{"page_id":3484058,"book_id":4102,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":1,"body":"المجلد الأول\rتذكره بالأخبار عن اتفاقات الأسفار\r...\r﷽\rاللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم\rتذكره بالأخبار عن اتفاقات الأسفار\rابتدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفى ثلاثين لشهر شوال سنة ثمان وسبعين وخسمائة على متن البحر بمقابلة جبل شلير عرفنا الله السلامة بمنه١.\rوكان انفصال أحمد بن حسان ومحمد بن جبير من غرناطة٢ حرسها الله للنية الحجازية المباركة قرنها الله بالتسير والتسهيل وتعريف الصنع الجميل أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور وبموافقة اليوم الثالث لشهر فبراير الاعجمي. وكان الاجتياز على جيان٣ لقضاء بعض الأسباب ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الإثنين التاسع عشر لشهر شوال المذكور وبموافقة اليوم الرابع عشر لشهر فبراير المذكور أيضا.\rوكانت مرحلتنا الأولى منها إلى حصن لغيداق ثم منه إلى حصن قبرة٤","footnotes":"١ سنة ١١٨٢م. شلير: جبل بالأندلس من أعمال إلبيرة.\r٢ غرناطة: أعظم مدن إلبيرة.\r٣ جيان: مدينة بالأندلس.\r٤ قبذاق: مدينة من نواحي قرطبة بالأندلس. قبرة: كورة من أعمال الأندلس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484059,"book_id":4102,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":2,"body":"ثم منه إلى مدينة إستجة ثم منها إلى حصن أشونة١ ثم منه إلى شلبر ثم منه إلى حصن أركش ثم منه إلى قرية تعرف بقرية النشمة من قرى مدينة ابن السليم ثم منها إلى جزيرة طريف وذلك يوم الإثنين السادس والعشرين من الشهر المؤرخ.\rفلما كان ظهر يوم الثلاثاء من اليوم الثاني من نزولنا يسر الله علينا في عبور البحر إلى قصر مصمودة٢ تيسيرا عجيبا والحمد لله. ونهضنا منه إلى سبتة غدوة يوم الأربعاء الثامن والعشرين منه وألفينا بها مركبا للروم الجنوبيين مقلعا إلى الإسكندرية بحول الله ﷿ فسهل الله علينا في الركوب فيه.\rوأقلعنا ظهر يوم الخميس التاسع والعشرين منه وبموافقة الرابع والعشرين من فبراير المذكور بحول الله تعالى وعونه لا رب غيره. وكان طريقنا في البحر محاذيا لبر الأندلس. وفارقناه يوم الخميس السادس لذي القعدة بعده عند ما حاذينا دانية. وفي صبيحة يوم الجمعة السابع من الشهر المذكور آنفا قابلنا بر جزيرة يابسة٣ ثم يوم السبت بعده قابلنا بجزيرة ميورقة ثم يوم الأحد بعده قابلنا جزيرة منورقة ومن سيتة إليها نحو ثمانية مجار والمجرى مائة ميل. وفارقنا بر هذه الجزيرة المذكورة وقام معنا بر جزيرة سردانية أول ليلة الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور وهو الثامن من مارس دفعة واحدة على نحو ميل أو أقل. وبين الجزيرتين سردانية ومنورقة نحو الأربعمائة ميل فكان قطعا مستغربا في السرعة.","footnotes":"١ إستجة: كورة بالأندلس. أشونة: حصن بالأندلس من نواحي إستجة.\r٢ قصر مصمودة: رأس شمال إفريقية المقابل للأندلس.\r٣ يابسة: جزيرة نحو الأندلس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484060,"book_id":4102,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":3,"body":"أهوال البحر\rوطرأ علينا من مقابلة البر في الليل هول عظيم عصم الله منه بريح أرسلها الله تعالى في الحين من تلقاء البر فأخرجنا عنه والحمد لله على ذلك. وقام علينا نوء هال١ له البحر صبيحة يوم الثلاثاء المذكور فبقينا مترددين بسببه حول بر سردانية إلى يوم الأربعاء بعده فأطلع الله علينا في حال الوحشة وإنغلاق الجهات بالنوء فلا نميز شرقا من غرب مركبا للروم قصدنا إلى أن حاذانا فسئل عن مقصده فأخبر إنه يريد جزيرة صقلية وأنه من قرطاجنة عمل مرسية. وقد كنا استقبلنا طريقه التي جاء منها منه غير علم فأخذ نا عند ذلك في اتباع اثره والله الميسر لا رب سواه فخرج علينا طرف من بر سردانية المذكور فأخذ نا في الرجوع عودا على بدء إلى أن وصلنا طرفا من البر المذكور يعرف بقوسمركة وهو مرسى معروف عندهم فأرسينا به ظهر يوم الأربعاء المذكور والمركب المذكور معنا وبهذا الموضع المذكور اثر لبنيات قديم ذكر لنا إنه كان منزلا لليهود فيما سلف.\rثم أنا أقلعنا منه ظهر يوم الأحد السادس عشر من الشهر المذكور، وفي مدة مقامنا بالمرسى المذكور جددنا فيه الماء والحطب والزاد. وهبط واحد من المسلمين ممن يحفظ اللسان الرومي مع جملة من الروم إلى اقرب المواضع المعمورة منا فأعلمنا إنه رأى جملة من أسرى المسلمين نحو الثمانين بين رجال ونساء يباعون في السوق وكان ذلك عند وصول العدو دمره الله بهم من سواحل البحر ببلاد المسلمين والله يتداركهم برحمته\rووصل إلى المرسى المذكور يوم الجمعة الثالث من يوم ارسينا فيه سلطان الجزيرة المذكورة مع جملة من الخيل فنزل إليه اشياخ المركب من الروم واجتمعوا به وطال","footnotes":"١ النوء: أراد به العاصفة. هال: هاج.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484061,"book_id":4102,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":4,"body":"مقامهم عنده ثم انصرفوا وانصرف إلى موضع سكناه وتركنا المركب المذكور في موضع ارسائه بسبب مغيب بعض أصحابه في البلد عند هبوب الريح الموافقة لنا.\rفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور والخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضا وفي الربع الباقي منها فارقنا بر سردانية المذكورة وهو بر طويل جرينا بحذائه نحو المائتي ميل ومنتهى دور الجزيرة على ما ذكر لنا إلى أزيد من خمسمائة ميل ويسر الله علينا في التخلص من بحرها لأنه أصعب ما في الطريق والخروج منه يتعذر في أكثر الأحيان والحمد لله على ذلك.\rوفي ليلة الأربعاء بعدها من أولها عصفت علينا ريح هال١ لها البحر وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة كأنه شآبيب٢ سهام فعظم الخطب واشتد الكرب وجاءنا الموج من كل مكان امثال الجبال السائرة فبقينا على تلك الحال الليل كله ولايأس قد بلغ منا مبلغه وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة بما هو اشد هولا وأعظم كربا وزاد البحر اهتياجا واربدت٣ الآفاق سوادا واستشرت٤ الريح والمطر عصوفا حتى لم يثبت معها شراع فلجيء إلى استعمال الشرع الصغار فأخذ ت الريح أحد ها ومزقته وكسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها وهي المعروفة عندهم بالقرية فحينئذ تمكن اليأس من النفوس وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء إلى الله ﷿ وأقمنا على تلك الحال النهار كله فلما جن الليل فترت الحال بعض فتور وسرنا في هذه الحالة كلها بريح الصواري سيرا سريعا.","footnotes":"١ هال: ثار\r٢ الشآبيب، الواحد شؤبوب: وهو الدفعة من المطر.\r٣ اربدت: تغير لونها.\r٤ استشرت: عظمت وتفاقم شرها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484062,"book_id":4102,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":5,"body":"وفي ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية وبتنا تلك الليلة التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور مترددين بين الرجاء واليأس فلما اسفر الصبح نشر الله رحمته واقشعت السحاب وطاب الهواء وأصاءت الشمس وأخذ في السكون البحر فاستبشر الناس وعاد الأنس وذهب اليأس والحمد لله الذي أرانا عظيم قدرته ثم تلافى بجميل رحمته ولطيف رأفته حمدا يكون كفاء١ لمنته ونعمته.\rوفي هذا الصباح المذكور ظهر لنا بر صقلية وقد أجزنا أكثره ولم يبق منه إلا الاقل وأجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم وممن شاهد الأسفار والاهوال في البحر من المسلمين انهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول فيما سلف من أعمارهم والخبر عن هذه الحالة يصغر في خبرها.\rوبين البرين المذكورين بر سرانية وبر صقلية نحو الأربعمائة ميل واستصحبنا من بر صقلية أزيد من مائتي ميل ثم ترددنا بحذائه بسبب سكون الريح. فلما كان عصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور أقلعنا من الموضع الذي كنا أرسينا فيه وفارقنا البر المذكور أول تلك الليلة وأصبحنا يوم السبت وبيننا وبينه مسافة بعيدة وظهر لنا إذ ذاك الجبل الذي كان فيه البركان٢ وهو جبل عظيم مصعد في جو السماء قد كساه الثلج وأعلمنا إنه يظهر في البحر مع الصحو على أزيد من مسيرة مائة ميل. فأخذ نا ملججين٣ وأقرب ما نؤمله من البر إلينا جزيرة أقريطش٤ وهي من جزائر الروم ونظرها٥ إلى صاحب القسطنطينية وبينهما وبين جزيرة صقلية مسيرة سبعمائة ميل والله كفيل بالتيسير والتسهيل بمنه. وفي طول هذه الجزيرة جزيرة","footnotes":"١ كفاء: مساو.\r٢ بركان أتنا في صقلية.\r٣ ملججين: أي جادين.\r٤ أقريطش: كريت.\r٥ أي حكمها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484063,"book_id":4102,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":6,"body":"أقريطش المذكور نحو من ثلثمائة ميل.\rوفي ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين من الشهر المذكور وهو الثاني والعشرين من شهر مارس حاذينا البر المذكور تقديرا لا عيانا وفي صبيحة اليوم المذكور فارقناه متوجيهن لقصدنا وبين هذه الجزيرة المذكورة وبين الإسكندرية ستمائة ميل أو نحوها.\rوفي صبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرين منه ظهر لنا البر الكبير المتصل بالاكندرية المعروف ببر الغرب وحاذينا منه موضعا يعرف بجزائر الحمام١ على ما ذكر لنا وبينه وبين الإسكندرية نحو الأربعمائة ميل على ما ذكر لنا فأخذ نا في السير والبر المذكور منا يمينا.","footnotes":"١ جزائر الحمام: بين السلوم وطبرق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484064,"book_id":4102,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":7,"body":"البشرى بالسلامة\rوفي صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر المذكور اطلع الله علينا البشرى بالسلامة بظهور منار الإسكندرية على نحو العشرين ميلا والحمد على ذلك حمدا يقتضى المزيد من فضله وكريم صنعه.\rوفي آخر الساعة الخامسة منه كان ارساؤنا بمرسى البلد ونزولنا اثر ذلك والله المستعان فيما بقي بمنه. فكانت اقامتنا على متن البحر ثلاثين يوما ونزلنا في الحادي والثلاثين لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شوال ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة وبموافقة السادس والعشرين من مارس والحمد لله على ما من به من التيسير والتهسيل وهو سبحانه المسئول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود وتعجيل الاياب إلى الوطن على خير وعافية إنه المنعم بذلك لا رب سواه وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصبانة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484065,"book_id":4102,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":8,"body":"شهر ذي الحجة من السنة المذكورة\rأوله يوم الأحد ثاني يو منزولنا بالاسكندرية.\rفمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع امناء إلى المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه.\rفاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدا واحدا وكتبت اسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض١ ليؤدى زكاة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل وكان أكثرهم متشخصين لاداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد الطريقهم فلزموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل هل حال عليه حول أم لا. واستنزل أحمد بن حسان منا لسيأل عن أنباء المغرب وسلع المركب فطيف به مرقبا٢ على السلطان أولا ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية السلطان. وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله. فخلى سبيله، وأمر المسلمون بتنزيل أسباب هم وما فضل من ازودتهم وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم وبحمل جميع ما أنزلوه إلى الديوان فاستدعوا واحدا واحد واحضر ما لكل واحد من الأسباب والديوان قد غص بالزحام. فوقع التفتيش لجميع الأسباب ما دق منها وما جل واختلط بعضها ببعض وأدخلت الايدي إلى اوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها ثم استلحفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا.\rوفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام ثم اطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم نسأل الله أن يعظم الاجر بذلك. وهذه لا محالة من الأمور الملبس٣ فيها على السلطان الكبير","footnotes":"١ الناض: الدراهم والدنانير.\r٢ مرقبا: محروسا.\r٣ الملبس: يريد المخفية عنه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484066,"book_id":4102,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":9,"body":"المعروف بصلاح الدين ولو علم بذلك على ما يؤثر عنه من العدل وايثار الرفق لازال ذلك وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا١ الزكاة على أجمل الوجوه وما لقينا ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الاحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين.","footnotes":"١ استؤدوا: أي أعيدت لهم الزكاة.\r٢ الاحتفال: الازدحام.\r٣ المتوسمين: لعله من توسم فيه الخير: طلب فيه اثره.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484067,"book_id":4102,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":10,"body":"ذكر بعض أخبار الإسكندرية وآثارها\rفأول ذلك حسن وضع البلد وإتساع مبانية حتى أنا ما شاهدنا بلدا اوسع مسالك منه ولا أعلى مبنى ولا أعتق ولا أحفل منه وأسواقه في نهاية من الاحتفال أيضا٢. ومن العجب في وضعه أن بناءه تحت الأرض كبنائها فوقها وأعتق وامتن لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها وأزقتها تحت الأرض فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا.\rوعاينا فيها أيضا من سوارى الرخام وألواح هـ كثرة وعلوا واتساعا وحسنا ما لا يتخيل بالوهم حتى أنك تلقى في بعض الممرات بها سواري يغص الجو بها صعودا لا يدري ما معناها ولا لما كان أصل وضعها وذكر لنا إنه كان عليها في القديم مبان للفلاسفة خاصة ولأهل الرئاسة في ذلك الزمان والله أعلم ويشبه أن يكون ذلك للرصد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484068,"book_id":4102,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":11,"body":"منار الإسكندرية\rومن أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله ﷿ على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين٣ وهداية للمسافرين لولاه ما اهتدوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484069,"book_id":4102,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":12,"body":"في البحر إلى بر الإسكندرية يظهر على أزيد من سبعين ميلا وبمناه في غاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا يزاحم الجو سموا وارتفاعا يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع.\rذرعنا أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا ويذكر أن في طوله أزيد من مائة وخمسين قامة.\rوأما داخله فمرآي هائل اتساع معارج١ ومداخل وكثرة مساكن حتى إن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضل. وبالجملة لا يحصلها القول والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه.\rوفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه طلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المؤرخ وصلينا في المسجد المبارك المذكور. وشاهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف.","footnotes":"١ المعارج: السلالم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484070,"book_id":4102,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":13,"body":"منافب الإسكندرية\rومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانة المدارس والمحارس٢ الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوى إليه ومدرسا يعلمه الفن الذي يريد تعليمه وإجراء٣ يقوم به في جميع احواله. واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض منهم ووكل بهم اطباء يتفقدون أحوالهم وتحت أيديهم خدام يامرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء. وقد رتب أيضا فيه أقوام برسم الزيارة للمرضى الذين","footnotes":"٢ المحارس، الواحد محرس: مأوى مخصص للدارسين والزهاد والمسافرين ةالفقراء.\r٣ الإجراء: المرتب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484071,"book_id":4102,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":14,"body":"يتنزهون١ عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة وينهون إلى الأطباء أحوالهم ليتكلفوا بمعالجتهم.\rومن أشرف هذه المقاصد أيضا أن السلطان عين لأبناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل إنسان في كل يوم بالغا ما بلغوا ونصب لتفريق ذلك كل يوم انسانا أمينا من قبله فقد ينتهى في اليوم إلى الفي خبزة أو أزيد بحسب القلة والكثرة هكذا دائما، ولهذا كله أوقاف من قبله حاشى ما عينه من زكاة العين لذلك وأكد على المتولين لذلك متى نقصهم من الوظائف المرسومة شيء أن يرجعوا إلى صلب ماله وأما أهل بلده ففي نهاية من الترفيه وإتساع الأحوال لا يلزمهم وظيف البتة. ولا فائد٢ للسلطان بهذا البلد سوى الأوقاف المحبسة المعينة من قبله بهذه الوجوه وجزية اليهود والنصارى وما يطرأ من زكاة العين خاصة٣ ليس له منها سوى ثلاثة أثمانها والخمسة الاثمان مضافة للوجوه المذكورة.\rوهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة ورسم هذه الرسوم الكريمة على عدمها في المدة البعيدة وهو صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب وصل الله صلاحه وتوفيقه.\rومن أعجب ما اتفق للغرباء أن بعض من يريد التقرب بالنصائح إلى السلطان ذكر أن أكثر هؤلاء يأخذ ون جزاية الخبز ولا حاجة لهم بها رغبة في المعيشة لأنهم لا يصلون إلا بزاد يقلهم٤ فكاد يؤثر سعى هذا المتنصح\rفلما كان في أحد الأيام خرج السلطان المذكور على سبيل التطلع خارج بلده فلتقى منهم جماعة قد لفظتهم الصحراء المتصلة بطرابلس وهم قد ذهبت","footnotes":"١ يتنزهون: يترفعون.\r٢ لعله أراد بالوظيف الوظيفة، أي ما يقدر لهم من رزق ونحوه. الفائد: الفائدة، الربح.\r٣ زكاة العين: التي تدفع من الشيء عينه لا نقودا.\r٤ يقلهم: يحملهم ويبلغهم ما يريدون.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484072,"book_id":4102,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":15,"body":"رسومهم١ عطشا وجوعا. فسألهم عن وجهتهم واستطلع ما لديهم مفاعلموه انهم قاصدون بيت الله الحرام وأنهم ركبوا البر وكابدوا مشقة صحرائية. فقال: لو وصل هؤلاء وهم قد اعستفوا٢ هذه المجاهل التي اعتسفوها وكابدوا من الشقاء ما كابدوه وبيد كل واحد منهم زنته ذهبا وفضة لوجب أن يشاركوا ولا يقطعوا عن العادة التي اجريناها لهم فالعجب ممن يسعى على مثل هؤلاء ويروم التقرب إلينا بالسعي في قطع ما اوجبناه لله ﷿ خالصا لوجهه.\rومآثر هذا السلطان ومقاصده في العدل ومقاماته في الذب عن حوزة الدين لا تحصى كثرة.\rومن الغريب أيضا في أحوال هذا البلد تصرف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم وهو أكثر بلاد الله مساجد حتى إن تقدير الناس لها يطفف٣ فمنهم المكثر والمقلل فالمكثر ينتهى في تقديره إلى اثني عشر ألف مسجد والمقلل ما دون ذلك لا ينضبط فمنهم من يقول ثمانية الاف ومنهم من يقول غير ذلك. وبالجملة فهي كثيرة جدا تكون منها الأربعة والخمسة في موضع وربما كانت مركبة٤ وكلها بأئمة مرتبين من قبل السلطان فمنهم من له فوق ذلك ومنهم من له دونه وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان. إلى غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر.\rثم كان الانفصال عنها على بركة الله تعالى وحسن عونه صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور وهو الثالث لابريل فكانت مرحلتنا منه إلى موضع","footnotes":"١ رسومهم: أراد أجسامهم.\r٢ اعتسفوا: ساروا على غير هداية ولا دراية.\r٣ يطفف: لا يعدل.\r٤ مركبة: أي مسجد ومدرسة وغيرهما.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484073,"book_id":4102,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":16,"body":"يعرف بدمنهور وهو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح١ متصل من الإسكندرية إليه إلى مصر والبسيط كله محرث٢ يعمه النيل بفيضه والقرى فيه يمينا وشمالا لا تحصى كثرة.\rثم في اليوم الثاني وهو يوم الإثنين أجزنا النيل بموضع يعرف بصا في مركب تعدية٣ واتصل سيرنا إلى موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها وهي قرية كبيرة فيها السوق وجميع المرافق. ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء وهو يوم عيدالنحر من سنة ثمان وسبعين وخمسمائة المؤرخة فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندتة٤ وهي من القرى الفسيحة الأهلة فأبصرنا بها مجمعا حفيلا وخطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة واتصل سيرنا إلى موضع يعرف بسبك وكان مبيتنا بها.\rواجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج والعمارة متصلة والقرى منتظمة في طريقنا كلها\rثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده. فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة ومسجد جامع كبير حفيل البنيان ثم بعده المنبة وهو موضع أيضا حفيل ثم\rمنها إلى القاهرة وهي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة ثم منها إلى مصر المحروسة. وكان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء وهو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور والسادس من ابريل عرفنا الله فيها الخير والخيرة وتمم علينا صنعه الجميل بالوصول إلى الغرض المأمول ولا اخلانا من التسير والتهسيل بعزته وقرته إنه على ما يشاء قدير.","footnotes":"١ مسور: محاط بسور. أفيح: واسع.\r٢ المحرث: الأرض المحروثة.\r٣ تعدية: أي نقل من مكان إلى آخر.\r٤ طندته: هي طنطا اليوم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484074,"book_id":4102,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":17,"body":"وفي يوم الأربعاء المذكور أجزنا القسم الثاني من النيل في مركب تعدية أيضا بموضوع يعرف بدجوة وذلك وقت الغداة الصغرى وكان نزولنا في مصر بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمرو بن العاص رضى الله عنه في حجرة كبيرة على باب الفندق المذكور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484075,"book_id":4102,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":18,"body":"ذكر مصر والقاهرة وبعض آثارها العجيبة\rفأول ما بندأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها الله ﷿:\rفمن ذلك المشهدالعظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض قد بنى عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولا يحيط الادراك به مجلل بأنواع الديباج محفوف بأمثال العمد الكبار شمعا أبيض ومنه ما هو دون ذلك قد وضع أثكرها في أتوار١ فضة خالصة ومنها مذهبة وعلقت عليه قناديل فضة وحف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع٢ شبيه الروضة يقيد الأبصار حسنا وجمالا فيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع ما لايتخليله المتخيلون ولا يلحق ادنى وصفه الواصفون.\rوالمدخل إلى هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنق والغرابة حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها بيتان من كليهما المدخل إليها وهما أيضا على تلك الصفة بعينها. والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلقة على الجميع.","footnotes":"١ أتوار: الواحد تور: الشمعدان.\r٢ المصنع: المبنى قصرا كان أو حصنا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484076,"book_id":4102,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":19,"body":"ومن أعجب ما شاهدناه في دخولنا إلى هذا المسجد المبارك حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل شديد السواد والبصيص يصف الأشخاص١ كلها كأنه المرآة الهندية الحديثة الصقل وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك واحداقهم به وانكبابهم عليه وتمسحهم بالكسوة التي عليه وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين إلى الله سبحانه ببركة التربة المقدسة ومتضرعين ما يذيب الاكباد ويصدع الجماد والأمر فيه أعظم ومرأى الحال اهول نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم. وانما وقع الالماع بنبذة من صفته مستدلا على ما وراء ذلك إذ لاينغي لعاقل أن يتصدى لوصفه لأنه يقف موقف التقصير والعجز وبالجملة فما أظن في الوجود كله مصنعا أحفل منه ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع قدس الله العضو الكريم الذي فيه بمنه وكرمه.\rوفي ليلة اليوم المذكور بتنا بالجبانة المعروفة بالقرافة وهي أيضا إحدى عجائب الدنيا لم تحتوى عليه من مشاهدا الأنبياء صلوات الله عليهم وأهل البيت رضوان الله عليهم والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوى الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة. وإنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته فمنها قبر ابن النبي صالح وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم أجمعين وقبر آسية أمرأة فرعون رضى الله عنها ومشاهد أهل البيت رضى الله عنهم أجمعين مشاهد أربعة عشر من الرجال وخمس من النساء وعلى كل واحد منها بناء حفيل فهي بأسرها روضات بديعة الاتقان عجيبة البنيان قد وكل بها قومه يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر.","footnotes":"١ البصيص: اللمعان. أراد يعكس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484077,"book_id":4102,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":20,"body":"ذكر مشاهد أهل البيت رضى الله عنهم\rمشهد علي بن الحسين بن علي ﵁ ومشهدان لابني جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنهم ومشهد القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين المذكور ﵃، ومشهدان لابنيه الحسن والحسين رضى الله عنهما ومشهد ابنه عبد الله بن القاسم رضى الله عنه ومشهد ابنه يحيى بن القاسم ومشهد علي ابن عبد الله بن القاسم ﵃ ومشهد اخيه عيسى بن عبد الله رضى الله عنهما ومشهد يحيى بن الحسن بن زيد بن الحسن رضى الله عنهم ومشهد محمد بن عبد الله بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ابن علي ﵃ ومشهد جعفر بن محمد من ذرية علي بن الحسين ﵃ وذكر لنا إنه كان ربيب مالك ﵁.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484078,"book_id":4102,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"مشاهد الشريفات العلويات ﵃\rمشهد السيدة أم كلثوم ابنة القاسم بن محمد بن جعفر ﵃ ومشهد السيدة زينب ابنة يحيى بن زيد ابن علي بن الحسين ﵃ ومشهد أم كلثوم ابنة محمد بن جعفر الصادق ﵃ ومشهد السيدة أم عبد الله بن القاسم بن محمد رضى الله عنهم.\rوهذا ذكر ما حصله العيان من هذه المشاهد العلوية المكرمة وهي أكثر من ذلك وأخبرنا أن في جملتها مشهدا مباركا لمريم ابنة لعلى بن أبي طالب ﵁ وهو مشهور لكنا لم نعاينه. وأسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة إنما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك والله أعلم بها وعلى كل واحد منها بناء حفيل فهي باسرها روضات بديعة الاتقان عجيبة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484079,"book_id":4102,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"البنيان قد وكل بها قومة يسكنون فيها ويحفظونها ومنظرها منظر عجيب والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484080,"book_id":4102,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":23,"body":"ذكر مشاهد بعض أصحاب رسول الله ﷺ\rبالقرافة المذكورة ومشاهد التابعين والأئمة والعلماء والزهاد والأولياء\rالمشتهرين بالكرامات رضى الله عنهم أجمعين\rوالمقيد١ يبرا من القطع بصحة ذلك وإنما رسم من اسمائهم ما وجده مرسوما في تواريخها وبالجملة فالصحة غالية لا يشك فيها إن شاء الله ﷿: مشهد معاذ بن جبل ﵁ مشهد عقبة بن عامر الجهني حامل راية رسول الله ﷺ مشهد صاحب برده ﷺ مشهد أبي الحسن صائغ رسول الله ﷺ مشهد سارية الجبل ﵁ مشهد محمد بن أبي بكر الصديق رضى الله عنهما مشهد اولاده ﵃ مشهد أحمد بن أبي بكر الصديق رضى الله عنه مشهد أسماء ابنة أبي بكر الصديق ﵄ مشهد ابن للزبير بن العوام ﵄ مشهد عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله ﷺ مشهد ابن حليمة رضيع رسول الله ﷺ.","footnotes":"١ المقيد: أي الكاتب، يريد نفسه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484081,"book_id":4102,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":24,"body":"مشاهدالأئمة العلماء الزهار ﵃ أجمعين\rمشهد الإمام الشافعي ﵁ وهو من المشاهد العظيمة احتفالا واتساعا وبنى بازائه مدرسة لم يعمر بهذه البلاد مثلها لا اوسع مساحة ولا أحفل بناء يخيل لمن يتطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته بازائها الحمام إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484082,"book_id":4102,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":25,"body":"غير ذلك من مرافقها والبناء فيها حتى الساعة والنفقة عليها لا تحصى تولى ذلك بنفسه الشيخ الإمام الزاهد العالم المعروف بنجم الدين الخبوشاني وسلطان هذه الجهات صلاح الدين يسمح له بذلك كله ويقول زد احتفالا وتأنقا وعلينا القيام بمؤنة ذلك كله فسبحان الذي جعله صلاح دينه كاسمه.\rولقينا هذا الرجل الخبوشاني المذكور تبركا بدعائه لأنه قد كان ذكر لنا أمره بالأندلس فألفيناه في مسجده بالقاهرة وفي البيت الذي يسكنه داخل المسجد المذكور وهو بيت ضيق الفناء فدعا لنا وانصرفنا ولم نلق من رجال مصر سواه. مشهد المزني صاحب الإمام الشافعي رضى الله عنه مشهد اشهب صاحب مالك ﵁ مشهد عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك ﵄ مشهداصبغ صاحب مالك ﵄ مشهد القاضي عبد الوهاب ﵁ مشهد عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن عبد لله بن عبد الحكم ﵄ مشهدالفقيه الواعظ الزاهد أبي الحسن الدينوري ﵁ مشهد بنان العابد رضي إله عنه مشهد الرجل الصالح العابد الزاهد المعروف بصاحب الابريق وقصته عجيبة في لكرامة مشهد أبي مسلم الخولاني ﵁ مشهدالمراة الصالحة المعروفة بالعيناء ﵂ مشهد الرزذباري ﵁ مشهد محمد ابن مسعود بن محمد بن هارون الرشيد المعروف بالسبتي ﵁ مشهد الرجل الصالح مقبل الحشي ﵁ مشهد ذي النون بن إبراهيم المصري ﵁ مشهدالقاضي الانباري قبر الناطق الذي سمع عند وضعه في لحده يقول اللهم انزلني منزلا مباركا وانت خير المنزلين ﵁ مشهدالعروس ولها اثر من الكرامة في حال جلوتها على زوجها لم يسمع أعجب منه ومشهد الصامت الذي يحكى عنه إنه لم يتكلم أربعين سنة مشهد العصافيري مشهد عبد العزيز بن أحمد بن علي بن الحسن الخوارزمي مشهدالفقيه الواعظ الأفضل الجوهري ومشاهد أصحابه بازائه ﵃ أجمعين مشهد شقران","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484083,"book_id":4102,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":26,"body":"شيخ ذي النون المصري مشهدالرجل الصالح المعروف بالاقطع المغربي مشهدالمقرئ ورش مشهدالطبري مشهد شيبان الراعي.\rوالمشاهد الكريمة بها أكثر من أن تضبط بالتقييد أو تتحصل بالإحصاء وإنما ذكرنا هنا ما أمكنتنا مشاهدته ويقبلة القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بموضع قبرو الشهداء وهم الذين استشهدوا مع سارية رضي الله جميعهم والبسيط المذكور مسنم كله للعيان على مثال أسنمة١ القبور دون بناء. ومن العجب أن القرافة المذكورة كلها مساجد مبنية ومشاهد معمورة يأوى إليها الغرباء والعلماء والصلحاء والفقراء والاجراء على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر والمدارس التي بمصر والقاهرة كذلك وحقق عند نا أن الاجراء على ذلك كله نيف على الفي دينار مصرية في الشهر وهي أربعة آلاف دينار مؤمنية.\rوذكر لنا أن لجامع عمرو بن العاص بمصر من الفائد نحو الثلاثين دينارا مصرية في كل يوم تتفرق في مصالحه ومرتبات قومته وسدنته٢ وأئمته والقراء فيه. ومما شاهدناه بالقاهرة أربعة جوامع حفيلة البنيان أنيقة الصنعة لي مساجد عدة.\rوفي أحد الجوامع الخطبة اليوم ويأخذ الخطيب فيها مأخذ سني يجمع فيها الدعاء للصحابة ﵃ وللتابعين ومن سواهم ولأمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ ولعميه الكريمين حمزة والعباس ﵄ ويلطف الوعظ ويرقق التذكير حتى تخشع القلوب القاسية وتتفجر العيون الجامدة وياتي للخطبة لابسا السواد على رسم العباسية. وصفة لباسه يردة سوداء عليها طيلسان شرب٣ أسود وهو الذي يسمى بالمغرب الإحرام،","footnotes":"١ الأسنمة هنا: ما يرفع أو يبنى فوق القبر.\r٢ السدنة، الواحد سادن: خادم المسجد أو المعبد.\r٣ الشرب: نوع الحرير.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484084,"book_id":4102,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":27,"body":"وعمامة سوداء متقلدا سيفا وعند صعوده المبر يضرب بنعل سيفه المبنر في أول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها إيذان بالانصات وفي توسطه أخرى وفي انتهاء صعوده ثالثة ثم يسلم على الحاضرين يمينا وشمالا ويقف بين رايتين سوداوين فيهما تجزيع بياض قد ركزتا في أعلى المنبر.\rودعاؤه في هذا التاريخ للإمام العباسي أبي العباس أحمد الناصر لدين الله ابن الإمام أبي محمد الحسن المستضيء بالله ابن الإمام أبي المظفر يوسف المستنجد بالله ثم لمحيي دولته أبي المفظر يوسف بن أيوب صلاح الدين ثم لاخيه ولي عهده أبي بكر سيف الدين١.","footnotes":"١ الملك العادل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484085,"book_id":4102,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":28,"body":"قلعة القاهرة\rوشاهدنا أيضا بنان القلعة وهو حصن يتصل بالقاهرة حصين المنعة يريدالسلطان أن يتخذه موضع سكناه ويمد سوره حتى ينتظم بالمدنتين مصر والقاهرة والمسخرون في هذا البنيان والمتولون لجميع امتهاناته ومؤنته العظيمة كنشر الرخام ونحت الصخور العظام وحفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور وهو خندق ينقر بالمعأول نقرا في الصخر عجبا من العجائب الباقية الآثار العلوجا الأسرى من الروم وعددهم لا يحصى كثرة ولا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان أحد سواهم.\rوللسلطان أيضا بمواضع أخر بنيان والاعلاج يخدمون فيه ومن يمكن استخدامه من المسلمين في مثل هذه المنفعة العامة مرفه عن ذلك كله ولا وظيفة في شيء من ذلك على أحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484086,"book_id":4102,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":29,"body":"مستشفى المجانين\rومما شاهدناه أيضا من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة وهو قصر من القصور الرائقة حسنا واتساعا ابرزه لهذه الفضيلة تاجرا واحتسابا١ وعين قيما من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير ومكنه من استعمال الأشربة واقماتها على اخلاتف أنواعها ووضعت في مقاصر ذلك القصر أسرة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسى وبين يدي ذلك القيم خدمة يتكلفون بتفقد أحوال المرضى بكرة وعشية فيقابلون من الأغذية والاشربة بما يليق بهم.\rوبإزاء هذا الموضع موضع مقتطع للنساء المرضى ولهن أيضا من يكلفهن ويتصل بالموضعين المذكورين موضع آخر متسع الفناء فيه مقصاير عليها شبيابيك الحديد اختذت محابس للمجانين.\rولهم أيضا من يتفقد في كل يوم أحوالهم ويقابلها بما يصلح لها والسلطان يتطلع هذه الأحوال كلها بالبحث والسؤال ويؤكد في الاعتناء بها والمثابرة عليها غاية التأكيد. وبمصر مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه.","footnotes":"١ تأجرا واحتسابا: أي طلبا للأجر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484087,"book_id":4102,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":30,"body":"مسجد ابن طولون\rوبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن طولون وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة الواسعة البنيان جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه٢ وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر. ومن أعجب ما حدثنا به أحد المتخصصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم إليهم","footnotes":"٢ يحلقون: يعقدون حلقات الدرس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484088,"book_id":4102,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":31,"body":"ولم يجعل يدا لأحد عليهم فقدموا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارئى أمروهم عنده واستصحبوا الدعة والعافية وتفرغوا لعبادة ربهم ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484089,"book_id":4102,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":32,"body":"مآثر السلطان ومفاخره\rوما منها جامع من الجوامع ولا مسجد من المساجد ولا روضة من الروضات المبنية على القبور ولا محرس من المحارس ولا مدرسة من المدارس إلا وفضل السلطان يعم جميع من ياوى إليها ويلزم السكنى فيها تهون عليه في ذلك نفقات بيوت الأموال.\rومن مآثره الكريمة المعربة عن اعتنائه بأمور المسلمين كافة إنه أمر بعمارة محاضر١ ألزمها معلمين لكتاب الله ﷿ يعلمون أبناء الفقراء والأيتام خاصة وتجرى عليهم الجراية الكافية لهم.\rومن مفاخر هذا السلطان واثاره الباقية المنفعة للمسلمين القناطر التي شرع في بنائها بغربي مصر وعلى مقدار سبعة أميال منها بعد رصيف ابتدئ به من حيز النيل بإزاء مصر كأنه جبل ممدود على الأرض تسير فيه مقدار ستة أميال حتى يتصل بالقنطرة المذكورة وهي نحو الأربعين قوسا من أكبر ما يكون من قسى القناطر والقنطرة متصلة بالصحراء التي يفضى منها إلى الاسكندرية، له في ذك تدبير عجيب من تدابير الملوك الحزمة اعدادا لحادثة تطرا من عدو يدهم جهة ثغر الإسكندرية عند فيض النيل وانغمار الأرض به وامتناع سلوك العساكر بسببه فاعد ذلك مسلكا في كل وقت أن احتيج إلى ذلك والله يدفع عن حوزة المسلمين كل متوقع ومحذور بمنه.","footnotes":"١ المحاضر: المدارس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484090,"book_id":4102,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":33,"body":"ولأهل مصر في شان هذه القنطرة انذار من الانذارات الحدثانية١ يرون أن حدوثها ياذان باستيلاء الموحدين٢ عليها وعلى الجهات الشرقية والله أعلم بغيبه إلا إله سواه.","footnotes":"١ الحدثانية: نسبة إلى حدثان الدهر، وهي حوادثه وتقلباته.\r٢ الموحدون: الأسرة التي حكمت المغرب من ٥١٥- ٦٦٨ هـ، واستولت على الأندلس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484091,"book_id":4102,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":34,"body":"معجزة البناء\rوبمقربة من هذه القنطرة المحدثة الاهرام القديمة المعجزة البناء الغريبة المنظر المربعة الشكل كأنها القباب المضروبة قد قامت في جو السماء ولا سيما الاثنان منها فانهما يغص الجو بهما سموا في سعة ألواح د منها من أحد اركانه إلى الركن الثاني ثلثمائة خطوة وست وستون خطوة. قد اقيمت من الصخور العظام المنحوتة وركبت تريكبا هائلا بديع الالصاق دون أن يتخللها ما يعين على الصاقها محددة الأطراف في رأي العين وربما امكن الصعود إليها على خطر ومشقة فتلقى اطرافها المحددة كأوسع ما يكون من الرحاب لو رام أهل الأرض نقض بنائها لأعجزهم ذلك.\rللناس في أمرها اختلاف: فمنهم من يجعلها قبورا لعاد وبنيه ومنهم من يزعم غير ذلك وبالجملة فلا يعلم شأنها إلا الله عن وجل.\rولآحد الكبيرين منها باب يصمد إليه على نحو القامة من الأرض أو أزيد ويدخل منه إلى بيت كبير سعته نحو خمسين شبرا وطوله نحو ذلك وفي جوف ذلك البيت وخامة طويلة مجوفة شبه التي تسميها العامة البيلة٣ يقال إنها قبر والله أعلم بحقيقة ذلك.\rودون الكبير هرم سعته من الركن ألواح د إلى الكرن الثاني مائة وأربعون خطوة.","footnotes":"٣ البيلة: حوض النافورة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484092,"book_id":4102,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":35,"body":"ودون هذا الصغير خمسة صغار ثلاثة متصلة والاثنان على مقربة منها متصلان.\rوعلى مقربة من هذه الأهرام بمقدار غلوة١ صورة غريبة من حجر قد قامت كالصومعة على صفة آدمي هائل المنظر وجهه إلى الأهرام وظهره إلى القبلة مهبط النيل تعرف بأبي الأهوال.\rوبمدينة مصر المسجد الجامع المنسوب لعمرو بن العاص ﵁ وله أيضا بالإسكندرية جامع آخر وهو مصلى الجمعة للمالكيين. وبمدينة مصر آثار من الخرب الذي أحد ثه الإحراق الحادث بها وقت الفتنة عند اتساخ دولة العبيديين٢ وذلك سنة أربع وستين وخمسائة وأ كثرها الآن مستجد والبنيان بها متصل وهي مدينة كبيرة والآثار القديمة حولها وعلى مقربة منها ظاهرة تدل على عظم اختطاطها فيما سلف.","footnotes":"١ الغلوة: المدى الذي يذهبه السهم حين يرمي به.\r٢ العبيديون: الفاطميون.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484093,"book_id":4102,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":36,"body":"روضة النيل\rوعلى شط نيلها مما يلي غربيها، والنيل مهترض بينهما، قرية كبيرة حفيلة البنيان تعرف بالجيزة. لها كل يوم أحد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع إليها. ويعترض بينها وبين مصر جزيرة فيها مساكن حسان وعلالي مشرفة وهي مجتمع اللهو والنزهة، وبينها وبين مصر خليج من النيل يذهب بطولها نحو الميل ولها مخرج له. وبهذه الجزيرة مسجد جامع يخطب فيه. ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة النيل عند فيضه كل سنة. واستشعار ابتدائه في شهر يونيه، ومعظم انتهائه أغشت٣، وآخره أول شهر أكتوبر. وهذا المقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر","footnotes":"٣ أغشت: أي أغسطس، آب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484094,"book_id":4102,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":37,"body":"فيه الماء عند انسيابه إليه، وهو مفصل على اثنتين وعشرين ذراعا مقسمة على أربعة وعشرين قسما تعرف بالأصابع. فإذا انتهى الفيض عندهم إلى أن يستوفي الماء تسع عشرة ذراعا منغمرة فيه فهي الغاية عندهم في طيب العام. وربما كان الغامر منه كثيرا بعموم الفيض. والمتوسط عندهم ما استوفى سبع عشرة ذراعا، وهو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة. والذي يستحق به السلطان خراجه في بلاد مصر ست عشرة ذراعا فصاعدا، وعليها يعطى البشارة الذي يراعي الزيادة في كل يوم والزيادة في أقسام الذراع المذكورة ويعلم بها مياومة حتى تستوفي الغاية التي يقضي بها وإن قصر عن ست عشرة ذراعا فلا مجبي للسلطان في ذلك العام ولا خراج.\rوذكر لنا أن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار ﵁ وفي صدر الجيزة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح فيقال: إن بسببها لا تظهر التماسيح فيما يلي البلد من النيل مقدار ثلاثة أميال علوا وسفلا والله أعلم بحقيقة ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484095,"book_id":4102,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":38,"body":"عدل صلاح الدين\rومن مفاخر هذا السلطان المزلفة١ من الله تعالى وآثاره التي أبقاها ذكرا جميلا للدين والدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين فكان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتا مجحفا ويسامون فيها خطة خسف باهظة وربما ورد منهم من لا فضل لديه على نفقته أو لا نفقة عنده فيلزم اداء الضريبة المعلومة وكانت سبعة دناينر ونصف دينار من الدنانير المصرية التي هي خمسة عشر دينارا مؤمنية على كل رأس،","footnotes":"١ المزلفة: المقربة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484096,"book_id":4102,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":39,"body":"ويعجز عن ذلك فيتناول باليم العذاب بعيذاب١ فكانت كاسمها مفتوحة العين.\rوربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق من الانثيين أو غير ذلك من الأمور الشنيعة نعوذ بالله من سوء قدره وكان نجدة امثال هذا التنكيل وأضعافه لمن لم يؤد مكسه بعيذاب ووصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء. فمحى هذا السلطان هذا الرسم اللعين ودفع عوضا منه ما يقوم مقامه من اطعمة وسواها وعين مجبي موضع معين بأسره لذلك وتكفل بتوصيل جميع ذلك إلى الحجاز لأن الرسم المذكور كان باسم ميرة مكة والمدينة عمرهما الله فعوض من ذلك أجمل عوض وسهل السبيل للحجاج وكانت في حيز الانقطاع وعدم الاستطلاع وكفى الله المؤمنين على يدي هذا السلطان العادل حادثا عظيما وخطبا إليما فترتب الشكر له على كل من يعتقد من الناس أن حج لبيت الحرام إحدى القواعد الخمس من الإسلام حتى يعم جميع الافاق ويوجب الدعاء له في كل صقع من الاصقاع وبقعة من البقاع والله من وراء مجازاة المحسنين وهو جلت قدرته لا يضيع أجر من أحسن عملا. إلى مكوس كانت في البلاد المصرية وسواها ضرائب على كل ما يباع ويشترى مما دق أو جل حتى كان يؤدي على شرب ماء النيل المكس فضلا عما سواه فمحى هذا السلطان هذه البدع اللعينة كلها وبسط العدل ونشر الأمن\rومن عدل هذا السلطان وتأمينه للسبل أن الناس في بلاده لا يخلعون لباس الليل تصرفا فيما يعنيهم ولا يستشعرون لسواده هيبة تثنيهم على مثل ذلك شاهدنا أحوالهم بمصر والإسكندرية حسبما تقدم ذكره.","footnotes":"١ عيذاب: مدينة سيأتي ذكرها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484097,"book_id":4102,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":40,"body":"شهر المحرم سنة تسع وسبعين١ عرفنا الله يمنها وبركتها\rاستهل هلاله ليلة الثلاثاء وهو اليوم السادس والعشرون من أبريل ونحن بمصر يسر الله عينا مرامنا.\rوفي صبيحة يوم الأحد السادس من محرم المذكور كان انفصالنا من مصر وصعودنا في النيل على الصعيد قاصدين إلى قوص عرفنا الل عادته الجميلة من التيسير وحسن المعونة بمنه، ووافق يوم اقلاعنا المذكور أول يوم من مايه٢ بحول الله ﷿ والقرى في طريقنا متصلة في شطى النيل والبلاد الكبار حسبما ياتي ذكره أن شاء الله. فمنها قريبة تعرف بأسكر٣ في الضفة الشرقية من النيل مباشرة للصاعد فيه ويذكر أن فيها كان مولد النبي موسى الكليم صلى الله على نبينا وعليه ومنها ألقته أمه في اليم وهو النيل حسبما ذكر.\rوعاينا أيضا بغربي النيل ميامنا لنا وذلك كله يوم اقلاعنا المذكور وفي الثاني منه المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق٤ ﷺ وبها موضع السجن الذي كان فيه وهو الآن ينقض وينقل احجاره إلى القلعة المتبناة الآن على القاهرة وهو حصن حصين المنعة.\rوبهذه المدينة المذكورة مخازن الطعام التي اختزنها يوسف ﷺ وهي مجوفة على ما يذكر.\rومنها الموضع المذكور بمنية ابن الخصيب وهو بلد على شط النيل ميامنا للصاعد فيه كبير فيه الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن اجتزنا عليه ليلة","footnotes":"١ قوله ٧٩ أي ٥٧٩ هـ ١١٨٣م.\r٢ مايه: شهر مايو، أيار.\r٣ أسكر: قرية بينها وبين الفسطاط يومان.\r٤ المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق هي بوصير.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484098,"book_id":4102,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":41,"body":"الأحد الثالث عشر لمحرم المذكور وهو الثامن من يوم إقلاعنا من مصر لأن الريح سكنت عنا فتربصنا في الطريق.\rولو ذهبنا إلى رسم كل موضع يعترضنا في شطى النيل يمينا وشمالا لضاق الكتاب عنه لكن نقصد من ذلك إلى الأكبر الأشهر.\rوقابلنا على مقربة من هذا الموضع مياسرا لنا المسجد المبارك المنسوب لإبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه وعلى نبينا وهو مسجد مذكور مشهور معلوم بالبركة مقصود ويقال إن بفنائه أثر الدابة التي كان يركبها الخيل ﷺ.\rومنها موضع يعرف بأنصنا مياسرا لنا وهي قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة وكانت في السالف مدينة عتيقة وكان لها سور عتيق هدمه صلاح الدين وجعل على كل مركب منحدر في النيل وظيفة من حمل صخرة إلى القاهرة فنقل باسره إليها.\rوفي صبيحة يوم الإثنين الرابع عشر من محرم المذكور وهو التاسع من اقلاعنا من مصر اجتزنا بالجبل المعروف بجبل المقلة وهو بالشط الشرقي من النيل مياسرا للصاعد فيه وهو نصف الطريق إلى قوص من مصر إليه ثلاثة عشر بريدا ومنه إلى قوص مثلها.\rوما يجب ذكره على جهة التعجب أن من حيز مصر في شط النيل الشرقي مياسرا للصاعد فيه حائطا متصلا قديم البنيان منه ما قدتهدم ومنه ما بقى اثره يتمادى على الشط المذكور إلى اسوان آخر صعيد مصر وبين أسوان وبين قوص ثمانية برد والاقوال في أمر هذا الحائط تتشعب وتختلف وبالجملة فشأنه عجيب ولا يعلم سره إلا الله ﷿ وهو يعرف بحائط العجوز ولها خسر مذكور اظن هذه العجوز هي الساحرة المذكور خبرها في المسالك والممالك التي كانت لها المملكة بها مدة١.","footnotes":"١ في الخرافات العربية أن العجوز هي دلوكة بنت ليا، وخبرها أنه لما أغرق الله فرعون وقومه بعد خروج موسى، ﵇، بقيت مصر وليس فيها من اشراف أهلها أحد، ولم يبق إلا العبيد والأجراء والنساء. فأعظم أشراف النساء أن يولين أحدا من العبيد والأجراء، وأجمع رأيهن أن يولين دلوكة، وكان لها عقل ومعرفة، وقد بلغت يومئد مائة عام أو أكثر، فملكوها. فخافت أن يغزوها ملوك الأرض إذا علموا قلة رجالها، فبنت على النيل بناء أحاطت به على جميع ديار مصر، وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء وعليه القناطر، وهذا البناء هو حائط العجوز.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484099,"book_id":4102,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":42,"body":"ذكر ما استدرك خبره مما كان غفل\rوذلك أنا لما حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولا عاينا مجتمعا من الناس عظيما برزوا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوهمم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق فسألنا عن قصتهم فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزعا. وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأو مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم١ ثم حملوا انقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه فلما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم وأكملوا انشاءها وتأليفها وفدعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج وانتهوا إلى بحر النعم٢ فاحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا. وانتهبوا إلى عيذاب فأخذ وا فيه مركبا كان ياتي بالحجاج من جدة وأخذ وا أيضا في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص إلى عيذاب وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحد اوأخذ وا مركبين كانا مقبلين بتجار من اليمن واحرقوا اطعمة كثيرة على ذلك السالحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة اعزهما الله واحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام ولا انتهى رومي إلى ذلك الموضع قط.\rومن اعظمها حادثة تسد المسامع شناعة وبشاعة وذلك أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول ﷺ وأخراجه من الضريح المقدس.","footnotes":"١ بحر القلزم: البحر الأحمر.\r٢ لا ذكر لهذا البحر بين البحور ولعل اسمه محرف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484100,"book_id":4102,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":43,"body":"أشاعوا ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم فأخذ هم الله باجترائهم عليه وتعاطيهم ما يحول عناية القدر بينهم وبينه. ولم يكن بينهم وبين المدينة أكثر من مسيرة يوم فدفع الله عاديتهم بمراكب عمرت١ من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد من المغاربة البحريين فلحقوا بالعدو وهو قد قارب النجاة بنفسه فأخذ وا عن آخرهم وكانت آية من آيات العنايات الجبارية وأدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان نيف على شهر ونصف أو حوله وقتلوا واسروا وفرق من الاسارى على البلاد ليقتلوا بها ووجه منهم إلى مكة والمدينة وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمرا عظيما والحمد لله رب العالمين.","footnotes":"١ عمرت: جهزت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484101,"book_id":4102,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":44,"body":"رجع الذكر\rرجع الذكر ومن المواضع التي اجتزنا عليها في الصعيد بعد جبل المقلة الذي ذكرنا إنه نصف الطريق من مصر إلى قوص حسبما تقدم ذكره موضع يعرف بمنلفوط بمقربة من الشط الغربي ميمنا للصاعد في النيل فيه الأسواق وسائر ما يحتاج إليه من المرافق في نهاية من الطيب ليس في الصعيد مثلها وقمحها يجلب إلى مصر لطيبه ورزانة حبته قد اشتهر عنهم بذلك فالتجار يصعدون في المراكب لاستجلابه.\rومنها مدينة اسيوط وهي من مدن الصعيد الشهيرة بينها وبين الشط الغربي من النيل مقدار ثلاثة أميال وهي جميلة المنظر حولها بساتين النخل وسورها سور عتيق.\rومنها موضع يعرف بأبي تيج وهو بلد فيه الأسواق وسائر مرافق المدن وهو في الشط الغربي من النيل.\rومنها مدينة اخيم وهي أيضا من مدن الصعيد الشهيرة المذكورة بشرقي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484102,"book_id":4102,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":45,"body":"النيل وبشطه قديمة الاختطاط عتيقة الوضع فيها مسجد ذي النون المصري ومسجد داود أحد الصالحين المشتهرين بالخير والزهادة وهما مسجدان موسومان بالبركة دخلنا إليهما متبركين بالصلاة فيهما وذلك يوم السبت التاسع عشر المحرم المذكور.\rوبهذه المدينة المذكورة اثار ومصانع من بنيان القبط وكنائس معمورة إلى الآن بالمعاهدين من نصارى القبط. ومن أعجب الهياكل المتحدث بغرائبها في الدنيا هيكل عظيم في شرقي المدينة المذكورة وتحت سورها طوله مائتا ذراع وشعرون ذراعا وسعته مائة وستون ذراعا يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا١ وكذلك يعرف كل هيكل عندهم وكل مصنع قديم. قد قام هذا الهيكل العظيم على أربعين سارية حاشى حيطانه دور كل سارية منها خمسون شبرا وبين كل سارية وسارية ثلاثون شبرا ورؤوسها في نهاية من العظم والاتقان قد نحتت نحتا غريبا فجاءت مركنة٢ بديعة الشكل كأن الخراطين تناولوها وهي كلها مرقشة بأنواع الاصبغة اللازوردية٣ وسواها. والسوارى كلها منقوشة من أسفلها إلى أعلاها وقد انتصب على رأس كل سارية منها إلى راس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت من أعظمها ما كلنا فيه ستة وخسمين شبرا طولا وعشرة أشبار عرضا وثمانية أشبار ارتفاعا. وسقف هذا الهيكل كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الالصاق فجاءت كأنها فرش واحد وقد انتظمت جميعه التصاوير البديعة والاصبغة الغريبة حتى يخيل للناظر فيها أنها سقف من الخشب المنقوش.\rوالتصاوير على أنواع في كل بلاط من بلاطاته فمنها ما قد جللته طيور بصور رائقة باسطة اجنحتها توهم الناظر إليها أنها تهم بالطيران ومنها ما","footnotes":"١ البربا: كلمة مصرية قديمة معناها المقبرة.\r٢ مرمنة: ذات أركان.\r٣ اللازردية: الزرقاء في خضرة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484103,"book_id":4102,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":46,"body":"قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل قد اعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها كامساك تمثال بيدها أو سلاح أو طائر أو كأس أو إشارة شخص إلى آخر بيده أو غير ذلك مما يطول الوصف له ولا تتأتى العبارة لاستيفائه.\rوداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال والصفة منها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الادميين يستشعر الناظر إليها رعبا ويتملأ منها عبرة وتعجبا ومافيه مغرز إشفا١ ولا إبرة إلا وفيه صورة أو نقش أو خط بالمسند٢ لا يفهم قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا النقش البديع ويتأتى في صم الحجارة من ذلك ما لا يتأتى في الرخو من الخشب فيحسب الناظر استعظاما له أن عمر الزمان لو شغل بترقيشه وترصيعه وتزيينه لضاق عنه فسبحان الموجد للعجائب لا إله سواه.\rوعلى أعلى هذا الهيكل سطح مفروش بألواح الحجارة العظيمة على الصفة المذكورة وهو في نهاية الارتفاع فيحار الوهم فيها ويضل العقل في الفكرة في تطليعها ووضعها.\rوداخل هذا الهيكل من المجالس والزوايا والمداخل والمخارج والمصاعد والمعارج والمسارب والموالج وما تضل فيه الجماعات من الناس ولا يهتدى بعضهم لبعض إلا بالنداء العالي وعرض حائطه ثمانية عشر شبرا وهو كله من حجارة مرصوصة على الصفة التي ذكرناها.\rوبالجملة فشأن هذا الهيكل عظيم ومرآه إحدى عجائب الدنيا التي لا يبلغها الوصف ولا ينتهي إليها الحد وإنما وقع الالماع بنبذة من وصفه دلالة عليه،","footnotes":"١ الإشفى: المثقب أو المخرز.\r٢ أراد بالخط المسند الهيروغليفي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484104,"book_id":4102,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":47,"body":"والله المحيط بالعلم فيه والخبير بالمعنى الذي وضع له فلا يظن المتصفح لهذا المكتوب أن في الأخبار عنه بعض غلو فإن كل مخبر عنه لو كان قسا بيانا أو سحبانا١ يقف موقف العجز والتقصير والله المحيط بكل شيء علما لا إله سواه.","footnotes":"١ هما قس بن ساعدة، وسحبان وائل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484105,"book_id":4102,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":48,"body":"مواقف خزي ومهانة\rوببلاد هذا الصعيد المعترضة في الطريق للحجاج والمسافرين كاخميم وقوص ومنيه ابن الحصيب من التعرض لمراكب المسافرين وتكشفها والبحث عنها وإدخال الايدي إلى اوساط التجار فحصا عما تأبطوه أو احتضنوه من دراهم أو دنانير ما يقبح سماعه وتستشنع الاحدوثة عنه كل ذلك برسم الزكاة دون مراعاة لمحلها أو ما يدرك النصاب منها حسبما ذكرناه في ذكر الإسكندرية من هذا المكتوب. وربما الزموهم الإيمان على ما بأيديهم وهل عندهم غير ذلك ويحضرون كتاب الله العزيز يقع اليمين عليه فيقف الحجاج بين أيدي هؤلاء المتناولين لها مواقف خزى ومهانة تذكرهم أيام المكوس. وهذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه ولو عرفه لامر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه ولجاهد المتنأول له فان جهادهم من الواجبات لما يصدر عنهم من التعسف وعسير الأرهاق وسوء المعاملة مع غرباء انقطعوا إلى الله ﷿ وخرجوا مهاجرين إلى حرمه الامين، ولو شاء الله لكانت هذه الخطة مندوحة في اقتضاء الزكاة على أجمل الوجوه من ذوي البضائع في التجارات مع مراعاة رأس كل حول الذي هو محل الزكاة وبتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه وكان يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484106,"book_id":4102,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":49,"body":"شمل البلاد عدله وسار في الافاق ذكره ولا يسعى فيما يسيء الذكر بمن قد حسن الله ذكره ويقبح المقالة في جانب من أجمل الله المقالة عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484107,"book_id":4102,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":50,"body":"أشنع ما شاهدناه\rومن اشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة أعوان الزكاة في أيديهم المسال الطوال ذوات الأنصبة١ فيصعدون إلى المراكب استكشافا لما فيها فلا يتركون عكما ولا غرارة٢ إلا ويتخللو نها بتلك المسال المعلونة مخافة أن يكون في تلك الغرارة أو العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شيء غيب عليه من بضاعة أو مال وهذا اقبح ما يؤثر في الأحاديث الملعنة وقد نهى الله عن التجسس فكيف عن الكشف لما يرجى بستر الصون دونه من حال لا يريد صاحبها أن يطلع عليها اما استحقارا أو استنفاسا دون بخل بواجب يلزمه والله الأخذ على أيدي هؤلاء الظلمة بيد هذا السلطان العادل وتوفيقه أن شاء الله.","footnotes":"١ الأنصبة: الواحد نصاب: المقبض.\r٢ العكم: ما يجمع ويشد به من ثوب أو سواه. والغرارة: الجوالق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484108,"book_id":4102,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":51,"body":"ما اجتزنا من المواضع\rومن المواضع التي اجتزنا عليها بعد اخيم المذكورة موضع يعرف بمنشاة السودان على الشط الغربي من النيل هي قرية معمورة ويقال إنها كانت في القدم مدينة كبيرة وقد قام إمام هذه القرية بينها وبين النيل ورصيف عال من الحجارة كأنه السور يضرب فيه النيل ولا يعلوه عند فيضه ومده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484109,"book_id":4102,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":52,"body":"فالقرية بسببه في أمن من آتيه١.\rومنها موضع يعرف بالبلينة وهي قرية حسنة كثيرة النخل بالشط الغربي من الليل بينها وبين قوص أربعة برد.\rومنها موضع يعرف بدشنة بالشط الشرقي من النيل وهي مدينة مصورة فيها جميع مرافق المدن وبينها وبين قوص بريدان.\rومنها موضع بغربي النيل وعلى مقربة من شطه يعرف بدندرة وهي مدينة من مدن الصعيد كثيرة النخل مستحسنة المنظر مشتهرة بطيب الرطب بينها وبين قوص بريد وذكر لنا أن فيها هيكلا عظيما وهو المعروف عند أهل هذه الجهات بالبربا حسبما ذكرنا عند ذكر اخميم وهيكلها يقال إن هيكل دندرة أحفل منه وأعظم.\rومنها مدينة قنا وهي من مدن الصعيد بيضاء انيقة المنظر ذات مبان حفيلة ومن مآثرها المأثروة صون نساء أهلها والتزامهن البيوت فلا تظهر في زقاق من ازقتها أمراة البتة صحت بذلك الأخبار عنهن وكذلك نساء دسنة المذكورة قبيل هذا وهذه المدينة المذكورة في الشط الشرقي من النيل وبينها وبين قوص نحو البريد.\rومنها قفط وهي مدينة بشرقي النيل وعلى مقدار ثلاثة أميال من شطه وهي من المدن المذكورة في الصعيد حسنا ونظافة بنيان واتقان وضع.\rثم كان الصولو إلى قوص يوم الخيمس الرابع والعشرين لمحرم المؤرخ وهو التاسع عشر من مايه فكان مقامنا في النيل ثمانية عشر يوما ودخلنا قوص في التاسع عشر. وهذه المدينة حفيلة الأسواق متسعة المرافق كثيرة الحلق لكثرة الصادر والوارد من الحجاج والتجار إليمنيين والهنديين وتجار أرض الحبشة لأنها مخطر٢ للجميع ومحط للرحال ومجتمع الرفاق وملتقى الحجاج","footnotes":"١ الأتي: السيل لا يدرى من أين أتى.\r٢ مخضر: مجتمع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484110,"book_id":4102,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":53,"body":"المغاربة والمصريين والاسكندريين ومن يتصل بهم ومنها يفوزون١ بصحراء عيذاب واليها انقلابهم في صدرهم من الحج وكان نززولنا فيها بفندق بنسب لابن العجمي بالمنية وهي ربض٢ كبير خارج المدينة على باب الفندق المذكور.","footnotes":"١ فوز: اخترق المفازة، وهي الصحراء لا ماء فيها.\r٢ الربض: ما حول المدينة من بيوت ومساكن.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484111,"book_id":4102,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":54,"body":"شهر صفر عرفنا الله يمنه وبركته\rاستهل هلالة ليلة الأربعاء وهو الخامس والعشرون من شهر مايه ونحن بقوص لزوم السفر إلى عيذاب يسر الله علينا مرمنا بمنه وكرمه.\rوفي يوم الإثنين الثالث عشر منه وهو السادس من يونيو اخرجنا جميع رحالنا من زاد وسواه إلى المبرز وهو موضع بقبلي البلد وعلى مقربة منه فسيح الساحة محدق بالنخيل يجتمع فيه رحال الحاج والتجار وتشد فيه ومنه يستقلون ويرحلون وفيه يوزن ما يحتاج إلى وزنه على الجمالين. فلما كان إثر صلاة العشاء الآخرة رفعنا منه إلى ماء يعرف بالحاجر فبتنا به وأصبحنا يوم الثلاثاء بعده مقميين به بسبب تفقد بعض الجمالين من العرب لبيوتهم وكانت على مقربة منهم وفي ليلة الأربعاء الخامس عشر منه ونحن بالحاجر المذكور خسف القمر خسوفا كليا أول الليل وتمادى إلى هدء٣ منه. ثم أصبحنا يوم الأربعاء المذكور ظاعنين وقلنا٤ بموضع يعرف بقلاع الضياع ثم كان المبيت بموضع يعرف بمحط اللقيطة كل ذلك في صحراء لا عمارة فيها.\rثم عدونا يوم الخميس فنزلنا على ماء ينسب للعبدين ويذكر أنهما","footnotes":"٣ الهدء من الليل: الطائفة منه.\r٤ قال: نام القيلولة، وهي الظهر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484112,"book_id":4102,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":55,"body":"ماتا عطشا قبل أن يرداه فسمى ذلك الموضع بهما وقبراهما به رحمها الله ثم تزودنا منه الماء لثلاثة أيام وفوزنا سحر يوم الجمعة السابع عشر منه وسرنا في الصحراء نبيت منها حيث جن علينا الليل والقوافل العيذابية والقوصية صادرة وواردة والمفازة معمورة أمنا.\rفلما كان يوم الإثنين الموفى عشرين منه نزلنا على ماء بموضع يعرف بدناقش وهي بئر معينة١ يرد فيها من الانعام والأنام ما لا يحصيهم إلا الله ﷿، ولا يسافر في هذه الصحراء إلا على الإبل لصبرها على الظماء وأحسن ما يستعمل عليها ذوو الترفيه الشقاديف٢ وهي أشباه المحالم وأحسن أنواعها اليمانية لأنها كالاشاكيز٣ السفرية مجلدة متسعة يوصل منها الاثنان بالحبال الوثيقة وتوضع على البعير ولها أذرع قد حفت بأركانها يكون عليها مظلة فيكون الراكب فيها مع عديله في كن٤ من لفح الهاجرة ويقعد مستريحا في وطائه ومتكئا ويتناول مع عديله ما يحتاج إليه من زاد وسواه ويطالع متى شاء المطالعة في مصحف أو كتاب ومن شاء ممن يستجيز اللعب بالشطرنج أن يلاعب عديله تفكها واجماما للنفس لاعبه وبالجملة فانها مريحة من نصب السفر وأكثر المسافرين يركبون الإبل على أحمالها فيكابدون من مشقة سموم٥ الحر عنتا ومشقة.\rوفي هذا الماء وقعت بين بعض جمالى العرب إليمنيين أصحاب طريق عيذاب وضمانها وهم من بلي من أفخاذ قضاعة٦ وبين بعض الأغزاز٧","footnotes":"١ المعينة: الجارية الماء.\r٢ الشقاديف: المراكب.\r٣ الأشاكيز، الواحد أشكز: شيء كالأديم أبيض توثق به السروج.\r٤ الكن: الستر.\r٥ السموم: الريح الحارة.\r٦ بلي: قبيلة من قبائل قضاعة، من العرب.\r٧ الأغزاز، الواحد غز: جنس من الترك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484113,"book_id":4102,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":56,"body":"بسبب التزاحم على الماء مهاوشة كادت تفضي إلى الفتنة عصم الله منها.\rوالقصد إلى عيذاب من قوص على طريقين: أحدهما تعرف بطريق العبدين وهي هذه التي سلكناها وهو أقصد مسافة والأخرى طريق دون قنا وهي قرية على شاطىء النيل ومجتمع هاتين الطريقين على مقربة من ماء دنقاش المذكور ولهما مجتمع آخر على ماء يعرف بشاغب إمام ماء دنقاش بيوم.\rفلما كان عشاء يوم الإثنين المذكور تزودنا الماء ليوم وليلة ورفعنا إلى ماء بموضع يعرف بشاغب فوردناه ضحوة يوم الأربعاء الثاني والعشرين لصفر المذكور وهذا الماء ثماد١ يحفر عليه في الأرض فتسمح به قريبا غير بعيد إلا إنه زعاق٢. ثم رحلنا منه سحر يوم الخميس بعده وتزودنا الماء لثلاثة أيام إلى ماء بموضع يعرف بأمتان وتركنا طريق الماء بموضع يعرف با٣ ... يسارا وليس بينه وبين شاغب غير مسافة يوم والطريق عليه وعر للإبل.\rفلما كان ضحوة يوم الأحد السادس والعشرين لصفر المذكور نزلنا بأمتان المذكور وفي هذا اليوم المذكور كان فراغنا من حفظ كتاب الله ﷿ له الحمد وله الشكر على ما يسر لنا من ذلك وهذا الماء بأمتان المذكور هو في بئر معينة قد خصها الله بالبركة وهو أطيب مياه الطريق وأعذبها، فيلقى فيها من دلاء الوارد مالا يحصى كثرة فتروى القوافل النازلة عليها على كثرتها وتروى من الإبل البعيدة الاظماء ما لو وردت نهار من الأنهار لأنضبته وأنزفته.\rورمنا في هذه الطريق إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة إلى اليمن ثم من اليمين إلى عيذاب وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل فلقد خيل إلينا ثكرته أنه يوازى التراب قيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك","footnotes":"١ الثماد: الماء القليل لا مادة له.\r٢ الزعاق: الماء المر لا يطاق شربه.\r٣ يعرف با....: هكذا بياض في الأصل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484114,"book_id":4102,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":57,"body":"تلتقى بقارعة الطريق أحمال الفلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل إما لأعباء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار وتبقى بموضعها إلى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المار عليها من أطوار الناس.\rثم كان رفعنا من أمتان المذكور صبيحة يوم الإثنين بعد الأحد المذكور. ونزلنا على ماء بموضع بعرف بمجاج بمقربة من الطريق ظهر يوم الإثنين المذكور ومنه تزودنا الماء لأربعة أيام إلى ماء بموضع يعرف بالعشراء على مسافة يوم من عيذاب. ومن هذه المرحلة المجاجية يسلك الوضح١ وهي رملة ميثاء٢ تتصل بساحل بحر جدة يمشى فيها إلى عيذاب إن شاء الله وهي في أفيح من الأرض مد البصر يمينا وشمالا.\rوفي ظهر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور كان رفعنا من مجاج المذكور سالكين على الوضح.","footnotes":"١ الوضح: وسط الطريق ومحجته.\r٢ الميثاء: الرملة اللينة السهلة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484115,"book_id":4102,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":58,"body":"شهر ربيع الأول عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر يونية ونحن بآخر الوضح على نحو ثلاث مراحل من عيذاب وفي وقت الغداة من يوم الجمعة المذكور كان نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء على مرحلتين من عيذاب وبهذا الموضع كثير من شجر العشر وهو شبيه بشرج الأترج٣ لكن لا شوك له. وماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة وهو في بئر غير مطوية٤ وألفينا","footnotes":"٣ العشر: شجر فيه حراق، لم يقتدح الناس في أجود منه. والأترج: ليمون تسميه العامة الكباد.\r٤ المطوية: المبنية بالحجارة، منعا لانطمارها بالرمال.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484116,"book_id":4102,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":59,"body":"الرمل قد انهال عليها وغطى ماءها فرام الجمالون حفرها واستخراج مائها فلم يقدروا على ذلك وبقيت القافلة لا ماء عند ها.\rفأسرينا تلك الليلة وهي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور فنلزنا ضحوة على ماء الخبيب وهو بموضع بمرأى العين من عيذاب يستقى منها القوافل وأهل البلد ويعم الجميع وهي بئر كبيرة كأنها الجب١ الكبير.","footnotes":"١ الجب: البئر الكثيرة الماء البعيدة القعر أو التي وجدت لا مما حفرة الناس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484117,"book_id":4102,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":60,"body":"أحفل مراسي الدنيا\rفلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب وهي مدينة على ساحل بحر جدة غير مصورة أكثر بيوتها الاخصاص وفيها الآن بناء مستحدث بالجص وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائدا إلى مراكب الحجاج الصادرة والواردة. وهي في صحراء لا ثبات فيها ولا يؤكل فيها شيء إلا مجلوب لكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرفق كثير ولا سيما مع الحاج لأن لهم على كل حمل طعام يجلبونه ضريبة معلومة خفيفة المؤنة بالإضافة إلى الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها، ولهم أيضا من المرافق من الحاج إكراه الجلاب منهم وهي المراكب فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم إلى جدة وردهم وقت انفضاضهم من أداء الفريضة وما من أهلها ذوى إليسار إلا من له الجلبة والجلبتان فهي تعود عليهم برزق واسع فسبحان قاسم الأرزاق على اختلاف أسباب ها لا إله سواه.\rوكان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا٢","footnotes":"٢ تأثل: امتلك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484118,"book_id":4102,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":61,"body":"بها الديار والرباع والجلاب، وفي بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها واوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف وهو شهر يونية العجمى والشهر الذي يتلوه ويستخرج منه جوهر نفيس له قيمة سنية يذهب الغائصون عليه إلى تلك الجزائر في الزواريق ويقميون فيها الأيام فيعودون بما قسم الله لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق.\rوالمغاص منها قريب القعر ليس ببعيد ويستخرجونه في أصداف لها أزواج كأنها نوع من الحيتان أشبه شيء بالسلحفاة فإذا شقت ظهرت الشفتان من داخلها كانهما محارتا فضة ثم يشقون عليها فيجدون فيها الحبة من الجوهر قد غطى عليها لحم الصدف فيجتمع لهم من ذلك بحسب الحظوظ والأرزاق. فسبحان مقدرها لا إله سواه لكنهم ببلدة لا رطب فيها ولا يابس قد الفوا بها عيش البهائم فسبحان محبب الاوطان إلى أهلها على أنهم أقرب إلى الوحش منهم إلى الإنس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484119,"book_id":4102,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":62,"body":"آفة الحجاج\rوالركوب من جدة إليها آفة للحجاج عظيمة إلا الاقل منهم ممن يسلمه الله ﷿ وذلك أن الرياح تلفيهم على الأكثر في مراس بصحارى تبعد منها مما يلي الجنوب فينزل إليهم البجاة وهم نوع من السودان ساكنون بالجبال فيكرون منهم الجمال ويسلكون بهم غير طريق الماء فربما ذهب أكثرهم عطشا وحصلوا على ما يتخلفه من نفقة أو سواها. وربما كان من الحجاج من يتعسف١ تلك المجهلة٢ على قدميه فيضل ويهلك عطشا. والذي","footnotes":"١ تعسف الصحراء: خبط فيها على غير هداية.