت الحياة فيهما لا تقوى على الطهارة لهما فمن باب أولى أن يضعف الدباغ عن تطهيره؛ لأن الحياة هي أصل، وقلنا: إن الدباغ يلحق بها.\rإذاً: يقول المالكية: أي جلد ينتفع به، لكن بقيد وشرط، وهو أن ينتفع به ظاهراً لا باطناً؛ لأن باطنه احتك بالجلد؛ والجلد احتك باللحم، وهذا حكم بالمجاورة، وأيضاً الحنابلة في استدلالهم بالنظر قالوا: الحكم بالمجاورة،؛ لأن الباطن جاور جلد الميتة، وجلد الميتة جاور اللحم، واللحم بالإجماع نجس، فإذاً المجاور يأخذ حكم ما جاوره.\rفالمالكية فرقوا تفريقاً لطيفاً ألطف من قول الحنابلة، وقالوا: الظاهر لم يجاور لكن الباطن جاور، فالمجاور يأخذ حكم المجاور له، وقالوا: الباطن لا يصح الانتفاع به للنجاسة.\rإذاً: المالكية قالوا: ينتفع بكل شيء حتى الكلب والخنزير، لكن بقيد وشرط وهو: الانتفاع به ظاهراً لا باطناً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876130,"book_id":7655,"shamela_page_id":79,"part":"9","page_num":14,"sequence_num":79,"body":"حكم الانتفاع بالميتة عند الأحناف\rأما الأحناف فقالوا بقول الشافعية، إلا في الكلب فيجوز عندهم الانتفاع بجلده، قالوا: لأن النص جاءنا في الخنزير بالآية ولم يأتنا نص آخر في الكلب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876131,"book_id":7655,"shamela_page_id":80,"part":"9","page_num":15,"sequence_num":80,"body":"حكم الانتفاع بالميتة عند الأوزاعي وابن تيمية وأدلتهما\rوقال الأوزاعي: ينتفع بجلد الميتة المأكول لا غير المأكول، وشيخ الإسلام ابن تيمية يرجح هذا القول، قالوا: دليلنا على التفريق: أثر ونظر، أما الأثر: فقد جاء عنه ﷺ في حديث ابن عباس: (أنه مر على شاة ميتة فقال: هلا انتفعتم بها؟) فقالوا: العبرة بخصوص السبب؛ لأنه لما مر مر على شاة وهذه الشاة مأكولة فتبقى على حالها، والشاة الميتة هذه كانت مأكولة، يجوز أكلها بالزكاة فقال: انتفعوا بها؛ لأنه يمكن الانتفاع بها في حال حياتها بالأكل بعد الذبح، فقالوا: هذه خاصة في المأكول، وهذه واقعة حال أو واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها.\rقالوا: والدليل الفاصل لنا أيضاً: قول النبي ﷺ في بعض الروايات: (دباغه ذكاته) يعني: دباغ الجلد ذكاته، قالوا: فنستدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز الانتفاع بجلد ميتة إلا المأكول.\rفقول النبي ﷺ: (دباغه ذكاته)، والذكاة لا تكون إلا في المأكول وألحق النبي ﷺ الدباغ بالذكاة فحكمه حكم الذكاة، يعني لا يكون إلا في المأكول، وهذا وجه الدلالة عندهم، فهذا من الأثر.\rأما من النظر: فحديث: (نهى النبي ﷺ عن افتراش جلود النمر)، قالوا: وهذا النهي للنبي ﷺ، ولو كان ثمة تفصيل لفصل، فلما قال: أنهاكم عن افتراش جلود النمر، ولم يقل: أنهاكم عن افتراش جلود النمر التي لم تدبغ، فإذا دبغت فافترشوها، فالنبي ﷺ لم يفصل، ولما لم يفصل بقيت على العموم، والعلة هنا: النجاسة، والنجاسة عامة سواء دبغ أم لم يدبغ.\rفتبقى هذه الدلالة على أن المأكول يخالف غير المأكول في الحكم.\rإذاً: قالوا: عندنا أدلة كثيرة تثبت لنا التفريق بين المأكول وغير المأكول في الأثر وفي النظر، أما في الأثر: فحادثة ميمونة التي كانت في الشاة والشاة مأكولة، فإذاً: المأكول حكمه يخالف حكم غير المأكول، قالوا: والفاصل في النزاع: حديث النبي ﷺ (دباغه ذكاته) فألحق الدباغ بالذكاة، والذكاة لا تكون إلا في المأكول، فالدباغ حكمه أنه لا يكون إلا في المأكول.\rقالوا: ومن النظر: نهي النبي ﷺ عن افتراش جلود النمر، ولم يفصل سواء كانت مدبوغة أم غير مدبوغة، والعلة في ذلك: النجاسة، فإن دبغت فهي نجسة وإن لم تدبغ فهي نجسة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876132,"book_id":7655,"shamela_page_id":81,"part":"9","page_num":16,"sequence_num":81,"body":"الراجح من الأقوال في الانتفاع بالميتة\rفإذاً: هذه الأقوال للمخالفين، فأقول: قول الأوزاعي وشيخ الإسلام ابن تيمية هو من القوة بمكان، لكن الراجح الصحيح هو: قول الشافعية، وأنه على العموم في جلد المأكول وغير المأكول، فيصح الانتفاع به بعد الدباغ ويصير طاهراً للأدلة التي سردناها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876133,"book_id":7655,"shamela_page_id":82,"part":"9","page_num":17,"sequence_num":82,"body":"الرد على الحنابلة فيما استدلوا به\rأولاً: الرد على الحنابلة؛ لأن هذا أضعف الأقوال، قالوا: لا ينتفع بها واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: (حرمت)، قلنا هذا عام مخصوص، وأيضاً استدلوا بحديث النبي ﷺ: (لا تنتفعوا بإهاب ولا عصب)، وهذا قول: الحنابلة مع بعض المالكية.\rقلنا: الرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أن هذا حديث مضطرب، فهو معل، كما أعله البيهقي وكثير من المحدثين، والقاعدة عندنا وعندكم: أن الأحكام فرع على التصحيح، فإذا ضعف الدليل فلا استدلال لكم، ولا حجة معكم.\rولو تنزلنا مع الخصم وقلنا: بأن الحديث الصحيح، فالرد عليه من وجه آخر، وهو أن النبي ﷺ قال: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا بعصب) والحديث ليس في محل النزاع؛ لأن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ ونحن معكم في هذا، وإنما النزاع في الجلد بعد الدباغ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876134,"book_id":7655,"shamela_page_id":83,"part":"9","page_num":18,"sequence_num":83,"body":"الرد على المالكية فيما استدلوا به\rثانياً: الرد على المالكية، قالوا: ينتفع بكل شيء ظاهر دون الباطن، فنرد عليهم ونقول: قد نص الله جل وعلا على نجاسة الخنزير، وعمم نجاسته بعد الدباغ وقبل الدباغ، وبين النبي ﷺ نجاسة أشرف شيء في الكلب وهو اللعاب فهو نجس، فلم أدخلتموه؟ وهذا الرد عليهم من أول وجه.\rالوجه الثاني: نقول لهم: قد فرقتم بين الظاهر وبين الباطن بلا مفرق، فإن قالوا: عندنا المفرق، وهو قياس المجاورة، فنلحق الجلد باللحم لأنه مجاور، لكن نقول: هذا قياس مع الفارق أولاً وقياس فاسد؛ لأنه صادم نصاً وهو قول النبي ﷺ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فهذا القياس أولاً مع الفارق؛ لأن الجلد يخالف اللحم، فالجلد لا يؤكل واللحم يؤكل، وهناك فوارق كثيرة بين الجلد واللحم.\rوالثاني: أن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه صادم نصاً فقد جاء النص يفرق بين اللحم وبين الجلد، قال النبي ﷺ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فهذا تفريق من النبي ﷺ فأنتم الآن سويتم بين ما فرق الشرع بينه، وهذا خطأ فاحش.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876135,"book_id":7655,"shamela_page_id":84,"part":"9","page_num":19,"sequence_num":84,"body":"الرد على الأحناف فيما استدلوا به\rالرد على القائلين بالقول الثالث وهم الأحناف، فالأحناف قالوا: نخرج الخنزير فقط ولا نخرج الكلب؛ لأن الآية نصت على نجاسة الخنزير، قلنا: والكلب قد جاء الدليل على نجاسته، وهو حديث ولوغ الكلب، فلعاب الكلب نجس وهذا أشرف ما يكون فيه، فمن باب أولى الجلد والعظم والعصب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876136,"book_id":7655,"shamela_page_id":85,"part":"9","page_num":20,"sequence_num":85,"body":"الرد على ابن تيمية والأوزاعي\rالرد على قول شيخ الإسلام ابن تيمية سيكون من الأثر، إذ أن الرد عليه بالنظر صعب، وسنبين ذلك.\rالرد عليهم من الأثر: أما قولكم بأن مرور النبي ﷺ كان على شاة والشاة مذكاة فنقول: القاعدة التي نتفق عليها هي: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولو كان السبب الشاة، فإن النبي ﷺ عمم وقال: (أيما إهاب) سواء ميتة مأكول أو ميتة غير مأكول، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا رد قاطع.\rأما الدليل الذي استدل به وهو قول النبي ﷺ: (دباغه ذكاته) قلنا: نحن نوافقكم على هذا اللفظ، فدباغه ذكاته ولا نوافقكم على الإلحاق بل نقول: إن الإلحاق هنا إلحاق الانتفاع لا إلحاق الحكم، ومعنى الحديث أي: كما أنكم تنتفعون بالشاة في ذكاتها -وهذه الشاة كانت حية، فهذه الشاة إن ماتت فلكم أن تنتفعوا أيضاً بجلدها بالدباغ، فهنا الحكم حكم الانتفاع لا حكم الإلحاق بالتفريق بين المأكول وغير المأكول.\rفالإلحاق هنا إلحاق في الانتفاع فقط، يعني: يجوز أن تنتفعوا بالشاة الميتة بالدباغ كما كان يجوز لكم أن تنتفعوا بالشاة الحية بالذكاة، وليس ثم قرب ولا بعد من المأكول ولا غير المأكول، فالكلام كله على الانتفاع، والدليل على أن الحديث يدور على الانتفاع فقط هو: السياق.\rفالقاعدة تقول: السياق والسباق من المفسرات والموضحات والمقيدات، ففي حديث ابن عباس قال لهم: (هلا انتفعتم) فالكلام كله على الانتفاع، فقلنا له: المسألة كانت تدور على الانتفاع، وعليه فقوله: (فدباغه ذكاته) يعني: إذا انتفعتم بالذكاة فلكم أن تنتفعوا بالدباغ.\rأما الرد على النظر، فإنهم قالوا: تتفقون معنا أن النبي ﷺ نهى عن افتراش جلود النمر، والعلة عندنا النجاسة، فنقول: أنتم الآن قلتم بأن العلة في النهي عن افتراش النمر هي النجاسة ولا نوافقكم على المقدمة، بل نقول: النهي لأمر آخر وليس للنجاسة، فالنهي لم يتعرض للنجاسة، بل النهي لأمر آخر؛ لأن النبي ﷺ نهى أيضاً عن افتراش سجاد الحرير لا للنجاسة وإنما للمفاخرة والمباهاة.\rفنحن نقول: إن افتراش جلود النمر نهى عنه النبي ﷺ من أجل المفاخرة والمباهاة وليس من أجل النجاسة، وما دامت المقدمة خاطئة، فالنتيجة خاطئة.\rنخلص من ذلك على أن الميتة لا ينتفع بها بأكل ولا شرب ولا أي شيء إلا الجلد، فيمكن أن ينتفع بجلد البقر وجلد الشاة وجلد الأسد، وذلك بأن يدبغ فيطهر فينتفع به في صلاة عليه أو سقاية، يعني: تكون قربة نشرب منها، أو بيعاً أو شراءً لتجارة الجلود، وهذا الحكم في المأكول وفي غير المأكول إلا الكلب والخنزير.\rوهناك مسألة خلافية بين العلماء وهي: هل يؤكل الجلد بعد دبغه أم لا يؤكل؟ ففي المسألة خلاف عريض بين الشافعية أنفسهم على هذا الحكم.\rولو اعترض معترض على ردنا على ابن تيمية وقال: لماذا منعنا من افتراش جلد الكلب؟ قلنا: لأنه نجس، ولكن ليس هناك دليل على أن الأسد والنمر نجس، فلعاب الأسد طاهر، وهذه مسألة خلافية جداً، أعني: آثار البهائم، وهل هي طاهرة أم نجسة؟ والصحيح الذي أدين الله به كما يدين به الشافعية: أن آثار البهائم كلها طاهرة إلا ما دل الدليل على نجاسته.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876137,"book_id":7655,"shamela_page_id":86,"part":"10","page_num":1,"sequence_num":86,"body":"شرح متن أبي شجاع - الأعيان المتنجسة وما يطهر منها [٢]\rالأعيان المتنجسة تطهر بالماء إن كانت تطهر به، أو بالدباغ إن كانت جلداً ونحوه، والميتة بشعرها وعصبها وعظمها نجسة عند الجمهور، باستثناء الشعر فإنه طاهر عند المالكية والحنابلة، وخالف الحنفية فقالوا بطهارة الميتة بشعرها وعصبها وعظمها، والراجح في هذا هو قول الشافعية: أن الميتة نجسة عموماً بشعرها وعظمها وعصبها، واختلف العلماء كذلك في نجاسة رطوبة فرج المرأة والراجح طهارتها والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876138,"book_id":7655,"shamela_page_id":87,"part":"10","page_num":2,"sequence_num":87,"body":"حكم الأعيان المتنجسة\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: الأعيان المتنجسة وما يطهر منها.\rوجلود الميتة تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي.\r] تكلمنا عن الانتفاع بجلود الميتة، وبينا الخلاف بين العلماء فيها، ونختم هذا الباب في الكلام على عظم الميتة، ثم سنتكلم على أواني الذهب والفضة وكنزها أو استعمالها في الأكل والشراب وفي غير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876139,"book_id":7655,"shamela_page_id":88,"part":"10","page_num":3,"sequence_num":88,"body":"أقوال الشافعية في شعر الميتة وعظمها وعصبها\rقال: [وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي] للشافعية في عظم الميتة وشعرها وعصبها ثلاثة أقوال: الأول: عموم النجاسة للعظم والشعر والعصب، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣]، فتحريم ما لا حرمة فيه دال على نجاسته، قلنا: الآدمي أيضاً له حرمة، فقالوا: وعموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣] فالآدمي يسمى ميتة فيدخل تحت عموم الآية، واستدلوا بحديث جابر: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الأصنام والخمر والميتة)، قالوا: والعلة في نهيه عن البيع: النجاسة.\rالقول الثاني: قالوا: كل العظم والشعر والعصب نجس في كل ميتة سوى الآدمي، واستدلوا بعموم الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول، وخصصوا الآدمي بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء:٧٠]، فقالوا: التكريم دلالة على عدم النجاسة؛ لأن النجس غير مكرم.\rفإذاً: التكريم دلالة على الطهارة.\rواستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه الذي فيه: (أنه مر على النبي ﷺ وكان جنباً فانخنس، فبعد أن ذهب واغتسل رجع إلى النبي ﷺ، فسأله النبي ﷺ: أين كنت يا أبا هر؟ فقال له أبو هريرة: كنت جنباً فاستحييت أن أجلس معك وأنا على جنابة، فقال النبي ﷺ: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، ووجه الدلالة: عموم لفظ قول النبي ﷺ: (إن المؤمن لا ينجس)، وابن حزم فقط هو الذي أخذ بالمفهوم وقال: إن أهل الكتاب أو الكفار كلهم أنجاس حسياً ومعنوياً.\rفقول النبي ﷺ: (المؤمن لا ينجس)، يعني: حياً كان أو ميتاً، فاستدلوا بهذا الحديث على أن الآدمي لا ينجس عظماً وشعراً وجلداً ولحماً وكل شيء.\rالقول الثالث: إن عظم الميتة وشعرها وعصبها على الطهارة كلها، واستدلوا بأدلة ستأتي، لكن الصحيح الراجح في المذهب: أن عظم الميتة وشعرها وعصبها نجس وليس بطاهر، سوى ميتة الآدمي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، ومن تمام التكريم أن يكون طاهراً حياً وميتاً، وأيضاً عموم قول النبي ﷺ: (سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، فهذا فيه دلالة أنه طاهر ميتاً كان أو حياً.\rوثمرة هذه المسألة: أنك لو وجدت ميتة ووجدت فيها شعراً؛ فإنه يجوز لك أن تستخدم هذا الشعر في حشو لرداء أو جاكت، هذا على القول بأن شعر الميتة طاهر، لكن نقول: الشعر لا يجوز استعماله لعموم الأدلة بنجاسة الميتة، أما الجلد فلا يصح استعماله إلا بعد الدباغ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876140,"book_id":7655,"shamela_page_id":89,"part":"10","page_num":4,"sequence_num":89,"body":"رأي المالكية والحنابلة في الميتة\rخالف بذلك الأئمة الثلاثة مالك وأحمد وأبو حنيفة، أما الحنابلة والمالكية: فاتفقوا على أن العظم والعصب نجس، وهذا الاتفاق مع الشافعية واختلفوا معهم في الشعر فقالوا: الشعر طاهر وليس بنجس، واستدلوا على ذلك بأدلة من الأثر والنظر، وقبل أن أدخل في أدلتهم قلنا: أدلة الشافعية على أن النجاسة في الشعر هي قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، ووجه الدلالة: عموم اللفظ، فيشمل العظم والجلد والعصب والشعر.\rأما دليلهم من النظر فقالوا: العظم والشعر تحله الحياة، وما تحله الحياة فبموته يصير نجساً؛ لأنه ميتة، وخالف بذلك المالكية والحنابلة، فقالوا نوافق الشافعية على العظم والعصب في أدلتهم جميعاً ونخالفهم في الشعر، واستدلوا على ذلك من الأثر ومن النظر، أما الأثر: فقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]، ووجه الدلالة: أنه أباح لهم الانتفاع بالشعر أن يجعلوه أثاثاً ومتاعاً عند الظعن وعند الإقامة، فلما أباح لهم الانتفاع والتمتع بها دل ذلك على الطهارة؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بالنجس، هذا دليل من الكتاب، أما من السنة فحديث أم سلمة ﵂ وأرضاها الذي في السنن، قالت: قال النبي ﷺ: (لا بأس أن تنتفعوا من إهاب الميتة بالدبغ، ومن الشعر بالغسل)، يعني: انتفعوا بإهاب الميتة بعد الدبغ، وانتفعوا بشعر الميتة بعد الغسل، فكما أن الدباغ يطهر الجلد فإن الغسل يطهر الشعر.\rوالدليل الثالث أيضاً من الأثر: (أن النبي ﷺ مر على شاة ميتة لـ ميمونة فقال: ألا انتفعتم بإهابها؟ قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها)، ووجه الدلالة: أنه إنما حرم أكلها، فيدل هذا على حل كل شيء غير الأكل، ويسمى مفهوم المخالفة فهذا من الأثر.\rأما من النظر فقالوا: الشعر لا تحله الحياة، واستدلوا على ذلك أنك لو أخذت شعرة صغيرة من ظفائر النساء فشددتها من الوسط فإنها لا تؤثر ولا يتألم المرء بذلك، فهذه دلالة على أنه لا حياة في الشعر، فلا تطبق قاعدة: أن ما حلت فيه الحياة فبالموت يكون نجساً هذا من النظر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876141,"book_id":7655,"shamela_page_id":90,"part":"10","page_num":5,"sequence_num":90,"body":"رأي الأحناف في الميتة\rأما الأحناف فقالوا: العظم والجلد والعصب والشعر على الطهارة واستدلوا على ذلك من الأثر ومن النظر، أما من الأثر: فقد ورد في الحديث (أن النبي ﷺ امتشط بمشط من عاج) والعاج: عظم، وأيضاً: (أمر النبي ﷺ ثوبان مولاه أن يشتري لـ فاطمة سوارين من عاج)، ووجه الدلالة من الحديثين! أنه لو مس بالنجاسة يده وشعره لتنجس، ولما لم يأتنا من الدليل أنه غسل يديه بعد استعماله وغسل رأسه بعد استعماله دل على أنه طاهر.\rالوجه الثاني: استخدمت فاطمة السوارين، وحصل فيهما بيع وشراء، فعلى القول بنجاستهما لا يجوز شراء وبيع النجس، وهذا فيه خلاف بين العلماء، كذلك كون فاطمة ﵂ صلت بهما وعلى القول بنجاستهما لا يجوز أصلاً أن تحمل النجاسة في الصلاة والصلاة تبطل بهذا، فلما صح أن تحمل السوارين دل على طهارتهما، هذا قول الأحناف من الأثر.\rأما من النظر: فإن العظم والشعر والعصب لا تحل فيه الحياة، فإذاً لا نطبق عليها قاعدة: أن ما حلت فيه الحياة فبالموت يكون نجساً؛ لأن الحياة لازمة للطهارة والموت لازم للنجاسة.\rإذاً: هناك أقوال ثلاثة: قول الشافعية وهو قول المذهب: أن الشعر والعظم والعصب على النجاسة إلا الآدمي، وخالف في ذلك الحنابلة والمالكية فقالوا: نتفق على إخراج الآدمي ونتفق على العظم والعصب، ونخالف في الشعر والأحناف قالوا: نخالف في الجميع، فالآدمي طاهر، والشعر والعظم والعصب من أي حيوان كله طاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876142,"book_id":7655,"shamela_page_id":91,"part":"10","page_num":6,"sequence_num":91,"body":"الراجح من أقوال أصحاب المذاهب في شعر وعظم وعصب الميتة والرد على من خالف الراجح\rالراجح من هذه الأقوال هو: قول الشافعي وهو أن الشعر والعظم والعصب على النجاسة للأدلة القاطعة بذلك، منها: عموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣]، وحديث: (حرم النبي ﷺ بيع الميتة)، وعلة التحريم في ذلك باتفاق الفقهاء هي: النجاسة، وخرج الآدمي بالأدلة التي سردناها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876143,"book_id":7655,"shamela_page_id":92,"part":"10","page_num":7,"sequence_num":92,"body":"الرد على الحنابلة والمالكية\rأما الرد على الحنابلة والمالكية فيما استدلوا به، فإنهم استدلوا بالأثر بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]، وقالوا: هذه دلالة على عموم الانتفاع بشعر الميتة، فنقول: هذه دلالة على الطاهرة وليست على النجسة، وقالوا للشافعية: وأنتم تستدلون بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة:١٧٣]، ووجه الدلالة منها العموم، ونحن دليلنا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل:٨٠]، والآية خاصة في الأشعار، وإذا تعارض العام والخاص قدم الخاص على العام، فقال الشافعية: الآية ليست عامة على الإطلاق، بل الآية عامة من وجه وخاصة من وجه، وأيضاً الآية عندنا عامة من وجه وخاصة من وجه، فلم نحمل خصوص وجهكم على عموم الآية التي نستدل بها؟ ولا نحمل خصوص وجهنا على عموم ما استدللتم به؟ فهم يستدلون بعمومها بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا﴾ [النحل:٨٠]، ونقول: هذه الآية عامة، وهي مخصوصة بأدلة أخرى، من هذه الأدلة: قول جابر: (حرم النبي ﷺ بيع الأصنام والخمر والميتة)، وباتفاق العلماء على النجاسة فإنها تصير مخصوصة بهذا اللفظ، والمقصود: كل الميتة شعراً وعظماً وعصباً.\rالثاني: تخصص الآية بمتصل، وأما هم فمخصوصها بمنفصل، فالآية تقول: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل:٨٠]، و (من) يمكن أن تكون للابتداء وممكن تكون للتبعيض، ونحن نرجح هنا: أنها للتبعيض بالقرائن المحتفة وبالدليل المنفصل الذي أتينا به.\rإذاً: من أشعارها في حال كونها حية لا ميتة، ونزاعنا في الميتة، فخصصنا عموم الآية بالحي وأنتم أردتم عمومها بالحي والميت.\rإذاً: الآية مخصصة بمخصصين: مخصص متصل، ومخصص منفصل، فالمخصص المنفصل هو حديث: (حرم النبي ﷺ بيع الميتة)، والعلة: النجاسة باتفاق العلماء، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، أيضاً هذا مخصص منفصل.\rأما المخصص المتصل فهو: قول الله تعالى: ((وَمِنْ أصوافها))، فـ (من) هنا للتبعيض، فنحمل الآية على أن معنى (وأشعارها) كونها حية وليست ميتة.\rإذاً: الآية ليست في النزاع.\rوالدليل الأثري الثاني الذي استدلوا به: حديث أم سلمة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ: (لا بأس أن تنتفعوا بإهاب الميتة إذا دبغ وبالشعر إذا غسل)، فنقول لهم: الرد عليكم في هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: هذا الحديث ضعيف؛ ففيه راويان مجهولان، والقاعدة تقول: الأحكام فرع على التصحيح، والحديث ضعيف.\rالوجه الثاني: أنه وإن كان صحيحاً فالرد على الاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: نقول: قول النبي ﷺ: (انتفعوا بالجلد بعد الدبغ وبالشعر بعد الغسل) دال على أن الشعر فيه نجاسة ويطهر بالغسل، فيكون هذا لنا وليس علينا، لكن يمكن أن يطهر بالغسل.\rوهذا الأصل إلا ما دل الدليل على خلافه، ألم يقل رسول الله ﷺ: (اغسلوا الإناء الذي ولغ فيه الكلب)، وقال: (اغسلوا بول الأعرابي)؟ فلما أمر بالغسل دل على النجاسة.\rالوجه الثاني في الرد عليهم: نقول: إذا قلتم بالحديث: (فانتفعوا بالشعر بالغسل)، فأنتم أبطلتم الاستدلال بعموم آية: ((وَأَشْعَارِهَا)) فهي عامة في الغسل أو بدون غسل، بعموم الآية وأنه يمكن أن ينتفع بالشعر دون الغسل، فإما أن تأخذوا بالآية، أو تأخذوا بالحديث، ويمكن أن يردوا علينا برد ثان، ويقولون: نحن نأخذ بالآية والحديث، نأخذ بظاهر الآية، فهي تصرف الأمر في الحديث من الوجوب إلى الاستحباب، فإذا صرف الأمر إلى الاستحباب رجع الأمر على أنه على تأكيد الطهارة، لكن نحن نقول لهم: الحديث ضعيف فلا دلالة لكم فيه، والأمر الثاني: الغسل يدل على النجاسة وهذا هو الأصل.\rأما الرد على الحديث الثالث: الذي فيه أن النبي ﷺ قال: (إنما حرم أكلها)، فنقول: الرد عليكم في هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: استدلالكم بمفهوم المخالفة في حل الانتفاع والعظم والعصب سوى الأكل، نقول: المفهوم خالفه المنطوق وهو أنه حرم بيع الميتة للنجاسة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣].\rوإذا خالف المنطوق المفهوم قدم المنطوق على المفهوم باتفاق علماء الأصول.\rالوجه الثاني من الرد عليه: أن قول النبي ﷺ: (إنما حرم أكلها)، السياق والسباق من المفسرات والمقيدات، قال علماؤنا: السياق محكم، يعني: السياق هو الذي يبين لنا مراد النبي من الحديث، فالنبي ﷺ مر فوجد الميتة فقال لهم: (انتفعوا بها، فقالوا: هذه ميتة، فقال لهم النبي ﷺ: إنما حرم أكلها -ثم بين بعد ذلك- قال: هلا انتفعتم بإهابها)، أي بعد الدبغ، وقال: (دباغه زكاته).\rإذاً: هذه دلالة من النبي ﷺ في السياق نفسه أنه تكلم عن طهارة الجلد بالدباغ، فالسياق هنا محكم، وسياق حديث ابن عباس كان في الدباغ ولم يتكلم لا على عظم ولا على شعر ولا على عصب، ولذلك يكون الأكل محرماً عموماً في الجلد وفي غيره فكأنه يقول: الجلد لا يؤكل، لكن يمكن أن تنتفع به بعد أن تطهره بالدباغ.\rإذاً الحديث سياقه في دباغ الجلد ولم يتكلم بإشارة ولا بتلميح عن شعر ولا عن عصب.\rفإذاً: النتيجة أن نقول: هذا الحديث ليس نصاً في محل النزاع، وليس لكم أن تستدلوا به.\rومن أدلتهم أنهم قالوا: الشعر جزء من الميتة، وأنتم اتفقتم على أن الميتة نجسة، فالجزء يأخذ حكم الكل، فقالوا: نعم، نحن معكم على التأصيل الكلي بأن الشعر جزء من الكل، والجزء يأخذ الحكم العام، لكن نقول تقييداً لهذه القاعدة: إلا ما دل الدليل النظري على التفريق، ألا وهو أن الشعر لا تحل فيه الحياة؛ لأنه لا يشعر بألم إذا قص، قلنا: إن الحياة تعرف بوجهين: الوجه الأول: الألم، والوجه الثاني: النمو، والشعر ينمو، والنمو علامة الحياة، فلما سمعوا ذلك سكتوا، فقلنا: هذا رد عليكم، إذاً: الشعر تحله الحياة، والدلالة على ذلك النماء، فإن كانت تحله الحياة فبالممات يكون نجساً؛ لأن الحياة لازمة للطهارة والممات لازم للنجاسة، وهذا الرد على الحنابلة والمالكية.\rوقال ابن رشد في بداية المجتهد: أما الميتة فهي لا تحرم إلا بالدم.\rوهذا كلام مردود عليه فلو سكبت هذا الدم ونظفت الميتة كلها فيمكن أن تأكل اللحم؟ والعظم إذا نظف من الدم فهل تستخدمه أو لا؟ فهذا باطل لا يصح؛ للأدلة التي سردناها كلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876144,"book_id":7655,"shamela_page_id":93,"part":"10","page_num":8,"sequence_num":93,"body":"الرد على الأحناف\rأما الأحناف فاستدلوا بالأثر والنظر، أما الأثر: فإن النبي ﷺ استخدم العاج، فلما استخدمه دل على طهارته، قلنا: الرد عليكم من وجوه: الأول: هذه الآثار كلها ضعيفة، حديث (امتشط النبي ﷺ بمشط من عاج)، حديث ضعيف؛ لأن سنده مظلم.\rالثاني: (أن النبي ﷺ أمر ثوبان أن يأتي لـ فاطمة بسوارين من عاج)، حديث ضعيف أيضاً، والحجة في الصحيح وليس في الضعيف.\rأما الرد على الدليل النظري: أن العظم لا تحل فيه الحياة، فهو قولنا: الواقع يكذب ذلك فالعظم تحل فيه الحياة، فالعظم يتألم وينمو؛ فإن الصغير يكبر، ويكبر معه عظامه.\rفإذاً: العظم تحل فيه الحياة من وجهين: الأول: أن العظم ينمو، والثاني: كون الإنسان يتألم ويتأثر به، فهذه فيها دلالة واضحة على أن العظم تحل فيه الحياة، وهذا رد على الأحناف، فنقول بأن كلام الشافعية في مسألة العظم والشعر والعصب كل ذلك على النجاسة هو الراجح الصحيح للأدلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876145,"book_id":7655,"shamela_page_id":94,"part":"10","page_num":9,"sequence_num":94,"body":"حكم البول والغائط\rذكر المصنف أموراً أخرى تمس الآدمي، فقال: إذا قلنا بأن شعر الآدمي وجلده وعظمه وعصبه على الطهارة فلا ينسحب الحكم على شيء آخر، فإن بول الآدمي وغائطه ودمه نجس، أما المني فعند الأحناف أنه نجس، وعند الشافعية طاهر، والدليل على أن بول الآدمي نجس: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا ليضربوه فقال النبي ﷺ: (لا تزرموه، لا تقطعوا عليه بوله، أهريقوا على بوله دلواً من ماء)، ووجه الدلالة: أنه لما أمر بصب الماء دل على نجاسة البول.\rالدليل الثاني: (أن الرسول ﷺ نضح من بول الغلام) والنضح دليل على النجاسة، لكنها نجاسة مخففة، وأما بول الجارية فأمر بغسله؛ لأنها نجاسة مغلظة.\rوهناك دليل ثالث: وهو حديث (أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) وهناك رواية أخرى في سنن أبي داود بسند صحيح قال: (لم يستتر من بوله)، فالعذاب إما لأنه لم يستر عورته وقد قال النبي ﷺ لرجل: (استر عورتك قال: أرأيت أحدنا يكون وحده، قال: الله أحق أن تستحي منه) فلا يمنع ذلك أن يعذب من أجل أنه لم يستنزه من بوله أو لم يستتر، ولا يمنع أن يكون العقاب مرتباً على العلتين.\rوالدليل على ذلك: القياس الجلي أو قياس الأولى، فإذا ثبتت بالدليل نجاسة البول فمن باب أولى نجاسة الغائط؛ لأنه أغلظ نجاسة.\rالدليل الثاني: الحديث الذي فيه: (نهى أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار إلا بثلاث).\rوالأوضح من ذلك: حديث ابن مسعود: (أن النبي ﷺ أمره أن يأتي له بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هي رجس)، والخلاصة: أن بول الآدمي وغائطه نجس.