{"page_id":1048353,"book_id":1098,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":1,"body":"﷽\r\rالمقَدِّمَة\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\r﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\rأما بعد: فإن الله ﷾ لم يخلق الخلق سدى، ولم يتركهم هملاً، بل خلقهم لأمر عظيم ألا وهو عبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقد أمرهم بما خلقهم لأجله من إفراده بالعبادة والدعاء، فقد أمرهم بالإخلاص له في نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ونهاهم عن الشرك به في الدعاء بنوعيه، قال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048354,"book_id":1098,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":2,"body":"تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\rفلا يدعى مع الله أحد كائناً من كان سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو غير ذلك لأن الله وحده هو المستحق لأن يدعى رغبة ورهبة وخوفاً وطمعاً، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج ويقصد بالاستعانة والسؤال. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\rفالخلق جميعاً مفطورون على الاحتياج إلى الله تعالى والافتقار إليه افتقاراً ذاتياً، فهم محتاجون إلى الله تعالى من جهة كونه ربهم يستعينون به على جلب منافعهم ودفع المضار عنهم، كما أنهم محتاجون إليه من جهة كونه معبودهم وإلههم الذي تألهه قلوبهم محبة ورجاء وخوفاً وتعظيماً، فالناس مضطرون إلى الله تعالى اضطراراً ذاتياً يَحْمِلُهم على دعائه، فهم لا يستغنون عن الله في لحظة من لحظاتهم في حركاتهم وسكناتهم، فهم وإن غفلوا عن هذا الاضطرار في وقت الرخاء إلَّا أنهم سرعان ما يرجعون إلى الفطرة إذا داهمتهم المدلهمات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].\r\rأهمية هذا البحث وأسباب اختيار الموضوع:\rإن للدعاء درجة سامية، ومنزلة رفيعة وأهمية كبرى، إذ الدعاء هو العبادة فقد صح الخبر عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بأن الدعاء هو العبادة بصيغة الحصر ولا يخفى مكانة العبادة فقد خلقنا الله تعالى من العدم لعبادته، وقد افتتح الله القرآن بالدعاء واختتمه به، فسورة الفاتحة مشتملة على دعاء الثناء كما مشتملة على دعاء المسألة إذ فيها الدعاء بأجل المطالب وأفضل الرغائب، وهو طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى وسؤال الهداية، وقد فرض الله علينا أن نناجيه وندعوه بذلك في كل صلاة، وسورة الإخلاص في دعاء الثناء والمعوذتان في طلب العياذة الذي هو أحد أنواع دعاء المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048355,"book_id":1098,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":3,"body":"وقد سمى الله الدعاء ديناً في غير ما آية، والدين هو الإسلام كله، كما سماه عبادة في غير ما آية، والعبادة هي العلة الغائية للوجود.\rوقد أمرنا الله بالدعاء ووعدنا بالإجابة تفضلاً وتكرماً وإحساناً، وتوعد من استكبر عن دعائه فقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. فالدعاء سمة العبودية وعنوان التذلل والخضوع والاستكانة، وتلبية للاحتياج والافتقار الذاتي، ودليل الصدق في اللجأ والرجاء والرغبة والطمع والخوف والرهبة. فهو لب العبادة ومخها وروحها، فصرفُه لله تعالى عبادة وتوحيد، وصرفه لغيره تعالى شرك وتنديد.\rفالشرك في نوعي الدعاء أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين وهو أغلب شركهم، وهو أصل شرك العالم، ولهذا لم يرد في القرآن - التحذير من سائر أنواع الشرك - مثل ما ورد في التحذير من الشرك في الدعاء.\rفقد كرر الله تعالى وأعاد التحذير من ذلك في آيات كثيرة جداً، كما بيّن لنا كيف ندعوه ونناجيه وذكر لنا أدعية الأنبياء والصالحين وابتهالاتهم ومناجاتهم. وقد بيّن لنا الرسول ﷺ كيفية عبادة الله ومناجاته وآداب خطاب الله تعالى وسؤاله.\rفوجب علينا أن نتقيد بما بيّن لنا وأن ندعو كما شرع لنا وأن لا ندعو بالبدع والمحدثات فضلاً أن ندعو بالشركيات والكفريات لأن ذلك من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله ﷺ.\rفمن دعا غير الله تعالى واستغاث به لم يحقق شهادته واعترافه بتفرد الله تعالى بالألوهية والعبادة، كما أن من دعا بأدعية مشتملة على البدع لم يحقق شهادته بتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ، وما ذلك إلَّا لأن الدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف، فالدعاء من أهم العبادات وأجلها التي يجب إخلاصها لله تعالى، وتجريد المتابعة فيها لرسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048356,"book_id":1098,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":4,"body":"ومع وضوح هذا الأمر سوّل الشيطان للبعض أن يصرف هذه العبادة العظيمة لغير الله تعالى وسماها لهم بأسماء غير حقيقية: سماها لهم باسم التوسل تارة وباسم الشفاعة تارة وباسم محبة الصالحين تارة أخرى وباسم التبرك تارة أخرى.\rفانتشر الشرك في الدعاء بهذه الأسماء الموهمة حتى صار معروفاً شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير، وصار من ينكره يتهم بالخروج عن إجماع المسلمين تارة، وبكراهية وبغض الأولياء وتنقصهم تارة أخرى، وبتفريق وحدة المسلمين تارة أخرى، وبالتطرف والتشدد وضيق الأفق والجمود الفكري وتتبع الشواذ وإثارة الخلاف في المسائل الفرعية تارة أخرى.\rوبنصب هذه التهم وقف بعض الناس في وجه الدعاة إلى الإخلاص وتجريد الدعاء لله وحده، كما وقفوا في وجههم بتلفيق الشبهات، وإيراد الحكايات والمنامات محاولين بذلك تسويغ الدعاء غير المشروع بل استحبابه فسوّغوا الاستغاثة والاستمداد من غير الله تعالى وزعموا للمدعوين من دون الله التصرف في الكون وسماعهم لنداء المستغيثين وصراخ المكروبين وعلمهم بحوائج الداعين ونياتهم وأنواع طلباتهم ففتحوا بذلك باباً عظيماً من الشرك لا يزال يقتحم فيه كثير من المسلمين إلى اليوم، فوجب على من يعرف ذلك منهم نصحهم وبيان الحق في ذلك كل حسب استطاعته وقدرته، فمن هنا رأيت أن يكون موضوع رسالتي في مرحلة الماجستير بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في هذا الموضوع مع قلة بضاعتي وكساد معلوماتي لعلّي أستفيد وينفع الله بهذا العمل من يشاء من عباده، وهو المسؤول وحده أن يجعله خالصاً لوجهه نافعاً مفيداً وهو ولي التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048357,"book_id":1098,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":5,"body":"خطة البحث:\rتشتمل على: مقدمة وأربعة أبواب وملحق وخاتمة.\rفالمقدمة تشتمل على سبب اختيار الموضوع وأهميته ومنهج البحث.\rوأما الباب الأول: ففي معنى الدعاء وأنواعه وآدابه والإجابة وأنواعها.\rوهو يشتمل على ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في معنى كلمة الدعاء والكلمات الدالة على معناه.\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في معنى الدعاء اللغوي والشرعي.\rويشتمل على ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: في أصل كلمة الدعاء.\rالمطلب الثاني: في معنى الدعاء اللغوي.\rالمطلب الثالث: في المعنى الشرعي للدعاء والمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي.\rالمبحث الثاني: في الكلمات الدالة على معنى الدعاء.\rويشتمل على مقدمة ومطلبين:\rالمقدمة: في وجوب الاعتناء بمعرفة الأسماء الشرعية، وذكر أقسام الكلمات.\rالمطلب الأول: في الكلمات المرادفة للدعاء.\rالمطلب الثاني: في الكلمات الخاصة بنوع معين من أنواع الدعاء.\rالفصل الثاني: في أنواع الدعاء وأقسامه.\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في أقسام الدعاء باعتبار معناه.\rالمبحث الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه ومتعلقاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048358,"book_id":1098,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":6,"body":"ويشتمل على مطلبين:\rالمطلب الأول: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه.\rالمطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقاته.\rالفصل الثالث: في آداب الدعاء والإجابة وأنواعها.\rويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث:\rفالتمهيد يحتوي على تنبيهين:\rالتنبيه الأول: في السبب المانع من التوسع في هذا الفصل.\rالتنبيه الثاني: في عبارات العلماء وألفاظهم في هذه الآداب.\rالمبحث الأول: في الآداب العدمية التي يطلب عدمها وانتفاؤها.\rالمبحث الثاني: في الآداب الثبوتية.\rالمبحث الثالث: في الإجابة وأنواعها.\rوأما الباب الثاني: ففي منزلة الدعاء من العقيدة، وعدم تنافيه مع القدر، وحكمه الشرعي.\rويشتمل على ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في منزلة الدعاء ومكانته من العقيدة وأهميته من بين سائر العبادات.\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد، ودلالته على وجود الله جل وعلا.\rويشتمل على مطلبين:\rالمطلب الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد.\rالمطلب الثاني: في دلالته على وجود الله جل وعلا.\rالمبحث الثاني: في علاقة الدعاء بالتوحيد بأنواعه الثلاثة.\rويشتمل على ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: في علاقته بتوحيد الربوبية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048359,"book_id":1098,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":7,"body":"المطلب الثاني: في علاقته بتوحيد الأسماء والصفات.\rالمطلب الثالث: في علاقته بتوحيد العبادة والألوهية، وأهميته ومزاياه من بين سائر العبادات.\rالفصل الثاني: في عدم تنافي الدعاء والقدر.\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في مذاهب الناس في الدعاء واتجاهاتهم وحجج كل فريق ومناقشتها.\rالمبحث الثاني: في الصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة.\rالفصل الثالث: في حكم الدعاء الشرعي.\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في أقوال العلماء ومذاهبهم في حكم الدعاء.\rالمبحث الثاني: في المذهب الراجح.\rوأما الباب الثالث: ففي الدعاء غير المشروع.\rويشتمل على ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في دعاء غير الله تعالى وما ورد في التحذير منه ومفاسده وأسباب انتشاره في العالم الإسلامي.\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: فيما ورد في التحذير منه ومفاسده.\rويشتمل على تمهيد، وثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: في الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله تعالى، وأساليب القرآن المتنوعة في ذلك.\rالمطلب الثاني: فيما ورد من السنة المشرفة في التحذير من ذلك.\rالمطلب الثالث: في مفاسد دعاء غير الله تعالى وآثاره الضارة.\rالمبحث الثاني: في أسباب انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048360,"book_id":1098,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":8,"body":"الفصل الثاني: في مراتب الدعاء غير المشروع، ومظاهر غلو المتأخرين وحكم من دعا غير الله تعالى.\rويشتمل على ثلاثة مباحث:\rالمبحث الأول: في مراتب الدعاء غير المشروع وحكم كل مرتبة.\rالمبحث الثاني: في مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله تعالى.\rالمبحث الثالث: في حكم من دعا غير الله تعالى.\rالفصل الثالث: في الأدعية المبتدعة وما ورد في التحذير من الابتداع في الدعاء وغيره من العبادات، وآثارها الضارة، وأسباب انتشارها، وأنواعها.\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين عموماً وفي الدعاء خصوصاً من الكتاب والسنة وآثار السلف وأقوال العلماء، وآثار الأدعية المبتدعة الضارة وأسباب انتشارها.\rويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:\rالمطلب الأول: فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين.\rالمطلب الثاني: في الأدلة الدالة على منع الابتداع في الأدعية الراتبة.\rالمطلب الثالث: في آثار الأدعية المبتدعة الضارة ونتائجها السيئة.\rالمطلب الرابع: في أسباب انتشار الأدعية المبتدعة.\rالمبحث الثاني: في أنواع الأدعية المبتدعة.\rويشتمل على أربعة مطالب:\r١ - المطلب الأول: في الدعاء عند الأضرحة والقباب.\r٢ - المطلب الثاني: في التوسل بالذوات.\r٣ - المطلب الثالث: في الأدعية والأوراد الراتبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048361,"book_id":1098,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":9,"body":"٤ - المطلب الرابع: في الأدعية الجماعية.\rوأما الباب الرابع: ففي مناقشة بعض شبه المجيزين للدعاء غير المشروع.\rويشتمل على تمهيد وثلاثة فصول: فالتمهيد في أنواع تلك الشبهات وأسبابها والجواب الإجمالي عنها.\rالفصل الأول: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة الصحيحة.\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في مناقشة ما احتجوا به من القرآن الكريم.\rالمبحث الثاني: في مناقشة ما احتجوا به من السنة الصحيحة.\rالفصل الثاني: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة غير الصحيحة.\rويشتمل على ثلاثة مباحث:\r١ - المبحث الأول: الأحاديث الضعيفة.\r٢ - المبحث الثاني: الأحاديث الواهية والموضوعة.\r٣ - المبحث الثالث: الحكايات والنظريات.\rالفصل الثالث: في مناقشة ردودهم وإجاباتهم عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع. ويحتوي على تمهيد وتسع شبه.\rوأما الملحق: فيشتمل على نماذج من الأدعية الشركية والبدعية، ونماذج أخرى من الأدعية المأثورة.\rوأما الخاتمة: فتحتوي على أهم النتائج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048362,"book_id":1098,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":10,"body":"منهج البحث:\r١ - جمعت مادة البحث من المصادر المختلفة التي هي مظان لموضوع البحث حسب ما يسره الله لي ووفقني للاطّلاع عليه ولم أدخر وسعاً في البحث عن كل ما يظن أن له علاقة بالبحث. ومع هذا لا أدّعي أني وقفت على كل ما كتب في الموضوع لكثرته وكثرة الخوض في مسائله بحق أو باطل.\r٢ - بيّنت في المسائل التي تطرقت إليها ما ظهر لي أنه الحق والصواب مستدلاً بالكتاب والسنّة وأقوال السلف الصالح ومن على منهجهم بدون أن أشرح وجه الدلالة إذا كان واضحاً.\r٣ - أوردت شبه المخالفين وحججهم من كتبهم غالباً مبيناً وجهة نظرهم نظرهم، ثم ناقشتهم بمحكم الكتاب والسنة، مؤيداً ما أذكره بأقوال أهل العلم.\r٤ - حاولت بقدر المستطاع أن لا أخرج في المناقشة عن الأسلوب العلمي، والمجادلة بالتي هي أحسن، وفي الغالب أنقل كلام العلماء المحققين في الباب وأكتفي بذلك لأن القارئ يقتنع بكلام العلماء لا بكلام أمثالي.\r٥ - قد أستدل بأقوال بعض المخالفين إذا وجدت في كلامه ما يصلح لمناقشة المخالف وإقناعه، كما أني قد أقدم كلام من يرى المخالف حجيته على كلام من هو لا يقتنع به ولا يسلم له، لأن الغرض من البحث هو محاولة إقناع المخالف ودعوته بالتي هي أحسن وليس مجرد غلبته، ولهذا الغرض نفسه أكثر العزو إلى المصادر المتعددة حتى ولو كانت المسألة واضحة يمكن الاكتفاء فيها ببعض تلك المصادر لتحصل الطمأنينة لمن يريد الحق ويتحراه وينشده.\r٦ - إذا عزوت قولاً إلى عدة مصادر أقدم في الغالب المصدر الذي يكون النص كله أو جله منقولاً منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048363,"book_id":1098,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":11,"body":"٧ - عزوت الآيات الواردة في الرسالة بذكر رقمها واسم السورة في الصلب لا في الهامش تفادياً من كثرة الحواشي لكثرة ورود الآيات في الرسالة.\r٨ - خرّجت الأحاديث من المصادر الأصلية ونقلت أقوال النقّاد فيها، وتوسّعت في بعض الأحاديث التي يقتضي المقام التوسع فيها.\rوإذا كان الحديث في الصحيحين اقتصرت عليهما غالباً، وإذا أحلت على البخاري فالمراد به متن البخاري المطبوع مع الفتح وأحيل في الغالب إلى أول موضوع ورد فيه الحديث لأن ذلك أسهل لمن يريد تتبع ألفاظ الحديث لوجود أرقام مواضع ورود الحديث في الموضع الأول.\r٩ - نقلت الآراء المحكية من كتب أصحابها ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.\r١٠ - ترجمت للأعلام غير المشهورين.\r١١ - عملت الفهارس الآتية:\rأ - فهرس للآيات.\rب - فهرس للأحاديث.\rجـ - فهرس للآثار.\rد - فهرس للمصادر والمراجع.\rهـ - فهرس للموضوعات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048364,"book_id":1098,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":12,"body":"الباب الأول في معنى الدعاء وأنواعه وآدابه والإجابة وأنواعها\rويشتمل على ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في معنى كلمة الدعاء والكلمات الدالة على معناه.\rالفصل الثاني: في أنواع الدعاء وأقسامه.\rالفصل الثالث: في آداب الدعاء والإجابة وأنواعها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048365,"book_id":1098,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":13,"body":"الفصل الأول في معنى كلمة الدعاء والكلمات الدالة على معناه\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في معنى الدعاء اللغوي والشرعي.\rالمبحث الثاني: في الكلمات المرادفة للدعاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048366,"book_id":1098,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":14,"body":"المبحث الأول في معنى الدعاء اللغوي والشرعي\rويشتمل على ثلاثة مطالب:\r\rالمطلب الأول: في أصل كلمة الدعاء.\rالمطلب الثاني: في معنى الدعاء اللغوي.\rالمطلب الثالث: في المعنى الشرعي للدعاء، والمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي.\r\rالمطلب الأول: في أصل كلمة الدعاء:\rأصل كلمة الدعاء مصدر لِفِعْل \"دَعَا\".\rقال الإمام أبو سليمان حَمْد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) رحمه الله تعالى: أصل هذه الكلمة مصدر من قولك دعوت الشيء أدعوه دعاء\" (¬١)، وآخره ممدود (¬٢)، وهو مصدر قياسي، لأن الأفعال التي تدل على الأصوات تأتي مصادرها القياسية، إما على فُعَال أو فَعِيل، قال ابن مالك ﵀:","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء للخطابي ص: ٣ وعنه في إتحاف السادة المتقين للزبيدي: ٥/ ٢٧، والأزهية في أحكام الأدعية للزركشي ص: ٢٧.\r(¬٢) جمهرة اللغة لابن دريد: ٣/ ٢٤٢، وتاج العروس للزبيدي: ١٠/ ١٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048367,"book_id":1098,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":22,"sequence_num":15,"body":"للدَّا فَعَالٌ أو لصوت وَشَمَلْ … سيراً وصوتاً الفعيلُ كصَهَلْ (¬١)\rهذا ولم يأت في الأصوات إلا فعال بالضم وأما الفتح فلم يأت إلا في كلمة واحدة وهو غواث، يقال: أجاب الله دُعَاءه وغُوَاثَه، وغَوَاثَه، وقد أتى مكسوراً نحو النداء والصياح (¬٢) فتحصل من هذا أن الفعال بالضم هو الأكثر (¬٣) ويليه الكسر، وأما الفتح فلم يأت إلا في كلمة واحدة. والدعاء هو المصدر المشهور لدعا (¬٤).\rوهناك صيغ أخرى نص بعض علماء اللغة على مصدريتها لفِعْلِ \"دَعَا\"، كما ورد استعمالها في اللغة الفصحى، ومن تلك المصادر:\r١ - دَعْوٌ، قال ابن دريد (¬٥): \"الدَّعْوُ مصدرُ دعا يدعو دَعواً ودُعَاءً\" (¬٦). فقد قدمه ابن دريد في الذكر على الدعاء - المصدر المشهور. . . ويقال في المرة الواحدة منه: دَعْوةٌ (¬٧).\rومن ذلك قوله ﷺ في حضور النساء للعيد: \"لِتُلْبِسْهَا صاحبَتُها من","footnotes":"(¬١) ألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل: ٢/ ١٢٤.\r(¬٢) إصلاح المنطق لابن السكيت: ١٠٧. نقله عن الفراء ومثله في الصحاح للجوهري: ١/ ٢٨٩، والبارع في اللغة ص: ٤٣١.\r(¬٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ٣/ ٢٠٤.\r(¬٤) مشارق الأنوار للقاضي عياض: ١/ ٢٦٠.\r(¬٥) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي البصري أديب نحوي لغوي نسابة، قال الذهبي: كان آية من الآيات في قوة الحفظ، وقال الدارقطني: تكلموا فيه، توفي ٣٢١ هـ، تاريخ بغداد: ٢/ ١٩٥ - ١٩٧، وسير أعلام النبلاء: ١٥/ ٩٦ - ٩٧، وبغية الوعاة: ١/ ٧٦، ومعجم المؤلفين: ٩/ ١٨٩.\r(¬٦) جمهرة اللغة: ٢/ ٢٨٣ ونحوه في المحكم: ٢/ ٢٣٤، ولسان العرب: ٣/ ١٣٨٦.\r(¬٧) الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٣٣٧، واللسان لابن منظور: ٣/ ١٣٨٦، وفي التهذيب قال الليث: دعا يدعو دعوة ودعاء. . .: ٣/ ١٢٠ فقدمه في الذكر مما يشعر بأنه مصدر مشهور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048368,"book_id":1098,"shamela_page_id":16,"part":"1","page_num":23,"sequence_num":16,"body":"جِلْبَابها، وَلْتَشْهدِ الخيرَ ودَعوةَ المسلمين\" (¬١) أي دعاء المسلمين.\rوقوله ﷺ: \"إن عفريتاً من الجن تَفَلَّتَ البارحة ليقطع علي صلاتي\" وفيه: \"فذكرت دعوة أخي سليمان \"رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي\" (¬٢) - أي دعاء أخي سليمان.\r٢ - وهناك مصدر ثان وهو دَعْوَى.\rفقد حكاها سيبويه ﵀ في المصادر التي في آخرها ألف التأنيث، وأنشد:\rوَلَّتْ ودَعواها شديدٌ صَخَبُهُ (¬٣)\rذَكَّر على معنى الدعاء، قال سيبويه: ومن كلامهم: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين\" (¬٤).\rومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠] أي دعاؤهم فيها … وآخر دعاءهم …\r٣ - وهناك مصدر ثالث دِعَاوَةٌ (¬٥).\r٤ - وهناك أيضاً مصدر رابع وهو دِعَاية.\rيقال: دعا دعاية، كما يقال: رمى رماية وشكى شكاية فمن ذلك دعاية الإسلام أي دعوته (¬٦).","footnotes":"(¬١) البخاري مع الفتح: ١/ ٤٢٣ برقم ٣٢٤.\r(¬٢) البخاري مع الفتح: ٦/ ٤٥٧ برقم ٣٤٢٣.\r(¬٣) البيت لبَشِيْر بن النِّكْث نسبه إليه سيبويه في الكتاب: ٢/ ٢٢٨، وأقرته المعاجم اللغوية التي نقلت كلام سيبويه وستأتي في الرقم التالي.\r(¬٤) الكتاب: ٢/ ٢٢٨، وعنه في معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣١٨، وتهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ١٢٠، والمحكم لابن سيده: ٢/ ٢٣٤، والمخصص له أيضاً: ١٣/ ٨٨، واللسان: ٣/ ١٣٨٥.\r(¬٥) ذكره القاضي عياض في مشارق الأنوار: ١/ ٢٦٠ نقلاً عن البارع في اللغة ولم أجده فيه ولعله من القسم المفقود.\r(¬٦) مشارق الأنوار: ١/ ٢٦٠، واللسان: ٣/ ١٣٨٦، وتاج العروس: ١٠/ ١٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048369,"book_id":1098,"shamela_page_id":17,"part":"1","page_num":24,"sequence_num":17,"body":"٥ - وهناك مصدر خامس، وهو دَاعِية كعَاقِبة وعافية (¬١).\rويظهر من تتبع موارد استعمال مادة كلمة دعا - أن المصدرين الآخرين ربما يكونان خاصين بالاستعمال في الدعاء بمعنى الحث على الشيء لا الدعاء بمعنى السؤال والطلب.\rوأما المصدر الثاني الذي هو الدعوى فإنه يستعمل في الكثير بمعنى الادعاء كما يستعمل في معنى الدعاء، قال ابن جرير الطبري ﵀: \"وللدعوى في كلام العرب وجهان أحدهما الدعاء، والآخر الادعاء للحق، ومن الدعوى التي معناها الدعاء قول الله ﵎: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] ومنه قول الشاعر:\rإذا مَذِلَتْ رِجْلي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي … بِدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلٍ بها فَيَهُوْنُ (¬٢) \" (¬٣)\rوقد سبقه إلى نحو (¬٤) هذا أبو عبيدة معمر بن المثنى (¬٥).\r\rالدعاء له إطلاقان:\rثم إن كلمة الدعاء كما تطلق على المصدر تطلق على المفعول به، تقول: دعوت الله دعاء أي دعوة، ففي هذا المثال يراد بها المصدر، وتقول أيضاً: سمعت دعاء كما تقول: سمعت صوتاً فالمراد بها في هذا التركيب ألفاظ الأدعية المدعو بها، لا مجرد الفعل الذي هو التكلم بالأدعية، فيكون من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول به.","footnotes":"(¬١) لسان العرب: ٣/ ١٣٨٦، وتاج العروس: ١٠/ ١٢٨.\r(¬٢) البيت لكثير كما في بلوغ الأرب للألوسي: ٢/ ٣٢٠. قوله: مذلت رجلي خدرت، اللسان: ٧/ ٤١٦٤، مادة مذل.\r(¬٣) جامع البيان: ٨/ ١١٩ - ١٢٠.\r(¬٤) انظر مجاز القرآن: ١/ ٢١٠ و ٢٧٥.\r(¬٥) هو النحوي اللغوي صدوق أخباري وقد رمي برأي الخوارج من السابعة (ت ٢٠٨ هـ) وقيل بعد ذلك، تقريب التهذيب ص: ٥٤١ رقم ٦٨١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048370,"book_id":1098,"shamela_page_id":18,"part":"1","page_num":25,"sequence_num":18,"body":"قال أبو سليمان الخطابي ﵀ بعد أن ذكر أن أصل الكلمة مصدر: \"ثم أقاموا المصدر مقام الاسم، تقول: سمعت دعاء كما تقول: سمعت صوتاً، وكما تقول: اللهم اسمع دعائي، وقد يوضع المصدر موضع الاسم، كقولهم: رجل عدل، وهذا درهمٌ ضَرْبُ الأمير، وهذا ثوبٌ نَسْجُ اليمن\" (¬١).\rفتحصَّل من هذا أن الدعاء له إطلاقان: أحدهما: إطلاقه على المصدر الذي هو التكلم، والثاني: إطلاقه على اسم المفعول الذي هو الألفاظ المدعو بها.\r\rأصل الهمزة في دعاء:\rالأصل في همزة دعاء الواو، فأصله دعاو (¬٢) فهي واوية الأصل بدليل قولك دعوت أدعو، و\"اسم الفاعل داع والمفعول مدعو\" (¬٣) فهذا يدل على أن أصل الهمزة في دعاء الواو وإنما أبدلت همزة لتطرفها إثر ألف زائدة، قال ابن مالك ﵀:\rأَحْرُفُ الإبدال هَدَأْتُ مُوْطِيَا … فأَبْدِل الهمزةَ من واو ويا\rآخراً إثر ألف زِيْدَ وفي … فَاعِلِ مَا أُعِلَّ عيناً ذا اقتفي (¬٤)\r\rالمطلب الثاني: في معنى الدعاء اللغوي:\rأطلقت هذه المادة - د ع و - في الكتاب والسنّة وكلام العرب وأهل العلم على معان شتى، ولكن تلك المعاني بينها تفاوت، فمنها ما استعملت فيه كثيراً وهو المراد عند الإطلاق، ومنها ما استعملت فيه","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء: ٤، وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٢٧، والأزهية في أحكام الأدعية: ٢٧.\r(¬٢) الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٣٣٧، وتاج العروس: ١٠/ ١٢٦، واللسان: ٣/ ١٣٨٦.\r(¬٣) جمهرة اللغة لابن دريد: ٣/ ٢٤٢.\r(¬٤) الألفية مع شرح ابن عقيل: ٢/ ٥٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048371,"book_id":1098,"shamela_page_id":19,"part":"1","page_num":26,"sequence_num":19,"body":"نادراً، وهذا مع ورود تلك المعاني كلها، وصحتها عند أهل اللغة.\rويمكن عند التأمل إرجاع تلك المعاني إلى أصل واحد تدور عليه وهو إمالة الشيء. قال ابن فارس (¬١) ﵀:\r\"دعو. الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد، وهو أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام فيكون منك\" (¬٢).\rثم بيّن ﵀ كيف أن المعاني المتعددة ترجع إلى ذلك، فبيّن أن قولهم دعا الله فلاناً بما يكره أي أنزله به يرجع إلى ذلك لأنه إذا فعل ذلك به أماله إليه وأن قولهم تداعت الحيطان إذا سقط واحد وآخر بعده، صار كأن الأول دعا الثاني وأماله إلى نفسه، ودواعي الدهر صروفه كأنها تميل الحوادث (¬٣).\rوتلك المعاني المتعددة المتحدة في الأصل نذكرها واحدة تلو الأخرى مع ذكر أمثلة وشواهد من استعمالها في الكتاب أو السنة أو كلام أهل اللغة المعتبرين، الذين يستشهد بكلامهم.\rثم نذكر المعاني التي ذكرها بعض العلماء وهي ترجع في الحقيقة إلى المعاني السابقة، مستشهدين في ذلك كله بكلام علماء اللغة المعتبرين، وهذا أوان الشرع في ذلك وبالله التوفيق وعليه التكلان:\r\r١ - فأول تلك المعاني: الطلب والسؤال:\rقال ابن سيده (¬٤) ﵀: \"طلب الطالب للفعل من غيره\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) هو أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين اللغوي المحدث وكان رأساً في الأدب بصيراً بفقه مالك مناظراً متكلماً على طريقة أهل الحق أي على مذهب أهل الحديث (ت ٣٩٥ هـ)، السير: ١٧/ ١٠٤ - ١٠٥، وانظر المنتظم: ٧/ ١٠٣، وبغية الوعاة: ١/ ٣٥٢.\r(¬٢) معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٢/ ٢٧٩.\r(¬٣) المرجع نفسه: ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠.\r(¬٤) هو علي بن إسماعيل الأندلسي الضرير أحد من يضرب بذكائه المثل، إمام في اللغة والعربية، حافظ لهما (ت ٤٥٨ هـ)، سير أعلام النبلاء: ١٨/ ١٤٤ - ١٤٦، والعبر في خبر من غبر: ٢/ ٣٠٨.\r(¬٥) المخصص لابن سيده: ١٣/ ٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048372,"book_id":1098,"shamela_page_id":20,"part":"1","page_num":27,"sequence_num":20,"body":"وقال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): \"الدعاء في اللغة والحقيقة هو الطلب (¬١).\rوقال محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): معنى الدعاء حقيقة وشرعاً: الطلب\" (¬٢).\rوذكر هذا المعنى للدعاء كثير من العلماء من غير هؤلاء (¬٣) الثلاثة.\rثم إن هذا المعنى هو أكثر استعمالاً من المعاني الأخرى في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء (¬٤).\rوفعل \"دَعَا\" إذا استعمل في هذا المعنى \"يتعدى إلى النفع المطلوب بالباء يقال: دعوت الله بالفلاح\" (¬٥) ويتعدى إلى المدعو المطلوب منه بنفسه، كما أنه يتعدى في الخير باللام وفي الشر بعلى، يقال: \"دعوت له بخير وعليه بشر\" (¬٦).\rومما ورد من استعماله في هذا المعنى:\rقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].\rوقوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦١].\rوقوله ﷿: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٨١٥.\r(¬٢) فتح القدير: ٤/ ٤٩٨.\r(¬٣) منهم ابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٧، ومقاتل بن سليمان البلخي في الأشباه والنظائر: ٢٨٧، وابن الجوزي في نزهة النواظر: ٢٩٤، والدامغاني في الوجوه والنظائر: ١٧٤ - ١٧٥، والزبيدي في إتحاف السادة: ٥/ ٢٧، والقرافي في الفروق: ٤/ ٢٥٩، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٣٢.\r(¬٤) فتح المجيد: ١٨٠.\r(¬٥) الكليات للكفوي: ٢/ ٣٣٣.\r(¬٦) المحكم لابن سيده: ٢/ ٢٣٤، واللسان: ٣/ ١٣٨٧، وأساس البلاغة للزمخشري: ١/ ٢٧٢، وتاج العروس للزبيدي: ١٠/ ١٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048373,"book_id":1098,"shamela_page_id":21,"part":"1","page_num":28,"sequence_num":21,"body":"ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨].\rوقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ … ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾ [الأنعام: ٦٣].\rوقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\rوقوله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].\rوقوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].\rوقوله جلّت قدرته: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١].\rفالدعاء في هذه الأمثلة معناه الطلب، وليس هو مطلق الطلب، بل طلب خاص وهو \"طلب الأدنى من الأعلى تحصيل الشيء بلا غضاضة من الأعلى\" (¬١). وذلك لأن صيغة الطلب والاستدعاء تختلف بحسب الطالب والمطلوب منه، فإذا كانت ممن يقدر على قهر المطلوب منه، فإنها تقال على وجه الأمر، وإذا كانت من الفقير من كل وجه للغني من كل وجه فإنها تقال على وجه السؤال بتذلل وافتقار (¬٢) فيسمى ما كان من الأدنى للأعلى دعاء، وما كان من الأعلى للأدنى أمراً، وما كان من الأقران بعضهم من بعض التماساً، قال صاحب السلم:\rأمر مع استعلا وعكسه دعا … وفي التساوي فالتماس وقعا (¬٣)","footnotes":"(¬١) نزهة النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي ص: ٢٩٤.\r(¬٢) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٦، ونقله في تحفة الجليس: ١٠١، أو دلائل الرسوخ: ٧٥.\r(¬٣) السلم المنورق في علم المنطق المطبوع ضمن مجموع المتون ص: ٢٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048374,"book_id":1098,"shamela_page_id":22,"part":"1","page_num":29,"sequence_num":22,"body":"والحاصل أن الصيغة الواحدة تفرق بحسب النظر للمخاطَب والمخاطِب إن كانا متساويين أو أحدهما أعلى من الآخر (¬١).\rوهذا ما ذهب إليه جمع من علماء أهل البلاغة والمنطق وهو مذهب المعتزلة وبعض الفقهاء واعترض عليه بأنه ورد إطلاق لفظ الأمر على غير هذا الوجه في مثل قول فرعون لقومه ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] والمقام للمشورة، وفرعون أعلى منهم رتبة (¬٢).\r\r٢ - العبادة:\rوهذا المعنى ورد بكثرة في استعمالات القرآن الكريم والسنّة، وكلام أهل العلم، وممن صرح بهذا المعنى أبو إسحاق الزجاج (¬٣) فإنه قال في قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]: \"معنى الدعاء الله ﷿ على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت\" وقولك: \"ربنا لك الحمد. . .\" (¬٤).\rوقال الزجاج أيضاً عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] في تفسير خفية: \"أي اعتقدوا عبادته في أنفسكم لأن الدعاء معناه العبادة\" (¬٥).\rكما صرح بهذا المعنى أيضاً كثير من اللغويين والمفسرين (¬٦)، فمن","footnotes":"(¬١) دلائل الرسوخ في الرد على المنفوخ: ٧٥، أو تحفة الجليس: ١٠١، ومفتاح العلوم للسكاكي ص: ٣١٩.\r(¬٢) انظر الإبهاج في شرح المناهج للسبكي ٢/ ٦ - ٧.\r(¬٣) هو إبراهيم بن محمد بن السري البغدادي لغوي، نحوي، مفسر، لزم المبرد، (ت ٣١١ هـ)، سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٣٦٠، تاريخ بغداد: ٦/ ٨٩ - ٩٣، ومعجم المؤلفين: ١/ ٣٣.\r(¬٤) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٥٥، وعنه في تهذيب اللغة: ٣/ ١١٩، وفي اللسان: ٣/ ١٣٨٥.\r(¬٥) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣٤٤.\r(¬٦). منهم ابن جرير في التفسير، فإنه فسر آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ إلخ بوجهين أحدهما: العبادة، جامع البيان: ٢/ ١٦٠، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048375,"book_id":1098,"shamela_page_id":23,"part":"1","page_num":30,"sequence_num":23,"body":"هؤلاء: الإمام أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري اللغوي المشهور (ت ٣٧٠ هـ)، فإنه قال:\r\"وقد يكون الدعاء عبادة، ومنه قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] أي الذين تعبدون من دون الله. . .\" ثم ذكر إطلاقه على توحيد الله وثنائه الذي هو بمعنى عبادته وذكره تعالى ثم قال: \"وروي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] أي لن نعبد إلهاً دونه.\rوقال ﷿: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]، أتعبدون رباً سوى الله وقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]، أي لا تعبده\" (¬١).\rوفوق هذا البيان من أهل اللغة بيان الرسول ﷺ هذا المعنى بقوله: \"الدعاء هو العبادة\" (¬٢) ولا حاجة بعد ذلك إلى بيان أحد من البشر، ولكن ذكرنا ذلك للاستئناس بأقوال العلماء. ومن استعماله في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء: ١١٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] وقد تقدم ذكر بعض الأمثلة في كلام الأزهري.","footnotes":"= الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾ الآية. . ذكر نحوه: ٧/ ٢٠٥، ومنهم ابن الجوزي في نزهة النواظر: ٢٩٣، ومقاتل بن سليمان البلخي في الأشباه والنظائر: ٢٨٦، ومن اللغويين الأزهري في التهذيب كما سيأتي في الرقم التالي، وابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٥، والزبيدي في تاج العروس: ١٠/ ١٢٧، وفي شرح الإحياء: ٥/ ٢٧، إلا أنه سماه توحيداً فقال: \"ويطلق ويراد به التوحيد كما في قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ \" ومثله أبو بكر الطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٣١، وأبو البقاء الكفوي في كلياته: ٢/ ٣٣٣.\r(¬١) تهذيب اللغة: ٣/ ١١٩، ١٢٤، وعنه في اللسان: ٣/ ١٣٨٥.\r(¬٢) سيأتي تخريج الحديث في ص: ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048376,"book_id":1098,"shamela_page_id":24,"part":"1","page_num":31,"sequence_num":24,"body":"٣ - الرغبة إلى الله ﷿:\rوهذا المعنى ذكره غير واحد من علماء اللغة، وقدمه كثير منهم على غيره من معاني الدعاء الأخرى في سردهم لتلك المعاني، منهم صاحب المحكم، وصاحب القاموس، وصاحب المصباح، وصاحب الكليات (¬١).\rوهذا المعنى أعم من المعنيين السابقين إذ الرغبة تارة تكون بالمسألة، وتارة بالعبادة والثناء، فالرغبة تحصل بالنوعين: السؤال، والعبادة، كما أن الرغبة هي سبب باعث على الطلب والسؤال، وباعث أيضاً على العبادة والثناء، فيكون الدعاء من آثار الرغبة ونتائجها، وتكون الرغبة لازمة له، ومن هنا ندرك أنه لا تنافي بين هذه المعاني بل هي متلازمة ومتداخلة.\r\r٤ - الاستغاثة والاستعانة:\rوهذا المعنى ذكره كثيرون من علماء اللغة وعلماء تفسير القرآن الكريم (¬٢).\rومن شواهد استعماله قوله تعالى:\r﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].\rقال الفراء (¬٣): وادعوا شهداءكم من دون الله\" يقول: \"آلهتكم،","footnotes":"(¬١) راجع المحكم: ٢/ ٢٣٤، والقاموس مع تاج العروس: ١٠/ ١٢٦، والمصباح المنير: ١/ ٢٦٤، والكليات: ٢/ ٣٣٣.\r(¬٢) انظر معاني القرآن للفراء: ١/ ١٩، والأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان: ٢٨٧، وغريب القرآن لابن قتيبة: ٤٣، وتهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ١١٩، ونزهة النواظر لابن الجوزي: ٢٩٤، والوجوه والنظائر للدامغاني: ١٧٤، ولسان العرب: ٣/ ١٣٨٥، والكليات: ٢/ ٣٣٤، وإتحاف السادة: ٥/ ٢٧، والدعاء المأثور ص: ٣٢.\r(¬٣) هو يحيى بن زياد بن عبد الله أبو زكريا الأسدي مولاهم الديلمي الكوفي نزيل بغداد النحوي المشهور صدوق (ت ٢٠٧ هـ)، تقريب التهذيب ص: ٥٩٠ رقم ٧٥٥٢، والسير: ١٠/ ١١٨، وبغية الوعاة: ٢٥/ ٣٣٣ رقم ٢١١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048377,"book_id":1098,"shamela_page_id":25,"part":"1","page_num":32,"sequence_num":25,"body":"يقول: استغيثوا بهم، وهو كقولك للرجل إذا لقيت العدو خالياً: فادع المسلمين، ومعناه استغث بالمسلمين، فالدعاء ههنا بمعنى الاستغاثة\" (¬١).\rوقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) في تفسير هذه الآية: \"أي ادعوهم ليعاونوكم على سورة مثله ومعنى الدعاء هاهنا - الاستغاثة -، ومنه دعاء الجاهلية، ودعوى الجاهلية، وهو قولهم: يا آل فلان، إنما هو استغاثتهم\" (¬٢).\rوهذا المعنى الذي هو الاستغاثة والاستعانة هو نوع من أنواع المعنى الأول الذي هو السؤال والطلب فهو قسم منه لا قسيم له (¬٣).\r\r٥ - النداء والصياح:\rوقد ذكره أيضاً غير واحد من علماء اللغة وعلماء تفسير غريب القرآن الكريم (¬٤) ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢].\rوقوله تقدست أسماؤه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٥].","footnotes":"(¬١) معاني القرآن للفراء: ١/ ١٩، وقد نقله عنه في اللسان: ٣/ ١٣٨٥.\r(¬٢) غريب القرآن لابن قتيبة: ٤٣.\r(¬٣) قسم الشيء: ما يكون مندرجاً تحته، وأخص منه كالاسم، فإنه أخص من الكلمة ومندرج تحتها، وقسيم الشيء: هو ما يكون مقابلاً للشيء ومندرجاً معه تحت شيء آخر كالاسم، فإنه مقابل للفعل ومندرجان تحت شيء آخر وهي الكلمة التي هي أعم منهما. التعريفات للجرجاني ص: ١٧٥.\r(¬٤) منهم ابن سيده في المحكم: ٢/ ٢٣٤، والجوهري في الصحاح: ٦/ ٢٣٣٧، والزمخشري في أساس البلاغة: ١/ ٢٧٢، وصاحب اللسان: ٣/ ١٣٨٦، والزبيدي في التاج: ١٠/ ١٢٨، وأبو البقاء في الكليات: ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤، ومقاتل بن سليمان في الأشباه: ٢٨٦، وابن الجوزي في نزهة النواظر: ٢٩٤، وانظر أيضاً إتحاف السادة: ٥/ ٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048378,"book_id":1098,"shamela_page_id":26,"part":"1","page_num":33,"sequence_num":26,"body":"وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠].\rوقوله عز من قائل: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١].\rوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦].\rوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢].\rثم إن الدعاء إذا استعمل بمعنى النداء يتعدى لواحد\" (¬١) تقول: دعوت زيداً أي ناديته ففي هذا المثال تعدى للمفعول الواحد فقط وهو زيداً.\r\r٦ - القول:\rذكره غير واحد من العلماء (¬٢). ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥].\rوقوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥].\rوقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى","footnotes":"(¬١) الكليات للكفوي: ٢/ ٣٣٣، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ٢/ ١٢١.\r(¬٢) انظر الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان: ٢٨٥، ومجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى: ١/ ٢١٠، ٢٧٥، ومعاني القرآن للفراء: ٢/ ٢٠٠، ومعاني القرآن للزجاج: ٣/ ٤١٦، ومعاني القرآن للأخفش الأوسط: ٢/ ٤١٣، وجامع البيان: ٨/ ١١٩ - ١٢٠ و ١١/ ٩٠، ونزهة النواظر: ٢٩٣، والمحكم: ٢/ ٢٣٤، والكليات: ٢/ ٣٣٤، والدعاء المأثور: ٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048379,"book_id":1098,"shamela_page_id":27,"part":"1","page_num":34,"sequence_num":27,"body":"في تفسير هذه الآية: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: أي دعاؤهم أي قولهم وكلامهم (¬١)، وقال به قتادة بن دعامة أيضاً (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣].\rفقد ذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن يدعو في الآية: \"بمنزلة يقول، ولمن مرفوع بالابتداء، ومعناه يقول: لمن ضره أقرب من نفعه - إلهٌ وربٌّ ..\rوكذلك قول عنترة:\rيَدْعُونَ عنترَ والرماحُ كأنها … أَشْطَانُ بئرٍ في لَبَانِ الأَدْهَم (¬٣)\rمعناه: يقولون: يا عنتر، فدلت يدعون عليها\" (¬٤).\r\r٧ - التسمية:\rذكرها كثير من علماء اللغة (¬٥). ومما ورد من استعماله في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].\rويتعدى في هذا الحال إلى المفعول الأول بنفسه، وإلى الثاني بالباء، وقد تحذف الباء فيتعدى إلى الثاني أيضاً.","footnotes":"(¬١) مجاز القرآن: ١/ ٢٧٥.\r(¬٢) أخرجه عنه ابن جرير في تفسيره: ١١٥/ ٩٠.\r(¬٣) ديوان عنترة ص: ٢٩، الغريب: الأشطان جمع شطن وهو حبل البئر، اللبان: الصدر، الأدهم: فرسه، انظر اللسان مادة شطن ولبن.\r(¬٤) معاني القرآن للزجاج: ٣/ ٤١٦، والمحكم: ٢/ ٤٣٢، وكذلك قاله الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت ٢١٥ هـ) كما في معاني القرآن له: ٢/ ٤١٣، وانظر لسان العرب: ٣/ ١٣٨٦.\r(¬٥) منهم ابن سيده في المحكم: ٢/ ٢٣٥، والزجاج في معاني القرآن: ٣/ ٤١٦، والزمخشري في الكشاف: ٢/ ٤٢٥، وفي أساس البلاغة: ١/ ٢٧٣، والراغب في المفردات: ١٧٠، وابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٧، والكفوي في الكليات: ٢/ ٣٣٣، ٣٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048380,"book_id":1098,"shamela_page_id":28,"part":"1","page_num":35,"sequence_num":28,"body":"تقول: دعوته بزيد، ودعوته زيداً أي سميته به. قال الشاعر:\rأَهْوَى لَهَا مِشْقَصاً حَشْراً فَشَبْرَقَهَا … وَكُنْتُ أَدْعُو قَذَاهَا الإِثْمِدَ الْقَرِدَا (¬١)\rأي أسميه وأراد أهوى لها بمشقص فحذف الحرف وأوصل (¬٢) وقد يحذف المفعول الثاني ويستغنى بالأول نحو دعوت زيداً، والأصل دعوته زيداً (¬٣).\r\r٨ - الحث على الشيء والحض عليه والسوق إليه:\rوقد ذكره كثير من أهل العلم (¬٤)، وقد ورد استعماله في هذا المعنى في الكتاب العزيز كثيراً، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: ٢٥].\rوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].\rوقوله تعالى في قصة صاحب آل فرعون: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى","footnotes":"(¬١) البيت لابن أحمر الباهلي نسبه إليه في مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٢/ ١٢، ومعاني القرآن للزجاج: ٣/ ٤١٦، والمحكم: ٢/ ٢٣٥، والطبري: ١٦/ ١٣١، واللسان: ٣/ ١٣٨٧، والتهذيب: ٣/ ١٢٤.\rغريب البيت: المشقص: النصل الطويل غير العريض، والحشر هو السهم الذي حشر حشراً وهو المخفف الريش، شبرقها أي مزقها، والإثمد: الكحل الأسود، والقرد الذي يتقطع في العين وقيل: الذي يلزم بعضه بعضاً، وأدعو: أسمي.\rوالمعنى: كنت أسمي الإثمد قذى من حذري عليها مع أن الإثمد يصلحها فكيف بما يؤذيها، انظر مجاز القرآن: ٢/ ١٢، واللسان ٤/ ٢١٨٥، ٢٢٩٩ في مادتي شقص وشبرق، وحاشية تفسير الطبري: ١٦/ ١٣١.\r(¬٢) المحكم: ٢/ ٢٣٥، واللسان: ٣/ ١٣٨٧.\r(¬٣) الكشاف للزمخشري: ٢/ ٣٧٨.\r(¬٤) منهم ابن سيده في المحكم: ٢/ ٢٣٤، والراغب في المفردات: ١٧٠، وابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٦، والفيروز أبادي في القاموس، انظر القاموس مع تاج العروس: ١٠/ ١٢٧، والكفوي في الكليات: ٢/ ٣٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048381,"book_id":1098,"shamela_page_id":29,"part":"1","page_num":36,"sequence_num":29,"body":"﴿النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤١، ٤٢].\rوقوله ﷿: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦].\rوقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].\rوالمشهور في مصدر دعا بهذا المعنى، هو الدعوة، فهي أكثر استعمالاً في هذا المعنى من استعمالها بمعنى السؤال.\r\r٩ - إنزال مكروه:\rذكر هذا المعنى جماعة من علماء اللغة (¬١) وقالوا: إن العرب تقول: دعاه الله بما يكره، أي أنزله به وذكروا له شاهداً من قول الشاعر:\rدَعَاكَ اللَّهُ من قَيْسٍ بِأَفْعَى … إِذَا نَام العيونُ سَرَتْ عَلَيْكَا (¬٢)\rهذا حاصل ما وقفت عليه من معاني كلمة الدعاء وما تصرف عنها وقد بقيت عدة معاني ذكرها بعض العلماء، وعند إمعان النظر ترجع إلى المعاني المذكورة السابقة فتكون من بعض أفراد المعاني السابقة وليست جديدة، وسأذكر تلك المعاني مع شواهدها، وأبين رجوعها إلى المعاني السابقة، مع الإشارة إلى من جعلها من معاني الدعاء.","footnotes":"(¬١) منهم الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين: ٢/ ٢٢١، وابن سيده في المحكم: ٢/ ٢٣٥، وابن فارس في معجمه: ٢/ ٢٨٠، وابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٧، والزمخشري في أساس البلاغة: ١/ ٢٧٢ إلا أنه جعله من معاني الدعاء المجازية، ولا يخفى توسعه في باب المجاز والتأويل.\r(¬٢) البيت في المصادر السابقة، المحكم، ومعجم ابن فارس وغيرهما وقد قيل: إنه لأبي النجم، وفي رواية من ضبع بدل قيس، والقيس هنا من أسماء الذكر، انظر في هذا: المصادر السابقة.\rوأنشد الجاحظ بيتاً قريباً من هذا في الحيوان: ١/ ١٧٦/ ٤: ٢٥٨:\rرَمَاك الله من أَيْرٍ بأَفْعى … ولا عَافَاك من جَهْدِ البَلاءِ","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048382,"book_id":1098,"shamela_page_id":30,"part":"1","page_num":37,"sequence_num":30,"body":"فمن تلك المعاني:\r١ - الرفعة والتنويه:\rفقد ذكر هذا المعنى الراغب الأصفهاني، وفسر به قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ (¬١) [غافر: ٤٣].\rوهذا الذي قاله الراغب ﵀ فيه نظر، فقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ من معاني الدعاء الاستغاثة، ثم قال: \"ويطلق أيضاً على رفعة القدر كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ كذا قال الراغب، ويمكن رده إلى الذي قبله\" (¬٢).\rويؤيد الاحتمال الذي أبداه الحافظ أن أقوال المفسرين في الآية تدور حول المعاني الآتية:\rأحدها: أنه ليس له استجابة دعوة أي دعاءٍ أي لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة.\rثانيها: أنه ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن الأوثان لا تدَّعِي الربوبية ولا تَدْعُو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.\rوثالثها: أنه ليس له شفاعة (¬٣).\rفتبين مما تقدم أن \"دعوة\" في الآية معناها يرجع إما إلى الدعاء بمعنى الطلب والمسألة على المعنى الأول والثالث لأن الشفاعة نوع من الدعاء، أو يرجع إلى الدعاء بمعنى الحث على المعنى الثاني.","footnotes":"(¬١) المفردات: ١٧٠.\r(¬٢) الفتح: ١١/ ٩٤.\r(¬٣) تفسير البغوي: ٤/ ٩٩، والطبري: ٢٤/ ٦٩ وفيه سقط، وابن كثير: ٤/ ٨٠، وتفسير الرازي: ١٤/ ٧٢، وزاد المسير: ٧/ ٢٢٥، وفتح القدير: ٤/ ٤٩٤، وروح المعاني: ٨/ ٢٤/ ٧٢، ومعاني القرآن للزجاج: ٤/ ٣٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048383,"book_id":1098,"shamela_page_id":31,"part":"1","page_num":38,"sequence_num":31,"body":"وقد تقدم كل من المعنيين فيكون هذا المثال داخلاً في أحدهما، وبهذا يتضح أن هذا المعنى الذي ذكره الراغب للدعاء لا يصح الاستشهاد عليه بالآية المذكورة إذا لم يكن هناك شاهد آخر من اللغة الفصحى يدل له، فعلى هذا لا يصح عده من معاني الدعاء اللغوية مع العلم بأن المعاجم اللغوية الأخرى التي اطلعنا عليها لم تذكر هذا المعنى.\r\r٢ - العذاب:\rفقد ذكره بعض علماء اللغة (¬١) ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٧]. وقالوا: إن دعوتها لهم هو ما تفعل بهم من الأفاعيل، وادَّعوا أن هذا المعنى هو الصحيح، وأنه ليس بمعنى النداء، الحقيقي، قال ابن سيده: \"وقيل هو من الدعاء الذي هو النداء وليس بقوي\" (¬٢). وهذا الذي قالوه غير صحيح، لأنه خروج عن ظاهر اللغة بدون ضرورة تلجيء إليه، وذلك من تحريف الكلم عن مواضعه وقد تسرب هذا التأويل إلى هؤلاء اللغويين من المعتزلة والجهمية الذين فتحوا باب التأويل والتحريف في كلام الله ورسوله وقلدهم بعض علماء اللغة بدون إحاطة بما يحتوي كلامهم عليه من المفاسد. ثم إن هؤلاء فروا من القول بنداء النار، وكلامها وهذا أمر ثابت بغير هذه الآية من الكتاب والسنة بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. وعن أبي","footnotes":"(¬١) ذكره الخليل بن أحمد في العين: ٢/ ٢٢١ وحكاه بصيغة يقال، وذكره الأزهري في تهذيب اللغة: ٣/ ١٢٥، ثم قال وفي قول تنادى، وذكره في المحكم: ٢/ ٢٣٥، ونقله عن محمد بن يزيد وهو المبرد في اللسان: ١٤/ ٢٦٠، ونقل عن ثعلب: تنادى من أدبر وتولى، ونقله في الوجوه والنظائر للدامغاني: ١٧٥، ونقل عن ثعلب أيضاً: دعاك الله أي أماتك الله، والإماتة أيضاً راجعة إلى معنى إنزال المكروه، وانظر أيضاً تاج العروس: ١٠/ ١٢٨.\r(¬٢) المحكم: ٢/ ٢٣٥ وقد ذكر قبل هذا معنى آخر وهو أنها تفعل بهم الأفاعيل وهو راجع إلى العذاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048384,"book_id":1098,"shamela_page_id":32,"part":"1","page_num":39,"sequence_num":32,"body":"هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين. . .\" (¬١).\rوعنه ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"تحاجت الجنة والنار\" فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلّا ضعفاء الناس وسَقَطُهم، قال الله ﵎ للجنة: \"أنتِ رحمتي أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذاب أعذب بكِ من أشاء من عبادي. . .\" (¬٢).\rوعن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: \"لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض\" (¬٣).\rوقد دلت هذه النصوص القطعية الصريحة على أن النار تتكلم حقيقة، فبذلك يصح أنها تنادي، فلا حاجة إلى تأويل \"تدعو\" في الآية إلى تعذب، ثم إن هذا المعنى الذي هو العذاب لو ثبت لغوياً أنه من معاني الدعاء فهو داخل تحت إنزال المكروه فهو ليس معنى جديداً.\r\r٣ - الاستفهام:\rفقد ذكره بعض علماء تفسير غريب القرآن (¬٤). ومثلوا له بقوله تعالى في قصة مراجعة بني إسرائيل لموسى ﵇ في ذبح البقرة: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨، ٦٩، ٧٠] أي استفهم لنا ربك.\rوهذا المعنى راجع إلى المعنى الأول الذي هو الطلب فإن الاستفهام","footnotes":"(¬١) البخاري: ٢/ ١٨ رقم ٥٣٧، ٦/ ٣٣٠ رقم ٣٢٦٠ ومسلم: ١/ ٤٣١ رقم ٦١٧.\r(¬٢) البخاري مع الفتح: ٨/ ٥٩٥ برقم ٤٨٥٠، ومسلم: ٤/ ٢١٨٦ رقم ٢٨٤٦.\r(¬٣) البخاري مع الفتح: ٨/ ٥٩٤ رقم ٤٨٤٨، ومسلم: ٤/ ٢١٨٧ رقم ٢٨٤٨.\r(¬٤) منهم مقاتل بن سليمان في الأشباه والنظائر: ٢٨٧، وابن الجوزي في نزهة النواظر: ٢٩٥، والدامغاني في الوجوه: ١٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048385,"book_id":1098,"shamela_page_id":33,"part":"1","page_num":40,"sequence_num":33,"body":"قسم من أقسام الطلب وليس قسيماً له ومما يدل على رجوعه إلى ذلك ما روي عن الكلبي (¬١) أنه فسره بقوله: \"سل لنا ربك\" (¬٢).\r\r٤ - الجعل:\rفقد ذكره بعضهم من معاني الدعاء (¬٣) ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٩١] وبقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وبقول الشاعر:\rأَهْوَى لها مِشْقَصاً حَشْراً فَشَبْرَقَها … وكنت أدعو قَذَاها الإِثْمِدَ القردَا (¬٤)\rوبقول آخر:\rأَلَا رُبَّ من تَدْعُو نصيحاً وإِن تَغِبْ … تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ (¬٥)\rوترجع هذه الأمثلة إلى ما تقدم من المعاني.\rففي الآية الأولى ذهب الأكثرون إلى أنها بمعنى سموا، فترجع إلى معنى التسمية، فعلى هذا فإن الدعاء بمعنى التسمية يتعدى إلى مفعوليه كما تقدم، اقتصر هنا على المفعول الثاني، وحذف الأول ليفيد العموم والإحاطة لكل ما دعي له ﷿ ولداً من عيسى وعزير وغيرهما (¬٦).","footnotes":"(¬١) هو محمد بن السائب الكوفي المفسر النسابة الأخباري متهم بالكذب ورمي بالرفض من السادسة (ت ١٤٦ هـ) تقريب التهذيب ص: ٤٧٩ رقم ٥٩٠١، وميزان الاعتدال: ٣/ ٥٥٦ رقم ٧٥٧٤.\r(¬٢) تهذيب اللغة: ٣/ ١٢٣، اللسان: ٣/ ١٣٨٧.\r(¬٣) منهم أبو عبيدة معمر بن المثنى في مجاز القرآن: ٢/ ١٢ و ١٢٨، والأزهري في تهذيب اللغة: ٣/ ١٢٤، نقلاً عن الأخفش، والطبري في التفسير: ١٦/ ١٣١، والبغوي في التفسير: ٣/ ٢٠٩، والراغب الأصفهاني في المفردات: ١٧٠، وابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٧.\r(¬٤) تقدم هذا البيت ص: ١٧.\r(¬٥) ورد ذكره في مجاز القرآن والطبري واللسان في المواضع السابقة ولم ينسبه في هذه المراجع إلى قائله.\r(¬٦) الكشاف: ٢/ ٤٢٥، وروح المعاني: ١٦/ ١٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048386,"book_id":1098,"shamela_page_id":34,"part":"1","page_num":41,"sequence_num":34,"body":"وفي الآية الثانية بمعنى العبادة أو السؤال كما هو واضح، وسيأتي ما يؤيد أنها بمعنى العبادة (¬١)، وفي البيتين يرجع الدعاء إلى معنى التسمية، فقوله: \"وكنت أدعو قذاها\" أي أسميه (¬٢)، وقوله: \"من تدعو نصيحًا\" أي تسميه نصيحًا، وتلقبه بذلك.\r\r٥ - الاستحضار:\rفقد ذكره بعضهم (¬٣) ومثل له بقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص: ٥١].\rوقولهم: دعا بالكتاب أي استحضره، وهذا راجع إلى معنى الطلب أيضًا، فالمعنى أنه طلب حضور الكتاب في المثال الثاني، وأما في الآية فالمعنى أن أهل الجنة يسألون ويطلبون الفواكه الكثيرة والشراب.\r\r٦ - الندبة:\rفقد ذكر هذا المعنى كثير من علماء اللغة وقالوا: \"يقال: دعا الميت: ندبه\" (¬٤) والظاهر أنه يرجع إلى معنى النداء، فلذلك قال ابن سيده وغيره: \"ودعا الميت ندبه كأنه ناداه\" (¬٥) ففيه معنى النداء فيرجع إليه.\r\r٧ - الثناء:\rفقد ذكره بعضهم (¬٦) ومثل له بقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا","footnotes":"(¬١) سيأتي في ص: ١٢٣.\r(¬٢) المحكم: ٢/ ٢٣٥، وفسره الأزهري بقوله: \"أي كنت أجعل وأسمي\" فعطف أحدهما على الآخر. التهذيب: ٣/ ١٢٤.\r(¬٣) ذكره الزمخشري في أساس البلاغة: ١/ ٢٧٣، والزبيدي في تاج العروس: ١٠/ ١٢٨.\r(¬٤) ذكره ابن سيده في المحكم: ٢/ ٢٣٥، وابن منظور في اللسان: ٣/ ١٣٨٧، والزمخشري في أساس البلاغة ص: ١٨٩، والزبيدي في التاج: ١٠/ ١٢٧.\r(¬٥) المصادر السابقة في المواضع نفسها.\r(¬٦) ذكره القشيري في شرح أسماء الله الحسنى ونقله عنه الحافظ في الفتح: ١١/ ٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048387,"book_id":1098,"shamela_page_id":35,"part":"1","page_num":42,"sequence_num":35,"body":"الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠].\rوفي التمثيل بهذه الآية نظر، لأن الدعاء هنا إما بمعنى النداء على ما اختاره أبو حيان وجماعة (¬١) أو بمعنى التسمية على ما اختاره الزمخشري (¬٢) أو بمعنى السؤال المتضمن معنى التسمية على ما اختاره ابن القيم.\rوقد عقب ابن القيم على اختيار الزمخشري بأنها بمعنى التسمية، فقال:\r\"وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المراد بالدعاء في الآية، وليس هو عين المراد، بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء ولكنه متضمن معنى التسمية فليس المراد مجرد التسمية الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب، فعلى هذا المعنى يصح أن يكون في تدعوا معنى تسموا فتأمله، والمعنى أيًّا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم والله أعلم\" (¬٣).\rوالحاصل أن التمثيل بالآية غير متفق عليه مع احتماله لمعنى الثناء ولكنه في معنى السؤال أظهر كما يدل عليه سبب النزول (¬٤) فلا يعد هذا المعنى معنى مستقلًا للدعاء.\r\r٨ - الإيمان:\rفقد فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] بقوله ﵁: \"يقول: لولا إيمانكم\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) البحر المحيط: ٦/ ٩٠، وروح المعاني: ١٥/ ١٩٢.\r(¬٢) الكشاف: ٢/ ٣٧٨، وروح المعاني: ١٥/ ١٩٢.\r(¬٣) بدائع الفوائد: ٣/ ٥، ونحوه في الفتاوى: ١٥/ ١٤.\r(¬٤) انظر في سبب النزول تفسير ابن جرير: ١٥/ ١٨٢، فقد أخرجه عن ابن عباس، ومكحول مرسلًا.\r(¬٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره: ١٩/ ٥٥ من طريق علي وهو ابن أبي طلحة عن ابن عباس به.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048388,"book_id":1098,"shamela_page_id":36,"part":"1","page_num":43,"sequence_num":36,"body":"وقد ذكره أيضًا البخاري ﵀ في كتاب الإيمان فقال: \"دعاؤكم، إيمانكم\" (¬١)، فالبخاري يشير بهذا إلى \"أن الدعاء عمل، وقد أطلقه على الإيمان، فيصح إطلاق أن الإيمان عمل\" (¬٢) فهو يستدل بهذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. وذكر محمد صديق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ) ﵀: أن \"أصل الدعاء في اللغة الإيمان\" (¬٣) وهذا الذي قاله لم أجد من سبقه إليه، فإن ابن عباس والبخاري إنما ذهبا إلى أن معنى الدعاء في الآية - الإيمان - ولم يقولا: بأنه هو الأصل في اللغة، مع أن كلامهما يمكن أن يحمل على أنهما أرادا بالإيمان العبادة لأن معنى الإيمان عند الإفراد يشمل جميع أنواع العبادة، وجميع أنواع الطاعات كما ذكر ذلك في مسألة الفرق بين الإيمان والإسلام والفقير والمسكين، وإطلاق الدعاء على العبادة ثابت كما تقدم.\rومما يدل على هذا الاحتمال أن ابن جرير فسر الدعاء في الآية بالعبادة والطاعة، ثم قوى هذا التفسير بقول ابن عباس: \"لولا إيمانكم\" (¬٤) فدل على أنه يرى أنه لا فرق بين تفسير الدعاء بالعبادة وبين تفسيره بالإيمان فكلاهما يطلق على الآخر.\rومن هنا يتضح أن هذا المعنى ليس معنىً مستقلًا، بل هو راجع إلى معنى العبادة الذي تقدم.\rهذه المعاني المتقدمة هي المعاني التي ذكروها لمادة \"د ع و\" المجردة.\rوأما مادة \"د ع و\" المزيدة فقد ذكروا لها معاني أغلبها ترجع إلى هذه","footnotes":"(¬١) البخاري مع الفتح: ١/ ٤٩، وذكره في تاج العروس نقلًا عن البخاري: ١٠/ ١٢٨.\r(¬٢) فتح الباري: ١/ ٤٩.\r(¬٣) الدين الخالص: ١/ ٢٢٤.\r(¬٤) جامع البيان: ١٩/ ٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048389,"book_id":1098,"shamela_page_id":37,"part":"1","page_num":44,"sequence_num":37,"body":"المعاني عند التأمل، ومن المعاني التي ذكروها: التمني، والزعم، والتداعي.\r١ - أما التمني: فقد ذكره كثير من العلماء (¬١) ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، وبنحو قولهم: \"فلانٌ في خير ما ادَّعَى\" أي ما تمنَّى وقولهم: \"ادَّعِ عليَّ ما شِئْتَ\" أي تَمَنَّ عَلَيَّ (¬٢).\rوهذا المعنى يرجع عند التأمل إلى معنى الطلب إذ التمني أحد أنواع الطلب ومما يقوي هذا المعنى ما قاله الراغب الأصفهاني في تفسير الآية السابقة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾: أي ما تطلبون (¬٣) وكذلك ما قاله ابن سيده في المحكم حيث ذكر أن ادعى بمعنى تمنى ثم قال: \"وفي التنزيل ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ معناه ما يتمنون، وهو راجع إلى معنى الدعاء أي ما يدعيه أهل الجنة\" (¬٤).\rومثله قول الزجاج بعد تفسيره بالتمني: \"وهو مأخوذ من الدعاء، المعنى: كل ما يدعو أهل الجنة يأتيهم\" (¬٥)، وقولهم: ادّع علي ما شئت أي اطلب مني ما شئت وقولهم: فلان في خير ما ادعى أي في خير ما طلب.","footnotes":"(¬١) منهم أبو عبيدة في المجاز: ٢/ ١٦٤، وابن سيده في المحكم: ٢/ ٢٣٥، والزجاج في معاني القرآن: ٤/ ٢٩٢، والأزهري في التهذيب نقلًا عن ابن هانئ: ٣/ ١٢٤.\r(¬٢) ذُكِرَ هذان المثالان في المحكم: ٢/ ٢٣٥، واللسان: ٣/ ١٣٨٧، والتهذيب: ٣/ ١٢٤.\r(¬٣) المفردات: ١٧٠.\r(¬٤) المحكم: ٢/ ١٣٥، ونحوه في تاج العروس: ١٠/ ١٢٧ قوله: يدعيه أي يدعوه فيه إبدال.\r(¬٥) معاني القرآن للزجاج: ٤/ ٢٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048390,"book_id":1098,"shamela_page_id":38,"part":"1","page_num":45,"sequence_num":38,"body":"٢ - وأما الزعم والادعاء حقًا كان أو باطلًا، فقد ذكره بعض أهل العلم (¬١) ومن أمثلته التي ذكروها قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧]، أي هذا العذاب الذي زعمتم أنه باطل وأنه لا يقع.\rويحتمل رجوعه إلى معنى الطلب أيضًا فالمعنى على ذلك: هذا الذي كنتم تَدْعُون اللَّهَ تعالى بتعجيله يعني قولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].\rفهذا ظاهر على قراءة تدعون بالتخفيف وأما على قراءة التشديد فيحتمل أن يكون تدعون تفتعلون من الدعاء أو من الدعوى (¬٢) وذكر البغوي القراءتين وأن معناهما واحد مثل تذكرون وتذكرون وقال: \"تفتعلون من الدعاء أي أن تدعوه وتتمنوه أنه يجعله لكم\" (¬٣).\r٣ - وأما التداعي والتساقط فقد ذكرته طائفة أهل اللغة (¬٤) ومن أمثلته حديث: يُوْشِكُ أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها\" (¬٥).\rوقولهم: \"تداعت الحيطان\" أي تساقطت.\rوهذا المعنى راجع إلى النداء فمعنى أن تداعى عليكم الأمم: أي","footnotes":"(¬١) انظر المحكم لابن سيده: ٢٥/ ٢٣٥، واللسان: ٣/ ١٣٨٧ - ١٣٨٨.\r(¬٢) انظر ذلك في المصادر السابقة، ومعاني القرآن للزجاج: ٥/ ٢٠١، والتهذيب نقلًا عن الزجاج: ٣/ ١٢٠.\r(¬٣) تفسير البغوي: ٤/ ٣٧٣، وانظر في القراءتين: النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ٢/ ٣٨٩.\r(¬٤) منهم صاحب القاموس انظر القاموس مع التاج: ١٠/ ١٢٨ إلا أنه جعله من المجاز، وابن الأثير في النهاية: ٢/ ١٢١، وابن منظور: ١٣/ ١٣٨٨.\r(¬٥) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٧٨، وأبو داود: ٤/ ٤٨٣ رقم ٤٢٩٧ وهو من مسانيد ثوبان وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: ٢/ ٦٨٣ رقم ٩٥٨، وصحيح الجامع: ٦/ ٣٦٤ رقم ٨٠٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048391,"book_id":1098,"shamela_page_id":39,"part":"1","page_num":46,"sequence_num":39,"body":"تجتمع ويدعو بعضهم بعضًا، كما في النهاية (¬١).\rوفي المثال الثاني جعل الحيطان كأنه يدعو بعضه بعضًا كما سبقت الإشارة إلى ذلك في كلام ابن فارس (¬٢).\r\rالمطلب الثالث: في المعنى الشرعي للدعاء والمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي:\rقد تنوعت عبارات العلماء في تعريف الدعاء، وتعددت كلماتهم، وكلها تهدف إلى الكشف عن حقيقة معناه الشرعي، وإليك بعض تلك العبارات:\rقال أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ): \"ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه ﷿ العناية، واستمدادُه إياه المعونةَ، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة\" (¬٣).\rوقال أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحَلِيميُّ (ت ٤٠٣ هـ): \"الدعاء: قول القائل: يا الله يا رحمن يا رحيم وما أشبه ذلك\" (¬٤).\rوقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): \"حقيقة الدعاء مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك، واستجلاب لرحمة المولى\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) النهاية في غريب الحديث: ٢/ ١٢٠، وقال في اللسان وتداعى القوم دعا بعضهم بعضًا حتى يجتمعوا: ٣/ ١٣٨٦.\r(¬٢) تقدم في ص: ٢٦.\r(¬٣) شأن الدعاء للخطابي ص: ٤.\r(¬٤) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٢٢.\r(¬٥) مراقي الزلفى لابن العربي بواسطة نبذة في الدعاء وآدابه وأسبابه لليافعي ص: ٢٢ ولم أطلع على كتاب ابن العربي وانظر نسبة الكتاب إلى ابن العربي في كتاب آراء أبي بكر بن العربي لعمار طالبي: ١/ ٧٦ - ٧٧، ومقدمة قانون التأويل للسليماني ص: ١٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048392,"book_id":1098,"shamela_page_id":40,"part":"1","page_num":47,"sequence_num":40,"body":"وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): \"إن دعاء المسألة: هو طلبُ ما ينفع الداعي، وطلبُ كشفِ ما يضره، ودَفْعِهِ\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ): \"وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة أو بأحد أخواتها\" (¬٢).\rوعرفه الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني (ت ١١٨٧ هـ) بقوله: فالمعنى الذي هو راجع وضعًا لا قصدًا إلى القوي القادر، بحيث لا يصلح إلا له، ولا يتحصل إلا به أو عنه، اسمُ طلبه والتماسِه، واللفظُ الذي يكون له هو الدعاء وضعًا وشرعًا والدعاء في لسان أنبياء الله ورسله وكتابه - اسمٌ لطلب ذلك المعنى -\" (¬٣) وقال أيضًا: \"إن الدعاء عند المتشرعة والإسلاميين طَبْعٌ وهيئةٌ لازمةٌ طلبَ العاجزِ للقادر وسؤاله منه\" (¬٤) وعرفه أيضًا بتعريف آخر أطول هذا يرجع إلى هذا المعنى (¬٥).\rوعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت ١٢٨٥ هـ) بقوله: \"هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهما\" (¬٦). وهناك تعريفات","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ١٠، ومثله في بدائع الفوائد: ٣/ ٢.\r(¬٢) الرسائل الشخصية من مؤلفات الشيخ ص: ٤.\r(¬٣) معارج الألباب في مناهج الحق والصواب ص: ١٩٦.\r(¬٤) معارج الألباب ص: ٢١٨.\r(¬٥) فقد ذكر في ص ١٩٣ تعريفًا طويلًا أدخل فيه شروط صحة الدعاء وهي:\rأ - كون المدعو قادرًا بالذات.\rب - كونه متمكنًا من المطلوب منه.\rجـ - كون حصول المطلوب يتوقف على إرادته فقط.\rد - عجز المخلوق عن تحصيله.\rهـ - صلاحية المحل للقيام بالسؤال والعلم بما فيه الخير …\r(¬٦) القول الفصل النفيس ص: ٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048393,"book_id":1098,"shamela_page_id":41,"part":"1","page_num":48,"sequence_num":41,"body":"أخرى (¬١) تدور حول التعريفات السابقة. وكل هذه التعريفات خاصة بأحد نوعي الدعاء، وهو دعاء المسألة ولا تشمل دعاء العبادة، ولكن يمكن أن تشمله بطريق التلازم، وذلك بأن يقال: إن المراد من دعاء العبادة هو طلب الثواب والخوف من العقاب فهو طلب جلب منفعة أو دفع مضرة كما يأتي بيان ذلك عند ذكر تلازم نوعي الدعاء.\rولعل التعريف الشامل أن يقال: \"الرغبة إلى الله تعالى والتوجه إليه، في تحقيق المطلوب، أو دفع المكروه، والابتهال إليه في ذلك إمَّا بالسؤال، أو بالخضوع والتذلل، والرجاء والخوف والطمع\".\rفقولنا بالسؤال يراد به دعاء المسألة وقولنا: أو بالخضوع .. إلخ يراد به دعاء العبادة فشمل التعريف نوعي الدعاء، فصار جامعًا مانعًا. وسيأتي مزيد بيان لهذين النوعين من الدعاء في مبحث أنواع الدعاء إن شاء الله تعالى.\rوأما المناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي فواضحة إذ الدعاء في اللغة كما تقدم يطلق على الطلب والعبادة والرغبة فهذه المعاني موجودة","footnotes":"(¬١) من ذلك تعريف مرتضى الزبيدي حيث قال: \"وأما حقيقته اصطلاحًا فمعنى قائم بالنفس وهو نوع من أنواع الكلام النفسي، وله صيغ تخصه في الإيجاب افعل، وفي النفي لا تفعل، إتحاف السادة: ٥/ ٢٧، فهذا التعريف ينحى منحى الأشاعرة في الكلام النفسي والمآخذ عليه مذكورة في بحث كلام الله تعالى. انظر مختصر الصواعق: ٢/ ٢٩١ - ٢٩٨.\rومن ذلك تعريف الدكتور محمد سيد طنطاوي المصري في كتابه الدعاء ص: ١٣ بقوله: \"الابتهال إلى الله تعالى بالسؤال، والرغبة فيما عنده من الخير، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب، وإدراك المأمول\"، وهو مأخوذ مما تقدم في المعنى اللغوي الثالث وهو تعريف ناقص لعدم تضمنه ما كان لدفع المرهوب.\rومن ذلك أيضًا تعريف الدكتور محمد صالح علي مصطفى في كتابه أصول التوحيد في القرآن الكريم ص: ٥٠ حيث قال: \"والمراد منه السؤال من الله خفية وعلانية، والطلب منه بتضرع وخضوع مع رجاء الإجابة\" وهو خاص أيضًا بدعاء المسألة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048394,"book_id":1098,"shamela_page_id":42,"part":"1","page_num":49,"sequence_num":42,"body":"في المعنى الشرعي إذ الداعي - سواء كان دعاء مسألة أو عبادة - طالب للأجر والثواب أو طالب لحاجته من نيل مرغوب أو دفع مرهوب، كما أنه راغب إلى الله تعالى في تحقيق ذلك، ومستعينٌ بالله تعالى، ومستغيثٌ به في ذلك، ومنادٍ له بقوله: يا رب أو اللهم إلخ … فأغلب المعاني اللغوية التي للدعاء لها مناسبة جلية للمعنى الشرعي.\rثم بعد هذه التعريفات المتعددة لمعنى الدعاء الشرعي بقي أن نعلم أن معنى الدعاء القائم بقلب المؤمن، ووجدانه، وشعوره، وراء هذه العبارات اللفظية، وإنما هذه العبارات تمثيل وإشارة، وتفهيم، وتقريب. وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الرغبة والابتهال، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه والالتجاء إليه والاعتصام به، والتزلف إليه: أمرٌ لا تحيط به العبارة. ونظير هذا التعبير عن معنى بقية الأعمال الصالحة القلبية، كمحبة الله وخشيته، وإجلاله، ومهابته ورجائه والتوكل عليه، فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، مهما تنوعت العبارات، ولا تدرك حقيقة تلك الأعمال إلّا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الوصف والخبر (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١، والفتاوى: ١٠/ ٣٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048395,"book_id":1098,"shamela_page_id":43,"part":"1","page_num":50,"sequence_num":43,"body":"المبحث الثاني في الكلمات الدالة على معنى الدعاء\rويشتمل على مقدمة ومطلبين:\rالمقدمة: في وجوب الاعتناء بمعرفة الأسماء الشرعية، وأقسام الكلمات، والأسباب الداعية لشرحها.\rالمطلب الأول: في الكلمات المرادفة للدعاء.\rالمطلب الثاني: في الكلمات الخاصة بنوع معين من أنواع الدعاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048396,"book_id":1098,"shamela_page_id":44,"part":"1","page_num":51,"sequence_num":44,"body":"مقدمة في الأسباب الداعية إلى التعرض لشرح هذه الكلمات، وفي ذكر أقسامها\rومما ينبغي أن يعلم أنه يجب الاعتناء بمعرفة معاني الأسماء الشرعية، وتعريفاتها وما أراد الشارع منها.\rفإن بيّن الشارع مراده منها يجب معرفة ذلك البيان والالتزام به وإن كان مما هو معروف لدى أهل اللغة العربية فينبغي معرفة معناه في لغتهم أو عرفهم (¬١).\rوذلك لأن معرفة الأسماء الشرعية من معرفة حدود ما أنزل الله تعالى، وقد ذم الله تعالى من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله فقال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧].\rثم إن تلك المعرفة يتعلق بها قيام مصالح الناس (¬٢) ليتعاملوا على أساسه حتى لا تختلط المفاهيم، وتتضارب الاصطلاحات.","footnotes":"(¬١) الأسماء الشرعية منها ما بيّنه الشارع كالصلاة والزكاة والخمر، ومنها ما هو معروف باللغة كالشمس والقمر، ومنها ما يرجع إلى عرفهم كالبيع والنكاح.\rانظر في هذا: الفتاوى: ١٩/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\r(¬٢) انظر الانتصار لحزب الله الموحدين لأبا بطين: ٢١ - ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048397,"book_id":1098,"shamela_page_id":45,"part":"1","page_num":52,"sequence_num":45,"body":"هذا في الأسماء الشرعية العامة، وأما في الأسماء الشرعية الأصولية الاعتقادية التي يسبب عدم معرفتها الضلال في الدين وربما يؤدي إلى الخروج عن الإسلام جملة.\rففي هذه الأسماء يجب الاعتناء أكثر، حتى تتضح معالم الدين والتوحيد، ومعالم الشرك وذرائعه، ووسائله، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.\rفلهذا فإني سأتعرض لشرح معنى بعض الأسماء التي تشترك مع الدعاء في المفهوم، ولها دلالة على معنى الدعاء.\rلكلمة الدعاء نظائر، وأخوات، في اللغة، والاستعمال، تستخدم استخدام كلمة الدعاء وترد بمعناها، أو ببعض معناها، وقد تتعاقب مع الدعاء في موضوعات متشابهة، وبين تلك الكلمات وبين كلمة الدعاء اشتراك ومناسبة، وقد تكون تلك النسبة ترادفًا (¬١)، وقد تكون عمومًا وخصوصًا من وجه (¬٢)، وقد تكون عمومًا وخصوصًا مطلقًا (¬٣)، وهذه الكلمات ترد في ثنايا هذه الرسالة مرارًا وتكرارًا، والبحث والتنقيب عن هذه الكلمات، والكشف عن معانيها، وعلاقتها بالدعاء، يزيد معنى الدعاء وضوحًا وبيانًا ويزيد القارئ فهمًا وإدراكًا وإحاطة بالبحث بجوانبه المختلفة، كما أن القرآن الكريم قد ترد فيه بعض هذه الكلمات متعاقبة للدعاء، وهذا يقتضي معرفة معاني هذه الكلمات، وبيان مجيئها بمعنى الدعاء وذكر وجه المناسبة والعلاقة بين هذه الكلمات من جهة، وبين الدعاء من جهة أخرى حتى تتضح الصورة الكاملة لمعنى الدعاء ونظائره. وسأذكر إن شاء الله تعالى هذه الكلمات وأقتصر على الكلمات الكثيرة","footnotes":"(¬١) الترادف: عبارة عن الاتحاد في المفهوم، وقيل: هو توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد، اهـ. التعريفات للجرجاني ص: ٥٦.\r(¬٢) العموم والخصوص من وجه هو أن يجتمع اللفظان في مادة، وينفرد كل واحد منهما في مادة أخرى.\r(¬٣) العموم والخصوص المطلق أن يجتمعا في مادة، وينفرد أحدهما في مادة أخرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048398,"book_id":1098,"shamela_page_id":46,"part":"1","page_num":53,"sequence_num":46,"body":"التوارد في الكتاب والسنة واستعمال أهل العلم دون الكلمات التي يندر استعمالها أو التي تستعمل في دعاء خاص نادر الوقوع كالتسميت والتشميت فقد وردا بمعنى الدعاء للعاطس والأَلّ بمعنى رفع الصوت بالدعاء والمَلَق بمعنى الدعاء والتضرع (¬١).\rفهذه وأمثالها لا أعقد المقارنة بينها وبين كلمة الدعاء، لعدم كثرة استعمالها في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم.\rوهذه الكلمات الدالة على معنى الدعاء يمكن تقسيمها إلى الأقسام التالية:\rأ - قسم يستعمل مرادفًا للدعاء أو أعم من الدعاء، ومن هذا القسم كلمة العبادة والذكر، والصلاة، والاستعانة.\rب - قسم خاص بنوع معين من أنواع الدعاء، وهذا القسم يتنوع إلى ثلاثة أنواع:\r١ - النوع الأول: ما كان مختصًا بالاستعمال في دفع المكاره والمضار، ومن هذا النوع: كلمة الاستعاذة، والاستغاثة، والاستجارة، واللياذة، والاستغفار والشفاعة.\r٢ - النوع الثاني: ما كان مختصًا بالاستعمال في جلب المنافع والمسار، ومن هذا النوع النوع كلمة السؤال.\r٣ - النوع الثالث: ما كان مختصًا بالاستعمال في صفة معينة من صفات الدعاء، ومن هذا النوع كلمة النداء، والجؤار، والابتهال.\r\rالمطلب الأول: في القسم الأول:\rوهو ما يستعمل مرادفًا للدعاء أو أعم من الدعاء. ومن كلمات هذا القسم:","footnotes":"(¬١) المخصص: ١٣/ ٨٨ قال نقلًا عن الخليل: إياك أدعو فتقبل مَلَقي أي دعائي وتضرعي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048399,"book_id":1098,"shamela_page_id":47,"part":"1","page_num":54,"sequence_num":47,"body":"العبادة:\rإن كلمتي الدعاء والعبادة قد تكرر ورودهما في القرآن الكريم على مورد واحد، وتعاقبهما على موضوع واحد أو على موضوعات متشابهة، كما أنه ورد في القرآن جمعهما في آية واحدة وسياق واحد باستعمال إحداهما في صدر الكلام والأخرى في نهايته، أو عطف جملة فيها إحدى الكلمتين على جملة فيها الأخرى، بحيث لو أن إحدى الكلمتين رفعت من مكانها ووضعت الأخرى مكانها لاستقام المعنى ولم يحصل خلل في نظم الكلام فهذه الأساليب تدل على اشتراك الكلمتين في المفهوم أو ترادفهما.\rويكفي في الدلالة على اشتراكهما ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه النعمان بن بشير ﵄ قال: \"سمعت رسول الله ﷺ يخطب ويقول: \"إن الدعاء هو العبادة\" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ \" (¬١).","footnotes":"(¬١) تخريجه:\rقد روي هذا الحديث عن النعمان: يُسَيْعُ بن مَعْدَان الحضرمي، ورواه عن يسيع ذَرّ بن عبد الله المرهبي، وروى عن ذر راويان إمامان ثقتان اشتهر الحديث عنهما وهما:\r١ - منصور بن المعتمر.\r٢ - والأعمش سليمان بن مهران.\rأما منصور: فقد روى عنه حسب اطلاعي خمسة وهم: سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، والسدي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن، وشيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد الرازي.\rطريق سفيان الثوري:\rأخرجه ابن المبارك في الزهد ص: ٤٥٩ رقم ١٢٩٩، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٦٧ عن عبد الرزاق وهو ابن همام، وأخرجه أحمد أيضًا في: ٤/ ٢٧٦، والترمذي: ٥/ ٣٧٤ رقم ٣٢٤٧، وابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٨، كلاهما عن محمد بن بشار وهو بندار. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048400,"book_id":1098,"shamela_page_id":48,"part":"1","page_num":55,"sequence_num":48,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= والحاكم: ١/ ٤٩٠ من طريق إبراهيم بن هارون الأصبهاني.\rثلاثتهم - أعني أحمد وابن بشار والأصبهاني - عن عبد الرحمن بن مهدي والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٦ رقم ١ من طريق محمد بن يوسف الفريابي وأبي حذيفة وهو موسى بن مسعود، والبغوي في التفسير: ٤/ ١٠٣، وفي شرح السنة: ٥/ ١٨٤ رقم ١٣٨٤ من طريق الفريابي، وابن منده في التوحيد: ٢/ ١٨٠ رقم ٣٢٥ من طريق قبيصة وهو ابن عقبة وعبد الرزاق.\rستتهم - أعني ابن المبارك وعبد الرزاق، وابن مهدي والفريابي وأبا حذيفة وقبيصة - عن سفيان الثوري عن منصور به.\rطريق شعبة:\rأخرجه ابن المبارك في الزهد ص: ٤٥٩ رقم ١٢٩٨، ومن طريقه النسائي في الكبرى التفسير: ٢/ ٢٥٣ ح ٤٨٤ وكما في تحفة الأشراف: ٩/ ٣٠ عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وأبو داود الطيالسي في المسند ص: ١٠٨ رقم ٨٠١، ومن طريقه القضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥١ رقم ٢٩، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٧٧ عن محمد بن جعفر وهو غندر، وأبو داود في السنن: ٢/ ١٦١ رقم ١٤٧٩ عن حفص بن عمر وهو الحوضي، وابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٨، من طريق غندر وابن مهدي والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٧ رقم ٢ من طريق الحوضي وأبي الوليد الطيالسي، ومن طريقه المزي في التهذيب: ٣٢/ ٣٠٦ في ترجمة يسيع، والحاكم: ١/ ٩١ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وسقط من النسخة \"عن شعبة\"، والبخاري في الأدب المفرد رقم ٧١٤ عن أبي الوليد.\rستتهم - أعني ابن المبارك والطيالسي وغندر والحوضي وابن مهدي وأبا الوليد - عن شعبة عن منصور به.\rطريق السدي إسماعيل بن عبد الرحمن:\rأخرجه ابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٩ من طريق أسباط بن نصر الهمداني عن السدي عن منصور به.\rطريق شيبان بن عبد الرحمن النحوي:\rأخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٧ رقم ٣ من طريق سعد بن حفص عن شيبان أبي معاوية، وهو ابن عبد الرحمن النحوي عن منصور به.\rوقد وهم محقق كتاب الدعاء للطبراني فظن أن شيبان أبا معاوية هو أبو معاوية الضرير محمد بن خازم الذي يروي عن الأعمش كما سيأتي، فجعل الرواية هذه والراوية الآتية طريقًا واحدًا وليس الأمر كذلك بل هما شخصان مختلفان اتفقا في الكنية.\rطريق جرير بن عبد الحميد: =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048401,"book_id":1098,"shamela_page_id":49,"part":"1","page_num":56,"sequence_num":49,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= أخرجه أبو يعلى عن أبي خيثمة وهو زهير بن حرب، ومن طريق أبي يعلى أخرجه ابن حبان (موارد) ص: ٥٩٥ رقم ٢٣٩٦، والحاكم: ١/ ٤٩١ من طريق يحيى بن يحيى، والقضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥٢ رقم ٢٩ من طريق محمد بن قدامة. ثلاثتهم - أعني أبا خيثمة ويحيى وابن قدامة - عن جرير بن عبد الحميد عن منصور به.\rوأما الأعمش فقد روى عنه أربعة عشر راويًا وهم: الثوري، وشعبة، ووكيع، وأبو معاوية محمد بن خازم وعبد الله بن نمير، وأبو عوانة الوضاح، وعبد الله بن إدريس، وعبد الله بن داود، وزهير بن معاوية، ومروان بن معاوية، والقاسم بن معن، وحفص بن غياث، وجرير بن عبد الحميد، وفضيل بن عياض.\rطريق الثوري:\rأخرجه أحمد: ٤/ ٢٧٦، والترمذي: ٥/ ٣٧٤ رقم ٣٢٤٧، وابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٨ كلاهما عن محمد بن بشار، والحاكم: ١/ ٤٩٠ من طريق إبراهيم بن هارون الأصبهاني.\rثلاثتهم - أعني أحمد وابن بشار والأصبهاني - عن عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن الأعمش به.\rطريق شعبة:\rأخرجه أحمد: ٤/ ٢٧٧ عن محمد بن جعفر وهو غندر، والبخاري في الأدب المفرد: ٢/ ١٧٨ رقم ١٨٥ عن أبي الوليد الطيالسي، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٧ رقم ٢ من طريق حفص بن عمر الحوضي وأبي الوليد الطيالسي.\rثلاثتهم - أعني غندر والطيالسي والحوضي - عن شعبة عن الأعمش به.\rطريق وكيع:\rأخرجه أحمد: ٤/ ٢٧٦، وابن ماجه: ٢/ ١٢٥٨ رقم ٣٨٢٨ عن علي بن محمد وهو الطنافسي، كلاهما عن وكيع عن الأعمش به.\rطريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير:\rأخرجه أحمد: ٤/ ٢٧١، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٢٠٠ رقم ٩٢١٦، والترمذي: ٥/ ٢١١ رقم ٢٩٦٩ عن هناد وهو ابن السري، ومن طريقه أخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥٢ رقم ٢٩، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى التفسير: ٢/ ٢٥٣ ح ٤٨٤، وكما في تحفة الأشراف: ٩/ ٣٠ عن هناد بن السري أيضًا.\rثلاثتهم - أعني أحمد وابن أبي شيبة وابن السري - عن أبي معاوية عن الأعمش به.\rطريق عبد الله بن نمير:\rأخرجه أحمد: ٤/ ٢٧١ عنه عن الأعمش به. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048402,"book_id":1098,"shamela_page_id":50,"part":"1","page_num":57,"sequence_num":50,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= طريق أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري:\rأخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٨ رقم ٥.\rطريق عبد الله بن إدريس وهو الأودي:\rأخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥٢ رقم ٢٩.\rطريق عبد الله بن داود الخريبي:\rأخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٨ رقم ٤، ٦ من طريق ابن عيينة ومسدد، ومن طريق مسدد أخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ١/ ٥٢ رقم ٣٠، كلاهما - أعني ابن عيينة ومسددًا - عن عبد الله بن داود الخريبي عن الأعمش به.\rطريق زهير بن معاوية:\rأخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٨ رقم ٧ من طريق عمرو بن خالد الحراني عن زهير عن الأعمش به.\rطريق مروان بن معاوية:\rأخرجه الترمذي: ٥/ ٤٥٦ رقم ٣٣٧٢ عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية عن الأعمش به.\rطريق القاسم بن معن:\rأخرجه الطبراني في الصغير: ٢/ ٩٧، وفيه بعد سوق الآية: \"قال: يعني عن دعائي\".\rطريق حفص بن غياث:\rأخرجه البيهقي في الدعوات: ورقة ٢ ل ب رقم ٤، وعبد الغني المقدسي في الحث على الدعاء رقم ٨ ورقة ١٤٧.\rطريق جرير بن عبد الحميد:\rأخرجه ابن جرير في التفسير: ٢/ ١٦٠، عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي - عن جرير عن الأعمش به.\rوفي النسخة المطبوعة من تفسير ابن جرير تصحف اسم جرير إلى جويبر والصواب - والله أعلم - جرير، وهو ابن عبد الحميد الرازي، وابن حميد معروف بالرواية عنه.\rطريق فضيل بن عياض:\rأخرجه أبو نعيم في الحلية: ٨/ ١٢٠ من طريق سويد بن سعيد عن فضيل بن عياض عن الأعمش به.\rوحاصل هذه الطرق: أن الحديث قد رواه عن ذر راويان: منصور والأعمش\rوكلاهما حافظان ثقتان، ثم اشتهر الحديث عنهما، فقد روى عن منصور خمسة من الرواة وعن الأعمش أربعة عشر راويًا حسب اطلاعي. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048403,"book_id":1098,"shamela_page_id":51,"part":"1","page_num":58,"sequence_num":51,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= وأما ذر فهو ابن عبد الله المرهبي، فهو ثقة عابد لكنه رمي بالإرجاء، قاله الحافظ في التقريب رقم ١٨٤٠.\rوقال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديث ذر: ٥/ ٤٥٦.\rلكن وجدت له متابعًا فقد أخرج ابن جرير في التفسير: ٢٤/ ٧٩ من طريق الحسن بن أبي جعفر عن محمد بن جحادة عن يسيع الحضرمي به، والحسن بن أبي جعفر هو الجُفْرِي، قال فيه الحافظ ضعيف الحديث مع عبادته وفضله \"التقريب رقم ١٢٢٢\" ومثل هذا لا بأس به في المتابعة.\rوأما يُسَيْع فهو ابن معدان الحضرمي الكوفي ويقال فيه: أُسَيْع، فهو ثقة روى عن علي والنعمان، قال ابن المديني: معروف، وقال النسائي: ثقة أخرجوا له حديثه عن النعمان: \"الدعاء هو العبادة\" وذكره ابن حبان في الثقات \"التهذيب: ١١/ ٣٨٠\"، وقد عرف هذا الحديث عنه كما تدل عليه عبارة النسائي السابقة، وهو ثقة.\rالحكم على الحديث:\rالحديث رجال إسناده كلهم ثقات ..\rوقد صحح هذا الحديث جماعة من المحدثين منهم الترمذي والحاكم والذهبي والنووي وابن حجر والسخاوي والألباني.\rقال الترمذي: حسن صحيح \"الترمذي: ٥/ ٤٥٦\".\rوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي \"المستدرك: ١/ ٤٩١\".\rوقال النووي: روينا بالأسانيد الصحيحة ثم ذكره \"الأذكار ص: ٣٤٥\".\rوقال الحافظ ابن حجر إسناده جيد \"الفتح: ١/ ٤٩\".\rوحسنه السخاوي كما في الفتوحات الربانية \"٧/ ١٩١\".\rوصححه الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ١٥٠ رقم ٣٤٠١.\rوفي صحيح ابن ماجه: ٢/ ٣٢٤ رقم ٣٠٨٦.\rهذا وللحديث شواهد من حديث البراء بن عازب وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس وأبي هريرة ﵃:\r١ - حديث البراء:\rأخرجه أبو يعلى في معجمه ص: ٢٦٢ رقم ٣٢٨، والخطيب في التاريخ: ١٢/ ٢٧٩ من طريق عياش بن محمد الجوهري، كلاهما - أعني أبا يعلى والجوهري - عن يحيى بن أيوب عن حميد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدعاء هو العبادة وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ \". =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048404,"book_id":1098,"shamela_page_id":52,"part":"1","page_num":59,"sequence_num":52,"body":"فهذا الحديث يدل على اتحاد معناهما ومن هنا فلا بد لي من دراسة معنى العبادة وذكر المناسبة بينها وبين الدعاء وبيان تعاقبهما في استعمال القرآن الكريم حتى يتضح معناهما ومدى اشتراكهما في المفهوم.\r\rالمعنى اللغوي للعبادة (¬١):\rيقال عبد الله يعبده عبادة ومعبدًا ومعبدة وعبودة وعبودية خضع له","footnotes":"= وحميد هذا هو الرؤاسي ثقة كما في التقريب رقم ١٥٥١، وتهذيب الكمال رقم ١٥٣١/ ٧، ويحيى بن أيوب هو المقابري البغدادي ثقة، كما في التقريب رقم ٧٥١٢. فالحديث رجال إسناده كلهم ثقات ..\rحديث أنس بن مالك:\rأخرجه الترمذي: ٥/ ٤٥٦ رقم ٣٣٧١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٩ رقم ٨، والقشيري في الرسالة: ٢/ ٥٢٦.\rبلفظ: \"الدعاء مخ العبادة\".\rوالحديث ضعيف لأن فيه ابن لهيعة وليس من طريق العبادلة.\rوقد ضعفه الألباني \"ضعيف الجامع: ٣/ ١٥٨ رقم ٣٠٠٣\"، ولكنه يصلح في الشواهد.\rحديث ابن عباس:\rأخرجه الحاكم: ١/ ٤٩١، بلفظ: \"أفضل العبادة هو الدعاء وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ \".\rوصححه الحاكم حيث ذكر حديث النعمان بن بشير ثم قال:\rولهذا الحديث شاهد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس فذكر طريقين فيهما ضعف ولكن يقوي أحدهما الآخر، وقد وافق الذهبي الحاكم وحسنه الألباني في الصحيحة: ٤/ ١٠٦ رقم ١٥٧٩.\rحديث أبي هريرة:\rأخرجه ابن عدي في الكامل: ٥/ ١٧٤٣ بلفظ: \"أفضل العبادة الدعاء قال الله ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ … عَنْ عِبَادَتِي﴾ عن دعائي\" وقد ضعفه ابن عدي بعمران القطان.\rوهذه الشواهد يقوي بعضها بعضًا، وبها يتقوى حديث النعمان بن بشير ﵄ مع أنه صحيح لذاته والله أعلم.\r(¬١) انظر في هذا تهذيب اللغة: ٢/ ٢٣٤، والصحاح: ٢/ ٥٠٣، والمخصص: ١٣/ ٩٦، ولسان العرب: ٥/ ٢٧٧٨، وتاج العروس: ٨/ ٣٣١ ط الكويت، ومعاني =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048405,"book_id":1098,"shamela_page_id":53,"part":"1","page_num":60,"sequence_num":53,"body":"وذل له وأطاعه، وتأله له وتنسك.\rفالعبادة والعبودة، والعبودية: الخضوع والتذلل، والطاعة والانقياد، والتأله والتنسك، يقال: طريق معبد أي مذلل وطئته الأقدام وذللته.\rقال طرفة بن العبد (¬١):\rتُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ … وَظِيْفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّد (¬٢)\rيعني بالمور الطريق، وبالمعبد المذلل الموطوء، ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج: معبد، كما يقال أيضًا للبعير المَهْنُوء بالقَطِرَان: معبد.\rقال طرفة بن العبد أيضًا:\rإِلى أَنْ تَحَامَتْنِي العشيرةُ كُلُّها … وأُفْرِدتُ إِفْرادَ البعير الْمُعَبَّدِ (¬٣)\rوإنما قيل: معبد للبعير المهنوء بالقطران لأنه يتذلل لشهوته القطران فلا يمتنع.\rوذكر ابن فارس أن هذه المادة تدل على أصلين كأنهما متضادان:","footnotes":"= القرآن للزجاج: ١/ ٤٨، والمفردات ص: ٣١٩، وتفسير ابن جرير الطبري: ١/ ٦٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٥، وتفسير البغوي: ١/ ٤١، ومدارج السالكين: ١/ ٧٤.\r(¬١) هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد صاحب إحدى المعلقات السبعة، البداية: ٢/ ٢٠٤.\r(¬٢) ديوان طرفة ص: ١٣ ونسب إلى طرفة في المصادر السابقة أيضًا، قال الأعلم الشنتمري في شرحه للبيت: المباراة في السير أن يفعل هذا مثل ما يفعل الآخر، أي تباري هذه الناقة بسيرها إبلًا عتاقًا، والعتاق الكرام البيض والناجيات السراع، والوظيف من الرسغ إلى الركبة وفي الرجل من الرسغ إلى العرقوب أي أتبعت هذه الناقة وظيف رجلها وظيف يدها، أو وضعت وظيف رجلها موضع وظيف يدها وهو ضرب من السير … اهـ، شرح الأعلم مع الديوان ص: ١٣.\r(¬٣) ديوان طرفة مع شرح الأعلم ص: ٣١ وقبله:\rوما زال تَشْرابِي الخمورَ ولَذَّتِي … وبَيْعِي وإِنْفَاقي طَرِيْفي ومَتْلَدِي","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048406,"book_id":1098,"shamela_page_id":54,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":54,"body":"أحدهما اللين والذل، والآخر الشدة والغلظ، فمن الأول العبد المملوك، والبعير المعبد، والطريق المعبد، ومن الثاني العَبَدَة وهي القوة والصلابة، يقال: هذا ثوب له عَبدَة إذا كان صفيقًا قويًا (¬١). هذا ومن استعمال العبادة بمعنى الطاعة والانقياد قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [يس: ٦٠] أي لا تطيعوه، وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، أي مطيعون متذللون لنا يدينون لنا والعرب تسمي كل من دان للملك عابدًا له (¬٢).\rفتحصل مما سبق أن العبادة في اللغة الخضوع والتذلل، والطاعة، وهل تطلق العبادة على كل خضوع وتذلل أو كل طاعة أم هناك تقييد؟.\rقال الزجاج: \"ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع\" (¬٣) فقيد الطاعة بالخضوع.\rوقال ابن سيده: \"وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر\" (¬٤).\rفعلى هذا لا يقال كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٥ هـ): \"عبد يعبد عبادة إلا لمن يعبد الله وأما عبدٌ خَدَمَ مولاه فلا يقال عبده\" (¬٥).\rوأيد عدم الإطلاق إلا في حق الله تعالى الزمخشري وتبعه الصنعاني","footnotes":"(¬١) معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٢٠٥.\r(¬٢) تفسير ابن جرير: ١٨/ ٢٥.\r(¬٣) معاني القرآن: ١/ ٤٨، وتهذيب اللغة: ٢/ ٢٣٤.\r(¬٤) المخصص لابن سيده: ١٣/ ٩٦.\r(¬٥) العين: ٢٠/ ٤٨، والتهذيب: ٢/ ٢٣٥، واللسان: ٥/ ٢٧٧٦، وتاج العروس: ٨/ ٣٣١ ط. الكويت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048407,"book_id":1098,"shamela_page_id":55,"part":"1","page_num":62,"sequence_num":55,"body":"فإنه قال في تعريف العبادة: \"والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل … ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم، فكان حقيقيًا بأقصى غاية الخضوع\" (¬١).\rكما يؤيد ذلك أيضًا كلام الراغب الأصفهاني حيث قال: \"العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى\" (¬٢).\rولكن الراغب لم ينف الاستعمال اللغوي، وإنما نفى الاستحقاق. وقد ذهب إلى قريب من تعريف الزمخشري الشيخ محمد رشيد رضا تبعًا لشيخه محمد عبده حيث قال: \"ضَرْبٌ من الخضوع بالغٌ حَدَّ النهاية، ناشئٌ عن استشعارِ القلب عظمةً للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقادِه بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها، وقُصَارَى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه\" (¬٣). وقريب من هذا تعريف الشيخ عبد الرحمن المعلمي بأنها الخضوع طلبًا للنفع الغيبي (¬٤) وقال في كتابه العبادة: خضوع اختياري يطلب به نفع غيبي فإن كان الله زيد \"بسلطان\" وإن كان لغيره زيد \"بغير سلطان\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) الكشاف: ١/ ١٠، وتطهير الاعتقاد ص: ١١.\r(¬٢) المفردات ص: ٣١٩.\r(¬٣) تفسير المنار: ١/ ٤٨، وله تعريف قريب من هذا حيث قال: \"وأدق تعريف لها أن يقال: هي كل قول وعمل بدني أو نفسي يوجه ويتقرب به إلى من يعتقد فاعله أن له قدرة على النفع ودفع الضر فوق الأسباب التي يقدر عليها البشر إما بذاته كالخالق تعالى وإما بالوساطة والتأثير عنده تعالى\" ذكره في تعليقه على مجموعة الرسائل: ٤/ ٥٢٥، وله تعريف آخر أيضًا في تعليقه على مجموعة الرسائل: ٤/ ٨٤٨، وتعريف آخر في هامش صيانة الإنسان ص: ٢٢٧ وكلها تدول حول ملاحظة السلطة الغيبية في العبادة.\r(¬٤) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١٠٥ و ١٠١.\r(¬٥) العبادة: ل ٤٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048408,"book_id":1098,"shamela_page_id":56,"part":"1","page_num":63,"sequence_num":56,"body":"فعلى هذا لا تطلق العبادة إلا باعتبار الاعتقاد بالسلطة الغيبية، وأما الخضوع بغير اعتقاد للسلطة الغيبية للمخضوع له فليس بعبادة ويفهم من هذا أن العبادة لا تطلق في حق المخلوق، فهذا القول يعكر عليه ما ورد من إطلاق العبادة في حق المخلوق نحو قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، ويمكن الإجابة عن هذا بأن الأصل أن لا تستعمل إلا في حق الله تعالى، أو أنه لا يستحقها إلّا هو، كما هو نص عبارة ابن سيده والراغب المتقدمتين.\rوأما إذا استعملت في غير حق الله تعالى فلاعتقاد العابد السلطة الغيبية لمعبوده فصار إلهه ومعبوده، وكأنه مولى أعظم النعم، فلهذا صرف له ما لا يصرف إلا لذي السلطة القاهرة الغيبية الذي هو العبادة فتحصل من هذا أن قول الزمخشري أن العبادة لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لا يستقيم إلا على إرادة أصل الاستعمال أو إرادة الاستحقاق، أو يقال: إنه لاحظ المعنى الشرعي ولم يلاحظ الاستعمال اللغوي وقد أشار إلى هذا الوجه الأخير الشيخ حسين بن مهدي النعمي (¬١).\r\rالمعنى الشرعي للعبادة:\rقد تنوعت عبارات العلماء في بيان وشرح معنى العبادة الشرعي، ولكثرة تلك التعريفات نشير إلى بعضها:\r١ - قال ابن كثير: \"وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف\" (¬٢).\r٢ - ونحوه قول شيخ الإسلام: \"وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته، فالحب الخلي عن ذل، والذل الخلي عن","footnotes":"(¬١) معارج الألباب ص: ١٨٩.\r(¬٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048409,"book_id":1098,"shamela_page_id":57,"part":"1","page_num":64,"sequence_num":57,"body":"حب لا يكون عبادة وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين\" (¬١).\rونحوه قوله الآخر: \"وعبادة الله وحده يدخل فيها كمال المحبة لله وحده، وكمال الخوف منه وحده، والرجاء له والتوكل عليه\" (¬٢).\rودلالة العبادة على المحبة ناتجة من أن آخر مراتب الحب هو التتيم، يقال: تَيم الله أي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له كما قد يحب ولده وصديقه (¬٣).\rوعرفها أيضًا بقوله: \"اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة\" (¬٤).\r٣ - وعرفها الرازي بقوله: \"فهي فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول، ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الآمر به عظيم يجب قبوله\" (¬٥)، وقال أيضًا: \"عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير\" (¬٦).\r٤ - وعرفها صالح بن مهدي المقبلي اليمني (ت ١١٠٨ هـ) بقوله: \"الاعتراف بما ينبغي بالقول والفعل\" ومن لازم الاعتراف الضراع (¬٧).\r٥ - وقال النعمي: \"هي وقفك النفس على مطلوب حكم الله تركًا وعملًا واعتقادًا أو استعمال نفسك له وحده تركًا وعملًا واعتقادًا على مقتضى حكمه الطلبي\" (¬٨).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ١٩، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٩٠.\r(¬٢) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥١.\r(¬٣) العبودية: ٤٤، وانظر مدارج السالكين: ١/ ٧٤.\r(¬٤) العبودية: ٣٨.\r(¬٥) تفسير الرازي: ٢٦/ ٢٣٩.\r(¬٦) المرجع نفسه: ١/ ٢٤٦.\r(¬٧) العلم الشامخ ص: ٤٨.\r(¬٨) معارج الألباب ص: ١٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048410,"book_id":1098,"shamela_page_id":58,"part":"1","page_num":65,"sequence_num":58,"body":"٦ - وعرفها بعضهم بأنها: \"ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي\" (¬١).\rوهذا التعريف ربما يفهم منه أنها خاصة بجانب الأمر فقط والصحيح أنها تشمل جانب الترك الذي هو النهي، والمأثور عن السلف وأهل اللغة تفسيرها بالطاعة فيدخل الأمران (¬٢).\rوفي بعض هذه التعريفات نظر لا يخفى ومناقشة هذه التعريفات تطول، وهناك تعريفات أخرى تدور حول هذه التعريفات المذكورة (¬٣).","footnotes":"(¬١) الانتصار لحزب الله الموحدين ص: ٩، وتحفة الجليس: ٩٧، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٤/ ٥٠١، والهدية السنية ص: ٥.\r(¬٢) مجموعة الرسائل النجدية: ٤/ ٥٠١.\r(¬٣) من تلك التعريفات:\rأ - تعريف زكريا الأنصاري وقد بيّن فيه الفرق بين العبادة والطاعة والقربة بأن العبادة ما يثاب على فعله ويتوقف على نية، وأن الطاعة ما يثاب عليه وإن لم يتوقف على نية، وأن القربة كذلك إلا أنه بعد معرفة من يتقرب إليه. اهـ. حاشية ابن عابدين على الدر: ١/ ١٠٦.\rب - تعريف القاضي ولعله القاضي أبو يعلى: \"كل ما كان طاعة لله أو قربة إليه أو امتثالًا لأمره ولا فرق بين أن يكون فعلًا أو تركًا\". اهـ. المسودة في أصول الفقه لآل تيمية ص: ٤٣.\rجـ - التعريف الذي حكاه الشيخ عبد اللطيف عن بعضهم: \"هي فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله ابتغاء وجه الله والدار الآخرة. اهـ. تحفة الجليس: ٩٧.\rد - تعريف الشهاب علي البيضاوي بأنها: \"فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى\" نقله عنه المسائل النجدية: ٤/ ٨٤٨.\rهـ - تعريف الجرجاني: \"فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه\"، التعريفات للجرجاني: ١٤٦.\rو- تعريف محمد صديق حسن خان \"ما أمر به الشارع من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله تعالى وعظمته\". اهـ. الدين الخالص: ١/ ٢١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048411,"book_id":1098,"shamela_page_id":59,"part":"1","page_num":66,"sequence_num":59,"body":"وأحسن هذه التعريفات هو ما قاله ابن كثير وابن تيمية رحمهما الله تعالى وذلك لأنه يمثل حقيقة العبادة ويبينها بأدق تعبير وأوجزه مع الشمول والإحاطة.\rقال الشيخ يوسف القرضاوي في ترجيحه لتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فهو ينظر إلى العبادة نظرة أعمق وأوسع فهو يحلل معناها إلى عناصره البسيطة، فيبرز إلى جوار المعنى الأصلي في اللغة وهو غاية الطاعة والخضوع عنصرًا جديدًا له أهمية كبرى في الإسلام وفي كل الأديان عنصرًا لا تتحقق العبادة - كما أمر الله - إلا به، وذلك هو عنصر الحب، فبغير هذا العنصر العاطفي الوجداني لا توجد العبادة التي خلق الله لها الخلق … \" (¬١).\rفتبين بهذه التعريفات أن الدين كله داخل في مفهوم العبادة بدون استثناء، فعلى هذا فدعاء المسألة داخل في العبادة، وهو واحد من أفراد العبادة الكثيرة المتنوعة بل هو من أجلها وأما دعاء العبادة فهو والعبادة سيان كما هو واضح. ولبيان هذه الحقيقة لا بد من استعراض استعمال القرآن الكريم لهاتين الكلمتين في الأساليب المتنوعة، وقد تقدمت الإشارة إلى أنهما يتعاقبان على موضوع واحد أو على موضوعات متشابهة وإلى أنهما قد يردان في آية واحدة، ونورد بعض الأمثلة على ذلك ونقارن بعضهما ببعض على شكل مجموعات.\r\rأمثلة تعاقبهما على موضوع واحد:\r١ - قوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢].","footnotes":"(¬١) العبادة في الإسلام للقرضاوي ص: ٣١. ويؤخذ على كلام القرضاوي هذا أنه عطف الأديان على الإسلام بعد جمعه له وهذا لا يستقيم لأنه لا يوجد دين صحيح سوى الإسلام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048412,"book_id":1098,"shamela_page_id":60,"part":"1","page_num":67,"sequence_num":60,"body":"٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا … ﴾ [الأنعام: ٧١].\r٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦].\rفهذه المجموعة من الآيات التي استعمل فيها متصرفات الدعاء مثل المجموعة التالية التي استعمل فيها متصرفات العبادة من حيث الموضوع ومضمون الكلام فكلا المجموعتين في بيان جهالة المشركين حيث صرفوا عبادتهم لما لا ينفعهم ولا يضرهم، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥]. وقال عز من قائل:\r﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨].\rوقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦].\rوقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦].\rومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥].\rوقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤].\rوقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].\rفهذه المجموعة من الآيات التي استعمل فيها مادة الدعاء مثل المجموعة التالية التي استعمل فيها مادة العبادة فالمجموعتان فيهما الأمر بإخلاص العبادة لله تعالى.\rقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].\r﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048413,"book_id":1098,"shamela_page_id":61,"part":"1","page_num":68,"sequence_num":61,"body":"﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤].\rومن أمثلة استعمالهما في موضوعات متشابهة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧].\r﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣].\rفهذه المجموعة التي استعمل فيها مادة العبادة تتحدث عن أن المعبودين من دون الله لا يملكون الرزق لعابديهم فكذلك الآيات الآتية التي تتحدث عن أن المدعوين من دون الله لا يملكون شيئًا كما أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا غيرهم فموضوع المجموعتين متشابه وقريب جدًا.\rقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].\r﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧].\rومن أمثلة ورودهما في جملة واحدة وسياق واحد أو جملتين مقترنتين وذلك بجعل أحدهما مكان الآخر إذ لو رفع أحدهما ووضع الآخر موضعه لاستقام المعنى مما يدل على اتحاد معناهما.\rقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٦].\r﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ [غافر: ٦٦].\r﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048414,"book_id":1098,"shamela_page_id":62,"part":"1","page_num":69,"sequence_num":62,"body":"﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ففي هذه الآية \"وضع عبادتي موضع دعائي\" (¬١)، فإنه لو قيل: إن الذين يستكبرون عن دعائي لاستقام المعنى.\r﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].\rفهذه الاستعمالات بهذه الأساليب المتنوعة، والمتكررة في عدة آيات، تدل على أن معناهما واحد في هذه التراكيب، وأن مفهومهما متحد، أو أنهما متقاربان ومشتركان في المعنى. وليس معنى هذا أن كلمة الدعاء قد انمحت دلالتها على السؤال والطلب ولا تدل إلا على معنى العبادة كما يظنه بعض الذين يجيزون سؤال غير الله تعالى بل هي تدل على معنى السؤال والطلب إما تضمنًا أو استلزامًا ولا ينفك أحدهما عن الآخر بل هما متلازمان كما سيأتي (¬٢).\rفتحصل مما تقدم أن النسبة بين العبادة والدعاء الترادف والتوافق، هذا إذا افترقا، وأما إذا اجتمعا فقد يفرق بين معنييهما، وذلك بأن يراد من الدعاء دعاء المسألة، ويراد بالعبادة امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وإلى هذا المعنى أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: \"فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل، الذي يطلب جلب المنفعة، ودفع المضرة، بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال\" (¬٣). فاتضح بهذا أنهما ليسا في كل الأساليب متحدين في المفهوم","footnotes":"(¬١) فتح الباري: ١١/ ٩٥.\r(¬٢) يأتي ص: ١١٥.\r(¬٣) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048415,"book_id":1098,"shamela_page_id":63,"part":"1","page_num":70,"sequence_num":63,"body":"بل لكل واحد منهما مفهومه الخاص وذلك عند الاجتماع، وأما عند الافتراق والتجرد فيتناول مفهوم أحدهما الآخر.\rومثل الدعاء غيره من أنواع العبادات الكثيرة، مثل التوكل والتقوى والطاعة فإن هذه الألفاظ إذا اقترنت كان لها معنى خاص وإذا انفردت عمت، قال شيخ الإسلام: \"ومن هذا الباب لفظ العبادة، فإذا أمر بعبادة الله مطلقًا دخل في عبادته كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر الله به والاستعانة به مما أمر الله به، فيدخل ذلك في مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وفي قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ثم قد يقرن بها اسم آخر كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقول نوح: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ (¬١) [نوح: ٣]، وذكر شيخ الإسلام أيضًا أن: \"العبادة إذا أفردت دخل فيها التوكل ونحوه وإذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيمًا لها\" (¬٢) ولا يخفى أن الدعاء مثل التوكل تمامًا.\rثم إن هذا المذكور من تنوع معنى العبادة بحسب الاجتماع والتفرق ليس خاصًا بها، فهذا الأسلوب كثيرًا ما يجيء في القرآن، تتنوع دلالة اللفظ في عمومه، وخصوصه بحسب الإفراد والاقتران كلفظ المعروف والمنكر ولفظ الفقراء والمساكين ولفظ البر والتقوى، ولفظ الإيمان والإسلام، ولفظ الكفر والفسوق والمعصية، ولفظ الصالح والصديق، وهذا باب واسع كثر وروده في القرآن الكريم (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإيمان: ١٤٣، ط. دار الكتب العلمية، وضمن الفتاوى: ٧/ ١٦٣.\r(¬٢) الفتاوى: ١٠/ ٢٧٤.\r(¬٣) يرجع في هذا إلى كتاب الإيمان لابن تيمية ففيه بحث ممتع في هذا من ص ١٤ - ٧٩، والعبودية: ٧٦ - ٨٠، والفتاوى: ١٠/ ٢٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048416,"book_id":1098,"shamela_page_id":64,"part":"1","page_num":71,"sequence_num":64,"body":"الخلاصة:\rإن الدعاء والعبادة تكون النسبة بينهما تارة الترادف وتارة العموم والخصوص المطلق.\rفإذا أريد بالدعاء دعاء العبادة تكون النسبة الترادف.\rوإذا أريد من الدعاء دعاء المسألة فالنسبة العموم بالنسبة للعبادة والخصوص بالنسبة للدعاء، فإن العبادة أعم مطلقًا فتشمل الدعاء والتوكل والمحبة وغيرها من أنواع العبادات والدعاء خاص بالسؤال والطلب.\rوإن شئت تقول: النسبة بينهما التلازم كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في نوعي الدعاء وتلازمهما.\r\rالذكر:\rالكلمة الثانية من القسم الأول: الذكر:\rوقد ورد في الأحاديث وآثار السلف وكتب أهل العلم إطلاق الذكر على الدعاء أو العكس وكذلك عطف أحدهما على الآخر فلهذا ينبغي بيان العلاقة التي بينهما وبيان السبب في إطلاق أحدهما على الآخر، وذلك باستعراض معنى الذكر لغة وشرعًا وبيان إطلاق الدعاء على الذكر ووجه ذلك ثم بيان النسبة بينهما.\r\rالمعنى اللغوي والشرعي للذكر:\rالذكر في أصل اللغة: \"الحفظ للشيء، وعدم نسيانه، وجري الشيء على اللسان\" (¬١)، وقيل: \"أصل الذكر في اللغة التنبيه على الشيء، ومن ذكَّرك شيئًا فقد نبهك عليه وإذا ذكَّرته فقد نبهته عليه\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) تهذيب اللغة: ١٠/ ١٦٢، واللسان: ٣/ ١٥٠٧، وتاج العروس: ٣/ ٢٢٦.\r(¬٢) نقل هذا القول النووي عن الواحدي في تهذيب الأسماء واللغات: ٣/ ١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048417,"book_id":1098,"shamela_page_id":65,"part":"1","page_num":72,"sequence_num":65,"body":"وأما في الشرع: فقد ورد إطلاق الذكر على أمور: قال بعضهم:\rإن الذكر يطلق على الصلاة، وقراءة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والشكر، والطاعة (¬١).\rوزاد بعضهم غير هذه الأمور مما ورد إطلاق لفظ الذكر عليه في الكتاب والسنة (¬٢).\rوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي (¬٣): \"وإذا أطلق ذكر الله شمل كل ما يقرب العبد إلى الله من عقيدة، أو فكر، أو عمل قلبي، أو عمل بدني، أو ثناء على الله، أو تعلم علم نافع وتعليمه، ونحو ذلك فكله ذكر لله تعالى\" (¬٤).\rوهذه الأمور التي أشار إليها السعدي تتنوع إلى خمسة أنواع ويطلق على كلها الذكر وهي:\r١ - ذكر أسماء الرب ﵎ وصفاته والثناء عليه بها وتنزيهه إما إنشاءً أو إخبارًا.\r٢ - ذكر أمره ونهيه، وأحكامه إخبارًا أو امتثالًا.\r٣ - ذكره بكلامه الذي أنزله وتعبدنا بتلاوته.","footnotes":"(¬١) نقل هذا القول عن أبي العباس - ولعله الزجاج - كما في تهذيب اللغة: ١٠/ ١٦٣.\r(¬٢) نقل القاضي عياض عن الحربي أنه قال: للذكر ستة عشر وجهًا: الطاعة، وذكر اللسان، وذكر القلب، والإخبار، والحفظ، والعظمة، والشرف والخير، والوحي، والقرآن، والتوراة، واللوح المحفوظ، واللسان، والتفكر، والصلوات، وصلاة واحدة، وزاد القاضي عياض أيضًا فقال: \"وقد جاء بمعنى التوبة، وبمعنى الغيب، وبمعنى الخطبة\". اهـ. مشارق الأنوار: ١/ ٢٦٩.\r(¬٣) هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر التميمي علامة القصيم، مفسر، محدث، لغوي، أصولي، فقيه توفي عام ١٣٧٦ هـ، يراجع في ترجمته رسالة الشيخ عبد الرزاق ابن الشيخ عبد المحسن العباد ومعجم المؤلفين: ١٣/ ٣٩٦.\r(¬٤) الرياض النضرة ص: ٢٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048418,"book_id":1098,"shamela_page_id":66,"part":"1","page_num":73,"sequence_num":66,"body":"٤ - ذكر آلائه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله.\r٥ - ذكره بدعائه واستغفاره والتضرع إليه (¬١).\rإذا عرفنا هذه الأنواع - نستطيع أن نقول -: إن دعاء المسألة هو النوع الأخير الذي هو ذكره بدعائه، واستغفاره، ومع هذا فقد ورد في أحاديث كثيرة إطلاق الدعاء على الذكر الأعم من معنى دعاء المسألة. ومن تلك الأحاديث:\rقوله ﷺ: \"أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … \" (¬٢).\rوقوله ﷺ فيما رواه جابر بن عبد الله ﵄: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) الوابل الصيب: ١٧٨ - ١٨١، ومدارج السالكين: ٢/ ٤٣٠، وسفر السعادة للفيروز أبادي ص: ١٥٢ وكأنه نقل كلام ابن القيم، وشرح حديث العلم لابن رجب: ١٧ - ٢١، وقواعد الأحكام ٢/ ١٧٠، وفيه ذكر مراتب هذه الأنواع من الأذكار، وانظر الفتاوى: ١٠/ ٦٦١.\r(¬٢) أخرجه مالك في الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلًا: ١/ ٤٢٢ رقم ٢٤٦. وقد قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، ولا أحفظ بهذا الإسناد مسندًا من وجه يحتج بمثله، وقد جاء مسندًا من حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص، انظر التمهيد: ٦/ ٣٩، وقد وصل هذا المرسل ابن عدي في الكامل: ٤/ ١٦٠٠ من طريق عبد الرحمن بن يحيى المدني عن مالك، وقال ابن عدي: وهذا منكر عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة لا يرويه عنه غير عبد الرحمن بن يحيى هذا، وعبد الرحمن غير معروف، وقد أشار ابن عبد البر في كلامه السابق إلى شواهده عن علي وابن عمرو، وهناك شاهد آخر عن المطلب بن عبد الله بن حنطب مرسلًا، وقد ذكر الألباني هذه الشواهد وما فيها من الكلام، ثم قال: وجملة القول: إن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد. الصحيحة: ٤/ ٦ رقم ١٥٠٣، وقال في صحيح الجامع: حسن: ١/ ٣٦٢ رقم ١١١٣.\r(¬٣) أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٦٢ رقم ٣٣٨٣، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص: ٤٨٠ رقم ٨٣١، وابن ماجه: ٢/ ١٢٤٩، والحاكم: ١/ ٤٩٨، وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي، ومدار الحديث على موسى بن إبراهيم. قال الحافظ: \"ولم =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048419,"book_id":1098,"shamela_page_id":67,"part":"1","page_num":74,"sequence_num":67,"body":"ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: \"لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم\" (¬١).\rوحديث سعد بن أبي وقاص رفعه: \"دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له\" (¬٢).\rوقد أجاب عدة علماء عما يبدو في الظاهر من إشكال في إطلاق الدعاء على الذكر والثناء في هذه الأحاديث السابقة، ومن العلماء الذين أجابوا عن ذلك:\rأ - سفيان بن عيينة، فقد سئل عن دعاء يوم عرفة فقال: إنما هو ذكر، وليس فيه دعاء، ثم قال: أما علمت قول الله ﷿ حيث يقول: إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" (¬٣).","footnotes":"= أقف في موسى على تجريح ولا تعديل إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات وقال: يخطئ وهذا عجيب منه لأن موسى مقل، فإذا كان يخطئ مع قلة روايته فكيف يوثق ويصحح حديثه؟، فلعل من صححه أو حسنه تسمح لكون الحديث من فضائل الأعمال\"، نتائج الأفكار: ١/ ٥٩ وعنه في إتحاف السادة للزبيدي: ٥/ ٥٢، وقد حسن الحديث الألباني في الصحيحة: ٣/ ٤٨٤، وصحيح ابن ماجه: ٢/ ٣١٩.\r(¬١) أخرجه البخاري انظر الفتح: ١١/ ١٤٥ رقم ٦٣٤٥، ٦٣٤٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٩٢ رقم ٢٧٣٠.\r(¬٢) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٢٩ رقم ٣٥٠٥، وأحمد في المسند: ١/ ١٧٠، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم ٦٥٦، والحاكم في المستدرك: ١/ ٥٠٥ و ٢/ ٣٨٣ وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر كما في الفتوحات الربانية: ٤/ ١١، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ١٤٥ رقم ٣٣٧٨، وتخريج الكلم الطيب رقم ١٢٢ ص ٧٤.\r(¬٣) قد روي هذا الحديث من طريق عمر بن الخطاب وجابر وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وروي مرسلًا عن عمرو بن مرة كما روى عن مالك بن الحويرث موقوفًا. وسيأتي تخريج هذه الطرق في ص ٣٨٥ إن شاء الله تعالى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048420,"book_id":1098,"shamela_page_id":68,"part":"1","page_num":75,"sequence_num":68,"body":"قال: هذا تفسيره ثم قال: أما علمت قول أمية (¬١) بن أبي الصَّلت حين أتى ابن جدعان (¬٢) يطلب نائله وفضله:\rأأطلب حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء\rإذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء (¬٣)\rقال سفيان ﵀، هذا مخلوق حين ينسب إلى أن يكتفى بالثناء عليه فكيف بالخالق ﵎؟ (¬٤). فعلى هذا القول إن الذكر ليس طلبًا ولكنه تعرض للنوال والعطاء.\rب - وقد ذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أن الثناء نفسه يعد نوعًا من أنواع الطلب وذلك لأن الثناء يتضمن الطلب فقد سمى النبي ﷺ: الحمد دعاء، في حديث: \"وأفضل الدعاء الحمد لله\" مع أن الحمد: \"ثناء","footnotes":"(¬١) أمية بن أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة أبو عثمان وأبو الحكم، الثقفي، شاعر جاهلي أدرك الإسلام، وكاد أن يسلم، انظر البداية: ٢/ ٢٠٥ - ٢١٣.\r(¬٢) وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان أحد الكرماء الأجواد الممدوحين المشهورين وهو جاهلي أيضًا وكان له جفنة يأكل الراكب منها وهو على بعيره من عرض حافتها وكثرة طعامها. اهـ. البداية: ٢/ ٢٠٢ - ٢١٣.\r(¬٣) ديوان أمية بن أبي الصلت ص: ٣٣٣ - ٣٣٤، والتمهيد لابن عبد البر: ٦/ ٤٤، وشأن الدعاء ص: ٢٠٧، والبداية: ٢/ ٣١٣، وهناك رواية أخرى: حباؤك إن شيمتك الحباء، كما أن هناك عدة أبيات بين هذين البيتين منها:\rوعلمك بالأمور وأنت قرم … لك الحسب المهذب والثناء\rكريم لا يغيره صباح … عن الخلق السني ولا مساء\rإلى أن يقول: إذا أثنى عليك المرء يومًا … إلخ.\r(¬٤) التمهيد لابن عبد البر: ٦/ ٤٣ - ٤٥، وشأن الدعاء للخطابي ص: ٢٠٦ - ٢٠٧، وفيه قول السائل لابن عيينة بعد ذلك، لما سألت سفيان ﵀ عن هذا، فكأني إنما سألته عن آية من كتاب الله لأني لم أدع كبير أحد بالعراق إلا سألته عنه، فما فسره لي كما فسر ابن عيينة، وانظر أيضًا: شرح مسلم للنووي: ١٧/ ٤٨، وفتح الباري: ١١/ ١٤٧، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٣٧ - ٥٣٨، والفتاوى: ١٠/ ٢٤٥، وتحفة الجليس ص: ٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048421,"book_id":1098,"shamela_page_id":69,"part":"1","page_num":76,"sequence_num":69,"body":"محض، لأن الحمد متضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب للمحبوب فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب، فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب، فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه\" (¬١).\rجـ - وعلل أبو إسحاق الزجاج تسمية الذكر والثناء دعاء، بأن الدعاء معناه النداء، فالإنسان يصدر في الذكر والثناء بالنداء كأن يقول: يا الله لا إله إلا أنت، ويقول: ربنا لك الحمد، إذا قال هذا فقد دعاه أولًا ثم أتى بالثناء والتوحيد (¬٢).\rد - وعلل العز بن عبد السلام ذلك بقوله: لما كان الذكر يترتب عليه ما يترتب على الدعاء شابه الدعاء فسمي به (¬٣).\rهـ - وقال الخطابي: إن الداعي يفتتح دعاءه بالثناء على الله سبحانه ويقدمه أمام مسألته، فسمى الثناء دعاء، إذ كان مقدمة له وذريعة إليه على مذهبهم في تسمية الشيء باسم سببه (¬٤).\rو- وقال محب الدين الطبري (¬٥) في حديث دعاء عرفة: \"معناه أفضل ما يستبدل به عن الدعاء يوم عرفة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" (¬٦).\rز - وعلل الدهلوي ذلك فقال: \"وسر قوله ﵇: \"أفضل","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ١٩، وبدائع الفوائد: ٣/ ٩ - ١٠.\r(¬٢) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢٥٥، وعنه في تهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ١١٩، ولسان العرب: ٣/ ١٣٨٥.\r(¬٣) انظر الأجوبة القاطعة لحجج الخصوم للأسئلة الواقعة في كل العلوم الورقة ٧٤ ل أ، والقرى لقاصد أم القرى ص: ٣٩٧، وذكر صاحب اللسان: ٣/ ١٣٨٥ أن التهليل والتحميد والتمجيد سمي دعاء لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله وجزائه. اهـ.\r(¬٤) شأن الدعاء ص: ٢٠٦، والقرى لقاصد أم القرى ص: ٣٩٧، وشرح النووي: ١٧/ ٤٧.\r(¬٥) هو أحمد بن عبد الله بن محمد أبو العباس المكي شيخ الحرم، وحافظ الحجاز بلا مدافعة (ت ٦٧٤ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٤/ ١٤٧٤، وطبقات الشافعية: ٨/ ١٨.\r(¬٦) القرى لقاصد أم القرى ص: ٣٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048422,"book_id":1098,"shamela_page_id":70,"part":"1","page_num":77,"sequence_num":70,"body":"الدعاء الحمد لله\" أن الدعاء على قسمين: والحمد لله يفيدهما جميعًا، فإن الشكر يزيد النعمة ولأنها معرفة ثبوتية\" (¬١).\rهذا حاصل ما أجاب به العلماء عن إطلاق الدعاء على الذكر ولكن هذين الوجهين الأخيرين لا ينطبقان على كل الأحاديث التي ورد فيها إطلاق الدعاء على الذكر فهما خاصان ببعضها، فالأجوبة الأولى هي الأقوى والأقوم.\r\rالنسبة بين الدعاء والذكر:\rقد علم مما سبق أن الذكر يعم جميع أفعال العبد، وتصرفاته، إذا نوى بها الطاعة فهو يشمل الأنواع السابقة، فمفهومه أوسع من دعاء المسألة ومن هنا يمكن أن نقول: إن مفهومه ومفهوم دعاء العبادة متساويان، فهما مترادفان، هذا إذا أريد من الدعاء دعاء العبادة وأما إذا أريد من الدعاء دعاء المسألة فتكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، لأن الذكر أعم مطلقًا من الدعاء لأن الدعاء لا ينفك عن كونه ذكرًا، وأما الذكر فيكون سؤالًا وغير سؤال، وإن شئت قلت: النسبة بينهما التلازم، فإن دعاء المسألة ذكر وثناء وتضرع وافتقار، كما أن في الذكر طلب جلب النفع ودفع الضر ورجاء الثواب وخوف العقاب.\rقال الخطابي ﵀: \"وفيه - أي دعاء المسألة - معنى الثناء على الله ﷿ وإضافة الجود والكرم عليه\" (¬٢). وقال شيخ الإسلام ﵀: \"إن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه\" (¬٣).\rوالحاصل أن العلاقة بين الدعاء والذكر إما ترادف واتحاد، وإما عموم وخصوص مطلق، وإما تلازم، ولا يتصور انفكاك أحدهما عن","footnotes":"(¬١) حجة الله البالغة: ٢/ ٧٢.\r(¬٢) شأن الدعاء: ١/ ٤.\r(¬٣) الفتاوى: ١٥/ ١٩، وانظر بدائع الفوائد: ٣/ ١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048423,"book_id":1098,"shamela_page_id":71,"part":"1","page_num":78,"sequence_num":71,"body":"الآخر، فلهذا كانت أغلب الكتب المصنفة في الأذكار تشتمل على الأدعية وبالعكس، ومن هنا جاءت تسمية المؤلفين الكتب المصنفة في الأذكار والأدعية تترجم عن هذا المعنى وتعبر عنه بعناوينها البارزة والمتعددة والحاوية لهذا المعنى، فمن تلك المؤلفات كتب سميت بعنوان كتاب الذكر أو الأذكار، وأخرى سميت باسم الدعاء أو الأدعية، وأخرى بالجمع بين الاسمين كتاب الذكر والدعاء، أو الأذكار والأدعية، أو الدعوات والأذكار، إلى غير ذلك وكلها مضمونها واحد وتهدف إلى هدف واحد.\r\rالكلمة الثالثة من القسم الأول: الصلاة:\rالصلاة معناها في اللغة: الدعاء (¬١)، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد قالت عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. أنزل ذلك في الدعاء (¬٢) فيكون معنى بصلاتك: بدعائك.\rوقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أي دعواته (¬٣)، وقال ﷺ: \"إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم\" (¬٤) أي فليدع لهم بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل ومنه قول الأعشى (¬٥):","footnotes":"(¬١) الصحاح: ٦/ ٢٤٠٢، والمخصص: ١٣/ ٨٥، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ٤٦٦، ولسان العرب: ٤/ ٢٤٩٠، والمفردات: ٢٨٥، وتفسير الطبري: ١/ ١٠٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٢، وجلاء الأفهام: ٨١ - ٨٩، ومجموع الفتاوى: ١٠/ ٢٣٨، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٢، ٤٥٣.\r(¬٢) البخاري مع الفتح: ٨/ ٤٠٥ برقم ٤٧٢٣.\r(¬٣) انظر الفتح: ١١/ ١٣٧.\r(¬٤) مسلم: ٢/ ١٠٥٤ رقم ١٤٣١.\r(¬٥) الأعشى هو ميمون بن قيس البكري وكان أعشى العينين فلقب بالأعشى، أدرك الإسلام ولم يوفق (ت ٧ هـ).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048424,"book_id":1098,"shamela_page_id":72,"part":"1","page_num":79,"sequence_num":72,"body":"لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلى عليها وزمزما (¬١)\rيعني بذلك دعا لها. وقال الأعشى أيضًا:\rتقول بنتي وقد قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا … يا رب جَنّب أبي الأوصَابَ والوَجَعَا\rعليك مثلُ الذي صليتِ فاغْتَمِضِي … نومًا فإِنَّ لجنبِ المرءِ مضطجَعَا (¬٢)\rيقول: عليكِ من الدعاء مثل الذي دعيته لي.\rوقال أيضًا:\rوَقَابَلَهَا الرِّيحُ في دَنّها … وصلى على دَنّها وارتسم (¬٣)\rأي دعا لها: ألا تَحْمَضَ ولا تَفْسُد (¬٤). وجاءت تسمية الصلاة الشرعية مأخوذة من هذا الأصل اللغوي، قال ابن جرير الطبري ﵀: \"وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة، لأن المصلي متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته - تعرضَ الداعي بدعائه ربه - استنجاح حاجاته وسؤله\" (¬٥). وقال شيخ الإسلام ﵀:\r\"إن الصلاة الشرعية هي دعاء كلها فإن الدعاء هو قصد المدعو تارة لذاته وتارة لمسألته أمرًا منه وهذا كالشخص يدعو غيره ويطلبه ويقصده","footnotes":"(¬١) ديوان الأعشى ص: ١٨٦، زمزم المغني: ترنم، الرواية في الديوان ما برح.\r(¬٢): ديوان الأعشى: ١٠٥ - ١٠٦.\rوبعد البيت الأول قوله:\rواستشفَعَتْ من سَرَاةِ الحي ذَا شَرَفٍ … فقد عصاها أبوها والذي شفعا\rمهلًا بني فإن المرء يبعثه … هَمٌّ إذا خالط الهيزوم والضلعا\rعليك مثل الذي … إلخ.\r(¬٣) ديوان الأعشى ص: ١٩٦، ارتسم الرجل: كبر ودعا، والارتسام: التكبير والتعوذ. اهـ. اللسان: ٣/ ١٦٤٦ مادة رسم.\r(¬٤) تهذيب اللغة: ١٢/ ٢٣٧.\r(¬٥) جامع البيان: ١/ ١٠٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048425,"book_id":1098,"shamela_page_id":73,"part":"1","page_num":80,"sequence_num":73,"body":"تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه، والصلاة تتضمن هذين النوعين: عبادة الله والثناء عليه والسؤال له\" (¬١).\rوبهذا تقرر أن الصلاة الشرعية معناها الدعاء كما أن الصلاة في اللغة هي الدعاء.\rوقد اختلف في الصلاة الشرعية، هل هي باقية على معناها اللغوي الذي هو الدعاء أم لا؟. ومثل الصلاة غيرها من الأسماء الشرعية كالإيمان والإسلام والزكاة.\rأ - فقالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء:\rإنها اسم شرعي منقول عن معناه اللغوي فهو اسم مخترع، لم يلاحظ فيه معناه الأصلي.\rفعلى هذا القول لا علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.\rب - وقال الجمهور: إنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة ثم اختلف هؤلاء:\r١ - فمنهم من قال: إن الشارع زاد في أحكامها وضم إليها شروطًا وقيودًا ولم يزد في معنى الاسم.\rفالصلاة معناها الدعاء، واشترط للاعتداد بها الركوع والسجود .. إلخ.\r٢ - ومنهم من قال: إن الشارع تصرف فيها - تصرف أهل العرف -، فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة، فعلى هذا فالشارع زاد في معنى الاسم، حيث كانت الصلاة لا تطلق في اللغة إلا على الدعاء فزاد في معناها الركوع والسجود .. إلخ. فالشارع زاد في معنى الاسم والحكم. وهذا شبيه بتصرف أهل العرف في الكلمة فقد","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048426,"book_id":1098,"shamela_page_id":74,"part":"1","page_num":81,"sequence_num":74,"body":"يخصون مدلول الكلمة اللغوي ببعض الأفراد أو يجعلونه أعم، فنحو كلمة الدابة تطلق في اللغة على كل ما يَدِبُّ على الأرض فخصت في عرف الناس بالفرس، وفي عرف بعضهم بالحمار، ومثلها الرقبة: تطلق على العضو المخصوص، ثم استعملت في العرف في جميع البدن.\r٣ - ومنهم من قال: إن الشارع لم ينقلها، ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة (¬١).\rفالصلاة لم تنقل عن معناها اللغوي الذي هو الدعاء، ولكنها استعملت في دعاء مخصوص، كما أن أهل اللغة يستعملون الكلمة مطلقة في معناها العام، ثم يستعملونها خاصة ومقيدة بالإضافة أو لام التعريف. فتعتبر الكلمة في مثل هذا من اسم الجنس لا يدل على شخص معين إلا بالقيد (¬٢)، فالشارع استعمل لفظ الصلاة على وجه يختص بمراده ولم يستعمله مطلقًا وهو إنما قال: \"أقيموا الصلاة\" بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها فكان التعريف منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، لم ينزل لفظ الصلاة، وهم لا يعرفون معناه (¬٣). وهذا المسلك الذي سلكه الشارع موجود في أساليب العرب يأتي أحدهم إلى الكلمة فيقيدها أو يخصها بشيء، فالشارع أتى إلى بعض الكلمات فاستعملها مقيدة، ومختصة، إما بالإضافة أو اللام.\rوهذه الأقوال المتقدمة أرجحها القول الأخير وذلك للأمور التالية:","footnotes":"(¬١) انظر في حكاية هذا الاختلاف والاستدلال لهذه الأقوال ومناقشة أدلتها الكتب التالية: المعتمد في الأصول: ١/ ١٨ - ٢١، والتمهيد في أصول الفقه: ١/ ٨٨ - ٩٧، والمستصفى: ١/ ٣٢٦ - ٣٣٢، والمسودة: ٥٦١ - ٥٦٢، وجمع الجوامع: ١/ ٣٠١ - ٣٠٤ مع حاشية البناني، والوصول: ١/ ١٠٢ - ١٠٥، والإحكام للآمدي: ١/ ٣٥ - ٤٣، وإرشاد الفحول: ٢١ - ٢٢، وفواتح الرحموت: ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣، والإيمان لشيخ الإسلام: ٢٥٥، ١٠٦، وفلسفة المجاز: ٣٣ - ٣٥.\r(¬٢) الإيمان: ١١٥.\r(¬٣) الإيمان ص: ٢٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048427,"book_id":1098,"shamela_page_id":75,"part":"1","page_num":82,"sequence_num":75,"body":"١ - أن الأقوال الأخرى لم تسلم من الاعتراض والاستشكال.\r٢ - ولأن الأصل بقاء الكلمة على معناها، وعدم الزيادة، ولم يأت من ادعى عكس ذلك ببرهان قاطع.\r٣ - ولأن مثلَ هذا الاستعمال من تقييد المراد بالكلمة، أو تخصيصها معروفٌ في أساليب اللغة.\rوقد رجح هذا المذهب الأخير شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، قال ابن تيمية: \"والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة\" (¬١) هذا ما ذكره في اسم الإيمان.\rومما ذكره ابن تيمية فيما يختص بموضوع الصلاة الذي نحن بصدده ما معناه:\rإن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكرًا لله أو دعاء له، وهذا المعنى - وهو دعاء الله - أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع، هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم الصلاة كصلاة القائم والقاعد والقارئ والناطق والأخرس وإن تنوعت حركاتها وألفاظها فإن إطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو بالتواطئ المنافي للاشتراك، والمجاز، وذلك لأن اسم الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل على نوع أو عين يكون قد دل على شيئين: على المعنى المشترك الموجود في جميع الموارد، وعلى ما يختص به هذا النوع أو العين، فاللفظ المشترك الموجود في جميع التصاريف يدل على القدر المشترك، وما قرن باللفظ من لام التعريف مثلًا يدل على الخصوص والتعيين، فاسم الصلاة مثلًا فيه عموم وإطلاق، ولا يستعمل إلا مقرونًا بقيد يخصه ببعض موارده كصلواتنا، وصلاة الملائكة، والصلاة من الله سبحانه (¬٢).","footnotes":"(¬١) الإيمان ص: ٢٥٥.\r(¬٢) الفتاوى: ١٤/ ٢١٥ - ٢١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048428,"book_id":1098,"shamela_page_id":76,"part":"1","page_num":83,"sequence_num":76,"body":"وقال ابن القيم بعد أن ذكر أن الدعاء يعم النوعين وأنه لفظ متواطئ:\r\"وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء، وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازًا شرعيًا، فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازًا ولا منقولة.\rلكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها، كالدابة والرأس ونحوهما.\rفهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلًا ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي والله أعلم\" (¬١). وإنما هو مجرد تصرف في استعمالات اللفظ ولا مانع من ذلك إطلاقا لا في اللغة ولا في اصطلاح الشرع إذ من المعلوم \"أن الشارع يتصرف في اللغة تصرف أهل العرف، يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم من معناه في اللغة، وتارة فيما هو أخص\" (¬٢).\r\rالنسبة بين الدعاء والصلاة:\rإن النسبة بين الدعاء والصلاة تارة تكون العموم والخصوص المطلق، وتارة الترادف، فإذا أريد منها الصلاة على النبي ﷺ تكون النسبة من باب العموم والخصوص المطلق فإن الدعاء عام والصلاة خاصة، فإنها أحد نوعي دعاء المسألة.","footnotes":"(¬١) جلاء الأفهام ٨٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ٦.\r(¬٢) الفتاوى: ١٩/ ٢٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048429,"book_id":1098,"shamela_page_id":77,"part":"1","page_num":84,"sequence_num":77,"body":"قال ابن القيم ﵀: \"ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان:\rأحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته وما ينوبه في الليل والنهار فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.\rوالثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه ويزيد في تشريفه …\rولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحبه، فالمصلي عليه ﷺ قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محاب الله ورسوله وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابه هو\" (¬١). فدل هذا الكلام على أن الصلاة على النبي ﷺ أحد نوعي دعاء المسألة فتكون النسبة بينهما من باب العموم والخصوص المطلق، ولكن ابن القيم نفسه أبدى إشكالًا في كون الصلاة بمعنى الدعاء وذكر من وجوه الإشكال أن الدعاء يكون بالخير والشر والصلاة لا تكون إلا في الخير وأن الدعاء يتعدى باللام والصلاة لا تتعدى إلا بعلى، والدعاء إذا تعدى بعلى يختلف عن معنى الصلاة لأنه حينئذ في الشر، وأن فعل الدعاء يقتضي مدعوًا ومدعوًا له نحو دعوت الله لك بخير والصلاة لا تقتضي ذلك لا تقول: صليت الله عليك ولا لك، فدل هذا على أنهما ليسا بمعنى واحد (¬٢).\rويمكن أن يجاب عن هذه الإشكالات بأنه لا يلزم من كون أحدهما بمعنى الآخر لغة، أن يتحدا في جميع الاستعمالات من التعدي واللزوم وغيرهما ولكن المقصود أنهما مشتركان في القدر المشترك الذي يصدق عليهما ويوجد في جميع موارد استعمالهما.\rوأما إذا أريد من الصلاة - الصلاة المفروضة فتكون النسبة بينهما من باب العموم والخصوص المطلق أيضًا لأن الصلاة المفروضة هي نوع خاص مقيد خص بالتعريف بأل بهذه الصلاة ذات الأركان. وأما إذا أريد","footnotes":"(¬١) جلاء الأفهام: ٢٧٠.\r(¬٢) بدائع الفوائد: ١/ ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048430,"book_id":1098,"shamela_page_id":78,"part":"1","page_num":85,"sequence_num":78,"body":"من الصلاة القدر المشترك الذي هو قصد الله والتوجه إليه وذكره بخشوع وخضوع، فالنسبة بينها وبين الدعاء في هذه الحالة - الترادف والاتحاد في المفهوم.\r\rالكلمة الرابعة من القسم الأول: الاستعانة:\rهي مصدر استعان يقال: استعنت بفلان فأعانني وعاونني، وتقول: أعنته إعانة واستعنته، واستعنت به وعاونته، وقد تعاونّا: أي أعان بعضنا بعضًا.\rوقال الخليل (¬١): \"كل شيء استعنت به أو أعانك، فهو عونك. والصوم عون على العبادة … وأعنته إعانة وتعاونوا أي أعان بعضهم بعضًا\" (¬٢).\rوفي الشرع: هي \"طلب ما يتمكن به العبد من الفعل، ويوجب اليسر عليه\" (¬٣). أو يقال: هي الاعتماد على الله تعالى مع الثقة به (¬٤).\rوهذا التعريف الأخير يشتمل على أمرين أساسيين للاستعانة الشرعية وهما ركنا التعريف لأن الاستعانة الشرعية تتضمن أصلين كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره - مع ثقته به - لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه - مع عدم ثقته به - لحاجته إليه ولعدم من يقوم","footnotes":"(¬١) هو الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي البصري صاحب العربية والعروض، وأول من استخرجه، وكان آية في الذكاء، دينًا ورعًا، قانعًا، متواضعًا، كبير الشأن شيخ سيبويه (ت ١٧٥ هـ). انظر الجرح والتعديل: ٣/ ٣٨٠، وسير أعلام النبلاء: ٧/ ٤٢٩، وبغية الوعاة: ١/ ٥٥٧ - ٥٦٠.\r(¬٢) العين للخليل: ٢/ ٢٥٣، والمحكم: ٥/ ٢٦٤، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٠٢، والصحاح: ٦/ ٢١٦٩.\r(¬٣) روح المعاني: ١/ ٨٧.\r(¬٤) هذا التعريف مأخوذ من كلام ابن القيم الآتي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048431,"book_id":1098,"shamela_page_id":79,"part":"1","page_num":86,"sequence_num":79,"body":"مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به\" (¬١).\r\rالنسبة بين الدعاء والاستعانة:\rقد اتضح من التعريف الشرعي أن الاستعانة ودعاء المسألة، مترادفان فلهذا كثيرًا ما يعبر عن دعاء المسألة بالاستعانة، وإذا نظرنا إلى الدعاء بنوعيه: المسألة والعبادة تكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق لأن الدعاء أعم مطلقًا، لكن ذكر ابن تيمية ﵀ في الفرق بين التوكل والاستعانة أن التوكل \"يتناول التوكل عليه ليعينه على فعل ما أمر، والتوكل عليه ليعطيه ما لا يقدر العبد عليه، فالاستعانة تكون على الأعمال، وأما التوكل فأعم من ذلك، ويكون التوكل عليه لجلب المنفعة ودفع المضرة\" (¬٢) فعلى هذا فدعاء المسألة أعم لأنه مثل التوكل تمامًا والله أعلم.\r\rالمطلب الثاني: في القسم الثاني: وهو ما كان خاصًا بنوع معين من أنواع الدعاء:\rوهو يتنوع إلى ثلاثة أنواع:\r\rالنوع الأول من القسم الثاني:\rيشتمل على الكلمات التالية: الاستعاذة، والاستغاثة والاستجارة، واللياذة، والاستغفار، والشفاعة، وهذه ست كلمات.\r\rأ - الاستعاذة:\rيقال: عاذ فلان بربه يعوذ عوذًا وعياذًا ومعاذًا، لاذ به ولجأ إليه واعتصم، عذت بفلان واستعذت به أي لجأت إليه، وهو عياذي أي","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ١/ ٧٥.\r(¬٢) الفتاوى: ٨/ ١٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048432,"book_id":1098,"shamela_page_id":80,"part":"1","page_num":87,"sequence_num":80,"body":"ملجأي، وعاذ وتعوذ، واستعاذ بمعنى واحد (¬١).\rوهذه المادة في تصرفاتها تدل على التحرز والتحصن، وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذًا، كما يسمى: ملجأ وَوَزَرًا .. (¬٢).\rوقال الرازي ما معناه: إن الاستعاذة مشتقة من العوذ، وله معنيان:\rأحدهما: الالتجاء والاستجارة، والثاني: الالتصاق، يقال: أطيب اللحم عُوَّذُه وهو ما التصق بالعظم (¬٣).\rوذكر ابن القيم ﵀: أن في أصله قولين:\rأحدهما أنه مأخوذ من الستر، تقول العرب للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها \"عُوَّذ\"، وكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجَنَّ به منه.\rوثانيهما: أنه مأخوذ من لزوم المجاورة، تقول العرب للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه: عوذ، لأنه اعتصم به واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه. وقال ﵀: \"والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك به معتصم به، قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفًا وقصده به فهرب منه، فعرض له أبوه في طريق هربه، فإنه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك، فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) العين للخليل: ٢/ ٢٢٩، والصحاح: ٢/ ٥٦٦، وتهذيب اللغة: ٣/ ١٤٧، والمحكم: ٢/ ٢٤١، واللسان: ٣/ ٤٩٨.\r(¬٢) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٠.\r(¬٣) تفسير الرازي: ١/ ٧١.\r(¬٤) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048433,"book_id":1098,"shamela_page_id":81,"part":"1","page_num":88,"sequence_num":81,"body":"وما ذكره الرازي وابن القيم رحمهما الله تعالى متقاربان لأن الالتجاء إلى الشيء فيه معنى الاستتار به والاحتماء به وهذا بالنسبة إلى المعنيين الأولين، وأما بالنسبة إلى المعنيين الأخيرين وهما: الالتصاق عند الرازي ولزوم المجاورة عند ابن القيم فهما متلازمان لأنه يلزم من الالتصاق بالشيء مجاورته.\rهذا هو معنى الاستعاذة في اللغة.\rوأما الاستعاذة في الشرع: فهي \"الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجانبه من شر كل ذي شر\" (¬١)، وقد تقدم في كلام ابن القيم الإشارة إلى المناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي.\r\rالنسبة بين الدعاء والاستعاذة:\rقد تحصل مما سبق أن الاستعاذة خاصة بما إذا كان المطلوب منع الشدة، أو رفعها وذلك أن المستعاذ منه إذا كان يخاف وقوعه في المستقبل فإنه يطلب منعه، نحو أعوذ بالله من عذاب جهنم أو عذاب القبر، وإن كان حاضرًا فإنه يطلب رفعه، نحو ما ورد في الحديث: \"أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر\" (¬٢) فمن هنا يعلم أن الاستعاذة خاصة بدفع الضرر الحاصل أو المتوقع، وأما الدعاء فإنه يعم ما كان لمنع الشدة ورفعها، كما أنه يعم ما كان لحصول منفعة وطلب خير (¬٣).\rفتبين بهذا أن بينهما العموم والخصوص المطلق، فالدعاء أعم مطلقًا، فالاستعاذة نوع من أنواع الدعاء، وقسم من أقسامه.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فالاستعاذة والاستجارة، والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب وقول القائل: لا يستعاذ به، ولا يستجار به","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٥.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٤/ ١٧٢٨ رقم ٢٢٠٢، وأبو داود: ٤/ ٢١٧ رقم ٣٨٩١.\r(¬٣) الرد على البكري: ٢٨٨ - ٢٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048434,"book_id":1098,"shamela_page_id":82,"part":"1","page_num":89,"sequence_num":82,"body":"ولا يستغاث به، ألفاظ متقاربة\" (¬١). والحاصل أن الاستعاذة والاستجارة والاستغاثة واللياذة على قول، والاستغفار، هذه الألفاظ خاصة بدفع المضار والمكاره.\r\rب - الاستغاثة:\rالاستغاثة مصدر استغاث، والاسم الغوث، والغُواث، والغَواث، يقال: أجاب الله دعاءه، وغُواثه، وغَواثه، ولا يوجد في اللغة العربية فعال بالفتح في الأصوات إلَّا غَواث والباقي بالضم أو الكسر، ويقول الواقع في بلية: أغثني أي فرّج عني، وغَوَّثَ الرجل واستغاث صاح، وقال: واغوثاه، وضُرب فلان فَغَوَّث تغويثًا أي قال: واغوثاه. وهذا المعنى هو أصله ثم استعمل بمعنى صاح ونادى طلبًا للغوث، ويقال: استغاثني فلان فأغثته إغاثة، ومغوثة، ويقال أيضًا: أغاثه الله إغاثة وغياثًا وغوثًا (¬٢). يقال ذلك إذا استجاب له، فالإغاثة هي الاستجابة \"إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر\" (¬٣).\rوقد فسر ابن الأثير ﵀ في النهاية الإغاثة بالإعانة (¬٤).\rوقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ تعقيبًا على تفسير ابن الأثير السابق: \"فعلى هذا تكون الاستغاثة هي الاستعانة، ولا ريب أن من استغاثك فأغثته فقد أعنته، إلا أن لفظ الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حال الشدة بخلاف الاستعانة\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ٢٨٩، والفتاوى: ١٥/ ٢٢٧.\r(¬٢) تهذيب اللغة ٨/ ١٧٧، والصحاح: ١/ ٢٨٩، والبارع: ٤٣٢، واللسان: ٦/ ٣٣١٢، وتاج العروس: ١/ ٦٣٦.\r(¬٣) الرد على البكري: ٢١٤.\r(¬٤) النهاية: ٣/ ٣٩٢.\r(¬٥) تيسير العزيز الحميد: ٢١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048435,"book_id":1098,"shamela_page_id":83,"part":"1","page_num":90,"sequence_num":83,"body":"والسين والتاء في الاستغاثة للطلب فمعنى الاستغاثة: \"طلب الغوث كالاستعانة طلب العون والاستنصار طلب النصر\" (¬١) فمن هنا قال بعضهم في بيان معناها:\r\"الاستغاثة طلب الغوث (¬٢) وهو التخليص من الشدة والنقمة، والعون على الفكاك من الشدائد\" (¬٣).