\r٢ المجهلة: الأرض لا يهتدى فيها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484120,"book_id":4102,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":63,"body":"يسلم منهم يصل إلى عيذاب كأنه منشر من كفن شاهدنا منهم مدة مقامنا اقوأما قد وصلوا على هذه الصفة في مناظرهم المستحيلة١ وهيئاتهم المتغيرة آية للمتوسمين.\rوأكثر هلاك الحجاجب هذه المراسي ومنهم من تساعده الريح إلى أن يحط بمرسى عيذاب وهو الأقل.\rوالجلاب التي يصرفونها في هذا البحر الفرعوني ملفقة٢ الانشاء لا يستعمل فيها مسمار البتة إنما هي مخطية بأمراس من القنبار وهو قش رجوز النارجيل٣ يدرسونه٤ إلى أن يتخبط ويفتلون منه أمراسا يخيطون بها المراكب ويخللونها بدسر٥ من عيدان النخل فإذا فرغوا من إنشاء الجلبة على هذه الصفة سقوها بالسمن أو بدهن الخروع أو بدهن القرش وهو أحسنها وهذا القرش حوت عظيم في البحر يبتلع الغرقى فيه ومقصدهم في دهان الجلبة ليلين عودها ويرطب لكثرة الشعاب المعترضة في هذا البحر. ولذلك لا يصرفون فيه المركب المسماري.\rوعود هذا الجلاب مجلوب من الهند واليمن وكذلك القنبار المذكور ومن أعجب أمر هذه الجلاب أن شرعها منسوجة من خوص شجر المقل٦. فمجموعها متناسب في اختلال البنية ووهنها فسبحان مسخرها على تلك الحال والمسلم فيها لا إله سواه.\rولأهل عيذاب في الحجاج أحكام الطواغيت٧. وذلك أنهم يشحنون","footnotes":"١ المستحيلة: المتغيرة.\r٢ الملفقة: التي ضمت قطعة منها إلى أخرى.\r٣ النارجيل: جوز الهند.\r٤ الدرس: الدوس.\r٥ الدسر، الواحد دسار: شيء كالليف تشد به ألواح السفينة.\r٦ المقل: شجر الدوم.\r٧ الطواغيت، الواحد طاغوت: كل متعد، الشيطان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484121,"book_id":4102,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":64,"body":"بهم الجلاب حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنهم أقفاص الدجاج المملوءة يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفى صاحب الجلبة منهم ثمنها في طريق واحدة ولا يبالي بما يصنع البحر بها بعد ذلك ويقولون علينا بالألواح وعلى الحجاج بالأرواح هذا مثل متعارف بينهم. فأحق بلادالله بحسبة١ يكون السيف درتها٢ هذه البلدة والأولى بمن يمكنه ذلك إلا يراها وان يكون طريقه على الشام إلى العراق ويصل مع أمير الحج البغدادي وإن لم يمكنه ذلك أولا فيمكنه آخرا عند انقضاض الحجاج يتوجه مع أمير الحاج المذكور إلى بغداد ومنها إلى عكة فإن شاء رحل منها إلى الإسكندرية وإن شاء إلى صقلية أو سواهما. ويمكن أن يجد مركبا من الروم يقلع إلى سبتة أو سواها من بلاد المسلمين. وإن طال طريقه بهذا التحليق٣ فيهون لما يلقى بعيذاب ونحوها.","footnotes":"١ الحسبة: الإشراف على الأسواق والآداب العامة، وكان يقوم بها المحتسب، وهو موظف له سلطة قضائية وتنفيذية.\r٢ الدرة: السوط، وكان المحتسب يحملها ليؤدب بها الناس.\r٣ التحليف: التطواف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484122,"book_id":4102,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":65,"body":"أهل عيذاب\rوأهلها الساكنون بها من قبيل السودان الذين يعرفون بالبجاة ولهم سلطان من انفسهم يسكن معهم في الجبال المتصلة بها وربما وصل في بعض الأحيان واجتمع بالوالي الذي فيها من الغز إظهارا للطاعة. ومستنابه٤ مع الوالي في البلد والفوائد كلها له إلا البعض منها.\rوهذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلا وأقل","footnotes":"٤ مستنابه: مكان نيابته، أي محل إقامته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484123,"book_id":4102,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":66,"body":"عقولا لا دين لهم سوى كلمة التوحيد التي ينطقون بها إظهارا للإسلام ووراء ذلك من مذاهبهم الفاسدة وسيرهم مالا يرضى ولا يحل ورجالهم وسناؤهم يتصرفون عراة إلا خرقا يسترون بها عوراتهم وأكثرهم لا يستترون وبالجملة فهم أمة لا خلاق لهم ولا جناح على لاعنهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484124,"book_id":4102,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":67,"body":"أهل بحر فرعون\rوفي يوم الإثنين الخامس والعشرين لربيع الأول المذكور وهو الثامن عشر من يولية ركبنا الجلبة للعبور إلى جدة فأقمنا يومنا ذلك بالمرسى لركود الريح ومغيب النواتية، فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء بعده أقلعنا على بركة الله ﷿ وحسن عونه المأمول فكانت مدة المقام بعيذاب حاشى يوم الإثنين المذكور ثلاثة وعشرين يوما محتسبة عند الله ﷿ لشطف العش وسوء الحال واختلال الصحة لعدم الأغذية الموافقة، وحسبك من بلد كل شيء فيه مجلوب حتى الماء والعطش أشهى إلى النفس منه فاقمنا بين هواء يذيب الاجسام وماء بشعل المعدة عن اشتهاء الطعام فملا ظلم من غنى عن هذه البلدة بقوله:\rماء زعاق وجو كله لهب\rفالحلول بها من أعظم المكاره التي حف بها السبيل إلى البيت العتيق زاده الله تشريفا وتكريما وأعظم أجور الحجاج على ما يكابدون ولا سيما في تلك البلدة الملعونة، ومما لهج الناس بذكره قبائحها حتى يزعمون أن سليمان بن داود على نبينا وعليه السلام كان اتخذها سجنا للعافرتة أراح الله الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة إلى بيته الحرام وهي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة إلى المدينة المقدسة وهي مسافة قريبة يكون البحر منها يمينا وجبل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484125,"book_id":4102,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":68,"body":"الطور المعظم يسارا لكن للافرنج بمقربة منها حصن مندوب١ يمنع الناس من سلوكه والله ينصر دينه ويعز كلمته بمنه.\rفتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس والعشرين لربيع الأول المذكور ويوم الأربعاء بعده بريح فاترة المهب فلما كان العشاء الآخرة من ليلة الخمس ونحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بن الحجاز لمع برق من جهة البر المذكور وهي جهة الشرق ثم نشأ نوء اظلم له الافق إلى أن كسا الافاق كلها وهبت ريح شديدة صرفت المركب عن طريقه راجعا وراءه وتمادى عصوف الرياح واشتدت حلكة الظلمة وعمت الافاق فلم ندر الجهة المقصودة منها إلى أن ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال وحط القلع إلى أسفل الدقل وهو الصاري.\rوأقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن بالياس وأرانا بحر فرعون٢ بعض أهواله الموصوفة إلى أن اتى الله بالفرج مقترنا مع الصباح قيادالريح وأقشع الغيم واصحت السماء ولاح لنا بر الحجار على بعد لا نبصر منه إلا بعض جباله وهي شرقا من جدة زعم ربان المركب وهو الرائس أن بين تلك الجبال التي لاحت لنا وبر جدة يومين والله يسهل لنا كل صعب وييسر لنا كل عسير بعزته وكرمه.\rفجرينا يومنا ذلك وهو يم الخميس المذكور بريح رخاء طيبة ثم أرسيا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعدان لقينا شعابا كثيرة يكسر فيها الماء ويضحل٣ علينا فتخللنا اثناءها على حذر وتحفظ وكان الربان بصيرا بصنعته حاذقا فيها فخلصنا الله منها حتى أرسينا بالجزيرة المذكورة ونزلنا إليها وبتنا بها ليلة الجمعة التاسع والعشرين لربيع","footnotes":"١ المندوب، لعله من ندبه إلى الحرب: وجهه إليها.\r٢ بحر فرعون: البحر الأحمر.\r٣ يضحل: يرق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484126,"book_id":4102,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":69,"body":"الأول المذكور وأصبح الهواء راكدا والريح غير متنفسة إلا من الجهة التي لا توافقنا فأقمنا بها يوم الجمعة المذكورة. فلما كان يوم السبت الموفى ثلاثين تنفست الريح بعض تنفس فأقلعنا بذلك النفس نسير سيرا رويدا وسكن الحبر حتى خيل لناظره إنه صحن زجاج أزرق فأقمنا على تلك الحال نرجو لطف صنع الله ﷿.\rوهذه الجزيرة تعرف بجزيرة عائقة السفن فعصمنا الله ﷿ من فأل اسمها المذموم وله الحمد والشكر على ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484127,"book_id":4102,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":70,"body":"شهر ربيع الآخر عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة السبت ونحن بالجزيرة المذكورة ولم يظهر تلك الليلة للأبصار بسبب النوء لكن ظهر في الليلة الثانية كبيرا مرتفعا فتحققنا إهلاله ليلة السبت المذكور وهو الثالث والعشرون من شهر يوليه وفي عشي يوم الأحد ثانية أرسينا بمرسى يعرف بأبحر وهو على بعض يوم من جدة وهو من أعجب المراسي وضعا وذلك أن خليجا من البحر يدخل إلى البر والبر مطيف به من كلتا حافتيه فترسى الجلاب منه في قاررة مكنة١ هادية.\rفلما كان سحر يوم الإثنين بعده أقلعنا منه على بركة الله تعالى بريح فاترة والله الميسر لا رب سواه فلما جن الليل ارسينا على مقربة من جدة وهي بمرأى العين منا. وحالت الريح صبيحة يوم الثلاثاء بعده بيننا وبين دخول مرساها، ودخول هذه المراسي صعب المرام سبب كثرة الشعاب والتفافها. وأبصرنا من صنعة هؤلاء الرؤساء والنواتية في لتصرف بالجلبة اثناءها أمرا ضخما يدخلونها على مضايق ويصرفونها خلالها تصريف الفارس للجواد","footnotes":"١ مكنة: مستورة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484128,"book_id":4102,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":71,"body":"الرطب العنان١ السلس القياد ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه.\rوفي ظهر يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر المذكور وهو السادس والعشرون من شهر يوليه كان نزولنا بجدة حامدين لله ﷿ وشاكرين على السلامة والنجاة من هول ما عايناه في تلك الثمانية أيام طول مقامنا على البحر وكانت اهوالا شتى عصمنا الله منها بفضله وكرمه فمنها ما كان يطرا من البحر واختلاف رايحه وكثرة شعابه المعترضة فيه ومنها ما كان يطرأ من ضعف عدة المركب واختلالها واقتصامها٢ المرة بعدالمرة عند رفع الشراع أو حطه أو جذب مرسى من مراسيه وربما سنحت٣ الجلبة بأسفلها على شعب من تلك الشعاب أثناء تحللها فنسمع لها هدا يؤذن باليأس فكنا فيها نموت مرارا ونحيى مرارا والحمد لله على ما من به من العصمة وتكفل به من الوقاية والكفاية حمدا يبلغ رضاه ويستهدى المزيد من نعماه بعزته وقدرته لا إله سواه.\rوكان نزولنا فيها بدار القائد على وهو صاحب جدة من قبل أمير مكة المذكور في صرح من تلك الصروح الخصوصية التي يبنونها في أعالي ديارهم ويخرجون منها إلى سطوح يبيتون فيها. وعند احتلالنا جدة المذكورة عاهدنا الله ﷿ سرورا بما أنعم الله به من السلامة إلا يكون انصرافنا على هذا البحر الملعون إلا إن طرأت ضرورة تحول بيننا وبين سواه من الطرق والله ولى الخيرة في جميع ما يقضيه ويسنيه٤ بعزته.","footnotes":"١ الرطب العنان: الطبع السلس.\r٢ اقتصامها: انكسارها.\r٣ سنحت: لصقت بالأرض.\r٤ يسنيه: يسهله وييسره.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484129,"book_id":4102,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":72,"body":"صفة جدة\rوجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور أكثر بيوتها اخصاص وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين وفي أعلاها بيوت من الاخصاص كالغرف ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر. وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة وأثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم وبها موضع فيه قبة مشيدة عتقيقة يذكر إنه كان منزل حواء أم البشر صلى الله عليها عند توجهها إلى مكة فبنى ذلك المبنى عليه تشيهرا لبركته وفضله والله أعلم بذلك.\rوفيها مسجد مبارك منسوب إلى عمر بن الخطاب ﵁ ومسجد آخر له ساريتان من خشب الآبنوس ينسب أيضا إليه رضى الله عنه ومنهم من يسنبه إلى هارون الرشيد رحمة الله عليه.\rوأكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشراف علويون: وحسنيون وحسينيون وجعفريون رضى الله عن سلفهم الكريم وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقا، ويستخدمون انفسهم في كل مهنة من المهن: من إكراء جمال أن كانت لهم أو مبيع لبن أو ماء إلى غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه وربما تنأول ذلك نساؤهم الشريفات بأنفسهن فسبحان المقدر لما يشاء ولا شك انهم أهل بيت ارتضى الله لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا جعلنا الله ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.\rوبخارج هذه البلد مصانع قديمة تدل على قدم اختطاطها ويذكر أنها كانت من مدن الفرس وبها جباب١ منقورة في الحجر الصلد يتصل","footnotes":"١ جباب، الواحد جب: البئر الكثيرة الماء، البعيدة القعر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484130,"book_id":4102,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":73,"body":"بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة هي داخل البلد وخارجه حتى إنهم يزعمون أن التي خارج البلد ثلثمائة وستون جبا ومثل ذلك داخل البلد وعاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذ ها الإحصاء وعجائب الموضوعات كثيرة فسبحان المحيط علما بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484131,"book_id":4102,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":74,"body":"شيع يستغلون الحجاج\rوأكثر أهل هده الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم قد تفرقوا على مذاهب شتى وهم يعتقدون في الحاج ما لايعتقد في أهل الذمة قد صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها: ينتهبونهم انتهابا ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلابا. فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤنة إلى أن ييسر الله رجوعه إلى وطنه. ولولا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لا ينادي وليده١ ولا يلين شديده. وجعل عوض ذلك مالا وطعاما يأمر بتصويلهما إلى مكثر٢ أمير مكة فمتى ابطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمر إلى ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم٣ بسبب المكوس. واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة فأمسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور. فورد أمره بان يضمن الحاج بعضهم بعضا ويدخلوا إلى حرم الله فإن ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين وإلا فهو لا يترك ماله قبل الحاج. هذا لفظه كأن حرم الله ميراث بيده محلل له اكتراؤه من الحاج. فسبحان مغير السنن ومبدلها.","footnotes":"١ أي لا يزجر وليده إذا اختلس شيئا.\r٢ سيأتي ذكر هذا الأمير.\r٣ التثقيف: التقويم والتهذيب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484132,"book_id":4102,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":75,"body":"والذي جعل له صلاح الدين بدلا من مكس الحاج ألفا دينار اثنان وألفا إردب من القمح وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الإشبيلي عند نا حاشى اقطاعات اقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور ولولا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج. فاحق بلادالله بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله هذه البلاد الحجازية لما هم عليه من حل عرى الإسلام واستحلال أموال الحاج ودمائهم.\rفمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس اسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح لهذا السبب وبما يصنع بالحاج مما لا يرتضيه الله ﷿. فراكب هذا السبيل راكب خطر ومعتسف غرر١. والله قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال فكيف وبيت الله الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام وجعلوه سببا إلى استلاب الأموال واستحقاقها من غير حل ومصادرة الحجاج عليها وضرب الذلة والمسكنة الدنية عليهم تلافاها الله عن قريب بتطيهر يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين٢ أنصار الدين وحزب الله أولي الحق والصدق والذابين عن حرم الله ﷿ والغائرون٣ على محارمه والجادين في اعلاء كلمته واظهار دعوته ونصر ملته إنه على ما يشاء قدير وهو نعم المولى ونعم النصير.","footnotes":"١ الغرر: الهلاك.\r٢ الموحدون: هم أصحاب الدولة التي سادت المغرب والأندلس بين القرنين السادس والسابع للهجرة.\r٣ الغائرون: ذو الغيرة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484133,"book_id":4102,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":76,"body":"لا إسلام إلا في الغرب\rوليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد إنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب لأنهم على جادة واضحة لابنيات٤ لها. وما سوى ذلك مما بهذه","footnotes":"٤ الجادة: معظم الطريق ووسطه. بنياتها: الطرق الصغيرة المتفرعة منها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484134,"book_id":4102,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":77,"body":"الجهات المشرقية فأهواء وبدع وفرق ضالة وشيع إلا من عصم الله ﷿ من أهلها كما إنه لاعدل ولا حق ولا دين على وجهها إلا عند الموحدين اعزهم الله فهم آخر أئمة العدل في الزمان. وفي كل م سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة يعشرون١ تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم ويستجلبون أموالهم كل حيلة وسبب ويكربون طرائق من الظلم لم يسمع بمثلها اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين الذي قد ذكرنا سيرته ومناقبه لو كان له أعوان على الحق..... مما أريد والله ﷿ يتلافى المسلمين بجميل نظره ولطيف صنعه.","footnotes":"١ يعشرون: يأخذون العشر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484135,"book_id":4102,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":78,"body":"الدعوة المؤمنية الموحدية\rومن عجيب ما شاهدناه في أمر الدعوة المؤمنية الموحدية وانتشار كلمتها بهذه البلاد واستشعار أهلها لملكتها أن أكثر اهللها منهم بل الكل منهم يرمزون بذل رمزا خفيا حتى يؤدى ذلك بهم إلى التصريح وينسبون ذلك لآثار حدثا نية وقعت بأيدي بعضهم انذرت باشياء من الكوائن فعاينوها صحيحة.\rفمن بعض الآثار المؤذنة بذلك عندهم أن بين جامع ابن طولون والقاهرة برجين مقتربين عتقى البناء على أحدهما تمثال ناظر إلى المشرق فكانوا يرون أن أحدهما إذا سقط أنذر بغلبة أهل الجهة التي كان ناظرا إليها على ديار مصر وسواها. وكان من الاتفاق العجيب أن وقع التمثال الناظر إلى المشرق فتلا وقوعه استيلاء الغز٢ على الددولة العبيدية وتملكهم ديار مصر وسائر البلاد. وهم الآن متوقعون سقوط التمثال","footnotes":"٢ الغز: جنس من الترك، ويريد صلاح الدين وجيشه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484136,"book_id":4102,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":79,"body":"الغربي وحدثان ما يؤملونه من ملكة اهله لهم أن شاء الله.\rولم يبق إلا الكائنة السعيدة من تملك الموحدين لهذه البلاد فهم يستطلعون بها صبحا جليا ويقطعون بصحتها ويرتقونها ارتقاب الساعة التي لا يمترون في إنجاز وعدها. شاهدنا في ذلك بالإسكندرية ومصر وسواهما مشافهه وسماعا أمرا غريبا يدل على أن ذلك الأمر العزيز أمر الله الحق دعوته الصدق ونمى إلينا أن بعض فقهاء هذه البلاد المذكورة وزعمائها قد حسر خطبا أعدها للقيام بها بين يدي سيدنا أمير المؤمنين أعلى الله أمره وهو يترقب ذلك اليوم ارتقاب يوم السعادة وينتظره انتظار الفرج بالصبر الذي هو عبادة والله ﷿ يبسطها من كلمة ويعليها من دعوة إنه على ما يشاء قدير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484137,"book_id":4102,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":80,"body":"من جدة إلى الحرم الشريف\rوفي عشي يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور وهو الثاني من شهر أغشت كان انفصالنا من جدة بعد أن ضمن الحجاج بعضهم بعضا وثبتت أسماؤهم في زمام١ عند قائد جدة علي بن موفق حسبما نفذ إليه أمر ذلك من سلطانه صاحب مكة مكثر بن عيسى المذكور وهذا الرجل مكثر من ذرية الحسن بن علي رضوان الله عليهما لكنه ممن يعمل غير صالح فليس من أهل سلفه الكريم رضى الله عنهم.\rوأسرينا تلك الليلة إلى أن وصلنا القرين مع طلوع الشمس وهذا الموضع هو منزل الحاج ومحط رحالهم ومنه بحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه فإذا كان في عشية رفعوا وأسروا ليلتهم وصبحوا الحرم الشريف زاده الله تشريفا وتعظيما. والصادرون من الحج ينزلون به أيضا ويسرون منه إلى","footnotes":"١ الزمام: لعله أراد السجل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484138,"book_id":4102,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":81,"body":"جدة وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة والحاج بسبها لا يحتاجون إلى تزوج الماء غير ليلة اسرائهم إليه. فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين فلما حان العشى رحنا منه محرمين بعمرة فأسرينا ليلتنا تلك فكان روصولنا مع الفجر إلى قريب الحزم فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء.\rودخلنا مكة حرسها الله في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر لربيع المذكور وهو الرابع من شهر أغشت على باب العمرة وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة والقمر قد ألقى على السيطه شعاعه والليل قد كف عنا قناعه الأصوات تصك الأذان بالتلبية من كل مكان الألسنة تصج بالدعاء وتبتهل إلى الله بالرعباء فتارة تشتد بالتلبية وآونة تتضرع بالأدعية فيالها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر١، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر. إلى أن وصلنا في الساعة المذكورة من اليوم المذكور حرم الله العظيم ومبوأ٢ الخليل إبراهيم فألفينا الكعبة البيت الحرام عروسا مجلوة مزفوفة إلى جنة الرضوان محفوفة بوفود الرحمن فطفنا طواف القدوم ثم صلينا بالمقام الكريم وتعلقنا بأستار الكعبة عند المتلزم وهو بين الحجر الأسود والباب وهو موضع استجابة الدعوة ودخلنا قبة زمزم وشربنا من مائها وهو لما شرب له كما قال ﷺ ثم سعينا بين الصفا والمروة ثم حلقنا وأحللنا فالحمد لله لذي كرمنا بالوفادة عليه وجعلنا ممن انتهت الدعوة الإبراهيمية٣ إليه وهو حسنا ونعم الوكيل.\rوكان نزولنا فيها بدار تعرف بالنسبة إلى الحلال قريبا من الحرم ومن باب السدة أحد أبوابه في حجرة كثيرة المرافق المسكنية مشرفة على الحرم وعلى الكعبة المقدسة.","footnotes":"١ أي لا مثيل لها.\r٢ المبوأ: المنزل.\r٣ أراد بالدعوة الإبراهمية الإسلام، نسبة إلى إبراهيم الخليل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484139,"book_id":4102,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":82,"body":"شهر جمادي الأولى عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة الإثنين الثاني والعشرين لاغشت وقد كمل لنا بمكة شرفها الله تعالى ثمانية شعر يوما فهلال هذا الشهر أسعد هلال اجتلته أبصارنا فيما سلف من أعمارنا طلع علينا وقد تبوأنا مقعد الجدار الكريم وحرم الله العظيم والقبة التي فيها مقام إبراهيم مبعث الرسول ومهبط الروح الأمين جبريل بالوحي والتنزيل فأوزعنا١ الله شكر هذه المنة وعرفنا قدر ما خصنا به من نعمة وختم لنا بالقبول وأجرانا على كريم عوائده من الصنع الجميل ولطيف التيسير والتسهيل بعزته وقدرته لا إله سواه.","footnotes":"١ أوزعنا: ألهمنا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484140,"book_id":4102,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":83,"body":"ذكر المسجد الحرام والبيت العتيق كرمه الله وشرفه\rالبيت المكرم له أربعة أركان وهو قريب من التربيع وأخبرني زعيم الشيبيين الذين إليهم سدانة البيت وهو محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن من ذرية عثمان بن طلحة بن شيبة بن طلحة بن عبد الدار صاحب رسول الله ﷺ وصاحب حجابة البيت أن ارتفاعه في الهواء من الصفح٢ الذي يقابل باب الصفا وهو من الحجر الأسود إلى الركن اليماني تسع وشعرون ذراعا وسائر الجوانب ثمان وعشرون بسبب انصباب السطح إلى الميزاب. فأول اركانه الركن الذي فيه الحجر الأسود ومنه ابتداء الطواف ويتقهقر الطائف عنه ليمر جميع بدنه به والبيت المكرم عن يساره وأول مايلقى بعده الركن العراقي وهو ناظر إلى الجهة الشمال ثم الركن الشامي وهو ناظر إلى جهة الغرب ثم الركن اليماني وهو ناظر","footnotes":"٢ الصفح: الجانب والوجه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484141,"book_id":4102,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":84,"body":"إلى جهة الجنوب ثم يعود إلى الركن الأسود وهو ناظر إلى جهة الشرق وعند ذلك يتم شوطا واحدا.\rوباب البيت الكريم في الصفح الذي بين الركن العراقي وركن الحجر الأسود وهو قريب من الحجر بعشرة أشبار مخففة وذلك الموضع الذي بينهما من صفح البيت يسمى المتلزم وهو موضع استجابة الدعاء والباب الكريم مرتفع عن الأرض بأحد عشر شبرا ونصف وهو من فضة مذهبة بديع الصنعة رائق الصفة يستوقف الأبصار حسنا وخشوعا للمهابة التي كساها الله بيته وعضادتاه كذلك والعتبة العليا كذلك أيضا وعلى رأسها لوح ذهب خالص إبريز في سعته مقدار شبرين وللباب نقارتا فضة كبيرتان يتعلق عليهما قفل الباب وهو ناظر للشرق وسعته ثمانية أشبار وطوله ثلاثة عش شبرا وغلظ الحائط الذي ينوى عليه الباب خمسة أشبار.\rوداخل البيت الكريم مفروش بالرخام المجزع وحيطانه كلها رخام مجزع قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج١ مفرطة الطول وبين كل عمود وعمود أربع خطا وهي على طول البيت متوسطة فيه فأحد الأعمدة وهو أولها يقابل نصف الصفح الذي يحف به الركنان إليمانيان وبينه وبين الصفح مقدار ثلاث خطا والعمود الثالث وهو آخرها يقابل الصفح الذي يحف به الركنان العراقي والشامي.\rودائر البيت كله من نصفه الأعلى مطلي بالفضة المذهبة الثخينة يخيل للناظر إليها أنها صفيحة ذهب لغظها وهي تحف بالجوانب الأربعة وتمسك مقدار نصف الجدار الأعلى.\rوسقف البيت مجلل بكساء من الحرير الملون. وظاهر الكعبة كلها من الأربعة جوانب مكسو بستور من الحرير الأخضر وسداها قطن وفي أعلاها","footnotes":"١ الساج: شجر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484142,"book_id":4102,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":85,"body":"رسم بالحرير الأحمر فيه مكتوب ﴿إِنَّ أول بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ الآية١ واسم الإمام الناصر لدين الله في سعته قدر ثلاث أذرع يطيف بها كلها قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغربية التي دمصره أشكال محاريب رائقة ورسوم مقروءة مرسومة بذكر الله تعالى وبالدعاء للناصر العباسي المذكور الأمر باقامتها وكل ذلك لا يخالف لونها وعدد الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون سترا وفي الصفحين الكبيرين منها ثمانية عشر وفي الصفحين الصغيرين ستة عشر وله خمسة مضاوئ٢ وعليها زجاج عراقي بديع النقش أحد ها في وسط السقف ومع كل ركن مضوى وألواح د منها لايظهر لأنه تحت القبو المذكور بعد وبين الأعمدة أكواس من الفضة عددها ثلاث عشرة وإحداها من ذهب.\rوأول ما يلقى الداخل على الباب عن يساره الركن الذي خارجه الحجر الأسود وفيه صندوقان فيهما مصاحف وقد علاهما في الركن بويبان من فضة كأنهما طاقان ملصقان بزاوية الركن وبينهما وبين الأرض أزيد من قامة وفي الركن الذي يليه وهو اليماني كذلك لكنهما انقلعا وبقي العود الذي كانا ملصقين عليه وفي الركن الشامي كذلك وهما باقيان وفي جهة الركن العراقي كذلك وعن يمينه الركن العراقي وفيه باب يسمى بباب الرحمة يصعد منه إلى سطح البيت المكرم وقد قام له قبو فهو متصل بأعلى سطح البيت داخله الأدراج.\rوفي أوله البيت المحتوى على المقام الكريم فتجد للبيت العتيق بسب هذا القبو خمسة أركان وفي سعة صفحية قامتان وهو محتو على الركن العراقي بنصفين من كل صفح وثلثا قناة هذا القبو مكسوان سرق الحرير الملون كأنه قد لف فيه ثم وضع.","footnotes":"١ سورة آل عمران، الآية ٩٦.\r٢ المضاوئ: مواضع للإضاءة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484143,"book_id":4102,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":86,"body":"وهذا المقام الكريم الذي داخل هذا القبو هو مقام إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وهو حجر مغشى بالفضة وراتفاعه مقدار ثلاثة أشبار وسعته مقدار شبرين وأعلاه اوسع من اسفله فكانه وله التنزيه والمثل الأعلى كانون فخار كبير اوسطه يضيق عن اسفله وعن أعلاه عايناه وتبركنا بلمسه وتقبيله وصب لنا في أثر القدمين المباركتين ماء زمزم فشربناه نقعنا الله به وأثرهما بين وأثر الاصابع المكرمة المباركة فسبحان من ألأنه لواطئه حتى اثرت فيه ولا تأثير القدم في الرمل الوثير سبحان جاعله من الآيات البينات. ولمعاينته ومعاينة البيت الكريم هول يشعر النفوس من الذهول ويطيش الأفئدة والعقول فلا تبصر إلا لحظات خاشعة وعبرات هامعة ومدامع باكية وألسنة إلى الله ﷿ ضارعة داعية.\rوبين الباب الكريم والركن العراقي حوض طوله اثنا عشر شبرا وعرضه خمسة أشبار ونصف وارتفاعه نحو شبر متصل من قابلة عضادة الباب التي تلي الركن المذكور أخذا إلى جته وهو علامة موضع المقام مدة إبراهيم ﵇ إلى أن صرفه النبي ﷺ إلى الموضع الذي هو الآن مصلى وبقى الحوض المذكور مصبا لماء البيت إذا غسل وهو موضع مبارك يقال: إنه روضة من رياض الجنة والناس يزدحمون للصلاة فيه وأسفله مفروش برملة بيضاء وثيرة.\rوموضع المقام الكريم هو الذي يصلى خلفه يقابل ما بين الباب الكريم والركن العراقي وهو إلى الباب أميل بكثير وعليه قبة خشب في مقدار القامة أو أزيد مركنة١ محددة بديعة النقش سعتها من ركنها ألواح د إلى الثاني أربعة أشبار وقد نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وحوله تكفيف٢ من حجارة نصت على حرف كالحوض المستطيل في ارتفاعه نحو شبر وطوله","footnotes":"١ مركنة: ذات أركان.\r٢ التكفيف: لغظة عامية يراد بها ما يكف من الثوب أي حاشيته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484144,"book_id":4102,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":87,"body":"خمس خطا وعرضه ثلاث خطا وأدخل المقام إلى الموضع الذي وصفناه في البيت الكريم احتياطا عليه بينه وبين صفح البيت الذي يقابله سبع عشرة خطوة والخطوة كلها فيها ثلاثة أشبار.\rولموضع المقام أيضا قبة مصنوعة من حديد موضوعة إلى جانب قبة زمزم فإذا كان في أشهر الحج وكثر الناس ووصل العراقيون والخراسانيون رفعت قبة الخشب ووضعت قبة الحديد لتكون أحمل للازدحام.\rومن الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن العراقي أربعة وخمسون شبرا مخففة ومن الحجرالأسود إلى الأرض ستة أشبار فالطويل يتطأمن١ إليه والقصير يتطأول إليه ومن الركن العراقي إلى الركن الشامي ثمانية وأربعون شبرا مخففة وذلك داخل الحجر وأما من خارج فمنه إليه أربعون خطوة وهي مائة وعشرون شبرا مخففة ومن خارجة يكون الطواف ومن الركن الشامي إلى الركن اليماني ما من الركن الأسود إلى العراقي لأنه الصفح الذي يقابله ومن اليماني إلى الأسود ما من العراقي إلى الشامي داخل الحجر لأنه الصفح الذي يقابله.\rوموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنها الرخام حسنا منها سود وسمر وبيض قد ألصق بعضها إلى بعض واتسعت عن البيت بقمدار تسع خطا إلا في الجهة التي تقابل المقام فإنها امتدت إليها حتى احاطت به وسائر الحرم مع البلاطات كلها مفروش برمل أبيض وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة، وبين الركن العراقي وبين أول جدار الحجر مدخل إلى الحجر سعته أربع خطا وهي ست أذرع محققة كلناها باليد وهذا الموضع الذي لم يحجر٢ عليه هو الذي تركت قريش من البيت وهو ست أذرع حسبما وردت به الآثار الصحاح ويقابله عند الركن الشامي مدخل آخر على مثال تلك السعة\rويبن جدار البيت الذي تحت الميزاب والذي يقابله من جدار الحجر على خط","footnotes":"١ يتطأمن: ينحني.\r٢ يحجر: يجعل عليه سور أو حاجز.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484145,"book_id":4102,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":88,"body":"استواء يشق وسط الصحن المذكور أربعون شبرا وسعته من المدخل إلى المدخل ست عشرة خطوة وهو ثمانية وأربعون شبرا وهو يعني دور الجدار رخام كله مجزع بديع الإلصاق ... وهناك قضبان صفر مذهبة وضع منها في صفحة أشكال شطر نجية متادخلة بعضها على بعض وصفات محاريب فإذا ضربت الشمس فيها لاح لها بضيص ولالاء يخيل للناظر إليها أنها ذهب يرتمى بالأبصار شعاعه.\rوفي ارتفاع جدار هذا الحجر الرخامي خمسة أشبار ونصف وسعته أربعة أشبار ونصف. وداخل الحجر بلاط واسع ينعطف عليه الحجر كأنه ثلثا دائرة وهو مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكف إلى دور الدينار إلى ما فوق ذلك ثم الصق بانتظام بديع وتأليف معجز الصنعة غريب الاتقان رائق الترصيع والتجزيع رائع التركيب والرصف يبصر الناظر فيه من التعاريج والتقاطيع والخواتم والأشكال الشطرنجية وسواها على اخلاتف أنواعها صوافتها ما يقيد بصره حسنا فكأنه يجيله في أزهار مفورشة مختلفات الألوان إلى محاريب قد انعطف عليها الرخام انعطاف القسى وداخلها هذه الأشكال المصوفة والصنائع المذكورة وبإزائها رخامتان متصلتان بجدار الحجر المقابل للميزاب أحد ث لصانع فيهما من التوريق الرقيق والتشجير والتقضيب١ ما لا يحدثه الصنع اليدين٢ في الكاغد٣ قطعا بالجلمين٤ فمرآهما عجيب أمر بصنعتهما على هذه الصفة إمام المشرق أبو العباس أحد الناصر بن المستضيء بالله أبي محمدالحسن ابن المستنجد بالله ابى المظفر يوسف العباسي ﵁.","footnotes":"١ التقضيب: نحت صور القضبان. التشجير: نحت صور الأشجار. التوريق: نحت صور أوراق الشجر.\r٢ الصنع اليدين: الحاذق في العمل بهما.\r٣ الكاغد: الورق.\r٤ الجلمان: المقص.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484146,"book_id":4102,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":89,"body":"ويقابل الميزاب في وسط الحجر فوي نصف جداره الرخامي رخامة قد نقشت أبدع نقش وحفت بها طرة منقوشة نقشا مكحلا عجيبا فيه مكتوب مما أمر بعمله عبد الله وخليفته أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين وذلك في سنة ست وسبعين وخمسمائة. والميزاب في أعلى الصفح الذي يلي الحجرا المذكور وهو من صفر١ مذهب قد خرج إلى الحجر بمقدار أربع أذرع وسعته مقدار شبر وهذا الموضع تحت الميزاب هو أيضا مظنة استجابة٢ الدعوة بفضل الله تعالى وكذلك الركن اليماني ويسمى المستجار وما يليه وهذا الصفح المتصل به من جهة الركن الشامي.\rوتحت المزياب في صحن الحجر بمقربة من جدار البيت الكريم قبر إسماعيل ﷺ وعلامته رخامة خضراء مستطيلة قليلا شكل محراب تتصل بها رخامة خضراء مستديرة وكلتاهما غريبة المنظر فيهما نكت٣ تنفتح عن لونها إلى الصفرة قليلا كأنها تجزيع وهي أشبه الأشياء بالنكت التي تبقى في البيدق٤ من حل الذهب فيه وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر رضى الله عنهما وعلامته رخامة خضراء سعتها مقدار شبر ونصف يتبرك الناس بالصلاة في هذين الموضعين من الحجر وحق لهم ذلك لأنهما من البيت العتيق وقد انطبقا على جسدين مقدسين مكرمين نورهما الله ونفع ببركتهما كل من صلى عليهما وبين القبرين المقدسين سبعة أشبار.\rوقبة بئر زمزم تقابل الركن الأسود ومنها إليه أربع وعشرون خطوة والمقام المذكور الذي يصلى خلفه عن يمين القبة ومن ركنها إليه عشر خطا وداخلها مفروش بالرخام الأبيض الناصع البياض وتنور٥ البئر المباركة","footnotes":"١ الصفر: النحاس الأصفر.\r٢ مظنة استجابة: يظن أنه موضع استجابة.\r٣ النكت: النقط.\r٤ البيدق: البوتقة.\r٥ التنور: مفجر الماء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484147,"book_id":4102,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":90,"body":"في وسطها مائل عن الوسط إلى جهة الجدار الذي يقابل البيت المكرم وعمقها إحدى عشرة قامة حسبما ذرعناه وعمق الماء سبع قامات على ما يذكر وباب القبة ناظر إلى الشرق وبابا قبة العباس وقبة إليهودية ناظران إلى الشمال.\rوالركن من الصفح الناظر إلى البيت العتيق من القبة المنسوبة إلى إليهودية يتصل بالركن الأيسر من الصفح الاخير الناظر إلى الشرق من القبة العباسية فبينهما هذا القد١ من الانحراف. وتلى قبة بئر زمزم من ورائها قبة الشراب وهي المنسوبة للعباس رضى الله عنه وتلى هذه القبة العباسية على انحراف عنها قبة تنسب لليهودية وهاتان القبتان مخزنان لأوقاف البيت الكريم من مصاحف وكتب وأتوار شمع وغير ذلك والقبة العباسية لم تخل من نسبتها الشرابية لأنها كانت سقاية الحاج وهي حتى الآن يبرد فيه ماء زمزم.\rويخرج مع الليل لسقي الحاج في قلال يسمونها الدوراق كل دورق منها ذو مقبض واحد. وتنور بئر زمزم من رخام قد الصق بعضه ببعض الصاقا لاتحيله الأيام وأفرغ في اثنائه الرصاص وكذلك داخل التنور وحفت به من أعمدة الرصاص الملصقة إليه ابلاغا في قوة لزه ورصه اثنان وثلاثون عمودا قد خرجت لها رؤوس قابضة على حافة البئر دائرة بالتنور كله ودوره أربعون شبرا وارتفاعه أربعة أشبار ونصف وغلظه شبر ونصف. وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر وعمقها نحو شبرين، وارتفاعها عن الأرض خمسة أشبار تملأ ماء للوضوء وحولها مسطبة دائرة يرتفع الناس إليها ويتوضأون عليها.\rوالحجر الأسود المبارك ملصق في الركن الناظر إلى جهة المشرق ولا ندري قدر ما دخل في الركن وقيل إنه داخل في الجدار بمقدار ذراعين وسعته ثلثا شبر وطوله شبر وعقد وفيه أربع قطع ملصقة ويقال: إن","footnotes":"١ القد: المقدار.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484148,"book_id":4102,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":91,"body":"القرمطي١ لعنه الله كان الذي كسره وقد شدت جوانبه بصفيحة فضة يلوح بصيص بياضها على بصيص سواد الحجر ورونقه الصقيل فيبصر الرائي من ذلك منظرا عجيبا هو قيد الأبصار.\rوللحجر عند تقبيله لدونة ورطوبة يتنعم بها الفم حتى يود اللائم إلا يقلع فمه عنه وذلك خاصة من خواص العناية الإلهية وكفى أن النبي ﷺ قال: \"وإنه يمين الله في أرضه\". نفعنا الله باستلامه ومصفاحته وأوفد عليه كل شيق إليه بمنه.\rوفي القطعة الصحيحية من الحجر مما يلي جانبه الذي يلي يمين المستلم له إذا وقف مستقبله نقطة بيضاء صغيرة مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة المباركة وفي هذه الشامة البيضاء أثر: إن النظر إليها يجلو البصر. فيجب على المقبل أن يقصد بتقبيله موضع الشامة المذكورة ما استطاع.\rوالمسجد الحرام يطيف به ثلاثة بلاطات على ثلاث سوار من الرخام منتظمة كأنها بلاط واحد ذرعها في الطول أربعمائة ذراع وفي العرض ثلثمائة ذراع فيكون تكسيره محققا ثمانية وأربعين مرجعا٢ وما بين البلاطات فضاء كبير وكان عهد رسول الله ﷺ صغيرا وقبة زمزم خارجة عنه، وفي مقابلة الركن الشامي رأس سارية ثابتة في الأرض منها كان حد الحرم أولا وبين رأس السارية وبين الركن الشامي المذكور اثنتان وعشرون خطوة والكعبة في وسطه على استواء من الجوانب الأربعة ما بين الشرق والجنوب والشمال والغرب وعدد سواريه الرخامية التي عددتها بنفسي أربعمائة سارية وإحدى وسبعون سارية حاشى الجصية التي منها في دار الندوة وهي التي زيدت في الحرم وهي داخلة في البلاط الأخذ من الغرب إلى الشمال ويقابلها المقام مع الركن العرقي وفضاؤها متسع يدخل من","footnotes":"١ يشير إلى طاهر الجنابي وإغارته على مكة وقتله الحاج وقلعه الحجر الأسود وحمله معه إلى البحرين.\r٢ المرجع: مقياس مغربي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484149,"book_id":4102,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":92,"body":"البلاط إليه. ويتصل بجدار هذا البلاط كله مصاطب تحت قسى حنايا يجلس فيها النساخون المقرئون وبعض أهل صنعة الخياطة.\rوالحرم محدق بحلقات المدرسين وأهل العلم وفي جدار البلاط الذي يقابله أيضا مصاطب تت حنايا على تلك الصفة وهو البلاط الأخذ من الجوب إلى الشرق وسائر البلاطات تحت جداراتها مصاطب دون حنايا عليها والبنيان فيها الآن على أكمل ما يكون وعند باب إبراهيم مدخل آخر من البلاط الأخذ من الغرب إلى الجنوب فيه أيضا سوا جصية ووجدت بخط أبي جعفر بن علي الفنكي القرطبي الفقيه المحدث أن عدد سواريه أربعمائة وثمانون لأني لم أحسب التي خارج باب الصفا.\rوللمهدي محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي في توسعة المسجد الحرام والتأنق في بنائه آثار كريمة وجدت في الجهة التي من الغرب إلى الشمال مكتوبا في أعلى جدار البلاط: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعه المسجد الحرام لحاج بيت الله وعماره في سنة سبع وستين ومائة١.\rوللحرم سبع صوامع: أربع في الأربعة جوانب وواحدة في دار الندوة وأخرى على باب الصفا وهي أصغرها وهي علم لباب الصفا وليس يصعداليها لضيقها وعلى باب إبراهيم صومعة قد ذركت عند باب إبراهيم فيما بعد.\rوباب الصفا يقابل الركن الأسود في البلاط الذي من الجنوب إلى الشرق وفي وسط البلاط المقابل للباب ساريتان مقابلتان الركن المذكور فيهما منقوش: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله باقامة هاتين الأسطوانتين علما لطريق رسو الله ﷺ إلى الصفا ليتأسى٢ به حاج بيت الله وعماره على يدي يقطين بن موسى وإبراهيم بن صالح في سنة سبع","footnotes":"١ ٧٨٣ م.\r٢ يتأسى: يقتدي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484150,"book_id":4102,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":93,"body":"وستين ومائة.\rوفي باب الكعبة المقدسة نقش بالذهب رائق الخط طويل الحروف غليظها يرتمى الأبصار برونقه وحسنه مكتوب فيه مما أمر بعمله عبد الله وخليفته الإمام أبو عبد الله محمد المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين ﷺ الأئمة آبائه الطاهرين وخلد ميراث النبوة لديه وجلعها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين في سنة خمسين وخمسمائة١ في صفحتي البابين على هذا النص المذكور.\rويكتنف البابين الكريمين عضادة غليظة من الفضة المذهبة البديعة النقش تصعد إلى العتبة المباركة وتشف٢ عليها وتسدير بجانبي البابين ويعترض أيضا بين البابين عند إغلاقهما شبه العضادة الكبيرة من الفضة المذهبة هي بطول البابين متصلة بالواحد منهما الذي عن يسار الداخل إلى البيت.\rوكسوة الكعبة المقدسة من الحرير الأخضر حسبما ذكرناه وهي أربع وثلاثون شقة في الصفح الذي بين الركن اليماني والشامي منها تسع وفي الصفح الذي يقابله بين الركن الأسود والعراقي تسع أيضا وفي الصفح بين العراقي والشامي ثمان وفي الصفح بين اليماني والأسود ثمان أيضا قد صولت كلها فجاءت كأنها ستر واحد يعم الأربعة جوانب. وقد أحاط بها من اسفلها تكفيف مبنى بالجص في ارتفاعه أزيد من شبر وفي سعته شبران أو أزيد قيللا في داخله خشب غير ظاهر وقد سمرت فيه أوتاد حديد في رؤوسها حلقات حديد ظاهرة قد ادخل فيه مرس من القنب غليظ مفتول. واستدار بالجوانب الأربعة بعد أن وضع في أذيال الستور شبه حجز٣ السراويلات وأدخل فيها ذلك المرس وخيط عليه بخيوط من القطن المفتلوة الوثيقة.","footnotes":"١ ١١٥٥م.\r٢ تشف: تزيد.\r٣ حجز، الواحدة حجزة: موضع التكة من السراويل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484151,"book_id":4102,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":94,"body":"ومجتمع الستور في الأركان الأربعة مخيط إلى أزيد من قامة ثم منها إلى أعلاها تتصل بعرى من حديد تدخل بعضها في بعض. واستدار أيضا بأعلاها على جوانب السطح تكفيف ثان وقعت فيه أعالي الستور في حلقات حديد على تلك الصفة المذكورة فجاءت الكسوة المباركة مخطية الأعلى والأسفل وثيقة الإزرار لا تخلع إلا من عام إلى عام عند تجديدها فسبحان من خلد لها الشرف إلى يوم القيامة لا إله سواه.\rوباب الكعبة الكريم يفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة إلا في رجب فانه يفتح في كل يوم وفتحه أول بزوغ الشمس، يقبل سدنة البيت الشيبيون فيبادر منهم من ينقل كرسيا كبيرا شبه المنبر الواسع له تسعة أدراج مستطيلة قد وضعت له قوائم من الخشب متطأمنه مع الأرض لها أربع بكرات كبار مصفحة بالحديد لمباشرتها الأرض يجرى الكرسي عليها حتى يصل إلى البيت الكريم فيقع درجة الأعلى متصلا بالعتبة المباركة من الباب. فيصعد زعم الشيبيين إليه وهو كهل جميل الهيئة والشارة١ وبيده مفتاح القف المبارك ومعه من السدنة من يمسك في يده سترا أسود يفتخ٢ يديه به إمام الباب خلال ما يفتحه الزعيم الشيبي المذكور فإذا فتح القفل قبل العتبة ثم دخل البيت وحده وسد الباب خلفه وأقام قدر ما يركع ركعتين ثم يدخل الشيبيون ويسدون الباب أيضا ويركعون ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول\rوفي أثناء محاولة فتح الباب الكريم يقف الناس مستقبلين إياه بأبصار خاشعة وأيد مبسوطة إلى الله ضارعة وإذا انفتح الباب كبر الناس وعلا ضجيجيهم ونادوا بألسنة مستهلة: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك يا أرحم الراحمين ثم دخلوا بسلام آمنين.\rوفي الصفح المقابل للداخل فيه الذي هو من الركن اليماني إلى الركن الشامي،","footnotes":"١ الشارة: الهيئة واللباس.\r٢ يفتخ: يثني ويلين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484152,"book_id":4102,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":95,"body":"خمس رخامات منتصبات طولا كأنها أبواب تنتهي إلى مقدار خمسة أشبار من الأرض وكل واحدة منها نحو القامة الثلاث منها حمر والاثنتان خصرواوان في كل واحدة منها تجزيع بياض لم ير أحسن منظرا منه كأنه فيها تنقيط فتتصل بالركن اليماني منها الحمراء ثم تليها بخمسة أشبار الخضراء والموضع الذي يقابلها متقهقرا عنها بثلاثة اذرع هو مصلى النبي ﷺ فيزدحم الناس على الصلاة فيه تبركا به. ووضعهن على هذا الترتيب وبين كل واحدة وأخرى القدر المذكور ويتصل بينهما رخام أبيض صافي اللون ناصع البياض قد أحد ث الله ﷿ في اصل خلقته اشكالا غريبة مائلة إلى الزرقة مشجرة مغصنة وفي التي تليها مثل ذلك بعينه من الأشكال كأنها مقسومة فلو انطبقتا لعاد كل شكل يصافح شكله فكل واحدة شقة الأخرى لا محالة عند ما نشرت انشقت على تلك الأشكال فوضعت كل واحدة بإزاء أختها. والفاصل منها بين كل خضراء وحمراء رخامتان سعتهما خمسة أشبار لاعدادا الأشبار المذكورة والأشكال فيها تختلف هيئاتها وكل أخت منها بازاء اختها وقد شدت جوانب هذه الرخامات بتكايف غلظها قد اصبعين من الرخام المجزع من الأخضر والأحمر المنقطين والأبيض ذي الخيلان١ كأنها أنابيب مخروطة بحار الوهم فيها. فاعترضت في هذا الصفح المذكور من فرج الرخام الأبيض ست فرج.\rوفي الصفح الذي عن يسار الداخل وهو من الركن الأسود إلى اليماني أربع رخامات اثنتان خضراوان واثنتان حمراوان وبينهما خمس فرج من الرخام الأبيض وكل ذلك على الصفة المذكورة.\rومن الصفح الذي عن يمين الداخل وهو من الركن الأسود إلى العراقي ثلاث اثنتان حمراوان وإحدى خضراء ويتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض وهذا الصفح هو المتصل بالركن الذي فيه باب الرحمة وسعته","footnotes":"١ الخيلان، الواحد خال: الشامة في الخد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484153,"book_id":4102,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":96,"body":"ثلاثة أشبار وطوله سبعة وعضادته التي عن يمينك إذا استقبلته رخامة خضراء في سعة ثلثي شبر.\rوفي الصفح الذي من الشامي إلى العراقي ثلاث اثنتان حمراوان واحدة خضراء ويتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض على الصفة المذكورة.\rويكلل هذا الرخام المذكور طرتان واحدة على الأخرى سعة كل واحدة منهما قدر شبرين ذهب مرسوم في اللازورد قد خط فيه خط بديع وتتصل الطرتان بالذهب المنقوش على نصف الجدار الأعلى والجهة التي عن يمين الداخل لها طرة واحدة وفي هاتين الطرتين بعض مواضع دارسة.\rوفي كل ركن من الأركان الأربعة مما يلي الأرض رخامتان خضراوان صغيرتان تكتنفان الركن وتكتنف أيضا كل بابين من الفضة اللذين في كل ركن كأنهما طاقان عضادتان من الرخام الأخضر صغيرتان على قدر نقبيهما. وفي أول كل صفح من الصفحات المذكورة رخامة حمراء وفي آخره مثلها والخضراء بينهما على الترتيب المذكور إلا الصفح الذي عن يسار الداخل فأول رخامة تجدها متصلة بالركن الأسود رخامة خضراء ثم حمراء إلى كمال الترتيب الموصوف.\rوبازاء المقام الكريم منبر الخطيب وهو أيضا على بكرات أربع شبه التي ذكرناها فإذا كان يوم الجمعة وقرب وقت الصلاة ضم إلى صفح الكعبة الذي يقابل المقام وهو بين الركن الأسود والعراقي فيسند المنبر إليه ثم يقبل الخطيب داخلا على باب النبي ﷺ وهو يقابل المقام في البلاد الأخذ من الشرق إلى الشمال لا بسا ثوب سواد مرسوما بذهب ومتعمما بعمامة سوداء مرسومة أيضا وعليه طيلسان شرب رقيق كل ذلك من كساء الخليفة التي يرسلها إلى خطباء بلاده يرفل فيها وعليه السكينة والوقار يتهاديى رويدا بين رايتين سوداوين يمسكهما رجلان من قومة المؤذنين وبين يديه ساعيا أحد القومة وفي يده عود مخروط احمر قد ربط في رأسه مرس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484154,"book_id":4102,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":97,"body":"من الاديم المفتول رقيق طويل في طرفه عذبة صغيرة ينفضها بيده في الهواء نفضا فتأتى بصوت عال يسمع من داخل الحرم وخارجه كأنه إيذان بوصول الخطيب لا يزال في نفضها إلى أن يقرب من المنبر ويسمونها الفرقمة فإذا قرب من المنبر عرج إلى الحجر الأسود فقبله ودعا عنده ثم سعى إلى المنبر والمؤذن الزمزمي رئيس المؤذنين بالحرم الشريف ساعيا امامه لابسا ثياب السواد أيضا وعلى عاتقه السيف يمسكه بيده دون تقلد له فعند صعوده في أول درجة قلده المؤذن المذكور السيف ثم ضرب بنعلة سيفه فيها ضربة أسمع بها الحاضرين ثم في الثانية ثم في الثالثة فإذا انتهى إلى الدرجة العليا ضرب ضربة رابعة ووقف داعيا مستقبل الكعبة بدعاء خفي ثم انفتل عن يمينه وشماله وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيرد الناس ﵇ ثم يقعد ويبادر المؤذنون بين يديه في المنبر بالأذان على لسان واحد فإذا فرغوا قام للخطبة فذكر ووعظ وخشع فأبلغ ثم جلس الجلسة الخطيبية وضرب بالسيف ضربة خامسة ثم قام للخطبة الثانية فأكثر بالصلاة على محمد ﷺ وعلى إله ورضى عن أصحابه واختص الأربعة الخلفاء بالتسمية رضى الله عن جميعهم ودعا لعمى النبي ﷺ حمزة والعباس وللحسن والحسين ووالى الترضي عن جميعهم ثم دعا لأمهات المؤنين زوجات النبي ﷺ ورضى عن فاطمة الزهراء وعن خديدة الكبرى بهذا اللفظ ثم دعا للخليفة العباسي أبي العباس أحمد الناصر ثم لأمير مكة مكثر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم الحسني ثم لصلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ولولى عهده اخيه أبي بكر بن أيوب وعند ذكر صلاح الدين بالدعاء تخفق الألسنة بالتأمين عليه من كل مكان.\rوإذا احب الله يوما عبده\r...\rالقى عليه محبة للناس\rوحق ذلك عليهم لما يبذله من جميل الاعتناء بهم وحسن النظر لهم ولما رفعه من وظائف المكوس عنهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484155,"book_id":4102,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":98,"body":"وفي هذا التاريخ أعلمنا بأن كتابه وصل إلى الأمير مكثر وأهم فصوله التوصية بالحاج والتأكيد في مبرتهم وتأنيقهم ورفع أيدي الاعتداء عنهم والإيعاز في ذلك إلى الخدام والأتباع والأوزاع١ وقال إنه إنما نحن وأنت متقلبون في بركة الحاج فتأمل هذا المنزع الشريف والمقصد الكريم. وإحسان الله يتضاعف إلى من أحسن إلى عباده واعتناؤه الكريم موصول لمن جعل همته الاعتناء بهم والله ﷿ كفيل بجزاء المحسنين إنه ولى ذلك لا رب سواه.\rوفي أثناء الخطبة تركز الرايتان السوداوان في أول درجة من المنبر ويمسكهما رجلان من المؤذنين وفي جانبي باب المنبر حلقتان تلقى الرايتان فيهما مركوزتين فإذا فرغ من الصلاة خرج والرايتان عن يمينه وشماله والفرقعة أمامه على الصفة التي دخل عليها كأن ذلك أيضا إيذان بانصراف الخطيب والفراغ من الصلاة ثم اعيد المنبر إلى موضعه بإزاء المقام.\rوليلة أهل هلال الشهر المذكور وهو جمادي الأولى بكر أمير مكة مكثر المذكور في صبيحتها إلى الحرم الكريم مع طلوع الشمس وقواده يحفون به والقراء يقرأون أمامه فدخل على باب النبي ﷺ ورجاله السودان الذين يعرفونهم بالحرابة يطوفون أمامه وبأيديهم الحراب. وهو في هيئة اختصار٢ عليه السكينة والوقار وسمت سلفه الكريم رضى الله عنهم لابسا ثوب بياض متقلدا سيفا مختصرا متعمما بكرزية٣ صوف بيضاء رقيقة، فلما انتهى بإزاء المقام الكريم وقف وبسط له وطاء كتان فصلى ركعتين ثم تقدم إلى الحجر الأسود فقبله وشرع في الطواف وقد علا في قبة زمزم صبي هو أخو المؤذن الزمزمي هو أول المؤذنين أذانا به","footnotes":"١ الأوزاع: الجماعات، ويريد هنا الأتباع.\r٢ هيئة اختصار: في غير زينة.\r٣ الكرزية: نوع من العمائم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484156,"book_id":4102,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":99,"body":"يقتدون وله يتبعون وقد لبس أفخر ثيابه وتعمم، فعند ما يكمل الأمير شوطا واحدا وبقرب من الحجر يندفع الصبي في أعلى القبة رافعا صوته بالدعاء ويستفتحه بصبح الله مولانا الأمير بسعادة دائمة ونعمة شاملة ويصل ذلك بتهنئة الشهر بكلام مسجوع مطبوع حفيف الدعاء والثناء ثم يختم ذلك بثلاثة أبيات أو أربعة من الشعر في مدحه ومدح سلفه الكريم وذكر سابقة النبوة رضى الله عنها ثم يسكت\rفإذا أظل من الركن اليماني يريد الحجر اندفع بدعاء آخر على ذلك الأسلوب ووصله بأبيات من الشعر غير الاببيات الآخر في ذلك المعنى بعينه كانها منتزعة من قصائد مدح بها هكذا في السبعة الأشواط إلى أن يفرغ منها والقراء في أثناء طوافه أمامه فينتظم من هذه الحال والأبهة وحسن صوت ذلك الداعي على صغره لأنه ابن إحدى عشرة سنة أو نحوها وحسن الكلام الذي يورده نثرا ونظما وأصواب القراء وعلوها بكتاب الله ﷿ مجموع يحرك النفوس ويشجيها ويستوكف العيون ويبكيها تذكرا لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فإذا فرغ من الطواف ركع عند المتلزم ركعتين ثم جاء وركع خلف المقام أيضا ثم ولى منصرفا وحلبته١ تحف به ولا يظهر في الحرم إلا لمستهل هلال آخر هكذا دائما.\rوالبيت العتيق مبنى بالحجارة الكبار الصم السمر قد رص بعضها على بعض والصقت بالعقد الوثيق الصاقا لا تحيله الأيام ولا تقصمه الأزمان ومن العجيب أن قطعة انصدعت من الركن اليماني فسمرت بمسامير فضة وأعيدت كأحسن ما كانت عليه والمسامير فيها ظاهرة.\rومن آيات البيت العتيق إنه قائم وسط الحرم كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى. وحمام الحرم لا تحصى كثرة وهي من الأمن بحيث يضرب بها المثل ولا سبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامة ولا تحل فيه بوجه ولا على حال.","footnotes":"١جماعته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484157,"book_id":4102,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":100,"body":"فترى الحمام تتجلل على الحرم كله فإذا قربت من البيت عرجت عنه يمينا أو شمالا والطيور سواها كذلك وقرأت في أخبار مكة إنه لا ينزل عليه طائر إلا عند مرض يصيبه فإما أن يموت لحينه أو يبرأ فسبحان من اورثه التشريف والتكريم.\rومن آياته أن بابه الكريم يفتح في الأيام المعلومة المذكورة والحرم قد غص بالخلق فيدخله الجميع ولا يضيق عنهم بقدرة الله ﷿ ولا يبقى فيه موضع إلا ويصلى فيه كل أحد ويتلاقى الناس عند الخروج منه فيسأل بعضهم بعضا هل دخل البيت ذلك اليوم فكل يقول دخلت وصليت في موضع كذا وموضع كذا حيث صلى الجميع ولله الآيات البينات والبراهين المعجزات ﷾.\rومن عجائب اعتناء الله ﵎ به إنه لا يخلو من الطائفين ساعة من النهار ولا وقتا من الليل فلا تجد من يخبر إنه رآه دون طائف به فسبحان من كرمه وعظمه وخلد له التشريف إلى يوم القيامة.\rفي أعلى بلاطات الحرم سطح يطيف بها كلها من الجوانب الأربعة وهو مشرف كله بشرفات مبسوطة مركنة في كل جانب من الشرفة ثلاثة أركان كأنها أيضا شرفات أخر صغار والركن الأسفل منها متصل بالركن الذي يليه من الشرفة الأخرى وتحت كل صلة منها ثقب مستدير في دور الشبر منفوذ يخترقه الهواء يضرب فيه شعاع الشمس أو القمر فيلوح كأنها أقمار مستديرة يتصل ذلك بالجوانب الأربعة كلها كأن الشرفات المذكورة بنيت شقة واحدة ثم أحد ثت فيها هذه التقاطيع والتراكين فجاءت عجيبة المنظر والشكل.\rوفي النصف من كل جانب من الجوانب الأربعة المذكورة شقة من الجص معترضة بين الشرفات مخرمة فرجية طولها نحو الثلاثين شبرا تقديرا يقابل كل شقة منها صفحا١ من صفحات الكعبة المقدسة قد علت على الشرفات كالتاج.","footnotes":"١ الصفح: الجانب والسفح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484158,"book_id":4102,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":101,"body":"وللصوامع أيضا أشكال بديعة وذلك أنها ارتفعت بمقدار النصف مركنة من الأربعة جوانب بحجارة رائقة النقش عجيبة الوضع قد أحاط بها شباك من الخشب الغريب الصنعة وارتفع عن الشباك عمود في الهواء كأنه مخروط مختم١ كله بالأجر تختيما يتداخل بعضه على بعض بصنعة تستميل الأبصار حسنا وفي أعلى ذلك العمود الفحل٢ وقد استدار به أيضا شباك آخر من الخشب على تلك الصنعة بعينها وهي متميزة الأشكال كلها لا يشبه بعضها بعضا لكنها على هذا المثال المذكور من كون نصفها الأول مركنا ونصفها الأعلى عمود إلا ركن له.\rوفي النصف الأعلى من قبة زمزم والقبة العباسية التي تسمى السقاية والقبة التي تليها منحرفة عنها يسيرا المنسوبة لليهودية صنعة من قرنصة٣ الخشب عجيبة قد تأنق الصانع فيها وأحدق بأعلاها شباك مشرجب٤ من الخشب رائق الحلل والتأريج٥ وداخل شباك قبة زمزم سطح وقد قام في وسطه شبه فحل الصومعة وفي ذلك السطح يؤذن المؤذن الزمزمي وقد انخرط من ذلك الفحل عمود من الجص واستقر في رأسه صحفة حديد تتخذ مشعلا في شهر رمضان المعظم.\rوفي الصفح الناظر إلى البيت العتيق من القبة سلاسل فيها قناديل من زجاج معلقة توقد كل ليلة وفي الصفح الذي عن يمينه كذلك وهو الناظر إلى الشمال وفي كل جانب منها ثلاثة شراجيب مقومة كأنها أبواب قد قامت على سوار من الزجاج صغار لم ير أبدع منها صنعة منها ما هو مفتول فتل","footnotes":"١ مختم: مرصع.\r٢ الفحل: الكرة التي في أعلى العمود.\r٣ قرنصة: نحت.\r٤ مشرجب: مشبك على هيئة مربعات صغيرة.\r٥ التأريج، من تأرج: فاحت منه رائحة طيبة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484159,"book_id":4102,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":102,"body":"السوار ولا سيما الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من قبة زمزم فإن سواريه في نهاية من اتقان الصنعة قد أدير بكل سارية منها رءوس ثلاثة أو أربعة وتحت ما بين كل رأس ورأس واحدثت فيه صنائع من النقش عجيبة المنظر وربما فتل بعضها على الصفة السوارية.\rوهذا الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من القبة المذكورة تتصل به مصطبة من الرخام دائرة بالقبة يجلس الناس فيها معتبرين بشرف ذلك الموضع لأنه أشرف مواضع الدنيا المذكورة بشرف مواضع الآخرة لأن الحجر الأسود امامك والباب الكريم مع البيت قبالتك والمقام عن يمينك وباب الصفا عن يسارك وبئر زمزم وراء ظهرك وناهيك بهذا!\rوينطبق على كل شرجب من تلك الشراجيب أعمدة حديد قدتركب بعضها على بعض كأنها شراجيب أخر. وأحد أركان شباك الخشب المحدق بالقبة العباسية يتصل بأحد أركانه شباك قبة اليهودية حتى يتماسا. فمن يكون في أعلى سطح هذه ينفتل إلى سطح الأخرى من الركنين المذكورين وداخل هذه القباب صنعة من القرنصة الجصية رائقة الحسن.\rوللحرم أربعة ائمة سنية وأمام خامس لفرقة تسمى الزيدية١ وأشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم وهم يزيدون في الأذان: حي على خير العمل\" إثر قول المؤذن حي على الفلاح وهم روافض سبابون والله من وراء حسابهم وجزائهم ولا يجمعون٢مع الناس إنما يصلون ظهرا أربعا ويصلون المغرب بعد فرغ الأئمة من صلاتها.\rفأول الأئمة السنية الشافعي ﵀ وإنما قدمنا ذكره لأنه المقدم من الإمام العباسي وهو أول من يصلى وصلاته خلف مقام إبراهيم ﷺ وعلى نبينا الكريم، إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلونها","footnotes":"١ الزيدية: إحدى فرق الشيعة.\r٢ يجمعون: يصلون الجمعة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484160,"book_id":4102,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":103,"body":"في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها: يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة ثم يقيم مؤذنوا سائر الأئمة وربما دخل في هذه الصلاة على المصلين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي أو سلم أحد هم بغير سلام إمامه. فترى كل أذن مصيخة لصوت إمامها أو صوت مؤذنه مخافة السهو ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس. ثم المالكي ﵀ وهو يصلى قبالة الركن اليماني وله محراب حجر يشبه محاريب الطرق الموضوعة فيها. ثم الحنفي ﵀ وصلاته قبالة الميزاب تحت حطيم مصنوع له وهو أعظم الأئمة أبهة وأفخرهم آلة من الشمع وسواها بسبب أن الدولة الأعجمية كلها على مذهبه فالاحتفال له كثير وصلاته آخرا. ثم الحنبلي ﵀ وصلاته مع صلاة المالكي في حين واحد وموضع صلاته يقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني. ويصلى الظهر والعصر قريبا من الحنفي في البلاط الأخذ من الغرب إلى الشمال والحنفي يصليهما في البلاط الأخذ من الغرب إلى الجنوب قبالة محرابه ولا حطيم له. وللشافعي بإزاء المقام حطيم حفيل.\rوصفة الحطيم خشبتان موصول بينهما بأذرع شبه السلم تقابلهما خشبتان على تلك الصفة قد عقدت هذه الخشب على رجلين من الجص غير بائنة الارتفاع واعترض في أعلى الخشب خشبة مسمرة فيها قد نزلت منها خطاطيف حديد فيها قناديل معلقة من الزجاج وربما وصل بالخشبة المعترضة العليا شباك مشرجب بطول الخشبة.\rوللحنفي بين الرجلين الجصيتين المنعقدتين على الخشب محراب يصلى فيه وللحنبلي حطيم معطل هو قريب من حطيم الحنفي وهو منسوب لرامشت أحد الأعاجم ذوى الثراء وكانت له في الحرم آثار كريمة من النفقات ﵀ ويقابل الحجر حطيم معطل أيضا ينسب للوزير المقدم بهذا اللفظ المجهول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484161,"book_id":4102,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":104,"body":"ويطيف بهذه المواضع كلها دائر البيت العتيق وعلى بعد منه يسيرا مشاعيل توقد في صحاف حديد فوق خشب مركوزة فيتقد الحرم الشريف كله نورا ويوضع الشمع بين أيدي الأئمة في محاريبهم والمالكي أقلهم شمعا وأضعفهم حالا لأن مذهبه في هذه البلاد غريب والجمهور على مذهب الشافعي وعليه علماء البلاد وفقهاؤها إلا الإسكندرية وأكثر أهلها مالكيون وبها الفقيه ابن عوف وهو شيخ كبير من أهل العلم بقية الأئمة المالكية.\rوفي إثر كل صلاة مغرب يقف المؤذن الزمزمي في سطح قبة زمزم ولها مطلع على أدراج من عود في الجهة التي تقابل باب الصفا رافعا صوته بالدعاء للإمام العباسي أحمد الناصر لدين الله ثم للأمير مكثر ثم لصلاح الدين أمير الشام وجهات مصر كلها واليمن ذي المآثر الشهيرة والمناقب الشريفة فإذا انتهى إلى ذكره بالدعاء ارتفعت أصوات الطائفين بالتأمين بألسنة تمدها القلوب الخالصة والنياب الصادقة وتخفق الألسنة بذلك خففا يذيب القلوب خشوعا لما وهب الله لهذا السلطان العادل من الثناء الجميل وألقى عليه من محبة الناس وعاد الله شهدائه في أرضه ثم يصل ذلك بدعاء لأمراء اليمن من جهة صلاح الدين ثم لسائر المسلمين والحجاج والمسافرين وينزل هكذا دأبه دائما أبدا.\rوفي القبة العباسية المذكورة خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة١ أصحاب رسول الله ﷺ وبخط زيد بن ثابت رضى الله عنه منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله ﷺ وينقص منه ورقات كثيرة وهو بين دفتي عود مجلد يمغاليق من صفر كبير الورقات واسعها عايناه وتركنا بتقبيله ومسح الخدود فيه نفع الله بالنية في ذلك.\rوأعلمنا صاحب القبة المتولى لعرضه علينا: أن أهل مكة متى أصابهم قحط أو نالتهم شدة في أسعارهم أخرجوا المصحف المذكور وفتحوا باب البيت الكريم","footnotes":"١ هو مصحف عثمان بن عفان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484162,"book_id":4102,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":105,"body":"ووضعوه في العتبة المباركة مع المقام الكريم مقام الخليل إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم واجتمع الناس كاشفين رءوسهم داعين متضرعين وبالمصحف الكريم والمقام العظيم إلى الله متوسلين فلا ينفصلون عن مقامهم ذلك إلا ورحمة الله عن وجل قد تداركتهم والله لطيف بعباده لا إله سواه.\rوبإزاء الحرم الشريف ديار كثيرة لها أبوباب يخرج منها إليه. وناهيك بهذا الجوار الكريم كدار زبيدة ودار القاضي ودار تعرف بالعجلة وسواها من الديار وحول الحرم أيضا ديار كثيرة تطيف به ذات مناظر وسطوح يخرج منها إلى سطح الحرم فيبيت أهلها فيه ويبردون ماءهم في أعالي شرفاته فهم من النظر إلى البيت العتيق دائما في عبادة متصلة الله يهنهم ما خصهم به من مجاورة بيته الحرام بمنه وكرمه.\rوألفيت بخط الفقيه الزاهد الورع أبي جعفر الفتكي القرطبي: أن ذرع المسجد الحرام في الطول والعرض ما أثبته أولا وطول مسجد رسول الله ﷺ ثلاثمائة ذراع وعرضه مائتان وعدد سواريه ثلاثمائة ومباراته ثلاث فيكون تكسيره أربعة وعشرين مرجعا١ من المراجع المغربية وهي خمسون ذراعا في مثلها، وطول مسجد بيت المقدس أعاده الله للإسلام سبعمائه وثمانون ذراعا وعرضه أربعمائة وخمسون ذراعا وسواريه أربعمائة وأربع عشرة سارية وقناديله خمسمائة وأبوابه خمسون بابا فيكون تكسيره من المراجع المذكورة مائة مرجع وأربعين مرجعا وخمسى مرجع.","footnotes":"١ المرجع: مقياس للأراضي استعمل في المغرب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484163,"book_id":4102,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":106,"body":"ذكر أبواب الحرم الشريف قدسه الله\rللحرم تسعة عشر بابا أكثرها مفتح على أبواب كثيرة حسبما يأتي ذكره إن شاء الله.\rباب الصفا: يفتح على خمسة أبواب وكان يسمى قديما بباب بنى مخزوم.\rباب الخلقيين: ويسمى باب جياد الأصغر مفتح على بابين وهو محدث.\rباب العباس، ﵁ وهو يفتح على ثلاثة أبواب.\rباب علي، رضى الله عنه: مفتح على ثلاثة أبواب.\rباب النبي، ﷺ: يفتح على بابين.\rباب صغير أيضا بإزاء باب بني شيبة المذكور: لا اسم له.\rباب بني شيبة: وهو يفتح على ثلاثة أبواب وهو باب بنى عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء.\rباب دار الندوة: ثلاثة١ البابان من دار الندوة منتظمان، والثالث في الركن الغربي من الدار.\rفيكون عدد أبواب الحرم بهذا الباب المنفرد عشرين بابا.\rباب صغير بإزاء باب بنى شيبة شبه خوخة الأبواب٢: لا اسم له وقيل: إنه يسمى باب الرباط لأنه يدخل منه لرباط الصوفية.\rباب صغير لدار العجلة: محدث.\rباب السدة: واحد.\rباب العمرة: واحد.","footnotes":"١ أي يفتح على ثلاثة أبواب.\r٢ الخوخة: الباب الصغير في الباب الكبير.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484164,"book_id":4102,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":107,"body":"باب حزورة: على بابين.\rباب إبراهيم، ﷺ: واحد.\rباب ينسب لحزورة أيضا: على بابين.\rباب جياد الأكبر: على بابين.\rباب جياد الأكبر أيضا: على بابين.\rباب ينسب لجياد أيضا: على بابين. ومنهم من ينسب الباين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية إلى الدقاقين والروايات فيها تختلف لكنا اجتهدا في إثبات الأقرب من أسمائها إلى الصحة والله المتسعان لا رب سواه.\rوباب إبراهيم ﷺ هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناس الفقيه الذي كان إمام المالكية في الحرم ﵀ وفيها أيضا غرفة هي خزانة للكتب المحبسة على المالكية في الحرم. والزاوية المذكورة متصلة بالبلاط الأخذ من الغرب إلى الجنوب وخارجة عنه. وبإزاء الباب المذكور عن يمين الداخل عليه صومعة على غير أشكال الصوامع المذكورة فيها تخاريم في الجص مستطيلة الشكل كأنها محاريب قد حفت قرنصة غريبة الصنعة وعلى الباب قبة عظيمة بائنة العلو يقترب من الصومعة ارتفاعها قد ضمن داخلها غرائب من الصنعة الجصية والتخاريم القرنصية يعجز عنها الوصف وظاهرها أيضا تقاطيع في الجص كأنها أرجل مدورة قدتركبت دائرة على دائرة وفحل الصومعة١ المذكورة على ارجل من الجص مفتح ما بين كل رجل ورجل وخارج باب إبراهيم بئر تنسب إليه ﵇.\rوإنما بدئ بباب الصفا لأنه أكبر الأبواب وهو الذي يخرج عليه إلى السعي وكل وافد إلى مكة شرفها الله يدخلها بعمرة فيستحب له الدخول على باب بني شيبة ثم يطوف سبعا ويخرج على باب الصفا ويجعل طريقه بين","footnotes":"١ الفحل هنا: بمعنى القبة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484165,"book_id":4102,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":108,"body":"الاسطوانتين اللتين أمر المهدي ﵀ بإقامتهما علما لطريق رسول الله ﷺ إلى الصفا حسبما تقدم ذكره وبين الركن اليماني وبينهما ست وأربعون خطوة ومنهما إلى باب الصفا ثلاثون خطوة ومن باب الصفا إلى الصفا ست وسبعون خطوة. وللصفا أربعة عشر درجا وهو على ثلاثة أقواس مشرقة والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة وقد أحد قت به الديار وفي سعته سبع عشرة خطوة.\rوبين الصفا والميل الأخضر ما يأتي ذكره. والميل سارية خضراء وهي خضرة صباغية وهي التي إلى ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل إلى المروة وعن يسار الساعي إليها. ومنها يرمل١ في السعي إلى الميلين الاخضرين وهما أيضا ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة ألواح دى منهما بإزاء باب علي في جدار الحرم وعن يسار الخارج من الباب والميل الآخر يقابله في جدار دار تتصل بدار الأمير مكثر وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج الفيت فيه منقوشا برسم مذهب ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ... الآية٢ وبعدها أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين أعز الله نصره في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة٣. وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة ومن الميل إلى الميلين خمس وسبعون خطوة وهي مسافة الرمل جائيا وذاهبا من الميل إلى الميلين ثم من الميلين إلى الميل ومن الميلين إلى المروة ثلثمائة وخمس وعشرون خطوة فجميع خطا الساعي من الصفا إلى المروة أربعمائة خطوة وثلاث وتسعون خطوة.\rوأدراج المروة خمسة وهي بقوس واحد كبير وسعتها سعة الصفا سبع","footnotes":"١ يرمل: يمشي سريعا.\r٢ سورة البقرة، الآية ١٥٨.\r٣ ١١٧٧م.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484166,"book_id":4102,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":109,"body":"عشرة خطوة.\rوما بين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيله بجيمع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية والساعون لا يكادون يخلصون من كثرة الزحام وحوانيت الباعة يمينا وشمالا وما للبلدة سوق منتظمة سواها إلا البزازين والعطارين فهم عند باب بني شيبة تحت السوق المذكورة وبمقربة تكادتتصل بها.\rوعلى الحرم الشريف جبل أبي قبيس وهو في الجهة الشرقية يقابل ركن الحجر الأسود وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الطيبة ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه. وقرأت في أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي إنه أول جبل خلقه الله ﷿ وفيه استودع الحجر زمن الطوفان وكانت قريش تسميه الأمين لأنه أرى الحجر إلى إبراهيم ﷺ وفيه قبر آدم صلوات الله عليه وهو أحد أخشبي مكة١ والاخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية. صعدنا إلى جبل أبي قبيس المذكور وصلينا في المسجد المبارك وفيه موضع موقف النبي ﷺ عند انشقاق القمر له بقدرة الله ﷿ وناهيك بهذه الفضيلة والبركة والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء حتى الجمادات من مخلوقاته لا إله سواه.\rوفي أعلاه آثار بناء جص مشيد كان اتخذه معقلا أمير البلد عيسى أبو مكثر المذكور فهدمه عليه أمير الحج العراقي لمخالفة صدرت عنه فغادره خرابا.\rوألفيت منقوشا على سارية خارج باب الصفا تقابل السارية ألواح دى من اللتين أقيمتا علما لطريق النبي ﷺ إلى الصفا داخل الحرم المتقدمتي الذكر: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله","footnotes":"١ أخشبا مكة: جبلا أبي قبيس وقعيقعان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484167,"book_id":4102,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":110,"body":"تعالى بتوسعه المسجدالحرام مما يلي باب الصفا لتكون الكعبة في وسط المسجد في سنة سبع وستين ومائة فدل ذلك المكتوب على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد وكان يظن بها الانحراف إلى جهة باب الصفا فاختبرنا جوانبها المباركة بالكيل فوجدنا الأمر صحيحا حسبما تضمه رسم السارية.\rوتحت ذلك النقش في أسفل السارية منقوش أيضا: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعة الباب الأوسط الذي بين هاتين الأسطوانتين وهو طريق رسول الله ﷺ إلى الصفا.