\rيبقى لنا الكلام على الدم وعلى المني ونرجئ الكلام على الدم والمني؛ لأن فيهما شبهاً قوية جداً، وسأفرد لهما باباً حتى ننهي المسألة نهاية تامة كما هو عملنا في كل مسألة، وذلك بأن نأتي بقول الموافق والمخالف والرد على المنازع وبيان هذه المسائل، لا سيما وأن المتنازعين ليس عندهم دليل يترنمون به وتظهر كلمتهم فوق السطح إلا الإجماع، وسنبين لهم أنه لا إجماع في المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876146,"book_id":7655,"shamela_page_id":95,"part":"10","page_num":10,"sequence_num":95,"body":"حكم الودي والمذي\rأما المذي والودي: فالمذي نجس بالاتفاق، ودليل ذلك حديث علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: (قال: كنت رجلاً مذاء فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ عن المذي) وفي رواية أخرى قال: (كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري) يعني: اجتهد علي فكان يغتسل حتى تشقق ظهره، ففي هذه الرواية: أن علياً بن أبي طالب هو الذي سأل النبي ﷺ، وفي الرواية الأولى أنه استحى، فأمر المقداد أن يسأل ويأتيه بالجواب، وهناك رواية ثالثة: أن غيرهما سأل النبي ﷺ، والجمع بين سؤال علي وأمره للمقداد: أن علياً ﵁ أراد التأكد فسأل بنفسه، فأجابه النبي ﷺ.\rوخلاصة الكلام: أن الرسول ﷺ أجابه بقوله: (اغسل ذكرك أو مذاكيرك)، وسيأتي التفصيل في مسألة: هل غسل المذاكير على الوجوب أم ليس على الوجوب؟ لكن نحن الآن في صدد الكلام على الدلالة على النجاسة وهي أن النبي ﷺ قال: (اغسل ذكرك أو مذاكيرك)، وقال النبي ﷺ: (منه الوضوء)، فدل ذلك على أنه من النواقض وأنه نجس.\rوالمذي: سائل أبيض رقيق يأتي للرجل القوي الشهوة أو عند المداعبة أو الملاطفة مع الزوجة، والودي ثخين مكدر، يعني: ليس أبيض، وهو يخرج بعد البول أو بعد مشقة عمل معين، وهو نجس؛ لأن مخرجه مخرج البول فهذا من النظر.\rوأما من الأثر: فقد ورد بسند صحيح عن ابن عمر وعن ابن عباس أنهما قالا: الودي نجس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876147,"book_id":7655,"shamela_page_id":96,"part":"10","page_num":11,"sequence_num":96,"body":"حكم رطوبة فرج المرأة\rأما مسألة رطوبة فرج المرأة، فمعلوم أن المرأة لو جلست على ركبتيها فإنها تنزل منها الرطوبة، وعند بعضهن تنزل الرطوبة بكثرة، ورطوبة فرج المرأة كثيراً ما تحدث لكل امرأة.\rولقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: قول الجماهير من أهل العلم، فقد قالوا بنجاسة رطوبة فرج المرأة، واستدلوا على ذلك: بأن المخرج نفس مخرج النجس، وهذا من النظر، أما من الأثر: فرطوبة فرج المرأة نجسة، وذلك أن الصحابة في أول الإسلام كان الرجل منهم إذا جامع أهله فأكسل أي: لم ينزل، فإنه لا غسل عليه، ومنه الوضوء فقط؛ لقول النبي ﷺ: (إنما الماء من الماء)، أي: إنما الاغتسال من الإنزال، لكن قال النبي ﷺ: (فاغسل ما أصابك منها)، لأنه يبعد أن يجامع الرجل امرأته ولا تنزل الرطوبة، وهذا دليل قوي صراحة على نجاسة رطوبة فرج المرأة.\rالقول الثاني: طهارة رطوبة فرج المرأة، أي السائل الذي ينزل من فرج المرأة، والدليل على ذلك ما استدل به ابن عبد البر كما نقله الحافظ في الفتح: وهو حديث عائشة أنها قالت: (يصيب المني ثوب النبي ﷺ فإن كان يابساً أفركه وإن كان رطباً أنضحه)، قالوا: وهذا دليل على أن رطوبة فرج المرأة طاهرة وليست بنجسة، والاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أنه يصعب أن يجامع الرجل أهله ويصيب ثوبه المني إلا وقد أصابت ثوبه أيضاً رطوبة فرج المرأة، وهذا معهود بين المتزوجين، فيكون ثوب الرسول ﷺ قد أصابه المني وأصابه رطوبة فرج المرأة، فلما فركت المني فركت أيضاً ما أصاب الثوب من الرطوبة، والفرك ليس مطهراً، إذ لا بد من الماء، فهذا دليل على طهارة المني وطهارة رطوبة فرج المرأة.\rوهي دلالة ظاهرة جداً، لا سيما وأن الأصل في هذه الأمور الطهارة ما لم يدل الدليل على النجاسة فنقول: قول النبي ﵌: (اغسل ما أصابك منها)، معناه: اغسل ما أصابك منها استحباباً وليس وجوباً؛ لأن عائشة كانت تفركها ولم تكن تغسلها، والأصل الطهارة ولم يدل دليل قاطع ولا حتى دليل ظني على نجاسة رطوبة فرج المرأة.\rإذاً: الصحيح الراجح: أن رطوبة فرج المرأة على الطهارة وليست على النجاسة، ولكن هناك أمر مهم جداً بالنسبة للنساء وهو إن قلنا: إنها على الطهارة فهل تتوضأ منها أم لا؟ الصحيح: أنها تتوضأ منها؛ لأنه لا يلزم من النواقض أن تكون نجسة وإلا فالريح طاهر، ومع ذلك فإن منه الوضوء، قال النبي ﷺ: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، قالوا لـ أبي هريرة: يا أبا هريرة! ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط).\rإذاً: فرطوبة فرج المرأة تنقض طهارتها، ولكن ليست بنجسة، وثمرة ذلك: أنها لا تكلف بأن تغسل المحل إن شعرت برطوبة الفرج، بل لها أن تتوضأ فقط.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876148,"book_id":7655,"shamela_page_id":97,"part":"11","page_num":1,"sequence_num":97,"body":"شرح متن أبي شجاع - ما يحرم استعماله من الأواني وما يجوز\rيحرم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويجوز استعمال غيرهما من الأواني، وقد اختلف الفقهاء في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كما اختلفوا في استعمال الإناء المضبب بالذهب والمطلي به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876149,"book_id":7655,"shamela_page_id":98,"part":"11","page_num":2,"sequence_num":98,"body":"أحكام استعمال أواني الذهب والفضة\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ولا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة، ويجوز استعمال غيرهما من الأواني].\rبعدما بين المصنف مسألة استخدام الجلود كقرب السقاية، تكلم عن الأواني التي يستعملها الناس، وقسمها إلى قسمين: قسم ممنوع، وقسم جائز مباح.\rفأواني الذهب والفضة لها حالات ثلاث: الحالة الأولى: استعمالها في الطعام والشراب خاصة.\rالحالة الثانية: استعمالها مطلقاً لغير الطعام والشراب، كمفتاح، كسلسلة، كآنية فخار يجمل بها البيت.\rالحالة الثالثة: استعمالها للقنية (كنز) يعني: يستخدمونها عند الحاجة، فيبيعونها ويستفيدون من ثمنها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876150,"book_id":7655,"shamela_page_id":99,"part":"11","page_num":3,"sequence_num":99,"body":"حكم استعمالها في الطعام والشراب\rالأول: استعمالها في الطعام والشراب، ففي المذهب قولان، ومعنى في المذهب قولان: أنه يوجد قول قديم وقول جديد، وإذا قيل: في المسألة وجهان، فالمعنى: أن كبار الأصحاب يخرجون على قول الشافعي، يعني: ينظرون في أصول الشافعي ويخرجون عليها الوجوه.\rإذاً: يوجد قولان في المذهب في حكم استعمال آنية الذهب والفضة في الطعام والشراب: القول الأول: الكراهة، مع أن الشافعي أصل في الرسالة: أن الأصل في النهي التحريم، قالوا: نحن نقول بالكراهة لوجود الصارف الذي صرف النهي من التحريم إلى الكراهة وهو العلة، فإن العلة هي: الترف والخيلاء أو التشبه بالأعاجم، وهذا كلام ليس بوجيه.\rالقول الثاني في المذهب وهو القول الراجح الذي رجحه المحققون: تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الطعام والشراب، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة من الأثر والنظر.\rأما من الأثر: ففي الصحيحين عن حذيفة ﵁ وأرضاه قال: قال النبي ﷺ: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة).\rواستدلوا أيضاً بحديث مسلم عن أم سلمة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وهذا وعيد أكيد شديد عن النبي ﷺ يبين أن هذه الفعلة من الكبائر.\rومن النظر قالوا: فيه الترف والخيلاء، وهو محرم عموماً، وفيه كسر قلوب الفقراء أيضاً، وأصول الشريعة تأبى ذلك.\rوقد اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا يجوز الأكل أو الشرب في آنية الذهب والفضة، ومن فعل ذلك فهو آثم، وعدوا هذه الفعلة من الكبائر، فالذي يأكل بملعقة من الذهب، أو بملعقة من الفضة، فقد أتى كبيرة، وهذه الكبيرة تسقط بها عدالته، ويفسق بها، واستدلوا على أنها كبيرة: بقول النبي ﷺ: (كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، ووجه الشاهد: أن هذا الوعيد الشديد بأنه يستحق ناراً تلظى يدل على أنها من الكبائر؛ لأن العلماء ضبطوا الكبائر بضوابط منها: نفي الإيمان أو إثبات العقاب أو النار أو الحد.\rوخالف الجماهير أهل الظاهر في حرمة الأكل فيهما، واتفقوا مع الجماهير على حرمة الشراب من آنية الذهب والفضة؛ لأنهم يأخذون بالنصوص فقط، ولم يبلغهم حديث حذيفة الذي فيه: (ولا تأكلوا من صحافها)، فأخذوا بظاهر حديث أم سلمة الذي لم يذكر فيه الأكل، وإنما ذكر فيه الشراب؛ فلذلك قالوا: يجوز الأكل فيهما دون الشراب.\rوهم محجوجون بالأثر وبالنظر، أما بالأثر: فحديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: (ولا تأكلوا من صحافها)، وبالأثر نقول: إذا حرم الشراب فالأكل من باب أولى إلا إذا دل الدليل على التخصيص، فالأكل أشد من الشرب، إلا فيما خصه الدليل كحديث: (رأى النبي ﷺ رجلاً يشرب قائماً فقال: أتحب أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه الشيطان)، لكن خص الدليل الأكل بجوازه قائماً؛ وذلك أن ابن عمر قال: كنا نأكل ونحن نمشي، وأنس أخذ بالأصل، فعندما سألوه عن الأكل قائماً قال: الطعام أشد منه، فـ أنس أخذ على التأصيل العام، لكن ابن عمر نقل عن الصحابة أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون، وأقرهم النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876151,"book_id":7655,"shamela_page_id":100,"part":"11","page_num":4,"sequence_num":100,"body":"حكم استعمالها في غير الطعام والشراب\rالثاني: استعمال آنية الذهب والفضة في غير الشراب والطعام، مثل رجل عنده طبق ذهب أخذه جائزة على السباق، وكتب اسمه عليه، وكتبت مهارته، وأراد أن يفتخر به ويعلقه على الحائط، أو مثل بعض الناس الذين يجعلون نجفة من ذهب فيعلقونها في السقف، أو يزينون الغرفة بسلاسل فضة، أو يجعل المفتاح من ذهب أو فضة أو الميدالية التي تعلق في المفتاح.\rفهذا كله يدخل في باب الاستعمال، فهل نقول: التحريم يتعدى إلى هذا الاستعمال، ونضيق عليه ونقول: هذا لا يجوز، أم يحل؟ في المذهب: التحريم أصالة في الشراب والطعام، ويتعدى التحريم مطلقاً إلى استعمال الذهب والفضة كمفتاح أو ميدالية أو سلسلة، أو كزينة في الباب، أو زينة في الحائط، ولو استعمل هذه الآنية من الذهب أو من الفضة كزينة فقد وقع في الإثم، بل وقع في كبيرة تسقط بها عدالته.\rوأدلتهم على ذلك هي نفس الآثار التي استدلوا بها على تحريم الشراب والطعام في الآنية من الذهب والفضة، لكن من وجوه نظرية، قالوا: الوجه الأول: يقول النبي ﷺ: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، فقوله: إنها لهم في الدنيا، أي: للكفار في الدنيا عموماً يستخدمونها ويستعملونها استعمالاً مطلقاً في الطعام والشراب واللباس وغير ذلك، وهذا استنباط دقيق جداً.\rوبالمقابل قال: (ولكم في الآخرة)، وهذه دلالة على عموم الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:١٩ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣].\rإذاً: قال: (ولكم في الآخرة) يعني: كما أنها لهم في الدنيا على العموم، فهي لكم في الآخرة على العموم، وهذا يدل على حرمة الاستعمال في أي شيء دلالة على أن المسألة تعم ولا يختص النهي بالطعام والشراب.\rالوجه الثاني: حرم النبي ﷺ الطعام والشراب في آنية الذهب والفضة، وهم يحتاجون إلى الطعام والشراب، فمنعهم مما لهم فيه حاجة، فلأن يمنعهم مما لا حاجة لهم فيه من باب أولى.\rوجه ثالث -وهذا فيه نظر- قالوا: العلة في المنع من استخدام آنية الذهب والفضة في الشراب والطعام الترف والخيلاء، لكن هذه العلة موجودة في الزينة في البيت، والزينة في الباب، والزينة في السيارة.\rوالقاعدة عند العلماء أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والأصل في هذه الزينة الإباحة والجواز.\rهذه أدلة ثلاثة استدل بها الشافعية على تحريم الاستعمال لأواني الذهب والفضة مطلقاً، ووافقهم كثير من المالكية والحنابلة، وخالف في ذلك الظاهرية والأحناف وبعض الحنابلة، واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قالوا: الأصل في كل شيء الإباحة، لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، قالوا: فالأصل إذاً في استعمال أواني الذهب والفضة الإباحة إلا ما خصه الدليل، وقد دل الدليل على تحريم الشراب والطعام فيها فقط، فنقف عند الدليل.\rالدليل الثاني: قالوا: كلام النبي ﷺ ظاهر، والنبي ﷺ أوتي جوامع الكلام، فخص التحريم بالشراب والطعام، ولو كان التحريم يتعدى لغيره لبينه النبي ﷺ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\rالدليل الثالث: قالوا: أم سلمة التي روت أن النبي ﷺ حرم الشرب في آنية الذهب أو الفضة كان عندها جلجل -كأنه قارورة صغيرة- من فضة، جعلت فيه شعرات من شعر النبي ﷺ كانت تتبرك بها، قالوا: والراوي أعلم بما روى، فلو كان الاستعمال يحرم في غير الشراب والطعام لامتنعت أم سلمة من هذا الفعل، وهذا الدليل من القوة بمكان، لأن أم سلمة هي راوية الحديث، والراوي أعلم بما روى، والأسلم الخروج من الخلاف؛ لأن القاعدة عند العلماء: الخروج من الخلاف مستحب، لكني أميل لقول الجمهور، لأن هذا هو الأسلم، وأدلته ظاهرة، لا سيما قول النبي ﷺ: (إنها لهم في الدنيا)، وهذا عموم، (ولكم في الآخرة)، وهذا عموم، وأيضاً: لما فيه من الترف والخيلاء، والرد على دليل المخالف بأن الأصل في الأشياء الإباحة أن نقول: نعم الأصل الإباحة إلا أن يأتي دليل ينقلنا من الأصل إلى غيره، وقد جاء الناقل الذي ينقلنا من الإباحة إلى عدم الإباحة وهو القياس الجلي، وهو ناقل قوي جداً؛ لأن العلماء يرون أن القياس الجلي مثل النص، وكأنه يقول: هذا أولى بالاعتبار، خلافاً للظاهرية، فهم لا يقولون: بقياس الأولى ولا بأي قياس، ولذلك ابن حزم يقول: لا يجوز للمرء أن يقول لأمه: أف، أما ضربها فإنه لا يدخل عنده في نص الآية: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣]، وهذا جمود عند النص لا يليق بالعلماء الذين يغوصون في المعاني.\rإذاً: قياس الأولى ناقل من الإباحة، فلا حجة لهم في هذا.\rأما دليلهم الثاني بأن النبي ﷺ لو أراد أن يحرم كل الاستعمالات لذكر ذلك للناس، فنقول: النبي ﷺ أصل لنا أصولاً عامة، وقعد قواعد كلية تبين لنا أن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، والنبي ﷺ يترك بيان بعض الأحكام حتى يصل إليها المجتهد فيصيب فيكون له أجران، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] أي: أولي العلم، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء:٨٣]، وقال النبي ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران)، فالنبي ﷺ ترك بيان ذلك للعلماء المجتهدين، ثم التأصيل العام لا يفرق بين المتماثلين، وأيضاً النبي ﷺ قد علق الحكم بوصف، وتعليق الحكم بوصف يشير إلى أنه إذا وجد هذا الوصف فلا بد أن يوجد الحكم، فهو قال: (إنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)، أيضاً: هذا الحكم معلل بأنه من الترف والخيلاء، أما دليلهم الثالث فهو من القوة بمكان، لأن أم سلمة أعلم بما روت، لكن يمكن أن يرد عليه من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن اللفظة حرفت على الراوي، كانت (من قصة) فحرفها (من فضة)، لكن هذا الكلام غير مرضي، لأنه لا بد في إثباته من دليل.\r- الوجه الثاني: قالوا: هذا اجتهاد من أم سلمة، وقد صادم عموم قول النبي ﷺ (إنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)، فنأخذ بعموم قول النبي ﷺ، وهذا الرد ليس قوياً؛ لأن أم سلمة خصصت هذا العموم بفعلها، وهي أفهم بما قال النبي ﷺ.\rالوجه الثالث: وهو أولى الإجابات، أن هذا الجلجل كان مموهاً بفضة، وليس هو فضة، وهذا فيه إحسان الظن بـ أم سلمة ﵂ وأرضاها؛ لأنها الذي روت الحديث، والذي قال: كان لها جلجل من فضة هو الراوي، وليس من كلام أم سلمة، فقد يدخل الاحتمال على الراوي، فـ أم سلمة ما قالت: استعملت الفضة، بل الراوي عنها قال: كان عندها جلجل من فضة، فيحتمل أنه رآه وهو مموه بالفضة فحسبه من الفضة.\rفإن قيل: ما الذي جعلكم تقولون بهذا الاحتمال؟ قلنا: الأدلة القوية الصريحة الصحيحة أن النبي ﷺ قال: (إنها لهم في الدنيا)، وهذا عموم، (ولكم في الآخرة)، وأيضاً حديث أم سلمة ﵂ وأرضاها.\rوالحق أن هذا الخلاف له حظ من النظر، وقول الجمهور أسلم وأحوط، فالذي يدل عليه ظاهر الأدلة هو تحريم استعمال الذهب والفضة مطلقاً، فلا يستعملها الإنسان في زينة كتعليق السلاسل، أو تعليق الطبق من فضة أو من ذهب، ولا يجعل المفتاح من ذهب أو من فضة، فلا يجوز ذلك بحال من الأحوال إلا ما خصه الدليل، وهو للنساء بالذهب والفضة عموماً وإطلاقاً، وتحلي الرجل بخاتم الفضة فقط، فلا يلبس حزام فضة أو أسورة فضة؛ لأن الدليل أباح الخاتم فقط، والقاعدة عند العلماء: أن ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس، فالأصل العام حرمة استعمال الذهب والفضة مطلقاً كما رجحنا، وخرج عن ذلك للرجل الخاتم من فضة فقط، فنقف كما أوقفنا النبي ﷺ.\rوأيضاً: تزين الرجل بالفضة مطلقاً من باب التشبه بالنساء، ولعن الله الرجال المتشبهين بالنساء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876152,"book_id":7655,"shamela_page_id":101,"part":"11","page_num":5,"sequence_num":101,"body":"حكم استعمالها ككنز\rالثالث: استعمال الذهب والفضة ككنز، وإذا احتاج إلى المال يبيعه، فهذا يجوز بشرط وقيد، وهو أن يكون كنزاً مباحاً لا كنز محرماً، وإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول أخرج زكاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876153,"book_id":7655,"shamela_page_id":102,"part":"11","page_num":6,"sequence_num":102,"body":"حكم تضبيب الإناء بالذهب والفضة\rهل يحل استعمال ما ضبب بشيء من الذهب والفضة، مثلاً: كسر إناء من معدن أو من نحاس، فضببه بالفضة أو بالذهب يعني: جعل فيه جزءاً من الذهب أو من الفضة ليصلح الكسر، فإن كان من الذهب فلا يجوز قولاً واحداً في المذهب، وإن كان من الفضة فيجوز، والأصل هو المنع في الذهب والفضة، لكن جاء دليل يخص الفضة فقط، وهو حديث أنس ﵁ وأرضاه قال: (انكسر قدح النبي ﷺ فجعل فيه سلسلة من فضة) فهذا يدل على أن تضبيب الإناء بالفضة يباح، والذهب لم يأت الدليل على جواز التضبيب به، فيبقى على الأصل، وهو التحريم.\rإذاً نقول: إذا ضبب الإناء المكسور بالذهب فهو حرام قولاً واحداً، وإذا ضببه بالفضة فله أحوال: الحالة الأولى: أن يفعل ذلك لا لحاجة.\rالحالة الثانية: أن يفعل ذلك لحاجة، والفضة قليلة جداً.\rالحالة الثالثة: أن يفعل ذلك لحاجة والفضة كثيرة.\rفحكم الحالة الأولى: فيها قولان في المذهب: القول الأول: كراهة استعمالها، والقول الثاني: وهو الراجح الصحيح: التحريم؛ لأنه قد يجعل نصف الإناء من فضة ويخالف نهي النبي ﷺ وهو: (الذي يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم).\rالحالة الثانية: أن يكون لحاجة وقليل، فهذا يباح للحاجة: ومعنى الحاجة أن غيره قد يغني عنه، فإناء الزجاج يغني عنه، لكن يحتاج إليه الناس، فأباح الشرع من أجل حاجة الناس أن يضبب الإناء المكسور بالفضة.\rإذاً: إن كان قليلاً لحاجة جاز، والدليل على ذلك حديث أنس ﵁ وأرضاه: (انكسر قدح النبي ﷺ فجعل له سلسلة من فضة).\rالحالة الثالثة: أن تكون الضبة كبيرة للحاجة، فهذا لا يجوز، وبعض الشافعية قال بالكراهة، والصحيح أنه لا يجوز.\rإذاً: يجوز استخدام الفضة فقط في التضبيب للحاجة، وأما للضرورة فيجوز استعمال الذهب والفضة، والدليل على ذلك حديث عرفجة بن أسد ﵁ وأرضاه حينما قطعت أنفه في المعركة، فصنع له أنفاً من فضة فكانت له رائحة منتنة، فأمره النبي ﷺ أن يصنع له أنفاً من ذهب فصنع له أنفاً من ذهب.\rفالضرورات تبيح المحظورات، لكن إذا جاء ما يغني عنها فلا يجوز استعمالها، فمثلاً الآن الأسنان اللبنية تغني عن الذهب والفضة، فلا يجوز تركيب الأسنان الذهبية؛ لأنه يمكنه الاستغناء عنها بالمباح.\rإذاً: يباح استعمال الفضة للحاجة إن كانت قليلة، ويباح استعمال الذهب والفضة عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876154,"book_id":7655,"shamela_page_id":103,"part":"11","page_num":7,"sequence_num":103,"body":"حكم المموه بماء الذهب\rبعض الأشياء قد يطليها الناس بماء الذهب مثل النظارات والساعات، فما حكم المطلي بماء الذهب؟ المطلي بماء الذهب له حالات: الحالة الأولى: إذا مررنا به على النار انفصل منه جرم الذهب وظهر، فيحرم هذا ولو كان قليلاً.\rالحالة الثانية: إذا مررنا به على النار لا ينفصل منه شيء، فهذا يجوز؛ لأنه غير مستقل بل تابع، والقاعدة عند العلماء: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل؛ ولهذا فإن بيع ما لا يرى غرر لا يجوز، لكن يغتفر في التوابع وإن لم يرها المشتري، مثل أن تشتري جاكتاً محشواً بالقطن، فهذا القطن أنت لا تراه، لكنه تابع، فيجوز شراؤه، ومثل جواز شراء الدار مع عدم معرفة أساسها؛ لأن الأساس تابع.\rإذاً: المطلي بماء الذهب حكمه فيه تفصيل: إن كان لا ينفصل منه شيء بعرضه على النار فيصح استعماله؛ لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، وإن انفصل منه شيء حرم استعماله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876155,"book_id":7655,"shamela_page_id":104,"part":"11","page_num":8,"sequence_num":104,"body":"علة تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة\rاختلف العلماء في علة تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، والراجح: أن العلة: الترف والخيلاء.\rوالثمرة التي نستفيدها من معرفة أن العلة هي الترف والخيلاء: إمكانية القياس، فلو طلي الذهب والفضة بالقطران أو بالنحاس أو بأي معدن آخر، فالرائي عندما يراه فسيظنه قطراناً أو نحاساً، ولا يقال: هذا الرجل واقع في مخيلة، ولن يكسر قلوب الفقراء بذلك، فإذا كانت العلة في الذهب الترف والخيلاء ولو طلاه بمعدن آخر فيجوز استعماله على أن العلة الترف والخيلاء، ولو كانت العلة الذهب والفضة نفسها ولو غير شكلها بطين أو بفخار أو بنحاس فلا يجوز استعماله؛ لأنه في الحقيقة ذهب وفضة، والأولى أن نقول: إن أغلب الأحكام معللة، والتعليل هنا هو من أجل الترف والخيلاء، فإن انتفى الترف والخيلاء انتفى الحكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876156,"book_id":7655,"shamela_page_id":105,"part":"11","page_num":9,"sequence_num":105,"body":"حكم الوضوء من إناء الذهب\rاختلف العلماء في حكم صلاة من توضأ بماء كان في إناء ذهب، فالحنابلة يرون أن صلاته باطلة، والجمهور يقولون: صلاته صحيحة، وهذا الاستعمال محرم، لكن هذا الاستعمال غير مؤثر في العبادة، والنهي لا يقتضي الفساد إلا أن يكون النهي منصباً على ذات الفعل، أو منصباً على وصف ملازم للفعل، وهنا النهي يعود إلى جهة منفكة؛ لأن الوضوء لا يشترط فيه أن يكون من إناء، فنقول: قد استعمل الإناء الذي من الذهب استعمالاً محرماً يأثم عليه، ولكن وضوءه كان وضوءً صحيحاً، فتصح صلاته، أما أكثر الحنابلة فيقولون: الوضوء باطل والصلاة باطلة، قالوا: لأنه استعمل إناء الذهب استعمالاً محرماً، ومطلق النهي يقتضي الفساد، فنقول لهم: هذا النهي لا يقتضي الفساد؛ لأن النهي هنا ليس عن ذات الشيء، ولا عن وصف ملازم للشيء.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876157,"book_id":7655,"shamela_page_id":106,"part":"12","page_num":1,"sequence_num":106,"body":"شرح متن أبي شجاع - استعمال آلة السواك\rالسواك من سنن الفطرة، وقد حث النبي ﵊ عليه، ويتأكد استحبابه عند القيام إلى الصلاة وعند القيام من النوم، وعند تغير الفم، وللسواك آداب ينبغي مراعاتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876158,"book_id":7655,"shamela_page_id":107,"part":"12","page_num":2,"sequence_num":107,"body":"الحث على طلب العلم\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: ففي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويظهر الجهل، وإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْق عالم -وفي رواية: لم يُبْق عالماً- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسألوهم فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)،وقد كان ابن عباس ﵁ وأرضاه بحراً في العلوم والتفسير والفرائض، وكان يجل زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه، فقد وقف على قبر زيد وبكى كثيراً وقال: اليوم دفن علم كثير، ثم قال: أيها الناس! إن أردتم أن تعلموا كيف يذهب العلم، فهكذا يذهب العلم.\rبمعنى: أنه إذا مات العلماء ذهب العلم مع العلماء، لا سيما إذا لم يخلفوا بعدهم طلبة يأخذون العلم من أفواههم، ويجثون على الركب، ويصبرون على هذا العلم فينشرونه بين الناس، فإن الدنيا تؤذن بخراب إذا مات العلماء، قال النبي ﷺ: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً)، نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من الذين يعلمون ويعملون وينشرون دين الله جل في علاه في مشارق الأرض ومغاربها.\rوالحرص على الطلب هو دأب السلف، فقد كان وكيع بن الجراح إذا نزل مكة تركوا كل المجالس حتى يذهبوا إلى مجلس وكيع، حرصاً منهم على الطلب، وكانوا يعرفون للعلم عظمته، ويعرفون لمن يحمل العلم حقه، فكانوا يجلسون بهيبة ووقار وسكينة حتى يعظموا حديث النبي ﷺ، فيرفع قدرهم عند الله جل في علاه، ويعظم العلم في أعين الناس.\rوعبد الرحمن بن مهدي له على الدنيا منة ليست بعدها منة؛ لأنه الذي طلب من الشافعي أن يكتب الرسالة، فكتب له هذه الرسالة الممتعة في أصول الفقه.\rوقد كان يجلس عبد الرحمن بن مهدي في مجلس التحديث فكان إذا سمع صوتاً قال: لا أحدثكم؛ تعظيماً لحديث النبي ﷺ، وفي ذات مرة كان يحدث فوجد طالباً للعلم يكتب الحديث وهو يبتسم، فقال: تضحك وأنا أحدثك عن رسول الله ﷺ؟ لا أحدثكم شهراً، وامتنع عن التحديث شهراً كاملاً حتى يعلم طلبة العلم كيف يعظمون حديث النبي ﷺ، لأنهم إذا عظموه في قلوبهم عظم عند الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876159,"book_id":7655,"shamela_page_id":108,"part":"12","page_num":3,"sequence_num":108,"body":"فضل السواك\rقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والسواك مستحب في كل حال إلا بعد الزوال للصائم، وهو في ثلاثة مواضع أشد استحباباً: أولاً: عند تغيير الفم من أزم ونحوه، ثانياً: وعند القيام من النوم.\rثالثاً وعند القيام إلى الصلاة].\rالسواك لغة: يطلق على الآلة ويطلق على الفعل، فالسواك بمعنى: الدلك، وهو تحريك الآلة على اللسان والأسنان وما حول ذلك.\rويطلق أيضاً على الآلة، مثل عود الأراك أو المنديل أو الإصبع عند من يصحح الحديث الوارد في ذلك، وهو ضعيف كما سنبين.\rأما شرعاً: فهو دلك الأسنان وما حولها بعود الأراك ونحوه.\rوالسواك من سنن الفطرة، وقد صح عن نبينا ﷺ قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت أن تسقط أسناني)، أو كما قال ﷺ، وعن عائشة ﵂ قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على رسول الله في مرض موته وهو على حجري، وفي يده سواك يستن به، فأبد النبي ﷺ بصره إلى السواك) يريد السواك وهو على فراش الموت، فهذه إشارة عظيمه جداً لفضل السواك، فمد بصره إلى السواك ففهمت وفطنت عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ يريد السواك فأخذته من عبد الرحمن بن أبي بكر ثم لينته لرسول الله ﷺ فاستخدمه رسول الله ﷺ ثم فاضت روحه بأبي هو وأمي.\rوالسواك له فضل عظيم، فقد علق البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: (السواك مرضاة للرب مطهرة للفم)، ووصله أحمد بسند صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876160,"book_id":7655,"shamela_page_id":109,"part":"12","page_num":4,"sequence_num":109,"body":"حكم السواك\rوحكم السواك في المذهب الاستحباب، والمستحب عند الفقهاء: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.\rوقد قال بوجوب السواك داود الظاهري ونسب ذلك لـ إسحاق ابن رهويه.\rإذاً: فالشافعية يرون استحباب السواك، ودليلهم من الأثر: الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)، فامتنع النبي ﷺ أن يأمر الأمة به وجوباً لوجود المشقة، فلذلك الشافعي يستدل بهذا الحديث على أن ظاهر الأمر الوجوب، قال: لو كان واجباً لأمرهم به سواء شق أم لم يشق.\rوورد الأمر به في بعض الأحاديث المرسلة وأسانيدها ضعيفة لكن لها شواهد تقويها، مثل (تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم) وأيضاً علق البخاري كما بينا عن عائشة ﵂ وأرضاه أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، هذا بالنسبة للأثر القولي.