\r\rالنسبة بين الاستغاثة والدعاء:\rفقد تحصل مما سبق أن الاستغاثة خاصة بما إذا كان المطلوب رفع الشدة الواقعة، وأما الدعاء فيشمل ما إذا كان المطلوب حصول منفعة أو دفع شدة، كما أنه يشمل طلب منع الشدة التي لم تقع ويشمل أوقات الشدة والرخاء فهو أعم، فعلى هذا \"فبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة، وينفرد الدعاء في مادة، فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة\" (¬٤).\rوقد حكى شيخ الإسلام ﵀ أنهم قالوا في الفرق بين المستغيث والداعي: \"أن المستغيث ينادي بالغوث، والداعي ينادي بالمدعو\" (¬٥) وهذا القول مبني على الأصل حيث إن معنى غَوَّثَ الرجل قال: واغوثاه ولكن هذا المعنى غير مراد الآن، قال الزبيدي (¬٦) بعد ذكر هذا المعنى نقلًا عن شيخه: \"وقد صرح أئمة النحو بأن هذا أصله ثم","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ٢٤٩، والدر النضيد: ٣.\r(¬٢) في الأصل العون، والظاهر ما أثبتناه.\r(¬٣) تاج العروس: ١/ ٦٣٦.\r(¬٤) الدين الخالص: ٢/ ٢٧٠.\r(¬٥) الرد على البكري: ٢١٤.\r(¬٦) الزبيدي هو محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الملقب بمرتضى أبو الفيض لغوي نحوي مشارك في عدة علوم (ت ١٢٠٥ هـ)، معجم المؤلفين: ١١/ ٢٨٢، وفهرس الفهارس: ١/ ٥٢٦ رقم ٣٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048436,"book_id":1098,"shamela_page_id":84,"part":"1","page_num":91,"sequence_num":84,"body":"استعملوه بمعنى صاح ونادى طلبًا للغوث\" (¬١).\rفعلى هذا فالفرق المذكور لا يتمشى مع المستعمل الآن إلا إذا نظر إلى الأصل فقط وبهذا يتضح أن الصحيح في الفرق بين الدعاء والاستغاثة هو ما تقدم من أن بينهما العموم والخصوص المطلق. والله أعلم.\r\rجـ - الاستجارة:\rيقال: جار واستجار طلب أن يجار أي سأله أن يجيره، أما في استجار فظاهر لأن السين والتاء يدلان على الطلب.\rوأما جار فهو مخرج على الجار بمعنى المستجير لكون المجاورة تستدعي الاستجارة، وأجاره الله من العذاب أنقذه، وأجاره أعاذه، ومن عاذ بالله أي استجار به أجاره الله، ومن أجاره الله لم يُوْصَل إليه، وهو ﷾ يجير ولا يجار عليه أي يعيذ، وقال لنبيه: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [الجن: ٢٢] أي لن يمنعني والجار والمجير هو الذي يمنعك ويجيرك (¬٢).\r\rالنسبة بين الدعاء والاستجارة:\rيظهر مما ذكره علماء اللغة من استعمالات كلمة الاستجارة أنها خاصة بطلب دفع المضار والمكاره.\rومن هنا نستطيع أن نقول: إن المناسبة بينها وبين الدعاء العموم والخصوص المطلق فكل استجارة دعاء وليس كل دعاء استجارة، لأن الدعاء يشمل ما كان لدفع المضار أو جلب المنافع والاستجارة خاصة بدفع المضار وقد تقدم في الاستعاذة قول شيخ الإسلام أن الاستجارة والاستعاذة والاستغاثة قرائب في المعنى وأنها نوع من أنواع الدعاء والطلب.","footnotes":"(¬١) تاج العروس: ١/ ٦٣٦.\r(¬٢) الصحاح: ٢/ ٦١٨، واللسان: ٢/ ٧٢٣، وتاج العروس: ٣/ ١١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048437,"book_id":1098,"shamela_page_id":85,"part":"1","page_num":92,"sequence_num":85,"body":"د - اللياذة:\rيقال: لاذ به يلوذ لوذًا ولواذًا ولياذًا إذا لجأ إليه، وعاذ به واستتر به واحتصن به واستغاث به (¬١)، هذا كلام علماء اللغة وهو يدل على أن مفهوم اللياذ ومفهوم الاستعاذة شيء واحد، لكن ذهب ابن كثير إلى تغايرهما وقَوَّى ذلك بشاهد من شعر المتنبي، قال ابن كثير (¬٢): \"العياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:\rيا من ألوذ به فيما أومله … ومن أعوذ به ممن أحاذره\rلا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره\" (¬٣)\rفيدل هذا البيت الأول على أن العياذة في جانب دفع المضار، واللياذ في جانب جلب المسار، لكن المتنبي ليس حجة لكونه في العصر العباسي الثاني إذ ولادته في عام ٣٠٣ هـ وتوفي سنة ٣٥٤ هـ.\rوممن صرح باتحاد مفهوم اللياذة والعياذة العز بن عبد السلام فإنه قال: \"الإعادة واللياذة بمعنى واحد وهو الاستجارة بذي سلطان من مكروه\" (¬٤).\rفجعل اللياذة لدفع الشر كالعياذة ويؤيده تفسير اللغويين لليّاذة بالاستعاذة كما تقدم، ويمكن أن يقال: إن التفريق بينهما إنما يكون عند","footnotes":"(¬١) الصحاح: ٢٢/ ٥٧٠، والنهاية: ٤/ ٢٧٦، واللسان: ٧/ ٤٠٩٧.\r(¬٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١٥.\r(¬٣) البيت في ديوان المتنبي مع شرح البرقوقي: ٢/ ٢٧٢ وهي من قصيدة يمدح فيها جعفر بن كيغلغ، والرد على البكري: ٢٨٨ بدون نسبة إليه، ونسبه في شفاء العليل ص: ٥٠٤ إلى أحمد بن حسين الكندي وهو المتنبي. والهيض: الكسر بعد جبور العظم وهو أشد ما يكون من الكسر. اهـ. اللسان: ٨/ ٤٧٣٦، وفي الديوان بعد البيت الأول ومن توهمتُ أن البحر راحته .. جودا وإن عطاياه جواهره … لا يجبر البيت.\r(¬٤) الفوائد في مشكل القرآن ص: ١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048438,"book_id":1098,"shamela_page_id":86,"part":"1","page_num":93,"sequence_num":86,"body":"الاجتماع لا عند الافتراق.\rهذا ومما ينبغي أن يعلم أن قائل هذين البيتين قد ارتكب خطأً فاحشًا لأنه صرف لب التجائه واعتصامه لغير الله تعالى.\rوقد أنكر العلماء هذين البيتين، وشنعوا على قائلهما وبينوا أنهما لا يليقان إلا بجناب الله تعالى حتى إن بعضهم كان يقول عن نفسه: \"ربما قلت هذين البيتين في السجود، أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع\" (¬١).\r\rالنسبة بين الدعاء واللياذ:\rإن الدعاء أعم مطلقًا لأنه يعم ما كان لدفع المضار وما كان لجلب المسار، واللياذ خاص بجلب المسار على ما قاله ابن كثير أو خاص بدفع الشر على ما قاله العز بن عبد السلام ويدل عليه كلام أهل اللغة وهو الظاهر والله أعلم.\rوإن اللياذ والاستعاذة مترادفان على هذا القول، وعلى الأول متباينان.\rكما أن اللياذ يكون من النوع الثاني وهو الخاص بجلب المسار على ما يدل عليه بيت المتنبي، وذهب إليه ابن كثير.\r\rهـ - الاستغفار:\rمصدر استغفر يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى، فغفر له ذنبه غفرًا وغفرانًا ومغفرة. وأصل الغفر التغطية والستر، وكل شيء سترته فقد غفرته، ومنه قيل للذي يكون تحت بيضة الحديد على الرأس: مِغْفَر،","footnotes":"(¬١) البداية والنهاية: ١١/ ٢٧٥، حكاية عن ابن القيم عن شيخه ابن تيمية فهو الحاكي عن نفسه - رحمة الله على الجميع -. وانظر ما قاله ابن القيم في شفاء العليل ص: ٥٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048439,"book_id":1098,"shamela_page_id":87,"part":"1","page_num":94,"sequence_num":87,"body":"ومنه غفر الله ذنوبه، أي سترها، والغفر، والمغفرة، التغطية على الذنوب والعفو عنها (¬١).\r\rالمناسبة بين الاستغفار والدعاء:\rالدعاء يعم ما كان طلبًا للخير أو طلبًا لدفع الشر، والاستغفار خاص بطلب دفع الشر، فكل استغفار دعاء، وليس كل دعاء استغفارًا.\rقال شيخ الإسلام ﵀ في شرح حديث النزول: \"من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له\" (¬٢): \"فذكر أولًا لفظ الدعاء، ثم ذكر السؤال، والاستغفار، والمستغفر سائل، كما أن السائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل الطالب للخير، وذكرهما جميعًا بعد ذكر الداعي الذي يتناولهما وغيرهما، فهو من باب عطف الخاص على العام\" (¬٣) ومثله قول الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: \"والفرق بين الثلاثة: أن المطلوب إما لدفع المضار أو جلب المسار، وذلك إما ديني وإما دنيوي، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث\" (¬٤).\rثم إنه قد ورد التفريق بينهما في الأثر على وجه آخر لا يتعلق بالنظر إلى صيغتهما بل إلى وصفهما وهو ما روي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا: \"المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعًا، وفي لفظ: \"هكذا الإخلاص يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه وهذا الابتهال فرفع يديه مدًا … \" (¬٥). وهذا الحديث تفسير","footnotes":"(¬١) الصحاح: ٢/ ٧٧٠ - ٧٧١، والنهاية: ٣/ ٣٧٣، واللسان: ٦/ ٣٢٧٣ - ٣٢٧٤.\r(¬٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في ص: ٢١٦.\r(¬٣) الفتاوى: ١٠/ ٢٣٩، ونحوه في اقتضاء الصراط المستقيم: ٤١٢.\r(¬٤) فتح الباري: ٣/ ٣١.\r(¬٥) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٥ - ١٦٦ رقم ١٤٨٩، وابن فضيل في الدعاء برقم ١٦، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048440,"book_id":1098,"shamela_page_id":88,"part":"1","page_num":95,"sequence_num":88,"body":"بالوصف المقارن لهذه الأمور، وفيه الإشارة إلى أن الابتهال أشد مبالغة في الطلب ويليه المسألة أو الدعاء ثم الاستغفار أو الإخلاص والله أعلم.\r\rو- الشفاعة:\rيقال: شفع لي شفاعة، وتشفع، طلب، واستشفعه طلب منه الشفاعة أي قال له كن لي شفيعًا، فالشفاعة على هذا بمعنى الطلب للغير.\rوروي عن المبرد (¬١) وثعلب (¬٢) أنهما قالا في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ قالا: \"الشفاعة الدعاء هنا\".\rوالشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره والشفع خلاف الوتر تقول: كان وترًا فشفعته شفعًا، والشافع: الطالب لغيره ويقال له أيضًا: شفيع، والمشفّع الذي يقبل الشفاعة والمشفَّع الذي تقبل شفاعته (¬٣).","footnotes":"= وجعله من مرسل عكرمة والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٨٣ رقم ٢٠٨، والحديث قد تكلم عليه ابن أبي حاتم في العلل: ٢/ ٢٠٣، وسكت عنه أبو داود والمنذري وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ١٤ رقم ٦٥٧٠، وله شاهد من حديث أنس أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٨٤، والبزار كما في كشف الأستار: ٤/ ٤٢، وانظر مجمع الزوائد: ١٠/ ١٦٩.\r(¬١) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري أبو العباس إمام العربية ببغداد في زمانه وكان فصيحًا بليغًا مفوهًا ثقة أخباريًا علامة صاحب نوادر وظرافة (ت ٢٨٥ هـ)، بغية الوعاة: ١/ ٢٦٩.\r(¬٢) هو أحمد بن يحيى بن يسار أبو العباس إمام الكوفيين في اللغة والنحو، ثقة حجة دين صالح مشهور بالحفظ (ت ٢٩٢ هـ)، تاريخ بغداد: ٥/ ٢٠٤، والسير: ١٤/ ٦، وبغية الوعاة: ٢/ ٣٩٦.\r(¬٣) تهذيب اللغة: ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧، والصحاح: ٣/ ١٢٣٨، والمخصص: ١٢/ ٢٢٤، والمحكم: ١/ ٢٣٣، والنهاية: ٢/ ٤٨٥، واللسان: ٤/ ٢٢٨٩، والفتاوى: ١/ ١٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048441,"book_id":1098,"shamela_page_id":89,"part":"1","page_num":96,"sequence_num":89,"body":"وأصل هذه المادة تدور على الدلالة على مقارنة الشيئين، من ذلك الشفع خلاف الوتر والشفعة في الدار لأنه يشفع بها ماله، والشاة الشافع التي معها ولدها وشفع فلان لفلان إذا جاء ثانيه ملتمسًا مطلبه ومعينًا له (¬١).\rوفي الاصطلاح: السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم (¬٢).\r\rالنسبة بينها وبين الدعاء:\rفقد تقدم تفسير المبرد وثعلب للشفاعة بالدعاء في آية الكرسي، فالشفاعة دعاء مخصوص بطلب التجاوز عن الجرائم فالنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق فكل شفاعة دعاء وليس كل دعاء شفاعة، لأنها خاصة بطلب التجاوز عن الجرائم والدعاء عام.\rوقد فرق أبو عبد الله الحليمي بين دعاء الرجل لغيره بالخير وبين الشفاعة له بأن الشفاعة تكون بعد ظهور سوء حال المشفوع له، وأما الدعاء له فيكون قبل ظهور حال المدعو له (¬٣)، فعلى كلام الحليمي النسبة بينهما التباين، والأول هو الصحيح كما هو واضح.\rويمكن على بعد أن الحليمي يريد بأن الشفاعة خاصة بما بعد ظهور حال المشفوع له وأما الدعاء فيعم الحالين فعلى هذا التأويل فكلامه راجع إلى ما تقدم من أن بينهما العموم والخصوص المطلق والله أعلم.\r\rالنوع الثاني: وهو ما كان خاصًا بجلب المسار وهو كلمة السؤال، وكلمة اللياذ على قول:\rالسؤال:\rيقال: سأل يسأل سؤالًا، ومسألة ومساءلة والجمع مسائل إذا طلب،","footnotes":"(¬١) معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٢٠١.\r(¬٢) النهاية: ٢/ ٤٨٥.\r(¬٣) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٤٣ في النسخة المطبوعة تصحيفات كثيرة في هذا الموضع وغيره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048442,"book_id":1098,"shamela_page_id":90,"part":"1","page_num":97,"sequence_num":90,"body":"ويقال أيضًا: سألت وسَلْتُ أَسَل، والرجلان يتساءلان، ويتسايلان.\rوالسُّوْلُ: ما يسأله الإنسان، وهو طلبته وأمنيته التي يسألها من إطلاق الفُعْل على المفعول كالخبز على المخبوز والأُكل على المأكول. قال تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، أي أمنيتك التي سألتها وطِلْبَتك الّتي طلبتها (¬١).\rومن استعمال السؤال بمعنى الدعاء: قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ بمعنى دعا داع كما قاله مجاهد (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٦]، أي كان وعدًا مسؤولًا إنجازُه تسأله الملائكة بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨] أو أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] (¬٣).\rومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\r\rالنسبة بين الدعاء والسؤال:\rفالنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق لأن الدعاء يعم ما كان لجلب المسار ودفع المضار، والسؤال خاص بجلب المسار، وقد تقدم نقل كلام ابن تيمية وابن حجر في ذلك في الاستغفار وهذا هو الذي يظهر من تتبع استعمالات المادتين، ولكن القاضي عياضًا حكى أن بعض","footnotes":"(¬١) تهذيب اللغة: ١٣/ ٦٧، والمخصص: ١٢/ ٢١٨، والصحاح: ٥/ ١٧٢٣، ومعجم مقاييس اللغة: ٣/ ١٢٤، واللسان: ٣/ ١٩٠٦ - ١٩٠٧، وتفسير القرطبي: ١١/ ١٩٥.\r(¬٢) المصادر السابقة وابن جرير: ٢٩/ ٦٩، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٤٨٥، والوجوه والنظائر: ٢٢٤.\r(¬٣) المصادر السابقة وابن جرير: ١٨/ ١٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048443,"book_id":1098,"shamela_page_id":91,"part":"1","page_num":98,"sequence_num":91,"body":"المشايخ فرق بين الدعاء والسؤال بقوله: \"الداعي: المضطر، والسائل المختار، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ فللسائل المثوبة وللداعي الإجابة\" (¬١).\rويدل على ضعف هذا الفرق ما ورد في الحديث من استعمال الدعاء في الاختيار وهو قوله ﷺ: \"من أراد أن يستجيب الله له في الشدة فليكثر الدعاء في الرخاء\" (¬٢)، وذكر الكرماني شارح البخاري فرقًا آخر فقال: ويحتمل أن يقال: الدعاء ما لا طلب فيه نحو يا الله، والسؤال الطلب، أو أن يقال: المقصود واحد وإن اختلف اللفظان (¬٣) ولا يخفى ضعف الاحتمال الأول مما سبق نقله عن علماء اللغة من إطلاق الدعاء على الطلب فتحصل مما سبق أن الراجح أن يقال في النسبة بينهما أن الدعاء أعم مطلقًا فكل سؤال دعاء، وليس كل دعاء سؤالًا.\rومثل كلمة السؤال كلمة اللياذة على ما يشهد له بيت المتنبي وقد ذهب إلى ذلك ابن كثير (¬٤).\rوأما على القول الآخر وهو الذي تشهد له أقوال علماء اللغة وعباراتهم فليس من هذا النوع الذي نحن بصدده.\r\rالنوع الثالث: الكلمات المختصة بصفة من صفات الدعاء: النداء والجؤار والابتهال:\r١ - النداء:\rيقال: ناداه، ونادى به، نداء، ومناداة، صاح به.","footnotes":"(¬١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار لعياض: ١/ ٢٦٠، ونحوه في الكليات: ٢/ ٣٣٤.\r(¬٢) سيأتي تخريجه ص: ١٩٧.\r(¬٣) الفتح: ٣/ ٣١، وشرح الكرماني للبخاري المسمى بالكواكب الدراري في شرح البخاري: ٦/ ٢٠٠.\r(¬٤) تقدم ص: ٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048444,"book_id":1098,"shamela_page_id":92,"part":"1","page_num":99,"sequence_num":92,"body":"والنداء بالكسر ممدودًا، الصوت، وقد يضم مثل الدعاء، والرغاء.\rأو النداء: الدعاء بأرفع الصوت (¬١)، وهذا المعنى للنداء مجمع عليه بين أهل اللغة (¬٢)، قال ابن القيم في النونية:\rأم أجمع العلماء والعقلاء من … أهل اللسان وأهل كل لسان\rأن النداء الصوت الرفيع وضده … فهو النجاء كلاهما صوتان (¬٣)\rوقد ورد استعماله بمعنى الدعاء في القرآن الكريم في عدة آيات، منها ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٢، ٣].\r﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].\r﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].\r﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].\r﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥].\r﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].\r﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨].","footnotes":"(¬١) الصحاح: ٦/ ٢٥٠٥، واللسان: ٧/ ٤٣٨٨، والمفردات: ٤٨٦، والوجوه للدامغاني: ٤٥٠.\r(¬٢) حكى هذا الإجماع شيخ الإسلام في التسعينية … انظر دلائل الرسوخ: ٨٢، أو تحفة الطالب: ١٠٩، وقال في الفتاوى: ١٢/ ٥٨٧: \"والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة\"، ونحوه في الحجة في بيان المحجة: ١/ ٣٩٨، ومختصر الصواعق: ٢/ ٢٧٧، والرد على من أنكر الحرف للسجزي: ص ١٦٦.\r(¬٣) النونية مع شرح الهراس: ١/ ١٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048445,"book_id":1098,"shamela_page_id":93,"part":"1","page_num":100,"sequence_num":93,"body":"﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ﴾ ويدل على أن النداء في هذه الآية هو الدعاء - كون \"ما فعلوه هو عين ما أمروا به\" (¬١).\r\rالنسبة بين النداء والدعاء:\rإن النداء في الأصل خاص بالدعاء بأرفع الصوت فلا يشمل الدعاء بالسر والنجوى، وأما الدعاء فعام فيكون النداء من جنس الدعاء وأنواعه \"وليس قسيمًا للدعاء\" (¬٢) فعلى هذا فكل نداء دعاء، وليس كل دعاء نداء فبينهما العموم والخصوص المطلق، وقيل: إن الدعاء للقريب والنداء للبعيد (¬٣). فهذا الفرق بالنظر إلى أصل النداء لكنه لا يتمشى مع الاستعمال القرآني المتقدم والذي يظهر من سياق الآيات أن المراد من النداء فيها مطلق الدعاء، ومما يدل على أن النداء والدعاء معناهما واحد قول الحليمي ﵀ بعد أن عرف الدعاء: \"وهو أيضًا نداء قال الله ﷿: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ١ - ٣]، وقال: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩]، وقال في آية أخرى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ﴾ [آل عمران: ٣٨]، ومعنى رب: يا رب فثبت أن النداء دعاء\" (¬٤).\rومما يدل على اتحاد مفهومهما أيضًا أن الله ﷾ عطف أحدهما على الآخر عطف تفسير فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، وذكر الراغب الأصبهاني: أنه يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، ومثل لذلك بالآية السابقة (¬٥).","footnotes":"(¬١) دلائل الرسوخ: ٨٢، أو تحفة الجليس: ١٠٩.\r(¬٢) تحفة الطالب: ١٠٩.\r(¬٣) الكليات للكفوي: ٢/ ٣٣٤، وذكره في الجامع للأحكام للقرطبي: ٢/ ٢١٥، وأيده بأن الأذان يسمى نداء لكونه للأباعد.\r(¬٤) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٢٢.\r(¬٥) المفردات: ١٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048446,"book_id":1098,"shamela_page_id":94,"part":"1","page_num":101,"sequence_num":94,"body":"ويظهر من هذا أن النداء قد يستعمل بمعنى الدعاء فيتحد مفهومه مع مفهوم الدعاء، وقد يختلف بأن يراد من النداء ما يختص برفع الصوت والدعاء أعم.\rوهناك فرق آخر بينهما في الاستعمال اللفظي بأن النداء قد يقال: بيا أو بأيا أو نحو ذلك من غير أن يُضَمَّ إليه الاسم والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان (¬١).\r\r٢ - الجؤار:\rيقال: جأر إلى الله تعالى يجأر جأرًا وجؤارًا، رفع صوته مع تضرع واستغاثة.\rوالجؤار: رفع الصوت، والاستغاثة، وأصله الصوت الشديد (¬٢).\rومن استعماله بمعنى الدعاء قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].\rقال مجاهد: تضرعون دعاءً (¬٣).\rوقال السدي (¬٤): تضجون بالدعاء (¬٥).\rوقال ثعلب: هو رفع الصوت إليه بالدعاء.","footnotes":"(¬١) الكليات للكفوي: ٢/ ٣٣٣، وتأسيس التقديس لأبي بطين ص: ٥٢.\r(¬٢) معاني القرآن للفراء: ٢/ ١٠٥، ومجاز القرآن: ١/ ٣٦١، ومعاني القرآن للزجاج: ٣/ ٢٠٤، والصحاح: ٢/ ٦٠٧، والمحكم: ٧/ ٣٣٦، والمفردات: ١٠٣، والنهاية: ١/ ٢٣٢، واللسان: ١/ ٥٢٨.\r(¬٣) أخرجه الطبري عنه: ١٤/ ١٢١، ونحوه في الدر المنثور: ٤/ ١٢٠، ونسبه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم إضافة إلى ابن جرير، واللسان: ١/ ٥٢٨، وتاج العروس: ٣/ ٨١.\r(¬٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة صدوق يهم ورمي بالتشيع (ت ١٢٧ هـ) تقريب، وهو الكبير وأما الصغير فمحمد بن مروان فضعيف، متروك الحديث متهم. اهـ. الميزان: ٤/ ٣٢.\r(¬٥) الدر المنثور: ٤/ ١٢٠، وتاج العروس ولكن بلفظ يصيحون: ٣/ ٨١، ونحوه في اللسان: ١/ ٥٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048447,"book_id":1098,"shamela_page_id":95,"part":"1","page_num":102,"sequence_num":95,"body":"ومنه (¬١) قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]، قال ابن عباس: يستغيثون (¬٢).\r\rالنسبة بين الدعاء والجؤار:\rيظهر من إطلاقات كلمة الجؤار أنها خاصة في الأصل بالدعاء الذي يصحبه رفع الصوت ولا يطلق على الدعاء الخفي، فعلى هذا فهو خاص بنوع خاص من الدعاء.\r\r٣ - الابتهال:\rيقال: ابتهل في الدعاء إذا اجتهد، قال ابن دريد: \"ويقال: ابتهلوا إلى الله ﷿ إذا أخلصوا له الدعاء\".\rوالابتهال: الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه لله ﷿.\rوفي التنزيل: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. أي يُخلصُ ويجتهد كلٌّ مِنَّا في الدعاء واللعن على الكاذب منا.\rوالمبتهل الداعي، وأصله: التضرع والمبالغة في السؤال (¬٣).\rوقال الزجاج: ومعنى الابتهال في اللغة: المبالغة في الدعاء وأصله الالتعان، يقال: بهله الله أي لعنه الله ومعنى لعنه الله باعده الله من رحمته (¬٤).\r\rالمقارنة بين الابتهال والدعاء:\rروي عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"هذا","footnotes":"(¬١) انظر الاستشهاد بالآية في المحكم: ٧/ ٣٣٦، اللسان: ١/ ٥٢٨.\r(¬٢) الطبري: ١٨/ ٣٧، ونسبه في الدر أيضًا إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر: ٥/ ١٢.\r(¬٣) جمهرة اللغة لابن دريد: ١/ ٣٣٠، الصحاح: ٤/ ١٦٤٣، والنهاية: ١/ ١٦٧، واللسان: ١/ ٣٧٥.\r(¬٤) معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048448,"book_id":1098,"shamela_page_id":96,"part":"1","page_num":103,"sequence_num":96,"body":"الإخلاص يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مدًا\" (¬١).\rويظهر من تتبع إطلاقات الابتهال أنه خاص بالدعاء المبالغ فيه والذي اجتهد الداعي فيه وبالغ كما يستفاد ذلك من عبارات اللغويين التي تقدمت.\rومن صور المبالغة والاجتهاد وآدابه مد اليدين جميعًا. فيكون الابتهال خاصًا بصفة معينة من صفات الدعاء.","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٨٣ رقم ٢٠٨، وقد تقدم بقية تخريجه ص: ٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048449,"book_id":1098,"shamela_page_id":97,"part":"1","page_num":105,"sequence_num":97,"body":"الفصل الثاني في أنواع الدعاء وأقسامه\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في أقسام الدعاء باعتبار معناه.\rالمبحث الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه ومتعلقه.\rويشتمل على مطلبين:\rالمطلب الأول: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه.\rالمطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048450,"book_id":1098,"shamela_page_id":98,"part":"1","page_num":107,"sequence_num":98,"body":"المبحث الأول في أقسام الدعاء باعتبار معناه\rاتجه العلماء في تقسيم الدعاء باعتبار معناه إلى أربع اتجاهات حسب ما أمكن الاطلاع عليه:\rأ - الاتجاه الأول: أن الدعاء ينقسم إلى ثلاثة أنواع:\r١ - دعاء توحيد وثناء.\r٢ - دعاء أمر أخروي.\r٣ - دعاء حظ دنيوي.\rب - الاتجاه الثاني: أن الدعاء ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أنواع:\r١ - دعاء مسألة.\r٢ - دعاء ثناء.\r٣ - دعاء تعبد.\rجـ - الاتجاه الثالث: أن الدعاء ينقسم إلى نوعين:\r١ - دعاء عبادة.\r٢ - دعاء عادة.\rد - الاتجاه الرابع: أن الدعاء يتنوع إلى نوعين:\r١ - دعاء مسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048451,"book_id":1098,"shamela_page_id":99,"part":"1","page_num":108,"sequence_num":99,"body":"٢ - دعاء عبادة.\rفهذه الاتجاهات الأربع تكون القسمة فيها باعتبار الاتجاهين الأولين ثلاثية، وباعتبار الاتجاهين الأخيرين ثنائية.\rثم هذه الاتجاهات الأربع ليس بينها كبير اختلاف وتباين، لكن بعضها أدق من بعض في الشمول والاستيعاب، فبعضها أدق من بعض وأحكم وأشمل وأعم.\rوسنذكر ما في كل اتجاه من عدم الشمول والدقة ثم نبيّن الاتجاه الدقيق وبالله التوفيق وعليه التكلان ..\rأ - الاتجاه الأول: أن الدعاء ثلاثة أنواع:\r١ - النوع الأول: دعاء توحيد وثناء.\r٢ - النوع الثاني: دعاء أمر أخروي.\r٣ - النوع الثالث: دعاء أمر دنيوي.\rفأول من وقفت على كلامه ممن ذهب إلى هذا الاتجاه هو أبو إسحاق الزجاج (¬١) فإنه قال: \"معنى دعاء الله ﷿ على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وكقولك: ربنا لك الحمد، [إذا قلته] فقد دعوته بقولك: ربنا ثم أتيت بالثناء والتوحيد. ومثله قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] فهذا ضرب من الدعاء.\rوضرب ثان: هو مسألة الله العفوَ والرحمةَ وما يقرب منه كقولك: اللهم اغفر لنا.","footnotes":"(¬١) تقدمت ترجمته ص: ٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048452,"book_id":1098,"shamela_page_id":100,"part":"1","page_num":109,"sequence_num":100,"body":"وضرب ثالث: هو مسألته [الحظ] من الدنيا كقولك: اللهم ارزقني مالًا وولدًا وما أشبه ذلك. وإنما سمي هذا أجمعُ دعاءً، لأن الإنسان يصدر في هذه الأشياء بقوله: يا الله، يا رب ويا حي فلذلك سُمي دعاءً\" (¬١).\rوهذا التقسيم الذي ذكره الزجاج يرجع في الحقيقة إلى نوعين فقط وذلك لأن الضرب الثاني والثالث كلاهما سؤال الله تعالى والطلب منه إلا أن أحدهما يتعلق بحظ من حظوظ الدنيا والآخر يتعلق بالآخرة، وهذا التعلق لا يخرجهما عن كونهما نوعًا واحدًا، ويدل على هذا أن ابن سيده ذكر أن الدعاء على وجهين: الأول طلب في مخرج اللفظ، والمعنى على التعظيم والمدح، والثاني الطلب لأجل الغفران أو عاجل الإنعام (¬٢).\rومن هنا نستطيع أن نقول: إن تقسيم الدعاء إلى نوعين فقط - وهو الذي سيأتي بعد هذا - أدقُّ وأوجزُ وأخصرُ، وإن هذا التقسيم ليس دقيقًا، ثم إن قول الزجاج: فضرب منها توحيده والثناء عليه وتمثيله له بما يشتمل على الذكر والتهليل والتحميد لا يشمل أنواع العبادات الأخرى مع أنه يطلق على جميع أنواع العبادات.\rويؤكد تعليله تسميتها دعاء بأن في أولها الدعاء الذي هو النداء بقوله: يا الله يا رحمن أنه يريد حصر إطلاق الدعاء على نوع خاص من العبادة وهو ما كان من باب الثناء والذكر وهذا دليل آخر على عدم دقة هذا التقسيم وأبو إسحاق الزجاج نفسه ذكر في موضع آخر (¬٣) أن الدعاء معناه العبادة ولم يقيده بالثناء والذكر.","footnotes":"(¬١) معاني القرآن: ١/ ٢٥٥، وتهذيب اللغة للأزهري: ٣/ ١١٩، ولسان العرب: ٣/ ١٣٨٥، وما بين المعكوفتين ليس في كتاب الزجاج المطبوع وإنما هو زيادة من المرجعين الآخرين، وقوله: فلذلك، في الأصل: فكذلك.\r(¬٢) المخصص: ١٣/ ٨٨.\r(¬٣) معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٣٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048453,"book_id":1098,"shamela_page_id":101,"part":"1","page_num":110,"sequence_num":101,"body":"ب - الاتجاه الثاني: أن الدعاء على ثلاثة أنواع أيضًا:\r١ - النوع الأول: دعاء مسألة.\r٢ - النوع الثاني: دعاء ثناء.\r٣ - النوع الثالث: دعاء تعبد.\rفأول من وقفت على كلامه ممن ذهب إلى هذا الاتجاه هو ابن القيم ﵀ فإنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال ﵀: \"الدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد\" (¬١).\rفالمراد بدعاء المسألة هو \"طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه\" (¬٢).\rوالمراد بدعاء الثناء هو ذكر أسماء الرب ﵎ وصفاته، والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه إما إنشاء وإما إخبارًا (¬٣).\rوالمراد بدعاء التعبد هو سائر أنواع العبادات القلبية والبدنية والمالية فإن فيها نوعًا من الطلب والسؤال كما سيأتي.\rفهذا التقسيم هو مثل التقسيم الأول يرجع في الحقيقة إلى نوعين فقط. فدعاء الثناء، ودعاء التعبد، يعدان قسمًا واحدًا وليسا قسمين ويدل لذلك أن ابن القيم نفسه ذكر في الآية السابقة في موضع آخر (¬٤) أن الدعاء فيها مرتبتان، دعاء ثناء وعبادة، ودعاء طلب ومسألة فجعل دعاء الثناء والعبادة نوعًا واحدًا كما أنه ذكر في موضع آخر أن الدعاء نوعان دعاء ثناء ودعاء مسألة (¬٥).","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ١/ ٤٢٠.\r(¬٢) بدائع الفوائد: ٣/ ٢.\r(¬٣) الوابل الصيب: ١٧٨ - ١٨٠.\r(¬٤) بدائع الفوائد: ١/ ١٦٤.\r(¬٥) زاد المعاد: ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048454,"book_id":1098,"shamela_page_id":102,"part":"1","page_num":111,"sequence_num":102,"body":"ويمكن أن يقال: إنما ذكر دعاء الثناء مفردًا عن دعاء التعبد لأن الثناء على المدعو يدل على الطلب والمسألة أكثر من دلالة أنواع العبادات الأخرى، لأن الداعي ربما يتعرض لحوائجه بالمدح والثناء لمن يريد منه النوال والعطاء، فالعبادات الأخرى وإن كانت تستلزم الطلب والسؤال إلا أن دلالتها أقل من دلالة الثناء على الطلب. وتقدم (¬١) ما يزيد هذا وضوحًا في كلام سفيان بن عيينة ﵀.\rجـ - الاتجاه الثالث: أن الدعاء على نوعين:\r١ - النوع الأول: دعاء عبادة.\r٢ - النوع الثاني: دعاء عادة.\rفأول من وقفت على كلامه في ذلك هو الشيخ محمد رشيد رضا (¬٢)، ثم الشيخ أبو السمح محمد عبد الظاهر (¬٣) رحمهما الله تعالى.\rقال الشيخ محمد رشيد: \"إن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء العادة، فالثاني ما يطلبه الناس بعضهم من بعض مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم، ودعاء العبادة: هو طلب ما وراء الأسباب مما لا يقدر عليه إلا رب العباد\" (¬٤) وذكر نحوه الشيخ أبو السمح (¬٥).\rويلاحظ على هذا التقسيم أنه غير شامل إذ لا يشمل دعاء التعبد والثناء فدعاء العبادة على هذا التفسير راجع إلى دعاء المسألة إلَّا أنه خاص","footnotes":"(¬١) ص: ٧٥.\r(¬٢) هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد القلموني البغدادي الأصل الحسيني، مفسر أديب سياسي، له جهود في خدمة الإسلام ونشر العقيدة الصحيحة لاسيما ما يتعلق بتوحيد الألوهية، وقد أصدر مجلة المنار في مصر، (ت ١٣٥٤ هـ)، انظر معجم المؤلفين: ٩/ ٢١٠.\r(¬٣) هو خطيب وإمام الحرم المكي، ومدير دار الحديث المكية، (ت ١٣٩٣ هـ).\r(¬٤) تعليق الشيخ محمد رشيد على صيانة الإنسان ص: ٣٧٤.\r(¬٥) انظر حياة القلوب بدعاء علام الغيوب ص: ٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048455,"book_id":1098,"shamela_page_id":103,"part":"1","page_num":112,"sequence_num":103,"body":"بسؤال الله تعالى فهو تقسيم لدعاء المسألة إلى كونه عبادة إذا كان فيما وراء الأسباب وكونه عادة إذا كان في الأمور العادية التي هي مرتبطة بالأسباب، وقد ذكر العلماء ما يشبه هذا في الاستغاثة الجائزة وغير الجائزة كما سيأتي (¬١) إن شاء الله تعالى.\rد - الاتجاه الرابع: أن الدعاء على نوعين:\r١ - النوع الأول: دعاء مسألة.\r٢ - النوع الثاني: دعاء عبادة.\rفأول من رأيت قد صرح بهذا الاتجاه هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه ابن القيم وغيره.\rوأما شيخ الإسلام فقد ذكر هذا التقسيم في عدة مواضع من كتبه، فمن ذلك قوله: \"لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين دعاء العبادة ودعاء المسألة … \" (¬٢) ويسميه في مواضع دعاء العبادة، ودعاء المسألة والاستعانة (¬٣).\rوأما ابن القيم فإنه ذكر هذا التقسيم في عدة مواضع من كتبه أيضًا منها قوله في جلاء الأفهام: \"والدعاء نوعان دعاء عبادة ودعاء مسألة، والعابد داع، كما أن السائل داع\" (¬٤)، وقوله في بدائع الفوائد في تفسير آية: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً .. ﴾ [الأعراف: ٥٥]: \"هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء، دعاء العبادة ودعاء المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) يأتي في ص: ٤٩١.\r(¬٢) الفتاوى: ١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨، ونحوه في الفتاوى: ١٥/ ١٠، واقتضاء الصراط: ٤١١.\r(¬٣) الفتاوى: ١/ ٦٩ و ٢/ ٤٥٦.\r(¬٤) جلاء الأفهام ص: ١٨.\r(¬٥) بدائع الفوائد: ٣/ ٢، وسياقه في هذا الموضع مأخوذ من كلام شيخه ابن تيمية في الفتاوى، قارن بين الموضعين الفتاوي: ١٥/ ١٠ - ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048456,"book_id":1098,"shamela_page_id":104,"part":"1","page_num":113,"sequence_num":104,"body":"وقال في البدائع في موضع آخر: \"فالتشهد يجمع نوعي الدعاء دعاء الثناء والخير، ودعاء الطلب والمسألة\" (¬١).\rوإنما قيدنا في بداية الكلام بأن هؤلاء هم أول من صرح بهذا التقسيم لأن هذا التقسيم موجود قبل هؤلاء في ضمن كلام من سبقهم من السلف وذلك لدلالة القرآن والسنة عليه، فالسلف فهموا هذا التقسيم من الكتاب والسنة، فمن العلماء الذين أشاروا إلى ذلك بدون تصريح للتقسيم:\r١ - سفيان بن عيينة عندما سئل عن معنى دعاء يوم عرفة كما مر (¬٢).\r٢ - ابن جرير فإنه ذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وجهين أحدهما: مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى الإجابة الوفاء بما وعدهم على العمل من الأجر واستدل على ذلك بحديث: \"الدعاء هو العبادة\" ثم قال: \"فأخبر ﷺ أن دعاء الله إنما هو عبادته ومسألته بالعمل له والطاعة، ثم نقل عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، اعملوا وأبشروا فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"والدعاء لله يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولًا وعملًا، وقد يكون بالعمل له بالجوارح\" (¬٤).\r٣ - البغوي فإنه قال: \"قيل: معنى الدعاء هاهنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ٢/ ١٩٠.\r(¬٢) مر ص: ٥٣.\r(¬٣) تفسير ابن جرير: ٢/ ١٦٠ - ١٦١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٢ - ١٤.\r(¬٤) تفسير ابن جرير: ٧/ ٢٠٥.\r(¬٥) معالم التنزيل: ١/ ١٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048457,"book_id":1098,"shamela_page_id":105,"part":"1","page_num":114,"sequence_num":105,"body":"وهذا التقسيم الرابع هو التقسيم الأحسن والأدق، لأنه أشمل وأعم، كما أنه أوجز وأخصر، فلهذا فهو أدق وأحكم، أما كونه أشمل وأعم، فلأنه يدخل فيه جميع أنواع الدعاء، فلم يخرج عنه شيء لم يشمله، وأما كونه أوجز وأخصر فواضح لكون القسمة فيه ثنائية، وأما كونه أدق وأحكم فلسلامته من الاعتراضات التي في التقسيمات الأخرى.\rوجه انقسام الدعاء إلى نوعين:\rقد ذكرنا في تعريف الدعاء أن معناه هو الرغبة والقصد والتوجه إلى المدعو وهذا القصد والتوجه إلى المدعو يكون \"تارة لذاته، وتارة لمسألته أمرًا منه، وهذا كالشخص يدعو غيره، ويطلبه، ويقصده، تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه\" (¬١).\rفالقصد إلى المدعو لذاته هو المسمى بدعاء العبادة والثناء، والقصد إلى المدعو لمسألته هو المسمى بدعاء المسألة، وهذا هو وجه انحصار وانقسام الدعاء إلى نوعين فقط.\rثم إن كلا النوعين من دعاء الثناء والذكر والعبادة ودعاء المسألة والطلب فيه خاصية وفائدة لا تكون في النوع الآخر ففي الثناء والعبادة تمتلئ القلوب بعظمة الله وجلاله وفي السؤال والطلب تمتلئ بالرغبة والانطراح بين يدي الله تعالى.\rقال الإمام الدهلوي ﵀: واعلم أن الدعوات التي أمرنا بها النبي ﷺ على قسمين:\rأحدهما: ما يكون المقصود منه أن تملأ القوى الفكرية بملاحظة جلال الله وعظمته، أو يحصل حالة الخضوع والإخبات، فإن لتعبير اللسان عما يناسب هذه الحالة أثرًا عظيمًا في تنبه النفس لها وإقبالها عليها.\rوالثاني: ما يكون فيه الرغبة في خير الدنيا والآخرة والتعوذ من","footnotes":"(¬١) انظر الفتاوى: ١٥/ ١٠، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048458,"book_id":1098,"shamela_page_id":106,"part":"1","page_num":115,"sequence_num":106,"body":"شرهما لأن همة النفس وتأكد عزيمتها في طلب شيء يقرع باب الجود بمنزلة إعداد مقدمات الدليل لفيضان النتيجة، وأيضًا فإن الحاجة اللذاعة لقلبه، توجهه إلى المناجاة، وتجعل جلال الله حاضرًا بين عينيه، وتصرف همته إليه، فتلك الحالة غنيمة المحسن\" (¬١).\rثم إنَّ كلا النوعين من خصائص الله تعالى فلا يليقان بأن يصرفا لأحد كائنًا من كان سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا فالله هو المدعو دعاء المسألة للنفع والضر كما أنه هو المدعو المعبود للرجاء والخوف (¬٢).\rفهذان النوعان مختصان به ﵎ ولا يصلحان أن يصرفا لغيره.\rقال شيخ الإسلام ﵀: وكلا نوعي الدعاء مختصان بالله تعالى حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك وذلك من معنى أنه الأحد الصمد فإن كونه أحدًا يوجب أن لا يشرك به في العبادة ولا الاستغاثة فلا يدعى غيره.\rوالاسم الصمد جاء معرفًا يبين أنه هو الصمد الذي يستحق أن يصمد إليه بكلا نوعي الصمد، وهذان الاسمان الأحد والصمد لم يذكرا في القرآن إلا في هذه السورة - يعني سورة الإخلاص -. والله هو المقصود لذاته ولما يطلب منه فهو مقصود مدعو لنفسه كما أنه مقصود مدعو لما يسأل عنه ويطلب منه وهو الصمد في الأمرين لا يصلح لغيره أن يكون هو المعبود ولا أن يكون هو المتوكل عليه المستعان به المسؤول منه (¬٣).\r\rتلازم نوعي الدعاء:\rقد ذكرنا أن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهذا","footnotes":"(¬١) حجة الله البالغة: ٢/ ٧٤.\r(¬٢) بدائع الفوائد: ٣/ ٢، والفتاوى: ١٥/ ١٠.\r(¬٣) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048459,"book_id":1098,"shamela_page_id":107,"part":"1","page_num":116,"sequence_num":107,"body":"التقسيم معناه أن الدعاء يراد به تارة دعاء المسألة، وتارة دعاء العبادة، وليس معنى هذا أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام (¬١) أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي يكون فيه أظهر بدلالة المطابقة.\rفإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن (¬٢) لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة ومخها وروحها وحقيقتها. فالآيات التي ورد فيها الدعاء مرادًا به دعاء المسألة - تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة -.\rوأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام (¬٣) وذلك لأن العابد لله تعالى كالذي يذكر الله مثلًا فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال (¬٤).\rفالعابد لله سبحانه سائل لله تعالى، يسأله الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فإنه يعبد الله خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمته، ولا يخلو العابد في قرارة نفسه من الخوف والرجاء، لا كما يزعمه بعض المتصوفة \"إنه","footnotes":"(¬١) دلالة اللفظ على تمام ما وضع له تسمى مطابقة، وعلى جزئه تضمنًا، وعلى الخارج التزامًا، قال صاحب السلم: دلالة اللفظ على ما وافقه .. يدعونها دلالة المطابقة، وجزئه تضمنًا وما لزم .. فهو التزام إن يعقل التزم. اهـ. إرشاد الفحول ص: ١٧، وسلم المنورق ضمن مجموع المتون: ٢٧٣، ومنهاج السنة: ٥/ ٤٥٢ - ٤٥٤.\r(¬٢) مجموع الفتاوى: ١٥/ ١٠، ١٠/ ٢٤٣، وجلاء الأفهام ص: ٨١.\r(¬٣) الفتاوى: ١٥/ ١١، بدائع الفوائد: ٣/ ٣، ونحوه في اقتضاء الصراط: ٤١١.\r(¬٤) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048460,"book_id":1098,"shamela_page_id":108,"part":"1","page_num":117,"sequence_num":108,"body":"يعبد الله لا خوفًا من النار ولا طمعًا في الجنة وإن هذا المقام نقص، وإنما الكمال في عبادة الله لذاته\" (¬١) وهذا باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة ولواقع عباد الله الصالحين من الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة.\rولهذا فالعبادة تستلزم السؤال والطلب، فإذا أريد من الدعاء دعاء العبادة فإنه يدل على دعاء المسألة استلزامًا.\rفالعابد لا بد أن يطلب غرضًا ما عاجلًا أو آجلاً، فلا يخلو في قرارة نفسه من رغبة أو رهبة.\rوبما تقدم تبين أن نوعي الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ذكر أحدهما دخل معه الآخر إما تضمنًا وإما التزامًا، وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - المراد بها العبادة فقط وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة، هكذا زعموا وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله تعالى - بالعبادة. ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث إن مفهومها عندهم لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، وأما الدعاء والاستغاثة، والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة، هكذا زعموا وهذا الزعم الذي زعموه ستأتي مناقشته (¬٢) إن شاء الله تعالى.\r\rضوابط معرفة نوعي الدعاء:\rقد ورد إطلاق الدعاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه:\r١ - أن يراد منه دعاء المسألة.","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٦٩١.\r(¬٢) سيأتي ص: ٨٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048461,"book_id":1098,"shamela_page_id":109,"part":"1","page_num":118,"sequence_num":109,"body":"٢ - أن يراد منه دعاء العبادة.\r٣ - أن يراد منه مجموعهما.\rفهذه الأوجه الثلاثة هي التي تدور عليها إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم إما أن يراد منه أحدهما أو يراد منه ما يشمل النوعين (¬١).\rوهذه الاستعمالات الثلاث كثيرة في القرآن الكريم قد ورد بكل منها عدة آيات، وفيما يلي بيان لتلك الاستعمالات مع المحاولة لجعل ضوابط تعرف بها تلك الآيات مع أن هذه الضوابط ليست ضوابط بالمعنى الصحيح الذي لا يمكن تخلفه أو انفكاكه بل هو تقريبي وذلك لأن الأمر يتطلب استقراءً تامًا في كتاب الله تعالى ودراسة كل آية دراسة وافية، وما قال فيها علماء التفسير.\r\rبعض الآيات التي تكون دلالتها على دعاء المسألة أقوى:\rويمكن تقسيم تلك الآيات إلى أربع مجموعات:\r١ - المجموعة الأولى: الآيات التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في وقت الشدائد والمصائب والاضطرار، وعن كشف الله تعالى لتلك الشدائد.\r٢ - المجموعة الثانية: الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم من الأنبياء التوسل لهم إلى الله بالدعاء.\r٣ - المجموعة الثالثة: الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وابتهالاتهم.\r٤ - المجموعة الرابعة: الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله لدعاء من دعاهم.\rففي هذه المجموعات تكون دلالة الآيات على دعاء المسألة أظهر،","footnotes":"(¬١) انظر الفتاوى: ١٥/ ١٠، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048462,"book_id":1098,"shamela_page_id":110,"part":"1","page_num":119,"sequence_num":110,"body":"وقد تكون الدلالة على المسألة واضحة صريحة حتى تعد نصًا فيها كما في المجموعة الثانية والثالثة، ومع هذا فهي دالة على دعاء العبادة بطريق التضمن فهي تدل على دعاء المسألة مطابقة، وعلى دعاء العبادة تضمنًا.\rومن هنا نجد من العلماء من يحمل تلك الآيات على دعاء العبادة مع ظهورها في المسألة وذلك لتداخل النوعين من حيث التلازم وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر.\r\rأمثلة المجموعة الأولى:\rوهي التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في الشدائد، وكشف الله لها: منها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]، فهذه الآية أظهر في دعاء المسألة لأن المضطر يحتاج إلى نيل مطلوبه العاجل أكثر من احتياجه إلى الأجر والثواب في الآخرة فإن الإجابة تكون على دعاء المسألة بنيل المطلوب، وفي دعاء العبادة بالأجر والثواب، ومما يؤيد كونها في دعاء المسألة قوله: \"ويكشف السوء\" فكشف السوء هو مطلوب السائل المضطر فهو به أنسب وأليق. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].\rقال الدهلوي ﵀: \"وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة، لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ﴾ \" (¬١).\rوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: \"وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة\" (¬٢). ومن ذلك قوله تعالى:","footnotes":"(¬١) حجة الله البالغة: ١/ ٦٢.\r(¬٢) تحفة الطالب والجليس: ١٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048463,"book_id":1098,"shamela_page_id":111,"part":"1","page_num":120,"sequence_num":111,"body":"﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، فهذا \"ظاهر في دعاء المسألة لمناسبة الحال والواقع\" (¬١).\rومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\rوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨].\rوقوله جل شأنه: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩].\r\rأمثلة المجموعة الثانية:\rوهي الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم عن أنبيائهم دعاء الله لهم والتوسل لهم: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا … ﴾ [البقرة: ٦١].\rوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].\r\rأمثلة المجموعة الثالثة:\rوهي الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وسؤالهم له: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران: ٣٨].\rوقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].","footnotes":"(¬١) المرجع السابق: ١٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048464,"book_id":1098,"shamela_page_id":112,"part":"1","page_num":121,"sequence_num":112,"body":"وقوله جل شأنه: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].\rوقوله عز من قائل: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢].\rوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ .. ﴾ إلى قوله: ﴿ .. قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩].\rوقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا .. ﴾ إلى قوله: ﴿ .. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣ - ٤].\rفهذا في دعاء المسألة أظهر، والمعنى إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه (¬١).\rأمثلة المجموعة الرابعة:\rوهي الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله دعاء من دعاهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، فسياق الآيات يدل على أن المراد بالدعاء دعاء المسألة فهو صريح في دعاء المسألة (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤]، فهذا أظهر في دعاء المسألة يبكتهم الله ﷿ ويخزيهم يوم القيامة بأمرهم بطلب من شركائهم فلا يستجيبون لدعوتهم، وليس المراد اعبدوهم وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف: ٥٢] (¬٣).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ١٤، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.\r(¬٢) النبذة الشريفة ضمن مجموعة الرسائل: ٤/ ٦٠٠.\r(¬٣) الفتاوى: ١٥/ ١٥، وبدائع الفوائد: ٣/ ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048465,"book_id":1098,"shamela_page_id":113,"part":"1","page_num":122,"sequence_num":113,"body":"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٨].\rأمثلة للآيات التي يراد بها دعاء العبادة وهي فيه أظهر:\rفقد ورد في القرآن الكريم استعمال الدعاء بمعنى العبادة وكثر ذلك (¬١) حتى ادعى بعضهم أن ذلك هو المراد في كل ما ورد في القرآن كما سيأتي (¬٢) فلهذا نورد بعض الأمثلة لهذا الاستعمال، ونشير إلى ما يمكن اعتباره ضابطاً لهذا الاستعمال، ثم نشير إلى السبب في العدول من العبادة إلى الدعاء مع أنه لو عبر بالعبادة بدل الدعاء لكان أوضح في المراد. فمن الآيات التي تكون في دعاء العبادة أظهر، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦، وغافر ٦٦] فالدعاء هنا أظهر في العبادة بدليل اقترانه بقوله: \"أَن أَعبد\".\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ .. ﴾ إلى قوله: ﴿ .. إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٦، ١١٧].\rوقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] تقدم (¬٣) تفسير الأزهري للآية بأن معناها أتعبدون ربًا سوى الله.\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢].\rوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦].\rوقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].","footnotes":"(¬١) فتح القدير للشوكاني: ٤/ ٤٩٨.\r(¬٢) يأتي في ص: ٨٧٧.\r(¬٣) ص: ٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048466,"book_id":1098,"shamela_page_id":114,"part":"1","page_num":123,"sequence_num":114,"body":"وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣].\rوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].\rوقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].\rفهذا في دعاء العبادة: \"والمعنى اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره\" (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. \"فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة، وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السموات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب\" (¬٢).\rوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطاً للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر فقال: \"وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن (¬٣) دعاء المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر، لوجوه ثلاثة:\rأحدها: أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم.\rالثاني:: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى:","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ١٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.\r(¬٢) الفتاوى: ١٥/ ١٤، وبدائع الفوائد: ٣/ ٥ - ٦.\r(¬٣) قوله: \"المتضمن يريد به المستلزم، وكأنه ما أراد التقيد باصطلاح المناطقة وإنما أولنا هذا لأن الشيخ نفسه ﵀ يقرر أن هذا من باب التلازم وليس من باب التضمن كما تقدمت الإشارة إلى كلامه ص: ٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048467,"book_id":1098,"shamela_page_id":115,"part":"1","page_num":124,"sequence_num":115,"body":"﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].\rوقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢]، وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها.\rالثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة\" (¬١).\rويأتي هنا سؤال مهم جدًا وهو أنه إذا كان المراد بالدعاء في الآيات التي ذكر فيها دعاء المشركين لأوثانهم، العبادة المستلزمة للسؤال والطلب فما هو السر وما هي الحكمة في العدول في كلام الله تعالى الحكيم من العبادة إلى الدعاء فهل هناك أسرار وحكم ونكات؟؟ فالجواب: إن المسلم لا بد له أن يعتقد أن من كلام الله تعالى له أسرار وفوائد وحكم وهذا العدول لا بد أن يكون فيه سر وإن كنا لا نستطيع الجزم بعين السر، وهذا هو معتقد المسلم الإجمالي، وأما تفصيلًا فقد يكون العالم يظهر له مَّا فيذكره بدون ادعاء أنه عين ما أراده الله من ذلك، فالجزم سوء أدب، فعلى هذا فنذكر بعض ما قاله العلماء في سر العدول عن التعبير بالعبادة إلى التعبير بالدعاء.\r١ - قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله بعد أن ذكر أن الدعاء عماد الدين قال: \"وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة، دالة على الطلب والمسألة على اختلاف المطلوب والمسؤول، وكأن هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة، في أكثر موارد القرآن والسنة\"، ثم ذكر أنه يشهد لهذا حديث أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وجواب ابن عيينة عن ذلك (¬٢).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ١٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ٤.\r(¬٢) تحفة الطالب والجليس: ٩٨ - ٩٩، أو دلائل الرسوخ: ٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048468,"book_id":1098,"shamela_page_id":116,"part":"1","page_num":125,"sequence_num":116,"body":"٢ - وقال الشيخ حسين بن مهدي النعمي ﵀ بعد أن أورد سؤالاً هل سجل الله تعالى على الوثنية بالسجود لغيره كما سجل بدعائهم غيره؟؟ قال: \"وكأنه -والله أعلم- لما كان الدعاء هو العبادة أو مخها، والسجود إنما هو كأنه عبارة عن بعض معاني الدعاء، وهو المعنى الأشمل الأكمل في هذا الباب كان قبلة القصد، وعمدة المنتحى، وقاعدة المرمى، ومع التأمل أيضًا كأن الدعاء بعض معاني السجود، وكأنهما أيضًا لتلاقي حاصلهما فرسا رهان\" (¬١).\r٣ - ويمكن أن يقال في سر العدول أيضًا: إن أغلب عبادة المشركين لأوثانهم إنما هو بالدعاء والطلب كما هو مشاهد اليوم بين من يعبد القبور، فإن أغلب أعمالهم نحوها الاستغاثة والاستمداد والاستشفاع، فهذه الأعمال التي هي من أنواع الدعاء، أكثر وقوعاً وانتشارًا من الأعمال الأخرى كالنذر والذبح.\rفلكون دعاء غير الله تعالى أكثر وقوعًا من غيره من أنواع الشرك الموجود عندهم، صار أهم من غيره، وانصب توجيه الإنكار عليه دون غيره من أنواع العبادات.\rومن هنا نستطيع أن نعرف أيضًا السبب في أن القرآن الكريم لم يكثر من النهي عن السجود لغيره تعالى والنذر، والذبح، وأنواع العبادات، مثل ما أكثر من النهي عن دعاء غيره تعالى فإننا إذا تتبعنا الآيات التي نهت صراحة عن السجود لغيره تعالى لا نجد إلا آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. بينما نجد الآيات الكثيرة المتنوعة الأساليب التي نهت عن دعاء غير الله تعالى كثيرة جدًا. فالسبب في هذا والله أعلم هو أن دعاء غير الله تعالى الأكثر وقوعًا وانتشارًا من السجود كما أن الدعاء هو المعنى الأشمل","footnotes":"(¬١) معارج الألباب: ١٨٧ - ١٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048469,"book_id":1098,"shamela_page_id":117,"part":"1","page_num":126,"sequence_num":117,"body":"الأكمل وهو لب العبادة ومخها فصار هو الأهم.\rأمثلة للآيات التي يراد بالدعاء فيها مجموع الأمرين: دعاء العبادة ودعاء المسألة:\rوهذه الآيات تختلف فيها وجهات النظر فمن هنا نجد من المفسرين من يفسرها بالمسألة ومن يفسرها بالعبادة وهذا الخلاف منهم يدل على أن الآية تحتمل الأمرين فلو لم تحتمل لما اختلفوا والذي يحل هذا الاختلاف هو حمل الآية على الحقيقة المتضمنة للأمرين جميعًا وبهذا يرتفع الخلاف، وتكون الآية صالحة للأمرين.\rفمن تلك الآيات:\rقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦].\rفهذه الآية فسرت بنوعي الدعاء (¬١)، قيل في قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أعطيه إذا سألني، وقيل: \"أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني، فيكون معنى الدعاء مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى الإجابة من الله التي ضمنها له الوفاء له بما وعد العاملين له بما أمرهم به\" (¬٢) فعلى القول الثاني يكون معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة، الثواب (¬٣).\rفهذه الآية تحتمل المعنيين فلهذا فسرت بهما، فيكون الراجح فيها أنها في مجموع المعنيين فالمراد بالدعاء فيها المعنى الشامل العام المشترك الذي يصدق على النوعين.","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ١١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣ وجلاء الأفهام ص: ٨١، وزاد المعاد: ١/ ٢٣٥.\r(¬٢) ابن جرير الطبري: ٢/ ١٦٠.\r(¬٣) انظر تفسير البغوي: ١/ ١٥٦، ونحوه في القرطبي: ٢/ ٣٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048470,"book_id":1098,"shamela_page_id":118,"part":"1","page_num":127,"sequence_num":118,"body":"ومن تلك الآيات أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\rفقد فسرت هذه الآية بالمعنيين (¬١) فقد ورد في تفسيرها بالعبادة حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدعاء هو العبادة\" وقرأ رسول الله ﷺ: \"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم … \" وهذا هو من البيان الذي أمر النبي ﷺ بتبيينه للناس، ويؤيد هذا أيضًا قوله في آخر الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ كما يؤيده قول الحسن البصري فقد روي عنه أنه قال في هذه الآية: \"ادعوني أستجب لكم قال: اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله (¬٢).\rوفسرت أيضا بدعاء المسألة وفسر قوله: \"عن عبادتي أي عن دعائي، وإلى هذا ذهب السدي (¬٣)، وقال السبكي: الأولى حمل الدعاء على ظاهره وأما قوله عن عبادتي فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عنها استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكباراً ومن فعل ذلك فقد كفر\" (¬٤). ومن تلك الآيات:\rقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ فالأرجح أنه إضافة المصدر إلى فاعله أي لولا دعاؤكم إياه فعلى هذا فالمراد به نوعا الدعاء أي ما يعبأ بكم ربي لولا أنكم تعبدونه أو لولا أنكم تدعونه دعاء","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ١٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣، وجلاء الأفهام ص: ٨١، وتفسير البغوي: ٤/ ١٠٣.\r(¬٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد رواية نعيم بن حماد ص: ١٨ رقم ٧٦، ومن طريقه ابن جرير: ٢/ ١٦١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٨٩ رقم ٩.\r(¬٣) ابن جرير ٢٤/ ٧٩، وزاد المسير: ٧/ ٢٣٤.\r(¬٤) فتح الباري: ١١/ ٩٥، والزرقاني: ٢/ ٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048471,"book_id":1098,"shamela_page_id":119,"part":"1","page_num":128,"sequence_num":119,"body":"مسألة، وقد ورد (¬١) تفسير الدعاء في الآية بالإيمان والعبادة والمسألة، وهذا يدل على أن الآية تحتمل المعنيين وأنها مشتركة ولكن شيخ الإسلام (¬٢) يرى أنها في العبادة أظهر مع دلالتها على المسألة فتكون من الوجه الثاني المتقدم.\rومن تلك الآيات:\rقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]، فقد فسر قوله تعالى له دعوة الحق بتوحيد الله وشهادة أن لا إله إلا الله، روي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة أي لله من خلقه الدعوة التي هي الحق فهذه الدعوة خاصة به فليست تنبغي لغيره (¬٣).\rفعلى هذا فمعنى الدعوة العبادة وأهم العبادات التوحيد أي فالله الحق هو الذي يوحد ويفرد بالعبادة.\rوفسر أيضًا بالدعاء والسؤال والتضرع، أي الله مختص به الدعاء الحق والتضرع الثابت الواقع في محله المجاب عند وقوعه … فإجابة الدعاء له تعالى دون غيره، ويؤيد هذا الوجه تمام الآية (¬٤) ولهذا يرى بعضهم أن هذه الآية نص في دعاء المسألة (¬٥) لكن مفسرو السلف علي وابن عباس وغيرهما فسروا بما يفيد دلالتها على العبادة.","footnotes":"(¬١) تفسير البغوي: ٣/ ٣٧٩، وابن جرير: ١٩/ ٥٥، وانظر ما تقدم في ص ٤٢ - ٤٣.\r(¬٢) الفتاوى: ١٥/ ١٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.\r(¬٣) تفسير ابن جرير أخرجه عن علي وابن عباس وقتادة وابن زيد ١٣/ ١٢٨، وزاد المسير: ٤/ ٣١٧، وابن كثير: ٢/ ٥٠٧.\r(¬٤) روح المعاني: ١٣/ ١٢٣.\r(¬٥) انظر القول الفصل النفيس: ٧٨، ٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048472,"book_id":1098,"shamela_page_id":120,"part":"1","page_num":129,"sequence_num":120,"body":"ومن تلك الآيات:\rقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فالدعاء بالأسماء الحسنى يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة (¬١)، ففي السؤال والطلب يدعى الله تعالى بأسمائه وصفاته التي تتناسب مع المطلوب نحو يا غفار اغفر لي، وفي العبادة يعبد الله تعالى ويمدح ويثني عليه ويذكر بأسمائه الحسنى وصفاته العليا كما أنه يعبد أيضًا \"باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها وتمتلئ بأجل المعارف فمثلًا أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلوب تعظيمًا الله وإجلالًا له وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة الله وشوقاً له وحمدًا له وشكرًا … فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته وتعبده بها الله لا يحصل العبد في الدنيا أجل ولا أفضل ولا أكمل منها وهي أفضل العطايا من الله لعبده وهي روح التوحيد وروحه، ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخاص والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكمل من الموحدين، وإثبات الأسماء والصفات هو الأصل لهذا المطلب الأعلى\" (¬٢).\rويشبه هذه الآية الحديث الوارد في إحصاء الأسماء الحسنى فقد فسر بالمسألة بها وبالتعبد بها.\rفقد فسر إحصاء الأسماء الحسنى الوارد في حديث: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة\" (¬٣) بالتعبد بها بحسن المراعاة لها والمحافظة على حدودها في معاملة الرب سبحانه بها وذلك مثل أن يقول: يا رحمن يا رحيم فيخطر بقلبه الرحمة ويعتقدها صفة الله ﷿","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ١/ ٤١٨.\r(¬٢) القول السديد في مقاصد التوحيد للسعدي: ١٣٣ - ١٣٤.\r(¬٣) سيأتي تخريجه ص: ٢٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048473,"book_id":1098,"shamela_page_id":121,"part":"1","page_num":130,"sequence_num":121,"body":"فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته … وإذا قال: السميع البصير علم أنه لا يخفى على الله خافية وأنه بمرأى منه ومسمع فيخافه في سره وعلنه ويراقبه في كافة أحواله\" (¬١).\rإطلاق الدعاء على النوعين:\rإذا أطلق الدعاء وأريد منه ما يشمل النوعين فهل هو من باب استعمال المشترك (¬٢) في معنييه كليهما أو حقيقة (¬٣) هو في أحدهما مجاز في الآخر أو هو حقيقة في القدر المشترك بينهما فيكون من باب الأسماء المتواطئة (¬٤).\rفهذه الاحتمالات ثلاث فالاحتمالان الأولان فيهما خلاف طويل بين الأصوليين في جوازهما. فبالنسبة إلى استعمال المشترك في معنييه كليهما","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء: ٢٧ - ٢٨، وانظر طريق الهجرتين: ٤٣ - ٤٥، والفتح: ١١/ ٢٢٥ - ٢٢٧ و ١٣/ ٣٧٨.\r(¬٢) المشترك: ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير كالعين لاشتراكه بين المعاني: الباصرة والجارية والشمس … ومعنى الكثرة ما يقابل الوحدة لا ما يقابل القلة، فيدخل فيه المشترك بين المعنيين فقط كالقرء والشفق. اهـ. التعريفات: ٢١٥.\r(¬٣) الحقيقة كلمة استعملت فيما وضعت له، والمجاز كلمة استعملت في غير ما وضعت له لقرينة وسيأتي تعريف المجاز بتوسع في مبحث شبهة المجاز العقلي إن شاء الله تعالى ص: ٩١٢.\r(¬٤) المتواطئ: هو الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية كالإنسان والشمس، فإن الإنسان له أفراد في الخارج وصدقه عليها بالسوية والشمس لها أفراد في الذهن وصدقها عليها أيضًا بالسوية. اهـ. التعريفات ص: ١٩٩، وقال الآمدي ما ملخصه: إن الكلي ما يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون سواء وقعت الشركة بالفعل كاسم الكوكب أو لم تقع كالشمس والقمر وإن هذه الأسماء الكلية إذا كان لا اختلاف في مدلولها بشدة ولا ضعف ولا تقدم ولا تأخر فهي متواطئة كالإنسان والفرس وإلا فمشككة كالوجود والأبيض. اهـ. الإحكام: ١/ ١٨ - ١٩، وانظر تعريفه أيضًا في مناقشة شيخ الإسلام في العقود الدرية: ٧١ - ٧٥، والفتاوى: ١١/ ١٤٢ - ١٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048474,"book_id":1098,"shamela_page_id":122,"part":"1","page_num":131,"sequence_num":122,"body":"ذهبت طائفة من العلماء إلى جوازه وذهب آخرون إلى امتناعه مطلقًا، وذهبت طائفة أخرى إلى امتناعه في الإثبات دون النفي (¬١).\rواختلفوا أيضًا في الجمع بين الحقيقة والمجاز، ذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، وأجاز ذلك بعض الشافعية وبعض المعتزلة، وقال آخرون: يجوز ذلك عقلًا لا لغة (¬٢).\rوعلى كل من الاحتمالين اعتراضات ومناقشات طويلة من المجيزين والمانعين في كتب أصول الفقه (¬٣).\rالقول الراجح:\rالراجح أن استعمال الدعاء في معنييه من باب الأسماء المتواطئة، فيكون قد استعمل في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا (¬٤). فإن الراجح في الألفاظ الدالة على معنيين فصاعدًا أنها من باب الأسماء المتواطئة وليست من باب استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه ولا من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وذلك لأن كونها من المتواطئة أسلم من الاعتراض كما أنه أدق نظرًا.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعداً فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو","footnotes":"(¬١) الإحكام للآمدي: ١/ ٢٠ - ٢٣، وفواتح الرحموت: ١/ ١٩٨ - ٢٠١، وإرشاد الفحول ص: ٢٠ - ٢١، وجمع الجوامع: ١/ ٢٩٤.\r(¬٢) إرشاد الفحول ٢٨، وفواتح الرحموت ١/ ٢١٦، المسودة: ١٦٦ - ١٦٩، وجمع الجوامع: ١/ ٢٩٨.\r(¬٣) المصادر السابقة تحت الرقمين السابقين، وانظر أيضًا أصول السرخسي: ١/ ١٧٣ وما بعدها، والفتاوى: ٢٠/ ٤٣٨ وما بعدها، وزاد المعاد ٥/ ٦٠٦ - ٦٠٧ فقد ذكر في إبطال المسألة الأولى خمسة وجوه، وجلاء الأفهام: ٨٤ - ٨٥ ذكر فيه وجهين من المحاذير في المسألة الأولى.\r(¬٤) الفتاوى: ١٥/ ١١، وجلاء الأفهام: ٨١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048475,"book_id":1098,"shamela_page_id":123,"part":"1","page_num":132,"sequence_num":123,"body":"حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهي الأسماء المتواطئة، وهي الأسماء العامة كلها، وعلى الأول يلزم المجاز، وعلى الثاني يلزم الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل، فوجب أن يجعل من المتواطئة، وبهذا يعرف عموم الأسماء كلها\" (¬١).\rومثل كلمة الدعاء الكلمات الواقعة في القرآن الدالة على معنيين فأكثر فهي من هذا القبيل فمن تلك الكلمات كلمة \"دلوك\" في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فسر الدلوك بالزوال، وفسر بالغروب، وليس بقولين بل اللفظ يتناولها معًا فإن الدلوك هو الميل، ودلوك الشمس، ميلها ولهذا الميل مبتدأ ومنتهى، فمبتدأه الزوال، ومنتهاه الغروب، واللفظ متناول لهما بهذا الاعتبار (¬٢). إذا أطلق الدعاء على النوعين فإنه يطلق عليهما لتضمنه القدر المشترك الذي يتحقق في النوعين، وهذا القدر المشترك الذي يصدق على النوعين ما هو؟.\rوفي الحقيقة يصعب التحديد بالدقة القدر المشترك الصادق على النوعين وذلك لأنه أمر كلي لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن، والتعبير عن ذلك الكلي صعب ويمكن أن نقول: إن القدر المشترك بين نوعي الدعاء هو: \"الرغبة إلى الله تعالى للنفع والضر، والابتهال إليه، والتقرب إليه بكل ما يحبه ويرضاه\" فهذا القدر المشترك يصدق على النوعين.\rكما أنه يمكن أن نقول: إن هذا هو تعريف الدعاء العام الشامل للنوعين وقد تقدم، وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا القدر المشترك في تعريف الصلاة بمعنى الدعاء فذكر أن المعنى العام هو: \"دعاء الله أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإيمان: ٩٧ - ٩٨.\r(¬٢) الفتاوى: ١٥/ ١١، وبدائع الفوائد: ٣/ ٣.\r(¬٣) الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٢١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048476,"book_id":1098,"shamela_page_id":124,"part":"1","page_num":133,"sequence_num":124,"body":"وسبب الصعوبة في تحديد القدر المشترك يعود إلى أنه أمر ذهني لم يحتج أهل اللغة إلى التعبير عنه، قال شيخ الإسلام: \"والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلي عام، لا يوجد كليًا عامًا إلا في الذهن، وهو مورد التقسيم بين الأنواع، لكن ذلك المعنى العام الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه، لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج، وإلى ما يوجد في القلوب في العادة، وما لا يكون في الخارج إلاَّ مضافًا إلى غيره لا يوجد في الذهن مجردًا\" (¬١).\rوأما إذا أطلق وأريد منه أحد النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد نحو الدعاء مرادًا به دعاء المسألة أو الإضافة نحو دعاء العبادة أو دعاء المسألة.\rفهذا أيضًا لا يخرجه عن أن يكون متواطئاً، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنى به قاضي بلده، لكون اللام فيه للعهد، وأما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص فعلى كونه مخصصًا بقرينة لفظية فهو من الأسماء المتواطئة وأما على كونه مخصصًا بغلبة الاستعمال فهو لفظ مشترك (¬٢).\rويمكن أن يقال في الدعاء عند الإطلاق أنه يراد به دعاء المسألة لغلبة الاستعمال فيه كما أشار إليه صاحب فتح المجيد بقوله: \"إنّ الدعاء أكثر ما يستعمل في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم\" (¬٣).\rأي نوعي الدعاء أفضل:\rإذا تقرر أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة يأتي سؤال","footnotes":"(¬١) الإيمان: ٩٨.\r(¬٢) العقود الدرية ص: ٧٤.\r(¬٣) فتح المجيد ص: ١٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048477,"book_id":1098,"shamela_page_id":125,"part":"1","page_num":134,"sequence_num":125,"body":"مهم لمن يعتني بالعبادة ويتخيرها أي النوعين أفضل؟ وهذا سؤال لأن مهم المؤمن يحتاج إلى فقه ومعرفة بمراتب الأعمال وتفاوتها ومقاصدها حتى لا يشتغل بمفضولها عن فاضلها فيفوت إبليس الفضل الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها وإن كان ذلك وقته فتفوته مصلحته بالكلية لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا (¬١).\rفالعلماء قد اختلفوا في الجواب على ثلاثة أقوال:\r١ - أن دعاء العبادة أفضل.\r٢ - أن دعاء المسألة أفضل.\r٣ - التفصيل والقول بأن ذلك يختلف بحسب الأشخاص والأحوال.\rأدلة الفريق الأول (¬٢):\rأ - قوله ﷺ: \"أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" (¬٣).\rب ـ وقوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل؟، قال: ما اصطفى الله لملائكته (¬٤).\rجـ ـ إن دعاء العبادة حق الرب ووصفه، ودعاء المسألة حظ العبد ومصلحته، فالشيء يشرف بحسب متعلقه.\rإن دعاء العبادة لا يكون إلا من مخلص وأما دعاء المسألة فيكون من","footnotes":"(¬١) الوابل الصيب: ١٨٩.\r(¬٢) انظر هذه الأدلة في مدارج السالكين: ١/ ٧٥ - ٧٧، وبدائع الفوائد: ٢/ ١٩٠، والوابل الصيب، ١٨٢ والفتاوي: ٢٢/ ٣٧٩ - ٣٨٩ وانظر في الاختلاف في قيام الدعاء مقام الفاتحة، روضة الطالبين: ١/ ٢٤٦، وذكر في الأزهية ص: ٥٠ أنه مذهب ابن عيينة واختاره ابن الصباغ الشافعي، ونحوه في الدعاء المأثور ص: ١٤٣.\r(¬٣) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٠، ومسلم: ٣/ ١٦٨٥ رقم ٢١٣٧.\r(¬٤) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٣ رقم ٢٧٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048478,"book_id":1098,"shamela_page_id":126,"part":"1","page_num":135,"sequence_num":126,"body":"مخلص ومن غير مخلص لأن الله تعالى يسأله من في السموات والأرض والكفار يسألون الله فيجيبهم.\rهـ - ولأن العبادة شكر لنعمة الله تعالى والله يحب أن يشكر، وأما الدعاء فهو طلب لفعله وتوفيقه، ويحصل بالشكر لله وعبوديته التوفيق والإعانة، فكان الأولى الالتزام بالشكر حتى يحصل له الأمران ويشير إلى هذا قوله ﷺ في الحديث القدسي: \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" (¬١).\rولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى والثناء عليه بين يدي حاجته ثم يسأل حاجته.\rو- ثم إن العبادة هي الغاية المطلوبة لذاتها وهي التي خلقنا من أجلها، والسؤال وسيلة إليها والمقاصد والغايات أشرف من الوسائل.\rز - إن العلماء يختلفون في العاجز عن الفاتجة هل يقوم الدعاء المحض وهودعاء المسألة مقام الذكر·\rإلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على فضل دعاء الثناء والعبادة.\rأدلة الفريق الثاني:\rأ - قوله ﷺ: \"الدعاء هو العبادة\" وسيأتي توجيه وجه الاستدلال ومناقشته.\rب - وصفه ﷺ الدعاء بأنه مخ العبادة وأن ذلك لكونه يستدعي مزيد حضور قلبي دون سائر العبادات التي يغلب على المتعبد بها الغفلة والسهو.\rجـ ـ إن الدعاء فيه غاية التذلل والخضوع وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية.","footnotes":"(¬١) سيأتي تخريجه ص: ٣٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048479,"book_id":1098,"shamela_page_id":127,"part":"1","page_num":136,"sequence_num":127,"body":"د - إن كل داع عابد ولا ينعكس.\rهذه هي أهم العلل التي فضلوا من أجلها الدعاء على غيره من أنواع العبادات كما ذكرها الزبيدي مؤيداً بها هذا القول (¬١).\rويمكن أن يستدل لهم بالأحاديث التالية زيادة على الحديثين الماضيين:\r١ - قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: \"ليس شيء أكرم على الله من الدعاء\" (¬٢).\r٢ - حديث ابن عباس مرفوعًا: \"أفضل العبادة الدعاء\" وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية (¬٣).\r٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ: \"أي العبادة","footnotes":"(¬١) إتحاف السادة: ٥/ ٤.\r(¬٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ٧١٢،٧١٣، والترمذي: ٥/ ٤٥٥ رقم ٣٣٧٠، وابن ماجه: ٢/ ١٢٥٨ رقم ٣٨٢٩، وأحمد في المسند: ٢/ ٣٦٢، والحاكم: ١/ ٤٩٠، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٨ رقم ٢٨، وفي الأوسط: ٣/ ٢٥٢ رقم ٢٥٤٤، وابن حبان \"موارد رقم ٢٣٩٧\" والبيهقي في الدعوات رقم ٣، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء رقم \"١\"، وابن عدي في الكامل: ٥/ ١٧٤٢ كلهم من طريق عمران بن دوار القطان عن قتادة بن أبي الحسن عن أبي هريرة به، قال الحافظ في عمران صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج، وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ثم ذكر الحاكم بعد تصحيحه بأن أحاديث الدعوات يتساهل فيها لأنها من فضائل الأعمال وروى ذلك بإسناده عن ابن مهدي، وقال ابن القطان: رواته كلهم ثقات وما موضع في إسناده ينظر فيه إلا عمران، إتحاف السادة: ٥/ ٢٩، وفيض القدير: ٥/ ٣٦٦ وقد حسن الحديث أيضًا الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجة: ٢/ ٣٢٤ رقم ٣٠٨٧.\r(¬٣) أخرجه الحاكم: ١/ ٤٩١، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الصحيحة: ٤/ ١٠٦ رقم ١٥٧٩، وصححه في صحيح الجامع: ١/ ٣٦٧ رقم ١١٣٣، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في الكامل: ٥/ ١٧٤٣ وضعفه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048480,"book_id":1098,"shamela_page_id":128,"part":"1","page_num":137,"sequence_num":128,"body":"أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه (¬١).\r٤ - وحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج\" (¬٢).\rمناقشة أدلة الفريق الثاني:\rذكر وجه الحصر في قوله ﷺ: \"الدعاء هو العبادة\":\rهذا الحديث إفادة الحصر من عدة وجوه.\r١ - تعريف طرفي المبتدأ والخبر.\r٢ - ضمير الفصل.\r٣ - الجملة الإسمية التي تدل على الاستمرار والدوام.\rوقد ذكر العلماء في توجيه هذا الحصر عدة أوجه:\rالوجه الأول:\rوهو ما ذكره الخطابي، وقد تبع الخطابي كثير ممن جاء بعده، قال الخطابي ﵀: \"إنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة كقولهم: الناس بنو تميم، والمال الإبل، يريدون أنهم أفضل الناس أو أكثرهم عددًا أو ما","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ٢/ ١٧٩ رقم ٧١٥، والحاكم: ١/ ٥٤٣، وأبو نعيم في أخبار أصبهان: ١/ ٢١١، وقد صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: مبارك واه، ومبارك هذا هو مبارك بن حسان السلمي قال فيه الحافظ: لين الحديث. اهـ. التقريب: ٦٤٦٠.\r(¬٢) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٦٥ رقم ٣٥٧١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٥ رقم ٢٢، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء رقم ١١، والحديث في إسناده حماد ابن واقد العيشي، قال فيه الحافظ: ضعيف، التقريب رقم ١٥٠٨، وقد حَسَّن مع ذلك إسناده فيما حكاه عنه السخاوي في المقاصد الحسنة ص: ٩٩ رقم: ١٩٥، وقد ضعف الحديث الألباني، انظر الضعيفة: ١/ ٤٩٩ رقم ٤٩٢. والشطر الأخير من الحديث رواه البزار كما في كشف الأستار: ٤/ ٣٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١٠/ ١٤٧، وفيه من لم أعرفه، وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب: ٢/ ٢٤٥ رقم ١٢٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048481,"book_id":1098,"shamela_page_id":129,"part":"1","page_num":138,"sequence_num":129,"body":"أشبه ذلك، وأن الإبل أفضل أنواع الأموال وأنبلها، وكقول النبي ﷺ: \"الحج عرفة\" يريد أن معظم الحج الوقوف بعرفة، وذلك لأنه إذا أدرك عرفة فقد أمن فوات الحج ومثل هذا في الكلام كثير\" (¬١).\rويؤيد هذا الوجه ما ورد في معنى هذا الحديث من حديث أنس مرفوعًا: \"الدعاء مخ العبادة\" (¬٢) فمُخ الشيء خالصه ولبه ووجه تخصيص الدعاء بذلك: \"أنه لما كان المُخ من أعضاء الحيوان هو المغذي لها والمقوم لاستدامة بقائها شبه الدعاء به لأنه يعمل هذا العمل، وذلك لأنه يشتمل على حضور قلبي لا يوجد في غيره فهو يستدعي مزيد حضور في قلب الداعي\" (¬٣).\rفالحصر على هذا الوجه حصر إضافي وليس حقيقيًا فكأن العبادات الأخرى ليست عبادة فهو لكماله المطلق، وكونه غاية في التذلل والخضوع، صار كأنه الوحيد في استحقاق هذا الاسم وأن غيره لا يطلق عليه هذا الاسم، فهو الفرد الكامل من أنواع العبادات ومن هنا استدل بهذا الحديث القائلون بأفضلية الدعاء المطلقة على سائر أنواع العبادات.\rالوجه الثاني:\rأن الغرض من العبادة طلب الثواب عليها، وهذا هو المطلوب (¬٤).","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء للخطابي ص: ٥ - ٦، وانظر فتح الباري: ١١/ ٩٤، ونسبه إلى الجمهور، وتفسير الرازي: ٥/ ١٠٦، وإتحاف السادة نقلًا عن الخطابي: ٥/ ٢٩، والرسائل الشخصية: ١٠٥، وتحفة الطالب ص: ٩٨، ومصباح الظلام ص: ١٩٩، وعون المعبود: ٤/ ٣٥٢، وفيض القدير: ٣/ ٥٤٠، والأزهية ص: ٣٠ نقلًا عن الخطابي.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ٥٩.\r(¬٣) إتحاف السادة: ٥/ ٤.\r(¬٤) النهاية لابن الأثير: ٤/ ٣٠٥ مادة مخ والرسائل الشخصية من مؤلفات الشيخ ص: ١٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048482,"book_id":1098,"shamela_page_id":130,"part":"1","page_num":139,"sequence_num":130,"body":"بالدعاء أيضًا فكل من العبادة والدعاء طلب، فالداعي دعاء المسألة يطلب جلب منفعة أو دفع مضرة، والعابد كذلك يطلب جلب الثواب ودفع العقاب فالغرض منهما شيء واحد، وقد تقدم بيان تضمن كل منهما للطلب.\rفعلى هذا فالحصر حقيقي فجميع أنواع العبادات هي دعاء الله تعالى وسؤال له لمرضاته وجناته وللنجاة من غضبه وعقابه.\rالوجه الثالث:\rأن العبادة في الحديث على معناها اللغوي الذي هو التذلل والخضوع فمعنى \"الدعاء هو العبادة\"، أن الدعاء الذي هو طلب قضاء حوائج من الله تعالى هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله تعالى والاستكانة له وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه (¬١).\rالوجه الرابع:\rأن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب، لأنه إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته كريم لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخره لنفسه ويمنعه من عباده، وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها (¬٢).\rالوجه الخامس:\rإن الدعاء امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو مأمور به والمأمور به عبادة (¬٣). ويؤيد هذا الوجه قراءة النبي ﷺ للآية.\rوالذي يظهر والله أعلم أنه لا حاجة إلى تأويل معنى الحديث","footnotes":"(¬١) فتح الباري: ١١/ ٩٥، نقلًا عن الطيبي ونحوه في فيض القدير: ٣/ ٥٤٠.\r(¬٢) تحفة الأحوذي: ٩/ ٣١٢.\r(¬٣) انظر النهاية لابن الأثير: ٤/ ٣٠٥، وعون المعبود: ٤/ ٣٥٣، وفيض القدير: ٣/ ٥٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048483,"book_id":1098,"shamela_page_id":131,"part":"1","page_num":140,"sequence_num":131,"body":"واستشكاله وذلك لما تقدم في مبحث التعريف أن الدعاء يطلق على العبادة لغة وشرعًا وأن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، والعبادة مستلزمة للسؤال والطلب.\rوالشارع الحكيم قد بيّن البيان الشافي ولا حاجة بعد بيان الشارع إلى بيان آخر وقد ذكرنا إطلاق القرآن الدعاء على العبادة، والعبادة على الدعاء.\rوالرسول ﷺ بين أن الدعاء هو العبادة، فهذا من البيان الذي أمر بتبيينه للناس. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.\rوقد ذكر ابن القيم (¬١) ﵀ بيان الرسول ﷺ للقرآن وذكر أنه على أوجه، ثم ذكر أن من تلك الأوجه: \"بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك\" وضرب أمثلة لذلك وذكر من تلك الأمثلة هذا الذي نحن فيه فقال: \"وكما فسر الدعاء في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بأنه العبادة\".\rوالحاصل أن الحديث لا يدل صراحة للقائلين بأفضلية دعاء المسألة لاحتماله للأوجه المذكورة ولا يمكن الاستدلال به إلا على الوجه الأول فقط، وأما على الأوجه الأخرى الباقية فلا يصح الاستدلال به.\rومن المعلوم أن الدليل إذا دخله الاحتمال سقط به الاستدلال ومن هنا تتلخص مناقشة أدلتهم في الآتي:\r١ - أن الاستدلال بحديث \"الدعاء هو العبادة\" لا يتم لاحتماله للأوجه الأخرى المذكورة ففي بعض الأوجه أن الدعاء والعبادة سيان في المفهوم فلا يتم الاستدلال به.\r٢ - ثم هو معارض بالأحاديث المصرحة بفضل الأذكار على غيره","footnotes":"(¬١) أعلام الموقعين: ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048484,"book_id":1098,"shamela_page_id":132,"part":"1","page_num":141,"sequence_num":132,"body":"نحو أفضل الكلام بعد القرآن أربع: سبحان الله والحمد لله .. ونحو قوله ﷺ عندما سئل أي الكلام أفضل قال: \"ما اصطفى الله لملائكته\"، مما اسْتَدَلَّ به مَنْ فَضَّلَ دعاء العبادة.\rوأما ما ادعى من المزايا الأخرى من مزيد الحضور القلبي والتذلل والخضوع فنقول: إن المزايا والفضائل والخصائص لا تقتضي الأفضلية المطلقة كما قال العلماء (¬١) وبيّنوا ذلك في الأحاديث التي تتعلق بمناقب الصحابة وفضائلهم في نحو قوله ﷺ: \"أمين هذه الأمة أبو عبيدة\" (¬٢) فتخصيصه بالأمانة لا يقتضي أفضليته على الخلفاء الأربعة، فكذلك ما نحن فيه.\r٣ - وأما ما ادّعى من عدم انعكاس إطلاق الدعاء على العبادة فغير مسلم لما علم من تلازمهما وأن كل عابد داع وقد تقدم ذلك مفصلًا.\r٤ - وأما قوله ﷺ: \"ليس شيء أكرم على الله\"، فعلى فرض صحة الحديث فهو أيضًا من باب الخصائص والمزايا فكونه أكرم لا يدل على الأفضلية المطلقة.\rوقد أجاب بعضهم (¬٣) بأن المراد أكرم على ما سواه من العبادات القولية لأن سوق كل شيء يعتبر في بابه فلا يرد أن الصلاة أفضل من العبادات البدنية.\rويعترض عليه بأن الإشكال باق بنحو: \"أفضل الأذكار قول لا إله إلا الله\" وأحب الأذكار \"سبحان الله\".","footnotes":"(¬١) انظر منهاج السنة: ٤/ ٦٠٧، وقال الحافظ ابن حجر: \"لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق كحديث أقرؤكم أبي وأقرضكم زيد ونحو ذلك\"، فتح الباري: ٧/ ١٠٨.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٧/ ٩٢ - ٩٣ رقم ٣٧٤٤، ومسلم: ٤/ ١٨٨١ رقم ٢٤١٩.\r(¬٣) انظر حاشية السندي على ابن ماجه: ٢/ ٤٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048485,"book_id":1098,"shamela_page_id":133,"part":"1","page_num":142,"sequence_num":133,"body":"وأجاب بعضهم بأن معنى أكرم أسرع قبولًا وأنفع تأثيرًا فيكون من باب الخصائص والمزايا وبأنه يمكن أن يكون معنى الدعاء هنا الدعوة إلى الله تعالى وهو معنى صحيح قد ورد للدعاء، كما تقدم في التعريف.\rوبهذا نقول: إن الاستدلال بالحديث على الأفضلية لا يتم لهذه الاحتمالات المذكورة، وهذا وقد بقي الجواب عن الأحاديث الثلاثة الأخيرة فهي نص في محل النزاع، ويمكن أن يقال في الجواب عنها أن المراد بالدعاء فيها هو العبادة بالمعنى الشامل كما هو لفظ الحديث الثالث فليست نصًا في محل النزاع.\rأو يقال: إن هذه الأفضلية المذكورة في هذه الأحاديث مقيدة ببعض الأحوال وليست أفضلية مطلقة في جميع الأحوال والأشخاص كما يتضح هذا مما سيأتي في القول الثالث والله أعلم.\rالقول الثالث:\rوهو القول الراجح: إن الأفضل يتنوع باعتبارات ومع ذلك إذا نظر بدون اعتبار فدعاء العبادة أفضل، فجنس الدعاء الذي هو ثناء وعبادة أفضل من جنس الدعاء الذي هو سؤال وطلب وإن كان المفضول قد يفضل على الفاضل في موضعه الخاص بسبب وبأشياء أخرى، فالمفضول له أمكنة وأزمنة وأحوال يكون فيها أفضل من الفاضل (¬١).\rقال ابن القيم ﵀: جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا، وقراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء، هذا من حيث النظر إلى الكل مجردًا، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠، وجواب أهل العلم والإيمان: ١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048486,"book_id":1098,"shamela_page_id":134,"part":"1","page_num":143,"sequence_num":134,"body":"الفاضل وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة، وكذلك التسبيح والتحميد والتشهد والذكر عقيب السلام من الصلاة، أفضل من القراءة.\rوهكذا الأذكار المقيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن مثاله أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة واستغفارًا أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار، والدعوات التي تحصنه وتحوطه.\rوكذلك أيضًا قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها بقراءة أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء لها اجتمع قلبه كله على الله تعالى، وأحدث له تضرعًا وخشوعًا وابتهالًا، فهذا قد يكون اشتغاله بالدعاء -والحالة هذه- أنفع، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجرًا (¬١).\rوالحاصل أن \"الأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه\" (¬٢).\rوقد ذكر شيخ الإسلام ضابطًا لتفاضل العبادات وتنوع ذلك ثم ذكر الأفضل المطلق فقال ﵀: \"إن الأفضل يتنوع:\r١ - تارة بحسب أجناس العبادات كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء.","footnotes":"(¬١) الوابل الصيب: ١٨٢ - ١٨٨، ومدارج السالكين ١/ ٨٨ - ٩٠، وزاد المعاد: ١/ ٢٠٦، وقريب من كلام ابن القيم كلام العز بن عبد السلام في قواعده: ٢/ ١٦٨ - ١٦٩ و ١٩٠ - ١٩١، والزرقاني على الموطأ ٢/ ٣٢، والزركشي في الأزهية ص: ٥١.\r(¬٢) مدارج السالكين: ١/ ٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048487,"book_id":1098,"shamela_page_id":135,"part":"1","page_num":144,"sequence_num":135,"body":"٢ - وتارة يختلف باختلاف الأوقات كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة.\r٣ - وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر، كما أن الذكر والدعاء في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة، وكذلك الذكر والدعاء في الطواف مشروع، وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف.\r٤ - وتارة باختلاف الأمكنة: كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة وعند الجمار وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة ونحوها، والطواف بالبيت للوارد أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل.\r٥ - وتارة باختلاف مرتبة جنس العبادة، فالجهاد للرجال أفضل من الحج وأما النساء فجهادهن الحج، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها لأبويها، بخلاف الأيمة فإنها مأمورة بطاعة أبويها.\r٦ - وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه، فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل، وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس ويتبعون أهواءهم فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبة له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربه، يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ويأمرهم بمثل ذلك، والله بعث محمدًا بالكتاب والحكمة وجعله رحمة للعباد وهديًا لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له فعلى المسلم أن يكون ناصحًا للمسلمين يقصد لكل إنسان ما هو أصلح له.\rوبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات البدنية -كالصلاة والصيام- أفضل له.\rوالأفضل المطلق ما كان أشبه بحال النبي ﷺ باطنًا وظاهرًا فإن خير الكلام كلام، الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ (¬١).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٩، و ٢٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، والرد على الإخنائي ص: ١١٥ وعنه في الصارم المنكي: ١٣٤، ونحوه في قاعدة التوسل: ٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048488,"book_id":1098,"shamela_page_id":136,"part":"1","page_num":145,"sequence_num":136,"body":"والحاصل أن الأفضلية تتنوع وأن الشخص الواحد يكون هذا له تارة أفضل وتارة هذا أفضل، ومعرفة أن هذا أفضل له ومعرفة حال كل الأشخاص وبيان الأفضل لكل أحد لا يمكن استقصاؤه ولا ضبطه بل لا بد في ذلك من هداية يهدي الله بها عبده إلى ما هو أصلح له وما صدق الله عبده إلا صنع له (¬١).\rثم إذا عرفنا هذا فلا بد من الإشارة إلى أن الأعمال المتحدة في\rالجنس تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، وتتفاضل أيضًا بتجريد المتابعة فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلًا لا يحصيه إلا الله (¬٢).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٢٢/ ٣٠٩، وجواب أهل العلم والإيمان: ١٣٨.\r(¬٢) المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص: ٣٣، ونحوه في سير أعلام النبلاء: ١١/ ٤٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048489,"book_id":1098,"shamela_page_id":137,"part":"1","page_num":146,"sequence_num":137,"body":"المبحث الثاني في أقسام الدعاء باعتبار صيغه ومتعلقاته\rويشتمل على مطلبين:\r\rالمطلب الأول: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه:\rينقسم الدعاء باعتبار صيغه إلى نوعين: طلبية وخبرية:\rفالمراد بالصيغة الطلبية ما يراد منها إنشاء الدعاء وهو ما يقابل الإخبار، وقد سبق لنا بحمد الله في التعريف أن الدعاء طلب خاص وهو طلب الأدنى من الأعلى بلا غضاضة، وليس هو طلبًا مطلقًا، والطلبية تتنوع إلى نوعين (¬١) أيضًا:\rالأول: طلب حصول الفعل وذلك في الإيجاب، وتكون الصيغة في هذا بافعَل ونحوه مثاله: ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا الأبرار [آل عمران: ١٩٣].\rالثاني: طلب عدم الوقوع، وذلك في النفي وتكون صيغته لا تفعل ونحوه مثاله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].\rوقد يجتمع النوعان في مثال واحد نحو: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ","footnotes":"(¬١) انظر إتحاف السادة للزبيدي: ٥/ ٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048490,"book_id":1098,"shamela_page_id":138,"part":"1","page_num":147,"sequence_num":138,"body":"﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨].\rوبقي نوع آخر وهو أن تكون الجملة خبرية ولكنها متضمنة للإنشاء لقصد المتكلم منها الإنشاء وذلك نحو السلام عليكم، ففي هذه الحالة تكون الجملة الدعائية متضمنة للإنشاء والإخبار فجهة الخبرية فيها لا تناقض جهة الإنشائية وذلك لأن المعنى كان حاصلًا قبل الإنشاء من غير جهة المتكلم، وليس للمتكلم إلا دعاؤه بحصوله، ومحبته، ففي السلام عليكم السلامة المطلوبة لم تحصل بفعل المُسَلَّم وليس للمسلم إلا الدعاء بها ومحبتها، فإذا قال السلام عليكم تضمن الإخبار بحصول السلامة، والإنشاء للدعاء بها وإرادتها وتمنيها (¬١).\rثم إن السبب في إطلاق الجملة الخبرية على الطلبية، تلازمهما لأنه إذا استعملت الخبرية في الطلب فإنها إنما استعملت في لازمها وجعل اللازم لقوة الطلب والإرادة له كأنه موجود محقق مخبر عنه فكان هذا طلبًا مؤكدًا ولهذا يكثر ذلك في الدعاء الذي يجتهد فيه الداعي (¬٢).\rوالخبرية تتنوع إلى ثلاثة أنواع (¬٣):\rالنوع الأول:\rما كان الدعاء بجملة خبرية أو عدة جمل خبرية تصف حال الداعي وتصف فقره، وحاجته، وتضرعه وتذلله بين يدي الله تعالى نحو قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] فقد وصف نفسه بالفقر إلى ما أنزل الله إليه من الخير، وهو متضمن","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.\r(¬٢) الفتاوى الكبرى: ٥/ ١٨٤.\r(¬٣) انظر عن هذه الأنواع وشرحها: الفتاوى: ١٠/ ٢٤٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٦ - ، ٢٧ وجلاء الأفهام ٧٩، والوابل: ١٨٢ - ١٨٦، ونحوه في شرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٤٢، والأزهية: ٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048491,"book_id":1098,"shamela_page_id":139,"part":"1","page_num":148,"sequence_num":139,"body":"لسؤال الله إنزال الخير إليه وهذا تعرض للسؤال والطلب بدون تصريح بذلك وهذا من حسن الأدب في الطلب.\rالنوع الثاني:\rما كان الدعاء بجملة خبرية أو جمل خبرية تصف حال المسؤول وتثني عليه بكرمه وجوده وتفضله وإنعامه وغوثه وإجابته للدعاء وغير ذلك. وقد تقدم بحمد الله وتوفيقه وجه كون ثناء المسؤول ومدحه ثناء وطلبًا وقول ابن عيينة وغيره في ذلك بما فيه الكفاية.\rالنوع الثالث:\rما كان الدعاء بجملة خبرية أو عدة جمل خبرية تصف حال المسؤول وحال السائل، فهذا النوع يجمع بين النوعين السابقين نحو دعوة ذي النون ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].\rأي هذه الصيغ أكمل؟:\rفهذه الأنواع لكل نوع منها خاصة (¬١) لا تكون للنوع الآخر ويكون كل نوع منها أنسب للسائل من النوع الآخر، وهذا النوع الآخر، يكون أنسب لسائل آخر وهكذا.\rوهذا يحتاج إلى فقه، وتمييز بين الحالات وتنزيل كل حال منزلته التي تليق به مثال ذلك دعوة ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، حيث كانت بصيغة الخبر بوصف حال المسؤول بالتفرد بالألوهية، ووصفه بالتنزيه والتعظيم، ووصف حال السائل بالاعتراف بالظلم وبأن ما أصابه كان بذنبه.","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048492,"book_id":1098,"shamela_page_id":140,"part":"1","page_num":149,"sequence_num":140,"body":"ولم تكن بصيغة الطلب الصريح لاستشعاره أنه مسيء ظالم وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه (¬١) بدون أن يصرح بطلبه. فهذه الأنواع كل منها أبلغ من الآخر من جهة، ففي حال الخبر بوصف الحاجة والافتقار، يكون من السؤال بالحال، وهو أبلغ من جهة العلم والبيان، ومن جهة حسن الأدب في السؤال، فقول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه أنا جائع، أنا مريض فيه حسن أدب في السؤال، وفيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال.\rوأما قوله أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو بصيغة الطلب، طلب جازم من المسؤول، ففيه الرغبة التامة والسؤال المحض، بصيغة الطلب، وهذا أظهر من جهة القصد، والإرادة فلهذا كان غالب الأدعية من هذا النوع الذي هو الطلب الصريح، لأن السائل يتصور مقصوده ومراده فيطلبه، ويسأله، فهو سؤال بالمطابقة والقصد الأول، وتصريح به باللفظ، وإن لم يكن فيه وصف لحال السائل والمسؤول (¬٢).\rوالأكمل المطلق ما كان جامعًا بين الأنواع كلها من وصف حال السائل ووصف حال المسؤول، ثم الطلب الصريح، فإنه يتضمن الخبر والعلم المقتضي للسؤال والإجابة، ويتضمن القصد والطلب الذي هو نفس السؤال، فيتضمن السؤال والمقتضي له والإجابة (¬٣).\rقال ابن القيم: \"إن الدعاء الذي يتقدمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من الدعاء المجرد، فإن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته وافتقاره واعترافه، كان أبلغ في الإجابة وأفضل، فإنه يكون قد","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٨.\r(¬٢) يراجع الفتاوى: ١٠/ ٢٤٦.\r(¬٣) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٦، وجلاء الأفهام: ٧٩، والوابل الصيب: ١٨٣، وإتحاف السادة المتقين: ٥/ ٤٢، والأزهية ص: ٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048493,"book_id":1098,"shamela_page_id":141,"part":"1","page_num":150,"sequence_num":141,"body":"توسل إلى المدعو بصفات كماله وإحسانه، وفضله، وعَرَّض بل صرح بشدة حاجته وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المقتضى منه، وأوصاف المسؤول مقتضى من الله، فاجتمع المقتضى من السائل، والمقتضى من المسؤول في الدعاء، وكان أبلغ وألطف موقعًا، وأتم معرفة وعبودية، وأنت ترى في الشاهد -والله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده، وبره، وذكر حاجته هو، وفقره، ومسكنته، كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته، فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا تنكر ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صبر معه ونحو ذلك كان أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداء: أعطني كذا وكذا\" (¬١).\rوهكذا كانت عامة أدعية النبي ﷺ فهي في الغالب تجمع هذه الأنواع كلها فلهذا ينبغي للعاقل أن لا يعدل عنها إلى غيرها، وذلك لأنه ﷺ أعطي جوامع الكلم فلا يمكن لغيره أن يأتي بمثل أدعيته ﷺ.\rمثال ذلك: قوله ﷺ لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما قال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: \"قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\" (¬٢) فقد جمع ﷺ في هذا الدعاء هذه الصيغ كلها من وصف حال السائل بالظلم، ووصف الله بالتفرد بالمغفرة ثم الطلب للمغفرة والرحمة.\rقال شيخ الإسلام ﵀: فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان","footnotes":"(¬١) الوابل الصيب: ١٨٥.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٢٢/ ٣١٧ رقم ٨٣٤، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٨ رقم ٢٧٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048494,"book_id":1098,"shamela_page_id":142,"part":"1","page_num":151,"sequence_num":142,"body":"المقتضي للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب\" (¬١).\r\rالمطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقاته:\rينقسم الدعاء باعتبار متعلقاته إلى ثلاثة أقسام:\r١ - أقسام الدعاء باعتبار الداعي.\r٢ - أقسام الدعاء باعتبار المدعو المطلوب منه.\r٣ - أقسام الدعاء باعتبار الشيء المطلوب.\rوجه الحصر في هذه الأقسام الثلاثة:\rوجه الحصر في هذه الأقسام هو أن متعلق الدعاء ثلاثة:\r١ - الداعي الطالب للحاجة.\r٢ - المدعو المطلوب منه.\r٣ - المدعو به المطلوب.\rوكل هذه الأقسام الثلاثة تنقسم إلى أربعة أقسام، وإليك تفصيل هذه الأقسام:\rأقسام الدعاء باعتبار الداعي:\rقد سبق أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء استعانة، فالداعي إما أن يتصف بهما معًا أو يتصف بأحدهما دون الآخر، أو يتركهما جميعًا، فهذه أربعة أقسام وهي القسمة الممكنة في العقل.\rوقد جمع الله بين هذين الأصلين العبادة والاستعانة اللذين أحدهما غاية العبد التي خلق من أجلها والآخر وسيلة إليها في مواضع (¬٢) من","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٢٤٧، وانظر جلاء الأفهام: ٧٩ - ٨٠، والوابل الصيب: ١٨٦.\r(¬٢) انظر في هذا: جامع الرسائل: ١/ ٩١، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٩٤، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٥ - ١٦٦، والفتاوى: =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048495,"book_id":1098,"shamela_page_id":143,"part":"1","page_num":152,"sequence_num":143,"body":"كتابه، منها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى حكاية عن العبد الصالح شعيب ﵇ قوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، وقول إبراهيم والذين معه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقوله سبحانه إذ أمر رسوله ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، كما أمره بهما في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].\rومع كون هذين الأصلين يوجدان في البشر إلا أن الأصل الذي هو الاستعانه هو الأكثر فيهم لأن علم النفوس البشرية بحاجتها وفقرها إلى الرب قبل علمها بحاجتها وفقرها إلى الإله المعبود، كما أن قصدها لدفع حاجاتها العاجلة قبل الآجلة، ولهذا كان إقرارهم بالربوبية أسبق من الألوهية كما هو معروف من دعوة الرسل ومن الإخلاص في وقت الشدائد (¬١).\rوهذان الأصلان كلاهما ملازمان للإنسان، وذلك لأن الإنسان حساس متحرك بالإرادة فهو همام حارث بل كل حي له إحساس وعمل بإرادة ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصله.\rفلهذا فلا بد لكل إنسان من إرادة ولا بد لكل مريد من مستعان به مدعو ومسؤول يستعان به على تحصيل المراد المطلوب.","footnotes":"= ١٤/ ٨ - ٩، والتدمرية ص: ٦٣، ومدارج السالكين: ١/ ٧٥، وإغاثة اللهفان: ١/ ٢٣ - ٢٤، وذكر أنها سبعة مواضع ونحوه في طريق الهجرتين ص: ٥٦ - ٢٥٦.\r(¬١) الفتاوى: ١٤/ ١٤، والعبودية: ١٠٨ - ١٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048496,"book_id":1098,"shamela_page_id":144,"part":"1","page_num":153,"sequence_num":144,"body":"وهذا المستعان به إذا كان مستعانًا به لذاته فلا بد أن يذل له الطالب السائل ويحبه، ويعتمد عليه ويرجوه ويخافه وينقاد له، فيكون هو الغاية المطلوبة لهذا الإنسان، فيكون هو معبوده ومقصوده والمستعان به (¬١).\rفتبين بهذا العلاقة التي بين العبادة والاستعانة، وأنه لا بد لكل إنسان في كل وقت وحال من منتهى يطلبه وهو إلهه ولا بد له أيضًا من منتهى يطلب منه ويستعين به وذلك صمده الذي يصمد إليه في سؤاله واستعانته (¬٢).\rومن هنا يظهر لنا تلازم العبادة والاستعانة للإنسان وأن أحدهما وسيلة والآخر غاية، ثم الإنسان في هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة الممكنة، إما أن يأتي بهما جميعًا وإما أن يأتي بالعبادة فقط وإما أن يأتي بالاستعانة فقط وإما أن يتركهما جميعًا (¬٣).\rفهذه الأحوال الأربعة هي القسمة الممكنة في الإنسان، وهي أيضًا متفاوتة:\rالقسم الأول:\rوهو أجلّها وأفضلها وهم أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادةُ الله غايةُ مرادهم، وطلبهم أن منه يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها نهاية مقصودهم، ولهذا كان من أفضل ما يُسأل الربُّ ﵎ الإعانةُ على مرضاته، وهو الذي علمه النبي ﷺ لحبه معاذ بن جبل ﵁ فقال: \"يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنسَ أن تقول دبر كل صلاة اللهم","footnotes":"(¬١) كتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٥٨ - ١٥٩، أو الفتاوى: ١/ ٣٤، والعبودية ص: ١١٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ٣٥، ٢٢ وطريق الهجرتين ص: ٥٥.\r(¬٢) كتاب التوحيد ١٦٠، أو الفتاوى: ١/ ٣٦، وإغاثة اللهفان: ١/ ٣٥، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٩٣، والعبودية: ١٠٨ - ١٠٩.\r(¬٣) كتاب التوحيد: ١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048497,"book_id":1098,"shamela_page_id":145,"part":"1","page_num":154,"sequence_num":145,"body":"أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\" (¬١)\rفأنفع الدعاء: طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه (¬٢).\rالقسم الثاني: وهو شر الأقسام:\rوهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة، ولا استعانة، فلا هو مع الشريعة الأمرية، ولا مع القدر الكوني (¬٣).\rوهؤلاء \"فريقان: أهل دنيا، وأهل دين، فأهل الدين منهم هم أهل الدين الفاسد الذين يعبدون غير الله، ويستعينون غير الله بظنهم وهواهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].\rوأهل الدنيا منهم الذين يطلبون ما يشتهونه من العاجلة بما يعتقدونه من الأسباب\" (¬٤).\rفهؤلاء أهل الدنيا يظنون أن الأسباب هي القادرة وحدها على تحصيل مسبباتها فلهذا فلا يطلبون العون من خالق الأسباب لهذا الظن الفاسد.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٨٠ رقم ١٥٢٢، والنسائي: ٣/ ٤٥، وأحمد في المسند: ٥/ ٢٤٥، ٢٤٧، وابن خزيمة في صحيحه: ١/ ٣٦٩ رقم ٧٥١، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ٣٠٤ رقم ٠٧٨٤٦\r(¬٢) مدارج السالكين: ١/ ٧٨، وتجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص: ٣٧ وهو منقول من ابن القيم بدون الإشارة إليه، وانظر ما يتعلق بالأدعية الواردة في طلب الإعانة على مرضاة الله في الاحتجاج بالقدر لابن تيمية: ٤٥ - ٤٨.\r(¬٣) مدارج السالكين: ١/ ٧٨، وتجريد التوحيد المفيد: ٣٨ والفتاوى: ١٠/ ٦٧٢، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٩، والتدمرية: ٦٤.\r(¬٤) كتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٩ - ١٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048498,"book_id":1098,"shamela_page_id":146,"part":"1","page_num":155,"sequence_num":146,"body":"القسم الثالث:\rله من نوع عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان: (¬١)\rأحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها، وتعريف الطريق وإرسال الرسل وتمكينه من الفعل فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة يسأله إياها، فهؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة ولكنهم لا يطلبون من الله الإعانة عليها، ولا يطلبون منه صلاح قلوبهم ولا هدايتها، فلهذا هم موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة.\rالنوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، فلم تنفذ قوى بصائرهم من السبب إلى المسبب، فضعفت عزائمهم، وقصرت هممهم، فقل نصيبهم من الاستعانة.\rومشكلة أهل هذا القسم أنهم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة شاهدين لإلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه، ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر، والتوكل والاستعانة. وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره، يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان، لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوي العبد وتيسر عليه الأمور ولهذا قال بعض السلف: \"من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله (¬٢) \" (¬٣).","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ١/ ٨١، وتجريد التوحيد المفيد: ٤٠، والفتاوى: ١٣/ ٣٢٣، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٧ - ١٦٨.\r(¬٢) هذا الأثر قد روي مرفوعًا من طريق ضعيف رواه كذلك ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل ص: ٦٠ رقم ٩، والحاكم: ٤/ ٢٧٠، وضعفه الذهبي في تلخيصه، وانظر بقية الكلام على طرقه في تخريج الدوسري لكتاب التوكل لابن أبي الدنيا ص: ٦٠.\r(¬٣) الفتاوي: ١٠/ ٣٢ - ٣٣، والتدمرية: ٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048499,"book_id":1098,"shamela_page_id":147,"part":"1","page_num":156,"sequence_num":147,"body":"القسم الرابع:\rمن\rلا يعبد الله تعالى، ولكنه يستعين به على أهوائه وحظوظ نفسه وشهواته، وأغراضه، ويطلبها منه، وينزلها، به فتقضى له، ويسعف بها، سواء كانت أموالًا أو رياسة أو جاهًا عند الخلق أو أحوالًا من كشف، وقوة، وتمكين، ولكن لا عاقبة له (¬١)\rوهؤلاء يشهدون ربوبية الله للخلق وافتقارهم إليه ويستعينون به غير ناظرين إلى الأمر والنهي ومرضاة الله ومحبته وغضبه، وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة.\rوليس الكلام في الكفار والظلمة المعرضين عن الله فإن هؤلاء دخلوا في القسم الثاني الذين لا عبادة لهم ولا استعانة، ولكن الكلام في قوم عندهم توجه إلى الله وتأله ونوع من الخشية والذكر والزهد، ولكن يغلب عليهم التوجه بإرادة أحدهم وذوقه ووجده، لا بالأمر الشرعي وهم أصناف:\rمنهم المعرض عن التزام العبادات مع ما يحصل له من الشياطين من كشف له أو تأثير، وهؤلاء كثيرًا ما يسلبون أحوالهم، وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق، بل كثير منهم يرتد عن الإسلام لأن العاقبة للتقوى، وهم لا تقوى لهم (¬٢).\rومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة والصيام والحج، وترك المحرمات، لكن في أعمال القلوب لا يلتزم الأمر الشرعي، بل يسعى لما يحبه ويريده والله تعالى قال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠].","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ١/ ٨٢، وتجريد التوحيد: ٤١، والفتاوي: ٣/ ١٢٥، وكتاب التوحيد مع إخلاص العمل ص: ١٦٨.\r(¬٢) الفتاوى: ١٠/ ٣٣ - ٣٤، و ١٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048500,"book_id":1098,"shamela_page_id":148,"part":"1","page_num":157,"sequence_num":148,"body":"وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها ولكن لما لم تكن عونًا له على مرضاته، كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونًا على طاعته، كان مبعدًا له عن مرضاته، قاطعًا له عنه، وذلك أن الله سبحانه يعطي السلطان والمال للبر والفاجر، فقد يعطي أحد هؤلاء تصرفًا إما بقهر عدوه، وإما بنصر وليه كما تعطي الملوك وقد يعطي نوعًا من له، المكاشفة إما بإخبار الجن له، وقد يعرف أنه من الجن وقد لا يعرف، وإما بغير ذلك (¬١).\rأنواع الدعاء باعتبار متعلقه الذي هو المدعو:\rفالدعاء باعتبار تعلقه بالمدعو يتنوع إلى أربعة أنواع أيضًا وذلك لأن المدعو بدعاء المسألة يكون تارة هو المدعو بدعاء العبادة، فيكون هو المسؤول وهو المعبود معًا وهذا المدعو المسؤول إما هو الله أو غيره أو يختلفان، فهذه أربعة (¬٢) أنواع وإليك تفصيلها:\r١ - أن يعبد غير الله ويستعين به ويدعوه من دون الله تعالى، وهذا أشر الأقسام. وذلك كالذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك ويطلبون منهم الحاجات ويفزعون إليهم في النوائب.\r٢ - أن يعبد الله ولكنه يستعين بغيره مثل كثير من أهل الدين يقصدون طاعة الله ورسوله، ولكن تخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم من الملوك والأغنياء والمشايخ، فيصرفون استعانتهم لهؤلاء ويرجونها منهم.\r٣ ـ أن يستعين بالله ويدعوه ويخلص له في الدعاء والاستعانة ولكنه","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥، ومدارج السالكين: ١/ ٧٩.\r(¬٢) انظر في هذه الأنواع: كتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٦٠ - ١٦١، أو الفتاوى: ١/ ٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048501,"book_id":1098,"shamela_page_id":149,"part":"1","page_num":158,"sequence_num":149,"body":"يعبد غيره كالذين يستعينون بالله ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجأون إليه ولكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته. وهذا كما يحصل من المشركين الأوائل عند الشدائد حيث كانوا يدعون الله تعالى في الشدائد مع عبادتهم للأصنام في الرخاء.\r٤ - أن لا يعبد إلا الله ولا يستعين إلا به ولا يدعو غيره وهم أهل التوحيد الخالص الذين أخلصوا دينهم الله.\rويتنوع الدعاء باعتبار المدعو أيضًا إلى أربعة أنواع أخرى وهي:\r١ - أن يسأل الله تعالى فقط.\r٢ - أن يسأل المخلوق فقط.\r- أن يسألهما جميعًا.\r٤ - أن يسأل سؤالًا مطلقًا ولا يعين فيه المسؤول.\rوسيأتي (¬١) ما يتعلق بهذه الأقسام من ناحية الحكم إن شاء الله تعالى.\rأنواع المدعو به:\rتدور مطالب جنس البشر وأمنياتهم وأدعيتهم وأسئلتهم على أربعة مطالب فهي أمهات مطالب السائلين من رب العالمين:\rالأول: خير موجود بالفعل، فهذا يطلب دوامه وثباته، وأن لا يسلب ولا يزول.\rوالثاني: خير، معدوم، فهذا يطلب وجوده، وحصوله ووقوعه.\rوالثالث: شر موجود بالفعل، فهذا يطلب رفعه وإزالته، أو تخفيفه على الأقل.","footnotes":"(¬١) سيأتي ص: ٤٨٣ - ٥١٦، وانظر الرد على البكري ٣٥ - ٣٦ و ٥٥ و ١٢١، وجلاء العينين: ٥٣٩ - ٥٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048502,"book_id":1098,"shamela_page_id":150,"part":"1","page_num":159,"sequence_num":150,"body":"والرابع شر معدوم يخاف من وقوعه فهذا يطلب بقاؤه على العدم وأن لا يوجد.\rوقد جاءت هذه المطالب الأربعة في قوله تعالى حكاية عن دعاء عباده في آخر آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، فهذا الطلب لدفع الشر الموجود فإن الذنوب والسيئات شر، ثم قال: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ فهذا طلب لدوام الخير الموجود وهو الإيمان حتى يتوفاهم عليه فهذا قسمان.\rثم قال: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه، ثم قال: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم وهو خزي يوم القيامة.\rفانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام، مرتبة أحسن ترتيب، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا، وهما المغفرة، ودوام الإسلام إلى الموت، ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة، وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله وأن لا يخزيهم يوم القيامة (¬١)\rفهذه هي مطالب الإنسان التي يريدها ويتمناها ويسألها من ربه ولا تخرج مطالبه في الجملة عن هذه الأنواع الأربعة.\rوقد تقدم لنا (¬٢) أن الدعاء يطلق على الأنواع الأربعة، وأن الاستعاذة والاستجارة والاستغفار لا تطلق إلّا على جانب الشر، أي النوع الثالث والرابع، وأن اللياذ لا يطلق إلا على جانب الخير أي الأول والثاني عند بعض العلماء وعند البعض يُطلق على جانب الشر، وأما السؤال فيطلق في جانب الخير فقط.","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨، وطريق الهجرتين ص: ٥٥.\r(¬٢) تقدم ص: ٨٨ - ٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048503,"book_id":1098,"shamela_page_id":151,"part":"1","page_num":161,"sequence_num":151,"body":"الفصل الثالث في آداب الدعاء والإجابة وأنواعها\rويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث:\r- المبحث الأول: في آداب الدعاء العدمية التي يطلب انتفاؤها وعدمها.\r- المبحث الثاني: في آداب الدعاء الثبوتية التي يطلب ثبوتها ووجودها.\r- المبحث الثالث: في الإجابة وأنواعها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048504,"book_id":1098,"shamela_page_id":152,"part":"1","page_num":163,"sequence_num":152,"body":"التمهيد\rويشتمل على تنبيهين:\r١ - التنبيه الأول: في السبب المانع من التوسع في هذا الفصل:\rإن آداب الدعاء وما ينبغي أن يتصف به الداعي من الصفات والأحوال كثيرة جدًا وقد توسع العلماء في ذكر ذلك حيث ذكروا الآداب التي ينبغي للداعي أن يلتزم بها وبينوا ما في ذلك من الأسرار والحكم كما بيّنوا كل خصلة من خصال تلك الآداب، بيّنوا دليلها من الكتاب والسنة وآثار السلف، كما بيّنوا أوقات الدعاء التي ترجى فيها الإجابة والأماكن الفاضلة التي هي أرجى من غيرها، وبيّنوا الأحوال والأوصاف التي هي أرجى من غيرها، كما بيّنوا ألفاظ الأدعية الواردة المطلقة منها والمقيدة بزمان أو مكان أو حال وشرحوا معانيها وما تحمل من أسرار وحكم وابتهالات وعبر ودروس وتنزيه وتقديس الله تعالى، وكذلك بيّنوا ما يتعلق بالإجابة وما يلزم لها وموانعها.\rكل ذلك بأدلة ثابتة من الكتاب والسنّة وآثار السلف وأقوال العلماء.\rفمن العلماء من أفرد هذه الأمور بمؤلف مستقل، وهم كثيرون جدًا (¬١).\rومنهم من ذكر هذه الأمور في ضمن كتابه المشتمل على موضوعات","footnotes":"(¬١) قد تتبعت المؤلفات في الأدعية إلى القرن السادس فبلغت نحو ٦٠ مؤلفًا مستقلًا، وأما بعد القرن السادس فهي كثيرة جدًا، يصعب استقصاؤها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048505,"book_id":1098,"shamela_page_id":153,"part":"1","page_num":164,"sequence_num":153,"body":"شتى كأصحاب الكتب الستة وغيرها من السنن والمعاجم والمسانيد.\rفهذا هو أحد الأسباب التي منعتني من استقصاء ما في هذا الفصل من الكلام والسبب الثاني: أن المسائل المتعلقة بهذا الفصل هي من المسائل التي يتفق عليها كثير من علماء المسلمين، والاختلاف والمناقشة فيها قليلة إذا قارنا بما يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني والثالث والرابع.\rومن هنا لم أتوسع في هذا الفصل ولكن مع هذا العذر فإني أرى لزامًا عليّ أن أبيّن بعض آداب الدعاء بالإيجاز والاختصار بدون استقصاء والله المستعان وعليه التكلان.\rالتنبيه الثاني: في عبارات المؤلفين وتسمياتهم لهذه الآداب:\rإن العلماء الذين تكلموا عن هذه الآداب قد اختلفت عباراتهم وإطلاقاتهم، فمنهم من سمى هذه الآداب شروطًا (¬١)، ومنهم من سماها آدابًا (¬٢)، ومنهم من سمى بعضها أركانًا (¬٣)، ومنهم من سمى بعضها شروطًا","footnotes":"(¬١) فممن سماها شروطًا: ابن جماعة محمد بن إبراهيم الكناني المتوفى سنة ٧٣٣ هـ، فقد قال في ذلك شعرًا:\rقالوا شروط الدعاء المستجاب لنا … عشر بها بشر الداعي بإفلاح\rطهارة وصلاة معها ندم … وقت، خشوع، وحسن الظن يا صاح\rوحل قوت ولا يدعى بمعصية … اسم يناسب مقرون بإلحاح\rذكره عنه السبكي في طبقات الشافعية: ٩/ ١٤٢، وسمى الحافظ ابن حجر: طيب المطعم وعدم الاستعجال وعدم الإثم والقطيعة شرطًا كما في الفتح: ١١/ ٩٦، ومنهم أيضًا القرطبي في جامع الأحكام: ٢/ ٣١١، ومنهم سهل بن عبد الله التستري فإنه قال شروط الدعاء سبعة كما في الجامع للقرطبي: ٢/ ٣١١، ومنهم الرازي في التفسير: ١٤/ ١٤١.\r(¬٢) وممن سماها آدابًا: الغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦١ - ٣٦٥، وابن الجزري في عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٣.\r(¬٣) منهم ابن عطاء الله الإسكندراني فإنه قال: \"للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات … فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله … كما في نبذة في الدعاء لليافعي ص: ٢١، وجامع الأحكام للقرطبي: ٢/ ٣١١، ومنهم الحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٢ على ما في النسخة المطبوعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048506,"book_id":1098,"shamela_page_id":154,"part":"1","page_num":165,"sequence_num":154,"body":"وبعضها سننًا (¬١)، ومنهم من سمى بعضها شروطًا وبعضها آدابًا (¬٢).\rهذا ومما ينبغي التفطن له أن هذه الآداب ليست على مرتبة واحدة بالنسبة لأهميتها للدعاء فبعضها أهم من بعض فهذا هو السبب لاختلاف عبارات المؤلفين فيها، ومما يدل على تفاوت مراتب تلك الآداب أن بعض ما ورد من الأحاديث ربما يدل بظاهره على أن بعض تلك الآداب شرط حقيقي مثل ما يأتي في التلبس بالحرام.\rوقد ذكر الزبيدي هذه المسألة عندما عنون الغزالي: \"آداب الدعاء\" قال الزبيدي: وقد ذكر فيها ما يصلح أن يكون شرطًا له، ولم يميز المصنف بين الأدب والشرط هنا كما فعل الحليمي في المنهاج وغيره ونحن نشير إلى ذلك (¬٣) ونقل عن ابن الجزري بعض الآداب ثم قال: \"وبعض ذلك يعد شرطًا\" (¬٤)، ثم عندما ذكر المصنف التوبة ذكر حديث الرجل يطيل السفر … فأنّى يستجاب له، قال: \"ويؤخذ من هذا الحديث أن هذا شرط لا أدب. قال الطرطوشي: من آدابه أكل الحلال ولعله من شروطه\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) منهم الخطابي في كتابه شأن الدعاء ص: ١٣ فإنه قال فإن من شرائط صحته أن يكون ذلك من العبد بإخلاص نيته وإظهار فقر ومسكنة، فذكر أمورًا ثم قال: \"ومن سنته أن يرفع إلى الله ﷿ يديه باسطًا كفيه. . .\".\r(¬٢) منهم الحليمي في كتابه المنهاج في شعب الإيمان حيث ذكر ١١ شرطًا في: ١/ ٥٢٢، ٥٢٤ - ٥٣٠، ثم عد خصالًا أخرى تبلغ ١٥ خصلة فسماها آدابًا: ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤ و ٥٣٠ - ٥٣٩. ومما ينبغي التنبيه عليه أن الذي في النسخة المطبوعة وهي سقيمة جدًا وفيها تحريف وتصحيف أن الحليمي سماها أركانًا بدل الشروط لكن الزركشي والزبيدي نقلا عن الحليمي هذه الشروط وذكرا أنه سماها شروطًا وهذا يؤيد احتمال التحريف، انظر الأزهية ٥٧، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٤، ٤٤، وممن سلك هذا المسلك الطرطوشي في كتابه الدعاء ص ٤٤، ٥٧.\r(¬٣) إتحاف السادة: ٥/ ٣١.\r(¬٤) المرجع نفسه: ٥/ ٤٤.\r(¬٥) المرجع نفسه: ٥/ ٤١، وانظر كلام الطرطوشي في كتابه الدعاء المأثور وآدابه ص: ٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048507,"book_id":1098,"shamela_page_id":155,"part":"1","page_num":166,"sequence_num":155,"body":"وأما الحليمي فقد ذكر بعض هذه الآداب وسماها أركانًا، والركن ما لا يتم الشيء إلا به وهو أهم من الشرط لأن الشرط خارج الماهية، وأما الركن فداخل في الماهية لكن الذي في شرح الإحياء للزبيدي وفي الأزهية للزركشي (¬١) يفيد أن الحليمي عبر بالشروط لا بالأركان وهو الأقرب.\rوقد عد الحليمي أحد عشر شرطًا (¬٢) فالبعض من هذه الشروط التي ذكرها يمكن أن يعد من قبيل الشرط الحقيقي والبعض الآخر من قبيل الآداب، فالذي يعد من الشروط هو ألا يكون المسؤول بالدعاء ممتنعًا عقلًا ولا عادة كإحياء الموتى ورؤية الله في الدنيا وهذا يمكن عده شرطًا كما سيأتي في مبحث الاعتداء وأما غير ذلك مما سماه شرطًا أو ركنًا فكله من الآداب.\rوالذي يظهر بعد تأمل ما ذكروه من الشروط أو الآداب أن الأولى تسميتها آدابًا، وأما تسميتها شروطًا فمن باب المسامحة في التعبير أو من باب التغليب لأن بعضها يمكن أن يعد شرطًا بالمعنى الاصطلاحي كبعض الأمثلة التي تذكر في الاعتداء، والذي يرجح تسميتها آدابًا عدة أمور:\rالأول: إن حد الشرط المصطلح عليه لا ينطبق عليها إذ معنى الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود (¬٣) كالوضوء للصلاة.\rومن المعروف أن هذه الآداب لا يلزم من عدم بعضها عدم إجابة الدعاء ويوضح هذا الأمرُ التالي:","footnotes":"(¬١) الأزهية ص: ٥٧، وإتحاف السادة: ٥/ ٤٤.\r(¬٢) المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣، وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٤٤.\r(¬٣) انظر عن هذا في كتب الأصول: روضة الناظر: ١/ ١٦٢، والأحكام للآمدي: ١/ ١٢١، والأحكام لابن حزم: ١/ ٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048508,"book_id":1098,"shamela_page_id":156,"part":"1","page_num":167,"sequence_num":156,"body":"الثاني: إن إجابة الدعاء من مقتضى ربوبية الله تعالى لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فهو يربيهم بالنعم، ومنها إجابة دعائهم وقضاء حوائجهم.\rوهذا يقتضي أن الله ﷾ يجيب دعاء الفاسق والعاصي والكافر فليس شرطًا أن يكون الداعي من المخلصين.\rفمن هنا نقول: إن الإخلاص لله تعالى في الدعاء من الآداب المهمة لرجاء قبول الدعاء ومع هذا فقد يجيب الله تعالى في النادر لمن دعا غيره أو دعا دعاء بدعيًا كمن يدعو عند الأضرحة بخشوع واضطرار، وذلك إما استدراجًا وابتلاء وإما لاضطراره أو خشوعه وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالي (¬١).\rومن ذلك التوبة فهي من أهم الآداب التي تطلب للداعي ومع ذلك فقد يقبل الله دعاء العاصي والفاسق والكافر بل إبليس لما دعا الله تعالى أجابه الله، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].\rومن آكد الآداب عدم التلبس بالحرام، لأن التلبس بالحرام من موانع الإجابة ولكن قد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه كما قاله ابن رجب ﵀ (¬٢)، ونحوه قول الشوكاني: \"إن ملابسة المعصية مقتضية لعدم الإجابة إلا إذا تفضل الله على عبده، وهو ذو الفضل العظيم\" (¬٣).\rالثالث: إن بعض العلماء أشاروا إلى عدم لزوم بعضها لإجابة الدعاء، وأن الدعاء جائز بدونها، وأنها آداب مكملة، وأنها أرجى للإجابة وهؤلاء إنما ذكروا ذلك في بعضها، وما لم يذكروا فيه فهو مثل الذي ذكروا، لأنها من باب واحد إلّا أن بعض ما ذكر فيما يتعلق بالشرط الذي","footnotes":"(¬١) سيأتي ص ٨١٤.\r(¬٢) جامع العلوم والحكم ص: ١٠٠.\r(¬٣) تحفة الذاكرين ص: ٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048509,"book_id":1098,"shamela_page_id":157,"part":"1","page_num":168,"sequence_num":157,"body":"هو عدم الاعتداء قد يعد من الشرط الحقيقي وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى.\rومن هؤلاء العلماء البخاري فيما يتعلق باستقبال القبلة، فإنه عقد أولًا باب الدعاء غير مستقبل القبلة فأورد ما يدل على ذلك وهو حديث أنس بن مالك في استسقاء النبي ﷺ في خطبة الجمعة، ثم عقد ثانيًا باب الدعاء مستقبل القبلة فذكر حديثًا يدل على ذلك (¬١).\rومنهم أبو عبد الله الحليمي فإنه ذكر الآداب التي للدعاء والأحوال والمواطن ثم قال: \"إنها أسباب تقوي الرجاء بالله جل ثناؤه وفي إجابة الدعاء، لا أن الدعاء لا يقبل إلَّا عندها فمن عرضت له حاجة في غيرها فلا ينبغي له أن يمتنع من الدعاء خيفة الرد، بل يدعو قوى الرجاء، حسن الظن بالله تعالى فإنه يستجيب دعاءه بجوده وكرمه\" (¬٢).\rومنهم القرطبي فإنه ذكر الاختلاف في رفع اليدين في الدعاء ثم قال: \"قلت: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله ﷿، والتذلل له والخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي ﷺ حسبما ورد في الأحاديث، وقد قال تعالى: ا ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولم يزد صفة من رفع يدين وغيرها وقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر، وقد دعا النبي ﷺ في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة\" (¬٣).\rونحو كلام القرطبي هذا ما ذكره المناوي من أن عدم رد الله تعالى","footnotes":"(¬١) انظر البخاري مع الفتح: ١١/ ١٤٣ - ١٤٤ باب رقم ٢٤ ورقم ٢٥.\r(¬٢) المنهاج في شعب الإيمان: ١/ ٥٤٠.\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048510,"book_id":1098,"shamela_page_id":158,"part":"1","page_num":169,"sequence_num":158,"body":"للدعاء لا يتوقف على الرفع إذا توافرت الشروط (¬١) ويريد بهذا أن الرجل لو لم يرفع يديه ولكنه خشع وأخلص .. إلخ، قد تجاب دعوته وأن الإجابة ليست متوقفة على الرفع وكأن المناوي يرى أن بعضها شرط حقيقي والله أعلم.","footnotes":"(¬١) فيض القدير: ٢/ ٢٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048511,"book_id":1098,"shamela_page_id":159,"part":"1","page_num":170,"sequence_num":159,"body":"المبحث الأول في آداب الدعاء العدمية\rللدعاء آداب كثيرة تتنوع إلى عدة أنواع باعتبارات شتى ونظرات مختلفة، فيمكن تقسيمها باعتبار إلى ظاهرية وباطنية، وباعتبار إلى عدمية ووجودية، أو يقال إلى سلبية وإيجابية، وباعتبار آخر إلى آداب تتعلق بالداعي وأخرى بالدعاء وأخرى بالمدعو فيه، ولاختلاف هذه الاعتبارات اختلفت عبارات العلماء في تقسيمها.\rفقد قسمها القرطبي بالنظر إلى ما يطلب للداعي أو للدعاء أو المدعو به، فذكر مما يطلب للداعي:\r\"أن يكون عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره\" (¬١).\rفهذا الشرط داخل في الإخلاص في التقسيم الذي ذكرناه فإن هذا العلم يقتضي أن يخلص الداعي في دعائه وأن لا يدعو إلا الله تعالى على وفق سنة نبيه ﷺ.\rثم ذكر من الشروط في الداعي:\r- أن يدعو بنية صادقة وحضور قلب.","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١١ - ٣١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048512,"book_id":1098,"shamela_page_id":160,"part":"1","page_num":171,"sequence_num":160,"body":"- وأن يكون مجتنبًا لأكل الحرام.\r- وأن لا يمل من الدعاء.\rوذكر من شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا بأن لا يكون فيه إثم أو قطيعة رحم.\rوذكر من شروط الدعاء أن يكون سليمًا من اللحن.\rوقد أشار الغزالي في الإحياء وتابعه شارحه الزبيدي إلى انقسامها إلى ظاهرية وباطنية حيث قال الغزالي عند ذكر التوبة: \"وهو الأدب الباطن\" (¬١)، وقال الزبيدي عند قول الغزالي وهي عشرة: \"تسعة منها ظاهرة والعاشر أدب باطني\" (¬٢).\rوأما الزركشي فقد قسمها أيضًا إلى ظاهرة وباطنة ثم ذكر من الباطنة التوبة وحضور القلب والثقة بالله، والخيفة، والتضرع، وقرع النفس بالتخويف والتفويض إلى الله، وقطع النظر عمن سواه، واجتناب المحرمات، والتعفف عن الشبهات، وتجنب اليأس من الإجابة.\rثم ذكر الآداب الظاهرة فذكر الصدقة والصوم والطهارة والصلاة واستقبال القبلة والتطيب بالطيب وخفض الصوت ورفع الأيدي والتعميم وتقديم الثناء والصلاة على النبي ﷺ (¬٣).\rالآداب العدمية:\rوهذه التقسيمات السابقة متداخلة وليس بينها تناف وتضاد وإنما هي اصطلاحات فقط، فلهذا يمكن لنا تقسيمها إلى الآداب العدمية والآداب الثبوتية، ونبدأ بذكر آداب الدعاء العدمية قبل الثبوتية وذلك لأن التخلية","footnotes":"(¬١) الإحياء: ١/ ٣٦٥.\r(¬٢) إتحاف السادة: ٥/ ٣١.\r(¬٣) انظر الأزهية: ١٠٨ - ١٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048513,"book_id":1098,"shamela_page_id":161,"part":"1","page_num":172,"sequence_num":161,"body":"قبل التحلية، ولأن هذه الآداب العدمية أهم من أكثر الآداب الثبوتية لأن العدمية ورد فيها ما يدل على أنها سبب لمنع قبول الدعاء وأن الدعاء يرد بها، وأما الثبوتية فالوارد في أغلبها إنما هو الحث عليها والأمر بها. وقد علم أن باب المنهيات أشد من باب المأمورات كما يدل عليه حديث: \"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه\" (¬١).\rفالآداب العدمية خمسة:\r١ - عدم الاعتداء.\r٢ - عدم التلبس بالحرام.\r٣ - عدم الاستعجال.\r٤ - عدم التعليق.\r٥ - عدم الغفلة.\rثم إن هذه الآداب العدمية: الخصلة الواحدة منها لها اعتبارات عدة، فباعتبار هي سبب لمنع إجابة الدعاء حيث يعتبر وجودها سببًا لمنع إجابة الدعاء، وباعتبار آخر فهي سبب لإجابة الدعاء وذلك باعتبار عدمها.\rولهذا عدها بعضهم في موانع الإجابة ولم يعدها في آداب الدعاء (¬٢)، والحاصل أن هذه اعتبارات واصطلاحات ولا مشاحة في الاصطلاح.\rوبعد هذا الإجمال إليك هذه الآداب مفصلة بإيجاز.\rمن آداب الدعاء: عدم الاعتداء:\rتعريف الاعتداء:\rهذه المادة تدل على \"تجاوز في الشيء وتقدم لما ينبغي أن يقتصر","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ١٣/ ٢٥١ رقم ٧٢٨٨، ومسلم: ٢/ ٩٧٥ رقم ١٣٣٧.\r(¬٢) انظر جوامع العلوم ص: ١٠٠ ذكر أن التلبس بالحرام من موانع الإجابة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048514,"book_id":1098,"shamela_page_id":162,"part":"1","page_num":173,"sequence_num":162,"body":"عليه والتعدي: تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه والاعتداء مشتق من العدوان\" (¬١).\rوقد حذر الله تعالى من الاعتداء عمومًا في كل شيء، ونهى عن الاعتداء في الدعاء خصوصًا، فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].\rفالاعتداء في الآية وإن كان يشمل كل اعتداء إلا أنه لوروده بعد الأمر بالدعاء يدل بصفة خاصة على أهمية عدم الاعتداء في الدعاء، وأن الدعاء الذي يتضمن الاعتداء لا يحبه الله ولا يرضاه فهو إذن لا يستجيب له، هذا ويشمل الاعتداء في الدعاء أمورًا منها:\rأ - الشرك بالله تعالى في الدعاء فإن أعظم العدوان هو الشرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها فهذا العدوان داخل دخولًا أوليًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (¬٢).\rفصرف الدعاء الذي هو من أهم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى إلى التقرب به لعبد فقير لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فهذا الصرف \"من أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان\" (¬٣).\rفمن اعتدى في الدعاء بدعائه لغير الله تعالى سواء دعاه مستقلًا أو دعاه ليكون واسطة فقد ارتكب إثمًا عظيمًا وأبعد نفسه عن رحمة الله تعالى بصرفه لخالص رجائه ورغباته وتوجهاته لغير الله تعالى، فالذين يدعون غير الله تعالى ويرجون قبول دعائهم فقد ضلوا الطريق الصحيح لقبول الدعاء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].","footnotes":"(¬١) معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٣٤٩.\r(¬٢) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.\r(¬٣) الرد على البكري ص: ٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048515,"book_id":1098,"shamela_page_id":163,"part":"1","page_num":174,"sequence_num":163,"body":"ب - من الاعتداء الذي تشمله الآية الابتداع في الدعاء، فإن الدعاء عبادة وهي توقيفية، فمن ابتدع عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فقد اعتدى طوره واعتدى على حق الله الذي هو التشريع.\rثم إنه عَبَدَ الله بما لم يشرعه وتقرب إليه بما لم يأذن به وسأل الله تعالى بما لم يأذن له بسؤاله به (¬١).\rجـ - من الاعتداء في الدعاء: سؤال الله تعالى ما لا يجوز له سؤاله (¬٢)، وهذا يتصور في أشياء:\r١ - سؤاله ما لا يليق به مثل منازل الأنبياء، وقد فسر بعض السلف الآية بذلك (¬٣).\rويدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء\" (¬٤).\rوإنما أنكر عبد الله بن مغفل على ابنه هذا الدعاء لأن ابنه طمع فيما لا يبلغه عمله حيث سأل منازل الأنبياء، وهذا اعتداء في الدعاء لما فيه من تجاوز الأدب ويحتمل أنه إنما نهاه لأنه سأل شيئًا معينًا (¬٥)، ويمكن أنه","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.\r(¬٢) قال القرطبي: \"ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعًا\"، الجامع: ٢/ ٣١١.\r(¬٣) أخرجه الطبري بإسناده عن أبي مجلز لاحق بن حميد: ٨/ ٢٠٧، وذكره البغوي: ٢/ ١٦٦، وانظر بغية المرتاد ص: ٣٩٠.\r(¬٤) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٨٧، وأبو داود: ١/ ١٦٩ رقم ٩٦، وابن ماجه: ٢/ ١٢٧١ رقم ٣٨٦٤، وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق إسناده: \"وهو إسناد حسن لا بأس به\"، التفسير: ٢/ ٢٢٢، وصححه الألباني في الإرواء: ١/ ١٧١، وصحيح ابن ماجه: ٢/ ٣٣١ رقم ٣١١٦.\r(¬٥) عون المعبود: ٢/ ١٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048516,"book_id":1098,"shamela_page_id":164,"part":"1","page_num":175,"sequence_num":164,"body":"نهاه لكونه من تكثير الكلام بدون فائدة (¬١).\rفإذا كان هذا الصحابي الجليل ينكر على من يسأل الله تعالى ويخلص له تعالى في سؤاله إلا أنه يسيء في طلب ما لا يليق به ويعد هذا اعتداء فكيف لو رأى من يدعو غير الله تعالى ويستغيث به ويجعل هجيراه ليل نهار نداء اسم الولي إن قام وإن قعد؟ فلا شك أن هذا اعتداء فوق ذلك بكثير، وأي اعتداء أكبر من صرف خالص حق الله تعالى لعبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره؟\r٢ - سؤال الله تعالى المعونة على الحرام (¬٢).\rفهذا من الاعتداء في الدعاء فالله لا يحب الحرام ولا الفحشاء فكيف يطلب معاونته على ذلك؟ وقد ورد ما يدل على أن الدعاء الذي يتضمن إثمًا أو قطيعة رحم مردود لا يقبل، قال النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: \"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم ما لم يستعجل … إلخ\" (¬٣).\rفجميع أنواع الحرام داخلة في هذا الحديث: \"فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم\" (¬٤).\rفمن دعا بإثم أو قطيعة رحم فقد اعتدى على غيره وظلمه، فهذا داخل في الاعتداء المنهي عنه في الدعاء.\rويدخل في هذا: \"أن يسأل ما فيه ظلم لغيره\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر ما سيأتي ص: ١٨٠.\r(¬٢) الفتاوى: ١٥/ ٢٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣، وانظر المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٥، والأزهية: ٥٨.\r(¬٣) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٦ رقم ٢٧٣٦.\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١١.\r(¬٥) الرد على البكري ص: ٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048517,"book_id":1098,"shamela_page_id":165,"part":"1","page_num":176,"sequence_num":165,"body":"ومن هذا الباب الدعاء على المؤمنين باللعنة والخزي ونحو ذلك، فقد قال بعض السلف في تفسير المعتدين: \"هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل فيقولون: اللهم اخزهم .. اللهم العنهم\" (¬١).\rوذكر ابن الصلاح ﵀ أن كون الدعاء على الشخص اعتداء مشروط بما \"إذا كان قصده بالدعاء على فلان غير صحيح فإن كان صحيحًا بأن كان في قصر عمره مثلًا صلاح للمسلمين لظلمه أو نحو ذلك فليس اعتداء\" (¬٢).\rومن هذا الباب تحجير رحمة الله وتضييقها، وذلك بطلبها لنفسه خاصة ومنعها لغيره من المسلمين، ومن ذلك قول الأعرابي: \"اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا\"، فقال له النبي ﷺ: \"لقد تحجرت واسعًا\" (¬٣) يريد رحمة الله (¬٤).\rومثل الدعاء على المؤمنين الدعاء على نفسه وأهله وعلى أمواله فقد نهينا عن ذلك، قال رسول الله ﷺ: \"لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم\" (¬٥).\rفالذي يدعو على نفسه أو أهله أو ماله فقد اعتدى على حق نفسه ثم إن نفسه ملك الله تعالى فلا يجوز له أن يتعدى فيها ما شرعه الله.","footnotes":"(¬١) نقله البغوي عن عطية ولعله العوفي: ٢/ ١٦٦، ونقل ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه كما في روح المعاني: ٨/ ١٤٠.\r(¬٢) فتاوى ابن الصلاح ضمن المجموعة المنيرية: ٤/ ٣٠.\r(¬٣) أخرجه أبو داود: ١/ ٢٦٤ رقم ٣٨٠، والترمذي: ١/ ٢٧٥ رقم ١٤٧، وابن ماجه: ١/ ١٧٦ رقم ٥٢٩، وأصل الحديث مخرج في الصحيحين في قصة بول الأعرابي: البخاري: ١/ ٣٢٢ رقم ٢١٩، ومسلم: ١/ ٢٣٦ رقم ٢٨٤.\r(¬٤) الرد على البكري ص: ٩٤، وانظر عدة الحصن ص: ٤٤، والتحفة ص: ٤٩.\r(¬٥) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٣٠٤ رقم ٣٠٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048518,"book_id":1098,"shamela_page_id":166,"part":"1","page_num":177,"sequence_num":166,"body":"ويدخل في هذا أيضًا الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا فإن العبد عليه أن يطمع في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء وفي عفوه ومغفرته وجوده وفضله فيسأل العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من قول: \"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" (¬١).\rوقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يقولون ذلك عندما يفرغون من أعمال الحج وأن لهم نصيبًا في الدنيا والآخرة بسبب هذا القول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠١ - ٢٠٢].\rولهذا لما عاد النبي ﷺ مريضًا صار كالفرخ من الضعف فسأله: \"هل كنت تدعو بشيء؟ \" قال: نعم كنت أقول: \"اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا\" قال رسول الله ﷺ: \"سبحان الله، لا تطيقه!! أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ \" (¬٢).\rويدخل في هذا الدعاء على النفس بالموت لضر نزل به فمن هنا نهي عن الدعاء بالموت وتمنيه فيما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا\" (¬٣).\rففي الدعاء على النفس بالموت اعتداء على النفس وهي ليست من حق الإنسان بل هي ملك الله تعالى كما أنه اعتداء على الدعاء المشروع الذي هو طلب العافية في الدنيا والآخرة إلى الدعاء غير المشروع.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ١١/ ١٩١ رقم ٦٣٨٩، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٠ رقم ٢٦٩٠.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٤/ ١٠٦٨، وأحمد في المسند: ٣/ ١٠٧، ٢٢٨، وأخرجه هناد بن السري في الزهد من مرسل الحسن البصري: ١/ ٢٥٤ رقم ٤٤١.\r(¬٣) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٦٥ رقم ٢٦٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048519,"book_id":1098,"shamela_page_id":167,"part":"1","page_num":178,"sequence_num":167,"body":"٣ - سؤاله تعالى ما يناقض حكمته، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به (¬١).\rويتصور هذا في عدة أمور قد أكثر بعضهم (¬٢) ضرب الأمثلة لهذه الأمور، ونوجزها فيما يلي:\r١ - الدعاء بالمحال كالدعاء بدخول إبليس وأبي جهل وأضرابهما الجنة، والدعاء بمثل هذا يصل حكمه عند بعضهم إلى الكفر لما في ذلك من طلب إكذاب الله تعالى لنفسه (¬٣).\r٢ - الدعاء بما لا مطمع فيه كمن يدعو بالخلود في الدنيا، وقد علم أن الله استأثر بالبقاء وكتب الفناء على خلقه (¬٤).\rومن هذا الباب الدعاء برفع لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب أو يسأله أن يهب له ولدًا من غير زوجة (¬٥).\r٣ - الدعاء بما يناقض ما علمه الله تعالى نحو السؤال بأن لا يقيم الساعة (¬٦).","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ٣/ ١٣، والفروق: ٤/ ٢٦٠، وما بعدها، والأزهية: ١٤٤، وحاشية ابن عابدين: ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣.\r(¬٢) وهو القرافي المالكي أحمد بن إدريس، (ت ٦٨٤ هـ)، فقد ذكر في كتابه الفروق: ٤/ ٢٥٩ - ٢٩٧ أمثلة كثيرة وذكر أن أربعة أقسام منها تصل إلى الكفر وأن ١٢ قسمًا محرم ولا يصل إلى الكفر، وفي بعض ما ذكر مآخذ ستأتي الإشارة إلى ذلك في ص: ٤٠٦.\r(¬٣) وقد جعل القرافي الدعاء بنفي ما دل السمع على ثبوته كفرًا لأنه تكذيب لله تعالى، واعترض عليه ابن الشاط بأن هذا تكفير بالمآل وهو أمر مختلف فيه، انظر حواشي الفروق: ٤/ ٢٦٠، وانظر روح المعاني: ٨/ ١٤٠، ١١/ ١٤٨، وابن عابدين: ١/ ٥٢٣، والإعلام بقواطع الإسلام: ٢/ ١٧٧ - ١٨٠.\r(¬٤) شأن الدعاء ص: ١٥.\r(¬٥) الفتاوى: ١٥/ ٢٢، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.\r(¬٦) الرد على البكري ص: ٩٤، والفتاوى: ١٠/ ٧١٣ و ١٤/ ٣٦٥ - ٣٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048520,"book_id":1098,"shamela_page_id":168,"part":"1","page_num":179,"sequence_num":168,"body":"فالحاصل أن الدعاء المشتمل على سؤال ما هو من خصائص الألوهية كطلب علم الغيب والبقاء في الدنيا أو طلب ما هو من خصائص النبوة كالوحي أو طلب ما يناقض علم الله وشرعه أو خبره يعد مثل هذا من الاعتداء ومن هذا ما يصل إلى الكفر والعياذ بالله، وتعد هذه الأمور من سؤال الرب ﵎ ما لم يكن يفعله (¬١).\rد - ومن جملة الاعتداء في الدعاء: سوء الأدب في خطاب الله ومناجاته، وذلك بأن يخاطب الداعي \"ربه جل ثناؤه بما لو خاطب به كفؤه وقرينه ينسبه إلى قلة الحياء، وسوء الأدب أو ركاكة العقل\" (¬٢).\rوهذا الأمر يتصور في أشياء منها:\r١ - رفع الصوت بالدعاء رفعًا يخل بالأدب، قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، (ت ١٥٠ هـ): \"من الاعتداء رفع الصوت، والنداء في الدعاء والصياح\" (¬٣).\rوأما الرفع غير المخل بالأدب -إذا كان لقصد التعليم- فجائز كما نقل عن النبي ﷺ أنه جهر في أدعية وذلك لتعليم أصحابه فيكون له أجران أجر الدعاء وأجر التعليم (¬٤).\r٢ - دعاء الله تعالى بدون تضرع في دعائه تعالى وخطابه، فإن دعاء غير المتضرع يشبه المستغني المدل على ربه، وهذا من أعظم الاعتداء، لمنافاته لدعاء الذليل فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد (¬٥).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١/ ١٣٠.