\rوفي أعلى السارية التي تليها منقوش أيضا: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤنين أصلحه الله بصرف الوادي إلى مجراه على عهد أبيه إبراهيم ﷺ وتوسعته بالرحاب التي حول المسجدالحرام لحاج بيت الله وعماره وتحتها أيضا منقوش ما تحت الأول من ذكر توسعة الباب الأوسط، والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم ﷺ ومجراه على باب الصفا المذكور وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرم فكان مدة مده بالامطار يطاف حول الكعبة سبحا فأمر المهدي ﵀ برفع موضع في أعلى البلد يسمى رأس الردم فمتى جاء السيل عرج عن ذلك الردم إلى مجراه واستمر على باب إبراهيم إلى الموضع الذي يسمى المسفلة ويخرج عن البلد ولا يجرى الماء فيه إلا عند نزول ديم المطر الكثير وهو الوادي الذي عنى ﷺ بقوله حيث حكى الله ﵎ عنه: \" ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ \"١ فسبحان من أبقى له الآيات البينات.","footnotes":"١ سورة إبراهيم، الآية ٣٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484168,"book_id":4102,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":111,"body":"ذكر مكة شرفها الله تعالى وآثارها الكريمة وأخبارها الشريفة\rهي بلدة قد وضعها الله ﷿ بين جبال محدقة بها وهي بطن واد مقدس كبير مستطيلة تسع من الخلائق مالا يحصيه إلا الله ﷿.\rولها ثلاثة أبواب: أولها باب المعلى ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون. وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية عليها علم شبيه البرج يخرج منها إلى طريق العمرة وتلك الثنية تعرف بكداء وهي التي عنى حسان بقوله في شعره:\rتثير النقع موعدها كداء١\rفقال النبي ﷺ يوم الفتح: \"ادخلوا من حيث قال حسان\". فدخلوا من تلك الثنية وهذا الموضع الذي يعرف بالحجون هو الذي عناه الحارث بن مضاض الجرهمي بقوله:\rكإن لم يكن بين الحجون إلى الصفا\r...\rأنيس ولم يسمر بمكة سامر\rبلى نحن كنا أهلها فأبادنا\r...\rصروف الليالي والحدود العوائر\rوبالجبانة المذكورة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين قد دثرت مشاهدهم المباركة وذهبت عن أهل البلد أسماؤهم. وفيه الموضع الذي صلب فيه الحجاج بن يوسف جازاه الله جثة عبد الله ابن الزبير ﵄. وعلى الموضع بقية علم ظاهر إلى اليوم وكان عليه مبنى مرتفع فهدمه أهل الطائف غيره منهم على ما كان يجدد من لعنة صاحبهم","footnotes":"١ هو عجز بيت لحسان بن ثابت صدره:\rعدمنا خيلنا إن لم تروها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484169,"book_id":4102,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":112,"body":"الحجاج المذكور. وعن يمينك إذا استقبلت الجبانة المذكورة مسجد في مسيل بين جبلين يقال إنه المسجد الذي باعيت فيه الجن النبي ﷺ وشرف وكرم.\rوعلى هذا الباب المذكور طريق الطائف وطريق العراق والصعود إلى عرفات جعلنا الله ممن يفوز بالموقف فيها وهذا الباب المذكور بين الشرق والشمال وهو إلى الشرق أميل.\rثم باب المسفل: وهو إلى جهة الجنوب وعليه طريق اليمن ومنه كان دخول خالد بن الوليد رضى الله عنه يوم الفتح.\rثم باب الزاهر: ويعرف أيضا باب العمرة وهو غربي وعليه طريق مدينة الرسول ﷺ وطريق الشام وطريق جدة ومنه يتوجه إلى التنعيم وهو أقرب ميقات المعتمرين يخرج من الحرم إليه على باب العمرة ولذلك أيضا يسمى هو بهذا الاسم.\rوالتنعيم من البلدة على فرسخ وهو طريق حسن فسيح فيه الآبار العذبة التي تسمى بالشبيكة.\rوعند ما تخرج من البلدة بنحو ميل تلقى مسجدا بإزائه حجر موضوع على الطريق كالمصطبة يعلوه حجر آخر مسند فيه نقش داثر الرسم يقال: إنه الموضع الذي قعد فيه البي ﷺ مستريحا عند مجيئه من العمرة فيتبرك الناس بقتبيله ومسح الخدود فيه وحق ذلك لهم ويستندون إليه لتنال أجسامهم بكرة لمسه. ثم بعد هذا الموضع بمقدار غلوة تلقى على قارعة الطريق من جهة إليسار للمتوجه إلى العمرة قبرين قد علتهما أكوام من الصخر عظام يقال: إنهما قبر أبي لهب وامرأته لعنهما الله فما زال الناس في القديم إلى هلم جرا يتخذون سنة رجمهما بالحجارة حتى علاهما من ذلك جبلان عظيمان.\rثم تسير منها بمقدار ميل وتلقى الزاهر وهو مبتنى على جانبي الطريق،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484170,"book_id":4102,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":113,"body":"يحتوي على دار وبساتين والجمع ملك أحد المكيين، وقد أحد ث في المكان مطاهر وسقابة للمعتمرين وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصف عليه كيزان١ الماء ومراكن٢ مملوءة للوضوء وهي القصارى الصغار وفي الموضع بئر عذبة يملأ منها المطاهر المذكورة فيجد المعتمرون فيها مرفقا٣ كبيرا للطهور والوضوء والشرب فصاحبها على سبيل المعمورة بالأجر والثواب وكثير من الناس المتأجرين من يعينه على ما هو بسبيله وقيل: إن له من ذلك فائدا كبيرا.\rوعن جانبي الطريق في هذا الموضع جبال أربعة: جبلان من هنا وجبلان من هنا عليها أعلام من الحجارة وذكر لنا أنها الجبال المباركة التي جعل إبراهيم ﵇ عليها اجزاء الطير ثم دعاهن حسبما حكى الله ﷿ سؤاله إياه جل وعلا أن يريه كيف يحيى الموتى وحول تلك الجبال الأربعة جبال غيرها وقيل: إن التي جعل إبراهيم عليها الطير سبعة منها والله أعلم.\rوعند إجازتك الزاهر المذكور تمر بالوادي المعروف بذي طوى الذي ذكر أن النبي ﷺ نزل فيه عند دخول مكة وكان ابن عمر ﵄ يغتسل فيه وحينئذ يدخلها وحوله آبار تعرف بالشبيكة. وفيه مسجد يقال: إنه مسجد إبراهيم ﵇ فتأمل بركة هذا الطريق ومجموع الآيات التي فيه والآبار المقدسة التي اكتنفته.\rوتجيز الوادي إلى مضيق تخرج منه إلى الأعلام التي وضعت حجزا بين الحل ولاحرم فما داخلها إلى مكة حرم وما خارجها حل وهي كالأبراج","footnotes":"١ الكيزان، الواحد كوز: أبريق صغير.\r٢ المراكن، الواحد مركن: إناء لغسل الثياب.\r٣ المرفق: ما انتفعت به.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484171,"book_id":4102,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":114,"body":"مصفوفة كبار وصغار واحد بازاء آخر على مقربة منه تأخل من أعلى الجبل الذي يعترض عن يمين الطريق في التوجه إلى العمرة وتشق الطريق إلى أعلى الجبل عن يساره ومنه ميقات المعتمرين وفيها مساجد مبنية بالحجارة يصلى المعتمرون فيها ويحرمون منها.\rومسجد عائشة ﵂ خارج هذه الأعلام بمقدار غلوتين وإليه يصل المالكيون ومنه يحرمون. وأما الشافعيون فيحرمون من المساجد التي حول الأعلام المذكور. وأمام مسجد عائشة رضى الله عنها مسجد ينسب لعلى بن أبي طالب ﵁.\rومن عجيب ما عرض علينا بباب بني شيبة المذكور عتب من الحجارة العظام طوال كأنها مصاطب صفت أمام الأبواب الثلاثة المنسوبة لنبي شيبة ذكر لنا أنها الأصنام التي كانت قريش تعبدها في جاهليتها وكبيرها هبل بينها قد كبت على وجوهها تطأها الأقدام وتمتهنها بأنعلتها العوام ولم تغن عن أنفسها فصلا عن عابديها شيئا فسبحان المنفرد بالوجدانية لا إله سواه والصحيح في أمر تلك الحجارة أن النبي ﷺ أمر يوم فتح مكة بكسر الأصنام واحراقها وهذا الذي نقل إلينا غير صحيح وإنما تلك التي على الباب حجارة منقولة وعنيت القوم بتشبيهها إلى الأصنام لعظمها.\rومن جبال مكة المشهورة بعد جبل أبي قبيس جبل حراء وهو في الشرق على مقدار فرسخ أو نحوه مشرف على منى وهو مرتفع في الهواء عالي القنة وهو جبل مبارك كان النبي ﷺ كثيرا ما ينتابه١ ويتعبد فيه واهتز تحته فقال له النبي ﷺ: \"واسكن حراء فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد\"، وكان معه أبو بكر وعمر ﵄. ويروى: اثبت فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان،","footnotes":"١ ينتابه: يأتيه مرة بعد أخرى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484172,"book_id":4102,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":115,"body":"وكان عثمان ﵁ معهم وأول آية نزلت من القرآن على النبي ﷺ نزلت في الجبل المذكور وهو أخذ من الغرب إلى الشمال ووراء طرفه الشمالي جبانة الحجون التي تقدم ذكرها. وسور مكة إنما كان من جهة المعلى وهو مدخل إلى البلد ومن جهة المسفل وهو مدخل أيضا إليه ومن جهة باب العمرة وسائر الجوانب جبالا لا تحتاج معها إلى سور وسورها اليوم منهدم إلا آثاره الباقية وأبوابه القائمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484173,"book_id":4102,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":116,"body":"ذكر بعض مشاهدها المعظمة وآثارها المقدسة\rمكة شرفها الله كلها مشهد كريم كفاها شرفا ما خصها الله به من مثابة١ بيته العظيم وما سبق لها من دعوة الخيل إبراهيم وأنها حرم الله وأمنه وكفاها أنها مشأ النبي ﷺ الذي آثره الله بالتشريف والتكريم وابتعثه بالآيات والذكر الحكيم فهي مبدأ نزول الوحي والتنزيل وأول مهبط الروح الأمين جبريل وكانت مثابة أنبياء الله ورسله الأكرمين وهي أيضا مسقط رؤوس جماعة من الصحابة القرشين المهاجرين الذين جعلهم الله مصابيح الدين ونجوما للمهتدين.\rفمن مشاهدها التي عانياها قبة الوحي وهي في دار خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها وبها كان ابتناء النبي ﷺ بها وقبة صغيرة أيضا في الدار المذكورة فيها كان مولد فاطمة الزهراء ﵂ وفيها أيضا ولدت سدي شباب أهل الجنة: الحسن والحسين رضي الله عنهما٢ وهذه المواضع المقدسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها.\rومن مشاهدها الكريمة أيضا مولد النبي ﷺ والتربة","footnotes":"١ المثابة: مجتمع الناس.\r٢ في سائر التواريخ أن الحسن والحسين ولدا في المدينة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484174,"book_id":4102,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":117,"body":"الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الطاهر بنى عليه مسجد لم ير أحفل بناء منه أكثره ذهب منزل به والموضع المقدس الذي سقط فيه ﷺ ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين محفوف بالفضة فيالها تربة شرفها الله بان جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الآنام صلى الله عليه وعلى إله وأصحابه الكرام وسلم تسليما. يفتح هذا الموضع المبارك فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الإثنين منه لأنه كان شهر مولد النبي ﷺ وفي اليوم المذكور ولد ﷺ وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها وهو يوم مشهور بمكة دائما.\rومن مشاهدها الكريمة أيضا دار الخيزران وهي الدار التي كان النبي ﷺ يعبد الله فيها سرا مع الطائفة الكريمة المبادرة للإسلام من أصحابه ﵃ حتى نشر الله الإسلام نها على يدي الفاروق عمر ابن الخطاب ﵁ وكفى بهذه الفضيلة.\rومن مشاهدها أيضا دار أبي بكر الصديق ﵁ وهي اليوم دراسة الأثر ويقابلها جدار فيه حجر مبارك يتبرك الناس بلمسه يقال: إنه كان يسلم على النبي ﷺ متى اجتاز عليه. وذكر أنه جاء يوما ﷺ إلى دار أبي بكر ﵁ فنادى به ولم يكن حاضرا فأنطق الله ﷿ الحجر المذكور وقال: يا رسول ليس بحاضر. وكانت من إحدى آياته المعجزات ﷺ.\rومن مشاهدها قبة بين الصفا والمروة تنسب لعمر بن الخطاب رضى الله عنه وفي وسطها بئر يقال إنه كان يجلس فيها للحكم رضى الله عنه. والصحيح في هذه القبة أنها قبة حفيده عمر بن عبد العزيز ﵁ وبإزاء داره المنسوبة إليه وفيها كان يجلس للحكم أيام توليه مكة. كذلك حكى لنا أحد أشياخنا الموثوقين. ويقال: إن البئر كانت في القديم فيها ولا بئر فيها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484175,"book_id":4102,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":118,"body":"الآن لأنا دخلناها فألفيناها مسطحة وهي حفيلة الصنعة.\rوكانت بمقربة من الدار التي نزلنا فيها دار جعفر بن أبي طالب ﵁ ذي الجناحين.\rوبجهة السفل وهو آخر البلد مسجد منسوب لأبي بكر الصديق، رضى الله عنه يحف به بستان حسن فيه النخيل والرمان وشجر العناب وعاينا فيه شجر الحناء وأمام المجد بيت صغير فيه محراب يقال: إنه كان مختبأ له ﵁ من المشركين الطالبين له.\rوعلى مقربة من دار خديجة رضى الله عنها المذكورة وفي الزقاق الذي الدار المكرمة فيه مصطبة فيها متكأ يقصد الناس إليها يصلون فيها ويتمسحون بأركانها لأن في موضعها كان موضع قعود النبي ﷺ.\rومن الجبال التي فيها أثر كريم ومشهد عظيم الجبل المعروف بأبي ثور وهو في الجهة إليمنية من مكة على مقدار فرسخ أو أزيد وفيه الغار الذي آوى إليه النبي ﷺ مع صاحبه الصديق ﵁ حسبما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز وقرأت في كتاب أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي أن الجبل نادى النبي ﷺ فقال: إلي يا محمد! إلي يا محمد! فقد آويت قبلك نبيا. وخص الله ﷿ نبيه فيه بآيات بينات فمنها أنه ﷺ دخل مع صاحبه على شق فيه ثلثا شبر وطوله ذراع فلما اطمأنا فيه أمر الله العنكبوت فاتخذت عليه بيتا والحمام فصنعت عليه عشا وفرخت فيه. فانتهى المشركون إليه بدليل قصاص للأثر مستاف أخلاق الطريق١ فوقف لهم على الغار وقال: ههنا انقطع الأثر فإما صعد بصاحبكم من هنا إلى السماء أو غيض به في الأرض ورأوا العنكبوت ناسجة على فم الغار والحمام مفرخة فيه فقالوا: ما دخل هنا أحد. فأخذوا في الانصراف.","footnotes":"١ استاف: اشتم. أخلاق، الواحد خلق: القديم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484176,"book_id":4102,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":119,"body":"فقال الصديق ﵁: يا رسول الله! لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ولو ولجوا علينا منه كنا نخرج من هناك\"، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر من الغار ولم يكن فيه شق فانفتح للحين فيه باب بقدرة الله ﷿ وهو سبحانه قدير على ما يشاء.\rوأكثر الناس ينتابون هذا الغاز المبارك ويتجنبون دخوله من الباب الذي أحد ث الله ﷿ فيه ويرومون دخوله من الشق الذي دخل النبي ﷺ تبركا به فيمتد المحأول لذلك على الأرض ويبسط خده بإزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولا ثم يعالج ادخال سائر جسده فمنهم من يتأتى له ذلك بحسب قضافة١ بدنه ومنهم من يتوسط بدنه فم الغار فيعضه٢ فيروم الدخول أو الخروج فلا يقدر فينشب٣ ويلاقى مشقة وصعوبة حتى يتناول بالجذب العنيف من ورائه.\rفالعقلاء من الناس يجتنبونه لهذا السبب ولا سيما ويتصل به سب آخر مخجل فاضح وذلك أن عوام الناس يزعمون أن الذي لا يسع عليه ويتمسك فيه ولا يلجه ليس لرشدة٤ جرى هذا الخبر على ألسنتهم حتى عاد عندهم قطعا على صحته لا يشكون فبحسب المنتشب فيه المتعذر ولوجه عليه ما يكسوه هذا الظن الفاضح المخجل زائدا إلى ما يكابده بدنه من اللزفي ذلك المضيق وإشرافه منه على المنية توجعا وانقطاع نفس وبرح ألم. فلابعض من الناس يقولون في مثل: ليس يصعد جبل أبي ثور إلا ثور.\rوعلى مقربة من هذا الغار في الجبل بعينه عمودمنقطع من الجبل قد قام","footnotes":"١القضافة: النحافة.\r٢ يعضه: أراد يمسك به.\r٣ ينشب: يعلق.\r٤ ليس لرشدة: أي ابن زنا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484177,"book_id":4102,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":120,"body":"شبه الذراع المرتفعة بمقدار نصف القامة وابنسط له في أعلاه شبه الكف خارجا عن الذراع كأنه القبة المبسوطة بقدرة الله ﷿ يستظل تحتها نحو العشرين رجلا وتسمى قبة جبريل ﷺ.\rومما يجب أن يثبت ويؤثر لبركة معاينته وفضل مشاهدته: أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادي الأولى وهو التاسع من شتنر أنشأ الله بحرية١ فتشاءمت فانهلت عينا غديقة كما قال رسول الله ﷺ وذلك إثر صلاة العصر ومع العشى من اليوم المذكور فجاءت بمطر جود. وتبادر الناس إلى الحجر فوقفوا تحت الميزاب المبارك متجردين عن ثايبهم يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برؤوسهم أيديهم وأفواهمم مزدحمين عليه ازدحاما عظيما أحد ث ضوضاء عظيمة كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة الله نصيبا ودعاؤهم قد علا ودموع أهل الخشوع منهم تسيل فلا تسمع إلا ضجيج دعاء أو نشيج بكاء. والنساء قد وقفن خارج الحجر ينظرن بعيون دوامع وقلوب خواشع يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به وكان بعض الحجاج المتأجرين المشفقين يبل ثوبه بذلك الماء المبارك ويخرج إليهن ويعصره في أيدي البعض منهن فلتقينه شربا ومسحا على الوجوه والأبدان.\rوتمادت تلك السحابة المباركة إلى قريب المغرب وتمادى الناس على تلك الحال من الازدحام على تلقى ماء الميزاب بالأيدي والوجوه والأفواه وربما رفعوا الأواني ليقع فيها فكانت عشية عظيمة استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة ثقة بفضله وكرمه ولما اقترن بها من القارئن المباركة. فمنها: أنها كان عشية الجمعة وفضل اليوم فضله والدعاء فيها يرجى من الله تعالى قبوله لما ورد فيها من الأثر الصحيح وأبواب السماء تفتح عند نزول المطر وقد وقف الناس تحت الميزاب وهو من المواضع التي يستجاب فيها","footnotes":"١ بحرية: سحابة آتية من جهة البحر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484178,"book_id":4102,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":121,"body":"الدعاء وطهرت أبدانهم رحمة الله النازلة من سمائه إلى سطح بيته العتيق الذي هو حيال البيت المعمور وكفى بهذا المجتمع الكريم والمنتظم الشريف جعلنا الله ممن طهر فيه من أرجاس الذنوب واختص من رحمة الله تعال بذنوب١ ورحمته واسعة تسع عباده المذنبين إنه غفور رحيم.\rوذكروا أن الإمام أبا حامد الغزالي دعا الله ﷿ بدعوات وهو في حرمه الكريم في رغبات رفعها إلى الله جل وتعال فأعطى بعضا ومنع بعضا. وكان مما منع نزول المطر وقت مقامه بمكة وكان تمنى أن يغتسل به تحت المزاب ويدعو الله ﷿ عند بيته الكريم في الساعة التي أبواب سمائه فيها مفتوحة فمنع ذلك وأجيب دعائه في سائر ما سأله. فله الحمد وله الشكر على ما أنعم به علينا. ولعل عبدا من عباده الصالحين الوافدين على بيته الكريم خصه الله بهذه الكرامة فدخلنا جميع المذنبين في شفاعته والله ينفعنا بدعاء المخلصين من عباده ولا يجعلنا ممن شقى بدعائه إنه منعم كبير.","footnotes":"١ الذنوب: الدلو المملوء ماء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484179,"book_id":4102,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":122,"body":"ذكر ما خص الله تعالى به مكة من الخيرات والبركات\rهذه البلدة المباركة سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الابرهيمية وذلك أن الله ﷿ يقول حاكيا عن خليله ﷺ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إليهم وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ٢﴾ ، وقال ﷿: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إليه ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ٣﴾ فبرهان ذلك فيها ظاهر متصل إلى يوم القيامة وذلك أن أفئدة الناس تهوى إليهم الأصقاع النائية والأقطار الشاحطة فالطريق","footnotes":"٢ سورة إبراهيم، الآية ٣٧.\r٣ سورة القصص، الآية ٥٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484180,"book_id":4102,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":123,"body":"إليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة والثمرات تجبى إليها من كل مكان فهي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر.\rولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب فيباع فيها في يوم واحد فضلا عما يتبعه من الذخائر النفيسة كالجوهر والياقوت وسائر الأحجار ومن أنواع الطيب كالمسك والكفاور والعنبر والعود والعقاقير الهندية إلى غير ذلك من جلب الهند١ والحبشة إلى الأمتعة العراقية واليمانية إلى غير ذلك من السلع الخراسانية والباضئع المغربية إلى ما لا ينحصر ولا ينضبط ما لو فرق على البلاد كلها لأقام لها الأسواق النافقة ولعم جميعها بالمنفعة التجارية كل ذلك في ثمانية أيام بعدالموسم حاشا ما يطرا بها مع طول الأيام من اليمن وسواها فما على الأرض سلعة من السلع ولا دخيرة من الذخائر إلا وهي موجودة فيها مدة الموسم فهذه بركة لا خفاء بها وآبة من آياتها التي خصها الله بها.\rوأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد حتى حللنا بهذه البلاد المباركة فألفيناها تغص بالنعم والفواكه كالتين والعنب والرمان والسفرجل والخوخ والاترج والجوز والمقل والبطيخ والقثاء والخيار إلى جميع البقول كلها كالباذنجان واليقطين والسلجم٢ والجزر والكرنب إلى سائرها إلى غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة\rوأكثر هذه البقول كالباذنجان والقثاء والبطيخ لا يكاد ينقطع مع طول العام وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد فالعجب من ذلك يطول.","footnotes":"١ جلب الهند: ما يجلب منها.\r٢ السلجم: اللفت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484181,"book_id":4102,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":124,"body":"ومن أعجب ما اختبرناه من فوكهها البطيخ والسفرجل وكل فواكهها عجب لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل عجيبة وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت إليك فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك إياه حتى إذا ذقته خيل إليك إنه شيب بسكر مذاب أو بجني النحل اللباب ولعل متصفح هذه الاحرف يظن أن في الوصف بعض غلو كلا لعمر الله إنه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت وبها عسل أطيب من الماذي١ المضروب به المثل يعرف عندهم بالمسعودي.\rوأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب وكل ما يصنع منها من السمن فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة ويجلب إليها قوم من اليمن يعرفون بالسرو نوعا من الزبيب الأسود والأحمر في نهاية الطيب ويحلبون معه من اللوز كثيرا. وبها قصب السكر أيضا كثير بجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها والسكر بها كثر محلوب وسائر النعم والطيبات من الرزق والحمد لله.\rوأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر العقود على صفات شتى انهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة وفي الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان يتصل منها أسمطة٢ بين الصفا والمروة ولم يشاهد أحد أكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكيهة وصليت في منصات كأنها العرائش ونصدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة فتلوح كأنها الازاهر حسنا فتقيد الأبصار وتستنزل الدرهم والدينار.\rوأما لحوم ضأنها فهناك العجب الجيب قد وقع القطع من كل من نطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا.","footnotes":"١ الماذي: العسل الأبيض، أو جيده.\r٢ الأسمطة، الواحد سماط: المائدة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484182,"book_id":4102,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":125,"body":"وما ذاك والله أعلم إلا لبركة مراعيها هذا على أفراط سمنه ولو كان سواه من لحوم البلاد ينتهى ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه زهما١ ولعافته وتجنبته.\rوالأمر في هذا بالضد كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولا فتجد هـ هنيئا رخصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضعا ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما. وما أرى ذلك إلا من الخواص الغريبة وبركة البلد الأمين قد تكفلت بطيبة لا شك فيه والخبر عنه يضيق عن الخبر له والله يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام وتمنى هذه المشاهد العظام والمناسك الكرام بعزته وقدرته.\rوهذه الفواكه تجلب إليها من الطائف وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها على الرفق والتؤدة ومن قرى حولها واقرب هذه المواضع يعرف با هو من مكة على مسيرة يوم أو أزيد قليلا وهو من بطن الطائف ويحتوى على قرى كثيرة ومن بطن مر وهو على مسيرة يوم أو أقل ومن نخلة وهي على مثل هذه المسافة ومن أودية بقرب من البلد كعين سليمان وسواها قد جلب الله إليها من المغاربة ذوي البصارة٢ بالفلاحة ولازراعة فأحدثوا فيها بساتين ومزارع فكانوا أحد الأسباب في خصب هذه الجهات وذلك بفضل الله ﷿ وكريم اعتنائه بحرمة الكريم وبلده الأمين.\rومن أغرب ما ألفيناه فاستمتعنا بأكله وأجرينا الحديث باستطابته ولا سميا لكوننا لم نعهده الرطب وهو عندهم بمنزلة التين الأخضر في شجره يجنى يوؤكل وهو في نهاية من الطيب واللذاذة لا يسأم التفكه به وإبانه عندهم عظيم يخرج الناس إليه كخروجهم إلى الضيعة أو كخروج أهل المغرب لقراهم أيام نضج التين والعنب ثم بعد ذلك عند تناهى نضجه يبسط على","footnotes":"١ زهما: تخمة من الدسم.\r٢ البصارة: المعرفة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484183,"book_id":4102,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":126,"body":"الأرض قدر ما يجف قليلا ثم يركم بعضه على بعض في السلال والظروف ويرفع.\rومن صنع الله الجميل لنا وفضله العميم علينا أنا وصلنا إلى هذه البلدة المكرمة فألفينا كل من بها من الحجاج المجاورين ممن قدم عهده فيها وطال مقامه بها يتحدث على جهة العجب بامها من الحرابة١ المتلصصين فيها على الحاج المتختلسين ما بأيديهم والذين كانوا آفة الحرم الشريف لا يغفل أحد عن متاعة طرقة عين لا اختلس من يديه أو من وسطه بحيل عجيبة ولطافه غريبة فما منهم إلا أخذ يد القميص٢ فكفى الله في هذا العام شرهم إلا القليل وأظهر أمير البلد التشديد عليهم فتوقف شرهم وبطيب هوائها٣ في هذا العام وفتور حمارة قيظها المعهود فيها وانكسار حدة سمومها وكنا نبيت في سطح الموضع الذي كنا نسكنه فربما يصيبنا من برد هواء الليل ما نحتاج معه إلى دثار يقينا منه وذلك أمر مستغرب بمكة.\rوكانوا أيضا يتحدثون بكثرة نعمها في هذا العام ولين سعرها وأنها خارقة للعوائد السالفة عندهم كان سوم٤ الحنطة أربعة أصواع بدينار مؤمني وهي أوبتان من كيل مصر وجهاتها والأوبتان قدحان ونصف قدح من الكيل المغربي وهذا السعر في بلد لاضيعة فيه ولا قوام معيشة لاهله إلا بالميرة المجلوبة إليه سعر لاخفاء بيمنه وبركته على كثرة المجاورين فيها في هذا العام وانجلاب الناس إليها وترادفهم عليها فحدثنا غير واحد من المجاورين الذين لهم بها سنون طائلة أنهم لم يروا هذا الجمع بها قط ولا سمع بمثله فيها والله يجعله جمعا مرحوما معصوما بمنه.\rوما زال الناس فيها يسلسون أوصاف أحوالها في هذه السنة وتمييزها عما","footnotes":"١ الحرابة: حاملو الحراب، وهم حراس أمير البلد.\r٢ أخذ يد القميص: سرق.\r٣ بطيب هوائها: متعلق بيتحدث في الكلام السابق.\r٤ سوم الشيء: سعره في السوق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484184,"book_id":4102,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":127,"body":"سلف من السنين حتى لقد زعموا أن ماء زمزم المبارك زاد عذوبة ولم يكن قبل بصادقها١.\rوهذا بالماء المبارك في أمره عجب وذلك أنك تشربه عن خروجه من قراراته فتجد هـ في حاسة الذوق كاللبن عند خروجه من الضرع دفيئا وتلك فيه من الله تعالى أية وعناية وبركته أشهر من أن يحتاج لوصف واصف وهو لما شرب له كما قال ﷺ أروى الله منه كل ظامئ إليه بعزته وكرمه.\rومن الأمور المجربة في هذا الماء المبارك أن الإنسان ربما وجد مس الإعياء وفتور الأعضاء إما من كثرة الطواف أو من عمرة يعتمرها على قدميه أو من غير ذلك من الأسباب المؤدية إلى تعب البدن فيصب من ذلك الماء على بدنه فيجدالراحة والنشاط فحينه ويذهب عنه ماكان أصابه.","footnotes":"١ صادقها: أراد شديدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484185,"book_id":4102,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":128,"body":"شهر جمادى الآخرة عرفنا الله يمنه وبركته\rاستهل هلاله ليلة الأربعاء وهو الحادري والعشرون من شهر شتنبر العجمي ونحن بالحرم المقدس زاده الله تعظيما وتشريفا وفي صبحة الليلة المذكورة وافى الأمير مكثر بأتباعه وأشياعه على العادة السالفة المذكورة في الشهر الأول وعلى ذلك الرسم بعينه والزمزمي المغرد بثنائه والدعاء له فوق قبة زمزم يرفع عقيرته٢ بالدعاء والثناء عند كل شوط يطوفه الأمير والقراء أمامه إلى أن فرغ من طوافه وأخذ في طريق انصرافه.\rولأهل هذه الجهات المشرقية كلها سيرة حسنة عند مستهل كل شهر من شهور العام يتصافحون ويهنئ بعضهم بعضا ويتغافرون ويدعو بعضهم","footnotes":"٢ عقيرته: صوته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484186,"book_id":4102,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":129,"body":"لبعض كفعلهم في الأعياد هكذا دائما وتلك طريقة من الخير واقعة في النفوس تجدد الإخلاص وتستمد الرحمة من الله ﷿ بمصافحة المؤنين بعضهم بعضا وبركة ما يتهادونه من الدعاء والجماعة رحمة ودعاؤهم من الله بمكان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484187,"book_id":4102,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":130,"body":"جمال الدين وآثاره السنية\rولهذه البلدة المباركة حمامان: أحدهما ينسب للفقيه الميانشي أحد الأشياخ المحلقين بالحرم المكرم والثاني وهو الأكبر ينسب لجمال الدين وكان هذا الرجل كصفته جمال الدين له ﵀ بمكة والمدينة شرفهما الله من الآثار الكريمة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية في ذات الله المشيدة ما لم يسبقه أحد إليه فيما سلف من الزمان ولا أكابر الخلفاء فضلا عن الوزراء.\rوكان ﵀ وزير صاحب الموصل تمادى على هذه المقاصد السنية المشتملة على المنافع العامة للمسلمين في حرم الله تعالى وحرم رسوله ﷺ أكثر من خمس عشرة سنة لم يزل فيها باذلا أموالا لاتحصى في بناء رباع بمكة مسبلة١ في طريق الخير والبر مؤبدة محبسة واختطاط صهاريج للماء ووضع جباب في الطرق يستقر فيها ماء المطر إلى تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين.\rوكان من أشرف أفعاله أن جلب الماء إلى عرفات وقاطع عليه العرب بنى شعبة سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء بوظيفة من المال كبيرة على أن لا يقطعوا الماء عن الحاج فلما توفى الرجل رحمة الله عليه عادوا إلى عادتهم الذميمة من قطعه.\rومن مفاخره ومناقبه أيضا أنه جعل مدينة الرسول ﷺ،","footnotes":"١ مسبلة، من سبل الماء: جعله في سبيل الله.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484188,"book_id":4102,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":131,"body":"تحت سورين عتيقين انفق فيهما أموالا لا تحصى كثرة. ومن أعجب ماوفقه الله تعالى إليه إنه جدد أبواب الحرم كلها.\rوجدد باب الكعبة المقدسة وغشاه فضة مذهبة وهو الذي فيها الآن حسبما تقدم وصفه وجلل العتبة المباركة بلوح ذهب إبريز وقد تقدم ذكره أيضا فأخذ الباب القديم وأمر بأن يصنع له منه تابوت يدفن فيه فلما حانت وفاته أوصى بأن يوضح في ذلك التابوت المبارك ويحج به ميتا. فسيق إلى عرفات ووقف به على بعد وكشف عن التابوت فلما أفاض الناس أفيض به وقضيت له المناسك كله وطيف به طواف الإفاضة وكان الرجل ﵀ لم يحج في حياته ثم حمل إلى مدينة الرسول ﷺ وله فيها من الآثار الكريمة ما قدمنا ذكره وكاد أشارفها يحلمونه رؤوسهم. وبينت له روضة بإزاء روضة المصطفى ﷺ وفتح فيها مضوع يلاحظ الروضة المقدسة وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله لسابق أفعاله الكريمة ودفن في تلك الروضة وأسعده الله بالجوار الكريم وخصه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم والله لا يضيع أجر المحسنين وسنذكر تاريخ وفاته إذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته إن شاء الله ﷿ وهو ولى التيسير لا رب غيره.\rولهذا الرجل ﵀ من الآثار السنية والمفاخر العلية التي لم يسبقه إليها الأكابر الأجواد وسراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الإحصاء ويتسغرق الثناء ويستصحب طول الأيام ن الألسنة بالدعاء وحسبك إنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق إلى الشام إلى الحجاز حسبما نذكره واستنبط المياه وبنى الجباب واختط المنازل في المفازات وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وكافة المسافرين وابتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى الشام فنادق عينها لنزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحد هم عن تأدية الاكرية وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484189,"book_id":4102,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":132,"body":"بمعيشتهم وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها إلى الآن فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرفاق وملئت ثناء عليه الآفاق.\rوكان مدة حايته بالموصل على ما أخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الإرجاء يدعو إليها كل يوم الجفلى١ من الغرباء فيعمهم شبعا وريا ويرد الصادر والوارد من أبناء السبيل في ظله عيشا هنيئا لم يزل على ذلك مدة حياته ﵀ فبقيت آثاره مخلدة وأخباره بألسنة الذكر مجددة وقضى حميدا سعيدا والذكر الجيمل للسعداء حياة باقية ومدة من العمر ثانية والله الكفيل بجزاء المحسنين إلى عباده فهو أكرم الكرماء وأكفل الكفلاء.","footnotes":"١ الجفلى: الدعوة العامة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484190,"book_id":4102,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":133,"body":"الأمور المحظورة في الحرم\rومن الأمور المحظورة بهذا الحرم الشريف زاده الله تعظيما وتكريما أن النفقة فيه ممنوعة لا يجد المتأجر من ذوي اليسار إليها سبيلا في تجديد بناء أو اقامة حطيم أو غير ذلك مما يختص بالحرم المبارك ولو كان الأمر مباحا في ذلك لجعل الراغبون في نفقات البر من أهل الجدة٢ حيطانه عسجدا٣ وترابه عنبرا لكنهم لا يجدون السبيل إلى ذلك فمتى ذهب أحد أرباب الدنيا إلى تجديد اثر من آثاره أو إقامة رسم كريم من رسومه أخذ أذن الخليفة في ذلك فان كان مما ينقش عليه أو يرسم فيه طرز باسم الخليفة ونفوذ أمره بعمله ولم يذكر اسم المتولى لذلك ولا بد مع ذلك من بذل حظ وافر من النفقة لامير البلد ربما يوازي قدر المنفوق فيه فتتضاعف المؤنة على صاحبه","footnotes":"٢ الجدة: الغنى.\r٣ العسجد: الذهب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484191,"book_id":4102,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":134,"body":"وحينئذ يصل إلى غرضه من ذلك.\rومن أغرب ما اتفق لأحد دهاة الأعاجم دوى الملك والثراء إنه وصل إلى الحرم الكريم مدة جد هذا الأمير مكثر فرأى تنور بئر زمزم وقبتها على صفة لم يرضها فاجتمع بالأمير وقال أريد أن أتأنق في بناء تنور زمزم وطيه وتجديد قبنه وابلغ في ذلك الغاية الممكنة وانفق فيه من صميم مالي ولك على في ذلك شرط ابلغ بالتزامه لك غرض المقصود وهو أن تجعل ثقة من قبلك يقيد مبلغ النفقة في ذلك فإذا استوفى البناء التمام وانتهت النفقة منتهاها وتحصلت محصاة بذلت لك مثلها جزاء على إباحتك لي ذلك.\rفاهتز الأمير طمعا وعلم أن النفقة في ذلك تنتهي إلى آلاف من الدنانير على الصفة التي وصفها له فأباح له ذلك والزمه مقيدا يحصى قليل الإنفاق وكثيره وشرع الرجل في بنائه واحتفل واستفرغ الوسع١ وتانق وبذل المجهود فعل من يقصد بفعله ذات الله ﷿ ويقرضه قرضا حسنا. والمقيد يسود طواميره٢ بالتقييد والأمير يتطلع إلى ما لديه ويؤمل لقبض تلك النفقات الواسعة بسط يديه إلى أن فرغ البناء على الصفة التيتقدم ذكرها أولا عد ذر بئر زمزم وقبته فلما لم يبق إلا إن يصبح صاحب النفقة بالحساب ويستقضى منه العدد المجتمع فيها خلا منه المكان وأصبح في خبر كان وركب الليل جملا واصبح الأمير بقلب كفيه ويضرب أصدريه٣ ولم يمكنه أن يحدث في بناء وضع في حرم الله تعال حادثا يحيله أو نقضا يزيله. وفاز الرجل بثوابه وتكفل الله به في انقلابه وتحسين مآبه:","footnotes":"١ الوسع: الطاقة والاستطاعة.\r٢ الطوامير: الواحد طامور وطومار: الصحيفة.\r٣ الأصدران: عرقان تحت الصدغين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484192,"book_id":4102,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":135,"body":"﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ١ وبقى خبر هذا الرجل مع الأمير يتهادى غرابة وعجبا ويدعو له كل شارب من ذلك الماء المبارك.","footnotes":"١ سورة سبأ، الآية ٣٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484193,"book_id":4102,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":136,"body":"شهر رجب الفرد عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة الخميس الموفى عشرين لشهر أكتوبر بشهادة خلق كثير من الحجاج المجاورين والأشراف أهل مكة ذكروا أنهم رأوه بطريق العمرة ومن جبل قعيقعان وجبل أبي قبيس فثبتت شهادتهم بذلك عند الأمير والقاضي وأما من المسجدالحرام فلم يبصره أحد.\rوهذا الشهر المبارك عند أهل مكة موسم من المواسم المعظمة وهو أكبر أعيادهم ولم يزالوا على ذلك قديما وحديثا يتوارثه خلف عن سلف متصلا ميراث ذلك إلى الجاهلية لأنهم كانوا يسمونه منصل الأسنة٢ وهو أحد الأشهر الحرم وكانوا يحرمون القتال فيه وهو شهر الله الأصم٣ كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ.","footnotes":"٢ أنصل الأسنة: أزال نصالها، وسمي الشهر بذلك لأن القتال كان محرما فيه.\r٣ سمي رجب الشهر الأصم: لأنه لم يكن يسمع فيه صوت السلاح لأنه شهر حرام.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484194,"book_id":4102,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":137,"body":"العمرة الرجبية\rوالعمرة الرجبية عندهم أخت الوقفة العرفية لأنهم يحتفلون لها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله ويبادر إليها أهل الجهات المتصلة بها فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم إلا الله ﷿ فمن لم يشاهدها بمكة لم يشاهد مرأى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484195,"book_id":4102,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":138,"body":"يستهدى ذكره غرابة وعجبا شاهدنا من ذلك أمرا يعجز الوصف عنه والمقصود منه الليلة التي يستهل فيها الهلال مع صبيحتها ويقع الاستعداد لها من قبل ذلك بأيام فأبصرنا من ذلك ما نصف بعضه على جهة الاختصار وذلك لانا عاينا شوارع مكة وازقتها من عصر يوم الأربعاء وهي العشية التي ارتقب فيها الهلال قد امتلأت هوادح مشدودة على الإبل مكسوة بأنواع كساء الحرير وغيرها من ثياب الكتان الرفيعة بحسب سعة أحوال اربابها ووفرهم١ كل يتأنق ويحتفل بقدر استطاعته فأخذوا في الخروج إلى التنعيم ميقات المعتمرين فسالت تلك الهوادج في أباطح مكة وشعابها والإبل قد زينت تحتها بأنواع التزيين وأشعرت٢ بغير هدى بقلائد رائقة المنظر من الحرير وغيره وربما فاضت الاستار التي على الهوادج حتى تسحب اذيالها على الأرض.\rومن أغرب ما شاهدنا من ذلك هودج الشريفة جمانة بنت فليته عمة الأمير مكثر فان اذيال ستره كانت تسحب على الأرض انسحابا وغيره من هوادج حرم الأمير وحرم قواده إلى غير ذلك من هوادج لم نستطع تقييد عدتها عجزا عن الإحصاء فكانت تلوح على ظهور الإبل كالقباب المضوربة فيخيل للناظر إليها أنها محلة قد ضربت أبنيتها من كل لون رائق.\rولم يبق ليلة الخميس المذكور بمكة إلا من خرج للعمرة من أهلها ومن المجاورين وكنا في جملة من خرج ابتغاء بركة الليلة العظيمة فكدنا لاتتخلص إلى مسجد عائشة من الزحام وانسداد ثنيات الطريق بالهوادج والنيران ق اشعلت بحافتي الطريق كله والشمع يتقد بين أيدي الإبل التي عليها","footnotes":"١ الوفر: السعة.\r٢ أشعرت: أعلمت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484196,"book_id":4102,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":139,"body":"هوادج من يشار إليه من عقائل نساء مكة.\rفلما قضينا العمرة وطفنا وجئنا للسعي بين الصفا والمروة وقد مضى هدء من الليل أبصرناه كله سرجا ونيرانا وقد غص بالساعين والساعيات على هوادجهن فكنا لانتخلص إلا بين هوادجهن وبين قوائم الإبل لكثرة الزحام واصطكاك الهوادج بعضها على بعض. فعاينا ليلة هي أغرب ليلالي الدنيا فمن لم يعاين ذلك لم يعاين عجبا يحدث به ولا عجبا يذكه مرأى الحشر يوم القيامية لكثرة الخلائق فيه محرمين ملبين داعين إلى الله ﷿ ضارعين والجبال المكرمة التي بحافتي الطريق تجيبهم بصداها حتى سكت المسامع وسكبت ن هول تلك المعاينة المدامع وذابت القلوب الخواشع.\rوفي تلك الليلة مليء المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير أمر بضرب الطبول والدبادب١ والبوقات أشعارا بأنها ليلة الموسم.\rفلما كانت صبيحة ليلة الخميس خرج إلى العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد له أهل مكة عن بكرة أبيهم فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة شاكين في الاسلحة فرسانا ورجاله فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة يتعجب المعاين لهم لوفور عددهم فلو انهم من بلاد جمة لكانوا عجبا فكيف وهم من بلد واحد وهذا أدل الدلائل على بكرة البلد. فكانوا يخرجون على ترتيب عجيب فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم ويلعبون بالأسلحة عليها والرجالة يتواثبون ويتثاقفون٢ بالأسلحة في أيديهم حرابا وسيوفا وجحفا٣ وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضارب بالسيوف والمدافعة بالجحف التي يستجنون بها٤ وأظهروا من الحذق الثقات كل أمر مستغرب.","footnotes":"١ الدبادب، الواحد دبداب: نوع من الطبول.\r٢ المثاقفة: المغالبة بالسلاح.\r٣ الحجف، الواحدة حجفة: الترس من جلد.\r٤ يستجنون بها: يحتمون بها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484197,"book_id":4102,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":140,"body":"وكانوا يرمون بالحراب إلى الهواء ويبادرون إليها لقفا١ بأيديهم وهي قد تصوبت اسنتها على رؤوسهم وهم في زحام لا يمكن فيه المجال وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهوءا فيتلقونها قبضا على قوائمها كأنها لم يتفارق أيديهم، إلى أن خرج الأمير يزحف بين قواده وأبناؤه أمامه وقد قاربوا سن الشباب والرايات تخفق أمامه والطبول والدبادب بين يديه والسكينة تفيض عليه وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات النظارة من جميع المجاورين.\rفلما انتهى إلى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم والرجالة على الصفة المذكورة من التجأول وقد ركب جملة من أعراب البوادي نجبا٢ صهبا لم ير أجمل منظرا منها وركابها يسابقون الخيل بها بين يدي الأمير رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناءعليه إلى أن وصل المسجد الحرام فطاف بالكعبة والقراء أمامه والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة فلما فرغ من الطواف صلى عند الملتزم ثم جاء إلى المقام وصلى خلفه وقد أخرج له من الكمية ووضع في قبته الخشبية التي بيصلى خلفها فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به ثم اعيدت القبة عليه وأخذ في الخروج على باب الصفا إلى المسعى وانجفل٣ بين يديه فسعى راكبا والقواد مطيفون به والرجالة الحراية أمامه فلما فرغ من السعي استلت السيوف أمامه وأحدقت الأشياع٤ به وتوجه إلى منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به وبقي المسعى يومه ذاك يموج بالساعين والساعيات.","footnotes":"١ اللقف: التناول بسرعة.\r٢ النجب، الواحد نجيب: الكريم من الإبل.\r٣ انجفل الناس: انقلعوا فمضوا.\r٤ الأشباع: لعلها من شبع عقله: كان وافرا متينا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484198,"book_id":4102,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":141,"body":"فلما كان اليوم الثاني وهو يوم الجمعة كان طريق العمرة في العمارة قريبا من أمسه راكبين وماشين رجالا ونساء والنساء الماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المباركة تقبل الله من جميعهم بمنه.\rوفي أثناء ذلك يلاقى الرجال بعضهمب عضا فيتصافحون ويتهادون الدعاء والتغافر بينهم والنساء كذلك والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم له يعبون وله يحتفلون وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم يقدمون النظر في ذلك والاستعداد له بأشهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484199,"book_id":4102,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":142,"body":"السرو المائرون\rومن لطيف صنع الله ﷿ لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه بحرمه الأمين أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسراة كأنها مضافة لسراة الرجال على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها يستعدون للوصول إلى هذه البلدة المباركة قبل حلولها بعشرة أيام فيجمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب إلى اللوبياء إلى ما دونها ويجلبون السمن والعسل والزبيب واللوز فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة ويصلون في آلاف من العدد رجالا وجمالا موقرة بجميع ما ذكر فيرغدون معايش أهل البلد والمجاورين يه يتقوتون ويدخرون وترخص الأسعار وتعم المرافق فيعد منها الناس ما يكفيهم لعامهم إلى ميرة أخرى ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش.\rمن العجب في أمر هؤلاء المائرين أنهم لا يبيعون من جميع ما ذكرناه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484200,"book_id":4102,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":143,"body":"بدينار ولا يدرهم إنما يبيعونه بالخرق والعباءات والشمل فأهل مكة يعدون لهم من ذلك مع الأقنعة والملاحف المتان وما أشبه ذلك مما يلبسه الأعراب ويبايعونهم به ويشارونهم. ويذكر أنهم متى أقاموا عن هذه الميرة ببلادهم تجدب ويقع الموتان في مواشيهم وأنعامهم وبوصولهم بها تخصب بلادهم وتقع البركة في أموالهم فمتى قرب الوقت ووقعت منه بعض غفلة في التأهب للخروج اجتمع نساؤهم فأخرجنهم وكل هذا لطف من الله تعالى لحرمة البلد الأمين.\rوبلادهم على ما ذكر لنا خصيبة متسعة كثيرة التين والعنب واسعة المحرث وافرة الغلات وقد اعتقدوا اعتقادا صحيحا أن البركة كلها في هذه الميرة التي يجلبونها فهم من ذلك في تجارة رابحة مع الله ﷿.\rوالقوم عرب صرحاء فصحاء جفاة اصحاء لم تغذهم الرقة الحضرية ولا هذبتهم السير المدنية ولا سددت مقاصدهم السنن الشرعية فلا تجد لديهم من أعمال العادات المقدسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الام المشفقة لائذين بجوارها متعلقين باستارها فحيث ما علقت أيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها وفي أثناء ذلك تصدع ألسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب وتتفجر لها الأعين الجوامد فتصوب١ فترى الناس حولهم بأسطي أيديهم مؤمنين على أدعيتهم متلقنين لها من ألسنتهم\rعلى انهم طول مقامهم لا يتمكن معهم طواف ولا يوجد سبيل إلى استلام الحجر.\rوإذا فتح الباب الكريم فهم الداخلون بسلام فتراهم في محاولة دخولهم يتسلسلون كأنهم بعض ببعض مرتبطون يتصل منهم على هذه الصفة الثلاثون والأربعون إلى أزيد من ذلك والسلاسل منهم يتسع بعضهم بعضا وربما","footnotes":"١ مضارب صاب المطر: انصب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484201,"book_id":4102,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":144,"body":"انفصمت بواحد منهم يميل عن المطلع المبارك إلى البيت الكريم فيقع الكل لوقوعه فيشاهد الناظر لذلك مرأى يؤدي إلى الضحك.\rوأما صلاتهم فلم يذكر في مضحكات الاعراب اظرف منها وذلك أنهم يستقبلون البيت الكريم فيسجدون دون ركوع وينقرون١ بالسجود نقرا ومنهم من يسجد السجدة الواحدة ومنهم من يسجد الثنتين والثلاث والأربع ثم يرفعون رؤوسهم من الأرض قليلا وأيديهم بمسوطة عليها ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد وربما تكلموا في أثناء ذلك وربما رفع أحد هم رأسه من سجوده إلى صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء ثم عاد إلى سجدوده إلى غير ذلك من أحوالهم الغريبة.\rولا ملبس لهم سوى أزر وسخة أو جلود يستترون بها وهم مع ذلك أهل بأس ونجدة لهم القسى العربية الكبار كأنها قسى القطانين٢ لا تفارقهم في أسفارهم فمتى رحلوا إلى الزيارة هاب أعراب الطريق الممسكون للحاج مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم وخلوا لهم عن الطريق ويصحبهم الحجاج الزائرون فيحمدون صحبتهم وعلى ما وصفنا من أحوالهم فهم أهل اعتقاد للإيمان صحيح، وذكر أن النبي ﷺ ذكرهم وأثنى عليهم خيرا وقال: \"علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء\"، وكفى بأن دخلوا في عموم قوله ﷺ: \"الإيمان يمان\"، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في اليمن وأهله. وذكر أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يحترم وقت طوافهم ويتحرى الدخول في جملتهم تبركا بأدعيتهم فشأنهم عجيب كله.","footnotes":"١ ينقرون: يسرعون في السجود.\r٢ القطانون: بائعو القطن.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484202,"book_id":4102,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":145,"body":"وشاهدنا منهم صبيا في الحجر قد جلس إلى أحد الحجاج يعلمه فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص. فكان يقول له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ فيقول الصبي: هو الله أحد فيعيد عليه المعلم فيقول له: ألم تأمرني بأن أقول: هو الله أحد؟ قد قلت. فكابد في تلقينه مشقة وبعد لأي ما علقت بلسانه. وكان يقول له: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين فيقول الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله فيعيد عليه المعلم ويقول له: لا تقل: والحمد لله إنما قل: الحمد لله فيقول الصبي إذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم أقول: والحمد لله للاتصال وإذا لم أقل: بسم الله وبدأت قلت: الحمد لله فعبجنا من أمره ومن معرفته طبعا بصلة الكلام وفصله دون تعلم.\rوأما فصاحتهم فبديعة جدا ودعاؤهم كثير التخشيع للنفوس والله يصلح أحوالهم وأحوال جميع عباده بمنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484203,"book_id":4102,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":146,"body":"عود إلى العمرة\rوالعمرة في هذا الشهر كله متصلة ليلا ونهارا رجالا ونساء لكن المجتمع كله إنما كان في الليلة الأولى وهي ليلة الموسم عندهم والبيت الكريم يفتح كل يوم من هذا الشهر المبارك فإذا كان اليوم التاسع والعشرون منه أفرد للنساء خاصة فيظهر للنساء بمكة في ذلك اليوم احتفال عظيم فهو عندهم يوم زينتهم المشهور المستعد له.\rوفي يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور شاهدنا من الاحتفال للعمرة قريبا من المشهدالأول المذكور في أوله فكان لا يبقى أحد من الرجال والنساء إلا خرج لها وبالجملة فالشهر المبارك كله معمور بأنواع العبادات من العمرة وسواها ويختص أوله ونصفه من ذلك بحظ متميز وكذلك السابع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484204,"book_id":4102,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":147,"body":"والعشرون منه.\rوفي عشي يوم الخميس المذكور كنا جلوسا بالحجر المكرم فما راعنا إلا الأمير مكثر طالعا محرما قد وصل من ميقات العمرة تبركا بذلك اليوم وجريا فيه على الرسم وأبناؤه وراءه محرمين وقد حف به بعض خاصته وبادر المؤذن الزمزمي للحين إلى سطح قبة زمزم داعيا على عادته متناوبا في ذلك مع اخيه صغيره وحانت صلاة العشاء مع فراغ الأمير من طوافه فصلى خلف الإمام الشافعي وخرج إلى المسعى المبارك.\rوفي يوم الجمعة السادس عشر منه خرجت قافلة كبيرة من الحاج في نحو أربعمائة جمل مع الشريف الداودي إلى زيارة الرسول ﷺ وفي جماديا لثانية قبله كانت أيضا زيارة أخرى لبعض الحجاج في قافلة اصغر من هذه المذكورة وبقيت الزيارة الشوالية والتي مع الحاج العراقي اثر الوقفة إن شاء الله ﷿ وفي التاسع عشر من شعبان كان انصراف هذه القافلة الكبيرة في كنف السلامة والحمد لله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484205,"book_id":4102,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":148,"body":"عمرة الأكمة\rوفي ليلة الثلاثاء السابع والعشرين منه أعني من رجب ظهر لأهل مكة أيضا احتفال عظيم في الخروج إلى العمرة لم يقصر عن الاحتفال الأول فانجفل الجميع إليها تلك الليلة رجالا ونساء على الصفات والهيئات المتقدمة الذكر تبركا بفضل هذه الليلة لأنها من الليالي الشهيرة الفضل فكانت مع صبيحتها عجبا في الاحتفال وحسن المنظر جعل الله ذلك كله خالصا لوجه الكريم.\rوهذه العمرة يسمونها عمرة الأكمة لأنهم يحرمون فيها من أكمة إمام مسجد عائشة ﵂ بمقدار غلوة وهي على مقربة من المسجد المنسوب لعلي ﵇.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484206,"book_id":4102,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":149,"body":"والأصل في هذه العمرة الأكمة عندهم أن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما لما فرغ من بناء الكعبة المقدسة خرج ماشيا حافيا معتمرا وأهل مكة معه فانتهى إلى تلك الأكمة فأحرم منها وكان ذلك في اليوم السابع والعشرين من رجب وجعل طريقه على ثنية الحجون المفضية إلى المعلى التي كان دخول المسلمين يوم فتح مكة منها حسبما تقدم ذكره فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة في ذلك اليوم بعينه وعلى تلك الأكمة بعينها.\rوكان يوم عبد الله رضى الله عن مذكروا مشهورا لأنه اهدى فيه كذا وكذا بدنة عددا لم تتحصل صحته فكنت أثبته لكنه بالجملة كثير.\rولم يبق من أشراف مكة وذوي الاستطاعة فبها إلا من اهدى وأقام أهلها أياما يطعمون ويطعمون ويتنعمون وينعمون شكرا لله ﷿ على ما وهبهم من المعونة والتيسير في بناء بيته الحرام على الصفة التي كان عليها مدة الخليل إبراهيم ﷺ فنقضها الحجاج نعمة الله وأعادها على ما كنت عليه مدة قريش لأنهم كانوا اقتصروا في بنائه عن قواعد إبرهيم ﷺ وأبقى نبينا محمد ﷺ ذلك على حاله لحدثان عهدهم بالكفر حسب ما ثبت في رواية رضى الله عنها في موطأ مالك بن أنس رضى الله عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484207,"book_id":4102,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":150,"body":"يوم طواف النساء\rوفي اليوم التاسع والعشرين منه وهو يوم الخميس أفرد البيت للنساء خاصة فاجتمعن من كل أوب وقد تقدم احتفالهن لذلك بأيام كاحتفالهن للمشاهد الكريمة ولم تبق أمرأة بمكة إلا حضرت المسجد الحرام ذلك اليوم. فلما وصل الشيبيون لفتح البيت الكريم على العادة أسرعوا في الخروج منه وأفرجوا للنساء عنه وأفرج الناس لهن عن الطواف وعن الحجر ولم يبق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484208,"book_id":4102,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":151,"body":"حول البيت المبارك أحد من الرجال وتبادر النساء إلى الصعود حتى كاد الشيبيون لا يخلصون بينهن عند هبوطهم من البيت الكريم وتسلسل النساء بعضهن ببعض وتشابكن حتى تواقعن فمن صائحة ومعولة ومكبرة ومهللة وظهر من تزاحمهن ما ظهر من السرو إليمنيين مدة مقامهم بمكة وصعودهم يوم فتح البيت المقدس وأشبهت الحال الحال وتمادين على ذلك صدرا من النهار وانفسحن في الطواف والحجر وتشفين من تقبيل الحجر واستلام الأركان وكان ذلك اليوم عند هن الأكبر ويومهن الأزهر الأشهر نفعهن الله به وجعله خالصا لكريم وجهه. وبالجملة فهن مع الرجال مسكينات مغبونات يرين البيت الكريم ولا يجلنه ويلحظن الحجر المبارك ولا يستملنه فحظهن من ذلك كله النظر والأسف المستطير المستشعر فليس لهن سوى الطواف على البعد وهذا اليوم الذي هو من عامالى عام فهن يرتقبنه ارتقاب أشرف الأعياد ويكثرن له من التأهب والاستعداد والله ينفعهن في ذلك بحسن النية والاعتقاد بمنه وكرمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484209,"book_id":4102,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":152,"body":"غسيل البيت بماء زمزم\rوفي اليوم الثاني منه بكر الشيبوين إلى غسله بماء زمزم المبارك بسبب أن كثيرا من النساء ادخلن ابناءهن الصغار والرضع معهن فيتحرى غسله تكريما وتنزيها وازالة لما يحيك في النفوس من هواجس الظنون فيمن ليست له ملكة عقلية تمنعه من أن تصدر عنه حادثة نجس في ذلك الموطن الكريم والمحل المخصوص بالتقديس والتعظيم، فعند انسياب الماء عنه كان كثير من الرجال والنساء يبادرون إليه تبركا بغسل اوجههم وأيديهم فيه وربما جمعوا منه في أوان قد اعدوها لذلك ولم يراعوا العلة التي غسل لها وكان منهم من توقف عن ذلك وربما لحظ الحال لحظة من لا يستجيزها ولا يصوب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484210,"book_id":4102,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":153,"body":"العقل في ذلك. وما ظنك بماء زمزم المبارك قد صب داخل بيت الله الحرام وماج في جنبات اركانه الكرام ثم بإزاء المتلزم والركن الأسود المستلم إليس جديرا بأن تتلقاه الافواه فضلا عن الايدي وتغمس فيه الوجوه فضلا عن الأقدام وحاشا لله أن تعرض في ذلك علة تمنع منه أو شبهة من شبهات الظنون تدفع عنه والنيات عند الله تعالى مقبولة والثابرة على تعظيم حرماته برضاه موصولة وهو المجازى على الضمائر وخفيات السرائر لا إله سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484211,"book_id":4102,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":154,"body":"شهر شعبان المكرم عرفنا الله بكرته\rاستهل هلاله ليلة السبت التاسع عشر لشهر نونبر١ وفي صبيحته بكر الأمير مكتر إلى الطواف على العادة في ذلك رأس كل شهر مع أخيه وبنيه ومن حرى الرسم باستصحابه من القواد والأشياع والأتباع وعلى الأسلوب المتقدم الذكر والزمزمي يصرخ في مرقبته٢ على عادته متناوبا مع أخيه صغيره.\rوفي سحر يوم الخيمس الثالث عشر منه وهو أول يوم من دجنبر٣ بعدطلوع الفجر كسف القمر وبدأ الكسوف والناس في صلاة الصبح في الحرم الشريف وعاب مكسوفا وانتهى الكسوف إلى ثلثيه والله يعرفنا حقيقة الاعتبار بآياته.","footnotes":"١ أي نوفمبر، تشرين الثاني.\r٢ المرقبة: المكان المرتفع يعلوه الرقيب.\r٣ أي ديسمبر، كانون الأول.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484212,"book_id":4102,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":155,"body":"زيادة ماء زمزم\rوفي يوم الجمعة الثاني من ذلك اليوم أصبح بالحرم أمر عجيب وذلك أنه لم يبق بمكة صبي إلا وصبحه واجتمعوا كلهم في قبة زمزم وينادون بلسان واحد هللوا وكبروا يا عباد الله فيهلل الناس ويكبرون وربما دخل معهم من عرض العامة١ من ينادى معهم بندائهم والناس والنساء يزدحمون على قبة البئر المباركة لأنهم يزعمون بل يقطعون قطعا جهليا لا قطعا عقليا أن ماء زمزم يفيض ليلة النصف من شعبان.\rوكانوا على ظن من هلال الشهر لأنه قيل إنه رؤى ليلة الجمعة في جهة اليمن. فبكر الناس إلى القبة وكان فيها من الازدحام ما لم يعهد مثله ومقصد الناس في ذلك الترك بذلك الماء المبارك الذي قد ظهر فيضه والسقاة فوق التنور يستقون يفيضون على رؤوس الناس الماء بالدلاء قدفا فمنهم من يصببنه في وجهه ومنهم من يصيبه في رأسه إلى غير ذلك وربما تمادى لشدة نفوذه من أيديهم والناس مع ذلك يستزيدون ويبسكون والنساء من جهة أخرى يساجلنهم بالبكاء ويطارحنهم بالدعاء والصبيان يصيحون بالتهليل والتكبير فكان مرأى هائلا مسموعا رائعا لم يتخلص للطائفين بسنة الطواف ولا للمصلين صلاة لعلو تلك الأصوات واشتغال الأسماع والأذهان بها. ودخل إلى القبة المذكورة احدنا ذلك اليوم فكان من الزحام عنتا ومشقة فسمع الناس يقولون زاد الماء سبع اذرع فجعل يقصدالى من يتوسم فيه بعض عقل ونظر من ذوي السبال٢ البيض فيسأله عن ذلك فيقول وأدمعه تسيل: نعم زاد الماء سبع أذرع لا شك في ذلك فيقول أعن خبرة وحقيقة؟","footnotes":"١ عرض العامة: معظمهم.\r٢ السبال، الواحدة سبلة: مقدم اللحية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484213,"book_id":4102,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":156,"body":"فيقول: نعم ومن العجيب أن كان منهم من قال إنه بكر سحر يوم الجمعة المذكور فألقى الماء قد قارب التنور بنحو القامة فيا عبجا لهذا الاختراع الكاذب نعوذ بالله من الفتنة!\rوكان من الاتفاق أن اعتنينا بهذا الأمر لغلبة الاستفاضة التي سمعناها في ذلك واستمرارها من سوالف الأزمنة عند عوام أهل مكة. فتوجه منا ليلة الجمعة من أدلى دلوه في البئر المباركة إلى أن ضرب في صفح الماء وانتهى الحبل إلى حافة التنور عقد فيه عقدا يصح عند نا القياس به في ذلك. فلما كان في صبيحتها وتنادى الناس بالزيادة الزيادة الظاهرة خلص أحد نا في ذلك الزحام على صعوبة ومعه من استصحب الدول وأدلاه فوجد القياس على حاله لم ينقص ولم يزد بل كان من العجب أن عاد المقياس ليلة السبت فالقاه قد نقص يسيرا لكثرة ما امتاح الناس منه ذلك اليوم فلو امتيح من البحر لظهر النقص فيه فسبحان من خص ذلك الماء بما خص به من البركة ووضع فيه من المنفعة.\rوفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر منه تتبعنا هذا القياس استراء لصحة الحال فوجدناه على ما كان عليه ولو أن لافظا يلفظ ذلك اليوم بأنه لم يزد لصب في لابئر صبا أو لداسته الأقدام حتى تذيبه نعوذ بالله من غلبات العوام واعتدائها وركوبها جوامح أهوائها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484214,"book_id":4102,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":157,"body":"ليلة النصف من شعبان\rوهذه الليلة المباركة أعني ليلة الصنف من شعبان عند أهل مكة معظمة للأثر الكريم الوارد فيها فهم يبادرون فيها إلى أعمال البر من العمرة والطواف والصلاة أفرادا وجماعة فينقسمون في ذلك أقساما مباركة؛ فشاهدنا ليلة السبت التي هي ليلة النصف حقيقة احتفالا عظيما في الحرم المقدس إثر صلاة العتمة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484215,"book_id":4102,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":158,"body":"جعل الناس يصلون فهيا جماعات جماعات تراويح يقرأون فيها بفاتحة الكتاب وبقل هو الله أحد عشر مرات في كل ركعة إلى أن يكلموا خمسين تسليمة بمائة ركعة، قد قدمت كل جماعة إماما وبسطت الحصر وأوقدت الشمع وأشعلت المشاعل وأسرجت المصابيح ومصباح السماء الأزهر الأقمر قد أفاض نورده على الأرض وبسط شعاعه فتلاقت الأنوار في ذلك الحرم الشريف الذي هو نور بذاته فيا لك مرأى لا يتخيله المتخيل ولا يتوهمه المتوهم! فأقام الناس تلك الليلة على أقسام فطائفة التزمت تلك التراويح مع الجماعة وكانت سبع جماعات أو ثمانيا وطائفة التزمت الحجر المبارك للصلاة على انفراد وطائفة خرجت للاعتمار وطائفة آثرت الطواف على هذا كله أغلبها المالكية فكانت من الليالي الشهيرة المأمولة أن تكون من غرر القربات ومحاسنها نفع الله بها ولا أخلى من بركتها وفضلها وأوصل إلى هذه المثابة المقدسة كل شيق إليها بمنه.\rوفي تلك الليلة المباركة شاهد أحمد بن حسان منا أمرا عجيبا هو من غرائب الأحاديث المأثورات في رقة النفوس وذلك إنه أصابه النوم عند الثلث الباقي من الليل فأوى إلى المصطبة التي تحف بها قبة زمزم مما يقابل الحجر الأسود وباب البيت فاستلقى فيها لينام فإذا بإنسان من العجم قد لجس على المصطبة بإزائه مما يلي رأسه فجعل يقرأ بتشويق وترقيق ويتبع ذلك بزفير وشهيق أحسن قراءة وأوقعها في النفوس وأشدها تحريكا للساكن فامتنع المذكور من المنام استمتاعا بحسن ذلك المسموع وما فيه من التشويق والتخشيع إلى أن قطع القراءة وجعل يقول:\rإن كان سوء الفعال ابعدني\r...\rفحسن ظني إليك قربني\rويردد ذلك بلحن يتصدع له الجماد وينشق عليه الفؤاد ومضى في ترديد ذلك البيت ودموعه تكف وصوته ترق وتضعف١ إلى أن وقع في نفس أحمد","footnotes":"١ هكذا في الأصل بتأنيث الصوت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484216,"book_id":4102,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":159,"body":"ابن حسان المذكور أنه سيغشى عليه فما كان بين اعتراض هذا الخاطر في نفسه وبين وقوع الرجل مغشيا عليه من المصطبة إلى الأرض إلا كلا ولا١ وبقي ملقى كأنه لقى٢ لا حراك به. فقام ابن حسان مذعورا لهول ما عاينه مترددا في حاية الرجل أو موته لشدة تلك الوجبة٣ والموضع من الأرض بائن الارتفاع وقام أحد من كان بإزائه نائما وأقاما متحيرين ولم يقدما على تحريك الرجل ولا على الدنو منه إلى أن اجتازت أمرأة أعجمية وقالت: هكذا تتركون هذا الرجل على مثل هذا الحال؟ وبادرت إلى شيء من ماء زمزم فنضحت به وجهه ودنا المذكوران منه وأقاماه فعند ما أبصرهما زوى وجهه للحين\rعنهما مخافة أن تثبت له صفة في أعينهما وقام من فوره أخذا إلى جهة باب بنى شيبة. وبقيا متعجبين مما شاهداه وعض ابن حسان بنان الأسف على ما فاته من بركة دعائه إذ لم يمكنه الحال استدعاءه منه وعلى أنه لم تثبت له صورة في نفسه فكان يتبرك به متى لقيه.\rومقامات هؤلاء الأعاجم في رقة الأنفس وتأثرها وسرعة انفعالها وشدة مجاهداتها في العبادات وطول مثابرتها على أفعال البر وظهور بركاتها مقامات عجيبة شريفة والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.\rوفي سحر يوم الخيمس الثالث عشر من الشهر المذكور كسف القمر وانتهى الكسوف منه إلى مقدار ثلثيه وغاب مكسوفا عند طلوع الشمس والله يلهمنا الاعتبار بآياته.","footnotes":"١ كلا ولا: أي مدة قليلة أو لحظة.\r٢ اللقى: الشيء المطروح.\r٣ الوجبة: السقطة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484217,"book_id":4102,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":160,"body":"شهر رمضان المعظم عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة الإثنين التاسع عشر لدجنبر عرفنا الله فضله وحقه ورزقنا القبول فيه وكان صيام أهل مكة له يوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح لكن أمضى الأمير ذلك ووقع الإيذان بالصوم بضرب دبادبة ليلة الأحد المذكور لموافقته مذهبه ومذهب شيعته العلويين ومن إليهم لأنهم يرون صيام يوم الشك فرضا حسبما يذكر والله أعلم بذلك.\rووقع الاحتفال في المسجدالحرام لهذا الشهر المبارك وحق ذلك من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعيل وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضباء وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقا فالشافعية فوق كل فرقة منها قد نصبت إماما لها في ناحية من نواحي المسجد والحنبلية كذلك والحنفية كذلك الزيدية؛ وأما المالكية فاجتمعت على ثلاثة قراء يتناوبون القراءة وهي في هذا العام أحفل جمعا وأكثر شمعا لأن قوما من التجار المالكيين تنافسوا في ذلك فجلبوا لإمام الكعبة شمعا كثيرا من أكبره شمعتان نصبتا أمام المحراب فيهما قنطار وقد حفت بهما شمع دونهما صغار وكبار فجاءت جهة المالكية تروق حسنا وترتمي الأبصار نورا وكاد لا يبقى في المسجد زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلى بجماعة خلفه فيرتج المسجد لأصوات القرأة من كل ناحية فتعاين الأبصار وتشاهد الأسماع من ذلك مرأى ومستمعا تنخلع له النفوس خشيبية ورقة.\rومن الغرباء من اقتصر على الطواف والصلاة في الحجر ولم يحضر التروايح ورأى أن ذلك أفضل ما يغتنم وأشرف عمل يلتزم وما بكل مكان يوجد الركن الكريم والمتلزم.\rوالشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهادا وذلك أنه يكمل التراويح المعتادة التي هي عشر تسليمات ويدخل الطواف مع جماعة فإذا فرغ من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484218,"book_id":4102,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":161,"body":"الأسبوع١ وركع عاد لاقامة تراويح أخر وضرب بالفرقعة الخطيبة المقتدمة الذكر ضربة يسمعها المسجد لعلو صوتها كأنها إيذان بالعود إلى الصلاة فإذا فرغوا من تسليمتين عادوا لطواف أسبوع فإذا أكلموه ضربت الفرقعة وعادوا لصلاة تسلميتين ثم عادوا للطواف هكذا إلى أن يفرغوا من عشر تسليمات فيكمل لهم عشرون ركعة ثم يصلون الشفع والوتر وينصرفون.\rوسائر الأئمة لا يريدون على العادة شيئا والمتناوبون لهذه التروايح المقامية خمسة أئمة أولهم إمام الفريضة وأوسطهم صاحبنا الفقيه الزاهد الورع أبو جعفر بن علي الفنكي القرطبي وقراءته ترق الجمادات خشوعا. وهذه الفرقعة المذكورة تستعمل في هذا الشهر المبارك وذلك أنه يضرب بها ثلاث ضربات عند الفراغ من أذان المغرب ومثلها عند الفرغ من أدان العشاء الآخرة وهي لا محالة من حملة البدع المحدثة في هذا المسجد المعظم قدسه الله.\rوالمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من المسجد بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانه ويقاولأنه وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كلاذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان ترفع عليها قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يقدان مدة التحسير. فإذا قرب تبيين خيطي الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالأذان وثوب٢ المؤذنون من كل ناحية بالأذان.\rوفي ديار مكة كلها سطوح مرتفعة فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه من المسجد يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة فإذا لم يبصرهما علم أن الوقت قد انقطع.","footnotes":"١ الأسبوع هنا: السبعة\r٢ ثوب: رجع الأذان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484219,"book_id":4102,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":162,"body":"سيف الإسلام\rوفي ليلة الثلاثاء الثاني من الشهر مع العشي طاف الأمير مكثر بالبيت مودعا وخرج للقاء الأمير سيف الإسلام طغتكين بن أيوب اخى صلاح الدين وقدتقدم الخبر بورود من مصر منذ مدة ثم تواتر إلى أن صح وصوله إلى الينبوع١ وأنه عرج إلى المدينة لزيارة الرسول ﷺ وتقدمت أثقاله إلى الصفراء٢ والمتحدث به في وجهته قصد اليمن لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت من أمرائها لكن وقع في نفوس المكيين منه إيجاس خيفة واستشعار خشية فخرج هذا الأمير المذكور متلقيا مسلما وفي الحقيقة مستسلما والله تعالى يعرف السلمين خيرا.\rوفي ضحوة يوم الأربعاء الثالث من الشهر المبارك المذكور كنا جلوسا بالحجر المكرم فسمعنا دبادب الأمير مكثر وأصوات نساء مكة تولون عليه فبينا نحن كذلك دخل منصرفا من لقاء الأمير سيف الإسلام المذكور وطائفا بالبيت المكرم طواف الستليم والناس قد أظهروا الاستبشار لقدومه والسرور بسلامته وقد شاع لاخبر ينزول سيف الإسلام الزاهر وضرب أبنيته فيه ومقدمته من العسكر قد وصلت اى الحر وزاحمت الأمير مكثرا في الطواف.\rفبينا الناس ينظرون إليهم إذ سمعوا ضوضاء عظيمة وزعقات هائلة فما راعهم إلا الأمير سيف الإسلام داخلا من باب بني شيبة ولمعان السيوف أمامه يكاد يحول بين الأبصار وبينه والقاضي عن يمينه وزعيم الشيبيين عن يساره والمجسد قد ارتج وغص بالنظارة والوافدين والأصوات بالرعاء له ولأخيه صلاح الدين قد علت من الناس حتى صكت الأسماع وأذهلت الأذهان؛","footnotes":"١ الينبوع: أراد ينبع، وهو حصن له عيون ونخيل وزروع بطريق حاج مصر \"القاموس\".\r٢ أثقال: أحماله. الصفراء: قرية فوق ينبع، وهي كثيرة المزارع والنخل، ماؤها عيون، يجري فضلها إلى ينبع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484220,"book_id":4102,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":163,"body":"والزمزمي المؤذن في مرقبته رافعا عقيرته بالدعاء له والثناء عليه وأصواب الناس تعلو على صوته والهول قد عظم مرأى ومستعما. فلحين دنو الأمير من البيت المعظم اغمدت السيوف وتضاءلت النفوس وخلعت ملابس العزة وذلت الأعناق وخضعت الرقاب وطاشت الألباب مهابة وتعظيما لبيت ملك المولك العزيز الجبار ألواح د القهار مؤتى الملك من يشاء ونازع الملك ممن يشاء سبحانه جلت قدرته وعز سلطانه.\rثم تهافتت هذه العصابة الغزية على بيت الله العتيق تهافت الفراش على المصباح وقد نكس أذقانهم لاخضوع وبلت سبالهم الدموع وطاف القاضي وزعيم الشيبيين بسيف الإسلام والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام فأسرع في الفراغ من الطواف وبادر إلى منزله.\rوعند ما أكمل سيف الإسلام طوافه صلى خلف المقام ثم دخل قبة زمزم فشرب من مائها ثم خرج على باب الصفا إلى السعي فابتدأه ماشيا على قدميه تواضعا وتذللا لمن يجب التواضع له واليوف مصلوته مامه وقد صطف الناس من أول المسعى إلى آخره سماطين مثل ما صنعوا أيضا في الطواف فسعى على قدميه طريقين من الصفا إلى المروة ومنها إلى الصفا وهرول بين الميلين الأخضرين ثم قيده الإعياء فركب وأكمل السعى راكبا وقد حشر الناس ضحى.\rثم عاد هذا الأمير إلى المسجدالحرام على حالته من الأرهاب والهيبة وهو يتهادى بين بروق خواطف السيوف المصلتة وقد بادر الشيبيون إلى باب البيت المكرم ليفتحوه ولم يكن يوم فتحه وضم الكرسي الذي يصعد عليه فرقى الأمير فيه وتنأول زعيم الشيبين فتح الباب فإذا المفتاح قد سقط من كمه في ذلك الزحام فوقف وقفة دهش مذعور ووقف الأمير على الأدراج فيسر الله للحين في وجود المفتاح ففتح الباب الكريم ودخل الأمير وحده مع الشبي وأغلق الباب وبقى وجوه الاغزاز وأعيانهم مزدحمين على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484221,"book_id":4102,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":164,"body":"ذلك الكرسي فبعد لأي ما فتح لا مرائهم المقربين فدخلوا.\rوتمادى مقام سيف الإسلام في البيت الكريم مدة طويلة ثم خر ج وانفتح الباب للكافة منهم فياله من ازدحام وتراكم وانتظام حتى صاروا كالعقد المستطيل وقد اصتلوا وتسلسلوا فكان يومهم أشبه شيء بأيام السرو في دخولهم البيت حسبما تقدم وصفه وركب الأمير سيف الإسلام وخرج إلى مضرب ابنيته بالموضع المذكور وكان هذا اليوم بمكة من الأيام الهائلة المنظر العجيبة المشهد الغريبة الشان فسبحان من لا يقنضى ملكه ولا يبيد سلطانه لا إله سواه. وصحب هذا الأمير جملة من حجاج مصر وسواها اغتناما لطريق البر والأمن فوصلوا في عافية وسلامة والحمد لله.