\rأما الأثر الفعلي: فديمومة فعل النبي ﷺ، والأصل في الفعل عند الأصوليين أنه يدل على الاستحباب، ولا يدل على الوجوب، ودليلهم: أنه عندما صلى بهم التراويح ثم امتنع قال: (خشيت أن تفرض عليكم) فهذا فيه دلالة على أن الأصل في الفعل الاستحباب، وهكذا كان النبي ﷺ لا يترك السواك، حتى إنه في مرض موته كان يهتم بأن يستعمل السواك، وهذا فيه دلالة على استحباب السواك.\rأما النظر: فإن صاحب الهمة العالية يحب أن يصل إلى الكمالات وهو في أحسن هيئة، وفي أحسن مقام، وعندما يقابل السلاطين، أو الملوك، أو يقابل من يحب، أو يقابل من يعظم يكون في أحسن هيئة، وهذا يكون بالسواك، فالسواك مطهرة للفم، مرضاة للرب جل في علاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876161,"book_id":7655,"shamela_page_id":110,"part":"12","page_num":5,"sequence_num":110,"body":"أوقات استحباب السواك\rيستحب استعمال السواك في كل الأوقات، لكن هناك أوقات يتأكد فيها استحباب استعمال السواك، من هذه الأوقات: عندما يقوم إلى الصلاة، فقبل أن يكبر للإحرام يتسوك.\rوقد وردت أحاديث كثيرة في فضل السواك، وطلبة العلم والفقهاء لا يستعملون السواك! فيا حسرة على العباد! ويتأكد السواك عند الصلاة، وقد أمر النبي ﷺ الصحابة الكرام بالسواك فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)، وفي السنن: أن بعض الصحابة يجعل السواك على الأذن موضع القلم، فكانوا لا يدخلون إلى الصلاة إلا ومعهم السواك حرصاً على هذه السنة النبوية، والسواك يدخل في عموم قول الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]، والإنسان إذا زار عظيماً يحب أن يكون في أحسن هيئة، ومن حسن الهيئة استخدام السواك، فالإنسان إذا قام يصلي أمام ربه قام مقاماً عظيماً، فلا بد أن يكون في أحسن هيئة، ومن حسن الهيئة أن يستخدم السواك، وابن دقيق العيد رحمة الله عليه قال: ولعل أمر النبي باستخدام السواك في الصلاة لأن المصلي يقرأ القرآن ويقترب منه الملك؛ ولذلك كان النبي ﷺ ينهى أن يبصق عن يمينه أو قبل وجه.\rإذاً: أول الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: الصلاة.\rالوقت الثاني الذي يتأكد فيه استحباب السواك: عند الوضوء، قال العلماء: محله عند التسمية، وقال بعضهم: محله بعد غسل اليدين، فيستعمل السواك ثم يعقبه بعد ذلك غسل الفم، والأمر واسع.\rقال النبي ﷺ كما في السنن: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وهذا تصريح باستحباب السواك عند الوضوء.\rالوقت الثالث الذي يتأكد فيه استحباب السواك: بعد القيام من النوم، أو بعد الطعام، أو بعد طول سكوت، أو بعد كثرة كلام؛ لأن هذه كلها تقتضي تغير الفم، وفي حديث عائشة ﵂ وأرضاها قال النبي ﷺ (السواك مطهرة للفم).\rوفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه قال: (دخلت على النبي ﷺ والسواك على طرف لسانه)، وفيه دلالة -كما قال الحافظ ابن حجر - على أن السواك لا يقتصر استخدامه على الأسنان بل حتى على اللثة وعلى اللسان، قال: (دخلت على النبي ﷺ فوجدت السواك على طرف لسانه يستاك به كأنه يتهوع يقول: أع، أع).\rوفي الصحيح عن حذيفة ﵁ وأرضاه قال: (كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)، لأن النوم يقتضي تغير الفم، وكذلك إذا أكل أو طال سكوته أو كثر كلامه فهذا كله يغير رائحة الفم، وهذه سنة نبوية لا بد للإنسان أن يعمل بها، وسأسأل طلبة العلم: هل منكم من يجهز سواكه بجانبه عند النوم ثم عندما يستيقظ يستخدم السواك؟ هذه سنة نبوية إن فعلت ذلك تعبداً أجرت عليه، وأيضاً أنت ترضي ربك، وتطهر فمك.\rوقد كان النبي ﷺ لا يترك هذه السنة قط، حتى إنه لم يترك السواك عند موته.\rومن الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند دخول البيت، فشرعنا ما ترك شيئاً أبداً، ولنعم هذا الشرع، فمن محاسن شرعنا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وكان النبي ﷺ يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله)، وسئلت عائشة ﵂ وأرضاها ما كان أول ما يبتدئ به الرسول ﷺ عند دخوله البيت؟ قالت: (كان يتسوك) والسواك له حكم عظيمة، فالرائحة الطيبة تجذب المرأة، فالسواك يزيد الألفة بين الرجل والمرأة، والرائحة الكريهة تؤدي إلى النفرة بين الرجل وبين امرأته، وقد كان النبي ﷺ حريصاً جداً ألا تشم منه إلا رائحة طيبة، ولما أرادت عائشة أن تكيد للنبي ﷺ ليترك الجلوس عند زينب بعد العصر، حيث كان يشرب عندها عسلاً، قالت: يا رسول الله! أجد منك ريح مغافير! فحرم على نفسه شرب ذلك العسل، فعاتبه الله.\rفكان النبي ﷺ يحب أن تشم منه الرائحة الطيبة، وهذا دأب الصالحين، والنبي ﵊ قبل أن يكون صاحباً للبشر، فإنه صاحب لجبريل ﵇ الذي يأتيه كثيراً.\rأيضاً من الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند قراءة القرآن، والقرآن أفضل الذكر، وغذاء الروح هو ذكر الله جل في علاه، قال النبي ﷺ: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، فاقرءوا القرآن، فإن لكم بكل حرف منه حسنة، ولا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، وإذا قرأ المرء القرآن أتى الملك فاقترب من قارئ القرآن، ويا لها من فضيلة! يقترب منه حتى يضع فاه على فم القارئ، فينبغي ويتأكد أن تكون رائحة فم القارئ طيبة؛ لأن الملك يضع فاه على في ابن آدم، وفي الحديث: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).\rأيضاً من المواضع التي يستحب فيها السواك: عند اجتماع الناس، فعندما يكون الصاحب قريباً من صاحبه يتكلمان فإن كانت الرائحة طيبة انشرح الصدر، وإن لم تكن طيبة نفر من كان بجانبه أو تأذى بذلك.\rأيضاً من الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند الاحتضار، كما فعل النبي ﷺ وهو على حجر عائشة حيث طلب السواك فاستاك ﷺ، والإمام الخطيب الشربيني ذكر فوائد كثيرة جداً للسواك عند الاحتضار، منها أنه يسهل خروج الروح، ويثبت الجنان، ويذكر بلا إله إلا الله، ولا طائل تحت هذه الكلمات، ونحن دائماً ندور مع الأثر حيث دار، ويكفينا الاتساء بفعل النبي ﷺ حيث استاك عند الاحتضار، فيستحب للمحتضر أن يتسوك أو يسوكه من كان قائماً عليه.\r٥)] حكم السواك بعد الزوال للصائم:- عند الشافعية والحنابلة خلافاً للجمهور وقت من الأوقات يكره فيه استعمال السواك، وهو بعد الزوال للصائم، فالقيد الأول: أن يكون صائماً، والقيد الثاني: أن يكون بعد الزوال، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها: قول النبي ﷺ: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وهذا الحديث فيه دلالة واضحة جداً على أن خلوف فم الصائم التي تكون نتيجة خلو المعدة أطيب عند الله من رائحة المسك، قالوا: فهذه الرائحة مستطابة عند الله فيكره إزالة المستطاب عند الله جل في علاه.\rواستدلوا أيضاً بقول عمر بن الخطاب: [يكره للصائم أن يستخدم السواك بعد الزوال].\rواستدلوا بأدلة أخرى منها حديث: (إذا يبست شفة الصائم تكون له نوراً يوم القيامة)، وهذا الحديث ضعيف جداً لا يجوز الاستدلال به.\rواستدلوا أيضاً من ناحية النظر بأن خلوف فم الصائم أثر عبادة، وقد ورد في الشرع أن أثر العبادة يكره إزالته، ولذا النبي ﷺ بعد ما اغتسل وأتي بالمنديل رده وما أخذه، فاستدل به العلماء على أن أثر العبادة يكره إزالته، وفي هذا الاستدلال نظر، لكن يستدل على ذلك بأن الشرع جاء بدفن الشهداء في دمائهم وثيابهم، وهذه دلالة على أن أثر العبادة يكره إزالته، قالوا: وخلوف فم الصائم هو أثر الصوم، فيكره إزالته باستخدام السواك، والجماهير، الجماهير يرون إطلاق استحباب استخدام السواك للصائم قبل الزوال وبعد الزوال في أي وقت، وأخذ بقول الجمهور المحققون في المذهب مثل النووي وابن عبد السلام والمزني، فيرون أن الاستحباب على الإطلاق، واستدلوا على ذلك بعمومات الأدلة، مثل حديث النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ووجه الدلالة العموم، فقوله: (كل صلاة) يدخل منه صلاة الظهر وصلاة العصر، وأيضاً عموم حديث عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال النبي ﷺ: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وهو على العموم سواء قبل الزوال أو بعد الزوال للصائم وغير الصائم، وأيضاً استدلوا بحدث ضعيف عن عمر بن ربيعة قال: (أكثر ما رأيت النبي ﷺ يستخدم السواك وهو صائم)، وعمومات الأحاديث التي سبقت فيها الغنية عن هذا، واستدلوا من النظر فقالوا: السواك مرضاة للرب، فاستخدامه فيه رضا الرب جل في علاه حتى لو كان فيه إزالة أثر عبادة.\rوالشافعية اعتمدوا على الكراهة بحديث: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من رائحة المسك)، والرد عليهم من وجهين: الأول: هذا الحديث مجمل، وحديثنا العام محكم وهو (مطهرة للفم، مرضاة للرب)، وأيضاً حديث: (عند كل صلاة)، فهذا العموم محكم، وهذا الحديث لا نستطيع أن نخصص به هذا العموم.\rالوجه الثاني وهو الأقوى: هذه الرائحة تكون من خلو المعدة، فالسواك يزيل هذه الرائحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876162,"book_id":7655,"shamela_page_id":111,"part":"12","page_num":6,"sequence_num":111,"body":"حكم السواك بعد الزوال للصائم\rعند الشافعية والحنابلة خلافاً للجمهور وقت من الأوقات يكره فيه استعمال السواك وهو: بعد الزوال للصائم، فالقيد الأول: أن يكون صائماً، والقيد الثاني: أن يكون بعد الزوال، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها: قول النبي ﷺ: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وهذا الحديث فيه دلالة واضحة جداً على أن خلوف فم الصائم التي تكون نتيجة خلو المعدة أطيب عند الله من رائحة المسك، قالوا: فهذه الرائحة مستطابة عند الله فيكره إزالة المستطاب عند الله جل في علاه.\rواستدلوا أيضاً بقول عمر بن الخطاب: [يكره للصائم أن يستخدم السواك بعد الزوال].\rواستدلوا بأدلة أخرى منها حديث: (إذا يبست شفة الصائم تكون له نوراً يوم القيامة)، وهذا الحديث ضعيف جداً لا يجوز الاستدلال به.\rواستدلوا أيضاً من ناحية النظر: بأن خلوف فم الصائم أثر عبادة، وقد وردت في الشرع كراهية إزالة أثر العبادة؛ ولذا فالنبي ﷺ بعد ما اغتسل وأتي بالمنديل رده وما أخذه، فاستدل به العلماء على كراهية إزالة أثر العبادة؛ وفي هذا الاستدلال نظر، لكن يستدل على ذلك بأن الشرع جاء بدفن الشهداء في دمائهم وثيابهم، وهذه دلالة على أن أثر العبادة يكره إزالته، قالوا: وخلوف فم الصائم هو أثر الصوم، فيكره إزالته باستخدام السواك، والجماهير يرون إطلاق استحباب استخدام السواك للصائم قبل الزوال وبعد الزوال في أي وقت، وأخذ بقول الجمهور المحققون في المذهب مثل النووي، وابن عبد السلام، والمزني، فيرون أن الاستحباب على الإطلاق، واستدلوا على ذلك بعمومات الأدلة، مثل حديث النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ووجه الدلالة العموم، فقوله: (كل صلاة) تدخل فيه صلاة الظهر وصلاة العصر، وأيضاً عموم حديث عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال النبي ﷺ: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وهو على العموم سواء قبل الزوال أم بعد الزوال للصائم وغير الصائم، وأيضاً: استدلوا بحديث ضعيف عن عامر بن ربيعة قال: (أكثر ما رأيت النبي ﷺ يستخدم السواك وهو صائم)، وعمومات الأحاديث التي سبقت فيها الغنية عن هذا، واستدلوا من النظر فقالوا: السواك مرضاة للرب، فاستخدامه فيه رضا الرب جل في علاه حتى لو كان فيه إزالة أثر عبادة.\rوالشافعية اعتمدوا في الكراهة على حديث: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من رائحة المسك)، والرد عليهم من وجهين: الأول: هذا الحديث مجمل، وحديثنا العام محكم وهو (مطهرة للفم، مرضاة للرب)، وأيضاً حديث: (عند كل صلاة)، فهذا العموم محكم، وهذا الحديث لا نستطيع أن نخصص به هذا العموم.\rالوجه الثاني وهو الأقوى: هذه الرائحة تكون من خلو المعدة، والسواك لا يزيل هذه الرائحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876163,"book_id":7655,"shamela_page_id":112,"part":"12","page_num":7,"sequence_num":112,"body":"آداب استعمال السواك\rيستحب أن يكون السواك من عود أراك.\rويستحب استعمال السواك باليمين، لإطلاق حديث عائشة ﵂ وأرضاها: (كان النبي ﷺ يحب التيامن في كل شيء في ترجله، وتنعله وفي شأنه كله)، فقولها: (وفي شأنه كله) يدخل تحته السواك، فعموم هذا الحديث يدل على استحباب استعمال السواك باليمين، وبعض العلماء قال: يستحب أن يكون باليسار إذا كان مطهرة للفم يعني بعد النوم، وبعد أكل الطعام، وإن كان مرضاة للرب فالأفضل أن يكون باليمين يعني عند القيام إلى الصلاة مثلاً.\rومن الآداب عند استعمال السواك: أن يكون للسان طولاً، وأن يكون للأسنان عرضاً، وهذا يستنبط من حديث أبي موسى (أنه رأى النبي ﷺ والسواك على طرف لسانه وهو يستاك ويقول: أع، أع، كأنه يتهوع).\rومن الآداب أن يبدأ بالجانب الأيمن للأسنان لإطلاق حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يحب التيامن في شأنه كله.\rومن الآداب: أن يلين السواك، فلا يستاك به وهو يابس فيضر نفسه، فيلين السواك بماء أو بأسنانه وهذا ورد في سنن أبي داود: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يستاك تأخذ عائشة السواك فتلينه وتعطيه للنبي ﷺ، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الذي في الصحيح أنها أخذت السواك من عبد الرحمن فلينته للنبي ﷺ.\rومن الآداب عند استخدام السواك: ألا يؤذي اللثة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876164,"book_id":7655,"shamela_page_id":113,"part":"12","page_num":8,"sequence_num":113,"body":"حكم إعارة السواك\rيجوز إعارة السواك واستخدامه من فم لفم، لكن لهذا آداب، ودليل إعارة السواك حديث عائشة أن النبي ﷺ كان على حجرها ونظر إلى السواك الذي في يد عبد الرحمن، فأخذته منه فلينته فاستخدمه النبي ﷺ.\rودليل آخر أن النبي ﷺ كان يتسوك ثم يعطي عائشة فتتسوك بعده، وتصيب منه بركة ريق النبي ﷺ، ثم كانت تأخذه وتلينه وتغسله وتعطيه للنبي ﷺ.\rفإذاً: يجوز للمرء أن يستعير السواك من أخيه، وينبغي أن يغسله بالماء قبل أن يتسوك وبعد أن يتسوك، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، ومن أعار السواك لأخيه وجعله يعمل بالسنة فخيره تعدى لغيره، فله الأجر مضاعف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876165,"book_id":7655,"shamela_page_id":114,"part":"12","page_num":9,"sequence_num":114,"body":"هل يعطى السواك الصغير الذي عن اليمين أم الكبير الذي عن اليسار؟\rإذا أردت أن تعطي السواك لصغير عن يمينك وآخر كبير عن يسارك، فمن تعطيه أولاً؟ جاء في حديث أن النبي ﷺ جلس وأبو بكر ﵁ وأرضاه على يساره، وعلى يمينه ابن عباس، وجاء الساقي وأعطى الشراب للنبي ﷺ، فشرب النبي ﷺ ثم أعطى فضله ابن عباس، فقال عمر: يا رسول الله! هذا أبو بكر يعني: لا تعطي ابن عباس الصغير وتترك سيد القوم بعد الرسول ﷺ، فقال النبي ﷺ لـ ابن عباس: (أتأذن للشيخ؟ فقال: لا) واستنبط العلماء من ذلك أن الإيثار في القرب مكروه، فقدم رسول الله من على يمينه ولو كان صغيراً، وهذا يعضده حديث عائشة ﵂ وأرضاها: (وكان يحب التيامن في شأنه كله)، وفي حديث القسامة قال النبي ﷺ: (كبر، كبر)، وفي حديث: أن النبي ﷺ: رأى رؤيا وهي أن معه سواكاً، فأراد أن يعطي السواك لصغير، فقال له الملك: (كبر كبر)، وهذا نص على أنك إذا أعطيت السواك تعطيه للكبير.\rوالكبر هنا ليس المقصود به كبير السن فقط، بل يدخل منه كبير العلم، وكبير المقام، وكبير الوجاهة، وكبير العلم يقدم على كبير السن، والنبي ﷺ كان يكبر أبا بكر بثلاث سنوات فقط.\rوالراجح في هذه المسألة: أن التيامن في كل شيء، في الشراب، وفي اللباس، وفي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لأن النبي ﷺ كان يحب التيمن في شأنه كله، لكن في السواك خاصة يبدأ بالكبير ولا يبدأ باليمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876166,"book_id":7655,"shamela_page_id":115,"part":"13","page_num":1,"sequence_num":115,"body":"شرح متن أبي شجاع - فصل فروض الوضوء وسننه [١]\rمن شروط صحة الصلاة: الوضوء، والوضوء له شروط وفروض وسنن مبسوطة عند أهل العلم، مع اختلافٍ في بعضها، ومن فروض الوضوء: النية، والنية محلها القلب، ولها وقت وصفة، وهي تختلف بحسب أحوال الناس من الصحة والمرض ونحو ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876167,"book_id":7655,"shamela_page_id":116,"part":"13","page_num":2,"sequence_num":116,"body":"أحكام الوضوء\rإن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rقال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: فروض الوضوء وسننه.\rوفروض الوضوء ستة أشياء: النية عند غسل الوجه، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب على ما ذكرناه].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876168,"book_id":7655,"shamela_page_id":117,"part":"13","page_num":3,"sequence_num":117,"body":"تعريف الوضوء\rأما الوضوء فهو: مصدر توضأ يتوضأ وُضوءاً ووَضوءاً.\rوالوَضوء بالفتح هو: اسم للماء المستعمل أو الماء المطلق في الطهارة لرفع الحدث أو استباحة الصلاة أو إزالة النجس.\rوالوُضوء: اسم للفعل، أي: غسل اليدين، وغسل الوجه، والمضمضة والاستنشاق، ومسح الرأس، وغسل الرجلين.\rإذاً: الفارق بين الوَضوء والوُضوء المصدر والفعل، فالمصدر يدل على الآلة المستخدمة، أي: الماء المستخدم.\rوأما بالضم: فهو اسم لفعل الوضوء وهو غسل اليدين وغسل الوجه ومسح الرأس إلى آخر أفعال أو أركان الوضوء ومستحبات الوضوء.\rهذا تعريف الوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876169,"book_id":7655,"shamela_page_id":118,"part":"13","page_num":4,"sequence_num":118,"body":"موجبات الوضوء\rموجبات الوضوء ثلاثة: وهي الأسباب الداعية للوضوء، وقد ذكرها صاحب الإقناع الخطيب الشربيني، فذكر منها الأول: الحدث.\rالثاني: القيام إلى الصلاة.\rالثالث: هما معاً.\rأما الحدث فنستدل له على أنه موجب للوضوء بحديث في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).\rإذا: من أخرج ريحاً، أو قضى حاجته، أو بال واستنجى، فإنه قد أوجب على نفسه الوضوء إذا قام إلى الصلاة، ويكون واجباً مضيقاً إذا قام إلى الصلاة، وواجباً موسعاً إذا لم يدخل وقت الصلاة.\rأما الموجب الثاني للوضوء: فهو القيام إلى الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة فنقول: يجب عليك أن تتوضأ، لأن الله جل في علاه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] إلى آخر الآية، فهذا أيضاً من موجبات الوضوء؛ لأن المرء لا يستطيع أن يقف أمام ربه إلا متطهراً مصلياً على طهارة تامة كاملة، فإذا أحدث المرء وقام وصلى وهو يعلم أنه يصلي بغير وضوء فهذا متلاعب، بل الأحناف ارتقوا مرتقى صعباً وقالوا: هذا كفر؛ لأنه استهزاء بالله جل في علاه، وهذا كلام فيه ضعف.\rفالغرض المقصود: أن من موجبات الوضوء إذا قمت إلى ربك جل في علاه في الصلاة وأنت تستقبل القبلة فعليك الوضوء، بموجب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876170,"book_id":7655,"shamela_page_id":119,"part":"13","page_num":5,"sequence_num":119,"body":"الوضوء عبادة\rالقاعدة عند العلماء تقول: إن أي عبادة توفرت فيها الشروط وانتفت عنها الموانع فهي صحيحة.\rوالوضوء عبادة؛ لقول النبي ﷺ: (لا يحافظ على الوضوء إلا المؤمن) والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، والله جل وعلا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦] فقد أمر بالوضوء، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله ينزل تحت شمولية العبادة.\rكذلك لا يقبل الله الوضوء إلا بالنية، والنية شرط في قبول العبادة، وقد قال رسول الله ﷺ: (الطهور شطر الإيمان) وأوضح من ذلك كله على أنها عبادة هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، والوضوء ينزل تحت عموم الآية.\rإذاً: فكل عبادة لها شروط تتوافر لقبولها، وموانع تنتفي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876171,"book_id":7655,"shamela_page_id":120,"part":"13","page_num":6,"sequence_num":120,"body":"شروط الوضوء\rمن شروط الوضوء: الإسلام، والدلالة على ذلك: أن الله جل في علاه قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:١٢٤].\rفاشترط الإيمان حتى يقبل هذا العمل الصالح، والنبي ﷺ يبين أن الإسلام أو الإيمان شرط في قبول الأعمال كما في الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها سألته عن عبد الله بن زيد بن جدعان، فذكرت أنه كان يكرم الضيف ويعين ذا الحاجة ويعطي ويكرم، فقالت: يا رسول الله! ما له عند الله جل في علاه؟ قال: (لا شيء له، إنه ما قال يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) فكل هذه الحسنات التي فعلها تعجل له في الدنيا، وليس له شيءٌ عند الله جل في علاه؛ لأنه لم يأت بالإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] إذاً: الكفر كان حائلاً مانعاً من أن تقبل هذه الأعمال.\rالشرط الثاني: التمييز وليس البلوغ؛ لأن النبي ﷺ قال: (علموا أولادكم الصلاة لسبع) فالسبع هنا محل التمييز، وقد استنبط بعض العلماء من هذا أن التمييز سن السبع، إذاً: تعليم الصلاة يكون في سن السابعة، فلا تصل إلا إذا أتيت بشروطها، ومن شروطها التمييز؛ لقول النبي ﷺ: (علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر).\rالشرط الثالث: وجود الماء المطلق، والماء المطلق: هو الماء العاري عن كل قيد، وهو الماء الطهور الطاهر في نفسه المطهر لغيره، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨] فإذاً: شرط صحة الوضوء: ألا يتوضأ العبد بماء اختلط بطاهر، فإن الوضوء بماء مختلط بطاهر لا يصح، فمن شروط الوضوء: أن تتوضأ بماءٍ مطلق، والماء المطلق: العاري عن كل قيد، وهو الماء الباقي على أصل خلقته.\rالشرط الرابع: معرفة كيفية الوضوء، كما كان الحسن والحسين يعلمان الرجل كيف يتوضأ.\rالشرط الخامس: عدم الحائل، وأكثر من يفعل ذلك النساء، وعدم الحائل هذا نقصد به: طلاء الأظافر ووضع الحناء على الرأس، وكذلك النقاش وغيره، فإذا شكل طبقة على اليد فإنه أيضاً يكون حائلاً لا يصح الوضوء مع وجوده، فإذا جاءت امرأة وقالت: توضأت للفجر، فصليت وقرأت القرآن، وجلست في مجلسي أو في مسجدي فذكرت الله جل في علاه حتى طلعت الشمس.\rثم جاء وقت صلاة الظهر فتوضأت فصليت، ثم جاء العصر فصليت، ثم المغرب فنظرت وأنا أتوضأ فوجدت طلاء الأظافر على أظافري، فماذا أفعل؟ ف\r\rالجواب\r تعلمنا في الفقه أن الوضوء الصحيح لا بد فيه من توافر شروط، ومن هذه الشروط حتى يصح الوضوء: عدم الحائل، وقد وجد الحائل وهو طلاء الأظافر، حال بين أن يمس الماء البشرة، وبين أن يمر وجه الماء على البشرة فكان حائلاً، فعلى ذلك اختل شرط من شروط الوضوء، فلا يصح الوضوء.\rالشرط السادس: جريان الماء على العضو وإن لم يحدث الدلك، خلافاً للمالكية، بمعنى: لو قام رجل وقال: أريد أن أتوضأ، فقام آخر فعلمه وقال: اغسل يديك ثلاثاً، وتمضمض واستنشق ثلاثاً، واغسل وجهك ثلاثاً واغسل يديك ويفعل ذلك أمامه، ويعمل بالدلك، ويغسل يديه إلى المرفق ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً على مذهب الشافعية وسنبين أن من السنة مسح الرأس ثلاثاً، ثم غسل رجليه ثلاثاً، فقام الرجل، فهذا الوضوء صحيح.\rوأيضاً لو وجد الماء ينزل من الميزاب فجاء تحت الميزاب، وجعل الماء يجري على وجهه، ولا يضع يديه عليه، وجعل الماء يجري على يديه، وأيضاً يجري على رأسه ومسح على رأسه حتى يكون مسحاً لا غسلاً، ثم وضع رجله اليمنى فجعل الماء يجري على رجله دون الدلك، ثم قام فصلى، وجريان الماء على العضو هذا شرط من شروط الوضوء، فإذا توفر ذلك صح الوضوء به.\rإذاً: الصحيح جريان الماء على العضو حتى يغلب على ظنك أن الماء قد وصل إلى البشرة.\rأيضاً من شروط الوضوء: انتفاء المانع، فلا بد من توافر الشروط وانتفاء الموانع.\rومن الموانع التي تمنع صحة الوضوء: الجنابة، والحيض، والنفاس، أو رجل كان يغتسل وبعدما اغتسل أراد أن يتوضأ فمس ذكره.\rالشرط الثامن: عدم الصارف، فلابد من استحضار النية أو دوام النية وهو يتوضأ.\rالشرط التاسع: وهذا الشرط خاص بأصحاب الأعذار، كالذي يعاني من سلس البول، أو انفلات الريح، أو المرأة المستحاضة، وهي المرأة التي ينزل منها الدم باستمرار، فمن شروط صحة الوضوء: أنها لا تتوضأ إلا بعد دخول الوقت، أما قبل ذلك فلابد من غسل المحل، أي: الاستنجاء، ولا بد من غسل المحل مع التحفظ.\rفمن الشروط الخاصة بأصحاب الأعذار: الاستنجاء، ثمَّ الوضوء بعد ذلك مباشرة حتى يصح الوضوء، فإذا جاءت امرأة فسمعت ذلك فقالت: أنا مستحاضة، أي: ينزل مني الدم ولا ينقطع، ماذا أفعل حتى أصلي؟ فالجواب: لا بد أن تتوضئي وترفعين حدثك، وذلك أن تنتظري حتى يدخل الوقت ثم تغسلي المحل ثم تتحفظي، ثم تتوضئين وتصلين بعد ذلك الصلاة والنافلة بعدها وهذا في كل الصلاة.\rإذاً: أصحاب الأعذار لهم شروط خاصة فلا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت، وقبل أن يتوضأ لا بد أن يستنجي، وأيضاً يتحفظ أو يلف لفافة على الفرج، ثم يتوضأ موالاة، ثم بعد ذلك يصلي الصلاة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876172,"book_id":7655,"shamela_page_id":121,"part":"13","page_num":7,"sequence_num":121,"body":"تعريف الشرط والأمثلة على ذلك\rالشرط: هو ما كان خارج ماهية الشيء، أي: أنه مرتبط به وليس بداخله، وعند الأصوليين: الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، مثال ذلك: الوضوء، فالوضوء شرط في صحة الصلاة، فإذا طبقنا القاعدة: ما يلزم من عدمه العدم: رجل دخل الخلاء ثم خرج فأذن المؤذن فقام فصلى، فبعدما سلم فلا بد أن نسأله: توضأت أم لم تتوضأ؟ فإذا قال: توضأت، فصلاته صحيحة، وإذا قال: لم أتوضأ، قلنا: صلاتك باطلة، فلا نستطيع أن نحكم عليه ببطلان صلاته مباشرة؛ لأنه قد يكون قضى حاجته داخل الخلاء ثم توضأ داخل الخلاء.\rفالغرض المقصود: أن الوضوء شرط في الصلاة، فإذا صلى بغير وضوء فقد اختل شرط من شروط الصلاة، فالصلاة غير موجودة، أي: هي موجودة بالحركات، لكنها لا تقبل ولا تجزئ، فعليه الإعادة.\rإذاً: هذا معنى: ما يلزم من عدمه العدم، ومعنى: ولا يلزم من وجوده الوجود: كأن يقول رجل: قد سمعت رسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي- يقول: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، ولذلك لا تجدني دائماً إلا متوضئاً، فذهب فتوضأ، فلا يلزمنا أن نقول له: إذا وجد الوضوء فلابد أن توجد الصلاة؛ لأنه لا يلزم من وجوده الوجود، بل له أن يتوضأ وينام على سريره متوضئاً، وليس في ذلك حرج.\rإذاً: الشرط لا يلزم من وجوده الوجود، لكن يلزم من عدمه العدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876173,"book_id":7655,"shamela_page_id":122,"part":"13","page_num":8,"sequence_num":122,"body":"أركان الوضوء\rأركان الوضوء -وفروض الوضوء- ذكر منها المصنف أربعة، وهي خمسة، بل بعض العلماء قال: هي سبعة بجعله الماء المطلق ركناً، والصحيح: أنه من الشروط وليس من الأركان.\rوفروض الوضوء هي: النية، وهذا الراجح في المذهب، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين أي: مع المرفقين كما سنبين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب على الصحيح الراجح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876174,"book_id":7655,"shamela_page_id":123,"part":"13","page_num":9,"sequence_num":123,"body":"تعريف الركن\rالركن: داخل الدائرة، أي داخل ماهية الشيء، وهو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم.\rمثال ذلك: السجدتان من أركان الصلاة، قام رجل فاستقبل القبلة وكبر وقرأ الفاتحة وقرأ السورة، وركع ورفع وسجد السجدة الأولى، ثم قام للركعة الثانية ولم يسجد السجدة الثانية، فعلى ذلك اختل ركن وهو السجود، فيلزم من عدمه العدم، فالركعة الأولى تبطل ولا تصح.\rوالركن يلزم من وجوده الوجود، كأن أراد الصلاة، فاستقبل القبلة، وقرأ وركع ورفع وسجد ثم جلس بين السجدتين ثم سجد ثم قام، فالسجود ركن من أركان الركعة، وقد توافر، فيلزم من وجوده الوجود، فهذا قطعاً مجزئ، والركعة صحيحة.\rفهذه أركان الوضوء أو فرائض الوضوء، ويصح أن تقول: واجبات الوضوء عند جمهور العلماء، خلافاً للأحناف، إلا في الحج؛ لأن في مذهب الشافعية التفريق في الحج بين الركن وبين الواجب، أو بين الفرض وبين الواجب، والأحناف يفرقون بين الفرض والواجب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876175,"book_id":7655,"shamela_page_id":124,"part":"13","page_num":10,"sequence_num":124,"body":"الركن الأول: النية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876176,"book_id":7655,"shamela_page_id":125,"part":"13","page_num":11,"sequence_num":125,"body":"تعريف النية لغة واصطلاحاً\rالنية في اللغة: هي القصد أو الإرادة والعزم.