\r(¬٢) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٢.\r(¬٣) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٧، والبغوي: ٢/ ١٦٦، وهذا اللفظ من البغوي وفي لفظ الطبري ركاكة.\r(¬٤) قواعد الأحكام: ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.\r(¬٥) الفتاوى: ١٥/ ٢٣، وبدائع الفوائد: ٣/ ١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048521,"book_id":1098,"shamela_page_id":169,"part":"1","page_num":180,"sequence_num":169,"body":"ويدل على كون هذا من الاعتداء في الدعاء أن الله تعالى قال أولًا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ثم عقبه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فدل هذا على أن عدم التضرع اعتداء في الدعاء كما أن عدم الخفية يعد اعتداء.\r٣ - تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه، فقد جعله بعض الصحابة من الاعتداء في الدعاء، روى أبو داود وغيره عن ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعني أبي وأنا أقول: \"اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وبهجتها، وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون قوم يعتدون في الدعاء\"، فإياك أن تكون منهم، إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر\" (¬١) (¬٢).\rوقد علل بعض العلماء نهي سعد لابنه عن هذا بكونه طلبًا لما لا يليق به من منازل الأنبياء ويمكن أن يكون النهي لعدة علل لأن العلل لا تتزاحم فالشيء الواحد قد تكون له عدة علل.\rوقد تقدم نقل ما يفيد ذلك في نهي عبد الله بن مغفل لابنه عن نحو ذلك.\r٤ - تكلف (¬٣) السجع في الدعاء، وتكلف صنعة الكلام له، وفي البخاري عن ابن عباس في وصيته لمولاه عكرمة: \"فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦١ رقم ١٤٨٠، وأحمد: ١/ ١٧١، ١٨٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ٢١٨ رقم ٣٥٦٥.\r(¬٢) الرد على البكري ص: ٩٤ - ٩٥.\r(¬٣) قد عقد البخاري بابًا فقال: باب ما يكره من السجع من الدعاء: \"البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٨\".\r(¬٤) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٨ رقم ٦٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048522,"book_id":1098,"shamela_page_id":170,"part":"1","page_num":181,"sequence_num":170,"body":"والسجع المذموم في الدعاء هو المتكلف فإنه يذهب بالخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظاً فلا بأس به بل هو حسن (¬١).\rويدل لذلك ما ورد من الأدعية مسجعاً نحو قوله ﷺ: \"اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع\" (¬٢).\rومن ذلك قوله ﷺ: \"اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب\" (¬٣).\rوهذا الذي وقع في الأحاديث الصحيحة من السجع كان يصدر من غير قصد إليه. ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام (¬٤).\rوقد أنكر العلماء الأدعية المسجعة إنكاراً شديداً وبيّنوا كونها من موانع إجابة الدعاء، قال القرطبي بعد أن ذكر أنواع الاعتداء في الدعاء: \"ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظاً مفقرة وكلمات مسجعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسول الله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء\" (¬٥).\rوالقرطبي رحمه الله تعالى يشير بهذا إلى ما يصطنعه بعض الناس من الأدعية المبتدعة وتكون في الغالب أحزاباً مجزأة على عدد الأيام والشهور","footnotes":"(¬١) شرح النووي: ١٧/ ٤١، وغذاء الألباب للسفاريني: ١/ ٤٠٩، وشرح الإحياء: ٥/ ٣٨.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٨٨ رقم ٢٧٢٢.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٦/ ١٢٠ رقم ٢٩٦٦، ومسلم: ٣/ ١٣٦٣ رقم ١٧٤٢.\r(¬٤) فتح الباري: ١١/ ١٣٩.\r(¬٥) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048523,"book_id":1098,"shamela_page_id":171,"part":"1","page_num":182,"sequence_num":171,"body":"أو على الحوادث والملمات كما أنها تكون بالسجع المتكلف، ويزداد الأمر سوءاً وخطراً إذا كانت مشتملة على الاعتداء في المعنى بالاستغاثة بغير الله تعالى ونحو ذلك.\rثم إن الذين يدعون بتلك الأدعية يغنون ويطربون بها وربما تشبه أصواتهم أصوات المغنين، وقد أنكر العلماء هذه الفعلة في الأدعية أيضاً.\rقال الكمال ابن الهمام الحنفي (ت ٨٦١ هـ):\rما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار لتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس فكأنه قال: اعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان (¬١).\rوممن أنكر ذلك أيضاً المفسر الألوسي فإنه ذكر كراهة رفع الصوت بالدعاء ثم قال: \"وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء، خصوصاً في الجوامع حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المسجد\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) فتح القدير لابن الهمام: ١/ ٢٦١ - ١٦٣، وفيض القدير للمناوي: ١/ ٢٢٩ نقلاً عنه.\r(¬٢) روح المعاني: ٨/ ١٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048524,"book_id":1098,"shamela_page_id":172,"part":"1","page_num":183,"sequence_num":172,"body":"وممن أنكر ذلك قبل هؤلاء أبو بكر الطرطوشي فإنه ذكر أن ذلك ليس من كلام الماضين وأنَّه ينافي مقام الدعاء من التذلل والخشوع إذ السجع تكلف وتصنع واشتغال الخواطر بإقامة الأوزان (¬١).\rهذا وبعد أن استعرضنا ما ذكره العلماء من معاني الاعتداء ينبغي أن يعلم أنه ليس معنى الاعتداء الإكثار من الدعاء خلافاً لما يتبادر من لفظ الاعتداء لأننا أمرنا بالإكثار من الدعاء (¬٢).\r\rعدم التلبس بالحرام (¬٣):\rمن أهم آداب الدعاء أن يكون الداعي مجتنباً للتلبس بالحرام أكلاً وشرباً ولبساً وتغذية فلهذا ينبغي له أن يتحرى ويجتهد إذا أراد أن يكون مجاب الدعوة، في أن يكون متلبساً بالحلال أكلاً وشرباً ولبساً وتغذية.\rفللحلال سر عجيب في قبول الأعمال عند الله تعالى ..\rكما أن للحرام منعاً وسداً وشؤماً على متناوله، ومن ذلك رد طاعته، وعدم قبول الأعمال، ومن الأعمال المهمة التي ترد بالتلبس بالحرام الدعاء، فقد جاء ذلك مصرحاً في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل","footnotes":"(¬١) كتاب الحوادث والبدع ص: ١٢١، والدعاء المأثور ص: ١٤٦.\r(¬٢) شأن الدعاء للخطابي ص: ١٤.\r(¬٣) هذا الأدب دلت عليه الأدلة المذكورة ومع ذلك نشير إلى من ذكر أنه من آداب الدعاء وذلك للاستئناس بأقوال العلماء وكذلك نفعل فيما يأتي من الآداب فمن العلماء الذين ذكروا هذا الأدب الطرطوشي وقال: ولعله من شروطه كما في الأزهية ص: ٧١، والدعاء المأثور ص: ٥٧، والقرطبي في الجامع: ٢/ ٣١١ وجعله من شروط الداعي، وابن الجزري في عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٣ وجعله آكد الآداب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048525,"book_id":1098,"shamela_page_id":173,"part":"1","page_num":184,"sequence_num":173,"body":"يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك\" (¬١).\rوفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله وذكر الدعاء كمثال على العمل الصالح الذي لا يقبل مع الحرام وإن أكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء (¬٢).\rوفي الحديث أيضاً الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بالحلال لمن أراد الدعاء أكثر من غيره (¬٣).\rوهذا الذي ذكر من أن التلبس بالحلال من أسباب الإجابة كما أن التلبس بالحرام يمنع من الإجابة، ليس معناه أن هذا لازم في كل دعاء وأنَّه لا يقبل أي دعاء إلا ممن يأكل الحلال، وإنما هذا إشارة إلى أن هذا هو الدعاء الأقرب إلى الإجابة وإلى هذا المعنى أشار في الحديث بقوله: \"فأنى يستجاب له\" أي \"كيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحاً في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه\" (¬٤).\r\rعدم الاستعجال (¬٥):\rومن أهم آداب الدعاء أن لا يستعجل الداعي في دعوته، فيستحسر","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٠٣ رقم ١٠١٥.\r(¬٢) جامع العلوم والحكم: ٩٣، ١٠٠.\r(¬٣) شرح النووي: ٧/ ١٠٠.\r(¬٤) جامع العلوم والحكم ص: ١٠٠.\r(¬٥) ذكره الحليمي ولكنه جعله من الأركان أو الشروط المنهاج: ١/ ٥٢٢، ٥٣٠، والقرطبي: ٢/ ٣١١ وابن الجزري في العدة ص: ٤٤، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٤٩، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048526,"book_id":1098,"shamela_page_id":174,"part":"1","page_num":185,"sequence_num":174,"body":"ويسأم ويترك الدعاء، واللائق بالعبد أن يلازم الطلب ولا ييأس ولا يستعجل، فإن العبد لا يعرف المصلحة هل هي في وقوع المطلوب بالسرعة أو في تأخيرها أو دفع بلاء آخر لا يدريه هو أو ادخار الأجر له في الآخرة؟ وليس ذلك من شأن العبد فعليه أن يكل الأمور إلى عالم الغيب والشهادة ويسأل الله تعالى، ثم إن الدعاء عبادة عظيمة، وليس لمجرد قضاء الحاجات السريعة فقط.\rوقد ورد النهي عن استعجال الدعاء وأن ذلك من موانع الإجابة فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي\" وفي لفظ لمسلم: \"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت فلم أرَ يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدَعُ الدعاء\" (¬١).\rوقال بعضهم: \"لا يكن تأخرُ أَمَدِ العطاء مع الإلحاح في الدعاء مُوجباً ليأسك فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد\" (¬٢).\rولعل الحكمة في المنع (¬٣) من ذلك:\r١ - أن هذا القول يدل على تضجر قائله وملله وهذا يؤدي إلى انقطاعه عن الدعاء وتركه له، وفي ذلك ترك لأهم العبادات، وقد أشير إلى هذا في الحديث بقوله: \"فيستحسر عند ذلك ويدَع الدعاء\".\r٢ - أن هذا القول فيه اتهام للرب ﵎ وتبخيل للكريم","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ١١/ ١٤٠ رقم ٦٣٤٠، ومسلم: ٤/ ٢٠٩٥ - ٢٠٩٦ رقم ٢٧٣٥، وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٦ رقم ٣٨٥٣.\r(¬٢) الحكم العطائية مع شرحها غيث المواهب العلية ص: ٦٤.\r(¬٣) انظر المنهاج للحليمي: ١/ ٥٣٠، والفتح: ١١/ ١٤٠ - ١٤١، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048527,"book_id":1098,"shamela_page_id":175,"part":"1","page_num":186,"sequence_num":175,"body":"الجواد الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء حيث يظن هذا الداعي أنه قد أتى من الدعاء ما يستحق به الإجابة ولكن الله تعالى لم يستجب له.\r٣ - أن الاستعجال والتضجر من التأخر فعل من له حق عند آخر يقتضيه وليس لأحد من الله حق حاصل عنده متأخر عنه فيستعجل به ويتضجر من تأخره مع أن إجابة الدعاء فضل من الله تعالى على العبد الداعي يعطيه إذا شاء تفضلاً وتكرماً ولكنه يعطيه في الوقت المناسب على الوجه المناسب الذي يريده لا على ما يريده العبد.\rهذا ومما ينبغي التفطن له أنه ليس من معنى (¬١) الاستعجال: سؤال الداعي ربه أن يعجل له الإجابة.\r\rعدم التعليق (¬٢):\rمن آداب الدعاء المهمة أن لا يعلق الدعاء ولا يتردد، بل عليه العزم والجد والاجتهاد في الطلب من غير ضعف ولا تردد، ولا تعليق على المشيئة، وذلك بأن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، أو أعطني إن شئت.\rوإنما لم يحتج إلى التعليق على المشيئة مع أنه مطلوب في كل شيء يقع في المستقبل؛ لأنَّه إنما يحتاج إلى ذلك إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه، ويُعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله سبحانه فإنه لا مكره له فلا فائدة في التعليق (¬٣).\rوقد أمر النبي ﷺ بالعزم في الطلب، ونهى عن التعليق بالمشيئة فقد روى أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: \"إذا دعا أحدكم","footnotes":"(¬١) انظر تحفة الذاكرين ص: ٥٠.\r(¬٢) ذكره الحليمي في الآداب في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣١، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٦٤، وابن الجزري ص: ٤٤.\r(¬٣) المنتقى للباجي: ١/ ٣٥٦، والفتح: ١١/ ١٤٠، وشرح النووي: ٧/ ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048528,"book_id":1098,"shamela_page_id":176,"part":"1","page_num":187,"sequence_num":176,"body":"فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له\" (¬١).\rوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له\". وفي لفظ لمسلم: \"وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه\". وفي لفظ آخر له أيضاً: \"فإن الله صانع ما شاء لا مكره له\" (¬٢) ففي هذه الأحاديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريماً، وقد قال ابن عيينة: \"لا يمنعن أحدًا من الدعاء ما يعلم في نفسه -يعني من التقصير- فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ (¬٣).\rوقد فسر بعضهم العزم الوارد في هذه الأحاديث بحسن الظن بالله تعالى في الإجابة (¬٤). وهو قريب من المعنى الأول، وحسن الظن مطلوب في الدعاء أيضاً لما ورد في الحديث القدسي: \"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني\" (¬٥).\rومما ينبغي أن يعلم أن النهي عن التعليق خاص بما هو خير محض من المطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كالعافية والرزق، وأما الأمور التي لا يتحقق العبد مصلحتها وعواقبها فيعلقها على اختيار ربه له الأصلح كما في دعاء الاستخارة الوارد (¬٦).","footnotes":"(¬١) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٩ رقم ٦٣٣٨، ومسلم: ٤/ ٢٠٦٣ رقم ٢٦٧٨.\r(¬٢) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٩ رقم ٦٣٣٩، ومسلم ٤/ ٢٠٦٣ رقم ٢٦٧٩.\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣١٣، وفتح الباري: ١١/ ١٤٠.\r(¬٤) شرح النووي: ١٧/ ٧.\r(¬٥) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٦٧ رقم ٢٦٧٥.\r(¬٦) انظر في هذا الفرق بين المطالب في القول السديد ص: ١٣٦ - ١٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048529,"book_id":1098,"shamela_page_id":177,"part":"1","page_num":188,"sequence_num":177,"body":"والسر في النهي عن التعليق هو أن عدم العزم في السؤال لا يليق بالبائس الفقير ذي الحاجة الشديدة وإنما يليق بمن يمكن الاستغناء له، ولا أحد يستغني عن فضل الله وجوده وكرمه، وأما المضطر فإنه يجزم ويسأل سؤال الفقير المضطر إلى ما سأله (¬١).\rثم إن الداعي إذا لم يكن جازماً لم يكن رجاؤه صادقاً قوياً لأن الباعث على الدعاء هو الرجاء فإذا كان الغالب على قلب الداعي أنه لا يجاب لم يكن رجاؤه صادقاً، فلا يخلص الدعاء ولا يتحقق منه الإلحاح في الطلب لأنَّه لم يتحقق الباعث عليه، والداعي إنما يجاب تصديقاً لرجائه فإذا لم يصدق رجاؤه لم يستوجب أن يجاب (¬٢).\rوذلك لأن روح الدعاء وسره هو رغبة النفس في الشيء مع تطلعها إلى الملأ الأعلى والطلب بالشك يشتت العزيمة ويفتر الهمة (¬٣).\rثم إن عدم الجزم فيه سوء ظن بالله تعالى لأن الداعي إذا لم يدع ربه على يقين أنه يجيبه فعدم إجابته إما لعجز المدعو، أو بخله، أو عدم علمه بالابتهال، وكل هذا محال على الله تعالى (¬٤).\r\rعدم الغفلة والتكاسل (¬٥):\rفالدعاء دواء نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب تبطل قوته، ومن المعلوم أن مقصود مقصود الدعاء هو حضور القلب ولكن الغفلة وضعف حضور القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، هذه الأمور","footnotes":"(¬١) المنتقى شرح الموطأ للباجي: ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣١٢.\r(¬٢) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٧، وفيض القدير: ١/ ٢٢٨، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٩.\r(¬٣) حجة الله البالغة: ٢/ ٧٤.\r(¬٤) فيض القدير: ١/ ٢٢٨.\r(¬٥) ذكره ابن القيم في الجواب الكافي وعدَّ وجود الغفلة من موانع الإجابة ص: ٧، والنووي في الأذكار: ٣٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048530,"book_id":1098,"shamela_page_id":178,"part":"1","page_num":189,"sequence_num":178,"body":"تضعف قوة الدعاء وتبطل تأثيره فيكون بمنزلة القوس الرخو جداً فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً (¬١). ولهذا حث الرسول ﷺ على حضور القلب وحذر من الغفلة وأخبر أنها مانعة من قبول الدعاء، فقال صلوات الله وسلامه عليه: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غَافِل لَاهٍ\" (¬٢).\rهذا إذا كان يمكن للداعي إحضار قلبه فأما إذا كان لا يمكنه ذلك وليس في وسعه إلا الدعاء وهو ساه فالدعاء أفضل من تركه (¬٣).","footnotes":"(¬١) الجواب الكافي ص: ٧.\r(¬٢) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥١٧ رقم ٣٤٧٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨١٢ رقم ٦٢، والحاكم: ١/ ٤٩٣، وقال: حديث مستقيم تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد أهل البصرة، وتعقبه الذهبي بقوله صالح متروك، وسبقه إلى ذلك المنذري في الترغيب: ٢/ ٢٧٧، وقال النووي: إسناده فيه ضعف، الأذكار ص: ٣٥٦، ولكن الحديث له شاهد بسند ضعيف عند أحمد: ٢/ ١٧٧ من حديث ابن عمر وفيه ابن لهيعة، ولهذا الشاهد قواه الألباني ووضعه في الصحيحة: ٢/ ١٤٣ رقم ٥٩٤، وله شاهد آخر مرسل أخرجه ابن المبارك في الزهد من رواية نعيم من طريق صفوان بن سليم مرفوعاً: \"إن القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فادعوا الله … إلخ\"، الزهد ص: ٢١ رقم ٨٥. هذا وقد ضعف الحديث الحافظ العراقي وتلميذه الحافظ ابن حجر كما في شرح الإحياء: ٥/ ٣٩، وفيض القدير: ١/ ٢٢٩.\r(¬٣) الفتاوى البزازية: ٤/ ٤١، وفتاوى قاضيخان: ٣/ ٤٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048531,"book_id":1098,"shamela_page_id":179,"part":"1","page_num":190,"sequence_num":179,"body":"المبحث الثاني في آداب الدعاء الثبوتية\rفالمراد من الثبوتية هي الآداب التي يطلب ثبوتها ووجودها، فلهذا يمكن تسميتها آداباً وجودية أو إيجابية، بمعنى الإيجاب ضد النفي والسلب، وهذه الآداب الثبوتية كثيرة نقتصر هنا على أهمها وأصحها دليلاً، وهي كالآتي:\r١ - الإخلاص.\r٢ - التوبة.\r٣ - التضرع والخشوع.\r٤ - الإلحاح والتكرار.\r٥ - الإكثار من الدعاء في الرخاء.\r٦ - خفض الصوت.\r٧ - التوسل بأسماء الله الحسنى.\r٨ - اختيار جوامع الكلم.\r٩ - استقبال القبلة.\r١٠ - الطهارة.\r١١ - الافتتاح بالثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه محمد وعلى آله وصحبه ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048532,"book_id":1098,"shamela_page_id":180,"part":"1","page_num":191,"sequence_num":180,"body":"١٢ - رفع اليدين.\r١٣ - تحري الأوقات الفاضلة.\r١٤ - تحري الأماكن الفاضلة.\r١٥ - تحري الأحوال الفاضلة.\rفهذه هي بعض الآداب الثبوتية إجمالاً وإليك تفصيلها بإيجاز:\r\rالإخلاص في الدعاء (¬١):\rوهو أهم هذه الآداب وأوكدها لأن عدم إخلاص الدعاء الله تعالى تارة يكون شركاً صريحاً مخرجاً عن الملة، وقد يكون شركاً أصغر فيكون الدعاء محبطاً لا يمكن قبوله واستجابته.\rوقد أمر الله تعالى بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤].\rوقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥].\rوقال عز من قائل: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩].\rوقال الحافظ ابن حجر ﵀، وقد دلت الآية يعني بها قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] أن الإجابة مشترطة بالإخلاص (¬٢).\rوقال ابن مسعود ﵁: \"إن الله لا يقبل من مسمع، ولا","footnotes":"(¬١) قد ذكره في آداب الدعاء كثيرون منهم الخطابي وجعله من شرائط صحة الدعاء في كتابه شأن الدعاء ص: ١٣، والقرطبي جعله أيضاً من شرط الداعي في أحكام القرآن: ٢/ ٣١١، وابن الجزري في العدة مع التحفة: ٤٣.\r(¬٢) فتح الباري: ١١/ ٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048533,"book_id":1098,"shamela_page_id":181,"part":"1","page_num":192,"sequence_num":181,"body":"مراء، ولا لاعب، ولا داع إلا داعياً دعاء ثبتاً من قلبه\" (¬١).\rوالإخلاص في الدعاء يستوجب الاعتقاد بأن المدعو هو القادر وحده على قضاء حاجته كما يستوجب دعاءه بنية صادقة وقد عبر القرطبي عن الإخلاص في الدعاء بقوله: \"فمن شرط الداعي أن يكون عالماً بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة\" (¬٢).\rوقد تبين من هذا أن الإخلاص لله تعالى وصحة الاعتقاد له أثره الخاص في استجابة الدعاء ومن هنا قيل: \"إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد وعن كمال الطاعة لأنَّه عقب آية الدعاء بقوله: \"فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي\" (¬٣).\r\rالتوبة (¬٤) والرجوع إلى الله تعالى:\rفإن المعاصي من الأسباب الرئيسية في منع قبول الدعاء، فينبغي للداعي أن يبادر إلى التوبة والاستغفار قبل دعائه ليكون مؤهلاً لقبول دعوته.","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن المبارك في الزهد برواية نعيم ص: ٢٠ رقم ٨٣ وبوب عليه باب الإخلاص في الدعاء، وأحمد في الزهد ص: ١٥٩، ووكيع في الزهد: ٢/ ٥٧٩، رقم ٣٠٥، وهناد بن السري في الزهد: ٢/ ٤٤٢ رقم ٨٧٤، والبخاري في الأدب المفرد: ٢/ ٦٥ رقم ٦٠٦ وإسناده صحيح كما قاله محقق زهد وكيع الشيخ عبد الرحمن الفريوائي.\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١١.\r(¬٣) الفتاوى: ١٤/ ٣٣ - ٣٤.\r(¬٤) ذكرها الحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٠، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٥، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٥٤، والزركشي في الأزهية ص: ٧٠ وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٤١ وبدأ الحليمي والزركشي بالتوبة قبل غيرها من الآداب، وابن القيم في الجواب الكافي ص: ١٠، وابن الجزري ص: ٤٤ التحفة، وقد ذكر البخاري باب التوبة في أوائل كتاب الدعاء إشارة إلى كونها من آدابه، انظر الفتح: ١١/ ١٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048534,"book_id":1098,"shamela_page_id":182,"part":"1","page_num":193,"sequence_num":182,"body":"وقد كان الأنبياء يحثون أممهم على التوبة والاستغفار ويخبرونهم أن ذلك سبب لنزول المطر وإدرار السماء والإمداد بالأموال والبنين، وغير ذلك.\rقال نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].\rوقال هود ﵇: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢].\rوقال تعالى في هذه الأمة ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣].\rومما يدل على أن التوبة من الأسباب المهمة لقبول الدعاء ما ورد من الأحاديث التي تدل على أن المعاصي سبب لرد إجابة الدعاء وقد تقدم بعضها عند ذكر التلبس بالحرام.\r\rالتضرع (¬١) والخشوع والتذلل والرغبة والرهبة:\rوهذا هو روح الدعاء ولبه ومقصوده (¬٢) فالله ﷾ يحب عبده الذي إذا ابتلاه تضرع إليه وتملق له وتذلل وقرع بابه وأدام ذلك ولا يحب من لا يتضرع ولا يتذلل ويعتدي في الدعاء بعدم التضرع أو رفع الصوت أو غير ذلك.\rقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].","footnotes":"(¬١) وقد ذكره غير واحد في آداب الدعاء كالخطابي في شأن الدعاء ص: ١٣، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار ص ٣٦٤، وابن الجزري في عدة الحصن ص: ٤٤، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.\r(¬٢) الفتاوى: ١٥/ ١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048535,"book_id":1098,"shamela_page_id":183,"part":"1","page_num":194,"sequence_num":183,"body":"فأمر الله تعالى بدعائه بتضرع وخفية وحذر من الاعتداء، قال شيخ الإسلام ﵀: \"ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع، بل دعاء هذا كالمستغني المدل على ربه، وهذا من أعظم الاعتداء لمنافاته لدعاء الذليل، فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد\" (¬١).\rوقد وصف الله زكريا ﵇ وأهله بأنهم يدعون الله تعالى رغبة ورهبة فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، هذا والتضرع هو حقيقة الدعاء ولا يخفى على العاقل ما فيه من أثر واضح في إجابة الدعاء ولهذا كان كل من يصدق في رغبته في الدعاء لا بد أن يتضرع حتى ولو كان مشركاً في غير وقت الرغبة الصادقة الملحة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣].\r\rالإلحاح (¬٢) والتكرار وعدم الضجر والملل:\rويحصل الإلحاح بتكرار الدعاء مرتين وثلاثاً وأكثر لكن الاقتصار على الثلاث مرات أفضل اتباعاً (¬٣) للحديث حيث ورد ما يدل على تكريره للدعاء ثلاث مرات فقد روى ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعو ثلاثاً ويستغفر ثلاثاً (¬٤).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٥/ ٢٣.\r(¬٢) ذكره الحليمي وعده من الآداب: ١/ ٥٥٣، ٥٣١، وابن القيم في الجواب الكافي ص: ٥، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٥٤، وبوب البخاري فقال باب تكرير الدعاء: ١١/ ١٩٢، وذكره ابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.\r(¬٣) إتحاف السادة: ٥/ ٣٩.\r(¬٤) أبو داود: ٢/ ١٨٢ رقم ١٥٢٤، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص: ٣٣١ رقم ٤٥٧، وعنه ابن السني ص: ١٧٨ رقم ٣٦٨، وابن حبان: \"موارد ٥٩٨ رقم ٢٤١٠\" والحديث رجاله ثقات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048536,"book_id":1098,"shamela_page_id":184,"part":"1","page_num":195,"sequence_num":184,"body":"ووقع في حديث عائشة ﵂ في قصة سحره ﷺ: \"فدعا ثم دعا ثم دعا\" (¬١).\rوإذا بحثنا عن أدعية النبي ﷺ لا نجد كثيراً منها فيها التكرار والبسط والتطويل وذكر كل معنى بصريحه نحو قوله ﷺ: \"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني\" (¬٢).\rومعلوم أنه لو قيل اغفر لي كل ما صنعت لكان أوجز ولكن في مقام الدعاء والتضرع وإظهار العبودية والافتقار فالتفصيل والبسط أفضل من الإيجاز والاختصار وذلك أن الدعاء عبودية لله وافتقار إليه وتذلل بين يديه، فكل ما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونَوَّعَ جمله كان ذلك أبلغ لعبوديته وإظهار فقره وتذلله وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه، هذا بخلاف المخلوق فإنك كلما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته وثقلت عليه وهنت عنده وكلما تركت سؤاله كنت أعظم عنده ولهذا قال بعضهم:\rفالله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب (¬٣)\r\rالدعاء (¬٤) في الرخاء والإكثار منه في وقت اليسر والسعة:\rإن من شأن العبد الصالح أن يلازم الدعاء في حالتي الرخاء والشدة، وأما غير الصالح فإنه لا يلتجيء إلى الله تعالى إلا في وقت الشدة ثم ينساه، وهذا شأن أكثر الناس إلا من عصمه الله، فقد ذكر الله تعالى هذه الطبيعة البشرية في عدة آيات من كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ","footnotes":"(¬١) مسلم: ٤/ ١٧١٩ رقم ٢١٨٩، ونحوه في البخاري: ١١/ ١٩٣ رقم ٦٣٩١ ورقم ٥٧٦٣.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ١/ ٥٣٦ رقم ٧٧١ من حديث علي.\r(¬٣) جلاء الأفهام: ١٧٥ - ١٧٦.\r(¬٤) ذكره الحليمي من الآداب في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣١، وابن الجوزي كما في: غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048537,"book_id":1098,"shamela_page_id":185,"part":"1","page_num":196,"sequence_num":185,"body":"الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\rوقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨].\rوقال ﷻ ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩].\rوقال ﵎: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فصلت: ٥١].\rفقد بيّن الله في هذه الآيات وأمثالها طبيعة ابن آدم في الالتجاء إلى الله في الشدائد ونسيانه في الرخاء.\rكما بيّن في آيات أخر مثالاً واقعياً من تلك الطبيعة البشرية فذكر حالة الذين تضطرب بهم السفن وتتلاطم بهم الأمواج وأنهم يخلصون في هذه الحالة.\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧].\rوقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].\rوالذي ينبغي أن يكون عليه المسلم أن يلازم الدعاء في الرخاء والشدة وذلك أسرع في إجابة دعائه، كما ورد في حديث ابن عباس المشهور: \"تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة\" (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد: ١/ ٣٠٧، ٣٠٣، ٣٩٣، والترمذي: ٤/ ٦٦٧ رقم ٢٥١٦، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص: ٢٠٢ رقم ٤٢٥، والحاكم: ٣/ ٥٤١، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048538,"book_id":1098,"shamela_page_id":186,"part":"1","page_num":197,"sequence_num":186,"body":"والمراد بالمعرفة المطلوبة من العبد في الحديث هي: \"المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له\" (¬١)، ومن المعرفة أيضاً إخلاص الدعاء له في حالة الرخاء، وكذلك المراد بمعرفة الله لعبده هو المعرفة الخاصة التي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابته لدعائه وإنجاءه من الشدائد وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه: \"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه وفي رواية ولئن دعاني لأجيبنه\" (¬٢).\rوفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته (¬٣).\rومن الأحاديث الدالة على سرعة إجابة دعاء من يلازم الدعاء في الرخاء ما رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعاً: \"من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب فليكثر الدعاء في الرخاء\" (¬٤).","footnotes":"= والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٣ رقم ٤١، ٤٢، والآجري ص: ١٩٨، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٣٨ رقم ٣١٦ - ٣١٨ ويراجع في الكلام على الحديث جامع العلوم: ٧٧٤، ١٧٨، وقد صحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع: ٢/ ٤٤ رقم ٢٩٥٨، وفي ظلال الجنة: ١/ ١٣٨ رقم ٣١٦. وانظر بقية الكلام على هذا الحديث وطرقه في ص: ٥٣٣.\r(¬١) جامع العلوم: ١٧٨.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ١١/ ٣٤١ رقم ٦٥٠٢.\r(¬٣) جامع العلوم: ١٧٩.\r(¬٤) رواه الترمذي: ٥/ ٤٦٢، والحاكم: ١/ ٥٤٤، وابن عدي: ٥/ ١٩٩٠، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٥، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٥/ ٣٠٠ رقم ٦١٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048539,"book_id":1098,"shamela_page_id":187,"part":"1","page_num":198,"sequence_num":187,"body":"خفض الصوت بالدعاء (¬١):\rمن آداب الدعاء المهمة مخافتة الدعاء والإسرار به وعدم الجهر به، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].\rوروى أبو موسى الأشعري ﵁ أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ:\r\"أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم\" (¬٢). وقد فسرت عائشة ﵂ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي بدعائك (¬٣).\rوقال الإمام أحمد ﵀: \"ينبغي أن يسر دعاءه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال هذا في الدعاء\"، وقال أيضاً: \"كانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء\" (¬٤).\rوقال الحسن البصري ﵀: \"إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يفعلوه في سر فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم عز","footnotes":"(¬١) ذكره الحليمي في المنهاج: ١/ ١٢٣، ٥٣٥، وابن تيمية في الفتاوى: ١٥/ ١٥، وابن القيم في بدائع الفوائد: ٣/ ٦، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٣، وعنه في الأذكار ص ٣٥٣، وابن الجزري في العدة ص: ٤٤، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٥، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٥٠.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٦/ ١٣٥ رقم ٢٩٩٢، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٦ رقم ٢٧٠٤.\r(¬٣) أخرجه البخاري في التفسير: ٨/ ٤٠٥ رقم ٤٧٢٣.\r(¬٤) غذاء الألباب للسفاريني: ١/ ٤٠٨، واقتضاء الصراط ص: ٣١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048540,"book_id":1098,"shamela_page_id":188,"part":"1","page_num":199,"sequence_num":188,"body":"وجل، ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وذلك أن الله تعالى ذكر عبداً صالحاً ورضي قوله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣] \".\rوقد وردت في بعض طرق هذا الأثر زيادة في أوله: \"بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً\" (¬١). ونقل نحو هذا عن ابن عباس في صدقة السر والعلانية ثم قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها (¬٢). وهذا الأثر الموقوف على ابن عباس له حكم الرفع.\rقال القرطبي: \"مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف\" (¬٣).\rوذكر شيخ الإسلام ﵀ عشرة فوائد في إخفاء الدعاء (¬٤) أذكرها مع طولها لنفاستها وكونها درراً من الحكم والأسرار العظيمة التي تضمنه كلامه ﵀.\rأحدها: أنه أعظم إيماناً لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.\rوثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا ترفع الأصوات عندهم ولله المثل الأعلى.\rوثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص: ٤٥ رقم ٤٠، ومن طريقه ابن جرير: ٧/ ٢٠٦، وذكره البغوي في التفسير: ٢/ ١٦٦، وابن تيمية في الفتاوى: ١٥/ ١٥، وابن القيم في بدائع الفوائد: ٣/ ٦، وابن كثير في تفسيره: ٢/ ٢٢١.\r(¬٢) أخرجه ابن جرير: ٣/ ٩٢.\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٣٣٢.\r(¬٤) ذكر ذلك في الفتاوى: ١٥/ ١٥ - ١٩، وساقها ابن القيم قريباً من عبارة شيخه مع: بعض الزيادات في بدائع الفوائد: ٣/ ٦، وانظر أيضاً قواعد الأحكام للعز: ٢/ ١٧٦ - ١٧٧ - ١٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048541,"book_id":1098,"shamela_page_id":189,"part":"1","page_num":200,"sequence_num":189,"body":"ومقصوده، فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه، وذلت جوارحه، وخشع صوته، حتى إنه ليكاد تبلغ ذلته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق، وقلبه يسأل طالباً مبتهلاً، ولسانه لشدة ذلته ساكتاً، وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلاً.\rورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.\rوخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء فإنَّ رفع الصوت يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه.\rوسادسها: أنه دال على قرب صاحبه إلى من يدعوه وهو الله القريب المجيب ولا يكون من نداء البعيد للبعيد حتى يحتاج إلى رفع الصوت.\rولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله ﷿: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣]، ففي ذلك استحضار القلب قرب الله ﷿، وأنَّه أقرب إليه من كل قريب فلهذا يخفي دعاءه ما أمكن وإلى ذلك أشار ﷺ بقوله: \"اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\".\rوقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].\rوهذا القرب من الداعي هو قرب خاص، فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.\rوسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما لو رفع فإنه يضعف.\rوثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات فإنه إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد حتى يشوش عليه، وربما تعلقت نفس الداعي بمراقبتهم فتتفرق همته فيضعف أثر الدعاء.\rوتاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال على الله وعبادته، ولكل نعمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048542,"book_id":1098,"shamela_page_id":190,"part":"1","page_num":201,"sequence_num":190,"body":"حاسد ولا نعمة أعظم من هذه النعمة والأسلم له إخفاء نعمته عن الحاسد.\rوقد قال يعقوب ليوسف ﵉ ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥].\rوعاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو ﷾ فهو ثناء على الله مع الطلب منه فهو ذكر وزيادة، وقد أمر الله تعالى بإخفاء الذكر مع في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\rهذا آخر الفوائد التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى - وهو كما ترى - يذهب إلى عدم الفرق بين الذكر والدعاء وهذا هو الصواب.\rوقد ذهب بعضهم إلى الفرق بين الذكر والدعاء:\rفذهب إلى أن الأفضل في الدعاء السر دون الذكر وعلل ذلك بقوله: لأنَّه أقرب إلى الإجابة إلَّا عند الضرورة.\rونقل عن الفتاوى البزازية أن الواعظ إذا جهر بالدعاء لا بأس به نعم إذا تعلموا وجهر يكون جهرهم بدعة.\rثم علل ثانياً بقول الله تعالى في زكريا إذ نادى ربه نداء خفياً وأنَّه يستحب في الاستعاذة اتفاقاً لكونها دعاء (¬١).\rوقد حكى بعض علماء الحنفية أن المستحب عندهم في الأذكار والأدعية الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود كالأذان والخطبة وتكبيرات الصلاة (¬٢).\rوفي هذا رد على بعض الحنفية الذين يميلون إلى استحباب الجهر","footnotes":"(¬١) انظر سباحة الفكر في الجهر بالذكر للكنوي ص: ٤٠، ٤١، وهذا الكتاب يميل إلى إستحباب ما تفعله الصوفية من الجهر بالذكر والاجتماع له وفيه تعسف وانظر ما يرد عليه في الفتاوى البزازية: ٤/ ٤٢.\r(¬٢) المبسوط للسرخسي: ٤/ ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048543,"book_id":1098,"shamela_page_id":191,"part":"1","page_num":202,"sequence_num":191,"body":"بالذكر مراعاة لما جرت عليه عادة المتصوفة من الجهر بالذكر والاجتماع عليه.\rفتبيّن مما تقدم أن الأفضل هو خفض الصوت ولكن في بعض الأوقات يأتي عارض يجعل الجهر أولى مثل قصد تعليم جاهل أو طرد نحو نعاس أو كسل عن الداعي نفسه أو إدخال سرور على قلب مؤمن أو تنفير مبتدع عن بدعة أو نحو ذلك (¬١).\r\rالتوسل (¬٢) إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا إما في أول الدعاء أو آخره:\rكما يقع كثيراً في الأدعية المأثورة فإنها إما تبتدئ بالتوسل باسم مناسب من أسماء الله الحسنى أو تختم به نحو ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. ونحو: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨]. ونحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ [الأعراف: ١٥١]. ونحو: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ونحو: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨].\rوقد أمرنا الله تعالى بالتوسل إليه في الدعاء بأسمائه الحسنى فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].\rوالدعاء بالأسماء الحسنى له مرتبتان:\r\"إحداهما دعاء ثناء وعبادة، والثاني دعاء طلب ومسألة فلا يثني عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسأل إلا بها، فلا يقال: يا","footnotes":"(¬١) الفتاوى البزازية: ٤/ ٤٢، والفتاوى الهندية: ٥/ ٣١٨.\r(¬٢) ذكره في المنهاج من الشروط: ١/ ٥٢٢، ٥٣٠، وابن القيم في الجواب ص: ١٠ والزركشي في الأزهية: ٦٩، ٩٣، والزبيدي في إتحاف السادة: ٥/ ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048544,"book_id":1098,"shamela_page_id":192,"part":"1","page_num":203,"sequence_num":192,"body":"موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضياً لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلاً إليه بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل ولا سيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا\" (¬١).\rوقد فسر قوله ﷺ: \"إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة\" (¬٢) فسر بالدعاء بها، وهو واحد من مراتب الإحصاء الثلاثة وهي:\rالأولى: إحصاء ألفاظها وعددها، والثانية: فهم معانيها ومدلولها، والثالثة: الدعاء بها. وقد رجح الخطابي هذا المعنى الأخير الذي هو عدُّها للدعاء بها (¬٣).\rوأما التوسل بدعاء الغير فليس من آداب الدعاء وذلك أن السؤال من الغير فيه نوع افتقار إلى غير الله تعالى ولهذا لم ينقل عن كبار الصحابة أنهم سألوا النبي ﷺ الدعاء لأنفسهم وإنما سأله عمر الدعاء للمسلمين عندما أراد النبي ﷺ ذبح رواحل المسلمين عندما نفدت أزوادهم في غزوة تبوك (¬٤).\rوأما التوسل بالغائب أو الميت فجدير بالمنع وأحرى. ومن هنا نعرف خطأ من عده من آداب الدعاء كابن الجزري في الحصن (¬٥) وسيأتي بيان ما في ذلك بتوسع بحول الله وقوته.","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ١/ ١٦٤، ٢/ ١٤٣، ومدارج السالكين: ١/ ٤٤٨.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٥/ ٣٥٤ رقم ٢٧٣٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٦٢ رقم ٢٦٧٧.\r(¬٣) بدائع الفوائد: ٢/ ١٤٣ وانظر شأن الدعاء للخطابي: ٢٦ وقد ذكر معنيين آخرين، والفتح: ١٣/ ٣٧٨.\r(¬٤) أخرجه مسلم: ١/ ٥٥ رقم ٢٧.\r(¬٥) عدة الحصن مع التحفة ص: ٤٤، وقد تبعه الشوكاني كما في التحفة ص: ٤٧، وقبله الزبيدي في الإتحاف: ٥/ ٤٤، وبعده صديق حسن خان في نزل الأبرار ص: ٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048545,"book_id":1098,"shamela_page_id":193,"part":"1","page_num":204,"sequence_num":193,"body":"وأما التوسل بالأعمال الصالحة، فقد ورد بكثرة في القرآن الكريم التوسل بالإيمان والأعمال الصالحة، وهذا يدل على استحبابه وذلك نحو: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣].\r﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].\rومن هذا الباب الحرص على الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة للإجابة أو هي متضمنة للاسم الأعظم (¬١) ومن ذلك ما رواه بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: \"اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد\" فقال: \"لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب\" (¬٢).\rومن ذلك ما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين إنه لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له\" (¬٣).\rومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يصلي ويقول: \"اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلَّا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم\" فقال","footnotes":"(¬١) الجواب الكافي ص: ١٠.\r(¬٢) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٦ رقم ١٤٩٣، والترمذي: ٥/ ٥١٥ رقم ٣٤٧٥، والنسائي: ٣/ ٤٥ باب ٥٨، وأحمد: ٥/ ٣٦٠، وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٧ رقم ٣٨٥٧، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٢٧١ رقم ٩٤٠٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٣٢ رقم ١١٤، وابن حبان [موارد] ص: ٥٩٢ رقم ٢٣٨٣، والحاكم: ١/ ٥٠٤، وصححه ووافقه الذهبي.\r(¬٣) تقدم ص: ٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048546,"book_id":1098,"shamela_page_id":194,"part":"1","page_num":205,"sequence_num":194,"body":"النبي ﷺ: \"لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى\" (¬١).\rومن ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: \"لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم\" (¬٢).\r\rاختيار (¬٣) جوامع الكلم وأحسن الكلام وأحسن الألفاظ وأنبلها وأجمعها للمعاني وأبينها:\rقد حث رسول الله ﷺ ورغب في ذلك، قالت عائشة ﵂: \"كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك\" (¬٤).\rوالسبب في ذلك ما ذكره الخطابي من أن الدعاء مناجاة العبد لسيد السادات الذي ليس له مثل ولا نظير ولو تقدم بعض خدم ملوك أهل الدنيا إلى صاحبه ورئيسه في حاجة يرفعها إليه لتخير له محاسن الكلام ولتخلص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته ولم يسلك هذه الطريقة، أوشك أن ينبو سمعه عن كلامه وألا يحظى بطائل من حاجته من عنده هذا ولله المثل الأعلى، فما ظنك برب","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٧ رقم ١٤٩٥، والنسائي: ٣/ ٤٤ رقم الباب ٥٨، والترمذي: ٥/ ٥٥٠ رقم ٣٥٤٤، وأحمد: ١٢٠٣، وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٨ رقم ٣٨٥٨، وابن حبان: [موارد]: ٥٩٢ رقم ٢٣٨٢، والحاكم: ١/ ٥٠٣ - ٥٠٤ وصححه ووافقه الذهبي.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ٧٤.\r(¬٣) ذكر هذا الخطابي في شأن الدعاء ص: ١٤، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٢.\r(¬٤) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٢ رقم ١٤٨٢، وابن أبي شيبة: ١٠/ ١٩٩ رقم ٩٢١٤، والحاكم: ١/ ٥٣٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٧ رقم ٥٠، وأحمد: ٦/ ١٨٩، وابن حبان موارد: رقم ٢٤١٢ ص ٥٩٨، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني كما في صحيح الجامع: ٤/ ٢٦٤ رقم ٤٨٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048547,"book_id":1098,"shamela_page_id":195,"part":"1","page_num":206,"sequence_num":195,"body":"العزة سبحانه وبمقام عبده الذليل بين يديه ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كنه الثناء عليه، وهذا رسوله وصفيه ﷺ قد أظهر العجز والانقطاع دونه فقال في مناجاته: \"وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" (¬١).\rويدخل في هذا مراعاة الإعراب في الأدعية لأنَّه بالإعراب يستقيم المعنى وبعدمه يختل ويفسد وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر إن اعتقد صاحبه، وقد أخرج الخطابي بإسناده عن الأصمعي أنه مر برجل يقول في دعائه يا ذو الجلال والإكرام فقال: ما اسمك؟ قال ليث، فأنشأ يقول:\rينادي ربه باللحن ليث … لذاك إذا دعاه لا يجيب (¬٢)\rوالحاصل أنه ينبغي التحفظ من الخطأ في في الدعاء لأن تعظيم الله تعالى واجب على العبد بكل حال وهو في حال مسألته والرغبة أوجب وألزم (¬٣).\rولكن هذا في القادر الذي يستطيع الإعراب والإفصاح وأما العاجز فلا بأس بأن يدعو بما يستطيع. قال ابن الصلاح ﵀: \"ثم إن الدعاء الملحون ممن لا يستطيع غير الملحون لا يقدح في الدعاء ويعذر فيه\" (¬٤).\r\rاستقبال القبلة (¬٥):\rوذلك لأن القبلة هى الجهة الفاضلة التي ينبغي أن يتجه إليها في","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ١/ ٣٥٢ رقم ٤٨٦.\r(¬٢) شأن الدعاء للخطابي: ١٥ - ١٦، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١٢.\r(¬٣) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٩.\r(¬٤) فتاوى ابن الصلاح ضمن المجموعة المنيرية: ٤/ ٣٠، وشرح الإحياء: ٥/ ٥٤، والأزهية: ٦٨.\r(¬٥) ذكره الخطابي في شأن الدعاء: ١٣ وجعله من الشرائط والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣، والزركشي في الأزهية ص: ٧٢ والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٤، وعنه النووي في الأذكار: ٣٥٣، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، وابن الجزري في العدة ٤٣، وابن الجوزي كما في غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048548,"book_id":1098,"shamela_page_id":196,"part":"1","page_num":207,"sequence_num":196,"body":"العبادات وهي أيضاً قبلة للدعاء كما أنها قبلة للصلوات وليست السماء قبلة للدعاء كما زعم ذلك بعضهم وستأتي مناقشة ذلك في مبحث العلو إن شاء الله.\rوقد ورد في ذلك عدة أحاديث من ذلك حديث ابن مسعود ﵁ في إلقاء قريش الأذى على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي وفيه: \"استقبل النبي ﷺ الكعبة فدعا على نفر من قريش\" (¬١).\rوحديث عمر ﵁: \"لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه\" (¬٢).\rوحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الاستسقاء قال: \"إن النبي ﷺ خرج إلى المصلى يصلي وإنه لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه\" (¬٣).\rولكن مع ثبوت هذه الأحاديث التي تدل على مشروعية استقبال القبلة وأفضليته للدعاء فالذي ينبغي أن يعلم أنه ليس بلازم في الدعاء، فقد ورد ما يدل على أن النبي ﷺ دعا غير مستقبل القبلة في بعض الأحيان ولهذا عقد البخاري ﵀ في صحيحه باب (¬٤) الدعاء غير مستقبل القبلة وأورد فيه حديث الاستسقاء في خطبة الجمعة. ومن المعلوم أن الخطيب يكون مستدبراً للقبلة في حال الخطبة وذلك للإشارة إلى أن الاستقبال ليس بلازم وإن كان أفضل وأرجى للقبول.\r\rالطهارة قبل الدعاء (¬٥):\rوهذا من الآداب التي ينبغي للداعي أن يتصف بها فاللائق بمن يريد","footnotes":"(¬١) البخاري: ٧/ ٢٩٣ رقم ٣٩٦٠ ورقم ٢٤٠، ومسلم: ٣/ ١٤٢٠ رقم ١٧٩٤.\r(¬٢) مسلم: ٣/ ١٣٨٣ رقم ١٧٦٣.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٢/ ٥١٥ رقم ١٠٢٨ و ١١/ ١٤٤ رقم ٦٣٤٣.\r(¬٤) انظر ذلك في البخاري مع الفتح الدعوات: ١١/ ١٤٣.\r(¬٥) ذكرها الخطابي وعدها من الشروط: شأن الدعاء ص: ١٣، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، والزبيدي في إتحاف السادة: ٥/ ٤١، وابن الجزري في العدة ص: ٤٣، والزركشي في الأزهية ص: ٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048549,"book_id":1098,"shamela_page_id":197,"part":"1","page_num":208,"sequence_num":197,"body":"خطاب الله ومناجاته أن يكون على أحسن الأحوال ومن ذلك الطهارة الظاهرة بالوضوء والطهارة الباطنة بالتوبة والاستغفار حتى يكون مؤهلاً لخطاب الله تعالى ومناجاته.\rوقد ورد ما يدل على استحباب الوضوء للدعاء في حديث أبي موسى الأشعري في قصة استشهاد أبي عامر وطلبه من النبي ﷺ الاستغفار فلما وصل إلى النبي ﷺ وفاته وطلبه منه الاستغفار دعا بماء فتوضأ ثم دعا له (¬١).\rوهذا الوضوء ليس بلازم إذ المضطر قد لا يسعفه الوقت للاستعداد بالوضوء فيتجه إلى الله تعالى بالسرعة فيجيبه الله على حسب قوة إخلاصه ورجائه وتضرعه وخشوعه.\rثم إن الوضوء للدعاء ليس صفة دائمة في جميع الدعوات التي نقلت عن النبي ﷺ فقد كان كما قالت عائشة ﵂: \"يذكر الله في جميع أحيانه\" (¬٢).\rوالدعاء نوع من الذكر كما تقدم وذلك كالدعاء عند الخروج من الخلاء فإنه لا يؤخره حتى يتوضأ بل يقوله مباشرة عند الخروج.\r\rافتتاح الدعاء (¬٣) بالثناء على الله تعالى بالمحامد التي تليق بجلاله وبذكر جوده وكرمه ثم بالصلاة والسلام على نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه:\rوذلك أن الأدب في خطاب العظماء أنه يقدم ثناؤهم وذكر جودهم وفضلهم على خطابهم بالحاجة وقد قال الشاعر:","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٨/ ٤١ رقم ٤٢٢٣.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ١/ ٢٨٢ رقم ٣٧٣.\r(¬٣) ذكره الخطابي في شأن الدعاء ص: ١٣، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٥، وعنه النووي في الأذكار ص: ٣٥٤، وابن القيم في الوابل: ١٨٢، والجواب: ١٠، وابن عبد السلام في قواعده: ٢/ ١٦٨، والزركشي في الأزهية: ٨٠ - ٨٣، وابن الجزري في العدة: ٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048550,"book_id":1098,"shamela_page_id":198,"part":"1","page_num":209,"sequence_num":198,"body":"أأذكر حاجتي أم قد كفاني … ثناؤك إن شيمتك الوفاء\rولله المثل الأعلى فالذي يريد دعاءه عليه أن يقدم بين يدي حاجته الثناء وهذا من التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.\rوإذا تأملنا الأدعية الواردة في القرآن والسنة نجد كثيراً منها تبتدئ بالثناء على الله تعالى بجميل أوصافه، فمن ذلك الدعاء الذي حكاه الله عن عباده أولي الألباب في آخر سورة آل عمران فقد بدئ بالثناء على الله بالتنزيه وعدم العبث: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ … ﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٤]، ومن ذلك دعاء الفاتحة الذي هو أفضل دعاء فقد بدئ بالثناء على الله، ومن ذلك دعاء يوسف الذي حكاه الله في آخر سورة يوسف آية ١٠١: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ ودعاء الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا … ﴾ [غافر: ٧].\rومن ذلك الدعاء الذي كان النبي ﷺ يقوله في قيام الليل: \"اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض\" … إلى أن قال بعد ثناء طويل: \"فاغفر لي ما قدمت … \" (¬١).\rقال الحافظ في شرحه لهذا الحديث: وفيه استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب اقتداء بالنبي ﷺ (¬٢).\rوأما الصلاة على النبي ﷺ فهي نوع من أنواع الدعاء إذ الدعاء نوعان:\rأحدهما: سؤال العبد حوائجه ومهماته، وهذا إيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.\rوالثاني: سؤال العبد ربه أن يصلي على خليله وحبيبه ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحب ذلك، فالمصلي عليه قد صرف","footnotes":"(¬١) البخاري مع الفتح: ٣/ ٣ رقم ١١٢٠.\r(¬٢) الفتح: ٣/ ٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048551,"book_id":1098,"shamela_page_id":199,"part":"1","page_num":210,"sequence_num":199,"body":"سؤاله ورغبته إلى محاب الله ورسوله وآثر ما يحبه الله ورسوله على محاب نفسه. فهذا جزاؤه من جنس عمله.\rومثال هذا ما يوجد عند الناس بما يفعلونه عند ملوكهم إذا أرادوا التقرب إليهم أثنوا على من يحبونه وسألوا منه أن ينعموا عليه وبذلك يتوسلون إلى القرب عندهم والحظو لديهم (¬١).\rثم إن الصلاة على النبي ﷺ هي دعاء له فكلما صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشراً: \"وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: آمين ولك بمثله فدعاؤه للنبي ﷺ أولى بذلك\" (¬٢).\rفتبيّن بهذا أن الصلاة على النبي ﷺ فيها معنى الدعاء فكيف إذا تقدمت أمام الدعاء فصارت له كالمفتاح كما أن مفتاح الصلاة الطهور؟ (¬٣).\rوقد اتفق العلماء على استحبابها في الدعاء حتى حكى الزمخشري أن بعض العلماء أوجبها في كل دعاء (¬٤).\rوقد ورد الحث على تقديم الثناء والصلاة والسلام على النبي ﷺ في أحاديث متعددة، منها: حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: \"سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: \"عجل هذا\"، ثم دعاه فقال له ولغيره: \"إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بعد بما شاء\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) جلاء الأفهام: ٢٧٠، وبدائع الفوائد: ٢/ ١٩٠.\r(¬٢) قاعدة جليلة في التوسل ص: ٧١ رقم ٢١٤.\r(¬٣) قاعدة جليلة في التوسل ص: ٢٢٧.\r(¬٤) الفتح: ١١/ ١٥٣.\r(¬٥) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٢ رقم ١٤٨١، والنسائي: ٣/ ٣٨ باب ٤٨، والترمذي: ٢/ ٤٨٨ رقم ٥٩٣ و ٥/ ٥١٦ رقم ٣٤٧٧ وابن خزيمة: ١/ ٣٥١ رقم ٧٠٩، وابن حبان [موارد] رقم ٥١٠، والحاكم: ١/ ٢٦٨، وصححه ووافقه الذهبي وقد صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان كما في الفتح ١١/ ١٦٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ١/ ٢٣٧ رقم ٦٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048552,"book_id":1098,"shamela_page_id":200,"part":"1","page_num":211,"sequence_num":200,"body":"وروي عنه ﷺ أنه قال: \"كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي ﷺ \" (¬١).\r\rمن آداب الدعاء (¬٢): رفع اليدين:\r١ - ذهب أكثر العلماء إلى استحباب رفع اليدين في الدعاء ويدل لهم أحاديث كثيرة جداً أفردها المنذري في جزء (¬٣) وكذلك السيوطي في رسالة سماها \"فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء\"، وادعى في أولها تواترها وأنَّه وقعت له منها نيف وأربعون حديثاً (¬٤).\rوذكر في تدريب الراوي أن من المتواتر ما تواتر معناه، ومثل له بأحاديث رفع اليدين في الدعاء ثم قال: \"فقد ورد عنه ﷺ نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء وقد جمعتها في جزء لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع\" (¬٥). وممن أقر بتواتره صاحب نظم المتناثر (¬٦).","footnotes":"(¬١) روي عن علي وعبد الله بن بسر ومعاذ، فأما حديث على فقد روي مرفوعاً وموقوفاً وذكر فيه ابن القيم ثلاث علل في جلاء الأفهام: ١١ - ١٢، وحديث عبد الله بن بسر أخرجه النَّسَائِي في الخصائص كما في جلاء الأفهام: ٢٢٦، وحديث معاذ أخرجه ابن حبان كما أشار إليه في صحيح الجامع وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٤/ ١٧٣.\r(¬٢) قد بوّب البخاري في صحيحه لهذه المسألة فقال: باب رفع الأيدي في الدعاء. البخاري مع الفتح: ١١/ ١٤١، والخطابي جعله من سننه ص: ١٣، والحليمي في المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٤، وابن القيم في الجواب ص: ١٠، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٢، وعنه النووي في الأذكار: ٣٥٧، والزركشي في الأزهية: ٧٣، والطرطوشي في الدعاء المأثور ص: ٥٣.\r(¬٣) انظر عن جزء المنذري الفتح: ١١/ ١٤٢.\r(¬٤) طبعت الرسالة بتحقيق محمد شكور المياديني بمكتبة المنار في الأردن عام ١٤٠٥ هـ وجملة الأحاديث الموصولة فيها ٤٧ والمرسلة ٩ والموقوفة ٣ والمجموع ٥٩.\r(¬٥) تدريب الراوي: ٢/ ١٨٠.\r(¬٦) انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني: ١١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048553,"book_id":1098,"shamela_page_id":201,"part":"1","page_num":212,"sequence_num":201,"body":"وقال النووي: \"قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحواً من ثلاثين حديثاً من الصحيحين أو أحدهما\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما رفع النبي ﷺ بالدعاء فهو في الحديث أكثر من أن يبلغه الإحصاء\" (¬٢) وذكر أيضاً أن الرفع تواترت به السنن (¬٣).\r٢ - وقالت طائفة: يكره رفع اليدين في الدعاء وإنما يشير بأصبع واحدة.\r٣ - وقيل: إن الرفع خاص بالاستسقاء.\r٤ - وقيل: إنه خاص بالاستسقاء والنازلة (¬٤).\rويستدل لهذين المذهبين الأخيرين بحديث أنس بن مالك ﵁ قال: \"كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه\" (¬٥).\rويقاس على الاستسقاء النازلة على رأي المذهب الأخير. واستدل (¬٦) للمذهب الثاني بما رواه مسلم عن عمارة بن رُؤَيْبَة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبحة (¬٧).","footnotes":"(¬١) شرح مسلم للنووي: ٦/ ١٩٠.\r(¬٢) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٤.\r(¬٣) الفتاوى: ٥/ ٢٦٥.\r(¬٤) يراجع في حكاية هذه الأقوال إلى: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥، والفتح: ١١/ ١٤٣.\r(¬٥) البخاري: ٢/ ٥١٧ رقم ١٠٣١.\r(¬٦) الجامع للقرطبي: ٧/ ٢٢٥.\r(¬٧) أخرجه مسلم: ٢/ ٥٩٥ رقم ٨٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048554,"book_id":1098,"shamela_page_id":202,"part":"1","page_num":213,"sequence_num":202,"body":"والصواب مذهب الجمهور لأن القاعدة المعروفة أنه عندما يظهر ما يشبه التعارض بين النصوص أن يجمع بينها أولاً إن أمكن، ثم يرجح بينها إن لم يمكن الجمع وقد أمكن هنا الأمران (¬١) الجمع والترجيح.\rأ - فأما الجمع بينها فيمكن أن يقال فيه: إن حديث أنس في الاستسقاء يحمل على أن المنفي فيه صفة خاصة لا أصل الرفع وذلك لأن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلاً، وأما في غيره فإلى حذو المنكبين فقط أو أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي غيره يليان السماء لأنَّه ورد في مسلم: \"عن أنس أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء\" (¬٢).\rوأما حديث عمارة بن رُؤَيبة فخاص برفع اليدين على المنبر في خطبة الجمعة كما هو ظاهر سياق الحديث فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيته (¬٣).\rب - وأما إذا قلنا: إن الجمع لا يمكن فننتقل إلى الترجيح، وجانب الإثبات أرجح لأمرين:\r١ - إن أحاديث الإثبات متواترة وحديث النفي غير متواتر، فالمتواتر مقدم على غيره.\r٢ - إن أحاديث الرفع مثبتة فالصحابة الذين رووها أخبروا عن شيء عاينوه وشاهدوه أو سمعوه من النبي ﷺ، فالمثبت مقدم على النافي والحافظ حجة على من لم يحفظ لاسيما والمثبتون جماعة والنافي واحد، ولعله لم ير ذلك أو لم يحضره أو حضر ولم يتفطن.","footnotes":"(¬١) انظر عن هذين الأمرين: شرح النووي لمسلم: ٦/ ١٩٠، والفتح: ٢/ ٥١٧، ٤١٣، ١١/ ١٤٢.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٦١٢ رقم ٨٩٦.\r(¬٣) الفتح: ١١/ ١٤٣، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048555,"book_id":1098,"shamela_page_id":203,"part":"1","page_num":214,"sequence_num":203,"body":"مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء:\rقد اختلف الفقهاء في ذلك فمنهم من استحب (¬١) ذلك ومنهم من كره ذلك (¬٢) وعده بدعة، واستدل القائلون بالاستحباب بأحاديث كلها واهية فلم يسلم طريق من تلك الطرق من ضعف شديد، بين ذلك الشيخ الألباني والشيخ بكر أبو زيد حفظهما الله تعالى (¬٣).\rولكن الحافظ ابن حجر حَسَّن إسناد حديث ابن عباس (¬٤) وقال في الأحاديث الواردة في مسح الوجه: إن مجموعها يقضي بأنه حسن (¬٥).\rوهذا فيه نظر لأن تقويتها يمكن لو أن هناك طريقاً ليس فيه ضعف شديد وهذا الأمر لا يوجد هنا إذ الطرق كلها واهية إذ لم يسلم طريق من ضعف شديد.\rواحتج القائلون بالبدعية بأمرين:\r١ - إن المسح عبادة وهي توقيفية ولم يثبت بطريق يمكن الأخذ به.\r٢ - إن أحاديث رفع الأيدي في الدعاء متواترة فلم يرد فيها أنه مسح الوجه بعد الرفع إلا في أحاديث ضعيفة جداً، فهذا يدل على نكارة تلك الأحاديث أو شذوذها.","footnotes":"(¬١) منهم الحليمي في المنهاج: ٥٣٥١/ ٥٢٣، والغزالي في الإحياء: ١/ ٣٦٣، وابن الجزري في العدة ص: ٤٤.\r(¬٢) منهم الإمام مالك وابن المبارك، وأحمد، والبيهقي، والعز ابن عبد السلام، والنووي في قول، وابن تيمية، وابن عرفة، والفيروز أبادي، نقل عن هؤلاء الشيخ بكر أبو زيد في رسالته ص: ٥٣ - ٥٧.\r(¬٣) أورد الشيخ الألباني الأحاديث المتعلقة بالمسح وبين ضعفها في كتابه إرواء الغليل: ٢/ ١٧٨ - ١٨٢، وللشيخ بكر أبو زيد رسالة مستقلة في الموضوع سماها جزء في مسح الوجه بعد رفعهما للدعاء وهي من الأجزاء الحديثية التي يصدرها تباعاً الشيخ بكر أبو زيد، وهذا الجزء هو الثاني منها ونشرته دار الرشد بالرياض عام ١٤٠٤ هـ.\r(¬٤) انظر فض الوعاء: ٧٤ نقلاً عن نتائج الأفكار لابن حجر.\r(¬٥) بلوغ المرام مع سبل السلام: ٤/ ١٦٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048556,"book_id":1098,"shamela_page_id":204,"part":"1","page_num":215,"sequence_num":204,"body":"ومن هنا قال العز ابن عبد السلام: لا يفعله إلا جاهل (¬١).\rوقال النووي: لا يندب (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام: وأما رفع النبي ﷺ في الدعاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة، والله أعلم (¬٣) أي أن هذه الأحاديث التي فيها المسح تعد منكرة فلا تصلح دليلاً.\r\rتحري الأوقات الفاضلة (¬٤):\rقد فضّل الله الأوقاتَ بعضها على بعض فجعل بعضها نفحات لرحمته وجوده وكرمه فينبغي للإنسان أن يترصد تلك الأوقات الفاضلة فيدعو الله فيها فهي أرجى للإجابة من غيرها، ومن تلك الأوقات:\r١ - الأسحار. فقد وردت أحاديث وآثار تدل على قبول الدعاء في جوف الليل عموماً وفي الأسحار خصوصاً، ووصف الله عباده المتقين بأنهم يستغفرون بالأسحار ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨] والاستغفار نوع من الدعاء كما تقدم.\rومن الأحاديث التي وردت في قبول الدعاء في الأسحار ما رواه أبو هريرة ﵁ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني","footnotes":"(¬١) فتاوى العز ابن عبد السلام الموصلية نقل عن هذه الفتاوى، الزركشي في الأزهية ص: ١٠٦، والمناوي في فيض القدير: ١/ ٣٦٩ ولم أجد هذا النص في فتاوى العز المطبوعة.\r(¬٢) شرح المهذب: ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢، والفتوحات الربانية: ٢/ ٣١١.\r(¬٣) الفتاوى: ٢٢/ ٥١٩.\r(¬٤) انظر في هذا المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٥، والفتاوى: ١٠/ ٦٦٠ - ٦٦٢، والجواب الكافي: ١٠، والإحياء: ١/ ٣٦١، والأزهية: ١٠٧ - ١١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048557,"book_id":1098,"shamela_page_id":205,"part":"1","page_num":216,"sequence_num":205,"body":"فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له\" (¬١).\r٢ - يوم الجمعة:\rففي يوم الجمعة ساعة يستجاب فيها للعبد، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: \"فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه\" (¬٢).\rوقد اختلف في تعيين هذه الساعة على نحو أربعين (¬٣) قولاً وأقوى هذه الأقوال قولان:\rأحدهما: ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى الفراغ الصلاة.\rوثانيهما: ما بعد صلاة عصر يوم الجمعة إلى الغروب.\rفهاتان الساعتان قد صح في كل منهما ما يدل على أنه يستجاب فيه الدعاء، وبذلك تنحصر ساعة الإجابة فيهما ولا تعارض بين ما ورد فيه لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما في وقت وعلى الآخر في وقت آخر (¬٤).\r٣ - شهر رمضان المبارك لا سيما العشر الأواخر ولا سيما ليلة القدر.\rإن الله ﷾ فضل الشهور بعضها على بعض، ومن الشهور الفاضلة شهر رمضان فهو موسم الخيرات وزيادة عطايا الرب وهباته ففيه تفتح أبواب الخيرات ويتعرض فيه لجود الرب وكرمه وفضله، ومما ورد مما يدل على فتح أبواب الرحمة والخيرات في شهر رمضان - ما رواه أبو هريرة مرفوعاً -: \"إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب","footnotes":"(¬١) البخاري: ٣/ ٢٩ رقم ١١٤٥، ومسلم: ١/ ٥٢١ رقم ٧٥٨، وهو حديث متواتر كما قاله الذهبي في العلو ص: ٧٣.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٢٢/ ٤١٥ رقم ٩٣٥، ومسلم: ٢/ ٥٨٣ رقم ٨٥٢.\r(¬٣) انظر عن هذه الأقوال وأدلتها: فتح الباري: ٢/ ٤١٦ - ٤٢١.\r(¬٤) زاد المعاد: ١/ ٣٩٤، وفتح الباري: ٢/ ٤٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048558,"book_id":1098,"shamela_page_id":206,"part":"1","page_num":217,"sequence_num":206,"body":"جهنم وسلسلت الشياطين\" (¬١).\r٤ - يوم عرفة. فهذا يوم عظيم تستجاب فيه الدعوات. قال النبي ﷺ: \"أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته: … \" (¬٢).\rقال ابن عبد البر: \"وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره … وفي الحديث أيضاً دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب\" (¬٣).\rثم بقي هنا سؤال هل قبول الدعاء يوم عرفة خاص بعرفة؟\rالجواب: إن الحديث لم يقيد فضيلة الدعاء يوم عرفة بعرفة خاصة، وربما يمكن أن يكون هذا الدعاء أفضل حتى في غير عرفة ولكن الباجي المالكي قال: \"ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة لأن معني دعاء يوم عرفة في حقه يصح وبه يختص، وإن وصف اليوم في الجملة بيوم عرفة فإنه يوصف بفعل الحاج فيه\" (¬٤).\rوهذا الذي قاله الباجي هو الظاهر لأن السلف لم يشتهر عنهم الحرص على الدعاء في يوم عرفة بغير عرفة. ولكن يعكر على هذا ما أن روي ابن عباس وعمرو بن حريث من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين كانوا يعرفون يوم عرفة في الأمصار وأنكره عليهم آخرون (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٥٨ رقم ١٠٧٩.\r(¬٢) تقدم ص: ٥١.\r(¬٣) التمهيد: ٦/ ٤١.\r(¬٤) المنتقى شرح الموطأ: ١/ ٣٥٨.\r(¬٥) وممن أنكر هذا التعريف الحسن البصري وإبراهيم النخعي والحكم وحماد يراجع في هذا إلى المصنف لعبد الرزاق: ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٩، والسنن الكبرى: ٥/ ١١٨، وقال شيخ الإسلام: غايته أنه مما يسوغ فيه الاجتهاد لا أنه سنة سنها النبي ﷺ لأمته أو يقال: إنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة. اهـ. قاعدة في التوسل ص: ١٠٣، واقتضاء الصراط: ٣١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048559,"book_id":1098,"shamela_page_id":207,"part":"1","page_num":218,"sequence_num":207,"body":"٥ - ما بين الأذان والإقامة:\rفعند الأذان تطرد الشياطين، وتتجه القلوب إلى الله تعالى تاركة هموم الدنيا مقبلة إلى الوقوف بين يدي الله تعالى، ففي هذا الوقت يرجى قبول الدعاء، فقد روى أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا\" (¬١).\r\rأن يتحرى الأماكن الفاضلة (¬٢).\rوذلك كالمساجد والمشاعر المقدسة كعرفة والمشعر الحرام والجمرتين الصغرى والوسطى دون الكبرى وجوف الكعبة والصفا والمروة وذلك لأن هذه المواضع قد شرفها الله تعالى وتعبدنا بتعظيمها وجعل العبادة فيها أفضل من العبادة في غيرها. وجعلها الله تعالى أماكن لقبول الدعاء فيها أكثر من غيرها وهذا الأمر معروف حتى عند الكفار في جاهليتهم، فقد كان مشركو قريش يرون أن الدعاء في مكة مستجاب.\rقال عبد الله بن مسعود ﵁ في قصة طرح الكفار سلى جزور على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي قال: \"فشق عليهم إذ دعا عليهم وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد: ٣/ ١٥٥، ٢٢٥، وأبو داود: ١/ ١٤٤، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص: ١١٧ رقم ٦٧، ٧٢ والترمذي: ١/ ٤١٥ رقم ٢١٢، ٥/ ٥٧٧، والطبراني في الدعاء: ٤٨٣ - ٤٨٨، وصححه الألباني في الإرواء: ١/ ٢٦١ برقم ٢٤٤.\r(¬٢) انظر المنهاج: ١/ ١٢٣، ٥٣٩، والأزهية: ١١٠، وقد ذكر ابن القيم في الزاد: ٢/ ٢٨٨، ست وقفات للدعاء وذكر عند الملتزم: ٢/ ٢٩٨، وعند الصفا: ٢/ ٢٢٨، ويوم عرفة: ٢/ ٢٣٨، وقال: وأسانيد هذه الأدعية فيها لين وذكر السفاريني أنه لا يعلم بورود شيء من ذلك مرفوعاً إلا ما ورد بسند حسن عند الطبراني من استجابته عند الكعبة، وما ورد في مسجد الأحزاب: انظر غذاء الألباب: ٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ١/ ٣٤٩ رقم ٢٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048560,"book_id":1098,"shamela_page_id":208,"part":"1","page_num":219,"sequence_num":208,"body":"فينبغي للمسلم أن يتحرى الدعاء في هذه الأماكن الفاضلة التي الدعاء فيها أقرب للإجابة من غيرها لعل الله يمن عليه بجوده.\r\rأن يتحرى الأحوال الفاضلة (¬١):\rفالإنسان له أحوال يكون فيها خشوعه وتضرعه أكثر، وعند التأمل يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضاً. إذ وقت السحر وقت يحصل به تمام صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات. قال شيخ الإسلام: \"والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت\" (¬٢).\rويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على ذكر الله تعالى وعبادته. قال شيخ الإسلام: \"فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه\" (¬٣).\rولتداخل شرف الأوقات بشرف الحالات اختلفت اعتبارات العلماء فمنهم من يعتبر الحالات أوقاتاً وبالعكس فنجد ابن القيم يجعل أدبار الصلوات وبين الأذان والإقامة من الأوقات (¬٤).\rونجد الحليمي والغزالي يجعلان ذلك من الأحوال (¬٥).\rوالفرق بين الأحوال والأوقات واضح إذ أحوال الداعي مختلفة غير مستمرة في أزمنة وإن كانت لا تخلو عنها فالحال وصف للداعي وأما","footnotes":"(¬١) انظر المنهاج: ١/ ٥٢٣، ٥٣٨، والإحياء: ١/ ٣٦٢، وعنه في الأذكار: ٣٥٣.\r(¬٢) الفتاوي: ٥/ ١٣٠ - ١٣١، ونحوه في: ٥/ ٣٧٣.\r(¬٣) الفتاوى شرح حديث النزول: ٥/ ٣٧٤.\r(¬٤) الجواب الكافي: ١٠، ومثل ابن القيم شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه: ١٠/ ٦٦١ - ٦٦٢.\r(¬٥) انظر المنهاج: ١/ ٥٣٨ - ٥٣٩، والإحياء: ١/ ٣٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048561,"book_id":1098,"shamela_page_id":209,"part":"1","page_num":220,"sequence_num":209,"body":"الزمان والمكان فظرفان له (¬١).\rومن هذه الأحوال حال الاضطرار ففي الاضطرار تجتمع النية وتتوجه القلوب إلى الله تعالى ويقطع الرجاء عن غير الله تعالى ومن هنا تحصل سرعة الإجابة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] ومن الأحوال حالة السجود ففي حالة السجود يتذلل العبد لربه ويتضرع ويضع أشرف موضع من جسده على مواطئ الأقدام فلهذا فالسجود مظنة لإجابة الدعاء.\rفعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\" (¬٢).\rوعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿ وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم\" (¬٣).\rوبهذا قد انتهينا من ذكر آداب الدعاء على وجه الإيجاز فنبدأ في الكلام على الإجابة وبالله التوفيق:","footnotes":"(¬١) الفتوحات الربانية: ٧/ ٢٤٦.\r(¬٢) مسلم: ١/ ٣٥٠ رقم ٤٨٢، وأبو داود: ١٨/ ٥٤٥ رقم ٨٧٥، وأحمد: ٢/ ٤٢١.\r(¬٣) مسلم: ١/ ٣٤٨ رقم ٤٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048562,"book_id":1098,"shamela_page_id":210,"part":"1","page_num":221,"sequence_num":210,"body":"المبحث الثالث في الإجابة وأنواعها\rتعريف الإجابة:\rيقال: أجاب الله دعاءه إجابة، المصدر: الإجابة، والاسم الجابة: كالطاعة، واسم الفاعل المجيب، وهو في أسماء الله تعالى: الذي يقابل الدعاء والسؤال بالعطاء والقبول، ويقال أيضاً: استجاب الله دعاءه استجابة واستجاب له.\rوالإجابة والاستجابة بمعنى واحد، السين والتاء زائدتان، قال الشاعر:\rوَدَاعٍ دَعا يا من يُجِيبُ إلَى الندى … فلم يستجبه عند ذاك مجيب (¬١)\rأي فلم يجبه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥].\rوقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦].","footnotes":"(¬١) قائل هذا البيت هو كعب بن سعد الغنوي كما في مجاز القرآن: ١/ ٦٧، ١١٢ والصحاح: ١/ ١٤، واللسان: ٢/ ٧١٦، والطبري: ٢/ ١٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048563,"book_id":1098,"shamela_page_id":211,"part":"1","page_num":222,"sequence_num":211,"body":"ففي هذه الآيات معنى استجاب أجاب كما هو واضح (¬١).\r\rالإجابة وأنواعها:\rقد تقدم أن الدعاء ينقسم إلى نوعين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.\rوكذا الاستجابة تتنوع إلى نوعين: فلكل نوع من الدعاء نوع من الاستجابة يناسبه، فاستجابة دعاء العبادة بإعطاء الثواب والأجر، واستجابة دعاء المسألة بإعطاء المسؤول.\rقال ابن القيم ﵀: \"والاستجابة أيضاً نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب وبكل واحد من النوعين فسر قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. والصحيح أنه يعم النوعين\" (¬٢). أي أنه يراد به القدر المشترك الذي يصدق على النوعين.\rومثل الاستجابة السماع، فإن السمع يطلق \"ويراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم\" (¬٣) كما يطلق على سماع القبول والانقياد (¬٤) فسماع الله تعالى للدعاء يشمل سماع العلم والإحاطة وسماع الإجابة والقبول فهو يسمع دعاء السائلين سمع إجابة ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل فإنه سبحانه هو الذي خلقهم كلهم ويرزقهم كلهم (¬٥).\rوقد أمر الله تعالى عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة تفضلاً منه وتكرماً","footnotes":"(¬١) انظر المصادر السابقة وغريب القرآن لابن قتيبة ص: ٧٤، والمفردات: ١٠٢، والنهاية: ١/ ٣١٠ وشأن الدعاء للخطابي: ٧٢ والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣١٣.\r(¬٢) زاد المعاد: ١/ ٢٣٥.\r(¬٣) قاعدة في التوسل ص: ٥٤.\r(¬٤) بدائع الفوائد: ٢/ ٧٥.\r(¬٥) الفتاوى: ٥/ ٤٨٠، وجامع الرسائل: ٢/ ١٦، ٥٤، وقاعدة التوسل ص: ٥٣ - ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048564,"book_id":1098,"shamela_page_id":212,"part":"1","page_num":223,"sequence_num":212,"body":"وامتناناً وإحساناً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].\rوهذا الوعد من الله تعالى لا يتخلف قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران: ٩].\rوالاعتقاد بعدم خلف الله لوعده هو عقيدة المؤمن بربه وهو الذي تقتضيه النصوص الشرعية كما تقتضيه الفطر السليمة والعقول النيرة والعادات الجارية من الكرماء. فلله المثل الأعلى إذ الكريم إذا وعد لا بد أن يفي فكيف بأكرم الكرماء الذي رحمته وسعت كل شيء؟؟\rفإذا ثبت هذا يأتي هنا سؤال جد مهم وهو أننا نرى بعض الناس يدعون فلا يستجاب لهم مع أن وعد الله محقق لا يتخلف (¬١).\rوقبل الخوض في جوابه لا بد من معرفة أن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا يجاب على كل أدعية الإنسان وأمنياته، لأنَّه قد يدعو بما فيه ضرر عليه أو بما لا مصلحة له فيه، وقد يدعو بما فيه ضرر على غيره، فالإنسان محدود المعرفة وقاصر العلم بمصالحه، فلو أن الله تعالى أجاب له كل ما يريده لأدى ذلك إلى مفاسد له ولغيره، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].\rوقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].\rوقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].","footnotes":"(¬١) انظر عن هذا السؤال: تفسير الطبري: ٢/ ١٦٠، والبغوي: ١/ ١٥٥، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٤١، وزاد المسير: ١٠/ ١٨٩، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣٠٩، وتفسير الرازي: ٥/ ١٠٧، وشرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048565,"book_id":1098,"shamela_page_id":213,"part":"1","page_num":224,"sequence_num":213,"body":"وقد بيّن الله ﷾ في كتابه العزيز الدعوات التي لم يستجبها بعين المطلوب مع أن الذين دعوه هم أنبياؤه ورسله الكرام ومع ذلك قد تتأخر الإجابة بعين المطلوب ويخبرهم الله تعالى أن ما سألوه لا تقتضيه الحكمة الإلهية فإذا كان هذا في الأنبياء والرسل مع ما أعطاهم الله من المنزلة والكرامة فكيف بمن دونهم؟\rومن الأمثلة التي بَيَّنَ اللهُ فيها ذلك: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\rفقد نزلت في دعاء النبي ﷺ على الذين آذوه يوم أُحد وقتلوا أصحابه فدعا عليهم فنزلت (¬١).\rوقوله تعالى في سؤال موسى رؤيةَ ربِّه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣].\rوقوله تعالى في سؤال نوح نجاةَ ابنه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦].\rومن هنا ينبغي للعبد أن لا يعترض إذا تأخرت الإجابة لدعائه وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه وشقوته، وقد يمنعه منها لكرامته عليه ومحبته له فيمنعه حماية وصيانة وحفظاً لا بخلًا (¬٢).\rهذا وإذا عرفنا أن الإجابة قد تتأخر لحكم وأسرار يعلمها الله تعالى نبدأ في الجواب عن السؤال الماضي فنقول وبالله التوفيق:","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٧/ ٣٦٥ رقم ٤٠٧٠، والترمذي: ٥/ ٢٢٦ رقم ٣٠٠٢.\r(¬٢) مدارج السالكين: ١/ ٧٩، والآداب الشرعية: ٢٩٢٢، وقد ذكر ابن الجوزي فوائد مهمة في هذا الموضوع في صيد الخاطر في عدة مواضع منه منها ص: ٨٥ - ٨٦ و ١٢٤ - ١٢٥ و ١٥٠ و ١٧٨ و ١٩٠ - ١٩١ و ٢٧٧ و ٢٨٥ - ٢٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048566,"book_id":1098,"shamela_page_id":214,"part":"1","page_num":225,"sequence_num":214,"body":"قد أجاب العلماء عن هذا السؤال بوجوه:\rالوجه الأول (¬١): أن الإجابة في الآيتين الماضيتين مطلقة لم تقيد، ولكنها جاءت مقيدة في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].\rففي هذه الآية قيدت إجابة الدعاء بالمشيئة، ومن القواعد المقررة المعلومة أن المطلق يحمل على المقيد، فتكون الإجابة مقيدة بالمشيئة.\rهذا الجواب سديد إلا أنه يمكن أن يخدش فيه بأن يقال: إن التقييد بالمشيئة لم يكن لأن الإجابة غير موعود بها جزماً بل إنما قيدت الإجابة بالمشيئة لأن الأمور كلها بمشيئة الله تعالى (¬٢) كما قد قيل في نحو قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، مع أنه خبر محقق لا يمكن أن يتخلف.\rلكن هذا الخدش ضعيف لأن سياق الآية يدل على أن التقييد بالمشيئة قصد به أن الله تعالى في بعض الأحيان ربما لا يكشف ما يدعون إليه، هذا هو الظاهر من السياق والله أعلم.\rالوجه الثاني (¬٣): أن العموم في الآيتين الذي يفيد الإجابة في جميع الحالات وبدون شرط، هذا العموم خص بما إذا وافق القضاء أو إذا كانت الإجابة خيراً للداعي أو إذا استوفت الشروط فهو من العام المخصوص.\rوهذا الوجه الثاني أعم من الوجه الأول ولا غبار عليه لأن كثيراً من","footnotes":"(¬١) انظر عن هذا الوجه المصادر السابقة التي أشير إليها في إيراد السؤال، وشأن الدعاء ص: ١٢.\r(¬٢) تفسير البغوي: ٢/ ٩٦.\r(¬٣) انظر عن هذا الوجه: التمهيد لابن عبد البر: ١٠/ ٢٩٦، والبغوي: ١/ ١٥٦، وزاد المسير: ١/ ١٩٠، والجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٣٠٩، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٤١ - ٥٤٢، والفتح: ٣/ ٣٢، وشرح الإحياء: ٥/ ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048567,"book_id":1098,"shamela_page_id":215,"part":"1","page_num":226,"sequence_num":215,"body":"النصوص العامة قد جرى فيها التخصيص، ويدل له عدة أحاديث وردت تبين تخصيص هذا العموم بشروط، منها قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁:\r\"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل. . .\" (¬١).\rفقد اشترط في هذا الحديث لإجابة الدعاء أمران: عدم الدعاء بالإثم أو قطيعة رحم، وعدم الاستعجال، فيستفاد منه تخصيص عموم الإجابة بهذين الشرطين.\rقال ابن عبد البر ﵀: \"في هذا الحديث دليل على خصوص قول الله ﷿: ادعوني استجب لكم وإن الآية ليست على عمومها ألا ترى أن هذه السنة الثابتة خصت منها الداعي إذا عجل فقال: قد دعوت فلم يستجب لي، والدليل على صحة هذا التأويل قول الله ﷿، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء\" (¬٢) ولكن ابن عبد البر ﵀ بعد هذا الكلام رجع فاختار الوجه الثالث الآتي.\rومنها حديث الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له (¬٣).\rففي هذا الحديث اشترط لقبول الدعاء عدم التلبس بالحرام فيخص به أيضاً عموم الإجابة. ومنها حديث: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه\" (¬٤).\rففي هذا اشترط للإجابة حضور القلب وعدم الغفلة وصرح بعدم الاستجابة لدعاء الغافل اللاهي.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٦ رقم ٢٧٣٥.\r(¬٢) التمهيد لابن عبد البر: ١٠/ ٢٩٦.\r(¬٣) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٠٣ رقم ١٠١٥ وتقدم ١٤٧.\r(¬٤) تقدم ص: ١٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048568,"book_id":1098,"shamela_page_id":216,"part":"1","page_num":227,"sequence_num":216,"body":"ومنها حديث دعاء النبي ﷺ لأمته فدعا لها في ثلاث فأجيب في اثنتين ومنع الثالثة وفيه: \"يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد\" (¬١).\rفهذا نص واضح جلي بأن الإجابة مقيدة بعدم سبق القضاء.\rوحاصل هذا الوجه أن يقال: إن ما تدل عليه الآيتان من إجابة الله للدعاء من باب الوعد والوعيد، وقد قرر العلماء أن نصوص الوعد والوعيد المطلقة مقيدة بوجود المقتضي وعدم المانع المنافي.\rفعلى هذا إن الإجابة إنما تحصل إذا استوفت الشروط المقتضية لها وانعدمت الموانع.\rقال الحليمي: إن معنى قوله جل ثناؤه ادعوني أستجب لكم أي بحسب نظري لكم ورحمتي لكم لا بحسب أهوائكم وأمانيكم صحت أو فسدت لأن هذه الآية غير مفردة في القرآن عن أخرى لكن بينتها آيات أخرى منها قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].\rوقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].\rفدل هذا على أن الله تعالى إنما يستجيب الدعاء المستجمع شرائطه إذا علم للداعي فيما سأل خيراً، فأما إذا علم أن له فساداً أو شراً فإنه لا ستجيب له دعاءه إكراماً وثواباً له بدعائه (¬٢).\rفعلى هذا القول إن الدعاء مع استيفائه لآدابه وشروطه قد لا يستجاب إذا لم يكن في مصلحة الداعي.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم من حديث ثوبان: ٤/ ٢٢١٥ رقم ٢٨٨٩، وأحمد: ٥/ ٢٨٤، ٢٧٨، ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رقم ٢٨٩٠، وأخرجه أحمد من حديث شداد بن أوس: ٤/ ١٢٣، والطبري: ٧/ ٢٢٣ وقال ابن كثير في حديث شداد إسناد جيد قوي تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤١\".\r(¬٢) المنهاج للحليمي: ١/ ٥٤١ - ٥٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048569,"book_id":1098,"shamela_page_id":217,"part":"1","page_num":228,"sequence_num":217,"body":"والحاصل أن الآيتين على هذا الوجه الثاني قد دخلهما التخصيص وليستا باقيتين على العموم، فعلى هذا يوجد من الدعاء ما لا يجيبه الله تعالى.\rالوجه الثالث (¬١): إن الوعد بالإجابة باق على عمومه فما من رجل يدعو إلا ويجيب الله له ولكن الإجابة تتنوع، والداعي لا بد أن يعوض من دعائه عوضاً ما وليس شرطاً أن تكون بعين المطلوب وربما تكون بمثل المطلوب أو ادخار الأجر له أو دفع البلاء عنه، أو بشرح صدره لتحمل البلاء والصبر على ذلك، فالإجابة حاصلة لا محالة وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر بها عن نفسه والخبر لا ينسخ لئلا يوصف المخبر بالكذب، والله ﷾ عندما وعد بالإجابة لم يقل أجيب في الحال، فإذا استجاب ولو في الآخرة كان الوعد صادقاً.\rوقد يعتقد الداعي المصلحة في المعين ولا مصلحة له في ذلك فيجاب إلى مقصوده الأصلي وهو طلب المصلحة، وقد تكون المصلحة في التأخير أو المنع وادخار الأجر له أو صرف البلاء عنه إلى غير ذلك، ويدل لهذا الوجه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مسلم ينصب وجهه الله ﷿ في مسألة إلا أعطاه إياها، إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له\" (¬٢).\rوحديث عبادة بن الصامت رفعه: \"ما على الأرض مسلم يدعو الله","footnotes":"(¬١) انظر عن هذا الوجه: شأن الدعاء للخطابي: ١٢ - ١٣، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٤٢، والتمهيد لابن عبد البر: ١١/ ٢٩٦ - ٢٩٧، ومعالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٥٦، وزاد المسير: ١/ ١٩٠، وفتح الباري: ١١/ ٩٥ - ٩٦، ١٤١، والجامع للقرطبي: ٢/ ٣١٠، وتفسير الرازي: ١/ ١٠٧ - ١٠٨، وإتحاف السادة: ٥/ ٢٩.\r(¬٢) أخرجه أحمد في المسند: ٢/ ٤٤٨، وقال الهيثمي: رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف \"المجمع: ١٠/ ١٤٨\" وقال المنذري: رواه أحمد بإسناد لا بأس به: الترغيب: ٢/ ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048570,"book_id":1098,"shamela_page_id":218,"part":"1","page_num":229,"sequence_num":218,"body":"بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم\" (¬١).\rوحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مسلم يدعو دعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكف عنه من الشر مثلها، قالوا: إذًا نكثر، قال: الله أكثر\" (¬٢).\rقال ابن عبد البر ﵀: \"فعلى هذا يكون تأويل قول الله ﷿ والله أعلم -: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ أنه يشاء وأنَّه لا مكره، ويكون قوله ﷿: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ على ظاهره وعمومه بتأويل حديث أبي سعيد\" (¬٣).\rوقال ابن عبد البر أيضاً في موضع آخر تعقيباً على حديث أبي سعيد المتقدم: \"هذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الله ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهذا كله من الاستجابة، وقد قالوا: كرم الله لا تنقضي حكمته، ولذلك لا تقع الإجابة في كل دعوة قال الله ﷿: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (¬٤) [المؤمنون: ٧١].","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٦٦ رقم ٣٥٧٣، وأحمد: ٥/ ٣٢٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٢٠ رقم ٨٦، وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال فيه الحافظ صدوق يخطئ ورمي بالقدر، وتغير.\r(¬٢) أخرجه أحمد: ٣/ ١٨، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٢٠١ رقم ٩٢١٩، والحاكم: ١/ ٤٩٣، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٢ رقم ٣٧، وأبو يعلى: ٢/ ٢٩٦ رقم ١٠١٩، والبزار كما في كشف الأستار: ٤/ ٤٠ رقم ٣١٤٣، قال المنذري: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى بأسانيد جيدة \"الترغيب: ٢/ ٢٧٢\" وقال الهيثمي: \"ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة\" \"المجمع: ١٠/ ١٤٨ - ١٤٩. وقال الحافظ في الفتح: حديث صحيح ١١/ ٩٦.\r(¬٣) التمهيد لابن عبد البر: ١٠/ ٢٦٧.\r(¬٤) التمهيد لابن عبد البر: ٥/ ٣٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048571,"book_id":1098,"shamela_page_id":219,"part":"1","page_num":230,"sequence_num":219,"body":"وهذا الوجه قد يعترض عليه بأن الوعد وإن كان عاماً لكنه وردت نصوص أخرى تخصه، فلا بد من الأخذ بها، وأما تنوع الإجابة فصحيح ولكن هذا التنوع للدعاء الذي استوفى الشروط وأما إذا لم يستوف الشروط فقد لا يجاب عليه أصلاً.\rوقال الباجي المالكي شارح الموطأ عند ذكر حديث: ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث .. قال: \"هذا إنما يكون للداعي من المسلمين إذا دعا فيما يجوز له أن يدعو فيه فذلك الذي لا يخلو من أن يستجاب له فيما دعا فيه أو يدخر له أجر بدعائه وإخلاصه وذكره الله، وإقراره له بالربوبية، وإما أن يكفر له بعض ما سلف من ذنوبه\" (¬١).\rثم إن هذا ليس خاصاً بالدعاء بل الأعمال الصالحات جميعها يشترط في قبولها أمور من وجود المقتضي وعدم المانع فإذا لم يوجد المقتضي كأن لم تستوف الشروط أو وجد المانع فإنها لا تقبل.\rوالدعاء من جملة الأعمال الصالحات، فإذا لم يستوف الشروط أو وجد المانع فإنه لا يقبل لعموم الأدلة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].\rثم إن هناك أدلة تدل على عدم قبول بعض الأدعية نحو دعاء المتلبس بالحرام، والدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم، أو الذي يستعجل صاحبه أو دعاء الغافل اللاهي غير المتضرع، وأما الادعاء بأن هذا خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار، فيقال: إن هذا ليس من باب النسخ بل هذا من باب أن الوعد نفسه الذي هو الخبر لا يقتضي أنه يحصل بدون مقتض ولا مانع.\rثم إن الحديث الذين استدلوا به في بعض طرقه وهو حديث أبي سعيد في آخره ما يدل على الشرط وهو: \"ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم","footnotes":"(¬١) المنتقى للباجي: ١/ ٣٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048572,"book_id":1098,"shamela_page_id":220,"part":"1","page_num":231,"sequence_num":220,"body":"ما لم يستعجل\" فهذان الشرطان معتبران لأن المطلق يحمل على المقيد.\rالوجه الرابع (¬١): إن الوعد على الدعاء الذي هو بمعنى العبادة والطاعة، والإجابة بمعنى الثواب والأجر فقد صح ما ورد من قول النبي ﷺ: \"الدعاء العبادة\" (¬٢).\rفالدعاء الموعود عليه بالإجابة هو العبادة، فلا يأتي الاعتراض بتخلف إجابة الدعاء في بعض الأحيان.\rفهذا الوجه يعترض عليه بأنا إذا فسرنا الدعاء بدعاء المسألة فماذا تكون الإجابة؟، لأن الدعاء يطلق على دعاء المسألة اتفاقاً فهذا الجواب لا يتمشى إلا على تفسير الدعاء بدعاء العبادة أن تفسير الدعاء بدعاء مع المسألة أيضاً أمر متفق عليه في الجملة فلا يزال الاعتراض وارداً كما أن هناك نصوصاً أخرى غير الآيتين بعضها لا يمكن حملها على دعاء العبادة فماذا يكون الجواب عنها؟\rالوجه الخامس (¬٣): إن معنى أجيب أسمع، ويقال: ليس في الآية أكثر من إجابة الدعاء، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب الوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله، فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة.\rوهذا الوجه يقال فيه: إن الإجابة بالسماع فقط بدون إعطاء الأماني لا تسمى إجابة الدعاء لأننا قدمنا أن الإجابة نوعان: فإجابة دعاء المسألة تكون بالنوال، لا بالسماع والمقال لأن هذه الإجابة إنما تكون في سؤال الاستفهام (¬٤) فلا يتبادر من سياق الآية هذا المعنى وإنما سياق الآية في","footnotes":"(¬١) انظر عن هذا الجواب: الطبري: ٢/ ١٦٠، ومعالم التنزيل: ١/ ١٥٦، والرازي: ٥/ ١٠٨، وشرح الإحياء: ٥/ ٢٨، وأضواء البيان: ١/ ١٢١.\r(¬٢) تقدم ص: ٥٤.\r(¬٣) انظر عن هذا الوجه معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٥٦، والرازي: ٥/ ١٠٨، وشرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٢٩.\r(¬٤) انظر ما ذكره الراغب الأصفهاني في معنى الجواب (المفردات) ص: ١٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048573,"book_id":1098,"shamela_page_id":221,"part":"1","page_num":232,"sequence_num":221,"body":"الإجابة بالنوال، ثم إن ما يفعله الوالد مع ولده من إجابته سؤاله ثم منعه، لا يليق بالله تعالى لما في ذلك من الخلف بالوعد أو الكذب والخداع والله سبحانه منزه عن ذلك.\rالوجه السادس (¬١): إن الوعد المذكور خاص بالمؤمنين الصادقين المخلصين وأن الكمل من المؤمنين لا ترد دعوتهم.\rواستدل أصحاب هذا الوجه بحديث الولي المشهور: \"لئن استعاذني لأعيذنه ولئن سألني لأعطينه\" (¬٢) وقالوا: إن من بلغ رتبة المحبة وكان الله سمعه وبصره يجاب له كل دعاء ويحصل بغيته على حسب إرادته (¬٣).\rوقالت المعتزلة: إن الإجابة خاصة بالمؤمنين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وذلك لأن وصف الإنسان بأن الله قد أجاب دعوته -هذا الوصف صفة مدح وتعظيم ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا: إنه مستجاب الدعوة، وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين، والفاسق واجب الإهانة في الدين -ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق، بل الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة (¬٤) وإنما يسمى قضاء الحاجة.\rوهذا الفرق بين المؤمن الصالح والفاسق في إجابة الدعاء غير صحيح لأمور:\r١ - إن الله ﷾ قد امتن على المشركين بأنه هو الذي","footnotes":"(¬١) انظر الإشارة إلى هذا الوجه في المنهاج للحليمي: ١/ ٥٤٢، وتفسير الرازي: ٥/ ١٠٩، وأضواء البيان للشنقيطي: ١/ ١٢١.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ١١/ ٣٤١ رقم ٦٥٠٢.\r(¬٣) قطر الولي: ٤٦٤، ٤٢٤.\r(¬٤) تفسير الرازي: ٥/ ١٠٩، وذكر في فتاوى قاضيخان: ٣/ ٤٢٩ هل يجوز أن يقال في دعاء الكافر يستجاب دعاؤه أم لا؟","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048574,"book_id":1098,"shamela_page_id":222,"part":"1","page_num":233,"sequence_num":222,"body":"يجيبهم عند الاضطرار ولم يقل يقضي حاجتهم. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وسياق الآيات يدل على أن الخطاب موجه إلى المشركين لأنهم يعترفون بهذه الأمور ومع ذلك لا يفردون الله تعالى بتوحيد العبادة.\r٢ - إن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وهي شاملة للخلق مؤمنهم وكافرهم فهو يربيهم بالنعم ومنها إجابة الدعاء وإغاثة الملهوف وإعانة المكروب وإزالة الشدائد وكشف الكربات. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].\r٣ - ثم إن الله تعالى قد أجاب دعوة شر خلقه وهو إبليس، قال سفيان بن عيينة ﵀: لا يمنعن أحداً ما يعرفه من نفسه من الدعاء فإن الله قد أجاب دعوة شر خلقه إبليس.\r٤ - ثم إنه ليس هناك فرق لغوي أو شرعي بين إجابة الدعاء، وقضاء الحاجة فالمآل واحد.\r٥ - ثم إن هذا تقييد لما أطلقه الله تعالى وتخصيص لعموم ما لم يخصه الله فيكون من باب التأويل المذموم.\r٦ - ثم إن القول بأن دعاء الكمل يجاب بعينه منقوض لمخالفته لما هو مقطوع به من رد الله تعالى لبعض دعوات رسله حتى أولي العزم منهم:\rأ - من ذلك أن الله سبحانه لم يجب دعوة نوح في ابنه بل عاتبه على ذلك: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦].\rب - ومن ذلك أن الله ﷿ لم يجب دعوة إبراهيم في أبيه: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ [الشعراء: ٨٦].\rج - ومن ذلك أن الله ﵎ لم يقبل استغفار النبي ﷺ لأبي طالب وصلاته على عبد الله بن أبي ابن سلول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048575,"book_id":1098,"shamela_page_id":223,"part":"1","page_num":234,"sequence_num":223,"body":"د -وقد صرح النبي ﷺ أنه دعا لأمته بثلاث فأجاب الله له في اثنتين ومنعه الثالثة.\rفعلى هذا نقول: فأي محبة الله تعالى فوق محبة هؤلاء أولي العزم وأي كمال فوقهم؟\rفثبت بهذا أن الله ﷾ يفعل ما يشاء يجيب من يشاء متى ما شاء فهو يجيب بعين المطلوب وهذا هو الغالب الكثير تفضلاً منه وإحساناً وكرماً.\rوقد لا يجيب بعين المطلوب لحكم وأسرار يعلمها الله تعالى فقد تكون هناك مصلحة للداعي أو لغيره تمنع من إجابة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.\rهذا وقد اعترض الحافظ ابن حجر ﵀ على من قال: \"إن جميع دعوات الأنبياء مستجابة، فقال: وما جزمه بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح: سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة\" (¬١).\rهذا آخر الأجوبة عما يرد من السؤال عن عدم الاستجابة لكل دعاء، وبهذا ننتهي من الباب الأول وبالله التوفيق وعليه التكلان.","footnotes":"(¬١) الفتح: ١١/ ٩٧، ولكنه ذكر في موضع آخر ما يفيد أن دعوة المؤمن لا ترد مطلقاً إلا أن الإجابة تتنوع، انظر الفتح: ١١/ ٩٥ - ٩٦، ١٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048576,"book_id":1098,"shamela_page_id":224,"part":"1","page_num":235,"sequence_num":224,"body":"الباب الثاني في منزلة الدعاء من العقيدة، وعدم تنافيه مع القدر، وحكمه الشرعي\rويشتمل على ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: في منزلة الدعاء ومكانته من العقيدة وأهميته من بين سائر العبادات.\rالفصل الثاني: في عدم تنافي الدعاء والقدر.\rالفصل الثالث: في حكم الدعاء الشرعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048577,"book_id":1098,"shamela_page_id":225,"part":"1","page_num":237,"sequence_num":225,"body":"الفصل الأول في منزلة الدعاء ومكانته من العقيدة وأهميته من بين سائر العبادات\rويحتوي على مبحثين:\rالمبحث الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد ودلالته على وجود الله تعالى.\rالمبحث الثاني: في علاقته بالتوحيد بأنواعه الثلاثة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048578,"book_id":1098,"shamela_page_id":226,"part":"1","page_num":239,"sequence_num":226,"body":"المبحث الأول في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد ودلالته على وجود الله جل وعلا\rويشتمل على مطلبين:\r\rالمطلب الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد:\rالدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد والمعرفة وحياة القلب ويقوي الفطرة، وهذا الأمر مجرب يعرفه من وقع في مشكلة فاضطره ذلك إلى الالتجاء إلى الله والرغبة إليه والانطراح بين يدي الله تعالى والتملق له.\rفجعل له هذا \"من الإيمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة قلبه، واستنارته بنور الإيمان ما قد يكون أنفع له من ذلك المطلوب\" (¬١).\rوقد دلت الأدلة القاطعة على زيادة الإيمان بالطاعات عموماً وللدعاء خصوصية في زيادة الإيمان، إذ الداعي ولا سيما المضطر تلجئه الحاجة الملحة والفقر الشديد إلى من يقضي حاجته ويكشف كربه وحينئذ يجد الفطرة ترشده وتهديه إلى الله ﵎ ويصل الأمر إلى أن تكون معرفته بخالقه وصفاته ضرورية فيزداد يقيناً وإيماناً وإخلاصاً كما يزداد","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٥٩٦ و ٢٢/ ٣٨٥، واقتضاء الصراط: ٤١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048579,"book_id":1098,"shamela_page_id":227,"part":"1","page_num":240,"sequence_num":227,"body":"معرفة بحاجته وضعفه وعجزه وأن الذي يدعوه عالم بحاله وقادر على قضاء حوائجه.\rفإكثار الدعاء الله تعالى والتوجه إليه كل وقت يزيد الإيمان ويقويه وينمي الفطرة ويصقلها ويجليها مما شابها، ويجعل القلب متعلقاً بالله تعالى محباً له راغباً راهباً، ويفتح له هذا باباً عظيماً من لذيذ المناجاة وحلاوة الإيمان وبشاشته وبرد اليقين وراحة البال وطمأنينة النفس: \"مما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولاً، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولاً حتى يطلبه ويشتاق إليه\" (¬١).\rومما يدل على أن الدعاء يزيد في الإيمان والمعرفة لصفات الرب من القدرة والعلم .. إلخ. كما أنه يزيد في معرفة الإنسان لنفسه بالعجز، أن الداعي لا يُقْدِم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وأنَّه عاجز عن تحصيله.\rوعرف أن ربه ﵎ يسمع الدعاء ويعلم الحاجة وهو قادر على إيصالها إليه، وعرف أن ربه رحيم تقتضي رحمته قضاء تلك الحاجة.\rولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص، ومعرفته ربه بالقدرة والعلم والرحمة وسائر صفات الكمال من أعظم المعارف وفي هذا معرفة ذل العبودية، وعز الربوبية (¬٢).\rفهاتان المعرفتان من أهم أساسيات العقيدة، فإن اعتراف العبد بعجزه ونقصه يستوجب له الالتجاء إلى من يقوي عجزه، ويكمل نقصه، ولن يجد أحداً يستطيع ذلك إلا الله تعالى فحينئذ يجد نفسه أنه لا بد له من الالتجاء إلى القوي العزيز وهو عندما يلتجئ لا بد أن يعرف صفات الله تعالى التي من أجلها التجأ إليها من قدرته على قضاء حوائجه،","footnotes":"(¬١) إغاثة اللهفان: ١/ ٢٩.\r(¬٢) انظر فيض القدير: ٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦، وتحفة الذاكرين ص: ٢٨، وروح المعاني: ٨/ ١٣٩، وتفسير الرازي: ١٤/ ١٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048580,"book_id":1098,"shamela_page_id":228,"part":"1","page_num":241,"sequence_num":228,"body":"واستغاثته، وكشف كرباته، ومن علمه بحاله ومكانه ومصلحته في الحال والمستقبل، ومن رحمته بعبده وجوده وكرمه.\rوبهذا يتبين أن الدعاء يتضمن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته …\rوقد ذكر ابن القيم أن الصلاة على النبي ﷺ والتي هي نوع من أنواع الدعاء كما تقدم (¬١): \"متضمنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود الرب المدعو، وعلمه، وسمعه، وقدرته، وإرادته، وصفاته، وكلامه، … ولا ريب ولا ريب أن هذه أصول الإيمان والصلاة عليه ﷺ هي متضمنة لعلم العبد ذلك وتصديقه به\" (¬٢).\rوهكذا سائر الأدعية فهي مشتملة على أصول الإيمان، بل أغلب الأدعية المأثورة إذا تأملناها نجدها تشتمل على أصول الإيمان بطريق المطابقة، وقليل منها هو الذي يدل على ذلك بطريق التضمن أو الالتزام.\rثم إن الداعي لو فرض أنه قد لا يستحضر هذه المعاني التي يتضمنها الدعاء فإن هذا لا ينافي ما يقتضيه حقيقة معنى الدعاء.\rفالذي ينبغي له أن يستشعر ذلك ويجتهد في إحضار قلبه وتوجهه إلى الباري سبحانه واعتقاد تلك الصفات التي يدل عليها الدعاء الذي يدعو به إما مطابقة أو تضمنًا أو التزامًا.\rقال ابن القيم: \"وحق الداعي أن يستشعر عند دعائها -أي الفاتحة- ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به، إذ الدعاء مخ العبادة، والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون إلا في لحم ودم، فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون الطلب ممزوجًا بالثناء، فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مشوبًا بالخبر تصريحًا من الداعي بمعتقده وتوسلًا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه،","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٧٨.\r(¬٢) جلاء الأفهام ص: ٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048581,"book_id":1098,"shamela_page_id":229,"part":"1","page_num":242,"sequence_num":229,"body":"فكأنه متوسل إليه بإيمانه واعتقاده أن صراط الحق هو الصراط المستقيم وأنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته … \" (¬١).\rوقد صرح العلماء باشتمال الدعاء على التوحيد ودلالته المتنوعة العقدية والعلمية، ومن هؤلاء الذين صرحوا القاضي عياض فإنه قال: \"أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة\" (¬٢).\rوقال الزركشي في معنى كون الدعاء مخ العبادة: \"إنما كان مخًا لتضمنه التوحيد إذ الداعي لا يدعو الله إلا وهو يوحده، ويعتقد أنه لا معطي غيره\" (¬٣) وذكر ابن عقيل الحنبلي أن في الدعاء معنى الوجود والغنى والسمع والكرم والرحمة والقدرة فإن من ليس كذلك لا يدعى (¬٤).\rفتبين بهذا أن الدعاء يزيد في إيمان الداعي ومعرفته وتوحيده، ويتضمن اعتقاد الداعي بوجود الرب المدعو، وعلمه وسمعه وقدرته وسائر صفاته، فالواجب على الداعي استشعار هذه المعاني وهذه الصفات.\r\rالمطلب الثاني: في دلالة الدعاء على وجود الله تعالى:\rإن الاعتراف بوجود الله تعالى أمر فطري ضروري لا يحتاج إلى إقامة برهان ولا سوق أدلة ولا ذكر حجج لأن الفطر البشرية مقرة بذلك، ومعرفته أمر ضروري لولا أن شياطين الإنس والجن تلقي بعض الأوهام بين ضعفاء العقول فتشوش عليهم، فلهذا لا نرى القرآن الكريم يكثر من إقامة البراهين الجدلية في هذا الموضوع ولكنه يشير إلى ذلك بأدلة كافية مقنعة ملزمة.","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ٢/ ١١ - ١٢.\r(¬٢) الفتوحات الربانية: ١/ ١٧.\r(¬٣) الأزهية ص: ٣٠، وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٢٩.\r(¬٤) الآداب الشرعية: ٢/ ٢٩٢، وانظر ما سيأتي في ص: ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048582,"book_id":1098,"shamela_page_id":230,"part":"1","page_num":243,"sequence_num":230,"body":"وإذا رجعنا إلى موضوعنا وهو دلالة الدعاء على وجود الله تعالى نجد الله تعالى ذكر ذلك في كتابه الحكيم، فقد ذكر أدلة وجوده وبراهين وحدانيته وحجج تفرده بالربوبية والألوهية، ومن ضمن تلك الحجج إجابة المضطرين وإغاثة الملهوفين وإنقاذ المكروبين.\rقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وقد ذكر قبل ذلك الآيات الكونية الكبرى من خلق السموات والأرض وإنزال المطر وإنبات الحدائق والأشجار وجعل الأرض مستقرة وخلق الأنهار والجبال والبحار، فهذه آيات كونية كبرى، ثم ذكر أدلة فطرية ضرورية وهي آية إجابة الدعاء.\rقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].\rفقد وصف الله نفسه في هذه الآيات بتفرده بخلق الكون وتصريفه بإنزال المطر وإخراج الثمرات والرزق وتسخير الفلك والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار.\rفهذه الأمور هي الأدلة الكونية الكبرى ثم قرن بهذه الأدلة الكبرى دليلًا آخر ألا وهو إجابة الدعاء، فدلت هذه المقارنة بالأدلة الكونية على عظمة دلالة إجابة الدعاء فهي من أعظم الأدلة الدالة على وجود الله تعالى، يعرف ذلك من وقع في خطر شديد وكرب عظيم فاستغاث بربه فأجابه وأنقذه مما وقع فيه فيحصل له علم ضروري بوجود الله تعالى.\rومن الأدلة على دلالة الدعاء على وجود الله وصفاته:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048583,"book_id":1098,"shamela_page_id":231,"part":"1","page_num":244,"sequence_num":231,"body":"أن الداعي يريد حصول مطلوبه وغرضه على وجه معين، وفي الغالب الغرض الذي يريده الداعي الأسباب الظاهرة العادية لا تقتضي وجوده مطلقًا، أو على الوجه الذي يريده بل ربما الأسباب الظاهرة تقتضي عدم وجوده أو وجوده على وجه آخر يخالف ما يريده الداعي.\rومع هذه التوقعات والاحتمالات التي على ضد مراد الداعي يقوم الداعي بالتوجه إلى الله تعالى والإقبال على ربه ويستغيث به فيحصل المطلوب وفق غرضه وعلى الوجه الذي يريده، وقد كان قبل ذلك يعد وقوعه شبه المستحيل على الصفة المطلوبة. أترى ما الذي غيَّر الأسباب الظاهرة عن مجراها وعاداتها إلى ما يريده الداعي؟ مثال ذلك ما يقع للمسلمين في الاستسقاء حيث يجدون تأخر المطر وليس هناك سبب يقتضيه من غيم أو ريح أو تغير طقس، ومع ذلك يخرجون إلى الفلاة متضرعين مبتهلين خاشعين فيصلون صلاة الاستسقاء فيدعون الله تعالى، فيغيثهم الله في اليوم نفسه أو قريبًا منه.\rوهذا أمر مشاهد واقع إلى الآن في بلاد المسلمين لاسيما في البلاد المتمسكة بدينها، وقد وردت الأحاديث الصحاح بأن النبي ﷺ يدخل عليه رجل وهو يخطب فيطلب منه الدعاء بالسقيا فما ينزل عن المنبر حتى يجيش المسجد وقد كان قبل الدعاء لا يرى في المدينة سحابة ولا قزعة.\rفمن الذي حرك السحاب والرياح وأتى بالمطر في لحظات معدودة؟؟\rكل ذلك دليل قاطع على وجود الله تعالى وتفرده بالربوبية والألوهية وأنه متصف بصفات الجلال والجمال من السمع والعلم والرحمة والكرم والجود والقدرة وغير ذلك.\rقال بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]: الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على وفق غرض الداعي، فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048584,"book_id":1098,"shamela_page_id":232,"part":"1","page_num":245,"sequence_num":232,"body":"يسمع دعاءه ولا يخيب رجاءه، وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت (¬١).\rوقال ابن القيم: \"وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته ورحمته بهم\" (¬٢).\rفإجابة الدعاء على وفق مراد الداعي مع عدم الأسباب الظاهرة المقتضية لذلك تدل دلالة واضحة على أن هناك مدبرًا لهذا الكون يغيره حسب ما يشاء.\rوذكر الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى بعض البراهين العقلية الفطرية على ربوبية الله وإلاهيته ثم قال: \"ومن براهين وحدانية الباري وربوبيته، إجابته للدعوات في جميع الأوقات فلا يحصي الخلق ما يعطيه للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين من بر وفاجر، ومسلم وكافر، تحصل المطالب الكثيرة، ولا يعرفون لها شيئًا من الأسباب سوى الدعاء والطمع في فضل الله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس لا ينكره إلا مباهت مكابر\" (¬٣).\r\rدلالة الدعاء على وجود الله تعالى من ناحية الافتقار والحاجة والضرورة الفطرية:\rإن الافتقار والاحتياج من لوازم الإنسان وضرورياته، فهو دائمًا يحتاج إلى نيل مراده من عزيز قوي يبلغه مراده وفي هذا اعتراف منه بالرب القوي الذي يبلغه مراده.\rوالفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على رب حكيم قادر عليم قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]","footnotes":"(¬١) تفسير الرازي: ٥/ ١٠٤.\r(¬٢) مدارج السالكين: ٣/ ٣٥٥.\r(¬٣) الرياض الناضرة والحدائق المنيرة الزاهرة ص: ٢٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048585,"book_id":1098,"shamela_page_id":233,"part":"1","page_num":246,"sequence_num":233,"body":"﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].\rوهذه الفطرة راسخة في أعماقهم ووجدانهم ومشاعرهم، فهم وإن غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].\rوالاستدلال بالفطرة هو المنهج القرآني، وقد حاد عنه المتكلمون حيث يهتمون بإثبات الصانع بأدلة جدلية وآراء منطقية، وأدلتهم الجدلية هي \"دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج ذاته إلى مدبر هو منتهى مطلب الحاجات، فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغني به ولا يستغني عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، ويتضرع إليه في الشدائد والمهمات\" وذلك لأن الإنسان يعرف احتياج نفسه وافتقارها أكثر من معرفته احتياج الممكن إلى الواجب والحادث إلى المحدث.\rوهذه الطريقة هي سنّة الله وطريقته في كتابه فإنه يحتج عليهم بحاجتهم وافتقارهم إليه. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣].\rوالاستدلال الأحسن والموصل إلى المعرفة هو الاستشهاد بأفعال الله تعالى عليه وأنه لا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة، فحيثما كان الاضطرار والعجز أشد، كان اليقين أوفر وآكد: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢].\rوالمعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخًا في القلب من المعارف التي هي نتائج الأفكار في حال الاختيار (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر ما نقله ابن تيمية في درء تعارض العقل: ٧/ ٣٩٧ - ٤٠٣ عن كتاب نهاية الإقدام للشهرستاني ص: ١٢٤، وانظر كتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٧١ - ١٧٢، والرياض الناضرة ص: ٢٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048586,"book_id":1098,"shamela_page_id":234,"part":"1","page_num":247,"sequence_num":234,"body":"هذا وافتقار العبد إلى الله تعالى من جهتين: من جهة العبادة وجهة الاستعانة، قال شيخ الإسلام ﵀: والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلة فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فهو مفتقر إلى الله من حيث المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه الذي لا إله له غيره وهو ربه الذي لا رب له سواه (¬١).","footnotes":"(¬١) العبودية: ١٠٨ - ١٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048587,"book_id":1098,"shamela_page_id":235,"part":"1","page_num":248,"sequence_num":235,"body":"المبحث الثاني\rفي علاقة الدعاء بالتوحيد بأنواعه الثلاثة\rويشتمل على ثلاثة مطالب:\r\rالمطلب الأول: في علاقة الدعاء بتوحيد الربوبية:\rإن الدعاء له علاقة وثيقة وارتباط قوي بالتوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والعبادة، وإليك بيان ذلك:\r\r١ - علاقة الدعاء بتوحيد الربوبية:\rفتوحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله، ومن جملة أفعال الله تعالى إجابة الداعي وإغاثة المستغيث.\rلأن من معاني توحيد الربوبية الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء وأنه النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ (¬١) [النمل: ٦٢].\rفالإقرار بتفرد الله بإجابة الدعاء من توحيده في ربوبيته، لأن من","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد: ٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048588,"book_id":1098,"shamela_page_id":236,"part":"1","page_num":249,"sequence_num":236,"body":"مقتضى الربوبية أن يربيهم بالنعم وبما يحتاجون إليه، ومن ذلك إجابة المضطر وإغاثة الملهوف، وكشف الكرب وإزالة الضر، فهو يربي عباده بهذه النعم، فالربوبية تتضمن \"خلقهم وتدبيرهم وتربيتهم وإصلاحهم وجلب مصالحهم وما يحتاجون إليه ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم، هذا معنى ربوبيته لهم، وذلك يتضمن قدرته التامة ورحمته الواسعة وإحسانه وعلمه بتفاصيل أحوالهم، وإجابة دعواتهم وكشف كرباتهم\" (¬١).\rفتوحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله هو التي منها إجابة الدعاء، فهو الذي يستحق طلبها منه وحده وهو الذي يجب إخلاص نوعي الدعاء له. قال شيخ الإسلام ﵀: \"فهو سبحانه مستحق التوحيد، الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له: دعاء العبادة بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته، ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه، والالتجاء إليه والسؤال له ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته.\rولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله، وفي السؤال باسم الرب، فيقول المصلي والذاكر: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وكلمات الأذان الله أكبر … إلى آخرها ونحو ذلك\" (¬٢).\rومن هنا نستطيع أن نعرف سر كثرة ورود لفظ الرب في دعوات الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين دون اسم الجلالة، أو غيره من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد حكى الله لنا تلك الأدعية التي فيها النداء باسم الرب في آيات كثيرة، قال تعالى في دعاء آدم وحواء ﵉:","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٤٧.\r(¬٢) الفتاوى: ٢/ ٤٥٦، وقاعدة جليلة ص: ٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048589,"book_id":1098,"shamela_page_id":237,"part":"1","page_num":250,"sequence_num":237,"body":"﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، ومن دعوات نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨]، ومن أدعية إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١].\rوقد تكرر لفظ الرب في هذا الدعاء تسع مرات، كما أنه قد تكرر لفظ الرب في دعاء آخر لإبراهيم ﵇ أربع مرات ذكره الله في سورة البقرة من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٦ - ١٢٩].\rومن أدعية يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣].\r﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].\rومن أدعية موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048590,"book_id":1098,"shamela_page_id":238,"part":"1","page_num":251,"sequence_num":238,"body":"وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨].\r﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٧].\rومن أدعية زكريا ﵇ ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩)﴾ [الأنبياء: ٨٩].\r﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤].\rوقد وصف الله تعالى في كتابه الرسول ﷺ والمؤمنين بأنهم يدعون بالدعاء الذي في آخر البقرة، وقد تكرر فيه اسم \"الرب\" أربع مرات:\r﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦].\rوكذلك وصف الله أولي الألباب الذاكرين الله في كل الأحوال بأنهم يدعون بدعاء ذكره في آخر سورة آل عمران، وقد تكرر فيه اسم \"الرب\" خمس مرات من آية ١٩١ إلى آية ١٩٤ ومثل ذلك ما وصف الله به عباده الذين قضوا أعمال الحج بأنهم يقولون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].\rإلى غير ذلك من الأدعية الواردة المأثورة الكثيرة التي لو تتبعناها لطال بنا البحث.\rوهذا الذي ذكر يكفي للدلالة على أن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وأن ذلك هو الحكمة في تكرار لفظ \"الرب\" في الأدعية المأثورة دون باقي أسماء الله الحسنى ومن ذلك اسم الجلالة وبهذا يعرف ما في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048591,"book_id":1098,"shamela_page_id":239,"part":"1","page_num":252,"sequence_num":239,"body":"قول الخطابي رحمه الله تعالى في اسم الجلالة \"الله\": \"إنه أشهر أسماء الرب تعالى وأعلاها محلًا في الذكر والدعاء\" (¬١).\rفبالنسبة إلى كونه أعلاها في الذكر لا خلاف في ذلك وأما بالنسبة إلى الدعاء فيعكر عليه ما تقدم من أدعية الأنبياء مع ما في معنى الربوبية من مناسبة للإجابة، وقد قال شيخ الإسلام ﵀ مبينًا هذا المعنى:\r\"إن الإله هو المعبود الذي يستحق أن يعبد، والرب هو الذي يرب عبده فيدبره.\rولهذا كانت العبادة متعلقة باسمه \"الله\"، والسؤال متعلقًا باسمه \"الرب\" إلى أن قال: ولما كانت العبادة متعلقة باسمه \"الله\" تعالى جاءت الأذكار المشروعة بهذا الاسم مثل كلمات الآذان: الله أكبر الله أكبر، ومثل الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله، ومثل التشهد، التحيات لله، ومثل التسبيح، والتهليل، والتكبير: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.\rوأما السؤال فكثيرًا ما يجيء باسم الرب كقول آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ … إلى أن قال:\rوقد نقل عن مالك أنه قال: أكره للرجل أن يقول في دعائه يا سيدي يا سيدي يا حنان يا حنان، ولكن يدعو بما دعت به الأنبياء ربنا ربنا، نقله عنه العتبي (¬٢) في العتبية، فإذا سبق إلى قلب العبد قصد السؤال ناسب أن يسأله باسمه \"الرب\" وإن سأله باسمه \"الله\" لتضمنه اسم الرب","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء: ٣٠\r(¬٢) العتبي: هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة أبو عبدالله الأموي القرطبي المالكي، فقيه الأندلس جمع المسائل المستخرجة وهي التي تسمى العتبية، توفي ٢٥٥ هـ، انظر السير: ١٢/ ٣٣٥. وهذا النص عن مالك في العتبية المطبوعة مع شرحها البيان والتحصيل لابن رشد: ١/ ٤٥٦ و ١٧/ ٤٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048592,"book_id":1098,"shamela_page_id":240,"part":"1","page_num":253,"sequence_num":240,"body":"كان حسنًا، وأما إذا سبق إلى قلبه قصد العبادة فاسم \"الله\" أولى بذلك. إذا بدأ بالثناء ذكر اسم \"الله\" وإذا قصد الدعاء دعا باسم \"الرب\"\" (¬١).\rومما سبق يتضح أن اسم \"الرب\" من مقتضى معناه إجابة الدعاء لأن الإجابة من جملة تربية العبد بما يصلحه وبما يحتاج إليه كما أنها من ناحية أخرى عطاء ونفع وتدبير من الله للعبد وهذه الصفات تختص باسم الرب، ومن مقتضى معناه.\rقال ابن القيم ﵀: \"وصفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير الخليقة أخص باسم الرب\" (¬٢).\rولهذه المعاني السابقة قال بعضهم: إنه الاسم الأعظم.\rقال القرطبي ﵀: \"قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو الاسم الأعظم لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر آل عمران وسورة إبراهيم وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف، والرحمة، والافتقار في كل حال\" (¬٣).\rوبما تقدم تبين لنا علاقة الدعاء بالربوبية، وأن إجابة الدعاء من مقتضاها وأن ذلك هو السر في تكرار اسم الرب في الأدعية المأثورة دون باقي أسماء الله الحسنى.\r\r٢ - ومن الأدلة الدالة على علاقة الدعاء بالربوبية أن من معاني توحيد الربوبية الإقرار بتفرد الله تعالى بالتصرف المطلق في الملك","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٢٨٤ - ٢٨٦، ونحوه في: ١٤/ ١٢ - ١٤، و ١/ ٧٤، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٤، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٧٠ - ١٧١.\r(¬٢) مدارج السالكين: ١/ ٣٣.\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048593,"book_id":1098,"shamela_page_id":241,"part":"1","page_num":254,"sequence_num":241,"body":"والملكوت وأنه القادر القدرة المطلقة، فالمدعو لا بد أن يكون قادرًا القدرة المطلقة، ومتصرفًا التصرف المطلق إذ لولا اعتقاد الداعي بأن المدعو يقدر على أن يتصرف في الكون، ويغير الأحداث من الصعب إلى السهل، ومن الضيق إلى السعة، ومن الشدة إلى اليسر، ومن الكرب إلى الفرج، لما وجه الداعي دعاءه وطلبه إلى المدعو، إذ العاجز عن التصرف وعن التغيير لا يوجه إليه طلب التصرف والتغيير عند من له عقل سليم. ولهذا عاب الله تعالى على المشركين فقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٣].\rوهذا التلازم بين الدعاء وبين كون المدعو متصرفًا التصرف المطلق وقادرًا القدرة المطلقة - يقتضيه وضع الدعاء وحقيقته.\rثم هاتان الصفتان اللتان هما التصرف المطلق والقدرة المطلقة - من خصائص الربوبية فلا يتصف بهما غير الله تعالى، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى فقد صرف له ما هو من خصائص الربوبية، فلذا وجب إخلاص الدعاء لله تعالى.\rوربما يوجد بعض الأشخاص الذين لا يستحضرون عند الدعاء هذه التفاصيل لما يستلزمه معنى الدعاء ويقتضيه.\rولكن هذا لا يمنع أن الدعاء من شأنه وطبيعته اعتقاد الداعي تلك الخصائص للمدعو كما أنه لا يُجِيرُ للآخرين إنكار تلك الحقيقة الواقعة من الداعين الذين يستحضرون تلك المعاني والخصائص للمدعو.\r\r٣ - ومن معاني توحيد الربوبية الاعتراف بأن الله هو النافع الضار إذ من شأن الدعاء أن يكون المدعو يستطيع أن ينفع داعيه أو يضره.\rولهذا عاب الله على المشركين الذين عبدوا ما لا ينفعهم ولا يضرهم، فقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048594,"book_id":1098,"shamela_page_id":242,"part":"1","page_num":255,"sequence_num":242,"body":"وقال ﵎: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨].\rوقال تعالى حاكيًا توبيخ إبراهيم لقومه: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٦٦، ٦٧].\rوهذا التلازم أيضًا يقال فيه ما سبق في مثله من كون شأن الدعاء وحقيقته يقتضي ذلك.\rوالحاصل أن هذا التلازم الذي نقول به واضح في دعاء العبد لربه فإنه يعتقد هذه اللوازم.\rكما أن هذا التلازم هو من مقتضى حقيقة الدعاء وطبيعته وشأنه. وأما في حالة دعاء الموتى والغائبين فهو كذلك أيضًا ويدل لذلك أمور:\r١ - أقوال وتصرفات من يدعو الأموات والغائبين فقد صرح بعضهم باعتقادهم في المدعوين التصرف المطلق والقدرة على النفع والضر، وهو اعتراف منهم بالحقيقة، والاعترافُ هو أقوى برهان وأنصع حجة وأوضح دليل.\r٢ - أقوال العلماء الذين صرحوا بهذا التلازم في مطلق الدعاء.\r٣ - أقوال العلماء الذين صرحوا باعتقاد الداعين للأموات لمدعويهم هذه اللوازم وسيأتي هذان الأمران في آخر هذا البحث لتعلقه بموضوع البحث كله، وأما ما يتعلق بالأمر الأول فنذكره هنا .. وبالله التوفيق.\r\rاعتقاد من يدعو غير الله تعالى لمدعوه التصرف والقدرة على النفع والضر:\rوهذه نقول من كتبهم المعتبرة التي هي حجة بينهم وفيها ما ينادي باعتقادهم التصرف للأولياء وفي بعضها ادعاء من يزعم الولاية لنفسه أنه يتصرف في الكون ويجيب الداعي، وفي البعض الآخر ادعى له المريدون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048595,"book_id":1098,"shamela_page_id":243,"part":"1","page_num":256,"sequence_num":243,"body":"وعَدَّوْه من كراماته، واعتقادهم التصرف له يدل على أنهم يعتقدون أنه ينفع ويضر، ومن أقاويلهم الباطلة في ذلك ما قاله بعضهم:\r\"لو تحركت نملة سوداء في ليلة ظلماء فوق صخرة صماء، ولم أسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممكور بي\".\rفقال آخر مستدركًا عليه: \"كيف أقول ذلك، وأنا محركها؟ \" (¬١).\rففي هذا ادعى الأول السمع المحيط للكون، وذلك يستلزم العلم المحيط أيضًا وادعى الثاني زيادة على ذلك التصرف المطلق في الكون والقدرة على النفع والضر.\rوقد ذكروا مراتب الأولياء وقسموهم إلى مجموعات تتصرف في الكون وتدبر أمره فهناك القطب أو الغوث الأعظم وهناك الإمامان وهناك البدلاء وهناك الأوتاد والنجباء والنقباء. فلكل هذه المجموعة مهمة أساسية تتصرف فيها حسب زعمهم.\rفالقطب عندهم -وقد يسمى غوثًا باعتبار التجاء الملهوف إليه- \"عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل زمان أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد بيده قسطاس الفيض الأعظم … فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل. . .\" (¬٢).\rوأما الإمامان فأحدهما عن يمين القطب، ونظره في الملكوت وهو مرآة ما يتوجه من المركز القطبي إلى العالم الروحاني من الإمدادات والآخر عن يساره ونظره في الملك وهو مرآته في المحسوسات وهو أعلى من صاحبه ويخلف القطب إذا مات (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإنسان الكامل: ١/ ١٢٢، والعلم الشامخ: ٥٥٦، ٤٥٧.\r(¬٢) التعريفات للجرجاني: ١٧٧ - ١٧٨.\r(¬٣) المرجع نفسه: ٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048596,"book_id":1098,"shamela_page_id":244,"part":"1","page_num":257,"sequence_num":244,"body":"وأما الأوتاد فهم أربعة رجال منازلهم على منازل الأربعة الأركان من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب (¬١) فهؤلاء هم يثبتون الأرض ويحفظونها من الجهات الأربع.\rوأما النجباء فهم مشغولون بحمل أثقال الخلق من الأشياء التي لا تفي القوة البشرية بحملها (¬٢).\rوأما النقباء فهم المشرفون على بواطن الناس وخفايا الضمائر والسرائر (¬٣).\rوهؤلاء الأولياء بهذه المراتب الست لهم ديوان خاص يجتمعون فيه كل ليلة لتدبير الكون علويه وسفليه، قالوا إنهم يجتمعون في غار حراء، ويتفقون على ما يكون من ذلك الوقت إلى مثله الغد من فهم يتكلمون في قضاء الله تعالى في اليوم المستقبل والليلة التي تليه ولهم التصرف في العوالم كلها السفلية والعلوية (¬٤).\rفإذا كان هؤلاء اقتسموا التصرف في الكون فماذا بقي لله الواحد القهار؟\rثم إذا سمع العامي أن هؤلاء هم المتصرفون وأن الغوث معهم ورئيسهم فلماذا لا يستغيث بهم أو بالغوث وحده؟ ولماذا يبقى في الشدة وهؤلاء يجتمعون كل ليلة؟ فما عليه إلا أن يذكر حاجته لهم أو لأحدهم فما عليها إلا أن تقضى في تلك الليلة، ويُبْرِمَ الأمر فيها المجتمعون ويصدروا الأوامر النهائية لقضائها.","footnotes":"(¬١) المرجع نفسه: ٣٩.\r(¬٢) المرجع نفسه: ٢٣٩.\r(¬٣) المرجع نفسه: ٢٤٥.\rويراجع في هذه المراتب الفتوحات المكية: ٢/ ٧، ٨، ٥٢، ٢٠٨، والتصوف بين الحق والخلق: ٨٨ - ٩٢، والتصوف لإحسان إلهي: ٢٣١ .. وانظر قريبًا من هذه المراتب مراتب أخرى لما يسمى \"رجال الغيب\" في الإنسان الكامل: ٢/ ٤٥.\r(¬٤) الإبريز للدباغ: ٢/ ٢ - ٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048597,"book_id":1098,"shamela_page_id":245,"part":"1","page_num":258,"sequence_num":245,"body":"ومن هنا ندرك لماذا يدعي بعض هؤلاء القطبية أو البدلية إلى آخر تلك الألقاب.\rفممن ادعى ذلك ابن الفارض، فقد قال في تائيته:\rفبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها الـ … محيط بها والقطب مركز نقطتي (¬١)\rوادعى ابن عربي تفويض العالم إليه (¬٢).\rوقد ذكروا عن إبراهيم الدسوقي أنه سئل عن البدوي فقال: الدنيا مقسومة بيننا وبينه أربعة أقسام، ربع لي، وربع لأحمد الرفاعي، وربع للجيلاني، وربع لحضرة البدوي. وكل منهم يتصرف في ربعه إلا أن البدوي له خصيصة لم يخص بها أحد سواه وهو أن الله تعالى جعل له كرسيًا في مكان بين السماء والأرض يتصرف في أمور العالم العلوي والعالم السفلي (¬٣).\rومن ذلك ما نقله الشعراني عن البدوي من ادعائه أنه يحمي الوحوش والسمك في البحار بعضهم عن بعض فلهذا فهو غير عاجز عن حماية من يحضر مولده (¬٤).\rكما ادعي له أنه يسلب الإيمان والعلم (¬٥).\rومن ذلك ما سمعه المقبلي (¬٦) من بعضهم أنه يقول: \"لا يكون الولي وليًا عندنا أهل الحق حتى يكون الكون بأجمعه كحبة خردل في","footnotes":"(¬١) ديوان ابن الفارض: ٥٢.\r(¬٢) العلم الشامخ: ٥٥٨.\r(¬٣) العلم الشامخ: ٥٧١، والسيد البدوي: ٢٥٨، نقلًا عن كتاب النصيحة العلوية: ق ٣٧/ ب.\r(¬٤) الطبقات الكبرى: ١/ ١٦٢، والسيد البدوي: ٢٥٢، ٢٦١، ٢٨٦.\r(¬٥) الطبقات: ١/ ١٦٢.\r(¬٦) هو صالح بن مهدي بن علي الصنعاني ثم المكي. قال الشوكاني: وهو ممن برع في جميع علوم الكتاب والسنّة وحقق الأصولين والعربية وفاق في جميع ذلك: (ت ١١٠٨ هـ). البدر الطالع: ١/ ٢٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048598,"book_id":1098,"shamela_page_id":246,"part":"1","page_num":259,"sequence_num":246,"body":"كفه\" يعني فيتصرف فيه كيف يشاء (¬١).\rوبعض هؤلاء قصر التصرف في القبر لبعض كبار الأولياء ومثل لذلك البعض بالشافعي والليث والبدوي وأضرابهم، فهؤلاء لهم التصرف في قبورهم بحسب صدق من توجه إليهم، وأما النبي ﷺ فبابه مفتوح فما على من عنده حاجة إلا أن يصلي عليه ثم يسأله حاجته (¬٢)، قال الألوسي: \"ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة\" (¬٣).\rومن ذلك ما قيل من أن الولي إذا تقرب إلى الله تعالى حتى يصير مقاربًا لله تعالى يحصل له أنه إذا تصرف على سبيل التمكين في الأمور لا يستعصي عليه شيء مما يطلبه فإذا تشوف للعلم علمه، ويفعل ما يريد إحداثه في العالم مثل إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك ..\rوإذا اتصف بصفة الخلة تظهر في أجزاء جسده آثار التخلل بأن تنفعل الأشياء له بلفظة كن وأن يبرئ العلل والأمراض ويأتي بالمخترعات بيده، وأن يكون لرجله المشي في الهواء، وأن يقدر على التصور بكل صورة بتمام هيكله (¬٤).\rفالولي إذا وصل إلى هذه الدرجة يفعل ما يشاء ويريد وينفع ويضر بيده كل شيء!! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\rويكفي لمعرفة مدى ادعاء هؤلاء التصرف وتصديق بعض الناس لهم قراءة بعض كتب هؤلاء التي احتوت على ما لا يتصور أن يصدقه عاقل","footnotes":"(¬١) الأرواح النوافخ بهامش العلم الشامخ: ٥٢٩.\r(¬٢) شواهد الحق للنبهاني: ١٤٩.\r(¬٣) روح المعاني: ١٧/ ٢١٣، ونحوه في غاية الأماني: ١/ ٢٤٧.\r(¬٤) الإنسان الكامل للجيلي: ٢/ ١٤٥ - ١٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048599,"book_id":1098,"shamela_page_id":247,"part":"1","page_num":260,"sequence_num":247,"body":"فضلًا عن مسلم قرأ كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وعرف الإسلام ومن تلك الكتب كتاب الطبقات الكبرى للشعراني وهو كتاب معتبر عندهم فقد حوى العجائب والغرائب من ادعاء تصريف الكون والحوادث الكثيرة، فالذين ترجم لهم نحو ثلثمائة إذا استثنينا الصحابة والتابعين وبعض كبار الصالحين، فكثير من هؤلاء المترجم لهم ذكر لهم الشعراني ما يدل على تصرفهم في الكون وعلمهم للغيب وغير ذلك مما لا يصدقه العقل.\rومثل كتاب الطبقات كتاب جواهر المعاني لعلي حرازم في ترجمة التيجاني ففي هذا الكتاب تصوير للتيجاني بأنه المدبر للكون والمتصرف في شؤون الناس، فمما ادعاه للتيجاني أنه نائب عن الله أو خليفته في جميع مملكته الإلهية بلا شذوذ متصفًا بجميع صفات الله وأسمائه حتى كأنه عينه (¬١).\rومن تلك الكتب كتب البريلويين الذين تجاوزوا المعقول والمنقول فيما زعموا للنبي ﷺ والصالحين.\rومن ذلك ما قالوه في الشيخ الجيلاني أنه هو الغوث الذي حصلت له قدرة كلمة \"كن فيكون\" وأن قلوب الناس في يده يصرفها كيف يشاء، وأن له حق التثبيت في اللوح المحفوظ وأنه يملك أن يجعل المرأة رجلًا (¬٢).\rومن تلك الكتب كتب الرافضة ففيها العجائب والطامات، ففيها ادعاء لأئمتهم التصرف في الكون وعلم الغيب وغير ذلك مما هو من خصائص الربوبية (¬٣).","footnotes":"(¬١) جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني: ٢/ ١٤٥، والتحفة السنية: ٤٦.\r(¬٢) انظر ما نقله الشيخ إحسان إلهي ظهير عن كتبهم المعتمدة لديهم في كتابه البريلوية ص: ٧٢.\r(¬٣) انظر ما سيأتي نقله في ص: ٤٦٥ - ٤٦٧، ٩٣١ - ٩٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048600,"book_id":1098,"shamela_page_id":248,"part":"1","page_num":261,"sequence_num":248,"body":"والحاصل:\rإن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية التي هي شاملة للخلق كلهم، ولهذا كانت إجابة الدعاء غير خاصة بالمؤمنين بل الله يسأله كل الخلائق فيجيبهم.\rقال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩] يسأله المطيع والعاصي والكافر والمنافق، فهو كل يوم يجيب داعيًا ويكشف كربًا ويجيب مضطرًا ويغفر ذنبًا كما قاله مجاهد وغيره (¬١).\rوهو يمد كلًا من العاصي والطائع بما يتكفل له حياته، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠].\rبل لما سأله إبليس اللعين بقوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦] أجابه الله إلى ما طلبه وأعطاه بغيته مع أنه أبغض خلق الله إلى الله، قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨].\rفاتضح مما سبق أن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وأنها شاملة للخلق أجمع، وأنها فعل من أفعال الله تعالى وأن الإقرار بتفرده بها إقرار بتفرده بأفعاله وأن الإخلاص في الدعاء يستلزم الإخلاص في توحيد الربوبية وأن الشرك في الدعاء يستلزم الشرك في الربوبية، كما أنه يستلزم الاعتقاد بعلم الغيب والتصرف المطلق والقدرة المطلقة والنفع والضر للمدعو. وقد يقال: إن الداعي ربما لا يستحضر عند الدعاء تلك اللوازم للدعاء من كون المدعو قادرًا القدرة المطلقة ومتصرفًا ومالكًا للنفع والضر فلا يقال: إنه أشرك في الربوبية.","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري: ٢٧/ ١٣٥، وقد روي نحوه مرفوعًا من حديث أبي الدرداء أخرجه ابن ماجه: ١/ ٧٣ رقم ٢٠٢، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: ١/ ٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048601,"book_id":1098,"shamela_page_id":249,"part":"1","page_num":262,"sequence_num":249,"body":"الجواب: إن من طبيعة الدعاء أن يستحضر الداعي تلك المعاني وهي لازمة له وإلا كان مثل كلام المجنون الذي لا يدري ما يقول، وأيضًا لا يشترط في الحكم بالشرك أن يستحضر المشرك جميع لوازمه وقبائحه ولو استحضر ذلك لما أشرك مع أن الأدلة السابقة وواقع هؤلاء يدلان على أن قسمًا منهم يعتقد بتلك اللوازم أيضًا.\r\rالمطلب الثاني: في علاقته بتوحيد الأسماء والصفات:\rإن الدعاء له علاقة قوية وارتباط وثيق بتوحيد الأسماء والصفات لأن معنى توحيد الأسماء والصفات هو الإقرار بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من الأسماء الحسنى والصفات العلى إثباتًا بدون تمثيل ولا تشبيه وتنزيهًا بدون تعطيل ولا تحريف ولا تأويل.\rومن عدم التشبيه والتمثيل اعتقاد أنَّ الله هو المتفرد بها لا يشركه فيها غيره وأسماء الله الحسنى وصفاته العليا الواردة في الكتاب والسنة كثيرة جدًّا نقتصر منها هنا على بعضها وهي العلم المحيط للغيب والشهادة، والسمع والبصر وصفة المعية، والإرادة والحياة، والقيومية، والجود والكرم والرحمة وصفة العلو.\rومن شأن الدعاء أن يعتقد الداعي اتصاف المدعو بهذه الصفات.\rواعتقاد الداعي أن الله هو المتفرد بها وأنه وحده هو المستحق للاتصاف بهذه الصفات هو من توحيد الأسماء والصفات، كما أن اعتقاده أن غير الله تعالى متصف بها - كاتصاف الله تعالى - يكون إلحادًا فيها وشركًا.\r\rصفة العلم:\rإن من شأن الدعاء أن يعتقد الداعي أن مدعوه يعلم بدعائه وأحواله وما هو فيه من الكرب والشدة والفاقة والهم والغم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048602,"book_id":1098,"shamela_page_id":250,"part":"1","page_num":263,"sequence_num":250,"body":"وإلا لو كان المدعو يجهل بدعائه وأحواله ومكانه لم يكن هناك فائدة في دعائه والاستغاثة به، إذ الإجابة لدعاء الداعي فرع عن علم المدعو بحاجة الداعي.\rفالداعي يعتقد أن المدعو عالم، وعلمه محيط بجميع الكائنات، وما تتحرك ذرة في السماء والأرض إلا وهو عالم بها ولا يخطر على البال خاطر إلا وهو يعلمه، ولا يختلج في النفس شيء إلا وهو مطلع عليه، ولا ينتاب الداعي، نائبة ولا تحدث له حادثة إلا وهو يعلمها، ولا عليه هم ولا غم ولا حزن إلا وهو مطلع عليه وعالم به وبأسبابه وبما يرفع ذلك أو يخففه، فهذا العلم المحيط (¬١) الشامل للغيب والحاضر صفة خاصة بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقال عز من قائل: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].\rوقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].\rوقال عز من قائل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦].\rفالاعتقاد بالعلم المحيط الشامل للكون علويه وسفليه من مقتضيات معنى الدعاء ولوازمه فلو قلنا جدلًا: إنه لا يلزم منه اعتقاد الداعي بالعلم المحيط للكون فلا بد أن نقول: إنه يلزمه أن يعتقد أن المدعو علمه محيط بالداعي وبحاله وخواطره.","footnotes":"(¬١) انظر رسالة التوحيد للدهلوي: ٣٤ - ٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048603,"book_id":1098,"shamela_page_id":251,"part":"1","page_num":264,"sequence_num":251,"body":"وذلك لأن الداعي لو لم يرسخ في ذهنه أن المدعو المستغاث به يعلم حاجته وسره وعلانيته وخواطره، وهواجسه وخلجات فؤاده وحركات أنفاسه ووساوس نفسه.\rلو لم يرسخ في ذهنه هذا لما نادى واستغاث وطلب النجدة والإنقاذ ولما أتعب نفسه في التذلل والتضرع والابتهال، والانطراح بين يدي المسؤول، إذ إجابة الدعاء فرع عن العلم بنداء الداعي واستغاثته وأحواله وحاجته لأن الجاهل بهذه الأمور لا يمكن إجابته كما لا يخفى.\rوهذا التلازم الذي نقول به قد قال به الرازي وغيره ممن يعترف بكلامه المخالف، وهو تلازم واضح بيِّن لا مفر منه، وسيأتي كلام الرازي وغيره في آخر هذا البحث.\rويؤكد هذا التلازم أيضًا ادعاء هؤلاء العلم بالغيب لمن يدعونهم، وادعاء الآخرين ذلك لأنفسهم، كما يؤكده شهادات كبار العلماء باعتقادهم ذلك، ويؤكده الواقع المشاهد من أحوال من يدعو غير الله تعالى.\rفأما ادعاؤهم معرفة الغيب لأنفسهم فكثير جدًّا، فمن ذلك:\rما ذكره الطوسي في كتابه اللمع أنه سمع من شيخه أنه دخل على الشبلي (¬١) فكان يقول له ولمن معه أي الزائرين المريدين:\r\"مروا أنا معكم حيث ما كنتم أنتم في رعايتي وفي كلأتي\" (¬٢).\rوهذا واضح في ادعائه لعلم الغيب ولا ينفع فيه التأويل لأنه نص صريح لا يقبل التأويل.\rوذكر القشيري عن الخضر أنه لقي في المدينة النبوية وليًا أعظم منه","footnotes":"(¬١) الشبلي هو أبو بكر دلف بن جعفر وقيل جعفر بن يونس قال الذهبي: وكان فقيهًا عارفًا بمذهب مالك لكنه يحصل له جفاف دماغ وسكر فيقول أشياء يعتذر عنه وله مجاهدات عجيبة انحرف منها مزاجه. اهـ. سير أعلام النبلاء: ١٥/ ٣٦٧.\r(¬٢) اللمع: ٤٧٨، وتلبيس إبليس: ٣٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048604,"book_id":1098,"shamela_page_id":252,"part":"1","page_num":265,"sequence_num":252,"body":"قال الخضر: \"فعلمت أن الله عبادًا لم أعرفهم\" (¬١) ومن المعلوم أن الخضر نبي على الراجح فإذا كان الولي أعلم منه فمعناه أنه مطلع على الغيب.\rوذكر الشعراني عن أحدهم أنه كان يقول:\r\"أعرف تلامذتي من يوم \"ألست بربكم\" وأعرف من كان في ذلك كان الموقف عن يميني ومن عن شمالي ولم أزل من ذلك اليوم أربي تلامذتي وهم في الأصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا\" (¬٢) أي أن علمه مستمر ومحيط بتلامذته، كما أنه متصرف فيهم قبل وجودهم!!!\rهذه بعض الأمثلة لادعائهم لأنفسهم معرفة الغيب.\rوأما ادعاء مريديهم لهم ذلك فكثير أيضًا، فمن ذلك ما قاله صاحب الجواهر في شيخه التيجاني:\r\"ومن كماله ﵁ ونفوذ بصيرته الربانية، وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب وفي غيرها من إظهار مضمرات وإخبار بمغيبات وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات. . .\" (¬٣). . ونقل صاحب الجواهر عن شيخه التيجاني أنه يذهب إلى ادعاء ثبوت العلم اللدني وأنه قال في قوله تعالى ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ … ﴾: أو صديق أو ولي (¬٤).\rوهكذا زادوا في كتاب الله تعالى بدون حياء ولا خجل، وادعوا الكشف الإلهي وقراءة اللوح المحفوظ، إلى غير ذلك مما كان له أثر في","footnotes":"(¬١) الرسالة: ٢/ ٦٨٥.\r(¬٢) الطبقات الكبرى: ١/ ١٨٣.\r(¬٣) جواهر المعاني: ١/ ٦٣.\r(¬٤) المرجع نفسه: ١/ ٢١٨، نقله عن المرسي راضيًا به ومحتجًا به على مذهبه في إثبات ما يسمى عندهم بالعلم اللدني.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048605,"book_id":1098,"shamela_page_id":253,"part":"1","page_num":266,"sequence_num":253,"body":"التأثير على الناس في اعتقاد علم هؤلاء للغيب ومعرفتهم بالداعي وأحواله وابتهالاته. وهذا الاعتقاد الفاسد تسرب إلى بعض المسلمين بطريق المتصوفة وتسرب إلى المتصوفة من طريق الروافض، فإنهم قد ادعوا لأئمتهم معرفة الغيب وغلوا في ذلك، فمن ذلك ما ادعوه لمهديهم الغائب من أنه قال في إحدى توقيعاته: نحن وإن كنا نائين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين. فإنا نحيط علمًا بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم … إنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم ولولا ذلك لنزل بكم البلاء\" (¬١).\rوزعموا أيضًا أن عليًا ﵁ قال في الغائب: تسمع الكلام وتسلم على الجماعة ترى ولا ترى\" (¬٢)، وقال أحدهم مجيزًا دعاء غائبهم المنتظر: \"لا يخفى علينا أنه (ع) وإن كان مخفيًا عن الأنام ومحجوبًا عنهم ولا يصل إليه أحد ولا يعرف مكانه إلا أن ذلك لا ينافي ظهوره عند المضطر المستغيث به الملتجئ إليه الذي انقطعت عنه الأسباب، وأغلقت دونه الأبواب، فإنَّ إغاثة الملهوف وإجابة المضطر في تلك الأحوال، وإصدار الكرامات الباهرة والمعجزات الظاهرة هي من مناصبه الخاصة كما يظهر من الحكايات المتعددة التي نقلها العلماء الأعلام رضوان الله عليهم في محالها، فعند الشدة وانقطاع الأسباب من المخلوقين وعدم إمكان الصبر على البلايا. يستغيثون به ويلتجئون إليه\" (¬٣).\r\rصفتا السمع والبصر:\rومن الصفات التي هي من مقتضيات الدعاء ولوازمه صفتا السمع والبصر العامين وذلك لأن من شأن الداعي أن يعتقد أن المدعو المنادى المستغاث به يسمع نداءه واستصراخه ويري تضرعه وتذلله وانطراحه بين","footnotes":"(¬١) الاحتجاج للطبرسي: ٢/ ٤٩٧، وتاريخ الغيبة الكبرى للصدر: ٥١.\r(¬٢) الغيبة للنعماني: ١٤٤.\r(¬٣) المهدي وظهوره للشاهرودي ص: ٣٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048606,"book_id":1098,"shamela_page_id":254,"part":"1","page_num":267,"sequence_num":254,"body":"يديه ومكانه في هذا العالم الفسيح المترامي الأطراف والمختلطة فيه أصوات المستغيثين ونداءات المضطرين وشكايات المضطهدين.