\rوفي ضحوة يوم الخيس بعده كنا أيضا بالحجر المكرم فإذا بأصوات طبول ودبادب وبوقات قد قرعت الأذان وارتجت لها نواحي الحرم الشريف فبينا نحن نتطلع لاستعلام خبرها طلع علينا الأمير مكثر وغاشيته١ الأقربون حوله وهو رافل في حلة ذهب كأنها لجمر المتقد يسحب أذيالها وعلى رأسه عمامة شرب٢ رقيق سحابي اللون قد علا كورها٣ على رأسه كانها سحابة مركومة وهي مصفحة بالذهب وتحت الحلة خلعتان من الديبقى المرسوم البديع الصنعة خلعها عليه الأمير سيف الإسلام فوصل بها فرحا جذلان والطبول والدبادب تشيعه عن أمر سيف الإسلام إشادة بتكرمته واعلاما بمأثره منزلته فطاف بالبيت لمكرم شكرا لله على ما وهبه من كرامة هذا الأمير بعد أن كان اوجس في نفسه خيفة منه والله يصلحه ويوفقه بمنه.\rوفي يوم الجمعة وصل الأمير سيف الإسلام للصلاة أول الوقت وفتح البيت المكرم فدخله مع الأمير مكثر وأقاما به مدة طويلة ثم خرجا وتزاحم","footnotes":"١ غاشيته: الذين يغشون داره: يدخلون عليه.\r٢ الشرب: نسيج رقيق اشتهرت به مدينتا دمياط وتنيس من مصر.\r٣ كورها: الدور منها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484222,"book_id":4102,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":165,"body":"الغز للدخول تزاحما أبهت الناظرين حتى أزيل الكرسي الذي يصعد عليه فلم يغن عن ذلك شيئا وأقاموا على الازدحام في الصعود باشالة بعضهم على بعض وداموا على هذه الحالة إلى أن وصل الخطيب فخرجوا لاستماع الخطبة وأغلق الباب.\rوصلى الأمير سيف الإسلام عم الأمير مكثر في القبة العباسية فلما انقضت الصلاة خرج على باب الصفا وركب إلى مضرب أبنيته. وفي يوم الأربعاء العاشر منه خرج الأمير المذكور بجنوده إلى اليمن والله يعرف أهلها من المسلمين في مقدمه خيرا بمنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484223,"book_id":4102,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":166,"body":"تراويح رمضان\rوهذا الشهر المبارك قد ذكرنا اجتهاد المجاورين للحرم الشريف في قيامه وصلاة تراويحه وكثرة الأئمة فيه وكل وتر من الليالي العشر الأواخر يختم فيها القرآن فأولها ليلة إحدى وعشرين ختم فيها أحد أبناء أهل مكة وحضر الختمة القاضي وجماعة من الاشياخ فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور إلى منزله إلى طعام وحلوا قد أعدهما واحتفل فيهما.\rثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين ذوي إليسار غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة فاحتفل أبوه لهذه الليلة احتفالا بديعا وذلك أنه أعد له ثريا مصنوعة من الشمع مغصنة قد انتظمت أنواع الفواكه الرطبة واليابسة واعد إليها شمعا كثيرا ووضع في وسط الحرم مما يلي باب بنى شيبة شبيه المحراب المربع من أعواد مشرجبة قد أقيم على قوائم أربع وربطت في أعلاه عيدان نزلت منها قناديل واسرجت في أعلاها مصابيح ومشاعيل وسمر دائر المحراب كله بمسامير حديدة الأطراف غرز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484224,"book_id":4102,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":167,"body":"فيها الشمع فاستدار المحراب كله واوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه، وأمعن الاحتفال في هذا كله ووضع بمقربة من الحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان وحضر الإمام الطفل فصل التروايح وختم وقد انحشد أهل المسجد الحرام إليه رجالا ونساء وهو في محرابه لا يكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به.\rثم برز من محرابه رافلا في أفخر ثيابه بهيبة إمامية وسكينة غلامية مكحل العينين مخضوب الكفين إلى الزندين فلم يستطع الخلوص إلى مبنره من كثرة الزحام فأخذه أحد سدنة تلك الناحية في ذراعه حتى القاه على ذروة منبره فاستوى مبتسما وأشار على الحاضرين مسلما. وقعد بين يديه قراء فابتدروا القراءة على لسان واحد فلما اكملوا عشرا من القرآن قام الخطيب فصدع بخطبة يحرك لها أكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع وبين يديه في درجات المنبر نفر يمسكون أنوار الشمع في أيديهم ويرفعون اصواتهم بيارب يا رب عند كل فصل من فصول الخطبة يكررون ذلك والقراء يبتدرون القراءة في أثناء ذلك فيسكت الخيطب إلى أن يفرغوا ثم يعود لخطبته وتمادى فيها متصرفا في فنون من التذكير.\rوفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق كرمه الله فحسر عن ذراعيه مشيرا إليه وأردفه بذكر زمزم والمقام فاشار إليهما بكلتا اصبعيه ثم ختمها يتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاء له من الأمراء ثم نزل وانفض ذلك الجمع العظيم وقد استظرف ذلك الخطيب واستنبل وإن لم تبلغ الموعظة من النفوس ما أمل والتذكرة إذا خرجت من اللسإن لم تتعد مسافة الآذان. ثم ذكر أن المعينين من ذلك الجمع كالقاضي وسواه خصوا بطعام حفيل وحلوا على عادتهم في مثل هذا المجتمع وكانت لأبي الخطيب في تلك الليلة نفقة واسعة في جميع ما ذكر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484225,"book_id":4102,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":168,"body":"ثم كانت ليلة خمس وعشرين فكان المختتم فيها الإمام الحنفي وقد أعد ابنا له لذلك سنه نحو من سن الخطيب الأول المذكور فكان احتفال الإمام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيما احضر فيها من ثريات الشمع أربعا مختلفات الصنعة منها مشجرة مغصنة مثمرة بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة ومنها غير مغصنة فصففت إمام حطيمه وتوج الحطيم بخشب وألواح وضعت أعلاه وجلل ذلك كله سرجا ومشاعيل وشبحا فاستنار الحطيم كله حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور وأحضر الشمع في أتوار١ الصفر ووضع المحراب العودى المشرجب فجلل دائرة الأعلى كله شمعا وأحدق الشمع في الأنوار به فاكتنفته هالات من نور ونصب المنبر قبالته مجللا أيضا بالكسوة الملونة. واحتفال الناس لمشاهدة هذا المنظر النير أعظم من الاحتفال الأول. فختم الصبي المذكور ثم برز من محرابه إلى منبره يسحب أذيال الخفر في أثواب رائقة المنظر فتسور منبره واشار بالسلام على الحاضرين وابتدأ خطبته بسكينة ولين ولسان على حالة الحياء مبين فكأن الحال على طفولتها كانت أوقر من الأولى واخشع والموعظة أبلغ والتذكرة أنفع.\rوحضر القراء بين يديه على الاسم الأول وفي أثناء فصول الخطبة يبتدرون القراءة فيسكت خلال إكمالهم الآية التي انتزعوهات من القرآن ثم يعود إلى خطبته. وبين يديه في درجات المنبر طائفة من الخدمة يمسكون أنوار الشمع بأيديهم ومنهم من يمسك المجمرة يسطع بعرف العود الرطب الموضوع فيها مرة بعد أخرى فعند ما يصل إلى فصل من تذكير أو تخشيع رفعوا أصواتهم بيارب يا رب يكررونها ثلاثا أو أربعا وربما جاراهم في النطق بعض الحاضرين إلى أن فرغ من خطبته ونزل وجرى الإمام اثره على الرسم من الإطعام لمن حضر من أعيان المكان إما باستدعائهم إلى منزله تلك الليلة أو بتوجيه ذلك إلى منازلم.","footnotes":"١ أتوار، الواحد تور: إناء صغير.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484226,"book_id":4102,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":169,"body":"ثم كانت ليلة سبع وعشرين وهي ليلة الجمعة بحساب يوم الأحد فكانت الليلة الغرءا والختمة الزهراء والهيبة الموفورة الكهلاء١ والحالة التي تمكن عند الله تعالى في القبول والرجاء وأي حالة تؤازي شهود ختم القرآن ليلة سبع وعشرين من رمضان خلف المقام الكريم وتجاه البيت العظيم؟ وإنها لنعمة تتضاءل لها النعم تصاؤل سائر البقاع للحرم.\rووقع النظر والاحتفال هذه الليلة المباركة قبل ذلك بيومين أو ثلاثة واقيمت إزاء حطيم إمام الشافعية خشب عظام بائنة الارتفاع موصول بين كل ثلاث منها بأذرع من الأعواد الوثيقة فاتصل منها صف كاد يمسك نصف الحرم عرضا ووصلت بالحطيم المذكور ثم عرضت بينها ألواح طال مدت على الأذرع المذكورة وعلت طبقة منها طبقة أخرى حتى استكلمت ثلاث طبقات فكانت الطبقة العليا منا خشبا مستطيلة مغروزة كلها مسامير محددة الأطراف لاصقا بعضها ببعض كظهر الشهيم٢ نصب عليها الشمع والطبقتان تحتها ألواح مثقوبة ثقبا متصلا وضعت فيها زجاجات المصابيح ذوات الأنابيب المنبعثة من أسافلها.\rوتدلت من جوانب هذه الألواح والخشب ومن جميع الأذرع المذكورة قنايدل كبا وصغار وتخللها اشباه الاطباق المبسوطة من الصقر قد انتظم كل طبق منها ثلاث سلاسل تقلها في الهواء وخرقت كلها ثقبا ووضعت فيها الزجاجات ذوات الأنابيب من أسفل تلك الاطباق الصفرية لا يزيد منها أنبوب من أنبوب في القد وأوقدت فيها المصابيح فجاءت كأنها موائد ذوات أرجل كثيرة تشتعل نورا، ووصلت بالحطيم الثاني الذي يقابل الركن الجنوبي من قبة زمزم خشب على الصفة المذكورة اتصلت إلى الركن المذكور واوقد المشعل الذي في رأس فحل القبة المذكورة وصففت طرة شباكها شمعا مما يقابل","footnotes":"١ أراد بالكهلاء: الموقرة.\r٢ الشيهم: ذكر القنافذ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484227,"book_id":4102,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":170,"body":"البيت المكرم. وحف المقام الكريم بمحراب من الأعواد المشرجبة المخرمة محفوفة الأعلى بمسامير حديدة الأطراف على الصفة المذكورة جللت كلها شمعا وصنب عن يمين المقام ويساره شمع كبير الجرم في أنوار تناسبها كبرا وصفت تلك الأنوار على الكراسي التي يصرفها السدنة مطالع عند الايفاد وجلل جدار الحجر المكرم كله شمعا في أنوار من الصفر فجاءت كأنها دائرة نور ساطع واحدقت بالحرم المشاعيل واوقد جميع ما ذكر.\rواحدق بشرفات الحرم كلها صبيان مكة وقد وضعت بيد كل واحد منهم كرة من الخرق المشبعة سليطا١ فوصفوها متقدة في رؤوس الشرفات وأخذت كل بالواحد طائفة منهم ناحية من نواحيها الأربع فجعلت كل طائفة تبارى صاحبتها في سرعة ايقادها فيخيل للناظر أن النار تثب من شرفة إلى شرفة لخفاء اشخاصهم وراء الضوء المرتمي الأبصار وفي أثناء محاولتهم لذلك يرفعون اصواتهم بيارب يا رب على لسان واحد فيرتجج الحرم لأصواتهم.\rفلما كمل ايقاد الجميع بما ذكر كاد يغشى الأبصار شعاع تلك الأنوار فلا تقع لمحة طرف إلا على نور تشغل حاسة لبصر عن استمالة النظر فيتوهم المتوهم لهول ما يعانيه من ذلك أن تلك الليلة المباركة نزهت لشرفها عن لباس الظلماء فزينت بمصابيح السماء.\rوتقدم القاضي فصلى فريضة العشاء الآخرة ثم قام وابتدأ بسروة القدر وكان أئمة الحرم في الليلة قبلها قد انتهوا في القراءة إليها وتعطل في تلك الساعة سائر الأئمة من قراءة التراويح تعظيما لختمة المقام وحضروا متبركين بمشاهدتها.\rوقد كان المقام المطهر أخرج من موضعه المستحدث في البيت العتيق حسبما تقدم الذكر أولا له فيما سلف من هذا التقييد وووضع في محله الكريم المتخذ مصلى مستورا بقبته التي يصلى الناس خلفها فتختم القاضي","footnotes":"١ السليط: الزيت الجيد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484228,"book_id":4102,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":171,"body":"بتسليمتين وقام خطيبا مستقبل المقام والبيت العتيق فلم يتمكن سماع الخطبة للازدحام وضوضاء العوام.\rفلما فرغ من خطبته عاد الأئمة لاقامة تراويحهم وانفض الجمع ونفوسهم قد استطارت خشوعا واعينهم قد سالت دموعا والأنفس قد اشعرت من فضل تلك الليلة المباركة رجاء مبشرا بن الله تعالى بالقبول ومشعرا أنها ولعلها ليلة القدر المشرف ذكرها في التنزيل والله ﷿ لا يخلى الجميع من بركة مشاهدتها وفضل معاينتها أنه كريم منان لا إله سواه.\rثم ترتبت قراءة أئمة المقام الخمسة المذكورين أولا بعدهذه الليلة المذكورة بآيات ينتزعونها من القرآن على اختلاف السور تتضمن التذكير والتحذير والتبشير بحسب اختيار كل واحد منهم ورسم طوافهم إثر كل تسليمتين باق على حاله والله ولى القبول من الجميع.\rثم كانت ليلة تسع وعشرين منه فكان المختتم فيها سائر أئمة التروايح ملتزمين رسم الخطبة اثر الختمة والمشار إليه منهم المالكي فتقدم باعداد أعواد بإزاء محرابه نصبها ستة على هيئة دارة محراب مرتفعة عن الأرض بدون القامة يعترض على كل اثنين منها عود مبسوط فأدير بالشمع أعلاها وأحدق اسفلها ببقايا شمع كثير قدتقدم ذكره عند ذكر أول الشهر المبارك. وأحدق أيضا داخل تلك الدائرة شمع آخر متوسط فكان منظرا مختصرا ومشهدا عن احتفال المباهاة منزها موقرا رغبة في احتفال الأجر والثواب ومناسبة لموضع هيئة المحراب نصبت للشمع فيه عرضا من الأنوار أثافي١ من الأحجار فجاءت الحال غريبة في الاختصار خارجة عن محفل التعاظم والاستكبار داخلة مدخل التواضع والاستصغار.\rواحتفل جميع المالكية للختمة فتناوبها أئمة التراويح فقضوا صلاتهم","footnotes":"١ الأثافي: أحجار توضع عليها القدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484229,"book_id":4102,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":172,"body":"سراعا عجالا كاد يلتقى طرفاها خفوفا واستعجالا ثم تقدم أحد هم فعقد حبوته١ بين تلك الأثافي وصدع بخطبة منتزعة من خطبة الصبي ابن الإمام الحنفي فأرسلها معادة إلى الأسماع ثقيلا لحنها على الطباع ثم انقض الجمع وقد جمد في شئونه٢ الدمع واختطف للحين من أثافيه ذلك الشمع اطلقت عليه أيدي الانتهاب ولم يكن في الجماعة م يستحي منه أو يهاب وعند الله تعالى في ذلك الجزاء والثواب أنه سبحانه الكريم الوهاب.\rوانتهت ليالي الشهر ذأهبة عنا بسلام جعلنا الله ممن طهر فيها من الآثام ولا أخلانا من فضل القبول ببركة صومه في جوار الكعبة البيت الحرام وختم الله لنا ولجميع أهل الملة الحينفية بالوفاة على الإسلام وأوزعنا٣ حمدا بحق هذه النعمة وشكرا وجعلها للمعاد لنا دخرا ووفانا عليها ثوابا من لديه وأجرا يرجى بفضله وكرمه أنه يضيع لديه أيام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا إنه الحنان المنان لا رب سواه.","footnotes":"١ عقد حبوته: أي جلس وجمع بين ظهره وساقيه بعمامة أو ثوب.\r٢ الشؤون: العروق التي تجري فيها الدموع.\r٣ أوزعنا: ألهمنا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484230,"book_id":4102,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":173,"body":"شهر شوال عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة الثلاثاء السادس عشر من ينير٤ يمن الله مطلعه ورزقنا بركته وهذا الشهر المبارك هو فاتحة أشهر الحج المعلومات وبعده تتصل ثلاثة الأشهر الحرم المباركات وكانت ليلة استهلال هلاله من الليالي الحفيلة في المسجدالحرام زاده الله تكريما جرى الرسم في ايقادمشاعله وثرياته وشمعه على الرسم المذكور ليلة سبع وشعرين من رمضان المعظم،","footnotes":"٤ أي يناير، كانون الثاني.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484231,"book_id":4102,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":174,"body":"وأوقدت الصوامع من الأربع جهات من الحرم وأوقد سطح المسجد الذي في أعلى جبل أبي قبيس وأقام المؤذن ليلته تلك في أعلى سطح قبة زمزم مهللا ومبكرا ومسبحا وحامدا وأكثر الأئمة تلك الليلة أحيا وأكثر الناس على مثل تلك الحال بين طواف وصلاة وتهليل وتكبير يقبل الله من جميعهم إنه سميع الدعاء كفيل بالرجاء سبحانه لا إله سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484232,"book_id":4102,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":175,"body":"عيد رمضان\rفلما كان صبيحتها وقضى الناس صلاة الفجر لبس الناس أثواب عيدهم وبادروا لأخذ مصافهم لصلاة العيد بالمسجد الحرام لأن السنة جرت بالصلاة فيه دون مصلى يخرج الناس إليه رغبة في شرف البقعة وفضل بكرتها وفضل صلاة الإمام خلف المقام ومن يأتم به. فأول من بكر الشيبيون وفتحوا باب الكعبة المقدسة وأقام زعيمهم جالسا في العتبة المقدسة وسائر الشيبيين داخل الكعبة إلى أن احسو بوصول الأمير مكثر فنزلوا إليه وتلقوه بمقربة من باب النبي ﷺ فانتهى إلى البيت المكرم وطاف حوله اسبوعا والناس قد احتلفوا لعبدهم والحرم قد غص بهم والمؤذن الزمزمي فوق سطح القبة على العادة رافعا صوته بالثناء عليه والدعاء له متناوبا في ذلك مع أخيه. فلما اكمل الأمير الأسبوع عمد إلى مصطبة قبة زمزم مما قابل الكرن الأسود فقعد بها وبنوه عن يمينه ويساره ووزيره وحاشيته وقوف على رأسه وعاد الشيبوين لمكانهم من البيت المكرم يلحظهم الناس بابصار خاشعة للبيت غابطة لمحلهم منه ومكانهم ن حجابته وسدانته فسبحان من خصهم بالشرف في خدمته وحضر الأمير من خاصته شعراء أربعة فأنشدوه واحدا ثر واحد إلى أن فرغوا من إنشادهم.\rوفي أثناء ذلك تمكن وقت الصلاة وكان ضحى من النهار فأقبل القاضي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484233,"book_id":4102,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":176,"body":"الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين والفرقعة المتقدم ذكرها أمامه وقد صك الحرم صوتها وهو لابس ثياب سواده فجاء إلى المقام الكريم وقام الناس للصلاة فلما قضوها رقى المنبر وقد الصق إلى موضعه المعين له كل جمعة من جدار الكعبة لمكرمة حيث الباب الكريم شارعا فخطب خطبة بليغة والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره إلى أن فرغ من خطبته.\rوأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والستليم والتغافر والدعاء مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم الله من فضله وبادروا إلى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين مزدخمين عليه فوجا فوجا فكان مشهدا عظيما وجمعا بفضل الله تعالى مرحوما جعله الله ذخيرة للمعاد كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الأعياد بمنه وكرمه إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى تبركا باحتساب الخطا الصالحين من الصدر الأول وسواه رضى الله عن جميعهم وحشرنا في زمزرتهم ونفعنا بمحبتهم فالمرء كما قال ﷺ مع من أحب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484234,"book_id":4102,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":177,"body":"مناسك الحج\rوفي يوم السبت التاسع عشر منه والثالث لفبرير١ صعدنا إلى منى لمشاهدة المناسك المعظمة بها ولمعاينة منزل اكترى لنا فيها إعدادا للمقام بها أيام التشريق إن شاء الله فألفيناها تملأ النفوس بهجة وانشراحا مدينة عظيمة الآثار واسعة الاختطاط عتيقة الوضع قد درست إلا منازل يسيرة","footnotes":"١ فبرير: شباط.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484235,"book_id":4102,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":178,"body":"متخذة للنزول تحف بجانبي طريق كأنه ميدان انبساطا وانقساما ممتد الطول.\rفأول ما يلقى المتوجه إليها عن يساره وبمقربة منها مسجد البيعة المباركة التي كانت أول بيعة في الإسلام عقدها العباس رضى الله عنه للنبي ﷺ على الأنصار حسب المشهور من ذلك.\rثم يفضى منه إلى جمرة العقبة وهي أول منى للمتوجه من مكة وعن يسار المار إليها وهي على قارعة الطريق مرتفعة للمتراكم يها من حصى الجمرات ولولا آيات الله البينات فيها لكانت كالجبال الرواسي لما يجتمع فيها على تعاقب الدهور وتوالي الأزمنة لكن الله ﷿ فيها سر كريم من اسراره الخفيات لا إله سواه وعليها مسجد مبارك وبها علم نصوب شبه اعلام الحرم التي ذكرناها فيجعلها الرامي عن يمينه مستقبلا مكة شرفها الله ويرمى بها سبع حصيات وذلك يوم النحر اثر طلوع الشمس ثم ينحر أو يذبح ويحلق والمحلق حولها والمنحر في كل موضع من منى لأن منى كلها منحر كما قال ﷺ وقد حل له كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوف طواف الإفاضة. وبعد هذه الجمرة العقبية موضع الجمرة الوسطى ولها أيضا علم منصوب وبينهما قدر الغلوة ثم بعدها يلقى الجمرة الأولى ومسافتها منها كمسافة الأخرى.\rوفي وقت الزوال من ثاني يوم النحر ترمى في الأولى سبع حصيات وفي الوسطى كذلك وفي العقبة كذلك فتلك إحدى وعشرون حصاة وفي الثالث من يوم النحر في الوقت بعينه كذلك على الترتيب المذكور فتلك اثنتان وأربعون حصاة في إليومين وسبع رميت في العقبة يوم النحر وقت طلوع الشمس كما ذكرناه وهي المحللات للحاج ما حرم عليه سوى النساء والطيب فتلك تكمة تسع وأربعين جمرة.\rوفي إثر ذلك ينفصل الحاج إلى مكة من ذلك اليوم واختصر في هذا الزمان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484236,"book_id":4102,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":179,"body":"إحدى وعشرون كانت ترمى في اليوم الرابع على الترتيب المذكور وذلك لاستعجال الحاج خوفا من العرب الشعبيين إلى غير ذلك من محذورات الفتن المغيرات الآثار السن فمضى العمل اليوم على تسع وأربعين حصاة وكانت في القديم سبعين والله يهب القبول لعباده.\rوالصادر من عرفات إلى منى أول ما يلقى الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة وفي يوم النحر تكون جمرة العقبة اولى منفردة بسبع حصيات حسبما تقدم ذكره ولا يشترك معها سواها في ذلك اليوم ثم في إليومين بعده ترجع الآخرة على الترتيب حسبما وصفناه بحول الله ﷿.\rوبعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى منحر الذبيح ﷺ حيث فدى بالذبح العظيم وعلى الموضع المبارك مسجد بمنى وهو بمقربة من سفح ثبير١. وفي موضع المنحر المذكور حجر قد الصق بالجدار المبنى فيه أثر قدم صغيرة يقال إنه أثر قدم الذبيح صلى ﷺ عند تحركه فلان الحجر له بقدرة الله ﷿ إشفاقا وحنانا فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله.\rويفضى من ذلك إلى مسجد الخيف المبارك وهو آخر منى في توجهك أعني من المعمور منها بالبنيان وأما الآثار القديمة فأخذت إلى أبعد غاية إمام المسجد. وهذا المسجد المبارك متسع الساحة كأكبر ما يكون من الجوامع والصومعة وسط رحبة المسجد وله في القبلة أربعة بلاطات يشملها سقف واحد وهو من المساجد الشهيرة بركة وشرف بقعة وكفى بما ورد في الأثر الكريم من أن يقعته الطاهرة مدفن كثير من الأنبياء صلوات الله عليهم.\rوبمقربة منه عن يمين المار في الطريق حجر كبير مسند إلى صفح٢ الجبل مرتفع عن الأرض يظل ما تحته ذكر أن النبي ﷺ،","footnotes":"١ ثبير: جبل.\r٢ الصفح: الوجه والسفح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484237,"book_id":4102,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":180,"body":"قعد تحته مستظلا ومس رأسه المكرم فيه فلان له حتى اثر فيه تأثيرا بقدر دور الرأس فيبادر الناس لوضع رؤوسهم في ذلك الموضع تبركا واستجارة لها بموضع مسه الرأس المكرم أن لا تمسها النار بقدرة الله ﷿. فلما قضينا معاينة هذه المشاهد الكريمة أخذ نا في الانصراف مستبشرين بما وهبنا الله من فضله في مباشرتها ووصلنا إلى مكة قريب الظهر والحمد لله على ما من به.\rوفي يوم الأحد بعده وهو الموفى عشرين لشوال صعدنا إلى الجبل المقدس حراء وتبركنا بمشاهدة الغار في أعلاه الذي كان النبي ﷺ يتعبد فيه وهو أول موضع نزل فيه الوحي عليه ﷺ ورزقنا شفاعته وحشرنا في زمرته وأماتنا على سنته ومحبته بمنه وكرمه لا رب سواه.\rوفي ضحوة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه وهو لسادس من فبراير اجتمع الناس كافة للاستسقاء تجاه الكعبة المعظمة بعد أن ندبهم القاضي إلى ذلك وحرضهم على صيام ثلاثة أيام قبله فاجتمعوا في هذا اليوم الرابع المذكور وقد أخلصوا النيات لله ﷿ وبكر الشيبيون ففتحوا الباب المكرم من البيت العتيق ثم أقبل القاضي بين رايتيه السوداوين لابسا ثياب البياض وأخرج مقام الخيل إبراهيم ﷺ وعلى نبينا ووضع على عتبة باب البيت لمكرم وأخرج مصحف عثمان ﵁ من خزانته ونشر بإزاء المقام المطهر فكانت دفته الواحدة عليه والثانية على الباب الكريم. ثم نودي في الناس بالصلاة جامعة فصلى القاضي بهم خلف موضع المقام المتخذ مصلى ركعتين قرأ في إحد اهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بالغاشية ثم صعد المنبر وقد ألصق إلى موضعه المعهود من جدار الكعبة المقدسة فخطب خطبة بليغة والى فيها الاستغفار ووعظ الناس وذكرهم وخشعهم وحضهم على التوبة والإنابة لله ﷿ حتى نزفت دمعها العيون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484238,"book_id":4102,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":181,"body":"واستنفدت ماءها الشؤون وعلا الضجيج وارتفع الشهيق والنشيج وحول رداءه وحول الناس أرديتهم ابتاعا للسنة.\rثم انقض الجمع راجين رحمة الله ﷿ غير قانطين منها والله يتلافى عباده بلطفه وكرمه\rوتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية على الصفة المذكورة وقد نال الجهد من أهل الحجاز وأضر بهم القحط وأهلك مواشيهم الجدب لم يمطروا في الربيع ولا الحريف ولا الشتاء إلا مطرا طلا غير كاف ولا شاف والله ﷿ لطيف بعباده غير مؤاخذهم بجرائمهم إنه الحنان المنان لا رب سواه.\rوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال صعدنا إلى جبل ثور لمعاينة الغار المبارك الذي أوى إليه النبي ﷺ مع صاحبه الصديق ﵁ حسبما جاء في محكم التنزيل العزيز وقد تقدم ذكر هذا الغار وصفته أولا في هذا التقييد وولجناه من الموضع الذي بعسر الولوج منه على البعض من الناس تبركا بمس بشرة البدن بموضع مسه الجسم المبارك قدسه الله لأن مدخل النبي ﷺ كان منه. وكان لأحد الصاعدين إليه ذلك اليوم من المصريين موقف خجلة وفضيحة وذلك إنه رام الولوج فيه على ذلك الموضع الضيق فلم يقدر بحيلة وعاود ذلك مرارا فلم يستطع حتى استوقف الناس ما عاينوه من ذلك وبكوا له إشفاقا ولجأوا إلى الله ﷿ في الدعاء فلم يغن ذلك شيئا وكان فيهم من هو أضخم منه فيسر الله عليه وطال تعجب الناس منه واعتبارهم.\rوأعلمنا بعد انفصالنا في ذلك اليوم بأن هذا الموقف المخجل لثلاثة أناس في ذلك اليوم بعينه عصمنا الله من مواقف الفضيحة في الدنيا والآخرة.\rوهذا الجبل صعب المرتقى جدا يقطع الأنفاس تقطيعا لا يكاد يبلغ منتهاه إلا وقد ألقى بالأيدي إعياء وكلالا وهو من مكة على مقدار ثلاثة أميال وعلى ذلك القدر هو جبل حراء منها والله تعالى لا يخلينا من بكرة هذه المشاهد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484239,"book_id":4102,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":182,"body":"بمنه وكرمه.\rوطول الغار ثمانية عشر شبرا وسعته أحد عشر شبرا في الوسط منه وفي حافيته ثلثا شبر وعلى الوسط منه يكون الدخول وسعة الباب الثاني المتسع مدخله خمسة أشبار أيضا لأن له بابين حسبما ذكرناه أولا.\rوفي يوم الجمعة بعده وصل السرو اليمنيون في عدد كثير مؤملين زيارة قبر الرسول ﷺ وجلبوا ميرة إلى مكة على عادتهم فاستبشر الناس بقدومهم استبشارا كثيرا حتى انهم أقاموه عوض نزول المطر ولطائف إله لسكان حرمه الشريف واسعة إنه سبحانه لطيف بعباده لا إله سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484240,"book_id":4102,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":183,"body":"شهر ذي القعدة عرفنا الله يمنه وبركته\rاستهل هلاله ليلة الأربعاء بموافقة الرابع عشر من شهر فبرير بشهادة ثبتت عند القاضي في رؤيته وأما الأكثر الأغلب من أهل المسجد الحرام فلم يبصروا شيئا وطال ارتفاعهم١ إلى إثر صلاة المغرب وكان منهم من يتخيله فيشير إليه فإذا حققه تلاشى عنده نظره وكذب خبره والله أعلم بصحة ذلك.\rوهذا الشهر المبارك ثاني الأشهر الحرم وثاني أشهر الحج أطلع الله هلاله على المسلمين بالأمن والإيمان والمغفرة والرضوان بعزته ورحمته.","footnotes":"١ أراد ارتفاعهم إلى الأمكنة العالية لرؤية الهلال.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484241,"book_id":4102,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":184,"body":"مسجد مولد النبي\rوفي يوم الإثنين الثالث عشر منه دخلنا مولد النبي ﷺ وهو مسجد حفيل البنيان وكان دارا لعبد الله بن عبد المطلب أبي النبي ﷺ وقد تقدم ذكره. ومولده ﷺ صفة صهريج١ صغير سعته ثلاثة أشبار وفي وسطه رخامة خضراء سعتها ثلثا شبر مطوقة بالفضة فتكون سعتها مع الفضة المتصلة بها شبرا ومسحنا الخدود في ذلك الموضع المقدس الذي هو مسقط لأكرم مولود على الأرض وممس لأطهر سلالة وأشرفها ﷺ ونفعنا ببركة مشاهدة مولده الكريم وبإزائه محراب حفيل القرنصة مرسومة طرته بالذهب وقد تقدم الوصف لهذا كله.\rوهذا الموضع المبارك هو شرقي الكعبة متصل بصفح الجبل ويشرف عليه بمقربة منه جبل أبي قبيس وعلى مقربة منه أيضا مسجد عليه مكتوب: هذا المسجد هو مولد علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وفيه تربى رسول الله ﷺ وكان دارا لأبي طالب عم النبي ﷺ وكافله.","footnotes":"١ الصهريج: حوض الماء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484242,"book_id":4102,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":185,"body":"المذكور مولد الحسن والحسين ابنيها رضى الله عنهما لاصق بالجدار وسمقط شلو١ الحسن لاصق بمسقط شلو الحسين وعليهما حجران مائلان إلى السواد كأنهما علامتان للمولدين المباركين الكريمين ومسحنا الخدود في هذه المساقط المكرمة المخصوصة بمس بشرات المواليد الكرام رضوان الله عليهم.\rوفي الدار المكرمة أيضا مختبأ النبي ﷺ شبيه القبة وفيه مقعد في الأرض عميق شبيه الحفرة داخل في الجدار قليلا وقد خرج عليه من الجدار حجر مبسوط كأنه يظل المقعد المذكور قيل إنه كان الحجر الذي كان غطى النبي ﷺ عند اختبائه في الموضع المذكور صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين وعلى كل واحد ن هذه الموالد المذكورة قبة خشب صغيرة تصون الموضع غير ثابتة فيه فإذا جاء المبصر لها نجاها ولمس الموضع الكريم وتبرك به ثم أعادها عليه.\rوفي يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور نفذ أمر الأمير مكثر بالقبض على زعيم الشيبيين محمد ابن إسماعيل وانتهاب منزله وصرفه عن حجابة البيت الحرام طهره الله وذلك لهنات نسبت إليه لا تليق بمن نيطت به سدانة البيت العتيق: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ٢﴾ أعاذنا الله من سوء القضاء ونفوذ سهام الدعاء بمنه.\rوفي هذه الأيام السالفة من الشهر المذكور تواليى مجيء السرو إليمنيين في رفاق كثيرة بالميرة من الطعام وسواه وضروب الادام والفواكه إليابسة فأرغدوا البلد ولولاهم لكان من اتصال الجدب وغلاء السعر في جهد ومشقة فهم رحمة لهذا البلد الأمين ثم توجهوا إلى الزيارة المباركة إلى التربة المباركة طيبة مدفن رسول الله ﷺ ووصلوا في أسرع مدة،","footnotes":"١ الشلو: العضو والجسد من كل شيء.\r٢ سورة الحج، الآية ٢٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484243,"book_id":4102,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":186,"body":"قطعوا الطريق من مكة إلى المدينة في يسير أيام ومن صحبهم من الحاج حمد صحبتهم وفي أثناء مغيبهم وصلت طوائف أخر منهم للحج خاصة لضيق الوقت عن الزيارة فأقاموا بمكة ووصل الزوار منهم فضاق بهم المتسع.\rفلما كان يوم الإثنين السابع والعشرين من الشهر المذكور فتح البيت العتيق وتولى فتحه من الشيبيين ابن عم الشيبي المعزول هو امثل طريقة منه على ما يذكر فازدحم السرو للدخول على العادة فجاءوا بأمر لهم يعهد فيما سلف يصعدون افواجا حتى يغص الباب الكريم بهم فلا يستطيعون تقدما ولا تأخرا إلى أن يلجوا على أعظم مشقة ثم يسرعون الخروج فيضيق الباب الكريم بهم فينحدرا لفوج منهم على المصعد وفوج آخر صاعده فيلتقيه وقد ارتبط بعضهم إلى بعض فربما حمل المنحدرون في صدور الصاعدين وربما وقف الصاعدون للمنحدرين وتضاغطوا إلى أن يميلوا فيقع البعض على البعض فيعاين النظارة منهم مرأى هائلا فمنهم سليم وغير سليم وأكثرهم إنما ينحدرون وثبا على الرؤوس والأعناق.\rومن أعجب ما شاهدناه في يوم الإثنين المذكور أن صعد بعض من الشيبيين أثناء ذلك الزحام يرومون الدخول إلى البيت الكريم فلم يقدروا على التخلص فتعلقوا بأستار حافتي عضادتي الباب ثم إن أحد هم تمسك بإحدى الشرائط القنبية الممسكة للاستار إلى أن علا الرؤوس والأعناق فوطئها ودخل البيت فلم يجدموطئا لقدمه سواها لشدة تراصهم وتراكمهم وانضمام بعضهم إلى بعض وهذا الجمع الذي وصل منهم في هذا العام لم يعهد قط مثله فيما سلف من الاعوام ولله القدرة المعجزة لا إله سواه.\rوفي هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة إلى نحو قامة ونصف من الجدر من الجوانب الأربعة ويسمون ذلك احراما لها فيقولون: أحرمت الكعبة وبهذا جرت العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر ولا تفتح من حبن إحرامها إلا بعد الوقفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484244,"book_id":4102,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":187,"body":"فكأن ذلك التشمير إيذان بالتشمير للسفر وإيذان بقرب وقت وداعها المنتظر لا جعله الله آخر وداع وقضى لنا إليها بالعودة وتيسير سبيل الاستطاعة بعزته وقدرته.\rوفي يوم الجمعة الرابع والشعرين قبل هذا اليوم المذكور كان دخولنا إلى البيت الكريم على حال اختلاس وانتهاز فرصة أوجدت بعض فرجة من الزحام فدخلناه دخول وداع إذ لا يتمكن دخوله بعد ذلك لترادف الناس عليه ولا سيما الأعاجم الواصلون مع الأمير العراقي فانهم يظهرون من التهافت عليه والبدار إليه والازدحام فيه ما ينسى أحوال السرو إليمنيين لفظاظتهم وغلظتهم فلا يتمكن لاحد منهم النظر فضلا عن غير ذلك والله ﷿ لا يجعله آخر العهد ببيته الكريم ويرزقنا العود إليه على خير وعافية بمنه ولطيف صنعه.\rوفي يوم إحرام الكعبة المذكور أقلعت عن موضع المقام المقدس القبة الخشبية التي كانت عليه ووضعت عوضها قبة الحديد إعدادا للأعاجم المذكورين لأنها لو لم تكن حديدا لأكلوها أكلا فضلا عن غير ذلك لما هم عليه من صحة النفوس شوقا إلى هذه المشاهدة المقدسة ونطارحهم بأجرامهم عليها والله ينفعهم بنباتهم بمنه وكرمه.\rوفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور جاء زعيم الشبيين المعزول يتهادى من بنيه زهوا وإعجابا ومفتاح الكعبة المقدسة بيده قد اعيداليه ففتح الباب الكريم وصعد مع بنيه السطح المبارك الأعلى بأمراس من القنب غليظة يوثقونها في أوتاد الحديد المضروبة في السطح ويرسلونها إلى الأرض فيربط فيها شبيه محمل من العود ويجلس فيه أحد سدنة البيت من الشييين فيصعد به على بكرة معدة لذلك في أعلى السطح المذكور فيتولى خياطة ما مزقته الريح من الأستار فسألنا عن كيفية صرف هذا الشيبي المعزول إلى خطته على صحة الهنات المنسوبة إليه فأعلمنا أنه صودر عليها بخمس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484245,"book_id":4102,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":188,"body":"مائة دينار مكة استقرضها وفدعها فطال التعجب من ذلك والاعتبار وتحققنا أن إظهار القبض عليه لم يكن غيرة ولا انفة على حرمات الله المنتهكة على يديه مع كونها في خطة دونها الخلافة رفعة والحال تشبه بعضها بعضا ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١ وإلى الله المشتكى من فساد ظهر حتى في أشرف بقاع الأرض وهو حسبنا ونعم الوكيل.","footnotes":"١ سورة الجاثية، الآية ١٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484246,"book_id":4102,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":189,"body":"منشأ الإسلام\rوفي يوم الأربعاء التاسع والشعرين من ذي القعدة المذكور دخلنا دار الخيزران التي كان منها منشأ الإسلام وهي بإزاء الصفا ويلاصقها بيت صغير عن يمين الداخل إليها كان مسكن بلال رضى الله عنه ويدخل إليها على حلق٢ كبير شبيه الفندق قد أحد قت به بيوت للكراء من الحاج. والدار المكرمة دار صغيرة يجدها الداخل إلى الحلق المذكور عن يساره وهي مجددة البناء انفق في بنائها جمال الدين المذكرو اثره الكريم في هذا المكتوب نحو الالف دينار نفعه الله بما اسلفه من العمل الصالح. وعن يمين الداخل الدار المباركة باب يدخل منه إلى قبة كبيرة بديعة البناء فيها مقعد النبي ﷺ والصخرة التي كان إليها مستنده وعن يمينه موضع أبي بكر الصديق وعن يمين أبي بكر موضع علي بن أبي طالب والصخرة التي كان إليها مستنده هي داخلة في الجدار كشبه المحراب. وفي هذه الدار كان إسلام عمر بن الخطاب ومنها ظهر الإسلام على يديه وأعزه الله نفعنا الله ببركة هذه المشاهد المكرمة والآثار المعظمة وأماتنا على محبة الذين شرفت بهم ونسبت إليهم صلوات الله عليهم أجمعين.","footnotes":"٢ الحلق: الحظيرة أو الحائط الدائر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484247,"book_id":4102,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":190,"body":"شهر ذي الحجة عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس١ وكان للناس في ارتقابه أمر عجيب وشأن من البهتان غريب ونطق من الزور كاد يعارضه من الجماد فضلا عن غيره رد وتكذيب وذلك أنهم ارتقبوه ليلة الخميس الموفى ثلاثين والافق قد تكاثف نوؤه وتراكم غيمه إلى أن علته مع المغيب بعض حمرة من الشفق فطمع الناس في فرجة من الغيم لعل الأبصار تلتقطه فيها فبينما هم كذلك اذ كبر أحد هم فكبر الجم الغفير لتكبيره ومثلوا قياما ينتظرون مالا يبصرون ويشيرون إلى ما يتخيلون حرصا منهم على أن يكون الوقفة بعرفات يوم الجمعة كان الحج لا يرتبط إلا بهذا اليوم بعينه فاخلتقوا شهادات زورية ومشت منهم طائفة من المغاربة اصلح الله أحوالهم ومن أهل مصر أربابها فشهدوا عند القاضي برؤيته فردهم أقبح رد وجرح شهاداتهم أسوأ تجريح وفضحهم في تزييف أقوالهم أخزى فضيحة وقال يا للعجب لو أن أحد هم يشهد برؤنته الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته فكيف برؤية هلال هو ابن تسع وعشرين ليلة!\rوكان أيضا مما حكى من قوله: تشوشت المغارب تعرضت شعرة من الحاجب فأبصروا خيالا ظنوه هلالا\rوكان لهذا القاضي جمال الدين في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف والتحري حمده له أهل التحصيل وشكره عليه ذوو العقول وحق لهم ذلك فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة أتوا لها من\rكل فج عميق فلو تسومح فيها بطل السعي وقال الرأي والله يرفع الالتباس والبأس بمنه.\rفلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ظهر الهلال أثناء فرج السحاب وقد اكتسى","footnotes":"١ مارس: آذار.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484248,"book_id":4102,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":191,"body":"نورا من الثلاثين ليلة فزعقت العامة زعقات هائلة وتنادت بوقفة الجمعة وقالت الحمد لله الذي لم يخيب سعينا ولا ضيع قدصنا كأنهم قد صح عندهم أن الوقفة إذا لم تكن توافق يوم الجمعة ليست مقبولة ولا الرحمة فيها من الله مرجوة مأمولة تعالى الله عن ذلك علو كبيرا.\rثم إنهم يوم الجمعة المذكور اجتمعوا إلى القاضي فأدوا شهادات بصحة الؤية تبكي الحق وتضحك الباطل فردها وقال: يا قوم حتام هذا التمادي في الشهوة وإلام تستنون في طرق الهفوة وأعلمهم إنه قد استأذن الأمير مكثرا في أن يكون الصعود إلى عرفات صبيحة يوم الجمعة فيقفوا عشية بها ثم يقفوا صبيحة يوم السبت بعده ويبيتوا ليلة الأحد بمزدلفة فإن كانت الوقفة يوم الجمعة فما عليهم في تأخير المبيت بمزدلفة بأس إذ هو جائز عند أئمة المسلمين وإن كانت يوم السبت فبها ونعمت وأما أن يقع القطع بها يوم الجمعة فتغرير بالمسلمين وإفساد لمناسكهم لأن الوقفة يوم التروية عند الأئمة غير جائزة كما أنها عندهم جائزة يوم النحر فشكر جميع من حضر للقاضي هذا المنزع من التحقيق ودعوا له وأظهر من حضر من العامة الرضى بذلك وانصرفوا عن سلام والحمد لله على ذلك.\rوهذا الشهر المبارك هو ثالث الأشهر الحرم وعشره الأولى مجتمع الامم وموسم الحج الأعظم شهر العج والثج١ وملتقى وفود الله من كل أوب وفج مصاب الرحمة والبركات ومحل الموقف الأعظم بعرفات جعلنا الله ممن فاز فيه بالحسنات وتعرى به من ملابس الاوزار والسيئات بمنه وكرمه إنه أهل التقوى وأهل المغفرة والأمير العراقي منتظر لكشف هذا الإلباس عن الناس في أمر الهلال لعله قدا تضح له إليقين فيه إن شاء الله.\rوفي سائر هذه الأيام كلها إلى هلم جرا تصل رفاق من السرو اليمنيين","footnotes":"١ العج: الصياح، ويريد رفع الحجاج أصواتهم بالتلبية. الثج: سيلان دم الهدي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484249,"book_id":4102,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":192,"body":"وسائر حجاج الآفاق لا يحصى عددها إلا محصي آجالها وأرزاقها إلا إله سواه فمن الآيات البينات أن يسع هذا الجمع العظيم هذا البلد الأمين الذي هو بطن واد سعته غلوة أو دونها ولو أن المدن العظيمة حمل عليها هذا الجمع لضاقت عنه. وما هذه البلدة المكرمة فيما تختص به من الآيات البينات في اتساعها لهذا البشر المعجز إحصاؤه إلا كما شبهتها العلماء حقيقة بأنها تتسع لوفودها اتساع الرحم بمولودها وكذلك عرفات وسائر المشاهد المعظمة بهذا البلد الحرام عظم الله حرمته ورزقنا الرحمة فيه بكرمه وفضله.\rومن أول هذا الشهر المبارك ضربت دبادب الأمير بكرة وعشية وفي أوقات الصلوات كأنها شعار بالموسم ولا يزال كذلك إلى يوم الصمود إلى عرفات عرفنا الله بها القبول والرحمة.\rوفي يوم الإثنين الخامس أو الرابع من هذا الشهر وصل الأمير عثمان بن علي صاحب عدن وخرج منها فارا إمام سيف الإسلام المتوجه إلى اليمن وركب البحر في جلاب كثيرة مشحونة بأحوال١ عظيمة وأموال لا تحصى كثرة لأنه طال مقامه في تلك الولاية واتسع كسبه وعند خروجه من البحر بموضع يعرف بالصر لحقت جلبه حراريق الأمير سيف الإسلام فأخذت جميع ما فيها من الاثقال وكان قد استصحب الخف النفيس الخطير مع نفسه إلى البر وهو في جملة من رجاله وعبيده فسلم به ووصل مكة بعير موقرة متاعا ومالا دخلت على أعين الناس إلى داره التي ابتناها بها بعد أن قدم نفيس ذخائره وناضرة ماله وحملة رقيقه وخدمه ليلا.\rوبالجملة فحاله لاتوصف كثرة واتساعا والذي انتهب له أكثر لأنه كان في ولايته يوصف بسوء السيرة مع التجار وكانت المنافع التجارية كلها راجعة إليه الدخائر الهندية المجلوبة كلها واصلة إلى يديه فاكتسب","footnotes":"١ الأحوال: أراد بها الثروات.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484250,"book_id":4102,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":193,"body":"سحتا١ عظيما وحصل على كنوزر قارونية لكن حوادث الأيام قد ابتدأت بالخسف به ولا يدرى حال أمره مع صلاح الدين لما يكون والدنيا مفنية محبيبها وآكلة بينها وثواب الله خير ذخيرة وطاعته أشرف غنيمة لا إله سواه.\rوبقيت الشهادة مضطربة في أمر هذا الهلال المبارك الميمون إلى أن تواصلت الأخبار برؤيته ليلة الخميس الذي يوافق الخامس عشر من مارس شهد بذلك ثقات من أهل الزهد والورع يمنيون وسواهم من الواصلين من المدينة المكرمة لكن بقي القاضي على ثباته وتوقفه في القبول وإرجاء الأمر إلى وصول المبشر المعلم بوصول الأمير العراقي ليتعرف من قبله ما عند أمير الحاج في ذلك.\rفلما كان يوم الأربعاء السابع من الشهر المذكور وصل المبشر وكانت نفوس أهل مكة قد اوجست خيفة لبطئه حذرا من حقدالخليفة على اميرهم مكثر لمذموم فعل صدر عنه فكان وصول هذا البشير امانا وتسكينا للنفوس الشاردة فوصل مبشرا ومؤنسا وأعلم برؤية الهلال ليلة الخميس المذكور. وتواترت الأنباء بذلك فصح الأمر عند القاضي بذلك صحة اوجبت خطبته في ذلك اليوم على ما جرت به العادة في اليوم السابع من ذي الحجة إثر صلاة الظهر علم الناس فيها مناسكهم ثم أعلمهم أن عدهم هو يوم الصعود إلى منى وهو يوم التروية أن وقفتهم يوم الجمعة وان الأثر الكريم فيها عن رسول الله ﷺ بانها تعدل سبعين وقفة ففضل هذه الوقفة في الاعوام كفضل يوم الجمعة على سائر الأيام.","footnotes":"١ السحت: الحرام.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484251,"book_id":4102,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":194,"body":"إلى عرفات\rفلما كان يوم الخميس بكر الناس بالصعود إلى منى وتمادوا منها إلى عرفات. وكانت السنة المبيت بها لكن ترك الناس ذلك اضطرارا بسبب خوف بني شعبة المغيرين على الحجاج في طريقهم إلى عرفات وصدر عن هذا الأمير عثمان المتقدم ذكره في ذلك اجتهاد بل جهاد يرجى له به المغفرة لجميع خطإياه إن شاء الله وذلك إنه تقدم بجميع أصحابه شاكين في الاسلحة إلى المضيق الذي بين مزدلفة وعرفات وهو موضع ينحصر الطريق فيه بين جبلين فينحدر الشعبيون من أحدهما وهو الذي عن يسار المار إلى عرفات فينتبهون الحاج انتهابا فضرب هذا الأمير قبة في ذلك المضيق بين الجبلين بعد أن قدم أحد أصحابه فصعد إلى رأس الجبل بفرسه وهو جبل كؤود فعجبنا من شأنه وأكثر التعجب من أمر الفرس وكيف تمكن له الصعود إلى ذلك المرتقى الصعب الذي يرتقيه ... فأمن جميع الحاج بمشاركة هذا الأمير لهم فحصل على أجرين: أجر جهاد وحج لأن تأمين وفد الله ﷿ في مثل ذلك اليوم من أعظم الجهاد.\rواتصل صعود الناس ذلك اليوم كله واليلة كلها إلى يوم الجمعة كله فاجتمع بعرفات من البشر جمع لايحصى عدده إلا الله ﷿. ومزدلفة بين منى وعرفات من منى إليها ما من مكة إلى منى وذلك نحو خمسة اميال ومنها إلى عرفات مثل ذلك أو اشف قليلا وتمسى المشعر الحرام وتسمى جمعا فلها ثلاثة أسماء وقبلها بنحو الميل وادي محسر وجرت العادة بالهرولة فيه وهو حد بين مزلدلفة ومنى لأنه معترض بينهما.\rومزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين جبلين وحوله مصانع وصهاريج كانت للماء في زمان زبيدة رحمها الله وفي وسط ذلك البسيط من الأرض حلق١ في وسطه قبة في أعلاها مسجد يصعد إليه على أدراج من جهتين،","footnotes":"١ الحلق: جدار دائري.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484252,"book_id":4102,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":195,"body":"يزدحم الناس في الصعود إليه والصلاة فيه عند مبيتهم بها. وعرفات أيضا بسيط من الأرض مد البصر لو كان محشرا للخلائق لو سعهم يحدق بذلك السبيط الافيح جبال كثيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484253,"book_id":4102,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":196,"body":"جبل الرحمة\rوفي آخر ذلك البسيط جبل الرحمة وفيه حوله موقف الناس والعلمان قبله بنحو الميلين فما إمام العلمين إلى عرفات حل وما دونهما حرم. وبمقربة منهما مما يلي عرفات بطن عرنة الذي أمر النبي ﷺ بالارتفاع عنه في قوله ﷺ: \"عرفات كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة\"،\rفالواقف فيه لا يصح حجه فيجب التحفظ من ذلك لأن الجمالين عشية الوقفة ربما استحثوا كثيرا من الحاج وحذروهم الزحمة في النفر واستدرجوهم بالغلمين اللذين امامهم إلى أن يصلوا بهم بطن عربة أو يجيزوه فيبطلوا على الناس حجهم والمتحفظ لا ينفر من الموقف حتى يتمكن سقوط القرصة من الشمس.\rوجبل الرحمة المذكور منقطع عن الجبال قائم في وسط البسيط وهو كله حجارة منقطعة بعضها عن بعض كان صعب المرتقى فاحدث فيه جمال الدين المذكورة مآثره في هذا التقييد ادراجا وطية من أربع جهاته يصعد فيها بالدواب الموقورة وانفق فيها مالا عظيما.\rوفي أعلى الجبل قبة تنسب إلى أم سلمة رضى الله عنها ولا يعرف صحة ذلك وفي وسط القبة مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه وحول ذلك المسجد المكرم سطح محدق به فسيح الساحة جميل المنظر يشرف منه على بسيط عرفات وفي جهة القبلة منه جدار وقد نصبت فيه محاريب يصلى الناس فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484254,"book_id":4102,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":197,"body":"وفي أسفل هذا الجبل المقدس عن يسار المستقبل للقبلة فيه دار عتيقة البنيان وفي أعلاها غرف لها طيقان تنسب إلى آدم ﷺ وعن يسار هذه الدار في استقبال القبلة الصخرة التي كان عندها موقف النبي ﷺ وهي في جبل متطأمن وحول جبل الرحمة والدار المكرمة صهاريج للماء وجباب وعن يسار الدار أيضا على مقربة منها مسجد صغير.\rوبمقربة من العلمين عن يسار مستقبل القبلة مسجد قديم فسيح البناء بقى منه الجدار القبلي ينسب إلى إبراهيم ﷺ فيه يخطب الخطيب يوم الوقفة ثم يجمع بين الظهر والعصر وعن يسار العلمين أيضا في استقبال القبلة وادي الأراك وهو أراك أخضر يمتد في ذلك البسيط مع البصر امتدادا طويلا.\rفتكامل جمع الناس بعرفات يوم الخيمس وليلة الجمعة كلها وفي نحو الثلث الباقي من ليلة الجمعة المذكورة وصل أمير الحاج العراقي فضرب ابنيته في البسيط الأفيح مما يلي الجانب الأيمن من جبل الرحمة في استقبال القبلة.\rوالقبلة في عرفات هي إلى مغرب الشمس لأن الكعبة المقدسة في تلك الجهة منها. فأصبح يوم الجمعة المذكور في عرفات جمع لا شبيه له إلا الحشر لكنه إن شاء الله تعالى حشر للثواب مبشر بالرحمة والمغفرة يوم الحشر للحساب زعم المحققون في الاشياخ المجاورين انهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعا أحفل منه ولا أرى كان من عهد الرشيد الذي هو آخر من حج من الخفاء جمع في الإسلام مثله جعله الله جمعا مرحوما معصوما بعزته.\rفلما جمع بين الظهر وة العصر يوم الجمعة المذكور وقف الناس خاشعين باكين والى الله ﷿ في الرحمة متضرعين والتكبير قد علا وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع فما رؤى يوم أكثر مدامع ولا قلوبا خواشع ولا اعناقا لهيبة الله خوانع خواضع من ذلك اليوم فما زال الناس على تلك الحالة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484255,"book_id":4102,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":198,"body":"والشمس تلفح وجوهم إلى أن سقط قرصها وتمكن وقت المغرب. وقد وصل أمير الحاج مع جملة من جنده الدارعين ووقفوا بمقربة من الصخرات عند المسجدالصغير المذكور. وأخذ السرو اليمنيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات المتوارثة عن جد فجد من عهد النبي ﷺ لا تتعدى قبيلة على منزل أخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484256,"book_id":4102,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":199,"body":"وصول الأمير العراقي\rوكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قط مثله. وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين واحدتهن خاتون ومن السيدات بنات الأمراء كثير ومن سائر العجم عدد لا يحصى فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الإمام المالكي لأن مذهب مالك ﵁ يقتضي أن لا ينفر حتى يتمكن سقوط القرصة ويحين وقت المغرب ومن السرو إليمنيين من نفر قبل ذلك. فلما أن حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعا ارتحت له الأرض ورجفت الجبال فياله موقفا ما أهول مرآه وأرجى في النفوس عقباه جعلنا الله فمن خصه فيه برضاه وتغمده بنعماه إنه منعم كريم حنان منان.\rوكانت محلة هذا الأمير العراقي جميلة المنظر بهية العدة رائقة المضارب والابنية عجيبة القباب والأروقة على هيآت لم ير أبدع منها منظرا فأعظمها مرآى مضرب الأمير وذلك إنه أحد ق به سرادق كالسور من كتان كأنه حديقة بستان أو زخرفة بنيان وفي داخله القباب المضروبة وهي كلها سواد في بياض مرقشة ملونة كأنها أزاهير الرياض وقد جللت صفحات ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484257,"book_id":4102,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":200,"body":"السرادق من جوانبه الأربعة كلها أشكال درقية من ذلك السواد المنزل في البياض يستشعر الناظر إليها مهابة يتخيلها درقا لمطية١ قد جللتها مزخرفات الأغشية.\rولهذا السرادق الذي هو كالسور المضروب أبواب مرتفعة كأنها أبواب القصور المشيدة يدخل منها إلى دهاليز وتعاريج ثم يفضى منها إلى الفضاء الذي فيه القباب وكأن هذا الأمير ساكن في مدينة قد أحد ق بها سورها تنتقل بانتقاله وتنزل بنزوله وهي من الابهات الملوكية المعهودة التي لم يعهد مثلها عند ملوك المغرب.\rوداخل تلك الأبواب حجاب الأمير وخدمه وغاشيته وهي أبواب مرتفعة يجيء الفارس برايته فيدخل عليها دون تنكيس ولا تطأطؤ قد احكمت اقامة ذلك كله أمراس وثيقة من الكتاب تتصل بأوتاد مضروبة أدير ذلك كله بتدبير هندسي غريب. ولسائر الأمراء الواصلين صحبة هذا الأمير مصارب دون ذلك لكنها على تلك الصفة وقباب بديعة المنظر عجيبة الشكل قد قامت كأنها التيجان المنصوبة إلى ما يطول وصفه ويتسع القول فيه من عظيم احتفال هذه المحلة في الآلة والعدة وغير ذلك مما يدل على سعة الأحوال وعظيم الانخراق في المكاسب والأموال.\rولهم أيضا في مراكبهم على الإبل قباب تظلهم بديعة المنظر عجيبة الشكل قد نصبت على محامل من الاعواد يسمونها القشاوات وهي كالتوابيت المجوفة هي لركابها من الرجال والنساء كالامهدة للاطفال تملأ بالفرش الوثيرة ويقعد الراكب فيها مستريحا كأنه في مهاد لين فسيح وبازائه معادلة أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الأخرى والقبة مضروبة عليهما فيسار بهما وهما نائمان لا يشعران أو كيف ما أحبا فعند ما يصلان إلى المرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين أن كانا من أهل الترفه والتنعم يدخل بهما راكبين","footnotes":"١ الدرق اللمطية: تروس منسوبة إلى لمطة في بلاد البربر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484258,"book_id":4102,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":201,"body":"وينصب لهما كرسي ينزلان عليه فينتقلان من ظل قبة المحمل إلى قبة المنزل دون واسطة هواء يلحقهما ولا خطفه شمس تصيبهما وناهيك من هذا الترفيه فهؤلاء لا يلقون لسفرهم وإن بعدت شقته نصيا ولا يجدون على طول الحل والترحال تعبا.\rودون هؤلاء في الراحة رابكو المحارات١ وهي شبيهة الشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب لكن الشقادف ابسط وأوسع وهذه أضم وأضيق وعليها أيضا ظلائل تقي حر الشمس ومن قصرت حاله عنها في هذه الاسفار فقد حصل على نصب السفر الذي هو قطعة من العذاب.","footnotes":"١ المحارات: محامل صغار توضع على الإبل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484259,"book_id":4102,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":202,"body":"استيفاء حال النفر\rثم يرجع القول إلى استيفاء حال النفر عشية الوقفة المذكورة بعرفات وذلك أن الناس نفروا منها بعد غروب الشمس كماتقدم الذكر فوصلوا مزدلفة مع العشاء الآخرة فجمعوا بها بين العشاءين حسبما جرت به سنة النبي ﷺ واتقد المشعر الحرام تلك الليلة كلها مشاعيل من الشمع المسرج وأما مسجده المذكور فعاد كله نورا فيخيل للناظر إليه أن كواكب السماءكلها نزلت به\rوعلى هذه الصفة كان جبل الرحمة ومسجده ليلة الجمعة لأن هؤلاء الأعاجم الخراسانيين وسواهم من العراقيين أعظم الناس همة في استجلاب هذا الشمع والاستكثار منه اضاءة لهذه المشاهد الكريمة وعلى هذه الصفة عاد الحرم بهم مدة مقامهم فيه فيدخل منهم كل إنسان بشمعة في يده وأكثر ما يقصدون بذلك حطيم الإمام الحنفي لأنهم على مذهبه وشاهدنا منه شمعا عظيما احضر تنوء الشمعة منه بالعصبة كأنه السرو وضع إمام الحنفي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484260,"book_id":4102,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":203,"body":"فبات الناس بالمعشر الحرام هذه الليلة وهي ليلة السبت فلما صلوا الصبح غدوا منه إلى منى بعد الوقوف والدعاء لأن مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر ففيه تقع الهرولة في التوجه إلى منى حتى يخرج عنه. ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار وهو المستحب ومنهم من يلتقطها حول مسجد الخيف بمنى وكل ذلك واسع١. فلما انتهى الناس إلى منى بادروا لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم نحروا أو ذبحوا وحلوا من كل شيء إلا النساء والطيب يطوفوا طواف الإفاضة. ورمى هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر ثم توجه أكثر الناس لطواف الإفاضة ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني ومنهم من أقام إلى اليوم الثالث وهو يوم الانحدار إلى مكة. فلما كان اليوم الثاني من يوم النحر عند زوال الشمس رمى الناس بالجمرة الأولى سبع حصيات وبالجمرة الوسطى كذلك وبهاتين الجمرتين يقفون للدعاء وبجمرة العقبة كذلك لا ولا يقفون بها اقتداء في ذلك كله بفعل النبي ﷺ فتعود جمرة العقبة في هذين إليومين اخيرة وهي يوم النحر اولى منفردة لا يخلط معها سواها.\rوفي اليوم الثاني من يوم النحر بعد رمي الجمرات خطب الخيطب بمسجدالخيف ثم جمع بين الظهر والعصر وهذا الخطيب وصل مع الأمير العراقي مقدما من عند الخليفة للخطبة والقضاء بمكة على ما يذكر ويعرف بتاج الدين وظاهر أمره البلادة والبله لأن خطبته اعربت عن ذلك ولسإنه لا يقيم الإعراب.","footnotes":"١ واسع: أراد به جائزا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484261,"book_id":4102,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":204,"body":"الانحدار إلى مكة\rفلما كان اليوم الثالث تعجل الناس في الانحدرا إلى مكة بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين جمرة: سبع منها يوم النحر بالعقبة وهي المحللة؛","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484262,"book_id":4102,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":205,"body":"ثم إحدى وعشرون في اليوم الثاني بعد زول الشمس سبعا سبعا في الجمرات الثلاث وفي اليوم الثالث كذلك ونفر إلى مكة فمنهم من صلى العصر بالأبطح ومنهم من صلاها بالمسجدالحرام ومنهم من تعجل فصلى الظهر بالأبطح ومضت السنة قديما باقامة ثلاثة أيام بعد يوم النحر بمنى لاكمال رمي سبعين حصاة فوقع التعجيل في هذا الزمان في إليومين كما قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ١ وذلك مخافة بني شعبة وما يطرأ من حرابة المكيين.\rوقد كانت في يوم الانحدار المذكور بين سودان أهل مكة وبين الأتراك العراقيين جولة وهوشة وقعت فيها جراحات وسلمت السيوف وفوقت القسى ورميت السهام وانتهب بعض امتعة التجار لأن منى في تلك الأيام الثلاثة سوق من أعظم الأسواق يباع فيها من الجوهر النفيس إلى ادنى الخرز إلى غير ذلك من الامتعة وسائر سلع الدنيا لأنها مجتمع أهل الافاق فوقى الله شر تلك الفتنة تسكينا لها سريعا وكانت عين الكمال في تلك الوقفة الهنيئة وكمل للناس حجهم والحمد لله رب العالمين.","footnotes":"١ سورة البقرة، الآية ٢٠٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484263,"book_id":4102,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":206,"body":"كسوة الأمير العراقي للكعبة\rوفي يوم السبت يوم النحر المذكور سيقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير العراقي إلى مكة على أربعة جمال تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية والرايات على رأسه والطبول تهر٢ وراءه وابن عم الشيبي محمد بن إسماعيل معها لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهنات الشتهرت عنه والله يطهر بيته المكرم بمن يرضى من خدامه بمنه.","footnotes":"٢ تهر: تصخب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484264,"book_id":4102,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":207,"body":"وهذا ابن العم المذكور هو أشبه طريقة منه وأمثل حالا وقدتقدم ذكر ذلك في العزلة الأولى. فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى الكعبة فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بأسبالها خضراء يانعة تقيدالأبصار حسنا في أعلاها رسم احمر واسع مكتوب فيه في الصفح الموجه إلى المقام الكريم حيث الباب المكرم وهو وجهها المبارك بعد البسملة: ﴿إِنَّ أول بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية١ وفي سائر الفحات اسم الخليفة والدعاء له وتحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغار بيض فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن وذكر الخليفة أيضا. فكملت كسوتها وشمرت اذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتها عليها وانكبابها فلاح للناظرين منها أجمل منظر كأنها عروس جليت في السندس الأخضر أمتع الله بالنظر إليها كل مشتقا إلى لقائها حريض على المثول بفنائها بمنه.","footnotes":"١ سورة آل عمران، الآية ٩٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484265,"book_id":4102,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":208,"body":"يوم الأعاجم العراقيين\rوفي هذه الأيام يتفح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العارقيين والخراسانيين وسواهم من الوصالين مع الأمير العراقي فظهر من تزاحمهم وتطارحهم على الباب الكريم ووصول بعضهم على بعض وسباحة بعضهم على رؤوس بعض كأنهم في غدير من الماء أمر لم ير أهول منه يؤذي إلى تلف المهج وكسر الأعضاء. وهم في خلال ذلك لا يبالون ولا يتوقفون بل يلقون بأنفسهم على ذلك البيت الكريم من فرط الطرب والاترياح القاء الفراش بنفسه على المصباح فعادت أحوال السرو إليمنيين في دخولهم البيت المبارك على الصفة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484266,"book_id":4102,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":209,"body":"المتقدمة الذكر حال تؤدة ووقار بالإضافة إلى هؤلاء الأعاجم الأغتام١ نفعهم الله بنياتهم وقد فقدمنهم في ذلك المزدحم الشديد من دنا أجله والله يغفر للجميع.\rوربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقدنضجت جلودهن طبخا في مضيق ذلك المعترك الذي حمى بانفاس الشوق وطيشه والله ينفع الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته.\rوفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك إثر صلاة العتمة نصب منبر الوعظ إمام المقام فصعده واعظ خراساني حسن البشارة مليح الإشارة يجمع بين اللسانين عربي وعجمي فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان فصيح المنطق بارع الألفاظ ثم يقلب لسإنه للأعاجم بلغتهم فيهزهم اضطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا.\rفلما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي فصعد إثر صلاة العتمة أيضا شيخ أبيض السبال رائع الجلال بارع التمام في الفصل والكمال فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة ثم تصرف في أساليب من الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضا حرك بها القلوب حتى إطارها وأورثها احتداما بالخشية بعد استعارها وفي أثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ فتحار له الألباب ويملك كل نفس منه الإغراب والإعجاب فكأنما هو وحي يوحى.\rوهذا الذي مشى به وعاظ هذه الجهات المشرقية من القاء المسائل إليهم وإفاضة شآبيب الامتحان عليهم من أعجب الأمور المعربة من غريب شأنهم والناطقة بسحر بيانهم وليست في فن واحد إنما هي في فتون شتى وربم قصد بها التعنيت والتنكيت فياتون بالجواب كخطفه البرق وارتداد الطرف،","footnotes":"١ الأغتام، الواحد أغتم: الذي لايفصح في كلامه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484267,"book_id":4102,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":210,"body":"والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.\rوبين أيدي هؤلاء الوعاظ قراء ينعمون بالقراءة فيأتون بالحان تكسب الجماد طربا واريحية كأنها المزامير الداوودية فلا تدري من أي أحوال هذا المجتمع تعجب والله يؤتى الحكمة من يشاء لا إله سواه، وسمعت هذا الشيخ الواعظ يسند الحديث إلى خمسة من اجداده جد عن جد نسقا مسلسلا من أبيه إليهم على اتصال كلهم له لقب يدل على منزلته من العلم ومكانته من التذكير والوعظ فهو معرق في الصنعة لشريفة تليدالمجد فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484268,"book_id":4102,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":211,"body":"سوق المسجد الحرام\rوفي أيام الموسم كلها عاد المسجد الحرام نزهه الله وشرفه سوقا عظيمة يباع فيه من الدقيق إلى العقيق ومن البر إلى الدر إلى غير ذلك من السلع فكان مبيع الدقيق بدار الندوة إلى جهة باب بني شيبة ومعظم السوق في البلاط الأخذ من الغرب إلى الشمال وفي البلاط الأخذ من الشمال إلى الشرق وفي ذلك من النهي الشرعي ما هو معلوم والله غالب على أمره لا إله سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484269,"book_id":4102,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":212,"body":"يوم الرحيل\rوفي عشي يوم الأحد الموفى عشرين من الشهر المذكور وهو أول إبريل١ كان تبريزنا إلى محلة الأمير العراقي بالزاهر وهو على نحو من الميلين من البلد وقد كمل اكتراؤنا إلى الموصل وهو إمام بغداد بعشرة أيام عرفناالله الخير والخيرة بمنه فأقمنا بالزاهر ثلاثة أيام نجدد العهد كل يوم بالبيت العتيق ونعيد وداعه\rفلما كان ضحوة يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة","footnotes":"١ أبريل: نيسان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484270,"book_id":4102,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":213,"body":"المذكور أقلعت المحلة على تؤدة ورفق بسبب البطء والتأخر ونزلت على نحو ثمانية اميال من الموضع الذي أقلعت منه بمقربة من بطن مر والله كفيل بالسلامة والعصمة بمنه.\rفكانت تمدة مقامنا بمكة قدسها الله من يوم وصولنا إليها وهو يوم الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين إلى يوم اقلاعنا من الزاهر وهو يوم الخيمس الثاني والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة ثمانية أشهر وثلث شهر التي هي بحسب الزائد والناقص من الأشهر مائتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يوما سعيدات مباركات جعلها الله لذاته وجعل القبول لها موفقا لموضاته بمنه غبنا عن رؤية البيت الكريم فيها ثلاثة أيام: يوم عرفة، وثاني يوم النحر ويوم الأربعاء الذي هو الحادي والعشرون لذي الحجة قبل يوم الخميس يوم إقلاعنا من الزاهر والله لا يجعله آخر العهد بحرمه الكريم بمنه.\rثم أقلعنا من ذلك الموضع إثر صلاة الظهر من يوم الخميس إلى بطن مر وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية وعلى هذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرة وعيون ومنه تجلب الفواكه إلى مكة حرسها الله فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب وذلك أن الملكة خاتون بنت الأمير مسعودملك الدروب والأرمن وما يلي بلاد الروم وهي إحدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين مولى أمير المؤمنين الموجه كل عام من قبل الخليفة وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد وخاتون هذه أعظم الخواتين قدرا سبب سعة مملكة أبيها والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مر ليلة الجمعة إلى مكة في خاصة من خدمها وحشمها فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الانصراف وأقام بالناس منتظرا لها فوصلت عتمة يوم السبت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484271,"book_id":4102,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":214,"body":"وأجيلت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون فمنهم من يقول أنها انصرفت انفة لبعض ما انتقدته على الأمير ومنهم من قال إن نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها إلى المثابة المكرمة ولا يعلم الغيب إلا الله وكيف ما كان الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها وأطلق سبيل الحاج ولله الحمد على ذلك.\rوأبو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود كما ذكرناه وهو في بسطة من ملكه واتساع من أمرته يركب له على ما حقق عند نا أكثر من مائة ألف فارس وصهره عليها نور الدين صاحب آمد وما سواها ويركب له أيضا نحو اثني عشر ألف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج منها سقى الماء للسبيل عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة ومثلها للزاد واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المائة بعير وأمرها يطول وصفها وسنها نحو خمسة عشرين عاما.\rولخاتون الثانية أم معز الدين صاحب الموصل زوج بابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام ﵀ ولهذه افعال كثيرة من البر.\rوخاتون الثالثة ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلادخراسان وهي أيضا كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في أفعال البر. وشأنهن جمع عيجب جدا في ماهن بسبيله من الخير والاحتفال في الأبهة الملوكية.\rثم أقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان ثم أسرينا إليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد وهي في بسيط من الأرض بين جبال وبها آبار معينة تنسب لعثمان رضى الله عنه وشجر المقل فيها كثير وبها حصن عتيق البنيان ذو أبراج مشيدة غير معمور قد أثر فيه القدم وأوهته قلة العمارة لوزوم الخراب فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484272,"book_id":4102,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":215,"body":"فلما كان إثر صلاة الظهر أقلعنا إلى خليص فوصلناها عشي النهار وهي أيضا في سبيط من الأرض كثيرة حدائق النخل لها جبل فيه حصن مشيد في قنته وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب وبها عين فوارة قد أحد ثت لها أخاديد في الأرض مسربة يستقى منها على أفواه كالآبار يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط لمتصل والله يغيث بلاده وعباده واصبح الناس بها مقيمين يوم الإثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء.\rوهذه الجملة العراقية ومن انضاف إليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات الافاق من الواصلين صحبة أمير الحاج المذكور جمع لا يحصى عدده إلا الله تعالى يغص بهم البسيط الافيح ويضيق عنهم المهمه الصحصح١ فترى الأرض تميد بهم ميدا وتموج بجميعهم موجا فتبصر منهم بحرا طامي العباب نماؤه السراب وسفنه الركاب وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب تسير سير السحب المتراكمة يتداخل بعضها على بعض ويضرب بعضها جوانب بعض فتعاين لها تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع واصكاكا نبع٢ المحارات فيه بعضه ببعض مقروع فمن لم يشاهد في هذا السفر العراقي لم يشاهد من اعاجيب الزمان ما يحدث به ويتحف السامع بغرابته والقدرة والقوة لله وحده وحسبك أن النازل في منزل من منازل هذه المحلة متى خرج عنها لبعض حاجة ولم تكن له دلالة يستدل بها على موضعه ضل وتلف وعاد منشودا في جملة الضوال وربما اضطر به الحال إلى الوصول إلى مضرب الأمير ورفع مسألته إليه فيأمر أحد المنشدين ببريحه٣ والهاتفين بأوامره ممن قد اعد لذلك أن يردفه خلفه على جمل ويطوف به المحلة العجاجة وهو قد ذكر له اسمه واسم جماله واسم البلد الذي هو منه فيرفع عقيرته","footnotes":"١ المهمه: الصحراء البعيدة. الصحصح: ما استوى من الأرض الجرداء.\r٢ النبع: شجر صلب تتخذ منه السهام والقسي.\r٣ البريح: الإعلان والدعاء \"عامية\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484273,"book_id":4102,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":216,"body":"بذلك معرفا بهذا الضال ومناديا باسم الجمال وبلده إلى أن يقع عليه فيؤديه إليه ولو لم يفعل ذلك لكان آخر عهده بصاحبه إلا إن يلتقطه التقاطا أو يقع عليه اتفاقا فهذا من بعض عجائب شئون هذه المحلة وعجائبها أكثر من أن يحيط بها الوصف ولأهلها من قوة الجدة واليسار ما يعينهم على ما هم بسبيله والملك بيد الله يؤتيه من يشاء.\rولهؤلاء النسوة الخواتين في كل عام إذا لم يحججن بأنفسهن نواضح مسبلة مع الحاج يرسلنها مع ثقات يسقون أبناء السبيل في المواضع المعروف فيها الماء في الطريق كله وبعرفات وبالمسجد الحرام في كل يوم وليلة فلهن في ذلك اجر عظيم وما التوفيق إلا بالله ﷻ. فتسمع لمنادي على النواضح يرفع صوته بالماء اللسبيل فيهطع إليه المرملون١ من الزاد والماء بقربهم وأباريقهم فيملؤونها ويقول المنادي في اشادته بصوته ابقى الله الملكة خاتون ابنة الملك الذي من أمره كذا ومن شأنه كذا ويحليه بحلاه٢ إعلانا باسمها وإظهارا لفعلها واستجلابا للدعاء لها من الناس والله لايضيع أجر من أحسن عملا وقد تقدم تفسير هذه اللفظة خاتون وانها عندهم بمنزلة السيدة أو ما يليق بهذا اللفظ الملوكي النسائي.\rومن عجيب هذه المحلة أيضا على عظمها وكبرها وكونها وجود دنيا بأسرها أنها إذا حطت رحالها ونزلت منزلها ثم ضرب الأمير طبله للانذار بالرحيل ويسمونه الكوس لم يكن بين استقلال الرواحل بأوقارها ورحالها وركباها إلا كلا ولا فلا يكاد يفرغ الناقر من الضربة الثالثة إلا والركائب قد أخذ ت سبيلها كل ذلك من قوة الاستعداد وشدة الاستظهار على الاسفار والحول والقوة لله وحده لا إله سواه.","footnotes":"١ يهطع: يسرع. المرملون: الذين نفد زادهم.\r٢ يحليه: يصفه. وحلاه: صفاته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484274,"book_id":4102,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":217,"body":"وإسراؤها بالليل بمشاعيل موقدة يمسكها الرجالة بأيديهم فلا تبصر قشاوة من القشاوات إلا وأمامها مشعل فالناس يسيرون منها بين كوكب سيارة توضح غسق الظلماء وتباهي بها الأرض انجم المساء والمرافق الصناعية وغيرها من المصالح الدينية والمنافع الحيوانية كلها موجودة بهذه المحلة غير معدومة ووصفها يطول والأخبار عنها لاتنحصر.\rفلما كان ظهر يوم الإثنين إثر الصلاة أقلعنا من خليص مرتحلين وتمادى سيرنا إلى العشاء الآخرة ثم نزلنا ونمنا نومة خفيفة ثم ضرب الكوس فأقلعنا وأسرينا إلى ضحى من النهار ثم نزلنا مريحين إلى أول الظهر من يوم الثلاثاء ثم أقلعنا من منزلنا ذلك إلى واد يعرف بوادي السمك اسم يكاد يكون وقاعا على غير مسمى فنزلناه مع العشاء الآخرة واصبحنا به مقيمين يوم الأربعاء لتجديد حمل الماء وهو بهذا الوادي في مستنقعات وربما حفر عليه في الرمل فأقلعنا منه أول ظهر يوم الأربعاء المذكور ثم أجزنا مع الليل عقبة محجرة كؤودا ذهب فيها من الجمال كثير ونزلنا في بسيط من الأرض ونمنا إلى نصف الليل ثم رحلنا في مهمة أفيح بسيط ممتد مد البصر ورملة منثالة١ فمشت الجمال فيهادون مقطرة٢ لانفساح طريقها.