\rوفي الاصطلاح: هو القصد المقترن بالفعل، مثلاً: قام الرجل يصلي الظهر، فاقترن فعله عند قيامه بعزم القلب وإرادته، وهو أن يصلي الظهر، فقام فاستقبل القبلة، ثم رفع يديه ناوياً في قلبه أن يصلي الظهر.\rإذاً: اصطلاحاً: هي عزم القلب المقترن بالفعل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876177,"book_id":7655,"shamela_page_id":126,"part":"13","page_num":12,"sequence_num":126,"body":"محل النية\rمحل النية هو القلب، والإمام الماوردي يرى أن محل النية القلب واللسان، فعنده لا يجزئ المرء إلا أن ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان، فإذا قام رجل وأراد أن يصلي الظهر، فتوضأ واستقبل القبلة، وقام يصلي، ونيته في قلبه أنه سيصلي الظهر مأموماً، فقال: الله أكبر وصلى أربع ركعات، ففي رأي الإمام الماوردي أن هذه الصلاة لا تجزئ؛ لأنه لم يتلفظ بالنية؛ فهو يرى أن النية حتى تجزئ لابد أن ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان، ويمكن أن يستدل له بقول النبي ﷺ: (ما لم تعمل أو تتكلم) وهذا الرأي شاذ في المذهب.\rوالصحيح: أن محل النية في المذهب هو القلب، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى) فالنية محلها القلب؛ لأن النية هي هم القلب أو فعل القلب، والنية عزم، والعزم من أفعال القلوب، وقد قال الله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] وهذا الكسب هو الذي يؤاخذ عليه المرء.\rفالصحيح: أن محل النية هو القلب، لكن المذهب يستحب التلفظ بالنية، فمن قام ليتوضأ فأخذ السواك، فتسوك وسمى الله ثم قال: نويت أن أتوضأ رفعاً للحدث، أو نويت أن أتوضأ لصلاة الظهر، قالوا: يستحب له ذلك، وإذا قام يصلي المغرب ثم قال: نويت أن أصلي المغرب ثلاث ركعات وكبر، فهذا مستحب في المذهب، ونسبوا ذلك للإمام الشافعي؛ لأنه لما سئل كيف يبدأ المرء الصلاة؟ قال: بالذكر.\rفأولوا الذكر بالتلفظ بالنية.\rوالصحيح الراجح في ذلك: أننا ندور مع شرعنا حيث دار، وأنه ليس ثم دليل على التلفظ بالنية، وأما توجيه كلام الشافعي أن الصلاة يبدأ فيها بالذكر، فإنه يعني: تكبيرة الإحرام، وليس التلفظ بالنية، وإلا فرسول الله ﷺ بين أظهر الصحابة والهمة متوافرة متظافرة، والصحابة ينظرون إلى النبي ﷺ، فما من شاردة ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة يفعلها النبي ﷺ نوماً أو استيقاظاً إلا نقلوها لنا، فلو كان النبي ﷺ قد تلفظ بالنية وقت الصلاة لنقلوه لنا، ولو كان خيراً لفعله أبو بكر، ولو كان خيراً لفعله عمر، ولو كان خيراً لفعله عثمان، فلو كان خيراً لسبقونا إليه.\rفلما لم ينقل ذلك لنا من فعل الصحابة، أو بالأحرى من فعل النبي ﷺ قلنا: ليس بسنة وليس بمستحب، والصحيح: أن النية محلها القلب، ولا يتلفظ بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876178,"book_id":7655,"shamela_page_id":127,"part":"13","page_num":13,"sequence_num":127,"body":"خروج المرء من بيته إلى المسجد لأداء الصلاة هي نية للصلاة على الصحيح\rنقول: إذا خرج المرء من بيته وجلس في المسجد، فهو نية للصلاة، فلا نحرج ونقول: لا بد أن تكبر وتستحضر النية، بل الصحيح أن نقول: إن خروج الإنسان من بيته نية وعزم على الصلاة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876179,"book_id":7655,"shamela_page_id":128,"part":"13","page_num":14,"sequence_num":128,"body":"أوقات النية\rللنية ثلاثة أوقات: الوقت الأول: وقت الإجزاء.\rالوقت الثاني: وقت الاستحباب.\rالوقت الثالث: متنازع فيه، تتجاذبه أقوال العلماء.\rأما وقت الإجزاء -وهو الأهم- فلا تجزئ النية إلا عندما تغسل أول ركن من أركان الوضوء، وقد جعلوا في المذهب أول ركن من أركان الوضوء: الوجه، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، ولقول النبي ﷺ للأعرابي: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله).\rوفي رواية أخرى بسند صحيح قال: (توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك) فأول الأركان: الوجه.\rإذاً: وقت النية الذي يجزئ والذي يصح به الوضوء هي: عندما يأخذ غرفة ماء ويغسل بها وجهه، فلو غسل يديه ولم ينو، ثم تمضمض واستنشق فلم ينو، لكن لما أخذ غرفة الماء وغسل وجهه نوى الوضوء لرفع الحدث، أو نوى استباحة الصلاة، فنقول: هذا الوقت وقت إجزاء، أجزأتك النية عندما قارنت الركن الأول من أركان الوضوء.\rإذاً: أول الوقت الذي يكون فيه الإجزاء: عند غسل أول ركن من أركان الوضوء وهو الوجه.\rالوقت الثاني: الاستحباب، وذلك عند غسل اليدين، فإذا جاء ليغسل يديه ثلاثاً ونوى رفع الحدث، أو نوى استباحة الصلاة فنقول: هذا وقت يستحب أن ينوي فيه.\rالوقت الثالث: وقت متنازع فيه، وهو: أن ينوي عند المضمضة والاستنشاق، ثم لم ينوِ عند غسل الوجه، أو نقول: عدمت النية عند غسل الوجه، فهل يصح الوضوء أم أنه لا يصح؟ هذا متنازع فيه في المذهب.\rومعلوم أن المضمضة والاستنشاق في المذهب سنة، فبعضهم قال: إن الأنف والفم من الوجه، فهو عند غسل بعض الوجه نوى فيصح وضوءه على ذلك، أو يجزئه؛ لأنه نوى عند الركن.\rوالقول الثاني: أنه لا يجزئه؛ لأنه لم ينو عند الركن، والصحيح: أنه لا يجزئه، بل لابد أن ينوي عند غسل أول ركن من الأركان، أو نقول: هذا إذا عزفت النية، أما إذا استمر في النية كالمستحب الأول فإنه يصح ذلك.\rنقول: رجل غسل يديه ولم ينو، فجاء عند المضمضة والاستنشاق ونوى، وقبل أن يغسل الوجه ذهل عن النية وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فهو لم ينو الوضوء عند أول ركن، فقد تنازع العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إنه نوى عند غسل بعض الركن، وهو الأنف إذاً: يجزئه.\rوالآخرون قالوا: لا يجزئه؛ لأنه لم ينو عند الركن، وهذا الأحوط والأرجح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876180,"book_id":7655,"shamela_page_id":129,"part":"13","page_num":15,"sequence_num":129,"body":"مسائل في مفهوم وقت النية على المذهب\rفإذا قلنا: هذا وقت النية فعلينا أن نصوره فقهياً ونثبته، رجل جاء يتوضأ فغسل يديه قبل أن ينوي وتمضمض ثلاثاً ولم ينو ثم استنشق ثلاثاً فنوى، ثم أكمل وضوءه، فما حكم الوضوء؟ وما هو وقت النية عنده هنا: وقت إجزاء أم استحباب أم متنازع فيه؟\r\rالجواب\r ليس متنازعاً فيه؛ لأنه ابتدأ النية في وقت الاستحباب وهو عند الاستنشاق.\rرجل توضأ وعند غسل اليد في المرة الأولى لم ينو، وفي الثانية لم ينوِ، وفي الثالثة نوى رفع الحدث ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثم أكمل الوضوء فهل يجزئه الوضوء أم لا يجزئه؟ الجواب: يجزئه؛ لأن وقت النية الاستحباب.\rرجل غسل يديه ولم ينو، ثم تمضمض واستنشق ولم ينو، ثم أخذته الغفلة، ثم غسل الوجه ونوى، هل يجزئه الوضوء أم لا؟ الجواب: إن نوى عند غسل الوجه رفع الحدث أو استباحة الصلاة وأكمل الوضوء فإن هذا الوضوء يجزئه؛ لأن وقت النية الإجزاء.\rرجل توضأ، فغسل يديه ولم ينو، ثم تمضمض واستنشق ولم ينو، ثم غسل وجهه ولم ينو، ثم غسل يديه إلى المرفقين، ثم قال: النية ركن من أركان الوضوء فمسح رأسه ونوى، ثم غسل رجليه، فما حكم وضوئه؟ الجواب: ليس بوضوء؛ لأن النية غير مصاحبة في وقت إجزاء، ولا في وقت استحباب، ولا في وقت متنازع فيه، فهذا الوضوء لا يصح، ويلزمه الإعادة، فهو رجل طاهر القلب وليس بطاهر الوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876181,"book_id":7655,"shamela_page_id":130,"part":"13","page_num":16,"sequence_num":130,"body":"صفة النية والأمثلة عليها\rللنية صفتان: نية رفع الحدث، ونية استباحة الصلاة.\rفأما نية الحدث: فكأن يبول رجل ثم يستنجي، فنقول له: إذا توضأت فانو رفع الحدث.\rأو نقول: رجل أخرج ريحاً وأراد أن يتوضأ فنقول: انو رفع الحدث.\rوأما الصفة الثانية: فهي استباحة الصلاة، وصورتها: أن يذهب بعدما أخرج الريح يريد الصلاة، فيتوضأ، فنقول له: إن نويت استباحة الصلاة فقد رفعت الحدث، والعلاقة بين الصفتين علاقة تنازل، أو نقول: عموم وخصوص، أو هذا يتضمن هذا، فإن استباحة الصلاة تتضمن رفع الحدث؛ إذ لا يمكن أن تجزئه صلاته إلا برفع الحدث، لقول النبي ﷺ: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فقبول الصلاة لا بد فيه من رفع الحدث، ونية استباحة الصلاة تتضمن رفع الحدث، ورفع الحدث يستلزم استباحة الصلاة، أما إذا رفع حدثه فإن صلاته بهذه الصفة تكون صحيحة لهذا الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876182,"book_id":7655,"shamela_page_id":131,"part":"13","page_num":17,"sequence_num":131,"body":"أقسام الناس في صفة النية\rبالنسبة لهذه الصفة الناس على أقسام ثلاثة: القسم الأول: من ليسوا من أهل الرخصة، فهم قسم عافاهم الله من المرض.\rالقسم الثاني: قسم يأخذون بالرخصة، كلبس الخفين والمسح عليها.\rالقسم الثالث: أصحاب الأعذار.\rفالقسم الأول: عامة الناس الذين لا يأخذون بالرخصة، وهم الذين عافاهم الله من المرض، فهؤلاء تجزئهم نية استباحة الصلاة أو رفع الحدث.\rفإذا قام رجل فتوضأ ونوى رفع الحدث وصلى فإن صلاته صحيحة ووضوءه صحيح، ونيّته تجزئ في ذلك.\rفإذا كان ممن جامع أهله وكان جنباً، فدخل واغتسل ونوى استباحة الصلاة، فقد أجزأته هذه النية، وصلاته صحيحة.\rإذاً: الذي عافاه الله من المرض إما أن ينوي استباحة الصلاة أو ينوي رفع حدث، فإن نوى رفع الحدث أجزأه، وإن نوى استباحة الصلاة أجزأه، فأي النيتين تصح بها الصلاة؛ لقول النبي ﷺ: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، ولقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦]، أي: إذا أردتم استباحة الصلاة: ((فَاغْسِلُوا)) أي: توضئوا، والنية هنا استباحة الصلاة.\rالقسم الثاني من الناس: أهل مسح الخفين، وللعلماء في المذهب قولان في هذه المسألة: القول الأول: لا يجزئه رفع الحدث، بل لا بد أن ينوي استباحة الصلاة، بمعنى: إذا قام الرجل في البرد القارس ليصلي الفجر فقام وكان لابساً لخفيه لبسها على طهارة، فتوضأ ومسح على خفيه، لكنه نوى رفع الحدث، فصلى، فلما سأل قال له كثير من علماء المذهب: صلاتك لا تصح، لأن نيتك لم تجزئك في ذلك؛ لأن المسح على الخف لا يرفع الحدث.\rوالقول الثاني في المذهب وهو الراجح الصحيح: أن المسح على الخفين يرفع الحدث، فله أن ينوي استباحة الصلاة أو ينوي رفع الحدث، وهذا الذي رجحه النووي، وبين أن القول الأول هو الضعيف في المذهب.\rإذاً: الصحيح في المذهب الشافعي: أنه لو مسح على خفيه ونوى استباحة الصلاة أو نوى رفع الحدث فصلاته صحيحة، ووضوءه أصبح صحيحاً.\rأما القسم الثالث: فهم المرضى أصحاب الأعذار، كسلس البول، والاستحاضة، وانفلات الريح، فعلماء المذهب لهم ثلاثة أقوال: القول الأول: يجزئه إذا نوى استباحة الصلاة، مثاله: امرأة ينزل منها الدم باستمرار وعندما سألت قلنا: أنت مستحاضة، والدم هذا دم عرق، دم فساد، دم علة، ليس دم حيض، فلما أرادت أن تصلي دخلت فتوضأت وقالت: كيف أنوي؟ ف\r\rالجواب\r أنها تنوي هنا استباحة الصلاة.\rالقول الثاني في المذهب: يجزئها نية رفع الحدث واستباحة الصلاة، فإذا نوت استباحة الصلاة أجزأتها، وإذا نوت رفع الحدث أجزأتها، ويستحب لها أن تجمع بين النيتين، ومثلها: رجل عنده سلس البول، فبعد أن استنجى ولف لفافة على فرجه، قام فتوضأ ناوياً رفع الحدث، فإنه يجزئه على القول الثاني، وإن نوى استباحة الصلاة أجزأته النية، وقلنا له: يستحب لك -لتخرج من خلاف المذهب- أن تجمع بين النيتين: رفع الحدث واستباحة الصلاة.\rالقول الثالث: وجوب الجمع بين النيتين، نية رفع الحدث ونية استباحة الصلاة، والراجح في المذهب: هو القول الأول وهو: أن ينوي استباحة الصلاة؛ لأن الحدث مستمر، والدم لا ينقطع، وسلس البول لا ينقطع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876183,"book_id":7655,"shamela_page_id":132,"part":"13","page_num":18,"sequence_num":132,"body":"مسائل في أقسام الناس في صفة النية\rرجل قال: إني رجل ألبس الخفين، وأريد أن أصلي، فدخلت فتوضأت، فلما توضأت مسحت على الخفين، وكنت قد نويت استباحة الصلاة فصليت، فهل هذه النية مجزئه أم غير مجزئه؟\r\rالجواب\r أنها مجزئه.\rوقال آخر: توضأت ومسحت على الخفين، وأول ما توضأت نويت رفع الحدث، فهل هذه النية مجزئة؟ الجواب: إنها مجزئة على الراجح؛ لأن المسح على الخفين يرفع الحدث.\rمستحاضة قالت: غسلت المحل ثم تحفظت، ثم توضأت ونويت في وضوئي رفع الحدث، فصليت الظهر، فهل هذه النية مجزئة؟ الجواب: على القول الأول والثالث لا يجزئها، لكن يجزئها على القول الثاني.\rوصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876184,"book_id":7655,"shamela_page_id":133,"part":"14","page_num":1,"sequence_num":133,"body":"شرح متن أبي شجاع - فصل فروض الوضوء وسننه [٢]\rيجب على المسلم أن يتوضأ كما أمره الله تعالى، وقد بين النبي ﷺ ذلك بسنته القولية والفعلية، فصل الفقهاء أحكام الوضوء، وبينوا فرائضه وما يتعلق بها من المسائل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876185,"book_id":7655,"shamela_page_id":134,"part":"14","page_num":2,"sequence_num":134,"body":"غسل الوجه في الوضوء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876186,"book_id":7655,"shamela_page_id":135,"part":"14","page_num":3,"sequence_num":135,"body":"دليل فرضية غسل الوجه\rأول فروض الوضوء: غسل الوجه أو استيعاب غسل الوجه، وقد دل على فرضية غسل الوجه في الوضوء الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.\rأما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب.\rوجاءت الأدلة والآثار قولاً وفعلاً عن النبي ﷺ كما في حديث الأعرابي، قال: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله)، وفي رواية أخرى تفسيرية قال: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك)، فهذا من القول.\rومن الفعل: حديث عبد الله بن زيد وحديث عبد الله بن عباس وحديث علي بن أبي طالب وحديث أبي هريرة فكلها أثبتت أن النبي ﷺ غرف غرفة وأخذ الماء وغسل به وجهه بأبي هو وأمي.\rوأجمعت الأمة على أن غسل الوجه من أركان الوضوء، فمن توضأ ولم يستوعب غسل الوجه فوضوءه غير صحيح لا يجزئه، وصلاته باطلة؛ لأن الوضوء لم يكتمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876187,"book_id":7655,"shamela_page_id":136,"part":"14","page_num":4,"sequence_num":136,"body":"حد الوجه\rحد الوجه: من منابت شعر الرأس إلى الذقن، والذقن هو ملتقى اللحيين، وحده عرضاً من أصل الأذن اليمنى إلى أصل اليسرى، والوجه: كل ما واجه به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876188,"book_id":7655,"shamela_page_id":137,"part":"14","page_num":5,"sequence_num":137,"body":"هل الأذن من الوجه؟\rهل الأذن من الوجه أم لا؟ قيل: من الوجه، وقيل: ليس من الوجه، وقبل أن نرجح بين القولين لا بد أن نعلم ما هي الفائدة التي تترتب على هذين القولين؟ فإن كانت من الوجه يجب أن يغسلها، وإن لم يغسلها لم يصح وضوءه.\rوالمذهب: أن الأذن ليست من الوجه للأثر واللغة، أما الأثر فالحديث الذي تكلم فيه بعض العلماء وصححه الشيخ الألباني: أن النبي ﷺ قال: (الأذنان من الرأس)، وما قال: من الوجه، فحكمها حكم الرأس.\rأيضاً: من جهة اللغة: فالوجه ما واجه، والأذن لا تواجه.\rوجاء عن الزهري أنه قال: الأذن من الوجه، وما الدليل على أنها من الوجه؟ قال: حديث أن النبي ﷺ كان يسجد ويقول: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره)، فجعل السمع والبصر مفردات للوجه.\rلكن عند تدقيق النظر نرجح أنهما ليستا من الوجه؛ لأن النبي ﷺ قال: (الأذنان من الرأس)، ولو كانت من الوجه لقال: الأذنان من الوجه.\rوالدليل المذكور لا يدل على هذه الجزئية، بل يدل على ربوبية الله جل في علاه، وعلى قدرة الله جل في علاه، وأن الله لما خلق الوجه شق له السمع وشق له البصر، فالنبي ﷺ يدعو الله ويبين مظاهر ربوبية الله جل في علاه، وقدرة الله أنه لما خلق الوجه شق له السمع والبصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876189,"book_id":7655,"shamela_page_id":138,"part":"14","page_num":6,"sequence_num":138,"body":"حكم غسل الشعور النابتة في الوجه\rالشعور النابتة في الوجه هي: شعر الحاجب، والشارب، والعنفقة، والعذار الذي في أصل الوجه الذي هو قريب من أصل الأذن، فنقول: هذه الشعور يجب غسلها ظاهراً وباطناً، يعني: لا بد من إرواء البشرة عند الغسل، فلو غسلها دون أن يروي البشرة التي تحتها لم يصح الوضوء، فلا بد أن تغسل وجهك وتدلك حتى تروي البشرة التي تحت هذه الشعور؛ لأن الله جل في علاه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦]، والغسل هو: من غسل الظاهر والباطن إلا ما دل الدليل على خلافه.\rوأيضاً: النبي ﷺ قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته)، فلا بد من إمساس الماء البشرة.\rأما اللحية، فالناس فيها على ثلاثة أقسام: حليق، والعلماء يقولون: أمرد، ولا يقولون: حليق حتى لا يقروا بذلك، فيقولون: الناس بالنسبة لشعر اللحية ثلاثة: الأول: أمرد، والأمرد: هو الذي لا ينبت شعر وجهه.\rالثاني: صاحب لحية خفيفة.\rالثالث: صاحب لحية كثيفة.\rأما الأمرد: فباتفاق أنه لا بد أن يروي البشرة لما سبق من الأدلة.\rوأما صاحب اللحية الخفيفة فقالوا: يجب عليه غسل هذه اللحية ظاهراً وباطناً، وتخليلها في حقه واجب، والنبي ﷺ كان يأخذ غرفة بيده ويخلل اللحية ويقول: (هكذا أمرني ربي) كما في سنن أبي داود.\rإذاً: تخليل اللحية له حالتان: إذا كانت لحية خفيفة فيجب تخليلها؛ لأنه من تمام الغسل إرواء البشرة.\rوإذا كانت اللحية كثيفة فلا يجب تخليلها بل يستحب.\rفإن قيل في اللحية الكثيفة: لم لا أستوعب الغسل وأروي البشرة، والله قال: (فاغسلوا) والغسل يكون ظاهراً وباطناً؟ وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه: أنهم صلوا خلف النبي ﷺ في صلاة سرية قال: فكنا نعلم قراءة النبي ﷺ باهتزاز لحيته، فبهذا علم أنها كانت كثيفة.\rوورد في البخاري (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً)، فقد توضأ النبي ﷺ مرة واحدة، والمرة الواحدة لا يمكن أن تستوعب غسل البشرة في اللحية الكثيفة، ففيه دلالة: على استحباب تخليل اللحية الكثيفة ولا يجب تخليلها، والمشقة تجلب التيسير، فكلما عظمت المشقة جاء التيسير، وكلما جاء العسر جاء اليسر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876190,"book_id":7655,"shamela_page_id":139,"part":"14","page_num":7,"sequence_num":139,"body":"مراتب غسل الوجه\rغسل الوجه له مراتب: الأولى: ما يجزئ في غسل الوجه.\rالثانية: ما يستحب.\rالثالثة: ما كان كمالاً، وفوق الكمال نقصان.\rوالدليل على المرتبة الأولى: أن النبي ﷺ كما في الصحيح: (توضأ مرة واحدة)، وهذا فيه دلالة على أن هذا هو أقل الواجب، وهناك حديث ضعيف أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به).\rالمرتبة الثانية: الاستحباب، فيستحب أن يغسل وجهه مرتين مرتين؛ لأن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين.\rأما المرتبة الثالثة وهي مرتبة الكمال: فهي أن يغسل وجهه ثلاثاً ثلاثاً كما فعل النبي ﷺ، وفوق الكمال نقصان كما قال عمر: ما اكتمل شيء إلا وعاد إلى النقصان؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (فمن زاد فقد أساء وظلم) يعني: من زاد على الثلاث، وهل الزيادة تبطل الوضوء أم لا تبطل؟ لا تبطله، لكنه أثم بذلك، والنبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فترد الزيادة ولا يرد أصل الوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876191,"book_id":7655,"shamela_page_id":140,"part":"14","page_num":8,"sequence_num":140,"body":"حكم غسل المسترسل من اللحية\rاللحية المسترسلة التي تخرج عن منطقه الوجه في غسلها قولان في المذهب: القول الأول: أنه يستحب أن يغسلها ولا يجب، ووجهة نظر هذا القول في المذهب: أن اللحية كلما واجه الوجه، وهذه ليست من الوجه، بل هي نازلة تحت الوجه، فقالوا: يستحب أن يغسلها المتوضئ.\rالقول الثاني عند المحققين كـ الرافعي والنووي قالوا: يجب غسلها.\rوالفرق بين القولين: أنه لو لم يغسل المسترسل من اللحية فوضوءه ليس بصحيح على القول الثاني، وعلى القول الأول الوضوء صحيح لكن إن غسل فقد أخذ بالأحوط.\rووجهة نظر القول الثاني: قاعدة علمية عظيمة جداً وهي: أن المجاور يأخذ حكم ما جاوره، والمسترسل تحت الوجه متصل به، فيأخذ حكم ما اتصل به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876192,"book_id":7655,"shamela_page_id":141,"part":"14","page_num":9,"sequence_num":141,"body":"حكم غسل باطن العين\rالوجه من المنابت إلى أسفل الذقن، والوجه ما واجه، فخرج عن حد الوجه: باطن الأنف، وباطن الفم، وباطن العين، ولا نوجب على من يغسل وجهه أن يغسل عينيه كما كان يفعل ابن عمر، وقد أنكر العلماء على ابن عمر ما فعله حتى أنه عمي بسبب ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876193,"book_id":7655,"shamela_page_id":142,"part":"14","page_num":10,"sequence_num":142,"body":"غسل اليدين إلى المرفقين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876194,"book_id":7655,"shamela_page_id":143,"part":"14","page_num":11,"sequence_num":143,"body":"دليل فرضية غسل اليدين إلى المرفقين\rالفرض الثاني في الوضوء: غسل اليدين إلى المرفقين.\rوقد ثبت وجوب غسل اليدين إلى المرفقين بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.\rقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].\rوفي السنن عن النبي ﷺ لما علم الأعرابي كيف يتوضأ قال: (توضأ كما أمرك الله -ثم فسرها، وقال:- اغسل وجهك ويديك إلى المرفقين).\rومن السنة الفعلية: حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ أخذ غرفة وغسل يديه إلى المرفقين، وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه (أنه ﷺ غسل يديه حتى أشرع في العضد)، وأجمعت الأمة على أن الوضوء لا يجزئ حتى يغسل المتوضئ يديه إلى المرفقين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876195,"book_id":7655,"shamela_page_id":144,"part":"14","page_num":12,"sequence_num":144,"body":"حد اليدين\rحد اليدين من أطراف الأصابع -وليس من الكوع- إلى المرفق، قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، و (إلى) هنا بمعنى: (مع)، قال الله تعالى حاكياً عن عيسى أنه قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢]، يعني: من أنصاري مع الله، وقال الله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] يعني: مع قوتكم، وهذه فيها دلالة: على أن (إلى) تأتي بمعنى: (مع)، فقول الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] يعني: مع المرفقين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876196,"book_id":7655,"shamela_page_id":145,"part":"14","page_num":13,"sequence_num":145,"body":"حكم غسل العضو الزائد\rإن كان في اليد عضو زائد وجب أن يغسله مع ذلك العضو، مثل الإصبع الزائدة تغسل مع اليد.\rوإن كانت اليد مقطوعة من الكوع وجب أن تغسل اليد من الكوع إلى المرفق، وإن كانت مقطوعة من المرفق والمرفق ظاهر وجب غسل المرفق الظاهر، وخذ هذه القاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876197,"book_id":7655,"shamela_page_id":146,"part":"14","page_num":14,"sequence_num":146,"body":"حكم غسل العضد\rيجزئ المتوضئ أن يغسل اليدين مرة واحدة كما فعل النبي ﷺ حيث توضأ مرة مرة، والمستحب أن يغسلها مرتين مرتين، والكمال أن يغسلها ثلاثاً كما ورد في الصحيح عن النبي ﷺ، وزيادة في الاستحباب أن يزيد في الغسل إلى أن يصل العضد؛ لأن أبا هريرة ﵁ وأرضاه فعل ذلك ورفعه إلى النبي ﷺ، فهذا من السنة الثابتة عن النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876198,"book_id":7655,"shamela_page_id":147,"part":"14","page_num":15,"sequence_num":147,"body":"حكم تحريك الخاتم عند غسل اليد\rالخاتم له أحوال ثلاثة: الأولى: أن يكون ضيقاً.\rالثانية: أن يكون واسعاً.\rالثالثة: أن يكون وسطاً.\rفإن كان الخاتم ضيقاً وجب تحريكه عند غسل اليد أو الكف، وهذا الحكم يعم النساء والرجال، فيجب تحريكه للتأكد من وصول الماء إلى العضو، وإن لم يحرك الخاتم لم يصح الوضوء؛ لأن الماء لم يصل إلى جزء من هذا العضو.\rوإذا كان الخاتم وسطاً فلا يجب التحريك لكن يستحب؛ لأنه يغلب على الظن أن الماء يصل إلى العضو إن كان الخاتم وسطاً، أما الخاتم الواسع فلا يجب التحريك كما هو ظاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876199,"book_id":7655,"shamela_page_id":148,"part":"14","page_num":16,"sequence_num":148,"body":"البداءة بغسل اليمين قبل اليسار\rفي غسل اليدين يبدأ باليمين قبل اليسار، والدلالة على ذلك: ديمومة فعل النبي ﷺ، حيث كان إذا توضأ بدأ باليمين، بل وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876200,"book_id":7655,"shamela_page_id":149,"part":"14","page_num":17,"sequence_num":149,"body":"مسح الرأس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876201,"book_id":7655,"shamela_page_id":150,"part":"14","page_num":18,"sequence_num":150,"body":"دليل فرضية مسح الرأس\rالفرض الثالث في الوضوء: مسح الرأس، وقد ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، والسنة هنا: سنة قولية، وسنة فعلية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦].\rوعن عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ (أنه مسح بيده رأسه فأقبل بهما وأدبر).\rومن حديث عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه (أنه مسح رأسه)، هذا الفعل، أما القول: فقد قال النبي ﷺ: (توضأ كما أمرك الله ثم قال: وامسح رأسك) وهذا أمر من النبي ﷺ.\rوأجمعت الأمة على أن مسح الرأس من فرائض الوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876202,"book_id":7655,"shamela_page_id":151,"part":"14","page_num":19,"sequence_num":151,"body":"حكم مسح بعض الرأس\rمسح الرأس في المذهب يجزئ بشعرة واحدة أو ثلاث شعرات، فيجزئ أقل ما يقع به مسح الرأس، واستدلوا على ذلك بالكتاب وبالسنة: أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] وقالوا: الباء هنا للتبعيض، والدلالة على أنها للتبعيض أن النبي ﷺ -كما في حديث المغيرة في الصحيح- مسح على الناصية ثم أكمل المسح على العمامة، ولذلك في المذهب: لا يجوز المسح على العمامة إلا بمسح جزء من الرأس مثل مقدم الرأس، قالوا: فاكتفى بهذا المسح، وهذا فيه دلالة على أن الباء للتبعيض، والصحيح: خلاف المذهب، فلا يجزئ الماسح في الوضوء إلا أن يمسح كل الرأس، حتى لو قلنا: الباء للتبعيض، فإن فعل النبي ﷺ فيه بيان الواجب، والقاعدة عند العلماء: بيان الواجب واجب.\rإذاً: الراجح الصحيح خلاف المذهب الشافعي، وأنا قلت: لن أخرج عن المذهب إلا إذا خالف الدليل، فالأدلة الصحيحة الصريحة تدل على أنه لا يجزئ في مسح الرأس إلا كل الرأس، فمن مسح على ثلاث شعرات أو مسح على بعض الرأس فلا يجزئه هذا الوضوء خلافاً للشافعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876203,"book_id":7655,"shamela_page_id":152,"part":"14","page_num":20,"sequence_num":152,"body":"مراتب مسح الرأس\rالصحيح: أن مسح الرأس له مراتب، فالمرتبة الأولى: مسحه مرة واحدة، وفي المذهب: يجوز أن يمسح الرأس ثلاثاً، بل من السنة أن يمسح ثلاثاً، لحديث ورد عن عثمان بن عفان خارج الصحيحين (أن النبي ﵊ مسح رأسه ثلاثاً)، وصححه الألباني.\rوأيضاً: ورد حديث عن علي بن أبي طالب أنه توضأ ورفع الوضوء إلى النبي ﷺ ومسح رأسه ثلاثاً.\rونحن ندور مع الآثار حيث دارت، وقد صح الحديث عن عثمان وعن علي، وزيادة الثقة مقبولة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876204,"book_id":7655,"shamela_page_id":153,"part":"14","page_num":21,"sequence_num":153,"body":"حكم المسح على العمامة\rالعمامة في عهد السلف كانت محنكة -أي: يجعل بعضها تحت ذقنه- فكانوا يتعممون بهذه الطريقة، فمن أراد أن ينزع العمامة كلما توضأ لحقته في ذلك مشقة، فالمسح على هذه العمامة يصح في المذهب، بشرط: أن يمسح على مقدمة الرأس، والدليل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ مسح على مقدم الرأس ثم أكمل على العمامة.