\rوهذا الاعتقاد من لوازم الدعاء، ومقتضياته فلهذا عاب إبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم - قومه لدعائهم الأصنام التي لا تسمع قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾ [الشعراء: ٧٢، ٧٣].\rفسماعُ أصوات الخلائق من البعد ليس إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة]، وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد، كلهم ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله وإنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم (¬١).\rوالخلاصة أن اعتقاد الداعي بأن مدعوه يسمع مناجاته ونداءاته وأنه يراه ويرى تضرعه وانكساره وانطراحه بين يديه هذا الاعتقاد من لوازم معنى الدعاء ومقتضياته، وأنَّ الداعين لغير الله تعالى كثير منهم يعتقد ذلك فيمن يدعوه (¬٢) وسنذكر إن شاء الله تعالى ذلك مفصلا (¬٣).\r\rصفة المعية والقرب:\rومن صفات الجلال والجمال التي يدل عليها الدعاء صفة قرب الله","footnotes":"(¬١) الرد على الأخنائي ص: ١٣٤ - ١٣٥، وعنه في الصارم المنكي ص: ١٤٧.\r(¬٢) انظر ما يفيد اعتقادهم للسمع والبصر المحيطين لغير الله تعالى في: البريلوية لإحسان إلهي: ٦٣، ٧٨، وانظر أيضًا: ١٠٦ - ١١٢ مسألة الحاضر والناظر حيث يعتقدون أن النبي ﷺ لا يخلو منه مكان ولا زمان فهو حاضر في كل مكان بعينه وكذلك الأولياء يستطيعون الحضور وانظر الكتاب نفسه ص: ١١٤ وما بعدها.\r(¬٣) يأتي حكاية أقاويلهم في ذلك ص: ٩٣١ - ٩٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048607,"book_id":1098,"shamela_page_id":255,"part":"1","page_num":268,"sequence_num":255,"body":"من عباده، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، قيل في سبب نزولها: إنها نزلت في سائل سأل النبي ﷺ فقال: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ عني الآية (¬١)، هذا وإن صفة المعية من خصائص الله تعالى وليست كمعية المخلوق كما هو في باقي صفات الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\rوقد دل الدليل الصريح على دلالة الدعاء واستلزامه لصفة المعية في دعاء الله تعالى ومن ذلك قوله ﷺ في الحديث القدسي: يقول الله تعالى: \"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني\" (¬٢).\rقال ابن كثير في معنى الحديث: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع ولا يشغله عنه شيء بل هو سميع الدعاء ففيه ترغيب للدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى (¬٣).\rفالله ﷾ قريب يسمع من دعاه، ولا يحتاج إلى واسطة تبلغه وترفع الأمر إليه أو تؤثر في إرادته ومشيئته أو واسطة تعينه أو تنوب عنه.\rثم هذا القرب الذي يحصل للداعي المخلص هو من أعظم أنواع القرب إلى الله تعالى، وهو قرب خاص.\rقال الشوكاني: \"أعظم أنواع قرب العبد من الرب ما صرح به في","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن جرير الطبري: ٢/ ١٥٨، وابن أبي حاتم كما في ابن كثير: ١/ ٢١٨، وفيه أن أعرابيًا .. إلخ، والبغوي: ١/ ١٥٥، وذكره في زاد المسير: ١/ ٨٨٨.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ١٣/ ٣٨٤ رقم ٧٤٠٥، ومسلم: ٤/ ٢٠٦١، ٢٠٦٧ رقم ٢٦٧٥.\r(¬٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048608,"book_id":1098,"shamela_page_id":256,"part":"1","page_num":269,"sequence_num":256,"body":"الكتاب العزيز بقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (¬١).\rوقال ابن القيم: إن هذا القرب المذكور في القرآن والسنة قرب خاص وهو غير قرب الإحاطة (¬٢) وذكر شيخ الإسلام أيضًا أن القرب هنا خاص بحالة الدعاء وليس قربًا عامًا في جميع الأحوال (¬٣).\rوالمقصود هنا إثبات أن الدعاء يقتضي ويستلزم اعتقاد الداعي أن المدعو قريب يسمع يعلم سره ونجواه، إذ لولا هذا لما وجه نداءه وأنه معه وجه نداءه لمن ليس قريبًا منه، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى يلزمه أن يعتقد هذا القرب له.\r\rومن الصفات التي هي من لوازم الدعاء صفة الحياة والقيومية:\rإذ الميت أو النائم أو الغافل لا يستطيع التصرف لنفسه فكيف يغيث مضطرًا وينقذ هالكًا؟\rولهذا التلازم عاب الله تعالى المشركين بدعائهم للأصنام التي ليس\rلها حياة فضلًا عن القوامة فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١].\rوقد بقيت صفات كثيرة من لوازم الدعاء ومقتضياته، من ذلك صفة الإرادة المطلقة والجود والكرم والرأفة والرحمة والغنى وغيرها، إذ المتصف بأضدادها لا يرجى خيره ولا يطمع في إحسانه، ولا يتعرض\rلفضله ونواله.\rونكتفي بهذا القدر في تتبع الصفات التي يعتقدها الداعي للمدعو،","footnotes":"(¬١) قطر الولي: ٣٩٩.\r(¬٢) انظر طريق الهجرتين ص: ٢٢.\r(¬٣) انظر الفتاوى: ٥/ ١٢٩ - ١٣٠ و ٢٤٠ - ٢٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048609,"book_id":1098,"shamela_page_id":257,"part":"1","page_num":270,"sequence_num":257,"body":"أو هي لازمة لطبيعة الدعاء وإن لم يستحضرها الداعي عند الدعاء، وذلك لأن الذي ذكرناه يدل على ما بقي.\rهذا ونؤخر الكلام على صفة العلو لطول الكلام عليها.\r\rالخلاصة:\rإن الدعاء من لوازمه ومقتضيات معناه أن يكون المدعو متصفًا بصفات الكمال والجلال والجمال، ومن تلك الصفات: العلم المحيط والسمع والبصر والمعية والقرب والحياة والقيومية والإرادة والجود والكرم والرحمة. . . وهي صفات خاصة بالله تعالى ولا تليق لغيره. .\rفصرف الدعاء لغير الله تعالى يستلزم صرف هذه الصفات لذلك الغير وادعاءها له واعتقاد استحقاقه لها فيكون شركًا في توحيد الأسماء والصفات، وكون الدعاء من لوازمه هذه الصفات قد ذكرنا فيما سبق الأدلة على ذلك من الآيات، ومما يؤكد ذلك تصريح بعضهم بما يفيد ذلك من ادعاء ذلك لنفسه أو اعتقاده لغيره من المدعوين.\rوالآن نتبع ذلك بأقوال العلماء الذين قالوا بذلك التلازم لمطلق الدعاء، ثم بأقوال العلماء الذين ذكروا أن بعض الذين يدعون الأموات يعتقدون لهم علم الغيب والتصرف في الكون والسمع والبصر العامين … إلخ.\r\rأقوال الذين ذكروا أن الدعاء يستلزم الاعتقاد بصفات الجلال والكمال الله تعالى:\rفمن العلماء الذين ذكروا هذا التلازم ابن القيم والرازي والزبيدي وابن أبي العز والزركشي وابن عقيل.\rفقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الصلاة على النبي ﷺ وهي كما تقدم (¬١) نوع من الدعاء - تتضمن كل الإيمان \"بل هي متضمنة للإقرار","footnotes":"(¬١) ص: ٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048610,"book_id":1098,"shamela_page_id":258,"part":"1","page_num":271,"sequence_num":258,"body":"بوجود الرب المدعو، وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه\" (¬١).\rوقال أيضًا: وحصول الإجابة عقيب السؤال على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته ورحمته بهم (¬٢).\rوذكر الرازي في معرض شرحه للاستعاذة - وقد تقدم (¬٣) أنها نوع من الدعاء - أنها لا تتم إلا بعلم العبد بعجزه عن جلب المنافع ودفع المضار وبعلمه أيضًا بأن الله المستعاذ به قادر على إيجاد المنافع ودفع المضار ولا يقدر على ذلك غيره فإذا حصل له هذا العلم بالله وبنفسه يحصل له التواضع والانكسار في القلب كما يحصل له طلب ذلك من الله باللسان.\rوذكر الرازي أيضًا أنه يلزمه في الاستعاذة أن يعلم أن الله عالم بجميع المعلومات فإنه لو لم يكن كذلك لجاز أن لا يكون عالمًا به ولا بأحواله فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثًا، ولا بد أن يعلم أيضًا كونه قادرًا على كل شيء وإلا فربما كان عاجزًا عن تحصيل مراد العبد، ولا بد أن يعلم أنه جواد كريم إذ لو كان البخل عليه جائزًا لما كان في الاستعاذة به فائدة.\rوبهذا الاعتقاد يعرف أن في الدعاء اعترافًا بعز الربوبية وذل العبودية.\rثم ذكر الرازي أن من الناس من يقول بعدم الحاجة إلى العلم بهذه اللوازم التي ذكرت ثم ذكر أن هذا ضعيف جدًّا لأن إبراهيم ﵇","footnotes":"(¬١) جلاء الأفهام: ٢٧٠\r(¬٢) مدارج السالكين: ٣/ ٣٥٥\r(¬٣) ص: ٨٣","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048611,"book_id":1098,"shamela_page_id":259,"part":"1","page_num":272,"sequence_num":259,"body":"عاب أباه في قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].\rفبتقدير أن لا يكون الإله عالمًا بكل المعلومات قادرًا على كل شيء كان سؤاله لمن لا يسمع ولا يبصر وكان داخلًا تحت ما جعله إبراهيم عيبًا على أبيه (¬١).\rوفي معنى كلام الرازي هذا قول الزبيدي: إن الدعاء يدل على قدرة الله وعجز الداعي (¬٢).\rوقال ابن أبي العز شارح الطحاوية إن من فوائد الدعاء العاجلة معرفة العبد بربه وإقراره به وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال الزكية التي هي من أعظم المطالب (¬٣).\rوذكر الزركشي أن من فوائد الدعاء إظهار العبودية والإقرار بالفقر والحاجة والاعتراف بالربوبية (¬٤).\rوذكر ابن رجب أن في السؤال إظهار الذل والمسكنة وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر، ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار (¬٥).\rومن أصرح من وقفت على كلامه من العلماء الذين صرحوا باشتمال الدعاء على الاعتقاد بالصفات العليا أبو الوفا ابن عقيل الحنبلي فإنه قال:\r\"قد ندب الله إلى الدعاء وفيه معاني الوجود والغنى والسمع","footnotes":"(¬١) تفسير الرازي: ١/ ٧٢ - ٧٣\r(¬٢) إتحاف السادة: ٥/ ٢٩\r(¬٣) شرح الطحاوية ص: ٤٦١.\r(¬٤) الأزهية ص: ٣٨\r(¬٥) جامع العلوم والحكم ص: ١٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048612,"book_id":1098,"shamela_page_id":260,"part":"1","page_num":273,"sequence_num":260,"body":"والكرم والرحمة، والقدرة فإن من ليس كذلك لا يدعى، ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفى ولا النجم لا يقال له: أصلح مزاجي لأن هذه عندهم مؤثرة طبعًا لا اختيارًا، فشرع الدعاء والاستشفاء ليبين كذلك أهل الطبائع وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] حتى لا يطلب إلا منه.\rثم أحب أن يظهر جواهر أهل الابتلاء فقال لذا: اذبح ولدك، وقرص هذا بالبلاء ليحملهم على الدعاء واللجاء)) (¬١).\rفقد اتضح من كلام هؤلاء العلماء تضمن الدعاء لاعتقاد الداعي بهذه الصفات العليا التي هي من خصائص الله تعالى لا يشركه فيها غيره.\rفبهذا نعلم أن من صرف الدعاء للمخلوق أيًا كان فقد صرف له هذه الصفات التي هي خاصة بالله تعالى فبهذا يكون قد أشرك في توحيد الأسماء والصفات، ووصف غير الله تعالى بصفات هي من خصائص الله تعالى وصفاته كما أن من أخلص الله تعالى في الدعاء فقد أخلص في توحيد الأسماء والصفات.\r\rأقوال العلماء الذين ذكروا أن الداعين للأموات يعتقدون اتصافهم بمعرفة الغيب وغيرها من الصفات التي هي لازمة لمن يستحق الدعاء:\rوالعلماء الذين بينوا أن الداعين للأموات أو الغائبين يعتقدون لمن يدعونهم علم الغيب وسماع النداء والقدرة على النفع والضر - كثيرون منهم:\r١ - المفسر الألوسي أبو الفضل محمود (ت ١٢٧٠ هـ) فإنه قال:\r\"ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك - يشير إلى قولهم: يا سيدي فلان","footnotes":"(¬١) الآداب الشرعية لابن مفلح نقلًا عن كتاب الفنون لابن عقيل: ٢/ ٢٩٢، وشرح الطحاوية ص: ٤٥٩، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان: ١/ ١٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048613,"book_id":1098,"shamela_page_id":261,"part":"1","page_num":274,"sequence_num":261,"body":"أغثني - إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه\" (¬١).\rوذكر الألوسي أيضًا أن ممن يندرج في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ ? [يوسف: ١٠٦] عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر (¬٢) فقد وصفهم الألوسي باعتقاد النفع والضر.\r٢ - والعالم المجاهد محمد إسماعيل الدهلوي الملقب بالشهيد (ت ١٢٤٧ هـ) فإنه ذكر الذين يقولون: يا سيدنا ادعو الله لنا وأنهم يظنون أنهم ما أشركوا لأنهم على زعمهم لم يطلبوا منهم قضاء الحاجات، وإنما طلبوا منهم الدعاء فقط.\rثم قال: \"وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجات فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب\" (¬٣).\rفقد صرح الدهلوي ﵀ باعتقادهم لمدعويهم السمع الذي لا يليق إلا بالله تعالى وأنهم ما صرفوا الدعاء للولي لولا هذا الاعتقاد.\r٣ - والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن حسن (ت ١٢٨٥ هـ) فإنه قال تعليقًا على قول البوصيري:\rيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حدوث الحادث العمم\rقال: \"ولا ريب أن هذا الدعاء الذي دعاه البوصيري واستغاث فيه بالنبي ﷺ يقتضي إثبات قدرة عامة وعلم عام وسمع محيط لاسيما إن كان من يدعو الصالحين ويسألهم جعل ذلك ديدنه في كل زمان ومكان","footnotes":"(¬١) روح المعاني: ٦/ ١٢٨.\r(¬٢) المرجع السابق: ١٣/ ٦٧، ونحوه في: ١٧/ ٢١٣ و ٢٤/ ١١.\r(¬٣) رسالة التوحيد: ٦٦ - ٦٧، وانظر: ٣٤ - ٣٥، ٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048614,"book_id":1098,"shamela_page_id":262,"part":"1","page_num":275,"sequence_num":262,"body":"وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار وإن زعم أنه لم يثبت قدرة ولا علمًا ولا سمعًا عامًا محيطًا لا يليق بالمخلوق فهو مكابر ملبوس عليه ثم في ذلك من الخضوع والذل والمحبة والإنابة ما هو من خالص العبادة ولبها فكيف جاز صرفه لغير الله؟ \" (¬١).\rوقال أيضًا: \"بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم قدرة وعلمًا بحاله وسمعًا ليس من جنس قدرة العباد وعلمهم وسمعهم\" (¬٢).\r٤ - والشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ) فقد ذكر أنه يلزم الاحتراز عن مثل الورد المشهور وهو ورد: \"يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئًا الله وعلل ذلك بأن بعض الفقهاء حكم بكفر قائله ثم علله أيضًا بأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة، لم يثبت شرعًا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة ثم ذكر أن من اعتقد أن غير الله تعالى حاضر وناظر وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن فقد أشرك، وذكر أن اعتقاد أن عبد القادر يعلم أحوال مريديه في كل وقت ويسمع نداءهم من عقائد الشرك (¬٣).\r٥ - والشيخ محمد بشير السهسواني (ت ١٣٢٦ هـ) فإنه قال: \"فنداء الميت بعيدًا من القبر، وكذا نداء الغائب يقتضي اعتقاد علم الغيب لذلك الميت والغائب\" (¬٤).\rوذكر أيضًا أن المستغيثين بالأموات والغائبين يعتقدون أنهم يعلمون استغاثتهم، ويسمعون دعاءهم من كل مكان وفي كل زمان وأن هذا إثبات لعلم الغيب لهم (¬٥).","footnotes":"(¬١) مصباح الظلام: ٢٠٠ - ٢٠١.\r(¬٢) المرجع نفسه: ٢٥٤.\r(¬٣) مجموع فتاوى عبد الحي اللكنوي: ١/ ٢٦٤، نقلًا عن تعليق الندوي على رسالة التوحيد ص: ١٤٠ - ١٤١.\r(¬٤) صيانة الإنسان: ٣٧٣\r(¬٥) المرجع السابق: ٢٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048615,"book_id":1098,"shamela_page_id":263,"part":"1","page_num":276,"sequence_num":263,"body":"٦ - والشيخ حافظ الحكمي (ت (١٣٧٧ هـ) فقد ذكر تلازم أنواع التوحيد الثلاثة وتلازم بعضها لبعض وأنها لا ينفك بعضها عن بعض وأن الشرك في نوع منها يلزم منه الشرك في الباقي، ثم قال: \"مثال ذلك في هذا الزمن عباد القبور إذا قال أحدهم يا شيخ فلان - لذلك المقبور أغثني أو افعل لي كذا ونحو ذلك يناديه من مسافة بعيدة وهو مع ذلك تحت التراب وقد صار ترابًا فدعاؤه إياه عبادة صرفها له من دون الله لأن الدعاء مخ العبادة، فهذا شرك في الإلهية وسؤاله إياه تلك الحاجة من جلب خير أو دفع ضر أو رد غائب أو شفاء مريض أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله معتقدًا أنه قادر على ذلك هذا شرك في الربوبية حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته ثم إنه لم يدعه هذا الدعاء إلا اعتقاده أنه يسمعه على البعد والقرب في أي وقت كان وفي أي مكان ويصرحون بذلك وهذا شرك في الأسماء والصفات حيث أثبت له سمعًا محيطًا بجميع المسموعات لا يحجبه قرب ولا بعد فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات (¬١).\r٧ - والشيخ علي محفوظ الحنفي صاحب كتاب الإبداع (ت ١٣٦١ هـ) فإنه ذكر أن العوام إذا نزل بهم أمر خطير في البر أو البحر تركوا دعاء الله ونادوا بعض الأولياء كالبدوي والدسوقي وزينب، ثم قال:\r\"معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا الله وحده ينجو من تلك الشدائد\" (¬٢).\rوالحاصل أنه قد تبين مما سبق أن الدعاء يستلزم اعتقاد الداعي لمدعوه صفات الكمال والجلال التي لا تليق لغير الله تعالى من العلم المحيط والقدرة المطلقة والتصرف المطلق والسمع وغير ذلك، كما تبين","footnotes":"(¬١) معارج القبول: ١/ ٤٣٥، ويراجع: ١/ ٤٤٦ و ٤٤٥.\r(¬٢) الإبداع في مضار الابتداع: ٢١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048616,"book_id":1098,"shamela_page_id":264,"part":"1","page_num":277,"sequence_num":264,"body":"أن كثيرًا من العلماء صرحوا بالتلازم بين الدعاء وبين هذا الاعتقاد كما صرحوا أن من يدعو غير الله تعالى يعتقد فيمن يدعوه هذه الصفات سواء اعترف بهذه الحقيقة أو كابر عقله وتأول بأنه لا يعتقد ذلك، فالحقيقة ثابتة لا يغيرها إنكار المكابر المعاند. هذا ومن الصفات التي يدل عليها الدعاء صفة العلو وكان اللائق أن تذكر مع ما تقدم من الصفات ولكن أخرناها لطول الكلام عليها ونذكرها الآن وبالله التوفيق وعليه التكلان.\r\rدلالة الدعاء على علو الله تعالى:\rاتفق بنو آدم على اختلاف مللهم ونحلهم وعاداتهم وتقاليدهم على مر الدهور والأزمان وتباعد الأوطان - إلا من فسدت فطرته وانطمست بصيرته - على اعتقاد علو الله تعالى.\rفعقيدة علو الله أمر، فطري فطر الله الناس عليها بخلاف استواء الله على عرشه فهو أمر سماعي دلت الأدلة السمعية القطعية على ثبوته الله تعالى (¬١).\rوأما العلو فهو فطري ضروري ثبت بالفطرة قبل الأدلة السمعية فجاءت الأدلة السمعية فزادته برهانًا على برهان، ويقينًا على يقين.\rولكون العلو أمرًا فطريًا نجد البشر على اختلاف مستوياتهم في المعرفة، واختلاف لغاتهم وتباعد أوطانهم وتباين عاداتهم وتقاليدهم اتفقوا على التوجه بالدعاء إلى السماء ورفع الأيدي إليها، لا يختلف في ذلك مسلمهم وكافرهم عربيهم وعجميهم عالمهم وجاهلهم، وما ذلك إلا أنه أمر فطري ضروري فكما أن معرفتهم بخالقهم أمر فطري، ومعرفتهم بحاجتهم وافتقارهم إليه، وأنه القادر على إجابة دعائهم ورغباتهم أمر فطري،","footnotes":"(¬١) انظر في كون العلو من الصفات العقلية والاستواء من الصفات الخبرية منهاج السنة: ٢/ ٣٢٧، والاستقامة: ١/ ١٦١، والتدمرية ص: ٢٦، والفتاوى: ٥/ ١٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048617,"book_id":1098,"shamela_page_id":265,"part":"1","page_num":278,"sequence_num":265,"body":"فكذلك اعتقادهم العلو أمر فطري؛ انظر إلى من وقع في كرب عظيم تجده يتجه مباشرة بفطرته إلى جهة السماء قلبًا وقالبًا ظاهرًا وباطنًا يرفع يديه إلى السماء في الظاهر ويتجه بفكره وقلبه نحو السماء يتطلع نحوها وينتظر الفرج من جهتها لا من الجهة السفلى ولا من الجهات الأخرى، فهذه المعرفة الفطرية تزداد قوة على قوة عند بعض الناس وقد تضعف عند من اجتالتهم شياطين الإنس والجن بالشبهات والشكوك، قال الله تعالى في حديث قدسي: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم\" (¬١).\rومع هذه الشبهات تجد أحدهم إذا وقع في شدة وكرب يرجع إلى فطرته ويتجه نحو السماء بدافع باطني قوي لا تستطيع الشبهات أن تمنعه وتعارضه لأنه أمر ضروري لا تستطيع الشكوك دفعه ولا مقاومته.\rوكلما أكثر العبد من الدعاء ازداد علمه الضروري بعلو الله تعالى.\rقال شيخ الإسلام ﵀: وأما كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بني آدم، وكل من كان بالله، أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر، وقلبه له أذكر، كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل، فالفطرة مكملة بالشريعة المنزلة فإن الفطرة تَعْلَم الأمر مجملًا، والشريعة تفصله وتبينه (¬٢).\rوذلك أن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديل الفطرة وتغييرها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].\rومن هنا جاءت الشريعة برفع الأيدي في الدعاء إلى جهة العلو تكميلًا لما عليه الفطرة من اعتقاد العلو (¬٣) لأن الله تعالى قد فطر العباد.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي: ٤/ ٢١٩٧ رقم ٢٨٦٥.\r(¬٢) نقض المنطق ص: ٣٩، أو الفتاوى: ٤/ ٤٥، وهو قطعة من نقض المنطق إلى ص: ١٩٠ فتأمل.\r(¬٣) الفتاوى: ٦/ ٥٧٥ - ٥٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048618,"book_id":1098,"shamela_page_id":266,"part":"1","page_num":279,"sequence_num":266,"body":"عربهم وعجمهم - على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولا يقصدونه تحت أرجلهم، فهذه الفطرة تدفع شبهات أهل الحلول والتعطيل (¬١).\rوالمقصود أن الإكثار من الدعاء يزيد الفطرة قوة ويصقلها ويجليها مما علق بها لاسيما فيما يتعلق باعتقاد علو الله تعالى، كما أن الإيمان بالعلو يجعل العبد يتجه بقلبه إلى الله تعالى بخلاف من لا يؤمن بذلك فإن اتجاهه بالقلب إلى الله يكون ناقصًا ضعيفًا، قال الجويني والد إمام الحرمين أبو محمد عبد الله بن يوسف (ت ٤٣٨ هـ) في رسالته القيمة في إثبات الاستواء والفوقية: \"العبد إذا أيقن أن الله تعالى فوق السماء عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه، صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه، ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه فإنه يبقى ضائعًا لا يعرف وجهة معبوده\" (¬٢).\rوقد تبين من كلام الجويني أن الإيمان بعلو الله تعالى يجعل القلب مطمئنًا غير حائر بخلاف من لم يؤمن بذلك فإنه يعيش في حيرة وارتياب وشك، وقد حكى شيخ الإسلام اتفاق أهل المعرفة بالله على أن معرفة العبد بربه وتوجهه إليه ودعاءه له لا يتم بدون الإقرار بعلو الله تعالى وأن الإقرار بذلك يثبت الإلهية في القلب ويوحد قصده، وأما بدون تلك المعرفة فيبقى مضطربًا عنده نوع من الريب والاضطراب (¬٣).\rوقد قرر العلماء دلالة الفطرة على علو الله تعالى على أبلغ وجه وكثر كلامهم في بيان ذلك وقد نقل المحققون من أهل العلم كلام العلماء ذلك وبيانهم لاتفاق الناس على اعتقاد ذلك.","footnotes":"(¬١) المرجع نفسه: ٥/ ٢٥٩.\r(¬٢) رسالة في إثبات الاستواء والفوقية لأبي محمد الجويني ضمن المجموعة المنيرية: ١/ ١٨٥، ونحوه في طريق الهجرتين ص: ٢٠.\r(¬٣) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٦٦، والفتاوى: ٥/ ٢٥٩، ٢٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048619,"book_id":1098,"shamela_page_id":267,"part":"1","page_num":280,"sequence_num":267,"body":"وإليك خلاصة (¬١) كلام هؤلاء المحققين الذين ذكروا دلالة توجه البشر بالدعاء إلى السماء ورفع الأيدي إليها على علو الله تعالى:\rقال العلماء: إن العلم بالعلو أمر فطري ضروري مستقر في فطر بني آدم لا يختص به أهل الملل والشرائع.\rكما أن قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو هو أيضًا أمر ضروري.\rوكذلك قصدهم الله تعالى بتوجه قلوبهم إلى العلو أيضًا أمر ضروري فهم مفطورون على الإقرار به وأنه في العلو، وعلى أنهم محتاجون إليه يسألونه عند الضرورات وعلى أنهم يقصدونه في العلو لا في السفل وأن قلوبهم بفطرتها تتوجه إلى العلو.\rوإنما قلنا: إن علمهم بهذا ضروري لأنه يلزم نفوس بني آدم لزومًا لا يمكنهم الانفكاك عنه أعظم من لزوم العلم الضروري بالأمور الحسابية ككون الواحد ثلث الثلاثة، لأن هذا علم مجرد ليسوا مضطرين إليه، فقد لا يخطر ذلك ببال أحدهم، وأما هذا العلم فهم مع كونهم مضطرين إليه مضطرون أيضًا إلى موجبه ومقتضاه وهو الدعاء والسؤال للمدعو الذي هو فوق.\rوهذا أمر متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، فأما الذين لا يجدون في أنفسهم علمًا ضروريًا وقصدًا ضروريًا لمن هو فوق العالم فقد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم ففسد إحساسهم الباطن كما يفسد الإحساس الظاهر كالمرة التي تفسد الذوق فالعبرة بذوي الفطرة السليمة من الفساد، فهؤلاء متفقون على ذلك وكل منهم يخبر بذلك عن فطرته من غير مواطأة من بعضهم لبعض.","footnotes":"(¬١) انظر عن هذه الخلاصة: درء تعارض العقل: ٧/ ٢٥، ١٣٢ - ١٣٣، ٦/ ١٢، ٨٥، ٢٦٥، ٢٧٢، ٣٤٣، وتلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧، ٤٦٠، ٤٦٩ - ٤٧٠، ٤٨٤، واجتماع الجيوش الإسلامية ص: ٥٠، والصواعق المرسلة: ٤/ ١٣٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048620,"book_id":1098,"shamela_page_id":268,"part":"1","page_num":281,"sequence_num":268,"body":"ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة، فإن إجماع المسلمين حجة فكيف بإجماع جميع الأمم والطوائف مع اختلاف أجناسهم وبلدانهم ولغاتهم؟\rويمتنع أيضًا غلطهم في الأمور الفطرية الضرورية، فإن ذلك يسد باب العلم والمعرفة وأن يثق الإنسان بشيء من علومه فيستلزم القدح في جميع العلوم والمعارف.\r\rأقوال العلماء الذين صرحوا بدلالة الدعاء على العلو:\rقد صرح كثير من علماء الإسلام بدلالة الدعاء على علو الله جل وعلا ونذكر أقوال بعض العلماء الذين صرحوا بذلك.\rقال أبو حنيفة ﵀ عندما سئل عمن يقول: \"لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟، قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يُدْعَى من أعلى لا من أسفل\" (¬١).\rفقد صرح أبو حنيفة ﵀ بأن الاتجاه في الدعاء إلى العلو يدل على علو الله تعالى.\rوقد ذكر مثل ذلك أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب حيث ذكر أن الله ﷾ قد غرس في الفطرة ومعارف الآدميين الاعتقاد بالعلو، وأنه لا شيء أبين منه ولا أوكد: \"لأنك لا تسأل أحدًا من الناس عربيًا ولا أعجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول أين ربك؟، إلا قال في السماء أفصح أو أومأ بيده … ولا رأينا أحدًا إذا دعاه إلا رافعًا يده إلى السماء ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان كما يقولون. . .\".","footnotes":"(¬١) انظر درء تعارض العقل: ٦/ ٢٦٣، والفتوى الحموية ص: ٢٨، ووصفه ابن تيمية بالشهرة عند أصحابه عن أبي مطيع البلخي، وانظر العلو للعلي الغفار \"المختصر ص ١٣٦\"، واجتماع الجيوش ص: ٤٦، وشرح الطحاوية ص: ٢٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048621,"book_id":1098,"shamela_page_id":269,"part":"1","page_num":282,"sequence_num":269,"body":"فقد ذكر ابن كلاب في هذا الكلام أن العلم بأن الله فوق، فطري مغروس في فطر العباد، اتفق عليه عامتهم وخاصتهم، وأنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر قليل (¬١).\rوقال ابن قتيبة أبو محمد عبدالله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ) في معرض إثبات العلو: \"ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى … وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه … والأمم كلها عربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم\" (¬٢).\rوقال عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى (٢٨٢ هـ):\r\"وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم، قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها\" (¬٣).\rوله مثل هذا الكلام في موضع آخر (¬٤).\rوقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة العبسي (ت ٢٩٧ هـ):\r\"وأجمع الخلق جميعًا إذا دعوا الله جميعًا أنهم رفعوا أيديهم إلى السماء، فلو كان الله ﷿ في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو معهم في الأرض\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) درء تعارض العقل: ٦/ ١٩٤، والفتاوى: ٥/ ٣٢٠، واجتماع الجيوش: ١١٢، وسير أعلام النبلاء: ١١/ ١٧٥.\r(¬٢) تأويل مختلف الحديث ص: ٢٧١، ونقله في العلو ص: ٢١٦، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٦.\r(¬٣) رد الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على المريسي ص: ٢٥، وعنه في درء تعارض العقل: ٢/ ٥٩، واجتماع الجيوش ص: ٩٠.\r(¬٤) انظر الرد على الجهمية للدارمي ص: ٣٧.\r(¬٥) كتاب العرش وما روي فيه: ٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048622,"book_id":1098,"shamela_page_id":270,"part":"1","page_num":283,"sequence_num":270,"body":"وقد عقد أبو بكر ابن إسحاق بن خزيمة المتوفى (٣١١) هـ) بابًا في كتاب التوحيد فقال: \"باب ذكر البيان أن الله ﷿ في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم وأحرارهم ومواليهم ذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله إلى أعلاه لا إلى الأسفل\" (¬١).\rوابن خزيمة ﵀ إمام من أئمة المسلمين الذين دافعوا عن نقاء العقيدة وصفائها وبذلوا جهودًا عظيمة في سبيل ذلك وهو إذ يخبر عن دلالة الفطرة على العلو وإجماع الناس على ذلك، إنما يخبر عن قضية مسلمة لدى البشر لا يختلف في ذلك إلا من فسدت فطرته بالشبهات، وليس هذا خاصًا بابن خزيمة المعروف بمواقفه السلفية، بل غيره اعترف بذلك، والمعترفون بهذا كثيرون ومن أولئك:\rالإمام الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) الذي ينتسب إلى مذهبه الأشاعرة المتأخرون الذين خالفوا مذهبه الأخير فقد قال الأشعري مستدلًا على علو الله تعالى:\r\"ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض\" (¬٢).\rوقال أبو سليمان الخطابي \"ت ٣٨٨ هـ\": وقد جرت عادة المسلمين خاصتهم وعامتهم أن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم","footnotes":"(¬١) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص: ١١٠، وعنه في بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٦.\r(¬٢) الإبانة ص: ١٠٧، ونقله في العلو ص: ٢٣٨ \"المختصر\"، ودرء تعارض العقل: ٦/ ١٩٩، والفتاوى: ٣/ ٢٢٥، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٤، واجتماع الجيوش: ١١٧، والفتوى الحموية ص: ٥٦ - ٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048623,"book_id":1098,"shamela_page_id":271,"part":"1","page_num":284,"sequence_num":271,"body":"إلى السماء، وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء ﷾\" (¬١).\rفقد نسب الخطابي هذا إلى عامة المسلمين فقط والصواب أنه عادة عامة للمسلم والكافر لأنه أمر فطري ضروري كما تقدم.\rولهذا قال أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء شيخ الحنابلة (ت ٤٥٨ هـ): \"إن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء\" (¬٢).\rوقال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه التمهيد في معرض بيان استواء الله على عرشه: \"ومن الحجة أيضًا في أنه ﷿ على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم\" (¬٣).\rوقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني الأشعري المتكلم المشهور (ت ٤٠٣ هـ): \"فإن قالوا: فهل تقولون: إنه في كل مكن؟ قيل: معاذ الله بل هو مستو على العرش … إلى أن قال: ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها","footnotes":"(¬١) قاله الخطابي في كتابه شعار الدين وهو كتاب له في أصول الدين ولم أطلع عليه وقد نقل هذا النص عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٧، وابن القيم في الصواعق: ٢/ ١٢٧.\r(¬٢) إبطال التأويل لأبي يعلى: ق ١٦٧ ل ب، ونقله عنه في بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣٨، ودرء التعارض: ٦/ ٢٠٨.\r(¬٣) التمهيد: ٧/ ١٣٤، واجتماع الجيوش ص: ٥٠، والفتاوي: ٣/ ٢٢٠، ووصف كتاب التمهيد بأنه أشرف كتاب ألف في فنه، وانظر درء تعارض العقل: ٦/ ٢٥٥، وتلبيس الجهمية: ٢/ ٥٣٠، والحموية ص: ٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048624,"book_id":1098,"shamela_page_id":272,"part":"1","page_num":285,"sequence_num":272,"body":"تعالى عن ذلك … إلى أن قال: ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا، وهذا ما أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله\" (¬١).\rهذا وقد صرح بهذه الحقيقة كثير من المحققين من غير من تقدم منهم قوام السنة ويحيى بن عمار السجزي وابن قدامة وغيرهم ﵏ (¬٢).\rهذا ومما يقرر كون رفع الأيدي إلى السماء يدل على العلو وأن ذلك أمر ضروري. القصة التي وقعت للهمذاني محمد بن أبي علي الحسن بن محمد (ت ٥٣١ هـ) وهي أنه قال: سمعت أبا المعالي الجويني - وهو عبد الملك بن عبدالله بن يوسف إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) - وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾؟ فقال: كان الله ولا عرش، وجعل يتخبط في الكلام وقلت: قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد ونزل، ولم يجبني إلا يا الحيرة الحيرة والدهشة والدهشة، فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمذاني (¬٣).","footnotes":"(¬١) التمهيد للباقلاني ص: ٢٦٠ رقم ٤٤٠، ونقله عنه شيخ الإسلام في الحموية ص: ٥٨ لكن عن كتابه الآخر المسمى بالإبانة وأشار إلى كتاب التمهيد وأن كلامه فيه أكثر.\r(¬٢) انظر الحجة في بيان المحجة: ١/ ١١٤ و ٢/ ١٠٦، وإثبات صفة العلو لابن قدامة ص: ٦٣.\r(¬٣) ذكر هذه القصة غير واحد من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048625,"book_id":1098,"shamela_page_id":273,"part":"1","page_num":286,"sequence_num":273,"body":"فهذا الشيخ الهمذاني قد استدل على علو الله تعالى بما يجده الداعي من ضرورة في اعتقاد العلو عند الدعاء حتى لا يمكن دفعها بأي وسيلة فهي أكبر برهان، فلهذا لم يستطع الجويني مع ذكائه وعلمه الرد عليها ..\r\rشبهة في دلالة الدعاء على العلو:\rهذا ومع اتفاق العقلاء على اعتقاد العلو في جميع أحوالهم لا سيما عند الاضطرار، وجد من ينكر (¬١) ذلك ويكابر حسه وعقله ويورد بعض","footnotes":"= المنطق ص: ٣٨، ٥٢، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٦، ٤٦٦، ٤٦٨، والاستقامة: ١/ ١٦٧، والفتاوى: ٣/ ٢٢٠ - ٢٢١، ودرء تعارض العقل: ٥/ ٣٤٦، ومنهاج السنة: ٢/ ٦٤٢، وابن القيم في اجتماع الجيوش ص: ١٠٨، والذهبي فقد أخرجها بإسناده في السير: ١٨/ ٤٧٧، وفي العلو: ٢٧٧ \"المختصر\"، وقال الألباني: إسناد هذه القصة مسلسل بالحفاظ، مختصر العلو: ٢٧٧، هذا وهناك طريق أخرى غير التي أخرجها الذهبي وهي طريق الحافظ محمد بن طاهر المقدسي عن الهمذاني به ومن طريقه ذكرها شيخ الإسلام، وقد حاول ابن السبكي الطعن فيها ولكنه لم يستطع إلا بأن يطعن فيها بأنها إجازة وبأن من فيها يحط على الأشعري ولا يعلم علم الكلام \"طبقات الشافعية: ٥/ ١٩٠\". فسبحان الله!! قد أجاز الرواية بالإجازة أغلب العلماء في الحديث النبوي مع تشددهم في تحمل الحديث النبوي، فكيف بغيره من الروايات والحكايات كهذا الذي نحن فيه؟ ثم إن السبكي نفسه ممن يقول بجواز الإجازة كما صرح به في كتابه جمع الجوامع: ٢/ ١٧٤، وأما عدم معرفة علم الكلام فمتى كان عيبًا؟؟ ولكن التعصب للمذهب هو الذي يعميه ويجعله يتحامل على شيخه الذهبي ويتهمه بتنقيص الجويني، وحاشا الذهبي من ذلك، ثم إن هناك طريق المقدسي فيتقوى الطريقان مع الإجازة، ثم هناك احتمال أن الرواية ليست بإجازة في هذه الحكاية وإنما هي سماع لأن لفظ الذهبي هكذا: \"أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه في كتابه\" وعند ابن السبكي زيادة وغيره من كتابهم، فيحتمل أن السماع كان إملاء من الكتاب لا من الحفظ كما يحتمل أنها إجازة مع المناولة وهي من أقوى الإجازات والله أعلم ..\r(¬١) انظر تأسيس التقديس للرازي ص: ٧٦ - ٧٧، وعنه في درء تعارض العقل: ٦/ ٣٤٤ و ٧/ ٢١، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢، وانظر الأزهية: ٧٥ - ٧٦، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٥، وشرح الفقه الأكبر ص: ١٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048626,"book_id":1098,"shamela_page_id":274,"part":"1","page_num":287,"sequence_num":274,"body":"الشبهات على ذلك وحاصل شبهاتهم تدور على أربعة أمور:\r١ - أن الرفع إلى السماء إنما هو لأن السماء محل الأنوار من الشمس والقمر والكواكب والهواء ونزول الغيث، وهذه الأمور هي أرزاقنا، فنحن نحتاج إليها.\r٢ - أن السماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة.\r٣ - أن الملائكة في السماء وهي وسائط جعلها الله لمصالح عباده فترفع الأيدي إليهم لا إلى الله تعالى.\r٤ - ثم اعترضوا بوضع الجبهة على الأرض وقالوا: فكما أنه لا يدل على أن الله في الأرض فكذلك رفع الأيدي إلى السماء لا يدل على أن الله في السماء.\rوقد ناقش العلماء المحققون هذه الشبهات وبينوا بطلانها بأوجه كثيرة (¬١) نذكر بعضها إن شاء الله تعالى.\r\rمناقشة قولهم الأول (¬٢):\r١ - لو كان السبب في رفع الأيدي إلى السماء هو حاجتنا إلى النعم والأرزاق التي من جهتها -كما زعموا- لكانت الأرض وما فيها تستحق ذلك لكثرة حاجتنا إليها من القرار عليها وما تخرج من الأرزاق، وقد نهي عن النظر إلى السماء في الصلاة دون الأرض كما ورد ذلك في السنة الصحيحة وذلك لأن الخشوع يكون بخفض البصر ولو كانت الجهات مستوية لما نهي عن ذلك.","footnotes":"(¬١) وقد ناقش شيخ الإسلام هذه الشبهات في بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٣١ - ٥٠٢ في نحو ٧٠ صفحة ذكر فيه نحو ٤٠ وجهًا لبطلانها، وكذلك في درء تعارض: ٧/ ٢٠ - ٢٥.\r(¬٢) انظر عن هذه المناقشة: بيان تلبيس: ٢/ ٤٤٨، ودرء تعارض: ٧/ ٢٢، وشرح الطحاوية: ٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048627,"book_id":1098,"shamela_page_id":275,"part":"1","page_num":288,"sequence_num":275,"body":"٢ - ثم الاحتجاج إنما هو برفع الأيدي حين الدعاء وذلك لأن الذين يدعون غير الله يرفعون أيديهم نحو مدعوهم، فالذين يدعون الشمس والقمر والكواكب أو القبر أو الصنم يتجهون إلى ذلك المعبود ويمدون أيديهم إليه.\r\rمناقشة قولهم: إن السماء قبلة للدعاء (¬١):\r١ - إن هذا قول لم يقله أحد من السلف ولا أنزل الله به من سلطان ثم هو مخالف لإجماع المسلمين.\r٢ - إن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة كما ذكرنا ذلك في آداب الدعاء، وليس هناك قبلتان إحداهما للصلاة والأخرى للدعاء، ومن المعلوم أن الصلاة فيها الدعاء في الفاتحة وغيرها والدعاء نفسه صلاة كما تقدم بيان ذلك (¬٢).\r٣ - إن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه كما يستقبل المصلي الكعبة، وكما يوجه المحتضر والمدفون، فالاستقبال بالوجه ضد الاستدبار، فأما ما حاذه الإنسان برأسه أو يديه فهذا لا يسمى قبلة، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع للداعي أن يوجه وجهه إليها وهذا لم يشرع.\r٤ - إن القبلة أمر تتميز به الملل ويقبل النسخ والتبديل، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥].\rوأما الرفع إلى السماء فلم تختلف فيه الملل وبنو آدم عربهم وعجمهم.","footnotes":"(¬١) انظر عن هذه المناقشة: بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٢، ٤٦٠، ٤٦٢، ٤٦٣، وشرح الطحاوية: ٢٦٧.\r(¬٢) تقدم ص: ٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048628,"book_id":1098,"shamela_page_id":276,"part":"1","page_num":289,"sequence_num":276,"body":"٥ - إن القبلة أمر توقيفي وليس أمرًا ضروريًا والناس لم يفعلوا الرفع إلى السماء عن توقيف لأنه من المعلوم أنهم يفعلون ذلك بفطرتهم وعقولهم من غير أن يوقفهم أحد ولا تلقوه عن أحد.\rوأما قولهم: إن الإشارة قد تكون إلى الملائكة التي هي مدبرة أمر العباد فالجواب (¬١) عنه كالتالي:\r١ - إشارة الإنسان إلى الشيء مشروطة بشعوره به، وقصد الإشارة إليه، فإن لم يشعر به ولم يقصد الإشارة إليه فمحال أن يشير إليه، والداعون لله مخلصين له الدين لا تخطر لهم الملائكة في تلك الحال فضلًا عن أن يقصدوا الإشارة إليها.\r٢ - الإشارة إلى الملائكة حين دعاء الله وحده لا شريك له، إشراك بالله، بل دعاء الملائكة ومسألتهم إشراك بالله فكيف بالإشارة إليهم حين دعاء الله وحده؟؟\r٣ - ثم إنه لا يجوز لأحد أن يرفع يديه داعيًا لا إلى الملائكة ولا إلى غير الملائكة بل هذا من خصائص الربوبية، ومن أجاز رفع الأيدي عند الدعاء إلى غير الله فهو من المشركين الذين يدعون غير الله تعالى.\r\rمناقشة اعتراضهم (¬٢) بوضع الجبهة على الأرض:\r١ - إن وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل بل السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له لا طلب وقصد ممن هو في السفل بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء، فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في العلو والاستدلال إنما هو بقصدهم القائم بقلوبهم، وما يتبعه من حركات أبدانهم، والداعي يجد من قلبه","footnotes":"(¬١) انظر عن هذه الأجوبة: بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠.\r(¬٢) انظر عن هذه المناقشة في: درء: ٧/ ٢١ - ٢٤، وتلبيس الجهمية: ٢/ ٤٤٨، وشرح الطحاوية ص: ٢٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048629,"book_id":1098,"shamela_page_id":277,"part":"1","page_num":290,"sequence_num":277,"body":"معنى يطلب العلو، والساجد لا يجد من قلبه معنى يطلب السفل بل الساجد أيضًا يقصد في دعائه العلو، فقصد العلو عند الدعاء يتناول القائم والقاعد والراكع والساجد.\r٢ - إنه لو قدر أن أحدهم يدعو صنمًا أو غيره مما يكون على الأرض، لكان توجه قلبه ووجهه وبدنه إلى جهة معبوده الذي يسأله ويدعوه كما يفعله النصارى في كنائسهم فإنهم يتوجهون إلى الصورة التي في الحيطان وكذلك من يقصد الموتى في قبورهم فإنه يوجه قصده وعينه إلى من في القبر، فإذا قدر أن القبر أسفل منه توجه إلى أسفل فعلم بذلك أن الخلق متفقون على أن توجيه القلب والعين واليد عند الدعاء إلى جهة المدعو فلما كانوا يوجهون ذلك إلى السماء علم إطباقهم على أن الله في جهة السماء.\r٣ - إن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه يقصد العلو مع أن وجهه يلي الأرض فعلم أن القلوب حال الدعاء لا تقصد إلا العلو، وأما الوجوه والأيدي فيتنوع حالها تارة تكون في حالة السجود إلى جهة الأرض لكون ذلك غاية الخضوع، وتارة تكون حال القيام مطرقة لكون ذلك أقرب إلى الخشوع، وتارة تتوجه إلى السماء لتوجه القلب.\rونختم هذا البحث بما ذكره ابن القيم ﵀ في النونية من اتفاق الثقلين على العلو ودلالة الفطرة عليه وأن الشبهات لا تستطيع مقاومتها. فقال:\rوعلوه فوق الخليقة كلها … فطرت عليه الخلق والثقلان\rلا يستطيع معطل تبديلها .. أبدًا وذلك سنة الرحمن\rكل إذا نابه أمر يرى … متوجهًا بضرورة الإنسان\rنحو العلو فليس يطلب خلفه … وأمامه أو جانب الإنسان\rونهاية الشبهات تشكيك … وتخميش وتغبير على الإيمان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048630,"book_id":1098,"shamela_page_id":278,"part":"1","page_num":291,"sequence_num":278,"body":"لا يستطيع تعارض المعلوم والـ … معقول عند بدائه الإنسان\rفمن المحال القدح في المعلوم … بالشبهات هذا بين البطلان\rوإذا البدائه قابلتها هذه … الشبهات لم تحتج إلى بطلان (¬١)\r\rالمطلب الثالث: في علاقة الدعاء بتوحيد العبادة، ومنزلة الدعاء من بين سائر العبادات:\rعلاقة الدعاء بتوحيد العبادة جلية واضحة، إذ الدعاء بنوعيه هو العبادة كما صح بذلك الخبر عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فتوحيد العبادة والإلهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، والعبادة هي الدعاء فمن أفرد الله بالدعاء فقد وَحَّدَ الله في عبادته، ومن صرف الدعاء لغير الله تعالى فقد أشرك في توحيد العبادة والألوهية.\rولكون الدعاء هو العبادة التي خلقنا أجلها، صارت له مكانة عظيمة ومنزلة سامية ودرجة رفيعة، وهذه المكانة يمكن إيجازها في الأوجه التالية:\r١ - مما يبين مكانة الدعاء العظيمة ومنزلته الرفيعة، افتتاح القرآن الكريم واختتامه بالدعاء، فقد بدأ الله تعالى كتابه العزيز بسورة الفاتحة التي هي مشتملة على نوعي الدعاء: دعاء الثناء والعبادة، ودعاء المسألة والطلب، ثم اختتمه بمثل ما افتتح به وهو سورة الإخلاص والمعوذتان، فسورة الإخلاص في دعاء الثناء، والمعوذتان في دعاء المسألة.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\rوأما سورة الإخلاص والمعوذتان، ففي الإخلاص الثناء على الله، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه، والثناء مقرون بالدعاء، كما قرن بينهما في أم القرآن المقسومة بين الرب والعبد نصفها ثناء للرب ونصفها دعاء للعبد.","footnotes":"(¬١) النونية مع شرح الهراس: ١/ ١٨٦ - ١٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048631,"book_id":1098,"shamela_page_id":279,"part":"1","page_num":292,"sequence_num":279,"body":"وقد ختم المصحف بحقيقة الإيمان، وهو ذكر الله ودعاؤه كما بنيت عليه أم القرآن، فإن حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق، والمنطق قسمان: خبر، وإنشاء، وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرًا عن الله كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب، وأنفعه وأوجبه، ما كان طلبًا من الله كالنصف الثاني من الفاتحة والمعوذتين (¬١).\rوقال القرطبي: قال بعض العلماء فجعل الله - جل وعز - عُظْمَ الدعاء وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي، لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به، وفي الحديث: \"ليس شيء أكرم على الله من الدعاء (¬٢) \" (¬٣).\rفتبين مما سبق مدى عناية القرآن الكريم بالدعاء وافتتاحه به واختتامه به وهذا دليل واضح على منزلة الدعاء ومكانته.\r٢ - إن الله ﷾ قد سمى الدعاء الدين، في غير موضع من كتابه.\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢].\rوقال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\rوقال ﷻ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٦/ ٤٧٨ - ٤٧٩.\r(¬٢) قد تقدم تخريجه ص: ١٣٦.\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048632,"book_id":1098,"shamela_page_id":280,"part":"1","page_num":293,"sequence_num":280,"body":"الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].\rوقال عز من قائل: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤].\rوقال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].\rوقال ﵎: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩].\rففي هذه الآيات سمى الله الدعاء دينًا فأخبر في الآيات الثلاث الأول أن المشركين يخلصون له الدين في الشدائد، وأمر في الآيات الثلاث الأخيرة بإخلاص الدين له، والدين معناه دعاء المسألة في الثلاث الأول وذلك واضح من سياق الآيات.\rوأما الثلاثة الأخيرة فتحتمل المعنيين، دعاء العبادة ودعاء المسألة، فيكون مما استعمل الدعاء فيه في المعنيين جميعًا بإطلاقه على الحقيقة المتضمنة للأمرين جميعًا.\rفإذا ثبت هذا نقول: قد علم أن الدين يشمل أعمال الإسلام كلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].\rوقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقد قال النبي ﷺ في حديث جبريل: \"أتاكم ليعلمكم دينكم\" (¬١)، فشمل هذا الإسلام والإيمان والإحسان.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ١/ ١١٤ رقم ٥٠، ومسلم: ١/ ٣٩ رقم ٩، كلاهما من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم من حديث عمر برقم ٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048633,"book_id":1098,"shamela_page_id":281,"part":"1","page_num":294,"sequence_num":281,"body":"فتبين من هذا أن الدين عام لجميع ما جاء به الرسول ﷺ من إسلام وإيمان وإحسان، وقد أطلق مع شموله هذا على الدعاء فدل على أهميته العظيمة ومنزلته الرفيعة.\rومن هنا يتبين عظمة الدعاء وأهميته وأنه الدين كله وأنه \"من أفضل العبادات وأجل الطاعات، ولهذا أخبر أنه الدين فذكره معرفًا بالألف واللام\" (¬١).\r٣ - إن الله ﷾ قد سمى الدعاء عبادة في غير موضع من كتابه وكذلك سماه النبي ﷺ العبادة كما ثبت في الحديث الصحيح.\rومما ورد من تسمية الله الدعاء عبادة، قوله تعالى في قصة إبراهيم\rمع أبيه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨ - ٤٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].\rوقد تقدم ضرب الأمثلة المتنوعة في ذلك في ذكر المناسبة بين الدعاء والعبادة (¬٢).\rوقد علم فضل العبادة ومكانتها وأن الله ما خلق الجن والإنس إلا من أجلها قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].\r٤ - إن الله ﷾ توعد من ترك الدعاء للاستكبار بدخول\rجهنم ذليلًا حقيرًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ","footnotes":"(¬١) النبذة الشريفة ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٤/ ٥٩٧، وتأسيس التقديس ص: ٧٨.\r(¬٢) تقدم ص: ٦٦ - ٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048634,"book_id":1098,"shamela_page_id":282,"part":"1","page_num":295,"sequence_num":282,"body":"الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].\rوهذا وعيد شديد لمن لم يدع الله تعالى ويلتجيء إليه استكبارًا وترفعًا، ومن هنا ذهب بعضهم إلى وجوب الدعاء كما سيأتي.\rوقد استدل بعضهم على أهمية الدعاء بقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وأن الآية تدل على ذم من يترك الدعاء فمعنى ﴿يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي لا يمدونها إلينا في سؤال، هكذا قال بعضهم (¬١).\rولكن التفسير المأثور عن مجاهد، أنهم لا يبسطونها بنفقة في حق الله، وعن قتادة: لا يبسطونها بخير (¬٢).\rوهذا التفسير هو اللائق بسياق الآيات.\r٥ - إن الدعاء يشتمل على خصائص جليلة ومزايا كثيرة لا توجد في غيره من أنواع العبادات، فمن تلك الميزات والخصائص (¬٣):\rأ - نفع الدعاء يقع في الحياة والممات حيث ثبت انتفاع الميت بدعاء الأحياء من ولد أو والد أو قريب أو صديق، قال ﷺ: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة\"، وفيه: \"أو ولد صالح يدعو له\" (¬٤).\rوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].\rوصلاة الجنازة هي دعاء للميت، فالدعاء يصل ثوابه للمدعو له إجماعًا بخلاف غيره من أنواع العبادات، ففي وصولها إليه خلاف. إلا أنه يشاركه في هذه الميزة الصدقة.\rب- سهولة الدعاء وعدم تقيده بزمان ولا مكان ولا حال، بخلاف","footnotes":"(¬١) ذكر هذا التفسير القشيري في رسالته: ٢/ ٥٢٦.\r(¬٢) انظر تفسير ابن جرير: ١٠/ ١٧٤، والدر المنثور: ٢/ ٢٥٥.\r(¬٣) انظر عن هذه الخصائص: الأزهية ص: ٢١ - ٢٣، وإتحاف السادة للزبيدي: ٥/ ٤، وذكر الميزة الثالثة أيضًا الدهلوي في الحجة: ١/ ٧٦.\r(¬٤) أخرجه مسلم: ٣/ ١٢٥٥ رقم ١٦٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048635,"book_id":1098,"shamela_page_id":283,"part":"1","page_num":296,"sequence_num":283,"body":"غيره من العبادات إلا أنه يشاركه في هذه الميزة الذكر، وهو دعاء أيضًا كما مر.\rجـ- اشتماله على حضور قلبي لا يوجد في غيره، فإن من تعبد بالصلاة أو الصوم أو الحج أو غيرها، يغلب عليه فيها الغفلة، فإذا دعا استدعى ذلك منه مزيد حضور في قلبه، ولهذا ورد فيه أنه مخ العبادة دون غيره من العبادات، لأن المخ هو المغذي للأعضاء والمقوم لاستدامة بقائها، فالدعاء شبه به لأنه يعمل هذا العمل، ومنه يتضح أن الدعاء: \"يفتح بابًا عظيمًا من المحاضرة ويجعل الانقياد التام والاحتياج إلى رب العالمين في جميع الحالات بين عينيه\".\rد - اشتماله على التذلل وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية، فاشتماله على هذه المزايا والخصائص يدل على أهمية الدعاء ومكانته.\r٦ - إن الدعاء يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، فالدعاء يتضمن أنواعًا كثيرة من العبادات، ولذلك ورد في الحديث: \"الدعاء هو العبادة\" وفي رواية: \"مخ العبادة\".\rوذلك لأنه يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، وإليك بعض ما يشتمل عليه من العبادات:\r١ - توجه القلب إلى المدعو، وقصده بكليته.\r٢ - رجاء إجابته للدعاء والرغبة إليه رغبة صادقة مع قطع الرجاء والأمل عن غيره.\r٣ - الخوف من عدم إجابته، والرهبة والخشية منه.\r٤ - التوكل والاعتماد عليه في قضاء الحاجات، وإجابة الدعوات ونيل الرغبات.\r٥ - تعظيم المدعو بأنواع التعظيم من التضرع والتذلل والخضوع والتملق والانطراح بين يديه، والابتهال إليه.\r٦ - ذكر المدعو باللسان، واللهج باسمه في السر والعلن، وندائه والاستغاثة به والهتاف باسمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048636,"book_id":1098,"shamela_page_id":284,"part":"1","page_num":297,"sequence_num":284,"body":"٧ - محبة المدعو، فإن النفس مولعة بحب من يحسن إليها ولا إحسان أفضل من إجابة ملهوف وإغاثة مكروب، وإعانة مضطر.\r٨ - التواضع، وإظهار الافتقار والعجز، والتبري من الحول والقوة.\r٩ - ما يتبع هذه الأمور من البكاء ورفع الأيدي إلى السماء.\rفهذه الأنواع من العبادات من أعظم أعمال القلوب، كما إن النداء وذكر المدعو واللهج باسمه من أعظم أعمال اللسان والذكر، كما إن الخشوع والتضرع ورفع الأيدي إلى السماء من أعظم أعمال الجوارح، فالإخلاص في هذه الأنواع من العبادات يعد من الإخلاص في أهم أعمال القلوب التي يتقرب بها إلى الله تعالى والتي هي أفضل من الأعمال البدنية، والأعمال المالية من حيث الجملة، والإشراك في هذه الأعمال يعد من الإشراك في أهم الأعمال القلبية التي هي أفضل أنواع العبادات والقربات، كما إن فيه إشراكًا في أنواع مهمة من الأعمال البدنية، فحصل بهذا أن الشرك في الدعاء شرك في العبادة والقصد والطلب، ومن هنا جاءت عناية القرآن الكريم بالتحذير من الشرك في الدعاء وهذا هو الوجه التالي.\r٧ - ومما يدل على أهمية الدعاء ومنزلته عناية القرآن الكريم بموضوع الشرك في الدعاء، وذلك لأن الضد يظهر به حسن ضده كما قيل:\rوالشيء يظهر حسنه الضد (¬١).\rوقيل أيضًا: وبضدها تتبين الأشياء (¬٢).\rفضد دعاء الله تعالى هو دعاء غيره تعالى، وقد اعتنى القرآن الكريم","footnotes":"(¬١) بيت لدوقلة المنبجي:\rوأوله: ضدان لما استجمعا حسنا. .\rانظر وهامش تفسير الفاتحة ص: ٤٩.\r(¬٢) هذا شطر بيت للمتنبي أوله:\rونذيمهم وبهم عرفنا فضله ..\rانظر ديوان المتنبي مع شرح البرقوقي: ١/ ١٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048637,"book_id":1098,"shamela_page_id":285,"part":"1","page_num":298,"sequence_num":285,"body":"ببيان موضوع دعاء غير الله تعالى بيانًا شافيًا نكاد أن نقول بدون مبالغة: إنه لم يعتن بأي موضوع آخر مثل ما اعتنى بهذا الموضوع.\rوهذا البيان المتناهي والاعتناء البالغ يمكن تصويره، وتصوير سببه بالأوجه التالية:\r١ - إن هذه المسألة (¬١): \"هي أعظم مسألة خالف رسول الله ﷺ فيها المشركين، فإنهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته\" يريدون بذلك شفاعتهم ووساطتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فأتى رسول الله ﷺ بهدم هذه العقيدة والأمر بإخلاص الدعاء الله وحده.\rفالشرك في الألوهية هو السبب الرئيسي في الخلاف بين الرسول ﷺ وبين المشركين، وأما الخلاف في الربوبية وفي الإلحاد في الأسماء والصفات فنادر، فلم يكن الخلاف فيهما يقرب من الخلاف في توحيد العبادة، ثم إن الشرك في دعاء المسألة أكثر من الشرك في غيره من أنواع العبادات، ويوضح هذا الوجه التالي:\r٢ - إن أغلب شرك الأوائل الذين أرسل إليهم الرسول ﷺ كان في الدعاء، فالشرك في الدعاء هو الأكثر انتشارًا ووقوعًا بينهم من أنواع الشرك الأخرى كالنذر والذبح والطواف والسجود من أنواع الشرك في الألوهية والعبادة، وذلك لأن هذه الأمور لا يمكن وقوعها كل وقت وزمان ولا في كل مكان، كما أن الحاجة إليها أقل من الحاجة إلى الدعاء.\rإذ الافتقار والاحتياج من لوازم الإنسان، ومن هنا كان دعاء الصالحين والاستغاثة بهم هو الأكثر وقوعًا وانتشارًا لأن الإنسان المشرك","footnotes":"(¬١) مسائل الجاهلية ص: ٤ - ٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048638,"book_id":1098,"shamela_page_id":286,"part":"1","page_num":299,"sequence_num":286,"body":"كلما وقع في مشكلة لا يخطر بباله إلا الاتجاه إلى معبوده بالدعاء والاستغاثة، فهو لا يفكر أولًا إلا في التقرب إلى معبوده بالدعاء، وأما أنواع العبادات الأخرى ففي مرتبة متأخرة، وليست بتلك الكثرة التي تقع بالنسبة إلى الدعاء ومن هنا كانت هذه المسألة أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين فكانت هي نقطة الخلاف الأساسية، وكان التركيز عليها أكثر.\rومن المعلوم أن الشرك في أنواع العبادات عمومًا أكثر من الشرك في الربوبية أو في الأسماء والصفات يشهد بذلك الماضي والحاضر، ولا يمكن الاختلاف بذلك لأن الواقع أكبر برهان.\r٣ - إن الله ﷾ لم يحذر في كتابه العزيز عن أي شرك من أنواع الشرك مثل ما حذر عن الشرك في الدعاء.\rفلو أحصينا ما ورد في التحذير من دعاء غير الله تعالى بالأساليب المتنوعة - وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى بعض تلك الأساليب - وقارنا ذلك بما ورد في التحذير من السجود لغير الله تعالى أو الركوع أو الطواف أو النذر أو الذبح أو العكوف … من أنواع الشرك في الألوهية، أو قارنا بما ورد في التحذير عن الشرك في الربوبية أو الشرك والإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته، لوجدنا بدون شك أن ما ورد في التحذير من دعاء غير الله تعالى أكثر بكثير من ذلك كله.\rقال الشيخ حمد بن ناصر بن مُعَمَّر ﵀: \"لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه\" (¬١).\rفإذا عرفنا عناية الله تعالى به أكثر من غيره نقول:","footnotes":"(¬١) النبذة الشريفة ضمن الرسائل النجدية: ٤/ ٦٠٢، وانظر أيضًا الانتصار لحزب الله ص: ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048639,"book_id":1098,"shamela_page_id":287,"part":"1","page_num":300,"sequence_num":287,"body":"إنه لا بد أن الله ﷾ ما اعتنى به أكثر من غيره إلا لحكم عظيمة، وأسرار بالغة، من ذلك -والله أعلم- كثرة وقوع الشرك في الدعاء أكثر من غيره من أنواع الشرك قديمًا وحديثًا، فاستحق الاعتناء به، والتحذير منه.\rومن ذلك ما قاله بعضهم من أن العبادات كلها دالة على الطلب والمسألة، على اختلاف المطلوب والمسؤول (¬١) فصار الدعاء هو المعنى الأشمل الأعم من غيره (¬٢) فعلى هذا يكون التحذير منه تحذيرًا من جميع أنواع الشرك في الألوهية.\rوالمقصود من هذا أن الله ﷾ حذرنا في القرآن الكريم من دعاء غيره أكثر من تحذيره مما سواه من أنواع الشرك، وذلك يدل على أهميته أكثر من غيره. ويزيد هذا الوجه الوجه التالي وضوحًا.\r٤ - إن أصل شرك العالم هو الشرك في الدعاء وطلب الحوائج من الصالحين الميتين.\rقال ابن القيم ﵀ في ذكر أنواع الشرك: \"ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم\" (¬٣).\rفتبين بهذا سر عناية الله تعالى بالشرك في الدعاء أكثر من غيره، كما تبين بذلك منزلته ومكانته.\rوإذا عرفنا عناية القرآن الكريم بموضوع الدعاء ننتقل إلى عناية العلماء المصلحين به ونخص العلماء المصلحين لأن بعض العلماء قد اهتموا بموضوعات بعيدة عن منهج القرآن الكريم فاعتنوا بعلم الكلام ولا","footnotes":"(¬١) تحفة الطالب والجليس: ٩٨ - ٩٩، أو دلائل الرسوخ: ٧٣.\r(¬٢) معارج الألباب ص: ١٨٧.\r(¬٣) مدارج السالكين: ١/ ٣٤٦، وعنه في فتح المجيد: ١٧٣، ٢١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048640,"book_id":1098,"shamela_page_id":288,"part":"1","page_num":301,"sequence_num":288,"body":"تجد في كلامهم التحذير من الشرك وربما لا يعرف بعضهم حقيقة الشرك، فإنا لله وإنا إليه راجعون ..\r\rعناية العلماء المصلحين بمسألة دعاء غير الله تعالى:\rإن علماء هذه الأمة المعتنين منهم بسلامة عقيدتها تبعوا سنة الله في هذه المسألة، فاعتنوا بها أكثر من غيرها من مسائل الشرك، فكانت محل اهتمامهم في بحوثهم ومؤلفاتهم ورسائلهم الشخصية وهؤلاء العلماء منهم شيخا الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، فقد عنيا بهذا الموضوع عناية فائقة.\rفقد ألف فيه ابن تيمية عدة مؤلفات مثل كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري، والقاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة وغيرهما.\rوأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأغلب كتبه في هذا الموضوع لكون الخصومة فيه كما سيأتي:\rوربما يقول قائل: إننا لا نجد الكلام على هذه المسألة والاهتمام بها عند أئمة السلف كأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من المحدثين والفقهاء والمفسرين.\rفنقول وبالله التوفيق:\r١ - إننا قد بينا بما لا يدع مجالًا للشك عناية القرآن الكريم بهذه المسألة أكثر من غيرها فكفى به برهانًا وحجة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥١، ٥٢].\rإن الله تعالى قد بيّن هذه المسألة وأوضحها أكثر من غيرها، وهو عالم بما سيقع من الانحراف فيها، فلا حاجة إلى بيان أحد كائنًا من كان إذ المسألة ليست قابلة للاجتهاد فهي قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، لا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048641,"book_id":1098,"shamela_page_id":289,"part":"1","page_num":302,"sequence_num":289,"body":"تقبل النقاش ولا المعارضة من أحد، كما أنها ليست خافية بل هي واضحة المعالم، لأنها أصل الدين الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب.\r٢ - إن علماء هذه الأمة لا سيما المصلحين منهم ينصب اعتناؤهم على الأمر الذي وقع وحصل في زمانهم فقد حذروا من الكلام في الفرضيات والخيالات التي لم تقع.\rوهذه المسألة لم تقع بهذه الصورة ولم تنتشر في زمانهم وذلك لقوة الإسلام وعزته، فلم يستطع الشيطان أن يلبس على المسلمين في الزمن الأول أن دعاء غير الله تعالى الذي قد عرف بالضرورة من الإسلام منافاته للإسلام، أنه مما يتقرب به إلى الله وأنه جائز بل مستحب.\rفأوائل هذه الأمة لم يقع فيهم مثل هذا وقد تكلم السلف فيما وقع من البدع، تكلموا في بدعة القدرية والجهمية والخوارج وغيرها عندما وقعت هذه البدع في زمانهم (¬١)، وأما هذه المسألة فلم تقع بهذه الصورة في زمانهم.\rقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: \"وهذه الاعتقادات في الأموات إنما حدثت بعد الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين\" (¬٢).\rويؤيد هذا ما ذكره ابن تيمية (¬٣) ﵀ في أصناف القدرية الثلاثة: المكذبين به، والدافعين به للأمر والنهي، والطاعنين به على الرب ﷿ بجمعه بين الأمر والقدر حيث ذكر أن أخف هؤلاء هم الصنف الأول، وهم المكذبون ومع ذلك كثر فيهم الكلام من السلف والتغليظ عليهم دون الصنفين الآخرين لعدم كثرتهما ولعدم تظاهرهما باعتقادهما،","footnotes":"(¬١) انظر منهاج السنة: ١/ ٣٠٨.\r(¬٢) القول الفصل النفيس ص: ١٥.\r(¬٣) منهاج السنة النبوية: ٣/ ٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048642,"book_id":1098,"shamela_page_id":290,"part":"1","page_num":303,"sequence_num":290,"body":"فلهذا قل فيهما الكلام دون الصنف الأول الذي هو أخف بالنسبة إليهما.\rومن هنا نعرف أن السبب في عدم كثرة كلام السلف في مسألة دعاء غير الله تعالى عدم انتشار الشرك الواضح في مثل هذا في الصدر الأول. وسيأتي بيان مزيد إن شاء الله (¬١).\rويوضح عناية العلماء المصلحين بهذه المسألة عدة مظاهر منها:\r١ - أنهم يقدمون الكلام عليها على غيرها من المسائل الأخرى فمن ذلك ما فعله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث بدأ كتابه \"مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية\" بهذه المسألة وبيّن أنها أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ الجاهلية (¬٢).\rومن ذلك قوله ﵀ بعد أن بيّن أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل هو إفراد الله بالعبادة: \"فمن ذلك لا يدعى إلا إياه كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] \" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"اعلم رحمك الله أن التوحيد الذي فرض الله على عباده قبل فرض الصلاة والصوم هو توحيد عبادتك أنت فلا تدع إلا الله وحده … \".\rثم ذكر أن صفة إشراك المشركين الأولين \"أنهم يدعون الله ويدعون معه الأصنام والصالحين\" (¬٤).\rوقال في موضع آخر عندما ذكر الأصل الجامع لعبادة الله وحده: \"فإن قيل فما أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله تعالى، قلت: من أنواعها الدعاء والاستعانة والاستغاثة … إلخ\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) ص ٥٦٢.\r(¬٢) مسائل الجاهلية ص: ٤ - ٥، وانظر مؤلفات الشيخ، قسم العقيدة ص: ٣٣٤.\r(¬٣) الرسائل الشخصية: مؤلفات الشيخ ص: ١٦٦.\r(¬٤) رسالة في توحيد العبادة: قسم العقيدة: مؤلفات الشيخ ص: ٣٩٨.\r(¬٥) الأصل الجامع لعبادة الله: مؤلفات الشيخ: قسم العقيدة ص: ٣٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048643,"book_id":1098,"shamela_page_id":291,"part":"1","page_num":304,"sequence_num":291,"body":"وأكثر كلام (¬١) الشيخ يدور حول هذه المسألة، أو ذكر ذرائعها، والأسباب المؤدية إليها وخطورتها والتحذير منها فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وهو عندما يريد التحذير من أنواع الشرك في العبادة يبدأ بدعاء (¬٢) المسألة الذي نحن بصدده.\rومن هؤلاء الأمير الصنعاني، فإنه بدأ بالدعاء قبل غيره من أنواع العبادات فقال: \"فإفراد الله بالعبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء … \" (¬٣).\rومنهم الشيخ حمد بن ناصر بن مُعَمَّر الحنبلي فإنه عرف العبادة بقوله: \"اسم جامع لما يحبه الله … ثم قال: من ذلك الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله\" (¬٤).\rومنهم الشيخ سعد بن حمد بن عتيق فقد ذكر الآيات التي تدل على اختصاص العبادة بالله تعالى، ثم قال: \"ومن أعظم أنواعها الدعاء\" (¬٥).\rوقبل هؤلاء كان يفعل مثل ذلك ابن تيمية فمما قال: \"إن حقيقة التوحيد أن نعبد الله وحده فلا يدعى إلا هو، ولا يخشى إلا هو\" (¬٦).\rوقال أيضًا: \"والله ﷿ له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله\" (¬٧).\rوغير هؤلاء آخرون يقدمون ذكر الدعاء على غيره للاعتناء به","footnotes":"(¬١) انظر على سبيل المثال مؤلفات الشيخ: قسم العقيدة ص: ١٥٧، والرسائل الشخصية ص: ١٠٤.\r(¬٢) انظر زيادة على ما تقدم تفسير الفاتحة للشيخ ص: ٤٢ - ٤٣.\r(¬٣) تطهير الاعتقاد ص: ١٦.\r(¬٤) النبذة الشريفة النفيسة ضمن الرسائل النجدية ص: ٥٩٤، والرسالة كلها في موضوع الدعاء.\r(¬٥) المجموع المفيد ص: ٩.\r(¬٦) منهاج السنة: ٣/ ٤٩٠.\r(¬٧) قاعدة التوسل ص: ١٥٨، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048644,"book_id":1098,"shamela_page_id":292,"part":"1","page_num":305,"sequence_num":292,"body":"وأهميته (¬١)، فهذا الصنيع من هؤلاء العلماء يدل على أهمية الدعاء عندهم وخطورة الشرك فيه.\r٢ - من مظاهر اعتنائهم أيضًا: أنهم فسروا الشرك في الألوهية بأنه الشرك في الدعاء بنوعيه: العبادة والمسألة، وغالبًا يقدمون دعاء المسألة.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وجماع الأمر: أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته … وشرك في الألوهية: بأن يدعو غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة\" (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"وأعظم نهي نهى الله عنه الشرك به، وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"وتوحيد الإلهية هو أن لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له ولا يستغاث بغيره ولا يذبح … \". ثم بيّن الشيخ ﵀ أن شرك الذين قاتلهم الرسول ﷺ كان بدعاء الصالحين (¬٤).\rوقال بعضهم: \"قد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الشرك نوعان أكبر وأصغر فالأكبر أن يجعل لله ندًا من خلقه يدعوه كما يدعو الله، ويخافه كما يخاف الله\" (¬٥).\rومثله قول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: \"فالشرك الأكبر أن يصرف العبد نوعًا من أنواع العبادة لغير الله كأن يدعو غير الله أو يرجوه أو يخافه\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر مثلًا الهدية السنية ص: ٥.\r(¬٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٥٧.\r(¬٣) مؤلفات الشيخ قسم العقيدة ص: ٣٨١.\r(¬٤) المرجع السابق ص: ٣٦٦.\r(¬٥) مجموعة الرسائل النجدية ونسبه إلى جواب قاضي الدرعية الشيخ عبد العزيز ومن حوله من العلماء: ٤/ ٥٦٤.\r(¬٦) سؤال وجواب في أهم المهمات ص: ١٢، ونحوه في رسالة أبا بطين: انظر الدرر السنية: ٨/ ٢١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048645,"book_id":1098,"shamela_page_id":293,"part":"1","page_num":306,"sequence_num":293,"body":"ومثله قول (¬١) الشوكاني: \"إن الشرك هو دعاء غير الله تعالى أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه أو التقرب إلى غيره … \".\rففي هذه الأمثلة السابقة نجد العلماء قد فسروا الشرك في الألوهية بأنه الشرك في الدعاء بنوعيه وقدموا من النوعين دعاء المسألة، وذلك يدل على عنايتهم به أكثر من غيره لمكانته العظيمة أولًا ثم لوقوع الخصومة فيه ثانيًا، ويبين هذا الوجه الآتي.\r٣ - ثم إن الخصومة الكبرى التي وقعت بين الدعاة إلى التوحيد الخالص وبين مخالفيهم إنما وقعت في هذه المسألة، وهي إفراد الله تعالى بالدعاء والتحذير من دعاء غيره تعالى لأن المخالفين يرون أن دعاء غير الله إذا كان المقصود به التوسط لا بأس به، وأن الدعاء ليس مثل السجود والركوع في منع صرفه لغير الله تعالى إلى غير ذلك مما سيأتي في ذكر شبههم فاحتاج الدعاة إلى التوحيد إلى كثرة الخوض فيه وبيانه بكل الطرق وبأساليب متنوعة، وبيان أن الدعاء من أهم العبادات وأن صرفه لغير الله شرك وضلال، فهذا هو الذي جعلهم يبدأون به قبل غيره، ويُعْنَوْنَ به أكثر.\rوقد ذكر الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد رحمهما الله أنه لم يكن هناك خلاف له وَقْع بينهم - أي بين الدعاة إلى التوحيد الخالص ومخالفيهم - إلَّا في أمرين:\r\"أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة وأن الدعاء من جملتها وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل عليه الرسول ﷺ. والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" (¬٢).\rوذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله - أن الخصومة","footnotes":"(¬١) الدر النضيد ص: ١٨.\r(¬٢) الهدية السنية ص: ٢٧، والدرر السنية في الأجوبة النجدية: ١/ ١١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048646,"book_id":1098,"shamela_page_id":294,"part":"1","page_num":307,"sequence_num":294,"body":"فيما دلت عليه كلمة الإخلاص وأننا نقول: \"دعاء الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها شرك ظاهر مستبين … ونُدْخِل دعاء الأموات والغائبين فيما دلت عليه الآيات القرآنية\" (¬١)، كما ذَكَر في موضع آخر أن هذا هو أصل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجهاده (¬٢).\rوقد ذكر الشيخ نفسه ﵀ أن ما حصل له من الفتنة من مخالفيه هو إظهاره النهيَ عن دعوة الصالحين والأمر بإخلاص الدعاء لله تعالى مع هدم البناء على القبور (¬٣).\rوصنيع العلماء المصلحين هذا يدل على اتباعهم لطريقة القرآن وهو دليل قاطع على مكانة الدعاء وخطورة الشرك فيه.","footnotes":"(¬١) مصباح الظلام ص: ٣٠١.\r(¬٢) المرجع نفسه ص: ٣٥٤.\r(¬٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية: ١/ ٢٨، والرسائل الشخصية: مؤلفات الشيخ ص: ٤٠، وتفسير الفاتحة ص: ٤٨.\r٣٠٧","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048647,"book_id":1098,"shamela_page_id":295,"part":"1","page_num":309,"sequence_num":295,"body":"الفصل الثاني\rفي عدم تنافي الدعاء والقدر\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في مذاهب الناس واتجاهاتهم وحجج كل فريق ومناقشتها.\rالمبحث الثاني: في الصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048648,"book_id":1098,"shamela_page_id":296,"part":"1","page_num":311,"sequence_num":296,"body":"المبحث الأول: في مذاهب الناس في الدعاء واتجاهاتهم وحجج كل فريق ومناقشتها\rذهب الناس في أمر الدعاء إلى مذاهب شتى، وآراء متباينة، وأقوال مختلفة، وكثر النقاش بين أصحاب تلك المذاهب والآراء، فأدلى كل صاحب مذهب بحجته، وقوّى مذهبه بما استطاع من حجة منقولة أو معقولة حتى صارت تلك الأقوال تستحق أن تفرد بدراسة خاصة، وذلك لتشعب الموضوع وكثرة حجج كل فريق، وأدلته، ولتعلق الموضوع بمسألة القدر التي هي من أهم مسائل العقيدة التي يلتبس فيها الحق بالباطل على كثير من الناس وبعون الله وتوفيقه، سأذكر تلك الآراء مع بيان حجة كل فريق ومناقشة ما يستحق المناقشة من تلك المذاهب بإيجاز، ثم أذكر الصواب حسب ما ظهر لي والله المستعان، وعليه التكلان.\r\rحاصل مذاهب الناس في الدعاء:\rأ - إن الدعاء لا معنى له ولا فائدة منه ولا يدعى الله تعالى.\rب - إن الدعاء لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة وإنما هو عبادة محضة.\rجـ - إن الدعاء علامة وأمارة ودلالة محضة على حصول المطلوب، وليس هو سببًا لحصول المطلوب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048649,"book_id":1098,"shamela_page_id":297,"part":"1","page_num":312,"sequence_num":297,"body":"د - إن الدعاء يرد القضاء، ويغيره من قضاء إلى قضاء.\rهـ - إن الدعاء ينفع في بعض الأمور دون بعض.\rو- إن الدعاء سبب من الأسباب وهو داخل في القضاء.\rوقد يكون في المذهب الواحد من هذه المذاهب عدة اتجاهات. وقد يختلف أصحاب المذهب الواحد في تحليل مذهبهم، ولكنهم يتفقون في أصل المذهب الرئيسي ومن هنا نعدهم أصحاب مذهب واحد لاتفاقهم في النتيجة، ويتضح هذا جليًا في المذهب الأول كما سيأتي.\rهذا هو حاصل مذاهب الناس في الدعاء إجمالًا وإليك تفصيل ذلك:\r\rأ - المذهب الأول:\rإن الدعاء لا معنى له ولا يدعى الله تعالى، وفي هذا المذهب ثلاث اتجاهات، وكلها متفقة على أن لا يدعى الله تعالى.\r١ - الاتجاه الأول: مذهب طائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة:\rذهبوا إلى أن الدعاء لا معنى له ولا فائدة فيه، والعلة في ذلك عندهم هو أن المشيئة الإلهية إذا اقتضت فلا بد أن يحصل وإن لم تقتضِ فلا يحصل فلا فائدة في الدعاء.\r٢ - الاتجاه الثاني: مذهب أرسطو وأتباعه:\rوالعلة عندهم أن الله ليس عالمًا ولا مريدًا … إلخ.\r٣ - الاتجاه الثالث: مذهب ابن عربي وطائفته:\rوالعلة عندهم أن الداعي والمدعو واحد … إلخ.\rوإليك تفصيل هذه الاتجاهات الثلاث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048650,"book_id":1098,"shamela_page_id":298,"part":"1","page_num":313,"sequence_num":298,"body":"١ - الاتجاه الأول (¬١): مذهب طائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة:\rإن الدعاء لا معنى له ولا فائدة فيه، وشبهتهم في هذا الاحتجاج بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، قالوا إن المشيئة الإلهية إذا اقتضت وجود المطلوب فلا بد أن يحصل سواء دعا أو لم يدعُ، فيكون الدعاء تحصيل الحاصل.\rوإن لم تقتضه فلا يمكن أن يحصل سواء دعا أو لم يدع فثبت بهذا أنه لا فائدة في الدعاء على الحالين.\rومثل هذا يقال في علم الله فإن علم الله أنه يوجد فلا بد أن يوجد .. إلخ.\rوساق هؤلاء الأدلة المتضافرة المتواترة الدالة على سبق القضاء والقدر وتلك الأدلة معروفة مشهورة، منها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة … \" (¬٢) وغير ذلك من الأحاديث المتضافرة.","footnotes":"(¬١) انظر عن هذا المذهب: شأن الدعاء للخطابي ص: ٦، واقتضاء الصراط المستقيم: ٣٥٨، ومنهاج السنّة: ٥/ ٣٦٢، والتحفة العراقية: ٤٧، والفتاوى: ٨/ ١٣٨، ومدارج السالكين: ٣/ ١٠٤، وزاد المعاد: ٣/ ٤٨١، والجواب الكافي ص: ١٤، وشرح العقيدة الطحاوية: ٤٦٠، والاعتصام للشاطبي: ١/ ٢٧، ٣٥٧، وتفسير الفخر الرازي: ٥/ ١٠٤ - ١٠٥، ١٤/ ١٣٤، وساق عدة شبه ترجع إلى ما ذكر، وفيض القدير: ٢/ ٥٤١، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ١٩٤ - ١٩٦، ونسب هذا المذهب إلى بعض المعتزلة، وانظر هذا المذهب على وجه السؤال في المنهاج للحليمي: ١/ ٥٤٠. وذكره الزركشي في الأزهية ص: ٣٤ قريبًا من سياق الرازي.\r(¬٢) أخرجه البخاري في القدر: باب وكان أمر الله قدرًا مقدورًا: ١١/ ٤٩٤ رقم ٦٦٠٥، ومسلم: ٤/ ٢٠٣٩ رقم ٢٦٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048651,"book_id":1098,"shamela_page_id":299,"part":"1","page_num":314,"sequence_num":299,"body":"وهناك طائفتان أخريان ذهبتا إلى القول بأن الله لا يدعى ولكن قالتا بتأثير الدعاء. وهما أصحاب الاتجاهين التاليين:\r\r٢ - الاتجاه الثاني: مذهب أرسطو وأتباعه:\rذهبوا إلى أن الله تعالى لا يدعى، لأنه عندهم \"لا يفعل شيئًا ولا يريد شيئًا، ولا يعلم شيئًا، ولا يخلق شيئًا، فعلى أي شيء يشكر أم على أي شيء يحمد ويعبد؟ \" (¬١) وعلى أي أساس يطلب منه قضاء الحاجات ونيل الرغبات، ودفع الكربات؟ إذا الله عندهم \"لا يحدث شيئًا بمشيئته واختياره، بل لا سبب للحوادث إلا حركة الفلك فلهذا لم يثبتوا لله تعالى إجابة سائل ولا إحداث أمر\" (¬٢).\rفإذا كان الله لا يستطيع الإجابة ولا إحداث أي أمر فليس هناك فائدة في دعائه.\r\r٣ - الاتجاه الثالث: مذهب ابن عربي وطائفته:\rذهبوا إلى القول بأنه يستحيل من العبد أن يدعو الله - تعالى الله عما يقولون - لاعتقادهم أحدية العين، فالداعي هو المدعو، فكيف يدعو نفسه؟ (¬٣).\rويقول ابن الفارض (¬٤) مثبتًا لأحدية الداعي والمدعو:","footnotes":"(¬١) جامع الرسائل: ١/ ١٠٤، وانظر بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥١، والفتاوى: ٨/ ١٩٥.\r(¬٢) الرد على البكري: ٦٣.\r(¬٣) جامع الرسائل: ١/ ١٠٥، وانظر فصوص الحكم لابن عربي: ١/ ١٨٣ - ١٨٤، وانظر التعليق عليه لأبي العلا عفيفي: ٢/ ٢٦٥، ويراجع فصوص الحكم أيضًا: ١/ ٦٠ - ٦١.\r(¬٤) ابن الفارض هو عمر بن علي بن مرشد الحموي المصري صاحب الاتحادية ت ٦٣٦ هـ، قال الذهبي: فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده فما في العالم زندقة وضلال، السير: ٢٢/ ٣٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048652,"book_id":1098,"shamela_page_id":300,"part":"1","page_num":315,"sequence_num":300,"body":"فإن دُعِيَتْ كنتُ المجيبَ وإن أكن … منادى أجابت من دعاني ولبتِ\rفقد رفعت تاء المخاطب بيننا … وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي (¬١)\rفهذان الاتجاهان اشتركا مع الطائفة الأولى في أن الله - تعالى عما يقول هؤلاء - لا يجيب الدعاء وأنه من أجل هذا فلا يدعى، ولكن اختلفوا في تعليل ذلك وتوجيهه.\rفالعلة عند الاتجاه الأول: هو الاحتجاج بسبق المشيئة والعلم والقضاء والقدر، وعند الثاني: عدم علم الله للدعاء وعدم قدرته، وعند الثالث: اتحاد الداعي والمدعو وكونهما شيئًا واحدًا. لكن الاتجاهان الأخيران أثبتا تأثير الدعاء على وجه يطابق عقيدة القائلين بالاتجاهين.\r\rسبب تأثير الدعاء عند أرسطو وأتباعه:\rفهؤلاء لما رأوا تأثير الدعاء وتحققوا من ذلك لم يمكنهم إنكار هذا الأمر الذي شهدت به تجارب الأمم وأقرت به الفطر والعقول، ولكنهم لجأوا إلى تفسير ذلك بما يوافق عقيدتهم فزعمت طائفتهم من الملاحدة والصابئين والمتفلسفة المشائين أتباع أرسطو ومن تبعه من متفلسفة أهل الملل كالفارابي وابن سينا ومن سلك سبيلهما ممن خلط ذلك بالكلام والتصوف والفقه زعموا أن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم، لا يكون الله يجيب الداعي، فتأثير الدعاء عندهم إنما هو من تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك علمًا مفصلًا أو قدرة على تغيير العالم، أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ما فعل لأمكنه ذلك، بل العالم عندهم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه فلهذا فالله تعالى على رأيهم لا يستطيع التأثير في العالم، وإنما هو علة العلل كما يسمونه، وهكذا يزعمون في تأثير سائر الممكنات المخلوقات من القوى الفلكية والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية، فالدعاء عند هؤلاء","footnotes":"(¬١) ديوان ابن الفارض ص: ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048653,"book_id":1098,"shamela_page_id":301,"part":"1","page_num":316,"sequence_num":301,"body":"سبب تأثيره إنما هو من قوة النفوس وليس من الله \"فهم لا يقصدون الله أن يفعل شيئًا ولا يطلبون منه شيئًا ولكن يقوون نفوسهم قوة يزعمون أنهم يفعلون بها\" (¬١).\rوهؤلاء أعظم شركًا وغلوًا في الضلال والغي من مشركي العرب الذين يعتقدون الوساطة والشفاعة لأصنامهم.\rقال شيخ الإسلام في تفضيل أهل الكتاب والمشركين على الفلاسفة الملاحدة: \"فمشركو العرب مع أهل الكتاب يدعون الله، ويقولون: إنه يسمع دعاءهم ويجيبهم، وهؤلاء - يعني الفلاسفة - عندهم لا يعلم شيئًا من جزئيات العالم، ولا يسمع دعاء أحد ولا يجيب أحدًا، ولا يُحْدِث في العالم شيئًا ولا سبب للحدوث عندهم إلا حركات الفلك، والدعاء عندهم يؤثر، لأنه تصرف النفس الناطقة في هيولى (¬٢) العالم\" (¬٣).\rوهؤلاء قالوا أيضًا في تعليل وتجويز دعاء غير الله تعالى وتأثيره وزيارة القبور الزيارة الشركية: إن الأرواح المعظمة المفارقة للجسد، أو الجواهر العلويات كالشمس والقمر وسائر الكواكب، يفيض عليها من جهة الرب، فإذا اتصل بها أحد بدعائها أو الاستشفاع بها، أو زيارة هياكلها أو قبورها وأضرحتها فاض على هذا الداعي أو الزائر منها ما فاض عليها من جهة الرب من غير فعل من تلك الأرواح والجواهر ومن غير سؤال منها ويمثلون ذلك بالشمس إذا طلعت على مرآة فانعكس الشعاع الذي على المرآة على موضع آخر فأشرق بذلك الشعاع، فهذا الشعاع حاصل","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥١، والفتاوى: ٨/ ١٩٥، والرد على المنطقيين: ١٠٣ - ١٠٥، ٥٣٥ - ٥٣٧، والرد على البكري ص: ٢٦٨، وقاعدة التوسل: ٢٥، ومصباح الظلام: ١٧٦.\r(¬٢) الهيولى: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة، وفي الاصطلاح جوهر في الجسم قابل لما يعرف لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية. اهـ. التعريفات ص: ٢٥٧.\r(¬٣) الفتاوى: ١٧/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والرد على المنطقيين: ٥٣٥ - ٥٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048654,"book_id":1098,"shamela_page_id":302,"part":"1","page_num":317,"sequence_num":302,"body":"بمقابلة المرآة والذي للمرآة حاصل بمقابلة الشمس.\rفكذلك الداعي المستشفع إذا توجه إلى شفيعه أشرق عليه من جهته مقصود الشفاعة وذلك المدعو الشفيع أشرق عليه من جهة الحق.\rفلهذا يرى هؤلاء دعاء الموتى عند القبور وغير القبور ويتوجهون إليهم ويقولون: إن أرواحنا إذا توجهت إلى روح المقبور في القبور اتصلت به ففاضت عليها المقاصد من جهته، ومن هنا يفضلون الدعاء والصلاة عندها على الدعاء والصلاة في المساجد (¬١).\rكما يقولون في الزيارة الشركية: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها (¬٢).\rوأما ابن عربي وشيعته فقد فسروا سبب تأثير الدعاء بأن الداعي هو المدعو فلا بد أن يلبي رغبات نفسه، قال ابن عربي: \"فما يطلب الحق من العبد بأمره هو بعينه يطلبه العبد من الحق بأمره، ولهذا كان كل دعاء مجابًا ولا بد وإن تأخر\" (¬٣).\rوالحاصل أن هذين المذهبين يريان تأثير الدعاء إلا أنهما يفسران ذلك على طريقة تناسب عقيدتهما الباطلة.\rوإني أرى أن هذين المذهبين لا يستحقان المناقشة الطويلة ففي حكايتهما ما يغني عن الرد عليهما لوضوح بطلانهما ومناقضتهما للشرائع","footnotes":"(¬١) الرد على المنطقيين: ١٠٣ - ١٠٥، ٥٣٥، والرد على البكري: ٦٢ - ٦٣، ٢٦٧، وقاعدة التوسل ص: ٢٥، وملحق المصنفات: ٩٧، والرد على من قال بقول الفلاسفة في دعاء الموتى للشيخ عبد الرحمن بن حسن ضمن مجموعة الرسائل: ٤/ ٣٨٣، وانظر إتحاف السادة: ٥/ ٥١ - ٥٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٩ - ١٧٠، وراجع حاشية قاعدة في التوسل ص: ١٥٦ تحقيق الشيخ ربيع للاطلاع على ما نقله عن كتاب المضنون به على غير أهله: ٢/ ١٥١.\r(¬٢) الرد على البكري ص: ٢٦٨.\r(¬٣) فصوص الحكم: ١/ ١٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048655,"book_id":1098,"shamela_page_id":303,"part":"1","page_num":318,"sequence_num":303,"body":"السماوية جميعًا مناقضة واضحة لا تلتبس على من عرف مبادئ الإسلام، ولهذا نكتفي بهذا وسوف لا نعرج عليهما في مناقشة الشبه (¬١).\rهذا ومما ينبغي أن يعلم أن الدعاء من الأسباب وأن الناس قد افترقوا في الأسباب إلى ثلاث فرق رئيسية: مغضوب عليهم، وضالون، ومهتدون.\rفالمغضوب عليهم يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة ويقولون: الدعاء المشروع قد يؤثر وقد لا يؤثر، ويتصل بذلك الكلام في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء ﵈.\rوالضالون يتوهمون في كل ما يتخيل سببًا، والمتكايسون من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية وقوى نفسانية وأسباب طبيعية.\rفأما المهتدون فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع إذ الجميع خلق الله لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير ومن أنه كل يوم هو في شأن ومن أن إجابته لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفس العبد وتصرف جسمه وروحه وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه وأوليائه (¬٢).\r\rب - المذهب الثاني (¬٣):\rقالت طائفة من الصوفية: إن الدعاء لا يجلب به منفعة، ولا يدفع به مضرة، وإنما هو عبادة محضة تعبدية غير معقول المعنى، كبعض أعمال العبادات الأخرى مثل رمي الجمار وغيره، ولا أثر للدعاء في","footnotes":"(¬١) انظر مناقشة الفلاسفة في الرد على البكري ص: ٢٧٠ - ٢٧٦.\r(¬٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٦١ - ٣٦٢.\r(¬٣) انظر عن هذا المذهب: جامع الرسائل لابن تيمية: ١/ ٨٧، والتحفة العراقية: ٤٧، والفتاوى: ٨/ ١٩٢، ٥٣٠ - ٥٣١، وزاد المعاد: ٣/ ٤٨١، ومدارج السالكين: ٣/ ١٠٤، والجواب الكافي: ١٤، والآداب الشرعية: ٢/ ٢٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048656,"book_id":1098,"shamela_page_id":304,"part":"1","page_num":319,"sequence_num":304,"body":"حصول المطلوب، وجودًا وعدمًا، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بغيره.\rوقالوا: إن الدعاء عند أهل التسليم والتفويض - يعنون أنفسهم - على وجهين:\r\"أحدهما: يريد بذلك تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء، لأن الدعاء ضرب من الخدمة، يريد أن يزين جوارحه بهذه الخدمة.\rوالوجه الثاني: أن يدعو ائتمارًا لما أمره الله تعالى بالدعاء\" (¬١)، فالدعاء عندهم لإظهار العبودية وامتثال الأوامر الإلهية فقط، وليس له تأثير في حصول المطلوب، فهؤلاء على اتجاهين:\r١ - فمنهم من يجعل الدعاء من حظ العامة، وأن مقامات الخواص ترك الدعاء والتوكل نظرًا للقدر (¬٢).\r٢ - ومنهم من يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، يجعله عديم الفائدة إذ هو مضمون الحصول، فلا يجوز الدعاء بهذا إلَّا تلاوة لا دعاء ويعلل ذلك بأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه لأن الداعي بين الخوف والرجاء، والشك في وقوع ذلك شك في خير الله (¬٣).\rوقد جوز بعضهم الدعاء بالآية السابقة إن أراد بالخطأ العمد وبما لا يطاق الرزايا والمحن (¬٤).\rوقد رويت عن هؤلاء أقوال كثيرة في تقرير هذا المذهب، من ذلك ما قاله بعضهم عندما طلب منه أن يدعو: \"أخشى أني إن دعوت أن يقال","footnotes":"(¬١) اللمع للطوسي: ٣٣٣.\r(¬٢) الفتاوى: ١٠/ ٣٥، و ٨/ ٢٨٤، وبدائع الفوائد: ٢/ ٢٤٠.\r(¬٣) مدارج السالكين: ٢/ ١١٨، والفتاوى: ٨/ ٢٨٧.\r(¬٤) ذهب إلى هذا القرافي في الفروق: ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٨، وحاشية ابن عابدين على الدر: ١/ ٥٢٢، وانظر ما سيأتي في ص: ٤٠٥ - ٤٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048657,"book_id":1098,"shamela_page_id":305,"part":"1","page_num":320,"sequence_num":305,"body":"لي: إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا وإن سألت ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا، وإن رضيت أجرينا لك الأمور، ما قضينا لك به في الدهور\" (¬١).\rوقال آخر: \"من عرف الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله\" (¬٢).\rوروي عن الجنيد أنه دخل عليه جماعة فقالوا: \"أين نطلب الرزق؟ فقال: إن علمتم في أي موضع هو، فاطلبوه منه، قالوا: فنسأل الله تعالى ذلك، فقال: إن علمتم أنه ينساكم فذكروه فقالوا: ندخل البيت فنتوكل فقال: التجربة شك قالوا: فما الحيلة؟ فقال: ترك الحيلة\" (¬٣).\rوقال آخر: \"طلبك منه اتهام\" (¬٤).\rومن أقوال هؤلاء في كون الدعاء من حظ العامة ما حكاه القشيري في رسالته من أنه \"قيل: دعاء العامة بالأقوال، ودعاء الزهاد بالأفعال، ودعاء العارفين بالأحوال … وقيل: ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك\" (¬٥).\rوبلغ الحال ببعضهم إلى أن قال: \"الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة\" (¬٦)، فهذا في غاية الشناعة ومع ذلك حاول بعضهم تأويله (¬٧)","footnotes":"(¬١) الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٣٣، وإتحاف السادة المتقين: ٥/ ١٧٧، والأزهية: ٤٥.\r(¬٢) اللمع للطوسي: ٣٣٢، وتلبيس إبليس: ٣٣٧، ونسبه إلى أبي العباس بن عطاء.\r(¬٣) الرسالة القشيرية: ١/ ٤٢٧.\r(¬٤) العلم الشامخ: ٤٠، ٤٦٠، نسبه إلى ابن عطاء.\r(¬٥) رسالة القشيري: ٢/ ٥٣٣.\r(¬٦) رسالة القشيري: ٢/ ٥٤٥، والعلم الشامخ ص: ٣٨.\r(¬٧) فقد حاول القشيري تأويله إلى أنه يشير إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار وأوله صاحب عوارف المعارف إلى أنه مشغول بالعبودية وتام الثقة بربه وبعلمه. اهـ. انظر الرسالة ص: ٥٤٥، والعلم الشامخ: ٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048658,"book_id":1098,"shamela_page_id":306,"part":"1","page_num":321,"sequence_num":306,"body":"مع أنه صريح في مراد القائل لا يقبل التأويل، وتتلخص شبههم الرئيسية في ثلاث:\r١ - الاستدلال بعموم علم الله تعالى وأن السؤال مع العلم والقدر لا حاجة إليه.\r٢ - الاستدلال بما روي من أن إبراهيم الخليل عندما ألقي في النار قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي (¬١).\r٣ - أن سؤال الله تعالى فيه سوء الأدب واتهام للرب بعدم إعطائه للعبد ما يستحقه، وأنه لذلك ليس من مقامات الخواص.\rوأصل شبهة أصحاب المذهب الأول والمذهب الثاني أنهم لما أثبتوا أن الله إذا قضى شيئًا فلا بد أن يكون وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما سبق به علمه فهو كائن لا محالة صاروا يظنون ما يوجد بسبب يوجد بدونه، وما يوجد مع عدم المانع يوجد مع المانع، وأن كون الأمور مقدرة مقضية يمنع أن تتوقف على أسباب مقدرة أيضًا تكون من العبد، وهذا غلط عظيم ضلت فيه طوائف، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى القول بأنه لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها فإن من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن ولم يعمل، ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن وعمل (¬٢).\rوكذلك قول من قال: إن الدعاء لا يؤثر شيئًا، والتوكل لا يؤثر شيئًا هو من هذا الجنس لكن إنكار ما أمر به من الأعمال كفر ظاهر، بخلاف إنكار تأثير الدعاء أو التوكل إذ ليس تعليق المقاصد بالدعاء والتوكل","footnotes":"(¬١) ذكره البغوي في التفسير: ٣/ ٣٥٠، حكاية عن كعب الأحبار، وسيأتي الكلام عليه ص: ٣٣٧، وانظر الاستدلال بهذه الحكاية في تفسير الرازي: ١٤/ ١٣٥، وروح المعاني: ٢/ ٨٢، وفي الرسالة القشيرية: ١/ ٤٢٠.\r(¬٢) جامع الرسائل: ١/ ٩٢ - ٩٣، والتحفة العراقية: ٤٧، والفتاوى: ١٠/ ٢٢، ٨/ ١٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048659,"book_id":1098,"shamela_page_id":307,"part":"1","page_num":322,"sequence_num":307,"body":"كتعليق سعادة الآخرة بالإيمان، ولكن الأصل واحد وهو النظر إلى المقدور مجردًا عن أسبابه ولوازمه (¬١).\rفهؤلاء رَكَّبُوا من هذا الأصل مقدمتين فاسدتين وهما:\rأن الشيء المطلوب المدعو به إن قدر فلا بد أن يحصل سواء دعا به أم لا فيكون الدعاء من باب تحصيل الحاصل وإن لم يقدر فلا يحصل سواء دعا به أم لا فلا فائدة في الدعاء في الحالين.\rحاصل شبههم تدور على الأمور التالية:\r١ - الاحتجاج بالمشيئة الإلهية وأن المطلوب إذا قضي إلى آخر المقدمتين.\r٢ - الاحتجاج بعلم الله تعالى وأن المطلوب إذا علمه الله فلا بد أن يحصل .. إلخ. وقووا هذه الشبهة بما روي عن إبراهيم الخليل ﵇ من قوله: (حسبي من سؤالي علمه بحالي).\r٣ - الاحتجاج بأنه ليس من مقامات الخواص لأن في ذلك سوء الأدب واتهامًا لله تعالى وشكًا في وقوع أرزاقه، وما قدره الله تعالى.\rفعلى هذه الأمور تدور شبهاتهم وإليك مناقشة هذه الشبهات الثلاثة:\r\rمناقشة الشبهة الأولى:\rوهي قولهم: \"إن المشيئة الإلهية إذا اقتضت … إلخ\"، فالجواب عنها على تسعة أوجه:\rالأول: أن الحصر في المقدمتين غلط لوجهين:\r١ - لأنه بقيت مقدمة ثالثة أخرى، وهي أنه إن قضى الله بحصول هذا الشيء المطلوب عند حصول سببه من الدعاء أو التوكل أو غيرهما","footnotes":"(¬١) جامع الرسائل: ١/ ٩٤، والفتاوى: ٨/ ١٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048660,"book_id":1098,"shamela_page_id":308,"part":"1","page_num":323,"sequence_num":308,"body":"فإنه يحصل عند وجود هذا السبب فإذا لم يحصل السبب امتنع المسبب (¬١).\r٢ - لو سلمنا جدلًا أن الدعاء لا تأثير له في المطلوب لا نسلم أنه لا فائدة فيه بل فيه فوائد أخر غير حصول المطلوب من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة كما نبه على ذلك النبي ﷺ بقوله: \"ما من مؤمن ينصب وجهه لله ﷿ يسأله مسألة إلا أعطاه إياها إما عجلها له في الدنيا وإما ادخرها له في الآخرة ما لم يعجل … \" (¬٢).\rولو لم يكن في الدعاء من الفوائد إلا معرفة الداعي بربه وإقراره به وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه، وما يتبع من العلوم العلية والأحوال الزكية التي هي من أعظم المطالب، لكفى ذلك في فوائد الدعاء فكيف وفيه فوائد أخرى من تحقيق المطلوب ودفع المكروه؟ ومن فوائده التي هي أهم من مطلوب العبد أنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات والغالب على الخلق أنهم لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله ﷿ إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض، فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد القلب إلى الله ﷿ بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات، ومن تلك الفوائد أنه يعطي سكينة في نفسه، وانشراحًا في صدره وصبرًا يسهل معه احتمال ثقل الواردات عليه، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة دعائه (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر في هذا الجواب: مدارج السالكين: ٢/ ١١٩، وزاد المعاد: ٣/ ٤٨١ و ٤/ ١٦، والجواب الكافي: ١٥، وشرح الطحاوية: ٤٦٠، والفتاوى: ٨/ ١٣٩، وفيض القدير: ٢/ ٥٤١.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ٢٢٨.\r(¬٣) شأن الدعاء: ١٣، وإحياء علوم الدين: ١/ ٣٩٠، وشرح الطحاوية: ٤٦١، وتفسير الرازي: ١٤/ ١٣٥، والأزهية ص: ٣٥ - ٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048661,"book_id":1098,"shamela_page_id":309,"part":"1","page_num":324,"sequence_num":309,"body":"حاصل هذين الوجهين السابقين هو أن هناك خللًا في الحصر في المقدمتين إذ هناك مقدمة ثالثة.\rكما أن هناك خللًا في المقدمة الثانية لأنه لا يلزم من عدم تأثير الدعاء في المطلوب عدم فائدته مطلقًا.\rالثاني (¬١): قد أجاب النبي ﷺ عن هذه الشبهة عندما سئل عنها لما قال: \"ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة أو النار، قالوا: أو لا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسييسر إلى عمل أهل الشقاء\" وهذا الحديث قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من عدة طرق (¬٢).\rفتبين بهذا أن ما سبق به الكتاب سبق بالأسباب التي تفضي إليه، فالسعادة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما يصير به سعيدًا، والشقاوة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما يصير به شقيًا، فالقدر يتضمن الغاية وسببها، لم يتضمن غاية بلا سبب، كما تضمن أن هذا يولد له بأن يتزوج ويطأ المرأة، وهذا ينبت أرضه بأن يزرع ويسقي الزرع، وأمثال ذلك.\rويقوي هذا أيضًا ما روي أنه قيل للنبي ﷺ: يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقيها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: هي من قدر الله (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر الجواب هذا في منهاج السنّة: ٥/ ٣٦٢.\r(¬٢) أخرجه البخاري من حديث علي بن أبي طالب: ١١/ ٤٩٤ رقم ٦٦٠٥، ومسلم: ٤/ ٢٠٣٩ رقم ٢٦٤٧، وله شاهد من حديث عمران بن الحصين أخرجه البخاري: ١١/ ٤٩١ رقم ٦٥٩٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٤١ رقم ٢٦٤٩، ومن حديث جابر أخرجه مسلم القدر: ٤/ ٢٠٤٠ رقم ٢٦٤٨.\r(¬٣) أخرجه الترمذي: ٤/ ٣٩٩ رقم ٣٠٦٥، وابن ماجه: ٢/ ١١٣٧ رقم ٣٤٣٧، وأحمد في المسند: ٣/ ٤٢١ وكلهم من طريق الزهري عن أبي خزامة عن أبيه وقد اختلف فيه كما في الإصابة: ٧/ ١٠٦ هل هو تابعي أم صحابي والراجح أنه صحابي، وأخرجه الحاكم من طريق الزهري أيضًا فجعله من مسند حكيم بن حزام =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048662,"book_id":1098,"shamela_page_id":310,"part":"1","page_num":325,"sequence_num":310,"body":"فبيّن ﷺ أنه يرد قدر الله بقدر الله إما دفعًا لما انعقد سببه ولَّما يقع، وإما رفعًا لما وجد، وأن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من قدر الله ليس القدر مجرد دفع المكروه بلا سبب (¬١).\rولم يخرج شيء في الوجود عن قدر الله، وإنما يرد القدر بالقدر وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، والكل من قدر الله: الدافع، والمدفوع، والدفع (¬٢).\rالثالث (¬٣): أن العبد لا يدري ماذا قدر الله له، فإنه لا يدري هل الله علق نيل مرغوبه والوصول إلى محبوبه، أو علق دفع المضار عنه، ورفع البلايا والمَصائب، علق هذه الأمور على دعائه والابتهال إليه، أم لا؟.\rفما دام لا يعرف ذلك فما عليه إلا الاجتهاد وبذل المستطاع في رجاء رحمة الله واستجلاب الخير واستدفاع الشر بما جعله الله سببًا لذلك.\rومبنى العبادات والطاعات على الخوف والرجاء \"دون اليقين الذي يقع معه طمأنينة النفس فيفضي بصاحبه إلى ترك العمل والإخلاد إلى دعة العطلة\".\rوالله ﷾ \"قد لطف بعباده فعلل طباعهم البشرية بوضع هذه الأسباب ليأنسوا بها فيخفف عنهم ثقل الامتحان الذي تعبدهم به، وليتصرفوا بذلك بين الرجاء والخوف، وليستخرج منهم وظيفتي الشكر والصبر في طوري السراء والضراء والشدة والرخاء، ومن وراء ذلك علم الله تعالى فيهم\".","footnotes":"= وذكر الاختلاف فيه على الزهري وصححه ووافقه الذهبي: المستدرك: ١/ ٣٢.\r(¬١) جامع الرسائل: ١/ ٩٤، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٣٢.\r(¬٢) زاد المعاد: ٤/ ١٦، ومدارج السالكين: ١/ ٢٠٠، والفتح: ١١/ ١٤٩.\r(¬٣) انظر هذا الوجه في شأن الدعاء للخطابي: ٩ - ١٢، والمنهاج في شعب الإيمان للحليمي: ١/ ٥٤٠ - ٥٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048663,"book_id":1098,"shamela_page_id":311,"part":"1","page_num":326,"sequence_num":311,"body":"فالحاصل أن العبد لا يدري هل الأمر معلق بالدعاء إن اجتهد وابتهل في الدعاء يعطى، وإن لم يجتهد في الدعاء فلا يعطى؟، لذا عليه الاجتهاد بالدعاء لاحتماله أن مطلوبه معلق على الدعاء.\rويزيد هذا الوجه وضوحًا الوجه التالي:\rالرابع: أن الله ﷾ أمرنا أن نعمل ونكد ونجتهد ونحرص وأن ندفع قدره بقدره فالعبد مأمور بأن يزيل الشر بالخير ويزيل الكفر بالإيمان والبدعة بالسنة والمعصية بالطاعة من نفسه ومن عنده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد بحسب الإمكان وإن كان كل ذلك بقدر الله (¬١)، ولهذا قال عمر بن الخطاب لأبي عبيدة ﵄ عندما هم بالرجوع من الطريق لسماعه بوقوع الطاعون بالشام فقال له أبو عبيدة بن الجراح ﵁: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان إحداهما مخصبة والأخرى جَدِبَة أليس إن رعيت الخَصِبَة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله (¬٢)؟ فالعبد يدفع قدر الله تعالى بقدر الله تعالى، لأن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد، ولهذا لما سمع بعض الصحابة إخبار النبي ﷺ بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب قال: \"ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن\" (¬٣).\rوهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٨/ ٥٤٧ - ٥٤٨.\r(¬٢) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٨٩٤ رقم ٢٢.\r(¬٣) لم أجد هذا الأثر بهذا اللفظ ولكن هناك عدة روايات بمعناه فقد روي عن عمر من حديث أبي هريرة وعن سراقة، وابن عباس. حديث عمر أخرجه ابن أبي عاصم عن أبي هريرة في السنة: ٢/ ٧٢ رقم ١٦٥ وصححه الألباني وفيه قال - أي عمر - فالآن نجتهد والآجري ص: ١٧٠، وابن حبان رقم ١٨٠٧ وحديث سراقة أخرجه ابن أبي عاصم رقم ١٦٧، والطبراني في الأوسط كما في المجمع: ٧/ ١٩٥، وفيه قال سراقة: الآن نجتهد وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048664,"book_id":1098,"shamela_page_id":312,"part":"1","page_num":327,"sequence_num":312,"body":"علومهم، فإن النبي ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أُقْدِر عليه ومُكِّن منه وهيء له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما زاد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه (¬١).\rوقد فَطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مَرامُ معاشهم ومصالحهم الدنيوية، بل فطر الله سائر الحيوانات على الحرص على المنافع وهداها لمصالحها المعاشية بما يحفظها ويقيمها سواء كان الحيوان ناطقًا أو بهيمة أو طيرًا أو دواب فقد هدى الذكر للأنثى وهداهما إلى التقام الثدي عند الخروج من بطن الأم وتمييز الأم من غيرها وإلى المرعى النافع دون الضار، وهدى بعض الحيوانات إلى ما يعجز عنه البشر كهداية النحل إلى الأفعال العجيبة والبالغة الغاية في الدقة، وكهداية النمل إلى الطرق والحيل التي فيها معاشها مع كونها من أصغر الحيوانات، وهداية الهدهد، والحمام والذئب والثعلب إلى ما هو أعجب من الأعمال والحيل التي يعملها الإنسان، وقد قال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].\rوقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] (¬٢).","footnotes":"= وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأصل الحديث في مسلم: ٤/ ٢٠٤٠، وحديث ابن عباس أخرجه البزار كما في كشف الأستار: ٤/ ١٩، والطبراني كما في المجمع: ٧/ ١٩٥، وقال الهيثمي: ورجال الطبراني ثقات وفيه قال القوم بعضهم لبعض: فالجد إذًا.\r(¬١) شفاء العليل: ٥٦.\r(¬٢) يراجع شفاء العليل من ١٤٤ - ١٧١ فإنه ذكر أمور كثيرة وضرب أمثلة رائعة في الموضوع، وبدائع الفوائد: ٢/ ٣٥ - ٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048665,"book_id":1098,"shamela_page_id":313,"part":"1","page_num":328,"sequence_num":313,"body":"والمسلم مأمور أن يفعل ما أمر به ويدفع ما نهى الله عنه وإن كانت أسبابه قد قدرت فيدفع قدر الله بقدر الله، فالعبد له مع المقدور حالان: حال قبل وقوع المقدور، فعليه قبل وقوعه أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه ويجتهد في دفعه فإذا قدر المقدور بغير فعله واختياره فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله تعالى على توفيقه وإن كان ذنبًا استغفر الله منه (¬١).\rويدل لهذا قول رسول الله ﷺ: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء الله فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان\" (¬٢) ففي هذا الحديث الأمر بالحرص على ما ينفع الإنسان والاستعانة بالله على ذلك وعدم العجز وهذا قبل الوقوع ثم الأمر بالصبر.\rثم إن دفع القدر بالقدر نوعان:\rأحدهما: دفع القدر الذي انعقدت أسبابه - ولَمَّا يقع - بأسباب أخرى من القدر تقابله فيمتنع وقوعه كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد ونحوه.\rالثاني: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بقدر التداوي ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان.\rفهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز والله تعالى يلوم على العجز فإذا غُلِبَ العبدُ، وضاقت به","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء للخطابي: ١٣٢، والفتاوى: ٨/ ٧٦، ومدارج السالكين: ٢/ ٢٢٣، وزاد المعاد: ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وإغاثة اللهفان: ١/ ٢٤، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٦، ٧٨، ٢٣٢، وطريق الهجرتين ص: ٣٨، والتدمرية ص: ٦٢.\r(¬٢) رواه مسلم: ٤/ ٢٠٥٢ رقم ٢٦٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048666,"book_id":1098,"shamela_page_id":314,"part":"1","page_num":329,"sequence_num":314,"body":"الحيل، ولم يبق له مجال فهنالك الاستسلام للقدر، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء (¬١).\rالخامس: إن هذه الشبهة كما قال ابن الجوزي: \"رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاؤوا به لأنه إذا قال في القرآن: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال القائل: لماذا إن كنت سعيدًا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيًا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة؟ وما يفضي إلى رد الكتب وتجهيل الرسل محال باطل\" (¬٢).\rالسادس: إن هذه الشبهة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين ومخالفة لصريح المعقول، ومخالفة للحس والمشاهدة (¬٣). وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان دلالة هذه الأمور على تأثير الدعاء وفي هذا القول رد لتلك الدلالة، وبهذا يتضح مخالفة هذه الشبهة لهذه الأدلة المذكورة كما أن في هذا القول ردًا للأسباب وقد دلت الأدلة المذكورة على مشروعيته فمن لم يأخذ بالأسباب فقد خالف تلك الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس.\rالسابع: إن هذه الشبهة فيها إبطال للحكم الربانية والعلل الإلهية حيث رتب الله ﷾ المسببات على الأسباب والمعلولات على العلل وربط بعضها ببعض على نظام دقيق يكفل ببقاء الكون ونظامه فمن أنكر هذا فقد خالف الحكمة في وضع الدنيا فإن الله تعالى وضع الأشياء على حكمة فوضع للآدمي يدًا يدافع بها ولسانًا ينطق به، وعقلًا يهديه إلى دفع المضار واجتلاب المصالح، وجعل الأغذية والأدوية لمصلحة الآدميين فمن أعرض عن استعمال ما خلق له وأرشد إليه فقد رفض أمر","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ١/ ٢٠٠، ومنهاج السنة النبوية: ٣/ ٢٣٢، وطريق الهجرتين، ص: ٣٨.\r(¬٢) تلبيس إبليس: ٣٦٥.\r(¬٣) منهاج السنة النبوية: ٥/ ٣٦٢، وانظر شفاء العليل: ٣٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048667,"book_id":1098,"shamela_page_id":315,"part":"1","page_num":330,"sequence_num":315,"body":"الشرع وعطل حكمة الصانع\" (¬١).\rالثامن: إن هذه الشبهة فيها إلغاء للأسباب، وهو نقص في العقل، قالت طائفة من العلماء (¬٢): \"الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع\" (¬٣).\rوإنما كان الالتفات إلى الأسباب شركًا، لأن معنى الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا لأنه لا يوجد سبب مستقل بمطلوب، بل لا بد من انضمام أسباب أخر إليه، وما ثَمَّ علة تامة إلا مشيئة الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا بد أيضًا من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود، فكل سبب فله شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده لم يحصل مسببه فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيده إن لم تصرف المفسدات، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع، وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي فليس في الوجود شيء واحد هو المقتضي بنفسه.\rوأما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها وسبب تام يستلزم مسببه فهذا باطل (¬٤).","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس: ٣٠٤ - ٣٠٥.\r(¬٢) نسبه في منهاج السنة: ٥/ ٣٦٦ إلى الغزالي وابن الجوزي.\r(¬٣) الفتاوى: ٨/ ١٦٩، ١٧٠، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٦٦، والآداب الشرعية: ٢/ ٢٨٦.\r(¬٤) الفتاوى: ٨/ ١٦٧، ١٦٩، ١٣٣، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048668,"book_id":1098,"shamela_page_id":316,"part":"1","page_num":331,"sequence_num":316,"body":"هذا ومما ينبغي أن يعلم أنه بعد انتفاء المانع ووجود المقتضي فلا بد من تسخير مسبب الأسباب وخالق الأسباب كلها سواء كانت حركة حي باختياره وقصده، كما يحدثه تعالى بحركة الملائكة والجن والإنس والبهائم، أو حركة جماد بما يجعل الله فيه من الطبع أو بقاسر يقسره كحركة الرياح والمياه فالله خالق ذلك كله فإنه لا حول ولا قوة إلا به وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فالرجاء يجب أن يكون كله للرب والتوكل عليه والدعاء له فإنه إن شاء ذلك ويسره كان وتيسر ولو لم يشأ الناس، وإن لم يشأه ولم ييسره لم يكن وإن شاءه الناس (¬١).\rوإنما كان محو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصًا في العقل، كما أنه قدح في الشرع لأن في ذلك مخالفة لما تشهد له العقول والفطر السليمة كما أن فيه مخالفة لما شرعه الله تعالى من طلب الأسباب، فمن رفض الأسباب صار مخالفًا لما يقتضيه العقل والشرع فهو نقص في العقل، كما أنه قدح في الشرع لأن الشارع جعل أفعال العباد سببًا لما نيط بها فهي سبب في وجود ما علق عليها والعقل السليم لا ينكر ذلك لأنه أمر مشاهد محسوس وإنما ينكر ذلك العقل الذي أصابه خلل من مرض الجهل والشبهات، إذ العقل السليم يعرف أن ما أمر الله به من العبادات والدعوات والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب فيما نيط بها من العبادات، وكذلك ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي من أعظم الأسباب لما علق بها من شقاوات، وكذلك الدعاء والتوكل من أعظم الأسباب لما جعله الله سببًا له فمن قال: ما قدر لي فهو يحصل لي دعوت أو لم أدع، وتوكلت أو لم أتوكل فهو بمنزلة من يقول: ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي آمنت أو لم أؤمن وأطعت أم عصيت، ومعلوم أن هذا ضلال وكفر وإن كان الأول ليس في مثل هذا الضلال (¬٢).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٨/ ١٦٦.\r(¬٢) الفتاوى: ٨/ ١٧٥ - ١٧٧، ويراجع زاد المعاد: ٢/ ٣٦٣، وشفاء العليل: ٣٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048669,"book_id":1098,"shamela_page_id":317,"part":"1","page_num":332,"sequence_num":317,"body":"فتبين بهذا التقرير أن نفي الأسباب نقص واضح في العقل، وقدح في الشرع.\rوقد ذكر ابن الجوزي ﵀ أن الإعراض عن الأسباب إنما كان قدحًا في الشرع لأنه ترك لما أمر الله به ولأنه طلب لتعاطي رتبة تَرْقَى على رتبة الأنبياء لأن موسى ﵇ لما قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] خرج ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه أجر نفسه ثمان سنين … (¬١).\rومما يدل على أن إنكار الأسباب قدح في الشرع ما ثبت من إنكار الله تعالى في كتابه العزيز على من ظن أن وجود الأسباب كعدمها، وأنه لا فرق بين ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وأبغضه، فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].\rوقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦].\rوقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].\rوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].\rوقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس: ٢٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048670,"book_id":1098,"shamela_page_id":318,"part":"1","page_num":333,"sequence_num":318,"body":"وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].\rفقد أنكر الله تعالى في هذه الآيات على من ظن أن وجود الأسباب كعدمها (¬١)، فثبت بهذا كون إنكار الأسباب قدحًا فيما جاءت به الشريعة.\rالتاسع (¬٢): إن هذا القول يلزم القائل به أمور في غاية الشناعة:\rأحدها: أن لا يعمل الأسباب التي توصله إلى منافعه الدنيوية فيلزمه أن يترك الأكل والشرب ويقول: إن قضى لي الشبع والري فلا بد أن يصل إليَّ سواء أكلت وشربت أو تركت، وعليه أن لا يلبس إذا برد ولا يتزوج وأن لا يأتي أهله إذا أراد الولد وأن لا يتداوى إذا مرض، وأن يلقى الكفار بدون سلاح، وإذا أراد الحج أن لا يسافر ولا يتحرك بل يجلس في بيته، وإذا أراد أن يتحصل على الزرع فعليه أن لا يحرث ولا يزرع.\rفهذه الأمور الشنيعة قد التزم ببعضها بعض أهل الضلال من هؤلاء، فقد قال العز بن عبد السلام ﵀: ولقد قال بعض مشايخ الضلال منهم: \"لا يجوز التداوي لأنه شرك واعتماد على الأسباب فكان جوابه: أن لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يركب ولا يدفع عن نفسه من أراد قتله ولا عن أهله من قصدهم بالزنا والفواحش فبهت الذي فجر والله لا يهديه وأمثاله إلى الحق والصواب\" (¬٣).\rثانيها (¬٤): أن لا يطالب بشيء إذا أفسدوا عليه أمواله أو قتلوا أولاده، أو ضربوه أو سبوه أو اعتدوا على عرضه وحرمته وعليه أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ولا يذمه، ولا يلتزم بهذا من له أدنى","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٢٨، وجواب أهل العلم والإيمان: ١٧٣.\r(¬٢) انظر هذا الوجه في فتاوى العز بن عبد السلام: ٩٩، وزاد المعاد: ٤/ ١٥ - ١٦، و ٣/ ٤٨١، وتفسير الرازي: ١٤/ ١٣٥، وتلبيس إبليس: ٢٨٧.\r(¬٣) فتاوى العز بن عبد السلام: ٩٩.\r(¬٤) انظر هذا الوجه في منهاج السنة: ٣/ ٢٣، ٥٥، ٥٦، ٥٧، وزاد المعاد: ٤/ ١٦، والتدمرية ص: ٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048671,"book_id":1098,"shamela_page_id":319,"part":"1","page_num":334,"sequence_num":319,"body":"مسكة من عقل بل فطر الله الحيوان على حب الانتقام والجزاء عند الاعتداء عليه، فهذا أمر ممتنع في الفطرة لا يمكن أحدًا أن يفعله فهو ممتنع طبعًا محرم شرعًا، ففي هذا مخالفة لسنة الله الكونية والشرعية.\rثالثها (¬١): أن لا يقول بمعاقبة الكفار ولا بجهادهم وقتالهم ولا بإقامة الحدود ولا يلوم إبليس ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ولا ينكر أي منكر وقع في الأرض ولا أي فساد في المجتمع.\rرابعها: أن يقول: لا حاجة بنا إلى الطاعة والإيمان لأن ما قضاه الله من الثواب والعقاب لا بد وما يدري هذا القائل الأخرق الأحمق أن الله قد رتب مصالح الدنيا والآخرة على الأسباب بناء على ما سبق به القضاء لا بغيره (¬٢). ومع وضوح شناعة هذا اللازم قد التزم به بعضهم حتى قال: \"لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها فإن من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن\" (¬٣).\rوالحاصل أن الاحتجاج بالقضاء والقدر ليس حجة مقبولة فإن القدر يؤمن به ولا يحتج به، فإن المحتج به فاسد العقل والدين ولا بد أن يتناقض ولا يستطيع أحد أن يلتزم بما يترتب عليه من المفاسد الشنيعة فلهذا كان الاحتجاج بالقدر باطلًا بطلانًا ضروريًا مستقرًا في جميع الفطر والعقول، وهذا أمر جبل الله عليه الناس كلهم مسلمهم وكافرهم لا يحتجون به، ولكون الاحتجاج به باطلًا في فِطَر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة من الأمم ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزمًا مع الآخر نوعًا من الشرع (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر هذا الوجه في الفتاوى: ٢/ ٣٢٣، ومنهاج السنّة: ٣/ ٨١.\r(¬٢) العز بن عبد السلام، فتاويه: ٩٩، وانظر هذا الإلزام في تفسير الرازي أيضًا: ١٤/ ١٣٥.\r(¬٣) جامع الرسائل: ١/ ٩٢.\r(¬٤) منهاج السنة: ٣/ ٦٥، ٦٦، ٨٤، ١٥٠، ٢٣٠ - ٢٣١، والفتاوى: ٢/ ٣٢٣، والتدمرية ص: ٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048672,"book_id":1098,"shamela_page_id":320,"part":"1","page_num":335,"sequence_num":320,"body":"هذا وقد تبين مما سبق بطلان هذه الشبهة وفسادها وما تؤدي إليه من لوازم في غاية الشناعة، وهذا عاقبة من يترك منهج الكتاب والسنة وآثار السلف ويتبع زبالة الأفكار، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والاتباع إنه المستعان وولي ذلك والقادر عليه.\r\rمناقشة الشبهة الثانية وهي: استدلالهم بعلم الله تعالى على عدم طلب الدعاء:\rقد أكثر الصوفية من الاستدلال والاحتجاج بعلم الله تعالى على عدم الحاجة إلى الدعاء حتى عد بعضهم هذا الأمر أصلًا من أصول طريقتهم، فقد روى الطوسي (¬١) الصوفي عند ذكر أصول طريقتهم عن بعضهم أنه قال: \"أصلنا السكوت، والاكتفاء بعلم الله ﷿\" (¬٢).\rوهذا يدل على مدى اعتمادهم في عدم الحاجة إلى الدعاء على العلم، وقد تقدم نقل بعض كلامهم، كما يؤكد هذا ما ذكرناه من تعلقهم بما روي عن إبراهيم الخليل ﵇: \"حسبي من سؤالي علمه بحالي\".\rوأصل شبهتهم ظنهم أن مجرد علم الله بالشيء يكفي في وجوده ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب.\rوهذا الظن باطل من أساسه وغير صحيح، وهو جهل بحقيقة علم الله تعالى وما يقتضيه فإن علم الله بالشيء لا يقتضي عدم طلبه من الله تعالى، قال ابن الجوزي: \"هذا سد لباب السؤال والدعاء، وهو جهل بالعلم\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) هو عبد الله بن علي أبو نصر السراج الزاهد شيخ الصوفية وصاحب كتاب اللمع، ت ٣٧٨ هـ، العبر: ٢/ ١٥١.\r(¬٢) اللمع ص: ٢٨٩، ذكره عن أبي عثمان الصوفي.\r(¬٣) تلبيس إبليس: ٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048673,"book_id":1098,"shamela_page_id":321,"part":"1","page_num":336,"sequence_num":321,"body":"وإنما صار هذا الظن جهلًا بالعلم لوجهين ذكرهما شيخ الإسلام:\rأحدهما: أن العلم يطابق المعلوم، ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب لأن ذلك هو الواقع فمن قال: إنه يعلم شيئًا بدون الأسباب فقد قال على الله الباطل، وهو بمنزلة من قال: إن الله يعلم أن هذا الولد ولد بلا أبوين وأن هذا النبات نبت بلا ماء.\rثانيهما: أن العلم ليس موجبًا بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء، بل هو مطابق له على ما هو عليه لا يكسبه صفة ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا، كالموجودات التي كانت قبل وجودنا مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته فإن هذا العلم ليس مؤثرًا في وجود المعلوم باتفاق العلماء، وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرفنا صفته وقدره فإن الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممن له شعور وعلم، إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم (¬١).\rوالحاصل أن علم الله بما سيكون لا يكون هو المؤثر في وجوده بدون الأسباب التي علمها الله وجوده بها فإن ذلك يخالف الواقع الذي علمه الله تعالى لأنه يعلم الأشياء على ما هي عليه فإذا كانت تقع بسبب، علمها تقع بسبب لا بدون سبب، فإذا حصل الدعاء من العبد علمنا أن المعلوم لله تعالى والذي قدره الله تعالى هو الدعاء، وإذا لم يحصل الدعاء من العبد علمنا أن المعلوم لله تعالى والذي قدره الله تعالى هو عدم الدعاء (¬٢).\rوأما مناقشة استدلالهم بما روي عن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا السلام فتتلخص في ناحيتين:","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٨/ ٢٨٠، وجامع الرسائل: ١/ ١٧٢.\r(¬٢) الفتاوى: ٨/ ١٩٥ - ١٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048674,"book_id":1098,"shamela_page_id":322,"part":"1","page_num":337,"sequence_num":322,"body":"أ - ناحية الإسناد:\rقد ذكره البغوي في تفسيره بصيغة تشعر بالضعف حيث قال: \"وروي عن أبي بن كعب\" فذكره (¬١) بدون إسناد ولم نطلع له على إسناد لا ضعيف ولا قوي ومن هنا قال ابن تيمية ﵀:\r\"ليس له إسناد معروف وهو باطل\" (¬٢).\rونقل صاحب تنزيه الشريعة عن ابن تيمية أنه قال: \"موضوع\" وأقره (¬٣)، وقال الألباني: \"لا أصل له\" (¬٤)\rب - من جهة المعنى:\r١ - إن الذي ثبت في الصحيح (¬٥) عن ابن عباس أنه قال: \"حسبي الله ونعم الوكيل\" قال ابن عباس قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\rوهذا لا يقتضي امتناعه عن سؤال الله تعالى كما هو ظاهر.\r٢ - يناقضه ما ذكره الله تعالى عنه في كتابه من دعواته وابتهالاته ولجوئه إلى الله تعالى في الشدائد مثل ما حكى عنه من دعائه عند فراق زوجه وولده الوحيد ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ … ﴾ الآيات [إبراهيم: ٣٧ - ٤١]، ومن الأدلة على وضع الحديث مخالفته للقطعي من الكتاب والسنة أو المعقول الصريح، قال ابن الجوزي: \"ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول،","footnotes":"(¬١) معالم التنزيل: ٣/ ٢٥٠.\r(¬٢) قاعدة في التوسل ص: ٣٥.\r(¬٣) تنزيه الشريعة: ١/ ٢٥٠.\r(¬٤) السلسلة الضعيفة: ١/ ٢٨ رقم ٢١.\r(¬٥) أخرجه البخاري: ٨/ ٢٢٩ رقم ٤٥٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048675,"book_id":1098,"shamela_page_id":323,"part":"1","page_num":338,"sequence_num":323,"body":"أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع\" (¬١).\r٣ - يناقضه أيضًا ما روي عنه أنه قال: \"اللهم إنك واحد في السماء، وأنا في الأرض واحد أعبدك\" (¬٢) وهذا تعرض للسؤال وإخبار عن حاله، وهو أبلغ السؤال كما تقدم.\r٤ - ثم كيف يقول الخليل ﵇: \"حسبي من سؤالي علمه بحالي، والله بكل شيء عليم وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابًا لما يرتبه عليها من إثابة العابدين وإجابة السائلين وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تقضي بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته\" (¬٣).\r\rمناقشة الشبهة الثالثة: وهي قولهم أن فيه سوء الأدب واتهام الله تعالى بعدم إعطائه لعبده ما يستحق وإن ترك الدعاء من مقام الخواص:\rالجواب: إنه يلزم على هذا القول أن الأنبياء أساؤوا الأدب مع الله تعالى وأنهم اتهموه وقد طلبوا من الله تعالى حوائج الدنيا والآخرة وقد حكى الله لنا ابتهالاتهم ومناجاتهم التي استغاثوا فيها بالله تعالى وطلبوا حوائج الدنيا والآخرة.","footnotes":"(¬١) تدريب الراوي: ١/ ٢٧٧، وفتح المغيث: ١/ ٢٦٩.\r(¬٢) أخرجه عثمان الدارمي في النقض على المريسي ص: ٩٥، وأبو نعيم في الحلية: ١/ ١٩، ومن طريقه ابن قدامة في العلو: رقم ٤٢، ونسبه ابن كثير في التفسير: ٣/ ١٨٤، وابن القيم في تهذيب السنن: ٧/ ١١٣ إلى مسند الحسن بن سفيان والهيثمي في الزوائد: ٨/ ٢٠١، إلى البزار، قال الذهبي في العلو ص ٢١: حسن الإسناد.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048676,"book_id":1098,"shamela_page_id":324,"part":"1","page_num":339,"sequence_num":324,"body":"قال المقبلي اليمني ﵀ في رد هذا القول: إنه \"بدعة خلاف صرائح الكتاب والسنة فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يتحاموا طلب الحوائج وأثنى الله عليهم لنقتدي بهم وعلمنا أيضًا في آيات كثيرة طلب الحوائج.\rفهذه الدعوى من المتصوفة وإن كان ظاهرها أنها خصلة جميلة فهي دعوى كاذبة لأنه لا أحد أعرف في الوثوق بربه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.\rوهكذا تكون البدع التي يغتر بها حسنة الظاهر قبيحة المخبر وما يعقلها إلا العالمون\" (¬١).\rفتبين بهذا أنه ليس في الدعاء سوء الأدب ولا اتهام الله تعالى بل هو دأب عباد الله الصالحين ومقام خواص عباد الله من النبيين والصديقين والشهداء، لكن إذا دعا الرجل بما فيه حظ النفس يمكن اعتباره من حظ العامة.\rقال شيخ الإسلام ﵀ ما معناه: يمكن أن الدعاء من حظوظ العامة إذا كان الذي دعا به من الأمور المباحة التي فيها حظوظ للنفس، وأما إذا كان يدعو بالاستعانة على طاعات الله وعلى الاستقامة والنصر على أعداء الله والتمكن في الدعوة إلى الله فلا، ففي هذه الحالة فالدعاء إما واجب أو مستحب، وأما إذا دعا الله في حصول المحرمات فهو من الظالمين لأنفسهم (¬٢).\rمناقشة تعلق بعضهم بأن الدعاء لا يجوز بما ثبت أنه مضمون الحصول كدعاء آخر البقرة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا … ﴾.\rالجواب: إن أحسن الدعاء ما ورد في القرآن والسنة فكيف ينهى","footnotes":"(¬١) العلم الشامخ ص: ٣٨ - ٤٠، وذكر نحوه في ص: ٤٦٠.\r(¬٢) الفتاوي: ١٠/ ٣٦، ١٨ و ٥٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048677,"book_id":1098,"shamela_page_id":325,"part":"1","page_num":340,"sequence_num":325,"body":"عنه، ثم لو كان الدعاء بتحصيل ما هو مضمون الوقوع ممنوعًا لما ساغ الدعاء بالصلاة على النبي ﷺ ولا بالوسيلة له ولا بلعن الشياطين ونحو ذلك مما فيه إظهار العجز والعبودية أو الرغبة بحب النبي ﷺ أو حب الدين أو النفرة عن فعل الكافرين (¬١). ثم إنه يمكن حمله على طلب مثله أو الإجابة بإعطاء العوض في الدنيا والآخرة (¬٢).\rوسيأتي مزيد مناقشة لهذا القول إن شاء الله تعالى (¬٣).\r\rج - المذهب الثالث:\rإن الدعاء علامة وأمارة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول، وجعلوا ارتباطه المطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق وبمنزلة رؤية الغيم الأسود البارد في زمن الشتاء وإن ذلك دليل وعلامة على أنه ممطر وقالوا مثل ذلك في حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب لذلك. وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والإزهاق مع القتل ليس شيء من ذلك سببًا البتة ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي لا التأثير السببي (¬٤).\rوهذا القول \"هو قول من ينفي الأسباب في الخلق والأمر ويقول: إن الله يفعل عندها لا بها، وهو قول طائفة من متكلمي أهل الإثبات للقدر كالأشعري وغيره وهو قول طائفة من الفقهاء والصوفية\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) حاشية ابن عابدين على الدر: ١/ ٥٢٢.\r(¬٢) أنوار البروق: ٤/ ٢٧٤.\r(¬٣) سيأتي ص: ٤٠٦.\r(¬٤) جامع الرسائل: ١/ ٨٨، واقتضاء الصراط: ٣٥٨، والفتاوي: ٨/ ١٩٢، ٥٣١، والجواب الكافي: ١٥.\r(¬٥) جامع الرسائل: ١/ ٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048678,"book_id":1098,"shamela_page_id":326,"part":"1","page_num":341,"sequence_num":326,"body":"مناقشة هذا المذهب:\rذكرنا فيما مضى أن إنكار الأسباب مضلة في الفكر ونقصان في العقل وأن الله سبحانه قد أنكر على من سوى بين وجود الأسباب وعدمها بما فيه الكفاية وفي ذلك رد على هذا القول، إلا أن هذا القول لم ينكر في الظاهر وجود الأسباب وإن كان في الحقيقة يؤدي إلى إنكارها ويؤول إلى الجبر لأنه يقول أن الأشياء توجد عند الأسباب لا بها، فالأشياء توجد مقترنة بالأسباب لا بالأسباب.\rوهذا هو الرأي المعروف بكسب الأشعري (¬١).\rوقد اختلف الناس في الأسباب من قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات على أربعة أقوال:\r١ - قول من ينكر الأسباب بالكلية وأنها ليست أسبابًا وأن وجودها كعدمها وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي كاقتران الدليل بالمدلول، فهذا هو قول الأشعري ومن تبعه من أهل الكلام.\r٢ - قول الطبعيين الذين يجعلونها عللًا مقتضية مؤثرة بنفسها.\r٣ - قول المعتزلة الذين يفرقون بين أفعال الحيوان وغيرها.\r٤ - القول الرابع قول أهل السنة والجماعة الذين يعترفون بالأسباب وأن الله ربط الأسباب بالمسببات \"وأن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار وقدرته مؤثرة في مقدورها كما تؤثر القوى والطبائع، وغير ذلك من الشروط والأسباب\" (¬٢).\rفالأقوال الثلاثة الأول باطلة، فأما بطلان قول الطبعيين والمعتزلة","footnotes":"(¬١) انظر معنى الكسب عندهم في أصول الدين للبغدادي ص: ١٣٣ - ١٣٤، ومحصل الرازي ص: ٢٨٧، والمواقف للأيجي: ٣١١ - ٣١٢، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٠٩.\r(¬٢) منهاج السنة: ٣/ ١٠٩، ١٢، والفتاوى: ٨/ ١٧٥، ١٣٧ - ١٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048679,"book_id":1098,"shamela_page_id":327,"part":"1","page_num":342,"sequence_num":327,"body":"فواضح وأما بطلان قول الأشعري ومن تبعه فكذلك لأنه مخالف للحس والعقل ولفظ القرآن وهو أحد عجائب الدنيا الغريبة والتي هي غير معقولة لا يصدقها العقل وأنشد في ذلك بعضهم:\rمما يقال ولا حقيقة تحته … معقولة تدنو إلى الأفهام\rالكسب عند الأشعري والحال عند … البهشمي وطفرة النظام (¬١)\rأما كونه مخالفًا للحس والعقل فلأن الحس والعقل يشهدان بأنها أسباب ويعلمان الفروق بين الجبهة وبين العين في اختصاص أحدهما بقوة ليست في الآخر وبين الخبز والحصى في أن أحدهما يحصل به الغذاء دون الآخر (¬٢).\rوعند التأمل فقول الأشاعرة بالكسب يؤول إلى الجبر فلا فرق في الحقيقة بين الجبر وبين الكسب المزعوم.\rذكر الألوسي ﵀ أن الضرورة تكذب قول الجبرية القائلين بأن أفعال العباد كحركة المرتعش وأن القول بأن لهم قدرة غير مؤثرة كاليد المشلولة كما هو الشائع من مذاهب الأشاعرة يؤول إلى قول الجبرية إذ لا فرق بين قدرة لا أثر لها وبين عدم القدرة بالكلية إلا بما هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وأن القول بأن لهم قدرة مستقلة يفعلون بها ما شاؤوا كما هو قول المعتزلة، ترده النصوص القواطع، وأن صدور الفعل من العباد يستدعي قدرة يكون بها الإيجاد، وأن تفسير ذلك بالكسب لا يرتضيه المنصف العاقل، وأن القول بأن للعباد قُدَرًا مؤثرة بإذن الله وإعانته هو اللبن السائغ الذي يخرج من بين فرث ودم بلا جبر ولا تفويض (¬٣). وهذا الكلام الذي ذكره الألوسي ﵀ هو الحق الذي لا مرية فيه، وهو الذي يجب قبوله على المنصف، وقد","footnotes":"(¬١) منهاج السنة: ١/ ٤٥٩.\r(¬٢) الفتاوى: ٨/ ١٧٥.\r(¬٣) روح المعاني: ١/ ٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048680,"book_id":1098,"shamela_page_id":328,"part":"1","page_num":343,"sequence_num":328,"body":"اعترف كبار الأشاعرة بأن الكسب اسم بلا حقيقة.\rقال الرازي بعد أن أورد إشكالات في معنى الكسب: وعند هذا التحقيق يظهر أن الكسب اسم بلا مسمى\" (¬١).\rوأما مخالفته للقرآن فلأن الله تعالى صرح في القرآن بأنه يفعل بهذه الأسباب لا عندها، قال تعالى:\r١ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧].\r٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩].\r٣ - وقال سبحانه ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].\r٤ - وقال جل وعلا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].\r٥ - وقال عز من قائل: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦].\rوقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤].\rوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢].\rوقال ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة: \"إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وإن الله جاعل بصلاتي عليهم نورًا\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص: ٢٨٨.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥ رقم ١٣٣٧، ومسلم: ٢/ ٦٥٩، وأبو داود: ٣/ ٥٤١ رقم ٣٢٠٣، وابن ماجه: ١/ ٤٨٩ رقم ١٥٢٧، وأحمد في المسند: ٢/ ٣٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048681,"book_id":1098,"shamela_page_id":329,"part":"1","page_num":344,"sequence_num":329,"body":"فمن قال يفعل عندها لا بها فقد خالف لفظ القرآن والسنة (¬١).\rوقد عرفت بهذا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الحق لموافقته للكتاب والسنة والعقل والحس.\rثم إن معنى إثبات أهل السنة والجماعة للأسباب ليس معناه أنها هي المؤثرة بنفسها وأنها علل مقتضية لا يتخلف عنها معلولها كما هو مذهب الطبعيين بل هم يقولون: إن الله جعلها أسبابًا لمسبباتها، وإنه لا بد من صرف الله عنها الموانع ثم إنه لا بد من تسخير الله تعالى لتلك الأسباب وإبقاء مفعوليتها.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وليس من الأسباب ما هو مستقل بوجود المسبب لكن له شريك فيه وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده، لم يحصل مسببه، ومن هنا لا يوجد ما هو علة تامة تستلزم معلولها إلا مشيئة الله تعالى فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن\" (¬٢).\rوهذا الكلام من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حقيقة الأسباب وأنه ليس في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها ولا سبب تام يستلزم مسببه يرد على ما زعمه البوطي وشنع به على شيخ الإسلام من أنه بإثباته القوة التي وضعها الله في الأشياء جنح إلى رأي الفلاسفة وقلدهم وخالف أهل السنة والجماعة (¬٣) - أي الأشاعرة - وأنه تناقض.\rوحاصل شبهاته تدور على الآتي:","footnotes":"(¬١) انظر في هذا الفتاوى: ٨/ ١٧٥، ١٣٧، ١٣٨، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٦٣ - ٣٦٦، و ٣/ ١١٣ - ١١٤.\r(¬٢) بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧، وانظر أيضًا الفتاوى: ٨/ ١٦٧، ومنهاج السنة: ٣/ ١١٥، وجامع الرسائل: ٢/ ٢١٠، والتدمرية ص: ٥٧.\r(¬٣) السلفية مرحلة: ١٧٣ - ١٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048682,"book_id":1098,"shamela_page_id":330,"part":"1","page_num":345,"sequence_num":330,"body":"١ - أن إثبات الأسباب يتنافى مع صفات الربوبية والألوهية (¬١).\r٢ - أننا لم نصل إلى الآن إلى الكشف عن تلك القوة المودعة، كما أن الله لم يخبرنا عنها (¬٢). فإذا هي خيالات وأوهام، وسمى هذه الشبهة منطق العلم (¬٣).\r٣ - يؤول ما ورد من حروف السببية والتعليل في كتاب الله تعالى لئلا يتعارض مع النصوص الأخرى (¬٤).\r\rمناقشة هذه الشبهة:\rأقول وبالله التوفيق: إن هذه المسألة مبنية على مسألة قدرة العبد وهي المعروفة بكسب الأشعري التي هي إحدى محالات علم الكلام.\rفلهذا لا نطيل الكلام عليها وإنما نشير إلى ما يتعلق بالموضوع:\r١ - إن ما زعمه من التنافي مع صفات الربوبية والألوهية غير وارد أصلًا وذلك لأنه إنما يرد لو أثبتنا أسبابًا وعللًا مستقلة وقد علمت أن الشيخ ﵀ يقول ما نصه: \"وأما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها وسبب تام يستلزم مسببه فهذا باطل\" (¬٥).\rويقول أيضًا: \"إنه ليس في الوجود سبب يستقل بحكم، بل كل سبب فهو مفتقر إلى أمور أخرى تضم إليه، وله موانع وعوائق تمنع موجبه وما ثَمَّ سبب مستقل إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن\" (¬٦) ويقول أيضًا: \"وهو - أي الله - وإن كان قد خلق ما خلقه بأسباب","footnotes":"(¬١) السلفية مرحلة: ١٧٦، ١٨٤، الأولى أن يقتصر على صفات الربوبية راجع ما تقدم ص: ٢٥٣.\r(¬٢) المصدر نفسه: ١٨٢.\r(¬٣) المصدر نفسه: ١٨٤.\r(¬٤) المصدر نفسه: ١٧٧.\r(¬٥) الفتاوى: ٨/ ١٦٧.\r(¬٦) منهاج السنة النبوية: ٥/ ٣٦٧، ونحوه في: ٣/ ١١٥، ونحوه في: ٣/ ١٢، ونحوه في الفتاوى: ١/ ١٣٧، وقاعدة التوسل: ١٢١ - ١٢٢، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٠٨.\r٣٤٥","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048683,"book_id":1098,"shamela_page_id":331,"part":"1","page_num":346,"sequence_num":331,"body":"فهو خالق السبب والمقدر له وهو مفتقر إليه كافتقار هذا وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضر\" (¬١).\rكما أنه يبين أن تأثير الأسباب مشروط بشرطين وهما:\r١ - وجود المقتضي. ٢ - عدم الموانع.\rثم مع هذين الشرطين يشترط شرطًا آخر وهو الأهم وهو أنه لا بد من تسخير مسبب الأسباب وإبقائه لها وتيسيره ذلك، وبهذا تبين أنه لا منافاة بين الأسباب وصفات الربوبية.\rوقد مثل البوطي بصفة القيومية وزعم أننا لو قلنا بالسببية الحقيقية للزم \"أن الأشياء بعد أن أودعت فيها قواها المزعومة أصبحت تؤدي مهماتها استقلالًا ودونما حاجة إلى عون مستمر فتصبح كجهاز العقل الآلي المعروف اليوم\" (¬٢).\rوقد عرفت أن هذا إنما يلزم لو قلنا: إنها سبب تام مستقل إلخ، ولم يدع ذلك أحد ممن هو يرد عليه.\r٢ - إن ما ادعاه أن من حروف السببية والتعليل في كتاب الله تعالى مؤولة لأن هناك نصوصًا صريحة محذرة من أن تفهم معاني هذه الحروف على حقيقتها في حق الله تعالى (¬٣) .. هذا الكلام فيه وجوه:\r١ - أنه ظن أن الآيات التي تدل على السببية والتعليل - وهي أكثر من ألف موضع في القرآن كما قاله ابن القيم (¬٤) - تتعارض وتتنافى مع الآيات التي تدل على تفرد الله بالخلق والإيجاد وهي أيضًا كثيرة.","footnotes":"(¬١) العبودية ص: ١١٧ - ١١٨.\r(¬٢) السلفية: ١٧٧.\r(¬٣) السلفية مرحلة: ١٧٧.\r(¬٤) الجواب الكافي ص: ١٦، وذكر في شفاء العليل ص: ٣٩٧ أن ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لو تتبع لزاد على عشرة آلاف موضع وأن ذلك حقيقة وليس مبالغة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048684,"book_id":1098,"shamela_page_id":332,"part":"1","page_num":347,"sequence_num":332,"body":"وهذا الظن باطل لا أساس له لأننا كما تقدم لا نرى سببًا تامًا ولا علة تامة وإنما هي أسباب جعلها الله تعالى، إن شاء أبقى سببيتها وإن شاء سلبها السببية وأبطل مفعولها، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\r٢ - أن البوطي نفسه ذكر في أول كتابه الذي زعم فيه هذا الكلام السابق اتفاق علماء اللغة على أن الحقيقة لا يعدل عنها إلا لضرورة في الكلام، ولا ضرورة هنا تلجئ إلى تأويل أكثر من ألف موضع في القرآن الكريم.\r٣ - ثم إنه استدل بما وقع لمريم في قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ وأن هذا التساقط ليس من قوة الهز وإنما هو من الله تعالى.\rالجواب: أننا لم نزعم أن الأسباب لازمة ولا يَحْرِقُها الله تعالى وقد علم أن العلماء سموا مثل هذا خوارق العادة فالله سبحانه يخرق الأسباب والعادات إن شاء وإن شاء أبقاها على عادتها.\r٤ - وأما ما زعم من أن القوة لو كانت موجودة لرأيناها أو لاخبرنا الله بها … إلخ.\rفمن المعلوم عقلًا عدم الملازمة بين وجود الشيء وبين رؤيته كما في الروح والنفس والحرارة والبرودة، وأما إخبار الله تعالى بذلك فقد حصل ففي أكثر من ألف موضع ذكر ما يفيد ذلك.\r٥ - وأما ما زعمه من تناقض ابن تيمية (¬١) فذلك إنما حصل للبوطي هذا الظن من عدم استيعابه لكلام الشيخ أو من سوء الظن أو غير ذلك، وأما لو أطراف كلامه وتتبعه في مظانه لعلم يقينًا أنه ليس هناك تناقض وقد نقلت فيما مضى ما يفيد ذلك ولله الحمد.","footnotes":"(¬١) السلفية مرحلة: ١٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048685,"book_id":1098,"shamela_page_id":333,"part":"1","page_num":348,"sequence_num":333,"body":"المذهب الرابع (¬١): أن الدعاء يرد القضاء ويغيره من قضاء إلى قضاء:\rوقد استدل هؤلاء بأدلة كثيرة أقواها الأحاديث المصرحة برد الدعاء للقضاء، ثم أحاديث الاستعاذة من سوء القضاء، فمن الأحاديث التي تدل على رد الدعاء للقضاء:\r١ - حديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلّا البر\" (¬٢).\r٢ - وحديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزيد في العمر إلّا البر، ولا يرد القدر إلَّا الدعاء، وإنَّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر عن هذا المذهب: شأن الدعاء للخطابي ص: ٧، وقطر الولي للشوكاني: ٤٧٩ - ٤٩٨، وقد نصر فيه هذا المذهب وقواه كما فعل ذلك في رسالتين مستقلتين:\rإحداهما: في أن إجابة الدعاء لا ينافي القضاء طبعت ضمن مجموع للشوكاني باسم أمناء الشريعة، من ص ١٣٠ - ١٣٥.\rوثانيتهما: سماها باسم تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصه من الدلائل، طبعت مع المجموع المذكور من ص ١١٢ - ١٢٨، وقد تعسف الشوكاني ﵀ في تقوية هذا المذهب في هذه الرسائل وعليه مآخذ كثيرة في رده على الجمهور وكثير من تلك المآخذ يفهم مما ذكرناه فيما سبق.\r(¬٢) أخرجه الترمذي: ٤/ ٤٤٨ رقم ٢١٢٩، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٢٩٩ رقم ٣٠، وفي الكبير: ٦/ ٣٠٨، وحسنه الترمذي وقال الألباني بعد أن أطال الكلام عليه: \"والخلاصة: إن الحديث حسن كما قال الترمذي بالشاهد من حديث ثوبان … \" الصحيحة: ١/ ٢/ ٧٨ رقم ١٥٤ وحسنه أيضًا في صحيح الجامع: ٦/ ٢٣٠ رقم: ٧٥٦٤.\r(¬٣) أخرجه ابن ماجه: ٢/ ١٣٣٤ رقم ٢٢، وأحمد في المسند: ٥/ ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٠/ ٤٤١ رقم ٩٩١٦، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٩ رقم ٣١، والحاكم: ١/ ٤٩٣، وصححه ووافقه الذهبي واعترض عليهما الألباني بجهالة أحد رواته كما في الصحيحة: ١/ ٢/ ٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048686,"book_id":1098,"shamela_page_id":334,"part":"1","page_num":349,"sequence_num":334,"body":"٣ - وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء والبلاء ليعتلجان إلى يوم القيامة\" (¬١).\rومن الأحاديث التي تدل على الاستعاذة من شر القضاء:\r١ - ما ورد في حديث القنوت: \"وقني شر ما قضيت\" (¬٢).\r٢ - وما ورد في حديث أبي هريرة قال: \"كان النبي ﷺ يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء\" (¬٣).\r\rمناقشة هذه الأدلة:\rالجواب عن هذا:\r١ - إن هذه الأحاديث لو فرضنا أنها تكون معارضة لما يدل على","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٠ رقم ٢٢، والحاكم: ١/ ٤٩٢، والبزار كما في كشف الأستار: ٣/ ٢٩ رقم ٢١٦٥، والحديث صححه الحاكم وقال الذهبي: زكريا - وهو ابن منظور - مجمع على ضعفه وقال الهيثمي: وفيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري وضعفه الجمهور المجمع: ٧/ ٢٠٩\" وقد حسنه الألباني كما في صحيح الجامع: ٦/ ٢٤١ رقم ٧٦١٦، وله شاهد من حديث معاذ أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٤، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٨٠٠ رقم ٣٢، قال الهيثمي: \"رواه أحمد والطبراني، وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ، ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ضعيفة\" المجمع: ١٠/ ١٤٦، وله شاهد آخر من حديث ابن عمر أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٥٢ رقم ٣٥٤٨، والحاكم: ١/ ٤٩٣، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي وهو ضعيف من قبل حفظه، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن عبد الرحمن واه.\r(¬٢) أخرجه أحمد: ١/ ١٩٩، ٢٠٠، وأبو داود: ٢/ ١٣٣ رقم ١٤٢٥، والترمذي: ٢/ ٣٢٨ رقم: ٤٦٤، والنسائي: ٣/ ٢٠٦، وانظر الكلام على طرق هذا الحديث في تلخيص الحبير: ١/ ٢٤٧ - ٢٥٠، وإرواء الغليل: ٢/ ١٧٢، وقد صححه الألباني فيه.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ١١/ ١٤٨ رقم ٦٣٤٧، ومسلم: ٤/ ٢٠٨٠ رقم ٢٧٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048687,"book_id":1098,"shamela_page_id":335,"part":"1","page_num":350,"sequence_num":335,"body":"عدم تغيير ما سبق به القضاء، لكانت النصوص القطعية الدالة على عدم التغيير أقوى وأرجح، هذا على فرض الترجيح.\r٢ - الصحيح أنه ليس هناك تعارض فالجمع ممكن جدًا لأن هذا - كما تقدم - من رد القضاء بالقضاء والكل من قضاء الله وقدره، الرد والراد والمردود.\rولا يخرج شيء من قدر الله تعالى فالله الذي قدر البلاء هو الذي قدر دفعه بالدعاء أو غير ذلك من الأسباب، فالقضاء والقدر شامل للجميع وقد تقدم بيان ذلك بما فيه الكفاية.\r٣ - ليس في هذه الأحاديث ما يدل صراحة على أن الدعاء ليس داخلًا في القضاء، ويحمل رد القضاء بالدعاء الوارد في هذه الأحاديث على معنى أن الدعاء قد سبق به القضاء فهو سبب علق عليه المسبب في القضاء السابق أولًا وليس معناه أن الدعاء يأتي بقضاء جديد لم يسبق به القضاء، وذلك لما يلزم - لو ثبت ذلك - من عدم شمول القضاء لكل شيء، وهذا يتنافى مع النصوص الكثيرة الدالة على شمول القضاء.