\rثم نزلنا مريحين قائلين يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة وبيننا وبين بدر مقدار مرحلتين\rفلما كان أول الظهر رحلنا إلى مقربة من بدر فنزلنا بائتين ثم قمنا قبل نصف الليل فوصلنا بدرا وقدارتفع النهار. وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة وبها حصن في ربوة مرتفعة ويدخل إليها على بطن واد بين جبال وببدر عين فوارة وموضع القليب الذي كان بإزائه الوقعة السلامية التي اعزت الدين وأذلت المشركين هو اليوم نخيل وموضع الشهداء خلفه وجبل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل","footnotes":"١ منثالة: منصبة.\r٢ مقطرة: مصفوفة في قطار، أي بعضها وراء بعض.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484275,"book_id":4102,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":218,"body":"منها إلى الصفراء وبإزائه جبل الطبول وهو شبيه كثيب رمل ممتد وهذه التسمية لاشاعة لهج بها أكثر المسلمين وذلك أنهم يزعمون أن أصوات الطبول تسمع بها كل يوم جمعة كأنها آثار انذارات باقية بما سلف من النصر النبوي في ذلك الموضع والله أعلم بغيبه.\rوموضع عريش النبي ﷺ يتصل بسفح جبل الطبول المذكور وموضع الوقيعة امامه وعند نخيل القليب مسجد يقال: إنه مبرك ناقة النبي ﷺ وصح عند نا على زعمة أحد الاعراب الساكنين ببدر انهم يسمعون أصوات الطبول بالجبل المذكور لكن عين لذلك كل يوم اثنين ويوم خميس فعجبنا من زعمه كل العجب ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى.\rوبين بدر والصفراء بريد والطريق إليها في واد بين جبال تتصل بها حدائق النخيل والعيون فيه كثيرة وهو طريق حسن وبالصفراء حصن مشيد ويتصل به حصون كثيرة منها حصنان يعرفان بالتوأمين وحصن يعرف بالحسنية وآخر يعرف بالجديد إلى حصون كثيرة وقرى متصلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484276,"book_id":4102,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":219,"body":"شهر محرم سنة ثمانين وخمسمائة١ عرفنا الله بركته وبركة سنته وخصنا فيه برحمته، وتكفلنا بعصمته\rاستهل هلاله ليلة السبت بموافقة الرابع عشر لشهر أبريل ونحن مقلعون من بدر إلى الصفراء فبتنا باستهلاله بهذه البقعة الكريمة: بدر حيث نصر الله المسلمين وقهر المشركين والحمد لله على ذلك\rوكان نزولنا بالصفراء إثر صلاة العشاء الآخرة فأصبحنا يوم السبت مستهل الهلال المذكور مقيمين","footnotes":"١ ١١٨٤م.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484277,"book_id":4102,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":220,"body":"مريحين بها ليتزود الناس منها الماء ويأخذوا نفس استراحة إلى الظهر ومنها إلى المدينة المكرمة إن شاء الله ثلاثة أيام فأقلعنا منها ظهر يوم السبت المذكور وتمادى السير بنا إلى إثر صلاة العشاة الآخرة والطريق في واد متصل بين جبال فنزلنا ليلة الأحد ثم أقعلنا نصف الليل وتمادى سيرنا إلى ضحى من النهار فنزلنا مريحين قائلين ببئر ذات العلم ويقال إن على بن أبي طالب رضى الله عنه قاتل الجن بها وتعرف أيضا بالروحاء والبئر المذكورة متناهية بعد الرشاء١ لا يكاد يحلق قعرها وهي معينة.\rورحلنا منها إثر صلاة الظهر من يوم الأحد وتمادى بنا السير إلى إثر صلاة العشاء لآخرة فنزلنا شعب على رضى الله عنه وأقلعنا منه نصف الليل إلى تربان إلى البيداء ومنها تبصر المدينة المكرمة فنزلنا\rضحى يوم الإثنين الثالث لمحرم المذكور بوادي العقيق وعلى شفيره مسجد ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ والمدينة من هذا الموضع على خمسة اميال ومن ذي الحليفة حرم المدينة إلى مشهد حمزة إلى قباء وأول ما يظهر للعين منارة مسجدها بيضاء مرتفعة ثم رحلنا منها إثر صلاة الظهر من يوم الإثنين المذكور وهو السادس عشر لابريل فنزلنا بظاهر المدينة الزهراء والتربة البيضاء والبقعة المشرفة بمحمد سيد الأنبياء ﷺ تتصل مع الأحيان والآناء.\rوفي عشي ذلك اليوم دخلنا المحرم المقدس لزيارة الروضة المكرمة المطهرة فوقفنا بإزائها مسلمين ولترب جنباتها المقدسة مستلمين وصلينا بالروضة التي بين القبر المقدس والمنبر واستلمنا اعواد المنبر القديمة التي كانت موطأ الرسول ﷺ والقطعة الباقية من الجذع الذي حن إليه ﷺ وهي ملصقة في عمود قائم إمام الروضة الصغيرة التي","footnotes":"١ الرشاء: حبل الدلو.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484278,"book_id":4102,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":221,"body":"بين القبر والمنبر وعن يمينك إذا استقبلت القبلة فيها ثم صلينا صلاة المغرب مع الجماعة. وكان من الاتفاق السعيد لنا أن وجدنا بعض فسحة في تلك الحال لاشتغال الناس باقامة مضاربهم وترتيب رحالهم فتمكنا من الغرض المقصود وفزنا بالمشهد المحمود وأدينا حق السلام على الصحابين الضجيعين: صديق الإسلام وفاروقه وانصرفنا إلى رحالنا مسرورين ولنعمة الله علينا شاركين ولم يبق لنا امل من آمال وجهتنا المباركة ولا وطر إلا وقد قضيناه ولا غرض من اغراضنا المامولة إلا وبلغناه وتفرغت الخواطر للاياب للوطن نظم الله الشمل وتمم علينا الفضل والحمد لله على ما اولاه واسداه واعاده من جميل صنعه وابداه فهو أهل الحمد والشكر ومستحقه لا إله سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484279,"book_id":4102,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":222,"body":"ذكر مسجد رسول الله ﷺ،\rوذكر روضته المقدسة المطهرة\rالمسجد المبارك مستيطل وتحفه من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به ووسطه كله صحن مفروش بالرمل والحصى فالجهة القبلية منها لها خمسة بلاطات مستطيلة من غرب إلى شرق والجهة الجوفية لها أيضا خمسة بلاطات على الصفة المذكورة والجهة الشرقية لها ثلاثة بلاطات والجهة الغربية لها أربعة بلاطات.\rوالروضة المقدسة مع آخر الجهة القبلية مما يلي الشرق وانتظمت من بلاطاته ممنا يلي الصحن في السعة اثنين ونيفت إلى البلاط الثالث بمقدار أربعة أشبار ولها خمسة أركان بخمس صفحات وشكلها شكل عجيب لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله والصفحات الأربع محرفة من القبلة تحريفا بديعا لا يتأتى لاحد معه استقابلها في صلاته لأنه ينحرف عن القبلة.\rوأخبرنا الشيخ الإمام العالم الورع بقية العلماء وعمدة الفقهاء أبو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484280,"book_id":4102,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":223,"body":"إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التونسي ﵁ أن عمر ابن عبد العزيز ﵁ اخترع ذلك في تدبير بنائها مخافة أن يتخدها الناس مصلى.\rوأخذت أيضا من الجهة الشرقية سعة بلاطين فانتظم داخلها من أعمدة الابلطة ستة وسعة الصفحة القبلية منها أربعة وعشرون شبرا وسعة الصفحة الشرقية ثلاثون شبرا وما بين الركن الشرقي إلى الركن الجوفي صفحة سعتها خمسة وثلاثون شبرا ومن الركن الجوفي إلى الغربي صفحة سعتها تسعة وثلاثون شبرا ومن الركن الغربي إلى القبلي صفحة سعتها أربعة وعشرون شبرا. وفي هذه الصفحة صندوق آبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها هو قبالة رأس النبي ﷺ وطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وارتفاعه أربعة أشبار وفي الصفحة التي بين الركن الجوفي والركن الغربي موضع عليه ستر مسبل يقال إنه كان مهبط جبريل ﵇. فجميع سعة الروضة المكرمة من جميع جهاتها مائتا شبر واثنان وسبعون شبرا وهي مؤزرة بالرخام البديع النحت الرائع النعت وينتهي الازار منها إلى نحو الثلث أو أقل يسيرا وعليه من الجدار المكرم ثلث آخر قد علاه تضميخ المسك والطيب مقدار نصف شبر مسودا مشققا متراكما مع طول الأزمنة والأيام والذي يعلوه من الجدار شبابيك عود متصلة بالسمك الأعلى لأن أعلى الروضة المباركة متصل بسمك المسجد وإلى حيز إزار الرخام تنتهي الاستار وهي لازوردية اللون مختمة بخواتيم بيض مثمنة ومربعة وفي داخل الخواتيم دوائر مستديرة ونفط بيض تحف بها فمنظرها منظر رائق بديع لشكل وفي اغلاها رسم مائل إلى البياض. وفي الصفحة القبلية إمام موجه النبي ﷺ مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم فيقف الناس أمامه للسلام. وإلى قدميه ﷺ رأس أبي بكر الصديق رضى الله عنه ورأس عمر الفاروق مما يلي كتفى أبي بكر الصديق رضى الله عنهما فيقف المسلم مستدبر القبلة ومستقبل الوجه الكريم فيسلم ثم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484281,"book_id":4102,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":224,"body":"ينصرف يمينا إلى وجه أبي بكر ثم إلى وجه عمر ﵄. وأمام هذه الصفحة المكرمة نحو العشرين قنديلا معلقة من الفضة وفيها اثنان من ذهب وفي جوفي الروضة المقدسة حوض صغير مرخم في قبلته شكل محراب قيل إنه كان بيت فاطمة رضى الله عنها ويقال هو قبرها والله أعلم بحقيقة ذلك.\rوعن يمين الروضة المكرمة المنبر الكريم ومنه إليها اثنتان وأربعون خطوة وهو في الحوض المبارك الذي طوله أربع عشر خطوة وعرضه ست خطا وهو مرخم كله وارتفاعه شبر ونصف وبينه وبين الروضة الصغيرة التي بين القبر الكريم والمنبر وفيها جاء الأثر أنها روضة من رياض الجنة ثماني خطوات.\rوفي هذه الروضة يتزاحم الناس للصلاة وحق لهم ذلك وبإزائها لجهة القبلة عمود يقال: إنه مطبق على بقية الجذع الذي حن للنبي ﷺ وقطعة منه في وسط العمود ظاهره يقبلها الناس ويبادرون للتبرك بلمسها ومسح خدودهم فيها وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق. وارتفاع المنبر الكريم نحو القامة أو أزيد وسعته خمسة أشبار وطوله خمس خطوات وأدراجه ثمانية وله باب على هيئة الشباك مقف يفتح يوم الجمعة وطوله أربعة أشبار ونصف شبر.\rوالمنبر مغشى بعود الآبنوس ومقعد الرسول ﷺ من أعلاه ظاهر قد طبق عليه بلوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه فيدخل الناس أيديهم إليه ويتمسحون به تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم. وعلى رأس رجل المنبر إليمنى حيث يضع الخطيب يده إذ خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في اصبعه صفة لا صغرا لأنها أكبر منها لاعبة تستدير في موضعها يزعم الناس أنها لعبة الحسن والحسين رضى الله عنهما في حال خطبة جدهما صلوات الله وسلامه عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484282,"book_id":4102,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":225,"body":"وطول المسجدالكريم مائة خطوة وست وتسعون خطوة وسعته مائة وست وعشرون خطوة وعدد سواريه مائتان وتسعون وهي أعمدة متصلة بالسمك دون قسى تنعطف عليها فكأنها دعائم قوائم وهي من حجر منحوت قطعا قطعا ململمة مثقبة توضع اثنى في ذكر ويفرغ بينهما الرصاص المذاب إلى أن تتصل عمودا قائما وتكسى بغلاله جيار١ ويبالغ في صقلها ودلكها فتظهر كأنها رخام أبيض.\rوالبلاط المتصل بالقبلة من الخمسة بلاطات المذكورة تحف به مقصورة تكتنفه طولا من غرب إلى شرق والمحراب فيها ويصلى الإمام في الوضة الصغير المذكورة إلى جانب الصندوق وبينهما وبين الروضة والقبر المقدس محمل كبير مدهون عليه مصحف كبير في عشاء مقفل عليه هو أحد المصاحف الأربعة التي وجه بها عثمان بن عفان رضى الله عنه إلى البلاد. وبإزاء المقصورة إلى جهة الشرق خزانتان كبيرتان محتويتان على كتب ومصاحف موقوفة على المسجد المبارك.\rويليهما في البلاط الثاني لجهة الشرق أيضا دفة مطبقة على وجه الأرض مقفلة هي على سرداب يهبط إليه على ادراج تحت الأرض يفضى إلى خارج المسجد إلى دار أبي بكر الصديق رضى الله عنه وهو كان طريق عائشة إليها وبإزائها دار عمر بن الخطاب ودار ابنه عبد الله ﵄ ولا شك أن ذلك الموضع هو موضع الخوخة المفضية لدار أبي بكر التي أمر النبي ﷺ بإبقائها خاصة.\rوأمام الروضة المقدسة أيضا صندوق كبير هو للشمع والاتوار التي توقد إمام الروضة كل ليلة وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود هو موضع مبيت بعض السدنة الحارسين للمسجد المبارك وسدنته فتيان احابيتس وصقالب","footnotes":"١ الجيار: الكلس قبل أن يطفأ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484283,"book_id":4102,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":226,"body":"ظراف الهيئات نظاف الملابس والشارات والمؤذن الراتب فيه أحد أولاد بلال رضى الله عنه. وفي جهة جوف الصحن قبة كبيرة محدثة جديدة تعرف بقبة الزيت هي مخزن الجميع آلات المسجد المبارك وما يحتاج إليه فيه وبإزائها في الصحن خمس عشرة نخلة وعلى رأس المحراب الذي في جدار القبلة داخل المقصورة حجر مربع أصفر قدر شبر في شبر ظاهر البريق والبصيص يقال: إنه كان مرآة كسرى والله أعلم بذلك وفي أعلاه داخل المحراب ممسار مثبت في جدار فيه شبه حق صغير لا يعرف من أي شيء هو ويزعم أيضا إنه كان كأس كسرى والله أعلم بحقيقة ذلك كله.\rونصف جدار القبلة الأسفل رخام موضوع إزارا على إزار١ مختلف الصنعة واللون مجزع أبدع تجزيع والنصف الأعلى من الجدار منزل كله بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء قد انتج الصناع فيه نتائج من الصنعة غريبة تضمنت تصاوير اشجار مختلفات الصفات مائلات الأغصان بثمرها. والمسجد كله على تلك الصفة لكن الصنعة في جدار القبلة أحفل والجدار الناظر إلى الصحن من جهة القبلة كذلك ومن جهة الجوف أيضا والغربي والشرفي الناظران إلى الصحن مجردان أبيضان ومقرنصان قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة إلى ما يطول وصفه وذكره من الاحتفال في هذا المسجد المبارك المحتوى على التربة الظاهرة المقدسة وموضوعها أشرف ومحلها ارفع من كل ما تزين به.\rوللمسجد المبارك تسعة عشر بابا لم يبق منها مفتحا سوى أربعة في الغرب منها اثنان يعرف ألواح د ببا الرحمة والثاني بباب الخشية وفي الشرق اثنان يعرف ألواح د بباب جبريل ﵇ والثاني بباب الرخاء ويقابل باب جبريل ﵇ دار عثمان رضى الله عنه وهي التي استشهد","footnotes":"١ الإزار: حائط يلزق بآخر أكبر منه لتقويته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484284,"book_id":4102,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":227,"body":"بها ويقابل الروضة المكرمة من هذه الجهة الشرقية روضة جمال الدين الموصلي ﵀ المشهور خبره وأثره وقد تقدم ذكر مآثره.\rوأمام الروضة المكرمة شباك حديد مفتوح إلى روضته تتنسم منها روحا وريحانا وفي القبلة باب واحد صغير مغلق وفي الجوف أربعة مغلقة وفي الغرب خمسة مغلقة أيضا وفي الشرق خمسة أيضا مغلقة فكملت بالأربعة المفتوحة تسعة عشر بابا. وللمسجد المبارك ثلاث صوامع إحد اها في الركن الشرقي المتصل بالقبلة والاثنتنان في ركني الجهة الجوفية صغيرتان كأنهما على هيئة برجين والصومعة الأولى المذكورة على هيئة الصوامع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484285,"book_id":4102,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":228,"body":"ذكر المشاهد المكرمة التي ببقيع الغرقد وصفح جبل أحد\rفأول ما نذكر من ذلك مسجد حمزة رضى الله عنه وهو بقبلى الجبل المذكور الجبل جوفي المدينة وهو على مقدار ثلاثة اميال وعلى قبره ﵁ مسجد مبنى والقبر برحبة جوفي المسجد والشهداء رضى الله عنهم بازائه والغار الذي اوى إليه النبي ﷺ بإزاء الشهداء أسفل الجبل وحول اشهداء تربة حمراء هي التربة التي تنسب إلى حمزة يتبرك الناس بها.\rوبقيع الغرقد شرقي المدينة تخرج إليه على باب يعرف بباب البقيع وأول ما تلقى عن يسارك عند خروجك من الباب المذكور مشهد صفية عمة النبي ﷺ أم الزبير بن العوام رضى الله عنه وأمام هذه التربة قبر مالك بن أنس الإمام المدني ﵁ وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء وأمامه قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484286,"book_id":4102,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":229,"body":"وسلم وعليه قبة بيضاء وعلى اليمين منها تربة ابن لعمر بن الخطاب رضى الله عنه اسمه عبد الرحمن الأوسط وهو المعروف بأبي شحمة وهو الذي جلده أبوه الحد فمرض ومات رضى الله عنهما. وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب رضى الله عنه وعبد الله بن جعفر الطيار رضى الله عنه وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي ﷺ وبازائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي ﷺ\rويليها روضة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي رضى الله عنهما وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور وعن يمين الخارج منه ورأس الحسن إلى رجلي العباس ﵄ وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع الصاق مرصعة بصفائح الصفر ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ابن النبي ﷺ. ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول ﷺ ويعرف ببيت الحزن يقال: إنه الذي أوت إليه والتزمت فيه الحزن على موت أبيها المصطفى ﷺ\rوفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين رضى الله عنه وعليه قبة صغيرة مختصرة وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أم على رضى الله عنها وعن بنيها.\rومشاهد هذا البقيع أكثر من أن تحصى لأنه مدفن الجمهور الأعظم من الصحابة المهاجرين والأنصار رضى الله عنهم أجمعين وعلى قبر فاطمة المذكورة مكتوب: ما ضم قبر أحد كفاطمة بنت أسد رضى الله عنها وعن بنيها.\rوقباء قبلي المدينة ومنها إليها نحو الميلين وكانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المكرمة والطريق إليها بين حدائق النخل المتصلة والنخيل محدق بالمدينة من جهاتها وأعظمها جهة القبلة والشرق وأقلها جهة الغرب. والمسجد المؤسس على التقوى بقباء مجدد وهو مربع مستوى الطول والعرض وفيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484287,"book_id":4102,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":230,"body":"مئذنة طويلة بيضاء تظهر على بعد وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي ﷺ وعليه حلق١ قصير شبه روضة صغيرة يتبرك الناس بالصلاة فيه وفي صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مصطبة هو أول موضع ركع فيه النبي ﷺ وفي قبلته محاريب وله باب واحد من جهة الغرب وهو سبعة بلاطات في الطول ومثلها في العرض.\rوفي قبلة المسجد دار لبني التجار وهي دار أبي أيوب الأنصاري وفي الغرب من المسجد رحبة فيها بئر وبازائهما على الشفير حجر متسع شبيه البيلة٢ يتوضأ الناس فيه ويلي دار بنى النجار دار عائشة رضى الله عنها وبإزائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبي بكر رضى الله عنهم وبإزائهما بئر أريس حيث تفل النبي ﷺ فعاد ماؤها عذبا بعد ما كان أجاجا وفيها وقع خاتمه من يد عثمان رضى الله عنه والحديث مشهور.\rوفي آخر القرية تل مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه على دار الصفة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة وسمى ذلك التل عرفات لأنه كان موقف النبي ﷺ يوم عرفة منه زويت له الأرض فأبصر الناس بعرفات وآثار هذه القرية المكرمة ومشاهدها كثيرة لا تحصى.\rوللمدينة المكرمة أربعة أبواب وهي تحت سورين في كل سور باب يقابله آخر ألواح د منها كله حديد ويعرف باسمه باب الحديد ويليه باب الشريعة ثم باب القبلة وهو مغلق ثم باب البقيع وقد تقدم ذكره\rوقبل وصولك سور المدينة من جهة الغرب بمقدار غلوة تلقى الخندق الشهير ذكره الذي صنع النبي ﷺ عند تحزب الأحزاب.\rوبينه وبين المدينة عن يمين الطريق العين المنسوبة للنبي صلى الله عليه","footnotes":"١ الحلق: حائط مستدير أو حظيرة.\r٢ البيلة: الحوض \"معربة\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484288,"book_id":4102,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":231,"body":"وسلم وعليها حلق عظيم مستطيل ومنبع العين وسط ذلك الحلق كأنه الحوض المتسطيل وتحته سقايتان مستطيلتان باستطالة الحلق وقد ضرب بين كل سقاية وبين الحوض المذكور بجدار فحصل الحوض محدقا بجدارين وهو يمد الساقيتين المذكورتين ويهبط إليهما على أدراج عددها نحو الخمسة والعشرين درجا\rوماء هذه العين المباركة يعم أهل الأرض فضلا عن أهل المدينة فهي لتطهير الناس واستقائهم وغسل أثوابهم والحوض المذكور لا يتناول فيه غير الاستقاء خاصة صونا له ومحافظة عليه وبمرقبة منه مما يلي المدينة قبة حجر الزيت يقال: إن الزيت رشح للنبي ﷺ من ذلك الحجر ولجهة الجوف منه بئر بضاعة وبازائها لجهة إليسار جبل الشيطان حيث صرخ لعنه الله يوم أحد حين قال: قتل نبيكم.\rوعلى شفير الخندق المذكور حصن يعرف بحصن العزاب وهو خرب قيل: إن عمر رضى الله عنه بناه لعزاب المدينة وأمامه لجهة الغرب على البعد بئر رومة التي اشترى نصفها عثمان رضى الله عنه بعشرين ألفا وفي طريق أحد م مسجد على رضى الله عنه ومسجد سلمان رضى الله عنه ومسجد الفتح الذي أنزلت فيه على النبي ﷺ سورة الفتح.\rوللمدينة المكرمة سقاية ثالثة داخل باب الحديد يهبط إليها على ادراج وماؤها معين وهي بمقرة من الحرم الكريم وبقبلي هذا الحرم المكرم دار إمام دار الهجرة مالك ابن أنس رضى الله عنه ويطيف بالحرم كله شارع مبلط بالحجر المنحوت المفروش.\rفهذا ذكر ما تمكن على الاستعجال من آثار المدينة المكرمة ومشاهدها على جهة الاقتضاب والاختصار والله ولي التوفيق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484289,"book_id":4102,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":232,"body":"الخاتون بنت الأمير سعود\rومن عجيب ما شاهدناه من الأمور البديعة الداخلة مدخل السمعة والشهرة أن إحدى الخواتين المذكورات وهي بنت الأمير مسعود المتقدم ذكرها وذكر أبيها وصلت عشي يوم الخميس السادس لمحرم ورابع يوم وصولنا إلى مسجد رسول ﷺ راكبه في قبتها وحولها قباب كرائمها وخدمها والقراء إمامها والفتيان والصقالب بأيديهم مقامع الحديد يطوفون حولها ويدفعون الناس أمامها إلى أن وصلت إلى باب المسجد المكرم فنزلت تحت ملحفة مبسوطة عليها ومشت إلى أن سلمت على النبي ﷺ والخول إمامها والخدام يرفعون أصواتهم بالدعاء لها اشادة بذكرها ثم وصلت إلى الروضة الصغيرة التي بين القبر الكريم والمنبر فصلت فيها تحت الملحفة والناس يتزاحمون عليها والمقامع تدفعهم عنها ثم صلت في الحوض بإزاء المنبر ثم مشت إلى الصفحة الغريبة من الروضة المكرمة فقعدت في الموضع الذي يقال: إنه كان مهبط جبريل ﵇ وأرخي الستر عليها وأقام فتيانه اوصقالبها وحجابها على رأسها خلف الستر تأمرهم بأمرها واستجلبت معها إلى المسجد حلمين من المتاع للصدقة فما زالت في موضعها إلى الليل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484290,"book_id":4102,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":233,"body":"وعظ رئيس العلماء\rوقد وقع الإيذان بوصول صدر الدين رئيس الشافيعة الأصبهاني الذي ورث النباهة والوجاهة في العلم كابرا عن كابر لعقد مجلس وعظ تلك الليلة وكانت ليلة الجمعة السابع من المحرم فتأخر وصوله إلى هدء من الليل والحرم قد غص بالمنتظرين والخاتون جالسة موضعها وكان سبب تأخره تأخر أمير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484291,"book_id":4102,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":234,"body":"الحجاج لأنه كان على عدة من وصوله إلى أن وصل ووصل الأمير وقد اعد لرئيس العلماء المذكور وهو يعرف بهذا الاسم توراثه عن أب فأب كرسي بازاء الروضة المقدسة فصعده وحضر قراؤه أمامه فابتدروا القراءة بنغمات عجيبة وتلاحين مطربة مشجية وهو يلحظ الروضة المقدسة فيعلن بالبكاء\rثم أخذ في خطبة من إنشائه سحرية البيان ثم سلك في أساليب من الوعظ باللسانين وأنشد أبياتا بديعة من قوله منها هذا البيت وكان يردده في كل فصل من ذكره ﷺ ويشير إلى الروضة:\rهاتيك روضته تفوح نسيما\r...\rصلوا عليه وسلموا تسليما\rواعتذر من التقصير لهول ذلك المقام وقال: عجبا للألكن الأعجم كيف ينطق عند أفصح العرب! وتمادى في وعظه إلى أن أطار النفوس خشية ورقة وتهافتت عليه الأعاجم معلنين بالتوبة وقد طاشت ألبابهم وذهلت عقولهم فيلقون نواصيهم بين يديه فيستدعى جلمين ويجزها ناصية ناصية ويكسو عمامته المجزوز الناصية فيوضع عليه للحين عمامة أخرى من أحد قرائه أو جلسائه ممن قد عرف منزعه الكريم في ذلك فبادر بعمامته لاستجلاب العرض النفيس لمكارمه الشهيرة عندهم فلا يزال يخلع واحدة بعد أخرى إلى أن خلع منها عدة وجز نواصي كثيرة ثم ختم مجلسه بأن قال: معشر الحاضرين قد تكلمت لكم ليلة بحرم الله ﷿ وهذه الليلة بحرم رسوله ﷺ ولا بد للواعظ من كدية وأنا أسالكم حاجة أن ضمنتموها لي أرقت لكم ماء وجهي في ذكرها فأعلن الناس كلهم بالإسعاف، وشهيقهم قد علا فقال: حاجتي أن تكشفوا رؤوسكم وتبسطوا أيديكم ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عني ويسترضي الله ﷿ لي. ثم أخذ في تعداد ذنوبه والاعتراف بها فأطار الناس عمائهم وبسطوا أيديهم للنبي ﷺ داعين له باكين متضرعين فما رأيت ليلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484292,"book_id":4102,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":235,"body":"أكثر دموعا ولا أعظم خشوعا من تلك الليلة ثم انفض المجلس وانفض الأمير وانفضت الخاتون من موضعها وعند وصول صدر الدين المذكور أزيل الستر عنها وبقيت بين خدمها وكرائمها متلفعة في ردائها فعاينا من أمرها في الشهرة الملوكية عجبا.\rوأمر هذا الرجل صدر الدين عجيب في قعدده١ وابهته وملوكيته وفخامة آلته وبهاء حالته وظاهر مكنته ووفور عدته وكثرة عبيده وخدمته واحتفال حاشيته وغاشيته فهو من ذلك على حال يقصر عنها الملوك وله مضرب كالتاج العظيم في الهواء مفتح على أبواب على هيئة غريبة الوضع بديعة الصنعة والشكل تطل على المحلة من بعد فتبصره ساميا في الهواء وشأن هذا الرجل العظيم لا يستوعيه الوصف شاهدنا مجلسه فرأينا رجلا يذوب طلاقة وبشرا ويخف للزائر كرامة وبرا على عظيم حرمته وفخامة بنيته وهو قد أعطى البسطتين علما وجسما استجزناه فاجازنا نثرا ونظما وهو أعظم من شاهدنا بهذه الجهات.\rوفي يوم الجمعة المذكور وهو السابع من محرم شاهدنا من أمور البدعة أمرا ينادي له الإسلام بالله يا للمسلمين وذلك أن الخطيب وصل للخطبة فصعد منبر النبي ﷺ وهو على ما يذكر على مذهب غير مضى ضد الشيخ الإمام العجمي الملازم صلاة الفريضة في المجسد المكرم فذلك على طريقة من الخير والورع لائقة بامام مثل ذلك الموضع الكريم. فلما أذن المؤذنون قام هذا الخطيب المذكور للخطبة وقد تقدمته الرايتان السوداوان وقد ركزتا بجانبي المبنر الكريم فقام بينهما فلما فرغ من الخطبة الأولى جلس جلسة خالف فيها جلسة الخطباء المضروب بها المثل في السرعة وابتدر الجمع مردة من الخدمة يخترقون الصفوف ويتخطون الرقاب،","footnotes":"١ للفظة القعدد معان كثيرة كلها ذم. ومن معانيها أيضا: القريب النسب من الجد الأكبر، ولعل هذا هو المراد هنا لأنه يشعر بمدح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484293,"book_id":4102,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":236,"body":"كدية١ على الأعاجم والحضارين لهذا الخيطب القليل التوفيق فمنهم من يطرح الثوب النفيس ومنهم من يخرج الشقة الغالية من الحرير فيعطيها وقد اعدها لذلك ومنهم من يخلع عمامته فينبذها ومنهم من يتجرد عن برده فيلقى به ومنهم من لا يتسع حاله لذلك فيسمح بفضله من الخام ومنهم من يدفع القراضة من الذهب ومنهم من يمد يده بالدينار والدينارين إلى غير ذلك ومن النساء من تطرح خلخالها وتخرج خاتمها فتلقيه إلى ما يطول الوصف له من ذلك. والخطيب في أثناء هذه الحال كلها جالس على المنبر يلحظ هؤلاء المستجدين المستسعين على الناس بلحظات يكررها الطمع ويعيدها الرغبة والاستزادة إلى أن كاد الوقت ينقضى والصلاة تفوت وقد ضج من له دين وصحة من الناس وأعلن بالصياح وهو قاعد ينتظر اشتفاف صبابة الكدية وقد أراق عن وجهه ماء الحياء فاجتمع له من ذلك السحت المؤلف كوم عظيم امامه فلما ارضاه قام وأكمل الخطبة وصلى بالناس وانصرف أهل التحصيل باكين على الدين يائسين من فلاح الدينا متحققين اشراط الآخرة ولله الأمر من قبل ومن بعد!\rوفي عشي ذلك اليوم المبارك كان وداعنا للروضة المباركة والتربة المقدسة فياله وداعا عجبا ذهلت له النفوس ارتياعا حتى طارت شعاعا واستشرت به النفوس التياعا حتى ذابت انصداعا وما ظنك بموقف ناجي التوديع فيه سيد الأولين والاخرين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين؟ إنه لموقف تنفطر له الافئدة وتطش به الألباب الثابتة المتئدة فوا أسفاه وا أسفاه! كل يبوح لديه بأشواقه ولا يجد بدا من فارقه فما يتسطيع إلى الصبر سبيلا ولا تسمع في هول ذلك المقام إلا رنة وعويلا وكل بلسان الحال ينشد:\rمحبتي تقتضي مقامي\r...\rوحالتي تقتضى الرحيلا","footnotes":"١ الكدية: الشحاذة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484294,"book_id":4102,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":237,"body":"بوأنا الله بزيارة هذا النبي الكريم منزل الكرامة وجعله شفيعا لنا يوم القيامة وأحلنا من فضله في جواره دار المقامة برحمته إنه غفور رحيم جواد كريم. وكان مقامنا بالمدينة المكرمة خمسة أيام أولها يوم الإثنين وآخرها يوم الجمعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484295,"book_id":4102,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":238,"body":"من المدينة إلى العراق\rوفي ضحوة يوم السبت الثامن لمحرم المذكور والحادي والعشرين من شهر إبريل كان رحيلنا من المدينة المكرمة إلى العراق قرب الله لنا المرام وسهل علينا السبيل واسصحبنا منها لماء الثلاثة أيام فنزلنا يوم الإثنين ثالث يوم رحيلنا المذكور بوادي العروس فتزود الناس منها الماء يحرفون عليه في الأرض بئرا فينبع منها ماء عذب معين يروى الأمة التي لا يحصى لها عدد من هذه المحلة مع جمالها التي تنيف على عددها ولله القدرة سبحانه.\rوصعدنا من وادي العروس إلى أرض نجد وخلفنا تهامة وراءنا ومشينا في بسيطة من الأرض ينحسر الطرف دون ادناها ولا يبلغ مداها وتنسمنا نسيم نجد وهواءها المضروب به المثل فانتشعت النفوس والاجسام ببرد نسيمه وصحة هوائه ونزلنا يوم الثلاثاء رابع يوم رحيلنا على ماء يعرف بماء العسيلة ثم نزلنا يوم الأربعاء خامس يوم رحيلنا بموضع يعرف بالنقرة وفيها آبار ومصانع كالصهاريج العظام وجدنا أحد ها مملوءا بماء المطر فعم جميع المحلة ولم ينضب على كثرة المحلة واستماحتها.\rوصفة مراحل هذا الأمير بالحاج أن يسرى من نصف الليالي إلى ضحية ثم ينزل إلى أول الظهر ثم يرحل وينزل مع العشاء الآخرة ثم يقوم نصف الليل هذا دأبه.\rونزلنا ليلة الخميس الثالث عشر لمحرم وسادس يوم رحيلنا على ماء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484296,"book_id":4102,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":239,"body":"يعرف بالقارورة وهي مصانع١ مملوءة بماء المطر وهذا الموضع هو وسط أرض نجد وما أرى أن في المعمورة ارضا افسح بسيطا ولا أوسع أنفا ولا أطيب نسيما ولا أصح هواء ولا أمد استواء ولا أصفى جوا ولا أنقى تربة ولا أنعش للنفوس والأبدان ولا أحسن اعتدالا في كل الازمان من أرض نجد ووصف محاسنها يطلو والقول فيها يتسع.\rوفي يوم الخميس المذكور مع ضحوة النهار نزلنا بالحاجر والماء فيه في مصانع وربما حفروا عليه حفرا قريبة العمق يسمونها أحفارا وأحدها حفر وكنا نتخوف في هذا الطريق قلة الماء لا سيما مع عظم هذا الجمع الأنامى والأنعامي الذين لو وردوا البحر لأنزفوه واستقوه فأنزل الله من سحب رحمته ما أعاد الغيطان عذرانا وأجرى المسول٢ سيولا وصير الوهاد مملوءة عهادا٣ فكنا نبصر مذانب٤ الماء سائحة على وجه الأرض فضلا من الله ونعمة ولطفا من الله بعباده ورحمة والحمد لله على ذلك. وفي اليوم المذكور أجزنا بالحاجز واديين سيالين وأما البرك والقرارات فلا تحصى.\rوفي يوم الجمعة بعده نزلنا ضحوة النهار سميرة وهي موضع معمور وفي بسيطها شبه حصن يطيف به حلق كبير مسكون ولماء فيه في آبار كثيرة إلا أنها زعاق ومستنفعات وبرك وتبايع العرب فيها مع الحاج فيما أخرجوه من لحم وسمن ولبن ووقع الناس على قرم وعيمة٥ فبادروا الابتياع لذلك بشقق الخام التي يستصحبونها لمشاراة الأعراب ل، نهم لا يبايعونهم إلا بها.\rوفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بالجبل الخروق وهو جبل في بيداء","footnotes":"١ المصانع، الواحدة مصنعة: ما يجمع فيها ماء المطر كالحوض.\r٢ أراد بالمسول مسايل الماء.\r٣ العهاد: المطر بعد المطر بحيث يدرك الآخر بلل الأول.\r٤ المذانب: الجداول والمسايل.\r٥ القرم: الشهوة الشديدة إلى اللحم. العيمة: الشهوة الشديدة إلى اللبن.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484297,"book_id":4102,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":240,"body":"من الأرض وفي صفحه الأعلى ثقب نفاذ تخترقه الرياح ثم رحنا من ذلك الموضع وبتنا بوادي الكروش على غير غير ماء ثم أسرينا منه وأصبحنا على فيد يوم الأحد وهي حصن كبير مبرج مشرف في بسيط من الأرض بمتد حوله ربض يطيف به سور عتيق البنيان وهو معمرو بسكان من الأعراب ينتعشون مع الحاج في التجارات والمبايعات وغير ذلك من المرافق وهناك يترك الحاج بعض زادهم إعدادا للإرمال من الزاد١ عند انصرافهم ولهم بها معارف يتركون أزودتهم عندهم وهذا نصف الطريق من بغداد إلى مكة على المدينة شرفها الله أو أقل يسيرا ومنها إلى الكوفة اثنا عشر يوما في طريق سهلة طيبة والمياه فيها بحمد الله موجودة في مصانع كثيرة ودخل أمير الحاج هذا الموضع المذكور على تبعئة وأهبة إرهابا للمجتمعين به من الاعراب لئلا يداخلهم الطمع في الحاج فهم يلحظونهم مستشرفين إلى مكانهم لكنهم لا يجدون إليهم سبيلا والحمد لله. والماء بهذا الموضع كثير في آبار تمدها عيون تحت الأرض ووجد الحاج فيها مصنعا قد اجتمع فيه الماء من المطر فانتزف للحين وامتلأت أيدي الحاج القمرين من غنام العرب بالمبايعة المذكورة فلم يبق مضرب ولا خيمة ولا ظلالة إلا والى جانبها كبش أو كبشان بحسب القدرة والوجد٢ فعم جميع المحلة غنم العرب وكان ذلك اليوم عيدا من الأعياد وكذلك عمتهم أيضا جمالهم لمن اراد الابتياع منهم من الجمالين وسواهم للاستظهار على الطريق وأما السمن والسعل واللبن فلم يبق إلا من تحمل أو استعمل منها بقدر حاجته.\rوأقام الناس يومهم ذلك مريحين بها إلى ظهر يوم الإثنين بعده ثم أسروا نصف الليل ترتيب سيرهم المذكور قبل ونزلوا ضحوة يوم الثلاثاء الثامن عشر لمحرم وهو أول يوم من مايه٣ بموضع يعرف بالاجفر وهو مشتهر عندهم","footnotes":"١ الإرمال من الزاد: نفاده.\r٢ الوجد: الغنى.\r٣ مايه: مايو، أيار.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484298,"book_id":4102,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":241,"body":"بموضع جميل وبثنية العذريين ثم أقلعنا ظهر يوم الثلاثاء المذكور على العادة ونزلنا بالبيداء مع العشاء الآخرة ثم أسرينا منها ونزلنا ضحوة يوم الأربعاء بزورد وهي وهدة في بسيط من الأرض فيها رمال منهالة وبها حلق كبير داخله دويرات صغار هو شبيه الحصن يعرف بهذه الجهات بالقصر والماء بهذا الموضع في آبار غير عذبة فنزلنا ضحوة يوم الخيمس الموفى عشرين لمحرم والثالث لمايه بموضع يعرف بالثعلبية ولها مبنى شبه الحصن خرب لم يبق منه إلا الحلق وبإزائه مصنع عظيم كبير الدور من اوسع ما يكون من الصهاريج وأعلاها والمهبط إليه على ادراج كثيرة من ثلاث جهات وكان فيه من ماء المطر ما عم جميع المحلة. ووصل إلى هذا الموضع جمع كثير من العرب رجالا ونساء واتخذوا به سوقا عظيمة حفيلة للحمال والكباش والسمن واللبن وعلف الإبل فكان يوم سوق نافقة.\rوبقي من هذا الموضع إلى الكوفة من المناهل التي تعم جميع المحلة ثلاثة أحد ها زبالة والثاني واقصة، والثالث منهل من ماء الفرات على مقربة من الكوفة وبين هذه المناهيل مياه موجودة لكنها لاتعم وهذه الثلاثة المذكورة هي التي تعم الناس والإبل وهي التي تردها رفها. وفي هذا المنهل الذي للثعلبية شاهدنا من غلبة الناس على الماء أمرا هائلا لا يكاد يشاهد مثله في تغلب المدن والحصون بالقتال وحسبك أن مات في ذلك الموضع ضغطا بشدة الزحام وغطا تحت الماء بالاقدام سبعة رجال بادروا لمورد لماء فحصلوا على موردالفناء ﵏ وغفر لهم.\rوفي ضحوة يوم الجمعة بعده نزلنا بموضع يعرف ببركة المرجوم وهي مصنع وقد بنى له فيما يعلوه من الأرض مصب يؤدي الماء إليه على بعد وأحكم ذلك حاكما يدل على قدرة الاتساع وقوة الاستطاع١. ولهذا المرجوم","footnotes":"١ لعلها المستطاع، لأنه لا وجود للفظة الاستطاع في اللغة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484299,"book_id":4102,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":242,"body":"المذكور مشهد على قارعة الطريق وقد علا كأنه هضبة شماء وكل مجتاز عليه لا بد أن يلقى عليه حجرا ويقال: إن أحد الملوك رجمه لأمر استوجب به ذلك والله أعلم. وبهذا الموضع بيوت كثيرة للعرب وبادروا للحين بما لديهم من مرافق الادم يبعونها من الحاج كان هذا المصنع مملوء من ماء المطر فغمر الناس وعمهم والحمد لله. وهذه المصانع والبرك والآبار والمنازل التي من بغداد إلى مكة هي آثار زبيدة ابنة جعفر ابن أبي جعفر المنصور زوج هارون الرشيد وابنة عمه وانتبدت لذلك مدة حياتها فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعم وفد الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذا الطريق والله كفيل بمجازاتها والرضى عنها.\rوفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بموضع يعرف بالشقوق وفيه مصنعان الفيناهما مملوءين ماء عذبا صافيا فأراق الناس مياههم وجددوا مياها طيبة واستبشروا بكثرة الماء وجددوا شكر الله على ذلك وأحد هذين المصنعين صهريج عظيم الدائرة كبيرها لا يكاد يقطعه السابح إلا عن جهد ومشقة وكان الماء قد علا فيه أزيد من قامتين فتنعم الناس من مائه سباحة واغتسالا وتنظيف اثواب وكان يومهم فيه من أيام راحة السفر.\rومن لطائف صنع الله تعال بوفده ووزار حرمه أن كانت هذه المصانع كلها عند صعودالحاج من بغداد إلى مكة دون ماء فأرسل الله من سحب رحمته ما اترعها ماء معد الصدر الحاج فضلا من الله ولطفا بوفده المنقطعين إليه.\rورحنا من ذلك الموضع المذكرو وبتنا بموضع يعرف بالتنانير وكان فيه أيضا مصنع مملوء ماء وأسرينا منه ليلة يوم الاحدالثالث والشعرين ملحرم واجتزنا سحرا بزبالة وهي قرية معموروة وفيها قصر مشيد من قصور الاعراب ومصنعان للماء وآبار وهي من مناهل الطريق الشهيرة. ونزلنا عند ما ارتفع النهار من اليوم المذكور بالهيثمين وفيهامصنعان للماء ولا نكاد نمر بحول الله يوما بموضع إلا والماء يوجد فيه والشكر لله على ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484300,"book_id":4102,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":243,"body":"وبتنا ليلة الإثنين الرابع والعشرين لمحرم المذكور على مصنع مملوء ماء فسقى الناس بالليل واستقوا وهذا الموضع هو دون العقبة المعروفة بعقبة الشيطان. ومع الصباح من يوم الإثنين المذكور صعدنا العقبة وليست بالطويلة الكؤود ولكن ليس بالطريق وعر غيرها فهي شهيرة بهذا السبب ونزلنا عند ارتفاع النهار على مصنع دون ماء وأجزنا مصانع كثيرة وما منها مصنع إلا والى جانبه قصر مبنى من قصور الاعراب والطريق كلها مصانع ورضى الله عن التي اعتنت بسيبل وفد الله هذا الاعتناء.\rثم نزلنا ضحوة يوم الثلاثاء بعده بواقصة وهي وهدة من الأرض منفسحة فيها مصانع للماء مملوؤءة وقصر كبير وبإزائه اثر بناء وهي معمورة بالاعراب وهي آخر مناهل الطريق وليس بعدها إلى الكوفة منهل مشهور إلا مشارع ماء الفرات ومنها إلى الكوفة ثلاثة أيام وبها يتلقى الحاج كثير من أهل الكوفة وهم مستجلبون إليهم الدقيق والخبز والتمر والادم والفواكه الحاضرة في ذلك الوقت ويهنيء الناس بعضهم بعضا بالسلامة والحمد لله ﷿ على ما من به من التيسير والتسهيل حمدا يستوجب المزيد ويستصحب من كريم صنعه المعهود.\rوبتنا ليلة الأربعاء السادس والعشرين بموضع يعرف بلوزة وفيها مصنع كبير وجده الناس مملوءا فجددوا الاستسقاء ورفهوا الإبل ثم أسرينا منها وأجزنا سحر يوم الأربعاء المذكور بموضع فيه آثار بناء يعرف بالقرعاء وفيه أيضا مصنع ماء وله ستة مخازن وهي صهاريح صغار تؤدى الماء إلى المصانع استقى الناس فيها وسقوا. وكثرت المصانع حتى لا تكاد الكتب تحصرها ولا تضبطها والحمد لله على منته وسابغ نعمته.\rوبتنا ليلة الخميس بعده على مصنع عظيم مملوء ماء ثم نزلنا ضحوة اليوم المذكور بمنارة تعرف بمنارة القرون وهي منارة في بيداء من الأرض لا بناء حولها قد قامت في الأرض كأنها عمود مخروط من الاجر قد تداخل فيها من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484301,"book_id":4102,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":244,"body":"الخواتيم الآجرية مثمنة ومربعة أشكال بديعة ومن غريب أمرها أنها مجللة كلها قرون غزلان مثبتة فيها فتلوح كظهر الشيهم١ وللناس فيها خبر يمنع ضعف سنده من اثباته وعلى مقربة من هذه المنارة قصر ذو بروج مشيدة وبازائه مصنع عظيم وجد مملوءا ماء والحمد لله على ما من به.\rواجتزنا عشي يوم الخميس المذكور على العذيب وهو واد خصيب وعيه بناء وحوله فلاة خصيبة فيها مسرح للعيون وفرجة وأعلما أن بمقربة منه بارقا ووصلنا منه إلى الرحبة وهي بمقربة منه وفيها بناء وعمارة ويجرى الماء فيها من عين نابعة في أعلى القرية المذكورة وبتنا امهاما بمقدار فرسخ ثم أسرينا ليلة الجمعة الثامن والعشرين لمحرم المذكور نصف الليل واجتزنا على القادسية وهي قرية كبيرة فيها حدائق من النخيل ومشارع من ماء الفرات واصبحنا بالنجف وهو بظهر الكوفة كأنه حد بينها وبين الصحراء وهو صلب من الأرض منفسح متسع للعين فهي مزاد استحسان وانشراح ووصلنا الكوفة مع طلوع الشمس من يوم الجمعة المذكور والحمد لله على ما انعم به من السلامة.","footnotes":"١ الشيهم: ذكر القنافذ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484302,"book_id":4102,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":245,"body":"ذكر مدينة الكفوة حرسها الله تعالى\rهي مدينة كبيرة عتيقة البناء قد استولى الخراب على أكثرها فالغامر٢ منها أكثر من العامر ومن أسباب خرابها فبيلة خفاجة المجاورة لها فهي لا تزال تضر بها وكفالك بتعاقب الأيام والليالي محييا ومفنيا وبناء هذه المدينة بالاجر خاصة ولا سور لها. والجامع العتيق آخرها مما يلي شرقي البلد ولا عمارة تتصل به من جهة الشرق وهو جامع كبير في الجانب القبلي منه","footnotes":"٢ الغامر: عكس العامر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484303,"book_id":4102,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":246,"body":"خمسة ابلطة وفي سائر الجوانب بلاطان وهذه البلاطات على أعمدة من السواري الموضوعة من صم الحجارة المنحوتة قطعة على قطعة مفرغة بالرصاص ولا قسى عليها على الصفة التي ذكرناها في مجسد رسول الله ﷺ وهي في نهاية الطول متصلة بسقف المسجد فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها فما أرى في الأرض مسجدا اطول أعمدة منه ولا أعلى سقفا.\rولهذا الجامع المركم آثار كريمة فمنها بيت بإزاء المحراب عن يمين المستقبل القبلة يقال: إنه كان مصلى إبراهيم الخليل ﷺ وعليه ستر أسود صونا له ومنه يخرج الخطيب لابسا ثياب السواد للخطبة فالناس يزدحمون على هذا الموضع المبارك للصلاة فيه. وعلى مقربة منه مما يلي الجانب الأيمن من القبلة محراب محلق عليه باعواد الساج مرتفع عن صحن البلاط كأنه مسجد صغير وهو محراب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه وفي ذلك الموضع ضربه الشقى اللعين عبد الرحمن بن ملجم بالسيف فالناس يصلون فيه باكين داعين. وفي الزاوية من آخر هذا البلاط القبلي المتصل بآخر البلاط الغربي شبيه مسجد صغير محلق عليه أيضا بأعواد الساج هو موضع مفار التتور الذي كان آية لنوح ﵇ وفي ظهره خارج المسجد بيته الذي كان فيه وفي ظهره بيت آخر يقال إنه كان متعبد أدريس ﷺ ويتصل بهما فضاء متصل بالجدار القبلي من المسجد يقال إنه كان منشأ السفينة ومع آخر هذا الفصاء دار علي بن أبي طالب رضى الله عنه والبيت الذي غسل فيه ويتصل به بيت يقال إنه كان بيت انبة نوح ﷺ.\rوهذه الآثار الكريمة تلقيناها من السنة اشياخ من أهل البلد فأثبتناه حسبما نقوله إلينا والله أعلم بصحة ذلك كله.\rوفي الجهة الشرقية من الجامع بيت صغير يصعداليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضى الله عنه وفي جوفى الجامع على بعد منه يسير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484304,"book_id":4102,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":247,"body":"سقاية كبيرة من ماء الفرات فيها ثلاثة أحواض كبار.\rوفي غربي المدينة على مقدار فرسخ منها المشهد الشهير الشان المنسوب لعلى بن أبي طالب رضى الله عنه وحيث بركت ناقته وهو محمول عليها مسجى ميتا على ما يذكر ويقال إن قبره فيه والله أعلم بصحة ذلك وفي هذا المشهد بناء حفيل على ما ذكر لنا لانا لم نشاهده بسب أن وقت المقام بالكوفة ضاق عن ذلك لانا لم نبت فيها سوى ليلة يوم السبت. وفي غدائه رحلنا ونزلنا قريب الظهر علي نهر منسرب من الفرات والفرات من الكوفة على مقدار نصف فرسخ مما يلي الجانب الشرقي والجانب الشرقي كله حدائق نخيل ملتفة يتصل سوادها ويمتد امتداد البصر ورحلنا من ذلك الموضع وبتنا ليلة الأحد منسلح محرم بمقربة من الحلة ثم جئناها يوم الأحد المذكور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484305,"book_id":4102,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":248,"body":"ذكر مدينة الحلة حرسها الله تعالى\rهي مدينة كبيرة عتيقة الوضع مستطيلة لم يبق من سورها إلا حلق من جدار ترابي مستدير بها وهي على شط الفرات يتصل بها من جانبها الشرقي ويمتد بطولها ولهذه المدينة أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية وهي قوية العمارة كثيرة الخلق متصلة حدائق النخيل داخلا وخارجا فديارها بين حدائق النخيل وألفينا بها جسرا عظيما معقودا على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط تحف بها من جانبها سلاسل من حديد كالأذرع المفتلة عظما وضخامة ترتبط إلى خشب مثبتة في كلا الشطين تدل على عظم الاستطاعة والقدرة أمر الخليفة بعده على الفرات اهتماما بالحاج واعتناء بسيله وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب فوجدوا هذا الجسر قد عقده الخليفة في مغيبهم ولم يكن عند شخوصهم إلى مكة شرفها الله.\rوعبرنا الجسر ظهر يوم الأحد المذكور نزلنا بشط الفرات على مقدار فرسخ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484306,"book_id":4102,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":249,"body":"من البلد وهذا النهر كاسمه فرات هو من اعذب المياه واخفها وهو نهر كبيرزخار تصعد فيه السفن وتنحدر.\rوالطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها في بسائط من الأرض وعمائر تتصل بها القرى يمينا وشمالا ويشق هذه البسائط اغصان من ماء الفرات تتسرب بها وتسقيها فمحرثها الأحد لاتساعه وانفساحه فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح وللنفس مزاد انبساط وانفساح والأمن فيها متصل بحمد الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484307,"book_id":4102,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":250,"body":"شهر صفر سنة ثمانين١ عرفنا الله يمنه وبركته\rهلاله على الكمال من ليلة الإثنين بموافقة الرابع عشر من مايه استهل هلاله ونحن على شط الفرات بظاهر مدينة الحلة.\rوفي ضحوة يوم الإثنين المذكور رحلنا وأجزنا جسرا على نهر يسمى النيل وهو فرع متشعب من الفرات وكان عليه ازدحام غرق كثير من الناس والدواب في الماء فتنحينا مريحين إلى أن انفرج ذلك المزدحم وعبرنا على سلامة وعافية والحمد لله.\rومن مدينة الحلة يتسلسل الحاج أرسالا وأفواجا أفواجا: فمنهم المتقدم والمتوسط والمتأخر لا يعرج المتسعجيل على المتعذر ولا المتقدم على المتأخر فحيثما شاءوا من طريقهم نزلوا واراحوا واستراحوا وسكنت نفوسهم من روعة نقر الكوس٢ الذي كانت الأفئدة ترجف له بدارا للرحيل واستعجالا للقيام فربما كان لنائم منهم يهذي بنقر الكوس فيقوم عجلا وجلا ثم يتحقق إنه من اضغاث احلامه فيعودالى منامه.","footnotes":"١ ثمانين أي ٥٨٠ هـ ١١٨٤م.\r٢ الكوس: نوع من الطبل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484308,"book_id":4102,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":251,"body":"ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة القناطر المعترضة في طريقهم إلى بغداد فلا تكاد تمشى ميلا إلا وتجد قنطرة على نهر متفرع من الفرات فتلك الطريق أكثر الطرق سواقي وقناطر وعلى أكثرها خيام فيها رجال محترسون للطريق اعتناء من الخليفة بسبيل الحاج دون اعتراض منهم لاتسنفاع بكدية أو سواها فلو زاحم ذلك البشر تلك القناطير دفعة لما فرغوا من عبورها ولتراكموا وقوعا بعض على بعض.\rوالأمير طاشتكين المتقدم الذكر يقيم بالحلة ثلاثة أيام إلى أن يتقدم جميع الحاج ثم يتوجه إلى حضرة خليفته وهذه الحلة المذكورة طاعة بيده للخليفة وهذه الحلة المذكورة طاعة بيده للخليفة وسيرة هذا الأمير في الرفق بالحاج والاحتياط عليهم والاحتراس لمقدمتهم وساقتهم وضم نشر ميمنتهم وميسرتهم سيرة محمودة وطريقته في الحزم وحسن النظر طريقة سديدة وهو من التواضع ولين الجانب وقرب الكان على وتيرة سعيدة نفعه الله ونفع المسلمين به.\rوفي عصر يوم الإثنين المذكور نزلنا بقرية تعرف بالقنطرة كثيرة الخصب كبيرة الساحة متدفقة فيها جداول الماء وارفه الظلال بشجرات الفواكه من أحسن القرى وأجملها وبها قنطرة على فرع من فروع الفرات كبيرة محدودبة يصعد إليها وينحدر عنها فتعرف القرية بها وتعرف أيضا بحصن بشير والفينا حصاد الشعير بهذه الجهات في هذا الوقت الذي هو نصف مايه.\rورحلنا من القرية المذكورة سحر يوم الثلاثاء الثاني لصفر فنزلنا قائلين ضحوته بقرية تعرف بالفراش١ كثيرة العمارة يشقها الماء وحولها بسيط اخضر جميل المنظر وقرى هذه الطريق من الحلة إلى بغداد على هذه الصفة من الحسن والأتساع وفي هذه القرية المذكورة خان كبير يحدق به جدار عال له شرفات صغار.","footnotes":"١ ياقوت: فراشي، بفتح الشين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484309,"book_id":4102,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":252,"body":"ثم رحلنا منها ونزلنا عشي النهار بقرية تعرف بزريران وهذه القرية من أحسن قرى الأرض وأجملها منظرا وأفسحها ساحة واوسعها اختطاطا وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق نخيل وكان بها سوق تقصر عنه أسواق المدن وحسبك من شرف موضوعها١ أن دجلة تسقى شرفيها والفرات يسقى غربيها وهي كالعروس بينهما والبسائط والقرى والمزارع متصلة بين هذين النهرين الشريفين المباركين.\rومن شرف هذه القرية أيضا أن بازائها لجهة الشرق منها إيوان كسرى وأمامها بيسير مداينه وهذا الإيوان بناء عال في الهواء شديد البياض لم يبق من قصوره إلا البعض فعايناها على مقدار الميل سامية مشرفة مشرقة وأما المداين فخراب اجتزنا عليها سحر يوم الأربعاء الثالث لصفر فعاينا من طولها واتساعها مراى عجيبا. ومن فضائل هذه القرية أيضا أن بالشرق منها بمقدار نصف فرسخ مشهد سلمان الفارسي رضى الله عنه فما ختصت تربتها بهذا الدفين المبارك رضى الله عنه إلا لفضل تربتها. والقرية على شط دجلة وهي تعرض بينها وبين المشهدالكريم المذكور وكنا سمعنا أن هواء بغداد ينبت السرور في القلب ويبعث النفس دائما على الانبساط والأنس فلا تكادتجد فيها إلا جذلان طربا وإن كان نازح الدار مغتربا حتى حللنا بهذا الموضع المذكور وهو على مرحلة منها فلما نفحتنا نوافح هوائها ونقعنا الغلة ببرد مائها احسسنا من نفوسنا على حال وحشة الاغتراب دواعي من الاطراب واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحة الغياب بالاياب وهبت بنا محركات من الاطراب أذكرتنا معاهد الاحباب في ريعان الشباب هذا للغريب النازح الوطن فكيف للوافد فيها على أهل وسكن!\rسقى الله باب الطاق صوب غمامة\r...\rورد إلى الاوطان كل غريب","footnotes":"١ أراد بموضوعها موضعها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484310,"book_id":4102,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":253,"body":"وفي سحر يوم الأربعاء المذكور رحلنا من القرية المذكورة واجتزنا على مداين كسرى حسبما ذكرناه وانتهينا إلى صرصر وهي أخت زريران المذكورة حسنا أو قريب منها ويمر بجانبها القبلى نهر كبير متفرع من الفرات عليه جسر معقود على مراكب تحفة بها من الشط إلى الشط سلاسل حديد عظام على الصفة التي ذكرناها في جسر الحلة فعبرناه وأجزنا القرية ونزلنا قائلين وبيننا وبين بغداد نحو ثلاثة فراسخ.\rوبهذه القرية سوق حفيلة ومسجد جامع كبير جديد وهي من القرى التي تملأ النفوس بهجة وحسنا.\rوهذان النهران الشريفان دجلة والفرات قدا غنت شهرتهما عن وصفهما وملتقاهما ما بين واسط والبصرة ومها انصبابهما إلى البحر ومجراهما من الشمال إلى الجنوب وحسبهما ما خصهما الله به من البركة هما وأخاهما النيل مما هو مذكور مشهور. ورحلنا من ذلك الموضع قبيل الظهر من يوم الأربعاء المذكور وجئنا بغداد قبيل العصر والمدخل إليها على بساتين وبسائط يقصر الوصف عنها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484311,"book_id":4102,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":254,"body":"ذكر مدينة السلام بغداد حرسها الله تعالى\rهذه المدينة العتيقة وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية ومثابة الدعوة الإمامية القرشية الهاشمية قد ذهب أكثر رسمها ولم يبق منها إلا شهير اسمها وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل انحاء الحوادث عليها١ والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس والاثر الطامس أو تمثال الخيال الشاخص فلا حسن فيها يستوقف البصر ويستدعى من المستوفز العقلة٢ والنظر إلا دجلتها التي هي بين شرقيها ورغبيها منها كالمرآة المجلوة بين صفحتين أو العقد","footnotes":"١ انحاء الحوادث عليها: معاوتها إياها.\r٢ المستوفز: الماضي المسرع. العقلة: الوقوف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484312,"book_id":4102,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":255,"body":"المتظم بين لبتين١ فيه تردها ولا تظمأ وتتطلع منها في مرآه صقيلة لا تصدا والحسن الحريمي٢ بين هوائها ومائها ينشأ هي من ذلك على شهرة في البلا معروفة موصوفة ففتن الهوى إلا إن يعصم الله منها مخوفة.\rوأما أهلها فلا تكاد تلقى منهم إلا من يتصنع بالتواضع رياء ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء يزدرون الغرباء ويظهرون لمن دونهم الأنفة والاباء ويستصغرون عمن سواهم الأحاديث والأنباء قد تصور كل منهم في معتقده وخلده أن الوجود كله يصغر بالإضافة لبلده فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم كأنهم لا يعتقدون أن لله بلادا أو عبادا سواهم يسحبون أذيالهم أشرا وبطرا ولا يغيرون في ذات الله منكرا يظنون أن أنسى الفخار في يسحب الإزار ولا يعلمون أن فضله بمقضتى الحديث المأثور في النار يتبايعون بينهم بالذهب قرضا وما منهم من يحسن لله قرضا فلا نفقة فيها إلا من دينار تقرضه وعلى يدي مخسر للميزان تعرضه لا تكادتظفر من خواص أهلها بالورع العفيف ولا تقع من أهل موازينها ومكاييلها إلا على من ثبت له الويل في سورة التطفيف لا يبالون في ذلك بعيب كأنهم من بقايا مدين قوم النبي شعيب فالغريب فيهم معدوم الأرفاق متضاعف الإنفاق لا يجد من أهلها إلا من يعامله بنفاق أو يهش إليه هشاشة انتفاع واسترفاق كأنهم من التزام هذه الخلة القبيحة على شرط اصطلاح بينهم واتفاق فسوء معشارة أبنائها يغلب على طبع هوائها ومائها ويعلل٣ حسن المسموع من أحاديثها ومائها استفغر الله إلا فقهاءهم المحدثين وعاظهم المذكرين لا جرم أن لهم في طريقة الوعظ والتذكير ومداومة التنبيه والتبصير والمثابرة على الإنذار المخوف والتحذير مقامات تستنزل","footnotes":"١ اللبة: موضع القلادة من الصدر.\r٢ الحريم: النساء.\r٣ يعلل: يضعف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484313,"book_id":4102,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":256,"body":"لهم من رحمة الله تعالى ما يحط كثيرا من أوزارهم ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم ويمنع القارعة١ الصماء أن تحل بديارهم لكنهم معهم يضربون في حديد بارد ويرومون تفجير الجلامد فلا يكاد يخلو يوم من أيام جمعاتهم من واعظ يتكلم فيه فالموفق منهم لا يزال في مجلس ذكر ايامه كلها لهم في ذلك طريقة مباركة متلزمة.","footnotes":"١ القارعة: الداهية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484314,"book_id":4102,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":257,"body":"مجالس علم ووعظ\rفأول من شاهدنا مجلسه منهم الشيخ الإمام رضى الدين القزويني رئيس الشافعية وفقيه المدرسة النظامية والمشار إليه بالتقديم في العلوم الأصولية حضرنا مجلسه بالمدرسة المذكورة إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الخامس لصفر المذكور فصعد المنبر وأخذ القراء أمامه في القراءة على كراسي موضوعة فتوقوا وشوقوا وأتوا بتلاحين معجبة ونغمات محرجة٢ مطربة ثم اندفع الشيخ الإمام المذكور خطب خطبة سكون ووقار وتصرف في أفانين من العلوم من تفسير كتاب الله ﷿ وإيراد حديث رسوله ﷺ والتكلم على معانيه ثم رشقته شآبيب المسائل من كل جانب فأجاب وما قصر وتقدم وما تأخر ودفعت إليه عدة رقاع فيها فجمعها جملة في يده وجعل يجاوب على كل واحدة منها وبنيذ بها إلى أن فرغ منها.\rوحان المساء فنزل وافترق الجمع فكان مجلسه مجلس علم ووعظ وقورا هينا لينا ظهرت فيه البركة والسكينة ولم تقصر عن إرسال عبرتها فيه النفس المستكينة ولا سيما أخر مجلسه فإنه سرت حميا وعظه إلى النفوس حتى اطارتها خشوعا وفجرتها دموعا وبادر التائبون إليه سقوطا على يده","footnotes":"٢ المحرجة: أراد بها المشجية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484315,"book_id":4102,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":258,"body":"ووقوعا فكم ناصية جز وكم مفصل من مفاصل التئابين طبق بالموعظة وحز فبمثل مقام هذا الشيخ المبارك ترحم العصاة وتتغمد الجناة وتستدام العصمة والنجاة والله تعالى يجازى كل ذي مقام عن مقامه ويتغمد ببركة العلماء الأولياء عباده العاصين من سخطه وانتقامه برحمته وكرمه إنه المنعم الكريم لا رب سواه ولا معبود إلا إياه.\rوشهدنا له مجلسا ثانيا إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني عشر من الشهر المذكور حضر ذلك اليوم مجلسه سيدالعلماء الخراسانية ورئيس الأئمة الشافعي وردخل المدرسة النظامية بهز عظيم وتطريف آماق١ تشوقت له النفوس فأخذ الإمام المتقدم الذكر في وعظه مسرورا بحضوره ومتجملا به فأتى بافانين من العلوم على حسب مجلسه المتقدم الذكر ورئيس العلماء المذكور هو صدر الدين الخجندي المتقدم الذكر في هذا التقييد المشتهر المآثر والمكارم المقدم بين الأكابر والأعاظم.\rثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الاوحد جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي بازاء داره على الشط بالجانب الشرقي وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي وهو يجلس به كل يوم سبت فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولا زيد وفي جوف الفرا كل الصيد٢ آية الزمان وقرة عين الإيمان رئيس الحنبلية والمخصوص في العلوم بالرتب العلية إمام الجماعة وفارس حلبة هذه الصناعة والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة مالك ازمة الكلام في النظم والنثر والغائص في بحر فكره على نفائس","footnotes":"١ الهز: النشاط والسرعة. تطريف الآماق: إصابتها بشيء فدمعت. لعله يشير إلى أن موكبه كان شديد الحركة وأن الآماق طرفت به إعجابا.\r٢ مأخوذ من المثل القائل: كل الصيد في جوف الفرا، والفرا الحمار الوحشي، يريد أن الخطيب وحيد في علمه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484316,"book_id":4102,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":259,"body":"الدر فإما نظمه فرضى الطباع مهياري١ الانطباع وأما نثره فيصدع بسعر البيان ويعطل المثل بقس وسحبان.\rومن أبهر آياته واكبر معجزاته إنه يصعد المنبر ويبثدئ القراء بالقراءة وعددهم نيف على العشرين قارئا فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية ن القرآن يتلونها على نسق يتطريب وتشويق فإاذ فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة وقد أتوا بآيات مشتبهات لا يكاد المتقد الخاطر يحصلها عدد أو يسميها نسقا. فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشان في إيراد خطبته عجلا مبتدرا وأفرغ في أصداف الأسماع من الفاظه دررا وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فقرا وأتى بها على نسق القراءة لها لا مقدما ولا مؤخرا ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها فلو أن أبدع من في مجلسه تكلف تسمية ما قرا القراء به آية آية على الترتيب لعجز عن ذلك فكيف بمن ينتظمها مرتجلا ويورد الخطبة الغراء بها عجلا! ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أنتم لا تُبْصِرُونَ٢﴾ ، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ٣﴾ فحدث ولا حرج عن البحر وهيهات ليس الخبر عنه كالخبر!\rثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر طارت لها القلوب اشتياقا وذابت بها الأنفس احتراقا إلى أن علا الضجيج وتردد بشهقاته النشيج وأعلن التائبون بالصياح،\rوتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح كل يلقى ناصيته بيده فيجزها ويمسح على رأسه داعيا له ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه فشاهدنا","footnotes":"١ رضي الطباع: شبيه في طبعه بالشريف الرضي الشاعر المشهور. مهياري: شبيه بمهيار الديلمي الشاعر أيضا.\r٢ سورة الطور، الآية ١٥.\r٣ سورة النمل، الآية ١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484317,"book_id":4102,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":260,"body":"هولا يملأ الفنوس إنابة وندامة ويذكرها هول يوم القيامة فلو لم نركب ثبج البحر ونعتسف مفازات القفز إلا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل لكانت الصفقة الرابحة والوجهة المفلحة الناجحة والحمد لله على أن من بلقاء من يشهد الجمادات بفضله ويضيق الوجود عن مثله.\rوفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل وتطير إليه الرقاع فيجاوب أسرع من طرفة عين روبما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل والفضل بيدالله يؤتيه من يشاء لا إله سواه.\rثم شاهدنا مجلسا ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر بباب بدر في ساحة قصور الخليفة ومناظره مشرفة عليه وهذا الموضع المذكور هو من حرم الخليفة خص بالوصول إليه والتكلم فيه ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم ويفتح الباب للعامة فيدخلون إلى ذلك الموضع وقد بسط بالحصر وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس. فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور وقعدنا إلى أن وصل هذا الحبر المتكلم فصعد المنبر وأرخى طيلسإنه عن رأسه تواضعا لحرمة المكان قود تسطر القراء امامه على كراسي موضوعة فابتدروا القراة على الترتيب وشوقوا ما شاءوا واطربوا ما أرادوا وبادرت العيون بارسال الدموع. فلما فرغوا من لاقراءة وقد احصينا لهم تسع آيات من سور مختلفات صدع بخطبته الزهراء الغراء وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات ومشى الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب إلى أن أكلمها وكانت الآية ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ١﴾ فتمادى على هذا السين٢ وحسن أي تحسين كفان يومه في ذلك أعجب من أمسه ثم أخذ في الثناء على الخليفة والدعاء له ولوالدته وكنى عنها بالستر","footnotes":"١ سورة غافر، الآية ٦١.\r٢ أي في الكلام المسجوع بحرف السين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484318,"book_id":4102,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":261,"body":"الأشرف والجناب الأرأف ثم سلك سبيله في الوعظ كل ذلك بديهة لا روية ويصل كلامه في ذلك بالآيات المقروءات على النسق مرة أخرى فأرسلت وابلها العيون وابدت النفوس سر شقها المكنون وتطارح الناس عليه بذنوبهم معترفين وبالتوبة معلنين وطاشت الألباب والعقول وكثر الوله والذهول وصارت النفوس لا تملك تحصيلا ولا تميز معقولا ولا تجد للصبر سبيلا.\rثم في أثناء مجلسه ينشد بأشعار من النسيب مبرحة التشويق بديعة الترقيق تشعل القلوب وجدا ويعود موضعها النسيبي زهدا وكان آخر ما انشده من ذلك وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام وأصابت المقاتل سهام ذلك الكلام:\rأين فؤادي أذابه الوجد\r...\rوأين قلبي فما صحا بعد\rيا سعد زدني جوى بذكرهم\r...\rبالله قل لي فديت يا سعد\rولم يزل يرددها والانفعال قد اثر فيه والمدامع تكاد تمنع خروج الكلام من فيه إلى أن خاف الافحام فابتدر القيام ونزل عن المنبر دهشا عجلا وقد أطار القلوب وجلا وترك الناس على احر من الجمر يشيعونه بالمدامع الحمر فمن معلن بالانتحاب ومن متعفر في التراب فياله من مشهد ما أهول مرآه وما أسعد من رآه نعفنا الله ببركته وجعلنا ممن فاز به بنصيب من رحمته بمنه وفضله.\rوفي أول مجلسه انشد قصيدا نير القبس عراقي النفس في الخليفة أوله:\rفي شغل من الغرام شاغل\r...\rمن هاجه البرق بسفح عاقل\rيقول فيه عند ذكر الخليفة:\rيا كلمات الله كوني عوذة\r...\rمن العيون للإمام الكامل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484319,"book_id":4102,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":262,"body":"ففرغ من انشاده وقد هز المجلس طربا ثم أخذ في شأنه وتمادى في إيراد سحر بيإنه وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطى من ملكة النفوس والتلاعب بها ما اعطى هذا الرجل فسبحان من يخص بالكمال من يشاء من عباده لا إله غيره.\rوشاهدنا بعد ذلك مجالس لسواه من وعاظ بغداد ممن نستغرب شأنه بالإضافة لما عهدناه من متكلمي الغرب وكنا قد شاهدنا بمكة والمدينة شرفهما الله مجالس من قد كرناه في هذا التقييد فصغرت بالإضافة لمجلس هذا الرجل الفذ في نفوسنا قدرا ولم نستطب لها ذكرا وأين تقعان مما أريد وشتان بين اليزيدن١ وهيهات الفتيان كثير والمثل بمالك يسير٢ونزلنا بعده بمجلس يطيب سماعه ويورق استطلاعه.\rوحضرنا له مجلسا ثالثا يوم السبت الثالث عشر لصفر بالوضع المذكور بإزاء داره على الشط الشرقي فأخذت معجزاته البيانية مأخذها فشاهدنا من أمره عجبا صعد بوعظه انفاس الحاضرين سحبا وأسال من أدمعهم وابلا سكبا ثم جعل يردد في آخر مجلسه أبياتا من النسيب شوقا زهديا وطربا إلى أن غلبته الرقة فوثب من أعلى منبره والها مكتبئبا وغادر الكل متندما على نفسه منتحبا لهفان ينادي يا حسرتا واحربا والنادبون يدورون بنحيبهم دور الرحا وكل منهم بعد من سكرته ما صحا فسبحان من خلقه عبرة لأولى الألباب وجعله لتوبة عباده أقوى الأسباب لا إله سواه.\rثم نرجع إلى ذكر بغداد:\rهي كما ذكرناه جانبان: شرقي وغربي ودجلة بينهما فأما\rالجانب الغربي فقد عمه الخراب واستولى عليه وكان المعمور أولا وعمارة الجانب","footnotes":"١ مثل منتزع من البيت المشهور لربيعة الرقي:\rلشتان ما بين اليزيدين في الندى:\rيزيد سليم والأغر ابن حاتم\r٢ لعله يشير إلى أنس بن مالك مفتي المدينة وصاحب المذهب المالكي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484320,"book_id":4102,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":263,"body":"الشرقي محدثة لكنه مع استيلاء الخراب عليه يحتوي على سبع عشرة محلة كل محلة منها مدينة مستقلة وفي كل واحدة منها الحمامان والثلاثة والثماني منها بجوامع يصلى فيها الجمعة فأكبرها القرية وهي التي نزلنا فيها بربض منها يعرف بالمربعة على شط دجلة بمقربة من الجسر فحملته دجلة بمدها السيلي فعاد الناس يعبرون بالزوراق والزوارق فيها لا تحصى كثرة فالناس ليلا ونهارا من تمادى العبور فيها في نزهه متصلة رجالا ونساء والعادة أن يكون لها جسران أحدهما مما يقرب من دور الخليفة والآخر فوقه لكثرة الناس والعبور في الزوارق لا ينقطع منها.\rثم الكرخ وهي مدينة مسورة.\rثم محلة باب البصرة وهي أيضا مدينة وبها جامع المنصور ﵀ وهو جامع كبير عتيق النبيان حفيله ثم الشارع وهي أيضا مدينة فهذه الأربع أكبر المحلات.\rوبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق المارستان وهي مدينة صغيرة فيها المارستان الشهير ببغداد وهو على دجلة وتنفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس ويطالعون أحوال المرضى به ويتربون لهم أخذ ما يحتاجون إليه وبين أيديهم قومه يتناولن طبخ الأدوية والأغذية وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية والماء يدخل إليه من دجلة.\rوأسماء سائر المحلات يطول ذكرها كالوسيطة وهي بين دجلة ونهر يتفرع من الفرات وينصب في دجلة يجيء فيه جميع المرافق التي في الجهات التي يسقيها الفرات ويشق على باب البصرة الذي ذكرنا محلته نهر آخر منه وينصب أيضا في دجلة.\rومن أسماء المحلات العتابية وبها تصنع الثياب العتباية وهي حرير وقطن مختلفات الألوان.\rومنها الحربية وهي أعلاها وليس وراءها إلا القرى الخارجة عن بغداد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484321,"book_id":4102,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":264,"body":"إلى أسماء يطول ذكرها وبإحدى هذه المحلات قبر معروف الكوفي وهو رجل من الصالحين مشهور الذكر في الأولياء وفي الطريق إلى باب البصرة مشهد حفيل البنيان داخله قبر متسع السنام عليه مكتوب هذا قبر عون ومعين من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه وفي الجانب الغربي أيضا قبر موسى بن جعفر ضى الله عنهما إلى مشاهد كثيرة ممن لم تحضرنا تسميته من الأولياء والصالحين والسلف الكريم رضى الله عن جميعهم.\rوبأعلى الشرقية خارج البلد محلة كبيرة بإزاء محلة الرصافة وبالرصافة كان باب الطاق المشهو رعلى الشط وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان له قبة بيضاء سامية في الهواء فيه قبر الإمام أبي حنيفة رضى الله عنه وبه تعرف المحلة وبالقرب من تلك المحلة قبر الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه وفي تلك الجهة أيضا قبر أبي بكر الشبلي ﵀ وقبر الحسين بن منصور الحلاج وببغداد من قبور الصالحين كثير رضى الله عنهم. وبالغربية هي البساتين والحدائق ومنها تجلب الفواكه إلى الشرقية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484322,"book_id":4102,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":265,"body":"دار الخلافة\rوأما الشرقية فهي اليوم دار الخلافة وكفاها بذلك شرفا واحتفالا ودور الخليفة مع آخرها وهي تقع منها في نحو الربع أو أزيد لأن جميع العباسيين في تلك الديار معتقلين اعتقالا جميلا لا يخرجون ولا يظهرون ولهم المرتبات القائمة بهم. وللخليفة من تلك الديار جزء كبير قد اتخذ فيها المناظر المشرفة والقصور الرائقة والبساتين الأنيقة وليس له اليوم وزير إنما له خديم يعرف بنائب الوزارة يحضر الديوان المحتوى على أموال الخلافة وبين يديه الكتب فبنفذ الأمور وله قيم على جميع الديار العباسية وأمين على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484323,"book_id":4102,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":266,"body":"سائر الحرم الباقيات من عهد جده وابيه وعلى جميع من تضمه الحرمة الخلافية يعرف بالصاحب مجد الدين استذا الدار هذا لقبه ويدعى له اثر الدعاء للخليفة وهو قل ما يظهر للعامة اشتغالا بما هو بسبيله من أمور تلك الديار وحراستها والتكفل بمغالقها وتفقدها ليلا ونهارا.\rورونق هذا الملك إنما هو على التفيان والأحابش المجابيب١ منهم فتى اسمه خالص وهو قائد العسكرية كلها ابصرناه خارجا أحد الأيام وبين يديه وخلفه أمراء الأجناد من الأتراك والديلم وسواهم وحوله نحو خمسين سيفا مسلولة في أيدي رجال قد احتفوا به فشاهدنا من أمره عجبا في الدهر وله القصور والمناظر على دجلة.\rوقد يظهر الخليفة في بعض الأحيان بدجلة راكبا في زورق وقد يصيد في بعض الأوقات في البرية وظهوره على حالة اختصار تعمية لأمره على العامة فلا يزداد أمره مع تلك التعمية إلا اشتهارا وهو مع ذلك يحب الظهور للعامة ويؤثر التحبب لهم وهو ميمون النقيبة عندهم وقد استسعدوا بأيامه رخاء وعدلا وطيب عيش فالكبير والصغير منهم داع له.\rأبصرنا هذا الخليفة المذكور وهو أبو العباس أحمد الناصر لدين الله بن المستضيء بنور الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ويتصل نسبه إلى أبي الفضل جعفر المقتدر بالله إلى السلف فوقه من أجداده الخلفاء رضوان الله عليهم بالجانب الغربي أمام منظرته به وقد انحدر عها صاعدا في الزورق إلى قصره بأعلى الجانب الشرقي على الشط وهو في فتاء من سنه أشقر اللحية صغيرها كما اجتمع بها وجهه٢ حسن الشكل جميل المنظر أبيض اللون معتدل القامة رائق الرواء سنه نحو الخمس وعشرين سنة،","footnotes":"١ أراد بالمجابيب الخصيان.\r٢ أراد باجتمع بها وجهه: ملأت لحيته وجهه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484324,"book_id":4102,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":267,"body":"لابسا ثوبا أبيض شبه القباء برسوم ذهب فيه وعلى رأسه قلنسوة مذهبة مطوقة بوبر أسود من الأوبار الغالية القيمة المتخذة للباس الملوك مما هو كالفنك١ وأشرف متعمدا بذلك زي الأتراك تعميه لشإنه لكن الشمس لا تخفى وإن سترت وذلك عشية يوم السبت السادس لصفر سنة ثمانين وأبصرناه أيضا عشي يوم الأحد بعده متطلعا من منظرته المذكورة بالشط الغربي وكنا نسكن بمقربة منها.