\rهذا الحكم في المذهب ولم نذكر خلاف العلماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876205,"book_id":7655,"shamela_page_id":154,"part":"14","page_num":22,"sequence_num":154,"body":"حكم مسح خمار المرأة\rهل يلحق بالعمامة خمار المرأة أو لا يحلق بالعمامة؟ فيه قولان في المذهب: القول الأول: إن الخمار ينزل منزلة العمامة، فللمرأة أن تمسح على مقدمة الرأس ثم تمسح بعد ذلك على الخمار.\rالقول الثاني في المذهب: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة.\rوالراجح الصحيح: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة، وهذا الذي أدين الله به، لأنه لا يشق على المرأة أن تنزع خمارها، أما العمامة فيشق على الرجل أن ينزعها ثم يلبسها في كل وضوء، والأصل في المرأة: أن تكون في بيتها، فالصحيح: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة، والقاعدة عند العلماء: أن ما خرج عن القياس فغيره لا يقاس عليه.\rأما غسل الرأس بدل مسحه فلا يصح؛ لأنه يعتبر زيادة وإساءة، والمسح بدل الغسل هو المشروع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876206,"book_id":7655,"shamela_page_id":155,"part":"14","page_num":23,"sequence_num":155,"body":"غسل الرجلين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876207,"book_id":7655,"shamela_page_id":156,"part":"14","page_num":24,"sequence_num":156,"body":"دليل فرضية غسل الرجلين\rالفرض الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين، والدليل على أنه ركن من أركان الوضوء الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.\rقال الله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، (وأرجلكم) معطوفة على المغسول لا على الممسوح، هذا هو الدليل من الكتاب.\rوالدليل من السنة: أن النبي ﷺ قال: (توضأ كما أمرك الله) ثم قال: (اغسل رجليك إلى الكعبين).\rوكان النبي ﵊ إذا توضأ غسل رجليه إلى الكعبين، وقال عثمان: (توضأ النبي ﷺ نحو وضوئي هذا)، وكذلك ثبت في حديث عبد الله بن زيد وحديث علي بن أبي طالب كما بينا.\rوأجمعت الأمة على أن غسل الرجلين إلى الكعبين من فروض الوضوء، ولا يعتد بخلاف الشيعة في هذه المسألة كما ذكر ذلك النووي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876208,"book_id":7655,"shamela_page_id":157,"part":"14","page_num":25,"sequence_num":157,"body":"حد الرجلين\rحد الرجلين إلى العظمين الناتئين عند مفصل الساق، وهما الكعبان، فيجب غسل القدمين مع العرقوب إلى الكعبين، والكعبان يدخلان في القدم؛ لأن معنى قوله تعالى: ((إِلَى الْكَعْبَيْنِ)) أي: مع الكعبين كما تقدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876209,"book_id":7655,"shamela_page_id":158,"part":"14","page_num":26,"sequence_num":158,"body":"مراتب غسل الرجلين\rيجوز أن يغسل المتوضئ الرجلين مرة أو مرتين أو ثلاثاً.\rإذاً: الواجب غسلها مرة، والمستحب أن يغسلها مرتين، والكمال: أن يغسلها ثلاثاً، وزيادة في الكمال يشرع في غسل الساق كما في حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876210,"book_id":7655,"shamela_page_id":159,"part":"14","page_num":27,"sequence_num":159,"body":"الترتيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876211,"book_id":7655,"shamela_page_id":160,"part":"14","page_num":28,"sequence_num":160,"body":"دليل فرضية الترتيب\rالفرض الأخير في الوضوء: الترتيب، ومعنى الترتيب: أن تتوضأ وتبدأ بما بدأ الله به، وتنتهي بما انتهى به، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] وهذا ترتيب رتبه الله جل في علاه، وهذا الترتيب رتبه النبي ﷺ بفعله.\rوالدلالة على أن الترتيب فرض أدلة ثلاثة: الدليل الأول: ديمومة فعل النبي ﷺ، فلا أحد وصف لنا وضوء النبي ﷺ إلا وذكر في وصفه أنه غسل يديه ثم مضمض واستنشق ثم غسل الوجه ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين، فديمومة فعل النبي ﷺ تدل على الوجوب.\rفإن قال قائل: الأصل في الفعل الاستحباب، ف\r\rالجواب\r أن القاعدة أن بيان الواجب واجب، فالنبي يبين لنا أمر الله جل في علاه، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، والنبي ﷺ يترجم لنا هذه الأوامر فعلاً، والاستدلال بالفعل هنا بقرينة أنه بيان للواجب، ولم نستدل بأصل الفعل، بل استدللنا بأن هذا الفعل بيان لأمر من أوامر الله، والأمر واجب وبيان الواجب واجب.\rالدليل الثاني: قول النبي ﷺ في النسك عندما صعد على الصفا وقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] قال: (أبدأ بما بدأ الله به)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله بدأ بغسل اليد وانتهى بالرجل، فنبدأ بما بدأ الله به.\rالدليل الثالث: أن الله جل في علاه أدخل ممسوحاً بين مغسولين، وفي لغة العرب أن هذا لا يمكن أن يأتي إلا لأمر مهم، والأمر المهم هنا هو الترتيب، فالرأس ممسوح ذكر بين مغسولين وهما اليد والرجل، وهذه دلالة واضحة جداً على أن الترتيب فرض من فروض الوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876212,"book_id":7655,"shamela_page_id":161,"part":"15","page_num":1,"sequence_num":161,"body":"شرح متن أبي شجاع - الموالاة وسنن الوضوء\rللوضوء سنن أخذها الفقهاء من سنة النبي ﷺ القولية والفعلية، وبعض هذه السنن اختلفوا في حكمها كالموالاة في الوضوء، فقيل بسنيتها، وقيل بوجوبها، ومن جمع الأدلة في هذه المسألة فعسى أن يوفق للقول الراجح فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876213,"book_id":7655,"shamela_page_id":162,"part":"15","page_num":2,"sequence_num":162,"body":"تعريف الموالاة في الوضوء\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: الموالاة معناها: ألا تفصل بين غسل الأعضاء بوقت طويل، وضابط ذلك عند العلماء: ألا يجف العضو، إذا كان المزاج غير متغير؛ لأنه في وقت الغضب قد يجف العضو بسرعة، ولا في وقت حار جداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876214,"book_id":7655,"shamela_page_id":163,"part":"15","page_num":3,"sequence_num":163,"body":"حكم الموالاة\rيوجد قولان في المذهب في حكم الموالاة: القول الأول في القديم وهو قول الحنابلة: أن الموالاة شرط في صحة الوضوء، فإذا توضأ فغسل وجهه ومكث مدة طويلة حتى جف العضو ثم غسل يديه ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثم صلى فصلاته باطلة؛ لأنه اختل شرط من شروط الوضوء وهو الموالاة.\rالقول الثاني في المذهب وهو القول الجديد: أن الموالاة سنة، فإذا فعل ذلك فقد خالف الأولى، وصلاته صحيحة.\rوهذان قولان للشافعي، فالقديم هو ما قبل دخوله مصر، والجديد هو بعد دخوله مصر.\rوالوجه في المذهب غير القول، فهو قول لصاحب من الأصحاب يخرج هذا الوجه على تأصيل الإمام الشافعي.\rدليل المذهب القديم من الأثر: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، (فاغسلوا) أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وهو يقتضي الفورية، والفورية معناها: التعجيل، يعني لا نفصل بينهما بوقت طويل، واستدلوا بفعل النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن زيد وحديث عثمان بن عفان وحديث علي وحديث ابن عمر ﵃ (أن النبي ﷺ توضأ ووالى بين أعضائه)، وفعل النبي ﷺ بيان للواجب، والقاعدة عند العلماء: أن الواجب واجب.\rوفي حديث خالد بن معدان أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي رجله قدر اللمعة -كالدرهم- فقال له النبي ﷺ: (توضأ وأعد الصلاة)، وهذا الحديث فيه كلام، إذ الحديث أرسله خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ، والمرسل عند علماء الحديث ضعيف.\rوأيضاً في سند الحديث بقية بن الوليد، وهو يدلس شر التدليس: تدليس التسوية، وقد قيل فيه: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية.\rووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه توضأ وجفت الأعضاء وصلى، فلما وجد قدر اللمعة أمره بإعادة الوضوء، ولو كانت الموالاة ليست بشرط لغسل القدم فقط، لكنه أمره بإعادة الوضوء، فهذه دلالة على أنه اعتبر الموالاة شرطاً للوضوء.\rواستدلوا من حيث النظر: فقاسوا الوضوء على الصلاة، فقالوا: كما أن الموالاة شرط لصحة الصلاة وهي عبادة، والوضوء شرط لهذه العبادة، فتكون الموالاة شرطاً فيها.\rووجه الشبه بين الوضوء وبين الصلاة: أن الوضوء يفسده الحدث والصلاة أيضاً، فمن أحدث وهو يصلي توضأ واستأنف صلاته، ولا يبني على ما سبق، هذا الراجح الصحيح، ولو توضأ الرجل فمضمض واستنشق وغسل وجهه وغسل يديه ومسح برأسه ثم قبل أن يغسل رجليه أخرج ريحاً فسد وضوءه واستأنفه من جديد.\rوالموالاة شرط في الصلاة، فلو رفع من الركوع فلا بد أن ينزل بعدما يقول الدعاء والذكر، ولو أطال طولاً يعرف منه الناظر أنه ليس من الصلاة بطلت صلاته.\rقالوا: فإذا كانت الموالاة بين أركان الصلاة واجبة وهي عبادة، فالوضوء عبادة كالصلاة، فتكون الموالاة فيه واجبة أيضاً.\rودليل القول الثاني -وهو الجديد- على أن الموالاة ليست شرطاً في الوضوء قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:٦]، والآية لم تصرح بشرطية الموالاة، فهذه دلالة على أن الموالاة ليست بشرط.\rواستدلوا من السنة بأثر ابن عمر ﵁ وأرضاه: أنه توضأ في السوق ولم يمسح على الخفين حتى ذهب إلى المسجد، رواه البيهقي بسند صحيح، وفيه: حتى جف العضو، وفيه أنه دخل المسجد فوجد جنازة يريدون الصلاة عليها، فأراد ابن عمر أن يصلي فقال: ائتوني بماء فأتوه بماء فمسح على الخفين بعدما جف العضو من الوضوء، وهذا أثر صحيح عن ابن عمر فهو يرى أن الموالاة ليست شرطاً، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.\rوالصحيح الراجح عند المحققين من الشافعية: القول الجديد، لكن عندما نأخذ بالقاعدة التي قعدها الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فإننا نقول: الصحيح الراجح هو القول القديم، لا سيما مع تصحيح حديث خالد بن معدان؛ لأن بقية صرح بالتحديث في بعض الروايات، وكونه أرسله عن بعض أزواج النبي ﷺ لا يضعف الحديث؛ لأن كل الصحابة عدول لا سيما المؤمنات الفضليات أزواج النبي ﷺ، فالصحيح الراجح: أن الموالاة تعتبر شرطاً وليست سنة، لأن الدليل واضح جداً، قال النبي ﷺ: (توضأ وأعد الصلاة).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876215,"book_id":7655,"shamela_page_id":164,"part":"15","page_num":4,"sequence_num":164,"body":"من سنن الوضوء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876216,"book_id":7655,"shamela_page_id":165,"part":"15","page_num":5,"sequence_num":165,"body":"السواك\rمن سنن الوضوء التسوك قبل الوضوء أو عند الوضوء، والدلالة على ذلك: قول النبي ﷺ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء).\rوإن لم تجد سواكاً وعندك منديل فمن الممكن أن تستخدمه، وهو يقوم ببعض ما يقوم به السواك من تنظيف الأسنان، ومن الممكن كذلك أن تدلك أسنانك بإصبعك، وإن كان الحديث الوارد فيه ضعيفاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876217,"book_id":7655,"shamela_page_id":166,"part":"15","page_num":6,"sequence_num":166,"body":"التسمية عند الوضوء\rومن سنن الوضوء: التسمية عند غسل اليدين، والأدلة على ذلك كثيرة، منها حديث النبي ﷺ عندما فقدوا الماء فطلب إناء فيه القليل من الماء فوضع يده في الماء فخرج الماء من بين أصابع النبي ﷺ، ثم قال النبي ﷺ: (توضئوا باسم الله)، وكذلك الحديث الذي ضعفه الشيخ الألباني وصححه بعض المحدثين: (كل أمر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو أقطع)، وأيضاً حديث صريح جداً أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا ضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، وهذا الحديث مختلف فيه، وقد صححه الشيخ الألباني وغيره.\rوقوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أي: لا وضوء كامل، ولا يمكن أن ينصب النفي على الوجود؛ لأن الرجل غسل الأعضاء، ولا ينصب على الصحة؛ لأن الله جل في علاه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦]، ولم يذكر التسمية، والنبي ﷺ كما في السنن قال للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله)، ولم يقل: سم الله جل في علاه.\rوإذا توضأ الرجل فنسي التسمية بعدما غسل وجهه ويديه، فنقول له: افعل كما تفعل في الطعام، فإذا نسيت التسمية فقل: باسم الله أوله وآخره.\rأما إذا انتهيت من غسل الرجلين فلا تسم بخلاف الطعام؛ لأن التسمية بعد انتهاء الطعام تجعل الشيطان يتقيأ، أما هنا فلا توجد هذه العلة.\rوقد ذكر الغزالي ﵀ وكثير من الشافعية دعاء لغسل كل عضو من أعضاء الوضوء، ولا دليل عليه، والأصل في العبادات التوقيف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876218,"book_id":7655,"shamela_page_id":167,"part":"15","page_num":7,"sequence_num":167,"body":"غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء\rمن السنة قبل الوضوء: أن يغسل يديه إلى الكوعين لحديث عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه أنه صب الماء على يمينه ثم غسل يديه ثلاثاً ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وحديث عبد الله بن زيد وحديث علي بن أبي طالب ﵁، وفيه: كان النبي ﷺ يغسل يديه قبل الوضوء، أما من قام من النوم فيكره أن يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً، أما إذا استيقن من وجود النجاسة فيحرم عليه أن يضع يده في الماء، قال النبي ﷺ: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً)، وصرف النهي من التحريم إلى الكراهة: العلة، وهي قوله ﷺ: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، فالعلة: أنه يخشى أن يكون علق بيديه شيء من النجاسة؛ ولذا قلنا بالكراهة إن لم يتأكد من وجود النجاسة، أما إذا استيقن منها فلا يجوز أن يضع يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً؛ لأنه لو وضع يده في الإناء نجس الماء، فإذا نجس الماء يحرم عليه أن يتوضأ به، لا سيما إن كان في صحراء ولم يكن عنده سوى هذا الماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876219,"book_id":7655,"shamela_page_id":168,"part":"15","page_num":8,"sequence_num":168,"body":"المضمضة والاستنشاق\rمن سنن الوضوء: المضمضة والاستنشاق، والدليل على السنية قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ولم يقل: تمضمضوا واستنشقوا، ويوجد حديث خاص فاصل في النزاع وهو في مقام التبيين، والقاعدة عند العلماء: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو قول النبي ﷺ للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك)، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، وكان الرجل لا يعرف كيف يصلي ولا كيف يتوضأ، فعلمه النبي ﷺ كيف يصلي وعلمه كيف يتوضأ فقال له: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك ويديك إلى المرفقين، وامسح برأسك واغسل رجليك)، ولم يذكر المضمضة ولا الاستنشاق، ففيه دلالة واضحة جداً على أنهما سنة، أما حديث النبي ﷺ: (مضمض واستنشق)، فالراجح أنه صحيح، لكن الأمر هنا للاستحباب جمعاً بين الأدلة، وقول المخالف: الأنف والفم من الوجه فلا بد من المضمضة والاستنشاق فالجواب عليه: والعين من الرأس، ولها ظاهر ولها باطن، ونحن نقول بوجوب غسل ظاهر الأنف لا غسل الباطن، وإلا لكان يجب أن يفتح الإنسان عينيه ويدخل الماء في عينيه؛ لأنها من الوجه ولا بد أن تغسل، لكن نحن متفقون أنه لا يغسل باطنها بل ظاهرها، وكذلك الأنف.\rوللمضمضة والاستنشاق صورتان: الصورة الأولى: أن تكون المضمضة منفصلة عن الاستنشاق، فيدخل الماء في فمه، ويكرر هذا ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يغسل الأنف بعد الفم ثلاث مرات، وهذه الكيفية وردت عن النبي ﷺ، وقد ضعفها النووي، لكن الحافظ ابن حجر صححها، ونحن نأخذ بتصحيح الحافظ ابن حجر، فحديث فصل المضمضة عن الاستنشاق صحيح، لكن الأولى والأفضل: أن تجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة ثلاث مرات كما في حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي ﷺ، وهذه هي الصورة الثانية، وهي غالب أحوال النبي ﷺ، فيأخذ غرفة ثم يدخل بعض الماء في فمه ويدخل البعض الآخر في أنفه، ويفعل هذا ثلاث مرات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876220,"book_id":7655,"shamela_page_id":169,"part":"15","page_num":9,"sequence_num":169,"body":"سنية مسح جميع شعر الرأس في الوضوء عند الشافعية\rالمذهب أنه يكفي في الوضوء مسح ثلاث شعرات أو مسح جزء من الرأس، وهذا مخالف للأثر، والصحيح: أنه لا بد أن يستوعب مسح كل الرأس.\rومن السنة مسح الأذنين، وهذه السنة دلت عليها الأدلة الكثيرة، فقد كان النبي ﷺ يمسح أذنيه، وقال: (الأذنان من الرأس) ومن السنة أن يأخذ ماء جديداً لهما، وفي الحديث الصحيح في السنن: (أن النبي ﷺ مسح ظاهر الأذنين وباطن الأذنين)، وكيفية المسح أن يدخل الإصبعين في صماخي الأذنين، وهي الفتحة التي توصل إلى داخل الأذن، ثم النبي ﷺ ما مسح أذنيه إلا مرة واحدة.\rفإن قيل: هل الأذن من الرأس أم من الوجه؟ ف\r\rالجواب\r قال الزهري: الأذن من الوجه، واستدل بحديث: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره) وأما الجماهير فقالوا: الأذن من الرأس؛ لقول النبي ﷺ: (الأذنان من الرأس)، وهذا الحديث ضعيف، وقد صححه الشيخ الألباني، وحتى لو قلنا بتصحيح هذا الحديث فإنه يحمل على الاستحباب، وليس للوجوب، كما أن التحلل من الإحرام يكون بحلق الشعر أو تقصيره، وليس بأخذ شيء من الأذن، ولا يقول بذلك أحد، فالصحيح أن معنى: (الأذنان من الرأس) يعني حكمهما حكم الرأس، فإذا كان حكم الرأس هو الغسل فحكم الأذن الغسل مثل الرأس، وإذا كان حكمه المسح فيمسحان كما يمسح الرأس، فالراجح الصحيح أن من السنن مسح الأذنين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876221,"book_id":7655,"shamela_page_id":170,"part":"15","page_num":10,"sequence_num":170,"body":"تخليل الأصابع في الوضوء\rمن سنن الوضوء تخليل أصابع اليدين والرجلين، لحديث لقيط بن صبرة قال له النبي ﷺ (وخلل الأصابع)، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، لكن يحمل على الاستحباب بدليل الآية والأحاديث الأخرى، فالراجح الصحيح أن تخليل الأصابع ليس بواجب بل هو من السنة، والأكمل أن يخللها ثلاثاً حتى يبالغ في الإسباغ، وأول مراتب التخليل أن يخلل الأصابع مرة واحدة.\rويجب تخليل الأصابع في حالة واحدة وهي إذا كانت الأصابع ملتصقة وغلب على ظنه عدم وصول الماء للبشرة، فيجب عليه حينئذ أن يخلل الأصابع حتى يتأكد من وصول الماء، أو إذا كانت الأظافر طويلة وفيها وسخ يمنع وصول الماء فإن عليه التخليل حتى يصل الماء إلى العضو.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876222,"book_id":7655,"shamela_page_id":171,"part":"15","page_num":11,"sequence_num":171,"body":"تقديم اليمنى على اليسرى\rمن السنن تقديم اليمنى على اليسرى، والأدلة على أنها من السنة ديمومة فعل النبي ﷺ، وقول النبي ﷺ: (إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم)، وهذا الحديث صححه النووي والحافظ والشيخ الألباني، وأيضاً حديث عائشة ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﷺ كان يحب التيمن في شأنه كله).\rوالأئمة الأربعة قالوا بالسنية، أما فقهاء المدينة السبعة فقد قالوا بوجوب الابتداء باليمين، بمعنى: أنه لو توضأ الرجل فغسل يده اليسرى ثم غسل اليد اليمنى، فوضوءه لا يصح.\rوقول الفقهاء السبعة بالوجوب قوي؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا توضأتم فابدءوا بالميامن)، وهذا أمر وظاهره الوجوب، وأيضاً ديمومة فعل النبي ﷺ، وأيضاً حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يحب التيمن في شأنه كله في وضوئه وترجله وتنعله).\rلكن النووي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب بحديث صححه عن علي بن أبي طالب أنه توضأ أمام الناس فابتدأ باليسرى ولم يبتدئ باليمنى، ثم صلى ليظهر للناس أن هذا على الجواز، وهذا هو قول الأئمة الأربعة، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876223,"book_id":7655,"shamela_page_id":172,"part":"15","page_num":12,"sequence_num":172,"body":"عدم نفض الأعضاء من ماء الوضوء\rمن السنن عدم نفض اليد من الماء ليبقى أثر العبادة على جسده، ففي المذهب يكره إزالة أثر العبادة، مثل الشهيد يدفن في ثيابه ودمه، وقالوا: من السنة عدم تنشيف الأعضاء، وهذه المسألة فيها أقوال ثلاثة، الأول: عدم جواز تنشيف الأعضاء، والثاني: جواز التنشيف، والثالث: وهو قول ابن عباس وهو القول الصحيح الراجح: جواز التنشيف أو تركه، أما حديث أن النبي ﷺ نفض يديه من الماء بعدما اغتسل وأتته ميمونة بالمنديل فرده، فله تأويلات واحتمالات، والصحيح الجواز.\rويستحب بعد الفراغ من الوضوء أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله كما في حديث عمر بن الخطاب، وفي رواية الترمذي زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذه الزيادة صححها بعض العلماء وضعفها كثير من العلماء، وفي حديث آخر مختلف في صحته أن يقول بعد الفراغ من الوضوء: (سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876224,"book_id":7655,"shamela_page_id":173,"part":"15","page_num":13,"sequence_num":173,"body":"حكم الشك في مسح الرأس في الوضوء\r\rالسؤال\r رجل توضأ وفعل جميع الواجبات والسنن، وبعد أن فرغ من الوضوء وجفت الأعضاء، شك هل مسح رأسه أم لا، فماذا عليه؟\r\rالجواب\r القاعدة عند العلماء: أن كل شك جاء بعد العبادة فلا عبرة به، فهذا وضوءه صحيح، ولا يلتفت إلى هذه الوسوسة، والأصل: أن وضوءه كامل، والأصل بقاء ما كان على ما كان إلا بدليل ينقل عن الأصل، والمشكوك كالمعدوم حتى يتبين بالقرائن صدق هذا الشك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876225,"book_id":7655,"shamela_page_id":174,"part":"16","page_num":1,"sequence_num":174,"body":"شرح متن أبي شجاع - فصل الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة [١]\rامتدح الله الأنصار بأنهم كانوا يلحقون بالحجارة الماء في الاستنجاء، وهذا هو الذي يفضل في الاستنجاء وهو الدرجة الأعلى، ثم يأتي بعد ذلك الاقتصار على الماء، ثم الحجارة، وللاستنجاء آداب وتفاصيل تكلم عنها الفقهاء وفصلوا فيها، فحري بالمسلم أن يتفقه في دينه، فإنه من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876226,"book_id":7655,"shamela_page_id":175,"part":"16","page_num":2,"sequence_num":175,"body":"حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: نحن مع هذا العلم الشريف علم الفقه، وقد قال الشافعي: من أراد رجاحة العقل فعليه بالفقه، ومن أراد قوة الحجة فعليه بالحديث.\rوأقول: قد جمع الخير كله من جمع الله له الفقه والحديث؛ لذلك كان كثيراً ما يقول شيخ الإسلام: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفقه متنه، وفهم المتن هو ضبط الأمر، وقد ذكرنا الكلام على الوضوء واجباته أو أركانه ومستحباته ويبقى لنا شيء واحد وهو الترتيب بالنسبة للوضوء.\rوالترتيب: أن تبدأ بما بدأ الله به، وتنتهي بما انتهى الله به.\rفتبدأ بالوجه وتنتهي بالرجل إلى الكعبين.\rوالترتيب واجب من واجبات الوضوء، والوجوب بالنسبة للترتيب في الأركان، فتخرج بذلك السنن فليس الترتيب واجباً فيها.\rوهذا فيه رد على ما استدل به الشيخ الألباني على مسألة عدم وجوب الترتيب: على أنه تمضمض واستنشق بعد أن غسل رجليه، فنقول: إن المضمضة والاستنشاق الراجح أنها من السنن وليست من الواجبات، والترتيب ركن أو واجب في الواجبات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876227,"book_id":7655,"shamela_page_id":176,"part":"16","page_num":3,"sequence_num":176,"body":"حكم الوضوء مع وجود النجاسة\rقال المؤلف ﵀: فصل في الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة: الاستنجاء واجب من البول والغائط، والأفضل أن يستنجي بالأحجار ثم يتبعها بالماء، ويجوز أن يقتصر على الماء أو على ثلاثة أحجار ينقي بهن المحل، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل.\rويجتنب استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء، ويجتنب البول والغائط في الماء الراكد وتحت الشجرة المثمرة وفي الطريق والظل والثقب، ولا يتكلم على البول والغائط، ولا يستقبل الشمس والقمر ولا يستدبرهما].\rأتى المصنف بباب جديد، وهو باب الاستطابة أو الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة، وهذا أمر محير؛ لأنه كان الأولى بالترتيب أن يبدأ بالاستطابة أو الاستنجاء ثم يأتي بالوضوء، لكنه لما تكلم عن الاستنجاء بعد الوضوء كأنه يشير لنا إشارة مهمة جداً ألا وهي أن الاستنجاء أو الاستطابة ليست شرطاً في صحة الوضوء.\rيعني: يصح الوضوء مع وجود النجاسة على الجسد أو على العموم، وهذه إشارة من المصنف، وكأنه يقول: ولو توضأ قبل أن يستنجي بالأحجار أو بالماء صح وضوءه، لكن إذا أراد أن يصلي لا تصح الصلاة بحال النجاسة ولكن له أن يستنجي بعد الوضوء دون أن يمس الذكر ودون أن يمس الفرج حتى لا ينتقض الوضوء بعد ذلك.\rوالصحيح أن في المذهب أخباراً ثلاثة في مسألة صحة الوضوء مع وجود النجاسة أي: قبل الاستنجاء: القول الأول: يصح الوضوء والتيمم مع وجود النجاسة، والقول الثاني في المذهب: لا يصح الوضوء ولا التيمم مع وجود النجاسة، ومن ثم فلازم هذا القول: أن الاستنجاء شرط في صحة الوضوء.\rالثالث: يصح الوضوء مع وجود النجاسة ولا يصح التيمم، أما وجهة نظر القول الثالث فهو: أن التيمم ليس برافع للحدث، أما الوضوء فهو رافع للحدث.\rوقالوا: التيمم مبيح، فإذاً لا يصح مع وجود النجاسة؛ ولذلك هم يقولون: صاحب الأعذار غير متوضئ، والله جل وعلا يسر عليه العبادة فقط بأن تستباح له الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].\rوالصحيح الراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو القول الأخير، فهذه أول إشارة من إشارات المصنف أنه أتى بهذا الباب بعد الوضوء، وكأنه يقول: يصح الوضوء وإن لم يستنج، لكن إذا أراد أن يصلي فلابد أن يستنجي على الراجح من كلام العلماء في مسألة حمل النجاسة في الصلاة.\rوالاستنجاء، والاستطابة، والاستجمار، بمعنى واحد فهن مترادفات.\rفالاستطابة: طلب الطيب، وكأن الإنسان يطيب نفسه بإزالة النجس منه، وأيضاً الاستنجاء: طلب النجاة، وكأن الإنسان ينجي نفسه من هذه القاذورات، والاستجمار: نفس الأمر باستخدام الحجارة.\rلكن الاستطابة والاستنجاء تطلق على الماء والحجارة، وأما الاستجمار فهو خاص بالحجارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876228,"book_id":7655,"shamela_page_id":177,"part":"16","page_num":4,"sequence_num":177,"body":"حكم الاستنجاء\rوسننظر في هذا الباب من أكثر من وجه، الوجه الأول: هل الاستطابة أو الاستنجاء واجب أم هو سنة كما قالت الأحناف؟ وثمرة الخلاف: أننا إذا قلنا بوجوب الاستنجاء فيأثم إن لم يستنج، وإذا قلنا: بأنه مستحب فنقول: لا يأثم، لكنه ترك الأولى بالنسبة للوجوب.\rوأما الأدلة على وجوب الاستنجاء -خلافاً للأحناف- ووجوب الاستطابة أولاً: حديث السنن بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال عاذراً المكلف: (وليستنج بثلاثة أحجار).\rفقال: (وليستنج)، وهذا فعل أمر، وظاهر الأمر الوجوب ما لم تأت صارفة تصرفه إلى الاستحباب، فيبقى الأمر على ذاته أنه على الوجوب، وأيضاً حديث سلمان في السنن وهذا سنستخدمه كثيراً: (ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).\rفإذا نهى عن العدد فالأولى أن يكون الأمر بالاستنجاء وإنقاء المحل على الوجوب، فهذه الدلالات من الأثر ترجح لنا وجوب الاستنجاء، أما الأدلة السلبية: فانظر إلى حديث الصحيحين عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال النبي ﷺ بعد أن مر بقبرين قال: (يعذبان وما يعذبان بكبير)، يبين أنه كبير، بمعنى: بل هو كبير، (أما الأول فكان لا يستنزه من بوله)، في رواية: (لا يستتر)، والشاهد الذي نريده، قال: (كان لا يستنزه من البول)، أي: كان لا يستنجي، فسبب العذاب أنه لم يكن يستنج للبول، ولا يرد فيقال: لا، بل سبب ذلك: أن الصلاة لا تصح فعذب على مسألة الصلاة.\rنقول إذاً: الوسائل لها أحكام المقاصد وهذه وسيلة فلها حكم المقصد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876229,"book_id":7655,"shamela_page_id":178,"part":"16","page_num":5,"sequence_num":178,"body":"مراتب الاستنجاء\rالاستنجاء له مراتب ثلاثة: مرتبة أعلى، ومرتبة وسط، ومرتبة دنيا كما بين المصنف.