\rوبهذا تبين أن الدعاء لا يرد القضاء بمعنى أنه لا يأتي بقضاء جديد لم يسبق.\r\rالمذهب الخامس: التفريق بين الأمور:\rقال أصحاب هذا المذهب: \"إن الدعاء يكون مشروعًا نافعًا في بعض الأشياء دون بعض\" (¬١).\rوقالوا بعدم مشروعية الدعاء بطول العمر أو البقاء، وعللوا ذلك بأنه أمر قد فرغ منه، واستدلوا بما رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ: \"اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي","footnotes":"(¬١) شرح الطحاوية ص: ٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048688,"book_id":1098,"shamela_page_id":336,"part":"1","page_num":351,"sequence_num":336,"body":"أبي سفيان وبأخي معاوية\"، قال: فقال النبي ﷺ: \"قد سألت الله لآجالٍ مضروبةٍ، وأيام معدودةٍ، وأرزاقٍ مقسومةٍ، لن يعجل شيئًا قبل حله أو يؤخر شيئًا حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر، كان خيرًا وأفضل\" (¬١).\rواستدل لهم أيضًا بأن النبي ﷺ لم يقبل طلب الأنصار بالدعاء لهم برفع الحمى، فقال لهم: \"أو تصبرون؟ \" (¬٢).\rوقد روى هذا المذهب عن الإمام أحمد ﵀ فقد روي عنه أنه كان يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر فرغ منه، وقال غيره: \"إن الدعاء بطول البقاء محدث\" (¬٣).\rوقد ورد عن أحمد الدعاء للمتوكل بطول البقاء (¬٤) فهذا فيه نوع تناف مع ما روي عنه من كراهية الدعاء له بطول العمر وتعليله ذلك بأنه مفروغ منه.\rوأيد هذا المذهب شارح الطحاوية (¬٥) وذهب إلى أن الدعاء لا تأثير له في زيادة العمر بخلاف صلة الرحم ويمكن أن يعد من هذا المذهب ما ذهب إليه القرافي من عدم الدعاء بالأمر المقطوع فيه كرفع الخطأ والنسيان. وسيأتي (¬٦) مناقشة القرافي في هذا إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٥١ رقم ٢٦٦٣، وأحمد في المسند: ١/ ٣٩٠، ٤١٣، ٤٣٣، ٤٤٥.\r(¬٢) سيأتي تخريجه ص: ٣٨٤.\r(¬٣) غذاء الألباب: ١/ ٢٩٦، وشرح الطحاوية: ٩١.\r(¬٤) أخرجه عنه ابنه في كتاب السنة: ١/ ١٤٠ رقم ١٠٨، وذكره الذهبي في السير: ١١/ ٢٨٧.\r(¬٥) انظر شرح الطحاوية: ٩٠.\r(¬٦) سيأتي ص: ٤٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048689,"book_id":1098,"shamela_page_id":337,"part":"1","page_num":352,"sequence_num":337,"body":"مناقشة من يفرق في الدعاء بين الأشياء:\r١ - إن التفريق لا دليل عليه إذ الحجة بأنه أمر قد فرغ منه، فهذه الحجة موجودة في كل الأشياء فالكل مقدر قد فرغ منه (¬١).\r٢ - قد ثبت عن النبي ﷺ دعاؤه لبعض أصحابه بطول العمر، من ذلك دعاؤه ﷺ لأنس بطول العمر بقوله ﷺ: \"اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه\" (¬٢).\rوقد بوب البخاري في كتاب الدعوات فقال: باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله، فأورد دعاء النبي ﷺ لأنس (¬٣).\rوالظاهر أن البخاري يشير بهذا التبويب إلى الرد على من قال بعدم الدعاء بطول العمر والله أعلم.\rوقد دعا النبي ﷺ أيضًا لأبي اليَسَر كعب بن عمرو بطول العمر فقال: \"اللهم أمتعنا به\" وكان يحدث بهذا الحديث ويبكي ثم يقول: أمتعوا بي لعمري كنت آخرهم (¬٤). وروي أيضًا أنه ﷺ دعا بطول العمر لأم قيس ابنة محصن أخت عكاشة، قال الراوي: \"ولا نعلم امرأة عمرت ما عمرت\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) غذاء الألباب: ١/ ٢٩٧.\r(¬٢) أخرجه ابن سعد: ٧/ ١٩، وإسناده صحيح كما قاله الحافظ في الفتح: ٤/ ٢٢٩، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم ٦٥٣.\r(¬٣) البخاري مع الفتح: ١١/ ١٤٤، وليس في حديث أنس الذي ساقه البخاري التصريح بالدعاء بطول العمر، ولكن البخاري يشير بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه من الدعاء له بطول العمر كما قاله الحافظ في الفتح: ١١/ ١٤٤ - ١٤٥.\r(¬٤) أخرجه ابن إسحاق في السيرة كما في سيرة ابن هشام: ٣/ ٣٣٥، ومن طريقه الإمام أحمد في المسند: ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وفي إسناده راو مبهم، وانظر كونه آخر أهل بدر وفاة (ت ٥٥ هـ): في الكنى للدولابي: ١/ ٦٢، والإصابة: ٧/ ٤٦٨، والتهذيب: ٨/ ٤٣٨، والبداية: ٨/ ٨١.\r(¬٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد: ٢/ ١٠٧ رقم ٦٥٢، وأحمد في المسند: ٦/ ٣٥٥، والنسائي في السنن: ٤/ ٢٤ رقم الباب ٢٩، وفي إسناده أبو الحسن مولى =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048690,"book_id":1098,"shamela_page_id":338,"part":"1","page_num":353,"sequence_num":338,"body":"٣ - قد ثبت عن بعض الصحابة الدعاء بطول العمر، فقد دعا سعد بن أبي وقاص ﵁ بطول العمر على الرجل الذي قال: \"إن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال الراوي: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن\" (¬١).\rفتبين مما تقدم ثبوت الدعاء بطول العمر وأنه مشروع لا محذور فيه.\rوأما ما استدل به القائلون بالتفريق بين الأشياء في الدعاء من قول النبي ﷺ للأنصار: أوَ تصبرون؟، فيمكن أن يجاب عنه بأنه \"سؤال كشف وتعليم، فأوحى الله إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت، وأخر الدعاء، ويحتمل أنه رأى بهم جزعًا وقلة صبر فأمرهم به\" (¬٢).\rومما يبين هذا أن النبي ﷺ قد دعا برفع الحمى عن المدينة عند قدومه إليها وإصابة أبي بكر وبلال ﵄ بالحمى فقال ﷺ: \"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا، وفي مدنا وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة\" (¬٣).\rويمكن أن يجاب أيضًا عن حديث أم حبيبة ﵂ بأنه ﷺ علم بالوحي بأنه لا يزاد في أعمار هؤلاء الذين دعت لهم أم حبيبة أو يقال: إنه رأى حرصها الشديد على ذلك فمنعها، أو أنه ﷺ أرشدها إلى","footnotes":"= أم قيس قال الحافظ فيه: جهله ابن القطان. اهـ. التهذيب: ٢/ ٧٤.\r(¬١) أخرجه البخاري: ٢/ ٢٣٦ رقم ٧٥٥.\r(¬٢) إتحاف السادة: ٥/ ١١٨، والأزهية: ٤٩ - ٥٠.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٤/ ٩٩ رقم ١٨٨٩، ومسلم ٢/ ١٠٠٣ رقم ١٣٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048691,"book_id":1098,"shamela_page_id":339,"part":"1","page_num":354,"sequence_num":339,"body":"الأفضل وهو طلب الأمر الأخروي من الاستعاذة من النار، أو عذاب القبر دون النفع الدنيوي من التمتع بهؤلاء الذين ذكرتهم، ويدل لهذا قوله: \"كان خيرًا وأفضل\" فإن اسم التفضيل يدل على المشاركة والزيادة فأصل الخيرية والفضل ثابت لما دعت به والله أعلم.\rوأما التفريق بين صلة الرحم وبين الدعاء بأن الأول يزيد في العمر دون الثاني فيعترض عليه بأن كليهما سببان متماثلان، فأما أن نمنع تأثيرهما في المسببات أو نجيز تأثيرهما كباقي الأسباب الشرعية، ولا يجوز أن نفرق بين متماثلين بدون دليل واضح ولا يقال إن النص ورد في صلة الرحم بزيادة العمر لأننا نقول: إنه قد ورد النص أيضًا بالدعاء بطول العمر وثبت تأثيره في ذلك كما في دعاء النبي ﷺ لأنس وأبي اليسر وأم قيس ودعاء سعد بن أبي وقاص على الرجل، فكل هذا يدل على أنه لا فرق بين الأمرين والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048692,"book_id":1098,"shamela_page_id":340,"part":"1","page_num":355,"sequence_num":340,"body":"المبحث الثاني في الصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة وهو:\rالمذهب السادس: وهو الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة:\rوهو الصواب (¬١) الذي دل عليه الكتاب والسنة، والفطرة والعقل السليم وتجارب الأمم والواقع التاريخي، والمشاهدة والحس وهو أن الدعاء سبب من الأسباب وأن له تأثيرًا في المطلوب المسؤول كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وهذا يعترف به جماهير بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجرمين والمشركين (¬٢). ولم يشذ عن هذا إلا طوائف.\rبل هو شبه اتفاق بين أهل الملل وأساطين الفلاسفة حتى يذكر عن بطليموس (¬٣) أنه قال:\r\"واعلم أن ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون اللغات، على اختلاف الحاجات، يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات\" (¬٤)، فهذا","footnotes":"(¬١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٥٨، ومنهاج السنة: ٥/ ٣٦٢، ٣/ ٢١٣ - ٢١٤، وزاد المعاد: ٣/ ٤٨١.\r(¬٢) الفتاوى: ٨/ ١٩٥.\r(¬٣) هو القلوذي العالم المشهور صاحب كتاب المجسطي في الفلك إمام في الرياضة من فلاسفة اليونان، انظر الفهرست لابن النديم ص: ٣٥ - ٣٨.\r(¬٤) الرد على المنطقيين ص: ٢٧٢، ومنهاج السنة النبوية: ٥/ ٤٤٦، ونقل ابن مفلح =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048693,"book_id":1098,"shamela_page_id":341,"part":"1","page_num":356,"sequence_num":341,"body":"الفيلسوف يعترف ويقر بتأثير الدعاء لكنه يفسر ذلك التأثير على وجه يوافق عقيدته بتأثير الكواكب.\rوالدعاء مثل سائر الأسباب كالتوكل والصدقة … سبب لجلب المنافع ودفع المضار (¬١).\rثم الدعاء - مع ثبوت كونه سببًا - داخل في القضاء، ولا يخرج عن القضاء فإن الدعاء من جملة ما سبق به القضاء لأن الله سبحانه أحاط بكل شيء علمًا وقدر كل شيء تقديرًا ولا يمكن أن يخرج شيء عن قضائه، فلهذا فالدعاء نفسه داخل في القضاء فإذا قدر الدعاء وأنه سبب لكذا فلا بد أن يدعو الرجل وأن يتسبب ذلك فيما جعله الله سببًا فالدعاء سبب لجلب النفع كما أنه سبب لدفع البلاء فإذا كان أقوى منه دفعه وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه، لكن يخففه ويضعفه، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب.\rولهذا أمر ﷺ عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئة الله تعالى وقدرته من الصلاة، والدعاء، والذكر والاستغفار والتوبة، والإحسان بالصدقة والعتاقة، فإن هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه كما في الحديث: \"إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان\" (¬٢)، وهذا كما لو جاء عدو فإنه يدفع بالدعاء وفعل الخير وبالجهاد له وإذا هجم البرد يدفع باتخاذ الدفء، فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء (¬٣).","footnotes":"= عن شيخه ابن تيمية أنه قال: \"وأقر أولهم وآخرهم أن الله تعالى يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه\". اهـ. الفروع: ٦/ ١٧٨.\r(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٥٥٠.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ٣٤٩.\r(¬٣) منهاج السنة ٥/ ٤٤٥، والرد على المنطقيين: ٢٧١ - ٢٧٢، والفتاوى: ٨/ ١٩٦، وزاد المعاد: ٤/ ١٨٢، والجواب الكافي: ١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048694,"book_id":1098,"shamela_page_id":342,"part":"1","page_num":357,"sequence_num":342,"body":"ويدل على دفاع العدو بالدعاء مع الجهاد قوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: \"هل تنصرون إلا بضعفائكم\" ولفظ النسائي: \"إنما نصر الله هذه الأمة بضعفتهم بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم\" (¬١).\rوالحاصل أن من جملة القضاء ردَّ البلاء بالدعاء، فالدعاء داخل تحت القضاء وليس خارجًا عنه، فالدعاء سبب لرد البلاء، واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فالله تعالى هو الذي قدر الأمر، وقدر سببه (¬٢).\rدلالة الكتاب على ذلك:\rأ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].\rوجه الاستدلال بالآية:\r١ - إن الله تعالى قد علق في هذه الآية الإجابة بالدعاء تعليق المسبب بالسبب (¬٣) فلو كانت الاستجابة تقع بدون سبب الدعاء لكان تعليق الإجابة بالدعاء لا فائدة فيه فيكون عبثًا، حاشا كلام الله من ذلك.\r٢ - هذه الصيغة تدل على الشرط والجزاء فإن جواب الأمر يجزم إن قصد الجزاء وتَسَبُّبُ الفعل عن الطلب السابق وإن اختلفوا هل الجازم حرف شرط محذوف مع فعله أو الجملة السابقة لنيابتها عن حرف الشرط أو لتضمنها معنى حرف الشرط (¬٤).","footnotes":"(¬١) البخاري: ٦/ ٨٨ رقم ٢٨٩٦، والنسائي: ٦/ ٣٧ رقم الباب ٣٧.\r(¬٢) الأذكار: ٣٥٤، والإحياء: ١/ ٣٠.\r(¬٣) الفتاوى: ٨/ ١٩٣.\r(¬٤) حاشية الخضري: ٢/ ١١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048695,"book_id":1098,"shamela_page_id":343,"part":"1","page_num":358,"sequence_num":343,"body":"فهذا يدل على أن هذه الصيغة صيغة شرط وجزاء، والشرط والجزاء يتلازمان فلو كان وجود الدعاء وعدمه سواء لزم أنه لا فائدة في اشتراطه في وقوع الإجابة فيكون اشتراطه عبثًا، حاشا كلام الله من ذلك.\r٣ - هذه الآية تدل على الوعد بالإجابة عند وجود الدعاء فلو كان وجوده وعدمه سواء لزم أنه لا حاجة إلى هذا الوعد الذي هو من الله الذي لا يخلف الميعاد.\r٤ - إن الله سبحانه قد أمر في الآية بالدعاء، وأوامر الله لا تخلو من فوائد …\r٥ - ثم إن الوعيد الشديد لمن تكبر عن الدعاء يدل على أهمية الدعاء وأنه ذو شأن عظيم، ولا يمكن أن يتوعد عليه إلا وله فائدة.\rب - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\rوجه الدلالة من الآية:\r١ - هذه الآية نزلت بسبب السؤال (¬١) عن الدعاء، فلو كان الدعاء غير نافع، لبينت الآية ذلك لأن هؤلاء السائلين كانوا محتاجين إلى معرفة ذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\r٢ - الآية رتبت الإجابة على الدعاء بإذا الشرطية التي تدل على التحقيق ولها جواب مقدر، والجواب يترتب على الشرط وجودًا وعدمًا.\r٣ - وهذا وعد صريح بإجابة الدعاء، والله لا يخلف الميعاد، وقد علق هذا الوعد على الدعاء بإذا التحقيقية.","footnotes":"(¬١) روي في سبب نزولها أن سائلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟، وقيل غير ذلك، انظر تفسير الطبري: ٢/ ١٥٨، ومعالم التنزيل: ١/ ١٥٥، والدر المنثور: ١/ ١٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048696,"book_id":1098,"shamela_page_id":344,"part":"1","page_num":359,"sequence_num":344,"body":"جـ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].\rإن الله ﷾ نهى في هذه الآية عن الحسد وتمني زوال نعمة الغير وأمر بسؤاله من فضله فدل على أنه بسبب السؤال يعطي مثل ما أعطى لذلك الذي فضله وربما يعطي أكثر، فلو كان الدعاء والسؤال لا أثر له في إعطاء السائل ما تمناه وسأله، للزم أنه لا فائدة في الأمر به في هذا المقام، وهذا يخالف ما يقتضيه سياق الآية.\rد - قال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].\rفبينت الآية أن الإيتاء والإعطاء يكون من المسؤول المطلوب فلو كان السؤال ليس له أثر سببي في الإيتاء لم يعلق به الإيتاء لاسيما أن سياق الآيات في ذكر نعم الله على عباده ومن ذلك نعمة إجابة الدعاء وإعطاء المسؤول.\rهـ - قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].\rفالآية صريحة الدلالة على أن دعاء المضطر هو السبب في إجابة سؤاله وكشف السوء عنه، وهذا من آيات الله العظيمة الدالة على وحدانيته وتفرده بالربوبية والألوهية، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].\rو- قد وردت آيات كثيرة جدًا ذكر الله فيها ما وقع لأنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين من المحن والبلايا والشدائد العظام فاستغاثوا بربهم، وتضرعوا له، وابتهلوا إليه فاستجاب الله لهم وكشف عنهم تلك المحن بعد دعائهم.\rوقد حكى الله لنا ألفاظ دعواتهم وصيغ ابتهالاتهم لنقتدي بهم ونأخذ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048697,"book_id":1098,"shamela_page_id":345,"part":"1","page_num":360,"sequence_num":345,"body":"العبر والدروس، ومن تلك الدروس التي نأخذها تأثير الدعاء وفائدته العظيمة في جلب المنافع ودفع المضار وأنه سمة العبودية وأنه الغذاء الروحي لاسيما عند نزول الشدائد المدلهمة، ونسوق إن شاء الله تعالى جملة مما حكى الله لنا من تلك الأدعية المباركة.\rومما حكى الله لنا عن نوح ﵇ مما يدل على تأثير الدعاء:\rقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥]. ما أصرحها في تأثير الدعاء وأوضحها وأبينها من حجة قاطعة وما أبلغها من برهان ساطع!! ومثلها قوله تعالى في قصة نوح أيضًا: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٦، ٧٧]، ودلالة الآية على تأثير الدعاء من أوجه:\r١ - الأول: إلغاء السببية، وهي موضوعة في اللغة العربية للترتيب والتعقيب فالمعطوف بها مرتب على المعطوف عليه ترتب المسبب على سببه والمعلول على علته.\rوقد ذكر علماء اللغة إفادتها للسببية لاسيما في عطف الجمل والأوصاف.\rقال ابن هشام (¬١) النحوي بعد أن ذكر أنها ترد على ثلاثة أوجه:\rأحدها: أن تكون عاطفة، وتفيد ثلاثة أمور أحدها الترتيب …\rالأمر الثاني: التعقيب ....\rوالأمر الثالث: السببية .. وذلك غالب في العاطفة جملة أو صفة، فالأول نحو ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] ونحو: ﴿فَتَلَقَّى","footnotes":"(¬١) هو عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاري الحنبلي النحوي أتقن العربية ففاق الأقران بل الشيوخ (ت ٧٦١ هـ)، الدرر الكامنة: ٢/ ٣٠٨، وبغية الوعاة: ٢/ ٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048698,"book_id":1098,"shamela_page_id":346,"part":"1","page_num":361,"sequence_num":346,"body":"آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧].\rوالثاني نحو ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٥] (¬١).\r٢ - الثاني: كلمة استجبنا إذ استجابة النداء من الله تعالى تكون بإعطاء السؤال إذ الاستجابة نوعان كما تقدم (¬٢).\r٣ - الثالث: كلمة نجينا المعطوفة فالاستجابة والإنجاء من الكرب العظيم والنصر كل هذا مترتب على ندائه ودعائه الله تعالى ترتب المسبب على السبب والمعلول على العلة.\rوقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].\rتدل الآيتان على المقصود من عدة أوجه:\rمنها العطف بالفاء السببية في الموضعين فاستجبنا، فكشفنا ودلالة استجبنا وكشفنا اللغوية ودلالة السياق هذه الدلالات الواضحة على تأثير الدعاء لا ينكرها إلا من طمس الله بصيرته وختم على قلبه. وقوله تعالى فيما حكاه لنا من استغاثة المؤمنين من الأمم السابقة: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٤٩، ٢٥٠].\rوقال أيضًا في آية أخرى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ","footnotes":"(¬١) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ٢١٣ - ٢١٦، وانظر نحوه في حاشية الخضري على ابن عقيل: ٢/ ٦٢.\r(¬٢) تقدم ص: ٢٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048699,"book_id":1098,"shamela_page_id":347,"part":"1","page_num":362,"sequence_num":347,"body":"فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ [آل: عمران: ١٤٧، ١٤٨].\rومثل استغاثة هؤلاء المؤمنين من الأمم السابقة في طلب النصر على الأعداء ما وقع من استغاثة النبي ﷺ وأصحابه يوم بدر ومناشدتهم لربهم في النصر على كفار قريش قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال ٩].\rفهذه الآية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار على أن الاستغاثة هي السبب في استجابة الله للمؤمنين ونصرهم على عدوهم وتأييدهم وإمدادهم بملائكته.\rوقوله تعالى فيما حكى الله لنا عن ابتهالات يونس ودعواته:\r﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].\rفدلت الآيتان على أن الدعاء هو السبب في نجاته من عدة أوجه، منها الفاء السببية، ومنها: كلمتا: استجبنا ونجينا كما دلت على أن هذا ليس خاصًّا به بل المؤمنون عامة إذا وقعوا في شدة واستغاثوا بربهم فهو ينجيهم، كما دلت أيضًا على أنه لولا الدعاء لما نجا من هذا الكرب العظيم ولبقي في بطن الحوت، وقد صرحت بذلك آية أخرى قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]، فكلمة لولا في مثل هذا الموضع تدل على امتناع الجملة الثانية لوجود الأولى (¬١). وهذا صريح قاطع في أن الدعاء هو السبب في نجاته ولو لم يحصل الدعاء لما نجا ولبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة.","footnotes":"(¬١) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ص: ٣٥٩ وانظر أيضًا الجواب الكافي ص: ١٧","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048700,"book_id":1098,"shamela_page_id":348,"part":"1","page_num":363,"sequence_num":348,"body":"وقوله تعالى مبينًا حالة يوسف ﵇ وما حصل له من المحن: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤] فدلالتها على تأثير الدعاء من وجوه كثيرة منها الفاء المعقبة السببية وكلمة استجاب والفاء السببية أيضًا في \"فصرف\"، وتذييل الآية بالسميع العليم أي أنه يسمع التجأ إليه وقصد بابه ويعلم حاله وتضرعه وافتقاره فيرحمه فينقذه من الشدة.\rوقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٨ - ٣٩].\rفقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يدل على أن الله يسمع ويجيب.\rوقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٢ - ٣].\rدلت الآية على أن الرحمة حصلت له حين ندائه لا قبله مما يدل على توقف الرحمة على النداء توقف المسبب على السبب، ويدل قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ على أن الله لم يخيبه فيما مضى بل يقضي له حاجته ويبلغه إلى سُوءلِهِ.\rوقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء ٨٩ - ٩٠]. ففي هذا ترتيب للاستجابة على النداء، كما أن فيه تعليلًا للاستجابة بكونهم مسرعين في الخيرات، وداعين رغبة ورهبة.\rوقوله تعالى في قصة تضرع موسى وابتهاله إلى الله: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ إلى أن أجابه الله بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048701,"book_id":1098,"shamela_page_id":349,"part":"1","page_num":364,"sequence_num":349,"body":"سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦)﴾ [طه: ٢٥ - ٣٦] ما أوضحها في الدلالة على تأثير الدعاء في الإجابة!!\rوقوله تعالى في قصة موسى وهارون في استغاثتهما بالله في إنقاذهما والمؤمنين من طغيان فرعون وملئه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، فصرحت الآيتان بإجابة دعوتهما واستغاثتهما بالله تعالى وأن ذلك عقب ابتهالهما إلى الله تعالى فدل هذا على ترتب الإجابة على الدعاء ترتب المسبب على السبب.\rز - وقد دل القرآن على أن حصول الدعاء سبب في كشف البلايا والمصائب ومنع وقوع العذاب والهلاك وأن ترك الدعاء سبب في وقوع العذاب والهلاك وهذا صريح في تأثير الدعاء في منع وقوع العذاب وكذلك العكس، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤٣].\rقال ابن كثير ﵀: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ (٤٢)﴾ يعني الفقر والضيق في العيش \"والضراء\" وهي الأمراض والأسقام والآلام لعلهم يتضرعون أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي فهلا إذا ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا. (¬١).\rفمعنى هذا أنهم لو دعوا الله وتضرعوا لارتفع العذاب عنهم كما","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048702,"book_id":1098,"shamela_page_id":350,"part":"1","page_num":365,"sequence_num":350,"body":"حصل لقوم يونس، ولكنهم لم يدعوا الله ولم يتضرعوا إليه، فوقع العذاب فهذا صريح في تأثير الدعاء في ذلك كما هو صريح من قوله تعالى في أول هذه الآيات ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ﴾ إذ هو واضح في أن الدعاء هو السبب للكشف، فالفاء للسببية.\rومثل هذه الآية السابقة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧]، فإنه يدل - على تفسير الدعاء بدعاء المسألة - على أن الله تعالى لا يعبأ بعباده لولا دعاؤهم له فدل على أن الدعاء له أثير عظيم.\rح - ثم إن الله ﷾ وصف الأصنام بأنها لا تسمع نداء من دعاها فلا تجيب دعاء فدل هذا على أن الله بخلافها فهو يسمع نداء من استغاث به فيجيب، له قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢)﴾ [الشعراء: ٧٢]، كما أن إبراهيم قال في وصف الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ إبراهيم: ٣٩].\rوقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ [الرعد: ١٤].\rط - وقد ذكر الله تعالى أن الاستغفار والتوبة سببان لنزول المطر وللإمداد بالأموال والبنين ولكثرة البساتين والأنهار كما أنهما سببان للعيش والتمتع بالمتاع الحسن في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].\rقال: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢].\rوقال: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048703,"book_id":1098,"shamela_page_id":351,"part":"1","page_num":366,"sequence_num":351,"body":"وذكر الله أيضًا أن الاستغفار يمنع من نزول العذاب، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]، فدلت هذه الآيات على أن الاستغفار والتوبة من جملة الأسباب المشروعة، وتقدم (¬١) أن الاستغفار نوع من أنواع الدعاء فثبت أن كليهما من الأسباب، وقد كان لهما الأثر العظيم في هذه الأمور المذكورة في الآيات السابقة فلولاهما لما حصلت هذه الأشياء، فدل على أنهما سببان في ذلك وأن وجودهما ليس كعدمهما.\rوالحاصل أن القرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل في ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال ترتب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب، وهذا بمختلف الصيغ والأساليب المتنوعة الكثيرة في مواضع كثيرة، وهذه المواضع تزيد في القرآن الكريم على ألف موضع كما قاله (¬٢) ابن القيم ﵀، بل ذكر ابن القيم في موضع آخر أن ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لو تتبع لزاد على عشرة آلاف موضع، وأن ذلك حقيقة وليس مبالغة (¬٣).\rوأما السنة الدالة على تأثير الدعاء فأكثر من أن تحصر فقد تواتر عنه إلا الله ﷺ أمران: الأول: فعله للدعاء، والثاني: حثه ﷺ وترغيبه في الدعاء، وقد ذكر تواتر الأمرين عنه الكتاني (¬٤) في رسالته في الأحاديث المتواترة (¬٥).","footnotes":"(¬١) كما تقدم ص: ٩٤.\r(¬٢) الجواب الكافي: ١٦ - ١٧.\r(¬٣) شفاء العليل: ٣٩٧\r(¬٤) هو محمد بن جعفر بن إدريس بن محمد الزمزمي محدث له الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة وغيرها (ت ١٣٤٥ هـ) له ترجمة في أوائل الرسالة المستطرفة ومعجم المؤلفين: ٩/ ١٥٠.\r(¬٥) نظم المتناثر ص: ١١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048704,"book_id":1098,"shamela_page_id":352,"part":"1","page_num":367,"sequence_num":352,"body":"فلهذا نكتفي بإيراد بعض الأحاديث الدالة على المراد، من ذلك:\r١ - قوله ﷺ فيما رواه أنس ﵁: \"لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، هذا لفظ مسلم، وفي البخاري: لكل نبي سأل سؤالًا - أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها - فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة\" (¬١).\r٢ - حديث أنس بن مالك الآخر، قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكراع وهلك الشاء، وفي رواية وجاع العيال وفي رواية أخرى هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يسقينا، فمد يديه ودعا، وفي رواية وما نرى في السماء قزعة فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء ذلك الرجل أو غيره في الجمعة المقبلة فقال: تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله يمسكها فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت\" (¬٢).\r٣ - حديث النزول، وهو حديث مشهور مستفيض متواتر (¬٣)، ومن طرقه ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني","footnotes":"(¬١) رواه البخاري بصيغة التعليق جازمًا به: ١١/ ٩٦ رقم ٦٣٠٥، ومسلم: ١/ ١٩٠ رقم ٢٠٠، من طريق قتادة وسليمان التيمي عن أنس وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري رقم ٦٣٠٤، ومسلم رقم ١٩٩، ومن حديث جابر أخرجه مسلم برقم ٢٠١.\r(¬٢) أخرجه البخاري في ١٥ موضعًا، انظر الإشارة إليها في البخاري مع الفتح: ٢/ ٤١٣ رقم ٩٣٢، ومسلم: ٢/ ٦١٢ برقم ٨٩٧.\r(¬٣) قد ذكر الكتاني ممن حكم بتواتره أبا زرعة والسخاوي وابن عبد الهادي وذكر الكتاني أيضًا ٢٣ صحابيًا ممن روى أحاديث النزول، انظر نظم المتناثر ص: ١١٥، والصارم المنكي ص: ٢٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048705,"book_id":1098,"shamela_page_id":353,"part":"1","page_num":368,"sequence_num":353,"body":"فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ \" (¬١).\r\rدلالة الفطرة على تأثير الدعاء:\rالإنسان من طبيعته أنه إذا كان في سعة وعافية نسي ربه وتمرد وعصى، وإذا وقع في شدة وضيق تحركت فطرته ومشاعره واتجه إلى الله ونسي ما كان يدعو من قبل وهنا يوقن أنه لا منقذ إلا الله، وتنكشف عنه الحجب ويزول الرين، وتذهب الغشاوة وينطرح بين يدي الله منكسرًا متواضعًا مبتهلًا متضرعًا باكيًا ويجأر إلى الله كاشف السوء مجيب المضطرين غياث المغيثين منقذ الهالكين، وجابر المنكسرين، ومنقذ الغرقى وسامع النجوى.\rفكم من ملحد نزلت به ضائقة آب إلى الله (¬٢)، وكم من شارد فاسق وقع في مأزق تاب إلى الله ورجع إلى طاعته.\rفالفطرة خير شاهد وأقوى دليل وأنصع برهان، وأوضح حجة لأنها تحتاج إلى تركيب مقدمة وإقامة أدلة جدلية واستنتاج، ودليلها لا يمكن مقاومته ولا دفعه بالشبهات والوساوس، ألا ترى الإنسان إذا ما وقع في مصيبة يتجه مباشرة إلى السماء ويرفع يديه قائلًا: يا رب يا رب.\rوهذه الحالة تهجم عليه وتسيطر على تفكيره وشعوره، وتجعله يشعر أنه لا منقذ ولا منجي ولا مغيث إلا الله ﷾.\rفلو لم تدل الفطرة على تأثير الدعاء لما اتجهت إلى الدعاء ولكانت تلجأ إلى وسائل أخرى للاستغاثة والاستعانة.\rوقد ذكر الله ﷾ طبيعة الإنسان هذه في عدة آيات، منها:\rقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري مع الفتح: ٣/ ٢٩ رقم ١١٤٥، ومسلم: ١/ ٥٢١ رقم ٧٥٨.\r(¬٢) انظر الإشارة إلى هذا في: العقيدة في الله لعمر الأشقر ص: ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048706,"book_id":1098,"shamela_page_id":354,"part":"1","page_num":369,"sequence_num":354,"body":"فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\rوقال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨].\rوقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فصلت: ٥١].\rوقال ﷻ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].\rوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].\rوقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧].\rوقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].\rفالإنسان في مثل هذه الشدائد ينسى تلك الأشياء التي كان يتعلق بها ويرجع إلى ربه فتحصل له معرفة قوية من أقوى ما يكون من المعارف، فإن المعارف التي تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي الذي ينزاح عن النفوس في مثل هذه الحال\" (¬١) وقد تقدم ما يتعلق بهذا (¬٢).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٨/ ١٩٤.\r(¬٢) تقدم ص: ٢٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048707,"book_id":1098,"shamela_page_id":355,"part":"1","page_num":370,"sequence_num":355,"body":"دلالة العقل السليم على تأثير الدعاء:\rفالعقل السليم يدل على تأثير الدعاء لأن العقل دل على وجود الله تعالى وأنه الفعال لما يريد وأنه لا معقب لحكمه.\rفإذا سلم العقل هذا فلا يمتنع من أن الفاعل المختار يجعل الأشياء مرتبطة بأسبابها وعللها ويرتب مصالح العباد في دنياهم وأخراهم على الأسباب وينظم الكون بأجمعه ويربط بعضه ببعض على أسباب وعلل إذا وجدت وجدت مسبباتها ومعلولاتها فالعقل يسلم بهذا ولا ينكر بل يعترف.\rومن المعلوم أن الشرع لا يأتي بما يحيله العقل السليم الذي لم تدنسه لوثة الشبهات والشهوات وإن كان الشرع قد يأتي بما يحار فيه العقل ويعجز عن إدراكه مفصلا (¬١).\rوأن العقل البشري قاصر الإدراك لا يحيط حتى بالمحسوسات فكيف بالأمور المعنوية التي ليست تحت التجربة والمشاهدة.\rثم إن العقل يرى آثار الأدعية وإجابتها وما يحصل بالدعوات من كشف الكربات ونيل الرغبات ويرى ترتب ذلك كله على الدعاء ترتبًا متكررًا وواقعًا، فلا يرى لهذا عللًا غير الدعاء فلا بد أن يصدق ذلك.\r\rدلالة الواقع التاريخي:\rفقد استفاض في التاريخ وتواتر إجابة الله تعالى لنداء المضطرين وابتهالات المنكسرين، وتضرع المساكين واستغاثة المستغيثين، وتملق الخاشعين.\rوقد ثبت على مدى التاريخ ما يفيد بالمجموع تواتر ذلك وإن لم يتواتر أفراد تلك الوقائع.","footnotes":"(¬١) انظر درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ٣٢٧، والفتاوي: ٣/ ٣٣٩، و ٥/ ٢٩ - ٣٠، وشرح الطحاوية ص: ٣٩٠ - ٣٩١ وانظر ما سيأتي ص: ٦٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048708,"book_id":1098,"shamela_page_id":356,"part":"1","page_num":371,"sequence_num":356,"body":"ولا مانع من إيراد بعض تلك الوقائع التاريخية على سبيل التمثيل لا الحصر وإليك ذلك:\rأ - ما ذكر الله تعالى في القرآن الكريم من قصص أنبيائه ورسله مثل نداء، نوح، وإبراهيم وأيوب ويونس وغيرهم ﵈، وقد سبق ذكر ذلك ولله الحمد.\rب - ما ثبت في السنة الصحيحة من ذلك وإليك بعض الأمثلة:\r١ - قصة (¬١) أصحاب الغار الذين توسلوا بصالح أعمالهم بعد أن انطبقت عليهم الصخرة فأنقذهم الله فخرجوا سالمين.\r٢ - قصة أويس القرني حيث روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم (¬٢).\r٣ - قصة (¬٣) جريج الراهب الذي دعا الله تعالى وصلى لما اتهم فأنطق الله الغلام فبرأه.\rجـ - ما حفظه التاريخ الموثق من إجابة الله تعالى للمستغيثين به، ولا نستطيع أن نذكر كل ما حصل من ذلك لأنه أمر يتجدد كل لحظة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩] ويكفي لمعرفة ما وقع من ذلك الاطلاع على الكتب المصنفة في الفرج بعد الشدة (¬٤) وغيرها كالكتب التاريخية.","footnotes":"(¬١) أخرجها البخاري من حديث ابن عمر في عدة مواضع من صحيحه، انظر البخاري مع الفتح: ٤/ ٤٠٨ رقم ٢٢١٥، و ٥/ ١٦ رقم ٢٣٣٣ و ٦/ ٥٠٥ رقم ٣٤٦٥، ورقم ٥٩٧٤، وأخرجها مسلم: ٤/ ٢٠٩٩ رقم ٢٧٤٣.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٤/ ١٩٦٨ رقم ٢٥٤٢\r(¬٣) أخرجها البخاري: ٦/ ٤٧٦ رقم ٣٤٣٦، ومسلم: ٤/ ١٩٧٦ رقم ٢٥٥٠.\r(¬٤) والكتب التي ألفت في الفرج بعد الشدة كثيرة منها: لابن أبي الدنيا، وللمدائني، وللأزدي، وللتنوخي. انظر مقدمة كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي: ١/ ٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048709,"book_id":1098,"shamela_page_id":357,"part":"1","page_num":372,"sequence_num":357,"body":"ففي هذه الكتب وقائع كثيرة جدًّا فيها بيان أخبار الذين وقعوا في كرب وشدة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وانقطعت بهم الحيل فالتجأوا إلى الله تعالى بصدق وإخلاص فجاءهم الفرج بعد الشدة والسعة بعد الضيق والسرور والفرح بعد الغم والهم.\rولا يزال التاريخ إلى الآن يشهد بذلك فكم يقع يوميًا من ذلك ولا ينكر هذا إلا معاند مكابر.\rوليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل\r\rتجارب الأمم:\rوقد دلت تجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته والالتجاء إليه والانطراح بين يديه والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل طاعته والتقرب إليه بأنواع الطاعات، والرغبة إليه والاستعانة به والإحسان إلى خلقه فهذا مجرب عند جميع الأمم على مدى التاريخ (¬١)، وهو أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به، لأنهم جربوه (¬٢).\rومن هنا كان اعتقاد تأثير الدعاء من الأصول المسلمة المقررة لدى مشركي العرب وغيرهم فلهذا أتى الدين الإسلامي بتقرير ذلك وتأكيده ولكنه نقحه وهذبه من الشوائب التي زادوها من الشرك فيه، وصرفه لمن لا يستحق.\rقال الدهلوي ﵀ بعد أن ذكر الأصول المسلمة لدى المشركين: \"ومنها … أن هنالك لأدعية الملائكة المقربين وأفاضل","footnotes":"(¬١) انظر الجواب الكافي ص: ١٦.\r(¬٢) الوابل الصيب: ٥٧، وبدائع الفوائد: ٢/ ٢٤٢، واقتضاء الصراط: ٣٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048710,"book_id":1098,"shamela_page_id":358,"part":"1","page_num":373,"sequence_num":358,"body":"الآدميين تأثيرًا بوجه من الوجوه، لكن صار في أذهانهم متمثلًا بشفاعة ندماء الملوك إليهم\" (¬١).\rويدل على اعتقاد المشركين بتأثير الدعاء أدلة كثيرة، نكتفي منها بمثالين:\rالمثال الأول: قصة قريش مع رسول الله ﷺ في رميهم الأذى على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي عند الكعبة قال عبد الله بن مسعود ﵁: \"فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم … ثم قال: \"اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته\"، وفي رواية للبخاري: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة\" (¬٢).\rوهذا يدل على أن قريشًا تعتقد أن الدعاء مجاب في البلد الحرام، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويمكن أن يكون ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم ﵇ (¬٣).\rوالمثال الثاني: قصة قتل خبيب بن عدي فإنه لما أرادوا قتله، صلى ركعتين ودعا عليهم: اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تبق أحدًا\" فلما سمعوا دعاءه هذا ألقى أبو سفيان ابنه معاوية على الأرض، فَرَقًا من دعوة خبيب وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه، فاضطجع لجنبه زالت عنه (¬٤).","footnotes":"(¬١) حجة الله البالغة: ١/ ١٢٥.\r(¬٢) أخرجه البخاري مع القصة: ١/ ٣٤٩ رقم ٢٢٠، ومسلم: ٢/ ١٤١٨ رقم ١٧٩٤.\r(¬٣) فتح الباري: ١/ ٣٥١.\r(¬٤) أصل القصة في الصحيح انظر البخاري: ٧/ ٣٧٩، وأما إلقاء أبي سفيان معاوية فأخرجه ابن إسحاق في سيرته انظر سيرة ابن هشام: ٣/ ١٧٣، والفتح: ٧/ ٣٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048711,"book_id":1098,"shamela_page_id":359,"part":"1","page_num":374,"sequence_num":359,"body":"دلالة المشاهدة والحس:\rإن المشاهدة لتأثير الدعاء لمن أكبر الأدلة وأصدقها برهانًا وأقواها حجة، فنحن رأينا وشاهدنا في أنفسنا ومن حولنا تأثير الدعاء، فمن منا لا يقع في شدة وكرب وضيق ثم يستغيث بربه فلا يرى أثر ذلك؟ فنحن نشاهد في حياتنا وأيامنا القصيرة وقائع لنا ولغيرنا يحصل فيها إجابة الدعاء بعد يأس وقنوط من المخلوقات، وبعد انقطاع السبل والحيل، فهذا يكفي وحده للدلالة لكن الإنسان يجادل، ويكابر قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ الكهف: ٥٤] ولا يعترف ولا يعتبر بما وقع له أو لغيره بل يحاول أن يتناسى ذلك، ولا يأخذ منه أي عبرة ودرس، ويصل به الأمر إلى إنكار مشاهداته وإحساساته لاسيما إذا تأثر بلوثة الشبهات والأفكار المنحرفة .. فنسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل.\rوبهذا نصل إلى أن الحق الذي لا مرية فيه أن الدعاء سبب من الأسباب وأن له تأثيرًا في جلب المنافع ودفع المضار كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وأنه لا منافاة بين القدر والدعاء، فالدعاء من جملة ما سبق به القضاء وتضمنه القدر السابق.\rالجواب عن الاعتراض بأن الدعاء قد أثر في الله تعالى:\rفإذا ثبت - ولله الحمد - بالأدلة الصحيحة أن الدعاء له أثر عظيم في المطلوب من جلب نفع ودفع ضر.\rفلا يتوهمن (¬١) متوهم أن ذلك تأثير من العبد السائل في الله المسؤول، تعالى عن ذلك وتقدس.\rوذلك لأن الله سبحانه هو الذي حرك العبد إلى الدعاء ويسره له وهو","footnotes":"(¬١) انظر في هذا اقتضاء الصراط: ٣٥٩ والفتاوى: ١٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣، وشرح الطحاوية: ٤٦١، والجواب الكافي: ١٥: والتمهيد ٥/ ٣٤٦، والفتح: ١١/ ٩٨، والرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048712,"book_id":1098,"shamela_page_id":360,"part":"1","page_num":375,"sequence_num":360,"body":"الذي قذف في قلب العبد الحركة إلى الدعاء وألهمه التضرع والابتهال والانطراح بين يديه ووفقه لذلك وصرف عنه الموانع من استكبار وإلحاد وكسل وغير ذلك، فهذا الخير والتوفيق منه ولولا هذا الإلهام لما دعا العبد، وقد قال عمر ﵁: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه\".\rوأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه فقال:\rلو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه … من جود كفيك ما علمتني الطلبا\rفإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له.\rكما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة، والمشيئة الإلهية هي التي اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعلم، فعلم بهذا أن إلهام الله لعبده الدعاء هو السبب الرئيسي في القضية فلهذا قال عمر ﵁ ما تقدم، وقال أبو حازم الأعرج: \"لأن أحرم الدعاء أشد علي من أن أحرم الإجابة\" (¬١).\rفمبدأ الأمور من الله وتمامها من الله تعالى قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة ٥]، فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير الأمر ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره ..\rوقد قال مطرف بن عبد الله بن الشخير أحد أئمة التابعين: نظرت في","footnotes":"(¬١) الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧، ونحوه في: ٢/ ٥٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048713,"book_id":1098,"shamela_page_id":361,"part":"1","page_num":376,"sequence_num":361,"body":"هذا الأمر فوجدت مبدأه من الله وتمامه على الله ووجدت ملاك ذلك الدعاء (¬١).\rومما يدل على هذا حديث ابن عمر مرفوعًا: \"من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة\" (¬٢).\rوهذا الذي تقدم مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\rولكنه يناقض قول القدرية: \"فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يُحْدِث ويخلق أفعاله بدون مشيئة الله، وخلقه لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلًا لما لم يكن فاعلًا له فبدعائه جعله مجيبًا له وبتوبته جعله قابلًا للتوبة\" (¬٣).\rوهؤلاء القدرية فروا من القول بالقدر ظنًا منهم بأنه يستلزم الظلم للعبد، ولكنهم وقعوا في هذا اللازم الذي في غاية الشناعة وهكذا كل من يترك الكتاب والسنة لما يتخيله بعقله القاصر فإنه لا بد أن يقع في محذور شر من المحذور الذي فر منه أو مثله، فمن ذلك المعطلة الذين فروا من إثبات صفات الله تعالى فرارًا من التشبيه بالمخلوق فوقعوا في التشبيه بالمعدوم فوقعوا في شر مما فروا منه قال شيخ الإسلام ﵀: وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره بل وفي شر منه مع ما يلزمهم من التحريف والتعطيل (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد رقم ١٢٥٧، وأبو نعيم في الحلية: ٢/ ٢٠٨.\r(¬٢) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٥٢ رقم ٣٥٤٨، والحاكم: ١/ ١٤٩٠، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: المليكي ضعيف وقال الحافظ في إسناده لين، الفتح: ١١/ ١٤١.\r(¬٣) الفتاوى: ١٤/ ٣٨٣.\r(¬٤) التدمرية ص: ٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048714,"book_id":1098,"shamela_page_id":362,"part":"1","page_num":377,"sequence_num":362,"body":"والذي يعصم من مثل هذه المحاذير هو الاعتصام بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح في فهمهما ونسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاتباع ويجنبنا الابتداع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048715,"book_id":1098,"shamela_page_id":363,"part":"1","page_num":379,"sequence_num":363,"body":"الفصل الثالث في حكم الدعاء الشرعي\rيشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: في أقوال العلماء في حكم الدعاء.\rالمبحث الثاني: في كون الراجح جريان الأحكام الخمسة فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048716,"book_id":1098,"shamela_page_id":364,"part":"1","page_num":381,"sequence_num":364,"body":"المبحث الأول في أقوال العلماء في حكم الدعاء\rأقوال العلماء في حكم الدعاء:\rاختلف العلماء في حكم الدعاء فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالاستحباب، ومن قائل غير ذلك .. وإليك تفصيل ذلك:\r١ - قال بعضهم: إن الدعاء واجب، بل هو من أهم الواجبات، وأعظم المفروضات (¬١). ويدل لهذا القول عدة أدلة نذكر منها ما يأتي:\rأ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\rوجه الدلالة:\r١ - الأمر في قوله: ﴿ادْعُونِي﴾ والأمر للوجوب، ولا صارف له (¬٢).\r٢ - الآية تدل على أن ترك العبد دعاء ربه من الاستكبار وهو كفر، وتجنب ذلك واجب لا شك فيه (¬٣).","footnotes":"(¬١) تحفة الذاكرين ص: ٢٨، والأزهية ص: ٣٣، وإتحاف السادة: ٥/ ٣٠.\r(¬٢) النبذة الشريفة لابن مُعَمَّر ضمن المسائل النجدية: ٤/ ٥٩٥.\r(¬٣) تحفة الذاكرين ص: ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048717,"book_id":1098,"shamela_page_id":365,"part":"1","page_num":382,"sequence_num":365,"body":"ب - قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ولا صارف لهذا الأمر عن الوجوب.\rجـ - قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] ولا صارف له أيضًا.\rد - قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] \"وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، فالاستغاثة بالله واللجأ إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم\".\rهـ - قوله ﷺ: \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" (¬١).\rوهذا دليل واضح على الوجوب لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه (¬٢). وذلك لأن الغضب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم (¬٣).\rوقد ذهب إلى الوجوب الشوكاني (¬٤) ونسبه الزركشي (¬٥) إلى بعض الأئمة.","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٥٦ رقم ٣٣٧٣، وابن ماجه ٢/ ١٢٥٨ رقم ٣٨٢٧، وأحمد: ٢/ ٤٤٢، ٤٤٣، والبخاري في الأدب المفرد رقم ٦٥٨، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٧٩٦ رقم ٢٣، وفي الأوسط: ٣/ ٢١٦ رقم ٢٤٥٢، والحاكم: ١/ ٤٩١، كلهم من طريق أبي المليح صبيح عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة به، قال الحافظ في الفتح: ١١/ ٩٥ \"وهذا الخوزي مختلف فيه ضعفه ابن معين وقواه أبو زرعة\"، وقال ابن كثير في التفسير: ٤/ ٨٥ \"تفرد به أحمد وهذا إسناد لا بأس به\" وقد وَهَّم ابنُ حجر ابن كثير في قوله بتفرد أحمد بالحديث في الفتح: ١١/ ٩٥، وقد حسن الحديث الألباني في الضعيفة: ٢٩، وفي صحيح ابن ماجه: ٢/ ٣٢٤ رقم ٣٠٨٥.\r(¬٢) تحفة الذاكرين: ٢٨.\r(¬٣) جلاء الأفهام: ٢١٣.\r(¬٤) تحفة الذاكرين: ٢٨.\r(¬٥) الأزهية: ٣٣، وعنه في إتحاف السادة: ٥/ ٣٠.\r٣٨٢","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048718,"book_id":1098,"shamela_page_id":366,"part":"1","page_num":383,"sequence_num":366,"body":"وقد صرح الخطابي بالوجوب إلا أن كلامه يحتمل أنه يريد بالوجوب التأكد والاستحباب لوقوعه في مقابل القائلين بعدم نفع الدعاء (¬١).\rوذكر ابن القيم أن من الدعاء ما هو واجب (¬٢)، وهذا هو الصحيح كما سيأتي.\r٢ - وقال آخرون: إن الدعاء مستحب، وقد نسب الإمام النووي هذا المذهب إلى الجمهور فقال: \"اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف، أن الدعاء مستحب) (¬٣)، ويدل لهذا المذهب الأدلة التي سبق الاستدلال بها في المذهب الأول نظرًا لاشتراك المذهبين في كون الدعاء مشروعًا إلا أن هذا المذهب يحمل تلك الأدلة على الاستحباب كما سيأتي في مناقشة أدلة الوجوب.\rوهذا المذهب هو الأقرب إلى الصواب.\r٣ - وقالت طائفة: إن الأولى ترك الدعاء والخمود تحت جريان الحكم، والرضا بما سبق به القدر (¬٤)، فحكم الدعاء عند هؤلاء أنه خلاف الأولى.\r٤ - وقالت طائفة (¬٥): يكون صاحب دعاء بلسانه ورضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعًا.","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء: ٧، ٨.\r(¬٢) جلاء الأفهام: ٢١٣.\r(¬٣) الأذكار: ٣٥٣، وشرح مسلم للنووي: ١٧/ ٣٠.\r(¬٤) الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧، والأذكار: ٣٥٣، وشرح مسلم: ١٧/ ٣٠، والأزهية ٤٥، وفتح الباري: ١١/ ٩٥، وإتحاف السادة: ٥/ ١١٧، وفيض القدير: ١/ ٢٢٨، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ١٩٦، وشرح الزرقاني: ٢/ ٣٢، والآداب الشرعية: ٢/ ٢٨٩.\r(¬٥) انظر عن المذهب الرابع والخامس الكتب التالية: الرسالة القشيرية: ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨، والأذكار: ٣٥٣، وشرح مسلم: ١٧/ ٣٠، وفتح الباري: ١١/ ٩٥، والأزهية: ٤٧، وشرح الإحياء: ٥/ ١١٧، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ١٩٦، وشرح الزرقاني: ٢/ ٣٢، والآداب الشرعية: ٢/ ٢٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048719,"book_id":1098,"shamela_page_id":367,"part":"1","page_num":384,"sequence_num":367,"body":"٥ - وآخرون ذهبوا إلى أن الدعاء تارة يكون أفضل وتارة يكون السكوت أفضل وذلك يختلف بحسب الأوقات، والأحوال، وهؤلاء اختلفوا على أقوال:\r١ - قيل: ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو لله ﷾ فيه حق، فالدعاء أولى، وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم.\r٢ - وقيل: إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أفضل، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم.\rوذهب إلى اختيار القول بالإشارة القشيري، واعترض الحافظ عليه بأنه لا يتأتى من كل أحد (¬١).\r٣ - وقيل لا يدعو إلا بطاعة ينالها أو خوف سخط، فإن دعا بسوى ذلك فقد خرج عن حد الرضا (¬٢) أي لا يدعو بما يتعلق بأمور الدنيا.\rهذه الأقوال الأربعة الأخيرة، ذهب إليها المتصوفة، وقد استدلوا لما ذهبوا إليه بحجج نذكرها ثم نناقشها بما يسره الله تعالى.\rومن حجتهم حديث ابن عباس ﵄ في المرأة التي كانت تصرع حيث قال لها النبي ﷺ: \"إن شئتِ صبرت ولك الجنةُ، وإن شئتِ دعوتُ اللَّهَ أن يعافيَكِ، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكَشَّف فادعُ الله أن لا أَتكشَّفَ، فدعا لها\" (¬٣).\rوحديث جابر ﵁ في شكاية أهل قباء الحمى إلى النبي ﷺ وقوله لهم: \"ما شئتم، إن شئتم أن أدعو الله لكم فيكشفها عنكم وإن شئتم أن تكون لكم طهورًا؟، قالوا: يا رسول الله أوَ تفعل؟، قال: نعم، قالوا: فدعها\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) الفتح: ١١/ ٩٥.\r(¬٢) الأزهية ص: ٤٧، وإتحاف السادة: ٥/ ١١٧.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ١٠/ ١١٤ رقم ٥٦٥٢، ومسلم: ٤/ ١٩٩٤ رقم ٢٥٧٦، وأحمد: ١/ ٣٤٧.\r(¬٤) أخرجه أحمد ٣/ ٣١٦، وأبو يعلى: ٣/ ٤٠٨ رقم ١٨٩٢، و ٤/ ٢٠٨ رقم =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048720,"book_id":1098,"shamela_page_id":368,"part":"1","page_num":385,"sequence_num":368,"body":"وحديث: \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين\" (¬١).","footnotes":"= ٢٣١٩، والحاكم: ١/ ٧٣، وصححه ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح: ٢/ ٣٠٦، وله شاهد من حديث أم طارق، المسند: ٦/ ٣٧٨. وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات \"المجمع: ٢/ ٣٠٦\".\r(¬١) قد روي هذا الحديث عن عُمر بن الخطاب وجابر وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وعمرو بن مرة مرسلًا ومالك بن الحويرث موقوفًا.\rأما حديث عمر فأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ص: ١٠٥ عن شيخه ضرار بن صرد وهو مختلف فيه حيث كذبه ابن معين، وقال الحافظ فيه في التقريب صدوق له أوهام وخطأ، ورمي بالتشيع.\rولكنه لم يتفرد فقد تابعه يحيى بن عبد الحميد وهو الحماني وهو متكلم فيه أيضًا وقد أخرج هذه المتابعة القضاعي في مسند الشهاب: ٢/ ٣٢٦ رقم ٨٨٩، كلاهما - أعني ضرار بن صرد والحماني عن صفوان بن الصهباء عن بكير بن عتيق عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده مرفوعًا.\rوصفوان هذا قال فيه الحافظ: مقبول، واختلف فيه قول ابن حبان.\rفمثل هذا الحديث يصلح في الشواهد.\rوأما حديث جابر فقد أخرجه القضاعي في مسنده: ١/ ٣٤٠ رقم ٣٧٨ من طريق الضحاك بن حمرة عن أبي الزبير عنه، والضحاك قال فيه الحافظ: ضعيف \"التقريب: ٢٩٦٦\".\rوأما حديث حذيفة فأخرجه أبو نعيم في الحلية: ٧/ ٣١٣.\rمن طريق أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد عن سفيان بن عيينة عن منصور عن ربعي عن حذيفة به، وعبد الرحمن بن واقد قال فيه ابن عدي: حدث بالمناكير عن الثقات وسرق الحديث \"الكامل: ٤/ ١٦٢٦\"، وقال الحافظ صدوق يغلط \"التقريب رقم ٤٠٣٦\".\rوقال الألباني: وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين، فالإسناد حسن عندي لولا ما يخشى من سرقة عبد الرحمن بن واقد أو غلطه\"، الضعيفة: ٤/ ٥٠٩.\rويمكن أن يقال: إن عبد الرحمن بن واقد لم ينفرد به عن ابن عيينة فإن الحسين بن الحسن المروزي روى أنه سأل ابن عيينة عن معنى الحديث فأجابه بما تقدم في ص: ٧٥ وقد أخرج هذه الرواية الخطابي في شأن الدعاء ص: ٢٠٧، وابن عبد البر في التمهيد: ٦/ ٤٤، والحسين المروزي صدوق كما في التقريب رقم ١٣١٥. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048721,"book_id":1098,"shamela_page_id":369,"part":"1","page_num":386,"sequence_num":369,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه الترمذي: ٥/ ١٨٤ رقم ٢٩٢٦، والدارمي في مسنده: ٢/ ٣١٧ رقم ١٣٥٩، وعبد الله أحمد في السنة: ١/ ١٤٩ رقم ١٢٨، وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية ص: ١٣٥ رقم ٢٨٥ و ٣٣٩، وابن حبان في المجروحين من طريق أبي يعلى: ٢/ ٢٧٧، والعقيلي في الضعفاء: ٤/ ٤٩، والبيهقي في الاعتقاد ص: ١٠١ - ١٠٢، والخلال في السنة ق ١٨٠/ أ، وابن بطة في الإبانة ق ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\rكلهم من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري به.\rوقال العقيلي: ولا يتابع عليه يعني محمد بن الحسن الهمداني وقد كذبه بعضهم، وقال الحافظ: ضعيف كما في التقريب رقم ٥٨٢٠، وقال الذهبي: حَسَّن الترمذي حديثه فلم يُحْسِن: ٣/ ٥١٥.\rوفي الإسناد أيضًا عطية العوفي وهو متكلم فيه أيضًا وبه أعله الحافظ في الفتح: ٩/ ٦٦ فقال: \"ورجاله ثقات إلا عطية العوفي ففيه ضعف\" واستدرك عليه المباركفوري بمحمد بن الحسن الهمداني في تحفة الأحوذي: ٨/ ٢٨٥.\rوأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الطبراني كما في الفتح: ١١/ ١٣٤ وقد حكم الحافظ على إسناده بأنه لين.\rوأما مرسل عمرو بن مرة فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٠/ ٢٣٧ رقم ٩٣٢٢، وأما الموقوف على مالك بن الحويرث فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٠/ ٢٣٧ رقم ٩٣٢٠، وفيه ابن الحارث وعزاه في اللآلي: ٢/ ٣٤٣ إلى مصنف عبد الرزاق وابن أبي الدنيا.\rوالحاصل أنه يمكن أن يتقوى الحديث بمجموع هذه الطرق الخمسة: طريق أبي سعيد، وابن عمر وحذيفة وجابر وعمر بن الخطاب، مع مرسل عمرو بن مرة وأثر مالك بن الحويرث.\rوقد قال الحافظ في حديث ابن عمر: إن إسناده لين كما تقدم.\rونقل عنه السيوطي في اللآلي: ٢/ ٣٤٢، أنه قال في حديث عمر: هذا حديث حسن.\rوقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات فلم يصب: ٣/ ١٦٥.\rومن هنا يظهر أن الحديث حسن إن شاء الله تعالى بمجموع هذه الطرق لأن الضعف في أغلبها ليس شديدًا كما رأيت والله أعلم.\rويؤيد صحة الحديث كثرة استدلال السلف بهذا الحديث والسؤال عن معناه بدون نكير بينهم، ويدل على ذلك قول الحسين المروزي: \"ما تركت كبير أحد بالعراق إلا سألت عنه\"، انظر ما تقدم في ص: ٧٥ الهامش.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048722,"book_id":1098,"shamela_page_id":370,"part":"1","page_num":387,"sequence_num":370,"body":"مناقشة هذه الأقوال:\rمناقشة أدلة الوجوب:\rأ - يجاب عن استدلالهم بالآية الأولى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بأمور:\r١ - المراد بالدعاء هنا العبادة كما يدل عليه آخر الآية ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ وليس المراد بها دعاء المسألة ويدل على ذلك أيضًا أنه لو كانت الآية في دعاء المسألة لم تتخلف الإجابة كما يدل عليه صيغة الشرط والجزاء وهذا يخالف الواقع ويخالف قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١].\rويمكن أن يجاب عن هذا بأن الآية تشمل النوعين: المسألة والعبادة، وأن الإجابة مشروطة بوجود شروط وفقدان موانع فلا يرد الاعتراض، وقد تقدم بحث ذلك (¬١).\rوأجابوا عن آخر الآية بأن الوعيد خاص بمن ترك الدعاء للاستكبار وأما من تركه ولم يقصد الاستكبار فهذا لا تشمله الآية (¬٢).\rوشذت طائفة فقالت: المراد بالدعاء في الآية: ترك الذنوب (¬٣).\rوالحاصل أن الآية ليست نصًا في الوجوب لاحتمال حملها على معنى العبادة كما يدل عليه آخر الآية.\rويمكن الإجابة عن الأمر في الآية الثانية والثالثة والرابعة بأن المقصود هو إخلاص الطلب لله تعالى وأن لا يصرف لغيره وأما أصل نفس الطلب فليس داخلًا فيها.","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٢٢٥.\r(¬٢) الفتح: ١١/ ٩٥.\r(¬٣) نقل ذلك الطبري عن سفيان قيل له: ادع الله، قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء، الطبري: ٤/ ٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048723,"book_id":1098,"shamela_page_id":371,"part":"1","page_num":388,"sequence_num":371,"body":"وأما الحديث فيجاب بما فيه من الكلام.\rثم يجاب أخيرًا بأنه لم يعهد من السلف من قال بوجوب الدعاء المطلق، فقد حكى شيخ الإسلام أن الدعاء لم يجب منه دعاء مفرد أصلًا إلا أنه وجب ضمن الذكر والثناء مثل دعاء الفاتحة، وما اختلف فيه من الدعاء بعد التشهد، وأما الدعاء المفرد فلم يجب (¬١).\r\rمناقشة شبه المذاهب الأخيرة:\rهذه المذاهب (¬٢) الثلاثة الأخيرة قد ذهب إليها أكثر المتصوفة وظنوا أن الدعاء يتنافى مع الرضا بالقضاء، ولا يمكن الجمع بينهما كما ظنوا أن في الدعاء معارضة لحكم الله وقضائه، ومعاندة له، وأنه ينافي التوكل.\rومن هنا ذهبوا إلى أن الأولى: السكوت عن الدعاء والتسليم للمقدور وتفويض الأمر إلى الله تعالى، وظنوا أن هذا هو الرضا المطلوب شرعًا، وبلغ بهم الأمر إلى ما نقل عن بعضهم أنه قال:\r\"الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار\" (¬٣).\rوروي عن آخر أنه قال: \"الرضا أنه لو جعل الله جهنم عن يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره\" (¬٤).\rوقال بعضهم: \"التوكل على الله تعالى بكمال الحقيقة ما وقع لإبراهيم ﵇ في الوقت الذي قال لجبريل ﵇: أما إليك فلا، لأنه غابت نفسه بالله تعالى فلم ير مع الله غير الله ﷿\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٢٢/ ٣٨١.\r(¬٢) انظر مدارج السالكين: ٢/ ٢٣٨، ٤٤، ٤٦، والفتح: ١١/ ٩٥.\r(¬٣) الرسالة القشيرية ونسبه إلى أبي سليمان الداراني: ١/ ٤٥٢، والفتاوى: ١٠/ ٦٧٨.\r(¬٤) الرسالة القشيرية ونسبه إلى رويم: ١/ ٤٢٤.\r(¬٥) المرجع نفسه: ١/ ٤٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048724,"book_id":1098,"shamela_page_id":372,"part":"1","page_num":389,"sequence_num":372,"body":"وهذا يشير إلى أنهم اعتمدوا في مذهبهم على ما روي عن إبراهيم الخليل ﵇ من قوله: علمه بحالي يغني عن سؤالي وقد تقدم ما فيه.\rواستنبط لهم ابن أبي جمرة (¬١) دليلًا آخر وهو أن النبي ﷺ أخَّر الدعاء للاستسقاء حتى طلبوه منه، وإنما أخَّر ذلك لأن مقام التفويض أفضل (¬٢).\rوقد رد الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - على هذا الكلام بقوله: \"في هذا نظر، والصواب أن الأخذ بالأسباب والبدار بالدعاء، والاستغاثة عند الحاجة أولى وأفضل، وسيرته ﷺ وسيرة أصحابه ﵃ تدل على ذلك، ولعله إنما أخر الدعاء لأسباب اقتضت ذلك غير التفويض، فلما سأله هذا السائل بادر بإجابته، وذلك عن إذن الله سبحانه وتشريعه، لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والله أعلم\" (¬٣).\rويمكن أن يجاب عن حديث المرأة التي تصرع وحديث الأنصار في أمرهم بالصبر بأنه رأى منهم الجزع وقلة الصبر فأمرهم بذلك أو أنه أوحي إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت وأخر الدعاء، قاله الزركشي وتبعه الزبيدي (¬٤).\rويدل قوله في حديث المرأة: \"إن شئت صبرت ولك الجنة\" على أن الابتلاء أفضل لها لما يترتب عليه من دخول الجنة فلهذا دعا لها في قضية التكشف مما يدل على أن الدعاء أفضل إذا لم يعارضه ما هو أولى.","footnotes":"(¬١) هو عبد الله بن أبي جمرة وصفه ابن حجر بالإمام القدوة الذي شرح البخاري، (ت ٦٩٩ هـ) وهو صوفي كما يظهر من كلامه، انظر الدرر الكامنة: ٢/ ٢٥٤، ومعجم المؤلفين: ٦/ ٤٠.\r(¬٢) نقله عن ابن أبي جمرة في الفتح: ٢/ ٥٠٧، ولم يعترض عليه.\r(¬٣) تعليق الشيخ ابن باز على هامش فتح الباري: ٢/ ٥٠٧.\r(¬٤) الأزهية: ٤٩ - ٥٠، وإتحاف السادة: ٥/ ١١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048725,"book_id":1098,"shamela_page_id":373,"part":"1","page_num":390,"sequence_num":373,"body":"ثم إنه يلزم من كلامهم عدة محذورات، منها:\r١ - ترك الدعاء الذي أمرنا الشارع به وهو عبادة من أعلى أنواع العبادات، وقد أرشدنا الله تعالى إلى دعائه ولم يقيده بشيء فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، فليس في هذا تقييد بأن لا يكون من حظ النفس.\rوالقول بالإشارة القلبية لا يمكن أن يذهب إليه لأنه يحتمل أن تكون لَمَّةً شيطانية فربما يوسوس له الشيطان فيترك طلب ما يكون الأولى له طلبه من المصالح الدنيوية والأخروية.\rثم يفوت العبد بهذه الوساوس الاستعانة بالله والتضرع إليه واللجأ إليه والتملق له إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها الدعاء، ثم إن الإشارة القلبية لا تتأتى من كل أحد (¬١).\rثم هو معارض بما ثبت وتواتر من دعائه ﷺ بكشف البلايا كالاستسقاء ونحوه، ويمكن أن يقال أيضًا: إن ذلك خاص بالحمى لأن فيها كفارة كما ورد في أحاديث أخرى، وكذلك خاص بتلك المرأة لما ذكر لها من الأجر وليس ذلك أمرًا عامًا والله أعلم. وأما حديث من شغله ذكري فيحمل على اختلاف الأحوال والأشخاص كما تقدم (¬٢) ولا يمكن الاستدلال به على أفضلية السكوت مطلقًا.\r\rأصل شبهتهم:\rقد التبست عليهم هذه الشبهة ودخل عليهم إبليس بسببها من جهتين:\rإحداهما: ظنهم أن الرضا بكل ما يوجد في الكون أمر يحبه الله ويرضاه وأن هذا من أعظم ما يوصل إلى الله تعالى ومرضاته، فجعلوا","footnotes":"(¬١) الفتح: ١١/ ٩٥.\r(¬٢) ص: ١٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048726,"book_id":1098,"shamela_page_id":374,"part":"1","page_num":391,"sequence_num":374,"body":"الرضا بكل حادث وبكل حال يكون فيها العبد طريقًا إلى الله تعالى.\rوثانيتهما: أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع المأمور به إيجابًا أو استحبابًا مثل دعاء الفاتحة والذي في آخر الصلاة، وبين الدعاء غير المشروع كالذي فيه الاعتداء.\rوهاتان الجهتان غير صحيحتين لأن الطريق الموصل إلى رضا الله تعالى هو أن ترضيه بفعل ما يحبه ويرضاه من الأعمال الصالحة وليس بالرضا بكل ما يحدث، فإن الله لم يأمر بهذا، ولا رضيه، بل الله سبحانه يكره ويسخط ويبغض على أعيان أفعال موجودة لا يحصيها إلا هو، وولاية الله موافقته بحب ما يحبه وبغض ما يبغضه، وولاية من يواليه وعداوة من يعاديه لا بحب ما يكرهه ويسخطه.\rهذا بالنسبة إلى الجهة الأولى ..\rثم إن الرضا الذي هو من طريق الله لا يمكن أن يتضمن ترك واجب أو مستحب فالدعاء الواجب أو المستحب لا يكون تركه من الرضا كسائر الأعمال الصالحات.\rفقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم أن الرضا مشروع بكل مقدور، ومن جهة أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع وغير المشروع (¬١).\rثم يقال ثانيًا: \"هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومَقْضِيٌّ، وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، نرضى به كله، والمقضي قسمان، منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به\" (¬٢).\rثم إن هؤلاء لم يعرفوا أن الدعاء والتوكل والتداوي من الأسباب","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٧١١ - ٧١٤، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦، وشرح الطحاوية ص: ٢٢٧.\r(¬٢) شرح الطحاوية ص: ٢٢٧، ومنهاج السنة: ٣/ ٢٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048727,"book_id":1098,"shamela_page_id":375,"part":"1","page_num":392,"sequence_num":375,"body":"التي شرعها الله تعالى لا يخرج الأخذ بها من الرضا بقضاء الله تعالى، كما أن من عرض له كلب الجوع لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضا بالقضاء، لأن الله تعالى جعل أسبابًا لدفع الأدواء كما جعل الأكل سببًا لدفع الجوع، وقد كان قادرًا أن يحيي خلقه بغير هذا ولكنه خلقهم ذوي حاجة فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببًا لدفعه عنهم (¬١) فكذا الداء العارض والبلاء النازل قد لا يندفعان إلا بالدواء والدعاء.\rفتحصل من هذا أن الدعاء والإلحاح على الله في الطلب لا يتنافى مع الرضا ولا مع التوكل، وإنما الذي ينافي الرضا ما لو ألح على الله \"متحكمًا عليه متخيرًا عليه ما لم يعلم هل يرضاه أم لا كما يلح على ربه في ولاية شخص أو إغنائه، أو قضاء حاجته، فهذا ينافي الرضا لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس: ٢٨٧ - ٢٨٨.\r(¬٢) مدارج السالكين: ٢/ ٢٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048728,"book_id":1098,"shamela_page_id":376,"part":"1","page_num":393,"sequence_num":376,"body":"المبحث الثاني في كون الراجح جريان الأحكام الخمسة فيه\rالراجح أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة: فتارة يجب، وتارة يستحب، وتارة يباح، وتارة يكره، وتارة يحرم.\rفتختلف فيه الأحكام بحسب الاعتبارات. وأما الأصل فيه بدون الاعتبارات الندب والاستحباب كما حكى ذلك النووي عن السلف فيما تقدم، وكما ذكر شيخ الإسلام أنه لم يجب دعاء مفرد أصلًا.\rوقال القرافي (¬١): \"اعلم أن الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى له حكم باعتبار ذاته من حيث هو طلب من الله تعالى، وهو الندب، لاشتمال ذاته على خضوع العبد لربه، وإظهار ذلته وافتقاره إلى مولاه، فهذا ونحوه مأمور به، وقد يعرض له متعلقاته ما يوجبه، أو يحرمه، والتحريم ينتهي إلى الكفر، وقد لا ينتهي\" (¬٢).\rوهذا التفصيل الذي ذكره القرافي هو الذي تدل عليه الأدلة ويجتمع به شملها ويدل على هذا أيضًا قول شيخ الإسلام: \"وأما الدعاء فلم يجب منه دعاء مفرد أصلًا\"، ثم ذكر دعاء الفاتحة والاستعاذة في التشهد (¬٣).","footnotes":"(¬١) هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجي الأصل أبو العباس فقيه أصولي (ت ٦٨٤ هـ)، معجم المؤلفين: ١/ ١٥٨.\r(¬٢) الفروق للقرافي: ٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\r(¬٣) الفتاوى: ٢٢/ ٣٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048729,"book_id":1098,"shamela_page_id":377,"part":"1","page_num":394,"sequence_num":377,"body":"وقال أيضًا: \"والقاعدة الكلية في شرعنا: أن الدعاء إن كان واجبًا أو مستحبًا فهو حسن يثاب عليه الداعي، وإن كان محرمًا كالعدوان في الدعاء فهو ذنب ومعصية، وإن كان مكروهًا فهو ينتقص مرتبة صاحبه، وإن كان مباحًا مستوي الطرفين فلا له ولا عليه\" (¬١).\rفاتضح من هذا أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة: وإليك تفصيل ذلك:\rالدعاء الواجب:\rالدعاء الواجب ينقسم إلى قسمين: واجب باتفاق، وواجب مختلف فيه.\rفمن الواجب المتفق عليه: دعاء الفاتحة، والتوبة، والاستغفار.\rومن الواجب المختلف فيه: الدعاء الذي في آخر التشهد، ودعاء دخول المسجد والصلاة على النبي ﷺ.\rوإليك نبذة في الكلام على هذه الأمور، فنبدأ أولًا بدعاء الفاتحة.\r\rالأول: دعاء الفاتحة:\rاتفق العلماء من حيث الجملة - وإن اختلفوا في بعض الصور كالمأموم - على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فهي أعظم سورة في القرآن الكريم كما ثبت ذلك في الحديث (¬٢) الصحيح، وقد أوجب الله علينا قراءتها في كل ركعة، وكل مسلم يجب عليه أن يكررها في اليوم والليلة سبع عشرة مرة، هذا في الصلاة المفروضة عدا النوافل والسنن، وأما مع","footnotes":"(¬١) الاحتجاج بالقدر ص: ٦٠ - ٦١، وانظر الفتاوى: ١٠/ ٢٧٩.\r(¬٢) فقد روى البخاري عن أبي سعيد المعلي أن النبي ﷺ قال له: \"لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد\"، ثم قال له: \"الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته\"، الصحيح: ٨/ ١٥٦ رقم (٤٤٧٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048730,"book_id":1098,"shamela_page_id":378,"part":"1","page_num":395,"sequence_num":378,"body":"النوافل الرواتب وغيرها فأكثر من ذلك بكثير، وما شرع ذلك إلَّا لحكمة جليلة وسر عظيم، وقد علم أن الصلاة أفضل ما يتقرب به العبد في الجملة: \"وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح، أفضل كلمها الطيب القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود\" (¬١).\rوالقرآن الذي تجب قراءته على المصلي هو الفاتحة، قال ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتفق عليه: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (¬٢).\rوقال ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: \"قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\" (¬٣).\rفقد أطلق في هذا الحديث لفظ الصلاة على القراءة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] \"أي بقراءتك كما جاء مصرحًا به في الصحيح عن ابن عباس (¬٤).\rوهكذا قال في هذا الحديث: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل\".","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٤/ ٥، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٦٢.\r(¬٢) البخاري: ٢/ ٢٣٧ رقم ٧٥٦، ومسلم: ١/ ٢٩٥ رقم ٣٩٤.\r(¬٣) رواه مسلم: الصلاة ١/ ٢٩٦ رقم ٣٩٥.\r(¬٤) رواه البخاري في تفسير سورة الإسراء: ٨/ ٤٠٤ رقم ٤٧٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048731,"book_id":1098,"shamela_page_id":379,"part":"1","page_num":396,"sequence_num":379,"body":"ثم بيّن تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة القراءة في الصلاة وأنها من أكبر أركانها إذ أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] والمراد صلاة الفجر كما جاء مصرحًا به في الصحيحين: \"إنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (¬١) \" (¬٢).\rوهذا كله يدل على فضل هذه السورة وفضل ما اشتملت عليه من الدعاء العظيم، وقد ثبت كما في الحديث السابق أن هذه السورة منقسمة بين الله وبين عبده وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة فإياك نعبد مع ما قبلها لله، وإياك نستعين مع ما بعدها للعبد وله ما سأل.\rولهذا قال من قال من السلف: نصفها ثناء، ونصفها مسألة، وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء، وهما نوعا الدعاء وهما جميعًا مختصان بالله حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك.\rوإذا كان الله قد فرض علينا أن نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه، إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف، ودعاء، وسؤال، هو إيجاب لمعناه، ليس إيجابًا لمجرد لفظ لا معنى له، فإن هذا لا يجوز أن يقع، بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب مجرد العبادة والاستعانة، فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب، أو القلب والبدن، بل أوجب الله دعاءه، ومناجاته، وتكليمه، ومخاطبته بذلك، ليكون الواجب من ذلك كاملًا صورة ومعنى بالقلب وبسائر الجسد (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٢/ ١٣٧ رقم ٦٤٨، ومسلم: ١/ ٤٥٠ رقم ٦٤٩.\r(¬٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١١.\r(¬٣) الفتاوى: ١٤/ ٨، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل لله ص: ١٦٥، وبيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048732,"book_id":1098,"shamela_page_id":380,"part":"1","page_num":397,"sequence_num":380,"body":"مدى ضرورة الإنسان إلى هذا الدعاء (¬١):\rالإنسان مضطر دائمًا إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، لأنه يحتاج كل وقت وفي كل لحظة، أن يفعل ما أمره الله به في ذلك الوقت، من علم وعمل، وأن لا يفعل ما نهى عنه، ويحتاج أيضًا إلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة جازمة لترك المحظور، فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله الله مريدًا للعمل بعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديًا، ويحتاج أيضًا إلى أن يجعله الله قادرًا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة والقدرة على ذلك لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك الوقت إلى الصراط المستقيم، وأن يجعله قادرًا على ذلك، ويدخل في هذا من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه، نعم حصل له هدى مجمل بدخوله في دين الإسلام، ولكن هذا المجمل لا يغنيه إن لم يحصل له هدى مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول الخلق، ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم، وإنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الناس المأمورين بهذا الدعاء ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم، فإن","footnotes":"(¬١) يراجع في هذا إلى الكتب التالية: جامع الرسائل: ١/ ٩٩ - ١٠٠، وكتاب التوحيد وإخلاص العمل: ١٩٣ - ١٩٥، والفتاوى: ١٤/ ٣٧، ٣٢٠ - ٣٢٢ و ١٠/ ١٠٨ - ١٠٩، ومدارج السالكين: ١/ ٩ - ١٠، وإغاثة اللهفان: ١/ ٢٠، ومفتاح السعادة: ١/ ١٠٧، ورسالة الصلاة: ١٤٤ - ١٤٥، وبدائع الفوائد: ٢/ ٣٨، ورتب فيه ابن القيم هذه الأمور التي يحتاج إليها الإنسان إلى سبعة أمور وهي مذكورة هنا بدون تفصيل:\r١ - معرفة كونه محبوبًا للرب، ٢ - أن يحصل له عزم عليه، ٣ - أن يقوم به فعلًا وتركًا، هذه الثلاثة أصول الهداية، وثلاثة أخرى من تمامها:\r١ - الحاجة إلى تفصيلها، ٢ - أن يهتدي إلى جميع الوجوه، لا إلى وجه واحد، ٣ - الدوام والاستمرار. وذكر أمرًا سابعًا وهو التوبة مما مضى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048733,"book_id":1098,"shamela_page_id":381,"part":"1","page_num":398,"sequence_num":381,"body":"الإنسان خلق ظلومًا جهولًا، فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائمًا إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدلٍ في محبته وبغضه ورضاه، وغضبه، وفعله، وتركه، وإعطائه، ومنعه، وأكله، وشربه، ونومه، ويقظته.\rفكل ما يقوله وما يعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم يمن الله عليه العلم المفصل والعدل المفصل، وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم.\rوقد قال تعالى لنبيه ﷺ بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢]، فإذا كان هذا حاله في آخر حياته، أو قريبًا منها، فكيف حال غيره؟.\rوقال في حق موسى وهرون: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٧، ١١٨].\rوالمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الأمور الخبرية العلمية الاعتقادية والعملية، مع أنهم كلهم متفقون على أن محمدًا حق، والقرآن حق، فلو حصل لكل منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه لم يختلفوا ثم الذين علموا ما أمر الله به أكثرهم يعصونه ولا يحتذون حذوه، فلو هدوا إلى الصراط المستقيم في تلك الأعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهوا عنه.\rوالذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين كان من أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة مع علمهم بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائمًا في أن يهديهم الصراط المستقيم فبدوام هذا الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله.\rثم ما حصل فيه الهدى في الماضي فهو محتاج إلى حصول الهدى فيه في المستقبل، فالناس كلهم مضطرون إلى هذا الدعاء، ولهذا فرضه الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048734,"book_id":1098,"shamela_page_id":382,"part":"1","page_num":399,"sequence_num":382,"body":"عليهم في كل صلاة فليسوا إلى شيء من الدعاء أحوج منهم إليه وإذا حصل الهدي إلى الصراط المستقيم، حصل النصر والرزق وسائر ما تطلبه النفوس من السعادة.\rفحاجة العبد إلى سؤال هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته وفلاحه بخلاف حاجته إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه فإذا انقطع رزقه مات والموت لا بد منه، فإذا كان من أهل الهداية كان سعيدًا قبل الموت وبعده، وكان الموت موصلًا إلى السعادة الأبدية، وكذلك النصر إذا قدر أنه غلب حتى قتل فإنه يموت شهيدًا، وكان القتل من تمام النعمة.\rفتبين بهذا أن الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق بل لا نسبة بينهما لأنه إذا هدي كان من المتقين ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].\rوكان ممن ينصر الله ورسوله ومن نصر الله نصره الله وكان من جند الله وهم الغالبون، ثم أيضًا إن الهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر، فالهدى التام - وهو أن يهتدي ويأمر غيره ويهديه بقوله وفعله ورؤيته - يتضمن الرزق والنصر لأنه إذا هدي ثم أمر وهدي غيره بقوله وفعله ورؤيته اكتمل له الهدى التام فيحصل له كل مطلوب ومقصود.\rوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن من ضل عن علم فهو شبيه باليهود ومن ضل عن جهل فهو شبيه بالنصارى، ثم قال: \"ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق، علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه وإن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته، وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم\" (¬١).","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ٢/ ٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048735,"book_id":1098,"shamela_page_id":383,"part":"1","page_num":400,"sequence_num":383,"body":"وبما سبق تقريره يعلم الجواب عما أورده (¬١) بعضهم في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ حيث قالوا: المؤمن قد هدي إلى الصراط المستقيم فأي فائدة في طلب الهدى؟\rثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى، أو يقول بعضهم: الزم قلوبنا الهدى، ويقول بعضهم: زدني هدى، وإنما يوردون هذا السؤال لعدم تصورهم الصراط المستقيم الذي يطلب العبد الهداية إليه.\r\rمكانة هذا الدعاء:\rفاتضح مما سبق تقريره أن دعاء الفاتحة أفضل دعاء دعا به العبد ربه، وأوجب دعاء، وأنفعه، وأعظمه، وأحكمه، وهو أجل المطالب ونيله أشرف المواهب، وأنجح الرغائب، لأنه جامع لكل مطلوب لأن فيه طلب الإعانة على مرضاة الله فإذا أعين الإنسان على مرضاة الله حصل له كل خير واندفع عنه كل الشرور، وبهذا تجتمع له مصالح الدين والدنيا والآخرة.\rوفيه أيضًا طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، فإذا هدي الإنسان إلى الصراط المستقيم في علمه وعمله وأحواله كلها، لم يبق له شيء من المطالب إلا ودخل في ذلك، فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير، والسلامة من كل شر (¬٢).\rوقد قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: \"والهداية لأفضل","footnotes":"(¬١) انظر في هذا الإيراد الكتب التالية: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٤٩، وجامع البيان للطبري: ١/ ٧٢، والفتاوى: ١٠/ ١٠٦ - ١٠٧، وبدائع الفوائد: ٢/ ٣٧، ومفتاح دار السعادة: ١/ ١٠٨\r(¬٢) انظر الفتاوى: ١٤/ ٤٠، ٣٢٠ و ١٧/ ١٣٢، والاحتجاج بالقدر: ٤٦، ومدارج السالكين: ١/ ١٠، ٢٣، ٢٤، ٥٢، وزاد المعاد: ٤/ ١٧٧ - ١٧٨، ورسالة الصلاة ص: ١٤٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ١٤٧، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ٧١، وتفسير الفاتحة ص: ٥١، وشرح الطحاوية ص: ٥٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048736,"book_id":1098,"shamela_page_id":384,"part":"1","page_num":401,"sequence_num":384,"body":"الأعمال والأحوال والأقوال في أوقاتها المضروبة لها أفضل ما مَنَّ به الإله ﷾\" (¬١).\rثم إن هذا الدعاء اشتمل على أكمل صيغ الدعاء من الجمع بين الثناء على المسؤول وإفراده بالطلب وسؤال الحاجة، ففي الفاتحة تعليم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه، وتمجيده وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء (¬٢).\rفتبين بهذا لماذا كان هذا الدعاء هو المفروض، دون غيره من الأدعية، ولماذا لا يقوم غير الفاتحة مقامها؟\r\rالثاني: التوبة والاستغفار:\rقد اتفق العلماء على وجوب التوبة من الذنب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].\rوقال عز من قائل: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].\rوقال سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].\rولفظ الأمر في هذه الآيات للوجوب إذ لا صارف له، فثبت بهذا وجوب الاستغفار وقد تقدم في التعريف (¬٣) أن الاستغفار نوع من أنواع الدعاء.","footnotes":"(¬١) قواعد الأحكام: ٢/ ١٩١.\r(¬٢) مدارج السالكين: ١/ ٢٣، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٦.\r(¬٣) تقدم ص: ٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048737,"book_id":1098,"shamela_page_id":385,"part":"1","page_num":402,"sequence_num":385,"body":"قال ابن القيم ﵀ في مناقشته لمن أنكر وجوب الصلاة على النبي ﷺ: \"إن قولكم: الدعاء لا يجب باطل، فإن من الدعاء ما هو واجب، وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها\" (¬١).\r\rالدعاء المختلف في وجوبه:\rفمن الدعاء المختلف في وجوبه:\r١ - الدعاء الذي في آخر الصلاة فقد كان النبي ﷺ يدعو به في صلاته ويأمر به أصحابه.\rفقد روى طاوس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: \"قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات\" (¬٢).\rفهذا الدعاء تنازع العلماء في وجوبه فأوجبه طاوس، قال مسلم بن الحجاج بعد إخراجه للحديث: \"بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أعد صلاتك لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال\" (¬٣).\rوقد تبع طاوسًا طائفة من الفقهاء وهو قول في مذهب أحمد (¬٤).\rويرى ابن حزم أنه يلزم المصلي أن يقوله في التشهدين الأول","footnotes":"(¬١) جلاء الأفهام: ٣١٢ - ٣١٣.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ١/ ٤١٣ رقم ٥٩٠. وله شاهد من حديث عائشة، أخرجه البخاري: ٢/ ٣١٧ رقم ٨٣٢، ومسلم: ١/ ٤١٢ رقم ٥٨٩، ومن حديث أبي هريرة أخرجه مسلم برقم ٥٨٨.\r(¬٣) صحيح مسلم: ١/ ٤١٣.\r(¬٤) الفتاوي: ١٠/ ٧١٣ و ٢٢٠/ ٣٨١، والفتح: ٢/ ٣٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048738,"book_id":1098,"shamela_page_id":386,"part":"1","page_num":403,"sequence_num":386,"body":"والأخير وأن ما ورد في بعض طرق الرواية من تقييد ذلك بالتشهد الأخير لا يخص العموم الوارد في الروايات الأخرى فيشمل اسم التشهد الجميع (¬١).\rوهذا مردود لمخالفته قاعدة حمل المطلق على المقيد لاسيما مع اتحاد مخرج الحديث (¬٢).\rوقد عد الحافظ ابن حجر إيجاب ابن حزم له في التشهد الأول إفراطًا (¬٣).\rوالذين لم يقولوا بوجوب هذا الدعاء استدلوا بحديث ابن مسعود في التشهد وفيه: ثم يتخير من الدعاء\" (¬٤).\rقال ابن المنذر: لولا حديث ابن مسعود: \"ثم ليتخير من لقلت بوجوبها\" (¬٥).\rويمكن أن يقال: إن الأمر بالتخيير يحمل على الأدعية التي بعد الاستعاذة فيتخير في الأدعية التي بعدها، وأما الاستعاذة من هذه الأمور الأربعة فلا تخيير فيها (¬٦).\rهذا ومما لا شك فيه أن هذا الدعاء من أوكد الأدعية وأهمها في التشهد.\rقال شيخ الإسلام: ولا ريب أنه أوكد الأدعية المشروعة في هذا الموضع فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أمر بدعاء بعد التشهد إلا بهذا","footnotes":"(¬١) المحلى: ٣/ ٢٧١ - ٢٧٢.\r(¬٢) انظر هامش المحلى: ٣/ ٢٧٢.\r(¬٣) الفتح: ٢/ ٣٢١.\r(¬٤) البخاري مع الفتح: ٢/ ٣٢٠ رقم ٨٣١ و ٨٣٥، ومسلم: ١/ ٣٠١ رقم ٤٠٢.\r(¬٥) الفتح: ٢/ ٣٢١.\r(¬٦) انظر الإشارة إلى هذا في الفتح: ٢/ ٣١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048739,"book_id":1098,"shamela_page_id":387,"part":"1","page_num":404,"sequence_num":387,"body":"الدعاء، وإنما نقل عنه أنه كان يقول: أدعية مشروعة، وأمره أوكد من فعله باتفاق المسلمين\" (¬١).\r٢ - ومن الدعاء المختلف في وجوبه في وجوبه دعاء دخول المسجد.\rفقد ذهب ابن حزم إلى وجوبه وأن من دخل المسجد وتركه فقد عصى الله بتركه مع صحة صلاته (¬٢).\rوالظاهر أنه أوجبه لورود الأمر به حيث ذهب في دعاء الاستفتاح إلى عدم الوجوب وعلل ذلك بقوله:\r\"وإنما لم نذكر ذلك فرضًا لأنه فعل منه ﵇ ولم يأمر به، فكان الائتساء به حسنًا\" (¬٣).\rفدل هذا التعليل على أن إيجابه لدعاء دخول المسجد للأمر الوارد فيه وهو قوله ﷺ: \"إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك\" (¬٤).\r٣ - ومن الدعاء المختلف فيه الصلاة على النبي ﷺ، فقد ذكر الحافظ ابن حجر (¬٥) أن حاصل ما وقف عليه من أقوال العلماء في حكمها عشرة، مذاهب منها الوجوب في الجملة بغير حصر، ومنها أنها تجب في العمرة مرة ومنها أنها تجب في التشهد الأخير، ومنها أنها تجب في\rالصلاة من غير تعيين المحل ومنها أنها تجب في كل دعاء.\rوقد ذكر ابن القيم (¬٦) أدلة بعض هذه المذاهب وناقشها بتوسع وأطال في ذلك.","footnotes":"(¬١) بغية المرتاد ص: ٥١٣ - ٥١٤.\r(¬٢) المحلى: ٤/ ٦٠.\r(¬٣) المحلى: ٤/ ٩٧.\r(¬٤) أخرجه مسلم: ١/ ٤٩٤ رقم ٧١٣، والنسائي: ٢/ ٤١، وأخرجه أبو داود: ١/ ٣١٧ رقم ٤٦٥، كلهم من حديث أبي حميد أو أبي أسيد.\r(¬٥) فتح الباري: ١١/ ١٥٢ - ١٥٣.\r(¬٦) جلاء الأفهام: ٢٢٩ - ٢٤٠، وفي ١٩٣ - ٢١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048740,"book_id":1098,"shamela_page_id":388,"part":"1","page_num":405,"sequence_num":388,"body":"والمقصود هنا بيان أن الصلاة على النبي ﷺ من الدعاء المختلف في وجوبه ولهذا نكتفي بهذا القدر بدون توسع.\rوأما الدعاء المستحب فهو كثير جدًّا وغالب الأدعية المأثورة من هذا الباب نحو أدعية النوم والاستيقاظ والدعاء عقب الوضوء، والدعاء بين الأذان والإقامة ودعاء الاستخارة، وقد ورد الأمر بصلاة الاستخارة، وبالدعاء عقبها والعلماء لم يقولوا بالوجوب مع ورود الأمر به (¬١). ولعله قد ثبت عندهم الصارف.\rوأما الدعاء المحرم فهو يتنوع إلى نوعين:\rوذلك أن التحريم تارة من جهة المطلوب، وتارة من جهة نفس الطلب، فالأول مثل أن يسأل الله ما يضره في دنياه أو في آخرته، ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيًا عنه وأما الثاني الذي هو من جهة الطلب فمثل دعاء غير الله تعالى أو دعاء بكلمات فيها اعتداء (¬٢) وقد قسم القرافي الدعاء المحرم إلى قسمين:\r١ - نوع محرم ينتهي إلى الكفر.\r٢ - نوع محرم لا ينتهي إلى الكفر.\rثم هذان النوعان قد قسمهما أيضًا القرافي المالكي إلى أقسام، وقد قسم الذي ينتهي إلى الكفر إلى أربعة أقسام (¬٣).\rثم قسم المحرم الذي لا ينتهي إلى الكفر إلى اثني عشر قسمًا (¬٤)، وعد كل تلك الأقسام ومثل لها بأمثلة.\rولكن كثيرًا من تلك الأقسام والأمثلة عليها مؤاخذات لأن ذلك","footnotes":"(¬١) نيل الأوطار: ٣/ ٨٣.\r(¬٢) انظر اقتضاء الصراط ص: ٣٥٢ - ٣٥٥.\r(¬٣) انظر الفروق: ٤/ ٢٦٠ - ٢٦٥.\r(¬٤) انظر المرجع السابق: ٤/ ٢٦٥ - ٢٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048741,"book_id":1098,"shamela_page_id":389,"part":"1","page_num":406,"sequence_num":389,"body":"التقسيم عقلي اعتمد فيه القرافي على الاحتمالات العقلية وما يقتضيه التقسيم المنطقي، وكثير منها لا دليل عليها بل في بعضها خالف النصوص القطعية ولهذا رد عليه العلماء وبينوا خطأه فيها (¬١).\rومن الأمور التي عليه فيها مؤاخذة ما ذكره بقوله: \"القسم الثالث الذي ليس بكفر وهو محرم أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة، الأول أن يقول ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ مع أن رسول الله ﷺ قد قال: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (¬٢).\rفقد دل هذا الحديث على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد فيكون طلبها من الله تعالى طلبًا لتحصيل الحاصل فيكون سوء أدب على الله تعالى لأنه طلب عري عن الحاجة والافتقار إليه\" (¬٣).\rوهذا الكلام - كما هو واضح - غير صحيح فكيف يكون ما","footnotes":"(¬١) وممن رد عليه ابن الشاط قاسم بن عبد الله (ت (٧٢٣ هـ) في كتابه البروق في تعقب مسائل القواعد والفروق وهو مطبوع بهامش الفروق فقد اعترض على كثير مما أورده القرافي وكذلك الزركشي في كتابه الأزهية في أحكام الأدعية فقد نقل عنه بعض كلامه ثم قال: هذا حاصل ما ذكره القرافي وفيه نظر\" الأزهية: ١٤٧، ونحوه في موضع آخر، انظر ص ١٥٠ ولعل ابن القيم أراده عندما قال: ورأيت بعض متعمقي هؤلاء في كتاب له لا يجوز الدعاء بهذا وإنما يجوزه تلاوة لا دعاء مدارج السالكين: ٣/ ١١٨، واعترض عليه أيضًا ابن حجر الهيتمي في الإعلام بقواطع الإسلام: ٢/ ١٧٧ - ١٨٠.\r(¬٢) قد روي الحديث من طريق أبي ذر وثوبان وابن عمر وأبي بكرة وأم الدرداء والحسن البصري مرسلًا، وهذه الطرق لا تخلو من ضعف لكن يقوي بعضها بعضًا ومن هنا قال السخاوي ومجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلًا، ونقل عن النووي تحسينه المقاصد ص: ٢٣٠ رقم ٥٢٨\" وقد صححه أيضًا الألباني في صحيح الجامع: ٣/ ١٧٩ رقم ٣٥٠٩، وفي الإرواء: ١/ ١٢٤ رقم ٨٢.\r(¬٣) الفروق: ٤/ ٢٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048742,"book_id":1098,"shamela_page_id":390,"part":"1","page_num":407,"sequence_num":390,"body":"حكاه الله تعالى عن الرسول والمؤمنين أنهم يقولونه محرمًا ويكون الدعاء به لا فائدة فيه؟ ثم من الذي قال من السلف بهذه القاعدة التي تخالف الكتاب والسنة وعمل المسلمين؟ فإن المسلمين ما زالوا يدعون بهذا الدعاء في ابتهالاتهم إلى الله تعالى وهو من أفضل الدعوات\" (¬١).\rثم إن القاعدة التي وضعها منقوضة بمثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران ١٩٤]، وقول الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ [غافر: ٨] وبمثل طلب الوسيلة للنبي الله والصلاة والسلام عليه وعلى الأنبياء (¬٢).\rوورد في حديث أبي ذر مرفوعًا: \"إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم فإنها صلاة وقرآن ودعاء\" (¬٣).\rوأما الدعاء المكروه:\rفهو مثل الدعاء الذي يشتمل على السجع المتكلف، والتشدق، والتشهق.\rوكالدعاء الذي فيه الاعتداء كقول الرجل: \"اللهم إني أسألك القصر الأبيض في يمين الجنة\".\rوقد تقدم بيان أنواع الاعتداء في الدعاء فبعض أنواع الاعتداء محرم وبعضها مكروه (¬٤).","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ٣/ ١١٩.\r(¬٢) انظر حاشية ابن عابدين على الدر: ١/ ٥٢٢.\r(¬٣) أخرجه الحاكم: ١/ ٥٦٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: كذا قال ومعاوية - يعني ابن صالح - لم يحتج به البخاري قال: ورواه ابن وهب عن معاوية مرسلًا ويؤيده ما أخرجه الفريابي في الذكر وابن الضريس في فضائل القرآن، وأبو عبيد عن ابن المنكدر مرسلًا في فضائل القرآن - بلفظ: \"إنهن قرآن وإنهن دعاء انظر الدر المنثور: ١/ ٣٧٨، والأزهية: ١٤٨.\r(¬٤) وقد ذكر القرافي خمسة أسباب للدعاء المكروه:\r١ - الأماكن كالحمامات، ٢ - =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048743,"book_id":1098,"shamela_page_id":391,"part":"1","page_num":408,"sequence_num":391,"body":"وأما الدعاء المباح:\rفهو كالدعاء الذي لطلب الفضول التي لا معصية فيها (¬١) إذا لم يكن طلبه لهذا المباح للاستعانة به على طاعة الله لأنه إن قصد بطلب المباح الاستعانة به على طاعة الله وعبادته يكون دعاؤه من باب المندوب ولم يكن من المباح (¬٢).\rوالحاصل أنه قد اتضح مما سبق أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة وأن منه ما هو محرم وهذا المحرم منه ما ينتهي إلى الكفر ومنه ما لا ينتهي، وتفصيل ما هو محرم وينتهي إلى الكفر والذي لا ينتهي هو الذي نبحث عنه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.","footnotes":"= الهيئات كالدعاء مع النعاس، ٣ - الخوف من تسببه للكبر والخيلاء، ٤ - كون متعلقه مكروهًا كالدعاء بالإعانة على اكتساب الرزق بالحجامة، ٥ - عدم تعينه للقربة والطاعة كالذي يجري على اللسان بدون قصد. وهذا الأخير يعترض عليه بمثل تربت يداك.\r(¬١) الفتاوى: ١٠/ ٧١٤.\r(¬٢) المرجع نفسه: ١٠/ ٢٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048744,"book_id":1098,"shamela_page_id":392,"part":"1","page_num":409,"sequence_num":392,"body":"الباب الثالث في الدعاء غير المشروع\rويشتمل على ثلاثة فصول:\rالفصل الأول في دعاء غير الله تعالى وما ورد في التحذير منه ومفاسده وأسباب انتشاره في العالم الإسلامي.\rالفصل الثاني في مراتب الدعاء غير المشروع، ومظاهر غلو المتأخرين فيه وحكم من دعا غير الله تعالى.\rالفصل الثالث: في الأدعية المبتدعة وما ورد في التحذير من الابتداع في الدعاء وغيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048745,"book_id":1098,"shamela_page_id":393,"part":"1","page_num":411,"sequence_num":393,"body":"الفصل الأول في دعاء غير الله تعالى، وما ورد في التحذير منه، ومفاسده وأسباب انتشاره في العالم الإسلامي\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: فيما ورد في التحذير منه ومفاسده.\rويشتمل على تمهيد وثلاثة مطالب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048746,"book_id":1098,"shamela_page_id":394,"part":"1","page_num":413,"sequence_num":394,"body":"المبحث الأول فيما ورد من التحذير من دعاء غير الله في كتاب الله تعالى والسنة النبوية وبيان مفاسده وآثاره الضارة\rتمهيد:\rإن دعاء غير الله تعالى قبيح شرعًا وعقلًا واتفقت الفطر السليمة والشرائع المنزلة على منع ذلك وقبحه وشناعته.\rوأجمع علماء الأمة على أن طلب الحوائج من غير الله تعالى من الأموات والاستغاثة بهم شرك بالله تعالى يخرج من الملة.\rوتواترت أدلة الكتاب والسنة على التحذير من ذلك والمبالغة في النهي عنه، والتشنيع على فاعله وذم مرتكبه.\rوتضافرت نصوص الكتاب والسنة على ذلك حتى صار من ضروريات الإسلام التي لا يرتاب فيها كل من فهم الكتاب والسنة.\rوهذا ليس خاصًّا بالشريعة الإسلامية بل الشرائع كلها جاءت بذلك فهو من الأصول الثابتة التي اتفقت فيها الشرائع السماوية، والكتب المنزلة.\rففي التوراة: إن موسى ﵇ نهى بني إسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله وذلك أن دين الأنبياء ﵈ واحد وإن تنوعت شرائعه كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"إنا معاشر الأنبياء ديننا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048747,"book_id":1098,"shamela_page_id":395,"part":"1","page_num":414,"sequence_num":395,"body":"واحد\" (¬١) (¬٢). فالأنبياء متفقون في الأصول الأساسية، فمن الأصول المتفق عليها بين النبوات \"المنع من دعاء الغائبين والأموات فلا يدعون الشفاعة ولا غيرها (¬٣).\rومع أن الأنبياء جاؤوا بهذا الأصل العظيم إلا أن الشريعة الخاتمة جاءت على وجه خاص لا يوجد في غيرها من الشرائع حيث حافظت على التوحيد الخالص والمنع من دعاء غير الله تعالى أشد المحافظة، فسدت كل الطرق المؤدية إلى ما يناقض التوحيد أو يمنع كماله أو يخدش فيه، لأن هذا الأصل به يتحقق إخلاص الدعاء بنوعيه الله تعالى فيتحقق الغرض الذي خلقنا أجله، من، وهو إخلاص العبادة الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\rومن هنا جاءت هذه الشريعة الغراء بالتحذير البالغ مما يناقض هذا الأصل أو يمنع كماله.\rومن أهم ما يناقضه: دعاء غير الله تعالى ولهذا جاء التحذير منه بأساليب متنوعة نشير إلى بعضها إن شاء الله تعالى.\r\rالمطلب الأول: الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله تعالى، وأساليب القرآن المتنوعة في ذلك:\rلقد حذر الله ﷾ من دعاء غيره في القرآن الكريم تحذيرًا بالغًا وتنوعت أساليب القرآن في ذلك، وتكررت في مناسبات شتى ومواضع متعددة وبعبارات متنوعة، وذلك لخطورة دعاء غير الله تعالى وكونه أعظم الظلم وأكبر معصية عصى الله به، ولكونه أكثر وقوعًا من غيره من أنواع الكفر الأخرى وأكثر انتشارًا في جميع أصناف الناس وطبقاتهم، وجميع الأزمان والأمكنة.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٦/ ٤٧٧ رقم ٣٤٤٢، ومسلم: ٤/ ١٨٣٧ رقم ٢٣٦٥.\r(¬٢) قاعدة في التوسل: ١٥٣.\r(¬٣) مصباح الظلام: ٢٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048748,"book_id":1098,"shamela_page_id":396,"part":"1","page_num":415,"sequence_num":396,"body":"ولهذا أبدى الله في كتابه العزيز التحذير منه وأعاد، ونَوَّعَ الأساليب كما نوع الأدلة والبراهين على قبح ذلك في الفطر والعقول السليمة.\rوهذا موجز لبعض تلك الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله تعالى ونوردها حسب الموضوعات التي تتحدث عنها والأساليب التي وردت بها، وإليك تلك الآيات الكريمة:\r١ - آيات نَهَى اللهُ فيها عن دعاء غيره مخاطبًا فيها نبيه وصفيه محمدًا ﷺ وهذا أبلغ ما يكون من النهي لأنه إذا كان الرسول ﷺ يحذره الله من دعاء غيره مع أنه المعصوم فمن باب أولى أن يخاف منه باقي الأمة، ويحذروا من الوقوع فيه وفي هذا رد صريح لمن يزعم أن الشرك لا يقع في هذه الأمة المرحومة.\rومن أمثلة تلك الآيات قوله تعالى:\r﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ففي هذه الآية تحذير - من أشد ما يكون من التحذير - من دعاء غير الله تعالى وأن فاعله ظالم أي مشرك فإن الظلم هو الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\rوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].\rوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٨].\rففي هاتين الآيتين أن من دعا غير الله مع الله فقد جعله إلها أي معبودًا، فكيف بمن أفرد الدعاء لغير الله تعالى، وأخلص الدعاء له واعتقد أن الأولياء أسرع (¬١) في الإجابة من الله تعالى؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\rففي هذه الآيات وجه خطاب التحذير إلى المصطفى ﷺ للدلالة على خطر دعاء غير الله تعالى.\r٢ - آيات وجَّه اللهُ فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى إلى جميع","footnotes":"(¬١) انظر ما سيأتي ص: ٥١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048749,"book_id":1098,"shamela_page_id":397,"part":"1","page_num":416,"sequence_num":397,"body":"الناس كافة منها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\rففيها نهي وتحذير عن دعاء غيره معه فكيف بإخلاص الدعاء لغيره؟ كما هو واقع عن كثير من الناس.\rكما أن فيها نهيًا عن دعاء أي شيء كائنًا ما كان سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو غيرهما لأن النكرة في سياق النهي تعم.\rومما لا ينقضي عجبه أن الكليني الرافضي أخرج بإسناده عن أبي الحسن وهو علي الرضا أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: نحن الأوصياء (¬١).\rوهذا من أقبح التحريف لكلام الله تعالى وتفسير له بما يناقض مدلوله صراحة فإن الآية دالة على النهي عن دعاء غير الله تعالى بصيغة هي من أوضح صيغ العموم.\rولكن القوم من أسخف الناس عقولًا إذ يصدقون بمثل هذا الكذب الواضح والتحريف الفظيع لكلام الله تعالى.\r٣ - آيات وجه الله فيها الخطاب لنبيه ﷺ بإخلاص الدعاء له وحده وفي ذلك الأمر نهي عن دعاء غيره تعالى لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده كما أن أمر النبي ﷺ أمر لأمته ونهيه نهي لأمته بأبلغ وجه كما أن الأمر بالدعاء يدل على أنه إما واجب أو مستحب وما كان كذلك لا يكون إلا عبادة والعبادة خصيصة من خصائص الله لا يجوز صرفها لغيره تعالى.\rمثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨].\rفقد أمر الله نبيه ﷺ إذا فرغ من الصلاة أو الجهاد أو غيرهما مما يشتغل به أن يفرد الله تعالى بالرغبة إليه بدعائه وسؤاله (¬٢).\rومن هذا الباب الآيات التي أمر فيها النبي ﷺ بالاستعاذة إذ","footnotes":"(¬١) الكافي: ١/ ٣٥٢.\r(¬٢) انظر ابن جرير الطبري: ٣٠/ ٢٣٦ - ٢٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048750,"book_id":1098,"shamela_page_id":398,"part":"1","page_num":417,"sequence_num":398,"body":"الاستعاذة نوع من الدعاء كما سبق (¬١) ومن أمثلتها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ [المؤمنون: ٩٧].\rففي هذه الآيات أمر للنبي ﷺ بالاستعاذة بالله تعالى فيفهم منه بطريق الاستعاذة بغيره تعالى لأنه لا يعقل أن يستعاذ بمخلوق المخالفة النهي عن من مخلوق، وقد صرح كثير من علماء السلف بهذا كما سيأتي (¬٢).\r٤ - آيات أمر الله فيها عباده بإخلاص الدعاء له وحده، وفي ذلك نهي عن دعاء غيره أو إشراكه معه في الدعاء، وذلك لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وهذه قاعدة مقررة في علم الأصول (¬٣).\rقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٣٩].\rوقال عز من قائل: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].\rوقال سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].\rوقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].\rوقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].\rوقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].\rوقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ففي الآية حصر لطلب الرزق بالله تعالى ويدل على ذلك تقديم الظرف. قال شيخ الإسلام ﵀: \"ولم يقل فابتغوا الرزق لأن تقديم الظرف يشعر","footnotes":"(¬١) سبق ص: ٨٨.\r(¬٢) سيأتي ص: ٤٢٦.\r(¬٣) القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام: ١٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048751,"book_id":1098,"shamela_page_id":399,"part":"1","page_num":418,"sequence_num":399,"body":"بالاختصاص والحصر كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله تعالى\" (¬١).\rوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فهذه الآية \"من أوضح الأدلة على تحريم دعاء الموتى، فإن الصلاة دعاء صريح قولًا وعملًا وقد دلت الآية على أن ذلك الله وحده لا شريك له. . .\" (¬٢).\rوقد تقدم (¬٣) بفضل الله تعالى بيان اشتمال الصلاة على الدعاء والعلاقة بينهما.\rوقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فهذه الآية تأمر (¬٤) بإخلاص الدعاء الله تعالى بالتوسل إليه بأسمائه الحسنى، كما تنهى عن الإلحاد فيها، فالأمر بالدعاء بالأسماء الحسنى فيه نهي عن الدعاء بغير الأسماء الحسنى فكيف بدعاء غير الله تعالى والاستعانة به؟\rومما يضحك ويبكي ما ذكره الكليني في الكافي بإسناده عن جعفر الصادق أنه قال في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: نحن الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا\" (¬٥).\rفهذا القول الذي حكاه كذبًا عن الصادق ﵀ يكفي في رده حكايته لوضوح تحريفه لكلام الله تعالى وكم للروافض من مثل هذه التحريفات لكلام الله تعالى!!!","footnotes":"(¬١) العبودية ص: ٩٢.\r(¬٢) مصباح الظلام: ٢٦٠.\r(¬٣) ص ٧٩ - ٨٤.\r(¬٤) قال الحافظ نقلًا عن غيره في هذه الآية أن التعريف في الأسماء للعهد فلا بد من المعهود فإنه أمر بالدعاء بها ونهي عن الدعاء بغيرها فلا بد من وجود المأمور بها. الفتح: ١١/ ٢٢١.\rوقال شيخ الإسلام فقد يقال: قوله: \"فادعوه بها\" أمر أن يدعى بالأسماء الحسنى وأن لا يدعى بغيرها كما قال: \"ادعوهم لآبائهم\" فهو نهي أن يدعوا لغير آبائهم .. اهـ. الفتاوى: ٦/ ١٤٢.\r(¬٥) الكافي: ١/ ١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048752,"book_id":1098,"shamela_page_id":400,"part":"1","page_num":419,"sequence_num":400,"body":"٥ - آيات تصور من يدعو غير الله تعالى بأحط صورة وتمثل هلاكه بما يوضح قبح دعاء غير الله تعالى ومدى شناعته، وفي ذلك أبلغ زجر وأشد تقريع.\rقال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا … ﴾ الآية [الأنعام: ٧١].\rوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].\rوقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٢].\r٦ - آيات تبين عجز المدعوين من دون الله تعالى وعدم استحقاقهم للدعاء وأهليتهم له، لأنه ليس لهم الصفات التي ينبغي أن تكون للذي يستحق أن يتوجه إليه بالدعاء.\rوفي ذلك أبلغ تحذير لمن يدعونها بتسخيف عقولهم وتسفيه أحلامهم وهذه المجموعة من الآيات التي تبين عجز المدعوين تتنوع إلى عدة أنواع: -\rأ - نوع بين الله فيها صفات من يستحق الدعاء من السمع والبصر المحيطين والعلم الشامل والحياة … إلى آخر الصفات التي يستحقها من يستحق أن يوجه إليه الدعاء وأن المدعوين من دون الله تعالى ليست لهم هذه الصفات.\rفمن الآيات التي بينت ذلك قوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ مع قومه:\r﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: [٧٢ - ٧٣].\rوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048753,"book_id":1098,"shamela_page_id":401,"part":"1","page_num":420,"sequence_num":401,"body":"تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦ - ٧].\rوقوله عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١].\rب - نوع بيّن الله فيها أن المدعوين من دون الله تعالى ليس لهم ملك ولا شراكة فيما يطلب منهم ولا تقبل منهم شفاعة فكيف يدعون وأي فائدة في ذلك؟\rقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].\rففي هاتين الآيتين نفي لكل من الملك والشراكة والمعاونة والشفاعة، وهذه الأمور الأربعة هي التي يمكن أن يدعيها الذين يَدْعُون غير الله لمن يدعونهم فإذا لم تكن ولا واحدة منها فلا يصح عقلًا أن يوجه السؤال لمن لا يتصف بواحدة منها فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا للتوحيد وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها\" (¬١).\rومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأحقاف: ٤].\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠].\rجـ - نوع بيّن الله فيها عجز المدعوين عن دفع الضرر عن أنفسهم فضلًا عن غيرهم وفي هذا أبلغ رادع لمن يطلب منهم دفع الضرر أو إيصال النفع.","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ١/ ٣٤٣، والقاعدة في التوسل: ١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048754,"book_id":1098,"shamela_page_id":402,"part":"1","page_num":421,"sequence_num":402,"body":"قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].\rوقال جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ [الأعراف: ١٩٧].\rد - نوع بين الله فيها عجزهم وعدم استطاعتهم لإزالة ضر أو جلب نفع عن الداعين لهم والمستغيثين بهم في الشدائد والمصائب.\rقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].\rوقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء: ٥٦].\r٧ - آيات توضح أن المدعوين أنفسهم يلتجئون إلى الله تعالى ويتقربون إليه فهم بين الخوف والرجاء أليس اللائق أن يلتجأ إلى من يلتجئون إليه وأن يتقرب إلى من يتقربون إليه؟.\rقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧].\rومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُون … ﴾ [النساء: ١٧٢].\r٨ - آيات وصفت دعاء غير الله تعالى بأنه شرك أو كفر أو وصفت الداعين بأنهم مشركون أو كافرون، وفي ذلك أعظم تحذير وأبلغ إنذار من دعاء غير الله تعالى.\rوستأتي (¬١) تلك الآيات إن شاء الله تعالى في مبحث حكم من دعا غير الله تعالى.\r٩ - آيات توضح أن دعاء غير الله تعالى ضلال مبين وأنه مضلة في الرأي","footnotes":"(¬١) ستأتي ص: ٥٢٩ - ٥٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048755,"book_id":1098,"shamela_page_id":403,"part":"1","page_num":422,"sequence_num":403,"body":"والفكر وأنه خسران مبين، وأنه لا يزداد بذلك إلا طغيانًا وضلالًا وإثمًا.\rقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ [الحج: ١٣ - ١٤].\rوقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦].\r١٠ - آيات تصف المؤمنين بإخلاص الدعاء الله وحده وبأنهم يلتجئون في الشدائد والكربات إلى الله وحده أو تخبر عن تعهد المؤمنين والتزامهم بإخلاص الدعاء الله تعالى وأنهم لا يدعون غيره، ففي هذا تعريض وتوبيخ لمن يلتجيء إلى غير الله تعالى في الشدائد والكربات ويدعو مع الله الأموات والغائبين ولا يلتزم بإخلاص الدعاء.\rقال تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].\rوقال عز شأنه: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤].\r١١ - آيات تبيّن غياب المدعوين عن الداعين عند هجوم الشدائد ونزول المحن والبلايا والمصائب مع العلم بأن الذي لا ينفع عند الاضطرار لا حاجة تدعو إلى عبادته ودعائه في الرخاء، ففي هذا أوضح تحذير وأبلغ زجر لمن يدعو ما لا ينفعه عند الشدائد.\rقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧].\rوقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ [فصلت: ٤٧ - ٤٨]\rوقال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ [غافر: ٧٣ - ٧٤].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048756,"book_id":1098,"shamela_page_id":404,"part":"1","page_num":423,"sequence_num":404,"body":"وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١].\rوقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾ [الأعراف: ٣٧].\rوقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ [هود: ١٠١].\r١٢ - آيات تتوعد من يدعو غير الله تعالى بالعذاب الأليم وبأن له الحساب القاسي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].\rوقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ١١٣].\r١٣ - آيات كثيرة حذر الله فيها من عبادة غيره بأساليب متعددة، وقد علمنا أن الدعاء هو العبادة.\rفتلك الآيات الواردة في التحذير من عبادة غير الله تعالى تكون محذرة أيضًا من دعاء غير الله تعالى لما تقدم من تلازم نوعي الدعاء: دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقد تقدم ذلك مفصلًا في مبحث (¬١) أقسام الدعاء ولله الحمد.\r\rالمطلب الثاني: فيما ورد من السنة المشرفة من التحذير من دعاء غير الله تعالى:\rقد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من توجيه السؤال والدعاء لغيره تعالى تصريحًا أو تلميحًا.\rومن تلك الأحاديث:","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ١١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048757,"book_id":1098,"shamela_page_id":405,"part":"1","page_num":424,"sequence_num":405,"body":"١ - ما ورد في ذم سؤال الناس أموالهم وفي ذلك تحذير بليغ من باب أولى من سؤالهم ما لا يقدرون عليه إذ كيف يمكن سؤالهم وهم أموات لا يعلمون شيئًا مما يطلب منهم ولا يقدرون عليه؟؟. فالأحاديث الدالة على ذم سؤال الناس كثيرة جدًّا منها:\rحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم\" (¬١).\rوحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به من الناس خير له أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه ذلك فإن اليد العليا خير من من السفلى\" (¬٢).\rوحديث عوف بن مالك الأشجعي مرفوعًا في البيعة: \"ولا تسألوا الناس شيئًا\" (¬٣)\r٢ - وهناك أحاديث تنهى عن دعاء غير الله تعالى وتحذر من مغبة ذلك وتبين أنه سبب لدخول النار أو تصفه بأنه أكبر الكبائر منها:\rقوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: \"من مات وهو يدعو الله ندا دخل النار\" (¬٤).\rوقوله ﷺ في حديث ابن مسعود أيضًا عندما سئل أيُّ الذنب أكبرُ عند الله؟: \"أن تدعو لله ندًا وهو خلقك\" (¬٥).\r٣ - ومنها أحاديث تأمر بسؤال الله تعالى وتحث عليه وترغب فيه، وفي ذلك زجر عن ضد ذلك لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فمن تلك","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٣/ ٣٣٨ رقم ١٤٧٤، ومسلم: ٢/ ٧٢٠ رقم ١٠٤٠.\r(¬٢) البخاري: ٣/ ٣٣٥ رقم ١٤٧٠، ومسلم: ٢/ ٧٢١ رقم ١٠٤٢.\r(¬٣) مسلم ٢/ ٧٢١ رقم ١٠٤٣.\r(¬٤) البخاري مع الفتح: ٨/ ١٧٦ رقم ٤٤٩٧، ومسلم: ١٢/ ٩٤ رقم ٩٢، وأحمد: ١/ ٣٧٤، ٤٦٢، ٤٦٤.\r(¬٥) البخاري: ١٢/ ١٨٧ رقم ٦٨٦١، وانظر: ٨/ ١٦٣ رقم ٤٤٧٧ بلفظ أن تجعل، وأخرجه مسلم: ١/ ٩١ رقم ٨٦، وأحمد: ١٨/ ٣٨٠، ٤٣١، ٤٣٤، ٤٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048758,"book_id":1098,"shamela_page_id":406,"part":"1","page_num":425,"sequence_num":406,"body":"الأحاديث قوله ﷺ: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله\" (¬١).\rوعن أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: \" … يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. . .\" (¬٢).\r٤ - ومنها أحاديث تأمر بالاستعاذة بالله، وكلماته، وتحث عليه ومثلها الأحاديث التي فيها استعاذة الرسول ﷺ بالله وكلماته. وقد تقدم لنا في التعريف أن الاستعاذة نوع من الدعاء، ففي الأمر بالاستعاذة بالله وكلماته نهي عن الاستعاذة بغير الله وكلماته، ففي ذلك نهي عن الاستعاذة بالمخلوق.\rوبهذا استدل الإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق، إذ المخلوق لا تجوز الاستعاذة (¬٣) به.\rقال نعيم بن حماد شيخ البخاري: \"دلت هذه الأحاديث -يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها - على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقًا لم يستعذ بها إذ لا يستعاذ بمخلوق. قال الله تعالى: ﴿فاستعذ بالله﴾ وقال النبي ﷺ: \"وإذا استعذت فاستعذ بالله\" (¬٤) وقال نعيم أيضًا: \"لا يستعاذ بالمخلوق ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة\" (¬٥).\rوقال الخطابي ﵀: \"وكان أحمد بن حنبل يستدل بقوله بكلمات الله التامة على أن القرآن غير مخلوق، وهو أن رسول الله ﷺ لا يستعيذ بمخلوق\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) سيأتي تخريجه ص ٥٣٣.\r(¬٢) أخرجه مسلم مطولًا: ٤/ ١٩٩٤ رقم ٢٥٧٧.\r(¬٣) الرد على البكري: ٢٨٧، ومنهاج السنة: ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥، واقتضاء: ٤١٨، وجامع الرسائل: ٢/ ١٩، وقاعدة التوسل: ١٤٠، وملحق المصنفات: ١٠٢.\r(¬٤) الفتح: ١٣/ ٣٨١.\r(¬٥) خلق أفعال العباد للبخاري ص: ٥٧، وانظر نحوه عن سوار بن عبد الله القاضي في كتاب السنة لعبد الله: ١/ ١٦٢ رقم ١٧٢.\r(¬٦) معالم السنن للخطابي: ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣، ونحوه في الأسماء والصفات للبيهقي ص: ٢٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048759,"book_id":1098,"shamela_page_id":407,"part":"1","page_num":426,"sequence_num":407,"body":"ومن تلك الأحاديث ما روته خولة بنت حكيم السلمية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا نزل أحدكم منزلًا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه\" (¬١) \".\rوما رواه ابن عباس ﵄ قال: \"كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة\" (¬٢).\rوقد نص كثير من علماء السلف عند ذكرهم لأحاديث الاستعاذة بكلمات الله تعالى ودلالتها على أن القرآن غير مخلوق، نصوا على أنه: لا تجوز الاستعاذة بغير الله تعالى وأن ذلك لا يمكن أن يصدر عن مسلم عاقل وإليك نصوصهم:\rأ - قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) وقد تقدم نقله قريبًا (¬٣).\rب - قول نعيم بن حماد (ت ٢٢٨ هـ) قال البخاري: وقال نعيم بن حماد: \"لا يستعاذ بالمخلوق ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة\" (¬٤).\rوقال أيضًا فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر عن كتابه الرد على الجهمية:\r\"دلت هذه الأحاديث - يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها - على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقًا لم يستعذ بها إذ لا يستعاذ بمخلوق قال الله تعالى: ﴿فاستعذ بالله﴾ وقال النبي ﷺ:","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٨١ رقم ٢٧٠٨، والنسائي في عمل اليوم ص: ٣٧٦ رقم ٥٦٠، وأحمد ٦/ ٣٧٧، والترمذي: ٥/ ٤٩٦ رقم ٣٤٣٧، وابن السني من طريق النسائي: ٢٤٩ رقم ٥٢٨، والطبراني في الدعاء: ٢/ ١١٨٦ رقم ٨٣٠، وابن ماجه: ٢/ ١١٧٤ رقم ٣٥٤٧، وابن أبي شيبة: ١٠/ ٨٧ رقم ٩٤٥٨.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٦/ ٤٠٨ رقم ٣٣٧١، وأبو داود ٥/ ١٠٤ رقم ٤٧٣٧، والترمذي: ٤/ ٣٩٦ رقم ٢٠٦٠، والنسائي في عمل اليوم: ٥٥٣ رقم ١٠٠٦، وأحمد: ١/ ٢٧٠، ٢٣٦.\r(¬٣) تقدم ص: ٤٢٤، ٤٢٥.\r(¬٤) خلق الأفعال للبخاري ص: ١٤٣ رقم ٤٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048760,"book_id":1098,"shamela_page_id":408,"part":"1","page_num":427,"sequence_num":408,"body":"وإذا استعذت فاستعذ بالله\" (¬١).\rجـ ـ وقال سوار بن عبد الله القاضي البصري (ت ٢٤٥ هـ): \"دخلت على رجل أعوذه من وجع به فقال: القرآن ليس بمخلوق، وذلك أنه كل من عوذني قال: أعيذك بالله، أعيذك بالقرآن فعلمت أن القرآن ليس بمخلوق (¬٢).\rد - وقد عقد البخاري ﵀ في كتابه خلق الأفعال بابًا بعنوان باب ما كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله لا بكلام غيره وأورد كلام نعيم بن حماد ثم قال: وفي هذا دليل أن كلام الله غير مخلوق وأن سواه خلق ثم أورد أحاديث كثيرة في الاستعاذة بكلمات الله (¬٣).\r٥ - وقال الخلال أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون وارث علم الإمام أحمد (ت ٣١١ هـ)، تعليقًا على هذه الأحاديث: \"ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض مما خلق الله لا يتعوذ إلا بالله أو بكلماته\" (¬٤).\r٦ - وقال إمام الأئمة ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ): \"أفليس العلم محيطًا - يا ذوي الحجا - أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله عالمًا من شر خلقه؟ هل سمعتم يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة، أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق؟.\rهذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلق الله\" (¬٥).\rفهذا الكلام من هذا الإمام نص صريح في موضوع بحثنا ومناقشتنا مع القبوريين من ذوي أدعياء العلم المجيزين لمثل هذه الصيغ التي ينكر","footnotes":"(¬١) فتح الباري: ١٣/ ٣٨١\r(¬٢) السنة لعبد الله: ١/ رقم ١٧٢.\r(¬٣) خلق الأفعال: ١٤٣ - ١٤٨.\r(¬٤) السنة للخلال: ق ١٧٥/أ.\r(¬٥) كتاب التوحيد: ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048761,"book_id":1098,"shamela_page_id":409,"part":"1","page_num":428,"sequence_num":409,"body":"ابن خزيمة أن يقول به عالم بل مسلم يعرف الدين وعده من المحال ولكن هذا قد وقع في الأزمنة المتأخرة بعد ابن خزيمة وعده بعضهم سائغًا بل من القربات.\r٧ - وقد ذكر الإمام ابن بطة العكبري عبيد الله بن محمد (ت ٣٨٧ هـ) أحاديث الاستعاذة ثم قال: \"فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي ﷺ بمخلوق ويتعوذ هو ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟ وهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض؟ وإذا جاز أن يتعوذ بمخلوق مثله فليعوذ نفسه وغيره بنفسه فيقول: أعيذك بنفسي\" (¬١).\r٨ - وقال الإمام البيهقي أبو بكر بن أحمد (ت ٤٥٨ هـ): \"فاستعاذ رسول الله ﷺ وأمر أن يستعاذ في هذه الأخبار بكلماته كما أمره الله تعالى جل ثناؤه أن يستعيذ \"به إلى أن قال: \"ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق عن مخلوق\" (¬٢) \".\rوهذه الأقوال السابقة من هؤلاء الأئمة الكبار تعد من نفائس كلام السلف في هذه المسألة التي هي دعاء غير الله تعالى والاستعاذة والاستغاثة بغيره، وهي من أمهات المسائل التي طال حولها الجدل من زمن ابن تيمية ﵀ إلى وقتنا الحاضر وقد غفل عن هذه النصوص كثير ممن تكلم في هذه المسألة مع كونها صريحة في محل الخلاف وقد نص عليها كبار أئمة السلف من القرن الثالث إلى ما بعد وبها يتبين بطلان ما زعمه بعضهم من تفرد ابن تيمية وأتباعه بالكلام على هذه المسألة، والله أعلم.\r٩ - ومنها أحاديث وردت في سد الذرائع التي توصل إلى دعاء غير الله تعالى، وهذه الأحاديث كثيرة جدًّا وسيأتي (¬٣) بعضها إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) الإبانة: ق ٢/ ٤٨٠ - ٤٨١، والنسخة المختصرة: ١٣٥/أ.\r(¬٢) الأسماء والصفات للبيهقي ص: ٢٤١.\r(¬٣) سيأتي ص: ٤٥٥ - ٤٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048762,"book_id":1098,"shamela_page_id":410,"part":"1","page_num":429,"sequence_num":410,"body":"هذا ومن الأدلة الدالة على منع دعاء غير الله تعالى بعدما تقدم من الكتاب والسنة الأمور التالية:\r١ - إجماع علماء الأمة على منع دعاء غير الله تعالى وعده كفرًا وسيأتي (¬١) نقل هذا الإجماع إن شاء الله تعالى.\r٢ - أن الله ﷾ لم يذكر لنا في كتابه العزيز - مع كثرة ما ذكره من أدعية الأنبياء والصالحين - لم يذكر دعاء واحدًا فيه دعاء لغير الله تعالى، وهذا من الأدلة الجلية الواضحة على أنه لو كان سائغًا لذكره الله تعالى. وقد علمنا أن الله ذكر النهي عنه بأبلغ الأساليب وكرر ذلك وأعاد.\r٣ - أن الرسول ﷺ مع العلم أمته كل خير وحذرها من كل شر ومما علمها الدعاء، فقد حوت كتب السنة المشرفة ألفاظ الأدعية التي علمها رسول الله ﷺ لأمته وهي كثيرة جدًّا فمع هذه الكثرة وحرص النبي ﷺ على الخير لم نجد دعاء واحدًا صحيحًا فيه الاستغاثة بغير الله تعالى ودعاؤه والالتجاء إليه.\r٤ - قد علم (¬٢) من دين الإسلام بالاضطرار والتواتر وبإجماع سلف الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب كما علم أن النبي ﷺ والأنبياء قبله لم يَشْرَعوا للناس دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين لا في حياتهم ولا بعد مماتهم.\rبل الأنبياء مجمعون على منعه كما تقدم، وما كان كذلك لا يكون عبادة كما لا يمكن لأحد أن يجيزه أو يتأول لمن يفعله إذ من المعلوم أن الدعاء عبادة وهي توقيفية، وقد علمنا أنه لم يشرع دعاء الأموات بل هو ممنوع اتفاقًا.\r٥ - أن الرسول (¬٣) ﷺ مع كونه لم يشرع هذا - فإنه قد هذا - فإنه قد حرم ذلك وحرم ما يفضي إليه كاتخاذ القبور مساجد.","footnotes":"(¬١) سيأتي ص: ٥٣٤.\r(¬٢) الفتاوى: ١/ ١٥٩ - ١٦٣، والقاعدة في التوسل: ١٩.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ٢١ - ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048763,"book_id":1098,"shamela_page_id":411,"part":"1","page_num":430,"sequence_num":411,"body":"٦ - أن العلماء (¬١) قالوا لا يجوز توجيه الدعاء إلى أسماء الله وصفاته لأنها إنما يُدْعَى الله بها ولا تُدعى هي فلا يقال يا علم الله ارزقني ولا يقال يا قدرة الله افعلي لي كذا لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولم يقل فادعوها.\rفإذا كان العلماء يتفقون على عدم جواز ذلك في أسماء الله وصفاته فمن باب أولى وأحرى ألا يجوز دعاء الأموات والغائبين.\rوهذا بيّن واضح ولله الحمد.\rولكن الأمر احتاج إلى ذكر مثل هذه العلل، لوجود من يجادل بالباطل ويحاول إباحة دعاء الأموات أو استحبابه فإنا لله وإنا إليه راجعون. . .\r\rالمطلب الثالث: في مفاسد دعاء غير الله تعالى وآثاره الضارة وخطورته على سلامة العقيدة:\rإن أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين هي مسألة الدعاء بنوعيه: دعاء العبادة والمسألة وهي التي وقع فيها النزاع والخصومة بينه وبينهم فهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته ويرون ذلك من تعظيم الصالحين، ويريدون بذلك شفاعتهم عند الله قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. فجاء رسول الله ﷺ وخالفهم في ذلك فأتى بإخلاص الدعاء وجميع أنواع العبادات الله.\rوهي أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين، وهي التي تفرق الناس لأجلها إلى مسلم وكافر وعندها وقعت العداوة ولأجلها شرع الجهاد (¬٢).\rفإذا كانت بهذه المنزلة فأي شخص يقع فيها يقع في مفاسد جمة ومضار كثيرة تزلزل عقيدته وتهدم إيمانه حتى يخرج عن الملة والعياذ بالله.","footnotes":"(¬١) انظر الرد على البكري: ٧٩، وانظر إنكار الإمام الخطابي على من قال: يا غفران ويا سبحان - في شأن الدعاء ص: ١٧.\r(¬٢) مسائل الجاهلية: ٤، ٥، ومؤلفات الشيخ قسم العقيدة: ١/ ٣٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048764,"book_id":1098,"shamela_page_id":412,"part":"1","page_num":431,"sequence_num":412,"body":"ولكونها أعظم مسألة خولف فيها الأنبياء ﵈ عامة ونبينا ﷺ خاصة، كثر اعتناء العلماء بهذه المسألة أكثر من غيرها من مسائل العقيدة لاسيما شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى فإنهما قد أسهبا الكلام فيها وأشبعا وأبدا وأعادا وجاهدا في سبيل ذلك حتى غدت مسائلها واضحة نيرة فجزاهما الله عن الإسلام أفضل ما جزي عالمًا على دعوته وجهاده.\rإن مفاسد دعاء غير الله تعالى وآثاره الضارة كثيرة جدًّا نذكر منها بعضها على سبيل الإجمال مستعينين بالله ومستهدين به وهو ولي التوفيق.\r١ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إضاعة لمعنى العبودية، ولمقتضيات الربوبية، فعبودية العبد الله تعالى أشرف صفات العبد وأعلى مقاماته، ولهذا وصف الله رسوله محمدًا ﵌ بها في أشرف المقامات في مقام الإسراء، والدعوة إليه وإنزال الوحي والتحدي بالقرآن، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].\rوقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].\rوقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].\rوقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣].\rومع أن عبودية العبد الله تعالى أشرف مقاماته صرفها الداعي لغير الله تعالى إلى من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره.\rقال الشيخ حسين النعمي ﵀: \"فالداعي سوى الله والملتجئ إلى غيره، وصارف اضطراره وافتقاره عنه إلى من دونه، بهيئة ما ينبغي أن يكون الله. مضيع لمعنى العبودية ومقتضيات الربوبية\" (¬١).","footnotes":"(¬١) معارج الألباب: ١٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048765,"book_id":1098,"shamela_page_id":413,"part":"1","page_num":432,"sequence_num":413,"body":"ثم إن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه وذلك خلاصة التوحيد (¬١).\rفالداعي لغير الله تعالى قد صرف أهم العبادات القلبية لغيره تعالى فكفي بذلك قبحًا وشناعة وفسادًا ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب الداعي بسبب قسمته ذلك بينه ﷾ وبين من دعاه من دون الله ليقضي حاجته أو يتوسط له عند الله تعالى - فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من دعاه من دون الله - لكفى ذلك في شناعته وقبحه (¬٢) وآثاره الضارة.\rفكيف وفيه مفاسد أخرى عظيمة وعواقب وخيمة؟\r٢ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إذلال الداعي لنفسه وإخضاعه إياها لمخلوق مثله لا يملك لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًا، فضلًا عن الداعي الأجنبي فكيف يذل الداعي نفسه لهذا المخلوق العاجز؟ ولقد كرم الله الإنسان وشرفه وفضله على كثير من خلقه فإذا سلب الإنسان نفسه هذه الكرامة وأذلها لمخلوق ضعيف فقد ضيع حقها وأذلها.\rففي دعاء غير الله تعالى إضاعة لحقوق النفس وكرامتها وشرفها كما أن فيه إضاعة لحقوق الله تعالى وعبوديته وقد ذكر ابن رجب ﵀ أن سؤال الله هو المتعين وعلل ذلك بأن فيه إظهار الذل والافتقار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة، ثم ذكر أن الإمام أحمد يدعو ويقول: \"اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد ص: ٢٤٣.\r(¬٢) انظر إغاثة اللهفان: ١/ ٥٠.\r(¬٣) جامع العلوم والحكم ص: ١٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048766,"book_id":1098,"shamela_page_id":414,"part":"1","page_num":433,"sequence_num":414,"body":"٣ - إن دعاء غير الله تعالى فيه شكاية العبد لمولاه الذي هو أرحم الراحمين إلى من لا يرحمه، فإنّ الداعي لغير الله تعالى ترك ربه وخالقه وذهب إلى فقير بالذات وطلب منه أن ينفعه فتَرْكُه لربه ومُولِي نِعمه - مع ذهابه إلى غيره - فيه شكاية لمولاه واللائق بالعبد أن لا يشكو إلا إلى الله.\rقال يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦].\rوقد رأى الفضيل بن عياض ﵀ رجلًا يشتكي إلى آخر فقال: يا هذا تشتكي من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ كما قيل:\rوإذا شكوت إلى ابن آدم إنما … تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم\rوشكى إليه رجل مرة حاله فقال له: يا أخي أمدبرًا غير الله تريد؟ (¬١).\rوفي هذا الصنيع خطر عظيم وظلم جسيم \"لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ولا أعظم ظلمًا من شكاية العبد ربه الذي هو أرحم الراحمين فيما أصابه من ضر أو فاته من خير إلى من لا يرحمه ولا يسمعه ولا يبصره، ولا يعلمه ولا يملك لنفسه ولا لداعيه من ضر ولا نفع ولا موت ولا حياة ولا نشور، ولا يغني عنه مثقال ذرة، وعدوله عمن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ويفزع في قضاء حوائجه إلى من لا قدرة له على شيء البتة. . .\" (¬٢).\r٤ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إساءة للظن بالله ﷾.\rفالذي يدعو غير الله تعالى ويلتجيء إلى باب غير باب الله تعالى سواء اعتقد لذلك الغير الاستقلال أو الوساطة فقد ظن بربه السوء لأن هذا","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ١٠٢.\r(¬٢) معارج القبول: ١/ ٤١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048767,"book_id":1098,"shamela_page_id":415,"part":"1","page_num":434,"sequence_num":415,"body":"الداعي لغير الله لا يخلو إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما سواه.\rوإما أن يظن أن قدرة الله إنما تتم بقدرة الشريك، أو أنه لا يعلم حتى تعلمه الواسطة، أو لا يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي العبد وحده، أو لا يفعل ما يريده العبد حتى تشفع عنده الواسطة كالرؤساء والملوك، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه أو أن للمخلوق عليه حقًّا يقسم به عليه، ويتوسل به إليه كما هو عادة الرؤساء (¬١).\rفكل هذا إساءة للظن بالله تعالى وأي إساءة أعظم من هذا؟.\r٥ - إن دعاء غير الله تعالى (¬٢) فيه تشبيه الخالق بالمخلوق إذ اعتقد الداعي أن من يدعوه يتوسط له لدى الله تعالى كما يتوسط لدى الرؤساء والزعماء وهذا التشبيه صرح به بعضهم (¬٣) ظنًا منهم أن الخالق مثل المخلوق، حاشا وكلا فإن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لأن الواسطة إنما جازت عند الرؤساء لأنهم لا يعرفون أحوال الناس وحقيقة الأمر، أو لكونهم عاجزين عن تدبير الرعية، أو غير ذلك.\rوأما الله سبحانه فليس كذلك، فمن دعا المخلوق وأراد الشفاعة والوساطة - كما هو عقيدة غالب من يدعو غير الله تعالى - فقد شبه الله تعالى بالرؤساء الجاهلين العاجزين المحتاجين إلى من يساعدهم ويعاونهم.\rكما أن فيه تشبيه المخلوق بالخالق لأن الدعاء من أخص خصائص الإلهية فمن صرفه لغير الله تعالى فقد أعطى خصيصة من أهم خصائص","footnotes":"(¬١) انظر في هذا الجواب الكافي: ١٤٣، وإغاثة اللهفان: ١/ ٥٠، وتجريد التوحيد: ٣١ - ٣٢.\r(¬٢) الواسطة بين الحق والخلق ضمن الفتاوى: ١/ ١٢٦ - ١٢٧.\r(¬٣) انظر شواهد الحق للنبهاني ص: ١٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048768,"book_id":1098,"shamela_page_id":416,"part":"1","page_num":435,"sequence_num":416,"body":"الإلهية لغير الله تعالى فيكون قد شبه الغير بمن لا شبيه له\" (¬١).\r٦ - إن دعاء (¬٢) غير الله تعالى فيه تشبه بالنصارى الذين يدعون المسيح ومريم والحواريين والقديسين.\rكما أن فيه تشبهًا بالمشركين الذين يدعون الصالحين الذين عبدوا الأصنام اعتقادًا بأنها على صورتهم فهم لم يعبدوها لكونها أحجارًا، وسيأتي (¬٣) بيان أن أصل وضع الأصنام كان من صور الصالحين.\rفالداعي للصالحين مُضَاهٍ للمشركين، ولمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله فلهذا قال النبي ﷺ: \"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فقولوا عبد الله ورسوله\" (¬٤).\rفيستفاد من هذا الحديث أن من أطرى الرسول ﷺ فقد شابه النصارى في إطرائهم لعيسى ﵇ فثبت بهذا أن من دعا رجلًا أو امرأة من دون الله فهو مضاه لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله\" (¬٥).\r٧ - إن دعاء (¬٦) غير الله تعالى ردة صريحة وكفر بواح وشرك قراح، فهو أشد كفرًا من اليهودية والنصرانية. وبهذا يعلم شدة خطره وأنه غاية في الشرك والكفر وانسلاخ عن ربقة الإسلام وخروج عن حظيرته.\rفالداعي لغير الله تعالى لا تقبل منه الجزية كما تقبل من اليهود والنصارى ولا تحل ذبيحته ولا ينكح مسلمة ولا تنكح إن كانت امرأة بل يجب مفارقتها ولا يرث ولا يورث.\rقال القرافي: \"وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية","footnotes":"(¬١) تجريد التوحيد: ٢٧.\r(¬٢) انظر الرد على البكري: ١٠٣ - ١٠٤، والفتاوى: ٣/ ٢٧٥.\r(¬٣) يأتي ص: ٤٥٨ و ٨٩٣.\r(¬٤) يأتي تخريجه ص: ٤٦٠.\r(¬٥) الفتاوى: ٣/ ٢٧٥\r(¬٦) انظر مؤلفات الشيخ: ١/ ٣٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048769,"book_id":1098,"shamela_page_id":417,"part":"1","page_num":436,"sequence_num":417,"body":"ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين\" (¬١).\rفالأمر أخطر مما يظنه بعض من يتساهل في هذا الباب ويحاول تبريره بأوهى الشبهات التي هي أضعف من خيط العنكبوت.\r٨ - إن سؤال الناس في الأصل محرم، لأن فيه أنواع الظلم الثلاثة، الظلم في حق الله بالشرك والظلم للمسؤول بإيذائه له، وظلم الإنسان لنفسه بتعبيدها لغير الله وقد أبيح من ذلك من سؤال الحي ما دل الشرع على إباحته (¬٢).\rفإذا كان أصل السؤال محرمًا فكيف بسؤال الميت والغائب سؤال تضرع ومسكنة وذلة وافتقار ومحبة؟ فهو يشتمل على أعلى أنواع الظلم الثلاثة من ظلم لحق الله تعالى وصرف خصيصة من خصائص الألوهية إلى من لا يملك لنفسه نفعًا فضلًا عن داعيه ثم من ظلم لحقوق الغير الذي هو المسؤول بإيذائه حيث يتأذى من عبادته ويكره ذلك. فالصالحون لا يحبون أن يعبدوا من دون الله، ثم من ظلم نفسه حيث أذلها وعَبَّدها لغير باريها وفاطرها وعلقها بفقير بالذات عاجز بالذات.\r٩ - إن ترك (¬٣) السؤال للمخلوق اعتياضًا بسؤال الخالق أفضل من الحاجة والفقر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨].\rوقال يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].","footnotes":"(¬١) الفروق: ٤/ ٢٦٥.\r(¬٢) الرد على البكري: ١٠٣ و ٣٠٧ - ٣٠٨ وقاعدة جليلة: ٤١ - ٤٢، ٣٤، ومدارج السالكين: ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\r(¬٣) انظر الرد على البكري: ٩٨ - ٩٩، وقاعدة في التوسل: ٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048770,"book_id":1098,"shamela_page_id":418,"part":"1","page_num":437,"sequence_num":418,"body":"وقال النبي ﷺ لابن عباس: \"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله\" (¬١).\rولهذا كان كبار الصحابة لا يسألون النبي ﷺ شيئًا لأنفسهم فلم ينقل عن أبي بكر ولا عمر أنهما سألاه شيئًا من المال لأنفسهما.\rهذا في حياة النبي ﷺ وكذلك الأنبياء السابقون.\rهذا مع الحاجة وأما إذا لم يكن حاجة فالسؤال حرام.\rفإذا كان ترك سؤال الأنبياء في حياتهم أفضل مع الحاجة والفاقة ومع عدم الحاجة يكون حرامًا فكيف بسؤال الغائب والميت منهم ومن غيرهم؟ فلا شك أنه أعظم حرمة، وأشد خطورة على سلامة العقيدة وصفائها.\rهذا وبما تقدم يعلم فساد دعاء غير الله وآثاره الضارة وعواقبه السيئة، فنسأل الله تعالى أن يجنبنا من الشرك وذرائعه وهو ولي التوفيق ..","footnotes":"(¬١) سيأتي تخريجه ص: ٥٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048771,"book_id":1098,"shamela_page_id":419,"part":"1","page_num":438,"sequence_num":419,"body":"المبحث الثاني في أسباب انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي\rإن الله ﷾ أرسل الرسل وأنزل الكتب للدعوة إلى توحيده وإخلاص الدعاء له وحده، وقد بيّن الله تعالى في كتابه العزيز خطورة دعوة غير الله تعالى أتم بيان حتى صار ذلك من ضروريات الإسلام، إلا أنه لما اشتدت غربة الإسلام انتشر الشرك ودعاء غير الله تعالى في الأمة الإسلامية، فاحتاج الأمر إلى دراسة أسباب ذلك الانتشار، وذلك لأنه إذا أريد حل مشكلةٍ مَّا حَلًّا جذريًا فلا بد من دراسة أسبابها ومقتضياتها وملابساتها والعوامل التي أدت إلى ظهورها وتفاقمها وانتشارها وذلك \"لأن معرفة المرض وسببه يعين على مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم\" (¬١).\rثم إن العاقل يعلم أن أمة من الأمم لم تجمع على أمر بلا سبب (¬٢) يقتضي ذلك فدعاء غير الله قد اجتمع عليه أصناف من الناس فمن مجيز له ومن معتقد كونه قربة وعبادة فلا يتصور أن يكون ذلك بدون سبب، فلهذا لا بد من دراسة الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى.","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ٨٠.\r(¬٢) الفتاوى: ٢٧/ ١٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048772,"book_id":1098,"shamela_page_id":420,"part":"1","page_num":439,"sequence_num":420,"body":"وهذه الأسباب متعددة، ومتفاوتة في درجات تأثيرها، فبعضها له تأثير قوي وبعضها تأثيره ضعيف وبعضها خاص ببعض الأزمنة أو ببعض الأقطار الإسلامية أو ببعض الأشخاص، والبعض الآخر شامل لأزمنة مختلفة وأماكن متعددة، ولجماعات كثيرة ولكن الكل له تأثير في ذلك على تفاوت في درجات التأثير.\rفأذكر إن شاء الله تعالى هذه الأسباب مقدمًا الأهم فالأهم وهذا أوان الشروع في ذلك وبالله التوفيق وهو المستعان.\r\rالسبب (¬١) الأول: الجهل والإعراض عن الكتاب والسنة:\rلقد كان الناس قبل بعثة الرسول ﷺ في جاهلية جهلاء يعبدون الأصنام ويدعونها من دون الله تعالى، وذلك لذهاب آثار الرسل السابقين وقلتها من العلم الصحيح في الاعتقادات والأعمال ثم بعث الله رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق يعلم الناس الكتاب والحكمة التي هي السنة ويزكيهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].\rفعلم رسول الله ﷺ أصحابه الدين كله فدلهم على كل خير وحذرهم من كل شر، والصحابة بلغوا هذا العلم النبوي الشريف إلى التابعين، والتابعون لمن بعدهم وهكذا كل جيل إلى أن قل العلم الصحيح علم الكتاب والسنة فيما بعد وتناقص وتسبب ذلك \"في الجهل بحقيقة ما","footnotes":"(¬١) انظر هذا السبب في إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٦، وزاد المعاد: ٥/ ٧٨٧، وهداية الحياري ص: ١٦ فقد ذكر ابن القيم فيه من أسباب عدم قبول الحق: الجهل والعداوة والحسد والعادات والجاه والشهوات والخوف على النفس والمال والجاه وغير ذلك، كما ذكر القرافي أن الجهل هو السبب للأدعية الكفرية أو المحرمة، انظر الفروق: ٤/ ٢٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048773,"book_id":1098,"shamela_page_id":421,"part":"1","page_num":440,"sequence_num":421,"body":"بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم من ذلك ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل … \" (¬١).\rوالسبب في ذلك قلة انتشار العلم الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بسبب إعراض الناس عن تعلم العلم الصحيح، حيث قَلَّتْ دراسةُ القرآن الكريم بتدبر وتعقل وفهم بحجة أن فهم القرآن صعب على أفهام الناس، ولا يستطيعه إلا من درس كل العلوم من نحو وصرف وبيان ومعان ولغة والفقه وأصوله والمنطق والفلسفة، ولهذا قل في بعض الأقطار الإسلامية دراسة تفسير القرآن الكريم بتدبر وفهم، وقلّ تفسيره بما يطابق ما انتشر في المجتمع بل صاروا يفسرون الآيات المتعلقة بالشرك بما يفهم أنها خاصة بكفار قريش ولا يدخل فيها ما يفعله الناس اليوم فصاروا كما قال الله تعالى في اليهود ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقال عز من قائل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، واقتصروا على تلاوته على الأموات وعند المقابر والمشاهد، وكتابته للتمائم والحجب أو زخرفته بالذهب، وحفظه للتبرك، وقراءته في افتتاح الحفلات وأدى كل هذا إلى الجهل بالقرآن الكريم، ثم إلى عدم تطبيقه الاعتقادات والأعمال والتشريعات.\rقال الشيخ أبو بكر الجزائري في وصف أحوال المسلمين في القرون الأخيرة كان القرآن يقرأ على الأموات دون الأحياء ويعتبر تفسيره خطيئة من الخطايا وذنبًا من الذنوب إذ ساد بين المسلمين القول بأن تفسير القرآن صوابه خطأ وخطأه كفر فلذا القارئ يقرأ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ والناس حول ضريح الولي المدفون في ناحية المسجد","footnotes":"(¬١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٦ - ١٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048774,"book_id":1098,"shamela_page_id":422,"part":"1","page_num":441,"sequence_num":422,"body":"يدعون بأعلى أصواتهم يا سيدي يا سيدي كذا وكذا ولا يجرؤ أحد أن يقول: يا إخواننا لا تدعوا السيد فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا … ﴾ (¬١).\rوهؤلاء لم يكتفوا بأن امتنعوا بأنفسهم عن تفسير القرآن وتدبره بل راحوا يحذرون غيرهم إذ قالوا: إن الغضب ينزل على أهل البلد إذا حصل خطأ في التفسير، وهذا كلام باطل لا أصل له، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان ليصدهم به عن سبيل الله (¬٢).\rوقد وصف الله كتابه بالبيان والوضوح قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩].\rوالأنبياء لم يبعثوا إلا لهداية الضلال وتعليم الجهال، والقول بصعوبة القرآن يتنافى مع مقتضى البيان والوضوح وغرض الإرسال (¬٣).\rوقد وصل الأمر في إهمال الاعتناء بالكتاب إلى ما ذكره أحد العلماء المعاصرين أنه وزملاءه تحصلوا على شهادة العالمية من إحدى المراكز الدينية الكبرى ولم يدرسوا آية واحدة من كتاب الله تعالى (¬٤).\rوكذلك أصاب السنة (¬٥) مثل ما أصاب القرآن الكريم فقد تركوا الاعتناء بالسنة وتركت دراستها في أغلب المعاهد الإسلامية، وإنما كانوا يقرأونها للتبرك بها والصلاة على النبي ﷺ عند ذكره، وكانوا يقرأون","footnotes":"(¬١) أيسر التفاسير: ١/ ٥ - ٦.\r(¬٢) السنن والمبتدعات: ٢١٨.\r(¬٣) رسالة التوحيد لمحمد إسماعيل الدهلوي ص: ٢١ - ٢٢.\r(¬٤) انظر ما ذكره الشيخ عبد الحميد بن باديس من حصوله على الشهادة من جامع الزيتونة: في الاتجاه السلفي ص: ٢٤٣.\r(¬٥) انظر في قلة الاعتناء بالسنة: تذكرة الحفاظ: ٢/ ٥٣٠، و ٤/ ١٤٨٥، والأمصار ذات الآثار ص: ١٦، ٢٠، ٢١، ٣٥، ٣٧، ١٢، ٥٩، ٧٧، ١١٣، ١١٧، وتوضيح الأفكار: ٢/ ٣٥١، ومقدمة مفتاح كنوز السنة لرشيد رضا ص: \"ص\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048775,"book_id":1098,"shamela_page_id":423,"part":"1","page_num":442,"sequence_num":423,"body":"البخاري في وقت الشدائد والمحن، ويطلبون بقراءته النصر على الأعداء وتفريج الكرب (¬١).\rولم يقتصر الأمر على صحيح البخاري بل اعتقدوا ذلك في غيره من بعض كتب الفقه (¬٢)، وهؤلاء الذين يدرسون البخاري للتبرك لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مبادئ التوحيد والشرك ووصل الأمر ببعضهم إلى ما ذكره حسين بن مهدي النعمي ﵀ من أن قومًا يقرأون صحيح البخاري بمدينة زبيد فإذا فرغوا - إما أحيانًا أو مطلقًا - ذهبوا إلى مشهد هناك، فيظلون عاكفين هنالك ما شاء الله، وعليهم السكينة والوقار وضروب من الخضوع والتأدب لنازل الحفرة، ثم قال: وهل هذا عمل بشيء وجدوه في كتاب البخاري أو غيره أما هو؟ \" (¬٣)\rوالسبب في هذا أن أغلبيتهم لا يفقهون في الحديث ولا همة لهم في معرفته ولا في التدين به بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة واحدة، إنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ وتكثير العدد من الأجزاء والرواة لا","footnotes":"(¬١) ومن صور ذلك ما ذكره ابن سيد الناس والسبكي أنه لما وقعت حادثة التتار اجتمع الناس في مصر فقرأوا البخاري حتى ختموه يوم الجمعة وأن هذا عادتهم عند النوازل يرجون عند ختمه بركة الدعاء أجوبة ابن سيد الناس لوحة ٦٦/أوطبقات الشافعية: ٢١١/ ٩. وانظر كلامًا ممتعًا حول قراءة البخاري لدفع الوباء ومقاومة الجيوش وغير ذلك في قواعد التحديث للقاسمي من ٢٦٣ - ٢٦٧ فقد ذكر فيه ما يبكي ويضحك عن علماء الأزهر وغيرهم وقد ذكر ابن عبد الهادي في العقود الدرية ص: ١٣٨، قراءة الحافظ المزي للبخاري للاستسقاء، ويجاب عن هذا بأنه كان للانتصار لابن تيمية كما يعرف من الرجوع إلى كتب التاريخ.\r(¬٢) ذكر صاحب كشف الظنون: ٢/ ١٢٣١ أن الحنفية يتبركون بقراءة مختصر القدوري في أيام الوباء وأنه كتاب مبارك من حفظه يكون آمنًا من الفقر. وانظر أيضًا: مقدمة مقالات الكوثري ص: ٥٤. وذكر الكتاني أنه جرب قراءة كتاب الشفا للقاضي عياض لشفاء الأمراض المزمنة وتفريج الكروب ودفع الخطوب. اهـ. الرسالة المستطرفة ص: ١٠٦.\r(¬٣) معارج الألباب: ١٧٨، ونحوه في البصائر للمتوسلين بالمقابر ص: ٤٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048776,"book_id":1098,"shamela_page_id":424,"part":"1","page_num":443,"sequence_num":424,"body":"يتأدبون بآداب الحديث (¬١).\rوليس معنى هذا الذي ذكرناه من قلة الاعتناء بدراسة السنة وتدريسها أنه لا يوجد من يعتني بالسنة وتدريسها ودراستها حاشا وكلا، بل لا يزال (¬٢) في الأمة الإسلامية جهابذة يعتنون بالحديث وعلومه وإن كانوا قلة بل المقصود أن الفهم الصحيح لها والاعتناء بتطبيقها عمليًا من جمهور طلبة العلم هو الذي قل وأدى إلى انتشار الجهل بها، ثم إلى انتشار الخرافات والبدع والشركيات في العالم الإسلامي.\rفقد انتشر جهل حقيقة الدين الإسلامي وما بعث الله به نبيه ﷺ وجميع الرسل من حقيقة التوحيد وإخلاص الدعاء له وصار الناس يظنون الشرك أنه هو التوحيد الخالص وأنه مما يتقرب به إلى الله تعالى، وصاروا يتهمون من دعا إلى التوحيد الخالص بأنه جاء بما يخالف الإسلام.\rووصل الأمر إلى أن اعتقد جماهير من المسلمين أن دعاء الموتى ونداء من تحت الأجداث واستغاثة من في القبور من الطاعات وأن ذلك مما يقرب إلى الله تعالى وأنه من دين الإسلام.\rثم هؤلاء الذين تركوا الاعتناء بالكتاب والسنة اعتاضوا عن ذلك بالاعتناء بالفلسفة والمنطق والتعمق في المسائل الغريبة نادرة الوقوع من المسائل الفقهية مع الجمود والتعصب، وترك السنة الصحيحة لمراعاة المذهب.\rكما أنهم أفنوا أعمارهم في دراسة غوامض اللغة وغرائبها وشواذها.\rفهذه العلوم لا تشفي عليلًا ولا تهدي السبيل المستقيم، والدارسُ المعتني بها بعيدٌ عن واقع الأمة وآلامها وعلاج عقيدة المجتمع ومشاكله.","footnotes":"(¬١) زغل العلم ص: ٢٧.\r(¬٢) انظر توضيح الأفكار: ٢/ ٣٥٢، وزغل العلم: ٣٣، والأمصار ذات الآثار: ٢٧، ومقدمة كنوز السنة ص: \"ق\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048777,"book_id":1098,"shamela_page_id":425,"part":"1","page_num":444,"sequence_num":425,"body":"فحصل من هذا كله انتشار الجهل بالكتاب والسنّة.\rوهذا الانتشار للجهل ورفع العلم مما أخبر به الرسول ﷺ في قوله: \"يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن\" (¬١). وهذا هو مصداق ما أخبر به الرسول ﷺ في هذا الحديث، فقد انتشر الجهل بحقيقة التوحيد وما يضاده أو ينافي كماله وتسبب هذا في انتشار الشرك والبدع فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.\rقال ابن القيم ﵀: \"قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين\" (¬٢).\rوذكر ابن القيم أيضًا أن الجهل هو السبب الرئيسي في المنع من قبول الحق فالجهل هو السبب الغالب على أكثر النفوس فإن من جهل شيئًا عاداه وعادي أهله (¬٣).\rومما ينبغي أن يعلم أن هذا الجهل المنتشر حصل للناس لسببين:\rأحدهما: هذا الذي تقدم من عدم الاعتناء بدراسة القرآن الكريم وتدبره وفهمه.\rوثانيهما: أنهم حملوه على قوم مضوا وأن الواقع لا يدخل تحته،","footnotes":"(¬١) البخاري: ١/ ١٨٢ رقم ٨٥.\r(¬٢) زاد المعاد: ٣/ ٥٠٧.\r(¬٣) هداية الحيارى: ١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048778,"book_id":1098,"shamela_page_id":426,"part":"1","page_num":445,"sequence_num":426,"body":"فقد ذكر ابن القيم أن القرآن مملوء بالآيات التي تقطع أصول الشرك ومواده ثم قال: \"ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: \"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية\"، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه\" (¬١).\rوبسبب الجهل بحقيقة دين الإسلام وحقيقة التوحيد والشرك تمكن الشيطان من التلبيس على كثير من الناس في دعاء غير الله تعالى بأن زين لهم ذلك باسم التوسل تارة وباسم الشفاعة تارة وباسم محبة الصالحين تارة أخرى، إلى غير ذلك من تلبيسات الشيطان لأن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة\" (¬٢).\rوقد صرح القرافي المالكي يكون الجهل هو السبب للأدعية الشركية فقد ذكر الأدعية المحرمة والأدعية المكفرة وبين خطورتها ثم قال: \"وأصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت والله تعالى هو المعين على الخير كله\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤، وانظر مجموعة الرسائل النجدية: ٤/ ٥٦٧، وتحفة الجليس: ٥٩ - ٦٠.\r(¬٢) تلبيس إبليس: ١٣٤.\r(¬٣) الفروق: ٤/ ٢٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048779,"book_id":1098,"shamela_page_id":427,"part":"1","page_num":446,"sequence_num":427,"body":"السبب الثاني (¬١): الشبهات التي يتشبثون بها في جواز دعاء غير الله تعالى:\rومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى بعض الشبهات التي ظن عباد القبور أنها صحيحة وتدل على جواز دعاء الموتى ولكنها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهم يتركون الأمور الواضحة ويتبعون المتشابه، وتلك الشبه على أقسام ثلاثة:\r١ - نصوص متشابهة لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها ولا معرفة لما دلت عليه وذلك كتأويلهم لبعض الآيات القرآنية وتفسيرها بما يجيز دعاء غير الله تعالى وكذلك تأويلهم لبعض الأحاديث الصحيحة.\r٢ - أحاديث مكذوبة مختلقة وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ وهي تناقض دينه وما جاء به.\r٣ - \"حكايات حكيت لهم عن أصحاب القبور أن فلانًا استغاث بالقبر الفلاني في شدّة فخلص منها وفلانًا دعاه، أو دعا به في حاجة فقضيت له وفلانًا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره.\rوعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات\" (¬٢).\rوقد تكون تلك الحكايات صحيحة ولكنها من الشيطان، فإنه قد يتراءى لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب الشياطين من استغاث","footnotes":"(¬١) انظر عن هذا السبب: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ١/ ٣١٧، وإغاثة اللهفان: ١٨/ ١٦٧، ومصباح الظلام ص: ٣٠٥ ومجموعة الرسائل النجدية: ٤/ ٣٢٣.\r(¬٢) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048780,"book_id":1098,"shamela_page_id":428,"part":"1","page_num":447,"sequence_num":428,"body":"بغير الله أو دعاه وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به ويقول أحدهم: رأيت فلانًا وخاطبني فلان أو نحو هذا (¬١).\rوقد تقضي الشياطين بعض حوائج من استغاث بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب استغاثته، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان أن ينزل عليه طعام من الهواء أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك من كرامة من استغاث به ودعاه، وإنما ذلك في الحقيقة كله من الشياطين.\rوهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان (¬٢) في زمان الجاهلية الأولى ولا زالت هذه الأمور موجودة بعد دخول الإسلام عند من يدعو الأموات لأن الشيطان أقسم أنه لا يزال يضل بني آدم.\rلكن هذه الأمور من الأحوال الشيطانية تضعف حيث يقوى نور الإيمان والتوحيد وتظهر آثار النبوة والرسالة وتقوى حيث يضعف الإيمان، ويقوى الشرك والكفر والفسوق والعصيان فلهذا يكثر وقوعه في المشركين ومن يشابههم ويكثر في بلادهم (¬٣) ويقل في بلاد المسلمين لا سيما أهل التوحيد الخالص المتمسكين بالكتاب والسنة.\rفتبين مما سبق أن الحكايات لها أثر كبير في انتشار دعاء غير الله تعالى.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا كون الحكايات أحد الأسباب الرئيسية","footnotes":"(¬١) الجواب الصحيح: ١/ ٣١٨ - ٣٢٠، والصفدية: ١/ ١٩٠ - ١٩٣: ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٣ و ٢/ ٤٥١ و ٣/ ٤٩١، والجواب الباهر: ٦٢، ومصباح الظلام ص: ٣٠٥، والدر النضيد ص ٢٧، والفتاوى: ١٧/ ٤٥٦ - ٤٥٨.\r(¬٢) قاعدة في التوسل والوسيلة ص: ١٥٥، ٣٢، أو الفتاوي: ١/ ٣٦٠ - ٣٦١، واقتضاء الصراط: ٣٢٠.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ١٥٦، وما بعدها والصفدية: ٢/ ٢٩٢، وانظر ما يتعلق بالجاهلية في الأصنام للكلبي ص: ١٢، وانظر أيضًا: الفتاوى: ١٧/ ٤٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048781,"book_id":1098,"shamela_page_id":429,"part":"1","page_num":448,"sequence_num":429,"body":"في انتشار الشرك في الدعاء: \"فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبيًا كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله\" (¬١).\rوسيأتي - إن شاء الله تعالى - مناقشة هذه الشبهات في الباب الرابع.\r\rالسبب الثالث: علماء السوء وأئمة الضلالة، والزنادقة:\rومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى وجود علماء السوء وأئمة الضلالة والزنادقة، فقد كان العلماء العاملون هم الذين يوجهون الحكام والشعوب فكانوا سلاطين السلاطين وأمراء الأمراء.\rفكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم وكانوا يحاربون الشرك والبدعة وهؤلاء العلماء في تاريخ هذه الأمة الإسلامية كثيرون في كل زمان ومكان إلا أن بعض علماء السوء تركوا هذا الواجب الديني ورضوا بالحياة الدنيا ووصل الأمر ببعضهم إلى أن تقربوا إلى بعض أئمة الضلال ببعض الفتاوى وطلب بعض الرخص لهم وقد يصل الأمر إلى أن يصنفوا لهم بعض الكتب على أهوائهم، وقد ذكر شيخ الإسلام أمثلة منهم في كتاب الاستقامة (¬٢).\rوبعضهم يطلب للعوام والجهال ما يبرر ويجيز ما يفعلونه من الشركيات والبدع والخرافات فتارة يؤوله بالمجاز، وتارة بالتوسل، وتارة يؤيده بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، وتارة بحجج فلسفية، ومنهم من يؤلف في إباحة دعاء الموتى وإنزال الحوائج بهم مؤلفات وينشرها بين الجهال.\rفهؤلاء الذين ابتليت بهم الأمة الإسلامية هم من جملة الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء الموتى والاستعانة بهم. فهؤلاء قد عكسوا القضية من حيث أن الله تعالى أمرهم بتبليغ الحق والأمر بالمعروف والنهي عن","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل ص: ٣٠.\r(¬٢) الاستقامة: ١/ ٤٣ - ٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048782,"book_id":1098,"shamela_page_id":430,"part":"1","page_num":449,"sequence_num":430,"body":"المنكر وأعظم المنكرات هو الشرك بالله تعالى.\rقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].\rوقد وجد من علماء بعض الفرق الضالة، قوم صنفوا الكتب التي تدعو إلى عبادة الأئمة ودعائهم بل إلى تأليههم.\rومنهم من صنف في أدعية الأضرحة كابن المفيد (¬١) الرافضي، ألف كتابًا وسماه \"الحج\" إلى زيارة المشاهد\" وعامة تلك الأدعية في تلك الكتب كذب وزور (¬٢).\rومن هؤلاء الذين صنفوا هذه الكتب قوم لهم أغراض فاسدة قصدهم إضلال الأمة قال شيخ الإسلام وهذا إنما ابتدعه وافتراه في الأصل قوم من المنافقين والزنادقة ليصدوا به الناس عن سبيل الله، ويفسدوا عليهم دين الإسلام وابتدعوا لهم أصل الشرك المضاد لإخلاص الدين لله. . .\rولهذا صنف طائفة من الفلاسفة الصابئين المشركين في تقرير هذا الشرك ما صنفوه، واتفقوا هم والقرامطة الباطنية على المحادة لله ورسوله حتى فتنوا أممًا كثيرة وصدوهم عن دين الله.\rوأقل ما صار شعارًا لهم تعطيل المساجد وتعظيم المشاهد فإنهم يأتون من تعظيم المشاهد وحجها والإشراك بها ما لم يأمر الله به ولا رسوله بل نهى الله عنه ورسوله عباده المؤمنين.","footnotes":"(¬١) هو محمد بن محمد بن النعمان عالم الرافضة هلك عام ٤١٣ هـ، سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٣٤٤.\r(¬٢) انظر عن كتاب ابن المفيد وأمثاله في: منهاج السنة: ١/ ٤٧٦، والفتاوى: ٤/ ١٧، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٤، والفوائد الموضوعة: ٥٥ - ٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048783,"book_id":1098,"shamela_page_id":431,"part":"1","page_num":450,"sequence_num":431,"body":"وأما المساجد فيخربونها فتارة لا يصلون جمعة ولا جماعة بناء على ما أصلوه من شعب النفاق وهو أن الصلاة لا تصح إلا خلف معصوم (¬١).\rفقد تبين بهذا مدى تسبب علماء السوء في انتشار الشرك في الدعاء وغيره.\rوأما أئمة الضلالة فقد نشروا بين المسلمين عبادة القبور ودعاءها.\rوقد خاف رسول الله ﷺ على أمته الأئمة المضلين فقال محذرًا من منهم: \"وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين\" (¬٢).\rوقد وقع ما خاف منه الرسول ﷺ، فقد تسلط على المسلمين في بعض فترات تاريخهم الطويل بعض أئمة الضلالة من الرافضة والباطنية والزنادقة.\rوذلك بسبب (¬٣) بعد المسلمين عن الاعتصام بالكتاب والسنة، فنشروا العقائد الضالة والأفكار المنحرفة بكل الوسائل الممكنة لهم.\rفمن أئمة الضلالة من استطاع - بعد سيطرته وتمكنه في الأرض - أن يدعي الألوهية كالحاكم بأمر الله الباطني العبيدي \"وقد أمر أهل مصر إذا قاموا عند ذكره أن يخروا سجدًا له حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود الله في يوم الجمعة وغيرها ويسجدون للحاكم\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٤/ ٥١٧، ٢٧/ ١٦٨، والرد على البكري: ٣٠٦، والعقود الدرية: ٢٥٥، والرد على الأخنائي: ٣٢/ ومنهاج السنة: ١/ ٤٧٤، ٤٧٨ و ٧/ ٢١١.\r(¬٢) أخرجه أبو داود: ٤/ ٤٥١ رقم ٤٢٥٢، وأحمد: ١٨/ ٢٧٨، ٢٨٤، والحاكم: ٤/ ٤٤٩، وصححه ووافقه الذهبي وصححه أيضًا الألباني في الصحيحة: ٤/ ١٠٩ رقم ١٥٨٢ كلهم من حديث ثوبان وأصله في صحيح مسلم رقم ٢٨٨٩.\r(¬٣) انظر ما ذكره ابن القيم من أن سبب استيلاء القرامطة والعبيديين على المسلمين اشتغالهم بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد: إغاثة اللهفان: ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.\r(¬٤) البداية والنهاية: ١٢/ ١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048784,"book_id":1098,"shamela_page_id":432,"part":"1","page_num":451,"sequence_num":432,"body":"وآخرون لم يستطيعوا أن يدعوا لأنفسهم الألوهية ولكن ادعوا لأئمتهم الألوهية (¬١).\rومن دون هؤلاء آخرون غلوا في أئمة البيت وإن لم يصلوا إلى التأليه، ولكنهم بنوا على قبورهم أو الأماكن التي يزعمون أنها قبورهم المشاهد والقباب والأضرحة المزخرفة وهؤلاء لهم آثار باقية ودول خطيرة إلى الآن ولا تزال تلك الآثار الباقية تنشر الشرك في ربوع الأمة الإسلامية وتفسد عقائدها بشتى الوسائل.\rفمن تلك الآثار المشهد الذي بني في دولة الباطنيين العبيديين على رأس الحسين المزعوم في القاهرة (¬٢). ولا يزال موجودًا إلى الآن يطاف به ويدعى ويعبد فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rكما أن بني بويه الذين كانوا على عقيدة الرافضة ظهر في دولتهم بناء المشهد على قبر علي ﵁ المزعوم بناحية النجف (¬٣). ولا يزال يعبد ويدعى ويطاف به.\rوهؤلاء الذين نشروا الشرك ربما يكون بعضهم من الجاهلين المغرورين والبعض الآخر زنادقة ممن يريد إفساد دين المسلمين.\rوالأدلة على أن بعض من نشر بين المسلمين دعاء غير الله تعالى زنادقة كثيرة:\r١ - منها ما ذكره ابن الجوزي عن ابن عقيل الحنبلي أنه ذكر أن الملاحدة لما رأوا انتشار الإسلام ولم يستطيعوا مقاومته اندسوا بين المسلمين فعملوا حيلًا منها رواية ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار وخوارق العادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من","footnotes":"(¬١) منهاج السنة: ٥/ ٣٣٤.\r(¬٢) انظر رأس الحسين: ١٦٨، ١٨٦.\r(¬٣) المرجع نفسه: ١٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048785,"book_id":1098,"shamela_page_id":433,"part":"1","page_num":452,"sequence_num":433,"body":"الكهنة والمنجمين وبالغوا في تقرير ذلك، وذلك ليقول من رأى ذلك مع عدم علمه لقصدهم: وهل ما جاءت به النبوات إلا مقارب هذا؟ \" (¬١).\r٢ - ومن ذلك ما فعله الباطنية من الإسماعيلية والقرامطة ويدل على ذلك ما ثبت في رسائل إخوان الصفا من قولهم: إن التقرب إلى الله تعالى بالأنبياء أولى من التوسل بالأصنام التي لا تسمع ولا تبصر وأن من قصر فهمه ومعرفته فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه ومن قصر عنهم فبالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم والتعلق بهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار والرحمة عند قبورهم وعند تماثيلهم المصورة على أشكالهم لتذكرهم من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للزلفى إلى الله (¬٢).\r٣ - ومن ذلك ما ذكره ابن حزم أن بعض الفرس لما عجزوا عن مقاومة انتشار الإسلام أظهروا التشيع وذلك كيدًا للإسلام وأهله (¬٣).\rوذكر ابن الجوزي أن من أتباع القرامطة والعبيديين طائفة انقطعت دولة أسلافهم بدولة الإسلام كأبناء الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس فهؤلاء حاقدون على الإسلام كما ذكر أن منهم من قصد إبطال الإسلام ورد الدولة الفارسية وأظهر مذهب الإمامية (¬٤).\r٤ - وما ذكر عن رجل فرنسي أسلم وتنسك وصار إمامًا لمسجد كبير في تونس فلما جاءت الحملة الفرنسية على تونس طلب منه الناس أن يستأذن لهم على ضريح الشيخ فدخل في الضريح فخرج بأن الشيخ منعهم من المقاومة فاستسلموا (¬٥).","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس: ٦٨، ونحوه في ص: ٣٦٤، ونحوه في المنتظم: ٥/ ١١٨، وانظر نحوه في قواعد عقائد آل محمد للديلمي: ٣١.\r(¬٢) رسائل إخوان الصفا: ٤/ ٢٠.\r(¬٣) الفصل: ٢/ ٢٧٣.\r(¬٤) المنتظم: ٥/ ١١٨.\r(¬٥) التصوف بين الحق والخلق: ٢١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048786,"book_id":1098,"shamela_page_id":434,"part":"1","page_num":453,"sequence_num":434,"body":"٥ - وما ذكر عن امرأة فرنسية أظهرت الإسلام وتزوجت بأحد شيوخ التيجانية ثم بعد وفاته بأخيه شيخهم أيضًا، فبذلك قدمت خدمة جليلة للاستعمار الفرنسي (¬١).\rفتبين مما سبق أن بعض علماء السوء وأئمة الضلال والزنادقة سعوا في نشر الشرك في هذه الأمة.\r\rالسبب الرابع: التقليد الأعمى للآباء والأسلاف، واستصحاب العوائد وإِلْفُها:\rإن الله ﷾ أعطى الإنسان العقل ليفكر ويعتبر به ولكن بعض الناس لم يستخدموا عقولهم في طلب الحجة والدليل والتفكر والاعتبار، بل أهملوه وقلدوا الآخرين بدون برهان ولا سلطان، فرأوا الآباء والأجداد والمشايخ يعظمون القبور ويدعون الأضرحة، فقلدوهم وتبعوهم بدون إعمال عقولهم هل هذه القبور تستحق العبادة والدعاء أم لا؟\rوهؤلاء رأوا أن هذا قد شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير بدون نكير، فلهذا إذا رأوا من ينكر عليهم قالوا كما قال الأولون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤].\rوقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢، ٢٣].\rقال ابن الجوزي: \"وقد لبس إبليس على جمهور العوام بالجريان مع العادات وذلك من أكثر أسباب هلاكهم، فمن ذلك أنهم يقلدون الآباء والأسلاف في اعتقادهم على ما نشأوا عليه من العادة، فترى الرجل منهم","footnotes":"(¬١) التيجانية لدخيل الله: ٦١ - ٦٣، والتصوف بين الحق والخلق: ٢١٢ - ٢١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048787,"book_id":1098,"shamela_page_id":435,"part":"1","page_num":454,"sequence_num":435,"body":"يعيش خمسين سنة على ما كان عليه أبوه ولا ينظر أكان على صواب أم على خطأ\" (¬١).\rفالذين يدعون غير الله تعالى ويجيزونه يستدلون بالكثرة وبالآباء والأجداد على صحة دعاء غير الله تعالى بل بعضهم يتهم من لا يجيز ذلك بأنه خالف إجماع الأمة المحمدية المرحومة، وهذا الاستدلال والاحتجاج بتقليد الآباء والأجداد له سبب خفي، وهو أنه \"ينشأ أحدهم وهو حسن الظن بأسلافه ومشايخه فلا يزال يسمع ما يقوي حسن ظنه ويسمع ما يبعد المخالف، ثم يتدرج إلى مثل هذه الحالة من عدم قبول الحق، ومع هذه الحالة هناك عوامل وأسباب أخرى خفية ربما يذهل عنها\" (¬٢).\rوالمقلد يزين له الشيطان أن التقليد أفضل لسلامته من الوقوع في اشتباه الأدلة وأن الأسلاف لا يخطئون إلى غير ذلك من الشبه.\rقال ابن الجوزي ﵀ في بيان طريق دخول إبليس في إفساد العقائد:\r\"فإن إبليس زيّن للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم، وقد ضل في هذا الطريق كثير وبه هلاك عامة الناس … واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى وجب هجر التقليد لئلا يوقع في ضلال. . .\".\rثم قال: واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال: وهذا عين الضلال لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل كما قال علي ﵁. . .","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس ص: ٣٩٩، وانظر أيضًا: القول الفصل النفيس ص: ١٠٠، فقد أن استصحاب العوائد من أعظم أسباب الوقوع في الشرك، ونحوه في قطف ذكر الثمر ص: ١١٣.\r(¬٢) العلم الشامخ: ٢٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048788,"book_id":1098,"shamela_page_id":436,"part":"1","page_num":455,"sequence_num":436,"body":"إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله\" (¬١).\r\rالسبب الخامس: عدم امتثال أمر الشارع بسد ذرائع الشرك وحماية جناب التوحيد:\rقد أمر الشارع الحكيم بسد ذرائع الشرك ووسائله كلها صغيرها وكبيرها وحذر من الاقتراب إليها وذلك حماية لجناب التوحيد والوسائل التي نهى الشارع عنها كثيرة ومتنوعة لأن منافذ الشرك كثيرة والطرق إليه متعددة، ومن تلك الوسائل التي نهينا عنها وسائل لفظية نحو الحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت.\rوقد حذرنا الرسول ﷺ من ذلك فقال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" (¬٢).\rوقال للذي قال له ما شاء الله وشئت: \"أجعلتني الله ندًا بل ما شاء الله وحده\" (¬٣).\rومن تلك الوسائل وسائل عَمَلِيَّة: نحو البناء على القبور، وشد الرحل إليها واتخاذها مساجد والصلاة عندها أو إليها، وقصدها لعبادة الله عندها كالدعاء عندها والذبح الله عندها ووضع تماثيل لأصحابها والاجتماع عندها في مواسم وأعياد معينة.\rوقد حذر الشارع الحكيم من هذه الأمور وغيرها، صيانة لعقيدة","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس: ٨١ - ٨٢.\r(¬٢) أخرجه أبو داود: ٣/ ٥٧٠ رقم ٣٢٥١، والترمذي: ٤/ ١١٠ رقم ١٥٣٥، والحاكم: ١/ ١٨ وصححه ووافقه الذهبي كما صححه الألباني كما في صحيح الجامع: ٥/ ٢٨٢ رقم ٦٠٨٠، والإرواء: ٨/ ١٨٩ رقم ٢٥٦١.\r(¬٣) أخرجه ابن ماجه: ١/ ٦٨٤ رقم ٢١١٧، وأحمد ١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧، والنسائي في عمل اليوم: ٩٨٨، وابن السني رقم ٦٦٧، وحسنه الألباني في الصحيحة: ١٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048789,"book_id":1098,"shamela_page_id":437,"part":"1","page_num":456,"sequence_num":437,"body":"التوحيد وسدًا لأبواب الشرك ومنافذه.\rفقد ثبت في الأحاديث الصحيحة النهي عن هذه الأشياء وإليك بعضها:\rفقد ثبت في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه (¬١).\rوثبت أمره بهدم أبنية القبور وتسويتها بالأرض. قال علي ﵁ لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\" (¬٢).\rوثبت عن النبي ﷺ نهيه عن شد الرحل إلى القبور، فروى أبو سعيد وأبو هريرة ﵄ مرفوعًا: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا\" (¬٣).\rووردت أحاديث كثيرة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها أو عندها ولعن من فعل ذلك، فعن عائشة وابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه خميصة له فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: \"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد تقول عائشة: يحذر ما صنعوا\" (¬٤).\rقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وكأنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فلعن اليهود","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: ٢/ ٦٦٧ رقم ٩٧٠.\r(¬٢) رواه مسلم ٢/ ٦٦٦، رقم ٩٦٩.\r(¬٣) البخاري: ٣/ ٦٣ رقم ١١٨٨، ١١٨٩ و ٣/ ٧٠ رقم ١١٩٧، ومسلم: ٢/ ١٠١٤ رقم ١٣٩٧.\r(¬٤) البخاري: ١/ ٥٣٢ رقم ٤٣٥، ٤٣٦، ومسلم: ١/ ٣٧٧ رقم ٥٣١ وله شاهد من حديث أبي هريرة البخاري رقم ٤٣٧، ومسلم رقم ٥٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048790,"book_id":1098,"shamela_page_id":438,"part":"1","page_num":457,"sequence_num":438,"body":"والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم\" (¬١).\rوروي جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: \". . . ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني ذلك\" (¬٢).\rأنهاكم عن ومن الوسائل التي نهى عنها وضع التماثيل والصور على القبور، قالت عائشة ﵂: إن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله\" (¬٣).\rوقد أمر ﷺ بطمس التماثيل والصور كما في حديث علي المتقدم كما حذر أشد التحذير من التصوير للحيوان مطلقًا فقال:\r\"أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله\" (¬٤).\rوحذر من اعتياد قبره صلوات الله وسلامه عليه فقال فيما رواه أبو هريرة: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) فتح الباري: ١/ ٥٣٢.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ١٨/ ٣٧٧ رقم ٥٣٢ والأحاديث الواردة في التحذير من اتخاذ القبور مساجد كثيرة ذكر الألباني في تحذير الساجد ص: ٢٧ وما قبلها عن الحارث النجراني وأسامة بن زيد وأبي عبيدة بن الجراح وزيد بن ثابت وابن مسعود وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ١/ ٥٢٣ رقم ٤٢٧، ومسلم: ١/ ٣٧٥ رقم ٥٢٨.\r(¬٤) أخرجه البخاري: ١٠/ ٣٨٦ - ٣٨٧ رقم ٥٩٥٤، ومسلم: ٣/ ١٦٦٧ رقم ٢١٠٧.\r(¬٥) أخرجه أبو داود: ٢/ ٥٣٤ رقم ٢٠٤٢، وأحمد: ٢/ ٣٦٧.\rوقد صحح إسناد الحديث النووي في الأذكار ص: ١٠٦، ونقل السخاوي هذا التصحيح فأقره في القول البديع ص: ١٥٤، وقال ابن تيمية: وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع فيه لين لا يمنع الاحتجاج به هذا ما ذكره =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048791,"book_id":1098,"shamela_page_id":439,"part":"1","page_num":458,"sequence_num":439,"body":"ولا يخفى حكمة نهي الشارع عن تعظيم القبور وتصوير تماثيل أصحابها لأن ذلك من الأسباب الرئيسية في عبادة أصحابها ودعائهم.\rقال شيخ الإسلام: \"والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين: أولها: تعظيم قبور الصالحين، وتصوير تماثيلهم للتبرك بها، وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون وهو شرك قوم نوح … والسبب الثاني: عبادة الكواكب. . .\" (¬١).\rوذكر ابن القيم أيضًا أن \"غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور\" (¬٢).\rفتبين مما تقدم أن الشارع الحكيم قد سد كل الطرق والوسائل التي تؤدي إلى الشرك ودعاء غير الله تعالى بنوعيه.\rولكن بعض المسلمين لم يمتثلوا هذا النهي وهذا التحذير البليغ فطرقوا تلك المحاذير وفتحوا تلك السدود، فقاموا بتشييد الأضرحة وزخرفتها، مع إسدال الستور وإيقاد البخور ونثر الزهور، وذبح النحور، وتقديم النذور، والانحناء عند المرور، ودعوا عند تلك القبور، ففتحوا بذلك بابًا من أبواب الشرك الذي أمر الشارع بسده، بل تعدوه","footnotes":"= في الرد على الأخنائي ص: ٩٢، ونحوه في اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٢١.\rوقال الحافظ ابن عبد الهادي: \"وهو حديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة\" الصارم ص: ٣١٠، وحسنه أيضًا الحافظ كما في الفتوحات الربانية: ٣/ ٣١٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ١٣٢ رقم ٧١٠٣، وحسن إسناده في تحذير الساجد ص: ١٤٢، والشواهد التي أشار إليها ابن عبد الهادي ستأتي في ص: ٦١٠.\r(¬١) الرد على المنطقيين ص: ٢٨٥، والفتاوى: ١٧/ ٤٦٠، وقاعدة في التوسل: ١٧، وجامع الرسائل: ٢/ ٥٣، وانظر أيضًا شرح الطحاوية ص: ٢٠.\r(¬٢) زاد المعاد: ٤/ ٤٥٨، ونحوه في إغاثة اللهفان: ١/ ١٤٥، نقلًا عن شيخه، وفي ٢/ ١٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048792,"book_id":1098,"shamela_page_id":440,"part":"1","page_num":459,"sequence_num":440,"body":"واقتحموا الشرك فإذا جاء العامي عند مشهد من تلك المشاهد رأى ما يبهره من القباب المزخرفة والأضرحة المزينة ورأى الستائر المسدولة والأبخرة المتصاعدة، والأزهار المتناثرة، ورأى الناس يطوفون حول القبر، ويصرخون بندائه واستغاثته، ورأى هذا يبكي، وآخر يناجي ويتضرع، وآخر يتمرغ بتراب القبر، وآخر يقبض النذور ويُبَارِك، وآخر يحكي كرامات الشيخ وخوارقه وآخر يقول: كنت في شدة فدعوت الشيخ فاستجاب لي إذا رأى العامي هذه الأمور - ولم يجد من ينكر ذلك - ظنَّ أن هذا من دين الإسلام، وقلد هؤلاء وعمل مثل عملهم وتأثر بما رأى وسمع \"ويضيق صدره عن تصور ما لهذا الولي من المنزلة، ويدخله من الروع والمهابة ما يغرس في قلبه من العقائد الوهمية. . . ما يزلزله عن الإسلام قليلًا قليلًا حتى يطلب من صاحب هذا القبر ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى\" (¬١).\rهذا ومن جملة الوسائل التي نهى عنها الشارع الغلو في الصالحين، ومع كونه من جملة الذرائع والوسائل نُفْرِدُه بعنوان مستقل لكونه من الأسباب الرئيسية لانتشار دعاء غير الله تعالى قديمًا وحديثًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\r\rالسبب السادس: الغلو في الصالحين (¬٢):\rومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى الغلو في الصالحين، وقد حذرنا الله تعالى من الغلو في الدين عمومًا في العقائد والأعمال والعبادات فقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَ﴾ [النساء: ١٧١].","footnotes":"(¬١) الإبداع في مضار الابتداع: ٢١٣.\r(¬٢) قد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم ثم ذكر منها تعظيم الموتى، والغلو في المخلوق. اهـ. إغاثة اللهفان: ٢/ ١٦١، ١٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048793,"book_id":1098,"shamela_page_id":441,"part":"1","page_num":460,"sequence_num":441,"body":"فهذه الآية وإن كان سياقها في أهل الكتاب السابقين إلا أن مدلولها ينطبق على هذه الأمة أيضًا إذ نهينا أن نسلك مسالكهم ونتبع سبيلهم وأن نتشبه بهم. وقد أخبر رسول الله ﷺ أن هذه الأمة ستتبع سنن من سبقها من الأمم فقال: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا\" (¬١).\rوقد حذر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من إطرائه والغلو في مدحه فقال في حديث عمر الطويل: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ورسوله\" (¬٢) ومع هذا التحذير الواضح غلا فيه قوم، والذي ألجأهم إلى هذا الغلو \"اعتقادهم أنه يكفِّر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة وكلما غلوا كانوا أقرب إليه فهم أعصى الناس لأمره\" (¬٣).\rوقال ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: \"إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين\" (¬٤).\rفهذا الحديث وإن كان سبب وروده في رمي الجمار، إلا أن لفظه عام، فهو يشمل التحذير من أنواع الغلو سواء في الاعتقادات أو الأعمال (¬٥).\rومن أنواعه الغلو في الصالحين أو فيمن يعتقد فيه الصلاح.","footnotes":"(¬١) البخاري: ١٣/ ٣٠٠ رقم ٧٣٢٠، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٤ رقم ٢٦٦٩ من حديث أبي سعيد الخدري.\r(¬٢) البخاري: ١٢/ ١٤٤ رقم ٦٨٣٠ و ٦/ ٤٧٨.\r(¬٣) الموضوعات للقاري: ١١٩، والبريلوية: ١٤٣.\r(¬٤) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٢١٥، ٣٤٧، والنسائي: ٥/ ٢١٨، وابن ماجه: ٢/ ١٠٠٨، وابن أبي عاصم في السنة رقم ٩٨، وابن خزيمة في صحيحه: ٤/ ٢٧٤ رقم ٢٨٦٧، وابن حبان (موارد) ص: ٢٤٩ رقم ١٠١١، والحاكم: ١/ ٤٦٦، وابن الجارود في المنتقى ص: ١٧١ رقم ٤٧٣. وقد صحح الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه شيخ الإسلام في الاقتضاء ص: ١٠٦ وقال: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: ٣/ ٢٧٨ رقم ١٢٨٢.\r(¬٥) انظر اقتضاء الصراط ص: ١٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048794,"book_id":1098,"shamela_page_id":442,"part":"1","page_num":461,"sequence_num":442,"body":"ولم يحذرنا الشارع الحكيم من الغلو في الصالحين إلا لحكم عظيمة وأسرار بالغة فمن ذلك أن الغلو في الصالحين هو السبب الرئيسي في انتشار الشرك.\rأ - فالغلو في الصالحين هو السبب في أول شرك ظهر على وجه الأرض، فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت (¬١).\rوروى ابن جرير بإسناده إلى محمد بن قيس قال: \"كانوا قومًا صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم\" (¬٢).\rوهكذا تدرج بهم الشيطان حتى عبدوا هؤلاء الصالحين، فالشيطان لا يأتي إلى الإنسان بالطريق المباشر ولكنه يأتي بحيل وأساليب متنوعة تؤدي في النهاية إلى الضلال نعوذ بالله منه.\rفهو يتدرج \"مع كل في عشه فقال لمن له انتماء ما إلى الشرع يقربونكم إلى الله زلفى ونحو ذلك، وكذلك عبادة سائر الأحجار يقال: سببها استعظام بعض أهل الحرم أن يغيبوا عن الحرم في سفرهم فأخرجوا منه حجرًا\" (¬٣) ثم تدرج الشيطان في ذلك حتى عبدت الأحجار.","footnotes":"(¬١) البخاري: ٨/ ٦٦٧ رقم ٤٩٢٠.\r(¬٢) ابن جرير الطبري: ٢٩/ ٩٨ - ٩٩، وإسناده ضعيف لكنه يتقوى بحديث ابن عباس السابق كما أن هناك روايات أخرى عن بعض التابعين تشهد لذلك، من ذلك ما روي عن محمد بن كعب القرظي وأبي جعفر.\r(¬٣) الأرواح النوافخ: ٣٩، وانظر تلبيس إبليس: ٥٥، والأصنام للكلبي: ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048795,"book_id":1098,"shamela_page_id":443,"part":"1","page_num":462,"sequence_num":443,"body":"ب - ثم وقع الشرك بعد قوم نوح ﵇ في الأمم الأخرى بسبب الغلو في الصالحين أيضًا، فقد أخبرنا الله تعالى أن اليهود غلوًا في عزير وقالوا ابن الله وغلت النصارى في عيسى فقالوا: ابن الله تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\rقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [براءة: ٣٠].\rوقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ يشير إلى أن مثل هذا الغلو موجود في الأمم التي قبلهم لأن عبادة الأبطال والغلو فيهم موجودة في السابقين قبلهم (¬١).\rولم يقتصر غلو اليهود والنصارى على أنبيائهم فقد غلوا أيضًا في أحبارهم ورهبانهم قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [براءة: ٣١].\rغلوا في الأحبار والرهبان فعبدوهم من دون الله إذ أطاعوهم في التحليل والتحريم كما في حديث عدي بن حاتم ﵁، قال ﷺ:\r\"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر تفسير المنار: ١٠/ ٢٩٨، والمسيحية لأحمد شلبي ص: ١٣٥.\r(¬٢) الترمذي: ٥/ ٢٧٨ رقم ٣٠٩٥، وابن جرير: ١٠/ ١١٤، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وقال في التقريب رقم ٥٣٦٤ - ضعيف.\rوالحديث له شاهد موقوف عن حذيفة من طريق حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري عنه أخرجه ابن جرير: ١٠/ ١١٤، وأبو البختري هو سعيد بن فيروز ثقة كثير الإرسال كما في التقريب وحديثه عن حذيفة مرسل كما في التهذيب: ٤/ ٧٢، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048796,"book_id":1098,"shamela_page_id":444,"part":"1","page_num":463,"sequence_num":444,"body":"وهذا لا ينافي ما ثبت من أنهم عبدوهم أيضًا في غير التحليل والتحريم، لاسيما النصارى فإنه يوجد فيهم من يعبد القديسين ويدعوهم من دون الله تعالى وذلك كثير فيهم (¬١).\rوذلك لأن الذي في حديث عدي ﵁ إنما هو نوع واحد من عباداتهم المتعددة الأنواع وليس حصرًا لأنواع العبادة التي وقعت منهم أو تقع منهم.\rويدل على ذلك عموم اللفظ في الآية، وعطف المسيح على الأحبار والرهبان وإن كان ذلك من دلالة الاقتران، وهي وإن كانت ضعيفة لكنها هنا لم تكن هي الدليل وحدها وذلك لأنهم لم يعبدوا المسيح بالطاعة فقط، بل عبدوه بكل أنواع العبادات ويؤيد عبادتهم لهم بغير الطاعة قوله ﷺ: \"أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا فيه تلك الصور. . .\" (¬٢).\rوهذه الأدلة تجعلنا نؤول حديث عدي عن ظاهره الذي يقتضي","footnotes":"= وجامع التحصيل: ٢٢٢.\rوقد حسن الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان ص: ٦١ فقال: \"وفي حديث عدي بن حاتم وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما ثم ساقه، ولم أجده في المسند: ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٩ في مسند عدي.\rوحسنه الألباني أيضًا في تخريج الحلال رقم ٦ وقد ضعفه جاسم الدوسري في النهج السديد رقم ٩٢.\r(¬١) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عبادة النصارى للقديسين ولمريم وغلوهم في الأحبار والرهبان بقصد قبورهم لدعائهم وغير ذلك مما يفيد عبادتهم لهم بغير الطاعة أيضًا انظر ذلك في الفتاوى: ١/ ١٣٥، والجواب الصحيح: ١/ ٣١٩، ورأس الحسين: ١٦٢ - ١٦٤، والجواب الباهر، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٣٥، والرد على البكري: ٢٦٥ - ٢٦٦، وقاعدة في التوسل: ١٩. كما ذكر أنهم يسمون مشركين باعتبار ابتداعهم للشرك. انظر الرد على البكري ص: ١٤٨، والفتوى الحموية ص: ١٤، كما ذكر عبادتهم لصور القداديس في الكنائس: الفتاوى: ١٧/ ٤٥٥.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048797,"book_id":1098,"shamela_page_id":445,"part":"1","page_num":464,"sequence_num":445,"body":"حصر عبادتهم للأحبار والرهبان في الطاعة فقط.\rجـ - ثم إن الشرك عندما وقع في مشركي العرب وقع بسبب الغلو في الصالحين أيضًا، ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، كان اللات رجلًا يلت سويق الحاج (¬١). وفي رواية ابن أبي حاتم زيادة كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه\" (¬٢).\rونحو قول ابن عباس قول مجاهد: كان رجل يلت السويق فمات فاتخذ قبره مصلى (¬٣).\rد - ثم إن الشرك عندما وقع في هذه الأمة المحمدية وقع بسبب الغلو في الصالحين، وهو أن أول شرك في هذه الأمة هو الشرك الذي وقع من السبئية الذين غلوا في علي ﵁ حتى ألهوه، وقالوا له أنت ربنا وخالقنا ورازقنا.\rوهؤلاء قد أحرقهم علي ﵁ عندما لم يرجعوا عن قولهم بعد استتابتهم، فقد روى أبو طاهر (¬٤) المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: \"قيل لعلي إن هنا قومًا على باب المسجد يدعون أنك ربهم فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟، قالوا: أنت ربنا","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: ٨/ ٦١١ رقم ٤٨٥٩، وأخرجه أيضًا عبد بن حميد كما في الجواب الباهر: ٣٧، وابن جرير: ٢٧/ ٥٩.\r(¬٢) فتح الباري: ٨/ ٦١٢، والجواب الباهر: ٣٧.\r(¬٣) أخرجه عبد بن حميد في التفسير كما في الجواب الباهر: ٣٧، والطبري: ٢٧/ ٥٨ بإسناد صحيح وذكر الكلبي في الأصنام ص: ١٦ أنه كان يهوديًا يلت عندها السويق.\r(¬٤) هو محمد بن عبد الرحمن بن العباس مسند وقته، وكان ثقة من الصالحين (ت ٣٩٣ هـ)، العبر: ٢/ ١٨٥، والبداية: ١١/ ٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048798,"book_id":1098,"shamela_page_id":446,"part":"1","page_num":465,"sequence_num":446,"body":"وخالقنا ورازقنا فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم أكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني فاتقوا الله وارجعوا فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال: أدخلهم فقالوا كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك … فخَدَّ لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر، وقال: احفروا فابعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود، وقال: إني طار حكم فيها أو ترجعوا فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال:\rإني إذا رأيت أمرًا منكرا … أوقدت ناري ودعوت قنبرا\" (¬١)\rوقد حسن الحافظ ابن حجر إسناد هذه القصة (¬٢) وأما أصل قصة الإحراق فقد أخرجها البخاري وغيره مختصرة بدون هذا التفصيل من طريق عكرمة: \"أن عليًا ﵁ حرق قومًا فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لأن النبي ﷺ قال: \"لا تعذبوا بعذاب الله\" ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (¬٣).\rوقد تبع هؤلاء السبئية الذين غلوا في علي إخوانهم الرافضة الذين غلوا في علي وأئمة أهل البيت ووصفوهم بصفات الربوبية، وأعطوهم حق التصرف في الكون وزعم بعض المعاصرين منهم سيطرتهم على","footnotes":"(¬١) ذكره الحافظ في فتح الباري: ١٢/ ٢٧٠، وانظر أحوال الرجال للجوزجاني ص: ٣٧، ومسند أبي يعلى: ١/ ٣٤٩ رقم ٤٤٩، ومختلف الحديث لابن قتيبة: ٧٣، ومنهاج السنة: ١/ ٢٣ - ٣٤، ومقالات الإسلاميين: ١/ ٨٦، وفرق الشيعة للنوبختي: ٤٣: ٤٣ - ٤٤، وصرح فيه بأن السبئية أول من قال بالغلو، واختيار معرفة الرجال للطوسي ص: ١٠٦ رقم الحديث: ١٧٠ - ١٧٤، والفتاوى: ٤/ ٥١٨.\r(¬٢) فتح الباري: ١٢/ ٢٧٠.\r(¬٣) البخاري: ٦/ ١٤٩ رقم ٣٠١٧، و ١٢/ ٢٦٧ رقم ٦٩٢٢، وأحمد في المسند: ١/ ٢١٧، ٢٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048799,"book_id":1098,"shamela_page_id":447,"part":"1","page_num":466,"sequence_num":447,"body":"جميع ذرات هذا الكون وأن مقامهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل.\rقال صاحب الحكومة الإسلامية:\r\"فإن للإمام مقامًا محمودًا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون. وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.\rوبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم ﷺ والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنوارًا فجعلهم الله بعرشه محدقين … وقد ورد عنهم (ع) إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل\" (¬١).\rوهذا الغلو والإطراء الذي جاوز المعقول والمنقول متأصل في الرافضة، ويكفي للدلالة على ذلك الأبواب التي بوب بها الكليني في كافيه وهو أهم كتاب من كتب الشيعة الأصولية فمن أبوابه في كتاب الحجة من قسم الأصول:\rباب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه: ١/ ١٤٨.\rباب أن الأئمة خلفاء الله ﷿ في أرضه وأبوابه التي يؤتى منها: ١/ ١٤٩.\rباب أن الأئمة نور الله ﷿: ١/ ١٥٠.\rباب أن الأئمة ﵈ هم أركان الأرض: ١/ ١٥٢.\rباب عرض الأعمال على النبي ﷺ والأئمة: ١/ ١٧٠.\rباب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم: ١/ ٢٠٢.","footnotes":"(¬١) الحكومة الإسلامية ص: ٥٢، وانظر هذه الأحاديث التي أشار إليها في: من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٣٧٢، ونحوه في أصول الكافي: ١/ ١١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048800,"book_id":1098,"shamela_page_id":448,"part":"1","page_num":467,"sequence_num":448,"body":"باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء: ١/ ٢٠٣.\rوقد حوى في داخل هذه الأبواب أنواعًا من المبالغات التي لا يمكن أن يصدقه العقل فمن ذلك ما رواه بسنده إلى أبي عبد الله أنه كان مع جماعة من الشيعة في الحجر فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثة\" (¬١).\rوروى أيضًا أن الروح المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ أنه خلق من خلق الله أعظم من جبريل وميكائيل كان مع رسول الله يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده (¬٢).\rهذا ويكفينا من هذا كله مما يختص بموضوعنا - مسألة دعاء غير الله تعالى - ما أخرجه الكليني بسنده عن جعفر الصادق في قول الله تعالى: والله الأسماء الحسنى فادعوه بها نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا (¬٣).\rوأخرج أيضًا بإسناده إلى أبي الحسن - علي الرضا - في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: نحن الأوصياء (¬٤).","footnotes":"(¬١) الكافي: ١٢/ ٢٠٤، ونحوه في بصائر الدرجات الكبرى: ١٤٩.\r(¬٢) الكافي: ١/ ٢١٤، ونحوه في بصائر الدرجات: ٤٧٥.\r(¬٣) الكافي: ١/ ١١١، ويشبه هذا ما نقل عن التيجاني الكذاب أنه قال: \"نهاني رسول الله ﷺ عن التوجه بالأسماء الحسنى وأمرني بالتوجه بصلاة الفاتح\" اهـ. انظر الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التيجانية ص: ٣٠ نقلًا عن الإفادة الأحمدية ص: ٥٧.\r(¬٤) الكافي: ١/ ٣٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048801,"book_id":1098,"shamela_page_id":449,"part":"1","page_num":468,"sequence_num":449,"body":"وهذا الذي يقول به هؤلاء من الإدعاءات الكثيرة في أئمتهم ومدعويهم لا يصدقه العقل السليم ولكن الأمر كما قال الإمام الشاطبي ﵀:\r\"ولولا الغلو في الدين والتكالب على نصر المذهب، والتهالك في محبة المبتدع لما وسع ذلك عقل أحد\" (¬١).\rوقد وضح مما تقدم مدى ما وصل إليه غلو الروافض في أئمتهم ولم يصل إلى هذا الحد من الغلو في الصالحين في هذه الأمة أحد مثلهم. ثم قلدهم الصوفية فغلوا في شيوخهم ورفعوهم فوق منزلتهم، ومن طريق هاتين الفرقتين انتشرت الشركيات في هذه الأمة وانتشر الغلو في الصالحين وعباداتهم ودعاؤهم من دون الله تعالى.\rوهذا ليس افتراء على هاتين الفرقتين بل يشهد بذلك التاريخ الصحيح.\rفالشيعة هم أول من اعتنى بالمشاهد وتزيينها وزخرفتها مع تعطيلهم للمساجد فمن ذلك ما ذكره الإمام أحمد ﵀ مما يقع عند قبر الحسين بكربلاء (¬٢).\rوما ذكره المؤرخون في حوادث سنة ٢٣٦ هـ من هدم المتوكل قبر الحسين لأنه كان مزارًا للناس، وقد أنذر صاحب شرطته الناس بأنه \"من وجد عند قبره بعد ثلاث بعثناه إلى المطبق\" (¬٣) فلم يبق هناك بشر واتخذ ذلك الموقع مزرعة تحرث وتستغل (¬٤).\rومما يؤكد هذا أن إخوان الصفا مع فسادهم وانحلالهم يتهمون الشيعة بأن منهم من جعل التشيع مكسبًا مثل النائحة والقصاص، وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد وزيارة القبور (¬٥).","footnotes":"(¬١) الاعتصام: ١/ ٢٥٩.\r(¬٢) اقتضاء الصراط المستقيم: ٣٠٥ - ٣٠٦، ٣٩١، والرد على الأخنائي: ٣٢.\r(¬٣) المطبق: السجن تحت الأرض المعجم الوسيط: ٢/ ٥٥٦ مادة طبق.\r(¬٤) تاريخ الأمم: ٩/ ١٨٥، والبداية: ١٠/ ٣٢٨، ومقاتل الطالبين: ٣٩٥ - ٣٩٦.\r(¬٥) رسائل إخوان الصفا: ٤/ ١٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048802,"book_id":1098,"shamela_page_id":450,"part":"1","page_num":469,"sequence_num":450,"body":"وقد صرح المؤرخون الموثوقون بأن الروافض هم السبب في نشر الشركيات في هذه الأمة حيث تأثر بهم المتصوفة ومن طريقهم انتشر في عوام المسلمين.\rقال ابن خلدون: \"ثم حدث أيضًا عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف وفيما وراء الحس، وظهر منهم القول بالحلول والوحدة، فشاركوا فيها الإمامية والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة، وحلول الإله فيهم.\rوظهر منهم القول بالقطب والأبدال، وكأنه يحاكي مذهب الرافضة في الإمام والنقباء وأشربوا أقوال الشيعة وتوغلوا في الديانة بمذهبهم حتى جعلوا مستند طريقهم في لبس الخرقة أن عليًا ﵁ ألبسها الحسن البصري … ولا يعلم هذا من وجه صحيح\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته إلى السويدي (¬٢):\rإن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة الذين يدعون عليًا وغيره، ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات (¬٣).\rوقال في كتاب التوحيد: \"وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد\" (¬٤).\rوقال أحد الشيعة المعاصرين معترفًا بهذه الحقيقة: \"والحقيقة أن للغلو والتصوف هدفًا مشتركًا هو أن يكون للإنسان موضع قدم في","footnotes":"(¬١) مقدمة ابن خلدون: ٣٢٣.\r(¬٢) هو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله زين الدين البغدادي أبو الخير، فقيه مؤرخ أديب (ت ١٢٠٠ هـ)، المسك الأذفر للألوسي: ١٣١ - ١٣٣، ومعجم المؤلفين: ٥/ ١٤٩.\r(¬٣) مؤلفات الشيخ: الرسائل الشخصية: ٣٦.\r(¬٤) كتاب التوحيد: ٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048803,"book_id":1098,"shamela_page_id":451,"part":"1","page_num":470,"sequence_num":451,"body":"الإلهية، وتصريف شؤون الدين والدنيا بقدرة غيبية وهذا هو السبب الذي من أجله رفع الأئمة أولًا إلى الإلهية، وارتفع رؤساء مدارس الغلو إلى النبوة، ثم استقلوا فارتفعوا إلى الإلهية بأنفسهم، والتصوف يهدف إلى هذه النتيجة\" (¬١).\rوهذا اعتراف صريح بتأثر التصوف بالتشيع وأن هدفهما عبادة الإنسان والغلو فيه لكن تخصيص الغلاة من الروافض بهذه العقيدة غير صحيح كما يريده صاحب هذا الكلام، بل الواقع يدل على أن أغلب الشيعة من الغلاة، وقلّ أن يوجد فيهم معتدل إلا ما كان في القرون الأولى كما قاله الذهبي ﵀ (¬٢).\rهذا فمن الغلو الذي عند المتصوفة دعاويهم الباطلة لأنفسهم، فمنهم من يدعو إلى عبادته والاستغاثة به من دون الله تعالى ومنهم من يغلو في شيخه ويرفعه فوق منزلته ويصفه بأوصاف الربوبية التي لا يستحقها إلا الله تعالى.\rومن أمثلة ذلك الحكاية التي تحكى عن معروف الكرخي وهي أنه أمر ابن أخيه بقصد قبره للدعاء (¬٣).\rومن ذلك ما نقل عن الشبلي من قوله لمن خرج من عنده: \"مروا وأنا معكم حيثما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي\" (¬٤).\rوقوله: \"إن محمدًا يشفع في أمته، وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) الصلة بين التصوف والتشيع ص: ١٢٨، لكامل الشيبي وهو من الشيعة المعاصرين.\r(¬٢) ميزان الاعتدال للذهبي: ١/ ٥ - ٦.\r(¬٣) تاريخ بغداد في ترجمته.\r(¬٤) و (¬٥) تلبيس إبليس: ٣٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048804,"book_id":1098,"shamela_page_id":452,"part":"1","page_num":471,"sequence_num":452,"body":"ومن ذلك ما ذكر عن عبد السلام بن مشيش أنه قال للشاذلي عندما زاره: يا علي طلعت إلينا فقيرًا من علمك وعملك فأخذت منا غنى الدنيا والآخرة (¬١).\rفانظر إلى هذه الحكاية إن صحت إلى أي مدى بلغت الوقاحة بهذا الرجل حتى يدعي أنه يعطي غنى الدنيا والآخرة، وما الذي بقي الله؟ سبحانه وتعالى عما يصفون.\rونحوه قول الشبلي: \"إن الله عبادًا لو بزقوا على جهنم - لأطفأوها\" (¬٢).\rوقول أحدهم: \"لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة\" (¬٣).\rومن ذلك ما قاله أحدهم في البدوي:\rيا من رماه الدهر بالإزعاج … ناد بعزم يا أبا فراج\rفهو الأمان من الحوادث إن أتت … وهو الملاذ لنا وعون الراجي\rوهو المراد إذا الخطوب تراكمت … وهو المجيب لدعوة المحتاج\rوهو الطبيب لنا ومرهم طبه … يبري ضعيف الحال دون علاج (¬٤)\rوقال آخر أيضًا فيه:\rوهو المجيب لسائل يتوسل … إذ باسمه عند المخاوف يهتف\rوهو الملاذ إذا الخطوب تراكمت … وهو المعاذ في الشدائد يعرف\rوهو الذي في الكرب يكشف غمه … وهو الذي للسوء عنا يصرف","footnotes":"(¬١) أبو الحسن الشاذلي: ١٩.\r(¬٢) تلبيس إبليس: ٣٦١.\r(¬٣) المرجع نفسه: ٣٥٤.\r(¬٤) السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة ص: ٢٨٠ نقلًا عن مخطوط الجواهر السنية: ق ١٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048805,"book_id":1098,"shamela_page_id":453,"part":"1","page_num":472,"sequence_num":453,"body":"وهو الذي تلقى السعادة عنده … وهو الذي يحنو عليك ويعطف\rوهو الذي عمن أتى أعتابه … كل المخاوف والمتاعب يكشف (¬١)\rوالحاصل أن الغلو في الصالحين من الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي.\rوقد أمرنا الشارع هذه الأمة الوسطية بالتوسط في الصالحين بدون إفراط ولا تفريط لا نرفعهم فوق منزلتهم التي يستحقونها، ولا ننزلهم عن المنزلة التي أنزلهم الله تعالى بها، وقد ذكر الإمام مسلم ﵀ في مقدمة صحيحه حديث عائشة ﵂: \"أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم\" (¬٢).\rفأهل السنة والجماعة يرون محبة الصالحين وتوقيرهم واحترامهم والترحم عليهم والترضي عنهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، كما أن أهل السنة لا يرفعونهم فوق المنزلة التي يستحقونها فهم وسط في باب محبة الصالحين كما هم وسط في جميع أبواب الاعتقادات والأعمال بين الفرق الضالة كما أن هذه الأمة المحمدية وسط بين سائر الأمم.\r\rالسبب السابع: تأثر المسلمين بمن اختلط بهم من أصحاب الديانات الأخرى:\rلقد تأثر المسلمون بمن جاورهم واختلط بهم في بلادهم الواسعة على مدى التاريخ حيث يجاورهم اليهود والنصارى والبوذيون والهنادك وغيرهم من الوثنيين.\rتأثر المسلمون باليهود والنصارى في تعظيم القبور والمشاهد لأن","footnotes":"(¬١) المرجع نفسه ص: ٢٨١ نقلًا عن الجواهر: ق ١١٧، ١١٨.\r(¬٢) مقدمة صحيح مسلم ص: ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048806,"book_id":1098,"shamela_page_id":454,"part":"1","page_num":473,"sequence_num":454,"body":"هاتين الطائفتين تعظمان القبور والمشاهد، قال ﷺ: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا\" (¬١).\rوالنصارى أشد غلوًا في ذلك من اليهود كما في الصحيحين: \"أن النبي ﷺ ذكرت عنده أم حبيبة وأم سلمة ﵄ كنيسة رأينها بأرض الحبشة وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فقال: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله (¬٢) \".\rوقد أضلوا كثيرًا من جهال المسلمين حتى صاروا يُعَمِّدُون (¬٣) أولادهم، ويزعمون أن ذلك يوجب طول العمر والولد، وحتى جعلوهم يزورون ما يعظمونه من الكنائس والبيع، حتى صار كثير من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهبانهم (¬٤) وهذا التعظيم للقبور والمشاهد يؤدي في النهاية إلى عبادتها ودعائها من دون الله تعالى كما هو الواقع.\rكما أن المسلمين تأثروا بأصحاب الديانات الأخرى مثل البوذية والهندوسية.\rوذلك عن طريق المتصوفة الذين أخذوا مذهبهم عن البوذية والهندوسية وغيرهم من الوثنيين ثم ألبسوه ثوبًا إسلاميًا بالزور والبهتان، وقسموا الدين إلى الحقيقة والشريعة فادعوا أنهم أصحاب الحقيقة وأنهم","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص: ٤٥٦.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.\r(¬٣) يعمِّدون: يقال عند النصارى: عَمَّدَ الطفل: غسله بماء المعمودية، فهو مُعَمَّدٌ وهو أن يغمس القس الطفل في ماء يتلو عليه بعض الشيء مما يسمى عندهم آية التنصير. اهـ. انظر المعجم الوسيط: ٢/ ٦٣٢.\r(¬٤) رأس الحسين: ١٦٢ - ١٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048807,"book_id":1098,"shamela_page_id":455,"part":"1","page_num":474,"sequence_num":455,"body":"وصلوا إلى اليقين فسقطت عنهم التكاليف الشرعية التي هي للعوام فبذلك أباحوا لأنفسهم المحرمات وترك الواجبات ويحتمل أن بعض المسلمين تأثروا بفكرة الفرس القائلة بأن ملوكهم الساسانيين كائنات إلهية اصطفاهم الله للحكم وخصهم بالسيادة وأيدهم بروح منه فهم ظل الله في أرضه\" (¬١).\rفتأثر بعض المسلمين باعتقاد تلك المعتقدات في بعض أئمة آل البيت ثم في غيرهم من الصالحين.\rفتأثر هؤلاء المتصوفة بالمذاهب القديمة واضح جدًّا لأن المذاهب الباطلة هي السائدة بينهم تفوح منها رائحة الغنوصية تارة، والهندية تارة أخرى أو النصرانية في بعض اتجاهاتها، وإذا وجدنا في كلامهم نصوصًا إسلامية فهي مبتورة ملتوية المعنى من فرط اختفائها وراء التأويل\" (¬٢).\rولكون تأثرهم واضحًا جليًا لا يحتاج الباحث فيه إلى كبير عناء ومشقة في إثبات وجود عناصر غريبة عن حقائق الإسلام والإيمان، ففي التصوف عناصر لا تمت إلى الإسلام بصلة وإنما هي من أفكار المذاهب القديمة التي تسربت إلى المتصوفة (¬٣).\rومن طريقهم تسربت تلك الأفكار الهدامة إلى الأمة الإسلامية فانتشر الشرك والبدع.\rومن هذا النوع رواسب الجاهلية وتقاليدها وعاداتها التي بقيت في بعض الأقطار التي دخلت في الإسلام، ولكن تلك الأعراف والعادات لا","footnotes":"(¬١) فجر الإسلام ص: ١١١، والصلة بين التصوف والتشيع: ١٤٩، ٣٧٢، والتصوف لإحسان إلهي: ٢٧٤ - ٢٧٥.\r(¬٢) ابن تيمية والتصوف لمصطفى حلمي: ٣٤٩.\r(¬٣) انظر لإثبات هذه الحقيقة: التصوف المنشأ والمصدر لإحسان إلهي فقد جمع فيه أقوال من أثبت ذلك وقارن بين التصوف والمذاهب التي هي أصل له، فجزاه الله خيرًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048808,"book_id":1098,"shamela_page_id":456,"part":"1","page_num":475,"sequence_num":456,"body":"زال لها آثار باقية وتأثير مستمر في نشر الشرك والبدعة والخرافات.\rومن تلك الأعراف الجاهلية السجود أمام الملوك والعظماء والمشايخ للتحية، وتقبيل الأرض (¬١)، وخلع النعال، وكشف الرأس، والانبطاح على الأرض (¬٢).\rومن تلك الأعراف وضع تماثيل منحوتة في الميادين العامة أو على القبور (¬٣).\rوالحاصل أن هذه الأمور كانت عادات وتقاليد لبعض الأقطار قبل الإسلام وبقيت في تلك الأقطار، وهذه الرواسب الجاهلية في تعظيم العظماء ومن يعتقد فيهم الصلاح تؤدي في النهاية إلى عبادتهم ودعائهم من دون الله تعالى.\rوهذا يشهد له الواقع التاريخي قديمًا وحديثًا.\rوبهذا يتبين أن اختلاط المسلمين بغيرهم ومساكنتهم لهم ودخول كثير منهم في الإسلام مع بقاء بعض العادات الجاهلية، من إحدى الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى.\r\rالسبب الثامن: الأغراض الدنيوية والشهوات النفسية:\rومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى الأغراض","footnotes":"(¬١) البداية لابن كثير: ١١/ ٢٧١، ١٢/ ٧٢، ٧٦، ٨٨، والإسلام وتقاليد الجاهلية: ١٦٢، وما بعدها والمنتظم لابن الجوزي: ٨/ ١٣٦ و ١٦٤ و ١٧٠، وطبقات الشافعية: ٣/ ٣٩٠، والإعلام بقواطع الإسلام ص: ٢١، والروضة للنووي: ١/ ٣٢٦، وقد ذكر الذهبي في السير: ١٥/ ١٢٢ أن عضد الدولة البويهي لما قبل الأرض أمام الخليفة العباسي الطائع الله قال زياد قائد عضد الدولة: \"أهذا هو الله؟. اهـ. فانظر إلى مدى أثر مثل هذا العمل على العقيدة وقد ذكر الذهبي في المشتبه ص: ٢٣٠ أن من أبواب بغداد باب النوبى وأن فيه العتبة التي يقبلها الملوك والرسل. اهـ.\r(¬٢) الإسلام وتقاليد الجاهلية: ١٦٥ - ١٦٨.\r(¬٣) الإسلام وتقاليد الجاهلية: ١٦٥ - ١٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048809,"book_id":1098,"shamela_page_id":457,"part":"1","page_num":476,"sequence_num":457,"body":"الدنيوية والأهواء النفسية، ومن تلك الأغراض الدنيوية: الاسترزاق والتكسب من أصحاب الأغراض الفاسدة والأهواء الباطلة، فالسدنة حول القبور لهم أثر كبير في تزيين دعاء صاحب القبر بحكاية الكرامات، وخوارق العادات وذلك في الغالب كذب وزور وافتراء.\rقال الإمام الشوكاني ﵀: \"وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور ويستدروا منهم الأرزاق ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه ويجعلون ذلك مكسبًا ومعاشًا وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم فيبهر الزائر ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به والالتجاء إليه وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر\" (¬١).\rوقد يصل الأمر بالمزورين إلى أن يضعوا أحاديث مكذوبة على النبي ﷺ أو على الصحابة أو على لسان كبار العلماء ترويجًا لقصد المزور للدعاء عنده أو دعائه والاستغاثة به، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم ﵀","footnotes":"(¬١) الدر النضيد: ٢٧ - ٢٨ وانظر ما كتبه الدكتور أحمد صبحي عن النذور التي للبدوي وعجل البدوي وأعمال السدنة في كتابه القيم السيد البدوي من ص: ٢٩٦ إلى ٢٩٩ وما كتبه الشيخ إحسان إلهي ظهير عن قادة البريلويين وتحايلهم على أتباعهم ومنعهم من الاتصال بأصحاب العقيدة الصحيحة - في كتابه البريلوية ص: ١١٣ - ١١٤، ١٤٤، ١٤٦، ١٦١ وما كتبه الشيخ علي محفوظ في الإبداع ص: ٢١٣ وما كتبه علي الدخيل الله في التيجانية ص: ٦٠ عن مشايخ الطرق واستخدام الاستعمار لهم بإعطائهم النفوذ والمال.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048810,"book_id":1098,"shamela_page_id":458,"part":"1","page_num":477,"sequence_num":458,"body":"في صخرة بيت المقدس حيث قال: وكل حديث في الصخرة فهو كذب ومفترى، والقدم التي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين\" (¬١).\rومن تلك الأغراض والأهواء الفاسدة طلب الجاه والشرف والمكانة في قلوب العامة من سدنة الأضرحة الذين يخافون أن يذهب جاههم وشرفهم إذا ترك الناس عبادة القبور.\rفإن السدنة يعدون لدى العامة الزائرين من أهل الشرف والمكانة دينيًا واجتماعيًا، فإذا سافروا ومروا على القرى والمدن فأهل تلك الناحية يجتمعون للقائهم والتبرك بهم وإعطاء الصدقات والنذور إليهم وتقبيل أيديهم للتبرك بهم ويعدون ضيافتهم وإكرامهم من أهم القربات إلى الولي.\rثم إن أحد هؤلاء السدنة لو طلب من شخص ماله فلا بد أن يعطيه وربما لا يملك إلا إياه ومع هذا لا يستطيع منعه خوفًا على نفسه من غضب السادن ثم يغضب بسببه الولي.\rوالحاصل أن للسدنة أثرًا واضحًا في تزيين دعاء صاحب القبر فهم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر الذي يرونه عند القبر فبدلًا عن هذا يزينون دعاء الولي والاستغاثة به.\rومن صور الأهواء النفسية سهولة هذه الأوضاع والرسوم الشركية على النفس البشرية واستصعابها للتكاليف الشرعية فإن العوام يعتقدون أن الولي يحتمل الذنوب وإن زيارته كفارة للآثام والخطايا، وإن شفاعته مضمونة لمريديه وأحبابه فلا حاجة للتقيد بالأمور الشرعية، فإنه يغني عنه دعاء الولي والاستغاثة به وزيارته فغرتهم الأماني الكاذبة على الله تعالى قال ابن عقيل الحنبلي (¬٢) ﵀:","footnotes":"(¬١) المنار المنيف: ٨٧، وعنه في تحذير المسلمين: ١٦٩.\r(¬٢) هو علي بن عقيل بن محمد أبو الوفاء البغدادي شيخ الحنابلة ومؤلف كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد وكان إمامًا مبرزًا كثير العلوم خارق الذكاء عديم النظير (ت ٥١٣ هـ)، العبر للذهبي: ٢/ ٤٠٠، والبداية: ١٢/ ١٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048811,"book_id":1098,"shamela_page_id":459,"part":"1","page_num":478,"sequence_num":459,"body":"لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغَامِ عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزّى\" (¬١).\rفهذه الأوضاع توافق أهواء الناس ورغباتهم ولا تكلفهم الكثير من المشاق.\rومن صور الشهوات النفسية ما يحصل في كثير من أعياد ومواليد أصحاب الأضرحة من اختلاط النسوان بالمردان وخروج المحجبات وانتشار أنواع الفساد وما يتسبب عن ذلك من مفاسد دينية وأخلاقية لا يعبر عنها القلم (¬٢).\rفكثير من الشباب والشابات يقصدون عيد الولي لعله يكون هناك لقاء ما ثم يتكرر ذلك منهم حتى يصير عادة ثم عبادة لا يستطيعون تأخر سنة عن عيد الولي خوفًا من الولي من جهة ولاستصحاب العوائد من جهة أخرى.\r\rالسبب التاسع: التعصب والحمية الجاهلية:\rومن الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى التعصب لجيل الآباء والأجداد والحمية الجاهلية والأنفة والاستكبار عن اتباع الحق، وذلك لأنه قد يظهر الحق لبعض الناس في عدم جواز دعاء غير الله تعالى والتوسل البدعي وقصدِ الأضرحة للدعاء ولكن لا يمتثل الحق الذي ظهر له تعصبًا لمذهبه وعادات قومه ومألوفاته.","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس: ٤٠٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٢، ومفيد المستفيد: ٣٠١، والدر النضيد: ٤٠.\r(¬٢) انظر عن ذلك: السيد البدوي: ٣٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048812,"book_id":1098,"shamela_page_id":460,"part":"1","page_num":479,"sequence_num":460,"body":"وهذا التعصب ناشيء عن التكبر والاستعلاء تارة، وعن الحسد تارة، وعن خوف لحوق العار به وبالمشايخ تارة، فيكون ذلك التعصب ناشئًا عن الكبر حيث يرى أن الداعي إلى الحق أقل منه علمًا وجاهًا ومركزًا في القوم وهذا غالب على بعض علماء السوء الذين يجيزون الاستغاثة بغير الله حيث يرون أن الدعاة إلى الحق كانوا طلبة صغارًا تخرجوا عليهم ثم إن هؤلاء الطلبة ربما درسوا في بعض الجامعات التي المنهج الصحيح في العقيدة فإذا رجعوا إلى بلادهم ودعوا إلى العقيدة الصحيحة وترك دعاء الأولياء وقف ضدهم مشايخ السوء تعصبًا وتكبرًا عن اتباع الطالب الذي كان يدرس عندهم ثم صار يدعو لما يخالف مذهبهم فيستكبرون عن اتباع تلميذهم وينطبق على هؤلاء قوله تدرس تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].\rوقد يكون ذلك ناشئًا عن الحسد لأن المتعصب يخاف ذهاب جاهه واحتلال الداعي إلى تصحيح العقيدة مكانه وترك الناس له، فيمتنع عن اتباع الحق خوفًا من ذهاب جاهه وحسدًا وبغيًا كما فعل أهل الكتاب مع النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقد يكون ناشئًا عن خوف لحوق العار به وبمن سبقه من أسلافه من مشايخه وآبائه فلو ترك مذهبهم خاف أن يلحقهم العار.\rهذا وإن هذه الأسباب وغيرها مما لم تذكر قد أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي على الوجه الذي نراه اليوم في أنحاء العالم الإسلامي.\rوإن الشيطان قد زين لابن آدم هذا الشرك ووسائله وأسبابه بطرق متعددة وأساليب متنوعة حتى أوقعه في حبائل الشرك، ولا يسلم من ذلك إلا من عصمه الله وجعله من عباده الصالحين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فنسأل الله تعالى أن يحفظنا منه إنه سميع قريب وهو ولي التوفيق ..","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048813,"book_id":1098,"shamela_page_id":461,"part":"2","page_num":481,"sequence_num":461,"body":"الفصل الثاني في مراتب الدعاء غير المشروع، ومظاهر غلو المتأخرين فيه وحكم من دعا غير الله ﷿\rويشتمل على ثلاثة مباحث:\rالمبحث الأول: في مراتب الدعاء غير المشروع، وحكم كل مرتبة.\rالمبحث الثاني: في مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله ﷿.\rالمبحث الثالث: في حكم من دعا غير الله تعالى وذكر أقوال العلماء في ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048814,"book_id":1098,"shamela_page_id":462,"part":"2","page_num":483,"sequence_num":462,"body":"المبحث الأول في مراتب الدعاء غير المشروع وحكم كل مرتبة\rإن الدعاء غير المشروع تتفاوت مراتبه ودرجاته، فليس كله على مرتبة واحدة فمنه ما هو في أعلى مراتب الشرك يخرج صاحبه من الملة، ومنه ما هو قريب من ذلك ومنه ما هو بدعة.\rولا بد من بيان كل مرتبة على حدة حتى تتميز تلك المراتب بعضها عن بعض ولا يحصل تداخل بينها فيحصلَ لَبْس وشبهة لبعض الناس الذين لا يميزون بين تلك المراتب فيظنونها مرتبة واحدة.\rومن هنا صار هذا البيان أمرًا ضروريًا لأن الإنسان ربما يقع في مرتبة من تلك المراتب فيظنها معصية صغيرة، بينما هي في الحقيقة كفر محض وشرك، واضح بل يظن بعض المسلمين ما هو من الشرك الواضح قربة وطاعة وعبادة.\rوذلك لغلبة الجهل بضروريات الإسلام وأساسه الذي هو كلمة الإخلاص وما تقتضيه وما يناقضها أو يناقض كمالها.\rفوجَبَ على من يعرف حقيقة ذلك شَرْحُه وتَوْضيحه حتى يَعْرِفَ من لا يعرف وحتى تقوم الحجة وتبرأ الذمة ويهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة.\rثم إن هذه المراتب قد تدرج الشيطان في تزيينها لابن آدم فيزين له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048815,"book_id":1098,"shamela_page_id":463,"part":"2","page_num":484,"sequence_num":463,"body":"أخفها وأسهلها أولًا، ثم ينقله إلى درجة أخرى حتى يصل إلى مرتبة متناهية في البعد عن الإسلام فيخرجه عن الملة الحنيفية السمحة إلى ملة الكفر والشرك، وذلك أن الشيطان - بلطف كيده - يُحَسِّنُ أولًا الدعاء عند القبر وأنه أرجح منه في بيته ومسجده فإذا تقرر هذا عنده نقله إلى درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والاقسام على الله به، ثم إذا تقرر هذا عنده نقله إلى دعائه نفسه، ثم ينقله إلى أن يتخذ قبره وثنًا، يعكف عليه ويسجد له ويطوف به، وحتى يرى الصلاة إليه أفضل من الصلاة إلى القبلة ويقول: هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام، ثم ينقله حتى يعتقد أن الزيارة إليه أفضل من حج البيت مرات متعددة، ثم ينقله إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكا (¬١).\rونحن نذكر هذه المراتب بالإجمال ثم بالتفصيل وهي كالآتي:\r١ - سؤال الميت حاجة.\r٢ - سؤال الحي الغائب.\r٣ - سؤال الحي الحاضر.\r٤ - سؤال الميت أن يدعو الله له.\r٥ - سؤال الحي الغائب أن يدعو الله له.\r٦ - سؤال الحي الحاضر أن يدعو الله له.\r٧ - سؤال الله تعالى بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا.\r٨ - سؤال الله تعالى عند قبر نبي أو ولي أو ما يعتقد كذلك.\r٩ - سؤال غير الله تعالى مع الله تعالى بالعطف والمشاركة.\r١٠ - سؤال غير الله تعالى بنية الشفاعة والوساطة.\rوهذه هي أقسام المراتب بالإجمال، وهناك اعتبار آخر لتقسيم","footnotes":"(¬١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧ - ١٦٨، وقاعدة في التوسل: ١٤٩، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048816,"book_id":1098,"shamela_page_id":464,"part":"2","page_num":485,"sequence_num":464,"body":"السؤال فيقال:\r١ - إما أن يسأل الله تعالى فقط.\r٢ - أو أن يسأل المخلوق فقط.\r٣ - أو أن يسألهما جميعًا.\r٤ - أو أن يسأل سؤالًا مطلقًا ولا يعين المسؤول (¬١).\rونحن هنا نختار التقسيم الأول لأنه مفصل فنقول وبالله التوفيق:\r\rالمرتبة الأولى (¬٢):\rوهي أن يسأل الميت حاجة أو يستغيث به فيها:\rوذلك بأن يسأل الميت تفريج الكربات، ونيل المرادات، والحصول على الطلبات والوصول إلى الرغبات.\rمثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض دوابه، أو يَقْضِي دَيْنَه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه.\rكأن يقول أحدهم: يا سيدي فلان أغثني، أو أستغيث بك أو أستجير بك، أو أعوذ بك، أو انصرني على عدوي، أو ارزقني ولدًا، أو وسع علي رزقي أو غير ذلك.\rوقد يغالي بعضهم حتى يطلب من الميت هداية القلوب، وغفران الذنوب وحسن الخاتمة وتسهيل أمور الآخرة من ضيق القبر، وسؤال الملكين والجواز على الصراط والنجاة من النار.","footnotes":"(¬١) انظر جلاء العينين في محاكمة الأحمديين ص: ٤٧٢، وانظر أيضًا ص: ٥٣٩ - ٥٤٠ وما تقدم ص ١٥٨.\r(¬٢) انظر عن هذه المرتبة: الرد على البكري ٥٥، وقاعدة في التوسل: ١٤٩، والفتاوى: ٢٧/ ٧٢، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٨، وزاد المعاد: ١/ ٥٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048817,"book_id":1098,"shamela_page_id":465,"part":"2","page_num":486,"sequence_num":465,"body":"ومما ينبغي أن يعلم أن الاستغاثة بالميت لا تجوز مطلقًا أي في الأشياء التي يقدر عليها في الحياة وفيما لا يقدر عليه.\rقال شيخ الإسلام: \"فالاستغاثة المنفية نوعان: أحدهما الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء، والثاني الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق\" (¬١).\rوهذه المرتبة لها صورتان:\rالصورة الأولى: أن يسأل الميت وقد حضر عند قبره ووقف عليه أو قدام شباكه أو أمام باب القبة.\rوهذا كالذي يقع من الزائرين عند الأضرحة والقباب والمشاهد حيث يصرخون وينادون ويستغيثون بصاحب القبر ويقولون: يا أيها الولي الفلاني أنا ببابك أرجو منك أن تفعل لي كذا وكذا.\rالصورة الثانية: أن يسأل الميت ويستغيث به ويناديه من مكان بعيد، ومسافات شاسعة بينه وبين المستغاث به الصحارى والفيافي والجبال بل البحار مما لم يجر الله العادة على سماع الرجل الحي للنداء والاستغاثة من مثل تلك الأمكنة فضلًا المقبور الساكن تحت الأجداث والجنادل عن والتراب، والذي هو في شغل شاغل إما بالنعيم أو بالجحيم إذ القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.\r\rحكم هذه المرتبة:\rهذه المرتبة أبعد هذه المراتب عن الشرع وهي شرك صريح وكفر بواح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل (¬٢).","footnotes":"(¬١) الرد على البكري ص: ٢٤٥.\r(¬٢) الرد على البكري: ٥٥ والفتاوى: ٢٧/ ٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048818,"book_id":1098,"shamela_page_id":466,"part":"2","page_num":487,"sequence_num":466,"body":"والسبب في كون هذه المرتبة شركًا وجهان (¬١) في الأولى وثلاثة أوجه في الثانية.\rالوجه الأول: أن الداعي في هذه المرتبة نادى غير الله تعالى، ووَجَّه طلبه وقَلْبَه إلى غير الله تعالى واستغاث به طالبًا كشف ضره، أو جلب نفع له مما لا يقدر عليه غير الله تعالى.\rوهذا هو الدعاء الذي هو العبادة ولبها ومخها وقطب رحاها، فَصَرْفُ هذا الله تعالى عبادة وطاعة وإخلاص وتوحيد، وصَرْفُه لغير الله تعالى شركٌ وضلال وكفر وتنديد.\rالوجه الثاني: أن هذا الداعي اعتقد في المدعو قوة غيبية، وسلطانًا غيبيًا، وتأثيرًا بالقوة الغيبية التي ليست من جنس قوة البشر، ولا من صفاتهم، لأنه اعتقد للمدعو أنه يقدر على إيصال النفع، أو دفع الضر عنه بقوة غيبية لا ترى ولا تلامس الأشياء الملامسة المعروفة لدى البشر.\rوهذه الصفة خاصة بالله تعالى لا تليق بغيره سبحانه وتعالى عما يشركون.\rفَاعْتقادُهَا الله وإفراده بالاتصاف بها، توحيد وإخلاص وعبادة، واعتقاد اتصاف الغير بها شرك وضلال.\rوهذان الوجهان موجودان في الصورتين جميعًا وتزيد الصورة الثانية وجهًا ثالثًا وهو ما يأتي:\rالوجه الثالث: أن الداعي اعتقد علم الغيب، والسمع والبصر المحيطين لغير الله تعالى حيث ناداه من مكان بعيد، وهذا الاعتقاد صرف لصفات الجلال والجمال - التي لا تليق بغير الله تعالى ولا يمكن أن","footnotes":"(¬١) انظر في ذكر الوجه الأول والثالث صيانة الإنسان: ٣٧٣، وفتاوى عبد الحي اللكنوي: ١/ ٢٦٤ بواسطة تعليق أبي الحسن الندوي على رسالة التوحيد: ١٤٠ - ١٤١، وحكم الله الواحد الصمد ص: ٧ - ٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048819,"book_id":1098,"shamela_page_id":467,"part":"2","page_num":488,"sequence_num":467,"body":"يتصف بها أحد إلا إياه - إلى المدعو الضعيف الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم الغيب، وهذا هو الشرك بعينه وسيأتي إن شاء الله تعالى نقل كلام العلماء في كفر من اعتقد علم الغيب لغيره تعالى (¬١).\rوهذا الوجه الثالث لا يلزم في الصورة الأولى لأن العلماء اختلفوا في سماع الأموات عند قبورهم والمسائل الاجتهادية يعذر فيها المخالف إذا اختار أحد الأوجه المختلف فيها فلهذا لا يمكن أن يعترض بالوجه الثالث عليهم وإنما يلزمهم الوجهان الأولان فقط.\rوالحاصل أن أهل هذه المرتبة من جنس عباد الأصنام فلا فرق بينهم وبين المشركين ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت المستغاث به كما كان يتمثل لعباد الأصنام وأهل الكتاب من أصناف المشركين، وقد يدعو أحدهم ويستغيث بمن يعظمه فيأتيه الشيطان على صورته أحيانًا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة على صورة المكاشفة كما كان يخاطب الكهان وقد يرى أحدهم القبر قد انشق وخرج منه الميت فعانقه أو صافحه أو كلمه فيظن أن الميت هو الذي فعل ذلك أو يظن أن الله صور ملكًا على صورته، ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله.\rوفي الحقيقة إنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في مشركي العرب قبل الإسلام وفي غيرهم من أصناف المشركين وأهل الكتاب (¬٢).","footnotes":"(¬١) سيأتي ص: ٥٣٧.\r(¬٢) انظر الرد على البكري: ٥٥ - ٥٦، وقاعدة جليلة: ١٥٤ - ١٥٨، والجواب: ١/ ٣٢٦ - ٣٢٨ و ٣١٨ - ٣١٩، والصفدية: ١/ ١٩٠ - ١٩٣، و ٢/ الصحيح: ٢/ ٢٩٢، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٣ و ٤٩١٣، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧، والفتاوى: ١٧/ ٤٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048820,"book_id":1098,"shamela_page_id":468,"part":"2","page_num":489,"sequence_num":468,"body":"المرتبة الثانية:\rأن يسأل الحي الغائب ويناديه ويستغيث به من مسافات بعيدة.\rوهذه المرتبة لها صورتان:\rالصورة الأولى: أن يسأله ما يقدر عليه لو كان حاضرًا غير بعيد، مثل أن يسأله مساعدته في ضائقة مالية أو يطعمه من جوع، أو يكسوه من عري، أو ينقذه من بئر وقع فيه.\rهذا كله فيما إذا كان المدعو المستغاث به يستطيع أن يغيث الداعي بقوته البشرية العادية.\rوأما إذا كان الداعي يريد من المدعو أن يغيثه بقوته التي فوق قوة البشر وطاقتهم فهو من الصورة الثانية.\rفهذه الصورة الأولى يوجد فيها من المحاذير اعتقاد علم الغيب لغير الله تعالى واعتقاد سمع المدعو لنداء الغائب وصراخه وغواثه، وهذا يقتضي أن له سمعًا محيطًا شاملًا للداعي وأحواله بل ربما للكون كله.\rكما أن فيه من المحذور تعليق القلب بغير الله تعالى في السر والعلن، وتوجيه النيات والإرادات والقصود إلى من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره.\rالصورة الثانية: أن يسأله ما لا يقدر عليه لو كان حاضرًا مثل أن يسأله شفاء المريض، وإزالة موت نزل به وإهلاك عدو، وتوسعة في الرزق، وقد يصل الأمر إلى أن يطلب منه هداية القلوب وغفران الذنوب.\rفهذه الأمور يعتقد الداعي فيها أن المدعو يستطيع التأثير فيها بقوته التي فوق مستوى البشر سواء اعتقد أن تلك القوة مستقلة في التأثير أو سبب وشافعة وواسطة له (¬١). كما كان يعتقده كفار قريش في الأصنام","footnotes":"(¬١) انظر كلام رشيد رضا بهامش صيانة الإنسان: ٣٧٤، ٢١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048821,"book_id":1098,"shamela_page_id":469,"part":"2","page_num":490,"sequence_num":469,"body":"حيث يعتقدون فيها الوساطة قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].\r\rحكم هذه المرتبة:\rهذه المرتبة هي أيضًا من الشرك بل هي من أعظم الشرك (¬١) وذلك لوجهين (¬٢) في الصورة الثانية، ولوجه واحد في الأولى، ففي الصورة الثانية يوجد صرف لب العبادة الذي هو الدعاء لغير الله تعالى، وصرف العبادة لغير الله شرك هذا هو الوجه الأول، والوجه الثاني أن الداعي اعتقد علم الغيب وصفات الجلال والجمال المختصة بالله تعالى لغيره تعالى ومن اعتقد ذلك لغيره تعالى فقد أشرك، وهذا الوجه الثاني السبب في الحكم على الصورة الأولى بالشرك.\rوهذه المرتبة قد وقعت صورها في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام ومن مشركي الجاهلية الأولى ومن أهل الكتاب لا سيما النصارى.\rوالحكايات في الاستغاثات بالغائبين الذين يعتقد فيهم كثيرة جدًّا، وقد تقضي حوائجهم ويغاثون ويرون الشيخ الذي استغاثوا به، وذلك أن الشياطين يفعلون معهم مثل ما يفعلون مع مشركي الجاهلية والنصارى وغيرهم حيث يرى أحدهم شيخًا يحسن الظن به ويقول له: أنا الشيخ فلان ويتسمى باسم المستغاث به وربما يغيث من استغاث به ويقضي حاجته، وهذا واقع موجود اعترف به كبار المحققين.\rفقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا الأمر ثم قال: \"وأعرف من ذلك وقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم فرأوني أو ذاك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ورفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٢٧/ ٨١ - ٨٢.\r(¬٢) انظر صيانة الإنسان: ٣٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048822,"book_id":1098,"shamela_page_id":470,"part":"2","page_num":491,"sequence_num":470,"body":"غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين.\rوهذا من أكبر الأسباب التي بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان، وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم. . .\" (¬١).\r\rالمرتبة الثالثة:\rأن يسأل الحي الحاضر.\rوهذا تحته صورتان:\rالصورة الأولى: أن يسأله ما يقدر عليه بقدرته البشرية المحدودة الطاقة، فهذا جائز بدليل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥].\rفموسى ﵇ يستطيع بقوته البشرية أن يغيث الرجل الذي استغاثه من عدوه وينقذه منه ويدفعه عنه، وهو حاضر معه حضورًا ذاتيًا لا لبس في هذا.\rوبدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الأنفال: ٧٢]. \"فهذا نصر بالقوة البشرية وهو جائز ولهذا قال بعض العلماء والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه كقولهم يا لزَيدٍ، يَا لَلمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق من خصائص الله لا يطلب فيه غيره (¬٢) \".","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل: ١٥٤ - ١٥٥، والجواب الصحيح: ١٨/ ٣١٩ - ٣٢٠، والرد على البكري: ٤٨ - ٥١، والصفدية: ٢٩٢٢، والفتاوى: ١٧/ ٤٥٧.\r(¬٢) القول النفيس: ٥٠ - ٥١ نقلًا عن صنع الله الحنفي الحلبي، وتيسير العزيز: ٢٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048823,"book_id":1098,"shamela_page_id":471,"part":"2","page_num":492,"sequence_num":471,"body":"وقد سمى بعضهم الاستغاثة (¬١) في الأمور الظاهرة بدعاء العادة وعرفه بأنه \"ما يطلبه الناس بعضهم من بعض مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم\".\rالصورة الثانية: أن يسأل الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى مثل شفاء المريض وكشف الكروب ودفع المرهوب، ونيل المرغوب، مما لا يقدر عليه إنسان بقوته البشرية بل يحتاج إلى قوة غيبية وسلطان غيبي، بأن يكون تأثيره بدون مباشرة الأسباب، العادية سواء اعتقد تأثير تلك القوة تأثيرًا مستقلًا أو بالتوسط لدى المؤثر الحقيقي، وهذه الصورة كثيرًا ما تقع من المريدين في شيوخهم فيطلب المريد من شيخه إزالة مرض وكشف ضر وإيصال نفع بل ربما يطلب منه ستر العيوب وغفران الذنوب والخطايا والنجاة من النار والمساعدة في سؤال القبر وغير ذلك.\rوربما يحبذ بعض شيوخ الضلال لمريديه دعاءه والاستغاثة به في حياته ومماته وحضوره ومغيبه (¬٢).\r\rحكم هذه المرتبة:\rففي الصورة الأولى يكون السؤال جائزًا لا مانع منه ولكن سؤال الناس ليس مأمورًا به إلا في سؤال العلم (¬٣).\rوذلك لأن أصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل ولا مستحبًا، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه.\rوسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلًا","footnotes":"(¬١) وهو الشيخ رشيد رضا في تعليقه على صيانة الإنسان ص: ٣٧٤. ومثله في كلام أبي السمح عبد الظاهر في حياة القلوب: ٣١.\r(¬٢) انظر الرد على البكري: ٣٥١، وما تقدم ص: ٤٧٠.\r(¬٣) قاعدة جليلة: ٣٧، والرد على البكري: ٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048824,"book_id":1098,"shamela_page_id":472,"part":"2","page_num":493,"sequence_num":472,"body":"عليه واعتياضًا بسؤال الخالق أفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨] أي ارغب إلى الله تعالى لا إلى غيره (¬١). كما يفيده تقديم المعمول على العامل.\rوعنه ﷺ أنه طائفة بايع من أصحابه وأسرّ إليهم كلمة خفيفة ألا تسألوا الناس شيئًا، قال راوي الحديث عوف بن مالك: \"فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه\" (¬٢).\rوقال ﷺ: \"لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه\" (¬٣).\rوإنما يباح من السؤال سؤال من له عند غيره حق من عين أو دين كالأمانات والغنيمة وغيره من الأموال المشتركة وسؤال النفقة لمن تجب عليه والغريم لمن عليه دينه ونحو ذلك (¬٤).\rوأما غير ذلك فلا يستحب السؤال بل هو مكروه إما تحريمًا أو تنزيهًا لأن \"سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك، ومفسدة إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق، وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة\" (¬٥).\rوأما الحكم في الصورة الثانية وهي أن يسأل الحاضر ما لا يقدر عليه فهو الشرك المبين، لأن الدعاء عبادة، وقد صرفها الداعي لهذا المدعو العاجز.","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل: ٣٤، والرد على البكري: ٩٨.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٢١ رقم ١٠٤٣، وتقدم ص: ٤٢٣.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٣/ ٣٣٥ رقم ١٤٧٠ من حديث أبي هريرة ورقم ١٤٧١ من حديث الزبير ومسلم: ٢/ ٧٢١ رقم ١٠٤٢ من حديث أبي هريرة.\r(¬٤) قاعدة في التوسل: ٣٧.\r(¬٥) المرجع السابق: ٤١ - ٤٢، والرد على البكري: ١٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048825,"book_id":1098,"shamela_page_id":473,"part":"2","page_num":494,"sequence_num":473,"body":"ووجه كون هذا الدعاء عبادة هو أن الداعي اعتقد فيه التأثير بقوة غيبية حيث طلب منه ما هو فوق طاقة البشر، ولأجل هذا طلب منه جلب نفع أو دفع ضر، فاعتقد فيه خاصية من خصائص الربوبية من التأثير الغيبي، ثم صرف له خاصية من خصائص الألوهية ألا وهو توجه القلب والقالب إلى دعائه وندائه والاستغاثة به ورجائه لقضاء حوائجه، وخوفه من عدم الاستجابة له إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي يتضمنها الدعاء.\r\rالمرتبة الرابعة (¬١):\rأن يسأل الميت أن يدعو الله له.\rوهذه لها صورتان:\rإحداهما: أن يسأل ميتًا عند قبره وباب قبته ومشهده أن يدعو الله له.\rكالذي يفعله زوار القباب والأضرحة والمشاهد، يقول أحدهم: يا أيها الولي الفلاني ادع الله لي أن يفعل بي كذا وكذا.\rوقد يظن أحدهم أن هذا مثل أن يسأل أحدهم في حياته فلا فرق عنده بين الحياة والموت.\rفهذه الصورة حكمها أنها من البدع المنكرة الشنيعة، وأنها من وسائل الشرك، وأنها الباب الموصل إلى دعاء الميت نفسه فيما بعد.\rوقد اتفق المسلمون على أنها بدعة (¬٢).\rوقد يصل الحكم في هذه الصورة إلى الشرك الأكبر إذا أراد من","footnotes":"(¬١) انظر عن هذه المرتبة الرد على البكري: ٥٦، وقاعدة في التوسل: ١٤٩، والفتاوي: ٢٧/ ٧٥ - ٧٦.\r(¬٢) الرد على البكري: ٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048826,"book_id":1098,"shamela_page_id":474,"part":"2","page_num":495,"sequence_num":474,"body":"صاحب القبر الشفاعة والواسطة الشركية التي يعتقدها الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وسيأتي بحث الشفاعة الشركية قريبًا في المرتبة العاشرة.\rففي هذه الصورة مفاسد عظيمة، من صرف القلوب إلى غير باريها وفاطرها، والافتقار إلى غيره ﷾، وإيذاء المقبور بتكليفه سؤال الله تعالى، إن قُدِّرَ أنه يسأل الله تعالى.\rثم فيها الجزم بأن الولي الفلاني يستطيع السؤال، ومن يدري ما هو فيه من النعيم أو الجحيم؟ لأن مذهب أهل السنة أنه لا يجزم بذلك إلا في الوارد.\rثم إنه فتح لباب الشرك ولذرائعه التي يتدرج منها الشيطان إلى الشرك الأكبر، وقد قال السلف: إن البدعة باب للشرك.\rثم إن الظن بأنه لا فرق بين الحياة والموت وقياس أحدهما على الآخر ظَنٌّ سيئ وقياس مع الفارق وهو فاسد الاعتبار لأن طلب الدعاء منه في حال حياته ليس فيه محذور ولا مفسدة فإن أحدًا من الأنبياء ﵈ لم يعبد في حياته بحضوره فإنه ينهى من يعبده ويشرك به ولو كان شركًا صغيرًا كما قال ﷺ: \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان\" (¬١) ونهى من قال: وفينا نبي يعلم ما في غد\" (¬٢).\rوأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزير وغيرهما عند قبورهم وغير قبورهم (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: ٥/ ٢٥٩ رقم ٤٩٨٠، والنسائي في عمل اليوم: ٥٤٤ رقم ٩٨٤، وأحمد: ١٠/ ٣٨٤ - ٣٩٤، ٣٩٨، والطيالسي ص: ٥٧، وابن السني: ٣١٤ رقم ٦٦٦، وصححه النووي في الأذكار ص: ٣١٨، والألباني في الصحيحة رقم ١٣٧.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٩/ ٢٠٢ رقم ٥١٤٧، وابن ماجه: ١/ ٦١١ رقم ١٨٩٧.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ١٣٨، وانظر كلامًا نفيسًا حول الفرق بين الحياة والموت في الفتاوى: ٢٧/ ٨٠ - ٨١، وما سيأتي ص: ٧٧٧ - ٨٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048827,"book_id":1098,"shamela_page_id":475,"part":"2","page_num":496,"sequence_num":475,"body":"الصورة الثانية: وهي ما إذا سأل الميت أن يدعو الله له بعيدًا عن قبره - فهذه الصورة كثيرًا ما تقع ممن يدعون الأموات، فقد يقع أحدهم في شدة أو كرب فينادي صاحبه الولي ويستغيث به ويشتكي إليه هذه الشدة ويطلب منه الوساطة عند الله تعالى فيقول يا ولي الله فلان ادع الله لي أن يزيل عني كذا وكذا، أو يعطيني كذا وكذا.\rوالسبب في وقوع هذه الصورة من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، ظنهم أنهم لم يشركوا حيث لم يدعوا الولي لمباشرة قضاء الحوائج بنفسه، بل طلبوا منه سؤال الله فقط، وهذا مثل ما يطلب منه وهو حي أن يدعو لمن طلب منه الدعاء، فلا فرق عندهم بين الحياة والموت، هكذا ظنوا ولا ينفعهم ظنهم هذا لأمرين:\rالأول: أنهم وإن لم يشركوا بطلب الدعاء منه لكنهم أشركوا من جهة أنهم ظنوا أنه يعلم الغيب ويسمع النداء، وقد ذكر الشيخ محمد (¬١) إسماعيل الشهيد ظنهم هذا ثم رد عليهم بقوله: \"وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة، فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب\" (¬٢).\rوقد ذكر نحو هذا الكلام صاحب صيانة الإنسان (¬٣).\rالأمر الثاني: أن ظنهم أنه ليس هناك فرق بين الحياة والموت ظن","footnotes":"(¬١) هو محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الملقب بالشهيد لاستشهاده في معركة الإنجليز بالهند عام ١٢٤٧ هـ، له جهود طيبة في محاربة البدع والخرافات ورسالته رد الإشراك من أحسن الرسائل وهي مفيدة جدًّا، انظر رد الإشراك بتحقيق محمد عزيز شمس، والمسك الأذفر للألوسي: ٣٢٦، ومعجم المؤلفين: ٩/ ٥٨.\r(¬٢) رسالة التوحيد للدهلوي: ٦٦ - ٦٧.\r(¬٣) صيانة الإنسان: ٢١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048828,"book_id":1098,"shamela_page_id":476,"part":"2","page_num":497,"sequence_num":476,"body":"سيئ وقد تقدم ما في ذلك من المفسدة وخوف الفتنة في حال الموت دون الحياة.\rوالحكم في هذه الصورة أنها شرك، لأن صاحبها قد زعم أن الولي المدعو يعلم الغيب ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى.\rهذا ما قاله الشيخ الدهلوي والشيخ بشير السهسواني وغيرهما (¬١).\rولكن بعض عبارات ابن تيمية ربما يفهم منها أن هذه المرتبة لا تصل إلى الشرك فإنه قال: \"الثانية أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع الله لي أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة، وإن كان السلام على أهل القبور جائزًا، ومخاطبتهم جائزة\" (¬٢).\rوهذا الكلام يدل على أن شيخ الإسلام لا يرى أن هذه المرتبة شرك، بل يراها بدعة (¬٣) فقط، وشبيه بهذا كلامه الآخر حيث قال: \"فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكي إليه شيء من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يشكى إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك، وهذا يفضي إلى الشرك. . .\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) رسالة التوحيد: ٦٧، وصيانة الإنسان: ٢١٢، وحكم الله الواحد ص: ١٠.\r(¬٢) قاعدة في التوسل: ١٤٩، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٥١.\r(¬٣) ويحتمل على بعد - أن الحكم بالبدعية قاصر بالصورة الأولى وهي السؤال عند القبر ولا يشمل الغائب عن القبر لأن كلام الشيخ يشمل الصورتين فيحمل على الأولى دون الثانية.\r(¬٤) قاعدة جليلة: ١٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048829,"book_id":1098,"shamela_page_id":477,"part":"2","page_num":498,"sequence_num":477,"body":"وهذا الكلام يحتمل أنه يرى أنه يفضي ويجر إلى الشرك وأنه في ذاته ليس بشرك بل ذريعة إلى الشرك فقط.\rولكن لشيخ الإسلام كلام آخر يوافق كلام الذين عدوا هذه المرتبة شركًا فإنه قال: \"ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركًا كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو الله أو نحو ذلك. . .\" (¬١).\rفيفهم من هذه العبارة أن دعاء غير الله أن يدعو الله تعالى متضمن للشرك.\rفهو إِذَنْ شِرْكٌ، كما يدل مقارنته بين دعاء غير الله أن يفعل وبين دعائه أن يدعو الله على أنه يرى أنه لا فرق بين المرتبتين في الحكم، كما أن شيخ الإسلام جعل الخطاب بنحو سل الله لنا أن ينصرنا على عدونا، سل الله أن يغفر لنا وغير ذلك من أعظم أنواع الشرك (¬٢).\rوهناك أمر آخر وهو أن ما تقدم لنا من التفريق بين ما إذا كان قريبًا من القبر وبين ما إذا كان بعيدًا عنه، لاختلاف العلماء في سماع الميت القريب، فيكون القائل به مجتهدًا متأولًا بخلاف البعيد، فلم يختلف في عدم سماعه فيكون القائل به غير متأول.\rثم إنه ربما يفهم من كلام شيخ الإسلام أيضًا أنه لا يرى الفرق بين القرب من الميت والبعد عنه فإنه ذكر صورًا مما يقع من المستغيثين بالأموات فذكر من يأتي القبر فيقول: أنا في حسبك، ومن يقول للميت: اقض ديني واغفر ذنبي، ومن يقول: سل لي ربك، ومن يقول: يا سيدي الشيخ فلان أو سيدي يا رسول الله نشكو إليك ما أصابنا من العدو، وذكر أن منهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه … إلخ. ثم قال بعد هذا كله فإن هذا الفعل منه ما هو كفر صريح ومنه ما هو","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط: ٣٥٦.\r(¬٢) انظر قاعدة في التوسل ص: ١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048830,"book_id":1098,"shamela_page_id":478,"part":"2","page_num":499,"sequence_num":478,"body":"منكر ظاهر، سواء قُدِّرَ أَنَّ الميت الخطاب كما إذا خوطب من يسمع قريب، أو قُدِّرَ أنه لا يسمعه كما إذا خوطب من بعيد، فإن مجرد سماع الميت للخطاب لا يستلزم أنه قادر على ما يطلب الحي منه، وكونه قادرًا عليه لا يستلزم أن نسأله ونطلب منه كل ما يقدر عليه\" (¬١) وكلامه هذا يحمل على أن احتمال السماع لا يمنع الحكم على أن الطلب من الميت ممنوع ومنكر مطلقًا ولا ينافي الفرق الملاحظ من ناحية أخرى وهي ناحية الحكم بوصول هذه الصورة إلى الشرك أو عدم وصولها إلى الشرك، ومن المعلوم أن شيخ الإسلام ممن يرى أن المجتهد المتأول يختلف حكمه عن غير المتأول (¬٢).\rكما أنه قد صرح في مكان آخر بأن الاختلاف في سماع الميت لنداء الحي لا يقتضي الحكم بالكفر على المخالف (¬٣).\rوالذي يظهر - والله أعلم - أن الحكم في هذه المسألة له اعتباران:\rفالاعتبار الأول أن الداعي لم يسأل الميت ولم يطلب منه إلا دعاءه الله تعالى ولم يطلب منه قضاء حاجته بنفسه فبهذا الاعتبار قد لا يكون هذا الطلب مخرجًا له من الإسلام، ففيه احتمال التأويل وفيه شبهة قد تكون مانعة من الحكم بالشرك.\rوقد يقال: إن هذا الاحتمال لا ينفع لأن المشركين الأوائل كانوا يرون أن آلهتهم تشفع وتسأل الله لهم ولم يعتقدوا لها الاستقلال.\rويمكن أن يجاب عن هذا بأنهم وَجَّهوا السؤال لها ودَعَوْهَا من","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ٣٠.\r(¬٢) انظر كلامه في هذه المسألة: الاستقامة: ١/ ٣١، ٣٧، ١٦٣ - ١٦٦، والرد على البكري: ٢٥٩ والمنهاج: ٥/ ٢٣٩ - ٢٥٢.\r(¬٣) قال في الفتاوى: ١٢/ ٤٩٢ \"وأيضًا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل، واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي … إلخ\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048831,"book_id":1098,"shamela_page_id":479,"part":"2","page_num":500,"sequence_num":479,"body":"دون الله تعالى، ولم يصرحوا في الدعاء بهذا المراد فلم يقولوا لأصنامهم: ادعوا الله لنا أو سلوا الله لنا بل قالوا افعلوا لنا كذا وكذا.\rوهناك فرق بين دعائه بأن يفعل بنفسه وبين دعائه بأن يدعو، وهذا الفرق كاف في التفريق بين الحكمين وإن كان الذي طلب أن يفعل، مراده الشفاعة والوساطة لا أن يستقل بالفعل والتأثير.\rوالاعتبار الثاني: أن الداعي نادى الميت من مكان بعيد، وفي ذلك اعتقاد لعلمه للغيب ولسماعه لصراخه وغوائه، وهذا الاعتقاد شرك أكبر، فبهذا يكون الطلبُ من الميت سؤال الله تعالى شركًا أكبر.\rوإلى هذا الاعتبار أشار شيخ الإسلام أيضًا في معرض رده على من قال إنه ﷺ يسمع صلاة المصلي عليه من البعيد، فقال: وقول القائل: إنه يسمع صوت السلام من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه، فهذا مكابرة وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم … وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم ومن قال: هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ … الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (¬١) [المائدة: ٧٢ - ٧٦]\rففي هذا أن من اعتقد سماع أصوات العباد لغير الله يُعَدُّ من جنس النصارى أي فهو مشرك مثلهم، وربما يقال: إن هذا لازم لهم، وليس لازم المذهب بمذهب (¬٢) فيجاب بأنه كذلك إلا أن كثيرًا منهم يلتزم بهذا","footnotes":"(¬١) الرد على الأخنائي: ٢١٠ - ٢١١ مع الرد على البكري والصارم المنكي: ١٤٦ - ١٤٧.\r(¬٢) انظر التحقيق في هذه المسألة: في القواعد النورانية ص: ١٢٨، وما سيأتي ص: ٥٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048832,"book_id":1098,"shamela_page_id":480,"part":"2","page_num":501,"sequence_num":480,"body":"اللازم ويعتقده ويدافع عنه وقد تقدم (¬١) عنه وقد تقدم في مبحث علاقة الدعاء بالعقيدة ما يدل على اعتقادهم لذلك ومن المعلوم أن لازم المذهب مذهب إذا التزم به صاحب المذهب.\r\rالمرتبة الخامسة:\rأن يسأل الحي الغائب أن يدعو الله له.\rوهذا كالذي يقع من المريدين في شيوخهم فقد يتفانى بعضهم في تعظيم، شيخه حتى يظن أن شيخه يعلم به وبأحواله وبمراده، فإذا وقع في شدة ينادي شيخه فيطلب منه أن يدعو الله له حتى يكشف الله عنه شدته بدعاء شيخه.\rفهذه المرتبة حكمها كالصورة الثانية من المرتبة السابقة - أعني المرتبة الرابعة -.\r\rالمرتبة السادسة:\rأن يسأل الحي الحاضر أن يدعو الله، له وهذا كالذي يقع من المؤمنين حيث يطلب بعضهم من بعض الدعاء.\rفقد روي أن النبي ﷺ الطالب من عمر ﵁ الدعاء عندما أراد العمرة فقال له: أشركنا يا أخي في دعائك\" (¬٢).\rوقال: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول … ثم سلوا الله لي الوسيلة (¬٣).","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٢٥٦.\r(¬٢) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٩ رقم ١٤٩٨، والترمذي ٥/ ٥٦ رقم ٣٥٦٢، وابن ماجه: ٢/ ٩٦٦ رقم ٢٨٩٤، وأحمد: ١/ ٢٩، ٢/ ٥٩.\rوالحديث في إسناده عاصم بن عبيد الله وهو العدوي ضعيف كما في التقريب رقم ٣٠٦٥ وقد ضعفه الألباني في ضعيف الجامع: ٦/ ٦٢٩٢.\r(¬٣) أخرجه مسلم: ١/ ٢٨٨ رقم ٣٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048833,"book_id":1098,"shamela_page_id":481,"part":"2","page_num":502,"sequence_num":481,"body":"والرسول ﷺ يقصد بهذا الأمر والطلب نفع المأمور والإحسان إليه \"وهو ﷺ أيضًا ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أيضًا بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له\" (¬١).\rومثل النبي ﷺ المؤمن المحسن المتبع لسنته ﷺ إذا أمر أحدًا بأمر كان مقصوده بذلك انتفاع المأمور وحصول مصلحته وله أجر الناصح، وإذا قال لغيره: ادع لي، فإنه يقصد شيئين:\rالأول: انتفاع الداعي إذ يحصل له مثل دعائه كما في حديث: \"ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك آمين ولك بمثل\" (¬٢).\rوالثاني: أن ينتفع هو أيضًا باستجابة الله دعاء ذلك الداعي.\rفتحصل مما سبق أن هذه المرتبة السادسة لها صورتان:\rإحداهما: أن يقصد بهذا الطلب شيئين:\rأولهما: انتفاع الداعي بهذا الدعاء لأنه يحصل له مثل دعائه، فهو عندما يأمره بالدعاء له يقصد أن يحصل للداعي هذا الأجر.\rوثانيهما: انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي له، وهذا مثل ما يقصد الآمر بالمعروف فإنه ينتفع المأمور بعمله ويكون للآمر مثل أجره.\rالصورة الثانية: أن يقصد بطلب الدعاء انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي فقط بدون أن يقصد انتفاع الداعي بذلك.\rفالحكم في الصورة الأولى أنه جائز بل هو مستحب لأن فيه","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل: ٤٣.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٤/ ٢٠٩٤ رقم ٢٧٣٢، ورقم ٢٧٣٣، وأبو داود: ٢/ ١٨٦ رقم ١٥٣٤، وانظر الكلام على طرق الحديث في الصحيحة: ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048834,"book_id":1098,"shamela_page_id":482,"part":"2","page_num":503,"sequence_num":482,"body":"الإحسان إلى الخلق وطلب الأجر من الله تعالى فيكون قائمًا بحق الله وحق عباده ويكون السؤال راجحًا على الترك (¬١).\rوفي الصورة الثانية أيضًا جائز وهل هو منهي عنه فيكون خلاف الأولى أو مكروهًا تنزيهًا ويدل على أنه خلاف الأولى الأحاديث المانعة من السؤال فهي عامة كما يدل له ما ورد في حديث السبعين ألفًا أنهم لا يسترقون، والرقية نوع من الدعاء (¬٢).\rلكن الذي يظهر من ظواهر الأخبار أنه ليس خلاف الأولى لما ورد عن كثير من الصحابة أنهم طلبوا الدعاء من النبي ﷺ ولم ينكر عليهم.\rوقد نقل ابن مفلح (¬٣) عن شيخ الإسلام أنه ذكر أنه منهي عنه وإن كان لا يأثم قال ابن مفلح: \"ومن سأل غيره الدعاء لنفعه أو نفعهما أثبت، وإن قصد نفع نفسه فقط نهي عنه كالمال، وإن كان قد لا يأثم، كذا ذكره شيخنا، وظاهر كلام غيره خلافه كما هو ظاهر الأخبار\". ثم ساق ابن مفلح حديث (¬٤) أم سليم في طلبها من النبي ﷺ الدعاء لأنس، وكثير من الصحابة الذين طلبوا الدعاء (¬٥).\rويفهم من كلام ابن مفلح هذا أن هناك صورة ثالثة وهي: أن يقصد","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ١٠٠، وقاعدة في التوسل: ٤٣ - ٤٤، والواسطة بين الحق والخلق ضمن الفتاوى: ١/ ١٣٣ - ١٣٤.\r(¬٢) انظر قاعدة في التوسل: ١٣٥، ومع الفتاوى: ١/ ٣٢٨.\r(¬٣) ابن مفلح هو محمد بن مفلح بن محمد الفقيه الحنبلي شمس الدين تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية اشتغل بالفقه وبرع فيه إلى الغاية (ت ٧٦٣ هـ)، الدرر الكامنة: ٤/ ٢٦١.\r(¬٤) أخرجه البخاري: ٤/ ٢٢٨ رقم ١٩٨٢.\r(¬٥) الفروع: ٢/ ٦٠٢، وانظر قول شيخ الإسلام في الواسطة المطبوعة ضمن الفتاوى: ١/ ١٣٤ قال: \"ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط بل قد نهى عنه، إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته وانظر أيضًا قاعدة في التوسل: ٤٢ - ٤٤، والرد على البكري: ٩٩ - ١٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048835,"book_id":1098,"shamela_page_id":483,"part":"2","page_num":504,"sequence_num":483,"body":"بطلبه انتفاع الداعي فقط، فهذه الصورة نادرة الوقوع أو لا تقع مطلقًا لأن من طبيعة البشر أيًا كان أنه لا يقوم بعمل إلا وله فيه غرض دنيوي أو أخروي (¬١).\rوالذي يظهر أن قول شيخ الإسلام بأن طلب الدعاء من الغير خلاف الأولى يحمل على أن ذلك ليس على حكم الأصالة، وإنما بسبب ما ينضم إلى ذلك من المحذور، ولهذا ورد عن بعض السلف (¬٢) كراهية طلب الدعاء منهم لما يخاف من الفتنة، فقد ذكر الإمام الشاطبي ﵀ أن كراهية السلف طلب الدعاء منهم لدخول أمر زائد على أصل الطلب فصار الدعاء بتلك الزيادة مخالفًا للسنة لا على حكم الأصالة بل بسبب ما ينضم إليه من الأمور المخرجة عن الأصل مثل أن يلزم منه أن يعتقد في الذي طلب الدعاء منه أنه يقبل دعاؤه أو يخاف أنه وسيلة إلى أن يعتقد فيه ذلك أو يعتقد أنه سنة تلزم أو يجري في الناس مجرى السنة الملتزمة (¬٣).\rهذا ومن هذه المرتبة السادسة استغاثة الخلائق في المحشر بالأنبياء فإن الأنبياء والمستشفعين بهم في مكان واحد يرى بعضهم ويسمعون كلام بعضهم.","footnotes":"(¬١) انظر كلام شيخ الإسلام في هذا في كتاب التوحيد وإخلاص العمل ص: ١٥٦ - ١٥٧.\r(¬٢) قد أخرج الطبري في تهذيب الآثار - كما عزاه إليه الشاطبي في الاعتصام -: ٢/ ٢٤ - ٢٥ عن عمر أنه كتب لمن طلب منه الدعاء أني لست بنبي ولكن إذا أقيمت الصلاة فاستغفر لذنبك ونحوه عن سعد بن أبي وقاص وحذيفة وإبراهيم النخعي أنهم كرهوا الدعاء لمن طلب منهم وانظر هذه الآثار أيضًا في تلبيس إبليس ص. وأخرج أبو خيثمة بإسناده عن إبراهيم النخعي قوله: \"كانوا يجلسون ويتذاكرون العلم والخير، ثم يتفرقون، لا يستغفر بعضهم لبعض ولا يقول: يا فلان ادع لي\". اهـ كتاب العلم ص: ١٤٦ رقم ١٥٩ وصحح الألباني إسناد هذا الأثر.\r(¬٣) الاعتصام للشاطبي: ٢/ ٢٣ - ٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048836,"book_id":1098,"shamela_page_id":484,"part":"2","page_num":505,"sequence_num":484,"body":"وبهذا نعلم أنه لا يصح الاحتجاج بهذه الاستغاثة على دعاء الموتى.\r\rالمرتبة السابعة (¬١):\rأن يسأل الله تعالى بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا سواء كان ذلك الغير ميتًا أو غائبًا أو حاضرًا، وسواء كان ذلك السؤال توسلًا به وبجاهه وحرمته أو إقسامًا به، فالصور الممكنة ستة، فالسؤال بالميت إما بالتوسل أو بالإقسام، وكذا بالغائب أو الحاضر إما بالتوسل أو الإقسام فهذه ست صور.\rفهذه الصور يأتي الكلام عليها مفصلًا في مبحث التوسل إن شاء الله تعالى ونوجز الكلام عليها هنا.\rفبالنسبة إلى التوسل فحكمه أنه بدعة ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء (¬٢).\rهذا إذا كان المتوسل به ميتًا أو غائبًا.\rوأما إذا كان حاضرًا، فإن كان المتوسلُ به الحاضر دعا الله تعالى وتوسَّلَ السائلُ المُتوسِّلُ بدعائه إلى الله تعالى فهذا جائز كما في حديث الأعمى حيث دعا له النبي ﷺ، ودعا الأعمى أيضًا متوسلًا بدعائه وكما في حديث عمر حيث دعا العباس وطلب من الله السقيا ودعا عمرُ أيضًا متوسلًا بدعاء العباس ﵃ جميعًا.\rوأما إذا كان الحاضر لم يدع الله تعالى فلا يجوز التوسل بذاته أو جاهه لأنه لم يرد، ولما فيه من المفاسد التي تجر إلى الشرك، وسيأتي بيان بعض تلك المفاسد في مبحث التوسل إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) انظر عن هذه المرتبة قاعدة جليلة: ١٥٢، والفتاوى ٢٧/ ٨٣، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٨، وزاد المعاد: ١/ ٥٢٧.\r(¬٢) الفتاوى: ٢٧/ ٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048837,"book_id":1098,"shamela_page_id":485,"part":"2","page_num":506,"sequence_num":485,"body":"وأما الإقسام على الله بغيره فحكمه حرام لما روي في حديث جبير بن مطعم ﵁ من أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، جُهِدَتِ الأنفسُ وضاعت العيالُ ونُهِكَتِ الأموال وهلكت الأنعام، فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ: \"ويحك أتدري ما تقول؟ … ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك\" (¬١).\rوقد ذكر الفقهاء من أصحاب (¬٢) أبي حنيفة وغيرهم أبي حنيفة وغيرهم أنه لا يجوز أن يقسم أحد بالمخلوق فجمهور العلماء لا يسوغون الحلف بغير الله تعالى من الأنبياء والملائكة ولا تنعقد اليمين بذلك، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين بالنبي ﷺ خاصة دون غيره.\rوعلى هذا يحمل ما روي عنه من إجازة التوسل بالنبي ﷺ خاصة هذا على فرض ثبوت تلك الرواية عن أحمد.\rفالجمهور من العلماء لا يجيزون القسم بغير الله تعالى.\rوروي عن أحمد مثل ذلك أيضًا (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: ٥/ ٩٤ رقم ٤٧٢٤، والدارمي في الرد على الجهمية ص: ٤١ رقم ٧١، وابن خزيمة في التوحيد ص ٦٩، والآجري في الشريعة ص: ٢٩٣، وابن أبي عاصم في السنة: ١٠/ ٢٩٤ رقم ٥٧٥، واللالكائي في السنة ص: ٣٩٤ رقم ٦٥٦، والحديث قد استغربه الحافظ ابن كثير في التفسير: ١/ ٣١٠، وضعفه الألباني لأن فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس لم يصرح بالسماع، ثم إن في إسناده اختلافًا، انظر ظلال الجنة: ١/ ٢٥٢، لكن ابن القيم قواه في تهذيب مختصر سنن أبي داود: ٨/ ٩٤ - ٩٨ وقال ابن تيمية وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى الفتاوى ١٦/ ٤٣٥، هذا وقد توسعت في الكلام على هذا الحديث في رسالتي جهود الإمام أبي داود السجستياني، وتبين من دراسته اختلاف النقاد في تقويته وتضعيفه ورجحان ضعفه والله أعلم.\r(¬٢) قاعدة جليلة: ٥٠ - ٥١، ٥٥، ٦٣، ١٠٦، والفتاوى: ٢٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٨، والمحلى: ٨/ ٣٢، والمغني: ٨٠/ ٧٢١، وروضة الطالبين: ١١/ ٦ - ٧، والفروع لابن مفلح: ٦/ ٣٤٠.\r(¬٣) الفتاوى: ١/ ١٤٠ - ١٤١، و ٢٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦، وقاعدة في التوسل: ٥٠ - ٥١، ٥٥، ٦٣، ١٠٦، ١٤٥، والجواب الباهر: ٣١ - ٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048838,"book_id":1098,"shamela_page_id":486,"part":"2","page_num":507,"sequence_num":486,"body":"ولعل هذه الرواية هي الراجحة لموافقتها لأقوال الجمهور، ولأنه لم يعلم عن أحد من السلف أنه أجاز القسم بغير الله تعالى، والأهم من ذلك أن الأحاديث الكثيرة صحت في النهي عن الحلف بغير الله تعالى ولا تخفى على مثل الإمام أحمد مع حرصه الشديد على التمسك بالسنة، ومن تلك الأحاديث قوله ﷺ: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" (¬١).\rوهذا وعيد شديد وتحذير بالغ فمن هنا يبعد كل البعد أن يصح عن الإمام أحمد تجويزه صحة القسم بالنبي الله كما يبعد - والله أعلم - صحة تجويزه التوسل بالنبي ﷺ خاصة، ولهذا أفتى أبو محمد العز بن عبد السلام ﵀ بأنه لا يقسم على الله بالأنبياء والملائكة والأولياء.\rوأما بالنسبة إلى النبي ﷺ فعلق القول به على صحة الحديث وذكر أنه إن صح فينبغي أن يكون خاصًّا بالنبي (¬٢).\rوسيأتي الكلام على الحديث وهو حديث الضرير وعدم دلالته على ذلك.\rويحمل التوسل الذي أجازه الإمام أحمد - على فرض صحة الرواية عنه ـ على التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ ومحبته واتباعه (¬٣).\rوالحاصل أنه قد اتفق العلماء على عدم جواز الإقسام بالمخلوق على المخلوق ومنعوا من ذلك، فإذا ثبت هذا فمن باب أولى أن يمنع أن يقسم بالمخلوق على الخالق فشأن الله أعظم من أن يقسم عليه بمخلوق كما في الحديث المتقدم.","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص: ٤٥٥.\r(¬٢) فتاوى العز بن عبد السلام: ١٢٦ - ١٢٧ وفتاوى ابن تيمية: ١/ ١٤١، وقاعدة في التوسل: ١٤٧، والأزهية: ١٧٣.\r(¬٣) قاعدة في التوسل ص: ٦٢، وضمن الفتاوى: ١/ ٢٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048839,"book_id":1098,"shamela_page_id":487,"part":"2","page_num":508,"sequence_num":487,"body":"ومن هنا يتضح أن الحكم في الصور التي فيها الإقسام على الله تعالى بغيره أنه محرم، ولكنه لا يصل إلى الشرك الأكبر إلا في بعض الأحيان، وقد أُوِّلَ حديثُ من حلف بغير الله فقد أشرك، إلى الشرك الأصغر وسيأتي الكلام عليه مع بيان قول من قال: إنه شرك أصغر ومن قال: إنه شرك أكبر (¬١).\r\rالمرتبة الثامنة (¬٢):\rأن يدعو الله تعالى عند قبر نبي أو ولي أو ما يعتقد أنه كذلك أو مطلق المقابر.\rفهذه المرتبة لها ثلاث صور:\rالأولى: أن يقصد القبر ويتحراه للدعاء عنده وليس له غرض آخر معتقدًا أن الدعاء هناك أجوب، وأسرع، وأن لذلك المكان خصوصية في إجابة الدعاء، وأن الدعاء في المقابر والمشاهد أفضل من الدعاء في المسجد والبيت والسجود والأسحار.\rوالثانية: أن يقصد القبر للزيارة والدعاء عنده معتقدًا لما تقدم، وذلك كالذي يحصل من الذين يزورون القبر الزيارة البدعية حيث كانوا يَجْمَعون بين النيَّتَيْنِ: نية زيارة القبر ونية الدعاء عنده.\rوالثالثة: أن يحصل الدعاء عند القبر بحكم الاتفاق بدون قصد سابق وتَحَرٍّ كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة (¬٣).\rوهذه المرتبة سيأتي الكلام عليها مفصلًا إن شاء الله تعالى في الكلام","footnotes":"(¬١) سيأتي ص: ٩٠٩ - ٩١٢.\r(¬٢) انظر: إغاثة اللهفان: ١٨/ ١٦٩، وزاد المعاد: ١/ ٥٢٧، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٢، والفتاوى: ٢٤/ ٣٣٥.\r(¬٣) اقتضاء الصراط المستقيم: ٣٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048840,"book_id":1098,"shamela_page_id":488,"part":"2","page_num":509,"sequence_num":488,"body":"على الدعاء عند الأضرحة والقباب.\rوحكم هذه المرتبة في الجملة أنها من البدع المحدثة في الدين إلا الصورة الأخيرة فهي جائزة بشروط سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى.\r\rالمرتبة التاسعة:\rسؤال غير الله تعالى مع الله.\rوهذه المرتبة تحصل بتشريك غير الله مع الله تعالى إما بالعطف أو الإتيان بما يدل على المشاركة.\rوهذه المرتبة كانت كثيرة الوقوع في المشركين الأوائل، ولهذا نجد الله تعالى قد كرر التحذير من دعاء غير الله مع الله تعالى في آيات محكمات، منها قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\rولكن الشيطان لما عرف بُعْدَ المسلمين ونفرتهم عن إِقْرَان غيرِ الله وإشراكه مع الله في اللفظ وَعِظَمَ ذلك عندهم، زَيَّن لهم مراتب أخرى تكون أخفى من هذه المرتبة قد لا يظنونها أنها تصل إلى الشرك فيقعون فيها.\rومع وضوح كون هذه المرتبة شركًا صريحًا أنزل الله فيه آيات واضحات تحذر منه وقع فيها بعض من ينتسب إلى الإسلام، فكان بعضهم يقول: يا سيدي فلان ويا الله فيعطف الله على مدعوه أو بالعكس فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rفهم يدعون مشايخهم وأولياءهم ويعدون أسماءهم مستغيثين بهم ومستنجدين ويذكرون الله في جملتهم \"كأنه واحد من تلك الأعداد\" (¬١).","footnotes":"(¬١) معارج الألباب: ٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048841,"book_id":1098,"shamela_page_id":489,"part":"2","page_num":510,"sequence_num":489,"body":"فعند هؤلاء دعاء الله تعالى ودعاء الشيخ أو الولي من باب واحد فالكل يُدْعَى ومن هنا يَذْكُر الكل لقضاء حاجته بل ربما وصل عند بعضهم أن باب الولي أسرع في الإجابة كما سيأتي.\r\rحكم هذه المرتبة:\rإن هذه المرتبة شرك واضح وكفر بواح، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].\r\rالمرتبة العاشرة:\rسؤال غير الله تعالى بنية الشفاعة.\rقد تقدم لنا ذكر معنى الشفاعة والمناسبة بينها وبين الدعاء في مبحث التعريفات والآن نذكر هنا الشفاعة الشركية التي هي إحدى مراتب دعاء غير الله تعالى.\rهذا وقد كثر الخوض في الشفاعة ومسائلها وأنواعها وألفت فيها رسائل (¬١) مستقلة، فلذا أجتزئ الكلام عليها حسب ما يتعلق بموضوع البحث حتى تكتمل جوانب البحث فأقول وبالله التوفيق:\rإن الشفاعة الشركية هي مرتبة من مراتب الدعاء غير المشروع ولها صورتان:\r١ - الصورة الأولى أن يسأل الميت عند قبره الشفاعة والوساطة كالذي يقع من الزائرين للأموات حيث ينادون صاحب القبر: يا أيها الولي الفلاني اشفع لنا عند ربك، وتوسط لنا في كذا وكذا.","footnotes":"(¬١) منها رسالة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ومنها رسالة مقدمة في جامعة أم القرى وأخرى في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048842,"book_id":1098,"shamela_page_id":490,"part":"2","page_num":511,"sequence_num":490,"body":"٢ - والصورة الثانية: أن يسأل الميت بعيدًا عن قبره كالذي يقع من المتعلقين بالصالحين حيث يكون هجيراهم ودأبهم في حلهم وترحالهم طلب الشفاعة من الولي الفلاني.\rوالحكم في الشفاعة يتوقف على معرفة أقسامها فلذا أشير إلى أقسامها بالإيجاز وبالله التوفيق ..\rالشفاعة قسمان:\r١ - شفاعة مثبتة.\r٢ - شفاعة منفية.\rفالشفاعة المثبتة هي التي استوفت شرطين:\rالأول: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\rوقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢].\rالثاني: رضاه عمن أذن للشافع أن يشفع فيه أي رضاه عن المشفوع، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٥٦].\rومن المعلوم أن الله سبحانه لا يرضى إلا عن أهل التوحيد والإخلاص الذين لا يدعون غيره فهذه الشفاعة خاصة بالمؤمنين الصادقين فلهذا قال رسول الله ﷺ لما قال له أبو هريرة: \"من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه\" (¬١).\rوفي معنى هذا الحديث قوله ﷺ: \"لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ١/ ١٩٣ رقم ٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048843,"book_id":1098,"shamela_page_id":491,"part":"2","page_num":512,"sequence_num":491,"body":"كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا\" (¬١) فشيئًا نكرة في سياق النفي فتعم.\rفمن دعا غير الله تعالى أيًا كان فقد أشرك فلا تناله شفاعة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ففي الحديثين السابقين \"جعل النبي ﷺ أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة هو تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع\" (¬٢).\rوأما الشفاعة المنفية فهي الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس عند الإطلاق ويفعلها بعضهم مع بعض وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته.\rفأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع فهي في الحقيقة منه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله (¬٣).\rوعرفها بعضهم بقوله: هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره - حكم به أم لا - فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع\" (¬٤).\rوالمقصود هنا بيان الشفاعة الشركية التي تحصل من الداعين للأموات وذلك أن أحدهم إذا وقع في مشكلة ما ينادي ويستغيث بالميت قائلًا: يا سيدي فلان اشفع لي عند ربك أو توسط لي عند الله أو نحو هذا.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ١١/ ٩٦ رقم ٦٣٠٤، ومسلم: ١/ ١٨٨/ ١٩٩ من حديث أبي هريرة وأخرجه أيضًا البخاري من حديث أنس برقم ٦٣٠٥، ومسلم برقم ٢٠٠.\r(¬٢) مدارج السالكين: ١/ ٣٤١.\r(¬٣) إغاثة اللهفان: ١٨/ ١٧٢، والفتاوى: ١/ ١١٨.\r(¬٤) تفسير المنار: ١/ ٢٥٥، والإبداع في مضار الابتداع: ٢٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048844,"book_id":1098,"shamela_page_id":492,"part":"2","page_num":513,"sequence_num":492,"body":"وبعضهم يطلب الشفاعة من الأموات أنبياء أو غيرهم من الملائكة والصلحاء في الدار الآخرة، يطلب ذلك الآن في الدنيا فيقول: يا رسول الله اشفع لي يوم القيامة فيطلبها من الرسول ﷺ قبل مجيء وقتها.\rوهذه الشفاعة المذكورة ممنوعة في حق الله تعالى، وذلك لأن الشافع في هذه الحالة قَدْ أَثَّرَ في تغيير اختيار المشفوع عنده، فصار شريكًا له في المطلوب، والله منزه عن ذلك (¬١).\rوهذه هي الشفاعة التي نفاها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣].\rوقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠].\rوقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤].\rوقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].\rفاتضح من هذه الآيات أن هذه الشفاعة قد نفاها القرآن وقطع جذورها واستأصل شأفتها حتى لا يعلق أحد قلبه بغير الله تعالى وحتى يتحقق تجريد التوحيد الله تعالى فأبى أهل الضلال إلا معارضته فأثبتوها بدون شروط، وتعلقوا بها في دعائهم لغير الله تعالى.\rوقابل هؤلاء آخرون من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فنفوها","footnotes":"(¬١) الصفدية: ٢/ ٢٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048845,"book_id":1098,"shamela_page_id":493,"part":"2","page_num":514,"sequence_num":493,"body":"وقالوا لا شفاعة إلا الشفاعة التي لفصل القضاء أو رفع الدرجات، وأما الشفاعة فيمن استحق العذاب أو في إخراج من دخل النار فلم يثبتوها.\rوتوسط أهل الحق فأثبتوا ما أثبته الله، ونفوا ما نفاه الله، وهذه هي عادة أهل الحق في المسائل العلمية الاعتقادية والمسائل العملية فهم وسط بين الغالي والجافي كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم.\rوالحاصل أن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الكبائر، وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله ويحد له حدا (¬١).\rهذا وقد علمنا مما سبق أن الشفاعة الشركية هي التي لم تستوف شروط الشفاعة المثبتة أي التي بدون إذن المُشَفِّع وبدون رضاه، ومن أنواع هذه الشفاعة المنفية الشفاعة التي أثبتها الفلاسفة وقلدهم فيها بعض من ينتسب إلى الملل السماوية.\rفالفلاسفة أثبتوا شفاعة شركية أعظم شركًا من شفاعة المشركين حيث أجازوا دعاء الجواهر العلوية - الشمس والقمر والكواكب - وكذلك الأرواح التي يسمونها العقول والنفوس ويسميها من انتسب إلى أهل الملل الملائكة.\rوهذا الذي يَدَّعُونه من الشفاعة لآلهتهم أعظم كفرًا من كفر مشركي العرب فإن الفلاسفة لا يقولون: إنَّ الشفيع يسأل الله والله يجيب دعوته كما يقوله المشركون الذين يقولون: إن الله خالق بقدرته ومشيئته فإن هؤلاء عندهم أنه لا يعلم الجزئيات ولا يُحدِث شيئًا بمشيئته وقدرته.","footnotes":"(¬١) الصفدية: ٢/ ٢٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048846,"book_id":1098,"shamela_page_id":494,"part":"2","page_num":515,"sequence_num":494,"body":"وإنما العالم فاض عنه فيقولون: إذا توجه الداعي إلى من يدعوه كتوجهه إلى الموتى عند قبورهم وتوجهه إلى الأرواح العالية فإنه يفيض عليه ما يفيض من ذلك المعظم الذي دعاه واستغاث به وخضع له من غير فعل من ذلك الشفيع ولا سؤال منه الله تعالى كما يفيض شعاع الشمس على ما يقابلها من الأجسام الصقيلة كالمرآة ونحوها ثم ينعكس الشعاع من ذلك الجسم الصقيل إلى حائط أو غيره (¬١).\rولأجل هذا يرون دعاء الموتى عند قبورهم وغير قبورهم ويتوجهون إليهم، وكثير منهم ومن غيرهم من الجهال يرون أن الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم أفضل من الصلوات الخمس والدعاء في المساجد وأفضل من حج البيت العتيق، كما أنهم جعلوا الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه، وقالوا: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها (¬٢).\r\rالحكم:\rولا يخفى بعد إيراد اعتقاد هؤلاء في معنى الشفاعة أن هذه الشفاعة التي أثبتوها هي من أعظم الشرك بالله تعالى.\rوهذا الذي ذكروه هو السبب الرئيسي في عبادة أصناف المشركين لغير الله تعالى.\rقال ابن القيم: \"وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل وصنفت لها الدعوات واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادًا وتعليق الستور عليها، وإيقاد","footnotes":"(¬١) الرد على المنطقيين: ٥٣٥ - ٥٣٦، والصفدية: ٢/ ٢٨٧، والرد على البكري: ٦٢، ٢٦٧ - ٢٦٨، وملحق المصنفات: ٩٧.\r(¬٢) الرد على المنطقيين: ١٠٣ - ١٠٤، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٩ - ١٧٠، والرد على البكري: ١٦٧ - ١٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048847,"book_id":1098,"shamela_page_id":495,"part":"2","page_num":516,"sequence_num":495,"body":"السرج عليها وبناء المساجد عليها وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. . وهو سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه وأباح دماءهم وأموالهم وأوجب لهم النار.\rوالقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم، قال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٣].\rفأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له\" (¬١).\rثم إن هذا الذي ذكروه ومثلوا له بشعاع الشمس هو من أصول الشرك ومن المقاييس الفاسدة التي قال فيها بعض السلف: \"ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس\" (¬٢).\rوهي من أقوال من يقول: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم لا يكون الله يجيب الداعي وهي مبنية على أن الله تعالى ليس بفاعل مختار يخلق الحوادث بمشيئته واختياره (¬٣). وقد تقدم بحمد الله وتوفيقه ذكر ذلك (¬٤).","footnotes":"(¬١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٧٠.\r(¬٢) أخرجه الدارمي في مسنده من قول ابن سيرين: ١/ ٥٨ رقم ١٩٥.\r(¬٣) الرد على البكري: ٢٦٨، وملحق المصنفات: ٩٧.\r(¬٤) سبق في ص: ٣١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048848,"book_id":1098,"shamela_page_id":496,"part":"2","page_num":517,"sequence_num":496,"body":"المبحث الثاني في مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله تعالى\rومما لا شك فيه أن المشركين الأوائل كانوا يعتقدون في آلهتهم التي يدعونها اعتقادات باطلة ويقدسونها بأنواع من التقديسات ويصرفون لها أنواعًا من العبادات ولكن المتأخرين ممن يدعون الأموات والغائبين فَاقُوهم وتجاوزوهم بمراحل لم يصل إليها أسلافهم ومتقدموهم ووقفوا بمواقف خطيرة جدًّا ما كان يُتصوّر أن أي مسلم آمن بدين الله يقف بها، ويعتقدها ويتبناها ولكن هذا هو الواقع المرير الذي وصل إليه حال المسلمين، فقد وقفوا مواقف خطيرة وحكوا حكايات عجيبة، فمنهم من زعم أن دعاء الموتى أفضل وأسرع إجابة من دعاء الله تعالى، فقد وصلت الوقاحة بهؤلاء إلى أنهم لم يقتصروا على دعاء الموتى وتجويزه بل بلغ بهم الأمر إلى أن يجعلوا دعاء الموتى أفضل من دعاء الله، فمنهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه واستغاث بشيخه فأغاثه، فَإِغَاثةُ الشيخ أسرع من إغاثة الله تعالى تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\rومنهم من يحكي أن بعض المأسورين دعى الله فلم يخرجه فدعا بعض الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر الرد على البكري ص: ٣٤٧ - ٣٤٩ و ٣٥١، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٤١، و ١/ ٤٧٤ - ٤٧٦، وملحق المصنفات: ١٠٦، والقول الفصل النفيس: ٩٧، والسيد البدوي بين الحقيقة والخرافة: ٣١٥، وروح المعاني: ٢٤/ ١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048849,"book_id":1098,"shamela_page_id":497,"part":"2","page_num":518,"sequence_num":497,"body":"ولم يقتصروا على دعائهم للأموات بأنفسهم بل دعوا المسلمين إلى ذلك فصنفوا المصنفات في تجويز ذلك وتبريره بل في استحبابه ومشروعيته وتفننوا في كثرة التأليف فمن مؤلف في ألفاظ الأدعية التي تقال في المشاهد والمزارات وفيها الكفر الصريح والشرك الواضح، وآخر ينظم القصائد الشركية في الاستغاثة بغير الله تعالى وآخر يؤلف في تبرير هذا العمل وتزيينه ويجمع الشبهات والحكايات والمنامات إلى غير ذلك من الكتب الخرافية المنتشرة في ديار المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rولم يقتصر هؤلاء على دعاء الأموات والتأليف فيه بل ألف بعضهم في دعاء الكواكب والنجوم ومخاطبتها وبعضهم صنف في خواص الحروف والدعاء بأسماء معينة في أوقات معينة، فأدخلوا بذلك دين المشركين من الصابئة والفلاسفة في دين المسلمين، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب الفلاسفة ثم ذكر أن كثيرًا من متأخري المتصوفة والمتكلمين أدخلوه في دين الحنفاء حتى صنف بعضهم تصنيفًا في ذلك مثل مصنف بعضهم المسمى (السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم) وآخرون صنفوا في الحروف وطبائعها والدعاء بأسماء ذكروها في أوقات مخصوصة (¬١).\rهذا وسأذكر - بعون الله وتوفيقه - بعض المواقف والمظاهر التي يتضح بها مدى ما وصل إليه غلو المتأخرين على الأوائل وبالله التوفيق.\r١ - ومن مظاهر غلوهم على الأولين اعتقادهم التصرف المطلق في الكون لمدعويهم المقبورين أو الغائبين بخلاف الأولين حيث يعتقدون الشفاعة والوساطة لدى الإله الأكبر فقط، فلم يكونوا يعتقدون لمدعويهم التصرف بأنفسهم، وسيأتي التدليل على ذلك في مبحث إقرارهم للربوبية من باب الشبهات.","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ٣٠٢، وانظر الكلام على الأدعية المبنية على الحروف في الاعتصام أيضًا: ٢/ ٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048850,"book_id":1098,"shamela_page_id":498,"part":"2","page_num":519,"sequence_num":498,"body":"وأما المتأخرون فكثير منهم يعتقد التصرف المطلق لمدعوه، وقد ذكرنا ذلك بما فيه الكفاية في مبحث (¬١) علاقة الدعاء بتوحيد الربوبية ولله الحمد.\r٢ - ومن مظاهر غلوهم: أن الأولين كانوا يدعون معبوديهم في حال السعة والرخاء واليسر.\rوأما في حال الشدة والضيق ونزول المصائب كالتطام الأمواج وخوف الغرق والهلاك، فلا يدعون إلا الله تعالى لمعرفتهم أنه لا ينقذ من تلك الشدة إلا الواحد القهار.\rقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].\rوقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧].\rوقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].\rهذا ما ذكره الله عنهم من إخلاص الدعاء عند التطام الأمواج، وقد ذكر الله عنهم إخلاصهم الدعاء عند الشدائد بصفة عامة فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٢٥٥، وانظر أيضًا السيد البدوي ص: ٣ ومقدمة مصرع التصوف ص: ٤، ومصباح الظلام: ٢٤، والبريلوية: ٦٨، ٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048851,"book_id":1098,"shamela_page_id":499,"part":"2","page_num":520,"sequence_num":499,"body":"وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣، ٦٤].\rوقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].\rوقال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].\rوفي آيات متعددة ذكر الله إخلاصهم الله تعالى الدعاء في حال الشدة ونزول الضر وإشراكَهُمُ بالله في الرخاء والسعة.\rهذا عادة المشركين الأوائل يلتجئون إلى الله تعالى دعاء ورغبة ورهبة عند اشتداد الكرب وقرب الهلاك، فقد روى الحسن البصري عن عمران بن الحصين ﵄ قال: قال النبي ﷺ لأبي: يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا؟ قال أبي: سبعة ستًا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: \"الذي في السماء. . .\" (¬١).\rوأما المتأخرون فحالتهم أدهى وأمر وأشد غلوًا وبعدًا عن إخلاص الدعاء الله تعالى فهم إذا وقعوا في شدة وأيقنوا بالهلاك وقرب الموت يستغيثون بالولي الفلاني.\rفمثلًا عند التطام الأمواج ينسون دعاء الله تعالى ولا يخطر في بالهم","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥١٩ برقم ٣٤٨٣، والطبراني في الأوسط: ٣/ ٩ رقم ٣٠٠٦، وفي الدعاء: ٣/ ١٤٥٠ رقم ١٣٩٣، واللالكائي في السنة ص: ٦٥٢ رقم ١١٨٤ من طريق شبيب بن شيبة عن الحسن عن عمران به، وشبيب متكلم فيه كما في الميزان: ٢/ ٢٦٢، وفي سماع الحسن البصري عن عمران خلاف كما في جامع التحصيل: ١٩٥، ١٩٧، وقد أخرجه ابن خزيمة من طريق آخر في كتاب التوحيد: ١/ ٢٧٧ رقم ١٧٧ لكن فيه ضعف أيضًا وانظر الأربعين في صفات رب العالمين للذهبي ص: ٩٠ رقم ٣٠ وضمن ست رسائل للذهبي ص: ٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048852,"book_id":1098,"shamela_page_id":500,"part":"2","page_num":521,"sequence_num":500,"body":"إلا الاستغاثة بالولي والشيخ الفلاني، وهذا الأَمر متواتر عنهم تواترًا يقطع أَي شبهةٍ على من يحاول الدفاع عنهم بشبهة واهية.\rومع هذا التواتر عنهم نذكر طرفًا من أَقوال الثقات الذين أَخبروا بذلك عن مشاهداتهم أَو عن مشاهدات الثقات الذين أَخبروهم، وذلك قطعًا للشبهة وإزالةً للريبة وإقامةً للحجة، وإلَّا فالأَمر لا يحتاج إلى تطويل وإسهابٍ لوضوحه، لولا الدفاع المميت لبعض من يحاول التشبث بالعادات والتقاليد، ولو كانت شركًا صريحًا ما دام أَنها توافق رغباته وشهواته ومأَلوفاته وعادات قومه، والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.\rهذا ونختار بعض أَقاويل العلماء الثقات في ذلك:\r١ - فمن العلماء الذين ذكروا ذلك الشيخ حسين بن مهدي النعمي ﵀ فإنه قال: \"وطالما شاهدنا عباد أَرباب هذه القباب، إذا التطمت عليهم أَمواج البحر العباب سمعت ذكر الزيلعي والحداد، وكل يدعو شيخه عند ذلك الاضطراب إذ لكل طريقة لا ينتحي سواها في الهتف والانتساب\" (¬١).\r٢ - ومنهم الإمام الشوكاني ﵀ فقد ذكر أَن هؤلاء المتأَخرين وصلوا في الاعتقاد في الأَموات إلى حد لم يبلغه المشركون الأَوائل وذلك أَنهم كانوا يخلصون في الشدة بخلاف المعتقدين في الأَموات فإنهم إذا دهمتهم الشدائد استغاثوا بالأَموات ونذروا لهم النذور وقل من يستغيث بالله سيما في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أَحوالهم.\rثم قال الشوكاني: \"ولقد أَخبرني بعض من ركب البحر للحج أَنه اضطرب اضطرابًا شديدًا فسمع من أَهل السفينة من الملاحين وغالب الراكبين معهم ينادون الأَموات ويستغيثون بهم ولم يسمعهم يذكرون الله","footnotes":"(¬١) معارج الأَلباب: ٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048853,"book_id":1098,"shamela_page_id":501,"part":"2","page_num":522,"sequence_num":501,"body":"قط، قال: ولقد خشيت في تلك الحال الغرق لما شاهدته من الشرك بالله\" (¬١).\r٣ - ومنهم الشيخ صديق حسن خان ﵀ فقد وصف ما رآه من حالة الملاحين في رحلته للحج حيث ركب المركب من الحديدة إلى جدة مع الحجَّاج فيقول: \"ومن العجائب التي لا ينبغي إخفاؤها أن الملاحين إذا ترددوا في أمر المركب من جمود الريح أو هبوبها مخالفة أو شيئًا من الخوف على السفينة وأهلها كانوا يهتفون باسم الشيخ عيدروس وغيره من المخلوقين مستغيثين ومستعينين به ولم يكونوا يذكرون الله ﷿ أبدًا أو يدعونه بأسمائه الحسنى، وكنت إذا سمعتهم ينادون غير الله ويستعينون بالأولياء خفت على أهل المركب خوفًا عظيمًا من الهلاك، وقلت في نفسي: بالله العجب، كيف يصل هذا المركب بأهله إلى ساحل السلامة فإن مشركي العرب قد كانوا لا يذكرون آلهتهم الباطلة في مثل هذا المقام. . .\rوهؤلاء القوم الذين يسمون أنفسهم المسلمين يدعون غير الله ويهتفون بأسماء المخلوقين ولقد صدق تعالى فيما قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ \" (¬٢) [يوسف: ١٠٦].\r٤ - ومنهم الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله، فقد ذكر إخلاص المشركين الدعاء الله تعالى في الشدائد ثم قال: \"وأما عباد القبور فكم ذا بينهم وبين المشركين الأولين من التفاوت العظيم في الشرك فإنهم إذا أصابتهم الشدائد برًا وبحرًا أخلصوا لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله» (¬٣).","footnotes":"(¬١) الدر النضيد: ٣٦.\r(¬٢) رحلة الصديق إلى البيت العتيق: ١٧١، وانظر كلامه أيضًا في الدين الخالص: ١/ ١٨٦ و ٢١١، وقطف الثمر: ١٠٥ - ١٠٧، و ١١٣.\r(¬٣) تيسير العزيز: ٢٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048854,"book_id":1098,"shamela_page_id":502,"part":"2","page_num":523,"sequence_num":502,"body":"٥ - ومنهم الشيخ علي محفوظ صاحب كتاب الإبداع في مضار الابتداع، فقد ذكر أن الشفاعة لا تكون إلا إذا أذن الله للشفيع ثم ذكر أنه قد يغفل عن هذا العوام فتراهم إذا نزل بهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر تركوا دعاء الله تعالى، ودعوا غيره فينادون بعض الأولياء كالبدوي والدسوقي وزينب معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور، ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء، وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا الله وحده ينجو من تلك الشدائد (¬١).\rومما يبين غلوهم في دعائهم للولي في حال الشدة، أنهم إذا كانوا ينذرون للولي في الرخاء بعيرًا أو تبيعًا أو شاة أو دينارًا أو درهمًا أو نحو ذلك فإذا أصابتهم الشدة زادوا ضعف ذلك فجعلوا له بعيرين أو تبيعين أو شاتين أو دينارين أو درهمين أو غير ذلك (¬٢).\rفكلما اشتد الكرب والضيق عليهم ازداد غلوهم في مدعويهم وبُعْدُهم عن الطريق المستقيم. ومما يؤكد ذلك أيضًا أنهم لم يقتصروا على دعائهم والاستغاثة بهم بل ادعوا أنه أولى من دعاء الله تعالى وأسرع في الإجابة، لأن هؤلاء يعتقدون أن دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند قبورهم أو غير قبورهم أنفع لهم من دعاء الله تعالى في المساجد والأسحار حيث لا يحضرون المساجد، ويعمرون المشاهد، ويحصل لهم رقة وخشوع وحضور قلب عند المشاهد ودعاء الأموات مما لا يحصل مثله بل قريب منه في الصلوات والسجود ودعاء الله تعالى (¬٣).\r٣ - ومن مظاهر تجاوزهم الحد على السابقين أن المشركين الأوائل إذا جهدوا في الأيمان وأرادوا تأكيد القسم أقسموا بالله تعالى، قال تعالى:","footnotes":"(¬١) الإبداع في مضار الابتداع: ٢١٢.\r(¬٢) معارج القبول: ١/ ٤٤٥.\r(¬٣) الرد على البكري ٣٤٩، وملحق المصنفات: ١٠٥، وروح المعاني: ٢٤/ ١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048855,"book_id":1098,"shamela_page_id":503,"part":"2","page_num":524,"sequence_num":503,"body":"﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، فهؤلاء كفار قريش مع إنكارهم للبعث يقسمون بالله تعالى على ذلك.\rوأما المتأخرون فقد انتكست عندهم المفاهيم وتغيرت فطرهم وعقولهم فكانوا إذا جهدوا في أيمانهم وأرادوا التأكيد أقسموا بالولي، وإذا حلف الرجل بالله وبأسمائه فإنه لا يطمئن باله ولا يرتاح قلبه ولا يصدق الحالف حتى يحلف له بشيخه، كما أن الحالف لا يتورع أن يحلف أشد الأيمان باسم الله تعالى كاذبًا فاجرًا وأما باسم الولي فلا يمكن أن يحلف كاذبًا.\rوقد يُلْزِمُ بعضُ من نصب على القضاء الخصمَ بالحلف باسم الشيخ أو على باب العتبة إلى غير ذلك.\rقال الشيخ حسين النعمي ﵀: \"وكثيرون - لا يدخلون تحت حد الإحصاء - إذا كان الحلف باسم الله أقدم عليه الحالف بلا مبالاة حتى إذا طلب منه الحلف بصاحب القبر وبالأخص إذا ألزمه محلفه بإمساك حلق باب النصب فلا يتجاسر قط إن كانت يمينًا فاجرة وقد لا يرضى المحلوف له إلا بذلك دون الرسم الشرعي، ويعتقد أنه إن أقدم الحالف فإن كان بارًا وإلا بادره الولي بالعقوبة العاجلة والبطشة الكبرى\".\rثم ذكر الشيخ النعمي وقائع من ذلك (¬١).\rوهذا الأمر متواتر عن العامة قد فشا فيهم وانتشر انتشار النار في الهشيم، قال الشوكاني ﵀: \"وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين","footnotes":"(¬١) معارج الألباب: ١٧٤ - ١٧٥، وانظر الرد على البكري: ٣٤٨، وملحق المصنفات: ١٠٥، وتفسير المنار: ١/ ٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048856,"book_id":1098,"shamela_page_id":504,"part":"2","page_num":525,"sequence_num":504,"body":"الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة\" (¬١).\r٤ - ومن مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله تعالى أن الأولين كان غالب ما يدعونه من الصالحين من الملائكة والأنبياء وأتباعهم أو من غير المكلفين من الجمادات كالأشجار والأحجار والأنهار، وهذه الجمادات مطيعة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\rوأما المتأخرون فكانوا يدعون الطواغيت الذين يَدَّعُونَ الولاية المطلقة والتصرف في الكون والقطبية والغوثية فيصدقهم هؤلاء البلهاء المغرورون فيستغيثون بهم في كشف الملمات، وقضاء الحاجات، ودفع المضرات، ونيل المسرات، مع أن هؤلاء الطواغيت شواهد كذبهم ظاهرة، وعلى صفحات وجوههم بادية، فهم ما بين مجاذيب لا يصلون ولا يتطهرون ولا يتنظفون، بل هم مجمع الأوساخ والقاذورات، وما بين ساحر يحتال بأنواع من الشعوذة والدجل التي لا تخفى إلَّا على الخفافيش، وما بين كذاب استأجر جماعة يتجسسون له ما خفي ويلفقون له الكرامات واعتمادًا على هذا التجسس يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات، مع أنه \"من أهل الفجور لا يحضر للمسلمين مسجدًا ولا يرى لله راكعًا ولا ساجدًا ولا يعرف السنة والكتاب ولا يهاب البعث ولا الحساب\" (¬٢).\rوإن وجد في بعض من يدعونه صالح فإنه مع براءته عنهم فقد لفق القائمون على قبره حكايات وأساطير يندى لها الجبين ليستولوا على أموال المخدوعين والزائرين الطائفين بضريحه الناذرين لصندوقه.\rثم إننا لسنا الذين نقول إن هؤلاء المدعوين هم من أفسق الناس بل","footnotes":"(¬١) نيل الأوطار: ٤/ ٩٥.\r(¬٢) تطهير الاعتقاد: ٤، ٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048857,"book_id":1098,"shamela_page_id":505,"part":"2","page_num":526,"sequence_num":505,"body":"\"الذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك\" (¬١).\r٥ - ومن مظاهر غلوهم على الأولين أنهم يجعلون الولد إن عاش ملكًا للمقبور ثم يشترونه منه إن قدر أنه عاش بأثمان باهظة تصرف للنصابين على باب الضريح وفي بعض البلدان لا يحلقون شعر المولود إلّا عند باب ضريح الشيخ الَّذي نذر له وربما يمكث المولود بشعره الَّذي ولد به سنوات إذا لم يتمكن الوالد من توفير المال اللازم لشراء الولد من الولي المنذور له.\rوإن كان المولود بنتًا يقسم مهرها للولي.\rوهذه الأمور قد فشت في هذه الأمة وموجودة فعلًا في نواح كثيرة منها وأنا أعرف ذلك وقد عايشت تلك الأمور وعرفتها عن كثب وقرب ولكن لا بأس بالاستشهاد ببعض كلام الثقات في هذا الموضوع الَّذي قد يظن بعض من لم يعايش ذلك أنه مبالغة وتهويل.\rومن العلماء الذين أخبروا عن ذلك الأمير الصنعاني فإنه ذكر استغاثة القبوريين بأوليائهم وطلبهم منهم ما لا يطلب إلا من الله ثم قال: «بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش لهم ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأوائل».\rثم ذكر من أتى بنصف مهر ابنته إلى من يتولى قبض أموال النذور","footnotes":"(¬١) كشف الشبهات: ١٧٠، وانظر ما ذكره الشعراني في طبقاته: ٢/ ١٤٢ عن إِبراهيم العريان أنه يطلع المنبر ويخطب عريانًا، ويخرج الريح بحضرة الأكابر، وما ذكره عن علي وحيش: ٢/ ١٤٩ - ١٥٠ أنه يسكن في خانات العاهرات وأنه يشفع إلى الله لمن يخرج من عندهن حتى يغفر له، وأنه يأمر شيخ البلد بأن يمسك له رأس الحمارة وما ذكره عن شيخه شعبان: ٢/ ١٨٦ أنه لا يلبس إلا قطعة تغطي السوأتين، وانظر نحو هذا في دراسات تاريخية للعمري ص: ٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048858,"book_id":1098,"shamela_page_id":506,"part":"2","page_num":527,"sequence_num":506,"body":"ثم قال: \"وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام وهو داخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] بلا شك ولا ريب» (¬١).\rوذكر نحو هذا أيضًا الشوكاني (¬٢) والنعمي (¬٣) رحمهما الله تعالى.\r٦ - ومن غلوهم أنهم يستشفعون بالله ورسوله على مدعويهم نحو البدوي ويقول أحدهم مخاطبًا البدوي سقت عليك الله ورسوله أو توسلت إليك بالله ورسوله، وهذا ما لم يصل إليه المشركون الأوائل (¬٤). فتبين مما سبق: أن المتأخرين وصلوا إلى مرحلة لم يصل إليها الأوائل وبهذا يستحقون الأوصاف التي ذكرها الله تعالى للمشركين وهم أحق بها منهم لأن المشركين الأوائل من هذه الحيثيثة «أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء» (¬٥).\rقال المفسر الألوسي في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ. . .﴾ [يونس: ٢٢]: \"الآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر والياس، ومنهم من ينادي أب الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدًا يخص مولاه بتضرعه ودعائه، ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله وحده ينجو من هاتيك الأهوال.","footnotes":"(¬١) تطهير الاعتقاد: ٢٧ - ٢٨.\r(¬٢) الدر النضيد: ٣٦.\r(¬٣) معارج الألباب: ١٧٦.\r(¬٤) انظر الحكايات في هذا في كتاب السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة: ٣١٠، ٣١٤، ٣٢٠.\r(¬٥) كشف الشبهات: ١٧١، وانظر ملحق المصنفات: ٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048859,"book_id":1098,"shamela_page_id":507,"part":"2","page_num":528,"sequence_num":507,"body":"فبالله تعالى عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثيثة أهدى سبيلًا؟؟ وأي الداعيين أقوم قيلًا؟؟ وإلى الله المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة وخرقت سفينة الشريعة واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف\" (¬١).