\rوالشرقية حفيلة الأسواق عظيمة الترتيب تشتمل من الخلق على بشر لا يحصيهم إلا الله تعالى الذي أحصى كل شيء عددا وبها من الجوامع ثلاثة كل يجمع فيها: جامع الخليفة متصل بداره وهو جامع كبير وفيه سقايات عظيمة ومرافق كثيرة كاملة مرافق الوضوء والطهور وجامع السلطان وهو خارج البلد ويتصل به قصور تنسب للسلطان أيضا المعروف بشاه شاه وكان مدبر أمر أجداد هذا الخليفة وكان يسكن هنالك فابتنى الجامع أمام مسكنه وجامع الرصافة وهو على الجانب الشرقي المذكور وبينه وبين جامع هذا السلطان المذكور مسافة نحو الميل وبالرصافة تربة الخلفاء العباسيين ﵏. فجميع جوامع البلد ببغداد المجمع فيها أحد عشر.","footnotes":"١ الفنك: حيوان فروته أفضل أنواع الفراء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484325,"book_id":4102,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":268,"body":"الحمامات والمساجد والمدارس\rوأما حماماتها فلا تحصى عدة ذكر لنا أحد أشياخ البلد أنها بين الشرقية والغربية نحو الألفي حمام وأكثرها مطلبة بالقار مسطحة به فيخيل للناظر إنه رخام أسود صقيل وحمامات هذه الجهات أكثرها على هذه الصفة لكثرة القار عندهم لأن شأنه عجيب يجلب من عين بين البصرة والكوفة وقد أنبط الله ماء هذه العين ليتولد منه القار فهو يصر في جوانبها كالصلصال،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484326,"book_id":4102,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":269,"body":"فيجرف ويجلب وقد انعقد فسبحان خالق ما يشاء لا إله سواه.\rوأما المساجد بالشرقية والغربية فلا يأخذها التقدير فضلا عن الإحصاء والمدارس بها نحو الثلاثين وهي كلها بالشرقية وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها وأعظمها وأشهرها النظامية وهي التي ابتناها نظام الملك وجددت سنة أربع وخمسمائة١ ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة تتصير إلى الفقهاء المدرسين بها ويجرون بها على الطلبة ما يقوم بهم ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم وفخر مخلد فرحم الله واضعها الأول ورحم من تبع ذلك السنن الصالح.","footnotes":"١ ١١١٠م.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484327,"book_id":4102,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":270,"body":"أبواب الشرقية\rوللشرقية أربعة أبواب فأولها وهو في أعلى الشط باب السلطان ثم باب الظفرية ثم يليه باب الحلبة ثم باب البصلية هذه الأبواب التي هي في السور المحيط بها من أعلى الشط إلى أسفله هو ينعطف عليها كنصف دائرة مستطيلة وداخلها في الأسواق أبواب كثيرة وبالجملة فشأن هذه البلدة أعظم من أن يوصف وأين هي مما كانت عليه هي اليوم داخلة تحت قول حبيب٢:\rلا أنت ولا الديار ديار","footnotes":"٢ يعني أبا تمام.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484328,"book_id":4102,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":271,"body":"من بغداد إلى الموصل\rواتفق رحيلنا من بغداد إلى الموصل إثر صلاة العصر من يوم الإثنين الخامس عشر لصفر وهو الثامن والعشرون لمايه فكان مقامنا بها ثلاثة عشر يوما ونحن في صحبة الخاتونين خاتون بنت مسعود المتقدمة الذكر في هذا التقييد وخاتون أم معز الدين صاحب الموصل وصحبتهما حاج الشام والموصل وأرض الأعاجم المتصلة بالدروب التي إلى طاعة الأمير مسعود والد إحدى الخاتونين المذكورتين وتوجه حاج خراسان وما يليها صحبة الخاتون الثالثة ابنة الملك الدقوس وطريقهم على الجانب الشرقي من بغداد وطريقنا نحن إلى الموصل على الجانب الغربي منها. وهاتان الخاتونان هما اميرتا هذا العسكر الذي توجهنا فيه وقائدتاه والله لا يجعلنا تحت قول القائل:\rضاع الرعيل ومن يقوده\rولهما أجناد برسمهما وزادهما الخليفة جندا يشيعونهما مخافة العرب الخفاجين المضرين بمدينة بغداد\rوفي تلك العشية التي رحلنا فيها فجئنا خاتون المسعودية المترفة شبابا وملكا وهي قد استقلت في هودج موضوع على خشبتين معترضتين بين مطيتين الواحدة إمام الأخرى وعليهما الجلال المذهبة وهما تسيران بها سير النسيم سرعة ولينا وقد فتح لها إمام الهودج وخلفه بابان وهي ظاهرة في وسطه متنقبة وعصابة ذهب على رأسها وأمامها رعيل من فتيانه اوجندها وعن يمينها جنائب المطايا والهماليج العتاق١، ووراءها ركب من جواريها قد ركبن المطايا والهماليج على السروج المذهبة وعصن رؤوسهن بالعصائب الذهبيات والنسيم يتلاعب بعذباتهمن وهن يسرن خلف سديتهن سير السحاب ولها الرايات والطبول والبوقات تضرب عند ركوبها","footnotes":"١ الجنائب، الواحدة جنيبة: ما سار إلى جانبهم من مطايا. الهماليج، الواحد هملاج: البرذون.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484329,"book_id":4102,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":272,"body":"وعند نزولها.\rوأبصرنا من نخوة الملك النسائي واحتفاله رتبة تهز الأرض هزا وتسحب أذيال الدنيا عزا. ويحف أن يخدمها العز ويكون لهاذ هذا الهز فإن مسفاة مملكة أبيها نحو الأربعة أشهر وصاحب القسطنطينية يؤدى إليه الجزية وهو من العدل في رعيته على سيرة عيجيبة ومن موالاة الجهاد على سنة مرضية.\rوأعلمنا أحد الحجاج من أهل بلدنا أن في هذا العام الذي هو عام تسعة وسبيعن الخالي عنا استفتح من بلاد الروم نحو الخمسة وشعرين بلدا ولقبه عز الدين واسم أبيه مسعود وهذا الاسم غلب عليه وهو عريق في المملكة عن جد فجد. ومن شرف خاتون هذه واسمها سلجوقة أن صلاح الدين استفتح آمد بلد زوجها نور الدين وهي من أعظم بلادالدنيا فترك البلد لها كرامة لابيها وأعطاها المفاتيح فبقى ملك زوجها بسببها وناهيك من هذا الشأن والملك ملك الحي القيوم يؤتى الملك من يشاء لا إله سواه.\rفكان مبيتنا تلك الليلة بإحدى قرى بغداد نزلناها وقد مضى هذء من الليل وبمقربة منها دجيل وهو نهر يتفرع من دجلة يسقى تلك القرى كلها وغدونا من ذلك الموضع ضحى يوم الثلاثاء السادس عشر لصفر المذكور والقرى متصلة في طريقنا فاتصل سيرنا إلى إثر صلاة الظهر ونزولنا وأقمنا باقي يومنا ليلحقنا من تاخر من الحاج ومن تجار الشام والموصل. ثم رحلنا قبيل نصف الليل وتمادى سيرنا إلى أن ارتفع النهار فنلزنا قائلين ومريحين على دجيل وأسرينا الليل كله فنزلنا مع الصباح بمقربة من فرية تعرف بالحربة من اخصب القرى وافسحها ورحلنا من ذلك الموضع وأسرينا الليل كله ونزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر الصفر على شط دجلة بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق ويقال: إنه كان متفرجا لزبيدة ابنة عم الرشيد وزوجه ﵀. وعلى قابلة هذا الموضع في الشط الشرقي مدينة سرمن رأى وهي اليوم عبرة من رأى أين معتصمها وواثقها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484330,"book_id":4102,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":273,"body":"ومتوكلها؟! مدينة كبيرة قداتسولى الخراب عليها إلا بعض جهات منها هي اليوم معمورة وقد أطنب المسعودي ﵀ في وصفها ووصف طيب هوائها ورائق حسنها وهي كما وصف وإن لم يبق إلا الأثر من محاسنها والله وارث الأرض ومن عليها لا إله غيره. فأقمنا بهذا الموضع طول يومنا مستريحين وبيننا وبين مدينة تكريت مرحلة ثم رحلنا منه وأسرينا الليل كله فصبحنا تكريت مع الفجر من يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر وهو أول يوم من يونيه١ فنزلنا ظاهرها مستريحين ذلك اليوم.","footnotes":"١ يونيه: حزيران.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484331,"book_id":4102,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":274,"body":"ذكر مدينة تكريت حرسها الله تعالى\rهي مدينة كبيرة واسعة الإرجاء فسيحة الساحة حفيلة الأسواق كثيرة المساجدغاصة بالخلق أهلها أحسن اخلاقا وقسطا في الموازين من أهل بغداد ودجلة منها في جوفيها ولها قلعة حصينة على الشط هي قصبتها المنيعة ويطيف بالبلد سور قد أثر الوهن فيه وهي من المدن العتيقة المذكورة.\rورحلنا مع عشي اليوم المذكور وأسرينا طول الليل وأصبحنا يوم السبت الموفى عشرين منه بشط دجلة فنزلنا مريحين ومن ذلك الموضع يستصحب الماء ليوم وليلة فاستصحبنا ورحلنا ذلك اليوم ضحوة فأسرينا إلى الليل ونزلنا لأخذ نفس راحة واختلاس سنة نوم فهومنا٢ هنيهة ورحلنا وأسأدنا٣ إلى الصباح. وتمادى سيرنا إلى أن رافتع النهار من يوم الأحد بعده فنلزنا قائلين بقربة على شط دجلة تعرف بالجديدة وبمقربة منها قرية كبيرة","footnotes":"٢ هومنا: نمنا قليلا.\r٣ أسأدنا: أسرعنا السير، أو سرنا الليل دون توقف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484332,"book_id":4102,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":275,"body":"اجتزنا عليها تعرف بالعقر وعلى رأسها ربوة مرتفعة كانت حصنا لها وأسفلها خان جديد بأبراج وشرف حفيل البنيان وثقه والقرى والعمائر من هذا الموضع إلى الموصل متصلة ومن هنا ينتثر انتظام الحاج في المشى فينبسط كل في طريقه متقدما ومتأخرا وبطيئا ومستعجلا آمنا مطمئنا.\rفرحلنا منها قريب العصر وتمادى سيرنا إلى المغرب ونزلنا آخذين غفوة سنة خلال ما تتعشى الإبل ورحلنا قبل نصف الليل وأدلجنا إلى الصباح.\rوفي ضحة هذا اليوم وهو يوم الإثنين الثاني والشعرين لصفر والرابع ليونيه مررنا بموضع يعرف بالقيارة بمقربة من دجلة وبالجانب الشرقي منها وعن يمين الطريق إلى الموصل فيه وهدة من الأرض سوداء كأنها سحابة قد انبط الله فيها عيونا كبارا وصغارا تنبع بالقار وربما يقذف بعضها بحباب منه كأنها الغليان ويصنع له احواض يجتمع فيها فتراه شبه الصلصال منبسطا على الأرض أسود أملس صقيلا رطبا عطر الرائحة شديد التعلك فيلصق بالاصابع لأول مباشرة من اللمس وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعولها شبه الطحلب الرقيق أسود نقذفه إلى جوانبها فيرسب قارا فشاهدنا عجبا كنا نسمع به فنستغرب سماعه.\rوبمقربة ن هذه العيون على شط دجلة عين أخرى منه كبيرة أبصرنا على البعد منها دخانا فقيل لنا: إن النار تشعل فيه إذا ارادوا نقله فتنشف النار رطوبته المائية وتعقده فيقطعونه قطرات ويحملونه وهو يعم جميع البلاد إلى الشام إلى عكه إلى جميع البلاد البحرية والله يخلق ما يشاء سبحانه تعالى جده وجلت قدرته لا رب غيره. ولا شك أن على هذه الصفة هي العين التي ذكر لنا أنها بين الكوفة والبصرة وقد ذكرنا أمرها في هذا التقييد ومن هذا الموضع إلى الموصل مرحلتان.\rوأجزنا تلك العيون القارية ونزلنا قائلين ثم رحنا وسرنا إلى العشى ونزلنا بقرية تعرف بالعقيبة ومنها تصبح الموصل إن شاء الله فأسرينا منها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484333,"book_id":4102,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":276,"body":"بعد نصف الليل ووصلنا الموصل عند ارتفاع النهار يوم الثلاثاء الثالث والعشرين لصفر والخامس من يونيه ونزلنا بربضها في أحد الخانات بمقربة من الشط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484334,"book_id":4102,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":277,"body":"ذكر مدينة الموصل حرسها الله تعالى\rهذه المدينة عتيقة ضخمة حصينة فخمة قد طالت صحبتها للزمن فأخذت أهبة استعدادها لحوادث الفتن قد كادت أبراجها تلتقى انتظاما لقرب مسافة بعضها من بعض وباطن الداخل منها بيوت بعضها على بعض مستديرة بجداره المطيف بالبلد كله كان قد تمكن فتحها فيه لغلظ بنيته وسعة وضعه وللمقاتلة في هذه البيوت حرز وقاية وهي من المرافق الحربية. وفي أعلى البلد قلعة عظيمة قد رص بناؤها رصا ينتظمها سور عتيق البنية مشيد البروج وتتصل بها دور السلطان وقد فصل بينهما وبين البلد شارع متسع يمتد من أعلى البلد إلى أسفله ودجلة شرقي البلد وهي متصلة بالسور وأبراجه في مائها.\rوللبلدة ربض كبير فيه المساجد والحمامات والخانات والأسواق واحدث فيه بعض أمراء البلدة وكان يعرف بمجاهد الدين جامعا على شط دجلة ما أرى وضع جامع أحفل منه بناء يقصر الوصف عنه وعن تزيينه وترتيبه وكل ذلك نقش في الاجر وأما مقصورته فتذكر بمقاصير الجنة ويطيف به شبابيك حديد تتصل بها مصاطب تشرف على دجلة لا مقعد أشرف منها ولا أحسن ووصفه يطول وإنما وقع الالماع بالبعض جريا إلى الاختصار وأمامه مارستان حفيف من بناء مجاهد الدين المذكور.\rوبنى أيضا داخل البلد وفي سوقه قيسارية للتجار كأنها الخان العظيم تنغلق عليها أبواب حديد وتطيف بها دكاكين وبيوت بعضها على بعض قد جلى ذلك كله في أعظم صورة من البناء المزخرف الذي لا مثيل له فما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484335,"book_id":4102,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":278,"body":"أرى في البلاد قيسارية تعدلها.\rوللمدينة جامعان أحدهما جديد والآخر من عهد بني أمية وفي صحن هذا الجامع قبة داخلها سارية رخام قائمة قد خلخل جيدها بخمسة خلاخل مفتولة فتل السوار من جرم رخامها وفي أعلاها خصة١ رخام مثمنة يخرج عليها أنبوب من الماء خروج انزعاج وشدة فيترفع في الهواء أزيد من القامة كأنه قضيب من البلور معتدل ثم ينعكس إلى أسفل القبة ويجمع في هذين الجامعين القديم والحديث ويجمع أيضا في جامع الربض.\rوفي المدينة مدارس للعلم نحو الست أو أزيد على دجلة فتلوح كأنها القصرو المشرفة ولها مارستانات حاشى الذي ذكرنا في الربض وخص الله ذه البلدة بتربة مقدسة فيها مشهد جرجيس ﷺ وقد بنى فيها مسجد وقبره في زاوية من أحد بيوت المسجد عن يمين الداخل إليه وهذا المسجد هو بين الجامع الجديد وباب الجسر يجده المار إلى الجامع من باب الجسر عن يساره فتبركنا بزيارة هذا القبر المقدس والوقوف عنده نفعنا الله بذلك.\rومما خص إله به هذه البلدة أن في الشرق منها إذا عبرت دجلة على نحو الميل تل التوبة وهو التل الذي وقف به يونس ﵇ بقومه ودعا ودعوا حتى كشف الله عنهم العذاب وبمقربة منه على قدر الميل أيضا العين المباركة المنسوبة إليه ويقال إنه أمر قومه بالتطهر فيها واضمار التوبة ثم صعدوا على التل داعين.\rوفي هذا التل بناء عظيم هو رباط يشتمل على بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقايات يضم الجميع باب واحد وفي وسط ذلك البناء بيت ينسدل عليه ستر وينغلق دونه باب كريم مرصع كله يقال إنه كان الموضع الذي وقف","footnotes":"١ خصة: حوض.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484336,"book_id":4102,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":279,"body":"فيه يونس ﷺ ومحراب هذا البيت يقال إنه كان بيته الذي كان يتعبد فيه ويطيف بهذا البيت شمع كأنه جذوع النخل عظما فيخرج الناس إلى هذا الرباط كل ليلة جمعة ويتعبدون فيه\rوحول هذا الرباط قرى كثيرة ويتصل بها خراب عظيم يقال إنه كان مدينة نيوى وهي مدينة يونس ﵇ وأثر السور المحيط بهذه المدينة ظاهر وفرج الأبواب فيه بينة وأكوام أبراجه مشرفة بتنا بهذا الرباط المبارك ليلة الجمعة السادس والعشرين لصفر ثم صبحنا العين المباركة وشربنا من مائها وتطهرنا فيها وصلينا في المسجد المتصل بها والله ينفع بالنية في ذلك بمنه وكرمه.\rوأهل هذه البلدة على طريقة حسنة يستعملون أعمال البر فلا تلقى منهم إلا ذا وجه طلق وكلمة لينة ولهم كرامة للغرباء واقبال عليهم وعندهم اعتدال في جميع معاملاتهم فكان مقامنا في هذه البلدة أربعة أيام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484337,"book_id":4102,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":280,"body":"أحفل المشاهد الدنياوية\rومن أحفل المشاهد الدنياوية المريبة بروز شاهدناه يوم الأربعاء ثاني يوم وصولنا الموصل للخاتونين أم معز الدين صاحب الموصل وبنت الأمير مسعود المتقدم ذكرها فخرج الناس عن بكرة أبيهم ركبانا ومشاة وخرج النساء كذلك وأكثرهن راكبات قداجتمع منهن عسكر جرار وخرج أمير البلد للقاء والدته مع زعماء دولته فدخل الحاج المواصلة صحبة خاتونهم على احتفال وأبهة قد جللوا اعناق ابلهم بالحرير الملون وقلدوها القلائد المزوقة. ودخلت خاتون المسعودية تقود عسكر جورايها وأمامها عسكر رجالها يطوفون بها وقد جللت قبتها كلها سبائك ذهب مصوغة اهلة ودنانير سعة الاكف وسلاسل وتماثيل بديعة الصفات فلا تكاد تبين من القبة موضعا ومطيتاها تزحفان بها زحفا وصخب ذلك الحلى يسدالمسامع ومطاياها مجللة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484338,"book_id":4102,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":281,"body":"الأعناق بالذهب ومراكب جواريها كذلك مجموع ذلك الذهب لا يحصى تقديره وكان مشهدا ابهت الأبصار وأحدث الاعتبار وكل ملك بفنى إلا ملك ألواح د القهار لا شريك له.\rوأخبرنا غير واحد من الثقات ممن يعرف حال خاتون هذه أنها موصوفة بالعبادة والخير مؤثرة لأفعال البر فمنها أنها انفقت في طريقها هذا إلى الحجاز في صدقات ونفقات في السبيل مالا عظيما وهي تحب الصالحين والصالحات وزورهم متنكرة رغبة في دعائهم وشأنها عجيب كله على شبابها وإنغماسها في نعيم الملك والله يهدي من يشاء من عباده.\rوفي عشي اليوم الرابع من المقام بهذه البلدة وهو يوم الجمعة السادس والشعرين لصفر المذكور رحلنا منها على دواب اشتريناها بالموصل تفاديا من معاملة الجمالين على أن القدر المحمود لم يسبب لنا إلا صحبة الأشبه١ منهم ومن شكرناه على طول الصحبة وتماديها من مكة شرفها الله إلى الموصل فأسرينا ليلة السبت إلى بعيد نصف الليل ثم نزلنا بقرية من قرى الموصل ورحلنا منها ضحوة يوم السبت المذكور وقلنا بقرية تعرف بعين الرصد وكان مقيلنا تحت جسر معقود على واد يتحدر فيه الماء وكان مقيلا مباركا وفي تلك القرية خان كبير جديد وفي محلات الطريق كلها خانات واتفق مبيتنا تلك الليلة بالقرية المذكورة وأسرينا منها واصبحنا يوم الأحد بقرية تعرف بالمويلحة وأسرينا منها وبتنا بقرية كبيرة تعرف بجدال لها حصن عتيق. وفي ويمنا هذا راينا عن يمين الطريق جبل الجودي المذكور في كتاب الله٢ تعالى الذي استوت عليه سفينة نوح ﵇ وهو جبل عال مستطيل ثم رحلنا في السحر الأعلى من يوم الإثنين التاسع والعشرين لصفر فكان مبيتنا بقرية من قرى نصيبين ومنها إليها مرحلة ويعرف الموضع المذكور بالكلاي.","footnotes":"١ الأشبه: الأحسن.\r٢ سورة هود، الآية ٤٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484339,"book_id":4102,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":282,"body":"شهر ربيع الأول من سنة ثمانين عرفنا الله بكرته\rاستهل هلاله ليلة الثلاثاء بموافقة الثاني عشر من يونيو ونحن بالقرية المذكورة فرحلنا منها سحر يوم الثلاثاء المذكور ووصلنا نصيبين قبل الظهر من اليوم المذكور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484340,"book_id":4102,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":283,"body":"ذكر مدينة نصيبين حرسها الله\rشهيرة العتاقة والقدم ظاهرها شباب وباطنها هرم جميلة المنظر متوسطة بين الكبر والصغر يمتد إمامها وخلفها بسيط أخضر مد البصر قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه وتطرد في نواحيه وتحف بها عن يمين وشمال بساتين ملتفة الأشجار يانعة الثمار بنساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السوار والحدائق تنتظم بحافتيه وتفيء ظلالها الوارفة عليه فرحم الله أبا نواس الحسن بن هانىء حيث يقول:\rطابت نصيبين لي يوما فطبت لها\r...\rيا ليت حظى من الدنيا نصيبين\rفخارجها رياضي الشمائل أندلسي الخمائل يرف غضارة ونضارة ويتالف عليه رونق الحضارة وداخلها شعث البادية باد عليه فلا مطمح للبصر إليه لا تجدالعين فيه فسحة مجال ولا مسحة جمال. وهذا النهر يتسرب إليها من عين معينة منبعها بجبل قريب منها تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها ويتخلل البلد منها جزء فيتفرق على شوارعها ويلح في بعض ديارها ويصل إلى جامعها المكرم منه سرب يخترق صحنه وينصب في صهريجين أحدهما وسط الصحن والآخر عند الباب الشرقي منه ويفضى إلى سقايتين حول الجامع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484341,"book_id":4102,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":284,"body":"وعلى النهر المذكور جسر معقود من صم الحجارة يتصل بباب المدينة القبلي. وفيها مدرستان ومارستان واحد وصاحبها معين الدين أخو معز الدين صاحب الموصل ابنا أتابك. ولمعين الدين أيضا مدينة سنجار وهي عن يمين الطريق إلى الموصل.\rويسكن في إحدى الزوايا الجوفية من جامعها المكرم الشيخ أبو اليقظان الأسود الجسد الأبيض الكبد أحد الأولياء الذين نور الله بصائرهم بالإيمان وجعلهم من الباقيات الصالحات في الزمان الشهير المقامات الموصوف بالكرامات نضو١ التبتل والزهادة ومن اخلقت جدته العبادة قد اكتفى بنسج يده ولا يدخر من قوت يومه لغده أسعدنا الله بلقائه وأصبحنا من بركة دعائه عشي يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول فحمدنا الله ﷿ على أن من علينا برؤيته وشرفنا بمصافحته والله ينفعنا بدعائه إنه سميع مجيب لا إله سواه.\rفكان نزولنا بها في خان خارجها وبتنا بها ليلة الأربعاء الثاني من ربيع الأول ورحلنا صبيحته في قافلة كبيرة من البغال والحمير حرانيين وحلبيين وسواهم من أهل البلاد بلاد بكر وما يليها وتركنا حاج هذه الجهات وراء ظهورنا على الجمال فتمادى سيرنا إلى أول الظهر ونحن على أهبة وحذر من أغارة الأكراد الذين هم آفة هذه الجهات من الموصل إلى نصبين إلى مدينة دنيصر يقطعون السبيل ويسعون فسادا في الأرض وسكناهم في جبال منيعة على قرب من هذه البلاد المذكورة ولم يعن الله سلاطينها على قمعهم وكف عاديتهم فهم ربما وصلوا في بعض الأحيان إلى باب نصيبين ولا دافع لهم ولا مانع إلا الله ﷿. فقلنا يوم الأربعاء المذكور وراينا ذلك اليوم عن يمين طريقنا بقرب من صفح الجبل مدينة دارى العتيقة وهي بيضاء كبيرة لها قلعة مشرفة ويليها بمقدار نصف مرحلة مدينة ماردين وهي في صفح جبل في قنته قلعة لها كبيرة هي من قلاع الدنيا الشهيرة وكلتا المدينتين معمورة.","footnotes":"١ نضو: هزيل ضامر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484342,"book_id":4102,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":285,"body":"ذكر مدينة دنيصر حرسها الله\rهي في بسيط من الأرض فسيح وحولها بساتين الرياحين والخضر تسقى بالسواقي وهي مائلة الطبع إلى البادية ولا سور لها وهي مشحونة بشرا ولها الأسواق الحفيلة والأرزاق الواسعة وهي مخطر١ لأهل بلادالشام وديار بكر وآمد وبلاد الروم التي تلي طاعة الأمير مسعود وما يليها ولها المحرث الواسع ولها مرافق كثيرة. فكان نزولنا مع القافلة ببراح ظاهرها وأصبحنا يوم الخميس الثالث لربيع الأول بها مريحين وخارجها مدرسة جديدة بقية البناء فيها ويتصل بها حمام والبساتين حولها فيه مدرسة ومانسة وصاحب هذه البلدة قطب الدين وهو أيضا صاحب مدينة داري ومدينة ماردين ورأس العين وهو قريب لابني أتابك.\rوهذه البلدة لسلاطين شتى كملوك طوائف الأندلس كلهم قدتحلى بحلية تنسب إلى الدين فلا تسمع إلا القابا هائلة وصفات لذي التحصيل غير طائلة قدتساوى فيها السوقة والملوك واشترك فيها الغني والصعلوك ليس فيهم من ارتسم بسمة به تليق أو اتصف بصفة هو بها خليق إلا صلاح الدين صاحب الشام وديار مصر والحجاز واليمن المشتهر الفضل والعدل فهذا اسم وافق مسماه ولفظ طابق معناه وما سوى ذلك في سواه فزعازع ريح وشهادات يردها التجريح ودعوى نسبة للدين برحت به أي تبريح!\rالقاب مملكة في غير موضعها\r...\rكالهر يحى انتفاخا صولة الأسد\rونرجع إلى حديث المراحل قربها الله:","footnotes":"١ أراد بالمخطر موضع الاجتماع ومركزا للبيع ةالشراء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484343,"book_id":4102,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":286,"body":"فكان مقامنا بدنيصر إلى أن صلينا الجمعة وهو اليوم الرابع لربيع \"الأول\" تلوم١ أهل القافلة بها لشهود سوقها لأن بها يوم الخيمس ويوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد بعدها سوق حفيلة يجتمع لها أهل هذه الجهات المجاورة لها والقرى المتصلة بها لأن الطريق كلها يمينا وشمالا قرى متصلة وخانات مشيدة ويسمون هذه السوق المجتمع إليها من الجهات البازار وأيام كل سوق معلومة.\rورحلنا إثر صلاة الجمعة فاجتزنا على قرية كبيرة لها حصن تعرف بتل العقاب هي للنصارى المعاهدين الذميين ذكرتنا هذه القرية بقرى الأندلس حسنا ونضارة تحقها البساتين والكروم وأنواع الأشجار وينسرب بازائها نهر ترف الظلال عليه وخطها متسع والبساتين قد انتظمته وشاهدنا بها من الخنانيص امثال الغنم كثرة وانسا بأهلها. ثم وصلنا عشي النهار إلى قرية أخرى تعرف بالجسر هي الآن لناس من المعاهدين وهم فرقة من فرق الروم فكان مبيتنا بها ليلة السبت الخامس لربيع المذكور ثم اسحرنا منها لووصلنا مدينة راس العين قبيل الظهر من يوم السبت المذكور.","footnotes":"١ تلوم: انتظر وتمهل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484344,"book_id":4102,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":287,"body":"ذكر مدينة رأس العين حرسها الله\rهذا الاسم لها من أصدق الصفات وموضعها به أشرف الموضوعات وذلك أن الله تعالى فجر أرضها عيونا وأجراها ماء معينا فتقسمت مذانب وانسابت جداول تنبسط في مروج خضر فكأنها سبائك اللجين ممدودة في بمناط الزبرجد تحف بها اشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها إلى آخر انتهائها من عمارة بطحائها. وأعظم هذه العيون عينان إحد اهما فوق الأخرى فالعليا منهما نابعة فوق الأرض في صم الحجارة كأنها في جوف غار كبير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484345,"book_id":4102,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":288,"body":"متسع يبسط الماء فيه حتى يصير كالصهريج العظيم ثم خرج ويسيل نهرا كبيرا كأكبر ما يكون من الأنهار وينتهي إلى العين الأخرى ويلتقى بمائها. وهذه العين الثانية عجب من عجائب مخلوقات الله ﷿ وذلك أنها نابعة تحت الأرض من الحجر الصلد بنحو أربع قامات أو أزيد وتيسع منعبها حتى يصير صهريجا في ذلك العمق وبعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الأرض فربما يروم السابح القوى السباحة الشديد الغوص في أعماق المياه أن يصل بغوصه إلى قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثا من منعه فلا يتناهى في غوصه إلى مقدار نصف مسافة العمق أو أقل شيئا شاهدنا ذلك عيانا. وماؤها اصفى من الزلال وأعذب من السلسبيل يشف عما حواه فلو طرح الدينار فيه في الليلة الظلماء لما أخفاه وبصاد فيها سمك جليل من أطيب ما يكون من السمك.\rوينقسم ماء هذه العين نهرين: أحدهما أخذ يمينا والآخر يسارا فالأيمن يشق خانقة١ مبنية للصوفية والعرباء بازاء العين وهي تسمى الرباط أيضا والأيسر ينسرب على جانب الخانقة وتفضى منه جداول إلى مطاهرها ومرافقها المعدة للحاجة البشرية ثم يلتقيان أسفلها مع نهر العين الأخرى العليا وقد بنيت على شط نهرهما المجتمع بيوت أرحى تتصل على شط موضوع وسط النهر كأنه سد ومن مجتمع ماء هاتين العينين منشأ نهر الخابور.\rوبمقربة من هذه الخانقة بحيث تناظرها مدرسة بازائها حمام وكلاهما قد وهى واخلق وتعطل وما أرى كان في موضوعات الدنيا مثل موضوع هذه المدرسة لأنها في جزيرة خضراء والنهر يستدير بها من ثلاثة جوانب والمدخل إليها من جانب واحد وامامها ووراءها بستان وبإزائها دولا ب يلقى الماء إلى بساتين مرتفعة عن مصب النهر. وشأن هذا الموضع كله عجيب جدا فغاية حسن القرى بشرقي الأندلس أن يكون لها مثل هذا الموضع جمالا أو تتحلى بمثل هذه العيون ولله القدرة في جميع مخلوقاته.","footnotes":"١ الخانقة: الزاوية، التكية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484346,"book_id":4102,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":289,"body":"وأما المدينة فللبداوة بها اعتناء وللحضارة عنها استغناء لا سور يحصنها ولا دور انيقة البناء تحسنها قد ضحيت١ في صحرائها كانها عوذة لبطحائها وهي مع ذلك كاملة مرافق المدن ولها جامعان حديث وقديم فالقديم بموضع هذه العيون وتتفجر امامه عين معينة هي بدون اللتين ذكرناهما وهو من بنيان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه لكنه قد اثر القدم فيه حتى أذن بتداعيه والجامع الآخر داخل البلد وفيه يجمع أهله فكان مقامنا بها ذلك اليوم نزهة لم نختلس في سفرنا كله مثلها.\rفلما كان عند المغيب من يوم السبت الخامس لربيع المذكور وهو السادس عشر ليونيه رحلنا منها رغبة في الاساد وبرد الليل وتفاديا من حر هجيرة التأويب لأن منها إلى حران مسيرة يومين لا عمارة فيها فتمادى سيرنا إلى الصباح ثم نزلنا في الصحراء على ماء جب وأرحنا قليلا ثم رفعنا ضحوة النهار من يوم الأحد وسرنا ونزلنا قريب العصر على ماء بئر بموضع فيه برج مشيد وآثار قديمة يعرف ببرج حواء فبتنا به ثم رفعنا منه بعد تهويم ساعة وأسرينا إلى الصباح فوصلنا مدينة حران مع طلوع الشمس من يوم الإثنين السابع لربيع المذكور والثامن عشر ليونيه والحمد لله على تيسيره.","footnotes":"١ ضحيت: برزت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484347,"book_id":4102,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":290,"body":"ذكر مدينة حران كلاها الله\rبلد لا حسن لديه ولا ظل يتوسط برديه٢ قد اشتق من اسمه هواؤه فلا يألف البرد ماؤه ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه لا تجد فيه مقيلا ولا تتنفس منه إلا نفسا ثقيلا قد نبذ بالعراء ووضع","footnotes":"٢ لعله أراد ببرديه: الصبح والعشي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484348,"book_id":4102,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":291,"body":"في وسط الصحراء فعدم رونق الحضارة وتعرت اعطافه من ملابس النضارة.\rأستغفر الله كفى بهذا البلد شرفا وفضلا أنها البلدة العتيقة المنسوبة لابينا إبراهيم ﷺ وله بقبليها نحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك فيه عين جارية كأن مأوى له ولسارة صلوات الله عليهما ومتبعدا لهما ببركة هذه النسبة قد جعل الله هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين ومثابة للسائحين المتبتلين. لقينا من أفرادهم الشيخ أبا البركات حيان ابن عبد العزيز حذاء مسجده المنسوب إليه وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة أبيه فما ظلم وتعرفت منه شنشنة اعرفها من اخزم فوصلنا إلى الشيخ وهو قدن نيف على الثمانين فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور فملنا إليه ولقيناه ودعا لنا ثم ودعناهما وانصرفنا مسرورين بلقاء رجلين من رجال الآخرة.\rولقينا أيضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة فلقينا رجلا من الزهاد الافراد فدعا لنا وسالنا وودعناه وانصرفنا وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الراس لا يغطى رأسه تواضعا لله ﷿ حتى عرف بذلك ووصلنا إلى منزله فأعلمنا إنه خرج للبرية سائحا.\rوبهذه البلدة كثيرمن أهل الخير وأهلها هينون معتدلون محبون للغرباء مؤثرون للفقراء. وأهل هذه البلاد من الموصل لديار بكر وديار ربيعة إلى الشام على هذه السبيل من حب الغرباء وإركام الفقراء وأهل قراها كذلك فما يحتاج الفقراء الصعاليك معهم زادا لهم في ذلك مقاصد في الكرم مأثورة وشان أهل هذه الجهات في هذا السبيل عجيب والله ينفعهم بما هم عليه وأما عبادهم وزهادهم والسائحون في الجبال منهم فأكثر من أن يقيدهم الإحصاء والله ينفع المسلمين ببركاتهم وصوالح دعواتهم بمنه وكرمه.\rولهذه البلدة المذكورة أسواق حفيلة الانتظام عجيبة الترتيب مسقفة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484349,"book_id":4102,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":292,"body":"كلها بالخشب فلا يزال أهلها في ظل ممدود فتخترقها كأنك تخترق دارا كبيرة الشوارع قد بنى عند كل ملتقى أربع سكك أسواق منها قبة عظيمة مرفوعة مصنوعة من الجص هي كالمفرق لتلك السكك. ويتصل بهذه الأسواق جامعا المكرم وهو عتيق مجدد قد جاء على غاية الحسن وله صحن كبير فيه ثلاث قباب مرتفعة على سواري رخام وتحت كل قبة بئر عذبة وفي الصحن أيضا قبة رابعة عظيمة قد قامت على عشر سوار من الرخام دور كل سارية تسعة أشبار وفي سوط القبة عمود من الرخام عظيم الجرم دوره خمسة عشر شبرا.\rوهذه القبة من بنيان الروم وأعلاها مجوف كأنه البرج المشيد يقال: إنه كان مخزنا لعدتهم الحربية والله أعلم. والجامع المكرم سقف بجوائز الخشب١ والحنايا وخشبه عظام طوال لسعة البلاط وسعته خمس عشرة خطوة وهو خمسة ابلطة وما رأينا جامعا اوسع حنايا منه وجداره المتصل بالصحن الذي عليه المدخل إليه مفتح كله أبوابا عددها سعة عشر بابا تسعة يمينا وتسعة شمالا والتاسع عشر منها باب عظيم وسط هذه الأبواب يمسك قوسه من أعلى الجدار إلى أسفله بهى المنظر جميل الوضع كأنه باب من أبواب المدن الكبار ولهذه الأبواب كلها أغلاق من الخشب البديع الصنعة والنقش تنطبق عليها على شبه أبواب مجلاس القصور فشاهدنا من حسن بناء هذا الجامع وحسن ترتيب اسواقه المتصلة به مرآى عجيبا قل ما يوجد في المدن مثل انتظامه.\rولهذه البلدة مدرسة ومارستانا وهي بلدة كبيرة وسورها متين حصين مبنى بالحجارة النمحوتة المرصوص بعضها على بعض في نهاية من القوة وكذلك بنيان الجامع المكرم ولها قلعة حصينة مما يلي الجهة الشرقية منها منقطعة عنها بفضاء واسع بينهما ومنقطعة أيضا عن سورها بحفير عظيم يستدير بها","footnotes":"١ جوائز الخشب: الأخشاب المعترضة بين حائطين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484350,"book_id":4102,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":293,"body":"قد شيدت حافاته بالحجارة المركومة فجاء في نهاي الوثاقة والقوة وسور القلعة وثيق الحصانة. ولهذه البلدة نهير مجراه بالجهة الشرقية أيضا منها بين سورها وجبانتها ومصبة من عين هي على بعد من البلد.\rوالبلد كثير الخلق واسع الرزق ظاهر البركة كثير المساجد جم المرافق على أحفل ما يكون من المدن وصاحبه مظفر الدين بن زين الدين وطاعته إلى صلاح الدين. وهذه البلاد كلها من الموصل إلى نصيبين إلى الفرات المعروفة بديار ربيعة وحدها من نصيبين إلى الفرات مع ما يلي الجنوب من الطريق وديار بكر التي تليها في الجانب الجوفي كآمد وميافارقين ووغيرها مما يطول ذكره ليس في ملوكها من يناهض صلاح الدين فهم إلى طاعته وإن كانوا مستبدين وفضله يبقى عليهم ولو شاء نزع الملك منهم لفعله بمشيئة الله.\rفكان نزولنا ظاهر البلد بشرقية على نيهره المذكور واقمنا مريحين يوم الإثنين ويوم الثلاثاء بعده واثر الظهر منه كان اجتماعنا بسلمة المكشوف الرأس الذي فاتنا لقاؤه يوم الإثنين فلقيناه بسمجده فراينا رجلا عليه سيما الصالحين وسمت المحبين مع طلاقة وبشر وكرم لقاء وبر فآنسنا ودعا لنا وودعناه وانصرفنا حامدين لله ﷿ على ما من به علينا من لقاء اوليائه الصالحين وعباده المقربين.\rوفي ليلة الأربعاء التاسع لربيع المذكور كان رحيلنا بعدتهويم ساعة فأسرنا إلى الصباح ونزلنا مريحين بموضع يعرف بتل عبدة وهو موضع عمارة وهذا التل مشرف متسع كأنه المائدة المنصوبة وفيه اثر بناء قديم وبهذا الموضع ماء جار. وكان رحيلنا منه عند المغرب وأسرينا الليل كله واجتزنا على قرية تعرف بالبيضاء فيها خان كبير جديد وهو نصف الطريق من حران إلى الفرات ويقابلها على اليمين من الطريق في استقبالك الفرات إلى الشام مدينة سروج التي شهر ذكرها الحريري بنسبة أبي زيد١ إليها وفيها البساتين والمياه المطردة","footnotes":"١ هو الرجل الخيالي الذي اتخذه الحريري بطلا لمقاماته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484351,"book_id":4102,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":294,"body":"حسبما وصفها به في مقاماته.\rفكان وصولنا إلى الفرات ضحوة النهار وعبرنا في الزواريق المقلة المعدة للعبور إلى قلعة جديدة على الشط تعرف بقلعة نجم وحولها ديار بادية وفيها سويقة يوجد فيها المهم من علف وخبز فأقمنا بها يوم الخميس العاشر لربيع الأول المذكور مريحين خلال ما تكمل القافلة بالعبور وإذا عبرت الفرات حصلت في حد الشام وسرت في طاعة صلاح الدين إلى دمشق.\rوالفرات حد بين ديار الشام وديار ربيعة وبكر وعن يسار الطريق في استقابلك الفرات إلى الشام مدينة الرفة وهي على الفرات وتليها رحبة مالك بن طوق وتعرف برحبة الشام وهي من المدن الشهيرة ثم رحلنا منها عند مضي ثلث الليل الأول وأسرينا ووصلنا مدينة منبج مع الصباح من يوم الجمعة الحادي عشر لربيع المذكور والثاني والشعرين ليونيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484352,"book_id":4102,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":295,"body":"ذكر مدينة منبج حرسها الله\rبلدة فسيحة الإرجاء صحيحة الهواء يحف بها سور عتيق ممتد الغاية والانتهاء جوها صقيل ومجتلاها جميل ونسيمها أرج النشر عليل نهارها يندى ظله وليلها كما قيل فيه: سحر كله تحف بغربيها وبشرقيها بساتين ملتفة الأشجار مختلفة الثمار ولماء يطرد فيه ويتخلل جميع نواحيها، وخصص الله داخلها بآبار معينة شهدية العذوبة سلسبيلية المذاق تكون في كل دار منها البئر والبئران. وأرضها أرض كريمة تستنبط مياها كلها وأسواقها وسككها فسيحة متسعة ودكاكينها وحوانيتها كانها الخانات والمخازن اتساعا وكبيرا وأعالي أسواقها مسقفة.\rوعلى هذالترتيب أسواق أكثر مدن هذه الجهات لكن هذه البلدة تعاقبت عليهالاحقاب حتى أخذ منها الخراب كانت من مدن الروم العتيقة ولهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484353,"book_id":4102,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":296,"body":"فيها من البناء آثار تدل على عظم اعتنائهم بها ولها قلعة حصينة في جوفيها تنقطع عنها وتنحاز منها ومدن هذه الجهات كلها لا تخلو من القلاع السلطانية. وأهلها أهل فضل وخير سنيون شافعيون وهي مطهرة بهم من أهل المذاهب المنحرفة والعقائد الفاسدة كما تجده في الأكثر من هذه البلاد فمعاملاتهم صحيحة وأحوالهم مستقيمة وجادتهم الواضحة في دينهم من اعتراض بنيات الطريق١ سليمة.\rفكان نزولنا خارجها في أحد بساتينها وأقمنا يوما مريحين ثم رحلنا نصف الليل ووصلنا بزاعة ضحوة يوم السبت الثاني عشر لربيع المذكور.","footnotes":"١ بنيات الطريق: الطرق الصغيرة استعارها هنا للفرق المبدعة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484354,"book_id":4102,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":297,"body":"ذكر بلدة بزاعة كلاها الله ﷿\rبقعة طيبة الثرى واسعة الذرى٢ تصغر عن المدن وتكبر عن القرى بها سوق تجمع بين المرافق السفرية والمتاجر لحضرية وفي أعلاها قلعة كبيرة حصينة رامها أحد ملوك الزمن فغاظته باستصعابها فامر بثلم بنائها حتى غاردها عورة منبوذة بعرائها ولهذه البلدة عين معينة يخترق ماؤها بسيط بطحاء ترف بساتينها خضرة ونضارة وتريك برونقها الأنيق حسن الحضارة.\rويناظرها في جانب البطحاء قرية كبيرة تعرف بالباب هي باب بين بزاعة وحلب وكان يعمرها منذ ثماني سنين قوم من الملاحدة الاسماعيلية لا يحصى عددهم إلا الله فطار شرارهم وقطع هذه السبيل فسادهم واضرارهم حتى داخلت أهل هذه البلاد العصبية وحركتهم الأنفة والحمية فتجمعوا من كل أوب عليهم ووضعوا السيوف فيهم فاستأصلوهم عن","footnotes":"٢ الذرى: الجانب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484355,"book_id":4102,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":298,"body":"آخرهم وعجلوا بقطع دابرهم وكومت بهذه البطحاء جماجمهم وكفى الله المسلمين عاديتهم وشرهم وأحاق بهم مكرهم والحمد لله رب العالمين.\rوسكانها اليوم قوم سنيون فأقمنا بها يوم السبت ببطحاء هذه البلدة مريحين ورحلنا منها في الليل وأسرينا إلى الصباح ووصلنا مدينة حلب ضحوة يوم الأحد الثالث عشر لربيع الأول والرابع والشعرين ليونيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484356,"book_id":4102,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":299,"body":"ذكر مدينة حلب حرسها الله تعالى\rبلدة قدرها خيطر وذكرها في كل زمان يطير خطابها من الملوك كثير ومحلها من التقديس أثير١ فكم هاجت من كفاح وسلت عليها من بيض الصفاح لها قلعة شهيرة الامتناع بائنة الارتفاع معدومة الشبه والنظير في القلاع تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع قاعدة كبيرة ومائدة من الأرض مستديرة منحوتة الإرجاء موضوعة على نسبة اعتدال واستواء فسبحان من أحكم تقيدرها وتدبيرها وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها عتيقة ف الأزل حديثة وإن لم تزل قد طاولت الأيام والأعوام وشيعت الخواص والعوام، هذه منازلها وديارها فأين سكانها قديما وعمارها؟ وتلك دار مملكتها وفناؤها فأين أمرؤها الحمدانيون وشعراؤها؟ أجل فني جميعهم ولم يأن٢ بعد فناؤها فيا عجبا للبلاد تبقى وتذهب أملاكها ويهلكون ولا يقضى هلاكها تخطب بعدهم فلا يتعذر ملاكها٣ وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها\rهذه حلب كم أدخلت من ملوكها في خبر كان ونسخت ظرف الزمان بالمكان أنث اسمها فتحلت","footnotes":"١ الأثير: المفضل، المكرم.\r٢ يأني: يحين.\r٣ ملاكها: الزواج منها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484357,"book_id":4102,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":300,"body":"بزينة الغوان ودانت بالغدر فيمن خان وتجلت عروسا بعد سيف دولتها ابن حمدان هيهات هيهات سيهرم شبابها ويعدم خطابها ويسرع فيها بعد حين خرابها وتتطرق جنبات الحوادث إليها حتى يرث الله الأرض ومن عليها لا إله سواه سبحانه جلت قدرته.\rوقد خرج بنا الكلام عن مقصده فلنعد إلى ما كنا بصدده فنقول أن من شرف هذه القلعة إنه يذكر أنها كانت قديما في الزمان الأول ربوة يأوى إليها إبراهيم الخيل عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم بغنيمات له فيحلبها هناك ويتصدق بلبنها فلذلك سميت حلب والله أعلم وبها مشهدكريم له يقصده الناس ويتبركون بالصلاة فيه.\rومن كمال خلالها المشترطة في حصانة القلاع أن الماء بها نابع وقد صنع عليه جبان فيهما بنعان ماء فلا تخاف الظماء ابد الدهر والطعام يصبر فيها الدهر كله وليس في شروط الحصانة أهم ولا اكد من هاتين الخلتين ويطيفه بهذين الجبين المذكورين سوران حصينان من الجانب الذي ينظر للبلد ويعترض دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه والماء ينبع فيه. وشأن هذه القلعة في الصحانة والحسن أعظم من أن ننتهي إلى وصفه وسورها الأعلى كله ابراج منتظمة فيها العلالي المنيفة والقصاب١ المشرفة قد تفتحت كلها طيقانا وكل برج منها مسكون وداخلها المساكن السلطانية والمنازل الرفيعة الملوكية.\rوأما البلد فموضوعه ضخم جدا حفيل التركيب بديع الحسن واسع الأسواق كبيرها متصلة الانتظام مستطيلة تخرج من سماط٢ صنعة إلى سماط صنعة أخرى إلى أن تفرغ من جميع الصناعات المدنية وكلها مسقف بالخشب،","footnotes":"١ لم نجد معنى القصاب يوافق الكلام ولكن قوله فيما بعد: \"تفتحت طيقانا\" يدل على أنه أراد بها غرفا.\r٢ السماط: الصف. وشيء يبسط ليوضع عليه الطعام. وجانب الطريق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484358,"book_id":4102,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":301,"body":"فسكانها في ظلال وارفة فكل سوق منها تقيدالأبصار حسنا وستوقف المستوفز١ تعجبا.\rوأما قيساريتها فحديقة بستان نظافة وجمالا مطيفة بالجامع المكرم لا يتشوق الجالس فيها مرأى سواها ولو كان من المرائي الرياضية وأكثر حوانيتها خزائن من الخشب البديع الصنعة قد اتصل السماط خزانة واحدة وتخللتها شرف خشيبية بديعة النقش وتفتحت كلها حوانيت فجاء منظرها أجمل منظر وكل سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع المكرم.\rوهذا الجامع من أحسن الجوامع وأجملها قد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح كله أبوابا قصرية الحسن إلى الصحن عددها ينيف على الخمسين بابا فيستوقف الأبصار حسن منظرها وفي صحته بئران معينتان والبلاط القبلي لا مقصروة فيه فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح. وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره فما أرى في بلد من البلاد منبرا على شكله وغرابة صنعته واتصلت النصعة الخشبية منه إلى المحراب فتحللت صفحاته كلها حسنا على تلك الصفة الغريبة وارتفع كالتاج العظيم على المحراب وعلا حتى اتصل بسمك٢ السقف وقد قوس أعلاه وشرف بالشرف الخشبية القرنصية وهو مرصع كله بالعاج والآبنوس واتصال الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة دون أن يتبين بينهما انفصال فتجتلى العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا، وحسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف.\rويتصل به من الجانب الغربي مدرسة للحنفية تناسب الجامع حسنا واتقان صنعة فهما في الحسن روضة تجاور أخرى وهذه المدرسة من أحفل ما شاهدناه من المدارس بناء وغربة صنعة ومن أظرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي","footnotes":"١ المستوفز: المتهيء للوثوب.\r٢ السمك: الارتفاع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484359,"book_id":4102,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":302,"body":"مفتح كله بيوتا وغرفا لها طيقان يتصل بعضها ببعض وقدامتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنبا فحصل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا إمامها فيمد الساكن فيها يده ويجتنيه متكئا دون كلفة ولا مشقة. وللبلدة سوى هذه المدرسة نحو أربع مدارس أو خمس ولها مارستان.\rوأمرها في الاحتفال عظيم فهي بلدة تليق بالخلافة وحسنها كله داخل لا خارج لها إلا نهير يجري من جوفيها إلى قبيلها ويشق ربضها المستدير بها فإن لها ربضا كبيرا فيه من الخانات ما لايحصى عدده وبهذا النهر الأرحاء وهي متصلة بالبلد وقائمة وسط ربضه وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله. وكيفما كان الأمر فيه داخلا وخارجا فهو من بلاد الدنيا التي لا نظير لها والوصف فيه يطول.\rفكان نزولنا بربضه في خان يعرف بخان أبي الشكر فأقمنا به أربعة أيام ورحلنا ضحوة يوم الخيمس السابع عشر لربيع المذكور والثامن والشعرين ليونيه ووصلنا قنسرين قبيل العصر فأرحنا بها قليلا ثم انتقلنا إلى قرية تعرف بتل تاجر فكا نمبيتنا بها ليلة الجمعة الثامن عشر منه.\rوقنسرين هذه هي البلدة الشهيرة في الزمان لكنها خربت وعادت كأن لم تغن بالأمس فلم يبق إلا آثارها الدارسة ورسومها الطامسة ولكن قراها عامرة منتظمة لأنها على محرث عظيم مد البصر عرضا وطولا وتشبهها من البلاد الأندلسية جيان ولذلك يذكر أن أهل قنسرين عند استفتاح الأندلس نزلوا جيان تأنسا بشبه الوطن وتعللا به مثل ما فعل في أكثر بلادها حسب ما هو معروف.\rثم رحلنا من ذلك الموضع عند الثلث الماضي من الليل فأسرينا وسرنا إلى ضحوة من النهار ثم نزلنا مريحين بموضع يعرف بباقدين في خان كبير يعرف بخان التركمان وثيق الصحانة وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة وأبوابها حديد وهي من الوثاقة في غاية. ثم رحلنا من هذا الموضع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484360,"book_id":4102,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":303,"body":"وبتنا بموضع يعرف بتمنى في خان وثيق على الصفة المذكورة.\rثم اسحرنا منه يوم السبت التاسع عشر لربيع الأول المذكور وهو آخر يوم من يونيه وراينا عن يمين طريقنا بمقدار فرسخين يوم الجمعة المذكور بلاد المعرة وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه ويتصل التفاف بساتيها وانتظام قراها مسيرة يومين وهي من اخصب بلادالله وأكثرها أرزاقا. ووراءها جبل لبنان وهو سامي الارتفاع ممتد الطول يتصل من البحر إلى البحر وفي صفحته حصون للملاحدة الاسماعيلية فرقة مرقت من الإسلام وادعت الإلهية في أحد الانام قيض لهم شيطان من الأندلس يعرف بسنان١ خدعهم بأباطيل وخيالات موه عليهم باستعمالها وسحرهم بمحالها فاتخذوه الها يعبدونه ويبذلون الأنفس دونه وحصلو من طاعته وامتثال أمره بحيث يأمر أحد هم بالتردي من شاهقة جبل فيتردى ويستعجل في مرضاته الردى والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بقدرته نعوذ به سبحانه من الفتنة في الدين ونساله العصمة من ضلال الملحدين لا رب غيره ولا معبود سواه.\rوجبل لبنان المذكور هو حد بين بلادالمسلمين والإفرنج لأن وراءه انطاكية واللاذقية وسواهما من بلادهم اعادها للمسلمين وفي صفح الجبل المذكور حصن يعرف بحصن الأكراد هو للافرنج ويغيرون منه على حماة وحمص وهو بمرأى العين منهما فكان وصولنا إلى مدينة حماة في اضحى الأعلى من يوم السبت المذكور فنزلنا بربضها في أحد خاناته.","footnotes":"١ أبو الحسن سنان بن سليمان البصري صاحب الدعوة الإسماعلية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484361,"book_id":4102,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":304,"body":"ذكر مدينة حماة حماها الله تعالى\rمدينة شهيرة في البلدان قديمة الصحبة للزمان غير فسيحة الفناء ولا رائقة البناء أقطارها مضمومة وديارها مركومة لا يهش البصر إليها عند الأطلال عليها كأنها تكن بهجتها وتخفيها فتجد حسنها كامنا فيها حتى إذا جست خلالها ونقرت١ ظلالها أبصرت بشرقيها نهرا كبيرا تتسع في تدفقه أساليبه وتتناظر بشطيه دواليبه قد انتظمت طرتيه، بساتين تتهدل أغصانها عليه وتلوح خصرتها عذارا بصفحيته ينسرب في ظلالها وينساب على سمت اعتدالها، وبأحد شطيه المتصل بربضها مظاهر منتظمة بيوتا عدة يخترق الماء من أحد دواليبه جميع نواحيها فلا يجد المغتسل أثر أذى فيها وعلى شطه الثاني المتصل بالمدينة السفلى جامع صغير قد فتح جداره الشرقي عليه طيقانا تجتلى منها منظرا ترتاح النفس إليه وتتقيد الأبصار لديه وبإزاء ممر النهر بجوفي المدينة قلعة حلبية الوضع وإن كانت دونها في الحصانة والمنع سرب لها من هذا النهر ماء ينبع فيها فهي لا تخاف الصدى٢ ولا تتهيب مرام العدا.\rوموضوع هذه المدينة في وهدة من الأرض عريضة مستطيلة كأنها خندق عميق يرتفع لها جانبان أحدهما كالجبل المطل والمدينا العليا متصلة بصفح ذلك الجانب الجبلي والقلعة في الجانب الآخر في ربوة منقطعة كبير مستديرة قدتولى نحتها الزمان وحصل لها بحصانتها من كل عدو الامان والمدينة السفلى تحت القلعة متصلة بالجانب الذي يصب النهر عليه وكلتا المدينتين صغيرتان وسور المدينة العليا يمتد على رأس جانبها العلى الجبلي ويطيف بها.","footnotes":"١ نقرت: بحثت.\r٢ الصدى: العطش.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484362,"book_id":4102,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":305,"body":"وللمدينة السفلى سور يحدق بها من ثلاثة جوانب لأن جانبها المتصل بالنهر لا يحتاج إلى سور. وعلى النهر جسر كبير معقود بصم الحجارة يتصل من المدينة السفلى إلى ربضها وربضها كبير فيه الخانات والديار وله حوانيت يستعجل فيها السافر حاجته إلى أن يفرغ لدخول المدينة وأسواق المدينة العليا أحفل وأجمل من أسواق المدينة السفلى وهي الجامعة لجميع الصناعات والتجارات وموضوعها حسن التنظيم بديع الترتيب والتقسيم ولها جامع أكبر من الجامع الأسفل ولها ثلاث مدارس ومارستان على شط النهر بإزاء الجامع الصغير.\rوبخارج هذه البلدة بسيط فسيح عريض قد انتظم أكثره شجرات الاعناب وفيه المزارع والمحارث وفي منظره نشراح اللنفس وانفساح والبساتين متصلة على شطى النهر وهو يسمى العاصي لأن ظاهره انحداره من سفل إلى علو ومجراه من الجنوب إلى الشمال وهو يجتاز على قبلي حمص وبمقربة منها.\rفكان مقامنا بحماة إلى عشي يوم السبت المذكور ثم رحلنا منها وأسرينا الليل كله وأجزنا في نصفه هذا النهر العاصي المذكور على جسر كبير معقود من الحجارة وعليه مدينة رستن التي خربها عمر بن الخطاب رضى الله عنه وآثارها عظيمة ويذكر الروم القسطنطينيون أن بها أموالا جمة مكنوزة والله أعلم بذلك فوصلنا إلى مدينة حمص مع شروق الشمس من يوم الأحد الموفى عشرين لربيع الأول وهو أول يوليه١ فنزلنا بظاهرها بخان السبيل.","footnotes":"١ يوليو: تموز.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484363,"book_id":4102,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":306,"body":"ذكر مدينة حمص حرسها الله تعالى\rهي فسيحة الاسحة مستطيلة المساحة نزهة لعين مبصرها من النظافة والملاحة موضوعة في بسيط من الأرض عريض مداه لا يخترقه النسيم بمسراه يكادالبصر يقف دون منتهاه أفيح أغبر لا ماء ولا شجر ولا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484364,"book_id":4102,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":307,"body":"ظل ولا ثمر فهي تشتكي ظماءها وتسقى على البعد ماءها فيجلب لها من نهيرها العاصي وهي منها بنحو مسافة الميل وعليه طرة بساتين تجتلى العين خضرتها وستغرب نضرتها ومنبعه في مغارة بصفح جبل فوقها بمرحلة بموضع يقابل بعلبك اعادها الله وهي عن يمين الطريق إلى دمشق.\rوأهل هذه البلدة موصوفون بالنجدة والتمرس بالعدو لمجاورتهم إياه وبعدهم في ذلك أهل حلب فأحمد خلال هذه البلدة هواؤها الرطب ونسيمها الميمون تخفيفه وتجسيمه فكأن الهواء النجدي في الصحة شقيقه وقسيمه.\rوبقبلي هذه المدينة قلعة حصينة منيعة عاصية غير مطيعة قدتميزت وانحازت بموضوعها عنها وبشرقيها جبانة فيها قبر خالد بن الوليد رضى الله عنه هو سيف الله المسلول ومعه قبر ابنه عبد الرحمن وقبر عبيد الله بنعمر رضى الله عنهم. وأسوار هذه المدينة في غاية العتاقة والوثاقة مرصوص بناؤها بالحجارة الصم السود وأبوابها أبواب حديد سامية الأشراف هائلة المنظر رائعة الأطلال والأنافة تكتنفها الابراج المشيدة الحصينة وأما داخلها فما شئت من بادية شعثاء١ خلقة الأرجاء ملفقة البناء لا إشراق لآفاقها ولا رونق لأسواقها كاسدة لاعهد لها بنفاقها. وما ظنك ببلد حصن الأكراد منه على اميال يسيرة وهو معقل العدو فهو منه تتراءى ناره ويحرق إذا يطير شراره ويتعهد إذا شاء كل يوم مغاره.\rوسألنا أحد الأشياخ بهذه البلدة: هل فيها مارستان على رسم مدن هذه الجهات؟ فقال: وقد أنكر ذلك حمص كلها مارستان وكفاك تبيينا شهادة أهلها فيها وبها مدرسة واحدة، وتجد في هذه البلدة عند إطلالك عليها من بعد في بسيطها ومنظرها وهيئة موضوعها بعض شبه بمدينة إشبيلية من بلاد الأندلس يقع للحين في نفسك خياله وبهذا الاسم سميت في القديم وهي العلة التي","footnotes":"١ شعثاء: مغبرة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484365,"book_id":4102,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":308,"body":"أوجبت نزول الأعراب أهل حمص فيها حسبما يذكر وهذا التشبيه وإن لم يكن بذاته فله لمحة من إحدى جهاته.\rوأقمنا بها يوم الأحد المذكور ويوم الإثنين بعده وهو الثاني ليوليه إلى أول الظهر ورحلنا منها وتمادى سيرنا إلى العشى ونزلنا بقرية خربة ترعف بالمعشر فعشبنا بها الدواب ثم رحلنا عند المغرب وأسرينا طول ليلتنا وتمادى سيرنا إلى الضحى الأعلى من يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور ونزلنا بقرية كبيرة للنصارى المعاهدين تعرف بالقارة ليس فيها من المسلمين أحد وبها خان كبير كأنه الحصن المشيد في وطسه صهريج كبير مملوء ماء يتسرب له تحت الأرض من عين على البعد فهو لا يزال ملآن\rفأرحنا بالخان المذكور إلى الظهر ثم رحلنا منه إلى قرية تعرف بالنبك بها ماء جار ومحرث متسع فنزلنا بها للتعشبية ثم رحلنا منها بعداختلاس تهويمة١ خفيفة.\rوأسرينا الليل كله فوصلنا إلى خان السلطان مع الصباح وهو خان بناه صلاح الدين صاحب الشام وهو في نهاية الوثاقة والحسن بباب حديد على سبيلهم في بناء خانات هذه الطرق كلها واحتفالهم في تشييدها وفي هذا الخان ماء جار يتسرب إلى سقاية في وسط الخان كانها صهريج ولها منافس ينصب منها الماء في سقاية صغيرة مستديرة حول الصهيريج ثم يغوص في سرب في الأرض.\rوالطريق من حمص إلى دمشق قليل العمارة إلا في ثلاثة مواضع أو أربعة منها هذه الخانات المذكورة فأقمنا يوم الأربعاء الثالث والعشرين لربيع المذكور بالخان المذكور مريحين ومستدركين النوم إلى أول الظهر ثم رحلنا وجزنا بثنية العقاب ومنها يشرف على بسيط دمشق وغوطتها وعند هذه الثنية مفرق طريقين: إحد اهما التي جئنا منها ولا ثانية آخذة شرقا في البرية على السماوة إلى العراق وهي طريق قصد لكنها لا تدخل إلا في الشتاء. فانحدرنا","footnotes":"١ التهويمة: النوم القليل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484366,"book_id":4102,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":309,"body":"منها بين جبال في بطن واد إلى البسيط ونزلنا منه بموضع يعرف بالقصير فيه خان كبر والنهر جار امامه ثم رحلنا منه مع الصبح وسرنا في بساتين متصلة لا يوصف حسنها ووصلنا دمشق في الضحى الأعلى من يوم الخميس الرابع والعشرين لربيع الأول والخامس ليوليه والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484367,"book_id":4102,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":310,"body":"شهر ربيع الآخر\rاستهل هلاله يوم الأربعاء بموافقة الحادي عشر ليوليه ونحن بدمشق نازلين فيها بدار الحديث غربي جامعها المكرم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484368,"book_id":4102,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":311,"body":"ذكر مدينة دمشق حرسها الله تعالى\rجنة المشرق ومطلع حسنه المؤنق المشرق وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها وعروس المدن المتي اجتليناها قدتحلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين وحلت من موضوع الحسن بالمكان المكين وتزينت في منصتها أجمل تزيين وتشرفت بان آوى الله تعالى السميح وأمه صلى الله عليهما منها إلى ربوة ذات قرار ومعين، ظل ظليل وماء سلسبيل تنساب مذانبه انسياب الأراقم١ بكل سبيل ورياض يحيى النفوس نسيمها العليل تتبرج٢ لناظريها بمجتلى صقيل وتناديهم: هلموا إلى معرس للحسن ومقيل قد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتقات إلى الظماء فتكاد تناديك بها الصم الصلاب: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب؛ قد احدقت البساتين بها أحداق الهالة بالقمر واكتنفتها","footnotes":"١ الأراقم: الحيات، الواحد أرقم.\r٢ تتبرج: تتزين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484369,"book_id":4102,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":312,"body":"اكتناف الكمامة للزهر وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر فكل موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيدالنظر ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها١ وتحاذيها.","footnotes":"١ تسامتها: تقابلها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484370,"book_id":4102,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":313,"body":"ذكر جامعها المكرم عمره الله تعالى\rهو من أشهر جوامع الإسلام حسنا واتقان بناء وغرابة صنعة واحتفال تنميق وتزيين وشهرته المتعارفة في ذلك تغنى عن استغراق الوصف فيه ومن ععجيب شأنه إنه لا تنسج به العنكبوت ولا تدخله ولا تلم به الطير المعروفة بالخطاف. انتدب لبنائه الوليد بن عبد الملك ﵀ ووجه إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بأشخاص اثنى عشر ألفا من الصناع من بلاده وتقدم إليه بالوعيد في ذلك إن توقف عنه فامتثل أمره مذعنا بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك مما هو مذكور في كتب التواريخ. فشرع في بنائه وبلغت الغاية في التأنق فيه وأنزلت٢ جدره كلها بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغريبة قد مثلت أشجارا وفرعت اغصانا منظومة بالفصوص ببدائع من الصنعة الأنيقة المعجزة وصف كل واصف فجاء يغشى العيون وميضا وبصيصا. وكان مبلغ النفقة فيه حسبما ذكره ابن المعلى٣ الأسدي في جزء وصعه في ذكر بنائه مائة صندوق في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار ومائتا ألف دينار فكان مبلغ الجميع أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار.","footnotes":"٢ أنزلت: رصعت.\r٣ محمد بن المعلى بن عبد الله الأسدي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484371,"book_id":4102,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":314,"body":"والوليد هذا هو الذي أخذ نصف الكنيسة الباقية منه في أيدي النصارى وأدخلها فيه لأنه كان قسمين: قسما للمسلمين وهو الشرقي وقسما للنصارى وهو الغربي لأن أبا عبيدة بن الجراح رضى الله عنه، دخل البلد من الجهة الغربية فانتهى إلى نصف الكنيسة وقد وقع الصلح بينه وبين النصارى ودخل خالد بن الوليد رضى الله عنه عنوة من الجانب الشرقي وانتهى إلى النصف الثاني وهو الشرقي فاحتازه المسلمون وصيروه مسجدا، وبقى النصف المصالح عليه وهو الغربي كنيسة بأيدي النصارى إلى أن عوضهم منه الوليد فأبوا ذلك فانتزعه منه مقهرا وطلع لهدمه بنفسه وكانوا يزعمون أن الذي يهدم كنيستهم يجن فبادر الوليد وقال: أنا أول من يجن في الله وبدأ الهدم بيده فبادر المسلمون وأكملوا هدمه\rواستعدوا عمر بن عبد العزيز رضيى الله عنه أيام خلافته واخرجوا العهد الذي بأديهم من الصحابة رضى الله عنهم في ابقائه عليهم فهم بصرفه إليهم فأشفق المسلمون من ذلك ثم عوضهم منه بمال عظيم ارضاهم به فقبلوه.\rويقال: إن أول من وضع جداره القبلي هود النبي ﵇ وكذلك ذكرا بن المعلى في تاريخه والله أعلم بذلك لا إله سواه، وقرأنا في فضائل دمشق عن سفيان الثوري رضى الله عنه إنه قال: إن الصلاة فيه بثلاثين ألف صلاة وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه يعبد الله ﷿ فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484372,"book_id":4102,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":315,"body":"ذكر تذريعه ومساحته وعدد أبوابه وشمسياته١\rذرعه في الطول من الشرق إلى الغرب مائتا خطوة وهما ثلاثمائة ذراع وذرعه في السعة من القبلة إلى الجوف مائة خطوة وخمس وثلاثون خطوة وهي","footnotes":"١ الشمسية: النافذة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484373,"book_id":4102,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":316,"body":"مائتا ذراع فيكون تكسيره من المراجع١ الغريبة أربعة وعشرين مرجعا وهو تكسير مسجد رسول الله ﷺ غير أن الطول في مسجد رسول الله ﷺ من القبلة إلى الشمال\rوبلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاثة مستطيلة من الشرق إلى الغرب سعة كل بلاط منها ثمان عشرة خطوة والخطوة ذراع ونصف وقد قامت على ثمانية وستين عمودا منها أربع وخمسون سارية وثماني أرجل٢ حصية تتخللها واثنتان مزحمة ملصقة معها في الجدار الذي يلي الصحن وأربع أرجل مرخمة أبدع ترخيم مرصعة بفصوص من الرخام ملونة قد نظمت خواتيم وصورت محاريب واشكالا غريبة قائمة في البلاط الأوسط تقل قبة الرصاص مع القبة التي تلي المحراب سعة كل رجل منها ستة عشر شبرا وطولها عشرون شبرا وبين كل رجل ورجل في الطول سبع عشرة خطوة وفي العرض ثلاث عشرة خطوة فيكون كل دور رجل منها اثنين وسبعين شبرا. ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته: الشرقية والغربية الشمالية سعته عشر خطا وعدد قوائمه سبع وأربعون: منها أربع عشرة رجلا من الجص وسائرها سوار فيكون سعة الصحن حاشى المسقف القبلي والشمالي مائة ذراع وسقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص.\rوأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وسطه سامية في الهواء عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غارب لها يتصل من المحراب إلى الصحن وتحته ثلاث قباب: قبة تتصل بالجدار الذي إلى الصحن وقبة تتصل بالمحراب وقبة تحت قبة الرصاص بينهما. والقبة الرصاصية قد اغصت الهواء وسطه فإذا استقبتلها ابصرت منظرا رائعا ومرأى هائلا يشبهه الناس بنسر طائر كأن القبة رأسه والغارب جؤجؤه،","footnotes":"١ المراجع، الواحد مرجع: مقياس يستعمل في المغرب للأرض.\r٢ أرجل: عمد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484374,"book_id":4102,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":317,"body":"ونصف جدار البلاط عن يمين ونصف الثاني عن شمال جناحاه وسعة هذا الغارب من جهة الصحن ثلاثون خطوة فهم يعرفون الموضع من الجامع بالنسر لهذا التشبيه الواقع عليه ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علو كأنها معلقة من الجو.\rوالجامع المكرم مائل إلى الجهة الشمالية من البلد وعدد شمسياته الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون: منها في القبة التي تحت قبة الرصاص عشر وفي القبة المتصلة بالمحراب مع ما يليها من الجدا أربع عشرة شمسية وفي طول الجدار عن يمين المحراب ويساره أربع ورابعون وفي القبة المتصلة بجدار الصحن ست وفي ظهر الجدار إلى الصحن سبع وأربعون شمسية.\rوفي الجامع المكرم ثلاث مقصورات مقصورة الصحابة رضى الله عنهم وهي أول مقصورة وضعت في الإسلام وضعها معاوية ابن أبي سفيان رضى الله عنهما وبازاء محرابها عن يمين مستقبل القبلة باب حديد كان يدخل معاوية رضى الله عنه إلى المقصورة منه إلى المحراب وبازاء محرابها لجهة اليمين مصلى أبي الدرداء رضى الله عنه، وخلفها كانت دار معاوية رضى عنه وهي اليوم سماط عظيم للصفارين١ يتصل بطول جدار الجامع القبلي ولا سماط أحسن منظرا منه ولا أكبر طولا وعرضا وخلف هذا السماط على مقربة منه دار الخيل برسمه وهي اليوم مسكونة وفيها مواضع للكمادين٢. وطول المقصورة الصحابية المذكور أربعة وأربعون شبرا وعرضها نصف الطول. ويليها لجهة الغرب في وسط الجامع المصورة التي أحد ثت عند اضافة الصنف المتخذ كنيسة إلى الجامع حسبما تقدم ذكره وفيها منبر الخطبة ومحراب الصلاة وكانت مقصروة الصحابة أولا في نصف الحظ الإسلامي من الكنيسة وكان الجدار حيث اعيدالمحراب في المقصورة لمحدثة فلما عيدت الكنيسة كلها","footnotes":"١ الصفارون: النحاسون.\r٢ الكمادون: صابغو الثياب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484375,"book_id":4102,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":318,"body":"مجسدا صارت مقصروة الصحابة طرفا في الجانب الشرقي وأحدثت المقصورة الأخرى وسطا حيث كان جدرا الجامع قبل الاتصال وهذ المقصورة المحدثة أكبر من الصحابية. وبالجانب الغربي بإزاء الجدار مقصورة أخرى هي برسم الحنيفة يجتمعون فيها للتدريس وبها يصلون بازائها زاوية محدقة بالاعواد المشرجبة كأنها مقصروة صغيرة وبالجانب الشرقي زاوية أخرى على هذه الصفة هي كالقمصرة كان وضعها للصلاة فيها أحد أمرءا الدولة التركية وهي لاصقة بالجدار الشرقي. وبالجامع المكرم عدة زوايا على هذا الترتيب يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس وهي من جملة مرافق الطلبة.\rوفي الجدار المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات القبلية عشرون بابا متصلة بطول الجدار قد علتها قسى جصية مخرمة كلها على هيئ الشمسيات فتبصر العين من اتصالها أجمل منظر وأحسنه. والبلاط المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات من ثلاث جهات على أعمدة وعلى تلك الأعمدة أبواب مقوسة تقلها أعمدة صغار تطيف بالصحن كله.\rومنظر هذا الصحن من أجمل المناظر واحسنها وفيه مجتمع أهل البلد وهو متفرجهم ومنتزههم كل عشية تراهم فيه ذاهبين وراجعين من شرق إلى غرب من باب جيرون إلى باب البريد، فمنهم من يتحدث مع صاحبه ومنهم من يقرأ لا يزالون على هذه الحال من ذهاب وروجوع إلى انقضاء صلاة العشاء الآخرة ثم ينصرفون ولبعضهم بالغداة مثل ذلك وأكثر الاحتفال إنما هو بالعشى فيخيل لمبصر ذلك أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم لا يزالون على ذلك كل يوم وأهل البطالة من النسا يسمونهم الحراثين.\rوللجامع ثلاث صوامع وإحدى في الجانب الغربي وهي كالبرج المشيد تحتوى على مساكن متسعة وزوايا فسيحة راجعة كلها إلى غلاق يسكنها أقوام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484376,"book_id":4102,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":319,"body":"من الغرباء أهل الخير والبيت الأعلى منها كان معتكف أبي حامد الغزالي ﵀ ويسكته اليوم الفقيه الزاهد أبو عبد الله بن سعيد من أهل قلعة يحصب المنسوبة لهم وهو قريب لبنى سعيد المشتهرين بالدنيا وخدمتها وثانية بالجانب الغربي على هذ الصفة وثالثة بالجانب الشمالي على الباب المعروف بباب الناطفيين١.\rوفي الصحن ثلاث قباب: إحد اها في الجانب الغربي منه وهي اكبرها وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام مستطيلة كالبرج مزخرفة بالفصوص والاصبغة الملونة كانها الروضة حسنا وعليه قبة رصاص كأنها التنور العظيم الاستدارة يقال: إنها كانت مخزنا لمال الجامع وله مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على ما ذكر لنا على الثمانية الاف دينار صورية في السنة وهي خسمة عشر ألف دينار مؤمنية أو نحوها. وقبة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوفة مثمنة من رخام قدالصق أبدع الصاق قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام وتحتها شباك حديد مستدير وفي وسطه أنبوب من الصفر يمج الماء إلى علو فيرتفع وينثنى كأنه قضيب لجين يشره الناس لوضع أفواههم فيه للشرب استظرافا له واستحسانا ويسمونه قفص الماء والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدة على هيئة القبة الكبيرة لكن أصغر منها.\rوفي الجانب الشمالي من الصحن باب كبير يفضى إلى مسجدكبير في وسطه صحن قد استدار فيه صهريج من الرخام كبير يجرى الماء فيه دائما من صحفة رخام أبيض مثمنة قد قامت وسط الصهريج على رأس عمودمثقوب يصعدالماء منه إليها ويعرف هذا الموضع بالكلاسة ويصلى فيه اليوم صاحبنا الفقيه الزاهد المحدث أبو جعفر الفنكي القرطبي وتزاحم الناس على الصلاة فيه خلفه التماسا لبركته واستماعا لحسن صوته.","footnotes":"١ الناطفيون: هم الذين يصنعون الناطف أو يبيعونه وهو نوع من الحلوى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484377,"book_id":4102,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":320,"body":"وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضى إلى مسجد من أحسن المساجد وابدعها وضعا واجملها بناء يذكر الشيعة إنه مشهد لعلي بن أبي طالب رضى الله عنه وهذا من أغرب مختلقاتهم ومن العجيب إنه يقابله في لجهة الغربية في زاوية البلاط الشمالي من الصحن موضع هو ملتقى آخر البلاط الشمالي مع أول البلاط الغربي مجلل بستر في أعلاه وأمامه ستر أيضا منسدل يزعم أكثر الناس إنه موضع لعائشة رضى الله عنها وإنها كانت تسمع الحديث فيه. وعائشة رضى الله عنها في دخول دمشق كعلي رضى الله عنه لكن لهم في علي رضى الله عنه مندوحة من القول وذلك أنهم يزعمون إنه رؤى في المنام مصليا في ذاك الموضع فبنت الشيعة فيه مسجدا وأما الموضع المنسوب لعائشة رضى الله عنها فلا مندوحة فيه وإنما ذكرناه لشهرته في الجامع.\rوكان هذا الجامع المبارك ظاهرا وباطنا منزلا كله بالفصوص المذهبة مزخرفا بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة فادركه الحريق مرتين فتهدم وجدد وذهب أكثر رخامه فاستحال رونقه فاسلم ما فيه اليوم قبلته مع الثلاث قباب المتصلة بها ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة يتقد ذهبا كله وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره تحفها سويريات١ مفتولات فتل الاسورة كأنها مخروطة لم ير شيء أجمل منها وبعضها حمر كأنها مرجان. فشأن قبلة هذا الجامع المبارك مع ما يتصل بها من قبابه الثلاث واشراق شمسياته المذهبة الملونة عليه واتصال شعاع الشمس بها وإنعكاسه إلى كل لون منها حتى ترتمي الأبصار منه اشعة ملونة يتصل ذلك بجاره القبلي كله عظيم لا يحلق وصفه ولا تبلغ العبارة بعض ما يتصوره الخاطر منه والله يعمره بشهادة الإسلام وكلمته بمنه","footnotes":"١ سويريات، مفردها سويرية: مصغر سارية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484378,"book_id":4102,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":321,"body":"وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان رضى الله عنه وهو المصحف الذي وجه به إلى الشام وتفتح الخزانة كل يوم اثر الصلاة فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله ويكثر الازدحام عليه.\rوله أربعة أبواب: باب قبلي ويعرف بباب الزيادة وله دهليز كبير متسع له أعمدة عظام وفيه حوانيت للخرزيين١ وسواهم وله مرأى رائع ومنه يفضى إلى دار الخيل وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي كانت دار معاوية رضى الله عنه وتعرف بالخضراء؛ وباب شرقي وهو أعظم الأبواب ويعرف بباب جيرون؛ وباب غربي ويعرف بباب البريد؛ وباب شمالي ويعرف بباب الناطفيين.\rوللشرقي والغربي والشمالي أيضا من هذه الأبواب دهاليز متسعة يفضى كل دهليز منها إلى باب عظيم كانت كلها مداخل للكنيسة فبقيت على حالها، وأعظمها منظرا الدهليز المتصل بباب جيرون يخرج من هذا الباب إلى بلاط طويل عريض قد قامت امامه خمسة أبواب مقوسة لها ستة أعمدة طوال وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي ﵄ ثم نقل إلى القاهرة وبازائه مسجد صغير بنسب لعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وبذلك المشهد ماء جار. وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها إلى الدهليز وهو كالخندق العظيم يتصل إلى باب عظيم الارتفاع ينحسر الطرف دونه سموا قد حفته أعمدة كالجزوع طولا وكالأطواد ضخامة.\rوبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت عليها شوارع مستديرة فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم وعليها شوارع أخر مستطيلة فيها الحجر والبيوت","footnotes":"١ الحرزيون: بائعو الحرز.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484379,"book_id":4102,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":322,"body":"للكراء مشرفة على الدهليز وفوقها سطح ببيت به سكان الحجر والبيوت، وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام عليه قبة نقلها أعمدة من الرخام ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة مكشوفة للهواء لم ينعطف عليها تعتيب وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة فيرتفع إلى الهواء أزيد من القامة لم.....١ وحوله انابيب صغار ترمي الماء إلى علو فيخرج عنها كقضبان اللجين فكأنها اغصان تلك الدوحة المائية ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف.\rوعن يمين الخارج من باب جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر قد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيرا هنسديا فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحدمنهما أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان فعند وقوع البندقتين فيها تعودان داخل الجدار إلى الغرفة وتبصر البازيين بمدان أعناقهما بالنبدقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدير عيجب تتخيله الاوهام سحرا وعند وقوقع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تنغلق الأبواب كلها وتنقضى الساعات ثم تعود إلى حالها الأول. ولها بالليل تدبير آخر وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة خلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة ف إذا انقضت عم لزجاجة ضوء المصباح وفاض على الدائرة إمامها شعاعها فلاحت للأبصار دائرة محمرة ثم انتقل","footnotes":"١ بياض في الأصل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484380,"book_id":4102,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":323,"body":"ذلك إلى الأخرى حتى تنقضى ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها درب بشأنها وانتقالها يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها وهي التي يسميها الناس المنجانة.\rودهليز الباب الغربي فيه حوانيت البقالين والعطارين وفيه سماط لبيع الفواكه وفي أعلاه باب عظيم يصعد إليه على أدراج وله أعمدة سامية في الهواء وتحت الأدراج سقايتان مستديرتان سقاية يمينا وسقاية يسارا لكل سقاية خمسة أنابيب ترمى الماء في حوض رخام مستيطل ودهليز الباب الشمالي فيه زوايا على مصاطب محدقة بالأعواد المشرجبة وهي محاضر١ لمعلمي الصبيان.\rوعن يمين الخارج في الدهليز خانقة مبينة للصوفية في وسطها صهريج ويقال: إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه ولها خبر سيأتي ذكره بعد هذا والصهريج الذي في وسطها يجرى الما فيه ولها مطاهر يجرى الماء في بيوتها وعن يمين الخارج أيضا من باب البريد مدرسة للشافعية في وسطها صهريج يجرى الماء فيه ولها مطاهر على الصفة المذكورة.\rوفي الصحن بين القباب المذكورة عمودان متباعدان يسيرا لهما رأسان من الصفر متسيطلان مشرجبان قد خرما أحسن تخريم يسرجان ليلة النصف من شعبان فيلوحان كانهما ثريتان مشتعلتان واحتفال أهل هذه البلدة لهذه الليلة المذكورة أكثر من احتفالهم ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم.\rوفي هذا الجامع المبارك مجتمع عظيم كل يوم إثر صلاة الصبح لقرءاه سبع من القرآن دائما ومثله إثر صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية يقرأون فيها من سورة الكوثر إلى الخاتمة ويحضر في هذا المجتمع الكوثري كل من لا يجيد حفظ القرآن وللمجتمعين على ذلك إجراء كل يوم يعيش منه أزيد من خمسمائة إنسان وهذا من مفاخر هذا الجامع المكرم فلا تخلو القراءة منه صباحا ولا مساء. وفيه حلقات للتدريس للطلبة وللمدرسين فيها إجراء","footnotes":"١ المحاضر: المدارس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484381,"book_id":4102,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":324,"body":"واسع وللمالكية زاوية للتدريس في الجانب الغربي يجتمع فيها طلبة المغاربة ولهم إجراء معلوم.\rومرافق هذا الجامع المكرم للغرباء وأهل الطلب كثيرة واسعة وأغرب ما يحدث به أن سارية من سواريه هي بين المقصورتين القديمة والحديثة لها وقف معلوم يأخذه المستند إليها للمذاكرة والتدريس أبصرنا بها فقيها من أهل إشبيلية يعرف بالمرادي. وعند فراغ المجتمع السبعي من القراءة صباحا يستند كل إنسان منهم إلى سارية ويجلس امامه صبي يلقنه القرآن وللصبيان أيضا على قراءتهم جراية معلومة فأهل الجدة من آبائهم ينزهون ابناءهم عن أخذها وسائرهم يأخذونها وهذا من المفاخر الإسلامية.\rوللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير يأخذ منه المعلم لهم ما يقوم به وبسكوتهم وهذا أيضا من أغرب ما يحدث به من مفاخر هذه البلاد.\rوتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها إنما هو تلقين يعلمون الخط في الأشعار وغيرها تنزيها لكتاب الله ﷿ عن ابتذال الصبيان له بالاثبات والمحو وقد يكون في أكثر البلاد الملقن على حدة والمكتب على حدة فينفصل من التلقين إلى التكتيب لهم في ذلك سيرة حسنة ولذلك ما يتأتى لهم حسن الخط لأن المعلم له لا يشتغل بغيره فهو يستفرغ جهده في التعليم والصبي في التعلم كذلك ويسهل عليه لأنه بتصوير يحذو حذوه.\rويستدير بهذا الجامع المكرم أربع سقايات في كل جانب سقاية كل واحدة منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت الخلائية والماء يجرى في كل بيت منها وبطول صحتها حوض من الحجر مستطيل تصب فيه عدة انابيب منتظمة بطوله. وإحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون وهي اكبرها وفيها من البيوت نيف على الثلاثين وفيها زائدا على السقاية المستطيلة مع جدارها حوضان كبيران مستديران يكادان يمسكان لسعتهما عرض الدار المحتوية على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484382,"book_id":4102,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":325,"body":"هذه السقاية وألواح د بعيد من الآخر ودور كل واحد منهما نحو الأربعين شبرا والماء نابع فيهما والثانية في دهليز باب الناطفيين بازاء المعلمين والثالثة عن يسار الخارج من باب البريد والراعبة عن يمين الخارج من باب الزيادة. وهذه أيضا من المرافق العظيمة للغرباء وسواهم والبلد كله سقايات قل ما تخلو سكة من سككه أو سوق من اسواقه من سقاية والمرافق به أكثر من أن توصف والله يبقيه دار إسلام بقدرته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484383,"book_id":4102,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":326,"body":"ذكر مشاهده المركمة وآثاره المعظمة\rفأولها مشهد رأس يحيى بن زكرياء ﵉ وهو مدفون بالجامع المكرم في البلاط القبلي قبالة الركن الأيمن من المقصورة الصحابية١ رضى الله عنهم وعليه تابوت خشب معترض من الأسطوانة وفوقه قنديل كأنه من بلور مجوف كأنه القدح الكبير لا يدرى أمن زجاج عراقي أم صوري هو أم من غير ذلك. ومولد إبراهيم ﷺ وعلى نبينا الكريم وهو بصفح جبل قاسيون عند قرية تعرف ببرزة وهي من أجمل القرى وهذا الجبل مشهور بالبركة في القديم لأنه مصعد االنبياء صلوات الله عليهم ومطلعهم وهو في الجهة الشمالية من البلد وعلى مقدار فرسخ، وهذا المولد المبارك غار مستطيل ضيق وقد بنى عليه مسجد كبير مرتفع مقسم على مساجد كثيرة كالغرف المطلة وعليه صومعة عالية ومن ذلك الغار رأى ﷺ الكوكب ثم القمر ثم الشمس حسبما ذكره الله تعالى في كتابه عز وجل٢ وفي ظهر الغار مقامه الذي كان يخرج إليه، وهذا كله ذكره الحافظ محدث الشام أبو القاسم بن هبة الله بن عسكر الدمشقي في تاريخه في أخبار دمشق وهو","footnotes":"١ هي أول مقصورة وضعت في الإسلام وضعها معاوية بن أبي سفيان.\r٢ سورة الأنعام، الآية ٧٦- ٧٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484384,"book_id":4102,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":327,"body":"نيف على مائة مجلد وذكر أيضا أن بين باب الفراديس وهو أحد أبواب البلد وفي الجهة الشمالية من الجامع المبارك على مقربة منه إلى جبل قاسيون مدفن سبعين ألف نبي وقيل سبعون ألف شهيد وان الأنبياء المدفونين به سبعمائة نبي والله أعلم.\rوخارج هذا البلد الجبانة العتيقة وهي مدفن الأنبياء والصالحين وبركتها شهيرة وفي طرفها مما يلي البساتين وهذه من الأرض متصلة بالجبانة ذكر أنها مدفن سبعين نبيا وعصمها الله نزهها من أن يدفن فيها أحد والقبور محيطة بها وهي لا تخلو من الماء حتى عادت قرارة له كل ذلك تنزيه من الله تعالى لها.\rوبجبل قاسيون أيضا لجهة الغرب على مقدار ميل أو أزيد من المولد المبارك مغارة تعرف بمغارة الدم لأن فوقها في الجبل دم هابيل قتيل اخيه قابيل ابني آدم ﷺ يتصل من نحو نصف الجبل إلى المغارة وقد ابقى الله منه في الجبل آثارا حمرا في الحجارة تحك فتستحيل وهي كالطريق في لجبل وتنقطع عند المغارة وليس يوجد في النصف الأعلى من المغارة آثار تشبهها فكان يقال إنها لون حجارة الجبل وإنما هي من الموضع الذي جر منه القاتل لاخيه حيث قتله حتى انتهى إلى المغارة وهي من آيات الله تعالى وآياته لا تحصى.\rوقرأنا في تاريخ ابن المعلى الاسدي أن تلك المغارة صلى فيها إبراهيم وموسى وعيسى ولوط وأيوب عليهم وعلى نبينا الكريم أفضل الصلاة والسلام وعليها مسجد قد أتقن بناؤه ويصعد إليه على أدراج وهو كالغرفة المستديرة وحولها اعواد مشرجبة مطيفة بها وبه بيوت ومرافق للسكنى وهو يفتح كل يوم خميس والسرج من الشمع والفتائل تقد في المغارة وهي متسعة. وفي أعلى الجبل كهف منسوب لادم ﷺ وعليه بناء وهو موضع مبارك وتحته في حضيض الجبل مغارة تعرف بمغارة الجوع ذكر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484385,"book_id":4102,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":328,"body":"أن سبعين نبيا ماتوا فيها جوعا وكان عندهم رغيف فلم يزل كل واحد منهم يؤثر به صاحبه ويدور عليهم من يد إلى يد حتى لحقتهم المنية صلوات الله عليهم وعلى هذه المغارة أيضا مسجد مبنى وأبصرنا فيه سرجا تقد نهارا.\rولكل مشهد من هذه المشاهد أوقاف معينة من بساتين وأرض بيضاء ورباح حتى إن البلد تكادالأوقاف تستغرق جميع ما فيها وكل مسجد يستحدث بناؤه أو مدرسة أو خانقة يعين لها السلطان أوقافا تقوم بها وبساكنيها والملتزمين لها وهذه أيضا من المفاخر المخلدة ومن النساء الخواتين ذوات الاقدار من تأمر ببناء مسجد أو رباط أو مدرسة وتنفق فيها الأموال الواسعة وتعين لها من مالها الأوقاف ومن الأمراء من يفعل مثل ذلك لهم في هذه الطريقة المباركة مسارعة مشكورة عند الله ﷿.\rوبآخر هذا لجبل المذكور وفي راس البسيط البستاني الغربي من هذا البلد الربوة المباركة المذكورة في كتاب الله تعالى: مأوى المسيح وأمه صلوات الله عليهما وهي من أبدع مناظر الدنيا حسنا وجمالا وإشراقا واتقان بناء واحتفال تشييد وشرف وضع هي كالقصر المشيد ويصعد إليها على أدراج والمأوى المبارك منها مغارة صغيرة في وسطها وهي كالبيت الصغير وبإزائها بيت يقال: إنه مصلى الخضر ﷺ فيبادر الناس للصلاة بهذين الموضعين المباركين ولا سيما المأوى المبارك وله باب حديد صغير ينغلق دونه والمسجد يطيف بها ولها شوارع دائرة وفيها سقاية لم ير أحسن منها قد سيق إليها الماء من علو وماؤها ينصب على شاذروان١ في الجدار متصل بحوض من رخام يقع الماء فيه لم ير أحسن من منظره وخلف ذلك مطاهر يجرى الماء في كل بيت منها ويستدير بالجانب المتصل بجدار الشاذروان.\rوهذه الربوة المباركة رأس بساتين البلد ومقسم مائة ينقسم فيها الماء على سبعة أنهار يأخذ كل نهر طريقه وأكبر هذه الأنهار نهر يعرف بثورا،","footnotes":"١ الشاذروان: حائط صغير بجوار الجدار الأصلي لتقويته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484386,"book_id":4102,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":329,"body":"وهو يشق تحت الربوة وقد نقر له في الحجر الصلد أسفلها حتى انفتح له متسرب واسع كالغار وربما انغمس الجسور من سباح الصبيان أو الرجال من أعلى الربوة في النهر واندفع تحت الماء حتى يشق متسربه تحت الربوة ويخرج أسفلها وهي مخاطرة كبيرة.\rويشرف من هذه الربوة على جميع البساتين الغربية من البلد ولا أشراف كإشرافها حسنا وجمالا واتساع مسرح للأبصار. وتحتها تلك الأنهار السبعة تتسرب وتسيح في طرق شتى فتحار الأبصار في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاع انصبابها وشرف موضوع هذه الربوة ومجموع حسنها أعظم من أن يحيط به وصف اصف في غلو مدحه وشأنها في موضوعات الدنيا الشريفة خطير كبير.\rويتصل بها أسفل منها بمقربة من المسافة قرية كبيرة تعرف بالنيرب قد غطتها البساتين فلا يظهر منها إلا ما سما بناؤه وبها جامع لم ير أحسن منه مفروش سطحه كله بفصوص الرخام الملون فيخيل لناظره إنه ديباج مبسوط وفيه سقاية ماء رائقة الحسن ومطهرة لها عشرة أبواب يجرى الماء فيها ويطيف بها وفوقها لجهة القبلة قرية كبيرة هي من أحسن القرى تعرف بالمزة وبها جامع كبير وساقية معينة وبقرية النيرب حمام وأكثر قرى هذه البلدة فيها الحمامات.\rوفي الجهة الشرقية من البلد عن يمين الطريق إلى مولد إبراهيم ﵇ قرية تعرف ببيت لاهية١ يريدون الآلهة وكانت فيها كنيسة هي الآن مسجد مبارك وكان آزر أبو إبراهيم ينحت فيها الآلهة ويصورها فيجيء الخليل إبراهيم صلوات الله عليه وعلى نبينا الكريم فيكسرها وهي اليوم مسجد يجتمع فيه أهل القرية وسطحه كله مفروش بفصوص الرخام الملونة منتظم كله خواتيم واشكالا بديعة يخيل لمبصرها أنها فرش متقنة مزخرفة وهو","footnotes":"١ أو بيت لهيا وهو المشهور.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484387,"book_id":4102,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":330,"body":"من المشاهد الكريمة.\rوللربوة المباركة أوقاف كثيرة من بساتين وأرض بيضاء ورباع وهي معينة التقسيم لوظائفها فمنها ما هو معين باسم النفقة في الأدم للبائتين فيها من الزوار ومنها ما هو معين للأكسية برسم التغطية بالليل ومنها ما هو معين للطعام إلى تقاسيم تستوفى جميع مؤنها ومؤن الأمين الراتب فيها برسم الإمامة والمؤذن الملتزم خدمتها ولهم على ذلك كله مرتب معلوم في كل شهر وهي خطة من أعظم الخطط.\rوالأمين فيها الآن من بقية المرابطين المسوفيين١ ومن أعيانهم يعرف بأبي الربيع سليمان بن إبراهيم بن مالك وله مكانة من السلطان ووجوه الدولة وله في الشهر خمسة دناينر حاشى فائدة الربوة وهو متسم بالخير ومرتسم به وهو متعلق بسبب من أسباب البر في إيواء أهل الغرب من الغرباء المنقطعين بهذه الجهات يسبب لهم وجوه المعايش من إمامة في مسجد أو سكنى بمدرسة تجرى عليه فيها النفقة أو التزام زاوية من زوايا المسجد الجامع يجبى إليه فيها رزقة أو حضور في قراءة سبع أو سدانة مشهد من المشاهد المباركة يكون فيه ويجرى عليه ما يقوم به من أوقافه إلى غير ذلك من الوجوه المعاشية على هذه السبيل المباركة مماي يطول شرحه. فالغريب المحتاج هنا إذا كان على طريقة الخير مصون محفوظ غير مريق ماء الوجه.\rوسائر الغرباء ممن ليس على هذه الحال ممن عهد الخدمة والمهنة يسبب له أيضا أسباب غريبة من الخدمة: إما بستان يكون ناطورا فيه أو حمام يكون عينا على خدمته وحافظا لأثواب داخليه أو طاحونة يكون أمينا عليها أو كفالة صبيان يؤديهم إلى محاضرهم ويصرفهم إلى منازلهم إلى غير ذلك من الوجوه الواسعة.","footnotes":"١ المسوفيون: نسبة إلى مدينة مسوف، من بادية التكرور.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484388,"book_id":4102,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":331,"body":"وليس يؤتمن فيها كلها سوى المغاربة الغرباء لأنهم قد علا لهم بهذا البلد صيت في الأمانة وطار لهم فيها ذكر وأهلها لا يأتمنون البلديين وهذا من الطاف الله تعالى بالغرباء وله الحمد والشكر على ما يولى عباده وإن شاء أحد المتعلقين بأسباب المعارف التعرض هنالك للسلطان يقبله ويكرمه ويرتبه ويجرى عليه بحسب قدره ومنصبه قد طبعت هذه البلاد وملوكها على هذه الفضائل قديما وحديثا وقد تسلسل بنا القول إلى غير الباب الذي نحن فيه والحديث ذو شجون والله كفيل بحسن العون لا رب سواه.\rوبغربي البلد جبانة كبيرة تعرف بقبور الشهداء فيها كثير من الصحابة والتابعين الأئمة الصالحين رضى الله عنهم فالمشهور بها من قبور الصحابة رضى الله عنهم قبر أبي الدرداء وقبر زوجته أم الدرداء رضى الله عنهما وموضع مبارك فيه تاريخ قديم مكتوب عليه في هذا الموضع قبر جماعة من الصحابة رضى الله عنهم منهم فضالة بن عبيد وسهل بن الحنظلية من الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة وخال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه وقبره مسنم في الموضع المذكور.\rوقرأت في فضائل دمشق: أن أم المؤمنين أم حبيبة أخت معاوية رضى الله عنهما مدفونة بدمشق وقبر وائلة بن الأسقع من أهل الصفة. وفي الجهة التي تلي هذا الموضع المبارك تاريخ فيه مكتوب: هذا قبر أوس بن أوس الثقفي وحول هذا الموضع المذكور على مقربة منه قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله ﷺ وفي رأس القبر المبارك تاريخ باسمه رضى الله عنه.\rوالدعاء في هذا الموضع المبارك مستجاب قد جرب ذلك كثير من الأولياء وأهل الخير المتبركين بزيارتهم إلى قبور كثيرة من الصحابة وسواهم من الصالحين ممن قد ذهب اسمه وغبر ذكره ومشاهدكثيرة لأهل البيت رضى الله عنهم رجالا ونساء وقدا حتفل الشيعة في البناء عليهم ولها الأوقاف الواسعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484389,"book_id":4102,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":332,"body":"ومن أحفل هذه المشاهدمشهد منسوب لعلى بن أبي طالب رضى الله عنه قد بنى عليه مسجد حفيل رائق البناء وبإزائه بستان كله نارنج والماء يطرد فيه من سقاية معينة وللمسجدكله ستو معلقة في جوانبه صغار وكبار وفي المحراب حجر عظيم قد شق بنصفين والتحم بينهما ولم يبن النصف عن النصف بالكلية يزعم الشيعة إنه انشق لعلى ﵁ إما بضربة بسيفه أو بأمر من الأمور الإلهية على يديه ولم يذكر عن علي رضى الله عنه إنه دخل قط هذا البلد اللهم إلا إن زعموا أنه كان في النوم فلعل جهة الرؤيا تصح لهم اذ لا تصح لهم جهة اليقظة وهذا الحجر أوجب بنيان هذا المشهد.\rوللشيعة في هذا البلاد أمور عجيبة وهم أكثر من السنيين ها وقد عموا البلاد بمذاهبهم وهم فرق شتى منهم الرافضة وهم السبابون ومنهم الإمامية والزيدية وهم يقولون بالتفضيل خاصة ومنهم الاسماعيلية والنصيرية وهم كفرة فإنهم يزعمون الإلهية لعلى رضى الله عنه تعالى الله عن قولهم ومنهم الغرابية وهم يقولون أن عليا رضى الله عنه كان أشبه بالنبي ﷺ من الغراب بالغراب وينسبون إلى الروح الأمين ﵇ قولا تعالى الله عنه علوا كبيرا إلى فرق كثيرة يضيق عنهم الإحصاء قد أضلهم الله واضل بهم كثيرا من خلقه نسال الله العصمة في الدين ونعوذ به من زيغ الملحدين. وسلط الله على هذه الرافضة طائفة تعرف بالنبوية سنيون يدينون بالفنوة وبأمور الرجولة كلها وكل من ألحقوه بهم لخصلة يرونها فيه منها يحرمونه السراويل فيلحقونه بهم ولا يرون أن يستعدي أحد منهم في نازلة تنزل به لهم في ذلك مذاهب عجيبة وإذا أقسم أحد هم بالفتوة بر قسمة وهم يقتلون هؤلاء الروافض أينما وجدوهم وشأنهم عجيب في الأنفة والائتلاف.\rومن المشاهد المكرمة مشهد سعد بن عبادة رئيس الخزرج صاحب رسول الله ﷺ وهو بقرية تعرف بالمنيحة شرقي البلد وعلى مقدار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484390,"book_id":4102,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":333,"body":"أربعة أميال منه وعلى قبره مسجد صغير حسن البناء والقبر في وسطه وعند رأسه مكتوب: هذا قبر سعد بن عبادة رأس الخزرج صاحب رسول الله ﷺ.\rومن مشاهد أهل البيت رضى الله عنهم: مشهد أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب رضى الله عنهما ويقال لها زينب الصغرى وأم كلثوم كنية أوقعها عليها النبي ﷺ لشبهها بابنته أم كلثوم رضى الله عنها والله أعلم بذلك ومشهدها الكريم بقرية قبلي البلد تعرف براوية على مقدار فرسخ وعليه مسجد كبير وخارجة مساكن وله أوقاف وأهل هذه الجهات يعرفونه بقبر الست أم كلثوم مشينا إليه وبتنا به وبتركنا برؤيته نفعنا الله بذلك.\rوبالجبانة التي بغربي البلد من قبور أهل البيت كثير رضى الله عنهم ممنها قبران عليهما مسجد يقال إنهما من ولد الحسن والحسين رضى الله عنهما ومسجد آخر فيه قبر يقال إنه لسكينة بنت الحسين رضى الله عنهما أو لعلها سكينة أخرى من أهل البيت. ومن المشاهد أيضا قبر بجامع النيرب في بيت بالجهة الشرقية منه يقال إنه لأم مريم رضى الله عنها وبقرية دارية١ قبر أبي مسلم الخولاني رضى الله عنه وعليه قبة هي علامة القبر وبها أيضا قبر أبي سليمان الداراني رضى الله عنه وبين هذه القرية وبين البلد مقدار أربعة أميال وهي لجهة الغرب منه. ومن المشاهد الكريمة التي لم نعاينها ووصفت لنا قبرا شيث ونوح ﵉ وهما بالبقاع وهي على يومين من البلد وحدثنا من ذرع قبر شيث فالفى فيه أربعين باعا وفي قبر نوح ثلاثين وبازاء قبر نوح قبر ابنة له وعلى هذه القبور بناء ولها أوقاف كثيرة ولها قيم يلتزمها.","footnotes":"١ تكتب عادة: داريا، بالألف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484391,"book_id":4102,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":334,"body":"ومن المشاهد المباركة أيضا بالجبانة الغربية وبمقربة من باب الجابية قبر أويس القرنى رضى الله عنه وقبور خلفاء بني أمية ﵏ يقال: إنها بازاء باب الصغير بمقربة من الجبانة المذكورة وعليه اليوم بناء يسكن فيه.\rوالمشاهد المباركة بهذه البلدة أكثر من أن تنضبط بالتقييد وإنما رسم من ذلك ما هو مشهور ومعلوم\rومن المشاهد الشهيرة أيضا مسجد الأقدام وهو على مقدار ميلين من البلد مما يلي القبلة على قارعة الطريق الأعظم الأخذ إلى بلاد الحجاز والساحل وديار مصر وفي هذا المسجد بيت صغير فيه حجر مكتوب عليه كان بعض الصالحين يرى النبي ﷺ في النوم فيقول له ههنا قبر اخي موسى ﷺ والكثيب الأحمر على الطريق بمقربة من هذا الموضع وهو بين غالية وغويلية كما ورد في الأثر وهما موضعان. وشأن هذا المسجد في البركة عظيم ويقال: إن النور ما خلا قط من هذا الموضع الذي يذكر أن القبر فيه حيث الحجر الكتوب وله أوقاف كثيرة فإما الأقدام ففي حجارة في الطريق إليه معلم عليها تجد اثر القدم في كل حجر وعدد الأقدام تسع ويقال إنها أثر قدم موسى ﵇ والله أعلم بحقيقة ذلك لا إله سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484392,"book_id":4102,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":335,"body":"شهر جمادي الأولى عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة الجمعة بموافقة العاشر لشهر أغوشت العجمي.\rذكر جمل من أحوال البلد عمره الله بالإسلام\rلهذه البلدة ثمانية أبواب: باب شرقي وهو شرقي وفيه منارة بيضاء يقال: إن عيسى ﵇ ينزل فيها كما جاء في الأثر أنه ينزل بالمنارة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484393,"book_id":4102,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":336,"body":"البيضاء شرقي دمشق ويلي هذا الباب باب توما وهو أيضا في حيز الشرق ثم باب السلامة ثم باب الفراديس وهو شمالي ثم باب الفرج ثم باب النصر وهو غربي ثم باب الجابية كذلك ثم باب الصغير وهو بين الغرب والقبلة.\rوالمسجد الجامع مائل إلى الجهة الشمالية من البلد والأرباض به مطيفة إلا من جهة الشرق مع ما يتصل بها من القبلة يسيرا والأرباض كبار، والبلد ليس بمفرط الكبر وهو مائل للطول وسككه ضيقة مظلمة وبناؤه طين وقصب طبقات بعضها فوق بعض ولذلك ما يسرع الحريق إليه وهو كله ثلاث طبقات فيحتوى من الخلق على ما تحتوى ثلاث مدن لأنه أكثر بلاد الدنيا خلقا وحسنه كله خارج لا داخل.\rوفي داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن عظيم تعرف بكنيسة مريم ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها وهي حفيلة البناء١ تتضمن من التصاوير أمرا عيجبا تبهت الأفكار وتستوقف الأبصار ومرآها عجيب وهي بأيدي الروم ولا اعتراض عليهم فيها.\rوبهذه البلدة نحو عشرين مدرسة وبها مارستانان قديم وحديث والحديث أحفلهما٢ وأكبرهما وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا وله قومة بأيديهم الأزمة٣ المحتوية أسماء المرضى وعلى النفقات التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك والأطباء يبكرون إليه في كل يوم ويتفقدون المرضى ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق بكل إنسان منهم والمارستان الآخر على هذه الرسم لكن الاحتفال في الجديد أكثر وهذا القديم هو غربي الجامع المكرم. وللمجانين المعتلقين أيضا ضرب من","footnotes":"١ حفيلة البناء: بناؤها كثير مبالغ فيه.\r٢ أحفلهما: أملأهما.\r٣ الأزمة، الواحد زمام: السجل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484394,"book_id":4102,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":337,"body":"العلاج وهم في سلاسل موثقون نعوذ بالله من المحنة وسوء القدر وتندر من بعضهم النوادر الظريفة حسب ما كنا نسمع به. ومن أعجب ما حدثت به من ذلك: أن رجلا كان يعلم القرآن وكان يقرا عليه أحد أبناء وجوه البلد ممن اوتى مسحة جمال واسمه نصر الله وكان المعلم يهيم به فزادكلفة حتى اختبل وأدي إلى المارستان واشتهرت علته وفضيحته بالصبي وربما كان يدخله أبوه إليه فقيل له: اخرج وعد لما كنت عليه من القرآن فقال متماجنا تماجن المجانين: وأي قراءة بقيت لي؟ ما بقى في حفظي من القرآن شيء سوى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فضحك منه ومن قوله. ونسال الله العفاية له ولكل مسلم فلم يزل كذلك حتى توفي سمح الله له.\rوهذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الإسلام والمدارس كذلك ومن أحسن مدارس الدنيا منظرا مدرسة نور الدين ﵀ وبها قبره نوره الله وهي قصر من القصور الأنيقة ينصب فيها الماء في شاذروان وسط نهر عظيم ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر فكل من يبصره بجدد الدعاء لنور الدين ﵀. وأما الرباطات التي يسمونها الخوانق فكثيرة وهي برسم الصوفية وهي قصرو مزخرفة يطرد في جميعها الماء على أحسن منظر يبصر.\rوهذ الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد لأنهم قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفوضلها وفرغ خواطرهم لعبادته من الفكرة في أسباب المعايش وأسكنهم في قصور تذكرهم قصور الجنان فالسعداء الموفقون منهم قد حصل لهم بفضل الله تعالى نعيم الدنيا والآخرة. وهم على طريقة شريفة وسنة في المعاشرة عجيبة وسيرتهم في التزام رتب الخدمة غيربية وعوائدهم من الاجتماع للسماع المشوق جميلة وربما فارق منهم الدنيا في تلك الحالات المنفعل المثابر رقة وتشوقا وبالجملة فأحوالهم كلها بديعة وهم يرجون عيشا طيبا هينئا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484395,"book_id":4102,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":338,"body":"ومن أعظم ما شاهدناه لهم موضع يعرف بالقصر وهو صرح عظيم مستقل في الهواء في أعلاه مساكن لم ير أجمل إشرافا منها وهو من البلد بنصف الميل له بستان عظيم يتصل به وكان منتزها لأحد ملوك الأتراك فيقال: إنه كان فيه إحدى الليالي على راحة فاجتاز به قوم من الصوفية فهريق عليهم من النبيذ الذي كانوا يشربونه في ذلك القصر فرفعوا الأمر لنور الدين فلم يزل حتى استوهبه من صاحبه ووقفه برسم الصوفية مؤبدا لهم فطال العجب من السماحة بمثله وبقي اثر الفضل فيه مخدلا لنور الدين ﵀.\rومناقب هذا الرجل الصالح كبيرة وكان من الملوك الزهاد. وتوفي في شوال سنة تسع وستين وخمسمائة واستولى بعده على الأمر صلاح الدين وهو على طريقة من الفضل شهيرة وشإنه في الملوك كبير وله الأثر الباقي شرفه من إزالة المكوس بطريق الحجاز ودفعه عوضا عنها لصاحب الحجاز وكانت الأيام قداستمرت قديما بهذه الضريبة اللعينة إلى أن محا الله رسمها على يدي هذا الملك العادل أصلحه الله.\rومن مناقب نور الدين رحمه الله تعالى إنه كان عين للمغاربة الغرباء المتلزمين زاوية المالكية بالمسجد الجامع المبارك أوقافا كثيرة منها طاحوتنان وسبعة بساتين وأرض بيضاء وحمام ودكانان بالعطارين وأخبرني أحد المغاربة الذين كانوا ينظرون فيه وهو أبو الحسن على بن سردال الجياني المعروف بالأسود أن هذا الوقف المغربي يغل إذا كان النظر فيه جيدا خمسمائة دينار في العام وكان له ﵀ بجانبهم فضل كبير نفعه الله بما أسلف من الخير وهيأ ديارا موقوفة لقراء كتاب الله ﷿ يسكنونها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484396,"book_id":4102,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":339,"body":"مرافق الغرباء\rومرافق الغرباء بهذه البلدة أكثر من أن يأخذها الإحصاء ولا سيما لحفاظ كتاب الله، ﷿ والمنتمين للطلب فالشأن بهذه البلدة لهم عجيب جدا وهذه البلاد المشرقية كلها على هذا لرسم لكن الاحتفال بهذه البلدة أكثر والاتساع أوجد. فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثرة فأولها فراغ البال من أمر المعيشة وهو أكبر الأعوان وأهمها فإذا كانت الهمة فقد وجد السبيل إلى الاجتهاد ولا عذر للمقصر إلا من يدين بالعجز والتسويف فذلك من لا يتوجه هذا الخطاب عليه وإنما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيشة بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك فادخل ايها المجتد بسلام وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد ويقرع سن الندم على زمن التضييع والله يوفق ويرشد لا إله سواه قد نصحت أن الفيت سامعا وناديت إن أسمعت مجيبا، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ١﴾ جلبت قدرته وتعالى جده. ولو لم يكن بهذه الجهات المشرقية كلها إلا مبادرة أهلها لإكرام الغرباء وايثار الفقراء ولا سيما أهل باديتها فإنك تجد من بدار إلى بر الضيف عجبا كفى بذلك شرفا لها وربما يعرض أحد هم كسرته على فقير فيتوقف عن قبولها فيبكى الرجل ويقول: لو علم الله في خيرا لأكل الفقير طعامي لهم في ذلك سر شريف.","footnotes":"١ سورة الإسراء، الآية ٩٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484397,"book_id":4102,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":340,"body":"من عجيب أمر المشارقة\rومن عجيب أمرهم تعظيمهم للحاج على قرب مسافة الحج منهم وتيسير ذلك لهم واستطاعتهم لسبيله فهم يتمسحون بهم عند صدورهم ويتهافتون عليهم تبركا بهم ومن أغرب ما حدثناه من ذلك: أن الحاج الدمشقي مع من انضاف إليهم من المقاربة عند صدورهم إلى دمشق في هذا العام الذي هو عام ثمانين خرج الناس لتلقيهم: الجم الغفير نساء ورجالا يصافحونهم ويتمسحون بهم واخرجوا الدراهم لفقرائهم يتلقونهم بها وأخرجوا إليهم الأطعمة. فأخبرني من ابصر كثيرا من النساء يتلقين الحاج ويناولنهم الخبز فإذا عض الحاج فيه اختطفته من أيديهم وتبادرن لاكله تبركا بأكل الحاج له ودفعن له عوضا منه دراهم إلى غير ذلك من الأمور العجيبة ضد ما اعتدنا في المغرب في ذلك وصنع بناء في بغداد عند تلقي الحاج با مثل ذلك أو قريب منه. ولو شئنا استقصاء هذه الأمور لخرجت بنا عن مقصد التقييد وإنما وقع الالماع بلمحة دالة يكتفى بها عن التطويل. وكل من وفقه الله بهذه الجهات من الغرباء للانفراد يلتزم إن أحب ضيعة من الضياع فيكون فيها طيب العيش ناعم البال وينثال الخبز عليه من أهل الضيعة ويلتزم الإمامة أو التعليم أو ما شاء. ومتى سئم المقام خرج إلى ضيعة أخرى أو يصعد إلى جبل لبنان أو إلى جبل الجودي فيلقى بها المريدين المنقطعين إلى الله ﷿ فيقيم معهم ما شاء، وينصرف إلى حيث شاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484398,"book_id":4102,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":341,"body":"نصارى جبل لبنان\rومن العجب أن النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأوا به بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا إليهم ويقولون: هؤلاء ممن انقطع إلى الله ﷿ فتجب مشاركتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484399,"book_id":4102,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":342,"body":"وهذا الجبل من أخصب جبال الدينا فيه أنواع الفواكه وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة وقل ما يخلو من التبتيل١ والزهادة وإذا كانت معاملة النصارى لضد ملتهم هذه المعاملة فما ظنك بالمسلمين بعضهم مع بعض.","footnotes":"١ التبتيل: الانقطاع إلى الله.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484400,"book_id":4102,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":343,"body":"الحرب واتفاق النصارى والمسلمين\rومن أعجب ما يحدث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى وربما يلتقى الجمعان ويقع المصاف بينهم ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض عليهم. شاهدنا في هذا الوقت الذي هو شهر جمادي الأولى من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكر المسلمين لمنازلة حصن الكرك وهو من أعظم حصون النصارى وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع لسبيل المسلمين على البر بينه وبين القدس مسيرة يوم أو أشف٢ قليلا وهو سرارة٣ أرض فلسطين وله نظر عظيم الاتساع متصل العمارة يذكر إنه ينتهي إلى أربعمائة قرية فنازله هذا السلطان وضيق عليه وطال حصاره.\rواختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منطقع. واختلاف المسلمين من دمشق على عكة كذلك وتجار النصارى أيضا لا يمنع أحد منهم ولا يعترض. وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم وهي من الأمنة٤ على غاية وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال وأهل الحرب مشتغلون بحربهم والناس في عافية والدنيا لمن غلب.","footnotes":"٢ أشف: أكثر.\r٣ سرارة الشيء: أطيبه.\r٤ الأمنة: الأمن والاطمئنان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484401,"book_id":4102,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":344,"body":"هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك ولا تعترض الرعايا ولا التجار فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن يستوفى الحديث عنه والله يعلى كلمة الإسلام بمنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484402,"book_id":4102,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":345,"body":"دمشق وآثارها\rولهذه البلدة قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية من البلد وهي بازاء باب الفرج من أبواب البلد وبها جامع السلطان يجمع فيه وعلى مقربة منها خارج البلد في جهة الغرب ميدانان كأنهما مبسوطان خزا لشدة خضرتهما وعليهما حلق والنهر بينهما وغيضة١ عظيمة من الحور متصلة بهما وهما من أبدع المناظر يخرج السلطان إليهما ويلعب فيهما بالصوالجة٢ ويسابق بين الخيل فيهما ولا مجال للعين كمجالها فيهما وفي كل ليلة يخرج أبناء السلطان إليهما للرماية والمسابقة واللعب بالصوالجة.\rوبهذه البلدة أيضا قرب مائة حمام فيها وفي أرباضها وفيها نحو أربعين دارا للوضوء يجرى الماء فيها كلها وليس في هذه البلاد كلها بلدة أحسن منها للغريب لأن المرافق بها كثيرة وفي الذي ذكرناه من ذلك كفاية والله يبقيها دار إسلام بمنه.\rوأسواق هذه البلدة من أحفل أسواق البلاد وأحسنها انتظاما وأبدعها وضعا ولا سيما قيسارياتها وهي مرتفعات كانها الفنادق مثقفة كلها بأبواب حديد كأنها أبواب القصور وكل قيسارية منفردة بضبتها٣ وأغلاقها الجديدة.","footnotes":"١ الغيضة: الأجمة.\r٢ الصوالجة، الواحد صولجان: العصا المعقوفة الرأس.\r٣ الضبة: حديدة عريضة يقفل بها الباب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484403,"book_id":4102,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":346,"body":"ولها أيضا سوق يعرف بالسوق الكبير يتصل من باب الجابية إلى باب شرقي وفيه بيت صغير جدا قد اتخذ مصلى وفي قبلته حجر يقال: إن إبراهيم ﷺ كان يكسرعليه الآلهة التي كان يسوقها أبوه للبيع.\rوحديث الدار المنسوبة لعمر بن عبد العزيز التي هي اليوم خانقة للصوفية وهي في الدهليز الذي في الباب الشمالي المعروف بباب الناطفيين وقد تقدم التنبيه عليه قبل هذا حديث عجيب وذلك أن الذي اشتراها وبناها وجعل لها الأوقاف الواسعة وأمر بأن يدفن فيها وأن يختم على قبره القرآن كل جمعة وعين من تلك الأوقاف لمن يحضر ذلك كل جمعة رطلا من الخبز الحواري وهو ثلاثة أرطال من ارطال المغرب رجل من العجم يعرف بالسميساطي وسميساط بلدة من بلادالعجم وكان موصوفا بالورع والزهد، وأصل يساره وتموله فيما ذكر لنا إنه الفي يوما من الأيام بالدهليز المذكور ازاء الدار المذكورة رجلا أسود مريضا مطروحا بموضعه غير متلف إليه ولا معتنى به فتأجر فيه والتزم تمريضه وخدمته والنظر له اغتناما للثواب من الله ﷿، فحانت وفاة الرجل فاستدعى ممرضه السميساطي المذكور فقال له: أنت قد احسنت إلى وخدمتني ولطفت في تمريضي وأشفقت لحالي وغربتي فأنا أريد أن أكافئك على فعلك بي زائدا إلى مكافأة الله ﷿ عني في الاجل إن شاء الله؛ وذلك اني كنت من أحد فتيان الخليفة المعتصد العباسي ومعروفا بزمام الدار١ وكانت لي حظوة ومكانة فعتب على في بعض الأمر فخرجت طريدا فانتهيت إلى هذه البلدة فأصابني فيها من أمر الله ما أصابني فسببك الله لي رحمة، فأنا أقلدك أمانة وأعهد إليك فيها عهدا إذا أنا مت وغسلتني فانهض على بركة الله تعالى إلى بغداد وتطلف في السؤال عن دار صاحب الزمام فتى الخليفة فإذا أرشدت إليها فصرف الحيلة في اكترائها وأرجو أن الله","footnotes":"١ لعله عنى الخادم المكلف الإشراف على الدخل والخرج.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484404,"book_id":4102,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":347,"body":"يعينك على ذلك وإذا سكنتها فاعمد إلى موضع سماه له فيها وذكر له أمارة عليه فاحفر فيه مقدار كذا وانزع اللوح الذي تجده معترضا تحت الأرض وخذ الذي تجده مدفونا تحت الأرض وصرفه في منافعك وما يوفقك الله إليه من وجوه البر والخير مباركا لك في ذلك إن شاء الله.\rثم توفي الرجل الموصى ﵀ وتوجه الموصى إليه بعهده إلى بغداد فيسر الله له في اكتراء الدار وانتهى إلى الموضع المذكور فاستخرج منه دخائر لا قيمة لها١ عظيمة الشان كبيرة القدر فدسها في أحمال متاع باتاعها وخرج إلى دمشق من بغداد فابتاع الدار المذكورة المنسوبة لعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وبناها خانقة للصوفية واحتفل فيها وابتاع لها الأوقاف ضياعا ورباعا وجعلها برسم الصوفية وأوصى بأن يدفن فيها وان يختم القرآن على قبره كل جمعة وعين لكل من يحضر ذلك ما ذكرناه. فوجد الغرباء والفقراء في ذكل مرفقا كثيرا فتغص الخانقة بالقراءة كل جمعة فإذا ختموا القرآن دعوا له وانصرفوا واندفع لكل واحد منهم رطل من الخبز على الصفة المذكورة وبقى للمتوفى جميل الأثر والخير رحمة الله ورضوانه عليه.\rوالكوثرية التي ذكرناها أيضا بالجامع المكرم المقروءة كل يوم بعدالعصر المعينة لمن لا يحفظ القرآن كان أصلها أيضا أن أحد ذوي اليسار توفي وأوصى بان يدس قبره في الجامع المكرم وأوقف وقفا يغل مائة وخمسين دينارا في السنة برسم من لا يحفظ القرآن ويقرأ من سورة الكوثر إلى الخاتمة فينقسم له أربعون دينارا في كل ثلاثة أشهر من السنة. ويذكر أن أحد الملوك السالفين توفى أيضا وأوصى بان يجعل قبره في قبلة الجامع المكرم بحيث لا يظهر وعين أوقافا عظيمة تغل نحو الالف دينار وأربعمائة دينار في السنة وزائد القراء سبع القرآن كل يوم.","footnotes":"١ أراد أنه استخرج ما يعظم عن الوصف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484405,"book_id":4102,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":348,"body":"وموضع الاجتماع لقراءة هذا السبع المبارك كل يوم إثر صلاة الصبح بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة رضى الله عنهم، ويقال: إن في ذلك الموضع هو القبر المذكور وقراءة السبع لا تتعدى ذلك الموضع متصلا مع جدار القبلة إلى الجدار الشرقي والله ﷿ لا يضيع أجر المحسنين. وبقيت هذه الرسوم الشريفة مخلدة مع الأيام نفع الله بها راسميها وناهيك فيها من بلاد يهدى فيها لهذه الصنائع المزلفة لرضوان الله ﷿، وللفقراء المتلزمين الجلوس في الجانب الشرقي من الجامع المكرم الذين ليس لهم مأوى يأوون إليه وقف وضعه بعض المتأجرين الموفقين برسمهم إلى ما يطول ذكره من المآثر الأخراوية الصدقية التي كفل الله بها غرباء هذه الجهات.\rومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد المستحسنة المرجو لهم فيها من الله ﷿، قبول أنهم في كل سنة يتوخون الوقوف يوم عرفة بجوامعهم إثر صلاة العصر يقف بهم ايمتهم كاشفي رؤوسهم داعين إلى ربهم التماسا لبركة الساعة التي يقف فيها وفد الله ﷿ وحجيج بيته الحرام بعرفات فلا يزالون واقفين داعين متضرعين إلى الله ﷿ وبحجاج بيته الحرام متوسلين إلى أن يسقط قرص الشمس ويقدروا نقر الحاج فينفصلوا باكين على ما حرمو من ذلك الموقف العظيم بعرفات وداعين إلى الله ﷿ في أن يوصلهم إليها ولايحليهم من بركة القبول في فعلهم لك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484406,"book_id":4102,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":349,"body":"من أعظم مناظر الدنيا\rومن أعظم ما شاهدناه م مناظر الدنيا الغريبة الشأن وهياكلها الهائلة البنيان المعجزة الصنعة والاتقان المعترف لوصفها بالتقصير لسان كل بيان الصعود إلى أعلى قبة الرصاص المذكورة في هذا التقييد، القائمة وسط الجامع المكرم والدخول في دوفها وإجالة لحظ الاعتبار في بديع وضعها مع القبة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484407,"book_id":4102,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":350,"body":"التي في وسلطها كأنها كرة مجوفة داخلة وسط كرة أخرى أعظم منها؛ صعدنا إليه في جملة من الأصحاب المغاربة ضحوة يوم الإثنين الثامن عشر لجمادي الأولى المذكورة من مرقي في الجانب الغربي من بلاط الصحن كان صومعة فيا لقديم وتمشينا على سطح الجامع المكرم وكله ألواح رصاص منتظمة كما قد نقدم الذكر لذلك وطول كل لوح أربعة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وربما اعترض في الألواح نقص أو زيادة حتى نتهينا إلى القبة المذكورة فصعدنا إليها على سلم منصوب وريح الميد١ تكاد تطير بنا فحبونا في المشي المطيف بها وهو من رصاص وسعته ستة أشبار فلم نستطع القيام عليه لهول الموقف فيه، فأسرعنا الولوج في جوف القبة على أحد شراجيبها٢ المتفحة في الرصاص فأبصرنا مرأى تحار فيه العقول وتقف دون إدراك هيبة وصفه الأفهام وجلنا في فرش من الخشب العظام حول القبة الصغيرة الداخلة في جوف الرصاصية على الصفة التي ذكرناها ولها طيقان يبصر منها الجامع ومن فيه فكنا نبصر الرجال فيه كأنهم الصبيان في المحاضر.\rوهذه القبة مستديرة كالكرة وظاهرها من خشب قد شد بأضلاع من الخشب الضخام موثقة بنطق من الحديد ينعطف كل ضلع عليها كالدائرة وتجتمع الأضلاع كلها في مركز دائرة من الخشب أعلاها وداخل هذه القبة وهو ما يلي الجامع المكرم خواتيم من الخشب منتظم بعضها ببعض قد اتصل اتصالا عجيبا وهي كلها مذهبة بأبدع صنعة من التذهيب مزخرفة التلوين بديعة القرنصة٣ يرتمى الأبصار شعاع ذهبها وتتحير الألباب في كيفية عقدها ووضعها لإفراط سموها؛ أبصرنا من تلك الخواتيم الخشبية خاتما مطروحا جوف القبة لم يكن طوله أقل من ستة أشبار في عرض أربعة وهي تلوح","footnotes":"١ الميد، الواحد مائد من ماد: تمايل.\r٢ شراجيبها: شرفها.\r٣ بديعة القرنصة: بديعة الحلية بارزتها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484408,"book_id":4102,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":351,"body":"في انتظامها للعين كأن دور كل واحد منها شبر أو شبران الغاية لعظم سموها. والقبة الرصاص محتوية على هذه القبة المذكورة وقد شدت أيضا بأضلاع عظيمة من الخشب الضخام موثقة الأوساط بنطق الحديد وعددها ثمان وأربعون ضلعا بين كل ضلع وضلع أربعة أشبار قد انعطفت انعطافا عجيبا، واجتمعت أطرافها في مركز دائرة من الخشب أعلاها ودور هذه القبة الرصاصية ثمانون خطوة وهي مائتا شبر وستون شبرا والحال فيها أعظم من أن يبلغ وصفها وإنما هذا الذي ذكرناه نبذة يستدل بها على ما وراءها.\rوتحت الغارب المستطيل المسمى النسر الذي تحت هاتين القبتين مدخل عظيم هو سقف للمقصورة بينه وبينها سماء جص مزينة وقد انتظم فيه من الخشب مالا يحصى عدده وانعقد بعضها ببعض وتقوس بعضها على بعض وتركبت تركيبا هائلا منظره وقد ادخلت في الجدار كله دعائم للقبتين المذكورتين\rوفي ذلك الجدار حجارة كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة لا تنقلها الفيلة فضلا عن غيرها فالعجب كل العجب من تطليعها إلى ذلك الموضع المفرط السمو وكيف تمكنت القدرة البشرية لذلك فسبحان من الهم عباده إلى هذه الصنائع العجيبة ومعينهم على التأني لما ليس موجودا في طبائعم البشرية ومظهر آياته على أيدي من يشاء من خلقه لا إله سواه!\rوالقبتان على قاعدة مستديرة من الحجارة العظيمة قد قامت فوقها ارجل قصار ضخام من الحجارة الصم الكبار وقد فتح بين كل رجل ورجل شمسية واستدارت الشمسيات باستدارتها والقبتان في رأى العين واحدة وكنينا عنها باثنتين لكون الواحدة في جوف الأخرى والظاهر منها قبة الرصاص.\rومن جملة عجائب ما عايناه في هاتين القبتين إن لم نجد فيهما عنكبوتا ناسجا على بعدالعهد من التفقد لهما من أحد والتعاهد لتنظيف مساحتهما والعنكبوت في امثالهما موجود كثير وقد كان حقق عند نا أن الجامع المكرم لا تنسج فيه العنكبوت ولا يدخله الطير المعروف بالخطاف وقد تقدم ذكرنا لذلك في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484409,"book_id":4102,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":352,"body":"هذا التقييد. فانصرفنا منحدرين وقد قضينا عجبا عجابا من هذا المنظر العظيم شأنه المعجز وضعه المترفع عن الإدراك وصفه ويقال: إنه ما على ظهر المعمور أعجب منظرا ولا أبعد سموا ولا أغرب بنيانا من هذه القبة إلا ما يحكى عن قبة بيت المقدس فإنها يذكر أنها أبعد في الارتفاع والسمو من هذه. وجمله الأمر أن منظرها والوقوف على هيئة وضعها وعظيم الاستقدار فيها عند معاينها بالصعود إليها والولوج داخلها من أغرب ما يحدث به من عجائب الدنيا والقدرة لله ألواح د القهار لا إله سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484410,"book_id":4102,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":353,"body":"رتبهم في جنائزهم\rولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة١ عجيبة وذلك أنهم يمشون إمام الجنازة بقراء يقرءون القرآن بأصوات شجية وتلاحين مبكية تكاد تنخلع لها النفوس شجوا وحنانا يرفعون أصواتهم بها فتتلقى الآذان بأدمع الأجفان وجنائزهم يصلى عليها في الجامع قبالة المقصورة فلا بد لكل جنازة من الجامع فإذا انتهوا إلى بابه قطعوا القراءة ودخلوا إلى موضع الصلاة عليها إلا إن يكون الميت من أئمة الجامع أو من سدنته فإن الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه. وربما اجتمعوا للعزاء بالبلاط الغربي من الصحن بإزاء باب البريد فيصلون افرادا أفرادا ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرءونها ونقباء الجنائز يرفعون اصواتهم بالنداء لكل واصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانهم ويحلونهم بخططهم٢ الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة إلى الدين فتسمع ما شئت من صدر الدين أو شمسه أو بدره أو نجمه أو زينه أو بهائه أو جماله أو مجده أو","footnotes":"١ أراد بالرتبة عادة من الاحتفال.\r٢ الخطط: أراد بها ألقاب الشرف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484411,"book_id":4102,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":354,"body":"فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه إلى مالا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة وتتبعها ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضا من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الإسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتى الفريقين إلى ما لا نهاية له من هذه الألفاظ المحالية. فيصعد كل واحد منهم إلى الشريعة ساحبا أذياله من الكبر ثانيا عطفه وقذاله١ فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس بهم منتهاه قام وعاظهم واحدا واحدا بسحب رتبهم في المعرفة فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا وحذر واشند في المعنى ما حضر من الأشعار ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى ثم قعد وتلاه آخر على مثل طريقته إلى أن يفرغوا ويتفرقوا فربما كان مجلسا نفاعا لمن يحضره من الذكرى.\rومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد٢ وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة وإذا لقى أحد منهم آخر مسلما يقول جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة كناية عن السلام فيتعاطون المحال تعاطيا والحد عندهم عنقاء مغرب٣ وصفة سلامهم إيماء للركوع أو السجود فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض وبسط وقبض وربما طالت بهم الحالة في ذلك فواحد ينحط وآخر يقوم وعمائمهم تهوى بينهم هويا. وهذه الحالة من الانعكاف الركوعي في السلام كنا عهدناه لقينات النساء وعند استعراض رقيق الإماء فيا عجبا لهؤلاء الرجال كيف تحلوا بسمات ربا الحجال قد ابتذلوا انفسهم فيما تأنف النفوس الأبية منه استعملوا تكفير الذمي المنهي في الشرع عنه لهم في هذا الشأن طرائق عجيبة في الباطل فيا للعجب منهم إذا تعاملوا بهذه المعاملة وانتهوا إلى هذه الغاية في الألفاظ بينهم","footnotes":"١ القذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس.\r٢ بالتمويل والتسويد أي بقول يا مولاي ويا سيدي.\r٣ العنقاء: طائر خرافي، أي أن الجد عندهم غير موجود.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484412,"book_id":4102,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":355,"body":"فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم؟ لقدت تساوت الأذناب عندهم والرؤوس ولم يميز لديهم الرئيس والمرؤوس فسبحان خالق الخلق أطوارا لا شريك له ولا معبود سواه.\rومن عجيب حال الصغير عندهم والكبير بجميع هذه الجهات كلها انهم يشمون وأيديهم إلى خلف قابضين بألواح دى على الأخرى ويركعون للسلام على تلك الحالة الشبهة بأحوال العناة١ مهانة واستكانة كأنهم قد سيموا تعنيفا وأوثقوا تكتيفا وهم يعتقدون تلك الهيئة تمييزا لهم في ذوي الخصوصية وتشريفا ويزعمون انهم يجدون بها نشاطا في الأعضاء وراحة من الاعياء والمحتشم منهم من يسحب ذيله على الأرض شبرا أو يضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى قد اتخذوا هذه المشية بينهم سننا وكل منهم قد زين له سوء عمله فرآه حسنا، استغفر الله منهم فإن لهم من آداب المصافحة عوائد تجدد لهم الإيمان وتستوهب لهم من الله الغفران لما بشر به الحديث المأثور عن رسول الله ﷺ في المصافحة فهم يستعملونها إثر الصلوات ولا سيما إثر صلاة الصبح وصلاة العصر.\rوإذا سلم الإمام وفرغ من الدعاء أقبلوا عليه بالمصافحة أقبل بعضهم على بعض يصافح المرء عن يمينه وعن يساره فيتفرقون عن مجلس مغفرة بفضل الله ﷿، وقد تقدم الذكر فيم سلف من هذه التقييد انهم يتسعملونها عند رؤية الأهلة ويدعو بعضهم لبعض بتعرف بركة ذلك الشهر ويمنه واستصحاب السعادة والخير فيه وفيما يعود عليه من امثاله وتلك أيضا طريقة حسنة ينفعهم الله بها لما فيها من تعاطي الدعوات وتجديد المودات ومصافحة المؤمنين بعضهم بعضا رحمة من الله تعالى ونعمة.","footnotes":"١ العناة: الأسرى، الواحد عان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484413,"book_id":4102,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":356,"body":"حسن سيرة السلطان\rوقد تقدم الذكر أيضا في غير موضع من هذا الكتاب عن حسن سيرة السلطان بهذه الجهات: صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب وما له من المآثر المأثورة في الدنيا والدين ومثابرته على جهاد أعداء الله لأنه ليس إمام هذه البلدة بلدة للإسلام والشام أكثره بيدالإفرنج فسبب الله هذا السلطان رحمة للمسلمين بهذه الجهات فهو لا يأوى لراحة ولا يخلد إلى دعة ولا يزال سرجه مجلسه أنا بهذه البلدة نازلون منذ شهرين اثنين وحللناها وقد خرج لمنازلة حصن الكرك وقد تقدم الذكر أيضا له وهو عليه محاصر له حتى الآن والله تعالى يعينه على فتحه. وسمعنا أحد فقهاء هذه البلدة وزعمائها المسلمين بسدة١ هذا السلطان والحاضرين مجلسه يذكر عنه في حضرة محفل علماء البلد وفقهائه ثلاث مناقب في ثلاث كلمات حكاها عنه رأينا إثباتها هنا: إحداها أن الحلم من سجاياه فقال وقد صفح عن جزيرة أحد الجناة عليه: أما أنا فلأن أخطيء في العفو أحب إلي من أن أصيب في العقوبة وهذا في الحلم منزع أحنفي٢. وقال أيضا وقد تنوشدت بحضرته الأشعار وجرى ذكر من سلف من أكارم الملوك وأجوادهم: والله لو وهب الدنيا للقاصد الآمل لما كنت أستكثرها له ولو استفرغت له جميع ما في خزانتي لما كان عوضا مما أراقه من حر ماء وجهه في استمناحه إياي وهذا في الكرم مذهب رشيدي أو جعفري٣.\rوحضره أحد مماليكه المتميزين لديه بالحظوة والأثرة مستعديا على جمال","footnotes":"١ السدة: باب الدار ومدخلها.\r٢ الأحنفي: نسبة إلى الأحنف بن قيس، الذي اشتهر بالحلم.\r٣ رشيدي: نسبة إلى هارون الرشيد. جعفري: نسبة إلى جعفر المتوكل أو إلى جعفر البرمكي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484414,"book_id":4102,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":357,"body":"ذكر أنه باعه جملا معيبا أو صرف عليه١ جملا بعيب لم يكن فيه فقال السلطان له: ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين قاض يحكم بينهم والحق الشرعي مبسوط للحاصة والعامة وأوامره ونواهيه ممتثلة وإنما أنا عبد الشرع وشحنته والشحنة عندهم صاحب الشرطة فالحق يقضى لك أو عليك وهذا في العقد مقصد عمري٢. وهذه كلمات كفى بها لهذا السلطان فخرا والله يمتع ببقائه السلام والمسلمين بمنه.","footnotes":"١ صرف عليه: باعه.\r٢ عمري: نسبة إلى عمر بن الخطاب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484415,"book_id":4102,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":358,"body":"شهر جمادي الآخرة عرفنا الله بركته\rاستهل هلاله ليلة الأحد التاسع من شهر شتنبر٣ العجمي ونحن بدمشق حرسها الله على قدم الرحلة٤ إلى عكة فتحها الله والتماس ركوب البحر مع تجار النصارى وفي مراكبهم المعدة لسفر الخريف المعروف عندهم بالصليبية عرفنا الله في ذلك معهودخيرته وتكفلنا بكلاءته وعصمته بعزته وقدرته إنه سبحانه الحنان المنان ولى الطول والاحسان لا رب غيره، وكان انفصالنا منها عشي يوم الخميس الخامس من الشهر المذكور وهو الثالث عشر من شهر شتنبر المذكور في قافلة كبيرة من التجار المسافرين بالسلع إلى عكة.","footnotes":"٣ شتنبر: أيلول.\r٤ على قدم الرحلة أي متأهبون لها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484416,"book_id":4102,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":359,"body":"من أعجب الأحاديث\rومن أعجب ما يحدث به في الدنيا أن قوافل المسلمين تخرج إلى بلاد الإفرنج وسببهم يدخل إلى بلاد المسلمين، شاهدنا من ذلك عند خروجنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484417,"book_id":4102,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":360,"body":"أمرا عجيبا وذلك أن صلاح الدين عند منازلته حصن الكرك المتقدم الذكر في هذا التاريخ قصد إليه الإفرنج في جميعهم وقد تأبوا من كل أوب وراموا أن يسبقوه إلى موضع الماء ويقطعوا عنه الميرة من بلاد المسلمين فصمداليهم وأقلع عن الحصن بجملته وسبقهم إلى موضع الماء فحادوا عن طريقه وسلكوا طريقا وعرا ذهب فيه أكثر دوابهم وتوجهوا إلى حصن الكرك المذكور وقد سد عليهم بنيات الطرق القاصدة إلى بلادهم ولم يبق لهم إلا طريق عن الحصن يأخذ على الصحراء ويبعد مداه عليهم بتحليق١ يعترض فيه. فاهتبل٢ صلاح الدين في بلادهم الغرة وانتهز الفرصة وقصد قصدها عن الطريق القاصدة فدهم مدينة نابلوس وهجمها بعسكره فاستولى عليها وسبى كل من فيها وأخذ إليها حصونا وضياعا وامتلأت أيدي المسلمين سبيا لا يحصى عدده من الإفرنج ومن فرقة من اليهود تعرف بالسمرة منسوبة إلى السامري وانبسط فيهم القتل الذريع وحصل المسلمون منها على غنائم يضيق الحصر عنها إلى ما اكتفت٣ من الامتعة والذخائر والأسباب والأثاث إلى النعم والكراع٤ إلى غير ذلك. وكان من فعل هذا السلطان الموفق أن اطلق أيدي المسلمين على جميع ما اجتازته وسلم لهم ذلك فحتازت كل يد ما حوت وامتلأت غنى ويسارا وعفى الجيش على رسوم تلك الجهات التي مر عليها من بلاد الفرنج وآبوا غانمين فائزين بالسلامة والغنيمة والإياب وتخلصوا من أسرى المسلمين عددا كثيرا وكانت غزوة لم يسمع يمثلها في البلاد.\rوخرجنا نحن من دمشق وأوائل المسلمين قد طرقوا بالغنائم كل بما احتواه وحصلت يده عليه وكان مبلغ السبي الافا لم تتحقق احصاءها ولحق السلطان","footnotes":"١ التحليق: السير في طريق دائري.\r٢ اهتبل: اغتنم.\r٣ اكتفت: أخذ.\r٤ الكراع: الخيل والبغال والحمير.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484418,"book_id":4102,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":361,"body":"بدمشق يوم السبت بعدنا الأقرب ليوم انفصالنا وأعملنا إنه يجم عسكره قليلا ويعود إلى الحصن المذكور فالله يعينه ويفتح عليه بعزته وقدرته. وخرجنا نحن إلى بلاد الفرنج وسبيهم يدخل بلاد المسلمين وناهيك من هذا الاعتدال في السياسة فكان مبيتنا ليلة الجمعة بدارية وهي قرية من دمشق على مقدار فرسخ ونصف ثم رحلنا منها سحر يوم الجمعة بعده إلى قربة تعرف ببيت جن هي بين جبال، ثم رحلنا منها صبيحة يوم السبت إلى مدينة بانياس واعترضنا في نصف الطريق شجرة بلوط عظيمة الجرم متسعة التدويح١ أعلمنا أنها تعرف بشجرة الميزان فسألنا عن ذلك فقيل لنا هي حد بين الأمن والخوف في هذه الطريق لحرامية٢ الإفرنج وهم الحواسة٣ والقطاع من أخذوه وراءها إلى جهة بلاد المسلمين ولو بباع أو شبر أسر ومن أخذ دونها إلى جهة بلاد الإفرنج بقدر ذلك أطلق سبيله لهم في ذلك عهد يوفون به وهومن أظرف الاتباطات الإفرنج ية وأرغبها.","footnotes":"١ التدويح: مأخوذ من الدوحة، الشجرة العظيمة المتسة.\r٢ الحرامية: اللصوص، وهي لفظة عامية.\r٣ الحواسة: لعله استعملها جمعا لحؤوس وهو الشجاع الكثير القتل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484419,"book_id":4102,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":362,"body":"ذكر مدينة بانياس حماها الله تعالى\rهذه المدينة ثغر بلاد المسلمين وهي صغيرة ولها قلعة يستدير بها تحت السور نهر ويفضى إلى أحد أبواب المدينة وله مصب تحت إرجاء وكانت بيد الإفرنج فاسترجعها نور الدين ﵀. ولها محرث واسع في بطحاء متصلة يشرف عليها حصن للافرنج يسمى هونين بينه وبين بانياس مقدار ثلاثة فراسخ وعمالة تلك البطحاء بين الإفرنج وبين المسلمين لهم في ذلك حد يعرف بحد المقاسمة فهم يتشاطرون الغلة على استواء ومواشيهم مختلطة ولا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484420,"book_id":4102,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":363,"body":"حيف يجرى بينهم فيها. فرحلنا عنها عشي يوم السبت المذكور إلى قرية تعرف بالمسية بمقربة من حصن الإفرنج المذكور فكان مبيتنا بها ثم رحلنا منها يوم الأحد سحرا واجتزنا في طريقنا بين هونين وتبنين بواد ملتف الشجر وأكثر شجرة الرند بعيدالعمق كأنه الخندق السحيق المهوي تلتقى حافتاه ويتعلق بالسماء أعلاه يعرف بالاسطيل لو ولجته العساكر لغابت فيه لا منجي ولا مجال لسالكه عن يد الطالب فيه المهبط إليه والمطلع عنه عقبتان كؤودان، فعجبنا من أمر ذلك المكان فاجزناه ومشينا عنه يسيرا وانتهينا إلى حصن كبير من حصون الإفرنج يعرف بتبنين وهو موضع تعكيس القوافل وصاحبته خنزيرة تعرف بالملكة هي أم الملك الخنزير صاحب عكة دمرها الله، فكان مبيتنا أسفل ذلك الصحن ومكس الناس تمكيسا غير مستقصى والضريبة فيه دينار وقيراط من الدنانير الصورية على الراس ولا اعتراض على التجار فيه لأنهم يقصدون موضع الملك الملعون وهو محل التعشير والضريبة فيه قيراط من الدينار والدينار أربعة وعشرون قيراطا.\rوأكثر المعترضين في هذا المكس المغاربة ولا اعتراض على غيرهم من جميع بلادالمسلمين وذلك لمقدمة منهم احفظت الإفرنج عليهم سببها أن طائفة من أنجادهم عزت مع نور الدين ﵀ أحد الحصون فكان لهم في أخذه عنى ظهر واشتهر فجازاهم الإفرنج بهذه الضريبة المكسية ألزموها رؤوسهم فكل مغربي يزن على رأسه الدينار المذكور في اختلافه على بلادهم. وقا الإفرنج: إن هؤلاء المغاربة كانوا يختلفون على بلادنا ونسالمهم ولا نرزأهم شيئا فلما تعرضوا لحربنا وتالبوا مع إخوانهم المسلمين علينا وجب أن نضع هذه الضريبة عليهم فللمغاربة في أداء هذا المكس سبب من الذكر الجميل في نكايتهم العدو يسهله عليهم ويخفف عنته عنهم.\rورحلنا من تبنين دمرها الله سحر يوم الإثنين وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة سكانها كلها مسلمون وهم مع الإفرنج على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484421,"book_id":4102,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":364,"body":"حالة ترفيه نعوذ بالله من الفتنة وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند أوان ضمها وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط ولا يعترضونهم في غير ذلك ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدونها أيضا ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم متروكة لهم. وكل ما بأيدي الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل رساتيقهم كلها للمسلمين وهي القرى والضياع وقد أشربت الفتنة قلوب أكثرهم لما يبصرون عليه إخوانهم من أهل رساتيق المسلمين وعمالهم لأنهم على ضد أحوالهم من الترفيه والرفق وهذه من الفجائع الطارئة على المسلمين: أن يشتكى الصنف الإسلامي جور صنفه المالك له ويحمد سية ضده وعدوه المالك له من الإفرنج ويأنس معدله فإلى الله المشتكى من هذه الحال وحسبنا تعزية وتسلية ما جاء في الكتاب العزيز: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ١﴾ .\rفنزلنا يوم الإثنين المذكور بضيعة من ضياع عكة على مقدار فرسخ ورئيسها الناظر فيها من المسلمين مقدم من جهة الإفرنج على من فيها من عمارها من المسلمين فأضاف جميع أهل القافلة ضيافة حفيلة واحضرهم صغيرا وكبيرا في غرفة متسعة بمنزلة وأنالهم ألوانا من الطعام قدمها لهم فعمهم بتكرمته. وكنا فيمن حضر هذه الدعوة.\rوبتنا تلك الليلة وصبحنا يوم الثلاثاء العاشر من الشهر المذكور وهو الثامن عشر لشتنبر مدينة عكة دمرها الله وحملنا إلى الديوان وهو خان معد لنزول القافلة وأمام بابه مصاطب مفروشة فيها كتاب الديوان من النصارى بمحابر الآبنوس المذهبة الحلى وهم يكتبون بالعربية ويتكلمون بها ورئيسهم صاحب الديوان والضامن له يعرف بلاصاحب لقب وقع عليه لمكإنه من الخطة وهم يعرفون به كل محتشم متعين عندهم من عير الجند وكل ما يجبى","footnotes":"١ سورة الأعراف، الآية ١٥٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484422,"book_id":4102,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":365,"body":"عندهم راجع إلى الضمان وضمان هذا الديوان بمال عظيم. فأنزل التجار رحالهم به ونزلوا في أعلاه وطلب رحل من لا سلعة له لئلا يحتوى على سلعة مخبوءة فيه واطلق سبيله فنزل حيث شاء وكل ذلك برفق وتؤدة دون تعنيف ولا حمل فنزلنا بها في بيت اكتريناه من نصرانية بإزاء البحر وسالنا الله تعالى حسن الخلاص وتيسير السلامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484423,"book_id":4102,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":366,"body":"ذكر مدينة عكة دمرها الله وأعادها\rهي قاعدة مدن الإفرنج بالشام ومحط الجواري المنشآت في البحر كالأعلام١ مرقأ كل سفينة والمشبهة في عظمها بالقسطنطينة مجتمع السفن والرفاق ومتلقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الافاق سككها وشوراعها تغص بالزحام وتضيق فيها مواطئ الأقدام تستعر كفرا وطغيانا وتفور خنازير وصلبانا زفرة قذرة مملوءة كلها رجسا وعذرة. انتزعها الإفرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المائة السادسة فبكى لها الإسلام ملء جفوته كانت أحد شجونه فعادت مساجدها كنائس وصوامعها مضارب للنواقس وطهر الله من مسجدها الجامع بقعة بقيت بأيدي المسلمين مسجدا صغيرا يجتمع الغرباء منهم فيه لاقامة فريضة الصلاة وعند محرابه قبر صالح النبي ﷺ وعلى جميع الأنبياء فحرس الله هذه البقعة من رجس الكفرة ببركة هذا القبر المقدس.\rوفي شرقي البلدة العين المعروفة بعين البقر وهي التي أخرج الله منها البقر لادم ﷺ والمهبط لهذه العين على ادراج وطية وعليها مسجد بقي محرابه على حاله ووضع الإفرنج في شرقيه محرابا لهم فالمسلم","footnotes":"١ انظر سورة الرحمن، الآية ٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484424,"book_id":4102,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":367,"body":"والكافر يجتمعان فهي يستقبل هذا مصلاه وهذا مصلاه وهو بأيدي النصارى معظم محفوظ وأبقى الله فيه موضع الصلاة للمسلمين.\rفكان مقامنا بها يومين ثم توجهنا إلى صور يوم الخميس الثاني عشر لجمادي المذكورة والموفى عشرين لشتبر المذكور على البر واجتزنا في طريقنا على حصن كبير يعرف بالزاب وهي مظلة على قرى وعمائر متصلة وعلى قرية مسورة تعرف باسكندرونة وذلك لمطالعة مركب بها اعملنا إنه يتوجه إلى بجاية طمعا في الركوب فيه فحللناها عشي يوم الخميس المذكور لأن المسافة بين المدينتين نحو الثلاثين ميلا فنزلنا بها في خان معد لنزول المسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484425,"book_id":4102,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":368,"body":"ذكر مدينة صور دمرها الله تعالى\rمدينة يضرب بها المثل في الحصانة لا تلقى لطالبها بيد طاعة ولا استكانة قد اعدها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم وجعلوها مثابة لامانهم هي انظف من عكة سككا وشوارع وأهلها الين في الكفر طبائع واجرى إلى بر غرباء المسلمين شمائل ومنازع فخلائقهم أسجح١ ومنازلهم أوسع وأفسح وأحوال المسلمين بها أهون وأسكن وعكة أكبر وأطغى وأكفر.\rوأما حصانتها وضعتها فاعجب ما يحدث به وذلك أنها راجعة إلى بابين أحدهما في البر والآخر في البحر وهو يحيط بها إلا من جهة وإحدى فالذي في البر يفضى إليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة كلها في ستائر٢ مشيدة محيطة بالباب، وأما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين إلى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعا منها يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب ويحدق بها من الجانب الآخر جدار معقود بالجص فالسفن تدخل تحت السور","footnotes":"١ أسجح: ألطف.\r٢ ستائر: حيطان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484426,"book_id":4102,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":369,"body":"وترسو فيها وتعترض بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداخل والخارج فلا مجال للمراكب إلا عند إزالتها وعلى ذلك الباب حراس وأمناء لا يدخل الداخل ولا يخرج الخارج إلا على أعينهم، فشأن هذه الميناء شأن عجيب في حسن الوضع ولعكة مثلها في الوضع والصفة لكنها لا تحمل السفن الكبار حمل تلك وإنما ترسى خارجها والمراكب الصغار تدخل إليها فالصورية أكمل وأجمل وأحفل.\rفكان مقامنا بها أحد عشر يوما دخلناها يوم الخميس وخرجنا منها يوم الأحد الثاني والعشرين لجمادي المذكورة وهو آخر يوم من شتنبر وذلك أن المركب الذي كنا املنا الركوب فيه استصغرناه فلم نر الركوب فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484427,"book_id":4102,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":370,"body":"عرس إفرنجي في صور\rومن مشاهد زخارف الدنيا المحدث بها زفاف عروس شاهدناه بصور في أحد الأيام عند مينائها وقد احتفل لذلك جميع النصارى رجالا ونساء واصطفوا سماطين عند باب العروس المهداة والبوقات تضرب والمزامير وجميع الآلات اللهوية حتى خرجت تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال كأنهما من ذوي أرحامها، وهي في أبهى زي وأفخر لباس تسحب أذيال الحرير المذهب سحبا عل الهيئة المعهودة من لباسهم وعلى رأسها عصابة ذهب قد حفت بشبكة ذهب منسوجة وعلى لبتها مثل ذلك منتظم وهي رافلة في حليها وحللها تمشى فترا في فتر مشي الحمامة أو سير الغمامة نعوذ بالله من فتنة المناظر وأمامها جلة رجالها من النصارى في أفخر ملابسهم البهية تسحب أذيالها خلفهم ووراءها أكفاؤها ونظراؤها من النصرانيات يتهادين في أنفس الملابس ويرفلن في أرفل الحلى والآلات اللهوية قد تقدمتهم، والمسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم سماطين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484428,"book_id":4102,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":371,"body":"يتطلعون فيهم ولا ينكرون عليهم ذلك فساروا بها حتى أدخلوها دار بعلها وأقاموا يومهم ذلك في وليمة فأدانا الاتفاق إلى رؤية هذا المنظر الزخرفي المستعاذ بالله من الفتنة فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484429,"book_id":4102,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":372,"body":"مسلمو عكة\rثم عدنا إلى عكة في البحر وحللناها صبيحة يوم الإثنين الثالث والعشرين من جمادي المذكورة وأول يوم من شهر أكتوبر ١ واكترينا في مركب كير نروم الاقلاع إلى مسينة من بلاد جزيرة صقلية والله تعالى كفيل بالتيسير والتسهيل بعزته وقدرته. وكانت راحتنا مدة مقامنا بصور بمسجد بقى بأيدي المسلمين. ولهم فيها مساجد أخر فأعلمنا به أحد أشياخ أهل صور من المسلمين أنها أخذت منهم سنة ثمان عشرة وخمسمائة وأخذت عكة قبلها باثنتي عشرة سنة بعد محاصرة طويلة وبعد استيلاء المسغبة٢ عليهم ذكر لنا أنهم انتهوا منها لحال نعوذ بالله منها وأنهم حملتهم الأنفة على أن هموا بركوب خطة عصمهم الله منها, وذلك أنهم عزموا على أن يجمعوا أهاليهم وأبناءهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملك النصارى لهم ثم يخرجوا إلى عدوهم بعزمة نافذة ويصدموهم صدمة صادقة حتى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه فمنعهم من ذلك فقهاؤهم والمتورعون منهم وأجمعوا على دفع البلد والخروج منه بسلام فكان ذلك وتفرقوا في بلاد المسلمين. ومنهم من استهواه حب الوطن فدعاه إلى الرجوع والسكنى بينهم بعد أمان كتب لهم في ذلك بشروط اشترطوها والله غالب على أمره سبحانه جلت قدرته ونفذت في البرية مشيئته، وليست له عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر إلا مجتازا وهو يجد ندوحة في بلاد المسلمين لمشقات وأهوال يعانيها في","footnotes":"١ أكتوبر: تشرين الأول.\r٢ المسغبة: الجوع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484430,"book_id":4102,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":373,"body":"بلادهم منها الذلة والمسكنة الذمية ومنها سماع ما يفجع الأفئدة من ذكر من قدس الله ذكره وأعلى خطره لا سيما من أراذلهم وأسافلهم ومنها عدم الطهارة والتصرف بين الخنازير وجميع المحرمات إلى غير ذلك مما لا ينحصر ذكره ولا تعداده، فالحذر الحذر من دخول بلادهم والله تعالى المسئول حسن الإقالة والمغفرة من هذه الخطيئة التي زلت فيها القدم ولم تتداركها إلا بعد موافقة الندم فهو سبحانه ولى ذلك لا رب غيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484431,"book_id":4102,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":374,"body":"أسرى المسلمين\rومن الفجائع التي يعاينها من حل بلادهم أسرى المسلمين يرسفون في القيود ويصرفون في الخدمة الشاقة تصريف العبيد والأسيرات المسلمات كذلك في أسوقهن خلاخيل الحديد فتنفطر لهم الأفئدة ولا يغني الإشفاق عنهم شيئا.\rومن جميل صنع الله تعالى لأسرى المغاربة بهذه البلاد الشامية الإفرنجية أن كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية وسواها إنما يعينها في افتكاك المغاربة خاصة لبعدهم عن بلادهم وانهم لا مخلص لهم سوى ذلك بعد الله ﷿ فهم الغرباء المنقطعون عن بلادهم فملوك أهل هذه الجهات من المسلمين والخواتين من النساء وأهل اليسار والثراء إنما ينفقون أموالهم في هذه السبيل. وقد كان نور الدين ﵀ نذر في مرضة أصابته تفريق اثني عشر ألف دينار في فداء أسرى من المغاربة فلما استبل من مرضه أرسل في فدائهم فسيق فيهم نفر ليسوا من المغاربة وكانوا من حماة من جملة عمالته فأمر بصرفهم وإخراج عوض منهم من المغاربة وقال: هؤلاء يفتكهم أهلوهم وجيرانهم والمغاربة غرباء لا أهل لهم فانظر إلى لطيف صنع الله تعالى لهذا الصنف المغربي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484432,"book_id":4102,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":375,"body":"وقيض الله لهم بدمشق رجلين من مياسر التجار وكبرائهم وأغنيائهم المنغمسين في الثراء أحدهما يعرف بنصر بن قوام، والثاني بأبي الدر ياقوت مولى العطافي وتجارتهما كلها بهذا الساحل الإفرنجي ولا ذكر فيه لسواهما ولهما الأمناء من المقارضين فالقوافل صادرة وواردة ببضائعهما وشأنها في الغنى كبير وقدرهما عند أمراء المسلمين والإفرنجيين خطير وقد نصبهما الله ﷿ لافتكاك الأسرى المغربيين بأموالهما وأموال ذوي الوصايا لأنهما المقصودان بها لما قد اشتهر من امانتهما وثقتهما وبذلهما أموالهما في هذه السبيل فلا يكاد مغربي يخلص من الأسر إلا على أيديهما فهما طول الدهر بهذه السبيل بنفقان أموالهما ويبذلان اجتهادها في تخليص عباد الله المسلمين من أيدي أعداء الله الكافرين والله تعالى لايضيع أجر المحسنين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484433,"book_id":4102,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":376,"body":"سوء الاتفاق\rمن سوء الاتفاقات المستعاذ بالله من شرها أنه صحبنا في طريقنا إلى عكة من دمشق رجل مغربي من بونة عمل بجاية كان أسيرا فتخلص على يدي أبي الدر المذكور وبقى في جملة صبيإنه فوصل في قافلته إلى عكة وكان قد صحب النصارى وتخلق بكثير من أخلاقهم فما زال الشيطان يستهويه ويغريه إلى أن نبذ دين الإسلام فكفر وتنصر مدة مقامنا بصور. فانصرفنا إلى عكة وأعلمنا بخبره وهو بها قد بطس١ ورجس وقد عقد الزنار واستعجل النار وحقت عليه كلمة العذاب وتأهب لسوء الحساب وسحيق المآب، نسال الله ﷿ أن يثبتنا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة ولا يعدل بنا عن الملة الحنيفية وأن يتوفانا مسلمين بفضله ورحمته.","footnotes":"١ بطس: عمد، معربة عن الإسبانية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484434,"book_id":4102,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":377,"body":"وهذا الخنزير صاحب عكة المسمى عندهم بالملك محجوب لا يظهر قد ابتلاه الله بالجذام فعجل له سوء الانتقام قد شغلته بلواه في صباه عن نعيم دنياه فهو فيها يشقى ولعذاب الآخرة أشد وأبقى وحاجبه وصاحب الحال عوضه خاله القومس١ وهو صاحب المجبى وإليه ترتفع الأموال، والمشرف على الجميع بالمكانة والوجاهة وكبر الشان في الإفرنج ية اللعينة القومس اللعين صاحب طرابلس وطبرية وهو ذو قدر ومنزلة عند الإفرنج وهو المؤهل للملك والمرشح له وهو موصوف بالدهاء والمكر وكان اسيرا عند نور الدين نحو اثنتي عشرة سنة أو أزيد ثم تخلص بمال عظيم بذله في نفسه مدة صلاح الدين وعند أول ولايته وهو معترف لصلاحا لدين بالعبودية والعتق.