\rأما المرتبة الأعلى: فهي استخدام الأحجار مع استخدام الماء، ويستأنس هذا من الأثر ومن النظر، فمن الأثر: أن الله جل في علاه عندما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، بأن سبب نزول هذه الآية في أهل قباء: أنهم كانوا يستعملون الحجارة أولاً لإنقاء المحل ثم يستخدمون الماء، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].\rوهذه دلالة على استحباب هذه الدرجة وهي درجة الكمال، وهذا الحديث فيه ضعف، لكن نستأنس به.\rومن النظر: أن الحجر ينقي المحل من العين، ويأتي الماء على الأثر فيزيل الأثر، وهذه قوة، فهو يزيل أولاً العين ويزيل بعد ذلك الأثر، فهذه مرتبة أعلى وقد فعلها من الصحابة كثير.\rوفي المذهب يقولون: إذا كانت المسألة أن القوي إنقاء المحل ثم إزالة الأثر بالماء، فيمكن للإنسان أن يستخدم حجراً واحداً لإنقاء المحل، فهل إذا استخدم حجراً واحداً صح أن نقول: إنه اعتلى هذه المرتبة أو استلزم هذه المرتبة الأعلى؟ وسبب وجهة النظر عند الشافعية في ذلك أنهم يرون أنه لا يجزئ إلا ثلاثة أحجار كما سنبين.\rلكن ضعف العلماء صحة هذه المسألة وقالوا: المقصود الأدنى: إزالة العين، فإذا زالت بحجر ثم أتبع ذلك بالماء فقد اعتلى هذه أو استلزم هذه المرتبة الأعلى دون الوسطية ودون الأدنى.\rوهذه المسألة هي درجة أو مرتبة الكمال، ثم مرتبة أخرى: مرتبة الماء، وهي المرتبة الوسطى؛ لأن الماء أقوى ما يكون في إزالة النجاسة، بل لا يستخدم في إزالة النجاسة في المذهب إلا الماء؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨].\rوالنبي ﷺ من قوله ومن فعله قد استخدم الماء كثيراً كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن أنس ﵁ وأرضاه قال: (كان النبي ﷺ يخرج لحاجته فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة فيها ماء، وهذا الماء يستنجي به النبي ﷺ.\rوأيضاً المغيرة بن شعبة وهو يصف النبي ﷺ عندما يقضي حاجته يقول: (فبعد حتى توارى عني) ثم آتاه بماء يستنجي به -بأبي هو وأمي- فأكثر ما استخدم النبي ﷺ الماء؛ ولذلك قالت عائشة: (لو أمرتن أزواجكن أن أن يستخدموا الماء فأكثر ما استخدم النبي ﷺ الماء في الإنقاء)، فهذه المرتبة الثانية.\rلكن البخاري والمحدثين: أن سعيد بن المسيب وهذا قول عبد الله بن الزبير وبعض الصحابة قالوا: لا يصح ولا يجزئ استخدام الماء إلا للنساء، والرجال لا يصلح أن يستخدموا الماء في الإنقاء؛ لأن الرائحة النتنة تبقى في اليد، والصحيح أن النبي ﷺ استخدم الماء، واستخدم الصحابة الماء، فالمرتبة الثانية استخدام الماء للإنقاء.\rالمرتبة الأدنى هي: استخدام الحجارة لإنقاء المحل ويعفى عن الأثر، وهذه دلالتها كثيرة من السنة فعلاً وقولاً، أما فعلاً: فإن النبي ﷺ أمر ابن مسعود ﵁ وأرضاه فقال: (ائتني بثلاثة أحجار فأتى ابن مسعود بحجرين وروثة فألقى الروثة)، وهذا في الصحيحين.\rوفي السنن: (وأمره أن يأتي بالحجر الثالث)، فاستخدم النبي ﷺ الإنقاء أو الاستنجاء بالحجارة وهذا من فعل النبي ﷺ.\rأما من قول النبي ﷺ فحديث سلمان عندما جاء اليهودي يحسد أهل الإسلام على أن النبي ﷺ ما ترك لهم شيئاً إلا علمهم إياه قال: نعم حتى كيفية قضاء الحاجة أو كما قال في التصريح بالكلمة المشهورة في سنن أبي داود.\rفهذه دلالة واضحة على أن النبي ﷺ قولاً أمر باستخدام الحجارة وفعلاً بأن فعل ذلك، وهذه كما قلت: مرتبة دنيا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876230,"book_id":7655,"shamela_page_id":179,"part":"16","page_num":6,"sequence_num":179,"body":"أحكام أحجار الاستنجاء\rإذا قلنا بأن الطهارة والاستنجاء والاستطابة تصح بالأحجار فلابد أن ننظر في صفة هذا الحجر وما يصح منه، وما لا يصح استخدامه، ثم ننظر هل يتعدى الأمر إلى غيره أم لا؟ فإذا قلنا: المرتبة الدنيا أن يستخدم الرجل حجارة إن كان في سفر مثلاً ولم يجد ماءً فله أن يبعد المنزل كما سنبين في الآداب ويأخذ الحجارة ويستنجي بهذه الحجارة.\rوهل لهذه الحجارة التي يصح بها الاستنجاء مواصفات؟ وهل هناك عدد محدود لهذه الحجارة التي تستخدم؟ هذا الذي نبحثه الآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876231,"book_id":7655,"shamela_page_id":180,"part":"16","page_num":7,"sequence_num":180,"body":"صفة حجر الاستنجاء\rأولاً: الحجارة المستخدمة لابد أن تزيل العين وإن أبقت الأثر.\rثانياً: هذه الحجارة يشترط فيها: أن تكون ثلاثة أحجار، فلو أنقى المحل بحجر واحد ثم توضأ وصلى فصلاته باطلة، ولو استخدم حجراً ثم استخدم حجراً ثانياً وتوضأ وصلى فصلاته باطلة؛ لأن النجاسة لم تزل موجودة، ولابد أن يستخدم الحجر الثالث.\rفإذاً يشترط الاستنجاء بثلاثة أحجار، والدلالة على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه كما في السنن قال: (ونهانا أن نستطيب بأقل من ثلاثة أحجار)، وأيضاً في حديث سلمان ﵁ وأرضاه قال: (نهى النبي ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).\rوالنهي أصله التحريم، يعني: حرام أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فلو استنجى بحجر أو حجرين لقلنا له: وقعت في الحرام؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تستنجي إلا بثلاثة أحجار، وفي المقابل فإنه لا يجزئه أن يستنجي إلا بثلاثة أحجار، وهذا من القول، ومن الفعل: أن النبي ﷺ لما أخذ الحجرين ما استخدمهما، بل أمر ابن مسعود كما في السنن فقال له: (ائتني بحجر ثالث).\rوهذا دلالة واضحة جداً على: أن العدد يشترط في مسألة الاستنجاء ولا يصح الاستنجاء إلا بثلاثة أحجار، وفي المذهب نظروا نظراً دقيقاً وقالوا: هل العدد متعبد فيه، أم له حكمة؟ وفي الصحيح الراجح: أن له حكمة؛ لأن الثلاثة يغلب على الظن أو يتأكد منها إزالة العين.\rقالوا: إذاً العدد هو المطلوب للتأكد من إزالة العين، فلو كان حجراً واحداً له ثلاثة أطراف صح استخدامه بثلاث مسحات، فقالوا: العدد المفترض هنا المسحات وليست الأحجار.\rفلو أتى بحجر كبير وهذا الحجر له أطراف ثلاثة فمسح الأولى بالطرف الأول ومسح الثانية بالطرف الثاني ومسح الثالثة بالطرف الثالث وأنقى المحل أجزأه؛ لأن الشرط في ذلك ليس بثلاثة أحجار ولكن بثلاث مسحات، هذا أول ما يبحث في مسألة الحجارة.\rالأمر الثاني: الوتر في الأحجار، وهذا ليس بشرط لكنه مستحب، ولو أن رجلاً استخدم حجراً واحداً ثم استخدم الثاني ثم استخدم الثالث ولم ينق المحل ثم قام فتوضأ وصلى فصلاته باطلة.\rإذ لابد من إنقاء المحل، فإن أنق المحل وتوضأ وصلى فصلاته صحيحة، لكن نقول له: الأولى أن تستخدم الحجر الخامس، فمن السنة: الإيتار، واستدل على ذلك بعموم وخصوص، أما العموم: فحديث النبي ﷺ حيث قال: (إن الله وتر يحب الوتر).\rوفي سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)، وهذا الحديث ظاهر جداً في سنية واستحباب الإيتار؛ لأن النبي ﷺ قال: (من فعل)، يعني: من استخدم ثلاثة أحجار: (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج).\rثالثاً: مسألة هل يتعدى الحكم لغيره أم لا؟ يعني هل الأمر مشترط بالأحجار، أم يمكن أن تقوم مقامه خرقة مثلاً أو أخشاب أو مناديل أو زجاج أو غير ذلك؟ فالعلماء نظروا فوجدوا أن الغالب في الاستخدام هي الأحجار، قالوا: ننظر في مواصفات الأحجار فإن وجدنا هذه المواصفات تتعدى لغير الأحجار استخدمناها؛ لأن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، بل يفرق بين المختلفين، فإذا قام مقام الحجر شيء يزيل العين أو ينقي المحل كما يفعل الحجر فإنه ينزل منزلة الحجر في الحكم، فنظر العلماء ودققوا النظر في الأحجار فوجدوا في الأحجار بعض الصفات، منها أولاً: أنها مزيلة للعين.\rالثاني: الثالث: أنها طاهرة.\rالرابع: أنها غير محترمة.\rالخامس: أنها لسيت بعظم.\rالسادس: أنها غير متصلة بحيوان.\rفقولنا في صفة الحجر: مزيل للعين، يخرج من ذلك الذي لا يزيل العين: كالزجاج أو الحديد أو أي شيء أملس، فالصحيح أنه لا يستخدم الزجاج ولا الحديد لأنه ليس بصالح، وإن كان الخشب صالحاً نزل منزلة الحجر، وكثيراً ما تجد هذه في الصحراء أو في مكان وليس عندك ماء ولا ترى حجارة فالمناديل تقوم مقام الحجارة، وهذا من تيسير الشريعة الغراء؛ لأنها صالحة تزيل العين، فإذا أزالت العين قامت مقام الحجر.\rوقولنا: (جامد) احتراز من المائعات، فالجامد ضد المائع، فالمائع لا يستطيع أن يزيل النجاسات كالزيت؛ لأنه لا يزيل العين لكن يمكن أن يرد علينا إيراد قوي جداً وهو: أن الماء من المائعات ونحن نستخدمه، ف\r\rالجواب\r أن ما أمرنا به نستخدمه، فنحن ندور مع الشرع حيث دار، بل الماء له قوة في دفع النجاسات ليست لغيره في حال من الأحوال، بل من قوة الماء في دفع النجاسات أنه يدفع عن نفسه النجاسة بالتكاثر.\rونحن قلنا: الماء القليل إن كان به نجاسة أو وقعت فيه نجاسة نجس، لكن بالتكاثر إذا وصل إلى قلتين قلنا: إذا لم يتغير طعم ولا لون ولا رائحة، وصل إلى الطهارة ودفع عن نفسه النجاسة؛ لقول النبي ﷺ: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).\rوقولنا: (أن يكون طاهراً) فلا تستخدم المجلات، والدلالة على ذلك من الأثر والنظر، أما من الأثر فالنبي ﷺ عندما أمر ابن مسعود وقال: (ائتني بثلاثة أحجار فأتاه بحجر وآتاه بحجر آخر وآتاه بروثة فألقاها وقال: إنها رجس).\rفالعلة: في أنه لم يستخدمها النبي ﷺ أنه وصفها بأنها رجس، وأيضاً: ففي بعض الأحاديث أن النبي ﷺ تبرأ ممن يستخدم ذلك في إزالة النجاسة، فالصحيح في ذلك أن نقول: يشترط أن يكون طاهراً، فلا يمكن للمرء أن يستخدم الخمر في إزالة النجاسة.\rولو أن رجلاً أراد أن يستنجي وبحث عن الماء فما وجد بعد أن قضى بوله ووجد خمراً فقال: أستخدمها فيما هو أنفع فأزيل النجاسة وأتوضأ بها.\rفنقول: لا يصح هذا من وجهين: لأنه من المائعات والمائعات لا تستخدم في طهارة المحل، والثاني: لأنه عند الجمهور من النجاسة، إذاً لابد من الطهارة لحديث النبي ﷺ: (إنها رجس).\rوقولنا: (غير محترم) يحترز به من المحترم، فالمحترم لا يجوز أن يستخدمه الإنسان، والمحترم: كأن يأتي بخرقة مكتوب فيها باللغة العربية، أو يكون مكتوباً فيها حديث أو آية.\rفلا يصح له أن يأخذ منديلاً مكتوب فيه باللغة العربية؛ لأن اللغة العربية محترمة، والعلماء في المذهب فسروا تفسيرات وتفريعات، منها: أنهم قالوا: إن كان كتب في الورقة فلسفة فليفعل ما شاء فليس فيها شيء؛ لأن الفلسفة غير محترمة، وقالوا: حتى إن كانت فلسفة أو منطقاً أو شيئاً من هذه الأمور فهذه غير محترمة فلا تدخل معه.\rوبحثوا بحثاً في مسألة التوراة والإنجيل وليس لنا أن ندخل في هذا الباب، والصحيح أن نقول: إنها غير محترمة حتى لو كتب فيها باللغة العربية، بشرط: ألا يكون اسم الله فيها ولا اسم الرسول ﷺ ولا آية من الآيات فيمكن أن تستخدم هذه المناديل وإن كتب فيها؛ لأنها غير محترمة وليست هذه من اللغة العربية.\rالخامس: أن يكون غير مطعوم يعني: غير مأكول، وإذا قلنا غير مطعوم فلا يجوز له أن يستخدم أي طعام خبزاً أو غير خبز أعوذ بالله من ذلك، فمن فعل ذلك فقد أهان نعمة الله جل في علاه، ولهذا أدلة كثيرة ومنها: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠].\rوأيضاً ورد في السنن عن ابن مسعود أن النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: لأنه طعام إخوانكم من الجن فمن باب أولى إن كان طعام المكلف فلا يستخدم مثل هذا.\rالشرط السادس: أن يكون غير متصل بحيوان، فمثلاً رجل قضى حاجته وأراد أن يستنجي فأخذ بذيل الحمار فاستنجى، بأن كان في محل فيه حمير أو بعير فأراد أن يستنجي فاستنجى بذيل الحمار نقول: قد أثمت بذلك ولا يصح لك؛ لأن الحجارة منفصلة، وعليه فلو توضأ فوضوءه باطل.\rفإن قال قائل: كيف يشترط الانفصال ويد الإنسان لازمة غير منفصلة عنه؟ قلنا له: أما بالنسبة لليد فلنا قاعدتان تقرر لنا استخدام اليد؛ لأنه لابد لنا من ذلك وما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، وأيضاً مباشرة اليد للنجاسات ليست مخصوصة بذاتها بل هي تابعة والتابع تابع، أو قل: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.\rوخلاصة القول أنه لا يقوم مقام الحجارة إلا من اتصف بهذه المواصفات: أن يكون جامداً، خالعاً، مزيلاً للنجاسة، طاهراً غير نجس، ولا يكون مائعاً وأن يكون الطاهر غير مطعوم وغير عظم وغير متصل بحيوان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876232,"book_id":7655,"shamela_page_id":181,"part":"16","page_num":8,"sequence_num":181,"body":"آداب قضاء الحاجة\rهناك آداب لا بد أن يتأدب بها الذي يقضي حاجته.\rأولاً: إذا أراد أن يقضي حاجته فإن كان في الكنف فله آداب وإن لم يكن في الكنف كأن يكون في الصحراء فلابد أن يبعد المنزل، وإبعاد المنزل هذا من السنن التي ماتت، فلا يأتِ أمام الناس.\rوهذا يحدث في كثير من العوام في الطرق والطرقات يفعلون هذا ولا يستحون من الله جل في علاه ولا من عباد الله، فأقول: قد جاء في سنن أبي داود وثبت في الصحيح (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد المنزل).\rوفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ وأرضاه قال: (بعد عني النبي ﷺ حتى توارى)، يعني: حتى توارى عن عيني ونظري فلم أر النبي ﷺ.\rوالحكمة من ذلك: حتى لا يسمع أحد صوتاً أو يشتم رائحة، فإن هذه تؤذي الإنسان وغير الإنسان.\rفأول الآداب: أن يبعد المنزل حتى لا يؤذي غيره وهو مأخوذ شرعاً.\rوإذا دخل الكنف، وهذا هو الكثير والمشهور عندنا الآن، فأول ما يدخل إن كان في يده خاتم مكتوب فيه اسم الله أو اسم الرسول ﷺ أو آية من القرآن وهذا كثير عند النساء فلابد من خلع هذه الأسورة أو هذا الحلق أو هذه الخواتم.\rوالدليل على ذلك قاله الشافعية في حديث عن النبي ﷺ عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء خلع الخاتم، وكان الخاتم قد نقش فيه محمد رسول الله، وهذا الحديث فيه ضعف، لكننا نستأنس به ونستدل بما يغنينا عن ذلك: وهو قول الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢] إلى آخر الآيات.\rوهذا دليل عام، أما الدليل الخاص فحديث النبي ﷺ: (أنه كان يبول فمر عليه رجل فقال: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليه النبي ﷺ فبعد أن قضى حاجته قال له النبي ﷺ: إن رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي فإن فعلت فلن أرد عليك).\rورد السلام واجب، فأسقط النبي ﷺ الواجب لمحل النجاسة وهذه دلالة واضحة جداً على أن ذكر الله لا يصح في هذا المحل، ومن باب أولى الدخول بأي شيء فيه ذكر الله.\rالثاني من الآداب: أن يدخل بشماله ويخرج بيمينه، أما الدخول بالشمال والخروج باليمين فأصله الأصيل بعد فعل النبي ﷺ: حديث عائشة ﵁ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في شأنه كله)، في التردد، وفي التنعم في الطعام، وفي الصلاة، وفي أي شيء (وكانت الأخرى لقلائل)، أو قالت: (كانت الأخرى لقضاء الحاجة).\rفإذاً إذا دخل إلى الخلاء دخل باليسار وقبل أن يدخل باليسار يسمي باسم الله، وهذا له أدلة كثيرة منها: حديث في السنن أن النبي ﷺ قال: (ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن تسمية الله)، أو قال: (باسم الله)، فإذا دخل سمى الله لعلتين: الأولى: أنه إذا دخل يفعل كما فعل النبي ﷺ إن صح الحديث.\rوالثاني: أن هذا هو ستر ما بين عورات ابن آدم وبين نظر الجن؛ ولذلك إذا أراد الرجل أن يجامع أهله فإنه يسمي الله، أو أراد أن يخلع ثيابه أن يسمي الله، أو أراد أن يرتدي ثيابه فليسم الله، حتى يستر ما بين عروته وبين أعين الجن.\rوهذا الحديث وإن كان السند فيه ضعف لكن بالشواهد يقوى الاحتجاج به، وفي حديث أنس قال: (إذا دخل الخلاء قال بسم الله)، ومعنى (إذا دخل): أي إذا أراد أن يدخل كقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل:٩٨] فليس المعنى: بعد أن تنتهي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذا خطأ وهذا هو الظاهر، والصحيح أن معناها: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.\rفإذاً: الأول: أن يسمي الله جل في علاه لستر عورات بني آدم من أعين الجن، والثاني: التأسي بالنبي ﷺ بعد أن يدخل بشماله، فإذا خرج قال: غفرانك، وفي رواية: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني).\rأما (غفرانك) فهي ثابتة وسنبين تأويله، وأما حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، فهذا الحديث ضعيف وإن كان المعنى صحيح؛ لأن الله جل وعلا أنعم على العبد ألا تحتبس هذه الفضلات في جسده فيموت وهذا من فضل الله علينا.\rلكن الحديث ضعيف والحديث الصحيح هو أن تقول: غفرانك، واحتار العلماء لم يقول: غفرانك، فقال: بعضهم يقول: غفرانك؛ لأنه لم يذكر الله في هذا المحل أو هذا المكان، وفيه إشارة أيضاً على عدم ذكر الله وأنت تقضي حاجتك.\rلكن يقال: هو سكت عن ذكر الله بأمر الله، فهو مطيع في هذا الوقت، فكيف يقول: غفرانك لمسألة هو لم يأثم فيها؟ والصحيح أن المعنى في ذلك: غفرانك أني مكثت مدة من الوقت لم يتلفظ لساني بذكرك، وإن كان القلب يذكر الله جل في علاه.\rولذلك بحث النووي بحثاً عظيماً جداً وهو: إذا كان المرء يقضي حاجته وأذن المؤذن فهل يردد أم لا يردد؟ فقال: يردد بقلبه بأن يمرره على قلبه، وإذا سمع رجلاً يقول: اللهم صل على محمد، فيقول: ﷺ بقلبه دون أن يتلفظ بلسانه.\rفإذا خرج قال: غفرانك.\rومن آداب قضاء الحاجة: ألا يستقبل القبلة بقضاء الحاجة ولا يستدبرها، وهذه فيها أدلة كثيرة جداً لحديث النبي ﷺ عن أبي أيوب الأنصاري في الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها)، وقال أبو أيوب: قدمنا الشام فوجدنا المراحيض تستقبل القبلة وتستدبر بيت المقدس فكنا نستدير ونستغفر الله جل في علاه.\rوفي الحديث الثاني أيضاً: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول ولا غائط)، وأيضاً في حديث سلمان: (أن النبي ﷺ نهى أن تستقبل القبلة ببول أو غائط).\rأما المذهب ففصلوا في هذه المسألة فقالوا: يحصل استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء والخلاء والفضاء، أما في الكنف فقالوا بالجواز ولم يقولوا بالكراهة بل قالوا: يجوز إن كان في الكنف مستقبلاً أو مستدبراً فلا شيء عليه.\rواستدلوا على ذلك بأدلة منها حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال: (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته يستقبل الشام ويستدبر القبلة).\rومن هنا قال الشافعية: يجوز الاستقبال والاستدبار والحديث لا يساعدهم، فإننا نقول: أنتم قلتم: بأنه يحرم استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة في الخلاء ولكم حق في هذا فحديث أبي أيوب وحديث سلمان وحديث أبي هريرة حجة لكم، فأنتم تستدلون به على ذلك ولكم الحق في هذا.\rوبعد ذلك قلتم: يباح في الكنف أن يستقبل أو يستدبر قالوا: والدليل حديث ابن عمر: (استقبل النبي ﷺ بيت المقدس واستدبر الكعبة)، قلنا: هذا الدليل فيه استدبار الكعبة لا استقبالها فمن أين أتيتم بأنه يجوز الاستقبال والاستدبار؟ قالوا: قسنا الاستقبال على الاستدبار، وإن كان الاستقبال أغلظ فقد ورد عن جابر الاستقبال، وهذا الاستقبال مؤول على أن هناك جداراً بين النبي ﷺ وبين الكعبة.\rوالذي يعضد ذلك فعل الصاحب، والراوي أعلم بما روى فإن ابن عمر كان في الصحراء فأناخ ناقته ثم استدبر الكعبة واستقبل بيت المقدس وقضى حاجته فقيل له: ألم تنته عن ذلك؟ فقال: إنما نهانا في الصحراء.\rإذاً: في المذهب يجوز الاستقبال والاستدبار دون كراهة إن كان في البنيان، أما إن كان في الصحراء فلا يجوز الاستقبال والاستدبار.\rومن الآداب: عدم تطويل الوقت في قضاء الحاجة، وهذا من ناحية الطب وليس عليه دليل، وقد ورد بأن لقمان كان ينصح ابنه بذلك؛ ولأن الكبد يمكن أن يتعرض للمرض لطول المقام في قضاء الحاجة، فنهاه عن ذلك.\rوأيضاً لها شيء من الأثر: وهو أنك مخلوق وتذكر الله جل في علاه، ولما جاء الرجل للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله! انصحني نصيحة أعمل بها ولا تكثر علي قال: (اجعل لسانك رطباً بذكر الله)، فالأوقات إذا ضاعت في قضاء الحاجة فقد أضعت على نفسك ذكر الله جل في علاه الذي به رفعة الدرجات.\rوكان العلماء أحرص ما يكونون في هذا الباب، ولذلك كان جد ابن تيمية إذا دخل الخلاء يقضي حاجته أتى بابنه وأعطاه الكتاب يقرأ عليه وهو يقضي حاجته، فهو وإن لم يستخدم اللسان فقد استخدم القلب والأذن ليسمع مسائل العلم وهو يقضي حاجته حتى لا يضيع وقته في ذلك.\rوهذه الآداب التي أشار إليها المصنف ﵀ بهذا الكلام العظيم في باب آداب التخلي.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876233,"book_id":7655,"shamela_page_id":182,"part":"17","page_num":1,"sequence_num":182,"body":"شرح متن أبي شجاع - فصل الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة [٢]\rعلم النبي ﷺ أمته كل شيء حتى إن علمهم آداب قضاء الحاجة، وقد فصل العلماء تلك الآداب وذكروا أدلتها وأحكامها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876234,"book_id":7655,"shamela_page_id":183,"part":"17","page_num":2,"sequence_num":183,"body":"المنهيات في قضاء الحاجة\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: إن هذا الدين الخاتم قد اصطفى الله له أقواماً يحملون رايته وينشرونه بين الناس، ومكن لهم ورفعهم على عباد الله أجمعين، حيث دخل ربعي بن عامر على رستم وهو يسأله: من أنتم؟ وماذا تريدون؟ فيرد عليه بكل يقين وإيمان: نحن عباد لله ابتعثنا الله؛ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.\rونشروا دين الله جل في علاه في مشارق الأرض ومغاربها، فيا له من دين لو أن له رجالاً! فرجل بأمة، ورجل بقبيلة، ورجل بقوم هو الذي يستطيع أن يحمل راية هذا الدين فينشرها بين الناس.\rولا أرى في هذه العصور أفضل من يحمل هذا الدين من أهل العلم وطلبة العلم، فهم أشرف الناس، وأخلق الناس، وأصدق الناس، وأعلم الناس بمراد الله ومراد رسول الله ﷺ.\rوقد قيل للشافعي: أيمكن المرء أم يبتلى؟ قال: لن يمكن حتى يبتلى، وإن المشقات تجلب بعد ذلك المسرات، وإن الأقوياء لا تظهر قوتهم إلا بعد الطحن في عظامهم.\rوقد قالوا قديماً: الضربات التي لا تقصم الظهر تقويه.\rانتهينا من آداب التخلي أو آداب قضاء الحاجة وهي التي تمثل الإيجابيات، ونأخذ السلبيات أو المنهيات التي نهى عنها النبي ﷺ.\rمن تلك المنهيات: أنه لا ينبغي للمرء أن يستنجي بيمينه، بل لا يصح له أن يفعل ذلك، ويكره أن يستنجي بيمينه، والدلالة على ذلك: ما صح عن نبينا ﷺ من فعله وقوله، كما قالت عائشة ﵂ وأرضاها: (وكان النبي ﷺ يجعل شماله لقضاء الحاجة)، أو قالت: (للقلائل)، أو كما قالت ﵂ وأرضاها.\rوفي حديث سلمان ﵁ قال: (ونهانا رسول الله أن نستنجي باليمين)، وفي حديث أبي هريرة أيضاً: (أن النبي ﷺ نهى المرء أن يستنجي بيمينه)، أو قال: (نهى أن يمس ذكره بيمينه).\rوحمل الجماهير وعلماء المذهب هذا النهي على الكراهة وليس على التحريم، فمن استنجى بيمينه صح استنجاؤه وقد وقع في الكراهة، والذي جعل النهي -الذي الأصل فيه التحريم- للتنزيه والكراهة هو أن هذا من باب الأدب، وأن هذا ليس فيه تكليف، فليس فيه افعل أو لا تفعل.\rفالقاعدة عندهم أن الآداب تصرف الأوامر من الوجوب إلى الاستحباب، وتصرف النواهي من التحريم إلى الكراهة، والصحيح الراجح أن هذه المسألة على ظاهرها -وإن كان ما قاله الجمهور له اعتبار قوي جداً، لكن ندور مع الشرع حيث دار، فالنهي يقتضي التحريم ما لم يرد الفعل أو القول أو الإشارة من النبي ﷺ على الكراهة.\rولذلك نهى النبي ﷺ أن يقرن المرء تمرتين، وصرح الشافعي في الرسالة: أنه يحرم أن يقرن بين التمرتين، وهذا التفصيل يدل على أن الغرض في النهي التحريم سواء كان في الآداب أو في غير الآداب؛ لأن هذه الآداب آداب طعام.\rوعند ابن حزم: لا يصح وضوء من فعل هذا؛ لأنه على التحريم.\rومن الآداب: أن يبعد عن المنزل، ويستتر عن الناس، ويحفظ عورته، كما قال النبي ﷺ: (احفظ عورتك إلا من أهلك)، وورد في الآثار الصحيحة والأحاديث عن النبي ﷺ: في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد المنزل، وهذا من حديث المغيرة حيث قال: (فتوارى عني)، أي: أبعد المنزل، وكذلك الحديث الصريح جداً في الصحيحين وهو: (أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير -بل يعذبان في كبير- قال: وأما أحدهما فكان لا يستتر من بوله)، والرواية الثانية في السنن قال: (لا يستنزه من بوله)، ففيها دلالة: على أنه كان يظهر عورته، والمفروض أن يحفظ المرء عورته إلا من أهله.\rومن الآداب: ألا ينظر إلى عورته، وهذا حدث من فعل الصحابة الكرام أبي بكر وعثمان وعلي فما كان أحد ينظر إلى سوءته بحال من الأحوال، حتى أنه ورد أن أبا بكر كان إذا دخل الخلاء غطى رأسه حتى لا ينظر إلى عورته، فهذه من الآداب التي لابد للإنسان أن يستعملها.\rمن الآداب أيضاً: ألاّ يبول في المساجد، فالمساجد لم تبن للبول ولا للغائط، بل ولا لللغط من الكلام، وإنما بنيت لذكر الله، وإقامة الصلاة، وتعليم الناس، والحديث الصريح في ذلك كما في الصحيحين: (أنه قام أعرابي فبال في ناحية المسجد فقام الصحابة وهموا به ليقتلوه).\rففيه دلالة: على أنه فعل حراماً، فلما هموا به قال لهم النبي ﷺ بشفقته ورحمته على أمته: (لا تزرموه أو لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بذنوب من ماء يراق على هذا البول)، ثم علمه بلطف وبرفق فقال: (إن هذه المساجد لم تبن لذلك، وإنما بنيت لذكر الله ولتعليم الناس).\rفبين له أن هذه المساجد ليست خاصة لهذا الأمر، ويتفرع على ذلك قول العلماء: إذا اعتكف المرء وأراد أن يبول وليس هناك حمامات في المسجد، كما كانت المساجد في الرعيل الأول، فقال بعضهم: إنه يجوز للمعتكف في المسجد أن يتخذ إناءً يبول فيه، وهذه المسألة فيها تفصيل، فالنبي ﷺ كان له قدح من عيدان يبول فيه، وكان هذا القدح تحت سريره، فكان يبول فيه إذا قام من الليل، فله أن يتخذ إناءً يبول فيه، وبعد ذلك يصرفه حيثما شاء.\rلكن العلماء دققوا النظر وقالوا: إن قلنا بجواز البول في الإناء فلابد أن تشترط شروطاً وقيوداً، فالقيد الأول: أن يتوارى عن الناس، بأن يكون في مكان ينأى بنفسه عن أعين الناس؛ حتى لا تظهر عورته، وقلنا: ستر العورة من الوجوب بمكان.\rوالقيد الثاني: ألا يصيب الرذاذ أو الرشاش الصادر من البول المسجد فيلوثه، فإن لم يأمن أو لم يتوفر هذين الشرطين فلا يجوز له أن يفعل ذلك.\rلكن انظروا إلى حرص أهل العلم: فقد كان بعضهم إذا جاء وقت مجلس التحديث لـ أبي نعيم أو لـ وكيع أو لغيرهما من المحدثين، يحرص على أن يكون هو في مقدمة الصف حتى يسمع الحديث ويضبطه ولا يهم في كتابته الحديث، فكان أحدهم يجعل له إناء يخصصه للبول فيه لكي لا يتحرك من مكانه؛ لأنه يخشى أن يأتي أحد فيأخذ مكانه وهو حريص على مسألة الطلب والتحديث؛ ولذلك رفعهم الله جل في علاه وانتقل الدين على أكتافهم رطباً طرياً ليناً؛ لأنهم حرصوا كل الحرص على ألا يضيعوا حرفاً واحداً من أحاديث النبي ﷺ.\rومن المنهيات: ألا يبول في مستحمه، وفيه حديث ضعيف: (أن النبي ﷺ: نهى أن يبول المرء في مستحمه).\rفالأولى للمرء ألا يتوضأ في المكان الذي يقضي حاجته فيه؛ لأنه إذا توضأ في نفس المكان فلعل الرذاذ أو الرشاش يرجع على ثوبه فيتنجس، والاستقذار تعافه النفس فلا يفعل ذلك.\rومن المنهيات أيضاً: ألا يبول في الماء الراكد، والفرق بين الماء الراكد والماء الجاري من حيث التعريف: أن الماء الراكد: هو الذي لا يجري، والماء الجاري: هو الذي يجري.\rوالدليل: قول النبي ﷺ: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم -ثم فسره بقوله- الذي لا يجري)، أما الفرق بينهما من حيث الحكم، فقالوا: إن الماء الراكد الذي حدثت فيه النجاسة ولم يتغير يصبح نجساً إذا كان قليلاً، وأما إن كان كثيراً فإنه ينجس إذا تغير.\rأما الماء الجاري فالجرية التي فيها نجاسة -حتى لو كانت أقل من قلتين- ولحقت بها الجرية الثانية فبلغ الماء قلتين فإنه يدفع عنه الخبث.\rففي السنن (نهى النبي ﷺ عن أن يبول المرء في الماء الراكد)؛ لأمرين اثنين: إن كان قليلاً فإنه سيفسده على الناس ولا يصلح لأحد أن يستعمله، وإن كان كثيراً وإن لم يتغير وبقي على أصل طهارته فإنه يستقذر ولا يستعمل، فإنه إذا علم الناس أن أحداً بال في هذا الماء فلا يمكن أن يستخدمه أحد، فيفسد على الناس هذا الماء فيقع في مسألة الإضرار، والتأصيل العام الكلي: أنه لا ضرر ولا ضرار، وهذا إضرار بالآخرين.