\rفرحم الله الألوسي ما تجاوز الحقيقة، فهذا الَّذي اشتكى منه هو الواقع المرير الَّذي يعيش فيه بعض أفراد هذه الأمة، فنسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى إخلاص التوحيد ونبذ الشرك فهو المستعان وعليه التكلان.","footnotes":"(¬١) روح المعاني: ١١/ ٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048860,"book_id":1098,"shamela_page_id":508,"part":"2","page_num":529,"sequence_num":508,"body":"المبحث الثالث\rفي حكم من دعا غير الله تعالى\rلقد دلّ القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة وأجمع العلماء على كفر من دعا غير الله تعالى وصرّح بذلك كثير من علماء المذاهب وإليك تفصيل ذلك:\r\rأ - أدلة ذلك من القرآن الكريم:\rلقد تنوعت دلالة القرآن على كفر من دعا غير الله تعالى وجاءت بأساليب شتّى وبطرق متنوعة، ونذكر تلك الأساليب حسب المستطاع على شكل مجموعات:\rالمجموعة الأولى: آيات تدل على أن الدعاء عبادة فقد دلت آيات عدة على كون الدعاء عبادة، وهذا يدل على أن من صرفه لغير الله تعالى فقد أشرك وكفر لأن من صرف شيئًا من العبادات لغير الله تعالى فقد أشرك، والله قد أمر بإخلاص العبادة له ونهى عن الإشراك به في غير ما آية، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]، وقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048861,"book_id":1098,"shamela_page_id":509,"part":"2","page_num":530,"sequence_num":509,"body":"فهذه الآيات وغيرها تدل على أن صرف العبادة الله تعالى وحده إخلاص وتوحيد، وصرفها لغيره إشراك وتنديد.\rفمن أمثلة الآيات الدالة على كون الدعاء عبادة: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\rوقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].\rوقد تقدم بحمد الله بيان دلالة هذه الآيات على كون الدعاء عبادة وعلى إطلاق العبادة على الدعاء (¬١).\rوالمقصود هنا أن نبيّن أن الدعاء عبادة وأن صرف العبادة لغير الله شرك وكفر.\rالثانية: آيات وصفت دعاء غير الله بأنه شرك أو كفر ووصفت الداعين بصفة الشرك أو الكفر، وهي صريحة واضحة الدلالة على المقصود، وهي كثيرة جدًا منها قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٢٩، ٦٦ - ٧١، ١١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048862,"book_id":1098,"shamela_page_id":510,"part":"2","page_num":531,"sequence_num":510,"body":"مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].\rقال الشيخ سليمان بن عبد الله في هذه الآية: \"والآية نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر\" (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].\rفقد بيّنت هذه الآية أن الَّذي يكره إخلاص الدعاء لله تعالى ويفرح ويستبشر إذا دعي أصحاب القبور كافر ومشرك.\rفهذه الآيات واضحة الدلالة على شرك من دعا غير الله تعالى وكفره والعياذ بالله.\rالثالثة: آيات دلت على أن دعاء الله وحده في الشدة إخلاص وتوحيد وأن دعاء غير الله في الرخاء شرك وكفر واتخاذ أنداد لله تعالى، فمن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥، ٦٦].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٥].\rوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد: ٢٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048863,"book_id":1098,"shamela_page_id":511,"part":"2","page_num":532,"sequence_num":511,"body":"قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].\rوقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].\rالرابعة: آيات تتوعد من دعا غير الله بالعذاب والهلاك وأنه من جملة المعذبين. قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].\rالخامسة: آيات تصف من دعا غير الله بالظلم والضلال، والظلم والضلال كثيرًا ما يطلقان على الكفر (¬١).\rقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢].\rأمثلة ذلك:\rقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].","footnotes":"(¬١) فقد صح في حديث ابن مسعود مرفوعًا: \"أينا لم يظلم نفسه. . . وفيه ألم تسمع قول لقمان إن الشرك لظلم عظيم\" البخاري مع الفتح: ١/ ٨٧ رقم ٣٢. وقد ذكر الشاطبي استعمالات الضلال في كتاب الله تعالى ثم خلص إلى القول: \"إن الضلال في غالب الأمر إنما يستعمل في موضوع يزل صاحبه لشبهة تعرض له أو تقليد من عرضت له الشبهة، فيتخذ ذلك الزلل شرعًا ودينًا يدين به مع وجود واضحة الطريق الحق ومحض الصواب\" الاعتصام: ١/ ١٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048864,"book_id":1098,"shamela_page_id":512,"part":"2","page_num":533,"sequence_num":512,"body":"وقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢] الضلال البعيد) [الحج: ١٢].\rوقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].\r\rب - الأدلة - من السنّة المشرفة:\rلقد تنوعت دلالة السنّة المطهرة على كفر من دعا غير الله تعالى كما تنوعت دلالة الكتاب العزيز.\rفمن السنّة ما دلّ على كون الدعاء عبادة نحو حديث «الدعاء هو العبادة» (¬١)، وحديث «أفضل العبادة الدعاء» (¬٢).\rومن المعلوم أن صرف العبادة لغير الله شرك كما تقدم.\rومن السنّة ما دلّ على وجوب إفراد الله بالدعاء والسؤال والاستعانة نحو حديث ابن عباس في وصية النبي ﷺ له: \"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله\" (¬٣).\rومن السنّة ما دلّ على أن من دعا غير الله تعالى يدخل النار دخول","footnotes":"(¬١) و (¬٢) تقدم تخريج الحديثين من ص: ٥٤ إلى ص: ٥٩.\r(¬٣) أخرجه الترمذي: ٤/ ٦٦٧ رقم ٢٥١٦، وأحمد ١/ ٢٦٣، ٣٠٣، ٣٠٧، وابن السني في عمل اليوم ص: ٢٠٢ رقم ٤٢٥، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٣٨ رقم ١٣٦، والقضاعي: ١/ ٤٣٤ رقم ٧٤٥.\rوالحديث قد صححه الترمذي وقد ذكر ابن رجب أن طرقه كثيرة عن ابن عباس وذكر من رواه عنه ثم قال: وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي كذا قاله ابن منده وغيره وذكر أنه روي من حديث علي وأبي سعيد وسهل وعبد الله بن جعفر، وأن أسانيدها فيها ضعف كما ذكره العقيلي وأن طريق حنش التي في الترمذي حسنة جيدة، انظر جامع العلوم ص: ١٧٤، وقال ابن تيمية: وهذا الحديث معروف مشهور وقد يروى مختصرًا وقوله: إذا سألت فاسأل الله هو من أصلح ما روي عنه: \"قاعدة في التوسل ص: ٣٥\" وقد صححه الألباني في ظلال الجنة: ١/ ١٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048865,"book_id":1098,"shamela_page_id":513,"part":"2","page_num":534,"sequence_num":513,"body":"الخلود فيدل من هنا على كونه كفرًا والعياذ بالله، من ذلك حديث ابن مسعود ﵁ قال: \"قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ: من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار، وقلت أنا من مات وهو لا يدعو الله ندًا دخل الجنة\" (¬١).\r\rج - الإجماع:\rقد أجمع العلماء على كفر من دعا غير الله تعالى وجعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم.\rوقد حكى إجماع العلماء على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: \"فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين\" (¬٢).\rوقد نقل هذا الإجماع عن شيخ الإسلام غير واحد مقررين له، منهم صاحب الفروع (¬٣) وصاحب الإنصاف (¬٤) وصاحب الغاية (¬٥) وصاحب الإقناع (¬٦) وشارحه (¬٧) ونقله راضيًا مقررًا له صاحب القواطع في كتابه (¬٨)","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري في التفسير: ٨/ ١٧٦ رقم ٤٤٩٧، والجنائز: ٣/ ١١٠ رقم ١٢٣٨، ومسلم: ١/ ٩٤ رقم ٩٢، وأحمد في المسند: ١/ ٣٧٤، ٤٦٢، ٤٦٤.\r(¬٢) الواسطة بين الحق والخلق: ضمن الفتاوى: ١/ ١٢٤.\r(¬٣) هو مُحَمَّد بن مفلح أبو عبد الله المقدسي (ت ٧٦٣ هـ) وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ومؤلف الفروع في الفقه الحنبلي نقل هذا الكلام في كتابه الفروع: ٦/ ١٦٥.\r(¬٤) هو المرداوي علي بن سليمان علاء الدين ذكره عن شيخ الإسلام في الإنصاف: ١٠/ ٣٢٧.\r(¬٥) هو مرعي بن يوسف المقدسي الكرمي (ت ١٠٣٣ هـ) ذكره في كتابه غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى: ٦/ ٢٧٩.\r(¬٦) هو أبو النجا شرف الدين الحجاوي، انظر الإقناع: ٤/ ٢٩٧.\r(¬٧) هو الشيخ البهوتي منصور بن يونس ذكره في كشف القناع عن متن الإقناع: ٦/ ١٦٨.\r(¬٨) هو ابن حجر الهيتمي انظر الإعلام بقواطع الإسلام ص ٩٥، وتيسير العزيز: ٢٢٩، ومصباح الظلام: ٣٤٣، وتحفة الطالب والجليس: ١٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048866,"book_id":1098,"shamela_page_id":514,"part":"2","page_num":535,"sequence_num":514,"body":"عن صاحب الفروع. وهذا الإجماع الَّذي ذكروه إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين، وقد نصّ العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد، على أن من أشرك بالله كفر أي من عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات، وقد ثبت بالكتاب والسنّة والإجماع أن دعاء الله عبادة له فيكون صرفه لغير الله شركًا (¬١).\r\rد - أقوال العلماء في حكم من دعا غير الله تعالى أو استعان به:\rلقد بيّن الله تعالى في كتابه أوضح بيان حكم من دعا غير الله وكرر ذلك في مواضع كثيرة وبأساليب متنوعة، وذلك لأن الشرك في الدعاء هو الأكثر وقوعًا من غيره من أنواع الشرك كما تقدم (¬٢).\rومع وضوح هذا الحكم وضوح الشمس في رائعة النهار فقد وقع من بعض الناس التردد فيه، ومن آخرين تأويله، ومن غير هؤلاء الزعم بأنه خاص بمن مضى وغبر.\rفلهذا أنقل كلام العلماء في المسألة لأن أولئك المترددين لا يقتنعون بمجرد الأدلة ولو كانت واضحة إلا إن نقل لهم من علماء المذاهب الفقهية ظنًا منهم أن الذين يعتنون بالكلام في مثل هذه المسائل من العلماء المتشددين، أو أنهم أتوا بمذهب جديد.\rوهذا هو الَّذي اقتضى نقل كلام أهل العلم من فقهاء المذاهب وغيرهم لبيان سبق هؤلاء العلماء إلى هذا المعنى وأن من يؤكد على هذا ليس شاذًا ولكن له سلف صالح، ولتحصل الطمأنينة والثقة لمن يريد معرفة الحق، وأما من يريد التمسك بمألوفاته وعاداته ولا يريد التحول إلى الحق ولو ظهر له بالأدلة الواضحة، فهذا لا برجي انتفاعه بكلام أهل العلم لقصده الفاسد وإصراره على رأيه وعدم تجرده للحق وحبه له.","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد: ٢٢٩، مصباح الظلام: ٣٤٣، والقول الفصل: ١٦ - ١٧.\r(¬٢) تقدم ص:","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048867,"book_id":1098,"shamela_page_id":515,"part":"2","page_num":536,"sequence_num":515,"body":"وما على من يدعوه إلا بيان الحق وإقامة الحجة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بيّنة.\r\rأقوال علماء الحنفية:\rقد ذكر علماء الحنفية أمورًا كثيرة وعدوها مما يخرج عن الملة وهي أقل بكثير من دعاء غير الله تعالى وغالب ما ذكروه ليس هناك نص صريح بخصوصه في التكفير من الكتاب والسنّة وقد يكون بعضه لا يسلم لهم التكفير به (¬١).\rوقد تقدم كثرة النصوص القطعية المصرحة بالتكفير في دعاء غير الله تعالى: \"بل لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله\" (¬٢). فمن باب أولى أن يقول هؤلاء الذين يكفرون بما هو أقل من ذلك بكفر من دعا غير الله تعالى.\rومما يؤكد أن علماء الحنفية يكفرون بدعاء غير الله تعالى أنهم يتشددون في باب الأدعية فقد حرموا التوسل المبتدع كما سيأتي النقل عنهم (¬٣).\rكما يؤكد ذلك أيضًا علماء الحنفية بما يفيد أنهم يكفرون من دعا غير الله تعالى وننقل هنا بعض كلامهم في ذلك:\r١ - فمن ذلك قولهم: \"من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر\" (¬٤).\rودعاء غير الله تعالى يستلزم اعتقاد ذلك، إذ الداعي لو لم يعتقد","footnotes":"(¬١) انظر تحفة المحتاج للهيتمي: ٩/ ٧٩، وفتح القدير لابن الهمام: ٤/ ٤٠٩، والعلم الشامخ: ٤١٣، والزواجر عن اقتراف الكبائر: ١/ ٢٨، وروضة الطالبين للنووي: ١٠/ ٦٦.\r(¬٢) النبذة الشريفة ضمن مجموعة الرسائل النجدية: ٤/ ٦٠٢.\r(¬٣) سيأتي ص:\r(¬٤) الفتاوى البزازية: ٣/ ٣٢٦ بهامش الفتاوى الهندية الجزء السادس، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: ١/ ٦٩٩، والبحر الرائق لابن نجيم: ٥/ ١٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048868,"book_id":1098,"shamela_page_id":516,"part":"2","page_num":537,"sequence_num":516,"body":"سماع المدعو وعلمه بدعائه لما دعا ولا فتح فاه بالنداء والصراخ وقد تقدم الكلام على هذا في مبحث علاقة الدعاء بالتوحيد (¬١)، وقد يقال: إن هذا من التكفير باللازم ولا يكفر به إذ لازم المذهب ليس بمذهب (¬٢)، فنقول جوابًا لهذا وبالله التوفيق:\r- إن الصحيح (¬٣) في لازم المذهب أن ما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله: \"وما لا يرضاه فليس بقوله، فلو قال قولًا ولزِمَ هذا القولَ لازمٌ فاسدٌ وهو لم يشعر بذلك ففي هذه الحالة لا يلزمه، وأما ما لو ظهر له يرضاه فهو لازم له وهو قائل به\".\r- إذا عرفنا هذا فالداعون لغير الله تعالى والمستغيثون بأصحاب القباب يلتزمون بهذا القول وكثير منهم يعتقد حضور أرواح المشايخ وقد تقدم نقل عباراتهم في ذلك وسيأتي بعضها (¬٤).\r٢ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا تزوج امرأة بغير شهود فقال الرجل والمرأة: إن الله ورسوله شاهدان قالوا: إن هذا القول كفر، وعللوا ذلك بأنه اعتقد أن رسول الله ﷺ يعلم الغيب وهو ما كان يعلم الغيب حين كان في الأحياء فكيف بعد الموت؟ (¬٥).\rفإذا كان علماء الحنفية يكفرون من يعتقد شهادة النبي ﷺ على النكاح فكيف بمن يعتقد علم الولي بما في ضمير الداعي وباستغاثته وندائه؟","footnotes":"(¬١) تقدم ص:، وانظر زيادة على ما تقدم في هذا التلازم: حكم الله الواحد الصمد ص: ٨.\r(¬٢) انظر العلم الشوامخ وحاشيته: الأرواح النوافخ ص: ٤١٢ - ٤١٣.\r(¬٣) القواعد النورانية: ١٢٨ - ١٢٩، والنونية مع شرحها للهراس: ٢/ ٢٣٤.\r(¬٤) تقدم ص:، وسيأتي ص:\r(¬٥) الفتاوى البزازية: ٣/ ٥٧٦، وفتاوي قاضي خان: ٣/ ٥٧٦، والبحر الرائق: ٣/ ٨٨، والمسايرة لابن الهمام مع شرحها المسامرة لابن شريف ص: ٢١١ - ٢١٢، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ٢٢٥، وحكم الله الواحد الصمد: ١٢، والفتاوى الهندية: ٢/ ٢٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048869,"book_id":1098,"shamela_page_id":517,"part":"2","page_num":538,"sequence_num":517,"body":"٣ - من ذلك قولهم: من ادعى علم الغيب لنفسه أو صدق من يدعي ذلك كفر (¬١).\r٤ - ومن ذلك قولهم: إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقد ذلك كفر (¬٢).\r٥ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا خرج يوم النيروز مع المجوس موافقة لهم فيما يفعلونه في يوم عيدهم أو أهدى ولو بيضة إلى المجوسي في ذلك اليوم كفر وذلك لأنه عظم عيد الكفرة أو تشبه بهم (¬٣).\rفإذا كان هذا قول العلماء بمن عظم يوم النيروز بنوع من التعظيم فكيف بمن يعظم ما يعبد من دون الله كأصحاب القبور؟ ومما لا شك فيه أن الَّذي عظم يوم النيروز لا يبلغ تعظيمه مبلغ المستغيث الواقع في الشدة الَّذي ينادي ويستغيث بمن ينقذه معظمًا له وراجيًا وخائفًا صارفًا له خالص تذلله وخضوعه بل ومحبته له، فإذا كان علماء الحنفية يكفرونه بمجرد إهداء البيضة بدون أن يقوم بالقلب مثل ما يقوم بالمكروب المستغيث فمن باب أولى تكفيرهم للمكروب المستغيث.\r٦ - ومن ذلك قولهم: إن الرجل إذا ذبح لقدوم الحاج أو الغزاة أو السلطان أو تهنئته اتفقوا على كون الذبيحة ميتًا على اختلاف بينهم في كفر الذابح (¬٤).","footnotes":"(¬١) البحر الرائق: ٥/ ١٣٠، ومجمع الأنهر: ١/ ٦٩٩، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ٢٢١.\r(¬٢) البحر الرائق: ٢/ ٢٩٨، ورد المحتار على الدر المختار: ٢/ ٤٣٩، وحكم الله الواحد: ١٢ - ١٣.\r(¬٣) الفتاوى البزازية: ٣/ ٣٣٣ و ٥٧٧، والبحر الرائق: ٥/ ١٣٣، وشرح الفقه الأكبر: ٢٨٢، ومجمع الأنهر: ١/ ٧٠٦.\r(¬٤) البزازية: ٣/ ٣٤٩ و ٥٧٧ والبحر الرائق: ٥/ ١٣٣، والفتاوى الهندية: ٢/ ٢٧٧، وشرح الفقه الأكبر: ٢٩٣، ونحوه في معالم السنن: ٤/ ٢٧٨، والموافقات: ٢/ ٢٠٨ - ٢١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048870,"book_id":1098,"shamela_page_id":518,"part":"2","page_num":539,"sequence_num":518,"body":"فإذا كان صرف عبادة الذبيحة لغير الله كفرًا فلأن يكون صرف الدعاء كفرًا أولى وأحرى لكونه لب العبادة وروحها.\r٧ - ومن ذلك قولهم: إنه يخاف الكفر على من قال: بحياتي وحياتك (¬١).\r٨ - ومن ذلك قولهم فيما يفعله بعض النساء وهو صريح فيما نحن بصدده قالوا: \"والذي شاع في زماننا - وكثير من نساء المسلمين مبتليات بذلك - هو أنهن في وقت طلوع الجدري للأطفال يفعلن صورة باسم ذلك الجدري ويعبدنها، ويطلبن منها شفاء الأولاد، ويعتقدن أن ذلك الحجر يشفي هذه الأطفال، فتلك النساء يصرن كافرات بهذا الفعل وبهذا الاعتقاد وبرضا أزواجهن بهذا الفعل يصيرون كفارًا.\rومن هذا القبيل أنهن يذهبن إلى عين ماء ويعبدن ذلك الماء ويذبحن على ذلك الماء شاة بالنية التي أضمرنها، فهاتيك العابدات للماء والذابحات يصرن كافرات، وتكون الشاة نجسة ولا يحل أكلها.\rومثل ذلك أنهن يتخذن صورة في البيوت، ويعبدنها مثل عبادة المجوس، وعند وضع المولود ينقشنها بالزنجفر، ويقطرن عليها الزيت ويعبدنها باسم الصنم الَّذي يقال له بهاني وكلما فعلن شيئًا مثل هذا يصرن كافرات ويبنَّ من أزواجهن\" (¬٢).\rوهذا النص مع دلالته على كفر من دعا غير الله تعالى يرد على أولئك الذين يزعمون أن الشرك لم يقع في هذه الأمة أو يقولون: إن بعض العلماء المتشددين هم الذين تفردوا بالتكفير في مثل هذه المسائل.","footnotes":"(¬١) البزازية: ٣/ ٣٤٨، والبحر الرائق: ٤/ ٣١١، ٥/ ١٣٤، وفتح القدير لابن الهمام: ٤/ ١٠، والفتاوى الهندية: ٢/ ٢٨١، وشرح الفقه الأكبر: ٢٩١.\r(¬٢) الفتاوى الهندية: ٢/ ٢٨٢، وأصل الكلام فيه باللغة الفارسية وترجم إلى العربية في هامش الكتاب وهو منقول في الأصل من كتاب مجموع النوازل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048871,"book_id":1098,"shamela_page_id":519,"part":"2","page_num":540,"sequence_num":519,"body":"٩ - ومن ذلك ما قالوا في قولهم: \"يا شيخ عبد القادر شيئًا لله\": إنه كفر (¬١). ففي هذه الكلمة نداء الشيخ عبد القادر وطلب شيء منه إكرامًا لله فهو سؤال وتوسل بالله إلى الشيخ عبد القادر (¬٢).\rوقد علل بعضهم منع هذه الكلمة بأنها تتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة.\rومن اعتقد أن غير الله ﷾ حاضر وناظر، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وآن فقد أشرك، والشيخ عبد القادر مع شهرة مناقبه وفضائله لم يثبت شرعًا أنه كان قادرًا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين واعتقاد أنه ﵀ كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت ويسمع نداءهم من عقائد الشرك (¬٣).\rوهذه الكلمة فيها الاستشفاع بالمخلوق على الله تعالى وقد استعظم ذلك النبي ﷺ عندما قال له الأعرابي: \"إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فقال: ويحك إن شأن الله عظيم\" (¬٤).\r١٠ - ومن ذلك ما قاله الشيخ قاسم (¬٥) في شرح درر البحار في باب النذر: \"النذر الَّذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء","footnotes":"(¬١) الفتاوى الخيرية: ١/ ١٨٢ نقلًا عن كتاب قيد الشرائد ونظم الفوائد لكن صاحب الفتاوى الخيرية نازعه في الحكم بالتكفير، وانظر أيضًا رسالة التوحيد: ١٤١ - ١٤٢، وحكم الله الواحد ص: ١٢.\r(¬٢) رسالة التوحيد للدهلوي: ١٤١ - ١٤٢، والفتاوى الخيرية: ١/ ١٨٢.\r(¬٣) مجموع فتاوى عبد الحي اللكنوي: ١/ ٢٦٤ بواسطة تعليق أبي الْحَسَن الندوي على رسالة التوحيد ص: ١٤٠ - ١٤١.\r(¬٤) تقدم تخريجه ص: ٥٠٦.\r(¬٥) هو قاسم بن قطلوبغا زين الدين المصري المعروف بقاسم الحنفي وقد شرح درر البحار في فقه الاختلاف بين المذاهب وله كتب كثيرة في الحديث وعلومه (ت ٨٧٩ هـ)، البدر الطالع: ٢/ ٤٥ - ٤٧، ومعجم المؤلفين: ٨/ ١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048872,"book_id":1098,"shamela_page_id":520,"part":"2","page_num":541,"sequence_num":520,"body":"قائلًا: يا سيدي إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا باطل إجماعًا بوجوه منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر، إلى أن قال: وقد ابتلى الناس بذلك ولاسيما في مولد البدوي\" (¬١).\rقال الشوكاني: وتأمل ما أفاده من حكاية الإجماع على بطلان النذر المذكور وأنه كفر عنده مع ذلك الاعتقاد (¬٢).\r١١ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بما يفيد منع دعاء الأموات وأنه مما أجمع العلماء على منعه وأنه عبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى الشيخ محمد طاهر الفتني (¬٣)، فإنه ذكر كراهية الإمام مالك قول القائل: زرنا قبره ﷺ وأن العلة في ذلك أن لفظ الزيارة صار مشتركًا بين ما شرع وبين ما لم يشرع ثم قال: \"فإن منهم من قصد بزيارة قبور الأنبياء والصلحاء أن يصلي عند قبورهم ويدعو عندها، ويسألهم الحوائج وهذا لا يجوز عند أحد من علماء المسلمين فإن العبادة وطلب الحوائج والاستعانة حق لله وحده\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر مفيد المستفيد: ٣٠٤، والرسائل الشخصية: ١٧٧ - ١٧٨، والدر النضيد: ٤٠، وحكم الله الواحد: ١٢ - ١٣، والإبداع في مضار الابتداع: ١٨٩، وانظر هذا في كتب علماء الحنفية: شرح الدر المختار للحصكفي: ١/ ٢٠٧ وحاشيته المسماة برد المحتار لابن عابدين: ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠، وحاشية مراقي الفلاح على نور الإيضاح للطحطاوي: ٥٧١، والبحر الرائق لابن نجيم: ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١، والفتاوى الخيرية للرملي: ١/ ١٧ - ١٨ و ٤/ ٤١٧، والفتح الرحماني للفرغاني: ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٥.\r(¬٢) الدر النضيد: ٤٠.\r(¬٣) هو محمد طاهر الفتني الكجراتي الهندي الصديقي يلقب بملك المحدثين، محدث مفسر لغوي مؤلف كتاب مجمع البحار وتذكرة الموضوعات وغيرها من المؤلفات الممتعة في الحديث وغريبه (ت ٩٨٧ هـ) شهيدًا. انظر مقدمة نصب الراية: ٤٧ رقم ٧٩، ومعجم المؤلفين: ١٠/ ١٠٠.\r(¬٤) مجمع بحار الأنوار: ٢/ ٤٤٤ مادة زور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048873,"book_id":1098,"shamela_page_id":521,"part":"2","page_num":542,"sequence_num":521,"body":"١٢ - ومن ذلك ما قاله صنع الله الحلبي (¬١) الحنفي في رده على من زعم أن للأولياء تصرفًا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة:\r\"هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفاتٍ في حياتهم وبعد مماتهم ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تكشف المهمات فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات .. \" إلى أن قال: \"وهذا كلام فيه تفريط وإفراط بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة\" (¬٢).\r١٣ - ومن علماء الحنفية المتأخرين الشاه ولي الله الدهلوي (¬٣) فإنه بعد أن ذكر تعريف الشرك ومظاهره وقوالبه ومظانه عند المشركين وذكر منها السجود قال:\r\"ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء الفقير وينذرون لهم ويتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون أسماءهم رجاء بركتها.\rفأوجب الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلواتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.","footnotes":"(¬١) هو صنع الله بن صنع الله الحلبي الأصل المكي سكنا الحنفي واعظ فقيه محدث، له من المؤلفات أرجوزة في الحديث، وسيف الله على من كذب على أولياء الله، وهذا الكلام منقول منه، (ت ١١٢٠ هـ)، معجم المؤلفين: ٥/ ٢٤.\r(¬٢) القول الفصل: ٤٨/ ٤٩، وتيسير العزيز الحميد: ٢٣٢، وحكم الله الواحد الصمد: ١٣.\r(¬٣) هو أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه الدين المعروف بشاه ولي الله الدهلوي الهندي العمري الحنفي له جهود في خدمة السنة ومحاربة البدعة إلا أنه قد يميل في بعض الأحيان إلى عبارات المتصوفة والله يرحمه، (ت ١١٧٦ هـ)، انظر ترجمته في فهرس الفهارس: ٢/ ١١١٩، ومعجم المؤلفين: ١/ ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048874,"book_id":1098,"shamela_page_id":522,"part":"2","page_num":543,"sequence_num":522,"body":"وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (¬١).\rوقوله وليس المراد من الدعاء العبادة .. إلخ، يعلم ما فيه بما تقدم من إطلاق الدعاء على النوعين وتلازمهما وأنه في مثل هذا الموضع في العبادة أظهر (¬٢)، وقال أيضًا: \"واعلم أن طلب الحوائج من الموتى عالمًا بأنه سبب لإنجاحها كفر يجب الاحتراز عنه تحرمه هذه الكلمة - يريد بها كلمة التوحيد - والناس اليوم فيها منهمكون\" (¬٣).\rومن أصرح كلام الدهلوي ﵀ قوله: \"كل من ذهب إلى بلدة أجمير أو قبر سالار ومسعود أو ما ضاهاها لأجل حاجة يطلبها فإنه أَثِمَ إِثْمًا أكبرَ من القتل والزنا وليس مثله إلا مثل من كان يعبد المصنوعات أو مثل من كان يدعو اللات والعزى\" (¬٤). فقد صرح بأن الذاهب لطلب الحاجة من القبور مثل الداعي للّات.\r١٤ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بكون دعاء الأموات وندائهم كفرًا وشركًا ونددوا بذلك وجاهدوا في سبيل ذلك - الشيخ محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الشهيد (¬٥).\rفمما قاله في رسالته المسماة رسالة التوحيد أو تقوية الإيمان ما ترجمته: \"نداءُ الأموات من بعيد أو قريب للدعاء - إشراك في العلم، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة فقد عدلوا عن الله القادر العليم إلى أناس","footnotes":"(¬١) حجة الله البالغة: ١/ ٦٢، والدين الخالص: ١/ ٢٨٩.\r(¬٢) مر ص: ١١٥.\r(¬٣) البصائر: ٢٧٣، نقلًا عن الخير الكثير للدهلوي ص: ١٠٥.\r(¬٤) البصائر ص: ٢٧١ - ٢٧٢ نقلًا عن التفهيمات للدهلوي: ٢/ ٤٥.\r(¬٥) تقدمت ترجمته ص: ٤٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048875,"book_id":1098,"shamela_page_id":523,"part":"2","page_num":544,"sequence_num":523,"body":"لا يسمعون دعاءهم وإن سمعوا ما استجابوا وهم لا يقدرون على شيء فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون بالصالحين الذين كانوا في الزمن السابق من بعيد وقد يكتفي بعض الناس فيقولون: يا سيدنا ادع الله لنا يقضي حاجتنا ويظنون أنهم ما أشركوا فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة وإنما طلبوا منهم الدعاء وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب وكان ذلك سواء في حقهم ولذلك نادوا من مكان بعيد مع أن الله ﷾ قال: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (¬١).\rولهذا الدهلوي الشهيد في تلك الرسالة عدة تصريحات بشرك من دعا غير الله واستغاث به (¬٢).\r١٥ - وممن صرح بكون دعاء غير الله شركًا الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي (ت ١٢٣٩ هـ) فإنه قال: \"قد أفرط الناس من هذه الأمة في باب الاستعانة بالأرواح الطيبة، فما يفعله الجهلة والعوام وما يعتقدون لها من استقلال في كل عمل فهو من غير شك شرك جلي\" (¬٣).\rفقد صرح بأنه يوجد في هذه الأمة من غلا في الأرواح واعتقد لها الاستقلال واستعان بها وفي هذا رد على من ينكر وقوع مثل هذا الاعتقاد في هذه الأمة المحمّدية كما أنه صرح بأن مثل هذا الاعتقاد شرك جلي.","footnotes":"(¬١) تقوية الإيمان: ٦٥ - ٦٧.\r(¬٢) المرجع نفسه ص: ٢٥، ٢٨، ومواضع أخر، فهذا الكتاب له تأثير قوي في شبه القارة الهندية يقابل تأثير كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع، انظر ما كتبه الشيخ إحسان إلهي ظهير في كتابه البريلوية ص: ١٦٨، ومترجمه إلى العربية الشيخ أبو الحسن الندوي ص: ٦، والشيخ محمد عطاء الله حنيف في تقديمه لرسالة رد الإشراك ص: ٣، وما كتبه محقق الرسالة محمد عزيز شمس في المقدمة ص: ٦.\r(¬٣) مجموع فتاوى عبد العزيز ص: ١٢١ نقلًا عن هامش رسالة التوحيد ص: ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048876,"book_id":1098,"shamela_page_id":524,"part":"2","page_num":545,"sequence_num":524,"body":"١٦ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بكفر من دعا غير الله تعالى الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي (¬١).\rفقد قال: \"من قال للعوام: إن الفيض يحصل من قبور الأولياء فقد فتح باب الشرك\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"الاستمداد من القبور حرام\" (¬٣).\rولما ذكر الحكاية التي تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني: أنه أخرج فلكًا مشحونًا بعد اثني عشر سنة قال: \"إنما هي من أكاذيب الجهلاء لا أصل لها وهذه العقيدة شرك ينبغي التوبة منها\" (¬٤).\r١٧ - ومن علماء الحنفية الذين صرحوا بذلك الشيخ محمود الألوسي (¬٥) المفسر حيث قال: \"إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركًا، وإن لا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء،","footnotes":"(¬١) هو العلامة رشيد أحمد بن هداية أحمد بن بير بخش الحنفي الرامبوري ثم الجنجوهي أثنى عليه الحسني بالصدق والعفاف والتوكل والتفقه (ت ١٣٢٣ هـ)، نزهة الخواطر: ٨/ ١٤٨.\r(¬٢) فتاوى رشيدية: ٢/ ١٢١ بواسطة البصائر: ٤٤٦.\r(¬٣) فتاوى رشيدية: ٢/ ٨٩ بواسطة البصائر: ٤٤٥.\r(¬٤) فتاوى رشيدية: ٢/ ٤ بواسطة البصائر: ٤٤٥.\r(¬٥) هو الشيخ محمود بن عبد الله الحسيني شهاب الدين أبو الثناء، مفسر نحوي وقد تولى ولاية الإفتاء ببغداد ثم عزل من الدولة العثمانية وارتحل إلى القسطنطينية وهو مع محاربته لعقيدة الشرك والبدع إلا أن له بعض الميل إلى المتصوفة وإشاراتهم كما هو حال أغلب علماء وقته (ت ١٢٧٠ هـ) انظر ترجمته في المسك الأذفر: ٦٤ - ٨٥، وفهرس الفهارس: ١/ ١٣٩، ومعجم المؤلفين: ١٢/ ١٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048877,"book_id":1098,"shamela_page_id":525,"part":"2","page_num":546,"sequence_num":525,"body":"ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم\" (¬١).\rوللألوسي نحو هذا الكلام في عدة مواضع من تفسيره روح المعاني (¬٢).\r١٨ - ومن علماء الحنفية المتأخرين الذين نددوا بدعاء غير الله تعالى وصرحوا بكفر فاعله - العلامة محمد سلطان المعصومي (¬٣)، فقد ألف رسالة مهمة جامعة لأقوال علماء الحنفية السابقين الذين حكموا بالكفر على من طلب المدد من غير الله واستغاث به وناداه من دون الله، وسمى رسالته بـ \"حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد\".\rومما ذكره في هذه الرسالة رسالة مؤلفة في الاستمداد بالشيخ عبد القادر وفيها ما معناه: \"أطلب منك الإمداد يا سلطان السلاطين ويا ملك الملوك أمددنا وأعنا\".\rوفيها أيضًا: \"المدد يا غوث غوثان المدد\"، وضرب عدة أمثلة من هذا القبيل ثم قال: \"اعلموا يا أيها المسلمون - وفقني الله وإياكم لما فيه رضاه ويا أيها الحنفيون هداني الله تعالى وإياكم إلى الصراط المستقيم أن هذه الكلمات كلها شرك وكفر وضلال في الدين الإسلامي والشرع المحمَّدي، والمذهب الحنفي، بل المذاهب الأربعة إجماعًا وقائلها مشرك لا تصح صلاته ولا صيامه ولا حجه ولا إمامته إلا إذا تاب وآمن","footnotes":"(¬١) روح المعاني: ٦/ ١٢٨.\r(¬٢) انظر: ٢٤/ ١١ و ١٣/ ١٧ و ١٧/ ٢١٢ و ١١/ ٩٨.\r(¬٣) هو أبو عبد الكريم محمد سلطان بن أبي عبد الله محمد أورون بن محمد المعصومي الخجندي ولد في بلدة خجندة من بلاد ما وراء النهر ثم هاجر إلى مكة بعد استيلاء الروس على التركستان وله جهود مشكورة في نشر السنة ومحاربة البدعة وكان مدرسًا في دار الحديث بمكة، ترجم لنفسه ووصف هجرته وما وقع له، طبعت تلك الترجمة مع كتابه حكم الله الواحد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048878,"book_id":1098,"shamela_page_id":526,"part":"2","page_num":547,"sequence_num":526,"body":"وأعلن توبته كما أشهر شركه\" (¬١).\rأقوال المالكية:\rإن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى قد تشدد في باب الدعاء فمنع من قول الداعي يا سيدي ويا حنان من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنّة، وأمر بالالتزام في الأدعية باللفظ الوارد عن الأنبياء يا رب يا رب (¬٢).\rفإذا كانت سيرته هكذا من الالتزام والتقيد في باب الدعاء بالوارد - فلا يمكن أن يجيز التوسل المبتدع فضلًا عن أن يجيز دعاء غير الله تعالى ونداءه والاستغاثة به واللهج بذكره في كل وقت وآن، فالذي يمنع من قول الداعي المخلص لله أن يقول لله تعالى: يا سيدي فمن باب أولى وأحرى أن يمنع من قول الداعي يا ولي الله فلان افعل لي كذا، فهذا ظاهر واضح.\rثم إن مالكًا ﵀ كره الوقوف عند قبر النبي ﷺ للدعاء له أو الدعاء عنده (¬٣)، وكره لأهل المدينة التردد للسلام عليه (¬٤) كما كره أن يقال زرنا قبره ﷺ (¬٥).\rفتحصل مما سبق أن الإمام مالكًا ﵀ من أشد الناس محاربة للبدع لاسيما في باب الدعاء، فمن هنا يفهم عدم تجويزه لما هو شرك من باب أولى، وعلماء مذهبه لا بد أنهم يتبعون منهجه في ذلك فقد","footnotes":"(¬١) حكم الله الواحد الصمد: ٤ - ٧.\r(¬٢) انظر العتبية مع البيان والتحصيل: ١/ ٤٥٦ و ١٧/ ٤٢٣.\r(¬٣) الشفا للقاضي عياض: ٢/ ٦٧١، نقلًا عن المبسوط لإسماعيل القاضي، والمنتقى للباجي: ١/ ٢٩٦، والرد على الأخنائي: ٤٦، ١٠٤، والجواب الباهر: ٥٩، ٦٥، والصارم: ١٢٥.\r(¬٤) العتبية: ١٨/ ٤٤٤، والشفا: ٦٧٦، والمنتقى: ١/ ٢٩٦، والرد على الأخنائي: ٤٦، ٩٦.\r(¬٥) الشفا: ٢/ ٦٦٧، والجواب الباهر: ٥٨، والصارم: ٢٦٣، ٢٧١ - ٢٧٩، ومجمع البحار: ٢/ ٤٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048879,"book_id":1098,"shamela_page_id":527,"part":"2","page_num":548,"sequence_num":527,"body":"صرح بعضهم بما يفيد كفر من دعا غير الله تعالى فممن صرح بذلك القاضي عياض رحمه الله تعالى حيث قال: \"إن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله أو مع الله - فهو كفر\" (¬١)، فقوله أو عباده أحد غير الله أو مع الله يدخل فيه من يدعو غير الله دخولًا أوليًا لأن الدعاء هو العبادة ولبها ومخها.\rوقال القاضي أيضًا: \"إن من نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ولا عامد للإلحاد، فإن تكرر هذا منه وعرف به - دل على تلاعبه بدينه، واستخفافه بحرمة ربه، وجهله بعظيم عزته وكبريائه وهذا كفر لا مرية فيه\" (¬٢).\rوقد ذكر القرافي المالكي الأدعية التي تخرج عن الإسلام وبعضها أقل بكثير مما نحن فيه ثم قال: \"فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرًا شديدًا لما تؤدي إليه من سخط الديانة والخلود في النيران، وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلّا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرناه نسأل الله العافية من موجبات عقابه\" (¬٣).\rأقوال الشافعية:\rإن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أحد أئمة السنة الذين حاربوا البدعة ونشروا السنة فهو وإن لم نجد له نصًا صريحًا في الموضوع لعدم وقوع هذه المسألة في عصره كما تقدم بيان ذلك ولكن وجدنا له نصًا يستنبط منه مذهبه في الموضوع وهو أن الشافعي قال:","footnotes":"(¬١) الشفا لعياض: ٢/ ١٠٦٥ - ١٠٦٦.\r(¬٢) المصدر السابق: ٢/ ١٠٩٣.\r(¬٣) الفروق للقرافي: ٤/ ٢٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048880,"book_id":1098,"shamela_page_id":528,"part":"2","page_num":549,"sequence_num":528,"body":"\"من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق\" (¬١).\rفإذا كان الشافعي ﵀ لا يرى الحلف بغير أسماء الله تعالى فلا يعقل أن يجيز الدعاء بغير أسماء الله الحسنى ولو كانت معظمة كالكعبة والصفا والمروة وأسماء الأنبياء.\rوقد تبع الشافعي علماء مذهبه وقد صرح بمنع مثل هذه الأدعية بعض متقدميهم.\rفمنهم إمام الأئمة ابن خزيمة أحد كبار فقهاء المحدِّثين ويعد من الشافعية (¬٢) فإنه قال: \"هل سمعتم عالمًا يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله؟ أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق؟\rهذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه (¬٣) \".\rومنهم الإمام الخطابي الفقيه المحدث اللغوي، فإنه نقل كلام الإمام أحمد في عدم جواز الاستعاذة بالمخلوق فأقره (¬٤).\rومنهم البيهقي الذي قال فيه إمام الحرمين: \"ما من شافعي إلا وللشافعي عليه في عنقه منة إلا البيهقي فإنه له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه: ١٩٣، والبيهقي في الأسماء ص:، ومعرفة السنن والآثار: ١/ ١١٣، وأبو نعيم في الحلية: ٩/، والسنة للالكائي: ٢/ ٢١١.\r(¬٢) طبقات الشافعية للسبكي: ٣/ ١٠٩.\r(¬٣) كتاب التوحيد: ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.\r(¬٤) معالم السنن ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\r(¬٥) طبقات الشافعية: ٤/ ١٠ - ١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048881,"book_id":1098,"shamela_page_id":529,"part":"2","page_num":550,"sequence_num":529,"body":"فهذا الإمام البيهقي ذكر بعض أحاديث الاستعاذة بكلمات الله تعالى ثم قال: \"ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق\" (¬١).\rوممن صرح بكفر من دعا غير الله تعالى من علماء الشافعية الإمام المقريزي (¬٢) الشافعي ﵀ فإنه قال: \"وشرك الأمم كله نوعان شرك في الإلهية وشرك في الربوبية، فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك وهو شرك عباد الأصنام وعباد الملائكة وعباد الجن وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ويشفعوا لنا عنده وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة … \" (¬٣).\rوقال في زيارة القبور: إنها على ثلاثة أقسام: \"قوم يزورون الموتى فيدعون لهم وهذه الزيارة شرعية، وقوم يزورونهم يدعون بهم فهؤلاء هم المشركون في الألوهية والمحبة، وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وهؤلاء هم المشركون في الربوبية\" (¬٤)\rوقوله في الذين يدعون بالمقبورين: إنهم مشركون في الألوهية قد يعترض عليه بأنه لا يصل إلى الشرك الأكبر إلا في بعض الأحيان ويعلم ذلك مما ذكرناه في مبحث مراتب دعاء غير الله تعالى، ولعله يريد بذلك من يقصد من الدعاء بهم الشفاعة الشركية لا مطلق التوسل بهم والله أعلم.","footnotes":"(¬١) الأسماء والصفات للبيهقي: ٢٤١.\r(¬٢) هو أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس الحسيني البعلي القاهري المعروف بالمقريزي، أحب علم الحديث فواظب عليه حتى اتهم بالظاهرية وله جهود في خدمة العقيدة السلفية، وكان متبحرًا في التاريخ ومؤلفاته تشهد بذلك كما قاله الشوكاني، (ت ٨٤٥ هـ)، البدر الطالع: ١/ ٧٩ - ٨١.\r(¬٣) تجريد التوحيد: ١٤.\r(¬٤) المصدر نفسه: ٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048882,"book_id":1098,"shamela_page_id":530,"part":"2","page_num":551,"sequence_num":530,"body":"ومنهم أبو شامة (¬١) الشافعي فقد ذكر ما وقع من جهال العوام: من انتمائهم إلى طريقة الفقر والتصوف واعتقادهم في المشايخ المتصوفة الضالين المضلين ثم قال: \"وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها\" ثم ذكر ما تفعله العامة من تخليق الحيطان والعمد وإيقاد السرج على المواضع يزعم أحد أنه رأى في المنام أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية إلى أن يصل بهم الحال إلى تعظيم تلك الأماكن ورجاء الشفاء وقضاء الحوائج منها بالنذر وهي مما بين عيون وشجر وحائط وحجر … (¬٢).\rومنهم ابن حجر الهيتمي الشافعي (¬٣) في شرحه لحديث الأربعين عند الكلام على حديث: \"إذا سألت فاسأل الله\" أن من اعتقد النفع والضر لغير الله كفر (¬٤)، وقد ألف كتابًا مستقلًا سماه الأعلام بقواطع الإسلام ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام وغالب ما ذكره لا يساوي عشر ما نحن فيه (¬٥)، وكثير مما ذكره أنه يخرج من الإسلام لم يرد فيه نص مثل ما ورد في دعاء غير الله تعالى من الأدلة الدالة على كفر مرتكبه.\rوقد نقل في هذا الكتاب عن صاحب الفروع إجماع العلماء على كفر من جعل بينه وبين الله واسطة ثم أقر ما نقله (¬٦).","footnotes":"(¬١) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الشافعي الدمشقي عني بالحديث وبرع في فنون العلم وقيل بلغ رتبة الاجتهاد وصفه الذهبي بالحافظ العلامة المجتهد (ت ٦٦٥ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٤/ ١٤٦٠، وطبقات الشافعية: ٨/ ١٦٥.\r(¬٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث: ٢٣.\r(¬٣) هو أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي بالتاء المثناة المكي الفقيه الصوفي يعتمد على تآليفه المتأخرون من الشافعية والرجل له مناصرة لبعض البدع عفا الله عنه (ت ٩٧٤ هـ)، انظر فهرس الفهارس: ١/ ٣٣٧\r(¬٤) الفتح المبين: ١٧٤، وقارن بما في مفيد المستفيد: ٤٠٥، والدر النضيد: ٤٠.\r(¬٥) مفيد المستفيد: ٣٠٥ - ٣٠٦.\r(¬٦) انظر ما تقدم ص: ٥٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048883,"book_id":1098,"shamela_page_id":531,"part":"2","page_num":552,"sequence_num":531,"body":"أقوال علماء الحنابلة:\rقد تقدم (¬١) نقل كلام الخلال وارث علم أحمد أنه لا يجوز أن يقال أعيذك بالسماء أو بالأنبياء والملائكة الخ. كما تقدم (¬٢) نقل كلام ابن بطة الحنبلي في ذلك.\rوممن صرح بكفر من دعا غير الله تعالى من علماء الحنابلة الشيخ أبو الوفا بن عقيل (¬٣) الحنبلي ﵀ فقد قال: \"لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال: وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى … \" (¬٤).\rفقد صرح في هذا الكلام السابق بأن خطاب الموتى بالحوائج كفر.\rوقد نقل هذا الكلام كثير من علماء الحنابلة وغيرهم (¬٥) فأقروه، فهم قائلون بما قاله ابن عقيل من كفر من خاطب الموتى بالحوائج.\rوقال ابن عقيل أيضًا في الكلام على الصوفية: \"وقد سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادي … مجاب، اعتقادًا أنه قربة، وهذا كفر","footnotes":"(¬١) و (¬٢) تقدم ص: ٤٢٧.\r(¬٣) تقدمت ترجمته: ٤٧٧.\r(¬٤) تلبيس إبليس ص: ٤٠٢، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٢، ومفيد المستفيد: ٣٠١، والدر النضيد: ٤٠، وتيسير العزيز: ٢٢٨.\r(¬٥) فقد نقله ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص: ٤٠٢، وابن القيم في الإغاثة: ١/ ١٥٢، وابن مفلح في الفروع:، وابن عبد الوهاب في مفيد المستفيد ص: ٣٠١، والشوكاني في الدر: ٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048884,"book_id":1098,"shamela_page_id":532,"part":"2","page_num":553,"sequence_num":532,"body":"أيضًا لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرًا والناس بين تحريمه وكراهيته\" (¬١).\rفإذا كان ابن عقيل يكفر من اعتقد ذلك فكيف بمن اعتقد استجابة الدعاء بواسطة الأولياء؟ فضلًا عمن دعاهم واستغاث بهم وناداهم سرًا وجهارًا واعتقد سماعهم وعلمهم به وبما هو فيه، فهذا بلا شك أشد كفرًا ممن ذكره ابن عقيل ﵀، فمقتضى قوله أنه يكفر هؤلاء من باب أولى وأحرى.\rومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد تقدم قوله في حكاية الإجماع على كفر من جعل الواسطة بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم وأنه نقله كثير من علماء الحنابلة وغيرهم فأقروه (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام أيضًا فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل (¬٣).\rومنهم ابن القيم ﵀ فمن أقواله ما ذكره في مدارج السالكين في باب التوبة بقوله: \"ومن أنواعه - أي الشرك - طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها … \" (¬٤).\rوذكر رحمه الله تعالى زيارة القبور الزيارة الشرعية للدعاء لهم","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس: ٣٧٣.\r(¬٢) تقدم ص: ٥٣٤.\r(¬٣) الوصية الكبرى إلى الشيخ عدي ضمن الفتاوى: ٣/ ٣٩٥، وعنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرسائل الشخصية ص: ١٧٧، ومفيد المستفيد ص: ٢٩١.\r(¬٤) مدارج السالكين: ١/ ٣٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048885,"book_id":1098,"shamela_page_id":533,"part":"2","page_num":554,"sequence_num":533,"body":"والترحم عليهم والاستغفار ثم قال: \"فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به والإقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه بعكس هديه ﷺ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت\" (¬١).\rوذكر ﵀ أنه يجب على الإمام هدم الأمكنة التي يعصى الله فيها فذكر مسجد ضرار ثم قال \"فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بالهدم وأوجب\" (¬٢).\rومنهم الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ فإنه قال: ما ملخصه إن المبالغة في تعظيم الرسول ﷺ بالحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء - فهذه المبالغة مبالغة في الشرك وانسلاخ من ذمة الدين (¬٣).\rومنهم الحافظ بن رجب ﵀ فإنه قال: \"إن قول العبد لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا عليه وسؤالًا منه ودعاء له ولا يصلح ذلك كله إلا لله ﷿، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) زاد المعاد: ١/ ٥٢٧\r(¬٢) زاد المعاد: ٣/ ٥٧١، ٥٠٧.\r(¬٣) الصارم المنكي ص: ٣٥١.\r(¬٤) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: ٢٣ - ٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048886,"book_id":1098,"shamela_page_id":534,"part":"2","page_num":555,"sequence_num":534,"body":"علماء آخرون صرحوا بكفر من دعا غير الله:\rوقد صرح علماء آخرون غير من ذكرناهم بكفر من دعا غير الله تعالى وقرروا ذلك في مؤلفاتهم وهم كثيرون منهم:\rالشيخ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) فقد قال: إن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى … فإنه قد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلًا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات من عافية مريضه أو قدوم غائبه أو نيله لأي مطلب من المطالب فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"ومن نادى الله ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا وخوفًا وطمعًا ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة فإن الدعاء من العبادة\" (¬٢).\rومنهم الشيخ حسين بن مهدي النعمي (ت ١١٨٧ هـ) فقد قال بعد كلام طويل له في الموضوع: فحينئذ علمت - إن شاء الله تعالى بالبرهان الصحيح واليقين الذي لا يخالطه أدنى ريبة ولا ينتابه أو يتصور عليه وهم أو يتطفل عليه شك - أن دعاء المخلوق، وقصده بذلك من متفاحش الظلم ومتبالغ الشرك ومنازعة في خاص حق الله، وخضوع وتذلل بخالص عبادته لسواه، إذ روح كونك عبدًا له تعالى هو هذا المقام، وهذا التكيف والتصور بهذه الحالة .... \" (¬٣).","footnotes":"(¬١) تطهير الاعتقاد: ١٩ - ٢٠ ونحوه في ص: ٢٤.\r(¬٢) المصدر نفسه ص: ٢٦.\r(¬٣) معارج الألباب ص: ١٩٣، وهذا الكتاب من أحسن ما ألف في التنديد بدعاء غير الله تعالى، فقد ناقش هذه المسألة مناقشة منطقية بأسلوب قوي فجزى الله مؤلفه عن الإسلام خيرًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048887,"book_id":1098,"shamela_page_id":535,"part":"2","page_num":556,"sequence_num":535,"body":"فقد صرح النعمي ﵀ بأن دعاء غير الله تعالى من أبلغ الشرك وأفحش الظلم إذ هو وضع للعبادة التي هي من خصائص الله في غير محلها الذي هو المخلوق.\rومنهم الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) فإنه قال: إن من اعتقد في ميت من الأموات أو من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالًا أو مع الله تعالى أو ناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق لم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه هو نوع من أنواع العبادة، وإن الشرك هو دعاء غير الله تعالى، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه (¬١).\rوقال أيضًا: إن الواجب على كل من اطلع على شيء مما يفعله المعتقدون في القبور أن يبلغهم الحجة الشرعية ويقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات ويستغيث بهم عند حلول المصيبات وينذر لهم وينحر لهم النحور، ويعظمهم تعظيم الرب سبحانه: إن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية (¬٢).\rوقال أيضًا: \"وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون.","footnotes":"(¬١) الدر النضيد ص: ١٨.\r(¬٢) المصدر نفسه: ٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048888,"book_id":1098,"shamela_page_id":536,"part":"2","page_num":557,"sequence_num":536,"body":"ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالمًا ولا متعلمًا ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا … \" (¬١).\rفقد صرح الشوكاني ﵀ بأن صرف الدعاء لغير الله تعالى شرك لكون الدعاء عبادة كما صرح بأن التقرب إلى غير الله بما يتقرب به إلى الله شرك وأن هذا هو عين ما يفعله مشرك الجاهلية وأن قصد القبور لطلب قضاء الحوائج منكر شنيع وكفر فظيع.\rومنهم الإمام محمد صديق خان (¬٢) ﵀ فقد قال: \"فمن استغاث بغيره - أي الله - في الشدائد ودعا غيره فيها فقد كفر\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"والألوهية التي تسميها العامة في زماننا الولاية، والسر، وسر السر، ويسمون أهلها الفقراء والمشايخ … ويظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن العامي يلتجئ إليهم ويرجوهم، ويخافهم، ويستغيث بهم ويستعين منهم، في قضاء حوائجه، … هي الشرك الجلي الذي لا يغفره الله تعالى أبدًا\" (¬٤).\rوقال أيضًا: \"فالدعاء هو التوحيد، فمن دعا غير الله فقد أشرك، ودعاء غيره سبحانه شرك لا شك فيه\" (¬٥).\rأقوال أئمة الدعوة في ذلك:\rأما أقوال أئمة الدعوة في ذلك فبحر لا ساحل له لأن الخصومة (¬٦)","footnotes":"(¬١) نيل الأوطار: ٤/ ٩٥، وله كلام نحو هذا في البدر الطالع: ٢/ ٦.\r(¬٢) هو أبو الطيب صديق بن حسن بن علي القنوجي البخاري محدث مفسر فقيه له جهود في نشر العقيدة السلفية والسنة النبوية، (ت ١٣٠٧ هـ)، انظر ترجمته في مقدمة شيخنا عاصم بن عبد الله القريوتي لكتابه قطف الثمر.\r(¬٣) الدين الخالص: ١/ ١٨٣.\r(¬٤) المرجع نفسه: ١/ ١٨٢.\r(¬٥) المرجع نفسه: ١/ ٢٢٢.\r(¬٦) مصباح الظلام: ٣٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048889,"book_id":1098,"shamela_page_id":537,"part":"2","page_num":558,"sequence_num":537,"body":"التي وقعت بينهم وبين غيرهم في هذه المسألة وهي أكبر مسألة دار عليها الجدل منذ زمن الأنبياء والرسل، فالرسل أول ما يطلبون من أممهم إفراد الله تعالى بالعبادة التي هي متضمنة لنوعي الدعاء، فكل نبي يقول لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥].\rولقد مكث النبي ﷺ بمكة يدعو إلى هذا الأصل ثلاث عشرة سنة إلى أن استقام الدين وفهمت العقيدة الصحيحة، وأُفرد اللهُ تعالى بنوعي الدعاء وظهر الإسلام وانتشر.\rثم لما ظهر بعض بوادر الفساد في الاعتقاد قيض الله تعالى من يذب عن العقيدة ويكشف انتحال المبطلين وينفي تحريف الغالين مصداقًا لقوله ﷺ: \"إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها\" (¬١) فممن قيضهم الله لذلك أئمة السلف وعلماء الحديث فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.\rثم لما ظهرت بوادر الفساد في الاعتقاد في القرون الأخيرة وضعفت العقيدة في نفوس الناس ووقع الشرك وانتشر دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالصالحين قيض الله تعالى في القرن الثاني عشر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه لنصرة العقيدة الصحيحة وبيانها بالحجة والبرهان ثم بالسيف والسنان، وكان الشيخ يصرح بأن دعوته تقوم على النهي عن دعوة غير الله تعالى (¬٢).\rفلهذا كثر كلامه رحمه الله تعالى في هذه المسألة فكان يصرح بها مرات كثيرة، فتارة يتكلم عن الوسائل والأسباب التي تؤدي إليها وتارة عن عواقبها الوخيمة إلى غير ذلك، فكتبه ورسائله تدور حول هذا المعنى وإن","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: ٤/ ٤٨٠ رقم ٤٢٩١، والحاكم: ٤/ ٥٢٢، والخطيب في التاريخ: ١/ ٦١ - ٦٢ والحديث قد سكت عليه الحاكم والذهبي، وقد صححه الألباني في الصحيحة: ٢/ ١٥٠ رقم ٥٩٩، وصحيح الجامع: ٢/ ١٤٢ رقم ١٨٦٨.\r(¬٢) انظر الرسائل الشخصية، القسم الخامس ص: ٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048890,"book_id":1098,"shamela_page_id":538,"part":"2","page_num":559,"sequence_num":538,"body":"كانت بأساليب متنوعة وبعبارات شتى، وإليك مقتطفات أقواله:\rقال ﵀: \"اعلم أن نواقض الإسلام عشرة\" فذكر الناقض الأول ثم قال: \"الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعًا\" (¬١).\rوعقد في كتاب التوحيد بابًا بعنوان \"باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره\" وذكر في مسائل هذا الباب المسألة الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر (¬٢).\rوقال أيضًا: \"وأما النذر له - أي القبر - ودعاؤه والخضوع له فهو من الشرك الأكبر\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"فمن عبد الله ليلًا ونهارًا ثم دعا نبيًا أو وليًا عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين، ولم يشهد أن لا إله إلا الله لأن الإله هو المدعو\" (¬٤).\rوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: (ت ١٢٣٣ هـ) بعد أن ذكر الآيات والأحاديث وأقوال العلماء في هذا الموضوع:\rوقد تبين بما ذكر … أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر بل هو أكبر أنواع الشرك، لأن الدعاء مخ العبادة، ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك، إذ معنى الإله هو الذي يعبد لأجل هذه الأمور، ولأن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله فمن صرف شيئًا","footnotes":"(¬١) مؤلفات الشيخ القسم الأول العقائد ص: ٣٨٥، وانظر كلام الشيخ مطولًا في كتاب مفيد المستفيد المطبوع ضمن مؤلفات الشيخ قسم العقيدة: ١/ ٢٨١ - ٣٠٩، والرسائل الشخصية: ٢١٢ - ٢١٣، والقسم الثالث، الفتاوى ص: ٦٢ - ٦٣.\r(¬٢) كتاب التوحيد: ٥٠ - ٥١.\r(¬٣) القسم الثالث، الفتاوى: ٧٠.\r(¬٤) الرسائل الشخصية: ١٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048891,"book_id":1098,"shamela_page_id":539,"part":"2","page_num":560,"sequence_num":539,"body":"من ذلك لغير الله فقد ساوى بينه وبين الله وذلك هو الشرك\" (¬١).\rوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (ت ١٢٨٥ هـ):\r\"فإذا عرفت بصحيح المنقول وصريح المعقول أن الدعاء عبادة وأن\rمدلوله السؤال والطلب، فمن صرف من هذه العبادات شيئًا لغير الله فقد\rأشرك مع الله غيره في عبادته كائنًا ما كان لعموم النهي عن دعوة غير الله\rفي القرآن كله من أوله إلى آخره فمن ادعى أنه يصرف منه شيء لأحد\rسوى الله فقد صادم الكتاب والسنة وخالف ما اجتمعت عليه دعوة الرسل\rمن أولهم إلى آخرهم فيما دعوا إليه أممهم بقولهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (¬٢) [الأعراف: ٥٦، ٦٤، ٧٢، ٨٤].\rآراء علماء مكة في عام ١٢١٨ هـ:\rوقد اجتمع علماء مكة ونجد في عام ١٢١٨ هـ فتناقشوا في مسألة دعاء غير الله تعالى فقرروا أن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله أشرك الشرك الأكبر، وهذا نص بيانهم:\r\"إن من قال: يا رسول الله، وقال: يا ابن عباس، أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين طالبًا بذلك دفع شر أو جلب خير من كل ما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ونحو ذلك - أنه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه ويبيح ماله، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متشفعًا بهم ومتقربًا لهم لقضاء حاجته من الله بسرهم وشفاعتهم له فيها أيام البرزخ\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد: ٢٤٣.\r(¬٢) القول الفصل: ٣٤.\r(¬٣) الهداية السنية: ٢٧ - ٢٨، والدرر السنية في الأجوبة النجدية: ١/ ١١٠ - ١١١، ونحوه في: ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وهذا أصله بيان مُوَقَّعٌ من علماء الحرم المكي عند دخول الموحدين مكة، وكان من جملة العلماء الموقعين على البيان عبد الملك =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048892,"book_id":1098,"shamela_page_id":540,"part":"2","page_num":561,"sequence_num":540,"body":"هذا وقد وافق هؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم علماء آخرون (¬١) من القدماء والمحدثين أعرضنا صفحًا عن حكاية أقوالهم اكتفاء بالذين أوردنا كلامهم.\rهذا والمسألة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار لا تحتاج إلى كل هذا لولا أن بعض الناس يظن أنها من أقوال طائفة معينة تعتبر في نظره متشددة أو أصحاب مذهب جديد فهذا هو الذي اقتضى أن نُطوِّل بذكر آراء العلماء من جميع الطوائف حتى يعلم الحق ويتضح الصواب والله ولي التوفيق ..\rالخلاصة:\rفقد اتضح مما سبق أن علماء المذاهب قد صرحوا بكفر من استغاث بغير الله تعالى وناداه من بعيد وكذلك من ادعى معرفة الغيب أو صدق من ادعاه أو من ذبح لغير الله أو حلف بغير الله أو غير ذلك مما سبق، وهذا دليل واضح على أن الحكم بكفر من دعا غير الله تعالى مما لم ينفرد به مذهب معين أو بعض العلماء كما يتوهمه بعضهم، وقد رأيت أقوال العلماء ونصوصهم الصريحة وغير الصريحة الدالة على كفر من دعا غير الله تعالى واستغاث به.\rوربما يقول قائل: إن المتقدمين من السلف الصالح لم يصرحوا بكفر من دعا غير الله تعالى.","footnotes":"= القليعي مفتي الحنفية وحسين المغربي مفتي المالكية وعقيل بن يحيى العلوي وغيرهم.\r(¬١) انظر رأي الشيخ ابن باز في مجموع فتاواه: ١/ ١٥٨، ١٦٧، ورأي تقي الدين الهلالي في السراج المنير: ٢٧/ ٢٨، ورأي الألباني في مقدمة الآيات البيان ص: ١٠، ورأي الشيخ محمد بن عبد السلام في القول الجلي ص: ٢٩، ورأي محمد خليل الهراس في دعوة التوحيد: ٥٥، ورأي الشيخ مبارك المِيلي في رسالة الشرك ومظاهره ص: ١٩٢، وغير هؤلاء كثيرون.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048893,"book_id":1098,"shamela_page_id":541,"part":"2","page_num":562,"sequence_num":541,"body":"١ - فيقال له إن القرآن الكريم قد بيَّن ذلك أوضح بيان بأساليب متنوعة ولا يمكن لأحد أن ينكر أو يتوقف في ذلك.\rفعلماء السلف الصالح المتقدمون لهم القدح المُعَلَّى في معرفة دلالات القرآن وأحكامه، فهم قائلون بما صرح به القرآن ومعتصمون به، فتكفير من دعا غير الله من مذهبهم إذ روي عنهم أنهم قالوا: إذا صح الحديث فهو مذهبهم (¬١)، فتكفير من دعا غير الله تعالى جاءت به آيات محكمات وأحاديث صحيحة، فهو إذًا من مذهبهم وهم قائلون به.\r٢ - إن مسألة دعاء غير الله تعالى لم تكن موجودة في الصدر الأول وذلك لبعد وقوع الشرك في عهد السلف الصالح في وقت قوة الإسلام ولكن لما ضعف الإسلام وانتشر الجهل ببديهيات الإسلام سول الشيطان لبعض المسلمين دعاء الأولياء والاستغاثة بهم.\rفلهذا لم ينقل عن السلف الكلام في هذه المسألة لأن السلف يكرهون الخوض في المسائل التي لم تقع والتي هي مسائل خيالية جدلية فرضية.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثانًا ومساجد وأعيادًا هؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة\" (¬٢).\rوقال غيره: \"إن الاعتقاد في الأموات إنما حدث بعد موت الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين\" (¬٣).\rوالسلف الصالح منهم من أنكر بعض البدع التي تتعلق بالقبور فقد","footnotes":"(¬١) انظر مراجع هذا القول في مقدمة صفة الصلاة للألباني: ٢٤ - ٣٠.\r(¬٢) الرد على الأخنائي: ٦٦، ونحوه في الجواب الباهر: ٥٧.\r(¬٣) القول الفصل النفيس: ١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048894,"book_id":1098,"shamela_page_id":542,"part":"2","page_num":563,"sequence_num":542,"body":"أنكر الإمام أحمد ما يقع عند قبر الحسين بكربلاء (¬١).\rوالذي يظهر أن الذي يقع في ذلك الوقت لا يصل إلى حد دعوة القبر من دون الله تعالى لوضوح هذا الأمر في ذلك الوقت، وحتى ولو فرضنا وقوعه لا يكون بالصورة التي وقعت في المتأخرين من اتخاذ شهر معين عيدًا للقبر والحج إليه كما يشير إلى ذلك كلام شيخ الإسلام السابق، فيكون الواقع من ذلك من بعض الأفراد لا بشكل جماعي، ويكون قاصرًا في الدعاء عندها لا دعاء أصحابها والله أعلم.\r٣ - إن هذا السبب الذي تقدم من وضوح العقيدة في الصدر الأول - لاسيما فيما يتعلق بتوحيد الألوهية - هو السبب في عدم كثرة التأليف والردود في هذا الباب، لأن السلف لم يكونوا يؤلفون إلا فيما يرون أن الناس يحتاجون إليه من المسائل التي أثير حولها الجدل أو يخشى أن يلتبس فيها الأمر.\rوأما مسألة حكم من دعا غير الله تعالى فليست محل اختلاف فيما بينهم لوضوح أمرها في كتاب الله العزيز وسنة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.\rويشهد لهذا الذي قلناه ما ذكره شيخ الإسلام من أن السلف لم يتكلموا في القدرية الدافعين بالقدر الأمر والنهي والطاعنين به على الرب وإنما تكلموا في المكذبين به لوجود هؤلاء بكثرة دون الأولين، وقد تقدم نحو هذا فيما سبق والله أعلم.\rويشهد لهذا أيضًا أن بعض أئمة السلف، وهو ابن خزيمة، عَدَّ وقوع ذلك من مسلم محالًا كما تقدم (¬٢) كما يشهد له أن بعض أئمة السلف تعرضوا للكلام في هذه المسألة عندما احتاجوا للكلام بسبب خوضهم في مسألة القرآن وممن تعرض للكلام فيها الإمام أحمد ونعيم بن حماد والبخاري وسوار القاضي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والخطابي والبيهقي، وقد نقلنا عباراتهم فيما تقدم (¬٣).","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط: ٣٠٥ - ٣٠٦، ونحوه في الجواب الباهر: ٦٣.\r(¬٢) تقدم ص: ٤٢٧.\r(¬٣) تقدم ص: ٤٢٦ - ٤٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048895,"book_id":1098,"shamela_page_id":543,"part":"2","page_num":564,"sequence_num":543,"body":"هذا ومما ينبغي أن يفهم أن الحكم بالكفر الذي سبق الكلام عليه مقيد بما هو معلوم عند أهل العلم من بلوغ الدعوة وإقامة الحجة.\rوقد بيّن تقييد هذا الحكم بهذا القيد كثير من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه وكرره وأعاده في عدة مواضع من كتبه الكثيرة.\rمن ذلك قوله ﵀ في هذه المسألة التي نحن فيها وهي دعاء غير الله تعالى ما ملخصه: إننا نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته دعاء الأموات كما لم يشرع السجود لميت ولا لغيره بل نعلم أنه نهى عن ذلك \"وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه\" (¬١).\rوقال أيضًا في الحكم العام في هذه المسألة: «وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه فيقال: من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها وهذا كما في نصوص الوعيد … فإن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار لجواز ألا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد لا يكون التحريم بلغه … وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها\" (¬٢).\rولشيخ الإسلام نحو هذا الكلام في عدة مواضع من كتبه (¬٣).","footnotes":"(¬١) الرد على البكري ص: ٣٧٦، والذي في غاية الأماني: ١/ ١٨ نقلًا عن الرد على البكري (لم يمكن تكفيرهم) وهو الأوفق للسياق، ومثله في جلاء العينين ص: ٤٨٤.\r(¬٢) المسائل الماردينية: ٦٥ - ٧٠.\r(¬٣) انظر من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية \"الرد على البكري\" ص: ٢٥٨ إلى ٢٥٩، والاستقامة: ١/ ١٦٣ - ١٦٦، ومنهاج السنة: ٥/ ٢٣٩ - ٢٥٢، ونقض المنطق: ٤٥ - ٤٦، والإيمان: ١٩٠، والفتاوى: ١١/ ٤٠٧ - ٤١٣، ١٢/ ٤٨٥ - ٥٠١، ٣/ ٢٢٩ - ٢٣١. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048896,"book_id":1098,"shamela_page_id":544,"part":"2","page_num":565,"sequence_num":544,"body":"ومنهم أيضًا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد بيّن أن الجاهل الذي لم تبلغه الحجة لا يكفر لا سيما الذي لم يقصر ولم يكن يعيش في بيئة انتشر التوحيد وعلماؤه فيها (¬١).\rهذا ومع تصريح شيخي الإسلام المتقدم بأن الحكم بالكفر متوقف على بلوغ الحجة نجد بعض الناس يتهمهما وكذلك يتهم من يعتني بالعقيدة الصحيحة ويحذر من الشرك ودعاء غير الله تعالى - بتكفير المسلمين وأن هذا فعل الخوارج.\rوهذه تهمة باطلة لا أساس لها من الصحة فقد علمنا أن التكفير إنما يكون لمن بلغته الحجة الرسالية.\rثم إن بعض الناس اعتمد على ما ينقل من عدم تكفير أهل القبلة فتوسع في ذلك توسعًا غير مرضي، فصار يؤول كل ما يقع من الشركيات","footnotes":"= وانظر ما نقله صاحب مصباح الظلام عن شيخ الإسلام ص: ١٩٧.\r(¬١) انظر مؤلفات الشيخ القسم الثالث المشتمل على السيرة والفتاوى القسم الخاص بالفتاوى ص: ٣٧، قال في رسالته إلى الشريف من الفتاوى ص: ١١: \"وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم .... \".\rونقله في روضة الأفكار لابن غنام: \"المختصر: ٢/ ٢٧٣\" والدرر السنية: ١/ ٥٢، وصيانة الإنسان: ٤١٦، والهدية السنية: ٣٤ - ٣٥، وكشف الشبهتين: ٧٦، ومصباح الظلام: ٤٣، ٣٢٥.\rوقد بقي مما يتعلق بهذه المسألة هل الشرط في قيام الحجة مجرد بلوغها أو فهمها ثم العناد بعد الفهم .. يراجع في هذا رسالة أبا بطين في هذا الموضوع المطبوعة ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٤/ ٥١٠ - ٥٢٣، والرسائل الشخصية: ٢٢٠، وقسم الفتاوى: ١٢ - ١٣، وروضة الأفكار لابن غنام: \"المختصر: ٢/ ٢٧٦\" ورسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ المطبوعة تحت عنوان حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة وكشف الشبهتين للشيخ سليمان بن سحمان: ٩١ - ٩٦.\rوانظر في هذا المصدر الأخير حكم المعرض عن الحق: ٨٧، وطبقات المكلفين لابن القيم ص: ٩٨ - ١٠٣، ومفتاح دار السعادة: ١/ ٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048897,"book_id":1098,"shamela_page_id":545,"part":"2","page_num":566,"sequence_num":545,"body":"حتى ولو قامت على أصحابها الحجة، ويعترض بهذا على من يدعو إلى التوحيد وإخلاص نوعي الدعاء لله تعالى ويحذر من الشرك ومن دعاء الأموات والاستغاثة بهم.\rوستأتي مناقشة هذه الشبهة (¬١) في الباب الرابع إن شاء الله تعالى. هذا وما تقدم من اشتراط بلوغ الدعوة وإقامة الحجة هو المذهب الراجح وهناك مذهب آخر له أدلة قوية، وهو أنه لا يشترط ذلك وقد ذهب إليه من المتقدمين الحافظ ابن منده فقد بوّب في كتابه التوحيد بعنوان \"ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله ﷿ ووحدانيته كالمعاند\" ثم أورد قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وقول علي بن أبي طالب ﵁ لما سئل عن الأخسرين أعمالًا: كفرة أهل الكتاب وأن منهم أهل حروراء وذكر أدلة أخرى (¬٢).\rوعلى هذه الأدلة مؤاخذات فإن الآيات وردت في الكافر الأصلي ونحن في المسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وقد قال علي ﵁ في أهل حروراء: من الكفر فروا (¬٣).","footnotes":"(¬١) سيأتي ص: ٨٥٣، ٨٩٦.\r(¬٢) كتاب التوحيد لابن منده: ١/ ٣١٤، وقد ذهب الشيخ أبا بطين إلى نحو كلام ابن منده كما في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٤/.\r(¬٣) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة برقم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048898,"book_id":1098,"shamela_page_id":546,"part":"2","page_num":567,"sequence_num":546,"body":"الفصل الثالث\rفي الأدعية المبتدعة وما ورد في التحذير من الابتداع في الدعاء وغيره من العبادات، وآثارها الضارة، وأسباب انتشارها، وأنواعها\rويشتمل على مبحثين:\rالمبحث الأول: فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين عمومًا وفي الدعاء خصوصًا.\rالمبحث الثاني: في أنواع الأدعية المبتدعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048899,"book_id":1098,"shamela_page_id":547,"part":"2","page_num":569,"sequence_num":547,"body":"المبحث الأول\rفيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين عمومًا وفي الدعاء خصوصًا من الكتاب والسنة، وآثار السلف، وأقوال العلماء، وآثار الأدعية المبتدعة الضارة وأسباب انتشارها.\rويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب.\r\rتمهيد:\rإن الدعاء من أجلّ العبادات وأعلاها، والعبادات مبناها على التوقيف من الشارع الحكيم لا على الهوى والابتداع، فإن الإسلام مبني على أصلين أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ولا نعبده بالأهواء والبدع (¬١).\rفأي عبادة لم يتوافر فيها هذان الأصلان لا تقبل بل هي مردودة على صاحبها.\rفلذا ينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها معصومة كما يتحرى في سائر عباداته الصورة المشروعة فإن هذا هو الصراط المستقيم (¬٢).\rثم إن الأدعية المشروعة كثيرة جدًا ووافية للغرض على أكمل الحالات فلا حاجة لابتداع أدعية أخرى.\rوقد وردت أدعية صحيحة تشمل جميع أحوال الإنسان من صحة وسقم ونعمة ومصيبة وفرح وسرور كما أنها تعم أغلب أوقات الإنسان من","footnotes":"(¬١) انظر ص: ٦٠٥ الهامش.\r(¬٢) الرد على البكري: ٧٢، ٧٣، وقاعدة في التوسل ص: ١٤٦، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048900,"book_id":1098,"shamela_page_id":548,"part":"2","page_num":570,"sequence_num":548,"body":"ليل ونهار وصباح ومساء، وقد حفظت تلك الأدعية في دواوين السنة العامة وفي كتب خاصة بالأدعية والأذكار فالسعادة كل السعادة لمن التزم الأدعية المشروعة الصحيحة وحافظ عليها واجتنب الأدعية المبتدعة.\rولا يشك من له اعتناء بالكتاب والسنة أن \"الاقتصار على الدعوات الصحيحة المشروعة أولى من الدعوات المجموعات\" (¬١) والأوراد والأحزاب الصوفية هذا في الدعوات المجموعة الخالية عن الشركيات والاعتداء، وأما التي فيها هذه الأمور فهي من باب أولى، ونحن - إن شاء الله تعالى - نبحث عن الأدعية المبتدعة لأسباب عدة منها:\r١ - أن البدعة هي الباب الموصل إلى الشرك.\r٢ - أن كثيرًا من الأدعية المبتدعة مشتملة على اعتداء في الدعاء وشرك وتوسل بدعي.\r٣ - أن كثيرًا من الناس اعتقدوا أفضليتها على الأوراد والأدعية الواردة فصرفوا أنفس الأوقات فيها وهجروا الأدعية الثابتة وفي هذا بلاء عظيم.\r٤ - أن تلك الأدعية مع بدعيتها قارنتها بدع أخرى من الاجتماع لقراءتها ورفع الصوت بها والتمايل عند قراءتها حتى يغمى على بعضهم، فوجب نصحهم وبيان الحق في ذلك.\r\rالمطلب الأول: في التحذير من الابتداع في الدين:\rقد وردت عدة آيات في التحذير من الابتداع في الدين، فمن تلك الآيات:\rقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].","footnotes":"(¬١) قواعد الأحكام: ٢/ ١٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048901,"book_id":1098,"shamela_page_id":549,"part":"2","page_num":571,"sequence_num":549,"body":"وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. قال قتادة: لا تبتدعوا (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\rوقوله عز من قائل: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].\rوقد قرن الله ﷾ البدعة بالشرك في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فالإثم والبغي قرينان والشرك والبدعة قرينان. وذلك لأن كلًا منهما يلزم منه التنقيص، فالشرك يلزم منه تنقيص الله تعالى والبدعة يلزم منها تنقيص الرسول ﷺ حيث زعم المبتدع أنها خير من السنة وأولى بالصواب أو أنها هي السنة مع أن الرسول ﷺ لم يشرعها (¬٢).\rوقد وردت أيضًا أحاديث كثيرة تكفلت كتب السنّة المطهرة بإيرادها في أبواب خاصة فبعض تلك الأبواب يسمى كتاب (¬٣) الاعتصام، وبعضها كتاب السنة (¬٤) أو اتباع السنة.\rوكثير من علماء الحديث أفردوا مؤلفات خاصة في الحث على الالتزام بالسنّة والحض عليها والتحذير من البدع وتسمى بكتب السنّة في","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور: ٢/ ٢٤٨.\r(¬٢) إغاثة اللهفان: ١/ ٥٠ - ٥١.\r(¬٣) انظر صحيح البخاري مع الفتح: ١٣/ ٢٤٥ - ٣٤٤.\r(¬٤) انظر سنن أبي داود: ٥/ ٤ - ١٣٢، وابن ماجه المقدمة والدارمي: ١/ ٤٣ - ٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048902,"book_id":1098,"shamela_page_id":550,"part":"2","page_num":572,"sequence_num":550,"body":"اصطلاح المتقدمين وهي كثيرة (¬١).\rومن تلك الأحاديث الكثيرة التي اشتملت عليها هذه الكتب:\rحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" وفي رواية: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (¬٢).\rوهذا الحديث أحد الأحاديث التي تدور عليها أصول الإسلام كما قاله أحمد وغيره (¬٣).\rوكان يقول رسول الله ﷺ في خطبة يوم الجمعة مكررًا تحذيره من الابتداع: \"أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة\" (¬٤) فلم يستثن رسول الله ﷺ أي بدعة بل أطلق وعمم.\rوقال ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) ذكر الكتاني منها نحو ١٦ كتابًا، انظر الرسالة المستطرفة: ٣٧ - ٣٩.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٥/ ٣٠١ رقم ٢٦٩٧، ومسلم: ٣/ ١٣٤٣ رقم ١٧١٨.\r(¬٣) الرد على البكري ص: ٧٥، والاعتصام: ١/ ٦٨.\r(¬٤) أخرجه مسلم: ٢/ ٥٩٢ رقم ٨٦٧، والدارمي: ١/ ٦١ رقم ٢١٢، والمروزي في السنة: ٢٢، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٦ رقم ٢٤، وابن وضاح ص: ٢٣، كلهم من حديث جابر به مرفوعًا.\r(¬٥) أخرجه أبو داود: ٥/ ١٤ رقم ٤٦٠٧، والترمذي: ٥/ ٤٤ رقم ٢٦٧٦، وابن ماجه: ١/ رقم ٤٢، والدارمي: ١/ ٤٤ - ٤٥ رقم ٩٦، والمروزي ص: ٢١ - ٢٢، وابن أبي عاصم في السنة: ١/ ١٧ - ٢٠ و ٢٩، وابن حبان (موارد رقم ١٠٢ ص ٥٦)، وابن وضاح: ٢٣، ٢٩، والآجري في الشريعة: ٤٦ - ٤٧، والحاكم: ١/ ٩٥ - ٩٦، وقال صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي وصححه أيضًا ابن حبان والترمذي والألباني في ظلال الجنة: ١/ ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048903,"book_id":1098,"shamela_page_id":551,"part":"2","page_num":573,"sequence_num":551,"body":"كما وردت آثار كثيرة في التحذير من البدعة، من ذلك:\rما قاله ابن مسعود ﵁: \"إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها … \" (¬١).\rوقال أيضًا: \"القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة\" (¬٢) ونحوه عن أبي بن كعب (¬٣) وأبي الدرداء (¬٤).\rوقال ابن مسعود أيضًا: \"كيف أنتم إذا لبستم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنّة إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة، قالوا: متى ذلك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم، وكثرت قراؤكم، وقلّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلّت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين\" (¬٥).\rوهذا الأثر له حكم الرفع لأنه إخبار عن أمور مغيبة تقع في المستقبل، وهذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فهو مرفوع إلى الرسول ﷺ.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري موقوفًا: ١٣/ ٢٤٩ رقم ٧٢٧٧، والدارمي: ١/ ٦١ رقم ٢١٣، والمروزي في السنة: ٢٣، وابن وضاح: ٢٤، وأصحاب السنن مرفوعًا كما في الفتح: ١٣/ ٢٥٣.\r(¬٢) أخرجه الدارمي: ١/ ٦٣ رقم ٢٢٣، والمروزي في السنة: ٢٥، والبيهقي: ٣/ ١٩، وأحمد في الزهد ص: ١٥٩، والحاكم: ١/ ١٠٣، وصححه ووافقه الذهبي وصححه أيضًا الألباني في صلاة التراويح: ٦.\r(¬٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد: ٢/ ٢١، وأبو نعيم في الحلية: ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣، واللالكائي في السنة: ١/ ٥٤، وأحمد في الزهد ص: ١٩٧، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٤/ ٦ رقم ١٧٣٧٥.\r(¬٤) أخرجه المروزي في السنة: ٢٧ - ٢٨، واللالكائي في السنة: ١/ ٨٨.\r(¬٥) الدارمي: ١/ ٥٨، وابن وضاح: ٣٤، والحاكم: ٤/ ٥١٤، واللالكائي في السنة: ١/ ٩١ رقم ١٢٣.\rوقال الألباني: رواه الدارمي بإسنادين أحدهما صحيح والثاني حسن. اهـ. صلاة التراويح: ٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048904,"book_id":1098,"shamela_page_id":552,"part":"2","page_num":574,"sequence_num":552,"body":"وقد وقع هذا الذي أخبر به المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فقد كان بعض الناس يغضب إذا أعرض من يحاول التمسك بالسنة - عن نحو التوسل المبتدع أو ترك الدعاء عقب الصلوات بالصورة الجماعية - ويتهمه بالخروج عن أهل السنة والجماعة وإنشاء مذهب خامس.\rوقال ابن مسعود ﵁: \"اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة\" (¬١).\rوقال حسان بن عطية أحد التابعين:\rما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة\" (¬٢).\rوقد ورد ما يؤيد هذا الأثر مرفوعًا من حديث غضيف بن الحارث في قصة رفع الأبدي على المنبر يوم الجمعة: \"ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنة، خيرٌ من إحداث بدعة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه الدارمي: ١/ ٦١، والمروزي: ٢٣، وابن وضاح ص: ١٠، واللالكائي: ١/ ٨٦، وأحمد في الزهد ص: ١٦٢، ووكيع في الزهد: ٢/ ٥٩٠ رقم ٣١٥، وأبو خيثمة في العلم ص: ١٢٢ رقم ٥٤. وقال الهيثمي في المجمع: ١/ ١٨١ بعد أن عزاه إلى الطبراني في الكبير: رجاله رجال الصحيح وقال الألباني: هذا إسناده صحيح ثم بين رواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود تحمل على السماع لقوله: \"إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد\". انظر تعليق الألباني على كتاب العلم لأبي خيثمة ص: ١٢٢.\r(¬٢) الدارمي: ١/ ٤٤، وابن وضاح: ٣٧، واللالكائي: ١/ ٩٣.\r(¬٣) رواه أحمد: ٤/ ١٠٥، والمروزي في السنة: ص ٢٧، والبزار كما في كشف الأستار: ١/ ٨٢، واللالكائي: ١/ ٩١. وقد جود الحافظ سنده في الفتح: ١٣/ ٢٥٣ مع أن فيه أبا بكر بن أبي مريم وقد قال فيه الحافظ نفسه ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط (التقريب رقم ٧٩٧٤) وقال الهيثمي في الأثر وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو منكر الحديث (المجمع: ١/ ١٨٨) ولكن له شواهد تقويه منها ما رواه ابن وضاح مرفوعًا لا يحدث رجل في الإسلام بدعة إلا ترك من السنة ما هو خير منها. انظر البدع والحوادث ص: ٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048905,"book_id":1098,"shamela_page_id":553,"part":"2","page_num":575,"sequence_num":553,"body":"قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة فما ظنك بما لا أصل له فيها فكيف بما يشتمل على ما يخالفها؟ \" (¬١).\rفمما يصدق هذا الأثر ما نحن فيه فإنه لما ابتدعت الأدعية المحدثة ترك الناس الأدعية المأثورة الواردة في الكتاب والسنّة، فلا تجد من يلازمها ويطبقها حسب ورودها إلا القليل من المتمسكين المعتصمين بالآثار وما أقلهم!\rوذكر شيخ الإسلام ﵀ أن من يكتم الحق يقيم موضعه باطلًا ثم قال: وهكذا أهل البدع، لا نجد أحدًا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة ولا نجد صاحب بدعة إلا ترك شيئًا من السنة كما جاء في الحديث: \"ما ابتدع قوم بدعة إلا وتركوا من السنة مثلها\" رواه الإمام أحمد، وقد قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤] فلما تركوا حظًا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء\" (¬٢).\r\rالمطلب الثاني: في الأدلة الدالة على منع الابتداع في الأدعية الراتبة:\rوهناك أدلة كثيرة تدل على أن باب الدعاء توقيفي لا ينبغي الخروج عما رسمه الشارع في الجملة وذلك في الأدعية الراتبة التي تتكرر ويلازمها المكلف، أو في التي تختص بوقت معين أو صفة معينة.\rوأما مطلق الأدعية التي تحصل من المكلف بدون تحرّ وتلازم فهي ليست توقيفية، ولكن الأفضل فيها الالتزام بالمأثور إلا إنّ عرضت له حاجة فينص عليها مثل أن يمرض له شخص عزيز عليه أو يخاف أحدًا (¬٣) فهذا ليس مما نحن فيه، لأن المقصود هنا الأدعية التي يلازمها العبد","footnotes":"(¬١) الفتح: ٣/ ٢٥٥.\r(¬٢) الإيمان لابن تيمية ص: ١٥٣.\r(¬٣) انظر المنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٣، ٥٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048906,"book_id":1098,"shamela_page_id":554,"part":"2","page_num":576,"sequence_num":554,"body":"ويجعلها راتبة مكررة، ففي هذه الحالة لا يجوز الابتداع فيها.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع وليس لأحد أن يسنَّ منها غير المسنون، ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله سنة\" (¬١).\rالأحاديث الواردة في ذلك:\r١ - ما ورد في حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال النبي ﷺ: \"إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: \"اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به\" قال: فردّدتها على النبي ﷺ، فلما بلغت: \"اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت\" قلت: ورسولك، قال: \"لا، ونبيك الذي أرسلت\" (¬٢).\rفقد منع النبي ﷺ استبدال كلمة بأخرى مع صحة المعنى واستقامة التركيب والأسلوب، فكيف يكون الأمر في اختراع أوراد وأحزاب طويلة على عدد الأيام والشهور؟ لا شك أن هذا أولى بالمنع.\rقال الحافظ ابن حجر: \"وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﷺ على من قال: الرسول بدل النبي، أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به … فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فتعين أداؤها بحروفها\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) ملحق المصنفات: ٤٦ وهو ملخص من كتب ابن تيمية.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ١/ ٣٥٧ رقم ٢٤٧ و ١١/ ١٠٩، ومسلم: ٤/ ٢٠٨١ رقم ٢٧١٠.\r(¬٣) الفتح: ١١/ ١١٢ وانظر نحوه في: ١/ ٣٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048907,"book_id":1098,"shamela_page_id":555,"part":"2","page_num":577,"sequence_num":555,"body":"وقد ذكر النووي أيضًا هذا التعليل لمنع استبدال كلمة الرسول بالنبي فاستحسنه (¬١).\r٢ - ما ورد في عدة أحاديث تتعلق بالأدعية والأذكار من أن النبي ﷺ كان يعلمهم تلك الأدعية كما يعلمهم القرآن. فهذا التشبيه بتعليم القرآن يدل على أنها تحفظ وتنقل نقلًا حرفيًا كما في القرآن ولا تغير.\rفمن تلك الأحاديث: حديث الاستخارة:\rفقد ورد فيه: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن\" (¬٢).\rفقد قيل في وجه هذا التشبيه أن ذلك في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه (¬٣).\rوحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات\" (¬٤).\rقال الباجي شارح الموطأ: \"قوله: كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة دليل على تأكده وما ندب إليه من تحفظ ألفاظه\" (¬٥).\r٣ - ما ورد من الأحاديث في بعض الأدعية من تقييد الأجر والثواب على لفظ معين مثل من قال كذا فله كذا. فمن لم يأت بذلك اللفظ لا","footnotes":"(¬١) شرح النووي لمسلم: ١٧/ ٣٣.\r(¬٢) البخاري: ٣/ ٤٨ رقم ١١٦٢، والترمذي: ٢/ ٣٤٥ رقم ٤٨٠، وأبو داود: ٢/ ١٨٨ رقم ١٥٣٨.\r(¬٣) الفتح: ١١/ ١٨٤.\r(¬٤) أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٢١٥ رقم ٣٣ ومن طريقه مسلم في صحيحه: ١/ ٤١٣ رقم ٥٩٠.\r(¬٥) المنتقى: ١/ ٣٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048908,"book_id":1098,"shamela_page_id":556,"part":"2","page_num":578,"sequence_num":556,"body":"يشمله ظاهر الحديث. فلو لم يكن هناك سر وحكمة في تلك الألفاظ المعينة لما قيد ترتب الثواب والأجر عليها ترتبَ الجزاء على الشرط.\rقال بعض العلماء: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له الثواب المخصوص لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد.\rوعلل ذلك بعضهم بأن من شأن العظماء إذا حدوا شيئًا أن يوقف عنده ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب، ومثّل ذلك بعضهم بالدواء إذا زيد على وصف الطبيب لا يحصل الانتفاع به بل ربما يضر (¬١).\r٤ - ما ورد عن بعض الصحابة أنهم طلبوا من النبي ﷺ دعاء يدعون به، فلو كان الدعاء لا يحتاج إلى توقيف وتعليم وبيان لدعوا به من عند أنفسهم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، وقد عرفوا ما يدعى به من خيري الدنيا والآخرة، ولكن لمعرفتهم أن الدعاء عبادة وأنه يحتاج إلى توقيف من النبي ﷺ طلبوا تعليمه.\rومما ورد في ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ: \"علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\" (¬٢).\rفقد طلب الصديق الأكبر ﵁ تعليم الدعاء فأرشده ﷺ إلى هذا الدعاء.\rقال الحافظ ﵀: \"وفي هذا الحديث من الفوائد استحباب","footnotes":"(¬١) الفتح: ٢/ ٣٣٠.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٢/ ٣١٧ رقم ٨٣٤، ومسلم: ٤/ ٢٠٧٨ رقم ٢٧٠٥.\r٥٧٨","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048909,"book_id":1098,"shamela_page_id":557,"part":"2","page_num":579,"sequence_num":557,"body":"طلب التعليم من العالم خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم\" (¬١).\rوقد ورد من الصديق حديث آخر طلب فيه تعليمه ما يقوله في الصباح والمساء وهو ما ورد في صحيفة عبد الله بن عمرو ﵄: \"إن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علّمني ما أقول إذا أصبحت، وإذا أمسيت، فقال يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان الرجيم وشركه وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم\" (¬٢).\rالآثار الواردة في ذلك:\rوقد حذر السلف الصالح من الابتداع في الدعاء عندما ظهر ما يمكن عده بداية انحراف عن الدعاء المشروع وذلك في أواخر عهد الصحابة.\rومن ذلك ما قاله ابن عباس ﵄ فيما أوصى به مولاه عكرمة، فإنه قال لعكرمة: \"حَدِّثِ الناسَ كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات .. إلى أن قال: \"فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلّا ذلك الاجتنابَ\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) الفتح: ٢/ ٣٢٠.\r(¬٢) جزء ابن عرفة ص: ٩١ رقم ٨٥ والأحاديث العوالي من جزء ابن عرفة ص: ٢٣ رقم ٤، والترمذي: ٥/ ٥٤٢ رقم ٣٥٢٩، والبخاري في الأدب: ٢/ ٦١٣ رقم ١٢٠٤، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٩٢٤ رقم ٢٨٩ وقد حسنه الحافظ في نتائج الأفكار وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي: ٥/ ٤٦٧، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٩٢٣ رقم ٢٢٨، وأحمد في المسند: ١/ ٩، ١٠، وابن منده في التوحيد: ٢/ ١٦٠، وصححه الحافظ أيضًا في نتائج الأفكار: ل ١٦٩/ أ.\r(¬٣) أخرجه البخاري. انظر البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣٨ رقم ٦٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048910,"book_id":1098,"shamela_page_id":558,"part":"2","page_num":580,"sequence_num":558,"body":"فهذا يدل على أن ابن عباس ﵄ ما كان ينهى عكرمة إلا عن أمر كان يوجد عند الناس ولو بصورة نادرة.\rولكن يحتمل أن يقال: إن هذا ليس نهيًا عن الأمر الواقع، ولكنه فَهْمٌ فهمه ابن عباس من تتبع أدعية النبي ﷺ وصحابته فلم يجد فيها السجع المتكلف فخاف أن يقوله عكرمة فنهاه، أو أنه فهم من نحو قوله ﷺ: \"سيأتي أقوام يعتدون في الدعاء\" (¬١) أن السجع في الدعاء سيقع فنهاه عنه.\rولكن هناك نص آخر عن ابن عباس ﵄ أصرح من هذا النص في المطلوب وهو ما ذكره أبو سليمان الخطابي ﵀ عندما ذكر غلط كثير من الناس في مثل قولهم: يا رب طه ويس ويا رب القرآن العظيم، قال: \"وأول من أنكر ذلك ابن عباس ﵀\" (¬٢) فهذا الأثر إن ثبت دليل على بداية الانحراف في الأدعية وابتداع كلمات غير واردة في الكتاب والسنة في أواخر القرن الأول لأن ابن عباس توفي في الثلث الأخير من القرن الأول عام ٦٨ هـ.\rويؤيد وقوع ذلك ما روي عن عروة بن الزبير أحد فقهاء السبعة وكبار التابعين أنه كان إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي ﷺ وعن أصحابه قال: كذبوا لم يكن رسول الله ﷺ ولا أصحابه سجاعين (¬٣).\rويدل أثر ابن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ على أن","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ١٧٤.\r(¬٢) شأن الدعاء للخطابي ص: ١٧ ثم رأيت شيخ الإسلام ذكر أن ابن أبي حاتم أخرج هذا الأثر بإسناده في كتاب الرد على الجهمية فساق إسناده. انظر منهاج السنة: ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣، وأخرجه الجوزقاني في الأباطيل: ٢/ ٢٨٧، واللالكائي: ٢/ ٢٣٠ رقم ٣٧٦، والبيهقي في الأسماء ص: ٣١٢، والمقدسي في اختصاص القرآن رقم ١٢، وابن بطة في الإبانة: ق ٢/ ٤٨٣ كلهم من طريق علي بن عاصم وهو صدوق يخطئ كما في التقريب: ٤٧٥٨.\r(¬٣) الحوادث والبدع للطرطوشي ص: ١٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048911,"book_id":1098,"shamela_page_id":559,"part":"2","page_num":581,"sequence_num":559,"body":"الابتداع في باب الذكر والدعاء قد حصل في عهد مبكر إذ وفاة ابن مسعود سنة ٣٢ من الهجرة.\rوهذا الأثر هو ما روي أن ابن مسعود وأبا موسى أنكرا على قوم يجلسون حلقًا في المسجد ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقول: \"كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، فوقف عليهم ابن مسعود فقال لهم: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون … \" (¬١).\rفقد أنكر هذان الصحابيان الجليلان الاجتماع للذكر على هذه الصورة المعينة كما أنكرا عد الذكر بالحصى.\rوقد علمنا في التعريف العلاقة بين الذكر والدعاء فهما متلازمان أو مترادفان، فهذه البدعة التي أنكراها من البدع الإضافية لأن أصل الذكر مشروع وإنما السبب في كونه بدعة ما قارنه من الكيفية التي لم تكن في زمان النبي ﷺ، وأكثر الأدعية المبتدعة التي سنذكرها من هذا الباب فهي من البدع الإضافية.\rهذا وقد وردت قصة أخرى أسبق من هذه في زمن عمر ﵁ إذ روي أنه كتب إليه عامل له أن ههنا قومًا يجتمعون فيدعون","footnotes":"(¬١) أخرجه الدارمي: ١/ ٦٠ رقم ٢١٠، وابن وضاح ص: ١١ - ١٣ - ٢١، ونحوه عن ابن مسعود أيضًا أخرجه ابن وضاح ص: ١٢.\rقال الألباني في إسناد الدارمي: \"وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري في صحيحه غير عمارة وهو ثقة\" (التعقب الحثيث ص: ٤٧) وقال في سند ابن وضاح سنده إلى الصلت صحيح وهو ثقة من أتباع التابعين إلا أنه منقطع، راجع الضعيفة: ١/ ١١٢، والتعقب: ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048912,"book_id":1098,"shamela_page_id":560,"part":"2","page_num":582,"sequence_num":560,"body":"للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر: أقبل وأقبل بهم معك، فأقبل وقال عمر للبواب: أعد لي سوطًا فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط (¬١).\rفهذه الحادثة تدل على حدوث البدعة الإضافية في الدعاء في وقت مبكر جدًا وعلى أن عمر ﵁ ينكر أشد الإنكار الابتداع في كيفية الدعاء لأن أصل الدعاء للأمير والمسلمين مشروع كما سيأتي (¬٢).\rوقد حذر بعد هؤلاء الصحابة أيضًا كثيرون من السلف ومن بعدهم، وإليك كلام بعض هؤلاء.\rفمن علماء السلف الذين حكوا عن السلف تركهم للدعاء المبتدع الإمام إبراهيم النخعي فإنه قال حاكيًا عن الصحابة وكبار التابعين: \"كانوا يجلسون ويتذاكرون العلم والخير، ثم يتفرقون لا يستغفر بعضهم لبعض، ولا يقول: يا فلان ادع لي\" (¬٣).\rوممن حذر من الابتداع في الأدعية الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة فقد شدد في الابتداع في الدعاء، فإنه قال في قوم يجتمعون لقراءة القرآن: \"لا بأس أن يجتمعوا ويكره الدعاء بعد فراغهم\" (¬٤) وهذا غاية ما يكون في إنكار الابتداع في الدعاء، لأن أصل الدعاء الجماعي أحيانًا مشروع كما سيأتي (¬٥).\rكما أن مالكًا رحمه الله تعالى سئل عن الذي يقول في دعائه: يا سيدي فكرهه وقال: \"أحب إلي أن يدعو بما في القرآن، وبما دعت به","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٨/ ٥٥٨ رقم ٦٢٤٢.\r(¬٢) سيأتي ص: ٦٧٠.\r(¬٣) أخرجه ابن أبي خيثمة في كتاب العلم ص: ١٤٦ رقم ١٥٩ وصحح إسناده الألباني.\r(¬٤) الحوادث والبدع ص: ٦٣.\r(¬٥) سيأتي ص: ٦٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048913,"book_id":1098,"shamela_page_id":561,"part":"2","page_num":583,"sequence_num":561,"body":"الأنبياء يا رب وكره الدعاء بيا حنّان\" (¬١).\rفرحم الله مالكًا ما أشد تمسكه بالسنة وتحذيره من البدع!! فهو ﵀ يكره الدعاء بغير الألفاظ التي ثبتت في الكتاب والسنة والتي دعا بها الأنبياء.\rوروي عنه أيضًا كراهته للدعاء عند ختم القرآن. فقد سئل عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ قال: \"ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس\" (¬٢) هذا شأن الإمام مالك في هذه الأمور التي تعد من البدع الإضافية، فكيف لو رأى دعاء غير الله تعالى ونداء من في القبور لقضاء الحاجات والاستغاثة بهم لنيل الطلبات؟ وقد نقل عن مالك أنه ينكر دعاء الإمام في رمضان ويقول: \"ولا أرى أن يعمل به\" (¬٣).\rفإذا كان ينكر مثل الدعاء الذي ليس فيه أي محذور سوى تعيين الكيفية فكيف بما هو أعظم من ذلك بكثير؟\rكما وردت عنه أشياء (¬٤) أخرى أنكرها وعدها بدعًا مما يتعلق بكيفية الدعاء.","footnotes":"(¬١) العتبية مع البيان والتحصيل: ١/ ٤٥٦، ١٧/ ٤٢٣، والفتاوى: ١/ ٢٢٤، ٢٠٧ و ١٠/ ٢٨٥.\rوقد نقل نحو كلام مالك هذا عن ابن عيينة كما في جامع العلوم لابن رجب ص: ١٠٠، وعن بعض أصحاب أبي حنيفة وهو ابن أبي عمران وغيره كما في قاعدة التوسل: ١/ ٢٠٧.\r(¬٢) المدخل لابن الحاج: ٢/ ٢٩٩، والحوادث والبدع: ٦٢ - ٦٨، وفتاوى الشاطبي: ٢٠٦ - ٢٠٨، وستأتي الإشارة إلى هذا ص: ٦٧٠.\r(¬٣) الحوادث والبدع للطرطوشي ص: ٦٠، ٦٢.\r(¬٤) من ذلك ما ذكره الطرطوشي في الحوادث ص: ٦٣ من إنكاره التقليص وهو رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين. وانظر أيضًا العتبية مع البيان: ١٨/ ١٣ إلا أنه جعله من رواية مالك عن أبي سلمة ومن ذلك ما ذكره أيضًا الطرطوشي ص: ٦٤ من إنكاره القيام للدعاء عند دخول المسجد والخروج منه وكذلك ما ذكره في ص: ٦٤ نفسها من إنكاره الدعاء خلف الصلاة قائمًا وقال ليس بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله. ومن ذلك إنكاره لمسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء كما في العتبية: ١٨/ ٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048914,"book_id":1098,"shamela_page_id":562,"part":"2","page_num":584,"sequence_num":562,"body":"ومنهم الإمام أحمد:\rفقد سئل عن الصلاة خلف من يقنت؟ فقال: \"وقد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت وخلف من لا يقنت، فإذا زاد في القنوت حرفًا أو دعا بمثل إنا نستعينك أو عذابك الجد أو نحفد، فإن كنت في الصلاة فاقطعها\" (¬١).\rوكان الإمام أحمد ﵀ يمنع من الدعاء بحوائج الدنيا في الصلاة إلا بالمأثور (¬٢).\rيشير الإمام أحمد ﵀ بقوله بمثل إنا نستعينك .. إلخ إلى القنوت الوارد عن عمر بن الخطاب أنه قنت به. وقد صح إسناده إلى عمر ﵁ (¬٣).\rفإذا كان الإمام أحمد يمنع من ذلك مع كونه مرويًا عن عمر بن الخطاب لكن كأنه لم يثبت لديه أو رأى أنه لا ينبغي الزيادة على قنوت النبي ﷺ.\rفإذا كان هذا حال أحمد مع الدعاء المأثور فكيف يقول في الأدعية المخترعة المبتدعة التي امتلأت بها كتب الفقهاء المتأخرين فضلًا عن الصوفية والقبوريين الذين يجيزون دعاء غير الله تعالى؟\rهذا وقد تقدم منع علماء السلف من مثل قول الداعي أعوذ بالكعبة والصفا والعرش والكرسي، فقد صرح بعدم جواز نحو هذا كل من نعيم بن حماد والبخاري وابن خزيمة والخلال وابن بطة وغيرهم (¬٤).","footnotes":"(¬١) رسالة الصلاة لابن القيم ص: ١٧١.\r(¬٢) انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: ١/ ٢٢.\r(¬٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣١٤ - ٣١٥، ٤٢، والبيهقي: ٢/ ٢١٠، وصَحَّح الإسناد الألباني في الإرواء: ٢/ ١٧٠، وروي أيضًا هذا القنوت عن علي أيضًا كما في ابن أبي شيبة: ٢/ ٣١٤.\r(¬٤) انظر نصوص كلامهم في ص: ٤٢٦ - ٤٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048915,"book_id":1098,"shamela_page_id":563,"part":"2","page_num":585,"sequence_num":563,"body":"ومنهم الإمام أبو القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ):\rفإنه عندما بدأ ظهور الأدعية المبتدعة في شكل مؤلفات قام إلى جمع الأدعية المأثورة الصحيحة فكان ذلك سببًا لتأليف كتاب مستقل نافع في الأدعية المأثورة وآدابها وقد بيّن في خطبة كتابه أن هذا هو الباعث له على التأليف فقال: \"هذا كتاب ألفته جامعًا لأدعية رسول الله ﷺ، حداني على ذلك أني رأيت كثيرًا من الناس قد تمسكوا بأدعية سجع، وأدعية وضعت على عدد الأيام، مما ألفها الوراقون لا تروى عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من التابعين بإحسان مع ما روي عن رسول الله ﷺ من الكراهية للسجع في الدعاء والتعدي فيه\" (¬١).\rومنهم أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):\rفإنه جاء بعد الطبراني فاشتكى أيضًا من انتشار الأدعية المبتدعة بين العوام فقال: \"وقد أولع كثير من العامة بأدعية منكرة اخترعوها، وأسماء سموها، ما أنزل الله بها من سلطان.\rوقد يوجد في أيديهم دستور من الأسماء والأدعية يسمونه (ألف اسم) صنعها لهم بعض المتكلفين من أهل الجهل، والجرأة على الله ﷿ أكثرها زور وافتراء على الله ﷿ فليتجنبها الداعي إلا ما وافق منها الصواب … \" (¬٢).\rثم ضرب الخطابي بعض الأمثلة لما وقع على ألسنة العامة وكثير من","footnotes":"(¬١) الدعاء للطبراني: ٢/ ٧٨٥، وقد حصل لعالم آخر مثل الذي ذكره الطبراني عن نفسه في سبب تأليفه وذلك العالم هو الشيخ محمد بن محمد الصالحي المنيحي (ت ٧٨٥ هـ) فقد ألف كتابًا في الطاعون وما ينبغي العمل عند وقوعه وذكر أن سبب تأليفه ما رآه من الأدعية المبتدعة التي يدعو بها الناس عندما وقع الطاعون سنة (٧٦٤ هـ). انظر مخطوطة كتابه في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية رقم ٤٤٧٢ أفلام.\r(¬٢) شأن الدعاء ص: ١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048916,"book_id":1098,"shamela_page_id":564,"part":"2","page_num":586,"sequence_num":564,"body":"القصاص من الألفاظ المستهجنة المهجورة والتي لا تليق بمخاطبة الله تعالى ومناجاته (¬١).\rومنهم عبيد الله بن محمد بن بطة (ت ٣٨٧ هـ):\rفقد قال: \"ومن البدع النظر في كتب العزائم (¬٢) والعمل بها\" (¬٣).\rوالمراد بها الكتب التي ألفت في الأدعية التي يراد بها الرقية غير الشرعية وتقدم قول ابن بطة: \"هل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض\" (¬٤).\rومنهم محمد بن الوليد الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ):\rفإنه تعجب من الإعراض عن الدعوات المأثورة واختيار ألفاظ الشعراء والكتاب بدلًا عنها فقال في هذا المعنى: \"ومن العجب العجاب أن تعرض عن الدعوات التي ذكرها الله في كتابه عن الأنبياء والأصفياء مقرونة بالإجابة ثم تنتقي ألفاظ الشعراء والكتّاب كأنك قد دعوت في زعمك بجميع دعواتهم ثم استعنت بدعوات من سواهم\" (¬٥).\rومنهم أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ):\rفإنه ذكر الإلحاد في أسماء الله تعالى وأنه يكون بالزيادة فيها كما يكون بالنقصان منها ثم قال: \"كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية","footnotes":"(¬١) المصدر نفسه: ١٧ - ١٨.\r(¬٢) العزائم: الرقى، وعزم الراقي كأنه أقسم على الداء. اهـ. اللسان مادة عزم: ٥/ ٢٩٣٢.\r(¬٣) الشرح والإبانة لابن بطة ص: ٣٣٧.\r(¬٤) الإبانة: ق ٢/ ٤٨٠ - ٤٨١ وتقدم نقل كلامه كاملًا في ص: ٤٢٧ - ٤٢٨.\r(¬٥) الفتوحات الربانية: ١/ ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048917,"book_id":1098,"shamela_page_id":565,"part":"2","page_num":587,"sequence_num":565,"body":"يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به، فحَذَارِ منها، ولا يَدْعُوَنَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة وهي كتاب البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي فهذه الكتب هي بَدْءُ الإسلام، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذروا سواها ولا يقولن أحد: أختار دعاء كذا فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله\" (¬١).\rوهذا ابن العربي المالكي قد تشدد في هذا حتى منع الدعاء بما في خارج الكتب الخمسة، وما ذلك إلا لما رأى من الأدعية المبتدعة المنتشرة في وقته، فماذا يقول لو رأى الأدعية المنتشرة اليوم والتي تشتمل على الاستمداد بالأموات؟؟\rومنهم القاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ):\rفإنه ذكر فوائد الدعاء ثم ذكر الأدعية المنسوبة إلى الأنبياء محذرًا منها فقال: \"أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النّبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ، وقد احتال الشيطان للنّاس من هذا المقام، فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح\" (¬٢).\rوهذه الأدعية المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين التي أشار إليها القاضي عياض توجد إلى اليوم عند الروافض في كتبهم المؤلفة في الأدعية","footnotes":"(¬١) أحكام القرآن لابن العربي: ٢/ ٨١٦.\r(¬٢) الفتوحات الربانية: ١/ ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048918,"book_id":1098,"shamela_page_id":566,"part":"2","page_num":588,"sequence_num":566,"body":"المعتبرة لديهم، وما أكثر أدعيتهم المبتدعة بل الشركية.\rومنهم الإمام المحدث اللغوي الحسن بن محمد الصغاني (ت ٦٥٠ هـ):\rفإنه أشار إلى الأحاديث الموضوعة في فضيلة رجب وغيره من الشهور والليالي وذكر أن الصحيح ما ورد في الكتب الستة وغيرها من كتب أهل الحديث، ثم قال:\r\"وهذا من جنس اعتناء بعض الأغبياء الجهال والعوام الضلال دعوتهم بدعاء \"تمخيتا، وتمشيشا، وشمخيتا\" ودعوتهم في الشدائد بأسماء أصحاب الكهف وبدعاء يمسح \"وفي خ شمعخ\" وغيره من الدعوات المجهولات بزعمهم أن هذا من الأسماء العظام، والأدعية المستجابة عند العلام، أو أنه من التوراة والإنجيل، ولسنا ملتزمين في شريعتنا بتلك الدعوات في الصباح والمساء، ولم يقل به أحد من العلماء والصلحاء بل وضعه أغبياء الأدباء، وسفهاء القصاص لتغرير العوام وجمع الحطام، والشيطان في أكثر الأحيان يُظْهر لتلك الأسماء تأثيراتٍ ومنافعَ لأجل تغرير الجهال وافتتانهم، وربما يكون التلفظ بتلك الألفاظ كفرًا لأنا لا نعرف معناها بالعربية، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وهو يقول: آهيا، شراها، آدونا لراهيا وشا (أصباؤت) فكن متفطنًا لهذه الدقيقة فقد ضل بها خلق كثير، وقانا الله تعالى البدع والأهواء والفتنة المدلهمة الظلماء كالليلة السوداء. وكذلك الاعتناء بألف اسم واسم واحد، يدعو بعض العوام بها ولم يرد فيها خبر ولا أثر عن السلف الصالحين، وأئمة الهدى بل بعضها كفر، إذ أسماء الله تعالى توقيفية لا يجوز لنا أن ندعو إلا بما ورد في الكتاب والسنة فنقول: يا كريم ولا نقول يا سخي\" (¬١).","footnotes":"(¬١) موضوعات الصغاني: ٦١ - ٦٣، وتحذير المسلمين: ١٧١ - ١٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048919,"book_id":1098,"shamela_page_id":567,"part":"2","page_num":589,"sequence_num":567,"body":"وقد تعقب الصغانيَّ عبدُ العزيز الغماري في كلامه هذا، وذكر أنه ورد الدعاء بأسماء أهل الكهف موقوفًا عن ابن عباس بسند ضعيف (¬١).\rوهذا التعقب لا قيمة له، لأن الغماري ممن يُجيز التوسل البِدْعي، فمن هنا ينكر على الصغاني لمخالفته له، وأما محاولته للتقوية فليس بشيء فكأنه يشير إلى ما ذكره السيوطي في الدر المنثور (¬٢) عن ابن عباس أسماءهم ثم ذكر بلاغًا أن أسماءهم تسكن الحريق ومثل هذه البلاغات لا تنفع في تقوية الأدعية الموضوعة التي يظهر وضعها جليًا، إلا عند من طمس الله بصيرته، واعتاد الأدعية المبتدعة وألفها فكان يدافع عنها دفاع المستميت والله المستعان.\rومنهم القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري (ت ٦٧١ هـ):\rفقد قال: \"فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء، ويدع ما سواه، ولا يقول: أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون\" (¬٣).\rوقال أيضًا عند تعداده لأوجه الاعتداء في الدعاء: \"ومنها: أن يدعو بما ليس في الكتاب العزيز ولا في السنّة فيتخير ألفاظًا مفقّرة، وكلمات مسجعة، وقد وجدها في كراريس لهؤلاء لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسوله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء\" (¬٤).\rوالقرطبي في هذا الكلام يشير إلى الأحزاب المجموعة التي يلتزم بها أصحابها، وأما لو دعا في بعض الأحيان بما يستحضره من حوائجه","footnotes":"(¬١) التهاني في التعقب على موضوعات الصغاني للغماري؛ ٦٧.\r(¬٢) الدر المنثور: ٤/ ٢١٧.\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن: ٤/ ٢٣١.\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048920,"book_id":1098,"shamela_page_id":568,"part":"2","page_num":590,"sequence_num":568,"body":"التي يحتاج إليها من أمور الدنيا والآخرة من دون تقيد بالمأثور فلا حرج فيه، وإنما الممنوع جعلها شعاره وديدنه كأنها السنة.\rومنهم الإمام أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت ٦٨٤ هـ).\rفإنه ذكر الأدعية المكفرة والمحرمة التي لا تخرج عن الإسلام ثم قال: \"واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذرًا\" ثم بيّن أن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه ليتعلموا ويعملوا وأن من ترك ذلك فهو عاص وأن الجاهل في العبادات كالعامد.\rثم استدل على ذلك بقول نوح ﵇: \"إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم\" أي بجواز سؤاله: \"فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهذا يدل على أن الأصل في الدعاء التحريم إلا ما دل الدليل على جوازه\" ثم قال: وهذه قاعدة جليلة يتخرج عليها كثير من الفروع الفقهية\".\rثم قال محذرًا من الأدعية الباطلة:\r\"فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرًا شديدًا لما تؤدي إليه من سخط الديان، والخلود في النيران، وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة، واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية، ولا يرجع إلى الإسلام، ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين، فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرنا نسأل الله العافية من موجبات عقابه\" (¬١).\rفقد بيّن القرافي ﵀ مخاطر الأدعية المبتدعة وأنها تؤدي إلى فساد عظيم في الدين وأنها ربما تخرج عن الإسلام والعياذ بالله.\rومنهم الإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)\rفإنه قال: \"وينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنّة فإنه لا ريب في فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم صراط الذين","footnotes":"(¬١) الفروق: ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048921,"book_id":1098,"shamela_page_id":569,"part":"2","page_num":591,"sequence_num":569,"body":"أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا\" (¬١).\rونكتفي بهذا القدر من أقوال أهل العلم في التحذير من الأدعية المبتدعة.\rمناقشة الحنفية في قولهم بأفضلية غير المأثور خارج الصلاة:\rوهذه الأحاديث والآثار الماضية تدل على أفضلية الالتزام بالأدعية المأثورة وأن الابتداع فيها مذموم جدًا، وهذه الدلالة واضحة جدًا لكن بعض علماء الحنفية ذهبوا إلى أن غير المأثور أفضل، وعللوا ذلك بأن حفظ الأدعية وتكرارها يذهب برقة القلب، ولكنهم قالوا لا يجوز في الصلاة الدعاء إلا بما ورد في القرآن أو السنة، وأما إذا دعا بغير ذلك فتفسد صلاته (¬٢).\rوهذا القول الذي ذهب إليه الحنفية في الصلاة ترده الأحاديث الكثيرة الدالة على جواز الدعاء في الصلاة بما يتخيره الداعي كما في حديث ابن مسعود في التشهد المشهور، وفيه: \"ثم ليتخير من الدعاء ما شاء\" (¬٣) وقوله ﷺ: \"وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء\" (¬٤) ولم يقيد الدعاء بشيء (¬٥).","footnotes":"(¬١) قاعدة التوسل ص: ١٤٦، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٤٦.\r(¬٢) الأصل للشيباني: ١/ ٢٠٢، والفتاوى الهندية: ٥/ ٢١٨، وحاشية ابن عابدين: ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤، والبزازية: ٤/ ٤١، وفتح القدير: ١/ ٢٢٥، والمنتقي للباجي: ١/ ٣٦١، والفتاوى: ٢٠/ ٣٦٦، والمبسوط: ٤/ ٩ وفي بعض هذه المصادر زيادة وهي أنه يجوز طلب ما يستحيل طلبه من غير الله ومثلوا له بنحو اغفر لعمي أو ارزقني الحج وأصلح أمري والعن الظالمين بخلاف نحو اكسني ثوبًا أو اقضِ ديوني فهذه تبطل الصلاة. ثم إن عدم الدعاء بغير المأثور في الصلاة روي عن الإمام أحمد أيضًا كما في شرح المهذب: ٢/ ٤١٦، والمغني: ١/ ٥٤٧ - ٥٥٠.\r(¬٣) البخاري: ٢/ ٣٢١٣٢ رقم ٨٣٥.\r(¬٤) تقدم تخريجه ص: ٢٢٠.\r(¬٥) انظر شرح المهذب: ٣/ ٤١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048922,"book_id":1098,"shamela_page_id":570,"part":"2","page_num":592,"sequence_num":570,"body":"وأما قولهم: إن الأفضل في غير الصلاة الدعاء بغير المأثور فقول مرجوح وتعليلهم بأنه يذهب الرقة يعترض عليه بأمور منها:\r١ - إن الفاتحة وغيرها مثل التشهد ونحوه تتكرر كل يوم فعلى هذا نترك هذه الأذكار ونأتي بغيرها، ولا يقول بهذا مسلم.\r٢ - ثم إن بعض الأدعية المأثورة ورد تقييدها بأوقات معينة تتكرر كل وقت كأدعية النوم واليقظة والصباح والمساء فهل نتركها ونأتي بأدعية جديدة؟\r٣ - إن المفاسد التي في الدعاء غير المأثور أرجح من هذه المفسدة الواحدة المحتملة التي في المأثور فمراعاة دفع المفاسد المحققة أولى من مراعاة مفسدة واحدة محتملة، وسنذكر بعض تلك المفاسد المحققة التي في الدعاء غير المأثور.\r٤ - إن ما في الدعاء المأثور من الأسرار والحكم يذهب بهذه المفسدة المحتملة ويجعلها لا قيمة لها.\r٥ - ثم إن الغالب في الدعاء حضور القلب وتوجهه كما تقدم (¬١) فلا ترد هذه المفسدة من الأصل.\r\rالمطلب الثالث: في آثار الأدعية المبتدعة ونتائجها السيئة:\rإن الأدعية المبتدعة لها آثارها السيئة على عقيدة المسلم وأعماله التعبدية، وتلك الآثار الخطيرة كثيرة نوجزها فيما يأتي إن شاء الله تعالى.\r١ - إن الأدعية المبتدعة لا تفي بالغرض المطلوب من العبادات من تزكية النفوس، وتطهيرها من الرعونات، وتقريبها إلى باريها وتعليقها بربها رجاء ورغبة ورهبة، فهي لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا ولا تهدي سبيلًا.\rوأما الأدعية المشروعة فهي الدواء الناجع والبلسم الشافي للأدواء النفسية والأمراض القلبية والأهواء الشيطانية، فهي تحبب إلى النفوس","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٢٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048923,"book_id":1098,"shamela_page_id":571,"part":"2","page_num":593,"sequence_num":571,"body":"الطيبة مناجاة خالقها والتملق له والتضرع إليه والتذلل له والانطراح بين يديه، فهي تجبر القلوب المنكسرة، وتشفي النفوس العليلة ولا تحيط العبارة بما يجد الداعي الملتزم بالدعاء المشروع من لذة المناجاة وحلاوة الضراعة بين يدي الرؤوف الودود ذي العرش الكريم، إذ في ألفاظ الأدعية المشروعة ما يأخذ بالألباب ويجذبها إلى باريها ويوصلها إلى محبة الله تعالى والتعلق به خوفًا ورجاءً، فمن يستبدلها بالأدعية المبتدعة فقد استبدل الخبيث بالطيب واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وترك النصيب الأوفى والحظ الأوفر.\r٢ - إن الأدعية المبتدعة تفوت العبد الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يحصل لمن التزم بالأدعية الواردة وحافظ عليها وطبقها حسب ورودها ليل نهار، فهذا الداعي قد حاز السبق وتعرض لنفحات الرب واستفتح أبواب الرحمة وتعرض لفضل جود الرب بأقرب وسيلة، بخلاف الداعي المبتدع فقد فوت على نفسه الأجر والثواب، وتعرض لسخط الله وغضبه وابتدع في دين الله ما لم يشرعه فهو على خطر.\r٣ - عدم إجابة الأدعية المبتدعة مع أن الهدف الأساسي للداعي في الغالب هو إجابة مطلوبه ونيل مرغوبه ودفع مرهوبه، والأدعية المبتدعة لا يجاب الداعي بها في الغالب وإن كان قد يجاب المضطر لأسباب سيأتي ذكرها (¬١).\rفالعاقل يجتهد في الالتزام والتقيد بالأسباب التي تسرع في إجابة دعائه كما يجتهد في الابتعاد عما يسبب له عدم الإجابة، وقد دلت الأدلة على أن المبتدع لا يقبل الله منه عمله (¬٢)، والدعاء هو من العمل الذي","footnotes":"(¬١) سيأتي ص: ٨١٤.\r(¬٢) من ذلك حديث: كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد، ومن ذلك أيضًا حديث علي مرفوعًا: \"من أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله … \" وفيه: \"لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا\" البخاري: ٤/ ٨١ رقم ١٨٦٧ وحديث الخوارج تحقرون صلاتهم إلخ .. ومن ذلك أيضًا أثر الحسن البصري \"صاحب البدعة لا تقبل له صلاة … \" إلخ. أخرجه ابن وضاح: ٢٧، والآجري في الشريعة: ٩٤، ونحوه عن الأوزاعي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048924,"book_id":1098,"shamela_page_id":572,"part":"2","page_num":594,"sequence_num":572,"body":"يرجو الداعي قبوله، فإذا كان لا يقبل منه هذا الدعاء الذي ابتدع فيه فلماذا يسعى هذا الداعي المبتدع فيما يحبط عمله ويمنعه من الوصول إلى إجابة مطلوبه؟ كما أنه يحتمل أن لا يقبل له جميع أعماله، فعلى هذا يكون أثر الابتداع أشد حيث تسبب له في رد جميع الأعمال (¬١).\r٤ - إن الأدعية المبتدعة تشتمل في الغالب على محذور شرعي وقد يكون ذلك المحذور وسيلة من وسائل الشرك وذرائعه، إذ البدعة تجر إلى الشرك والضلال، فمن الأدعية البدعية التي تجر إلى الشرك، التوسل البدعي فهو الذي فتح الباب لدعاء غير الله والاستغاثة والاستمداد بغير الله إذ لولا اعتماد الجهال عليه لما حصل ما حصل، وقد يكون ذلك المحذور اعتداء في الدعاء ومجاوزة للحد وسوء أدب في خطاب الرب ومناجاته، وقد يكون ذلك المحذور ما يصحب تلك الأدعية من بدع أخرى من تحديدها بأوقات معينة وبصفات خاصة ومن رفع الأصوات على نغمات معينة وإيقاعات خاصة وأسجاع مصطنعة وتراكيب ركيكة تمجها الأسماع وتستقبحها القريحة السليمة.\rوالأدعية المبتدعة لا تخلو في الغالب من الاشتمال على بعض هذه الأمور فهي لا بد أن توقع في المحاذير والمفاسد التي لا ينجو منها إلّا من التزم بالأدعية الصحيحة واعتنى بها حفظًا وتطبيقًا ونشرًا، جعلنا الله تعالى منهم بفضله وكرمه.\rقال الخطابي ﵀: \"أولى ما يدعى به ويستعمل منه ما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ، وثبت عنه بالأسانيد الصحيحة، فإن الغلط يعرض كثيرًا في الأدعية التي يختارها الناس، لاختلاف معارفهم وتباين مذاهبهم في الاعتقاد والانتحال، وباب الدعاء مطية مظنة للخطر، وما","footnotes":"= وهشام بن حسان وأيوب السختياني أخرجها عنهم ابن وضاح في ص: ٤ و ٢٧، ورواه أسد بن الفرات مرسلًا كما أخرجه ابن وضاح ص: ٧.\r(¬١) انظر هذا الموضوع في الاعتصام: ١/ ١٠٧ - ١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048925,"book_id":1098,"shamela_page_id":573,"part":"2","page_num":595,"sequence_num":573,"body":"تحت قدم الداعي دحض فليحذر فيه الزلل وليسلك منه الجدد الذي يؤمن معه العثار، وما التوفيق إلا بالله ﷿\" (¬١).\rفرحم الله الخطابي فماذا يقول لو رأى ما وصل إليه المسلمون في باب الدعاء من تجاوزات خطيرة وصلت إلى حد دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به حتى صار ذلك أمرًا معروفًا إذا أنكر قامت القيامة واتهم المنكر بأنواع التهم من الشذوذ والتطرف والمذهب الخامس وبغض الصالحين وتنقصهم وغير ذلك؟!\rوقال الغزالي: \"والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كل أحد يحسن الدعاء\" (¬٢).\r٥ - إن الأدعية المبتدعة من التزم بها واعتادها قلما يرجع عنها إلى الأدعية المشروعة إلَّا في بعض الأحيان التي يوفق الله فيها من يشاء وذلك لأن القلوب متى اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن (¬٣)، وذلك لأن الملتزم بتلك الأدعية المبتدعة يعتقدها مشروعة ويدافع عنها بكل قواه كل من ينكر عليه، ولا يستمع إلى حجة ولا برهان، ولا يفكر في حجة المنكر ولا يجري في خلده احتمال كونها غير مشروعة جريًا على عادته ومألوفه وتحسينًا للظن بالذين ابتدعوها.\rوقد ذكر السلف الصالح رضوان الله عليهم أن صاحب البدعة لا يراجع السنة الصحيحة ولا يعود إليها (¬٤) ويؤيد ما ورد عن السلف ما جاء في حديث الخوارج.\r\"يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء للخطابي: ٢ - ٣.\r(¬٢) الإحياء: ١/ ٣٦٣، وعنه في الأذكار: ٣٥٣.\r(¬٣) اقتضاء الصراط: ٣٨٣.\r(¬٤) فقد ذكر ذلك الدارمي عن ابن سيرين: ١/ ٦١ رقم ٢١٤، وذكره ابن وضاح عن أبي عمرو الشيباني ص: ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048926,"book_id":1098,"shamela_page_id":574,"part":"2","page_num":596,"sequence_num":574,"body":"فيه\" (¬١)، ثم إذا كان هذا الداعي هو المبتدع لها بداية يكون عليه الإثم الزائد بحسب من يتبعه.\rقال الإمام الشاطبي ﵀: \"وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع فلا تزاد على طول الزمان إلا مضيًا واشتهارًا وانتشارًا فعلى وزان ذلك يكون إثم المبتدع لها، كما أن من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة\" (¬٢).\r٦ - إن استعمال الأدعية البدعية وترك الأدعية المشروعة من باب استبدال الطيب بالخبيث والنافع بالضار والخير بالشر وهو غبن فاحش، وتهور ظاهر وفي ذلك إماتة للسنن وإحياء للبدع، وهذا تحريف للشريعة الغراء، ولكن مع الأسف الشديد هذا هو واقع المسلمين المرير، فقد تغيرت عندهم المفاهيم الإسلامية \"فجعلوا التوحيد شركًا، والشرك توحيدًا، وجاهدوا في إحياء البدع وإماتة السنن، وضاربوا بالأحزاب والأوراد والتوسلات الكتاب والسنّة، فترى الأميين منهم يحفظون الاستغاثات والمنظومات والميمة والمنبهجة وكثيرًا مما يسمونه التخمير ومع ذلك إذا قاموا إلى الصلاة وقرأوا قصار السور حرفوا وقرأوا بلغتهم العامية\" (¬٣).\rوهؤلاء الذين أماتوا السنن وأحيوا البدع عليهم إثم آخر غير إثم الابتداع وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها لأنها كلما تجدد العمل بالبدعة تجددت إماتة السنة (¬٤).\rونضرب مثالين ظاهرين استبدلوا فيهما بالدعاء المشروع دعاء مبتدعًا:","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم بهذا اللفظ من حديث أبي ذر ﵁: ٢/ ٧٥٠ رقم ١٠٦٧.\r(¬٢) الاعتصام: ١/ ١٢٢.\r(¬٣) السنن والمبتدعات: ١٩١.\r(¬٤) الاعتصام: ١/ ١٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048927,"book_id":1098,"shamela_page_id":575,"part":"2","page_num":597,"sequence_num":575,"body":"أ - استبدلوا دعاء الاستخارة المشروع وصلاتها بأشياء مبتدعة، منها ما هو شرك:\r١ - وذلك كالذهاب إلى الكهنة والرمالين والسحرة.\r٢ - ومنهم من استبدلها بالاستخارة بالسبحة والهمهمة عليها وعدها عددًا معينًا قائلين: \"الله، محمد، علي، أبو جهل\" (¬١).\r٣ - والبعض ممن يصليها زاد في كيفية الدعاء المشروع وهو أنه ينوي قبل النوم بعد الدعاء نية حادثة، وهي قولهم: \"اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي فأرني في منامي بياضًا أو خضرة أو ماءً جاريًا، وإن كان شرًا فأرني في منامي سوادًا أو دخانًا أو حمرة\" (¬٢).\r٣ - ومنهم من يفتح مصحفًا أينما اتفق ويقرأ أي آية يقع النظر عليها أو سطرًا معينًا (¬٣).\rب - استبدالهم صلاة الاستسقاء ودعاءه والخروج لها إلى ظاهر البلد بالذهاب إلى قبة الشيخ ودعائه، أو الدعاء هناك، قال النعمي ﵀: \"فإن العامة في كثير من حالاتهم وتقلبهم قد أبدلوا معالم الشرع بسواها … فجعلوا الذهاب إلى قبة الشيخ والتضرع له والإلحاح عليه عوضًا عن الخروج إلى ظاهر البلد للاستسقاء، والإنابة إلى الله في كشف تلك النازلة\" (¬٤).\r٧ - ومما يؤكد هذا الذي سبق هو أنه كان للعرب قبل الإسلام أدعية وتحايا كثيرة تحمل تفاؤلات جمة وتمنيات عامة، وأصلها الدعاء بالخير والحب ثم جاء الإسلام فأبدل تلك التحايا بأنواع الأدعية المقرونة باسم الله تعالى (¬٥) والتي فيها طلب البركة والخير العميم، فمن ترك تلك","footnotes":"(¬١) السنن والمبتدعات.\r(¬٢) الإسلام وتقاليد الجاهلية: ٦٢.\r(¬٣) انظر شرح الفقه الأكبر للقاري: ٢٢١.\r(¬٤) معارج الألباب: ١٧٠، وذكر الألوسي نحوه في غاية الأماني: ١/ ٨٦.\r(¬٥) الإسلام وتقاليد الجاهلية: ١٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048928,"book_id":1098,"shamela_page_id":576,"part":"2","page_num":598,"sequence_num":576,"body":"الأدعية النبوية المباركة واستبدلها بأدعية مخترعة فقد تشبه بأولئك الجاهلين، كما أنه تشبه بأهل الكتاب في اختراعهم للأدعية المخالفة لما جاءت به رسلهم، فما أشبه أوراد الصوفية وأحزابهم بتراتيل أهل الكتاب لأدعيتهم في النغمات والإيقاعات والتمايلات وغير ذلك (¬١).\r٨ - إن الذي يلازم الأدعية المبتدعة المخترعة لاسيما التي هي مؤلفة من أحزاب وأوراد يكون في الغالب جاهلًا لمعناها وتنصرف همته إلى ألفاظها وإلى سردها سردًا بدون تدبر مع أن المطلوب في الدعاء إحضار القلب والإخلاص في السؤال، وهذا الداعي بمثل هذه الأدعية غير سائل بل هو حاك لكلام غيره ثم إن اختياره ذلك الدعاء على غيره من الأدعية لأجل الذي نظمه وإعجابه به (¬٢) ففي ذلك تقديس لهذا الذي جمعها ورفع له فوق منزلته من حيث يعتقد الداعي أن لأدعيته خاصية لا توجد في غيرها، وإلا لما داوم عليها ليل نهار بل يصرح أتباع الطرق الصوفية بأن ورد شيخهم وحزبه أفضل من حزب وورد الشيخ الفلاني، بل منهم من يفضله على القرآن مرات كما وقع للتيجانيين وسيأتي نقل ذلك عنهم (¬٣).\r\rالمطلب الرابع: في أسباب انتشار الأدعية المبتدعة:\rتمهيد:\rلقد تكلمت فيما سبق (¬٤) عن الأسباب التي أدت إلى انتشار الأدعية الشركية وفي هذا المطلب أشير إلى نبذة يسيرة عن الأسباب التي تؤدي إلى الابتداع في الدين عمومًا معتنيًا ببيان الأسباب المباشرة لانتشار الأدعية المبتدعة خصوصًا، ومما ينبغي أن يعلم أن الأسباب التي ذكرت لانتشار","footnotes":"(¬١) انظر المنار: ٢/ ٧٣.\r(¬٢) انظر إتحاف السادة المتقين: ٥/ ٤٤، والمنهاج للحليمي: ١/ ٥٢٨.\r(¬٣) يأتي ص: ٦٥٨، ٦٦٣.\r(¬٤) سبق ص: ٤٣٨ - ٤٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048929,"book_id":1098,"shamela_page_id":577,"part":"2","page_num":599,"sequence_num":577,"body":"الأدعية الشركية هي أيضًا أسباب لانتشار الأدعية البدعية، وإنما لم أكتف بذلك لأنه قد نص بعض العلماء على ذلك في موضوع البدعة فاحتاج الأمر إلى بيان ذلك، ثم هناك بعض الجوانب التي تخص موضوع البدعة.\rأسباب انتشار الأدعية المبتدعة:\r١ - الجهل بالكتاب والسنة، فقد ضعف لدى بعض المسلمين الاعتصام بالكتاب والسنّة والتمسك الصحيح بالعمل بما فيهما من غير زيادة ولا نقصان فلم يعتنوا العناية اللائقة بالتطبيق الصحيح للعبادات فأدى ذلك إلى جهل المشروع، فكثرت البدع والحوادث، فمن ذلك جَهْلُ كثيرٍ من المسلمين الأدعية الصحيحة ومكانتها العظيمة من الثواب العظيم والأجر الجزيل، مع وجازتها مع الفصاحة والبلاغة واشتمالها على أهم ما يطلب من خيري الدنيا والآخرة، ومع خلوها من التراكيب الفاسدة والاعتداء في الدعاء بل هي في غاية الأدب في خطاب الله تعالى ومناجاته والتضرع إليه والابتهال لديه لقد أدى جهل هذا إلى عدم الاعتناء بها حفظًا واستعمالًا ونشرًا وتعليمًا فتساهل الناس فيها شيئًا فشيئًا حتى جهلوها، فانتشرت في أوساطهم الأدعية المبتدعة المخترعة التي يروج لها أصحابها من المتصوفة ومن على شاكلتهم فانتشرت الأحزاب والأوراد المقيدة بعدد الأيام والأسابيع والشهور وانتشر التوسل المبتدع وغير ذلك من أنواع الأدعية المبتدعة.\r٢ - الثاني: الإعراض عن الأدعية المشروعة التي هي كثيرة جدًا ووافية لحاجات ومتطلبات الرجل المسلم لأنها عامة لأوقاته ليل نهار وللعوارض التي تعرض له من مرض وفرح وسرور وهم وغم ولجميع المناسبات التي تحصل للإنسان، ولكن الشيطان يحبب إلى القلوب الأدعية المبتدعة فتعرض عن المشروعة.\rفقد ذكر شيخ الإسلام أن سبب اشتغال قلوب بعض الناس بأنواع من العبادات المبتدعة من الأدعية وغيرها إعراضهم عن المشروع أو بعضه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048930,"book_id":1098,"shamela_page_id":578,"part":"2","page_num":600,"sequence_num":578,"body":"بقلوبهم حتى ولو قاموا بصورة المشروع مع هجر الحقيقة المقصودة منه \"وإلَّا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عارفًا بما اشتملت عليه من الكلم الطيب والعمل الصالح واهتم بها كل الاهتمام أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها\" … ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته كالأسحار وأدبار الصلوات والسجود ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع في ذاته أو في بعض صفاته، فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنّة في كل شيء من ذلك ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن يتوقى الشر يوقه (¬١).\r٣ - الأحاديث الضعيفة والموضوعة والحكايات والمنامات:\rفقد يرد حديث ضعيف أو موضوع، أو تروى حكاية أو رؤية في دعاء مخصوص فيخفى ضعف تلك الأحاديث والحكايات على بعض أهل العلم ويظنها صحيحة فيعمل بها ويتقرب إلى الله تعالى بها ثم يقلده أتباعه في ذلك فتصير سنة متبعة (¬٢) فإذا أنكر ذلك أحد احتج بذلك العالم وبما احتج به من الأحاديث الضعيفة وأنها لو لم تكن صحيحة لما عمل بها ومن هذا الباب انتشار الأدعية التي فيها التوسل المبتدع لاعتماد من أجازه على مثل هذه الحجة الضعيفة.\rفمن أسباب انتشار التوسل المبتدع: اعتمادهم على الأدلة الضعيفة كما أنهم أعرضوا وانحرفوا عن الأصول الواضحة (¬٣) التي تدل على منع الدعاء بغير أسماء الله وصفاته.\rومن هذا الباب ما يضعه بعضهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل للدعاء المبتدع فيغتر به الجاهل ويحسن الظن بذلك الأجر العظيم، ولا","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط ص: ٣٨٤، وانظر إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٦، وانظر نحوه في الفتاوى: ١٩/ ٢٧٤.\r(¬٢) الأجوبة النافعة للألباني: ٦٣، وانظر الاعتصام: ١/ ٢٦٠ - ٢٦٤.\r(¬٣) انظر الاعتصام: ١/ ٢٣٩، و ٢٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048931,"book_id":1098,"shamela_page_id":579,"part":"2","page_num":601,"sequence_num":579,"body":"يخفى ما يتسبب من تحبيذ الصوفية لأدعية وأحزاب مشايخهم وأورادهم وما اخترعوه لها من الفضائل والخصائص، حتى صارت عند العوام بل بعض الفقهاء هي المقدمة على الأدعية الصحيحة بل على القرآن لدى البعض كما وقع لدى التيجانيين مع صلاة الفاتح وجوهرة الكمال وسيأتي ذلك (¬١). وهؤلاء الذين يضعون الأحاديث والحكايات للأدعية المبتدعة على أصناف: فمنهم الملاحدة الباطنية الذين يريدون أن يشغلوا المسلمين عن أدعية الكتاب والسنة بأدعية مبتدعة مخترعة يشغلونهم بها، فمقصودهم إفساد الدين الإسلامي بإدخال البدع فيه (¬٢).\rومنهم من يبتدع طلباً للمال والاسترزاق أو طلباً للشهرة فقد ورد في الأثر ما يؤيد هذا وهو ما روي عن معاذ بن جبل ﵁ أنه ستأتي فتن سيكثر فيها انتشار القرآن فيقرأه المؤمن والمنافق، فيقول الرجل من هؤلاء القراء: \"ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره\" فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ (¬٣).\rوهذا الأثر -وإن روي موقوفاً على معاذ- لكن له حكم الرفع لأنَّه من الإخبار بالغيب مما ليس للرأي فيه مجال، ومثله ما روي عن شاب كان في بني إسرائيل فابتدع طلباً للمال والشرف (¬٤) ومنهم من يضع تلك الأدعية ظناً أنها تقوي الدين وتحببه إلى العامة قال بعضهم: \"وإن كثيراً من البدع في العقائد والأحكام قد دخلت على المسلمين بتساهل رؤساء","footnotes":"(¬١) يأتي ص: ٦٥٨، ٦٦٣.\r(¬٢) انظر الاعتصام: ١٨/ ٢٥٢ - ٢٥٨، والسنن والمبتدعات: ٢٢٥، والتحفة السنية: ٥٢.\r(¬٣) أخرجه أبو داود: ٥/ ١٧ رقم ٤٦١١، وابن وضاح ص: ٢٥، ٢٦، والآجري في الشريعة: ٤٧ - ٤٨، واللالكائي: ١/ ٨٩ ورجاله ثقات.\r(¬٤) انظر ابن وضاح ص: ٢٨، رواه عن الحسن البصري وخالد الريفي من قولهما، ومثل هذا يستأنس به.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048932,"book_id":1098,"shamela_page_id":580,"part":"2","page_num":602,"sequence_num":580,"body":"الدين وتوهمهم أنها تقوي أصل العقيدة، وتخضع العامة لسلطان الدين أو لسلطانهم المستند إلى الله\" (¬١).\r٤ - صعوبة الكتب التي ألفت في الأدعية الصحيحة على العوام إما لأنها طويلة مسوقة بأساليب عالية عن فهم غير المتخصص، أو لأنها اختلط فيها الصحيح بالضعيف فلا يستطيع الإنسان العادي التمييز بينهما، كما أن بعضها مقتصر على بعض أنواع الأدعية ولا يفي المتعطش بكل رغباته (¬٢) فيقتصر العامي على كتب الأدعية المبتدعة المنتشرة والتي هي سهلة عليه ومرتبة على وجه جذاب يأخذ بألباب العوام وأوقاتهم فيميلون إليها فتنتشر بينهم حتى تكون هي الغالبة دون الأدعية المشروعة.\r٥ - تحريف الأدلة الواردة في الأدعية الصحيحة عن مواضعها، وذلك بأن يَرِدَ دليل صحيح من الكتاب والسنة بالندب إلى دعاء مَّا مطلقاً فإذا أتى به المكلف في الجملة من غير تقييد كان إتيانه على السنة ويعضده الدليل وأما إن أتى المكلف في ذلك بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو مقارناً لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلاً أن الكيفية أو الزمان أو المكان مقصود شرعاً من غير أن يدل الدليل عليه كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه، فعلى هذا إذا ندب الشارع إلى الذكر والدعاء مطلقاً ولكن المبتدع قيده بأوقات مخصوصة على صفة مخصوصة وذلك كالدعاء الجماعي بعد الصلوات المفروضة يكون ذلك ابتداعاً فهو حصل بسبب تحريف الدعاء الوارد الصحيح عن مناطه إلى مناط آخر موهماً أن المناطين واحد (¬٣).\r٦ - تأثر بعض المسلمين بأهل الكتاب الذين حرفوا دينهم وأحدثوا في دينهم البدع، ومن تلك البدع التي أحدثوها في دينهم قراءتهم","footnotes":"(¬١) تفسير المنار: ٢/ ٧٣.\r(¬٢) الأوراد المأثورة ص: ٥.\r(¬٣) الاعتصام: ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048933,"book_id":1098,"shamela_page_id":581,"part":"2","page_num":603,"sequence_num":581,"body":"وتراتيلهم لكتبهم ولأدعيتهم بأصوات ونغمات تشبه أصوات المتصوفة الذين يجتمعون لقراءة الأدعية والأحزاب والأوراد المبتدعة، فبين الطائفتين شبه قوي، وتَأثُّرُ إحداهما بالأخرى ظاهرٌ، قال بعضهم واصفاً لما رآه في إحدى الكنائس: \"ولقد دخلت كنيسة \"بيت لحم\" فسمعت هناك أصواتاً خيّل إليّ أنها أصوات طائفة من أهل الطريق يقرؤون حزب البر مثلاً، ثم علمت أنهم قسيسون، فهذه البدع قد سرت إلينا منهم كما سرت إليهم من الوثنيين استحساناً منهم ما استحسنوه من أولئك توهماً أنه يفيد الدين أبهة وفخامة ويزيد الناس به استمساكاً\" (¬١).\rهذه بعض الأسباب التي أدت إلى انتشار الأدعية المبتدعة على الصورة التي نراها ونكتفي بهذا القدر في ذلك، وندخل في ذكر أنواع الأدعية المبتدعة.","footnotes":"(¬١) المنار: ٢/ ٧٣، وانظر أيضاً: ١٠/ ٣٢٨ حيث ذكر الشيخ رشيد رضا أنه لم يجد سبباً لعناية العوام بالأحزاب المبتدعة إلا الغلو في تعظيم الرؤساء ومضاهاة أهل الكتاب حيث أنه لا فرق بين أوراد الصوفية وأوراد وأحزاب النصارى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048934,"book_id":1098,"shamela_page_id":582,"part":"2","page_num":604,"sequence_num":582,"body":"المبحث الثاني\rفي أنواع الأدعية المبتدعة\rويحتوي على أربعة أنواع:\r١ - النوع الأول: الدعاء عند الأضرحة والقباب.\r٢ - النوع الثاني: التوسل بالذوات.\r٣ - النوع الثالث: الأدعية والأوراد الراتبة.\r٤ - النوع الرابع: الأدعية الجماعية.\r\rالنوع الأول: الدعاء عند الأضرحة والقباب:\rالنوع الأول من الأدعية المبتدعة: دعاء الله تعالى عند الأضرحة والقباب.\rومن المعلوم أن الدعاء من أهم العبادات شرعه الله تعالى لعباده ووعد بالإجابة عليه تفضلاً وتكرماً.\rوقد شرع الله له آداباً، منها الأمكنة الفاضلة والأزمنة الفاضلة جعلها أقرب في الإجابة من غيرها، كما رغب في الدعاء مطلقاً بدون تقييد بزمان أو مكان.\rولكن الشيطان زيّن لبعض الناس أن يستبدلوا هذا المشروع الطيب بالمبتدع الخبيث، إذ استبدلوا الدعاء في المساجد والأسحار والسجود،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048935,"book_id":1098,"shamela_page_id":583,"part":"2","page_num":605,"sequence_num":583,"body":"بالدعاء عند الأضرحة والقباب والشبابيك، وظنوا أن الدعاء عند الأضرحة أَجْوَبُ منه في المساجد والبيوت، بل تجاوزوا ذلك إلى دعاء صاحب الضريح وندائه والاستغاثة به، واستبدلوا الزيارة الشرعية التي للدعاء للميت والاستغفار له بالزيارة البدعية التي للدعاء عنده أو الإقسام به أو التوسل به، بل ربما لدعائه وطلب الحوائج منه، فاقتضى هذا الصنيع منهم يبين أن يبين الحكم الشرعي في ذلك والأدلة الدالة على منعه وبالله التوفيق.\rهذا ونلخص البحث في هذا في أمرين:\r١ - الأدلة على كون الدعاء عند الأضرحة بدعة.\r٢ - حكم الدعاء عند الأضرحة.\r\rالأدلة على كون الدعاء عند الأضرحة بدعة:\r١ - إن الدعاء عبادة عظيمة من أهم العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف؛ لأن دين الإسلام مبني على أصلين عظيمين (¬١):\r١ - أحدهما: أن لا نعبد إلا الله، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.\r٢ - وثانيهما: أن لا نعبد الله إلا بما شرع لا بالحوادث والبدع، وهو معنى شهادة أن محمد رسول الله.\rفالعبادة لا تصح ولا تقبل إلا بشرطين أساسيين: الإخلاص لله، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ.\rفثبت بهذا أن مبنى العبادة على التوقيف، ومن أهمها الدعاء، فلو كان الدعاء عند الأضرحة يتعبد به الله تعالى لشرعه الله ورسوله ولفعله السلف الصالح، فلم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على مشروعية تحري","footnotes":"(¬١) انظر عن هذين الأصلين: منهاج السنة: ١/ ٤٨١ و ٢٥/ ٤٤٨، والرد على البكري: ٥٢، وقاعدة في التوسل: ٤١، ١٢٣ - ١٢٤، ١٥٨، والعبودية: ١٧٠، واقتضاء الصراط: ٤٥١ - ٤٥٢، والتدمرية: ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048936,"book_id":1098,"shamela_page_id":584,"part":"2","page_num":606,"sequence_num":584,"body":"الدعاء عند القبر، مع كثرة ما ورد في باب الأدعية، وكثرة مصنفات السلف فيها التي ذكروا فيها آدابها ومواقيتها وأماكنها وغير ذلك ولم نجد أحداً منهم قال بمشروعية التحري للدعاء عند القبر.\rفدل هذا على أنه لم يرد في الشرع ولم يفعله السلف الصالح فثبت أنه بدعة إذ لو كان خيراً لسبقونا إليه وهم أحرص الناس على الخير.\rوهذه المسألة بيانها يتوقف على معرفة قاعدة أصولية مهمة وهي أن \"الترك الراتب سنة، كما أن الفعل الراتب سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده ﷺ من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في مصحف، وجمع الناس في التراويح على إمام واحد، وتعلم العربية … بما يحتاج إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه ﷺ لفوات شرطه، أو وجود مانع، فأما ما تركه من جنس العبادات -مع أنه لو كان مشروعاً لفعله أو أذن فيه ولفعله الخلفاء بعده والصحابة- فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة، ويمتنع القياس في مثله\" (¬١).\rهذا ويوضح هذا الدليل السابق الدليل الآتي:\r٢ - إن الصحابة رضوان الله عليهم قد وقعوا في مصائب جسيمة ووقائع أليمة ومع هذا لم ينقل عنهم أنهم قصدوا قبر النبي ﷺ أو قبور كبار الصحابة رضوان الله عليهم، بل عملوا المشروع الوارد مثل خروجهم إلى الصحراء في الاستسقاء، وكذلك لم ينقل عن التابعين والأئمة بعدهم أنهم تحروا القبر للدعاء.","footnotes":"(¬١) القواعد النورانية: ١٠٢، وانظر اقتضاء الصراط: ٢٧٨ - ٢٨٢، وإعلام الموقعين: ٢/ ٣٧٠، وانظر هذه القاعدة أيضاً في الاعتصام للشاطبي: ١/ ٣٦٠ - ٣٦٥، فقد أوضح هذه القاعدة بذكر الأمثلة لها وشرحها شرحاً وافياً كما شرحها في كتابه الآخر: الموافقات في أصول الشريعة: ٣/ ٧١ - ٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048937,"book_id":1098,"shamela_page_id":585,"part":"2","page_num":607,"sequence_num":585,"body":"ويدل على أنهم لم يفعلوا ذلك عدم النقل عنهم إذ لو فعلوا لنقل عنهم كما نقل عملهم المشروع.\rلأن مثله مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله بل على نقل ما دونه، وقد قال وارث علم السلف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وما أحفظ لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده ولا روى أحد في ذلك شيئاً لا عن النبي ﷺ، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه من الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفاً واحداً فيما أعلم\" (¬١).\rفإذا ثبت أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يكونوا يقصدون القبر للدعاء عنده، يقال لمن يستحسن ذلك: إن الأمر لا يخلو:\r١ - إما أن يكون الدعاء عنده أفضل منه في غير تلك البقعة.\r٢ - وإما أن لا يكون أفضل.\rفعلى تقدير أنه أفضل يقال له:\rلا يجوز أن يخفى علم ذلك على الصحابة والسلف الصالح فتكون القرون الثلاثة المفضلة جاهلة بهذا الفضل، ويعلمه من بعدهم.\rوكذلك لا يجوز أن يعلموا ما فيه من الفضل ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه نوع كراهة، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعاً وشرعاً.\rوأما على تقدير أن الدعاء عندها ليس بأفضل، فيقال له:\rإن قصد الدعاء عندها مع عدم فضله، ضلالة ومعصية (¬٢) لأنها","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط: ٣٦٨ - ٣٦٩، وانظر نحوه في: إغاثة اللهفان: ١/ ١٥٨.\r(¬٢) اقتضاء الصراط: ٣٤٠، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048938,"book_id":1098,"shamela_page_id":586,"part":"2","page_num":608,"sequence_num":586,"body":"عبادة، فتقييدها وتخصيصها بمكان معين بدون دليل بدعة سيئة وضلال بيّن، وبدعيتها يأتي من هذا التخصيص فهي بدعة إضافية إذ أصل الدعاء مشروع وإنما صار بدعة بسبب تحري المكان وقصده بدون أن يكون هذا التحري مشروعاً. ثم إذا علمنا أن ترك الصحابة والسلف الصالح للدعاء عند القبر حجة على بدعيته نذكر دليلاً آخر وهو سعي الصحابة في منع الدعاء عند القبر واجتهادهم في منع وسائله وذرائعه وهو الدليل الآتي:\r٣ - إن الصحابة رضوان الله عليهم: \"لما فتحوا أرض الشام والعراق وغيرهما إذا وجدوا قبراً يقصد الدعاء عنده غيبوه\" (¬١) وأخفوه.\rكما أنهم لما فتحوا بيت المقدس لم يقصدوا قبر الخليل ولا غيره من الأنبياء للدعاء ولا للصلاة، بل إذا رأوا أحداً ينتاب مكاناً معيناً للصلاة ونحوها نهوه وزجروه، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا رآهم ينتابون مكاناً يصلون فيه لكونه صلى فيه النبي ﷺ نهاهم عن ذلك ويقول: \"هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، من عرضت له منكم فيها الصلاة فليصل، ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل\" (¬٢).\rومن ذلك ما فعل الصحابة بقبر دانيال، فقد روى ابن إسحاق عن أبي خلدة خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال: \"لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعباً، فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثلما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ فقال: سيرتكم وأموركم، ولحون","footnotes":"(¬١) منهاج السنة: ٢/ ٤٣٨، ونحوه في: ١/ ٤٨٠ - ٤٨١، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥٨.\r(¬٢) أخرجه ابن أبي شيبة: ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧، وقال الألباني: وسنده صحيح على شرط الشيخين، تحذير الساجد ١٣٧، وأشار إلى صحة إسناده ابن تيمية في قاعدة التوسل: ١٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048939,"book_id":1098,"shamela_page_id":587,"part":"2","page_num":609,"sequence_num":587,"body":"كلامكم، وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان الليل دفناه، وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: \"كانت السماء إذا حبست عليهم، برزوا بسريره فيمطرون، قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال … \" (¬١).\rوهذا الأثر ثابت عن أبي العالية (¬٢) رفيع بن مهران الرياحي التابعي الكبير وكان حاضراً للقصة فصح بذلك هذا الفعل من الصحابة رضوان الله عليهم.\rقال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية (¬٣).\rوقد ورد في رواية أخرى أن الذي أمرهم بإخفاء قبره هو عمر بن الخطاب ﵁، فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده عن أنس \"أنهم لما فتحوا تستر، قال: فوجد رجلاً أنفه ذراع في التابوت كانوا يستظهرون ويستمطرون به فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب عمر أن هذا نبي من الأنبياء، والنار لا تأكل الأنبياء والأرض لا تأكل الأنبياء فكتب أن انظر أنت وأصحابك -يعني أصحاب أبي موسى- فادفنوه في مكان لا يعلمه أحد غيركما قال: فذهبت أنا وأبو موسى فدفناه\" (¬٤).\rوهذا الصنيع من الصحابة رضوان الله عليهم للمحافظة على صفاء العقيدة وحماية الأمة الإسلامية من الشرك ووسائله، وهو دليل على دقة","footnotes":"(¬١) سيرة ابن إسحاق، رواية يونس بن بكير ص: ٦٦، والبداية: ٢/ ٣٧، وتاريخ الطبري: ٤/ ٩٢ - ٩٣، ومنهاج السنة: ١٢/ ٤٨٠ و ٢/ ٤٣٨، واقتضاء: ٣٣٩.\r(¬٢) انظر التقريب رقم ١٩٥٣.\r(¬٣) البداية: ٢/ ٣٧.\r(¬٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٣/ ٢٨ رقم ١٥٦٦٦ عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني، وهو عبد الملك بن حبيب عن أنس به، وهذا إسناد رجاله ثقات، وقال ابن كثير: وعن أنس بن مالك بإسناد جيد فذكر قطعة منه \"البداية والنهاية\": ٢/ ٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048940,"book_id":1098,"shamela_page_id":588,"part":"2","page_num":610,"sequence_num":588,"body":"فهم الصحابة لما يفسد العقيدة أو يشوبها بالخلل والنقصان، وأما المتأخرون فلو ظفروا بمثل هذا القبر المنسوب إلى نبي لاحتفلوا به وبنوا عليه قبة مذهبة وطافوا به واعتكفوا حوله ودعوه من دون الله تعالى، وهذا ليس تخميناً بل يصدقه الواقع فكم من قباب وأضرحة شيدت على قبور بسبب حكايات ومنامات وليس لها دليل ولا حجة سوى من يدعي المنام إما حلماً من الشيطان وتلبيساً منه، أو للتأكل والاسترزاق، قال ابن القيم: ولو ظفر به المستأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله فهم قد اتخذوا من القبور أوثاناً يداني من لا هذا ولا يقاربه\" (¬١).\r٤ - إن السلف الصالح رضوان الله عليهم كرهوا تحري الدعاء عند القبر واعتبروه بدعة.\rأ - فمن ذلك ما روي عن علي بن الحسين زين العابدين ﵄، فإنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال: \"ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله قال: \"لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم\" (¬٢).\rب - ومن ذلك ما روي عن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃: قال سهيل بن أبي سهيل: رآني الحسن بن الحسن بن","footnotes":"(¬١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٥٨.\r(¬٢) أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة ص: ٣٣ رقم ٢٠، وأبو يعلى في مسنده: ١/ ٣٦١ رقم ٤٦٩، وقال الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم ص: ٢٩٥: \"قد رواه أبو يعلى والحافظ أبو عبد الله المقدسي في الأحاديث المختارة وهو حديث محفوظ عن علي بن الحسين زين العابدين وله شواهد كثيرة\". اهـ. وقال الألباني: \"حديث صحيح بطرقه وشواهده\" \"فضل الصلاة على النبي ﷺ ص ٣٤\"، وقال الألباني في تحذير الساجد ص: ١٤٠ فيه علي بن عمر بن الحسين وهو مستور. اهـ.\rوقد علمت من كلام ابن عبد الهادي أنه محفوظ من زين العابدين، كما أن له شواهد منها ما يأتي بعده ويؤيده إخراج المقدسي له في المختارة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048941,"book_id":1098,"shamela_page_id":589,"part":"2","page_num":611,"sequence_num":589,"body":"علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء\" (¬١).