\rوعلى بادية طبرية اختلاف القوافل من دمشق لسهولة طريقها ويقصد بقوافل البغال على تبنين لوعورتها وقصد طريقها وبحيرة طبرية مشهورة وهي ماء عذب وسمعتها نحو ثلاثة فراسخ أو أربعة وطولها نحو ستة فراسخ والاقوال فيها تختلف وهذا القول أقربها إلى الصحة لأنا لم نعاينها وعرضها أيضا مختلف سعة وضيقا. وفيها قبور كثيرة من قبور الأنبياء صلوات الله عليهم كشعيب وسليمان ويهودا وروبيل وابنة شعيب زوج الكليم موسى وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجبل الطور منها قريب.\rوبين عكة وبيت المقدس ثلاثة أيام وبين دمشق وبينه مقدار ثمانية أيام وهو بين المغرب والقبلة من عكة إلى جهة الإسكندرية والله يعيده إلى أيدي المسلمين ويطهره من أيدي المشركين بعزته وقدرته.","footnotes":"١ القومس: مأخوذة عن الإسبانية قوميز: الكونت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484435,"book_id":4102,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":378,"body":"عكة وصور\rوهاتان المدينتان عكة وصور لا بساتين حولهما وإنما هما في بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر والفواكه تجلب اليهما من بساتينهما التي بالقرب منهما ولهما، عمالة متسعة والجبال التي تقرب منهما معمورة بالضياع ومنها تجبى الثمرات اليهما وهما من غر البلاد. ولعكة في الشرق منها مع آخر البلد واد يسيل ماء ولها من شاطئه مما يتصل بالبحر بسيط رمل لم ير أجمل منه منظرا ولا ميدان للخيل يشبهه وإليه ركوب صاحب البلد كل بكرة وعشية وبه يجتمع العسكر دمره الله. ولصور عند بابها البري عين معينة ينحدر إليها على أدراج والآبار والجباب بها كثيرة لاتخلو دار منها والله تعالى يعيد إليها وإلى أخواتها كلمة الإسلام بمنه وكرمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484436,"book_id":4102,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":379,"body":"في المركب الشراعي\rوفي يوم السبت الثامن والعشرين لجمادي المذكورة والسادس لأكتوبر صعدنا إلى المركب وهو سفينة من السفن الكبار بمنة الله تعالى على المسلمين بالماء والزاد وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عن الإفرنج وصعده من النصارى المعروفين بالبلغريين١ وهم حجاج بيت المقدس عالم لا يحصى ينتهي إلى أزيد من ألفي إنسان أراح الله من صحبتهم بعاجل السلامة ومأمول التسهيل والصنع الجميل بمنه وكرمه لا معبود سواه ونحن به منتظرون موافقة الريح وكمال الوسق بمشيئة الله ﷿.","footnotes":"١ لفظة إسبانية معناها الحجاج أو الزوار.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484437,"book_id":4102,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":380,"body":"شهر رجب الفرد عرفنا الله بركته ويمنه\rاستهل هلاله ليلة الثلاثاء بموافقة التاسع لشهر أكتوبر ونحن على ظهر المركب بمرسى عكة منتظرون كمال وسقه والاقلاع بسم الله تعالى وبركته وجميل صنعه وكريم مشيئته وتمادى مقامنا فيه مدة اثني عشر يوما لعدم استقامة الريح.\rوفي مهب الريح بهذه الجهات سر عجيب وذلك أن الريح الشرقية لا تهب فيها إلا في فصلى الربيع والخريف والسفر لا يكون إلا فيهما والتجار لا ينزلون إلى عكة البضائع إلا في هذين الفصلين والسفر في الفصل الربيعي من نصف ابريل وفيه تتحرك الريح الشرقية وتطول مدتها إلى آخر شهر ماية وأكثر وأقل بحسب ما يقضى الله تعالى به. والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر وفيه تتحرك الريح الشرقية ومدتها اقصر من المدة الربيعية وإنما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يوما وأكثر وأقل وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف والريح الغربية أكثرها دوأما فالمسافرون إلى المغرب والى صقلية والى بلادالروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق فسبحان المبدع في حكمته المعجز في قدرته لا إله سواه.\rوكنا طول هذه المدة التي اقمنا فيها على ظهر المركب نبيت في البر وتتفقدالمركب في الأحيان فلما كان سحر يوم الخميس العاشر لرجب المذكور والثامن عشر لأكتوبر أقلع المركب وكنا على عادتنا في البر بائتين ولم يحسن النهار للروم بأهبة السفر فضيعنا الحزم ونسينا المثل المضروب في اعداد الماء والزاد والا يفارق الإنسان رحله فأصبحنا والمركب لا عين له ولا أثر، فاكترينا للحين زورقا كبيرا له أربعة مجاذيف وأقلعنا نتبعه وكانت مخاطرة عصم الله منها فأدركنا المركب مع العشى فحمدنا الله ﷿ على ما من به،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484438,"book_id":4102,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":381,"body":"وكان أول ذلك اليوم يوم شدتنا في هذا السفر الطويل وآخره والحمد لله يوم فرجنا ولله الحمد والشكر على كل حال.\rواتصل جرينا والريح الموافقة تأخذ وتدع نحو خمسة أيام ثم هبت علينا الريح الغربية من مكمنها دافعة في وجه المركب فأخذ رئيسه ومدبره الرومي الجنوي وكان بصيرا بصنعته حاذقا في شغل الرياسة البحرية يراوغها تارة يمينا وتارة شمالا طمعا إلا يرجع على عقبه والبحر في أثناء ذلك رهو١ ساكن\rفلما كان نصف الليل أو قريب منه ليلة السبت التاسع عشر لرجب المذكور والسابع والعشرين لأكتوبر تردت علينا الريح الغربية فقصفت قرية٢ الصاري المعروف بالأردمون وألقت نصفها في البحر مع ما اتصل بها من الشراع وعصم الله من وقوعها من المركب لأنها كانت تشبه الصواري عظما وضخامة، فتبادر البحريون إليها وحط شراع الصاري الكبير وعطل المركب من جريه وصيح بالبحريين الملازمين للعشاري٣ المرتبط بالمركب فقصدوا إلى نصف الخشبة الواقعة في البحر وخرجوها مع الشراع المرتبط بها وحصلنا في أمر لا يعلمه إلا الله تعالى وشرعوا في رفع الشراع الكبير وأقاموا في الأردمون شراعا يعرف بالدلون٤، وبتنا بليلة شهباء إلى أن وضح الصباح وقد من الله ﷿ بالسلامة.\rوشرع البحريون في إصلاح قرية أخرى من خشبة كانت معدة عندهم والريح الغربية على أول لجاجها ونحن بين اليأس والرجاء تتردد مغلبين حسن الثقة بجميل صنع الله تعالى وحفى لطفه ومعهود فضله سبحانه هو أهل ذلك جلت قدرته وتناهت عظمته لا إله سواه.","footnotes":"١ رهو: ساكن.\r٢ القرية: عود الشراع الذي يجعل في عرضه من أعلاه.\r٣ العشاري: زورق النجاة.\r٤ الدلون: شراع صغير.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484439,"book_id":4102,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":382,"body":"وفي يوم الأربعاء الثالث والعشرين منه تحركت الريح الشرقية نسيما فاترا عليلا فاستبشرت النفوس بها رجاء في نمائها وقوتها فكانت نفسا خافتا ثم بعد ذلك غشى البحر ضببا رقيق سكنت له أمواجه فعاد كأنه صرح ممرد من قوارير١ ولم يبق للجهات الأربع نفس يتنسم فبقينا لاعبين على صحفة ماء تخاله العين سبيكة لجين كأنا نجول بين مساءين وهذا الهواء الذي يسميه البحريون الغليني٢.\rوفي ليلة الخميس الرابع والعشرين لرجب المذكور وهو أول يوم من نونبر٣ العجمي كان للنصارى عيد مذكور عندهم احتلفوا له في إسراج الشمع وكاد لا يخلو أحد منهم صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى من شمعة في يده وتقدم فسيسوهم للصلاة في المركب بهم ثم قاموا واحدا واحدا لوعظمهم وتذكيرهم بشرائع دينهم والمركب يزهر كله أعلاه وأسفله سرجا متقدة، وتمادينا على تلك الحالة أكثر تلك الليلة ثم أصبحنا بمثل ذلك الهواء الساكن واتصل بنا ذلك إلى ليلة الأحد السابع والعشرين منه فتحركت ريح شمالية فعاد المركب بها لجريته واستبشرت النفوس والحمد لله.","footnotes":"١ سورة النمل، الآية ٤٤. والممرد: المصقول.\r٢ الغليني: الهواء الساكن. معربة.\r٣ نونبر: تشرين الثاني.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484440,"book_id":4102,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":383,"body":"شهر شعبان المكرم عرفنا الله خيره وبركته\rغم هلاله علينا فأكملنا عدة أيام رجب فهو على الكمال من ليلة الخميس بموافقة الثامن من نونبر وقد تم لنا على ظهر البحر من يوم إقلاعنا من عكة اثنان وعشرين يوما حتى عدمنا الأنس واستشعرنا القنط واليأس وصنع الله ﷿ مأمول ولطفه الخفي بنا كفيل بمنه وكرمه. وقل الزاد بأيدي الناس لكن هم من هذا المركب بمنة الله في مدينة جامعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484441,"book_id":4102,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":384,"body":"للمرافق فكل ما يحتاج شراؤه يوجد من خبز وماء ومن جميع الفواكه والأدم كالرمان والسفرجل والبطيخ السندي والكمثرى والشاه بلوط والجوز والحمص والباقلاء نيا ومطبوخا والبصل والثوم والتين والجبن والحوت وغير ذلك مما يطول ذكره عاينا جميع ذلك يباع وفي خلال هذه الأيام كله لم يظهر لنا بر والله يأتي بالفرج القريب.\rومات فيه رجلان من المسلمين رحمهما الله فقذفا في البحر ومن البلغريين اثنان أيضا ومات منهم بعد ذلك خلق وسقط منهم واحد في البحر حيا فاحتملته الموج أسرع من خطفه البارق وورث هؤلاء الاموات من المسلمين والنصارى البلغريين رئيس المركب لأنها سنة عندهم في كل من يموت في البحر ولا سبيل لوارث الميت إلى ميراثه فطال عجبنا من ذلك.\rوفي سحر يو م الثلاثاء السادس من الشهر المؤرخ والثالث عشر من نونتبر ظهرت لنا جبال في البحر وقدا شتدت الريح الغربية وتوالى إعصارها وكانت تتقلب بالقبول والدبور فالجأتنا إلى أحد تلك الجبال فأرسينا عنده وسألنا عن الموضع فأعلمنا إنه من جزائر الرمانية وهذه الجزائر نيف على الثلاثمائة وخمسين جزيرة وهي إلى عمل صاحب القسطنطينية والروم يحذرون أهلها كحذر المسمين لأنهم لا صلح بينهم، فأقمنا بذلك المرسى يوم الثلاثاء المذكور وصدر يوم الأربعاء بعده ونزل من تلك الجزيرة قوم بايعوا أهل المركب بعض ساعة من النهار في الخبز واللحم بعد أمان أخذوه.\rثم أقعلنا يوم الأربعاء المذكور وقد تم لنا على ظهر المركب ثمانية وعشرون يوما، وظهر لنا يوم الخميس بعده بر جزيرة أقريطش وهذه الجزيرة أيضا لعمل صاحب القسطنطينية وطولها نيف على الثلثمائة ميل وقد تقدم ذكرها في سفرنا البحري إلى الإسكندرية فبقينا نجرى بطولها وهي منا على اليمين والبحر في أثناء ذلك كله مائل والريح لا توافق ونحن ننتظر الفرج من الله ﷿ بصبر جميل ونرتقب منه ﷻ معهود التسير والتسهيل بمنه ولطفه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484442,"book_id":4102,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":385,"body":"ثورة الريح الشمالية\rوفي يوم السبت العاشر لشبعان المذكور والسابع عشر لنونبر انقطع عنا بر الجزيرة المذكورة ونحن نجري بريح شمالية موافقة فذئرت١ وعصفت فطار لها المركب بجناحي شراعه والبحر بها قد جن واشترى لجاجه وقذفت بالزبد امواجه فتخال غواربه المتموجة جبالا مثلجة ومع تلك استشعرت النفوس الأنس وغلب رجاؤها اليأس، وقد كنا مدة الستة وعشرين يوما المذكورة التي لم يظهر لنا فيها بر برجم الظنون ونغازل المنون حذرا من نفاد الزاد والماء والحصول بين المهلكين الجوع والظماء فمن قائل يقول: إنا قد ملنا في جرينا إلى بر الغرب وهو بر إفريقية وآخر يزعم: أنا قد ملنا إلى بر الأرض الكبيرة بر القسطنيطينة وما يليها ومنهم من يقول: إلى اللاذقية جهة الشام ومنهم من يقول: إلى دمياط بر الإسكندرية. وكنا نحذر أن تلجئنا الريح إلى أحد جزائر الرمانية الخالية فنشتو فيها أو تضطرنا الحال إلى المعمور منها وليس في هذه الوجوه المتوقعة كلها وجه فيه حظ لمختار حتى أتى الله بالفرج وأذهب الباس والياس ومكن في النفوس الإيناس بعد مكابدة الأمرين ومقاساة البرحين فلله در القائل:\rالبحر مر المذاق صعب\r...\rلا جعلت حاجتي إليه\rاليس ماء ونحن طين\r...\rفما عسى صبرنا عليه\rونحن الآن بفضل الله تعالى نتطلع البشري بظهور بر صقلية إن شاء الله.","footnotes":"١ ذئرت: غضبت، يريد هاجت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484443,"book_id":4102,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":386,"body":"الرياح العاصفة الغربية\rوفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غربية وكشف النوء من المغرب وجاءت الريح عاصفة فأخذت بنا جهة الشمال وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد والبحر قد هاج هائجه وماج مائجه فرمى بموج كالجبال يصطدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمه تقلب الغصن الرطيب وكان كالسور علوا فيرتفع له الموجا رتفاعا يرمى في وسطه بشآبيب كالوابل المنسكب. فلما جن الليل اشتد تلاطمه وصكت الأذان غماغمه واستشرى عصوف الريح فحطت الشرع واقتصر على الدلالين الصغار دون انصاف الصواري ووقع اليأس من الدنيا ووعنا الحياة بسلام وجاءنا الموج من كل مكان وظننا أنا قد احيط بنا فيا لها ليلة يشيب لها سودالذوائب مذكورة في ليالي الشوائب مقدمة في تعاد الحدواث والنوائب! ونحن منها في مثل ليل صول طولا١ فأصبحنا ولم نكد فكان من الاتفاقات الموحشة أن أبصرنا بر اقريطش عن يسارنا وجباله قد قامت أمامنا وكنا قد خلفناه عن يميننا فأسقطتنا الريح عن مجرانا ونحن نظن أنا قد جزناه فسقط في أيدينا وخالفنا المجرى المعهود الميمون وهو أن يكون البر المذكور منا يمينا في استقبال صقلية. فاستسلمنا للقدر وتجرعنا غصص هذا الكدر وقلنا:\rسيكون الذي قضى ... سخط العبد أو رضى\rوفي أثناء ذلك انبسطت الشمس ولان البحر قليلا وصممنا نروم أخذ مرسى في البر المذكور إلى أن يقضى الله قصاءه وينفذ حكمه ولكل سفر","footnotes":"١ مثل منتزع من قول حندج المري، الذي رواه ياقوت في مادة صول:\rفي ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما صبحه في الليل موصول\rوصول بلد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484444,"book_id":4102,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":387,"body":"أوان وسفر البحر إنما هو في ابإنه والمعهود من زمإنه لا أن يعتسف في فصول أشهر الشتاء اعتسافنا له والأمر لله من قبل ومن بعد فالحذر الحذر من ركوب مثل هذا الخطر وان كان المحذور لا يغنى عن المقدور شيئا وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rثم إن الريح ساعدت عند استقبالنا البر بعض مساعدة فانصرفنا عنه وتركناه يمينا وعدنا إلى قريب من المجرى المقصود وجرينا بعض ليلة الثلاثاء الثالث عشر منه وقد تم لنا على ظهر المركب أربعة وثلاثون يوما والشرع مصلبة١ وهو عندهم اعدل جرى لأنه لا يكون إلا بالريح التي تتلقى مؤخر المركب في مجراه، فأصبحنا يوم الثلاثاء المذكور على مثل تلك الحال وساعدت الريح ففرحنا وسررنا وطلعت علينا مراكب قاصدة مقصدنا فاستبشرنا بها وعلمنا أنا على مجرى مقصود ولله الحمد والشكر على كل حال من الأحوال.\rثم انقلبت الريح غربية وهبت عاصفا فالجأتنا اضطرارا بعد أن جرت بنا بعض ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء إلى مرسى من مراسى جزائر الرمانية وهو رأس الجزيرة ومنه إلى الأرض الكبيرة مجاز فيه الاثنا\rعشر ميلا فأصبحنا يوم الخميس الخامس عشر لشعبان المكرم والثاني والعشرين لنونبر فحمدنا الله ﷿ على ما من به من السلامة وتوافت بعدنا إلى ذلك المرسى خمسة مراكب منها اثنان كانا قد أقلعا من بر الإسكندرية عن عهد نحو خمسين يوما فأسقطتهما الريح، أقمنا بذلك المرسى أربعة أيام، وجدد الناس به الماء والزاد لأن العمارة كانت منا قريبا فنزل أهل الجيزرة وبايعوا أهل المركب في الخبز واللحم والزيت وما كان عندهم من الأدم. ولم يكن خبزهم برا خالصا إنما كان خليطا بالشعير وكان يضرب للسواد فتهافت الناس عليه على غلائه ولم يكن بالرخيص في سومه وشكروا لله على ما من به عليهم. وفي هذا المرسى كمل لنا على ظهر البحر أربعون يوما والحمد لله","footnotes":"١ مصلبة: موضوعة على شكل صليب وهكذا تمتلئ بالريح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484445,"book_id":4102,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":388,"body":"على كل حال ومدة مقمنا بالمرسى لم يفتر عصوف الريح الغربية واعادت اشد ما يكون هبوبا فحمدنا الله تعالى على إن لم تأخذنا ونحن على ظهر البحر جارين والحمد لله على جميل صنعه.\rوأقلعنا من المرسى المذكور يوم الإثنين التاسع عشر لشعبان المذكور والسادس والشعرين لنوننبر بريح طيبة موافقة فاستبشرنا بها واستلطعنا جميل صنع الله ﷿ ولطف قضائه لا رب سواه وتمادى سيرنا إلى يوم الخميس الثاني والعشرين لشعبان والتاسع والعشرين لنونبر، ثم انقلبت الريح غربية وأنشأت سحابه فيها رعد قاصف وزجتها١ ريح عاصف وتقدمها برق خاطف فأرسلت حاصبا من البرد صبته علينا في المركب شآبيب متداركه فارتاعت له النفوس ثم أسرع انقشاعها وانجلى عن الأنفس ارتياعها وبتنا ليلة الجمعة مبيت وحشة وطالعنا اليأس من مكمنه فلما أسفر الصبح وطلع النهار أبصرنا بر صقلية لائحا أمامنا. فيا لها بشرى ومسرة لو لم يعد حسرة في كرة! فأمسينا ليلة السبت وهو أول يوم من دجنبر٢ ونحن على إدراكه في أقل من ثلثها أو منتصفها ولكل أجل كتاب وميقات وكم أمل تعترض دونه الآفات فما كان إلا كلا ولا حتى ضربت في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب وحالت بين الابصار والارتقاب وما زالت تعصف حتى كادت تنسف وتقصف فحطت الشرع عن صواريها واستسلمت النفوس لباريها وتركنا بين السفينة ومجريها، وتتابعت علينا عوأرض ديم حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم وعباب الموج تتوالى صدماته وتطفر الألباب رجفاته فنبذت نفوسنا كل أمنية وتأهبت للقاء المنية.\rوقطعنا هذه الليلة البهماء في مصادمة أهوال ومكابدة أوجال ومقاساة أحوال يا لها من أحوال! ثم أصبحنا يوم السبت ليوم عصب أخذ من","footnotes":"١ زجتها: ساقتها.\r٢ دجنبر: كانون الأول.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484446,"book_id":4102,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":389,"body":"هول ليلته بأوفر نصيب والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت وقد استسلمنا للقضاء وتمسكنا بأسباب الرجاء. ثم تداركنا صنع الله تعالى مع المساء ففترت الريح ولان متن البحر وأسفر وجه الجو. وأصبحنا يوم الأحد ثاني دجنبر والخامس والعشرين لشعبان وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الأكفان وساعدت الريح بعض مساعدة. فعدنا نطلب من البر أثرا بعد عين ونرجم الظنون بين متى وأين والله ﷿ لطيف بعباده وكفيل بمعهود صنعه الجميل ومعتاده لا رب سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484447,"book_id":4102,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":390,"body":"شهر رمضان المعظم عرفنا الله البركة والقبول فيه بمنه وكرمه لا رب غيره\rاستهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ونحن بإزاء الأرض الكبيرة على متن البحر مترددين وقد من الله علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا حتى وصلنا هذا الموضع من إزاء الأرض الكبيرة المذكورة وأبصرنا فيها ضياعا وعمارة كثيرة أعلمنا أنها من قلورية١ وهي من بلاد صاحب صقلية لأن بلاده في الأرض الكبيرة تتصل نحو شهرين. وبهذا الموضع نزل كثير من البلغريين فائزين بأنفسهم لمسغبة مست أهل المركب لعدم الزاد ونفاده وحسبك أنا كنا نقتصر على مقدار رطل من الخبز اليابس نتقسمه بين أربعة منا ونبله بيسير من الماء فنتبلغ به وكل من نزل من البلغريين باع فضلة زاده فترفق المسلمون بابتياع ما امكن منه على غلائه وانتهى إلى مقدار خبزة بدرهم من الخالص\rفما ظنك بمدة شهرين على ظهر البحر في مسافة ظن الناس أنهم يقطعونها في عشرة أيام أو خمسة عشر يوما الغاية فالحازم من أدخل زاد ثلاثين يوما وسائر الناس لعشرين يوما ولخمسة عشر يوما.","footnotes":"١ قلورية: كلابريا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484448,"book_id":4102,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":391,"body":"ومن العجب في الاتفاقات في الأسفار البحرية أنا استطلعنا على ظهر البحر أهلة ثلاثة أشهر: هلال رجب وهلال شعبان وهلال رمضان هذا وفي يوم مستهله مع الصباح أبصرنا أمامنا جبل النار وهو جبل البركان المشهور بصقلية فاستبشرنا بذلك والله تعالى يعظم أجورنا على ما كابدناه ويختم لنا بأجمل الصنع وأسناه يوزعنا في كل حال شكر ما أولاه بمنه وكرمه.\rثم حركتنا من ذلك الموضع ريح موافقة فلما كان عشي يوم السبت ثاني الشهر المذكور اشتد هبوبها فزجت المركب تزجيه سريعة فلم يكن إلا كلا ولا حتى أدتنا إلى أول المضيق والليل قد جن وهذا المضيق ينحصر فيه البحر إلى مقدار ستة أميال وأضيق موضع فيه ثلاثة أميال يعترض من بر الأرض الكبيرة إلى بر جزيرة صقلية والبحر بهذا المضيق ينصب انصباب السيل العرم ويغلى غليان المرجل لشدة انحصاره وانضغاطه وشقه صعب على المركب فاستمر مركبنا في سيره والريح الجنوبية تسوقه\rسوقا عنيفا وبر الأرض الكبيرة عن يمننا وبر صقلية عن يسارنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484449,"book_id":4102,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":392,"body":"الإشراف على الغرق\rفملا كان مع نصف ليلة الأحد الثالث للشهر المبارك وقد شارفنا مدينة مسينة من الجزيرة المذكورة دهمتنا زعقات البحريين بأن المركب قد أمالته الريح بقوتها إلى أحد البرين وهو ضارب فيه فأمر رئيسهم بحط الشرع للحين فلم ينحط شراع الصاري المعروف بالأردمون وعالجوه فلم يقدروا عليه لشدة ذهاب الريح به فلما أعياهم مزقه الرائس١ بالسكين قطعا قطعا طمعا في توقيفه، وفي أثناء هذه المحاولة سنح المركب٢ بكلكله على البر والتقاه","footnotes":"١ الرائس: ربان المركب.\r٢ سنح المركب: لصق بالأرض.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484450,"book_id":4102,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":393,"body":"بسكانية وهما رجلاه اللتان يصرف بهما وقامت الصيحة الهائلة في المركب فجاءت الطامة الكبرى والصدعة التي لم نطق لها جبرا والقارعة الصماء التي لم تدع لنا صبرا والتدم النصارى التداما واستسلم المسلمون لقضاء ربهم استسلاما ولم يجدوا سوى حبل الرجاء استمساكا واعتصاما.\rوتعاورت١ الريح والأمواج صفع المركب حتى تكسرت رجله الواحدة فألقى الرائس مرسى من مراسيه طمعا في تمسكه به فلم نغن شيئا فقطع حبله وتركه في البحر، فما تحققنا أنها هي قمنا فشددنا للمو ت حيازيمنا٢ وأمضينا على الصبر الجميل عزائمنا وأقمنا نرتقب الصباح أو الحين المتاح وقد علا الصياح وارتفع الصراخ من أطفال الروم ونسائهم وألقى الجميع عن يد الإذعان وقد حيل بين العير والنزوان٣. ونحن قيام نبصر البر قريبا ونتردد بين أن نلقي بأنفسنا إليه سبحا أو ننتظر لعل الفرج من الله يطلع صبحا فأحضرنا نية الثبات والبحريون قد ضموا العشاري٤ لإخراج المهم من رجالهم ونسائهم وأسبابهم فساروا به إلى البر دفعة واحدة ثم لم يطيقوا رده وقذفته الموج مكسرا على ظهر البر فتمكن حينئذ اليأس من النفوس، وفي أثناء مكابدة هذه الأهوال أسفر الصبح فجاء نصر الله والفتح وحققنا النظر فإذا بمدينة مسينة أمامنا على أقل من نصف الميل وقد حيل بيننا وبينها فعجبنا من قدرة الله ﷿ في تصريف أقداره وقلنا: رب مجلوب إليه حتفه في عتبة داره.","footnotes":"١ تعاورت: تداولت.\r٢ الحيزوم: الصدر، وشده يدل على التأهب.\r٣ النزوان: الوثوب. وهذا مثل يريد به أن كل فرصة للنجاة قد ضاعت.\r٤ العشاري: زورق النجاة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484451,"book_id":4102,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":394,"body":"الزوارق المغيثة\rثم تمكن الشروق فجاءتنا الزواريق مغيثة ووقعت الصحة في المدينة فخرج ملك صقلية غليام بنفسه في جملة من رجاله متطلعا لتلك المحال وبادرنا إلى النزول في الزواريق والأمواج لشدتها لا يمكنها الوصول إلى المركب فكان نزولنا فيها خاتمة الهول العظيم ونجونا إلى البر منجي أبي نصر١ عن قدر وتلف للناس بعض أسباب هم فتسلوا عن الغنيمة بإيابهم.\rومن العجب على ما أخبرنا به أن هذا الملك الرومي المذكور أبصر فقراء من المسلمين يتطلعون من المركب وليس لهم شيء يؤدونه في نزولهم لأن أصحاب الزواريق أغلوا على الناس في تخليصهم فسأل عنهم فأعلم بقصتهم فأمر لهم بمائة رباعي من سكتة ينزلون بها وخلص جميع المسلمين عن سلام وقيل: الحمد لله رب العالمين.\rوفرغ النصارى جميع ما كان لهم فيه فأصبح في اليوم الثاني وقد جعلته الأمواج جذاذا ورمت به إلى البر أفلاذا فعاد عبرة للناظرين وآية للمتوسمين. ووقع العجب من سلامتنا منه وجددنا شكر الله ﷿ على ما من به من لطيف صنعه وجميل قضائه وتخليصه لنا من أن يكون هذا القدر ينفذ علينا في الأرض الكبيرة أو إحدى جزائر الروم المعمورة فكنا لو سلمنا نستعبد للأبد والله ﷿ يعيننا على اداء شكر هذه المنة والنعمة وما تداركنا به من لحظات الرأفة والرحمة إنه على ذلك قدير وبعوائدالفضل ولخير جدير لا إله سواه.\rومن جملة صنع الله ﷿ لنا ولطفه بنا في هذه الحادثة كون هذا الملك الرومي حاضرا فيها ولولا ذلك لا نتهب جميع ما في المركب انتهابا،","footnotes":"١ لعله مثل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484452,"book_id":4102,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":395,"body":"وربما كان يستعبد جميع من فيه من المسلمين لأن العادة جرت لهم بذلك وكان وصول هذا الملك لهذه البلاد بسبب اسطوله الذي ينشئه رحمة لنا والحمد لله على ما من به علينا من حسن نظره الكفيل بنا لا إله سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484453,"book_id":4102,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":396,"body":"ذكر مدينة مسنية من جزيرة صقلية أعادها الله تعالى\rهذه المدينة موسم تجار الكفار ومقصد جواري الحبر من جميع الأقطار كثيرة الأرفاق برخاء الأسعار مظلمة الآفاق بالكفر لا يقر فيها لمسلم قرار مشحونة بعبدة الصلبان تغص بقاطنيها وتكاد تضيق ذرعا بساكنيها مملوءة نتنا ورجسا موحشة لا توجد الغريب أنسا، أسواقها نافقة حفيلة وأرزاقها واسعة بإرغاد العيش كفيلة لا تزال بها ليلك ونهارك في أمان وإن كنت غريب الوجه واليد واللسان مستندة إلى جبال قد انتظمت حضيضها وخناديقها والبحر يعترض إمامها في الجهة الجنوبية منها. ومرساها أعجب مراسي البلاد البحرية لأن المراكب الكبار تدنو فيه من البر حتى تكاد تمسه وتنصب منها إلى البر خشبة يتصرف عليها فالحمال يصعد بحمله إليها ولا يحتاج الزواريق في وسقها ولا في تفريغها إلا ما كان مرسيا على البعد منها يسيرا فتراها مصطفة مع البر كاصطفاف الجياد في مرابطها واصطبلاتها وذلك لافراط عمق البحر فيها وهو زقاق معترض بينها وبين الأرض الكبيرة بمقدار ثلاثة أميال ويقابلها منه بلدة تعرف برية وهي عمالة كبيرة. وهذه المدينة: مسينة رأس جزيرة صقلية وهي كثيرة المدن والعمائر والضياع وتسميتها تطول.\rوطول هذه الجزيرة: صقلية، سبعة أيام وعرضها مسيرة خمسة أيام وبها جبل البركان المذكور وهو يأتزر بالسحب لإفراط سموه ويعتم بالثلج شتاء وصيفا دائما، وخصب هذه الجزيرة أكثر من أن يوصف وكفى بأنها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484454,"book_id":4102,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":397,"body":"ابنة الأندلس في سعة العمارة وكثرة الخصب والرفاهة مشحنة بالأرزق على اختلافها مملوءة بأنواع الفواكه وأصنافها لكنها معمورة بعبدة الصلبان يمشون في ناكبها ويرتعون في أكنافها والمسلمون معهم على أملاكهم وضياعهم قد حسنوا السيرة في استعمالهم واصطناعهم وضربوا عليهم أتاوة في فصلين من العام يؤدؤونها وحالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها والله ﷿ يصلح أحوالهم ويجعل العقبى الجميلة مآلهم بمنه. وجبالها كله بساتين مثمرة بالتفاح والشاه بلوط والبندق والإجاص وغيرها من الفواكه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484455,"book_id":4102,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":398,"body":"المسلمون في صقلية\rوليس في مسينة هذه من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن ولذلك ما يستوحش بها المسلم الغريب وأحسن مدنها قاعدة ملكها والمسلمون يعرفونها بالمدينة والنصارى يعرفونها ببلازمة وفيها سكنى الحضريين من المسلمين ولهم فيها المساجد والأسواق المختصة بهم في الأرباض كثير وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها وسائر مدنها كسرقوسة وغيرها لكن المدينة الكبيرة التي هي مسكن ملكها غليام١ أكبرها وأحفلها وبعدها مسينة وبالمدينة إن شاء الله يكون مقامنا ومنها نؤمل سفرنا إلى حيث يقضى الله ﷿ من بلاد المغرب إن شاء الله.","footnotes":"١ غليام: هو غليوم الثاني الملقب بالصالح ملك من سنة ١١٦٦ إلى ١١٨٩ على صقلية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484456,"book_id":4102,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":399,"body":"الملك غليام وحسن سيرته\rوشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجابيب وكلهم أو أكثرهم كاتم إيمانه متمسك بشريعة الإسلام وهو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484457,"book_id":4102,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":400,"body":"كثير الثقة بالمسلمين وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله حتى إن الناظر في مطبخته١ رجل من المسلمين وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائدمنهم ووزراؤه وحجابه الفتيان وله منهم جملة كبيرة هم أهل دولته والمرتسمون بخاصته٢ وعليهم يلوح رونق مملكته لأنهم متسعون في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة وما منهم إلا من له الحاشية والخول والأتباع.","footnotes":"١ أراد بالمطبخة المطبخ.\r٢ المرتسمون بخاصته أي أهل بطانته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484458,"book_id":4102,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":401,"body":"القصر الأبيض\rولهذا الملك القصرو المشيدة والبساتين الأنيقة ولا سيما بحضرة ملكه المدينة المذكورة وله بمسينة قصر أبيض كالحمامة مطل على ساحل البحر وهو كثير الإتخاذ للفتيان والجواري وليس في ملوك النصارى أترف في الملك ولا أنعم ولا أرفه منه وهو يتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك واظهار زينته بملوك المسلمين، وملكه عظيم جدا وله الأطباء والمنحمون وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم حتى إنه متى ذكر له أن طبيبا أو منجما اجتاز ببلده أمر بامساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه والله يعيذ المسلمين من الفتنة به بمنه وسنه نحو الثلاثين سنة كفى الله المسلمين عاديته وبسطته. ومن عجيب شأن المتحدث به إنه يقرا ويكتب بالعربية وعلامته على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصين به. الحمد لله حق حمده. وكانت علامة أبيه: الحمد لله شكرا لأنعمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484459,"book_id":4102,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":402,"body":"المسلمون في دولة غليام\rوأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن. ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكرو وهو يحيى بن فتيان الطراز وهو يطرز بالذهب في طراز الملك أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة تعيدها الجواري المذكورات مسلمة وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله ولهن في فعل الخير أمور عجيبة. وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك فكان يتطلع ف يقصره فلا يسمع إلا ذاكرا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته فكان يقول لهم ليذكر كل أحد منكم معبوده ومن يدين به تسكينا لهم.\rوأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عمالته في ملكه فهم مسلمون ما منهم إلا من يصوم الأشهر تطوعا وتأجرا ويتصدق تقربا إلى الله وتزلفا ويتفكا لأسرى ويربى الأصاغر منهم ويزوجهم ويحسن إليه ويفعل الخير ما استطاع وهذا كله صنع من الله ﷿ لمسلمي هذه الجزيرة وسر من أسرار اعتناء الله ﷿ بهم. لقينا منهم بمسينة فتى اسمه عبد المسيح من وجوههم وكبرائهم بعدتقدمة رغبة منه إلينا في ذلك فاحتفل في كرامتنا وبرنا وأخرج إلينا عن سره المكنون بعد مراقبة منه في مجلسه أزال لها كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه فسألنا عن مكة قدسها الله وعن مشاهدها المعظمة وعن مشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام فأخبرناه وهو يذوب شوقا وتحرقا واستهدى منا بعض ما استصحبناه من الطرف المباركة من مكة والمدينة قدسهما الله ورغب في أن لا نبخل عليه بما أمكن من ذلك. وقال لنا: أنتم مدلون بإظهار الإسلام فائزون بما قصدتم له رابحون إن شاء الله في متجركم ونحن كاتمون إيماننا خائفون على أنفسنا متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرا معتقلون في ملكة كافر بالله قد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484460,"book_id":4102,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":403,"body":"وضع في أعناقنا ربقة الرق فغايننا التبرك بلقاء امثالكم من الحجاج واستهداء ادعيتهم والاغتباط بما تتلقاه منهم من تحف تلك المشاهد المقدسة لنتخذها عدة للإيمان وذخيرة للأكفان، فتفطرت قلوبنا له إشفاقا ودعونا له بحسن الخاتمة وأتحفاه ببعض ما كان عندنا مما رغب فيه وأبلغ في مجازاتنا ومكافأتنا واستكتمنا سائر إخوإنه من الفتيان.\rولهم في عفل الجميل أخبار مأثورة وفي افتكاك الأسرى صنائع عند الله مشكورة. وجميع خدمتهم على مثل أحوالهم. ومن عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذا من مجلسه فيقضون صلاتهم وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فيسترهم الله ﷿ فلا يزالون بأعمالهم ونياتهم وبنصائحهم الباطنة للمسلمين في جهاد دائم والله ينفعهم ويجمل خلاصهم بمنه.\rولهذا الملك بمدينة مسينة المذكورة دار صنعة البحر تحتوى من الأساطيل على مالا يحصى عدد مراكبه وله بالمدينة مثل ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484461,"book_id":4102,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":404,"body":"مغادرة صقلية\rفكان نزولنا في أحد الفنادق وأقمنا به تسعة أيام فلما كان ليلة الثلاثاء الثاني عشر للشهر المبارك المذكور والثامن عشر لدجنبر ركبنا في زورق متوجهين إلى المدينة المتقدم ذكرها وصرنا قريبا من الساحل بحيث نبصره رأي العين وأرسل الله علينا ريحا شرقية رخاء طيبة زجت الزورق١ أهنأ تزجية وسرنا نسرح اللحظ في عمائر وقرى متصلة وحصون ومعاقل في قن الجبال مشرفة، وأبصرنا عن يميننا في البحر تسع جزائر٢ قد قامت جبالا","footnotes":"١ زجت الزورق: دفعته دفعا لينا.\r٢ تسع جزائر: يريد بها الجزائر المعروفة بالأيولية في شمالي جزيرة صقلية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484462,"book_id":4102,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":405,"body":"مرتفعة: على مقربة من بر الجزيرة اثنتان منها تخرج منهما النار دائما وأبصرنا الدخان صاعدا منهما ويظهر بالليل نارا حمراء ذات السن تصعد في الجو وهو البركان المشهور خبر وأعلمنا أن خروجها من منافس في الجبلين المذكورين يصعد منها نفس ناري١ بقوة شديدة تكون عنه النار وربما قذف فيها الحجر الكبير فتلقي به في الساعة إلى الهواء لقوة ذلك النفس وتمنعه من الاستقرار والانتهاء إلى القعر٢ وهذا من أعجب المسموعات الصحيحة.\rوأما الجبل الشامخ٣ الذي بالجزيرة المعروف بجبل النار فشإنه أيضا عجيب وذلك أن نارا تخرج منه في بعض لسنين كالسيل العرم فلا تمر بشيء إلا أحرقته حتى تنتهي إلى البحر فتركب ثبجه على صفحه حتى تغوص فيه فسبحان المبجع في عجائب مخلوقاته إلا إله سواه. إلى أن حللنا عشي يوم الأربعاء بعد يوم الثلاثاء المؤرخ مرسى مدينة شفلودى وبينها وبين مسينة مجرى ونصف مجرى.","footnotes":"١ نفس ناري: هو الغاز المستعمل اليوم للاستصباح. وهو في البراكين كثير لاختلاط الهيدروجين بالكربون.\r٢ أي أن قوة النفس الناري ترمي بالحجارة وتمنعها أن تستقر في محلها وأن تغوص إلى قعر البركان.\r٣ الجبل الشامخ: بركان إتنا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484463,"book_id":4102,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":406,"body":"ذكر مدينة شفلودي من جزيرة صقلية أعادها الله\rهي مدينة ساحلية كثيرة الخصب واسعة المرافق منتظمة أشجار الأعناب وغيرها مرتبة الأسواق تسكنها طائفة منها المسلمين وعليها قنة جبل واسعة مستديرة، فيها قلعة لم ير امنع منها اتخذوها عدة لاسطول يفجوؤهم من جهة البحر من جهة المسلمين نصرهم الله. وكان إقلاعنا منها نصف الليل فجئنا مدينة ثرمة ضحوة يوم الخميس بسير رويد وبين المدينتين خمسة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484464,"book_id":4102,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":407,"body":"وعشرون ميلا فانتقلنا فيها من ذلك الزورق إلى زورق ثان اكتريناه لكون البحريين الذين صحبونا فيه من أهلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484465,"book_id":4102,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":408,"body":"ذكر مدينة ثرمة من الجزيرة المذكورة فتحها الله\rهي أحسن وضعا من التي تقدم ذكرها وهي حصينة تركب البحر وتشرف عليه وللمسلمين فيها ربض كبير لهم فيه المساجد ولها قلعة سامية منيعة وفي أسفل البلدة حمة١ قد أغنت أهلها عن اتخاذ حمام وهذه البلدة من الخصب وسعة الرزق على غاية والجزيرة بأسرها من أعجب بلادالله في الخصب وسعة الأرزاق. فاقمنا بها يوم الخميس الرابع عشر للشهر المذكور ونحن قد أرسينا في واد بأسفلها ويطلع فيه المد من البحر ثم ينحسر عنه وبتنا بها ليلة الجمعة ثم انقلب الهواء غربيا فلم نجد للإقلاع سبيلا وبيننا وبين المدينة المقصودة المعروفة عند النصارى ببلارمة خمسة وعشرون ميلا فخشينا طول المقام وحمدنا الله تعالى على ما أنعم به من التسهيل في قطع المسافة في يومين وقد تلبث الزواريق في قطعها على ما أعملنا به العشرين يوما والثلاثين يوما ونيفا على ذلك.\rفأصبحنا يوم الجمعة منتصف الشهر المبارك على نية من السير في البر على أقدامنا فنفذنا لطيتنا٢ وتحملنا بعض أسباب نا وخلفنا بعض الأصحاب على الأسباب الباقية في الزورق وسرنا في طريق كأنها السوق عمارة وكثرة صادر ووارد وطوائف النصارى يتلقوننا فيبادرون بالسلام علينا ويؤنسوننا فرأينا من سياستهم ولين مقصدهم مع المسلمين ما يوقع الفتنة في نفوس أهل الجهل عصم الله جميع امة محمد ﷺ من الفتنة بهم بعزته","footnotes":"١ حمة: حارة المياه.\r٢ الطية: الغرض والنية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484466,"book_id":4102,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":409,"body":"ومنه، فانتهينا إلى قصر سعد وهو على فرسخ من المدينة وقد أخذ منا الإعياء فملنا إليه وبتنا فيه.\rوهذا القصر على ساحل البحر مشيد البناء عتيقه قديم الوضع من عهد ملكة المسلمين للجزيرة لم يزل ولا يزال بفضل الله مسكنا للعابد منهم وحوله قبور كثيرة للمسلمين أهل الزهادة والورع وهو موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان وبإزائه عين تعرف بعين المجنونة وله باب وثيق من الحديد وداخله مساكن وعلالي مشرفة وبيوت منتظمة وهو كامل مرافق السكنى، وفي أعلاه مسجد من أحسن مساجد الدنيا بهاء مستطيل ذو حنايا مستطيلة، مفروش بحصر نظيفة لم ير أحسن منها صنعة وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلا من أنواع الصفر والزجاج وأمامه شارع واسع مستدير بأعلى القصر وفي أسفل القصر بئر عذبة فبتنا في هذا المسجدا حسن مبيت واطيبه وسمعنا الأذان وكنا قد طال عهدنا بسماعه وأكرمنا القوم الساكنون فيه وله إمام يصلى بهم الفريضة والتراويح في هذا الشهر المبارك\rوبمقربة من هذا القصر بنحو الميل إلى جهة المدينة قصر آخر على صفته يعرف بقصر جعفر وداخله سقاية تفور بماء عذب. وأبصرنا للنصارى في هذه الطريق كنائس معدة لمرضى النصارى ولهم في مدنهم مثل ذلك على صفة مارستانات المسلمين وأبصرنا لهم بعكة وبصور مثل ذلك فعجبنا من اعتنائهم بهذا القدر.\rفلما صلينا الصبح توجهنا إلى المدينة فجئنا لندخل فمنعنا وحملنا إلى الباب المتصل بقصور الملك الإفرنجي أراح الله المسلمين من ملكته وأدينا إلى المستخلف من قبله ليسألنا على مقصدنا وكذلك فعلهم بكل غريب فسلك بنا رحاب وأبواب وساحات ملوكية وأبصرنا من القصور المشرفة والميادين المنتظمة والبساتين والمراتب١ المتخذة لأهل الخدمة ما راع أبصارنا وأذهل أفكارنا،","footnotes":"١ المراتب: حجر خلفية تتخذ للخدم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484467,"book_id":4102,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":410,"body":"وتذكرنا قول الله ﷿: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ١﴾ وأبصرنا فيما أبصرناه مجلسا في ساحة فسيحة قد أحد ق بها بستان وانتظمت جوانبها بلاطات والمجلس قد أخذ استطالة تلك الساحة كلها فعجبنا من طوله وأشراف مناظره فأعلمنا إنه موضع غداء الملك مع أصحابه وتلك البلاطات والمراتب حيث تقعد حكامه وأهل الخدمة والعمالة أمامه. فخرج إلينا ذلك المستخلف يتهادى بين خديمين يحفان به ويرفعان أذياله فأبصرنا شيخا طويل السبلة أبيضها ذا أبهة فسألنا عن مقصدنا وعن بلدنا بكلام عربي لين، فأعلمناه فأظهر الإشفاق علينا وأمر بانصرافنا بعد أن أحفى في السلام والدعاء فعجبنا من شأنه.\rوكان أول سؤاله لنا عن خبر القسطنطينية العظمى وما عند نا منه فلم يكن عند نا ما نعمله به وقد نقيد خبرها بعد هذا. وكان من أغرب ما شاهدناه من الأمور الفتانة أن أحد من كان قاعدا عند باب القصر من النصارى قال لنا عند انصرافنا عن القصر المذكور: تحفظوا بما عند كم يا حجاج من العمال الممسكين لئلا يقعو عليكم. وظن أن عند نا تجارة تقتضى التمكيس. فاستجاب له أحد النصارى فقال: ما أعجب أمرك يدخلون حرم الملك ويخافون من شيء ما كنت أود لهم إلا آلافا من الرباعيات انهضوا بسلام لا خوف عليكم. فقضينا عجبا مما شاهدناه وسمعناه.\rوخرجنا إلى أحد الفنادق فنزلنا فهي وذلك يوم السبت السادس عشر للشهر المبارك والثاني والعشرين لدجنبر وفي خروجنا من القصر المذكور سلكنا بلاطا متصلا مشينا يه مسافة طويلة وهو مسقف حتى انتهينا إلى كنيسة عظيمة البناء فأعلمنا أن ذلك البلاط ممشى الملك إلى هذه الكنيسة.","footnotes":"١ سورة الزخرف، الآية ٢٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484468,"book_id":4102,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":411,"body":"ذكر المدينة التي هي حضرة صقلية أعادها الله\rهي بهذه الجزائر أم الحضارة والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر ومراد عيش يانع اخضر عتيقة انيقة مشرفة مؤنقة تتطلع بمرأى فتان وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان فسيحة السكك والشوارع تروق الأبصار بحسن منظرها البارع عجيبة الشان قرطبية البنيان مبانيها كله بمنحوت الحجر المعروف بالكذان١، يشقها نهر معين ويطرد في جنباتها أربع عيون قد زخرفت فيها لملكها دنياه فاتخذها حضرة ملكه الإفرنجي إباده الله تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود في نحور الكواعب ويتقلب من بساتينها وميادينها بين نزهة وملاعب فكم له فيها لا عمرت به من مقاصير ومصانع ومناظر ومطالع وكم له بجهاتها من ديارات قد زخرف بنيانها ورفه بالإقطاعات٢ الواسعة رهباتها وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها وعسى الله عن قريب أن يصلح لهذه الجزيرة الزمان فيعيدها دار إيمان وينقلها من الخوف للأمان بعزته إنه على ما يشاء قدير.\rوللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإيمان يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بآذان مسموع ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى والأسواق معمورة بهم وهم التجار فيها ولا جمعة لهم بسبب الخطبة لمحظورة عليهم ويصلون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للعباسي ولهم بها قاض يرتفعون إليه في أحكامهم وجامع يجتمعون للصلاة فيه ويحتلفون في وقيده٣ في هذا الشهر المبارك وأما المساجد فكثيرة لا تحصى وأكثرها محاضر","footnotes":"١ الكذان: الحجارة الرخوة النخرة.\r٢ الإقطاعات: أراد الأموال الموقوفة على الكنائس.\r٣ شموعه التي يوقدونها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484469,"book_id":4102,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":412,"body":"لمعلمي القرآن وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم تلاقاهم الله بصنع جميل بمنه.\rومن جملة شبه هذه المدينة بقربطة والشيء قد تشبه بالشيء من إحدى جهاته أن لها مدينة قديمة تعرف بالقصر القديم هي في وسط المدينة الحديثة وعلى هذا المثال موضوع قربطة حرسها الله وبهذا القصر القديم ديار كأنها القصور المشيدة لها مناظر في الجو مظلمة تحار الأبصار في حسنها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484470,"book_id":4102,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":413,"body":"كنيسة الأنطاكي١\rومن أعجب ما شاهدناه بها من أمور الكفران كنيسة تعرف بكنيسة الأنطاكي أبصرناها يوم الميلاد وهو يوم عيد لهم عظيم وقد احتلفوا لها رجالا ونساء فأبصرنا من بنيانها مرأى يعجز الوصف عنه ويقع القطع بأنه أعجب مصانع الدنيا المزخرفة جدرها الداخلة ذهب كلها وفيها من ألواح الرخام الملون ما لم ير مثله قد رصعت كلها بفصوص الذهب وكللت بأشجار الفصوص الخضر ونظم أعلاها بالشمسيات٢ المذهبات من الزجاج فتخطف الأبصار بساطع شعاعها وتحدث في النفوس فتنة نعوذ بالله منها، وأعملنا أن بانيها الذي تنسب إليه أنفق فيها قناطير من الذهب وكان وزيرا لجد هذا الملك المشرك ولهذه الكنيسة صومعة قد قامت على أعمدة سوار من الرخام ملونة وعلت قبة على أخرى سوار كلها فتعرف بصومعة","footnotes":"١ سميت كنيسة الأنطاكي باسم بانيها جرجس بن ميخائيل الأنطاكي، هاجر إلى المغرب. خدم أولا تميم بن المعز بن باديس ثم انتقل إلى خدمة روجار الثاني ملك صقلية. والكنيسة تسمى اليوم بكنيسة المرطورانا باسم أحد الأتقياء الذي أنشأ بجوارها ديرا للراهبات.\r٢ الشمسيات أي أن نوافذها العليا كانت تمثل شموسا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484471,"book_id":4102,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":414,"body":"السواري وهي من أعجب ما يبصر من النبيان شرفها الله عن قريب الأذان بلطفه وكريم صنعه\rوزى النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين فصيحات الالسن ملتحفات متنقبات خرجن في هذا العيد المذكور وقد لبست ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائقة وانتقبن بالنقب الملونة وانتعلن الاخفاف المذهبة وبرزن لكنائسهن أو كنسهن حاملات جميع زنية نساء المسلمين من التحلي والتخضب والتعطر فتذكرنا على جهة الدعاية الأدبية قول الشاعر١:\rإن من يدخل الكنيسة يوما\r...\rيلق فيها جآزرا وظباء\rونعوذ بالله من صوف يدخل مدخل اللغو ويؤدى إلى أباطيل اللهو ونعوذ به من تقييد يؤدى إلى تفنيد إنه سبحانه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.\rفكان مقامنا بهذه المدينة سبعة أيام ونزلنا بها في أحد فنادقها التي يسكنها المسلمون وخرجنا منها صبيحة يوم الجمعة الثاني والعشرين لهذا الشهر المبارك والثامن والعشرين لشهر دجنبر إلى مدينة أطرابنش بسبب مركبين بها: أحدهما يتوجه إلى الأندلس والثاني إلى سبتة وكنا أقلعنا إلى الإسكندرية فيه وفيهما حجاج وتجار من المسلمين، فسلكنا على قرى متصلة وضياع متجاورة وأبصرنا محارث ومزارع لم نر مثل تربتها طيبا وكرما واتساعا فشبهناها بقنبانية قرطبة أو هذه أطيب وأمتن.\rوبتنا في الطريق ليلة واحدة في بلدة تعرف بعلقمة وهي كبيرة متسعة فيها السوق والمساجد وسكانها وسكان هذه الضياع التي في هذه الطريق كلها مسلمون، وقمنا منها سحر يوم السبت الثالث والعشرين لهذا الشهر المبارك والتاسع والعشرين لدجنبر فاجتزنا بمقربة منها على حصن يعرف بحصن الحمة،","footnotes":"١ هو الأخطل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484472,"book_id":4102,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":415,"body":"وهو بلد كبير فيه حمامات كثيرة وقد فجرها الله ينابيع من الأرض وأسالها عناصر لا يكاد البدن يحتملها لإفراط حرها فأجزنا منها واحدة على الطريق فنزلنا إليها عن الدواب وأرحنا الأبدان بالاستحمام فيها، ووصلنا إلى أطرابنش عصر ذلك اليوم فنزلنا فيها في دار اكتريناها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484473,"book_id":4102,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":416,"body":"ذكر مدينة أطرابنش من جزيرة صقلية أعادها الله\rهي مدينة صغيرة الساحة غير كبيرة المساحة مسورة بيضاء كالحمامة مرساها من أحسن بالمراسي وأوفقها للمراكب ولذلك ما يقصد الروم كثيرا إليها ولا سيما المقلعون إلى بر العدوة فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة فالسفر منها إليها لا يتعطل شتاء ولا صيفا إلا ريثما لا تهب الريح الموافقة فمجراها في ذلك مجرى المجاز القريب. وبهذه المدينة السوق والحمام وجميع ما يحتاج إليه من مارفق المدن لكنها في لهوات البحر لاحاطته بها من ثلاث جهات واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة والبحر فاغر فاه لها من سائر الجهات فأهلها يرون أنه لا بد له من الاستيلاء عليها وإن تراخى مدى أيامها ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى.\rوهي مرفقة موافقة لرخاء السعر بها لأنها على محرث عظيم وسكانها المسلمون والنصارى ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس، وبركنها من جهة الشرق مائلا إلى الشمال على مقربة منها جبل عظيم مفرط السمو متسع في أعلاه قنة تنقطع عنه وفيها معقل للروم وبينه وبين الجبل قنطرة ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير ويقال: إن حريمه١ من أحسن حريم هذه الجزيرة جعلها الله سببا للمسلمين.","footnotes":"١ الحريم: النساء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484474,"book_id":4102,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":417,"body":"وبهذا الجبل الكروم والمزارع وأعملنا أن به نحو أربعمائة عين متفجرة وهو يعرف بجبل حامد والصعود إليه هين من إحدى جهاته وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة إن شاء الله ولا سبيل أن يتركوا مسلما يصعد إليه ولذلك ما أعدوا فيه ذلك المعقل الحصين فلو أحسوا بحادثة حصلوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة واعترض بينهم وبين الذي في أعلاه متصل به خندق كبير. وشأن هذا البلد عجيب فمن العجب أن يكون فيه من العيون المتفجرة ما تقدم ذكره وأطرابنش في هذا البسيط ولا ماء لها إلا من بئر على البعد منها وفي ديارها آبار قصيرة الأرشية ماؤها كلها شريب١ لا يساغ.\rوألفينا المركبين اللذين يرومان الاقلاع إلى المغرب بها ونحن إن شاء الله نؤمل ركوب أحدهما وهو القاصد إلى بر الأندلس والله بمعهود صنعه الجميل كفيل بمنه. وفي غربي هذه البلدة: أطرابنش المذكور ثلاث جزائر في البحر على نحو فرسخين منها وهي صغار متجاورة إحداها تعرف بمليطمة والأخرى بيابسة والثالثة تعرف بالراهب نسبت إلى راهب يسكنها في بناء أعلاها كأنه الحصن وهي مكمن للعدو والجزيرتان لا عمارة فيهما ولا يعمر الثالثة سوى الراهب المذكور.","footnotes":"١ شريب: يصلح للشرب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484475,"book_id":4102,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":418,"body":"شهر شوال عرفنا بمنه وبركته\rاستهل هلاله ليلة السبت الخامس من يناير بشهادة ثبتت عند حاكم أطرابنش المذكورة بأنه أبصر هلال شهر رمضان ليلة الخميس ويوم الخميس كان صيام أهل مدينة صقلية المتقدم ذكرها فعيد الناس على الكمال بحساب يوم الخميس المذكور، وكان مصلانا في هذا العبد المبارك بأحد مساجد أطرابنش","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484476,"book_id":4102,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":419,"body":"المذكور مع قوم من أهلها امتنعوا من الخروج إلى المصلى لعذر كان لهم فصلينا صلاة الغرباء جبر١ الله كل غريب إلى وطنه، وخرج أهل البلد إلى مصلاهم مع صاحب أحكامهم وانصرفوا بالطبول والبوقات فعجبنا من ذلك ومن إغضاء النصارى لهم عليه ونحن قد اتفق كراؤنا في المركب المتوجه إن شاء الله إلى بر الأندلس ونظيرنا في الزاد والله المتكفل بالتسير والتسهيل.\rووصل أمر من ملك صقلية بعقلة المراكب بجميع السواحل بجزيرته بسبب الأسطول الذي يعمره ويعده فليس لمركب سبيل للسفر إلى أن يسافر الأسطول المذكور خيب الله سعيه ولا تمم قصده فبادر الروم الجنويون أصحاب المركبين المذكورين إلى الصعود فيهما تحصنا من الوالي ثم امتد سبب الرشوة بينهم وبينه فأقاموا بمركبيهم ينتظرون هواء يقلعون به فأقاموا بمركبيهم ينتظرون هواء يقلعون به\rوفي هذا التاريخ المذكور وصلتنا أخبار موحشة من الغرب منها تغلب صاحب ميورقة على بجاية والله لا يحقق ذلك ويجعل العاقبة والهدنة للمسلمين بمنه وكرمه.\rوالناس بهذه المدينة يرجمون الظنون في مقصد هذا الأسطول الذي حأول هذا الطاغية تعميره وعدد أجفانه٢ فيما يقال ثلاثمائة: بين طرائد ومراكب ويقال: أكثر من ذلك ويستصحب معه نحو مائة سفينة تحمل الطعام والله يقطع به ويجعل الدائرة عليه فمنهم من يزعم أن مقصده الإسكندرية حرسها الله وعصمها ومنها من يقول: إن مقصده ميورقة حرسها الله ومنهم من يزعم أن مقصده إفريقية حماها الله ناكثا لعهده في السلم بسبب الأنباء الموحشة الطارئة من جهة المغرب وهذا أبعد الظنون من الإمكان لأنه مظهر للوفاء بالعد والله يعين عليه ولا يعينه، ومنهم من يرى أن احتفاله إنما هو لقصد القسطنطينية العظمى بسبب ما ورد من قبلها من النبأ العظيم الشأن المهدى للنفوس بشائر تتصمن عجائب من الحدثان وتشهد للحديث المأثور","footnotes":"١ جبر: أعاد.\r٢ أجفانه: أراد بها مراكبه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484477,"book_id":4102,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":420,"body":"عن المصطفى ﷺ بصدق البرهان وذلك بأنه ذكر أن صاحبها توفي وترك الملك بعده لزوجه ولها ابن صغير فقام ابن عم له في الملك وقتل الزوج المذكورة وثقف١ الابن المذكور، ثم إن ابنا للناثر المذكور عطفته الرحمة على الابن المعتقل فأطلق سبيله كان أبوه قد أمره بقتله فرمت به الأقدار إلى هذه الجزيرة بعد خطوب جرت عليه فوردها على حالة ابتذال ومهنة استعمال خادما لأحد الرهبان مسدلا على شارته الملوكية سرا من الامتهان ففشي الأمر وذاع السر ولم يغن عنه ذلك الستر. فاستحضر عن أمر الملك الصقلي غليام المذكور قبل واستنطق واستفهم فزعم أنه عبد لذلك الراهب وخديمه، ثم إن طائفة من الروم الجنوبيين المسافرين إلى القسطنطينية أثبتوا صفته وحققوا أنه هو مع مخايل ودلائل ملوكية لاحت منه: منها فيما ذكر لنا أن الملك غليام خرج في يوم زينة له وقد اصطف الناس للسلام عليه وأحضروا الفتى المذكور في جملة الخاصة فصقع٢ الجميع خدمة للملك وتعظيما لطلوعه عليهم إلا ذلك الفتى فإنه لم يزد على الإيماء في السلام فعلم أن الهمة الملوكية منعته من المدخل مدخل السوقة فاعتنى به الملك غليام وأكرم مثواه وأزكى عيون الاحتراس عليه خوفا من اغتيال يلحقه بتدسيس من ابن عمه الثائر عليه.\rوكانت له أخت موصوفة بالجمال علق بها ابن العم الثائر على الملك المذكور فلم يمكنه تزويحها بسبب أن الروم لا تنكح في الأقارب فحمله الحب المصمي والهوى المصم المعمي والسعادة التي تفضي بصاحبها إلى العاقبة الحسنى وترمي على أخذها والتوجه بها إلى الأمير مسعود صاحب الدروب وقونية وبلاد العجم المجاورة للقسطنطينية وقد تقدم ذكر غنائه في الإسلام فيما مضى من هذا التقييد وحسبك أن صاحب القسطنطينية لم يزل يؤدي الجزية إليه","footnotes":"١ ثقف: بمعنى اعتقل.\r٢ صقع: انحنى انحناءة كبيرة \"عامية\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484478,"book_id":4102,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":421,"body":"ويصالحه على ما يجاوره من البلاد فأسلم مع ابنة عمه على يده، وسيق له صليب ذهب قد احمى عليه في النار فوضعه تحت قدمه وهي عندهم أعظم علامات الترك لدين النصرانية والوفاء بذمة دين الإسلام وتزوج ابنة العم المذكورة وبلغ هواه وأخذ جيوش المسلمين معه إلى القسطنطينية فدخلها بهم وقتل من أهلها نحو الخمسين ألفا من الروم وأعانه الاغريقيون على فعله وهم فرقة من فرق أهل الكتاب وكلامهم بالعربية وبينهم وبين سائر الفرق من جنسهم عداوة كامنة وهم لا يرون أكل لحم الخنزير فشفوا نفسوهم من أعاديهم وقرع الله نبع الكفر بعضه ببعض واستولى المسلمون على القسطنطينة ونقلت أموالها كلها وهو مالا يأخذه الإحصاء إلى الأمير مسعود وجعل من المسلمين فيها ما ينيف على الأربعين ألف فارس واتصلت بلادهم بها وهذا الفتح إذا صح من أكبر شروط الساعة والله أعلم بغيبه.\rألفينا هذا الحديث بهذه الجزيرة مستفيضا على ألسنة المسلمين والنصارى محققين له لا شك عندهم فيه أنبأت به مراكب الروم التي وصلت من القسطنطينة وكان أول سؤال مستخلف الملك بالمدينة لنا يوم أحضرنا لديه عند دخولنا المدينة عما عند نا من خبر القسطنيطينة فلم يكن عند نا علم ولا تعرفنا معنى السؤال عنها إلا بعد ذلك. وتحققوه أيضا من جهة ملكها هذا الصبي وما كان من اتباع الثائر عليه غياه عيونا تروم اغتياله فهو اليوم بسبب ذلك عند صاحب صقلية محترس محافظ عليه لا يكاد يصل لحظ العيون إليه.\rوأخبرنا إنه رطيب غصن الصبا محتدم حمرة الشباب صقيل رونق الملك عليه ناظر في علم اللسان العربي وغيره بارع في الادب الملوكي ذو دهاء على فتوة سنه وغمرية شبيبته، فالملك الصقلي على ما يذكر يروم توجيه الأسطول المذكور إلى القسطنطينة انفة لهذا الصبي المذكور وما جرى عليه وكيفما توجه الأمر فيه من هذه المقصاد فالله ﷿ ينكثه خاسرا على عقبه ويعرفه شؤم مذهبه ويجعل قواصف الرياح خاسفة به إنه على ما يشاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484479,"book_id":4102,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":422,"body":"قدير. وهذا الخبر القسطنطيني حققه الله من أعظم عجائب الدنيا وكوائنها المرتقبة ولله القدرة البالغة في أحكامه وأقداره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484480,"book_id":4102,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":423,"body":"شهر ذي القعدة عرفنا الله يمنه وبركته\rاستهل هلاله ليلة الإثنين الرابع من شهر فبراير ونحن بمدينة أطرابنش المتقدم ذكرها منتظرين انسلاخ فصل الشتاء واقلاع المركب الجنوي الذي أملنا ركبوه إلى الأندلس إن شاء الله ﷿ والله سبحانه بيمن مقصدنا وييسر مرامنا بمنه وكرمه.\rوفي مدة مقامنا بهذه البلدة تعرفنا ما يؤلم النفوس تعرفه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عبادالصليب بها دمرهم الله وماهم عليه معهم من الذل والمسكنة والمقام تحت عهدة الذمة وغلظة الملك إلى طوارىء دواعي الفتنة في الدين على من كتب الله عليه الشقاء من أبنائهم ونسائهم. وربما تسبب إلى بعض أشايخهم أسباب نكالية تدعوه إلى فراق دينه فمنها قصة اتفقت في هذه السنين القريبة لبعض فقهاء مدينتهم التي هي حضرة ملكهم الطاغية ويعرف بابن زرعة ضغطته العمال بالمطالبة حتى أظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية ومهر في حفظ الانجيل ومطالعة سير الروم وحفظ قوانين شريعتهم فعاد في جملة القسيسين الذين يستفتون في الاحكام النصرانية وربما طرا حكم إسلامي فيستفتى أيضا فيه لما سبق من معرفته بالاحكام الشرعية ويقع الوقوف عند فتياه في كلا الحكمين، وكان له مسجد بإزاء داره اعاده كنيسة نعوذ بالله من عواقب الشقاوة وخواتم الضلالة ومع ذلك فأعلمنا أنه يكتم إيمانه فلعله داخل تحت الاسثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ١﴾ .","footnotes":"١ سورة النحل، الآية ١٠٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484481,"book_id":4102,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":424,"body":"ووصل هذه الأيام إلى هذه البلدة زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين وسيدهم القائد أبو القاسم بن حمود المعرف بابن الحجر وهذا الرجل من أهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابرا عن كابر وقرر لدينا مع ذلك أنه من أهل العمل الصالح مريد للخير محب في أهله كثير الصنائع الأخروية من افتكاك الأسارى وبث الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج إلى مآثر جمة ومناقب كريمة فارتجت هذه المدينة لوصوله، وكان في هذه المدة تحت هجران من هذا الطاغية الزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا عليه فيها أحاديث مزورة نسبوه فيها إلى مخاطبة الموحدين أيدهم الله فكادت تقضى عليه لولا حارس المدة وتوالت عليه مصادرات أغرمته ليفا على الثلاثين ألف دينار مؤمنية ولم يزل يتخلى عن جميع دياره وأملاكه الموروثة عن سلفه حتى بقى دون مال فاتفق في هذه الأيام رضى الطاغية عنه وأمره بالنفوذ لمهم من اشغاله السلطانية فنفذ لها نفوذ الملوك المغلوب على نفسه وماله وصدرت عند وصوله إلى هذه البلدة رغبة في الاجتماع بنا فاجتمعنا به فأظهر لنا من باطن حاله وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دما ويذيب القلوب الما فمن ذلك أنه قال: كنت أود لو أباع أنا وأهل بيتي فلعل البيع كان يتخلصنا مما نحن فيه ويؤدي بنا إلى الحصول في بلادالمسلمين فتأمل حالا يؤدي بهذا الرجل مع جلالة قدره وعظم منصه إلى أن يتمنى مثل هذا التمني مع كونه مثقلا عيالا وبنين وبنات فسألنا له الله ﷿ حسن التخليص مما هو فيه ولسائر المسلمين من أهل هذ الجزيرة وواجب على كل مسلم الدعاء لهم في كل موقف يقفه بين يدي الله ﷿، وفارقناه باكيا مبكيا واستمال نفوسنا بشرف منزعه وخصوصية شمائله ورزانة حصاته١ وشمول مبرته وتكرمته وحسن خلقه وخليقته وكنا قد أبصرنا له ولأخوته لأهل بيته بالمدينة يدارا كأنها القصور","footnotes":"١ الحصاة: العقل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484482,"book_id":4102,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":425,"body":"المشيدة الأنيقة وشأنهم بالجملة كبير لا سيما هذا الرجل منهم وكانت له أيام مقامه هنا أفعال جميلة مع فقراء الحجاج وصعاليكهم أصلحت أحوالهم ويسرت لهم الكراء والزاد والله ينفعه بها ويجازيه الجزاء الأوفى عليها بمنه.\rومن أعظم ما منى به أهل هذه الجزيرة أن الرجل ربما غضب على ابنه أو على زوجه أو تغضب المرأة على ابنتها فنحلق المغضوب عليه أنفة تؤديه إلى التطارح في الكنيسة فيتنصر ويتعمد فلا يجد الأب للابن سبيلا ولا الأم للبنت سبيلا فتخيل حال من منى بمثل هذا في أهله وولده ويقطع عمره متوقعا لوقوع هذه الفتنة فيهم فهم الدهر كله في مدارات الأهل والولد خوف هذه الحال. وأهل النظر في العواقب منهم يخافون أن يتفق على جميعهم ما اتفق على أهل جزيرة أقريطش من المسلمين في المدة السلافة فإنه لم تزل بهم الملكة الطاغية من النصارى والاستدراج الشيء بعدالشيء حال بعد حال حتى اضطروا إلى التنصر عن آخرهم وفر منهم من قضى الله بنجاته وحقت كلمة العذاب على الكافرين١ والله غالب على أمره لا إله سواه.\rومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور في نفوس النصارى أبادهم الله انهم يزعمون إنه لو تنصر لما بقى في الجزيرة مسلم إلا وفعل فعله ابتاعا له واقتداء به تكفل الله بعصمته جميعهم ونجاهم مما هم فيه بفضله وكرمه.\rومن أعجب ما شاهدناه من أحوالهم التي تقطع النفوس إشفاقا وتذيب القلوب رأفة وحنانا أن أحد أعيان هذه البلدة وجه ابنه إلى أحد اصحابنا الحجاج راغبا في أن يقبل منه بنتا بكرا صغيرة السن قد زاهقت٢ الإدراك فإن رضيها تزوجها وإن لم يرضها زوجها ممن رضى لها من أهل بلده ويخرجها مع نفسه راضية بفراق أبيه وإخوتها طمعا في التخلص من هذه الفتنة ورغبة في الحصول في بلاد المسلمين فطاب الأب والإخوة نفسا لذلك لعلهم يجدون السبيل للتخص إلى","footnotes":"١ انظر سورة الزمر، الآية ٧١.\r٢ زاهقت: قاربت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484483,"book_id":4102,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":426,"body":"بلاد المسلمين بأنفسهم إذا زالت هذه العقلة المقيدة عنهم فتأجر هذا الرجل المرغوب إليه بقبول ذلك وأعناه على استغنام هذه الفرصة المؤدية إلى خبر الدينا والآخرة. وطال عجبنا من حال تؤدي بإنسان إلى السماح بمثل هذه الوديعة المعلقة من القلب وإسلامها إلى يد من يغربها واحتمال الصبر عنها ومكابدة الشوق إليها والوحشة دونها كما أنا استغربنا حال الصبية صانعا الله ورضاها بفراق من لها رغبة في الإسلام واستمساكا بعروته الوثقى والله ﷿ يعصمها ويكفلها يوؤنسها بنظم شملها ويجمل الصنع لها بمنه واستشارها الأب فيما هم به من ذلك فقالت له: إن أمسكتني فأنت مسئول عني وكانت هذه الصبية دون أم ولها أخوان وأخت صغيرة أشقاء لها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484484,"book_id":4102,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":427,"body":"شهر ذي الحجة عرفنا الله بمنه وبركته\rغم هلاله علينا لتوالي الأنواء فأكلمنا أيام شهر ذي القعدة بحسابه من ليلة الأربعاء السادس لشهر مارس ونحن بهذه المدينة المذكورة طامعين في قرب السفر مستبشرين بطيب الهواء والله ييسر مرامنا ويتكفل بسلامتنا بعزته واتفق أن أبصرنا الهلال ليلة الأربعاء كبيرا فعلم إنه من ليلة الثلاثاء فانتقل حساب الشهر إليها.\rوفي ظهر يوم الأربعاء التاسع من الشهر المذكور والثالث عشر من مارس وهو يوم عرفة عرفنا الله بركته وبركة الموقف الكريم فيه بعرفات كان صعودنا إلى المركب يمنه الله ورزقنا السلامة فيه مبيتين للسفر قرب الله علينا مسافته فأصبحنا على ظهر المركب صحة يوم عيد الأضحى نفعنا الله بمقاساة الوحشة فيه ونحن نيف على الخمسين رجلا من المسلمين عصم الله الجميع ونظم شملهم بأوطانهم بمنه وكرمه إنه سبحانه كفيل بذلك. ورمنا الإقلاع فلم توافق الريح فلم نزل نتردد من المركب إلى البر ونبيت للسفر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484485,"book_id":4102,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":428,"body":"كل ليلة اثني عشر يوما إلى أن أذن الله بالإقلاع صبيحة يوم الإثنين الحادي والعشرين لذي الحجة المذكور والخامس والعشرين لمارس فأقلعنا على بركة الله تعالى في ثلاثة مراكب من الروم قدت وافقت على الاصطحاب في الجري وأن يسمك المتقدم منها على المتأخر فوصلنا إلى جزيرة الراهب وقد تقدم ذكرها في هذا التقييد وبينها وبين أطرابنش نحو ثمانية عشر ميلا فتغيرت الريح علينا فملنا إلى مرساها.\rفكان من الاتفاق العجب أن ألفينا فيها مركب مركون الجوى المقلع من الإسكندرية بنحو مائتي رجل ونيف من أصحابنا الحجاج المغاربة الذين كنا فارقناهم بمكة قدسها الله في ذي الحجة من سنة تسع ولم نسمع لهم خبرا منذ فارقناهم ولا سمعوا لنا وكان فيهم جماعة من أصحابنا من أهل غرناطة منهم الفقيه أبو جعفر بن سعيد صاحبنا ونزيلنا بمكة مدة مقامنا فيها فلحين ماعلموا بنا تطلعوا إلينا من المركب متعلقين بحافاته وجوانبه رافعين أصواتهم بشرى السلامة واللقاء مسرورين بالاجتماع باكين من الفرح دهشين داهلين لوقوع المسرة من نفوسهم ونحن لهم على مثل تلك الحال. فكان يوما مشهورا اتخذناه عقب العيد عيدا جديدا ونزل الأصحاب بعضهم إلى بعض وباتوا وبتنا بأسر ليلة وأنعمها وجعلنا هذا الاجتماع عنونا كريما لما نؤمله من انتظام الشمل بالأوطان إن شاء الله ﷿.\rوأهب الله علينا ريحا طيبة في سحر تلك الليلة وهي ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور فأقلعنا بها ونحن في أربعة مراكب كلها تؤمل جزيرة الأندلس بحول الله تعالى وسرنا ذلك اليوم كله بريح تزجى المراكب تزحية حثيثة ونحن من الشوق إلى الأندلس بحال تكاد لها النفوس تقوم مقام الرياح في حث الرياح وانزعاجها والله يمن بالتسهيل والتعجيل ثم انقلبت الريح غربية بعدمسير يوم وليلتين فضربت في وجوهنا فأنكصتنا على الأعقاب فرجعنا عودا على بدء إلى مرسى جزيرة الراهب فوصلنا إليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484486,"book_id":4102,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":429,"body":"ليلة الخميس الرابع والعشرين من الشهر المذكور.\rثم أقلعنا منه عشي يوم الجمعة بعده منفردين دون المراكب المذكورة فأزعجتنا ريح شديدة خرق١ لها المركب في الجري فأصبحنا يوم الأحد السابع والعشرين من الشهر ونحن على طرف جزيرة سردانية وقد قطعناها جريا وطولها أزيد من مائتي ميل فاستبشرنا وسررنا وقدر للمركب في يوم وليلتين قطع نيف على خمسمائة ميل فكان أمرا مستغربا، ثم إن الريح الموافقة ركدت عنا وهبت ريحاسقطتنا ليلة الإثنين الثامن والعشرين منه وهو أول أبريل إلى جهة بر إفريقية فأرسينا يوم الإثنين المذكور بجزيرة تعرف بخالطة وهي جزيرة غير معمورة ويقال إنها كانت معمورة في القديم وهي مقصد العدو وبينها وبين البر المذكور نحو ثلاثين ميلا وهو منا رأى العين فأقمنا بها بعد أهوال لقيناها في دخول مرساها عصم الله منها وتوالت الأنواء علينا فيها ونحن ننتظر فرجا من الله تعالى وكان مقامنا فيها أربعة أيام آخرها يوم الخميس مستهل محرم.","footnotes":"١ خرق: أراد أسرع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484487,"book_id":4102,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":430,"body":"شهر محرم سنة إحدى وثمانين عرفنا الله بركتها بمنه\rغم هلاله علينا فسحبناه على الكمال من ليلة الخميس الرابع لشهر ابريل عرفنا الله بركة هذه السنة ويمنها ورزقنا خيرها ووقانا شرها ومن علينا بنظم الشمل فيها إنه سميع مجيب.\rوفي ليلة الجمعة الثاني منه أهب الله علينا ريحا شرقية أقلعنا بها وهو لين رخاء إلى أن استشرى فعاد ريحا شديدة جرى بها المركب أقوى جري وأعدله وما زلنا منذ ركبنا البحر نتنسم هذا الأفق الشرقي شوقا إلى ريحه فلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484488,"book_id":4102,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":431,"body":"يهب منه نسيم حتى خلناه لعدمه عنقاء مغربا إلى أن تداركنا الله بلطفه وجميل صنعه فأجراه لنا الآن في شهر نيسان عرفنا الله السلامة بمنه وكرمه.\rوصحتنا هذه الريح الشرقية نحو يومين سرنا فيهما سيرا حثيثا وتركنا جزيرة سردانية عن يميننا ثم تلاعبت بنا الرياح المختلفة فأقمنا بها نضرب البحر طولا وعرضا ولا يتراءى لنا بر حتى ساءت ظنوننا وتوهمنا إسقاط الرياح لنا إلى جهة بر برشلونه دمرها الله إلى أن أذن الله بالفرج فأبصرنا بر جزيرة يابسة ليلة السبت العاشر من الشهر المذكور ونحن لا نكاد نتبينه لبعد خيالا خفيا، فلما كان يوم السبت المذكور بان لنا فدخلنا مرسى الجزيرة المذكورة مع الليل بعد مكابدة اختلاف الرياح في دخوله فأرسنيا والمدينة منا على مقدار أربعة أميال وكان إرساؤنا بإزاء جزيرة فرمنتيرة وهي منقطعة عن جزيرة يابسة وبينهما مقدار أربعة أميال أو خمسة وفيها قرى كثيرة معمورة فأقمنا بمرساها ونحن بمقربة من الجبلين المنقطعين المتناظرين المعروفين بالشيخ والعجوز. وفي تلك الليلة مع المغيب أبصرنا جبال بر الأندلس وأقربها منا جبل دانية المعروف بقاعون فحدقت الأبصار لهذا البر سرورا بمرآه واستبشرت الأنفس بالدنو منه وأصبحنا يوم الأحد الحادي عشر من الشهر بالمرسى المذكور والريح غربية ونحن ننتظر تتميم الصنع الجميل من الله ﷿ بارسال الريح الموافقة نشرا بين يدي رحمته إن شاء الله.\rوفي ضحوة يوم الثلاثاء الثالث عشر منه أقلعنا على اليمن والبركة بريح شرقية لينة المهب لها نفس خافت داعين الله ﷿ في إحياء ذمائها١ وتقوية إجرائها وجبال دانية أمامنا رأي العين والله يتمم فضله علينا ويكمل صنعه بعزته لنا وتمادت وانتشرت بفضل الله تعالى فنزلنا بقرطاجنة عشي يوم الخميس الخامس عشر منه شاكرين لله على ما من به من السلامة والعافية والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين.","footnotes":"١ الذماء: الحركة وبقية النفس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":3484489,"book_id":4102,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":432,"body":"ثم أقلعنا منها إثر صلاة الجمعة السادس عشر منه فبتنا في فحص قرطاجنة بالبرج المعروف ببرج الثلاثة صهاريج ثم منه يوم السبت إلى مرسية ومنها في اليوم بعينه إلى لبرالة ثم منها يوم الأحد إلى الورقة ثم منها يوم الإثنين إلى المنصورة ثم منها يوم الثلاثاء إلى قبالش بسطة ثم منها يوم الأربعاء إلى وادي آش ثم منها يوم الخميس الثاني والعشرين لمحرم والخامس والعشرين لإبريل إلى المنزل بغرناطة:\rفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر\rوالحمد لله على الصنع الجميل الذي أولاه والتيسير والتسهيل الذي والاه وصلواته على سيد المرسلين والآخرين محمد رسوله الكريم ومصطفاه وعلى آله وأصحابه الذين اهتدوا بهداه وسلم وشرف وكرم\rفكانت مدة مقامنا من لدن خروجنا من غرناطة إلى وقت إيابنا هذا عامين كاملين وثلاثة أشهر ونصفا والحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}