\rومن المنهيات أيضاً: عدم البول والتبرز في الموارد، والظل، والجحر، فقد نهى النبي ﷺ عن أن يبول المرء في الجحور، وفسرها أبو قتادة بأنها مساكن الجن، وهناك رواية ضعيفة: أن سعد بن عبادة فعل ذلك فخرج الجن فقتلوه وأنشدوا الأبيات المشهورة، لكنها ضعيفة وليست بصحيحة، والمقصود: أنه لا ينبغي للإنسان أن يبول في الجحور؛ لأنها مساكن الهوام، فإن لم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876235,"book_id":7655,"shamela_page_id":184,"part":"18","page_num":1,"sequence_num":184,"body":"شرح متن أبي شجاع- نواقض الوضوء\rبين الفقهاء النواقض التي تنقض الوضوء، والتي استقوها من كتاب الله وسنة نبينا محمد ﷺ، وهذه الأمور من العلم الذي لابد لكل مسلم أن يعلمه؛ لأنه يمس أعظم العبادات وأشرفها وهي الصلاة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876236,"book_id":7655,"shamela_page_id":185,"part":"18","page_num":2,"sequence_num":185,"body":"نواقض الوضوء\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في نواقض الوضوء].\rنواقض الوضوء هي: الأحداث التي تنقض الوضوء، والمعنى: أن المرء إذا توضأ استباح الصلاة وصحت صلاته بهذا الوضوء، إلا إذا انتقض وضوءه.\rوكأن المصنف قال: انتبه فقد بينت لك آداب قضاء الحاجة بعد الوضوء إشارة إلى أنها ليست بشرط في صحة الوضوء، وأقول لك بعد ذلك: إن صح وضوءك فتجنب الأحداث التي ينتقض بها وضوءك، وعليك أن تحافظ على وضوئك كما يقول النبي ﷺ: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، والحفاظ على الوضوء لا يكون إلا بتجنب الأحداث التي ينتقض بها الوضوء، وفي المذهب خمس نواقص: الأول: كل خارج من السبيلين.\rالثاني: زوال العقل.\rالثالث: النوم.\rالرابع: لمس المرأة الأجنبية وهذا قليل.\rالخامس: مس الفرج.\rويقصد بالفرج: القبل والدبر كما سنبين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876237,"book_id":7655,"shamela_page_id":186,"part":"18","page_num":3,"sequence_num":186,"body":"الناقض الأول: الخارج من السبيلين\rوهو كل ما خرج من القبل والدبر، وإذا قلنا السبيلين فهو على الغالب؛ لأن المرأة لها ثلاث مخارج، والرجل له مخرجان القبل والدبر، والمرأة في القبل لها مخرجان ومخرج الدبر، وفي هذا دلالة على التغليظ.\rوالذي يخرج من السبيلين على قسمين: القسم الأول: غالب.\rوالقسم الثاني: نادر.\rمع أن النادر لا حكم له، لكن سنبين ونفصل في هذا، أما الذي يكون غالباً فهو: البول والغائط والودي والمذي والريح والمني والحيض.\rأما النادر: فكالحصى، والدود، والدماء التي ليست دماء الحيض، والتأصيل في المذهب: أنهم ينظرون في الغالب للمخرج لا للخارج، أما الحنابلة فينتقض عندهم الوضوء بالخارج لا بالمخرج، يعني: أي شيء نص الشرع على أنه ينقض حتى لو خرج من الأذن فإنه ينتقض به الوضوء، ولو خرج من الاحتجام بالحجامة فإنه ينتقض به الوضوء.\rوقد بينا أكثر من مرة: أن أحمد يرى أن الرعاف ينقض الوضوء، فإن الدم إذا خرج من الأنف أو الفم انتقض به الوضوء، والتأصيل الصحيح في المذهب هو: النظر إلى المخرج لا للخارج.\rفالذي جعل الشافعية يقرروا بأن المخرج هو المتحكم أو هو الفصل المؤثر هو حديث: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، قالوا: والحدث فسره أبو هريرة بأنه: الريح أو قال: فساء أو ضراط، والريح طاهر، وذلك لأن النبي ﷺ قال: (حتى يتوضأ) ولم يقل: حتى يستنجي ثم يتوضأ، ولما احتاج النبي ﷺ أن يأمر في مسألة المذي بالاستنجاء قال: (اغسل ذكرك وتوضأ)، فأمره بالاستنجاء، فلو كان الريح كالمذي لقال: اغسل، أو قال: استنج ثم توضأ، وهذه فيه دلالة واضحة على التفريق بين الريح وبين غيره، فالريح طاهر وليس بنجس، والمحل هو الذي جعله ناقضاً مما يدل على أن النظر للمخرج لا إلى الخارج، ولذلك إذا خرج الريح من السبيلين انتقض الوضوء به، وإذا خرج من غير السبيلين كالتجشؤ مثلاً فإنه لا ينتقض به الوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876238,"book_id":7655,"shamela_page_id":187,"part":"18","page_num":4,"sequence_num":187,"body":"البول والغائط\rوالذي يخرج من السبيلين: بول وغائط، فيكون البول والغائط من نواقض الوضوء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة:٦]، وهذا دليل على أن الغائط من نواقض الوضوء، والحديث الصحيح في السنن عن صفوان ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ أرسله فقال: (أمرنا ﷺ ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، فقد عدد قائلاً: لكن من بول أو غائط أو نوم، يعني: أمرنا أن نتوضأ من ذلك، فالدلالة هنا دلالة الاقتران.\rأيضاً: حديث المغيرة أن النبي ﷺ عندما ذهب يقضي حاجته توارى عنه ثم قضى حاجته، فأتاه بالماء فتوضأ النبي ﷺ وهي قصة مشهورة جداً في مسح الخفين ثم قال: (أهويت لأنزع الخفين فقال النبي ﷺ: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)، فتوضأ النبي ﷺ بعدما بال.\rوحديث أنس ﵁ وأرضاه كان النبي ﷺ يقضي حاجته فأخرج أنا وغلام معي العنزة، والعنزة: إما أن يركزها النبي ﷺ ليستتر بها أو ليجعلها سترة بعد ذلك في الصلاة، قال: ومعي إداوة من ماء فيتوضأ النبي ﷺ.\rفهذه أدلة تثبت لنا أن البول والغائط من النواقض، فمن انتقض وضوءه فعليه أن يتوضأ إن كان من بول أو من غائط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876239,"book_id":7655,"shamela_page_id":188,"part":"18","page_num":5,"sequence_num":188,"body":"الريح\rالثاني: الريح، وهذا مما يخرج من السبيلين، فالريح ينتقض الوضوء به، وهذا له أدلة كثيرة من القول والفعل.\rأما من القول: فهي أحاديث نبوية كقول النبي ﷺ: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهذا أصح الأدلة على أن الحدث هو: الريح، كما فسره أبو هريرة، وهو يستلزم الوضوء.\rوأيضاً: حديث عن أبي هريرة: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ عندما سئل إذا أشكلت ببطن الإنسان أشياء أخرج منه الريح أم لا؟ فقال النبي ﷺ: (لا ينفتل عن صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، ووجه الدلالة: أن الإنسان يحرم عليه أن يخرج من الصلاة، فلما أمر النبي من سمع صوتاً أو شم ريحاً أن يخرج دل ذلك على أنه قد اختل شرط من هذه الشروط، وجاءت الأحاديث الأخرى التي بينت لنا أن اختلال شرط من شروط الوضوء هو انتقاض للوضوء.\rأما بالفعل: فإن عمر بن الخطاب خطب بالناس ثم قال: أيها الناس! إن الله لا يستحي من الحق، إني قد فسوت، ثم نزل من على المنبر فذهب وتوضأ ثم رجع فأكمل خطبته للناس.\rوهذه فيها دلالة: أن الصحابة استقر في نفوسهم أن الريح ينقض الوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876240,"book_id":7655,"shamela_page_id":189,"part":"18","page_num":6,"sequence_num":189,"body":"خروج المذي والودي والمني\rومن الخارج من السبيلين أيضاً: المذي والمني، وهو: سائل أبيض ليس برقيق، ولا يتدفق، وهذا هو الفرق بينه وبين المني، فهو لا يتدفق لكن تلزمه الشهوة يعني: يخرج مع الشهوة، إما بالتفكير في الجماع، أو الملاطفة والمداعبة.\rولنا في المذي أمران: الأمر الأول: غسل المحل، بل وغسل الثوب الذي يصيبه المذي؛ لأن المذي نجس، والدلالة على نجاسته أن النبي ﷺ أمر بالاستنجاء منه، بل أمر بغسله وغسل الموضع الذي يصيبه المذي.\rوالأمر الثاني: أنه يستلزم الوضوء؛ لأنه ناقض للوضوء، قال علي بن أبي طالب كما في الصحيح: (كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ، فأمرت المقداد فجاء إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: أعد الوضوء)، وفي رواية قال: (اغسل ذكرك وتوضأ).\rفي الرواية الثالثة: (اغسل ذكرك ومذاكيرك وتوضأ)، وفي رواية رابعة قال: (انضح فرجك)، أما النضح فلابد جمعاً بين الأدلة: أن يحمل على الغسل، أو الغسل بشدة في المياه؛ لأن هذه نجاسة لا تزول إلا بالمياه.\rوقول النبي ﷺ: (اغسل ذكرك ومذاكيرك)، حمله الحنابلة على وجوب غسل الخصيتين، والصحيح الراجح أنه لا يغسل إلا الموضع الذي أصابه المذي، كما في الصحيح قال النبي ﷺ: (اغسل ذكرك وتوضأ)، وقال ابن مسعود: (يغسل ذكره ويتوضأ).\rومما يخرج من السبيلين وهو ناقض أيضاً: الودي، والودي: سائل لا يخرج بشهوة لكنه يخرج عقب البول، وهو نجس أيضاً ومنه الوضوء، والدلالة على ذلك ما رواه البيهقي في السنن عن ابن مسعود وابن عباس ﵄: (سئل عن الودي فقال: منه الوضوء).\rووجه الدلالة من هذا الأثر على وجوب الوضوء من خروج الودي: أنه قول لصحابيين ولم نجد لهما مخالفاً، فلذلك نقول: هذه الحجة، بل يمكن أن نرتقي ونقول: هذا يعتبر من الإجماع، فالسكوت من الإجماع.\rوأيضاً من النظر في المذهب: أن هذا قد خرج من السبيلين، وكل خارج من السبيلين فمنه الوضوء، وهذا على الغالب، وليس على النادر مثل الحصى، أو البول، ومثلوا له مثلاً إذا أدخل شيئاً في الإحليل أو أدخل في دبره شيئاً وأخرجه فهذا يعتبر ناقضاً للوضوء.\rفكل ما دخل وخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء كان نادراً أم كان غالباً، ومن ذلك: الدم، فإنه إذا خرج من الدبر فهو ناقض للوضوء وإذا خرج من غير الدبر فلا ينقض الوضوء، ومثلوا لذلك بالفرق بين الناسور والباسور: على أن الناسور يكون من داخل الدبر، فالدماء التي تخرج من السبيل هي التي تنقض الوضوء، وأما الباسور فهو من خارج الدبر فإذا خرج الدم منه فلا ينقض الوضوء؛ لأنه لم يخرج من السبيل.\rوالدم كما قلت: إذا خرج من الأنف أو الفم أو اللثة أو الشفة أو الأذن فلا ينقض الوضوء، وأما عند الحنابلة فإنه ينقض الوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876241,"book_id":7655,"shamela_page_id":190,"part":"18","page_num":7,"sequence_num":190,"body":"حكم من انسد عليه أحد السبيلين\rوهنا مسألة مهمة وهي: إذا انسدَّ المخرج وخرج البول أو الغائط من غير المخرج بسبب مرض أو غيره فهل ينتقض الوضوء أم لا؟ فنقول: إذا انسد المخرج فله حالتان: أن يفتح له مخرج آخر، وهذا المخرج إما أن يكون فوق المعدة، وإما أن يكون تحت المعدة، فإذا كان فوق المعدة وخرج منه قيح أو صديد أو أي شيء، فإنه لا ينقض الوضوء على الراجح؛ لأنه لم يتحلل إلى فضلات، وإن كان المخرج تحت المعدة، -فهو معروف في المستشفيات عند أصحاب غسل الكلى- إن كان تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء على الراجح في المذهب؛ لأن الخارج من تحت المعدة قد تحول وحدث له التحلل.\rأما الدماء والقيح والصديد فقد فصلنا فيها القول، وقلنا: إذا خرجت من غير السبيلين فهي ليست بناقضة للوضوء، لكن أشكل علينا بعض العلماء الذين استدلوا بقول عائشة ﵂ وأرضاها: (من أصابه رعاف أو قلس فليتوضأ)، فهذا الحديث ضعيف، ومن أشكل علينا بحديث النبي ﷺ: (قاء فتوضأ)، فهذا الحديث مجرد فعل، ومجرد الفعل بحديث لا يستلزم الوجوب بل يستحب أن يتوضأ المرء منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876242,"book_id":7655,"shamela_page_id":191,"part":"18","page_num":8,"sequence_num":191,"body":"الناقض الثاني: النوم\rالصحيح الراجح والدليل على ذلك أن النبي ﷺ كان ينام ولا يتوضأ، ولو كان حدثاً لقام وتوضأ النبي ﷺ.\rوالحديث الصحيح عن ابن عباس (أن النبي ﷺ كان إذا نام نفخ وقام فصلى ولم يتوضأ)، وفي هذا دلالة واضحة على أن النوم أصالة ليس بحدث، لكنه مظنة الحدث، والقاعدة عند علمائنا تقول: إن لم يستطع المرء أن يصل إلى اليقين فعليه أن ينزل غلبة الظن منزلة اليقين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876243,"book_id":7655,"shamela_page_id":192,"part":"18","page_num":9,"sequence_num":192,"body":"الشروط التي تجعل النوم ناقضاً\rوحتى نقول بأن النوم ناقض للوضوء فلابد أن نشترط شرطين: الشرط الأول: وصف النوم بأن يكون مستغرقاً، فالإخفاق والإغفاء لا ينقض الوضوء، والدلالة على ذلك ما جاء في الأثر: كان الصحابة يجلسون تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون.\rكذلك الحديث الصحيح في السنن عن ابن عباس لما صلى خلف النبي ﷺ قال: (كانت تصيبه الإغفاءة)، أي: من طول القراءة، قال: (فكان النبي ﷺ يأخذ بشحمة أذني فأنتبه).\rففيه دلالة: على أن الإغفاءة أو الإخفاقة البسيطة لا تؤثر؛ لأن النوم نفسه ليس بناقض للوضوء، ويؤخذ من ذلك: لو أن رجلاً اضطجع وأغمض عينيه، ثم جلس يسرح فيما يتمناه، لكنه يسمع كلام الناس من حوله، ويسمع صوت الأقدام تسير من حوله، لكن الانتباه ليس كاملاً وتأخذه السنة وهو مضطجع، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ إذ لابد من الاستغراق.\rوالشرط الثاني: هيئة النوم، فإذا اضطجع انتقض الوضوء، وإذا كان راكعاً انتقض الوضوء، وإن كان ساجداً انتقض الوضوء، وهيئة واحدة لا ينتقض معها الوضوء وهو أن يجلس ممكن المقعدة.\rوالدليل على ذلك ظاهر من حديث أنس ﵁ وأرضاه أنه قال: (كان الصحابة يجلسون ينتظرون العشاء مع النبي ﷺ ينامون تخفق رؤوسهم)، وهذا الوصف لا يكون إلا بالجلوس الممكن للمقعدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876244,"book_id":7655,"shamela_page_id":193,"part":"18","page_num":10,"sequence_num":193,"body":"الأدلة على نقض الوضوء بالنوم\rأما من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] والآية مطلقة، فالمقصود إذا قمتم من النوم أو من الجلوس أو من الأعمال وقد ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت عندما تأخرت عائشة في البحث عن العقد، وكانوا في سفر وما كان معهم ماء، عندما ناموا واستيقظوا الفجر وليس معهم ماء واحتاروا ماذا يفعلون، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية الكريمة إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦].\rفيكون التقدير: إذا قمتم من النوم فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، فهذا يدل على أن النوم ناقض للوضوء من الكتاب إشارة، أما تصريحاً فقد جاء الحديث عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أنه قال: (العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ).\rويعني بالسه: الدبر، فكأن العين هي الحافظة للدبر، وأيضاً حديث صفوان بن عباس ﵁ وأرضاه: (أمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن -يعني في السفر- إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، ووجه الدلالة من هذا الحديث: هي دلالة الاقتران، فهم يستدلون بدلالة الاقتران وإن كانت هذه الاقترانة ضعيفة، لكن هناك أدلة أخرى قوت هذا الكلام، ومعنى الاقتران: أنه كما قرن النوم مع البول والبول ناقض دل على أن النوم ناقض أيضاً.\rفهذه هي دلالة الاقتران، ودلت عليها الأحاديث الأخرى، فهم يستدلون بذلك على أن النوم ناقض من نواقض الوضوء، وهذه أدلة عامة، أما الأدلة التي تقيد وتبين لنا الوصف الذي ذكرناه فهو حديث ابن عباس: (أنه كانت تأتيه الإغفاءة وهو يصلي خلف النبي ﷺ فيأخذ بشحمة أذنه فينتبه).\rوالثاني: حديث أنس ﵁ وأرضاه في الصحيحين: (أنهم كانوا ينتظرون النبي ﷺ للصلاة فينامون حتى تخفق رءوسهم)، وخفقان الرأس لا يكون إلا من الجلوس الممكن للمقعدة.\rوهذا هو التأصيل في المذهب، بل هذا الذي تشتمل عليه كل الأدلة، والأقوال في النوم بلغت تسعة أقوال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876245,"book_id":7655,"shamela_page_id":194,"part":"18","page_num":11,"sequence_num":194,"body":"الناقض الثالث: زوال العقل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876246,"book_id":7655,"shamela_page_id":195,"part":"18","page_num":12,"sequence_num":195,"body":"حالات زوال العقل\rوزوال العقل له أحوال: فزوال العقل بالنوم يبطل الوضوء، كما قال الغزالي: النوم يبطل العقل، وزوال العقل بالجنون كذلك يبطل الوضوء، وزوال عقل بسكر وهذا يخفيه، والفرق بين زوال العقل بالنوم، وزوال العقل بالسكر هو أن النائم ينتبه إذا نبهته، وأما السكران إذا نبهته فلا ينتبه، وزوال العقل بالجنون ناقض من نواقض الوضوء بالإجماع، لكن الشافعي يوجب عليه الغسل أيضاً، فقد اختطب الإمام الشافعي وقال: قل من جن ولم يثبت، والنظر في ذلك إلى طبيب أو مختص أو إلى الغالب، فإن صح أن المجنون يخرج منه مني حكمنا عليه بوجوب الاغتسال بعد الإفاقة، وإن كان خلافه فليس عليه إلا الوضوء.\rالحالة الثانية: زوال العقل بالإغماء وهذا ناقض بالإجماع، كأن يغمى على رجل خمس دقائق أو ساعة أو ساعتين ثم يفيق، فنقول: انتقض وضوءك بهذا الإغماء.\rوالمستند في الإجماع هنا: أنَّ النبي ﷺ كان في مرض موته -بأبي هو وأمي- تأخذه الإغماءة فإذا أفاق أمر بماء فتوضأ، أو قل: فاغتسل حتى يقوم فيصلي.\rالثالث: زوال العقل بالسكر له أحوال، الحالة الأولى: أن يكون عقله حاضراً في بداية السكر، أي: أنك إذا نبهته تنبه، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ لعدم وجود مظنة الحدث.\rأما من تعمق في السكر بحيث أنه لا ينتبه إذا نبه -وهذه حالة نهائية كما يقولون- فهذا ينتقض وضوءه بالسكر فعليه الوضوء.\rووجهة نظر الفقهاء في انتقاض الوضوء بالسكر هي: أن زوال العقل مظنة الحدث، فهو لا ينتبه إذا خرج منه ريح، ولذلك أنزلوا مظنة الحدث منزلة الحدث وقالوا: بأن زوال العقل ناقض من النواقض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876247,"book_id":7655,"shamela_page_id":196,"part":"18","page_num":13,"sequence_num":196,"body":"لمس المرأة من نواقض الوضوء\rولكي يكون ناقضاً للوضوء لابد من شرطين: الشرط الأول: أن تكون البشرة على البشرة، يعني: لو مس المرأة بحائل لا ينتقض الوضوء، فلو مس على الشال أو الغترة لم ينتقض الوضوء، ولو مست المرأة من الرجل الأظافر لم ينتقض الوضوء.\rالشرط الثاني: ألا يكون محرماً لها، يعني: أن مس المحارم لا ينقض الوضوء، ولا ينتقض إلا إذا مس بشرة المرأة الأجنبية، وضابط المرأة الأجنبية هي: التي يحل نكاحها، كابنة خالته، أو ابنة عمته وغيرهما.\rواستدل الشافعي على أن لمس النساء ينقض الوضوء بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦] إلى أن قال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة:٦]، والأصل في الملامسة: أن تباشر البشرة البشرة.\rأما تفسير حبر الأمة ابن عباس لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ﴾ [النساء:٤٣] بأن معناه: الجماع، فقد استدل الشافعي بذلك على ما دلت عليه اللغة.\rفقد نهى النبي ﷺ في البيوع عن الملامسة، والملامسة باتفاق أهل العلم معناها: لمس النوع أو لمس السلعة، ومما يزيد الأمر إيضاحاً وجود قراءة متواترة في: ((لامَسْتُمُ)) وهي: (أو لمستم النساء) وهذا أوضح ما يكون.\rوفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (واليد تزني وزناها اللمس)، فقوله: (أو لمستم)، (وزنا اليد اللمس)، دلالة على أن البشرة تمس البشرة فهذا ينتقض به الوضوء.\rوالحق أن هذه الأدلة من القوة بمكان، لولا أننا ندور مع الحديث حيث دار، والشافعي بعد أن قال هذا المذهب القوي علق القول على صحة حديث عروة وهو حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يقبل بعض نسائه ويذهب فيصلي ولا يتوضأ)، وهذه دلالة واضحة جداً على: أن اللمس حتى ولو بشهوة لا ينقض الوضوء؛ لأن القبلة مظنة الشهوة، فقال الشافعي: علماء الحديث لا يثبتون مثل هذا ولو ثبت لقلت به، فلي أن أزعم أن الشافعي يرى أن اللمس لا ينقض الوضوء؛ لأن الشافعي كما قال البيهقي: علق القول بأن اللمس لا ينقض الوضوء على صحة حديث عائشة ﵂ وأرضاها.\rوهذا الحديث فيه معترك سهل بين المحدثين في مسألة إعلان البخاري مسألة اللقاء والمعاصرة، لكن الصحيح أن نقول: الهيثمي والحافظ ابن حجر وقبله النووي وأيضاً كثير من المحدثين صححوا الحديث، وآخرهم مفخرة المصريين الشيخ أحمد شاكر فقد صحح هذا الحديث.\rوهو: (أن النبي ﷺ كان يقبل بعض نسائه ويخرج فيصلي ولا يتوضأ)، فهذا الحديث قاصم لظهر هذه الأدلة بأسرها، ويجعلنا نقول: إن اللمس لا ينقض الوضوء، وهو الراجح الصحيح، ومن قال: إن التقبيل بشهوة أو بغير شهوة ينقض فليس لهم ثمة دليل على ذلك.\rأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876248,"book_id":7655,"shamela_page_id":197,"part":"19","page_num":1,"sequence_num":197,"body":"شرح متن أبي شجاع - فصل موجب الغسل [١]\rللغسل موجبات ذكرتها الأحاديث النبوية، ووضحها العلماء والفقهاء، واتفقوا على بعضها واختلفوا في بعضها، ومرد اختلافهم هو اختلافهم في فهم النصوص الشرعية، فعلى المرء أن يتفقه في دينه حتى يعلم ما يجب عليه، وحتى يعلم ما تصح به العبادة وما لا تصح به، وحتى يعبد الله على بصيرة وعلى علم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876249,"book_id":7655,"shamela_page_id":198,"part":"19","page_num":2,"sequence_num":198,"body":"موجبات الغسل\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: فسنتكلم عن موجبات الغسل بعد أن انتهينا من الكلام على الوضوء, وفرائض الوضوء وسنن الوضوء.\rقال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في موجبات الغسل والذي يوجب الغسل ستة أشياء, ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء, وهي: التقاء الختانين, وإنزال المني, والموت.\rوثلاثة تختص بها النساء وهي: الحيض، والنفاس، والولادة].\rهذا فصل يفصل هذا الباب على الباب الذي سبق, وكأنه يقول في هذا الفصل: سأذكر لك جملاً متتابعة في الكلام على الطهارة الكبرى، بعد أن فصلت لكم الطهارة الصغرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876250,"book_id":7655,"shamela_page_id":199,"part":"19","page_num":3,"sequence_num":199,"body":"معنى الغسل وصفته المجزئة\rفالغَسل أو الغُسل, كما قال النووي: موجبات الغَسل أو الغُسل.\rفالغَسل بالفتح هو: تعميم الجسد بالماء, ولا يشترط في ذلك الدلك كما اشترط المالكية, أما الغُسل بالضم فهو: تعميم الجسد بالماء, فمثلاً: لو نزل رجل وسط البحر وعمم جسده بالماء بنية رفع الحدث فله أن يصلي؛ لأنه قد ارتفع عنه الحدث, سواء قدم الرجل أم قدم الرأس؛ لأننا قلنا: في غسل أعضاء الغسل أو أعضاء الغسل كلها كعضو واحد, والترتيب ساقط في مسألة الاغتسال.\rفإذاً: الغَسل أو الغُسل هو: تعميم الجسد بالماء ولا يشترط في ذلك الدلك، والدلالة على ذلك حديث النبي ﷺ (عندما رأى رجلاً يجلس في مؤخرة المسجد فقال النبي ﷺ: لم لم تصل؟ قال: يا رسول الله! أصبحت جنباً ولا ماء) فعلمه النبي ﷺ أن يتيمم, وأنه يكفيه عن الماء؛ لأن التيمم فرع عن أصل، (ثم أتي النبي ﷺ بذنوب أو بدلو من الماء فقال: قم فأفرغه على جسمك) ولم يشترط الدلك.\rوأيضاً لما سألته أم سلمة ﵂ عن اغتسال المرأة (أفتنقض ضفائرها؟ قال: لا, إنما يكفيك أن تحثي ثلاث حثيات على رأسك, ثم أفيضي الماء على جسدك، بذلك تكونين قد طهرت).\rوهذا القول من النبي ﷺ فيه دلالة واضحة جداً: أن الدلك غير واجب؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط على الرجل ولم يشترط على أم سلمة الدلك في الاغتسال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876251,"book_id":7655,"shamela_page_id":200,"part":"19","page_num":4,"sequence_num":200,"body":"بيان ما يشترك فيه الرجال والنساء من موجبات الغسل وما تختص النساء منها\rالذي يوجب الاغتسال لرفع الحدث الأكبر: ستة أشياء, ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء, وتختص النساء بثلاثة, وهذه المسألة, لابد أن نتكلم فيها بوضوح.\rنقول: هذه أحكام انفردت بها النساء عن الرجال، وقلنا: إن الأصل في الأحكام المساواة بين الرجل والمرأة, لكن لا مساواة بين الذكر والأنثى في الخلقة، وكذلك في بعض الأحكام قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] والدليل على اشتراك النساء مع الرجال في الأحكام, حديث أبي داود: (النساء شقائق الرجال).\rفإذاً: تشترك النساء مع الرجال في ثلاثة أحكام من موجبات الغسل: التقاء الختانين, وإنزال المني, والموت، وتختص النساء بثلاثة أحكام من موجبات الغسل، وهي: الحيض، والنفاس، والولادة, والولادة هنا هي التي لا يعقبها دم.\rفأقول: اتفق الأئمة الأربعة على أربعة أحكام من موجبات الغسل وهي: التقاء الختانين, وإنزال المني, والحيض، والنفاس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876252,"book_id":7655,"shamela_page_id":201,"part":"19","page_num":5,"sequence_num":201,"body":"التقاء الختانين من موجبات الغسل\rأول موجبات الغسل: التقاء الختانين, والمقصود به الجماع, والختان معروف بالنسبة للرجل ومعروف بالنسبة للمرأة, فالتقاء الختانين معناه: تغييب الحشفة في فرج المرأة, والتقاء الختانين يعني: المحاذاة, كما قال الشافعي في اللغة: التقى الفارسان يعني: تحاذيا, وهذا لا يكون إلا بدخول الحشفة في فرج المرأة, وهذا موجب من موجبات الغسل.\rأما إذا حدثت مباشرة ومناوشة بين الرجل والمرأة بالالتصاق دون ولوج, فكل ذلك ليس بموجب للاغتسال.\rوالدليل على أن التقاء الختانين يوجب الغسل: حديث صريح جداً عن عائشة ﵂ وأرضاها, قالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) ففيه مقدمة ونتيجة, فالمقدمة ((إذا التقى الختانان) والنتيجة: (وجب الغسل).\rوقالت عائشة بعد رواية هذا الحديث: (وكنت أفعله أنا ورسول الله ﷺ فاجتمع قول النبي ﷺ وفعله، وهذا أيضاً فيه دلالة على أنه سواءً أنزل أم لم ينزل؛ لأنه قال: (إذا التقى الختانان) سواء كان هناك إنزال أم لم يكن هناك إنزال, فإننا نقول بوجوب الغسل لعموم قول النبي ﷺ (إذا التقى الختانان وجب الغسل) وقالت عائشة ﵂: (كنت أفعله أنا ورسول الله ﷺ.\rوأيضاً يوجد حديث آخر وهو: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه في الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها -ولا يمكن أن يكون هذا الأمر ولا يتصور إلا بالإدخال- فقد وجب الغسل) وفي رواية أخرى قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع فألصق الختان بالختان) هذا تفسير لقوله: (ثم جهدها) وفي رواية: (فألزق الختان بالختا) وهذا لا يكون إلا بالمحاذاة ولا يكون إلا بإدخال الحشفة، (فقد وجب الغسل) هذا من الأثر.\rأما من اللغة: فقد قال الشافعي: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] قال: العرب يعرفون الجنابة بالجماع، قالوا: إذا أجنب أي: جامع, قالوا: هذه فيها أيضاً دلالة على أن من موجبات الغسل أن يجامع الرجل أهله, فهذه من الدلالة الأثرية, وأيضاً من النظر من حيث اللغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876253,"book_id":7655,"shamela_page_id":202,"part":"19","page_num":6,"sequence_num":202,"body":"حكم إتيان المرأة في دبرها\rإذا كان الإدخال أو الجماع موجباً للغسل, فلنا فيها مسائل: منها: إذا جامع الرجل امرأته في دبرها فعليه أمران: الأمر الأول: لابد أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً؛ لأنه أتى محرماً، وإن كانت الأحاديث التي وردت في تحريم إتيان المرأة في الدبر فيها ما فيها من الكلام عند المحدثين, لكن القياس قوله: إن الله جل في علاه حرم على الرجل أن يأتي المرأة حال حيضها؛ لقوله جل في علاه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فمنع أن يأتي الرجل امرأته وهي في حيضها للأذى، فإتيان المرأة في دبرها يحرم من باب أولى بجامع الأذى.\rفإذاً: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها وجب عليه التوبة أولاً, ثم بعد ذلك وجب عليه الاغتسال, وأنت حين تنظر إلى الفقهاء وهم يفرعون هذه الفروع على هذا التأصيل تعرف أن الفقهاء من أرحم الناس بالأمة, فعلماؤنا هم أرحم الناس بالناس.\rففي الحديث قال النبي ﷺ: (من أتى امرأته في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) فالعلماء يقولون: ليس بكافر كفراً أكبر, وهذه من رحمة الفقهاء بالأمة, بل يرون أن الذي يأتي الكبيرة لا نمنعه من العبادة, بل نقول له: ارجع وتب إلى ربك جل في علاه, فلابد أن تتوب وأن تئوب إلى ربك جل في علاه, وعليك أن تحافظ على عبادتك التي فرضها الله عليك, وسنيسر عليك الباب فنجعلك تعبد ربك وأنت عاصٍ؛ لأنك ما زلت على خط الإسلام, وما زلت عبداً لله جل في علاه, فعليك أن تغتسل لتصح صلاتك بعد ذلك, حتى ترجح كفة الحسنات على كفة السيئات, ومن تمام رحمة الله على الأمة أن نصب لها هؤلاء العلماء الذين ييسرون عليهم أمر العبادات التي يتقربون بها إلى الله جل في علاه.\rفالغرض المقصود: أنه لو أتى رجل امرأته في دبرها وجب عليه الغسل, ووجه النظر في ذلك: أن الدبر يسمى بمسمى القبل, فالدبر يطلق عليه الفرج, كما أن القبل يطلق عليه الفرج, وهذا مثلها.\rفإذاً: الصحيح الراجح في ذلك: أنه لو أولج في دبر امرأته فعليها الغسل وعليه الغسل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876254,"book_id":7655,"shamela_page_id":203,"part":"19","page_num":7,"sequence_num":203,"body":"حكم إتيان البهيمة\rمن الفروع أيضاً على هذه المسألة: إذا أدخل فرجه في دبر بهيمة, هناك قولان في المذهب: القول الأول: لا غسل عليه, لأنه ليس بفرج.\rالقول الثاني وهو الراجح الصحيح: أن عليه غسلاً بتغييب الحشفة في دبر البهيمة, وقد قال النبي ﷺ: (من أتى البهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) فجعل عليه الحد, فإذا كان عليه حد وجب عليه الغسل من باب أولى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876255,"book_id":7655,"shamela_page_id":204,"part":"19","page_num":8,"sequence_num":204,"body":"حكم من أولج ذكراً في ميت\rالفرع الثالث على ذلك: من أولج في ميت, فالنباش يمكن أن يفعل ذلك نعوذ بالله من الخذلان, فإذا كان المرء قد تعرى عن التقوى وعن الورع يتجرأ على حرمات الله جل في علاه، فقد يرى امرأة ميتة فيأتيها, فإذا أدخل فرجه في فرجها فهذا عليه الغسل.\rهذه المسألة فيها وجوه في المذهب: فمنهم من يرون أن الجماع لازمه التلذذ والإنزال أيضاً؛ لأنه في غالب الأحوال أنه ينزل, فهل إذا جامع ميتاً يحس بالتلذذ أم لا؟ فبعضهم قال: لا غسل عليه.\rوالصحيح الراجح في المذهب: أن عليه الغسل؛ لقول النبي ﷺ: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) وهذا على العموم, فإذا حاذى الختان الختان فقد وجب الغسل, فمن أولج في بهيمة عليه الغسل, ومن أولج في ميت أو في ميتة أيضاً عليه الغسل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876256,"book_id":7655,"shamela_page_id":205,"part":"19","page_num":9,"sequence_num":205,"body":"حكم الغسل على من جامع وعلى ذكره لفافة ولم ينزل\rأيضاً من الفروع التي فرعها العلماء على هذا الأمر: إذا لف ذكره بلفافة، إذا كانت المرأة لا تريد الولادة بأن نصحتها طبيبة مختصة ثقة, وقالت: الولادة مضرة بالأم, فهو إذا أراد العزل فلا يستطيع أن يعزل.\rوالعزل هو: الإنزال خارج الفرج، فقد لا يستطيع المرء إلى ذلك سبيلاً, فيتخذ هذا الواقي، فلو أدخل الفرج في الفرج وعليه واقٍ, فهل عليه الغسل أم لا؟ هذا فرع فرعه العلماء, وأيضاً فيه الوجوه في المذهب, فبعضهم قال: لا غسل عليه؛ لأنه لم يتلذذ, والوجه الثاني وهو الراجح الصحيح: أن عليه الغسل؛ لأن الختان حاذى الختان، وسواء تلذذ أم لم يتلذذ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876257,"book_id":7655,"shamela_page_id":206,"part":"19","page_num":10,"sequence_num":206,"body":"حكم إدخال الفرج في الفرج حال النوم أو النسيان\rمن الفروع أيضاً التي فرعوها: إذا جاءت المرأة إلى رجل نائم فاستدخلت فرجه في فرجها فهل عليه الغسل أم لا؟ نقول: وجب الغسل عليها بالاتفاق, أما هو فالراجح الصحيح أن عليه الغسل؛ لأن هذه المسألة يستوي فيها النسيان والسهو والعمد، فإذا التقى الختانان ناسياً أو عامداً أو خاطئاً فقد وجب الغسل.\rفهذه وجهة النظر عند العلماء، فقد سووا فيها بين السهو وبين العمد وبين النسيان في هذه المسألة.\rكذلك لو جاء رجل فرأى امرأته نائمة فجامعها, وهي لم تشعر بذلك حتى طلع الفجر, فقال لها: أنا قد جامعتك، فهل يجب عليها الغسل أم لا يجب عليها الغسل؟ فنقول: الصحيح الراجح: أنه يجب عليها الغسل؛ لأنه يستوي في ذلك الخطأ والعمد والنسيان, حتى لو اعترض معترض وقال: قد قال رسول الله ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فنقول: حتى ولو قلت بهذا الاعتراض, فنقول: وجوب الغسل في هذا يستوي فيه الخطأ والعمد والنسيان والنوم وكل ذلك, ووجهة النظر عند الفقهاء الذين لم يسمعوا بهذا الاعتراض وقالوا بوجوب الاغتسال, سواء كانت نائمة أو ناسية أو عامدة، أو مستكرهة: عموم حديث: (إذا التقى الختانان) فهذا العموم يستوي في ذلك من كان نائماً أو ناسياً أو خاطئاً أو عامداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876258,"book_id":7655,"shamela_page_id":207,"part":"20","page_num":1,"sequence_num":207,"body":"شرح متن أبي شجاع - فصل موجب الغسل [٢]\rموجبات الغسل تشترك بين الرجال والنساء في ثلاثة أمور: الموت ونزول المني والجماع، وتفترق المرأة عن الرجل في الحيض والنفاس والولادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876259,"book_id":7655,"shamela_page_id":208,"part":"20","page_num":2,"sequence_num":208,"body":"موجبات الغسل\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل موجب الغسل والذي يوجب الغسل ستة أشياء، ثلاثة تشترك فيها النساء والرجال وهي: التقاء الختانين، وإنزال المني، والموت، وثلاثة تختص بها النساء وهي: الحيض، والنفاس، والولادة].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876260,"book_id":7655,"shamela_page_id":209,"part":"20","page_num":3,"sequence_num":209,"body":"التقاء الختانين\rالتقاء الختانين، حتى وإن كان بدون إنزال مني فهو يوجب الغسل.\rوالدليل هو قول النبي ﷺ: (إذا التقى الختانان وجب الغسل).\rمقدمة ونتيجة، ووجه الدلالة: الوجود، أي: أن التقاء الختانين موجب من موجبات الاغتسال أو الغسل.\rوالدليل الثاني: حديث أبي هريرة (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)، وطبعاً لا يجهدها إلا عند محاذاة الختان، يعني: بالولوج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876261,"book_id":7655,"shamela_page_id":210,"part":"20","page_num":4,"sequence_num":210,"body":"إنزال المني\rالموجب الثاني: الإنزال سواءً حدث جماع أم لم يحدث الجماع، والدليل: حديث عثمان: (إنما الماء من الماء).\rمسألة: رجل قام من النوم فوجد بللاً فاحتار فيه هل هو مني أو ودي فهل يغتسل أم لا؟ الإجابة له حالتان: الحالة الأولى: إذا وجد بللاً ولم يتذكر احتلاماً، الحالة الثانية: وجد بللاً وتذكر احتلاماً، فعليه أن ينزل غلبة الظن منزلة اليقين، فإن عده منياً يغتسل، ويغسل الثوب، وإن عده مذياً فيغسل الثوب ويتوضأ.\rالصورة الثالثة: لم ير احتلاماً ووجد بللاً وما استطاع أن يفرق بين إذا كان منياً أو مذياً أو ودياً، فالأصل عدم الإنزال، فيكون هو على أصله، فيغسل الثوب على أنه مذي، وإن اغتسل احتياطاً فهذا هو الأفضل.\rمسألة: امرأة كانت حاملة في ستة أشهر، وفي السابع ولدت ولداً، لكن لم يعقب هذا الولد دم نفاس، فهل عليها اغتسال أم لا؟ في هذه المسألة وجهان في المذهب: الوجه الأول: عليها الاغتسال وإن لم يعقب الولد دم؛ قالوا: لأنه انعقد الولد من منيها ومني الرجل فكأنها أنزلت منياً، فوجب الغسل بهذا الإنجاب.\rالوجه الثاني: أن موجب الغسل هو نزول دم النفاس، فحيثما وجد دم النفاس وجب الاغتسال وإلا فلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876262,"book_id":7655,"shamela_page_id":211,"part":"20","page_num":5,"sequence_num":211,"body":"حكم اغتسال الكافر عند إسلامه\rالموجب الخامس: إسلام الكافر.\rفي المذهب قولان: القول الصحيح الراجح هو أنه لا اغتسال عليه، والدليل على ذلك: أن كثيراً من أهل الكفر دخلوا الإسلام ولم يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، فمثلاً: عمرو بن العاص -كما في الصحيح- جاء يبايع النبي ﷺ، ثم قبض يده، فقال له: علامَ يا عمرو؟! فقال له عمرو بن العاص: أشترط، قال: وما تشترط؟ قال: أشترط أن يغفر لي ما سبق، يعني: من الذنوب، فقال له النبي ﷺ: (أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله)، ولم يأمره بالاغتسال وقد دخل في الإسلام وبايع رسول الله ﷺ وجهاً لوجه وكذلك أبو قحافة؟ فـ أبو بكر أتى بأبيه إلى النبي ﷺ فأسلم على يد النبي ﷺ ولم يأمره بالاغتسال، فهذه أمثلة كثيرة تثبت لنا أن كثيراً من أهل الكفر دخلوا الإسلام ولم يؤمروا بالاغتسال، فالغسل بالنسبة لإسلام الكافر على الاستحباب وليس على الوجوب فلا يصح أن نقول: هو موجب للغسل، بل نقول: يستحب للكافر إذا أسلم أن يغتسل، وهذا الراجح الصحيح.\rوإذا أسلم الكافر وكان جنباً أي أنه جامع امرأته، أو كان نائماً فاحتلم، وفي الصباح أدخل الله الإسلام وحب الإسلام في قلبه، فدخل الإسلام وأراد أن يصلي الفجر فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون قد أسلم ولم يغتسل من الجنابة، فله وجهان في المذهب الشافعي! الوجه الأول قالوا: عليه الاغتسال، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦].\rوهو قد أسلم حال كونه جنباً، فينزل تحت الآية.\rالوجه الثاني: أنه لا اغتسال عليه، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ: (التوبة تجب ما قبلها)، و (الإسلام يجب ما قبله) والراجح في المذهب: هو الوجه الأول؛ لأنه قد أسلم حالة كونه جنباً فإذاً الآية تخاطبه.\rالحالة الثانية: أن يكون قد اغتسل ولكن ليس بنية إزالة الجنابة، وهذا أيضاً فيه وجهان: الوجه الأول: أن يعتد باغتساله، والصحيح الراجح: أنه لا يعتد بهذا الاغتسال؛ لأن الاغتسال له شروط وهي: النية فلابد من وجودها لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876263,"book_id":7655,"shamela_page_id":212,"part":"20","page_num":6,"sequence_num":212,"body":"تغسيل الميت\rالموجب السادس: تغسيل الميت، فإذا مات الميت أوجبنا عليه الاغتسال، وحكم تغسيل الميت على وجهين: الوجه الأول: أنه على سبيل الوجوب، واستدلوا على ذلك بأدلة فقالوا: قال النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته في الحج: (اغسلوه بماء وسدر ولا تحنطوه)، أو قال: (لا تخمروا رأسه)، وفي رواية شاذة، قالوا: (ولا تخمروا وجهه) فالشاهد قوله: (اغسلوه بماء وسدر).\rوهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب.\rإذاً: يجب تغسيل الميت، وتغسيل الميت فرض كفاية، فلو مات ميت وعنده ناس فلم يغسلوه فإنهم يأثمون جيمعاً، فإن غسله أحدهم سقط الإثم عن الجميع.\rأيضاً: استدلوا بحديث النبي ﷺ عندما ماتت ابنته فقال النبي ﷺ: (اغسلنها ثلاثاً).\rالوجه الثاني في المذهب: قالوا: يستحب تغسيل الميت ولا يجب؛ لأن تغسيل الميت على سبيل التنظيف، والتنظيف لا يجب، بل يكون للاستحباب.\rوالوجه الأول هو الراجح الصحيح، فتغسيل الميت بسبب علتين، الأولى: التعبد، والثانية: التنظيف، ولذلك نقول: الأصح أو الراجح في الميت الذي يموت في الصحراء ولم يجدوا ماءً ليغسلوه: أنه يجب عليهم أن ييمموه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876264,"book_id":7655,"shamela_page_id":213,"part":"20","page_num":7,"sequence_num":213,"body":"ما يحرم على الجنب\rأول الأمور التي يحرم على الجنب فعلها: الصلاة، فلا يجوز بحال من الأحوال للجنب أن يصلي أو يقف أمام ربه جل في علاه، والدلالة على ذلك الكتاب والسنة، والنظر، أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].\rثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] أي: فاطهروا أولاً، ثم قوموا إلى الصلاة.\rأيضاً: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣].\rفلا تقرب موضع الصلاة، فالصلاة من باب أولى فأنت ممنوع عنها.\rمن الأحاديث أيضاً والآثار والسنن الفعلية عن النبي ﷺ: ما جاء عن أبي هريرة كما في أبي داود بسند صحيح، أن النبي ﷺ قام يصلي فلما كبر تذكر أنه كان جنباً فقال لهم: مكانكم، ثم ذهب فاغتسل، قال أبو هريرة فجاء ورأسه يقطر ماءً ودخل الصلاة، وأكمل بهم الصلاة.\rالحديث الثاني: حديث عمر بن الخطاب أنه صلى بالناس وكان غير مبالٍ، وكان جنباً فتذكر بعد الصلاة أنه كان جنباً فاغتسل وأعاد الصلاة.\rأيضاً يحرم على الجنب أن يجلس في المسجد، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا﴾ [النساء:٤٣].\rوالسياق يفسر المراد، فالمراد مكان الصلاة، وموضع الصلاة، فلا تقربوا الصلاة أي: لا تقربوا المسجد.\rوقد ورد عن جابر بسند صحيح أنه قال: كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازاً.\rوهذه دلالة على أنهم أولوا الآية: أنه لا يجوز المكث في المسجد.\rويستدل من السنة بأحاديث ضعيفة منها: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه: (لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) وهذا الحديث ضعيف.\rومن الأدلة أيضاً على ذلك: القياس الجلي، فهم يرون أن النبي ﷺ منع الذي يأكل البصل من دخول المسجد فكيف بالذي تلبس بالجنابة أو بالحدث الأكبر؟ ويعضدون ذلك بالحديث المشهور: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة أو جنب) وزيادة الجنب زيادة ضعيفة.\rالثالث: يحرم عليه قراءة القرآن.\rومن ذلك: قول علي وهو حديث في السنن عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي ﷺ يقرأ القرآن في كل أحواله سوى الجنابة)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري مال إلى صحته.\rثم العلماء قد قعدوا لنا القاعدة: الراوي أعلم بما روى، فهو أعلم بمراد رسول الله ﷺ.\rوقد ورد أيضاً بسند صحيح عن عمر بن الخطاب أنه منع الجنب من القراءة.\rوعن عمر بسند صحيح كان يقول: إني لآكل وأنا جنب، وأشرب وأنا جنب، ولا أقرأ القرآن وأنا جنب.\rفـ عمر بن الخطاب يرى أن الجنابة تمنع من قراءة القرآن.\rالأمر الرابع مما يحرم على الجنب: مس المصحف، فإذا منع من قراءة القرآن لم يمنع من الذكر، ولا من الاستغفار ولا من الذكر الذي هو يتضمن آية.\rوالدلالة على ذلك واضحة جداً من قول الله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876265,"book_id":7655,"shamela_page_id":214,"part":"20","page_num":8,"sequence_num":214,"body":"ما يحرم على الحائض\rويحرم على الحائض ما يحرم على الجنب، فيحرم عليها الصلاة والصوم.\rقال النبي ﷺ: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل منكن) فلما سئل النبي ﷺ: ما نقصان العقل والدين عند المرأة؟ فقال: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم).\rوهذا تشريع يبين للأمة أنه قد أمرهم قبل ذلك أن المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم.\rأيضاً حديث فاطمة بنت حبيش ﵂ وأرضاها، قال: (فإذا جاءت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا ولت فاغسلي عنك الدم وصلي)، وفي الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة ﵂ لما سئلت عن قضاء الصلاة بعد الحيض بعد الطهور من الحيض فقالت: أحرورية أنت؟ فقالت: لا إنما أنا أتعلم، أو قالت: إنما أنا تائبة، فقالت: كنا نحيض على عصر رسول الله ﷺ فلا نصلي ولا نصوم، ونؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.\rأيضاً: يحرم على المرأة الحائض الطواف بالبيت، والدلالة على ذلك: في الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ دخل عليها وكانت تبكي وكانت قد أهلت بعمرة، فقال لها: (ما لك؟ أنفست؟ فقالت: نعم، فقال: هذا أمر قد قدر على بنات آدم، فاغتسلي وافعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت).\rأيضاً يحرم على الحائض: دخول المسجد، لحديث: (ألا تطوفي بالبيت).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876266,"book_id":7655,"shamela_page_id":215,"part":"21","page_num":1,"sequence_num":215,"body":"شرح متن أبي شجاع - فروض الغسل وسننه وفصل الأغسال المسنونة\rللغسل فروض لابد منها لصحته، وله سنن وآداب ينبغي مراعاتها ليحصل كمال الطهارة، والغسل يجب لأمور، ويستحب لأمور، وقد بين الفقهاء ذلك بالتفصيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876267,"book_id":7655,"shamela_page_id":216,"part":"21","page_num":2,"sequence_num":216,"body":"فرائض الغسل\rإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\r﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\rأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\rثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وفرائض الغسل ثلاثة أشياء: النية، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه، وإيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة.\rوسننه خمسة أشياء: التسمية، والوضوء قبله، وإمرار اليد على الجسد، والموالاة، وتقديم اليمنى على اليسرى].\rالركن الأول: النية شرط أو ركن على الخلاف المشهور الذي تقدم الكلام عليه.\rالركن الثاني: تعميم الجسد بالماء.\rالركن الثالث: إزالة النجاسة، وهذا ليس ركناً مستقلاً، بل هو ركن معلق بوجود النجاسة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876268,"book_id":7655,"shamela_page_id":217,"part":"21","page_num":3,"sequence_num":217,"body":"الغسل المجزئ وغسل الكمال\rتعميم الجسد بالماء، وهو إفاضة الماء على كل عضو وإرواء البشرة بالماء، فلو قام الرجل من نومه جنباً، فدخل البحر مثلاً ونوى رفع الحدث وعمم جسده بالماء وأروى بشرته بالماء، فله أن يخرج فيصلي، وقد رفع حدثه.\rوالأدلة على ذلك كثيرة، فمن السنة القولية أن الرسول ﷺ قال: (أما أنا فيكفيني أن أفيض الماء على رأسي ثلاثاً) وهذا فيه دلالة واضحة على أن إفاضة الماء دون الدلك تكفي، والدلك مستحب ولكنه لا يشترط.\rأيضاً النبي ﷺ (رأى رجلاً في المؤخرة فسأله: لم لم تصل معنا؟ ألست مسلماً؟! فقال: يا رسول الله! كنت على جنابة ولا ماء، فعلمه كيف يتيمم، ثم أتي بماء فقال له: أفرغ هذا على جسدك) فهذه دلالة واضحة جداً من الشرع على أن تعميم الجسد بالماء يكفي لرفع الحدث.\rوالاغتسال في اللغة: هو تعميم الجسد بالماء، وهذا الذي يجزئ، وأقل من ذلك لا يجزئ، ويستحب أن يسمي الله إذا توضأ، وإن لم يتوضأ فلا دليل على الاستحباب في الغسل، فالتسمية ثبتت في الوضوء لا في الغسل، ولا قياس في كل العبادات، وهذا فيه خلاف بين العلماء، وبعضهم يقيس النظير بالنظير في مسألة العبادات كالاغتسال والوضوء، ولذا نقول: له أن يسمي إذا عمم الجسد، والأحوط ألا يسمي إلا إذا توضأ؛ لأن التسمية جاءت في الوضوء فقط.\rوغسل الكمال لمن أراد أن يأتسي ويستن برسول الله ﷺ موجود في حديثين عن عائشة وميمونة، فيهما كيفية غسل النبي ﷺ، قالت عائشة وميمونة ﵄: (إن النبي ﷺ كان يغسل يديه ثم يغسل فرجه ثم يضرب بيده على الحائط) والضرب على الحائط هذا للتنظيف، فإن استطاع أن يستعمل الأشنان أو يستعمل الصابون كفاه، وإن أراد أن يأتسي ويضرب الحائط فله أن يضرب الحائط، ثم بعد ذلك يتوضأ وضوءه للصلاة وضوءاً كاملاً، وهذا هو الأكمل، أو وضوءاً كاملاً سوى الرجلين، ففي حديث ميمونة: (أنه ما غسل الرجلين إلا بعد الاغتسال).\rقالت عائشة: (ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثاً، ويدخل أصابعه في أصول الرأس حتى يرى أنه أروى بشرته، فيغسل الجانب الأيمن ثلاثاً، ثم يغسل الجانب الأيسر ثلاثاً، ثم يغسل سائر جسده)، وله أن يستخدم المنديل أو لا يستخدمه، وفي حديث ميمونة: (أن النبي ﷺ رد المنديل)، وفي أدلة أخرى استخدام المنديل، وفي غسل الكمال يسمي قبل أن يتوضأ، ويبدأ بالشق الأيمن قبل الأيسر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876269,"book_id":7655,"shamela_page_id":218,"part":"21","page_num":4,"sequence_num":218,"body":"آداب الاغتسال\rالآداب التي تتقدم بين يدي الاغتسال كثيرة منها: ألا يغتسل المرء عرياناً إذا كان في خلاء كحمام، أما بين الناس فيجب ستر العورة؛ لقول النبي ﷺ: (احفظ عورتك)، وقال النبي ﷺ قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) وفي رواية: (أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله)، وفي رواية أخرى: (لا يستتر من بوله) يعني: ما حفظ عورته عن الناس.\rفيجب حفظ العورة بين الناس، أما إن كان خالياً فيستحب أن يستتر بسراويل أو بإزار أو بملحفة، والدليل على ذلك حديث النبي ﷺ: (احفظ عورتك، قيل: إذا كان أحدنا خالياً؟ فقال الرسول ﷺ: إن الله أحق أن تستحي منه).\rأما دليل جواز أن الإنسان يغتسل عارياً دون أن يستتر الحديث الذي في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى عورة بعض، وكان موسى ﵇ لا يغتسل معهم حتى لا ترى عورته، فكان يغتسل وحده عرياناً، وأنه خلع ثوبه ووضعه على الحجر فاغتسل عرياناً) ثم ذكر: أن الحجر هرب بثوب موسى، وكان لله جل في علاه حكمة في ذلك؛ ليري بني إسرائيل براءة موسى ﵇ مما اتهموه به، فكان يقول: (ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظر إليه بنو إسرائيل)، فهم كانون يعيبون عليه أنه آدر، فلما نظروا إليه قالوا: والله ما به من عيب، فأراد الله أن يبين لهم أنه ليس فيه ثمة عيب.\rفهذا دليل يدل على الجواز، لكن الأولى والأكمل والأحسن أن يغتسل المرء وهو مستتر بثوبه، وهذا كان فعل كثير من صحابة رسول الله ﷺ.\rمن الأدب أيضاً: ألا يسرف بالماء فالإسراف مذموم في كل شيء قال الله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١].\rوهناك حديث ضعفه المحدثون ولكن صححه الشيخ الألباني: (لا تسرف ولو كنت على نهر جار)، وكان جابر ﵁ وأرضاه إذا سئل عن اغتسال النبي ﷺ قال: (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) والصاع أربعة أمداد، وهذا روته أيضاً عائشة ﵂ وأرضاها وأيضاً أنس بن مالك ﵁ وأرضاه.\rومن الآداب التي تكون بين يدي الاغتسال: أن يسمي الله عند الوضوء، وأن يقول في آخره دعاء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ لأنه قد توضأ خلال اغتساله، فيقول الدعاء على أنه الدعاء الخاص بالوضوء الذي كان داخلاً تحت الاغتسال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876270,"book_id":7655,"shamela_page_id":219,"part":"21","page_num":5,"sequence_num":219,"body":"اغتسال المرأة\rالنساء كالرجال في الاغتسال، ولها أن تغتسل على الكمال أو تغتسل بأقل ما يجزئ، فتعمم الجسد بالماء، ولا تلزم في المذهب بنقض الضفائر إذا غلب على ظنها أنها قد أروت بشرة رأسها، والدليل على ذلك حديث عائشة ﵂ وأرضاها: (كانت تغتسل فتفيض الماء على جسدها)، وفي الصحيح عن أم سلمة ﵂ وأرضاها: (أنها قالت للنبي ﷺ: أنا امرأة ذات ضفائر أفأنقض ضفائري في الغسل؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي ثلاث حثيات)، وهذا إذا غلب على ظنها أنها أروت البشرة حتى لو كان شعرها طويلاً جداً، فالنساء شقائق الرجال في الأحكام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876271,"book_id":7655,"shamela_page_id":220,"part":"21","page_num":6,"sequence_num":220,"body":"حكم اغتسال الرجل مع زوجته\rيجوز أن يغتسل الرجل مع امرأته، ولو كانوا عراة، فالنبي ﷺ اغتسل مع عائشة كما في الصحيح قالت: (اغتسلت أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، أقول له: أبق لي، وهو يقول: أبق لي) وهذا يزيد الألفة بين الرجل وبين زوجه، وقد فعل ذلك النبي ﷺ مع عائشة.\rوفي هذا دليل على جواز اغتسال أو وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة، ويخالف في ذلك الحنابلة، والدليل على جواز ذلك حديث عائشة المتقدم، وفيه: (أبق لي) وحديث ميمونة ﵂ وأرضاها قالت: (أراد النبي ﷺ أن يغتسل من الجنابة بماء قد اغتسلت منه -يعني متبقى-، فقلت له: قد اغتسلت بهذا الماء وأنا على جنابة، فقال لها النبي ﷺ: إن الماء لا يجنب) وهذا دليل من النبي ﷺ على أنه يجوز للإنسان أن يغتسل بفضل طهور المرأة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876272,"book_id":7655,"shamela_page_id":221,"part":"21","page_num":7,"sequence_num":221,"body":"ارتفاع الحدث الأصغر برفع الحدث الأكبر\rهل يجزئ للإنسان الذي أحدث حدثاً أصغر مع الحدث الأكبر الغسل فقط أم يلزمه الوضوء؟ بمعنى: أن رجلاً قضى حاجته ثم جامع أهله فصار جنباً، فتلبس بالحدث الأصغر ثم تلبس بالحدث الأكبر، فهل يكفيه الغسل فقط لو عمم جسده بالماء؟ هذه صورة.\rالصورة الثانية: رجل أحدث وهو يغتسل فهل يصح غسله؟ الصورة الثالثة: أن يشك في الحدث الأصغر هل كان قبل الاغتسال أم بعد الاغتسال؟ أما الصورة الأولى فيكفيه تعميم الجسد بالماء، وهذا هو نص ما قاله الشافعي في الأم، فإنه قال: الأدنى يندرج تحت الأعلى، فمن أحدث حدثاً أصغر ثم تلبس بالحدث الأكبر فاغتسل فإن الحدث الأصغر يندرج تحت الحدث الأكبر، فإذا عمم جسده بالماء دون الوضوء ودون الدلك فله أن يصلي وتصح صلاته، وهذا الراجح الصحيح في المذهب.\rأما الصورة الثانية: وهي من أحدث وقت الاغتسال، كأن أخرج ريحاً أو أفضى بكفه إلى فرجه، فالصحيح الراجح: أنه يصح الاغتسال، لكن يلزمه الوضوء؛ لأنه حال رفع الحدث الأكبر تلبس بالحدث الأصغر فيلزمه الوضوء.\rأما الصورة الثالثة: وهي إذا شك هل أحدث قبل الاغتسال أم أحدث بعده؟ فنقول: الأصل عدم الحدث، فيصح له أن يعمم الجسد بالماء ويصلي ولا يلزم بالوضوء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876273,"book_id":7655,"shamela_page_id":222,"part":"21","page_num":8,"sequence_num":222,"body":"الأغسال المستحبة\rهناك قاعدة مهمة جداً في الاغتسال، وهي: كل وقت يجتمع فيه الناس يستحب فيه الاغتسال، والدلالة على ذلك حديث: (كان أهل عوالي المدينة يأتون المسجد في الجمعة ويشم منهم ريح العرق، فقال النبي ﷺ: لو اغتسلتم في هذا اليوم)، والحكمة من الاغتسال هنا: إزالة الرائحة؛ لأنه يتأذى الناس بهذه الرائحة، بل وتتأذى الملائكة بهذه الرائحة؛ لعموم قول النبي ﷺ: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم)، فإذاً: كل اجتماع يستحب له الاغتسال، فغسل الجمعة مستحب، وغسل صلاة العيدين مستحب، وغسل صلاة الكسوف مستحب، والوقوف في عرفة يستحب له الاغتسال، ودخول مكة فيه دليل خاص، وطواف الإفاضة يستحب له الاغتسال وهكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876274,"book_id":7655,"shamela_page_id":223,"part":"21","page_num":9,"sequence_num":223,"body":"غسل الجمعة حكمه ووقته\rحكم غسل الجمعة الخلاف فيه قوي، قيل: يستحب، وقيل: يجب، والصحيح أنه مستحب؛ لقول النبي ﷺ كما في الصحيح: (إذا توضأ أحدكم ثم ذهب إلى الجمعة ماشياً فاستمع إلى الإمام وأنصت غفر له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام)، فالنبي ﷺ يقول: (إذا توضأ) ولم يذكر الاغتسال، هذا الدليل الأول.\rالدليل الثاني: حديث صريح عن النبي ﷺ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، والأفضلية تدل على وجود الفضل في الاثنين، بل جاء التصريح بقوله: (فبها ونعمت).\rالدليل الثالث: أثر عثمان عندما توضأ ودخل المسجد وعمر يخطب.\rواستدل من قال بوجوب غسل الجمعة: بحديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، والجواب عن هذا: أن الواجب هنا بمعنى المتأكد، قالوا لنا: لم تقولون: المتأكد وهو يقول: (واجب) وهذا خلاف الظاهر، والأخذ بالظاهر هو اللازم؟! قلنا: الأدلة الأخرى هي التي جعلتنا نؤول الظاهر؛ لأن النبي ﷺ قال: (فبها ونعمت)؛ ولأن النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم يوم الجمعة)، وعمر بن الخطاب لا يرضى بمنكر وقد رأى عثمان ﵁ وأرضاه دخل يوم الجمعة بعد الأذان وقال له: ما بال أقوام يأتون بعد الأذان؟! فقال: والله ما زدت على الوضوء، فقال: والوضوء أيضاً، ولو كان واجباً لقال له: اذهب فاغتسل، وقد قيل: لو اغتسل فستضيع عليه الصلاة، وهذا الكلام فيه نظر، وعلى كل فعندنا حديث صحيح صريح جداً في المسألة وهو قوله: (إذا توضأ أحدكم يوم الجمعة)، وقد قال بعض العلماء بوجوب الاغتسال يوم الجمعة لمن تظهر منه رائحة، وهذا القول هو أرجح الأقوال؛ لأن النبي ﷺ أمر من وجد منهم الريح وقال: (لو اغتسلتم في هذا اليوم)، وهذا الذي تميل إليه عائشة ﵂ وأرضاها، فمن قال بهذا القول فما أبعد، لكن نحن الآن نتكلم على المذهب وأنه مستحب وهذا قول جماهير أهل العلم.\rوهكذا غسل العيدين مستحب، والحكمة من ذلك: إزالة الرائحة في اجتماع الناس.\rوالاغتسال للجمعة يبدأ من بعد طلوع الفجر إلى آخر ساعة رواح إلى الجمعة، والأولى والمستحب والمتأكد: أن يغتسل قبل الذهاب إلى الجمعة حتى تحصل الحكمة من الغسل، وهي عدم وجود الرائحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876275,"book_id":7655,"shamela_page_id":224,"part":"21","page_num":10,"sequence_num":224,"body":"الغسل لمن أراد دخول مكة وللإحرام\rيستحب الاغتسال عند دخول مكة، وقد ورد من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ (أنه كان إذا أراد أن يدخل مكة يبيت بذي طوى، وإذا أصبح اغتسل ودخل مكة).\rوأيضاً يستحب الاغتسال للإحرام وللحل من الإحرام عند طواف الإفاضة، قالت عائشة ﵂ وأرضاها: (كنت أطيب النبي ﷺ حين إحرامه وحين حله).\rوعرفة أيضاً يستحب الاغتسال لها لوجود الجمع الغفير حتى لا تظهر الرائحة التي يتأذى منها الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":6876276,"book_id":7655,"shamela_page_id":225,"part":"21","page_num":11,"sequence_num":225,"body":"الغسل من غسل الميت\rمن الأغسال المسنونة: الاغتسال من غسل الميت، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) وهذا الحديث ضعيف، وأيضاً حديث عائشة: (أربع كان يغتسل منها النبي ﷺ وذكرت منها: غسل الميت)، وهذا ضعيف أيضاً، ومع هذا فالصحيح أنه يستحب خروجاً من الخلاف، إذ القاعدة عند العلماء أن الخروج من الخلاف مستحب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}