\rفتبين من هذين الأثرين أن قصد قبر النبي ﷺ للدعاء عنده من اتخاذه عيداً وذلك أن علي بن الحسين زين العابدين وهو أفضل التابعين من أهل البيت -نهى ذلك الرجل من أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه عن جده وهو أعلم بمعناه من غيره، وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته -كره أن يقصد القبر للسلام ونحوه، غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً.\rفهذه السنة مخرجها من أهل البيت وأهل المدينة الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط (¬٢).\rجـ - ومن ذلك ما روي عن مالك ﵁ أنه قال: \"لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٣/ ٣٤٥، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة ص: ٣٩ رقم ٣٠، وعبد الرزاق في المصنف: ٣/ ٥٧٧ رقم ٦٦٩٤، وأخرجه سعيد بن منصور كما في اقتضاء الصراط ص: ١٠٩، ٣٢٢، والعقود الدرية ص: ٢٢٤، والكواكب الدرية ص: ١٥٥، هذا ولهذين الأثرين شاهد من حديث أبي هريرة، تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.\r(¬٢) اقتضاء الصراط: ٣٢٤، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٥١.\r(¬٣) ذكره عن مالك إسماعيل القاضي في المبسوط، ونقله عنه عياض في الشفا: ٢/ ٦٧١، وانظر الرد على الأخنائي: ٤٦، ٩٦، ١٠٤، والاقتضاء ص: ٣٦٥، والصارم: ١٢٥، والمنتقى للباجي: ١/ ١٩٦، والرد على البكري: ٢٨١، ٢٣١، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048942,"book_id":1098,"shamela_page_id":590,"part":"2","page_num":612,"sequence_num":590,"body":"وقال مالك أيضاً: \"ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول: \"السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت أو يا أبتاه\" ثم ينصرف، ولا يقف يدعو (¬١) فرأى مالك ذلك من البدع\" (¬٢).\rوقال مالك أيضاً: \"لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له، ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون، ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلَّا لمن جاء من سفر أو أراده\" (¬٣) فإذا كان هذا في حق خير خلق الله وأكرمهم على الله وسيد ولد آدم (¬٤) فكيف يكون رأي الإمام مالك في قبر غيره؟.\rفكلام الإمام مالك هذا يدل على أنه يرى الدعاء عند القبر بدعة (¬٥).\rولا شك في أن ذلك بدعة وضلالة ومخالف للسنة (¬٦).","footnotes":"(¬١) أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ١٦٦ رقم ٦٨، والقاضي إسماعيل ص: ٨١ رقم ٩٨ - ١٠١ وهو صحيح عن ابن عمر، انظر تعليق الألباني على فضل الصلاة ص: ٨١.\r(¬٢) الرد على الأخنائي نقلاً عن المبسوط: ١٠٤، والصارم: ١٢٥.\r(¬٣) رواه في المبسوط ونقله عنه في الشفاء: ٢/ ٦٧٦، وانظر الرد على الأخنائي ص: ٤٦، والصارم المنكي ص: ١١٥، والاقتضاء: ٣٦٦، ٣٦٧، والمنتقى للباجي: ١/ ٢٩٦.\r(¬٤) منهاج السنة: ٢/ ٤٤٤.\r(¬٥) الفتاوي: ٢٧/ ١١٠، والرد على البكري: ٢٦.\r(¬٦) الفتاوي: ٢٧/ ١٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048943,"book_id":1098,"shamela_page_id":591,"part":"2","page_num":613,"sequence_num":591,"body":"وهو مما ابتدعه بعض أهل القبلة مضاهاة للنصارى وغيرهم من المشركين فأصله من دين المشركين لا من دين عباد الله المخلصين (¬١)، ويحتمل كلام مالك أنه يريد بالدعاء الذي كرهه هو الدعاء للنبي ﷺ بصيغة الصلاة أو غيرها مع طول القيام.\rوهذا الاحتمال هو الذي فهمه بعض العلماء، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي ﷺ مع كثرة الصلاة والسلام عليه فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم يفعلها السلف ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها\" (¬٢).\rومثله ابن عبد الهادي (¬٣).\rويحتمل أن الإمام مالكاً ﵀ يريد ما يعم كل ذلك من الدعاء للنبي ﷺ أو الدعاء لنفسه.\rوهذا الذي يقتضيه صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه استدل به في كل ذلك (¬٤).\rومما يستفاد من كلام الإمام مالك ﵀ أنه إذا كان يكره أن يطيل الرجل الوقوف عند قبره ﷺ للدعاء له أو عنده فكيف بمن لا يقصد لا السلام عليه ولا الدعاء له، وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه، ويرفع صوته عنده، فيؤذي الرسول ويشرك بالله، ويظلم نفسه؟ (¬٥).\rولا يخالف هذا الذي سبق عن مالك، ما قاله مالك في رواية ابن وهب: \"إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة ويدنو ويسلم، ولا يمس القبر بيده\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٢٧/ ١٣٠.\r(¬٢) الجواب الباهر: ٤٧، والمطبوع مع الفتاوى: ٢٧/ ٣٨٤، والقاعدة: ١/ ٢٣٢.\r(¬٣) الصارم: ١٥١ - ١٥٢.\r(¬٤) انظر الجواب الباهر: ٥٧ و ٥٨ - ٥٩ و ٦٥.\r(¬٥) الجواب الباهر: ٥٨، والصارم المنكي: ١٥٢.\r(¬٦) الشفا: ٢/ ٦٧١، والمنتقى: ١/ ٢٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048944,"book_id":1098,"shamela_page_id":592,"part":"2","page_num":614,"sequence_num":592,"body":"فإن المراد بقوله: \"ودعا\" هو الدعاء للنبي ﷺ بلفظ الصلاة ويؤيد هذا سياق الكلام لقوله فيما بعد \"ويدنو ويسلم\" إلخ. كما يؤيده أن أبا الوليد الباجي (¬١) أنه قال: \"وعندي يدعو للنبي ﷺ بلفظ الصلاة ولأبي بكر لما في حديث ابن عمر من الخلاف\" (¬٢)، أي يدعو لأبي بكر وعمر بلفظ السلام، لا بلفظ الصلاة. كما يؤيده ما نقله في المبسوط عن مالك أنه قال: \"لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر\" وقد تقدم نقله كاملاً قريباً.\rكما يؤيد ذلك الجمع بين الروايات عن مالك فلا يكون هناك اختلاف فيما روي عن مالك من كون الدعاء عند القبر بدعة، وكونه جائز (¬٣).\rويحتمل أنه أراد الدعاء اليسير (¬٤) الذي يجيء ضمناً وتبعاً، ولكن سياق الحكاية عن مالك لا يؤيد هذا الاحتمال بل يدل على أن مالكاً يرى عدم جواز الدعاء مطلقاً.\r٥ - ومما يدل على أن السلف يرون الدعاء عند القبر بدعة أنهم قالوا في الرجل يسلم على النبي ﷺ أنه لا يدعو مستقبلًا القبر الشريف، بل عليه إذا أراد الدعاء أن يستقبل القبلة.\rهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة الإسلام قالوا: إن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة","footnotes":"(¬١) هو سليمان بن خلف بن سعد التجيبي الأندلسي القرطبي حافظ، إمام، علامة (ت ٤٩٤ هـ) انظر السير: ١٨/ ٥٣٥، وتذكرة الحفاظ: ٣/ ١١٧٨.\r(¬٢) المنتقى: ١/ ٢٩٦، وعنه في الشفا: ٢/ ٦٧٢، وقاعدة جليلة ضمن الفتاوى: ١/ ٢٣١، والرد على الأخنائي ص: ١٠٥، والصارم المنكي: ١٢٦.\r(¬٣) الصارم: ٢٦٠.\r(¬٤) الرد على الأخنائي ص: ١٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048945,"book_id":1098,"shamela_page_id":593,"part":"2","page_num":615,"sequence_num":593,"body":"ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه.\rواختلفوا في وقت السلام عليه فقال الثلاثة -مالك والشافعي وأحمد-: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم.\rثم في مذهبه قولان: قيل يستدبر الحجرة وقيل يجعلها عن يساره، فهذا نزاعهم في وقت السلام، وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة لا الحجرة كما يستقبل القبلة إذا دعا بعرفة والصفا والمروة، وعند الجمرات (¬١).\rوأما ما يروى عن بعض العلماء أنهم ذكروا الدعاء بعد السلام على النبي ﷺ فهو إن ثبت محمول على أنهم إنما أرادوا الدعاء اليسير الذي لم يُتَحَرَّ وإنما جاء ضمناً، وسيأتي أن الدعاء اليسير بدون تحر والذي يجيء ضمناً جائز، ويدل على هذا الحمل ألفاظ الأدعية المروية عنهم في ذلك فإنها يسيرة وفي ضمن السلام: فقد روي عن أحمد ﵀ في منسك المروذي (¬٢) أنه قال: \"ثم ائت الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر فصل فيها وادع بما شئت ثم ائت قبر النبي ﷺ، ثم ذكر صيغة السلام والشهادتين والثناء على الرسول الله ﷺ ثم ذكر الدعاء للرسول ﷺ بقوله: \"فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورفع درجتك العليا وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم\" ثم ذكر الدعاء لنفسه بقوله: \"اللهم احشرنا في زمرته وتوفنا على","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل ص: ٦٨، أو المطبوعة ضمن الفتاوى: ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣، ٢٢٩ - ٢٣٠، والرد على البكري: ٢٥، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٤٤، والرد على الأخنائي: ٣١، والعقود الدرية: ٢٢٤، مع تصحيف في النسخة، والكواكب الدرية: ١٥٥ - ١٥٦، والفتاوى: ٢٧/ ١١٧، ١٩٠، والجواب الباهر: ١٧.\r(¬٢) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج صاحب الإمام أحمد وكان أجلّ أصحابه وأورعهم (ت ٢٧٥ هـ)، تاريخ بغداد: ٤/ ٤٢٣، والعبر: ١/ ٣٩٦، والسير: ١٣/ ١٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048946,"book_id":1098,"shamela_page_id":594,"part":"2","page_num":616,"sequence_num":594,"body":"سنته، وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعده أبداً\" (¬١).\rفهذا الدعاء للنفس بعد الدعاء للنبي ﷺ إنما جاء ضمناً ولم يتحر ثم، إنه يسير، ومما يستفاد من ألفاظ الأدعية التي ذكرها الإمام أحمد أنه \"لم يذكر أن يطلب منه ﷺ شيئاً ولا يقرأ عند القبر قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية، كما لم يذكر مالك ذلك ولا المتقدمون من جمهور العلماء\" (¬٢) لأن هذه الأمور مما أحدث بعد القرون المفضلة، \"فالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئاً ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة لا شفاعة، ولا استغفاراً ولا غير ذلك، وإنما نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة\" (¬٣).\rهذا ومما يدل على أن هذا الدعاء اليسير الذي ذكره أحمد لم يتحر فيه أن أحمد ﵀ قال قبل ذلك: \"ثم ائت الروضة … وادع بما شئت\" فهذا يدل على أن الروضة هي المكان الذي يتحرى فيه الدعاء فلهذا أطلق الإمام أحمد الدعاء فيها، والزائر للمسجد عليه التحري والاجتهاد للدعاء في الروضة لا عند القبر.\rوهذه النصوص من أئمة السلف وبعض الأئمة الأربعة ترد على المتأخرين الذين يَدَّعُوْن أنهم على مذهبهم فإن بعضهم قد استحب الدعاء عند قبر النبي ﷺ وغيره (¬٤).","footnotes":"(¬١) الرد على الأخنائي: ١٠٥، ١٠٦، والصارم: ١٢٦.\r(¬٢) الرد على الأخنائي ص: ١٢٦، والصارم: ١٢٦.\r(¬٣) الرد على الأخنائي ص: ١٠٦، والصارم: ١٢٧.\r(¬٤) انظر فتح القدير لابن الهمام ٣/ ٩٥ - ٩٦، والمدخل لابن الحاج: ١/ ٢٥٢، ومراقي الفلاح: ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وانظر ما ادعاه الداجوي في البصائر من أن القبور ترقق القلب والدعاء مطلوب عند الرقة. البصائر ص: ٨٧، كما في الإرشاد: ٢٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048947,"book_id":1098,"shamela_page_id":595,"part":"2","page_num":617,"sequence_num":595,"body":"فتبين مما سبق أن علماء السلف أجمعوا في قبر النبي ﷺ مع أنه أشرف الخلق وأكرمهم على الله، وأفضل الأولين والآخرين، على أنه لا يستقبل عند الدعاء فضلاً أن يدعي من دون الله ويتخذ قبره عيداً، فكيف بقبر غيره ممن هو دونه بكثير؟ (¬١).\rويعلم من هذا أنه إذا اتفق السلف في أن قبر النبي ﷺ لا يتحرى الدعاء عنده دل ذلك على أن السلف يرون أن تحري باقي القبور بدعة من باب أولى وأحرى.\r٦ - ومما يدل على بدعية تحري الدعاء عند القبور أن النبي الله ﷺ نهى عن الصلاة عند القبور وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد.\rفقد روى أبو مرثد الغنوي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها\" (¬٢)، وقال في مرضه الذي لم يقم منه: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا\" (¬٣)، وقد نصح أمته وأوصاهم قبل أن يموت بخمس، فقال: \"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك\" (¬٤). والعلة في النهي عن الصلاة عند القبور كون ذلك يؤدي إلى الافتتان بها، فمن باب أولى النهي عن الدعاء عندها لأن الفتنة هنا أشد.\rقال شيخ الإسلام: \"إن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع الشرك بقصدها، وبالعكوف عليها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة، ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة، فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء أو لدفع شر كالاستنصار، فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها أعظم من حال","footnotes":"(¬١) قاعدة ضمن الفتاوى: ١/ ٣٥٩، والفتاوى: ٢٧/ ١٢٢، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٤٤.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٦٦٨ رقم ٩٧٢.\r(¬٣) تقدم تخريجه ص: ٤٥٦.\r(¬٤) تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048948,"book_id":1098,"shamela_page_id":596,"part":"2","page_num":618,"sequence_num":596,"body":"من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد تفتن قلوبهم بذلك إلا قليلاً، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جداً، فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد\" (¬١)، وذلك لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، وقد تحقق وجود العلة هنا فالدعاء عند القبر ذريعة بدون شك ولا ريب إلى دعاء صاحب القبر فيكون منهياً عنه عند القبر كما نهي عن الصلاة عنده.\rوهذا الذي سبق يبين أن علة النهي عن اتخاذ القبور مساجد هو الخوف من عبادتها وقد نص على هذه العلة الإمام الشافعي (¬٢) وغيره، وهذا القول هو القول الصحيح من قولي العلماء (¬٣).\rوقيل النجاسة، وهذا قول ضعيف (¬٤) لأنَّه لا يمكن في قبور الأنبياء ادعاء النجاسة كما هو واضح.\rثم من العجب العجاب، أنه مع صحة الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد يقول بعض الناس: \"إنّ من اتخذ مسجداً قرب رجل صالح أو صلى في مقبرة قصداً للتبرك بآثاره وإجابة دعائه هناك والاستظهار بروحه فلا حرج\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط: ٣٣٧ - ٣٣٨، ونحوه في منهاج السنة: ٢/ ٤٣٩.\r(¬٢) انظر الأم: ١/ ٢٤٦.\r(¬٣) انظر في هذا: منهاج السنة: ٢/ ٤٣٩، ورأس الحسين ص: ١٨٩، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٤٧، والمغني لابن قدامة: ٢/ ٧٢.\r(¬٤) ملحق المصنفات: ٩٠، وحاشية ابن عابدين: ١/ ٣٥٢، وأحكام الجنائز للألباني ص: ٢١٥، وتحذير الساجد له: ٤٤ - ٤٥، وأبطله في إغاثة اللهفان بتسعة وجوه: ١/ ١٤٧.\r(¬٥) انظر إكمال الإكمال للأبي: ٢/ ٢٣٤، ومقالات الكوثري: ١٥٧ - ١٥٩، وانظر أيضاً ما نقله الصنعاني عن البيضاوي في سبل السلام: ١/ ٢٥٦، وشرح الزرقاني على الموطأ: ٤/ ٢٣٣، وفيض القدير للمناوي: ٤/ ٤٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048949,"book_id":1098,"shamela_page_id":597,"part":"2","page_num":619,"sequence_num":597,"body":"ولا يخفى أن هذا مصادمة للنص الصحيح الصريح في دلالته، ولا سبب لهذا -والله أعلم- إلا الجري وراء مألوفات العوام والتقليد الأعمى.\rوقد يكون هذا من تأثير الروافض في عوام أهل السنّة؛ لأن من آداب زيارة الأئمة عندهم صلاة الزائر عند الفراغ وإهداءها إلى المزور وإن كان ممن يدعون له العصمة فالأفضل الصلاة عند رأسه، ولا يتقدم على القبر ولا يساويه ولا يستدبره، كما أن من الآداب عندهم الدعاء بعد الصلاة وتقبيل العتبة (¬١).\rومما يدل على تأثيرهم في أهل السنة ما ذكره ابن كثير من بعض ملوك أهل السنّة من قصد قبور أئمتهم للدعاء عنده (¬٢). وذكر نحوه ابن الجوزي (¬٣).\rومما يزيد هذا الدليل وضوحاً: أن النبي ﷺ نهى (¬٤) عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى التشبه بالذين يسجدون لها ويدعونها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها بأنواع الأدعية، فيعلم من هذا أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب، كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد -فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى","footnotes":"(¬١) انظر المصباح للكفعمي ص: ١٧٩، ٤٩٢، ٤٩٣، ٤٩٤، ٥٠٣، ٥٠٤، وأخرج الكليني في الكافي في زيارة الحسين بإسناده عن أبي عبد الله قال: \"إذا فرغت من السلام على الشهداء فائت قبر أبي عبد الله \"ع\" فاجعله بين يديك ثم تصل ما بدا لك\" الكافي: ٣/ ٣٦٢ ط/ ح.\r(¬٢) البداية والنهاية: ١٢/ ١٥٢، وانظر ما يقع في المشهد الكاظمي من الازدحام في: دراسات تاريخية للعمري ص: ٢٥٨.\r(¬٣) المنتظم لابن الجوزي: ٨/ ١٠٥.\r(¬٤) قد روى ذلك عدة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو هريرة وغيرهم، حديث ابن عمر في البخاري: ٢/ ٦٠ رقم ٥٨٥، ومسلم: ١/ ٥٦٧ رقم ٨٢٧، وحديث أبي هريرة في البخاري: ٢/ ٦١ رقم ٥٨٨، ومسلم: ١/ ٥٦٦ رقم ٨٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048950,"book_id":1098,"shamela_page_id":598,"part":"2","page_num":620,"sequence_num":598,"body":"دعائهم والسجود لهم - كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريماً من اتخاذ قبورهم مساجد (¬١)، وذلك لأن الحكم في المقاصد والغايات أشد من الوسائل والذرائع، وهذا كله يدل على أن الدعاء عند القبور وسيلة وذريعة إلى دعاء صاحب القبر أكثر من كون الصلاة عند طلوع الشمس ذريعة إلى عبادتها أو دعائها فيكون أولى بالمنع وأحرى وأوكد.\r٧ - إن من قواعد الشرع الأصلية العظيمة قاعدة سد الذرائع، فهي قاعدة اتفق عليها العلماء، والدعاء عند القبر ذريعة إلى دعاء صاحب القبر، وذلك أن الشيطان العدو اللدود للإنسان يتلطف في إغوائه فيزين له في بداية أمره الدعاء عند القبر وأنَّه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله إلى درجة أخرى وهي الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذه الدرجة أعظم من التي قبلها، فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجع في قضاء حاجته، نقله إلى درجة أخرى، وهي دعاء صاحب القبر من دون الله تعالى، فإذا تقرر ذلك نقله إلى درجة أخرى وهي اتخاذ قبره وثناً يعكف عليه ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور ويبني عليه القبة، ويعبده بالسجود له والطواف به وتقبيله واستلامه، والحج إليه والذبح عنده.\rثم إذا تقرر هذا ينقله إلى درجة أخرى وهي دعوة الناس إلى عبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم (¬٢).","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل: ١/ ١٦٤ - ١٦٥، ٣٢١، والجواب الباهر: ٧٢، ورأس الحسين ص: ١٨٩ - ١٩٠، واقتضاء الصراط ص: ٦٣، ٣٣٤، والفتاوى: ٢٧/ ١٢٣ - ١٢٤، والجواب الكافي: ١٣٧ - ١٣٨، ومفيد المستفيد: مؤلفات الشيخ قسم العقائد: ٢٨٧ - ٢٨٨.\r(¬٢) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧ - ١٦٨، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠، وانظر ما تقدم ص: ٤٨٣ - ٤٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048951,"book_id":1098,"shamela_page_id":599,"part":"2","page_num":621,"sequence_num":599,"body":"ولهذا سد الشارع الحكيم على الشيطان هذه المداخل وحسم مادة الشرك ومنع من كل ما يؤدي إلى دعاء غير الله تعالى، ومن هنا يعلم سر منع الشريعة الإسلامية من تحري الدعاء عند القبر؛ لأن ذلك من أقرب الوسائل التي توصل إلى دعاء صاحب القبر، ومع أن الشارع قد سد هذه الطرق ومنعها، قد وقع ذلك، وحصل من بعض المسلمين اعتقاد إجابة الدعاء عند القبور فأدى ذلك إلى مفاسد كثيرة، وفتن بسببه خلائق من القبوريين حتى صاروا يقيمون الأعياد عندها في يوم معين من السّنة ويقصدون ذلك اليوم كما تقصد عرفة ومنى ومزدلفة بل ربما أكثر من ذلك، وصاروا يسافرون إليها من مسافات بعيدة ويشدون الرحل لقصد الدعاء والعبادة عندها أو الدعاء بها أو دعائها، وهذا الذي يفعل عندها هو بعينه الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: \"لا تتخذوا قبري عيداً\" (¬١).\rوقد أنكر العلماء ذلك إنكاراً شديداً، منهم الإمام أحمد ﵀، فإنه أنكر ذلك وقال: وقد أفرط الناس في هذا جداً وأكثروا وذكر ما يفعل عند قبر الحسين (¬٢).\rفإذا كان هذا الحال في وقت الإمام أحمد وشدة إنكاره لما يقع في زمانه، فكيف لو رأى ما يفعله القبوريون في هذا الزمان؟\rوهذه المفاسد الكثيرة سببها اعتقادهم استجابة الدعاء عند القبر أكثر من غيره، وأنَّه أفضل هناك، وإلا فلو لم يقم بالقلب اعتقاد فضل الدعاء عند القبور لانمحت هذه الفتن والمفاسد التي عمّت بلاد المسلمين وشب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، فتحصل من هذا أنه إذا كان اعتقاد فضل إجابة الدعاء عندها يؤدي إلى هذه المفاسد كان حراماً، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق وفتحاً لباب الشرك، وإغلاقاً لباب الإيمان (¬٣).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص: ٤٥٧.\r(¬٢) اقتضاء الصراط: ٣٠٥ - ٣٠٦.\r(¬٣) اقتضاء الصراط من ٣٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048952,"book_id":1098,"shamela_page_id":600,"part":"2","page_num":622,"sequence_num":600,"body":"حكم الدعاء عند الأضرحة:\rإن الدعاء عند قبر ولي أو نبي أو ما يعتقد أنه قبر نبي أو ولي ولم يكن كذلك له ثلاث صور - كما تقدم (¬١) - والحكم يختلف بحسب اختلاف الصور:\rفالصورة الأولى: أن يقصد القبر ويتحراه للدعاء عنده فقط معتقداً أن الدعاء هناك أجوب وأن لذلك المكان خصوصية في إجابة الدعاء، وأن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت.\rالثانية: أن يقصد القبر للزيارة والدعاء عنده معتقداً لما تقدم.\rالثالثة: أن يحصل الدعاء عند القبر بحكم الاتفاق بدون قصد وتحر كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، أو من يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنّة (¬٢).\r\rالحكم في هذه الصور:\rإن الصورة الأولى والثانية فيهما تحري الدعاء عند القبر، والتحري له حكم خاص لأن الرجل ما يتحرى ويخصص مكاناً معيناً للدعاء إلا وقد سيطر على لبه وعقله اعتقاد أن لذلك المكان خصوصية ودخلاً في إجابة الدعاء، فلذا توجه إلى تلك البقعة، والأصل في الشرع \"أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء\" (¬٣) فمن هنا صار تحري الدعاء عند القبر ممنوعاً.\rوأما لو وقع الدعاء ضمناً بدون تحر فالحكم يختلف \"كما أن من دخل المسجد فصلى تحية المسجد ودعا في ضمنها لم يكره ذلك، أو","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٥٠٨.\r(¬٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣٣٦.\r(¬٣) اقتضاء الصراط: ٣٦٥، وعنه في الصارم المنكي ص: ٢٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048953,"book_id":1098,"shamela_page_id":601,"part":"2","page_num":623,"sequence_num":601,"body":"توضأ في مكان وصلى هناك ودعا في ضمن صلاته لم يكره ذلك، ولو تحرى الدعاء في تلك البقعة أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد نهي عن هذا التخصيص\" (¬١).\rفتبين من هذا أن تحري الدعاء عند القبر بدعة منكرة وهي من البدع التي تضارع دين النصارى بل يخشى أن تصل في بعض الأحوال إلى الشرك الواضح (¬٢)، فهو وإن لم يصل في جميع صوره إلى الشرك لكنه باب واسع يوصل إلى الشرك وذريعة إليه.\rقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"أما بناء القباب عليها فيجب هدمها ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء فكذلك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك فيشتد نكير العلماء لذلك … وذكر العلماء أنه يجب التغليظ في هذه الأمور لأنَّه يفتح باب الشرك\" (¬٣).\rوأما الحكم في الصورة الثالثة: وهي ما إذا لم يتحر الدعاء عند القبر، وجاء عند القبر للزيارة فقط، أو مر على المقبرة فسلم ودعا لأهل المقبرة ثم دعا لنفسه، فالحكم في هذه الصورة أن الدعاء لا بأس به لأنَّه وقع ضمناً وتبعاً، ولم يقصد ويدل على ذلك الأحاديث الواردة في السلام على أهل القبور.","footnotes":"(¬١) الاقتضاء ص: ٣٧٠.\r(¬٢) انظر مؤلفات الشيخ القسم الثالث: الفتاوى: ٦٠، وقد ذكر شيخ الإسلام أن تحري استقبال الجهة التي فيها المعظم في الدعاء شرك واضح وأنَّه من البدع التي تضارع دين النصارى. اهـ. انظر الاقتضاء ص: ٣٦٥، ونحوه قول الشوكاني (فهو على خطر الوقوع في الشرك فضلاً عن كونه عاصياً) الدر النضيد: ٤٧.\r(¬٣) مؤلفات الشيخ القسم الثالث، الفتاوي: ٧٠، وانظر الرد على البكري ص: ٢٦، هذا وربما يفهم من كلام ابن تيمية المنقول في الحاشية السابقة أنه شرك ولكن كما أشرنا أن ذلك إذا اقترن بالدعاء عند القبر تعظيم له يصل إلى حد الشرك أو قصد الاستمداد من روح الميت المزور مما يفيض عليه كما تقدم في ص: ٥١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048954,"book_id":1098,"shamela_page_id":602,"part":"2","page_num":624,"sequence_num":602,"body":"فقد ورد في حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قوله ﵊: \"أسأل الله لنا ولكم العافية\" (¬١)، وفي حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: \"ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين\" (¬٢).\rوهذا الدعاء الذي لم يتحر فيه يكون في الغالب يسيراً وخفيفاً كما في الحديثين السابقين، وعلى هذا يحمل ما ورد عن بعض السلف أنهم ذكروا في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ والصلاة والسلام عليه يدعو مستقبل القبلة \"فقد ذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام، ثم يدعو لنفسه، وذكر أنه إذا حَيَّاه وصلى عليه يستقبل وجهه -بأبي هو وأمي ﷺ، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقاً، بل يؤمر به للميت كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمناً وتبعاً، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء للقبر للدعاء عنده\" (¬٣) فتقرر بهذا جواز الدعاء الواقع عند القبر بدون تحر.\rولكن جواز الدعاء إذا وقع بدون تحر ليس أمراً متفقاً عليه بين العلماء فقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من منع الدعاء مطلقاً، ومنهم من أجاز ذلك بشروط.\rفالمنقول عن السلف والذي تقتضيه عباراتهم أنهم يكرهون الوقوف عند القبر مطلقاً وقد تقدم قول مالك ﵀: \"لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي\".\rفهذا يقتضي أن مالكاً يرى عدم الوقوف عند القبر مطلقاً سواء تحرى الدعاء أم لا.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ٢/ ٦٧١ رقم ٩٧٥.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٦٧١ رقم ٩٧٤.\r(¬٣) اقتضاء الصراط: ٣٦٤، والصارم: ٢٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048955,"book_id":1098,"shamela_page_id":603,"part":"2","page_num":625,"sequence_num":603,"body":"وهذا هو الذي مال إليه شيخ الإسلام، فإنه بعد أن ذكر هذا القول قال: \"وهو أصح\" (¬١) وذلك لأن الوقوف عند القبر للدعاء حتى ولو لم يتحر فيه صاحبه فإنه يخشى أن يكون ضرراً لغيره ممن يرونه لاسيما إذا كان الداعي ممن يقتدى به ففيه تغرير لهم وإيهام.\rفالأولى الاقتصار على السلام الوارد في زيارة القبور وعلى الدعاء الذي تضمنه بدون زيادة عليه.\r\rالخلاصة:\rإن جواز الدعاء عند القبر له عدة شروط، قلما تتوافر في غير الملتزم بالزيارة الشرعية وتلك الشروط هي:\r١ - عدم التحري.\r٢ - وقوعه ضمناً وتبعاً لا استقلالاً.\r٣ - أن يكون يسيراً.\r٤ - أن لا يحصل به تغرير علي غيره (¬٢).\r٥ - واشترط ابن الهمام الحنفي صاحب فتح القدير أن يكون قائماً (¬٣).\rوهذا الشرط يقتضيه المنقول عن النبي ﷺ فلم ينقل أنه عكف عند القبر، وأما ما تفعله بعض الطوائف من الجلوس عند البقيع وغيره من القبور وقراءة الأدعية المكتوبة فبدعة ظاهرة لمخالفته لهذه الشروط كلها مع ما فيه من التوسل المبتدع، والسجع المتكلف، والبكاء المفتعل، وقراءة الادعية بأصوات تشبه الغناء، والاجتماع على ذلك إلى غير ذلك من البدع المصاحبة لعمل أولئك الطوائف من الرافضة ومقلديهم من القبوريين.","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط: ٣٧٠.\r(¬٢) انظر هذا الشرط عند الشوكاني في الدر النضيد ص: ٤٧.\r(¬٣) فتح القدير: ٢/ ١٤٢، والبحر الرائق: ٢/ ١٩٦، والفتاوى الهندية: ١/ ١٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048956,"book_id":1098,"shamela_page_id":604,"part":"2","page_num":626,"sequence_num":604,"body":"النوع الثاني: التوسل بالذوات:\rإن التوسل بالذوات قد انتشر في أدعية المتأخرين حتى كاد أن لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم، كأنه شرط أساسي لقبول الدعاء، وكأن الله ﷾ لا يقبل الدعاء إلا إذا توسل إليه الداعي بأنبيائه وأوليائه وأحبابه.\rثم إن بعض الناس جعلوه ذريعة لإباحة وتسويغ دعاء غير الله والاستغاثة بالأموات والغائبين، وسموا ذلك توسلاً بهتاناً وكذباً وزوراً وافتراءً.\rفاقتضى هذا الحاجة إلى معالجة قضايا التوسل وبيان بعض جوانبه المهمة؛ لأن دراسة جميع مسائله وقضاياه تحتاج إلى رسالة مستقلة تلم بجميع جوانبه.\rفلهذا أقتصر على بعض مسائله التي هي ضرورة لاكتمال جوانب البحث في الرسالة والله ولي التوفيق.\r\rالمعنى اللغوي لكلمة التوسل:\rالتوسل (¬١) مصدر لتوسل يقال: توسلت إليه أي تقرّبت إليه، وتوسلت إلى الله وسيلة أي عملت عملاً أتقرب به إليه، فمعناه التقرب، ومن معناه الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل الراغب إلى الله تعالى ومنه قول الشاعر:\rأرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم … بلى كل ذي دين إلى الله واسل (¬٢)","footnotes":"(¬١) انظر معنى هذه المادة في الكتب التالية: مجاز القرآن: ١/ ١٦٤، والصحاح: ٥/ ١٨٤١، والطبري: ٦/ ٢٢٦، والمخصص: ١٢/ ٢٢٤، والعين: ٧/ ٢٩٨، وتهذيب اللغة: ١٣/ ٦٧، ومعجم مقاييس اللغة: ٦/ ١١٠، واللسان: ٨/ ٤٨٣٧، والنهاية: ٥/ ١٨٥، وتاج العروس: ٨/ ١٥٤، والمفردات: ٥٢٣.\r(¬٢) البيت للبيد بن ربيعة العامري، انظر ديوانه ص: ١٣٢، ومعجم مقاييس اللغة: ٦/: ١١٠، وتهذيب اللغة: ١٣/ ٦٧، والعين: ٧/ ٢٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048957,"book_id":1098,"shamela_page_id":605,"part":"2","page_num":627,"sequence_num":605,"body":"ويقال أيضاً: وَسَّل فلان إلى ربه وسيلة، إذا عمل عملاً تقرب به إليه، والوسيلة هي الفعيلة من قول القائل توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه، ومنه قول عنترة:\rإنَّ الرجال لهم إليكِ وسيلةٌ … أَنْ يأخذوكِ تَكَحْلِي وتَخَضَّبِي (¬١)\rيعني بالوسيلة القربة وفيه معنى الرغبة، قال الراغب الأصفهاني: \"والوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة لتضمنها لمعنى الرغبة\".\rوالوسيلة أيضاً ما يتقرب به إلى الغير والجمع الوسيل والوسائل، ويحتمل أنه بمعنى الحاجة في بيت عنترة المتقدم كما قال أبو عبيدة معمر بن المثنى.\rفتحصل من هذا أن الوسيلة تطلق على الأمور التالية:\r١ - القربة.\r٢ - الرغبة.\r٣ - الحاجة.\r٤ - وورد إطلاقها على المنزلة عند الملك، ومنه اللهم رب هذه الدعوة. . . آت محمداً الوسيلة\".\rوهذه المعاني متقاربة بل هي متداخلة ومتلازمة فإن الرغبة والحاجة والتقرب قرائب في المعنى ويستلزم بعضها بعضاً.\rفهذا هو معنى التوسل والوسيلة حسبما تدور عليه عبارات اللغويين.\rوأما المعنى الشرعي فهو أيضاً مأخوذ من هذا المعنى اللغوي، فهو:\rالتقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة على وفق ما شرعه الله تعالى.\rويكون معنى ابتغاء الوسيلة إلى الله الوارد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا","footnotes":"(¬١) ديوان عنترة ص: ٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048958,"book_id":1098,"shamela_page_id":606,"part":"2","page_num":628,"sequence_num":606,"body":"الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. هو \"التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول ﷺ\" (¬١).\rهذا هو إطلاق التوسل في اللغة وفي الشرع.\rوأما التوسل في عرف بعض المتأخرين فيطلق على التوسل بالذوات الفاضلة كما يطلق على دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به.\rفقد تغيرت المفاهيم عندهم ودخل في الأسماء الشرعية تحريف عن وضعها الشرعي، فالعبادة عندهم لا تطلق إلا على نحو السجود والركوع، ومثل ذلك يقال في معنى الشرك والكفر وغير ذلك.\rوقد تسبب هذا في أنهم أجازوا دعاء الموتى ونداءهم باسم التوسل.\rفهذا هو السبب الذي اقتضى البحث في موضوع التوسل؛ لأنَّه لو سد باب إباحة التوسل البدعي لانسد باب دعاء غير الله تعالى؛ لأن التوسل البدعي هو الباب الرئيسي الذي يدخل منه الشيطان ليزين لبعض الناس دعاء غير الله تعالى.\r\rخلاصة الكلام في هذه المسألة (¬٢):\rإن لفظ التوسل فيه اشتراك وإجمال قد حصل بسببه لبس وخلط وإيهام.\rوذلك لأن التوسل يطلق شرعاً وفي عبارة السلف على أمرين:\rأحدهما: التوسل والتقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الإيمان به","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل: ٤٨.\r(¬٢) انظر هذه الخلاصة في الكتب التالية: قاعدة في التوسل: ١٤، ٤٨، ٥٠، ٧٩ - ٨٠، واقتضاء: ٤١٦، والرد على البكري: ٤٥، ومصباح الظلام: ١٧٨، وتحفة الجليس: ١٢٠ - ١٢١، ومعارج الألباب: ١٦٨، ١٨٣، والمنار: ٢/ ٧٣، وإرشاد الناظر: ٢٣٧، ومعارج القبول: ١/ ٥٠٠، وشرح الطحاوية: ٢٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048959,"book_id":1098,"shamela_page_id":607,"part":"2","page_num":629,"sequence_num":607,"body":"وتوحيده والإيمان برسوله وتصديقه ومحبته وطاعته، وجميع الأعمال الصالحة المشروعة.\rوثانيهما: طلب الدعاء والشفاعة من الرجل الحي الحاضر مثل قول عمر ﵁: كنا نتوسل إليك بنبينا إلى آخره، وسيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى.\rوهذان الإطلاقان صحيحان ثابتان واردان في الشرع وفي عبارة السلف، إلا أن هناك إطلاقين آخرين عند المتأخرين لا يعرفون من التوسل إلا إياهما.\rوهذان الإطلاقان:\rأحدهما التوسل بذوات الصالحين.\rوثانيهما: نداء الأموات والغائبين واستغاثتهم، والصراخ والهتاف بأسمائهم.\rفهذان المعنيان يطلق عليهما لفظ التوسل عند المتأخرين، مع أن هذا إطلاق لم يكن معروفاً لا في اللغة العربية ولا في الشرع ولا في إطلاقات السلف.\rوحتى لا يقول أحد: إننا نفتري على الآخرين ننقل هنا كلام أحد المتأخرين وهو سلامة العزامي (¬١)، فإنه ذكر أن التوسل بالذوات الفاضلة على ثلاثة أنواع فقال:\rالنوع الأول: أن يسأل الله مستشفعاً بهم كأن يقول: اللهم إني","footnotes":"(¬١) سلامة بن هندي العزامي القضاعي النقشبندي، صوفي له ترجمة طويلة في آخر كتابه البراهين الساطعة، يعرف من تلك الترجمة توغله في التصوف والخرافات، وله مؤلفات في نشر البدع ومحاربة السنة، منها فرقان القرآن، والبراهين الساطعة (ت ١٣٧٦ هـ) وقد اعتمد على كتاباته العلوي المالكي فيما انتحله في كتابه المفاهيم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048960,"book_id":1098,"shamela_page_id":608,"part":"2","page_num":630,"sequence_num":608,"body":"أسألك بنبيك محمد أو أتوجه إليك به … (¬١).\rالنوع الثاني: أن يطلب المتوسل من المتوسل به أن يشفع إلى الله في حوائجه بأن يدعو الله له في قضائها (¬٢).\rالنوع الثالث: أن يطلب نفس الحوائج منه وهو يريد منه وهو يريد أن يتسبب في قضائها من الله بشفاعته فيها عند الله سبحانه (¬٣).\rفقد صرح العزامي في هذا الكلام بأن التوسل بالذوات يطلق ويراد منه ثلاثة أنواع:\r١ - السؤال بهم.\r٢ - التشفع بهم والمراد به الشفاعة الشركية التي تقدمت.\r٣ - طلب الحوائج منهم أنفسهم.\rفهو قد أدخل الشفاعة أيضاً في معنى التوسل كما أطلقها أيضاً على الاستغاثة ونداء الميت لطلب الحوائج منه، فهو بهذا يجيز بل يستحسن طلب قضاء الحوائج من الموتى وهو يصرح بهذا، والشرط الوحيد الذي يشترطه هو عدم اعتقاد الربوبية فإنه قال: \"ولا يفسد التوسل بالأنبياء والصالحين إلَّا أن يجعلهم أرباباً من دون الله ويتخذ هذا الجعل وسيلة إليهم أن يشفعوا له، فهذا لا ينفعه شيء من التوسل ولا غيره\" (¬٤).\rوسيأتي (¬٥) مناقشة ما يتعلق بمسألة قولهم: إن عدم اعتقاد الربوبية كاف في عدم الشرك.","footnotes":"(¬١) فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان: ١١٧.\r(¬٢) المرجع نفسه: ١٢١ - ١٢٢.\r(¬٣) المرجع نفسه: ١٢٢. وقد ذكر السمهودي أيضاً أن التوسل \"يطلق على الطلب من النبي ﷺ لكونه سبباً وشافعاً\". اهـ. وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٤.\r(¬٤) فرقان القرآن ص: ١٢٧ - ١٢٨.\r(¬٥) سيأتي ص: ٨٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048961,"book_id":1098,"shamela_page_id":609,"part":"2","page_num":631,"sequence_num":609,"body":"إن هذا التوسع في معنى التوسل والخلط بين الأسماء الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنّة وبين الأسماء المبتدعة المستحدثة، هو أحد الأمور التي يلبس بها الشيطان على كثير من الناس فيظنون البدعة سنة والمنكر معروفاً.\rمع العلم بأننا لم نجد أحداً من المفسرين واللغويين فسر التوسل بالتوسل بالذوات على هذا الوجه الذي ذكروه، وقد تقدم نقل كلام اللغويين الذي لا يخرج عن معنى التوسل المشروع.\rوبعد أن انتهينا من التعريف لمعنى التوسل نذكر أنواعه وبالله التوفيق.\r\rأقسام التوسل:\rينقسم التوسل إلى قسمين: مشروع، وممنوع. وكلاهما ينقسم إلى أنواع:\r\rأنواع التوسل المشروع:\rأوصلها بعضهم (¬١) إلى ستة أنواع، وعند التأمل ترجع تلك الأنواع المشروعة إلى ثلاثة أنواع:\r\rأ - التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا:\rويدخل تحته التوسل بإضافة اسم الرب جل وعلا إلى عباده الصالحين كما في حديث عائشة ﵂: \"اللهم رب جبريل","footnotes":"(¬١) قد ذكر الشيخ محمد بشير السهسواني للتوسل المشروع ستة أنواع:\r١ - التوسل بالأسماء الحسنى.\r٢ - التوسل بالأعمال الصالحة.\r٣ - التوسل بتصديق النبي ﷺ والإيمان به.\r٤ - التوسل بدعاء النبي ﷺ في حال حياته.\r٥ - التوسل بإضافة الرب إلى عباده الصالحين نحو رب جبريل … إلخ.\r٦ - التوسل بالصلاة على النبي ﷺ.\rانظر صيانة الإنسان: ٢٠٣ - ٢٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048962,"book_id":1098,"shamela_page_id":610,"part":"2","page_num":632,"sequence_num":610,"body":"وميكائيل وإسرافيل … \" (¬١).\rفإن هذا توسل إلى الله تعالى بربوبيته لهؤلاء العباد المكرمين، فالربوبية صفة من صفاته العليا، فهذا قسم داخل تحت التوسل بالأسماء الحسنى والصفات العليا وليس قسيماً له فلا حاجة لعده قسماً آخر.\rوالتوسل بأسماء الله الحسنى مشروع قد أمرنا الله به، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].\rوفي الأمر بالدعاء بالأسماء الحسنى نهى عن الدعاء بغيرها.\rوفي معنى هذه الآية قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: \"إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة\" (¬٢).\rفمن معاني الإحصاء السؤال بها، وقد ذكر بعض العلماء أنه لا يجوز الدعاء بغير الأسماء التسعة والتسعين (¬٣) فهذا القول وإن كان فيه نظر -لما ثبت من الدعاء بغيرها- لكنه يدل بطريق الأولى على عدم جواز الدعاء بغير أسماء الله وصفاته من أسماء المخلوقين.\r\rب - التوسل بالأعمال الصالحة:\rويدخل تحته التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وتصديقه وطاعته واتباعه، والتوسل بمحبة الصالحين في الله ولله، لأن هذا توسل بعمل الداعي وليس قسيماً له فلا حاجة لعده قسماً آخر، كما يدخل تحته التوسل بالصلاة على النبي ﷺ، فهذا أيضاً توسل بعمل الداعي وليس قسيماً له كما هو واضح.\rوقد شرع الله لنا التوسل بالأعمال الصالحة التي عملها الداعي، وقد ورد هذا التوسل في آيات عدة ذكر الله فيها أدعية الأنبياء والصالحين التي","footnotes":"(¬١) يأتي تخريجه ص ٧٣٥.\r(¬٢) تقدم ص: ٢٠٣.\r(¬٣) انظر الفتح: ١١/ ٢٢٠، والفتاوى: ٦/ ١٤٢، والفتاوى الكبرى المصرية: ١/ ٦٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048963,"book_id":1098,"shamela_page_id":611,"part":"2","page_num":633,"sequence_num":611,"body":"توسلوا فيها بأعمالهم الصالحة، فمن تلك الآيات ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦]. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ [المؤمنون: ١٠٩].\rومنه حديث أصحاب الغار المشهور (¬١) حيث توسل أحدهم ببره لوالديه والثاني بعفته والثالث بأدائه للحقوق.\rوهذا النوع الثاني تحته صورتان:\rإحداهما: التوسل بالأعمال الصالحة إلى طلب حصول ثواب الله تعالى ورحمته ورضوانه فإن الأعمال الصالحة هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدارين.\rومن هذه الصورة الآيات السابقة، ففي تلك الآيات توسل بالإيمان إلى طلب المغفرة والرحمة.\rوثانيتهما: التوسل بالأعمال الصالحة التي سبق للمتوسل أن عملها -إلى طلب إجابة دعائه وإعطاء سؤله وقضاء حوائجه ونيل مرامه في الدنيا (¬٢).\rويظهر من تتبع الأدعية المأثورة الواردة في الكتاب والسنة -كثرة الصورة الأولى التي الهدف الأكبر منها الأمر الأخروي.\rوأما الصورة الثانية فأقل من الأولى، فهي ليست بكثيرة بالنسبة إلى الأولى ولكنها جائزة ثبتت بأدلة صحيحة منها حديث الغار.\rوالمقصود بهذا الكلام أن التوسل بالأعمال الصالحة إلى طلب قضاء الحاجات الدنيوية قليل في الأدعية الواردة إذا قسناه إلى التوسل بها إلى","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٤/ ٤٠٨ رقم ٢٢١٥، ومسلم: ٤/ ٢٠٩٩ رقم ٢٧٤٣.\r(¬٢) انظر الإشارة إلى الصورتين في قاعدة التوسل: ١٢٢ - ١٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048964,"book_id":1098,"shamela_page_id":612,"part":"2","page_num":634,"sequence_num":612,"body":"طلب النجاة من النار وطلب المغفرة ونحو ذلك من الأمور التي تتعلق بالآخرة، فهذا كثير في الأدعية الواردة.\rوأما التوسل بالأعمال على قضاء الحوائج بإجابة الدعوات فهو أيضاً مأثور وثابت -وإن كان أقل من ذلك- ولم يرد في الأدعية القرآنية ولكنه ثابت صحيح، ومما ورد من ذلك حديث أصحاب الغار السابق.\rومن ذلك ما روي بإسناد صحيح عن هلال الوزان حدثنا عبد الله بن عكيم الجهني أحد الصحابة: \"أنه أرسل إليه الحجاج بن يوسف، فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين\"، ثم قال: \"اللهم إنك تعلم أني لم أزن قط، ولم أسرق قط، ولم آكل مال يتيم قط، ولم أقذف محصنة قط، إن كنت صادقاً فادرأ عني شره\" (¬١).\rهذا الصحابي قد توسل بأعماله الصالحة السابقة، ولم يتوسل بالنبي ﷺ ولا بأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين الأولين، فالتوسل بالأعمال الصالحة التي عملها المتوسل في حياته جائز ومشروع، فيدخل في ذلك توسل الرجل بإيمانه بالنبي ﷺ وطاعته ومحبته فإن هذه الأمور من عمل الرجل المتوسل وليست أمراً أجنبياً عنه ولكن من المعروف أن غالب المتوسلين بالذوات لا يعرفون هذا المعنى الصحيح ولا يخطر في مخيلتهم إلا المعنى المبتدع، فلهذا لا يصح تأويل توسلهم المبتدع بهذا المعنى الصحيح؛ لأنَّه حمل لكلام المتكلم على غير مراده.\r\rجـ - التوسل بطلب الدعاء من الحي الحاضر:\rفهذا النوع من التوسل جائز لثبوته من فعل الصحابة مع النبي ﷺ","footnotes":"(¬١) أخرجه الفسوي في التاريخ: ١/ ٢٣١، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد: ١/ ٤، وذكره المزي في تهذيب الكمال: ١٥/ ٣١٨، وهلال هو ابن أبي حميد الجهني مولاهم وهو ثقة كما في التقريب رقم ٧٣٣٣، وهو قد صرح بالسماع من ابن عكيم فالإسناد صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048965,"book_id":1098,"shamela_page_id":613,"part":"2","page_num":635,"sequence_num":613,"body":"وإقراره لهم حيث كان أحدهم يأتيه فيطلب منه صلوات الله وسلامه عليه الاستسقاء لعموم المسلمين، أو يأتي فيطلب حاجته الخاصة كما طلب منه الأعمى الدعاء له برد البصر وغير ذلك من الأمثلة.\rولا يشترط في هذا أن يكون المطلوب منه أفضل من الطالب، فقد طلب عمر ﵁ ومعه السابقون الأولون من العباس بن عبد المطلب الاستسقاء، ومما لا شك فيه أن عمر أفضل من العباس رضي الله عن الجميع.\rوهذا النوع الثالث تحته صورتان (¬١):\rإحداهما: أن يطلب من الحي الحاضر الدعاء فيدعو الحي الحاضر بدون أن يدعو الطالب المتوسل.\rوثانيتهما: أن يطلب الدعاء من الحي الحاضر، ثم يدعو بنفسه أن يتقبل الله دعاء المتوسَّل به، أو يؤمِّنَ على دعائه، ففي هذه الصورة يوجد دعاء أن أحدهما من الحي المطلوب منه الدعاء، والآخر من الطالب نفسه.\rوهذا مثل ما وقع في حديث استسقاء عمر وطلبه من العباس الدعاء فدعا العباس ودعا معه عمر والحاضرون. ومثله ما وقع في حديث الأعمى حيث دعا له النبي ﷺ ودعا الأعمى أيضاً أن يتقبل الله دعاء النبي ﷺ له ومن جملة دعائه \"فشفعه في\" أي تقبل شفاعته ودعاءه لي وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (¬٢).\r\rالتوسل غير المشروع:\rإن أنواع التوسل غير المشروع ثلاثة قد تقدم (¬٣) ذكرها آنفاً ولا","footnotes":"(¬١) انظر عن هاتين الصورتين: قاعدة في التوسل: ١٢٣.\r(¬٢) يأتي ص: ٧٤٨.\r(¬٣) تقدم ص: ٦٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048966,"book_id":1098,"shamela_page_id":614,"part":"2","page_num":636,"sequence_num":614,"body":"حاجة لإعادتها وقد علمنا أن إطلاق اسم التوسل عليها لم يرد في الكتاب والسنّة وكلام السلف، لاسيما القسم الثاني الذي بمعنى الشفاعة الشركية والقسم الثالث الذي بمعنى الاستغاثة وطلب الحوائج والاستمداد من الموتى.\rفهذه الإطلاقات محدثة مبتدعة ابتدعها المتأخرون، لتبرير وتسويغ دعاء غير الله تعالى بهذا الاسم -التوسل- المفتري عليه والذي حرفوا معناه وحقيقته الشرعية للتستر على دعاء غير الله تعالى.\rوالحقيقة لا تتغير بالادعاء وتغيير الأسماء، فإن العبرة بالمعاني والمقاصد لا بالألفاظ والعبارات.\rفهذا التوسل بأنواعه الثلاثة ممنوع وبعضه أشد منعاً من بعض، وقد تقدم الكلام على النوعين الأخيرين في مبحث مراتب الدعاء غير المشروع، وهنا نتكلم على النوع الأول الذي هو السؤال بالذوات. وإليك بيان ذلك:\r\rالأدلة على بدعية التوسل بالذوات:\rإن التوسل بالذوات الفاضلة من البدع التي انتشرت في أدعية المتأخرين انتشاراً واسعاً مع بدعيته، حتى كاد أن لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم وهم يزعمون مشروعيته واستحبابه مع وضوح بدعيته، ونحن نوجز هنا الأدلة الدالة على بدعيته وبالله التوفيق وعليه التكلان.\r١ - إن الدعاء من أهم العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف، والتوسل بالذوات لم يشرع في كتاب ولا سنة صحيحة صريحة، فهو بدعة لا يجوز التعبد به في الدعاء الذي هو من أهم العبادات، وقد سبق كيف نهى الشارع الحكيم عن الابتداع في الدين وحذر من ذلك أشد التحذير.\rفدين الإسلام مبني على أصلين عظيمين ألا نعبد إلا الله وألا نعبده إلا بما شرع، فلم يثبت أن الله شرع لنا التعبد بالتوسل بالذوات فلا يجوز التعبد به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048967,"book_id":1098,"shamela_page_id":615,"part":"2","page_num":637,"sequence_num":615,"body":"٢ - إن الله (¬١) ﷾ قد ذكر في كتابه أدعية الأنبياء وأتباعهم وهي كثيرة جداً، فلم يذكر في واحدة منها هذا التوسل البدعي، وإنما الذي ذكره الله هو التوسل المشروع وهو التوسل بالإيمان والعمل الصالح.\rولنضرب نماذج من أدعية الأنبياء وأتباعهم حتى تتضح الصورة الصحيحة للتوسل المشروع ولا يلتبس الحق بالباطل.\rمن ذلك دعاء يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]، فقد توسل يوسف ﵇ بالثناء على الله تعالى بما أنعم عليه من الملك وعلم الرؤيا، كما توسل باسم من أسماء الله تعالى وهو فاطر السموات والأرض، وتوسل بولاية الله له، وهذا هو التوسل المشروع ولم يتوسل بالأنبياء السابقين قبله من آبائه الكرام وغيرهم فلم يقل: \"اللهم إني أسألك بجاه أو منزلة أو شرف آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈\".\rومن ذلك دعاء سليمان ﵇: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٩] فقد سأل الله تعالى وتوسل إليه برحمته التي هي من صفاته العليا أن يدخله في عباده الصالحين ولم يتوسل إليه بآبائه إبراهيم ومن بعده إلى داود ﵈.\rومن ذلك دعاء أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]. فقد توسل إلى الله تعالى بكونه أرحم الراحمين وهو توسل بالأسماء الحسنى ولم يتوسل بآدم ولا نوح ولا الملائكة المقربين ولا بحملة العرش كما يفعله المولعون بالتوسل المبتدع.","footnotes":"(¬١) انظر الإشارة إلى هذا الوجه في التوسل أنواعه: ٤٦ - ٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048968,"book_id":1098,"shamela_page_id":616,"part":"2","page_num":638,"sequence_num":616,"body":"وإذا تجاوزنا أدعية الأنبياء ﵈ إلى أدعية أتباعهم التي ذكرها الله تعالى في كتابه نجدهم يتوسلون إلى الله تعالى بالتوسل المشروع ولا نجد حرفاً واحداً من توسلهم بأنبيائهم مع أنهم بلا شك يحبون أنبيائهم أكثر من غيرهم.\rفمن أمثلة ذلك ما ذكره الله تعالى عن الحواريين الذين مع عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٢، ٥٣] فقد توسلوا بإيمانهم بما أنزل الله وباتباعهم الرسول عيسى ﵇، ولم يتوسلوا بذات عيسى ولا بجاهه ولا بحرمته ولا شرفه.\rومن ذلك ما ذكره الله عن الذين يقاتلون مع نبي من أنبياء بني إسرائيل ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾ [البقرة: ٢٥٠].\rفهؤلاء توسلوا إلى الله تعالى بربوبيته التي هي من مقتضى إجابته للدعاء ولم يتوسلوا بأنبياء بني إسرائيل ولا بالنبي الذي يقاتلون معه.\rومن ذلك ما ذكره الله في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٦، ١٤٧].\rومن ذلك ما ذكره الله عن أدعية صحابة رسول الله ﷺ لم نجد فيها حرفاً واحداً من التوسل المبتدع، فمن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء: ٧٥]. فهؤلاء المستضعفون لم يتوسلوا بالنبي ﷺ ولا بصحابته الكرام وإنما توجهوا إلى الله تعالى بربوبيته فقط بل طلبوا منه أن يجعل لهم من عنده من يتولاهم وينصرهم ففي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048969,"book_id":1098,"shamela_page_id":617,"part":"2","page_num":639,"sequence_num":617,"body":"قولهم ﴿مِن لَدُنكَ﴾ ما يشعر أنهم لم يلتفتوا في هذا الدعاء لا إلى الرسول ﷺ ولا صحابته بل جردوا الطلب الله تعالى أن ييسر لهم من يشاء لينصرهم.\rومنها قول النصارى الذين آمنوا بالنبي ﷺ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]. فقد توسلوا بربوبيته ورأفته ورحمته، وطلبوا الدعاء لمن سبقهم فجاء المتأخرون فعكسوا القضية فتركوا المأمور به وهو الدعاء لمن سبقهم وارتكبوا المحظور وهو الدعاء بهم أو دعاؤهم من دون الله تعالى.\r٣ - إن الرسول ﷺ قد علم أمته كل خير، ومما علمها الأدعية المباركة وقد جمعها علماء السنّة المشرفة، فبعضهم جمعها ضمن الموضوعات المتفرقة كأصحاب السنن الستة والمسانيد والمعاجم، وبعضهم جمعها في مؤلف مستقل وهؤلاء أيضاً كثيرون كما سبق (¬١). وهؤلاء الجامعون للأدعية النبوية لم ينقلوا حرفاً واحداً من توسل النبي ﷺ بالأنبياء السابقين بطريق صحيح صريح، كما لم يذكروا أنه أمر أصحابه بالتوسل به وبجاهه أو بجاه الأنبياء السابقين وشرفهم، ولا نجد في تلك الأدعية المباركة، التوسل المبتدع الذي يلهج به المتأخرون والذي لا يخلو منه دعاء من أدعيتهم.\rاللهم إلا ما قد يشتبه من ذلك في حديث الضرير وسيأتي التنبيه عليه وما يشبهه وأن ذلك ليس من التوسل المبتدع على فرض صحة تلك الأحاديث.","footnotes":"(¬١) مر ص: ١٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048970,"book_id":1098,"shamela_page_id":618,"part":"2","page_num":640,"sequence_num":618,"body":"٤ - قد ذكر علماء السنة والآثار أدعية الصحابة والتابعين فإذا بحثنا فيها فلا نجد توسلهم بحبيبهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم، ولا نجد توسلهم بكبار الصحابة أبي بكر وعمر، فهل ترى أن المتأخرين يحبون النبي ﷺ أكثر منهم؟ كلا.\r٥ - إن التوسل بالذوات لو كان جائزاً عند الصحابة لما جاء الأعمى إلى الرسول ﷺ بل جلس في بيته وتوسل بجاهه، ولما عدل عمر وَمن معه إلى العباس ولما أمر النبي ﷺ عمر أن يطلب من أويس القرني الاستغفار بل كان يكفيه أن يقول: اللهم أني أسألك بحق أويس القرني (¬١).\r٦ - أننا قد ذكرنا (¬٢) تشدد السلف الصالح في الأدعية وتحذيرهم الشديد من الابتداع في الدين عموماً وفي الأدعية خصوصاً وذكرنا -بحمد الله- ما يدل على أن الالتزام بالأدعية المأثورة هو الأولى، وإن كان غير المأثور الذي هو المفضول جائزاً لكن السلف الصالح ومن تبعهم من الفقهاء المعتبرين حذروا من الأدعية المبتدعة، فدل هذا على أن التوسل المبتدع قد حذر منه السلف ضمناً، مع أنه لم يقع في زمانهم الابتداع بالتوسل ونحوه إلا بصورة نادرة إذا قارناه بما وقع للمتأخرين، هذا على فرض ثبوت ما يروى عن بعضهم من التوسل بالذاوات وإلا فيظهر أنه لم يقع التوسل المبتدع إلَّا في القرون المتأخرة.\rفإذا كان السلف ينكرون على من يقول: يا سبحان يا غفران ونحو هذا (¬٣) مع أنه إنما نادى صفة من صفات الله وأراد التوسل بها إلى الله تعالى، فكيف يكون إنكارهم على من ينادي الولي أو القبر متوسلاً به إلى الله تعالى؟ بل كيف يكون إنكارهم على من يطلب المدد والاستغاثة من دون الله تعالى؟","footnotes":"(¬١) انظر معارج القبول: ١/ ٤٨٣.\r(¬٢) انظر ص: ٥٦٩ - ٥٩٢.\r(¬٣) شأن الدعاء للخطابي ص: ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048971,"book_id":1098,"shamela_page_id":619,"part":"2","page_num":641,"sequence_num":619,"body":"السلف الذين أنكروا الابتداع في الأدعية الإمام مالك ﵀ ومن فإنه كان يكره أن يقول الداعي يا سيدي بل يقول كما قالت الأنبياء يا رب، كما أنكر (¬١) غير هذا مما ابتدع في الدعاء في زمانه، فإذا كان مالك إمام دار الهجرة يكره في الدعاء إلا متابعة الأنبياء في قولهم مع صحة المعنى في نحو يا سيدي، فكيف تكون كراهة مالك للتوسل المبتدع بل ولطلب المدد؟ فلا يشك عاقل أن كراهته له أشد.\r٧ - إن الذي يتوسل (¬٢) في الدعاء يعتقد أنه مشروع في الدعاء وينوي به التعبد والتقرب والطاعة وأنه مما يستجاب به الدعاء وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجبًا وإما أن يكون مستحبًا، إذ العبادات لا تكون إلا أحدهما، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة ودعاء الله تعالى عبادة، والتوسل بالذوات ليس بواجب ولا مستحب، فثبت بهذا كون التوسل بالذوات غير عبادة فهو إذن بدعة.\r٨ - إن العلماء اختلفوا (¬٣) في مسألة دعاء الله تعالى والتوسل إليه بغير التسعة والتسعين اسمًا التي وردت في الحديث، فمن العلماء من قال: لا يدعي بغير التسعة والتسعين وإن كان يسمى بها ويخبر بها عنه، فالدعاء لا يجوز إلا بما في هذا العدد، فهذا القول وإن كان مرجوحًا لكن المقصود أنه إذا كان العلماء منهم من يجيز الدعاء بغير التسعة والتسعين مع ثبوت كونه من الأسماء الحسنى، دل هذا على تشدد العلماء في باب الدعاء وتحذيرهم عن الابتداع فيه، فيدل هذا على أنه لا يجوز من باب أولى دعاء الله تعالى بما لم يثبت كونه من الأسماء الحسنى ولا من صفاته نحو الأنبياء والأولياء، وذلك لأن الله تعالى قيد دعاءه بالأسماء الحسنى فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ففي هذه الآية أمر","footnotes":"(¬١) انظر ص: ٥٨٢، وانظر معنى الكراهة عند السلف ص: ٦٤٧.\r(¬٢) انظر في هذا، قاعدة في التوسل: ٩٢، ١٠٧.\r(¬٣) انظر في هذا الاختلاف: الفتاوى: ٦/ ١٤١ - ١٤٣، والفتاوى الكبرى المصرية: ١/ ٢١٦، وفتح الباري: ١١/ ٢٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048972,"book_id":1098,"shamela_page_id":620,"part":"2","page_num":642,"sequence_num":620,"body":"بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها كما قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:]، فهو نهى أن يدعوا لغير آبائهم، وفي هذه الآية أيضًا أن الله تعالى لا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، فالحسنى اسم تفضيل أي لا يدعى إلا بالاسم الأحسن، وأما الاسم الحسن أو الذي ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه فلا يدعى به وإن كان يجوز ذلك في باب الإخبار عنه وأما في باب الدعاء فلا.\r٩ - إن علماء السلف رحمهم الله تعالى قد فهموا من أحاديث الاستعاذة بالله وكلماته أنه لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق.\rوقد تقدم -بحمد الله- ذكر نصوص كلامهم في ذلك (¬١).\rوكذلك ينبغي لنا أن نفهم مما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من الأمر بالتوسل بأسماء الله تعالى أنه لا يجوز التوسل بذوات المخلوقين.\rفكلا المسألتين - متطابقة والمأخذ واحد.\r١٠ - إن السؤال بالذوات سؤال بسبب لا يقتضي المطلوب، لأن الله ﷾ لم يجعل السؤال بالذوات سببًا لحصول المطلوب لأنه سؤال بذات لا رابط بينها وبين ذات السائل، لأن السائل إذا توسل بإيمانه وأعماله الصالحة فقد توسل بسبب له علاقة وارتباط به لأن أعماله له الأجر عليها، ومن ذلك إجابة الدعاء، وأما ذات مخلوق آخر فأي وسيلة بينهما وأي علاقة تربطهما؟ (¬٢).\rاللهم إلا إن توسل بإيمانه بالنبي ﷺ ومحبته له أو محبته للصالحين ولكن هذا القصد قلما يخطر ببال المتوسلين بالذوات.","footnotes":"(¬١) تقدم ص ٤٢٦ - ٤٢٨.\r(¬٢) انظر قاعدة في التوسل: ١٠٧، والرد على البكري: ٤٠، وشرح الطحاوية: ٢٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048973,"book_id":1098,"shamela_page_id":621,"part":"2","page_num":643,"sequence_num":621,"body":"وحاصل هذا الوجه أنهم يقولون إن التوسل سبب لإجابة الدعاء، فهم مطالبون بأمرين: أحدهما الدليل على أنه سبب لتحصيل الإجابة، وثانيهما الدليل على أنه سبب مشروع لا يحرم فعله فإنه ليس كل ما كان سببًا كونيًا يجوز تعاطيه، فإن قتل المسافر قد يكون سببًا لأخذ ماله وكلاهما محرم (¬١).\rوهؤلاء المدافعون عن مشروعية التوسل ليس لديهم الأدلة الكافية لإثبات هذين الأمرين إلا بعض الشبهات وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.\r١١ - إن اعتقاد مشروعية التوسل بالذوات أدى إلى مفاسد جسيمة وعواقب وخيمة، وما كان كذلك فلا يمكن أن يشرعه الله تعالى، لأن الشريعة الإسلامية إنما جاءت بترجيح المصالح وتكثيرها وتقليل المفاسد وإزالتها فثبت بهذا أنه بدعة لم يشرعه الله تعالى.\rوإليك بيان بعض تلك المفاسد التي في التوسل بالذوات:\rأ- إن التوسل بالذوات هو الباب الرئيسي الذي دخل منه الشيطان إلى المسلمين لنشر دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالأموات والاستمداد بهم.\rولا يستريب في هذا من له اهتمام ومعرفة بأسباب انتشار الشركيات والبدع، فتجويز التوسل يؤدي بلا شك إلى انتشار دعاء غير الله تعالى لأن الشيطان يزين للإنسان أولًا الدعاء بمن يعتقد فيه ثم ينقله إلى دعائه نفسه والعياذ بالله.\rب - إن من مفاسده صرف الافتقار إلى غير الله تعالى، فقد قال الإمام النووي ﵀ في التوسل المشروع، الذي هو التوسل بالأعمال الصالحة إن في ذلك نوعًا من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى (¬٢).","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ٢٣٠ و ٨٦ - ٨٧، والفتاوى: ١/ ١٣٧.\r(¬٢) الأذكار للنووي: ٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048974,"book_id":1098,"shamela_page_id":622,"part":"2","page_num":644,"sequence_num":622,"body":"فإذا كان الإمام النووي ﵀ يخاف من ترك الافتقار المطلق في التوسل بالأعمال مع ثبوته ومشروعيته فكيف يكون الأمر في التوسل بالذوات حيث علق الداعي قلبه بغير الله والتفت في دعائه إلى غير الله تعالى؟ فالتوسل المبتدع يتضح فيه ترك الافتقار المطلق من العبد أكثر من وضوحه في التوسل المشروع، فإذا قدرنا أنه لم يلتفت بقلبه إلى المتوسل به ولم يترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى فلماذا أقحم اسم المخلوق في مخاطبة الله ومناجاته؟\rففيه بلا شك ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى وهذه مفسدة عظيمة.\rجـ - إن التوسل بالذوات هو الذي فتح للعوام نداء الأموات والاستغاثة بهم بحجة أن ذلك توسل لعدم معرفة بعضهم بالفرق بين الأمرين، ولتساهل آخرين، ولاعتقاد البعض أن الكل جائز من باب واحد فالولي أعطي السلطة الغيبية والتصرف المطلق عند هؤلاء فلا مانع من الطلب منه إلى غير ذلك.\rد - إن التوسل له أثر واضح في اعتقاد المتوسل أن المتوسل به له أثر في إجابة الدعاء إذ لو كان يعتقد أنه ليس له أثر مَّا في استجابة الدعاء فوجوده وعدمه سواء، لما أجهد نفسه بزيادة ذكر اسم المتوسل به أثناء مخاطبة الله تعالى.\rمع أن المعلوم أن المتوسل به ليس له دخل في الاستجابة إذ لا علم له بمن يتوسل به حتى يقال: إنه دعا الله تعالى أو شفع عند الله. ولهذه المفاسد وغيرها يترجح منع التوسل البدعي وبدعيته وأن الله ﷾ لا يشرع ما يترتب عليه مثل هذه المفاسد حاشا وكلا شرع الله من ذلك.\rثم إن من القواعد المقررة سد الذرائع ولا يخفى أن التوسل المبتدع ذريعة إلى هذه المفاسد والتي منها دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048975,"book_id":1098,"shamela_page_id":623,"part":"2","page_num":645,"sequence_num":623,"body":"فلو أن العلماء منعوا العوام من التوسل البدعي، لما وصل العوام إلى ما نراهم فيه من دعاء الأموات ليلًا ونهارًا واللهج بأسمائهم عند كل ملمة، وجعل ذلك هجيراهم ودأبهم.\r١٢ - التوسل بالذوات هو مثل الإقسام بالذوات وقد ورد النهي عن القسم بمخلوق فقد قال ﷺ: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\" (¬١).\rفكما أنه لا يجوز أن يحلف بمخلوق فكذلك لا يجوز أن يقسم على الله بمخلوق ولا يسأل بنفس مخلوق، فالسؤال بالمخلوق والإقسام به كلاهما من باب واحد، وقد تقدم بيان أن العلماء منعوا الحلف بغير الله ومنهم من جعله من الشرك الأكبر كما منعوا الإقسام على الله تعالى بالمخلوق (¬٢).\rومن هذا الباب التوسل البدعي. فهو مثل القسم والحلف بغير الله تعالى فلا فرق بين ذلك.\r١٣ - ثم يقال لمن يجيز الإقسام على الله تعالى بالمخلوق أو السؤال به: ما هو الضابط الذي تتبعه في السؤال بالمخلوقات والإقسام بها؟ هل يقسم بكل مخلوق أو بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها؟.\rفإن قال بكل مخلوق لزمه أن يسأل بالشياطين، فهذا لا يقوله مسلم وإن قال بالمعظمة فيقال: هل هو خاص بنوع معين أم لا؟ فإن قال بالمخلوقات التي أقسم الله بها لزمه السؤال بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وبكل ذكر وأنثى ولزمه أن يسأله بالشمس والقمر والكواكب مع أنها عبدت من دون الله.\rوإن قال بمعظم دون معظم فيقال له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض فكلها مشتركة في أنه لا يجعل شيء منها ندًا لله تعالى، فلا يعبد ولا يتوكل على أحد من المخلوقات كائنًا ما كان، ونهى الله عن","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٤٥٥.\r(¬٢) تقدم ص: ٥٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048976,"book_id":1098,"shamela_page_id":624,"part":"2","page_num":646,"sequence_num":624,"body":"الشرك به في أي مخلوق، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].\rوالله سبحانه سوى بين المخلوقات فلم يجعل لأحد منها سواء كان نبيًا أو غيره أن يقسم به ولا يتوكل عليه ولا يرغب إليه، فكذلك السؤال إما أن يسوغ بالكل وإما ألا يسوغ مطلقًا أو بكل معظم والتفريق بين معظم ومعظم كتفريق من فرق، فزعم أنه يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض فكما أن هذا فرق باطل فكذلك الآخر (¬١).\r١٤ - ثم إن مسألة التوسل أمر اختلف فيه العلماء ما بين مجيز ومحرم أفلا يكون منعه من باب اجتناب الشبهات التي أمرنا بالاجتناب ومحرم عنها في مثل قوله ﷺ: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" (¬٢)، فإذا كان الفقهاء يراعون الخلاف حتى في المسائل التي أدلتها ضعيفة فلماذا لا نراعي هنا الخلاف مع قوة الأدلة التي تدل على المنع وقد ذكرناها؟\rفالإنصاف يقتضي أن نراعي هنا أكثر فأكثر لعلاقة المسألة بإخلاص العبادة لله الذي ضده الكفر والعياذ بالله، وسيأتي قريبًا (¬٣) قول بعض علماء الحنفية: إن مثل هذا لا ينبغي أن يطلق إلَّا بنص قطعي أو إجماع قوي وكلاهما ممتنع، فالوجه المنع، وقول آخرين منهم: إنما يروي في مثل هذا لا يكون حجة في باب العقائد.\r١٥ - ثم إن التوسل بالذوات لو قلنا بجوازه فلا يخلو إما أن نقول: إن التوسل المشروع أفضل منه أو هو أفضل ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه هو الأفضل، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نترك الأفضل ونبحث عن","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل: ١٠٨ - ١١٢.\r(¬٢) حديث صحيح رواه عدة من الصحابة منهم الحسن وأنس وابن عمر حديث الحسن أخرجه أحمد: ١/ ٢٠٠١، والترمذي: ٤/ ٦٦٨ رقم ٢٥١٨، والحاكم: ٤/ ٩٩، وسكت عنه وقال الذهبي: سنده قوي، وانظر الإرواء: ١/ ٤٤ رقم ١٢.\r(¬٣) انظر ص: ٦٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048977,"book_id":1098,"shamela_page_id":625,"part":"2","page_num":647,"sequence_num":625,"body":"المفضول؟ فهل هذا إلا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير؟\r١٦ - إن كثيرًا من العلماء السابقين ذهبوا إلى منع التوسل بالذوات ونص غير واحد منهم على أنه لا يجوز.\rقال الإمام أبو حنيفة ﵀ ونقله عنه أصحابه مقررين له:\r\"ويكره أن يدعو الله إلا به\". وفي رواية عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: \"لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به\"، والدعاء المأذون فيه المأمور به - ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. \"ويكره أن يقول في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك\"، وقالوا أيضًا: \"ويكره أن يقول في دعائه أعطني بحق فلان كذا وبحق محمد ﷺ كذا أو بحق أنبيائك وأولياءك أو بحق البيت أو المشعر الحرام … \" (¬١).\rوالمراد من قول أبي حنيفة ﵀ يكره أن يدعو الله إلا به أو لا ينبغي … كراهة التحريم كما هي عادة السلف يطلقون هذه العبارات على ما هو محرم وهي لغة الكتاب والسنة والسلف الصالح، قبل أن يحدث","footnotes":"(¬١) الجامع الصغير مع شرح القاضي خان: ٢/ ٢ ل ٣٢٢، وفوائد الجامع الصغير للصدر الشهيد: ل ٩٧، والنافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير للكنوي ص: ٣٩٥، والهداية للمرغيناني: ٤/ ٩٦، والمختار في الفتوى مع شرحه الاختيار: ٤/ ١٦٤، والفتاوى البزازية: ٣/ ٣٥١، وتبيين الحقائق شرح كنز الحقائق للزيلعي: ٦/ ٣١، ودرر الحكام في شرح غرر الأحكام: ١/ ٣٢١، والخلاصة: ٤/ ٣٢٦، والبناية شرح الهداية للعيني: ٩/ ٣٨٠ - ٣٨٤، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم: ٨/ ٢٠٧، والتحرير المختار مع رد المحتار: ٢/ ٣٠٩، والكفاية شرح الهداية مع حاشيته نتائج الأفكار: ٨/ ٤٩٨، والدر المختار: ٢/ ٦٣٠، ورد المحتار مع حاشية ابن عابدين: ٥/ ٣٩٥ - ٣٩٧، والفتاوى الهندية: ٥/ ٣١٨، وانظر القاعدة الجليلة نقلًا عن القدوري ص: ٥٠، واقتضاء الصراط المستقيم: ٤٠٧، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٨، وشرح الطحاوية لابن أبي العز: ٢٠٢، وشرح الإحياء للزبيدي: ٢/ ٢٨٥، ٥/ ٤٤، وشرح الفقه الأكبر للقاري: ١٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048978,"book_id":1098,"shamela_page_id":626,"part":"2","page_num":648,"sequence_num":626,"body":"المصطلح المتعارف عليه بين الفقهاء المتأخرين من التفريق بين الكراهة والتحريم.\rفاللائق حمل كلام أئمة السلف على ما هو مرادهم لا على مصطلحات المتأخرين وقد بيّن ابن القيم ﵀ غلط المتأخرين على الأئمة، بسبب عدم مراعاة مراد الأئمة من إطلاق مثل هذه العبارات (¬١).\rوقد نص علماء الحنفية على أن مراد الإمام في هذه العبارة السابقة -التحريم-.\rقال ابن عابدين: \"وتحمل الكراهة المذكورة على كراهة التحريم\" (¬٢).\rوقال غيره: \"إن المروي عن محمد ﵀ نصًا أن كل مكروه حرام إلا أنه لما لم يجد فيه نصًا قاطعًا لم يطلق عليه الحرام، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه إلى الحرام أقرب\" (¬٣).\rوبما تقدم يتبين أن الإمام أبا حنيفة ﵀ لا يجيز الدعاء إلا بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وهذا هو التوسل الشرعي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ولهذا قال رحمه الله تعالى:\r\"والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.\rفرحم الله الإمام ما أدق فقهه، فقد فهم رحمه الله تعالى أن الدعاء\rعبادة وأنه لا يجوز بغير المأذون فيه والمأثور عن النبي ﷺ، لأن العبادة توقيفية، وأن الدعاء بغير أسمائه الحسنى وصفاته العليا -غير مأذون فيه-.","footnotes":"(¬١) إعلام الموقعين: ١/ ٣٩ - ٤٣، ونحوه في العلم الشامخ ص: ١٠٢.\r(¬٢) حاشية ابن عابدين على رد المحتار نقلًا عن ابن أمير حاج: ٥/ ٣٩٦.\r(¬٣) الهداية: ٤/ ٧٨، وإعلام الموقعين: ١/ ٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048979,"book_id":1098,"shamela_page_id":627,"part":"2","page_num":649,"sequence_num":627,"body":"فلهذا كره أن يقول الرجل أسألك بمعقد العز من عرشك لأنه ليس دعاء بأسماء الله وصفاته فلا يجوز. والعلة في المنع من الدعاء المذكور هو ما صرح به الإمام ﵀ من أن الدعاء خاص بالوارد المأذون فيه، وهو ما دلت عليه الآية المذكورة، ويتبين من هذا أن سبب منعه من الدعاء المذكور هو عدم كونه توسلًا بالأسماء الحسنى والصفات العليا.\rوبهذا يتضح ضعف ما علل به متأخروا فقهاء الحنفية منع الإمام أبي حنيفة من الدعاء المذكور بأن العبارة توهم - على رواية معقد العز من عرشك بتقديم العين - تعلق عزه بالعرش، وهو محدث، والله تعالى بجميع صفاته قديم، لم يزل موصوفًا بها في الأزل (¬١)، وقالوا: إن معناه لا ينكشف لكل أحد (¬٢).\rوقالوا على رواية مقعد العز من عرشك بتقديم القاف على العين (¬٣): لا ريب في منعه لأنه يكون من القعود الذي هو الجلوس لاستحالته على الله تعالى.\rووجه ضعف ما عللوا به، هو أن علة المنع في كلام الإمام واضحة جدًا وهو عدم جواز دعاء الله تعالى إلا ما دلت عليه الآية، وهي علة عامة تعم هذا المثال الذي ذكره الإمام وغيره مما يدخل في التوسل البدعي أو الشركي.\rوهؤلاء المتأخرون ظنوا أن علة المنع هو ما في المثال من الإيهام.\rوقد يقال: إن الإيهام المذكور سبب من أسباب المنع إلا أنه ليس هو السبب الذي يدل عليه كلام الإمام.\rثم على كلام هؤلاء إن هذا الإيهام لو لم يكن لجاز هذا الدعاء، وهذا خلاف مراد الإمام المفهوم من سياق كلامه.","footnotes":"(¬١) و (¬٢) انظر كتب الحنفية السابقة.\r(¬٣) شرح الإحياء للزبيدي: ٥/ ٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048980,"book_id":1098,"shamela_page_id":628,"part":"2","page_num":650,"sequence_num":628,"body":"ومما يدل على ضعف قولهم اعتراض بعضهم على الإيهام الذي ذكروه وأنه لا محذور فيه، لأن تعلق الصفة بشيء حادث لا يوجب حدوث تلك الصفة (¬١).\rوبعضهم تأول وقال: إن العز صفة للعرش ولا مانع من ذلك (¬٢).\rوهذا كله يدل زيادة على ما سبق على ضعف ما عللوا به، وأن الصحيح ما يدل عليه كلام الإمام من اشتراط كونه بالله وأسمائه وصفاته.\rولهذه العلة نفسها كره الإمام قول الرجل في دعائه أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك، لأنه ليس دعاء بالله ولا بأسمائه وصفاته.\rولكن فقهاء الحنفية المتأخرون عللوا أيضًا سبب المنع بأنه لا حق لمخلوق على الله تعالى، فيعترض عليهم بأن الله أثبت على نفسه تفضلًا وتكرمًا حقًا لعباده الموحدين كما في حديث معاذ المتفق عليه \"أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ \" (¬٣).\rفثبت بهذا ضعف علتهم هذه أيضًا.\rوبهذا يعلم دقة فقه السلف وغوصهم على المعاني، وأن المتأخرين قد يصعب عليهم معرفة مرادهم، وأنهم يعللون كلام السابقين بغير مرادهم.\rويعلم أيضًا أن أبا حنيفة وأصحابه لا يجيزون التوسل البدعي، ولم يخالف في هذا من أصحابه إلا أبو يوسف في بعض صوره، وتبعه الفقيه أبو الليث فقد قالا: بجواز قوله: بمعاقد العز من عرشك\".","footnotes":"(¬١) نتائج الأفكار تكملة فتح القدير: ٨/ ٤٩٨ - ٤٩٩، وابن عابدين على رد المحتار: ٥/ ٣٩٥، وانظر تحقيق هذه المسألة في جامع الرسائل: ١/ ١٧٧ - ١٨٣، والفتاوى: ٦/ ٢٦٨ - ٢٨٨.\r(¬٢) تبيين الحقائق: ٦/ ٣١.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٦/ ٥٨ رقم ٢٨٥٦، ومسلم: ١/ ٥٨ رقم ٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048981,"book_id":1098,"shamela_page_id":629,"part":"2","page_num":651,"sequence_num":629,"body":"وأما قول الرجل بحق فلان وحق أنبيائك ورسلك … إلخ، فقد اتفق (¬١) جميع أصحاب أبي حنيفة أبو يوسف وغيره على عدم جوازه، فلم يختلفوا في هذه المسألة وإنما خلاف أبي يوسف خاص بمسألة \"معاقد العز من عرشك\" وذلك لأن أبا يوسف إنما أجازه احتجاجًا بما ورد من الأثر إلا أن الأثر الذي احتج به ضعيف جدًا بل هو موضوع، وهو ما روي من طريق عمر بن هارون البلخي عن ابن جريج، عن داود بن أبي عاصم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال:\r\"اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار، وتتشهد بين كل ركعتين، فإذا تشهدت في آخر صلاتك فائن على الله ﷿ وصل على النبي ﷺ واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات وقل: لا إلا إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، ثم قال: \"اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم، وكلماتك التامة، ثم سل حاجتك، ثم ارفع رأسك ثم سلم يمينًا وشمالًا، ولا تعلموها السفهاء فإنهم يدعون بها فيستجاب\" (¬٢).\rقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع بلا شك، وإسناده [مخبط] كما ترى، وفي إسناده عمر بن هارون قال ابن معين فيه كذاب، وقال ابن حبان يروى عن الثقات المعضلات ويدعي شيوخًا لم يرهم (¬٣).\rوقد قال فيه ابن مهدي وأحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال أبو داود: غير ثقة، وقال علي بن المديني والدارقطني: ضعيف جدًا (¬٤).","footnotes":"(¬١) حاشية ابن عابدين على رد المحتار: ٥/ ٣٩٧.\r(¬٢) أخرجه البيهقي في الدعوات: ل ٣٦/ أ، وابن الجوزي في الموضوعات: ٢/ ١٤٢، والواحدي في كتاب الدعاء كما في عدة الحصن مع التحفة ص: ١٧٧.\r(¬٣) الموضوعات: ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، ونصب الراية: ٤/ ٢٧٣، وزيادة كلمة مخبط منه.\r(¬٤) الكامل لابن عدي: ٥/ ١٦٨٨، المجروحين: ٢/ ٩٠ - ٩١، والميزان: ٣/ ٢٢٨، والتهذيب: ٧/ ٥٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048982,"book_id":1098,"shamela_page_id":630,"part":"2","page_num":652,"sequence_num":630,"body":"ثم تفرد به عن عمر بن هارون - عامر بن خداش وهو صاحب مناكير (¬١).\rهذا ما يتعلق بنقد هذا الحديث من جهة الإسناد.\rوقد انتقده ابن الجوزي أيضًا من جهة المعنى بأنه قد صح (¬٢) عن النبي ﷺ النهي عن القراءة في السجود.\rوقد نقل كلام ابن الجوزي الحافظ الزيلعي وأقره (¬٣) وقال الشوكاني: هذا من أعظم الدلائل على كون هذا المروي موضوعًا (¬٤).\rوهذا الانتقاد من جهة المتن قوي جدًا يدل على وضع هذا الحديث دلالة واضحة لأن علماء مصطلح الحديث ذكروا أن مما يدل على وضع الحديث مخالفته للحديث الصحيح، وقد تقدم ذكر هذا (¬٥).\rوقد روي نحوه من طريق آخر من رواية أنس ولكنه فيه كذاب (¬٦) أيضًا.\rفثبت بهذا أن الأثر الوارد في السؤال بمعاقد العز الذي تمسك به أبو يوسف في إجازته لهذا الدعاء - موضوع.\rوقد اتضح من هذا أن الصواب قول أبي حنيفة من عدم جواز","footnotes":"(¬١) الترغيب والترهيب للمنذري: ١/ ٢٤٤، والميزان: ٢/ ٣٥٩، والمغني: ١/ ٤٥٩، وانظر تحفة الذاكرين: ١٧٧ - ١٧٨.\r(¬٢) صح ذلك من حديث علي وابن عباس أخرجهما مسلم: ١/ ٣٤٨ - ٣٥٠ رقم ٤٨٠، ٤٨١.\r(¬٣) نصب الراية: ٤/ ٢٧٣.\r(¬٤) تحفة الذاكرين ص: ١٧٨.\r(¬٥) تقدم ص: ٣٣٧.\r(¬٦) انظر تنزيه الشريعة: ٢/ ٣٣٠، ذكر حديثًا في قصة الهجرة وأن جبريل علم النبي ﷺ دعاء وفيه: \"أسأله بمعاقد العز من عرشك … \" قال ابن عراق في ص: ١/ ٧٤ إن عبدالله بن قيس كذبه الأزدي وانظر أيضًا الميزان: ٢/ ٤٧٣، فقد ذكر الذهبي عن الأزدي تكذيبه وأقره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048983,"book_id":1098,"shamela_page_id":631,"part":"2","page_num":653,"sequence_num":631,"body":"الدعاء إلا بالمأذون فيه من الدعاء بالله وأسمائه وصفاته، وأن قوله بمعاقد العز من عرشك أو بحق فلان غير جائز لأنه ليس من الدعاء المأذون فيه من أسماء الله وصفاته.\rوأن قول أبي يوسف ضعيف لأمرين:\r١ - كون الأثر الذي احتج به موضوعًا.\r٢ - ما ذكره علماء الحنفية في رد حجة أبي يوسف من أن هذا الأثر الذي احتج به أبو يوسف خبر واحد فيما يخالف القطعي، والمتشابه الذي كهذا الدعاء إنما يثبت بالقطعي (¬١).\rومعلوم أن خبر الواحد إذا خالف القطعي يرد ما لم يمكن الجمع.\rومن هنا قال بعض علماء الحنفية: \"فالحق أن مثله لا ينبغي أن يطلق إلا بنص قطعي أو بإجماع قوي، وكلاهما منتف، فالوجه المنع\" (¬٢).\rولهذا قال ابن عابدين بعد أن ذكر بعض صيغ الصلاة على النبي ﷺ المبتدعة، وذكر اختلاف المتأخرين في جوازها وعدمه: \"أقول: ومقتضى كلام أئمتنا المنع من ذلك إلا فيما ورد عن النبي ﷺ … \" (¬٣).\rعلماء الحنفية المتأخرين الذين قالوا بمثل هذا القول: الشيخ علي محفوظ صاحب كتاب الإبداع، فإنه ذكر التوسل بمعنى الإقسام بذاته ﷺ وأنه لم يرد عن الصحابة ولا يعرف في شيء من الأدعية المشهورة المأثورة عنهم ثم قال: \"وما يروى في ذلك فضعيف لا يصلح حجة في باب العقائد\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) الهداية: ٤/ ٩٦، وتبيين الحقائق: ٦/ ٣١، ورد المحتار مع حاشية ابن عابدين: ٥/ ٣٩٦، والفتاوى الهندية: ٥/ ٣١٨، ونقل هذا القول عن ابن عابدين السمنودي في سعادة الدارين ص: ١٦٧.\r(¬٢) حاشية ابن عابدين على رد المحتار: ٥/ ٣٩٦.\r(¬٣) المصدر نفسه: ٥/ ٣٩٦.\r(¬٤) الإبداع في مضار الابتداع: ٢١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048984,"book_id":1098,"shamela_page_id":632,"part":"2","page_num":654,"sequence_num":632,"body":"وإذا اتضح أن المنع من التوسل بغير أسماء الله تعالى وصفاته - هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأنهم اتفقوا في منع مثل \"بحق أنبيائك ورسلك\" بدون اختلاف فيما بينهم تبين كذب من زعم أن ابن تيمية هو الذي ابتدع منع التوسل بالذوات.\rوأن العلماء مجمعون على جوازه، كما ادعى ذلك السبكي (¬١) والنبهاني (¬٢). والكوثري الذي قال: \"وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أن ابتدع إنكار ذلك - الحراني فرد أهل العلم كيده في نحره … (¬٣).\rومن العجب العجاب أن الكوثري متفان في تقليد أبي حنيفة في الفروع والدفاع عنه ولو أدى ذلك إلى اتهام بعض الصحابة كما فعل مع أنس بن مالك (¬٤)، ومن هنا لقبه بعض أصدقائه بمجنون أبي حنيفة (¬٥).\rومع هذا كله يترك تقليد أبي حنيفة في الأصول كما هو شأن المقلدين المتأخرين، فهذه المسألة التي نحن بصددها خير شاهد على ما نقول.\rفقد اتضح بدون أدنى شك أن مذهب أبي حنيفة المنع من التوسل البدعي، وهذا منقول عن أبي حنيفة في أغلب كتب علماء الحنفية. وقد تقدمت الإشارة في الحاشية إليها، ويبعد كل البعد ألا يطلع الكوثري على تلك الكتب الحنفية لأن المسألة مذكورة في أغلب كتبهم، والكوثري","footnotes":"(¬١) شفاء السقام: ١٧١.\r(¬٢) شواهد الحق: ٥٤ - ٥٥، ونحو هؤلاء الداجوي فإنه ادعى الإجماع على ذلك أيضًا كما في إرشاد الناظر: ٢٣١.\r(¬٣) المقالات للكوثري: ٣٩٧.\r(¬٤) انظر التنكيل: ١/ ٦٥ وما بعدها.\r(¬٥) بدع التفاسير: ١٧٩ الهامش، وانظر رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري: ١٢٧ الهامش.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048985,"book_id":1098,"shamela_page_id":633,"part":"2","page_num":655,"sequence_num":633,"body":"حريص على فقههم، ويرى أن له ميزات على غيره من المذاهب (¬١).\rفكيف يمكن عدم اطلاعه على تلك النصوص في تلك الكتب؟\rوالظاهر أن الهوى وبغضه لشيخ الإسلام ابن تيمية هو الذي حمله على ما قال، وأعماه عن تقليد إمامه في هذه المسألة وغيرها من مسائل أصول العقيدة والله أعلم.\rومثل الكوثري البوطي فإنه قال: \"وأما ما يتعلق بالتوسل بجاه رسول الله ﷺ أو غيره من الصالحين والمقربين، فلا نعلم أي نقاش أو بحث دار حول ذلك في عصر السلف بقرونه الثلاثة المشهود لها بالفضل\"، ثم ذكر بعض الأحاديث التي يتعلق بها من يجيز التوسل البدعي ثم قال: \"والمهم أن هذا هو كل ما وصلنا عن رسول الله ﷺ وأصحابه وبقية السلف في شأن التوسل، وظل الأمر على ذلك حتى جاء الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ففرق بين التوسل بالأنبياء والصالحين في حال حياتهم والتوسل بهم بعد موتهم فأجاز ذلك بهم في الحالة الأولى وحرمه في الحالة الثانية، ولا ندري لهذا التفريق أي مستند يرجع إلى عصر السلف\" (¬٢).\rثم زعم أن أدلة التوسل في حال الحياة مطلقة تجري على إطلاقها (¬٣).\rوفي هذا الكلام الذي ذكره البوطي عدة دعاوي:\r١ - إن السلف لم يتكلموا في هذا الموضوع.\r٢ - إن ابن تيمية هو المبتدع لهذا الكلام.\r٣ - إنه فرق بين الحالتين الحياة والموت.","footnotes":"(¬١) انظر ما كتبه في ذلك في تقدمته لنصب الراية للزيلعي من ص: ١٧ - ٦٠ وهي المطبوعة مفردة بتحقيق أبو غدة بعنوان فقه أهل العراق وحديثهم.\r(¬٢) السلفية مرحلة مباركة: ١٥٤ - ١٥٥.\r(¬٣) المصدر نفسه: ١٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048986,"book_id":1098,"shamela_page_id":634,"part":"2","page_num":656,"sequence_num":634,"body":"٤ - إنه لا دليل على هذا التفريق.\r٥ - بل الدليل على عدم التفريق لإطلاق أدلة التوسل التي تعم الحالتين.\r\rالجواب عن هذه الدعاوي:\rإن هذه الدعاوي التي ادعاها البوطي غير صحيحة بل هي باطلة وبيان ذلك كالآتي:\rأ - أما ما ادعاه من عدم كلام السلف في هذا الموضوع فغير صحيح لما عرفت من كلام أبي حنيفة وأصحاب مذهبه.\rثم من غير الحنفية قد تكلم فيه آخرون منهم العز بن عبد السلام فقد تكلم في هذه المسألة وأشار إلى حديث الضرير وأنه إن صح فهو مقصور على النبي ﷺ (¬١). وهو قبل شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه توفي عام ٦٦٠ هـ.\rوبهذا اندفعت الدعوتان الأوليتان فثبت أن ابن تيمية ليس مبتدعًا تلك المسألة وليس أول قائل بها بل سبقه أبو حنيفة وأصحابه والعز بن عبد السلام وقد يكون هناك آخرون لم نطلع على كلامهم، بل شيخ الإسلام ابن تيمية يمنع من إحداث قول لم يسبق إليه من السلف، فتبين بهذا أنه متبع للأدلة متبع ولكلام السلف وليس مبتدعًا.\rب - والتفريق بين الحالتين الذي ادعاه غير حاصل وذلك للأمور التالية:","footnotes":"(¬١) فتاوى العز بن عبد السلام: ١٢٦ - ١٢٧، والأزهية: ١٧٣ - ١٧٤، وفيض القدير: ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، وفتاوي ابن تيمية: ١/ ١٤١، وقاعدة في التوسل: ١٤٧.\rثم إني رأيت في فتاوى ابن رشد أبي الوليد (ت ٥٢٠ هـ) مثل كلام ابن عبد السلام، فصرح بأنه خاص به ﷺ إن صح الحديث. فيكون ابن رشد سبق العز وابن تيمية كليهما لكني لم أجد أحدًا ذكر كلام ابن رشد وهذا مما جعل في صحة هذه الفتوى عن ابن رشد شكًا، ولكن مما يقوي ثبوتها عنه ما نقله محقق الكتاب د. المختار التليلي أن هذه المسألة توجد في بعض كتب المالكية: المعيار للونشريسي: نوازل الجامع: ١٢/ ٣١٤.\rانظر: فتاوى ابن رشد القرطبي: ٣/ ١٦٢٢ رقم ٦٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048987,"book_id":1098,"shamela_page_id":635,"part":"2","page_num":657,"sequence_num":635,"body":"١ - إن التوسل الذي أجازه ابن تيمية غير التوسل الذي منعه وهذا يعرف مما سبق لنا ذكره في تعريف التوسل.\r٢ - إن ابن تيمية لا يعلق الحكم على الحياة والموت وإنما مدار الحكم عنده على المشروع الوارد فما ورد في الشرع أجازه، وما لم يرد منعه لأن الدعاء عبادة توقيفية، والدليل على ذلك أن ابن تيمية لا يجيز التوسل بالحي الغائب لأنه لم ينقل أن الصحابة في غزواتهم وهجراتهم توسلوا بالنبي ﷺ الغائب عنهم والذي لم يدع لهم، فلو كانت المسألة تدور على الحياة والموت لأجاز التوسل بالحي الغائب.\r٣ - ثم إن الفرق بين حالتي الحياة والموت -واضح جدًا، وأمر منطقي تقتضيه الأدلة الشرعية والعقلية فليس بصحيح قوله إنه لا دليل على الفرق بين الحالتين وسيأتي بيان الفرق بين الحالتين إن شاء الله تعالى (¬١).\rد - إن ادعاء الإطلاق في الأدلة فيه نظر لا يخفى، فهل يريد به أنها مطلقة ولم تقيد بحال الحياة؟ فهذا غير مقبول، فإن حديث الضرير الذي استدل به - في حال الحياة، مع العلم بأنه ليس توسلًا بالغائب فضلًا عن الميت بل هو توسل بالحاضر، وحديث التوسل بالعباس على نقيض دعواه كما هو واضح لأنه توسل بالحاضر، وحديث فاطمة بنت أسد موضوع، وحديث مالك الدار منكر، فلو صح يمكن الاستدلال به فقط دون غيره من الأدلة، فلم يبق مما استدل به إلا ما زعمه من الاستدلال على التوسل بالتبرك الواقع من الصحابة بعرقه ﷺ وشعره ووضوئه، فهذا التبرك صحيح، ولكن الفرق واضح بين التوسل والتبرك، وذلك لأن التوسل لا يستلزم حضور المتوسل به، وأما التبرك فيقتضي حضور الشيء المتبرك به (¬٢).","footnotes":"(¬١) سيأتي ص: ٨٥٠.\r(¬٢) انظر مناقشة الألباني للبوطي في خلطه بين التوسل والتبرك في كتاب الشيخ الألباني: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة ص: ٧٧ - ٧٨، وذكر الألباني أيضًا أنهما يفترقان في أن التبرك يرجى به الخير العاجل وأن التوسل عام في العاجل والآجل، كما أن التوسل لا يستعمل إلا الدعاء.\rانظر التوسل أنواعه وأحكامه ص: ١٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048988,"book_id":1098,"shamela_page_id":636,"part":"2","page_num":658,"sequence_num":636,"body":"وسيأتي تفصيل مناقشة هذه الشبهات التي أجبنا عليها إجمالًا في الباب الرابع إن شاء الله تعالى. .\rوقد اتضح مما تقدم -ولله الحمد- أن التوسل بالذوات في الدعاء بدعة، وأن الأدلة الكثيرة تشهد ببدعيته، وأن كثيرًا من العلماء منعوه منهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم ينفرد بمنعه.\r\rالنوع الثالث: الأحزاب والأوراد الراتبة:\rإن الدعاء عبادة وهي توقيفية، فلا يجعل ما كان مطلقًا مقيدًا وبالعكس، ومع ذلك قد التزم أناس بأدعية معينة في أوقات معينة على هيئات خاصة من الاجتماع وغير ذلك، وانتشر هذا في كثير من الناس، حتى صار كثير من المتصوفة والمتفقرة وكثير من العامة لا يعرفون إلا الأدعية المبتدعة.\rوأما الأدعية الصحيحة الثابتة فلا يستعملها إلا المتمسكون بالسنّة وقليل ما هم.\rوأما الآخرون فلكل شيخ طريقة دعاء خاص، يسمى بحزب فلان أو ورده، فأتباع ذلك الشيخ يحافظون عليه قراءة وتبركًا وتقديسًا أشد من محافظتهم على القرآن الكريم، وهذا ليس مبالغة بل هو الواقع المرير.\rفقد ألزموا أنفسهم أو ألزموا أن يقرأوا لكل يوم حزبًا معينًا، فإذا يجب أن يقضى.\rوكل أهل طريقة يرون أن حزبهم أفضل من الأحزاب الأخرى، بل جاوز بعضهم هذا إلى أن فضل حزبه المخترع على القرآن الكريم بستة آلاف مرة، فقد ادعى التيجاني الكذاب الدجال أنه سأل النبي ﷺ عن فضل صلاة الفاتح، فأخبرني \"أولًا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيًا بأن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير، ومن القرآن ستة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048989,"book_id":1098,"shamela_page_id":637,"part":"2","page_num":659,"sequence_num":637,"body":"آلاف مرة لأنه من الأذكار (¬١).\rكما أن التيجانيين يعتقدون أنها من كلام الله تعالى، وأنها وردت من الحضرة القدسية مكتوبة بقلم القدرة في صحيفة نورانية، وأنها لم تكن من تأليف أحد من البشر، وإنما هي من كلام الله تعالى كالأحاديث القدسية (¬٢).\rبل وصل الأمر إلى أن قالوا: \"من لم يعتقد أنها -أي صلاة الفاتح- من القرآن لم يصب الثواب فيها\" (¬٣).\rوأما وجه كون هذه الأحزاب والأوراد بدعة فهو كونها راتبة مقيدة بوقت خاص فلكل يوم ورد خاص فلا يدعي في ذلك اليوم بورد اليوم الآخر.\rفأشبه شيئًا مشروعًا فكأن الشيخ الذي وضعه صار مُشَرعًا لا يجوز تجاوز ما وضعه.\rفمثل هذا يسمى بدعة إضافية من حيث إن أصل الدعاء مشروع ولكن التقييد ليس مشروعًا، فصار بدعة من حيث التقييد والتخصيص، فالبدعة الإضافية لها جهتان: جهة أصل المشروعية وجهة الكيفية، قال الإمام الشاطبي ﵀:\rوأما البدعة الإضافية فلها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، وسميت إضافية لأنها لم تتخلص لأحد الطرفين فهي من جهة","footnotes":"(¬١) جواهر المعاني: ١/ ١٣٦، والتحفة السنية بتوضيح الطريقة التيجانية ص: ٥٥، والأنوار الرحمانية ص: ٢٥.\r(¬٢) رماح حزب الرحيم بهامش الجواهر: ٢/ ١٣٩ و ٦٠، وجواهر المعاني: ١/ ١٣٧ - ١٣٨.\r(¬٣) الأنوار الرحمانية ص: ٢٨ نقلًا عن الإفادة الأحمدية ص: ٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048990,"book_id":1098,"shamela_page_id":638,"part":"2","page_num":660,"sequence_num":638,"body":"الأصل لها دليل قائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها دليل، مع أنها محتاجة إلى الدليل أيضًا في الكيفيات (¬١).\rفمن هنا لا يقال: لا مانع من الأدعية المبتدعة ما لم تشتمل على المحظور من الاعتداء وغيره، لأننا نقول: إن الدوام على الأدعية وملازمتها مدة طويلة يجعلها سنة راتبة ويجعلها في مصاف الأدعية المشروعة.\rقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع، وليس لأحد أن يسن منها غير المسنون ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها، بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله سنة\" (¬٢).\rثم إن هذه الأحزاب لو كانت خالية مما يقارنها من أنواع البدع لا يشك مسلم أن الأفضل والأحسن أن يلتزم الأكمل والأفضل وهي الأدعية النبوية \"فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض الشيوخ -فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك، ومن أشد الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي ﷺ وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بني آدم وإمام الخلق، وحجة الله على عباده\" (¬٣) فالمتخذ حزبًا مبتدعًا قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.\rوالأدعية والأوراد التي عند بعض المتصوفة قد تضم إلى كونها مبتدعة اشتمالها على الشرك والاعتداء في الدعاء والتوسل البدعي، كما يقارئها أنواع أخر من البدع والمفاسد.","footnotes":"(¬١) الاعتصام للشاطبي: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.\r(¬٢) ملحق المصنفات ص: ٤٦.\r(¬٣) الفتاوى: ٢٢/ ٥٢٥، وانظر نحوه في قواعد الأحكام: ٢/ ١٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048991,"book_id":1098,"shamela_page_id":639,"part":"2","page_num":661,"sequence_num":639,"body":"١ - فمن اشتمالها على الشرك: أنهم ذكروا (¬١) أنه ينبغي للمريد أثناء الذكر استحضار صورة الشيخ في القلب، والتصور بأن عموداً من النور يخرج من قلبه، ويدخل قلب المريد ويسمون هذا استمداداً، أي الشيخ يهدي القلب ويمده بالهداية، وهذا كفر صريح.\rومن العجب أنه وصل الأمر ببعضهم إلى استحضار صورة الشيخ أثناء الصلاة بحجة منع الوسواس (¬٢).\rوهذا الاستحضار يسمى عندهم بالمراقبة، استبدلوا مراقبة الله تعالى الذي هو الإحسان الوارد في حديث جبريل ﵇ بمراقبة الشيخ واستحضاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rومن أمثلة أحزاب وأوراد المتصوفة التي فيها الشرك الصريح مع الاعتداء ما جاء في وظيفة ابن مشيش وهي:\r\"اللهم انشلني من أوحال التوحيد وألقني في بحار الوحدة\" (¬٣) فتوحيد الرسل أوحال من الطين فيدعو الله أن ينشله منها، كما أنه يدعو بإغراقه في بحار الوحدة فيتحد مع الله تعالى عما يقول الظالمون (¬٤)، وهذه الوظيفة يلازمها المبتدعة ليل نهار، قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل يخبر عن ذكرياته في الصبا: \"وما زال الصبي يذكر أن صلوات ابن بشيش، ومنظومة الدردير كانتا أحب التراتيل إلى أولئك الشيوخ -أي شيوخ قريته-","footnotes":"(¬١) انظر جواهر المعاني: ١/ ١٢٣، والتحفة السنية: ٣٩ والسراج المنير: ٣٩، ورماح حزب الرحيم: ٢/ ٢.\r(¬٢) السراج المنير: ٦٥ - ٦٦، وانظر ما ذكره الشقيري في السنن والمبتدعات ص: ١٨٨، وما ذكره صاحب الصلة بين التصوف والتشيع ص: ٤٣٧ من استحضار صورة الأئمة عند النطق بتكبيرة الإحرام، وانظر ما ادعاه العزامي من تذكر المريد لأستاذه: البراهين الساطعة: ٤٥٠ - ٤٥٥.\r(¬٣) التصوف بين الحق والخلق: ٨٣ نقلاً عن الوظيفة التي طبعها الصوفية الشاذليون، ومصرع التصوف ص: ٣.\r(¬٤) مصرع التصوف الهامش ص: ٢٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048992,"book_id":1098,"shamela_page_id":640,"part":"2","page_num":662,"sequence_num":640,"body":"وما زال يذكر أن أصوات الشيوخ كانت تشرق بالدموع وتئن فيها الآهات حين كانوا ينطقون من الأولى: \"اللهم انشلني من أوحال التوحيد!! \" ومن الثانية: \"وجد لي بجمع الجمع منك تفضلاً\" يا للصبي الغرير التعس المسكين … فما كان يدري أنه بهذه الصلوات المجوسية يطلب أن يكون هو الله هوية وماهية وذاتاً وصفة، ما كان يدري ما التوحيد الذي يضرع إلى الله أن ينشله من أوحاله ولا ما جمع الجمع الذي يبتهل إلى الله أن يمن به عليه؟ \" (¬١).\rفالصلاة البشيشية لها قدر عظيم عند الصوفية حيث يعتنون بها أشد الاعتناء، ومن مظاهر اعتنائهم أنهم يأخذون إجازتها عن شيوخهم ويهتمون بتلك الإجازة حتى وصل الأمر أن ادعوا أن من طرقها الإجازية ما كان من طريق الخضر ﵇ عن عبد السلام بن مشيش صاحبها (¬٢)، فقد جعلوا الخضر الذي كان النبي ﷺ يتمنى أن يصبر موسى ليقص الله علينا من أخباره جعلوه يأخذ الإجازة عن ابن بشيش، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rب - ومن اشتمالها على الاعتداء في الدعاء ما يوجد في تلك الأدعية من سوء مناجاة الله تعالى وخطابه حيث يطلبون من الله تعالى ما لا يليق بهم، كمنازل الأنبياء وتعطيل الأمر والنهي نحو الذي يوجد في حزب البحر للشاذلي من قوله: \"اللهم اعصمني في الحركات والسكنات\" فهذا طلب للعصمة وهي من منازل الأنبياء (¬٣)، قال شيخ الإسلام: \"ويوجد في كلامه -أي الشاذلي- وكلام غيره، أقوال وأدعية وأحزاب، تستلزم تعطيل الأمر والنهي، مثل أن يدعو أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده أن يجعل الذين اجترحوا","footnotes":"(¬١) مقدمة مصرع التصوف: ٣.\r(¬٢) انظر روح المعاني: ١٥/ ٣٢٧.\r(¬٣) انظر روح المعاني: ١١/ ١٤٨ فقد حاول الألوسي تأويله بأنه طلب الحفظ من الذنب مع إمكانه، ونحوه في جلاء العينين نقلاً عن الشعراني ص: ٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048993,"book_id":1098,"shamela_page_id":641,"part":"2","page_num":663,"sequence_num":641,"body":"السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل أفضل منهم، ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد في حزب الشاذلي\" (¬١).\rولا يقولن قائل: إن تلك الأحزاب هي أذكار وتسابيح وتحاميد وليست من الدعاء الذي نحن نبحث فيه، وذلك لعدة أمور منها ما تقدم في تعريف الدعاء من ترادفهما أو تلازمهما، ومنها أن تلك الأحزاب الشاذلية بالخصوص وغيرها بالعموم ممزوجة بالدعاء.\rيقول الدكتور عبد الحليم محمود في ثنائه على طريقة الشاذلي في الذكر: \"وكانت طريقته في أكثر الأحيان أن يمزج الذكر بالدعاء … \" (¬٢).\rومع هذا الاعتداء السافر الذي هو منهي عنه في الدعاء، فالصوفية يفضلون أحزابهم وأورادهم على الأدعية المأثورة كما يفضل كل شيخ حزبه ويذكر له خصوصية، فمن ذلك أن الشاذلي كان يحبذ قراءة أحزابه فمما قال في حزبه الكبير: \"من قرأه كان له ما لنا وعليه ما علينا\" (¬٣) ويقول في حزب البحر: \"حفظوه لأولادكم فإن فيه اسم الله الأعظم\" (¬٤) مع أن حزب البحر تراكيبه العربية غير مستقيمة في بعض المواضع من ناحية المعنى ولا ترابط بينها.\rوهناك أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة (¬٥)، مع أن مثل هذه الحروف المقطعة لم ترد في الأدعية المأثورة.\rومثل الشاذلي التجاني، فقد ادعى لصلاة الفاتح إتيان الملك بها ومعادلتها للقرآن مرات، كما ادعى لجوهرة الكمال أفضليتها على جميع","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ١٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩ و ٨/ ٢٣٢، وملحق المصنفات: ٣٨.\r(¬٢) أبو الحسن الشاذلي: ١٥٢.\r(¬٣) أبو الحسن الشاذلي: ١٥٣ و ١٧٦.\r(¬٤) المرجع نفسه ص: ٤٣.\r(¬٥) انظر تلك التراكيب وأوائل السور في المرجع نفسه: ١٦٨ - ١٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048994,"book_id":1098,"shamela_page_id":642,"part":"2","page_num":664,"sequence_num":642,"body":"العبادات (¬١)، مع أن جوهرة الكمال المزعومة كلام ركيك وفيها كلمات لا يستقيم بناؤها على القواعد العربية مثل الصراط الأسقم والمطلسم.\rقال الشيخ تقي الدين الهلالي ﵀: \"وأنت إذا نظرت في كلمات هذه الصلاة -من أولها إلى آخرها- وجدتها في غاية البعد عن الكلام الفصيح ولم تستبعد صدور الأسقم والمطلسم من مؤلفها\" (¬٢).\rجـ - وتشتمل تلك الأوراد والأحزاب على التوسل المبتدع، فهو كثير في تلك الأحزاب وكلما تأخر الزمان واشتدت غربة الإسلام كثر انتشاره في أحزاب متأخري الصوفية، وقلدهم العوام، ثم انتشر هذا الوباء حتى في أدعية الفقهاء المتأخرين.\rومن دعاء الشاذلي -إن صح- \"اللهم إني أسألك بجاه محمد المصطفى، وإبراهيم الذي وفي، وبحرمة كل رسول ونبي، وصديق وولي وشهيد، وصالح، وتقي … \" (¬٣).\rويقول في حزب الفتح: \"أسألك بحرمة الأستاذ بل بحرمة النبي الهادي ﷺ، وبحرمة الاثنين، والأربعة، وبحرمة السبعين والثمانية، وبحرمة أسرارها منك إلى محمد رسولك … \" (¬٤).\rد - ثم إن الأحزاب والأوراد الصوفية يقترن بها مع بدعيتها أشياء أخرى من المحاذير والمفاسد والبدع الأخرى، ومن ذلك:\r١ - أن المريد الصوفي يبقى في هذه الأوراد سنين عديدة يكررها فيتعودها فتصير له عادة، وطبعاً لا يتنبه عند قراءتها فيغفل عن ذكر الله تعالى.","footnotes":"(¬١) الجواهر: ١/ ١٣٦، ١٣٨، والرماح ٢/ ٨٢، والسنن والمبتدعات: ٢٤٥ نقلاً عن شرح صلوات الدردير ص: ٣٧.\r(¬٢) الهدية الهادية: ١١١ والتحفة: ٦٢.\r(¬٣) أبو الحسن الشاذلي: ١٥٧.\r(¬٤) أبو الحسن الشاذلي: ١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048995,"book_id":1098,"shamela_page_id":643,"part":"2","page_num":665,"sequence_num":643,"body":"فأما لو لم يقيد نفسه بهذه الأوراد التي ما أنزل الله بها من سلطان وذكر الله تعالى ودعاه بما حضر له متى وجد نشاطاً وهمة وإقبالاً على الله تعالى فإن ذلك يكون له تأثير على نفسه وعلى قبول دعوته.\r٢ - أنهم يأخذون العهد من المريد لئلا يترك فيوجبون عليه شيئاً لم يكلفه الله، فربما يقع في حرج شديد إن لم يتركها (¬١).\r٣ - إن بعضها يكتنفه الغموض (¬٢) والخفاء فلا يدري ما معناه؟ فعندهم إشارات غامضة تارة إلى وحدة الوجود، وتارة إلى رفع التكليف، وتارة إلى الحب والغرام.\r٤ - إنهم يجتمعون لقراءة تلك الأحزاب بصوت واحد ويرفعون أصواتهم على نغمات معينة، وقد يصحب ذلك الصفق بالأيدي والضرب بالدف مع تمايل وتكسر وصياح حتى يغمى على بعضهم إلى غير ذلك مما هو معروف.\rوأشهر كتاب عندهم في الأدعية والأذكار والصلاة والسلام على النبي المختار ﷺ هو كتاب دلائل الخيرات\" وهذا الكتاب متداول بكثرة بين الناس حتى أن بعض الفقهاء يروونه بالإجازات (¬٣).\rوهذا الكتاب مشتمل على اعتداء في الدعاء والصلاة على النبي ﷺ زيادة على ما يترتب على التزام صيغة مبتدعة من الصلاة واعتقاد أنها أفضل من الصيغ الواردة في الصلاة والسلام، واعتقاد أن تلك الصيغ فيها","footnotes":"(¬١) انظر عن هذين المحذورين إتحاف السادة المتقين: ٥/ ٢٦ - ٢٧.\r(¬٢) انظر ما ذكره أحمد صبحي عن حزب الدسوقي والبدوي من تشابههما في الغموض والإشارة إلى الغرام في كتابه السيد البدوي ص: ١٠٣.\r(¬٣) انظر ما ذكره علماء ديوبند في كتابهم في عقيدتهم المسمى المهند على المفند ص: ٤٢ بأن شيوخهم يرون قراءته وروايته بالإجازة وما ذكر في مقدمة مقالات الكوثري من إجازاته لكتاب الدلائل ص: ٧٢، وقطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات للفلاني ص: ٢٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048996,"book_id":1098,"shamela_page_id":644,"part":"2","page_num":666,"sequence_num":644,"body":"خصائص وميزات ما أنزل الله بها من سلطان، وربما اعتقد بعضهم فضله على القرآن (¬١)، وإن لم يصرح بلسانه ولكنه عملياً يفضل حيث يلازم قراءته ويعتني به أكثر من القرآن.\rومن أمثلة الاعتداء الذي في دلائل الخيرات قوله في ثلاثة مواضع: \"اللهم صل على سيدنا محمد عدد معلوماتك وأضعاف ذلك\" (¬٢)، ففي هذا جعل معلومات الله معلومات محدودة (¬٣).\rوقوله: \"اللهم صلِّ على سيدنا محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء\" وقوله: \"اللهم ارحم سيدنا محمداً حتى لا يبقى من الرحمة شيء\" وقوله: \"اللهم بارك على سيدنا محمد حتى لا يبقى من البركة شيء\".\rثم في الكتاب أشياء عليها لوائح الوضع والكذب مثل حزب يوم الجمعة، وثواب من قرأه، ذكر أن له ثواب حجة مقبولة وعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإعطاء قصر في الجنة بكل حرف، وأن وجهه كالقمر وكفه في كف حبيبي محمد ﷺ.\rوهذا الحزب قال شارح الدلائل: العمدة في ذلك على المؤلف فلم يجدوا له أصلاً غير ما ذكره المؤلف (¬٤).\rالخلاصة: أن الالتزام بالأحزاب والأوراد التي لم يرد بها الشرع -بدعة- وأن الأولى التزام الأدعية المأثورة، فالأوراد المبتدعة فيها مفاسد جسيمة من الاشتمال على الشرك أو الاعتداء أو غير ذلك.\r\rالنوع الرابع: الأدعية الجَمَاعية:\rوهي الأدعية التي يدعو بها جماعة من الناس على كيفية معينة أو","footnotes":"(¬١) الرسائل الشخصية ص: ٣٧.\r(¬٢) و (¬٣) السراج المنير: ٢٨.\r(¬٤) السنن والمبتدعات: ٢٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048997,"book_id":1098,"shamela_page_id":645,"part":"2","page_num":667,"sequence_num":645,"body":"يدعو واحد منهم ويُؤمِّن الآخرون على دعائه، وهي أدعية كثيرة نذكر بعضها على سبيل الإيجاز.\r١ - الأدعية الجَمَاعية بعد الصلوات:\rفالدعاء في أثناء الصلاة لا سيما في السجود، وفي التشهد الأخير، مشروع ومتفق عليه، فهو أولى بدون شك.\rوأما الدعاء بعد الفراغ من الصلاة فقد اختلف فيه، فمن قائل باستحبابه ومن قائل بعدم ذلك (¬١).\rوالذي تدل عليه أحاديث صفة النبي ﷺ وأنَّه لم يكن يداوم على ذلك لأنَّه لو كان يداوم عليه لنقله من نقل صفة صلاته ﷺ، ويدل على أصل مشروعيته أدلة أخرى مثل قوله ﷺ لمعاذ: أوصيك يا معاذ لا تدعن في","footnotes":"(¬١) قد بوب البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات بابين بعنوانين: أحدهما: باب الدعاء في الصلاة، وثانيهما: باب الدعاء بعد الصلاة. انظر البخاري مع الفتح: ١١/ ١٣١، ١٣٢، وكذلك فعل ابن خزيمة أيضاً في صحيحه فقد عقد باباً بعنوان باب جامع الدعاء بعد السلام، وأورد ثلاثة أحاديث ثم بوب بعنوان باب التعوذ بعد السلام، وأورد حديثين، ثم بوّب باب الأمر بمسألة الرب في دبر الصلاة فذكر حديثاً. انظر صحيح ابن خزيمة \" ١/ ٣٦٦ - ٣٦٩\".\rوهذا الصنيع من البخاري وابن خزيمة يدل على أنهما يريان مشروعية الدعاء بعد الصلاة.\rوأما ابن القيم فقد نفى ثبوت الدعاء بعد الصلاة عن النبي ﷺ مطلقاً، انظر زاد المعاد: ١/ ٢٥٧، وجلاء الأفهام: ١٧٥ - ١٧٦، وربما يفهم نحوه من كلام شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى: ١/ ١٩٩ - ٢٠٦، وقد ناقش الحافظ ابن حجر ابن القيم في نفيه ثبوت الدعاء مطلقاً فأورد خمسة أحاديث تدل على الدعاء بعد الصلاة. انظر الفتح: ١١/ ١٣٣.\rولكن ابن القيم ذهب إلى أفضلية الدعاء في الصلاة فقط في رسالته في الصلاة ص: ١٥٢ فإنه قال بعد ذكر التشهد الأخير: \"والدعاء في هذا المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام وأنفع للداعي\"، وهذا كما هو واضح لا ينفي ثبوت الدعاء بعد السلام وإنما ينفي الأفضلية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048998,"book_id":1098,"shamela_page_id":646,"part":"2","page_num":668,"sequence_num":646,"body":"دبر كل صلاة أن تقول: \"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\" (¬١).\rوقد مال ابن القيم ﵀ إلى أنه لا بأس بالدعاء بعد الفراغ من الصلاة ولكن بعد أن قدم بين يدي دعائه الأذكار المشروعة بعد السلام (¬٢).\rهذا الذي تقدم في الدعاء بعد الصلاة بدون اجتماع عليه، وأما إذا اجتمعوا عليه بأن يدعو الإمام أو أحد المصلين ويؤمن الآخرون كما هو منتشر في كثير من بلدان المسلمين فهو بدعة إلا إن وقع أحياناً فيجوز.\rوأما إذا كان دائماً بعد كل صلاة فهو بدعة لأنَّه لم يعهد ذلك من النبي ﷺ وصحابته والسلف الصالح (¬٣).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة كالاجتماعات المشروعة ولا اقترن به بدعة منكرة\" (¬٤).\rوقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه أجاز الدعاء للإخوان إذا اجتمعوا بدون تعمد مسبق، وبدون الإكثار من ذلك حتى لا يصير عادة تتكرر (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٨١ رقم ١٥٢٢، والنسائي: ٣/ ٤٥ رقم الباب: ٦٠، وفي عمل اليوم رقم ١٠٩، وأحمد ٥/ ٢٤٥، ٢٤٧، وابن خزيمة: ١/ ٣٦٩ رقم ٧٥١، والحاكم: ١/ ٢٧٣، وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦/ ٣٠٤ رقم ٧٨٤٦.\r(¬٢) زاد المعاد: ١/ ٢٥٨.\r(¬٣) الفتاوى الكبرى المصرية: ١/ ١٨٨ - ١٨٩ و ٢١٠، أو مجموعة ابن قاسم: ٢٢/ ٤٩٢ - ٥٠٤، ٥١١، ٥٠٨ - ٥٢٣، واقتضاء الصراط: ٣٠٣ - ٣٠٧، والاعتصام للشاطبي فقد توسع في هذه المسألة وبينها بياناً شافياً، انظر منه: ١/ ٢٧، وانظر كلاماً طويلاً له ذكر قواعد مهمة من: ١/ ٣٤٩ - ٢/ ٥٢ و ٢/ ٣٥١، وكذلك ذكره الشاطبي في فتاواه ص: ١٢٧ - ١٢٨.\r(¬٤) الفتاوى الكبرى المصرية: ١/ ٢١٠، أو مجموع الفتاوى لابن قاسم: ٢٢/ ٥٢٣، ونحوه في: ٢٠/ ١٩٦.\r(¬٥) الاقتضاء: ٣٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1048999,"book_id":1098,"shamela_page_id":647,"part":"2","page_num":669,"sequence_num":647,"body":"وقال الإمام الشاطبي ﵀:\r\"لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد في بعض الأوقات للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزاً. . . إذا لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام، ولا كونه سنة تقام في الجماعات ويعلن به في المساجد كما دعا رسول الله ﷺ دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب … \" (¬١).\rفأصل الدعاء عقب الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة وإنما يباح منه ما كان لعارض كقنوت النازلة.\rوإنما كان هذا الدعاء بعد الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، مع ثبوت مشروعية الدعاء مطلقاً وورود بعض الأحاديث بمشروعية الدعاء بعد الصلوات خاصة لما قارنه من هذه الهيئة الاجتماعية ثم الالتزام بها في كل الصلوات حتى تصير شعيرة من شعائر الصلاة.\rفقد وصل الأمر في بعض البلاد إلى أن اعتقد الجهال بأن الدعاء بعد الصلوات بالصورة الجَمَاعية من مستحبات الصلاة، مثل الراتبة التي تصلى بعد الصلاة أو أوكد منها.\rفإذا لم يدع لهم الإمام -بعد الصلاة- يرون أن صلاتهم ناقصة ويسيئون الظن فيه ويتهمونه بأنواع من التهم، فهذه المفسدة إنما حصلت من التزام الأئمة بالدعاء عقب الصلوات في تلك البلدان.\rفأما لو دعا الإمام بعض الأحيان مثل أن تقع نازلة فيدعو بها عقب الصلوات وأَمَّن على ذلك المأمومون ففي هذه الحالة لا يكون الدعاء","footnotes":"(¬١) الاعتصام: ٢/ ٢٣. وذكر ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر: ٣٨٢ - ٣٨٤ أن الاجتماع للدعاء للنوازل مختلف فيه فمن العلماء من يراه بدعة ومنهم من يرى الجواز.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049000,"book_id":1098,"shamela_page_id":648,"part":"2","page_num":670,"sequence_num":648,"body":"بدعة، فيكون مثل ما دعا به النبي ﷺ بالاستسقاء في خطبة الجمعة عندما طلب منه الأعرابي ذلك (¬١).\r٢ - ومثل الدعاء عقب الصلوات -الدعاء للأئمة في خطبة الجمعة. فقد نص العلماء على أن الالتزام به في كل خطبة بدعة وأما لو دعا لهم للحاجة فليس ببدعة (¬٢).\rوأتت بدعيته من جهة الالتزام وعدم الترك -لأن ذلك يؤدي إلى الاعتقاد بأنه من شروط الخطبة وأنَّه شعيرة من شعائره، مع أن أصل الدعاء للأئمة مشروع ومطلوب، فإن إمام المسلمين أحق من يدعي له؛ لأن بصلاحه صلاح الأمة، فالدعاء له دعاء للأمة.\r٣ - ومثل ذلك الاجتماع للدعاء بصفة دورية في مكان معين فقد عده كثير من العلماء من البدع (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر تخريجه ص: ٢٩٨.\r(¬٢) انظر الاعتصام: ١/ ٢٧ - ٢٨، وفتاوى العز بن عبد السلام ص: ٤٧ - ٤٨.\r(¬٣) قد تقدم ذكر إنكار أبي موسى وابن مسعود على القوم الذين يجتمعون للذكر ص: ٤٧٧، وقد أنكر الإمام الحسن البصري على الذين يجتمعون للدعاء في بيت معين كما في البدع لابن وضاح ص: ١٤ كما ذكر في ص: ١٩، إنكار عمر بن الخطاب على من يجتمع للدعاء للمسلمين وللأمير وتقدم ص، وانظر ما ذكره الطرطوشي في الحوادث ص: ٦٢ - ٦٨، من كراهة مالك للاجتماع لختم القرآن في ليلة من ليالي رمضان كما ذكر كراهة مالك للدعاء عقب الفراغ من قراءة القرآن بصورة جماعية ص: ٦٣، وانظر كلام الإمام أحمد وغيره في اقتضاء الصراط: ٣٠٤ - ٣٠٧، وقد تقدم ص ٤٧٨ حكاية النخعي عن الصحابة والتابعين عدم طلب الدعاء بعضهم من بعض. وقد نقل الشاطبي في فتاواه كراهة مالك الاجتماع لقراءة الحزب وقوله: إنه شيء أحدث وأن السلف كانوا أرغب في الخير فلو كان خيراً لسبقونا إليه ثم نقل ما ذكره الطرطوشي عن مالك من كراهته الاجتماع لختم القرآن في رمضان، انظر فتاوى الشاطبي: ٢٠٦ - ٢٠٨، وانظر موضوع الدعاء عقب ختم القرآن في الصلاة وخارجها في: رسالة مرويات دعاء ختم القرآن للشيخ بكر أبو زيد وخلاصة كلامه أن ذلك لم يثبت مرفوعاً وإنما ثبت عن أنس موقوفاً خارج الصلاة وتبعه بعض التابعين وأما في الصلاة فلم يثبت لا مرفوعاً ولا موقوفاً وروي عن فعل أهل =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049001,"book_id":1098,"shamela_page_id":649,"part":"2","page_num":671,"sequence_num":649,"body":"٤ - ومن الأدعية البدعية الجماعية ما يحصل من بعض الناس في أعمال الحج من الطواف والسعي، وغيرها، حيث إن بعضهم يؤجرون من يدعو لهم ويرددون وراءه أدعية معينة لكل شوط، بدون أن يكون لكل أحد الدعاء في حاجته الخاصة التي يريدها، وقد يكون بعض هؤلاء المرددين لصوت الداعي لا يعرفون معنى ما يدعو به الداعي، إما لكونهم لا يعرفون اللغة العربية أو للأخطاء التي تحصل من الداعي وتحريفه للكلام ومع هذا يحاكونه في دعائه، وهذه الأدعية إنما جاءتها البدعية من جهتين:\rالأولى تخصيص كل شوط بدعاء خاص مع عدم وروده.\rالثانية: الهيئة الجماعية مع رفع صوت وحكاية ألفاظ بدون تدبر واستحضار معنى.\rقال الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله:\r\"وأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة أو أدعية مخصوصة فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كفي\" (¬١).\rومثل الطواف والسعي ما يقع عند الزيارة للقبر النبوي أو قبور الشهداء أو البقيع أو غير ذلك من ترديد الزائرين صوت المزورين، قال الشيخ الألباني -حفظه الله- في تعداده لبدع الزيارة في المدينة النبوية: تلقين من يعرفون بالمزورين جماعات الحجاج بعض الأذكار والأوراد عند الحجرة أو بعيداً عنها بالأصوات المرتفعة، وإعادة هؤلاء ما لقنوا","footnotes":"=مكة والبصرة كما روي عن الإمام أحمد وأن الدعاء في الصلاة أمر تعبدي ينبغي الوقف على النص ومورده وقد ذكر أبو المظفر السمعاني عن بعضهم أن الدعاء عند الختم بدعة حسنة، انظر الحجة في بيان المحجة: ١/ ٣٦٣.\r(¬١) التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة ص: ٣٥، وانظر بعض تلك الأدعية المبتدعة في مناسك الحج والعمرة للألباني ص: ٥٠ رقم ٤٣، ٤٤، ٤٦، ٥٠، ٦٥ - ٦٦، ٧١، ١٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049002,"book_id":1098,"shamela_page_id":650,"part":"2","page_num":672,"sequence_num":650,"body":"بأصوات أشد منها (¬١). وبما تقدم اتضح أنواع الأدعية المبتدعة وبهذا القدر نكتفي في سرد أنواع الأدعية المبتدعة، وبه نختم مباحث باب الدعاء غير المشروع، ونبدأ الآن في الإجابة على بعض الشبهات التي أوردها المجيزون للدعاء غير المشروع، والله المستعان وعليه التكلان.","footnotes":"(¬١) مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف للألباني ص: ٦٣ رقم ١٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049003,"book_id":1098,"shamela_page_id":651,"part":"2","page_num":673,"sequence_num":651,"body":"الباب الرابع في مناقشة بعض شبه المجيزين للدعاء غير المشروع\rويحتوي على تمهيد وثلاثة فصول:\rالتمهيد: في أنواع الشبهات وأسبابها والجواب الإجمالي عنها.\rالفصل الأول: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة الصحيحة.\rالفصل الثاني: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة غير الصحيحة.\rالفصل الثالث: في مناقشة ردودهم وإجاباتهم عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049004,"book_id":1098,"shamela_page_id":652,"part":"2","page_num":675,"sequence_num":652,"body":"الفصل الأول في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة الصحيحة\rويحتوي على مبحثين:\rالمبحث الأول: ما احتجوا به من القرآن.\rالمبحث الثاني: ما احتجوا به من السنّة الصحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049005,"book_id":1098,"shamela_page_id":653,"part":"2","page_num":677,"sequence_num":653,"body":"تمهيد\rإن الشيطان لبس على كثير من الناس فأوقع في قلوبهم الشبهات التي أظهر لهم أنها تدل على جواز دعاء الموتى والغائبين والاستغاثة من دون الله تعالى.\rوقد سعى بعض أهل الضلال بترويج تلك الشبه، فألفوا فيها رسائل تدافع عن صنيع القبوريين وأعمالهم الشركية، وتبحث لهم عن الشبهات ولو كانت أوهى من خيط العنكبوت.\rفاغتر بتلك الرسائل بعض الناس وظن أن فيها حججاً وبراهين وإنما هي في الحقيقة أوهام وظنون، وخيالات، وزبالة أفكار في مقابلة ومعارضة الآيات البينات والحجج القاطعات المانعة من الدعاء غير المشروع.\rوقد ظهر لي بالتتبع أنه لا يوجد لديهم دليل صحيح صريح، وإنما يوجد لهم دليل صحيح غير صريح، أو صريح ضعيف، أو مكذوب، ثم إن أغلب تلك الشبهة إنما تدل على جواز التوسل بالذوات، وأما ما يدل على جواز دعاء الموتى فقليل جداً، ولكن هؤلاء يفسرون التوسل بما يشمل الطلب من الموتى كما تقدم (¬١). وهذا هو السبب الذي اقتضى مناقشتهم فيما يستدلون به على التوسل. والسبب الثاني أن التوسل هو السبب الرئيسي الذي جر إلى فتح باب الشرك ودعاء غير الله تعالى على","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٦٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049006,"book_id":1098,"shamela_page_id":654,"part":"2","page_num":678,"sequence_num":654,"body":"مصراعيه كما تقدم.\rفلهذا فمناقشتهم في أدلتهم في التوسل مهمة جداً لأن الخلاف فيه خلاف في أصل من أصول العقيدة، ألا وهو إخلاص الدعاء الله تعالى وليس خلافاً فرعياً لا يمس العقيدة حتى نتركهم فيما ذهبوا إليه أو نعذرهم فيما اجتهدوا فيه إن كان هناك اجتهاد.\rفلهذا فإني أرى أن مناقشتهم في أدلتهم التي استدلوا بها على جواز التوسل من ضروريات البحث في هذه الرسالة، كما أن مناقشتهم فيما استدلوا به على جواز الاستغاثة بغير الله ضرورة، فكلاهما سواء لأن مآلهما واحد، ولهذا فإني عند ذكر احتجاجهم أجمع بين استدلالهم على التوسل وبين استدلالهم على الاستغاثة، فأناقش كليهما بدون تفريق، وقد أخص واحداً منهما على حسب ما يقتضيه المقام.\rوهذه الشبهات قد لا يدرك مدى الحاجة إلى بيانها وكشف زيفها من يعيش في مجتمع انتشرت فيه العقيدة السلفية الصحيحة، وإنما يدرك ذلك من يعيش في بعض البلاد التي يوجد فيها من يدعو إلى دعاء الموتى والغائبين، ويلبس على العوام بتلك الشبه ويعارض بها الداعين إلى إخلاص نوعي الدعاء الله تعالى.\rفالدعاة إلى التوحيد الخالص يحتاجون في مثل تلك البلاد إلى معرفة هذه الشبه وكيفية مناقشتها، حتى يستطيعوا دحضها وإبطالها فبذلك تقوم الحجة وتبرأ الذمة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.\rومما ينبغي أن يعلم أن أصحاب هذه الشبه يتبع بعضهم بعضاً في الاحتجاج بها، ويقلد لاحقهم سابقهم بدون تبصر ولا بحث عن أدلة حتى إن بعض معاصريهم كان ينتحل كلام من سبقه من أهل مشربه بحروفه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049007,"book_id":1098,"shamela_page_id":655,"part":"2","page_num":679,"sequence_num":655,"body":"وهذا هو الذي اقتضى تتبع من احتج بهذه الشبه حتى يتضح تقليدهم الأعمى.\r\rأنواع الشبهات التي احتجوا بها:\rيمكن حصر تلك الشبه في أنواع ثلاثة:\r\rالنوع الأول (¬١):\rنصوص صحيحة مجملة غير صريحة لم يفهموها فهماً صحيحاً ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها من غير فهم لمعناها، إما لجهلهم الحاصل لهم من قصورهم في أدوات الفهم أو في مقاصد الشريعة، أو للهوى الذي يُعْمِيهم عن معناها الحقيقي الذي يوافق المحكم، وهذا ما نتكلم عليه -إن شاء الله تعالى- في الفصل الأول.\r\rالنوع الثاني:\rأدلة غير صحيحة، وقد تكون صريحة فيما يحتجون بها، وربما تكون غير صريحة، فهم يحتجون بها مع عدم صحتها؛ لأنَّه لا يهمهم صحتها ما دامت توافق أهواءهم ورغباتهم ومألوفاتهم.\rوهذا النوع الثاني سنتكلم عليه -بعون الله- في الفصل الثاني.\r\rالنوع الثالث:\rإجاباتهم عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع، وشبهاتهم التي يوردونها على الأدلة الصحيحة، ومرادهم بها دفع دلالتها الصريحة على منع الدعاء غير المشروع، وأن تلك الأدلة لا تنطبق عليهم.\rوهذا النوع الثالث سنتكلم عليه في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) انظر عن النوع الأول والثاني: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ١/ ٣١٧، ومصباح الظلام: ٣٠٥، وانظر أيضاً ما تقدم ص: ٤٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049008,"book_id":1098,"shamela_page_id":656,"part":"2","page_num":680,"sequence_num":656,"body":"وقبل الخوض في الجواب التفصيلي عن هذه الشبهات نتكلم بإيجاز عن الأسباب الرئيسية الباعثة لإثارة هذه الشبهات، والله الموفق.\r\rالأسباب الباعثة على إثارة هذه الشبهات:\rالأسباب (¬١) الرئيسية لإثارة هذه الشبهات ثلاثة:\r\rالسبب الأول: الجهل:\rوهو إما جهل بأدوات الفهم، أو جهل بمقاصد الشريعة، وذلك لأن الجهل إنما يحصل في مسائل الدين \"إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب، والعلم بمقاصدها، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية وإما لعدم الأمرين جميعاً\" (¬٢).\rفعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب يجعل الإنسان يفهم من الآيات والأحاديث الصحيحة غير ما تدل عليه فيستدل بها على حكم لا تدل عليه.\rوعدم الرسوخ في قواعد الأحكام، ومقاصد الشريعة، يجعله يحتج لنفسه \"بأدلة فاسدة وبأدلة صحيحة اقتصاراً بالنظر على دليل مَّا، واطراحاً للنظر في غيره من الأدلة الأصولية والفروعية العاضدة لنظره، أو المعارضة له\" (¬٣).\rفيأخذ ببعض الأدلة دون الإحاطة بباقي الأدلة، ودون النظر إلى مقاصد الشريعة التي جاءت متكاملة متناسقة متعاضدة فيأتي هذا الجاهل إلى دليل مَّا فيأخذ بظاهره دون الإحاطة بمراميه ومقاصده، ودون النظر","footnotes":"(¬١) انظر شرحاً وافياً لهذه الأسباب في الاعتصام للشاطبي: ٢/ ٢٩٣ - ٣٦٢، وفي: ١/ ٢٢٠ - ٢٨٥.\r(¬٢) المرجع السابق: ١/ ٢٢٠.\r(¬٣) المرجع نفسه: ١/ ٢٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049009,"book_id":1098,"shamela_page_id":657,"part":"2","page_num":681,"sequence_num":657,"body":"إلى ملابساته وما يكتنفه من أدلة أخرى من عمومات الكتاب والسنة.\r\rالسبب الثاني (¬١): تحسين الظن بالعقل:\rإن الله سبحانه جعل للعقول في إدراكها حداً لا تتعداه، فالعقول مداركها محدودة ومتناهية، ولا تحيط بالشيء من جميع الجوانب، فلا يمكن أن تستقل بإدراك مصالحها الدنيوية فضلاً عن الأخروية، فلهذا وغيره لا يمكن أن يجعل العقل حاكماً بإطلاق بل الحاكم بإطلاق هو الشرع، ومع هذا فإن العقل السليم لا يخالف النص الصريح الصحيح بل يعاضده ويناصره، ولا تأتي الشريعة بما يناقض العقل، ولكن قد تأتي بما تحار فيه العقول.\rوهذا هو حقيقة العقل مع الشرع فهو تابع ومنقاد للشرع، فهو معه كالعامي مع العالم (¬٢) وأما عدم إدراك هذه الحقيقة لمقدار العقل، ورفعه فوق منزلته، فينشأ عنه مفاسد، منها تحسين الظن بالعقل حتى يعارض النصوص الواضحة بالشبهات التي هي من زبالة الأفكار وحثالة الأوهام، فيترك النص الواضح الجلي لما يتصور في عقله القاصر من شبهات وهمية واعتراضات خيالية التي هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.\r\rالسبب الثالث: اتباع الهوى:\rفاتباع الهوى من الأسباب الرئيسية لمعارضة أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، وهو ملازم لمن يترك الاعتصام بهما، ومن هنا سمي من يترك الاعتصام بهما -في الأحاديث وكلام السلف- بأهل الأهواء لأنهم \"اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها","footnotes":"(¬١) المرجع نفسه: ٢/ ٣١٨.\r(¬٢) درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ٣٢٧، وشرح الطحاوية: ٣٩٠ - ٣٩١، والفتاوى: ٣/ ٣٣٩، وانظر ما تقدم ص: ٣٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049010,"book_id":1098,"shamela_page_id":658,"part":"2","page_num":682,"sequence_num":658,"body":"حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك\" (¬١).\rفمن هنا اشتق لهم الاسم مما غلب عليهم وهو الهوى فسمّوا أهل الأهواء (¬٢).\rولكونهم متبعين لأهوائهم تركوا الأصول الواضحة المحكمة التي تمنع من الدعاء غير المشروع وأخذوا بالمشتبهات، وحرفوا الأدلة الصحيحة عن مدلولاتها وأولوها إلى غير مقصودها، كما لجأوا إلى الأدلة الواهية من الموضوعات والحكايات والمنامات، فنسأل الله تعالى أن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.\r\rالجواب الإجمالي عن هذه الشبهات:\r١ - الجواب الأول (¬٣):\rإن هذه الشبهات التي احتجوا بها ما صح منها يعد من المتشابهات والواجب في مثل هذا رد المتشابهات إلى المحكمات، وهذا هو شأن الراسخين في العلم.\rقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].\rفالآيات والأحاديث الدالة على منع الدعاء غير المشروع محكمات","footnotes":"(¬١) الاعتصام: ٢/ ١٧٦، والفتاوى: ١٠/ ٥٦٨.\r(¬٢) الاعتصام: ١/ ١٤٤.\r(¬٣) انظر عن هذا الجواب: الاعتصام: ١/ ٢٢٠ - ٢٢٦، والنبذة الشريفة ضمن الرسائل النجدية: ٤/ ٦١٩، وكشف الشبهات ص: ١٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049011,"book_id":1098,"shamela_page_id":659,"part":"2","page_num":683,"sequence_num":659,"body":"فهي صريحة في دلالتها، قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة، وذلك أن القرآن الكريم كله في التوحيد وبيان ما يناقضه أو يناقض كماله من الذرائع والوسائل، وبيان جزاء أهل التوحيد وأهل من اتصف بضده في الدنيا والآخرة (¬١).\rوقد تقدم أنه لم يرد في القرآن الكريم في نوع من أنواع الشرك والكفر -مثل ما ورد في الدعاء بنوعيه- مما يدل على التحذير منه وكفر من ارتكبه، ومثل القرآن السنة النبوية التي تشرح القرآن وتبينه، فإذا كان الأمر كذلك فالواجب أن يرد ما يشتبه أنه يخالف هذا المحكم البين إليه لا أن يؤخذ بالمتشابهات ويتعسف في تأويل المحكمات كما هو صفة الذين في قلوبهم زيغ، وقد حذر الرسول ﷺ من الذين يتبعون المتشابهات فقال في حديث عائشة ﵂: \"فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم\" (¬٢).\r\r٢ - الجواب الثاني:\rإن هؤلاء الذين يحتجون بهذه الشبهات لا يقبلون في باب العقائد -حسب زعمهم- إلّا القطعي من الأدلة، إذ من أصولهم (¬٣) المقررة لديهم أن غير قطعيِّ الثبوتِ والدلالةِ -يريدون بذلك ما لم يكن متواتراً صريح الدلالة- لا يقبل، فالأحاديث المشهورة الصحيحة الثابتة الصريحة الدلالة-","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين: ٣/ ٤٥٠، وشرح الطحاوية: ٣٨، وتيسير العزيز: ٣٨ - ٣٩، وفتح المجيد: ١٥.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٨/ ٢٠٩ رقم ٤٥٤٧، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٣ رقم ٢٦٦٥، وأبو داود: ٥/ ٦ رقم ٤٥٩٨.\r(¬٣) انظر شروطهم العشرة لإفادة الدليل النقلي لليقين، والخلاف في إفادته اليقين أو عدم الإفادة في: المحصل للرازي: ٧١، والمواقف للإيجي: ٤٠، وأصول الدين للبغدادي: ١٢ - ١٣، ويراجع شرح المقاصد للتفتازاني: ١/ ٦، وشرح العقائد النسفية له أيضاً: ١٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049012,"book_id":1098,"shamela_page_id":660,"part":"2","page_num":684,"sequence_num":660,"body":"يردونها في باب العقائد بهذه القاعدة المقررة لديهم ولكنهم تناقضوا -في هذه المسألة التي معنا- لاحتجاجهم إما بما هو ليس صريح الدلالة أو بما هو غير ثابت أصلاً، وهكذا شأن من لم يعتصم بالكتاب والسنّة فلا بد أن يتناقض.\rقال ابن عبد البر ﵀ في معرض رده على من احتج بحديث ضعيف في مسألة الاستواء: \"وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا أو أنصفوا؟ \" (¬١).\rوقد تنبه بعض علماء الحنفية إلى هذا الذي يلزم من استدل بهذه الحجج المتشابهات من التناقض فمنع من التوسل بالذوات بهذه الحجة كما تقدم (¬٢)، وهذا هو اللازم لكل من يريد أن لا يتناقض في قواعده التي أَصَّلَها وقررها بنفسه، فعليه أن يلتزم بها سواء كانت له أو عليه.\r\r٣ - الجواب الثالث:\rإن النصوص التي استدلوا بها إما نصوص صحيحة ولكنها غير صريحة، وإما نصوص صريحة ولكنها ضعيفة أو موضوعة مكذوبة وليس لديهم دليل صحيح ثابت صريح، ففي الأدلة الصحيحة -نطالبهم بدلالتها الصريحة على مرادهم، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً.\rوفي الأدلة غير الصحيحة نطالبهم بإثبات صحتها، فإذا لم يثبتوا صحتها وثبوتها -يسقط احتجاجهم بها ولا يلتفت إليه.\r\r٤ - الجواب الرابع:\rإننا لو سلمنا دلالة تلك الأدلة التي ساقوها -على ما احتجوا به-","footnotes":"(¬١) التمهيد لابن عبد البر: ٧/ ١٣٢ - ١٣٣.\r(¬٢) انظر ما تقدم نقله ص: ٦٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049013,"book_id":1098,"shamela_page_id":661,"part":"2","page_num":685,"sequence_num":661,"body":"دلالة صريحة تكون تلك الأدلة معارضة للأدلة الأخرى الدالة على المنع أليس الواجب في هذه الحالة -الجمع إن أمكن- ثم الترجيح-؟؟\rفإذا اخترنا الجمع وذهبنا إليه فإننا نجد أن تلك الأدلة التي احتجوا بها الصحيح منها يدل على ما يوافق الأدلة المانعة من الدعاء غير المشروع، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك عند المناقشة التفصيلية.\rوإذا لم يمكن الجمع نذهب إلى الترجيح، وقد أشرنا أن الأدلة الدالة على المنع من الدعاء غير المشروع أقوى ثبوتاً ودلالة لأنها قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وأما الأدلة التي احتجوا بها فهي ما بين صريح غير صحيح الدلالة وما بين ضعيف أو مكذوب صريح الدلالة.\rهذا بعض ما يجاب به عن شبههم إجمالاً، وبعد أن رأينا أنه يمكن الاكتفاء بهذه الأجوبة الإجمالية لقوتها ووضوحها لمن يريد الحق ويتحراه وينشده، فإننا نشرع في الإجابة التفصيلية زيادة في البيان ورغبة في إقناع من بقيت عنده شبهة أو شك فيما يتعلق بهذا الباب.\rوإليك مناقشة بعض الآيات التي احتجوا بها أولاً، ثم بعض الأحاديث الصحيحة ثم الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة، ثم الحكايات والنظريات القياسية، ثم ردودهم وإجاباتهم فهذا أوان الشروع في ذلك وبالله التوفيق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049014,"book_id":1098,"shamela_page_id":662,"part":"2","page_num":686,"sequence_num":662,"body":"المبحث الأول في مناقشة بعض ما احتجوا به من كتاب الله العزيز\rلقد تعلق المجيزون للدعاء غير المشروع بعدة آيات زعموا أنها تدل لهم، فنحن نورد هنا تسع آيات من أهم الآيات التي استدلوا بها مبينين ما وجهة نظرهم ثم نناقشهم حسب يسره الله تعالى.\r\rالآية الأولى:\rقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩].\rاستدل بهذه الآية بعضهم (¬١) على التوسل بالذوات لأن اليهود استفتحوا بالنبي ﷺ قبل وجوده أي توسلوا به واحتج هؤلاء على هذا بما رواه عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال:\r\"كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر،","footnotes":"(¬١) احتج به داود بن جرجيس في المنحة الوهبية: ٣١، وكما في منهاج التأسيس: ٣٩٣، والغماري في إتحاف الأذكياء: ٧ - ٨، وفي الرد المحكم: ١٥٦، والعزامي في فرقان: القرآن ١١٩، وصاحب المفاهيم: ٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049015,"book_id":1098,"shamela_page_id":663,"part":"2","page_num":687,"sequence_num":663,"body":"فعاذت اليهود بهذا الدعاء: \"اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلَّا نصرتنا عليهم\" قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به فأنزل الله وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد على الكافرين\" (¬١).\rالجواب عن هذا من ناحيتين: إحداهما: ناحية الإسناد، وثانيتهما: ناحية المتن.\rأما ناحية الإسناد: فنقول وبالله التوفيق:\rإن عبد الملك بن هارون قال فيه ابن معين: كذاب، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث، وقال ابن حبان: يضع الحديث، وقال أحمد ضعيف الحديث، وقال الدارقطني عن أبيه: وأبوه أيضاً متروك أي فهما متروكان، وقال السعدي: دجال كذاب، وقال ابن عدي: له أحاديث غرائب عن أبيه عن جده عن الصحابة مما لا يتابعه عليه أحد، وقال الحاكم: روي عن أبيه أحاديث موضوعة (¬٢).\rوأبوه هارون بن عنترة قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جداً يروي المناكير الكثيرة حتى يسبق إلى قلب المستمع لها أنه المتعمد لذلك من كثرة ما روى مما لا أصل له، لا يجوز الاحتجاج به بحال وقد تقدم قول الدارقطني فيه، ولكن وثقه بعضهم، وقال الذهبي: الظاهر أن النكارة من الراوي عنه (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه الآجري في الشريعة: ٤٤٧ - ٤٤٨، والحاكم: ٢/ ٣٦٣، ومن طريقه البيهقي في الدلائل: ٢/ ٧٦ - ٧٧، كلهم من طريق عبد الملك بن هارون.\r(¬٢) تاريخ يحيى بن معين: ٣/ ٣٥٠ رقم ١٦٨٨، والضعفاء الصغير للبخاري: ٧٣ رقم ٢١٨، والعلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد: ٢/ ٣٩٥، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٥/ ٣٧٤، وأحوال الرجال للسعدي الجوزجاني: ٦٨ رقم ٧٧، والكامل لابن عدي: ٥/ ١٩٤٢، والمجروحين لابن حبان ٢/ ١٣٣، والمدخل للحاكم: ١/ ١٧٠ رقم ١٢٩، والميزان: ٢/ ٦٦٦، والضعفاء للدارقطني ص: ٢٨٩ رقم ٣٦٢.\r(¬٣) المجروحين: ٣/ ٩٣، الميزان: ٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥، والضعفاء للدارقطني رقم ٣٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049016,"book_id":1098,"shamela_page_id":664,"part":"2","page_num":688,"sequence_num":664,"body":"وقد ضعف الحفاظ هذه الرواية:\rفقد قال الحاكم بعد أن أخرج الحديث: \"أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير وهو غريب من حديثه\" وتعقبه الذهبي بقوله: \"لا ضرورة في ذلك، فعبد الملك متروك هالك\" (¬١).\rوقال الحافظ ابن حجر تعقيباً على كلام الحاكم: \"وأي ضرورة تحوج إلى إخراج من يقول فيه يحيى بن معين: كذاب في المستدرك على البخاري ومسلم؟ وما هذا إلا اعتذار ساقط\" (¬٢)، وضعف إسنادها أيضاً السيوطي (¬٣).\rثم إن الحاكم نفسه قد قال في عبد الملك: روى عن أبيه أحاديث موضوعة كما سبق، فكيف يخرج له بعد هذا في المستدرك؟ وما هذا إلا من تناقضاته، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر قول ابن معين السابق: \"وهذا الحديث من جملتها\" (¬٤) وبهذا نصل إلى سقوط هذه الرواية من ناحية الإسناد.\rومع وضوح سقوط هذه الرواية من جهة الإسناد حاول الغماري تقويتها مع اعترافه بضعفها فذكر أن للأثر طرقاً، فقد أخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس نحوه.\rكما أخرج أبو نعيم أيضاً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به (¬٥).","footnotes":"(¬١) المستدرك: ٢/ ٢٦٣.\r(¬٢) العجاب في بيان الأسباب للحافظ: ل ١٨/ ب وعنه في تحفة القاري في الرد على الغماري: ٤٥.\r(¬٣) الدر المنثور: ١/ ٨٨.\r(¬٤) قاعدة في التوسل: ١١٥.\r(¬٥) الرد المحكم: ١٥٦، وهذه الطرق ذكرها السيوطي في الدر المنثور: ١/ ٨٨ نقلاً عن دلائل النبوة لأبي نعيم ولم أجدها في المطبوع من الدلائل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049017,"book_id":1098,"shamela_page_id":665,"part":"2","page_num":689,"sequence_num":665,"body":"الجواب عن هذا أن هذه الطرق الثلاثة لا تزيد هذا الأثر قوة لأنها في غاية الضعف والوهن لأن عطاء هو الخراساني فعطاء الذي يروي التفسير عن ابن عباس هو الخراساني كما ذكره الحافظ (¬١).\rوعطاء الخراساني مختلف فيه ومع هذا لم يسمع من ابن عباس كما قاله أحمد ويحيى بن معين وغيرهما (¬٢).\rوالضحاك هو ابن مزاحم وثقه الجمهور وضعفه القطان، واتفق كل علماء الجرح على أنه لم يسمع من ابن عباس شيئاً ولم يره (¬٣).\rوأما الكلبي عن أبي صالح فالكلبي كذبه كثيرون وقد قال هو عن نفسه لسفيان الثوري: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب، فهو اعترف بكذبه وقال الحافظ: متهم بالكذب ورمي بالرفض (¬٤).\rوكذلك شيخه أبو صالح وهو باذام مولى أم هانئ قال فيه الحافظ: ضعيف يرسل وضعفه كثيرون، ثم إنه لم يسمع من ابن عباس أيضاً (¬٥).\rوبهذا عرفنا أن هذه الطرق كلها في غاية الضعف والوهن فلا تزيد الأثر إلا وهنًا على وهن، وقد يكون فيها علل أخرى ولكن لم نستطع الكشف عنها لأن السيوطي في الدر المنثور لم يسق الإسناد ولم أجدها في دلائل النبوة لأبي نعيم المطبوع وإنما الذي في المطبوع: ص ١٩ رواية سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس وستأتي، ولعله حذف من المطبوع أو وهم السيوطي في إسناده إلى الدلائل والله أعلم.\rثم هاهنا أمر مهم وهو أن ما زعمه الغماري من تقوية الأثر بطريق عطاء والضحاك فيه نظر واضح وهو أن الغماري اعتمد في هذه الروايات","footnotes":"(¬١) فتح الباري: ٨/ ٦٦٧، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٢١٣.\r(¬٢) المراسيل لابن أبي حاتم: ١٥٧ رقم ٢٩٤، وجامع التحصيل: ٢٩٠ رقم ٥٢٢.\r(¬٣) المراسيل لابن أبي حاتم: ٩٤ - ٩٧ رقم ١٥٢، والميزان: ٢/ ٣٢٥، وجامع التحصيل: ٢٤٢ رقم ٣٠٤.\r(¬٤) الميزان: ٣/ ٥٥٧، والتقريب رقم ٥٩٠١.\r(¬٥) الميزان: ١/ ٢٩٦، وجامع التحصيل: ١٧٧ رقم ٥٥، والتقريب: رقم ٦٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049018,"book_id":1098,"shamela_page_id":666,"part":"2","page_num":690,"sequence_num":666,"body":"فيما يظهر على السيوطي في الدر المنثور، ولكن الطبري وابن أبي حاتم أخرجا عن الضحاك عن ابن عباس ما يخالف ذلك.\rكما أخرج الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء قوله: \"كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي ﷺ \" (¬١).\rوأخرج هو وابن أبي حاتم عن الضحاك عن ابن عباس قوله: \"كانوا يستظهرون يقولون: نحن نعين محمداً عليهم وليسوا كذلك يكذبون\" (¬٢).\rفهذه الرواية التي توافق رواية الجماعة أولى على فرض ثبوت طريقة أبي نعيم عنهما، فتبين بهذا أنه لا يوجد ما يصلح للتقوية إلا طريق الكلبي وقد عرفت أنه متهم.\rثم إن هذه الرواية لو كانت ضعيفة فقط فهي مخالفة للرواية الصحيحة فهي في اصطلاح المحدثين منكرة فهي إن سلمت من الوضع لا تسلم من كونها منكرة لهذه المخالفة وإليك هذه الرواية الصحيحة التي خالفتها هذه الرواية.\rوهي ما رواه محمد بن إسحاق صاحب السيرة قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ﷺ منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وثن، فكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبياً مبعوثاً الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروا به، ففينا والله وفيهم أنزل الله ﷿: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري: ١/ ٤١٢.\r(¬٢) تفسير الطبري: ١/ ٤١٢، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٥ رقم ٩٠٩، وعزاه إلى ابن أبي حاتم ابن تيمية في قاعدة التوسل: ١١٤، وذكره ابن كثير عن الضحاك عن ابن عباس بدون عزو: ١/ ١٢٤.\r(¬٣) السير والمغازي رواية يونس: ٨٤، وسيرة ابن هشام: ١/ ٢١١، والطبري: ١/ ٤١٠، ودلائل النبوة للبيهقي: ٢/ ٥ - ٧٦، وعزاه في الدر: ١/ ٨٧ إلى ابن المنذر وإلى أبي نعيم في الدلائل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049019,"book_id":1098,"shamela_page_id":667,"part":"2","page_num":691,"sequence_num":667,"body":"وهذه الرواية إسنادها لا يقل عن رتبة الحسن لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث فزال ما يخشى من التدليس، والكلام فيه معروف والذي عليه أكثر النقاد أنه حسن الحديث إذا صرح بالسماع لاسيما في المغازي والسير كالذي نحن فيه (¬١).\rوأما عاصم بن عمر فمن رجال الجماعة قال فيه الحافظ: ثقة عالم بالمغازي وهو تابعي من الرابعة (¬٢).\rوالشيوخ الذين حدث عنهم من الصحابة ولا تضر جهالتهم؛ لأن الصحابة كلهم عدول فهم أيضاً آل من الأنصار ﵃.\rفالحديث له حكم الرفع لأنَّه حكاية عن وقائع حدثت في عهد النبوة وكانت سبباً لنزول الآية (¬٣).\rويؤيد هذه الرواية الصحيحة ثلاث طرق أخرى ومراسيل عن التابعين، وإليك بيان تلك الطرق.\r١ - طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس:\rأخرجه ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه … وفيه قول معاذ بن جبل وغيره لهم: اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ وتخبروننا أنه مبعوث … إلخ (¬٤). وهذه الطريقة وإن كان فيها ضعف (¬٥) لكنها تتقوى بالأولى.","footnotes":"(¬١) انظر الميزان: ٣/ ٤٦٨ - ٤٧٥.\r(¬٢) التقريب: رقم ٣٠٧١.\r(¬٣) انظر تحقيق أحمد شاكر للطبري: ٢/ ٣٣٣.\r(¬٤) أخرجه الطبري: ١/ ٤١٠ - ٤١١، وابن أبي حاتم في تفسيره: ١/ ٢٧٦ رقم ٩١١، وأبو نعيم في الدلائل: ١٩، وعزاه في قاعدة التوسل إلى ابن أبي حاتم: ١١٤، وعزاه في الدر المنثور: ١/ ٨٨، إلى ابن المنذر أيضاً.\r(¬٥) فقد قال الحافظ في محمد بن أبي محمد: مجهول، تفرد عنه ابن إسحاق: التقريب رقم ٦٢٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049020,"book_id":1098,"shamela_page_id":668,"part":"2","page_num":692,"sequence_num":668,"body":"٢ - طريق عطية العوفي عن ابن عباس وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا\" يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب\" (¬١)، وهذه الطريقة فيها ضعف (¬٢) أيضاً.\r٣ - طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قال: \"كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم وكانوا يجدون محمداً ﷺ في التوراة فيسألون الله تعالى أن يبعثه نبياً فيقاتلون معه العرب\" (¬٣).\rوهذا الإسناد كثيراً ما يروي به السدي تفسير الصحابة ولكن فيه كلام (¬٤).\rوالحاصل أن هذه الروايات الثلاثة تؤيد رواية ابن إسحاق الحسنة فترتفع من الحسن إلى الصحة، ثم يقوي هذه الرواية الصحيحة مراسيل التابعين الذين فسروا هذه الآية فمنهم قتادة وأبو العالية وعلي الأزدي وابن زيد ومجاهد وتقدم عن عطاء والضحاك، فقد قال الثلاثة الأول أنهم كانوا يقولون: \"اللهم ابعث هذا الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم … \" (¬٥).\rوقال ابن زيد كانت يهود يستفتحون على كفار العرب يقولون: أما","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن جرير: ١/ ٤١١.\r(¬٢) لأن العوفي ضعفه أكثر النقاد وهو شيعي مدلس. اهـ. الميزان: ٣/ ٧٩ - ٨٠.\r(¬٣) أخرجه البيهقي في الدلائل: ٢/ ٥٣٦، وأخرجه الطبري من قول السدي: ١/ ٤١١ - ٤١٢.\r(¬٤) قال أحمد في السدي وهو الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن: إنه ليحسن الحديث إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسناداً واستكلفه، التهذيب: ١/ ٣١٤، وانظر تهذيب الكمال: ٣/ ١١٣٦ الهامش.\r(¬٥) أخرج هذه الروايات عن هؤلاء الثلاثة -قتادة وأبي العالية وعلي الأزدي-، ابن جرير بإسناده إليهم: ١/ ٤١١، وأخرج ابن أبي حاتم طريق أبي العالية: ١/ ٢٧٦ رقم ٩١٢، وعزاه إلى ابن أبي حاتم ابن تيمية في قاعدة التوسل: ١١٥، وعزا في الدر: ١١/ ٨٨ رواية قتادة إلى عبد بن حميد وأبي نعيم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049021,"book_id":1098,"shamela_page_id":669,"part":"2","page_num":693,"sequence_num":669,"body":"والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى -أحمد- لكان لنا عليكم\" (¬١).\rوقال مجاهد: \"يستفتحون بمحمد ﷺ تقول: إنه يخرج\" (¬٢).\rوهناك رواية أخرى من طريق معمر عن قتادة قال: \"كانوا يقولون إنه سيأتي نبي\" (¬٣)، وبهذه الطرق اتضح جلياً أن الرواية المعروفة المحفوظة عن ابن عباس هي رواية ابن إسحاق وقد أيدته هذه الروايات الكثيرة المستفيضة، وبهذا يعلم نكارة رواية عبد الملك بن هارون لمخالفتها لهذه الروايات المعروفة مع ما في عبد الملك من تهمة الوضع وبهذا نصل إلى بطلان ما احتجوا به سنداً.\rوأما ناحية المتن فنقول وبالله التوفيق:\rإن هذا الأثر منقوض من جهة المعنى بعدة أوجه:\r١ - إن هذا الأثر يدل على أن الآية نزلت في يهود خيبر الذين يقاتلون غطفان، وهذا يخالف ما اتفق عليه أهل التفسير والسير من أن الآية نزلت في يهود المدينة وهم بنو قينقاع وقريظة والنضير، وهم الذين كانوا يخبرون الأوس والخزرج بقرب بعثة نبي جديد، وهذه المخالفة تدل على كذب هذه الرواية.\rقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر هذه المخالفة: \"فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان؟ فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن جرير: ١/ ٤١٢.\r(¬٢) أخرجه ابن جرير: ١/ ٤١٢.\r(¬٣) أخرجه ابن أبي حاتم: ١/ ٢٧٥ رقم ٩١٠ وعزاه إليه شيخ الإسلام في قاعدة التوسل: ١١٤.\r(¬٤) قاعدة في التوسل: ١١٥، أو الفتاوى: ١/ ٣٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049022,"book_id":1098,"shamela_page_id":670,"part":"2","page_num":694,"sequence_num":670,"body":"٢ - إن هذا يخالف ما ثبت تاريخياً ودل عليه القرآن الكريم، وهو أن اليهود لم ينتصروا منذ أن خالفوا أنبياءهم وكتب الله عليهم الذلة والمسكنة، فلم يعرف في التاريخ غلبة اليهود للعرب ولا لغيرهم بل هم دائماً مغلوبون، أو كانوا يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقاً فلم يكونوا ينتصرون، بمجردهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم (¬١).\rفهذه الرواية تدل على انتصار اليهود على العرب وهذا لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوافر دواعي الصادقين على نقله.\r٣ - ثم إن هذه الرواية لو صحت -مع أن دون ذلك خرط القتاد- لا يستقيم الاحتجاج بها لأمرين وهما:\rأ - إن هذه الحكاية عن فعل اليهود الذين كانوا قبل مبعث النبي ﷺ وقد وصفهم الله تعالى بالتحريف والتبديل فيمكن أن يكون هذا الدعاء بهذا الأسلوب التوسلي من بدعهم وتحريفهم، ويقوي هذا التحريف أن الله تعالى لم يذكر لنا عن موسى وبقية أنبياء بني إسرائيل مثل هذا التوسل المبتدع.\rولا يقال إن الله تعالى قد أقرهم على هذا التوسل المبتدع؛ لأن الله تعالى إنما ذكر هذا احتجاجاً عليهم باعترافهم بهذا النبي الكريم قبل مبعثه.\rويدل على هذا أن الله تعالى ذكر في النصارى أنهم ابتدعوا الرهبانية ومع ذلك لم يحافظوا عليها قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].\rفكما أن احتجاج الله على النصارى بما ابتدعوه من الرهبنة لا يدل (¬٢)","footnotes":"(¬١) انظر: الرد على البكري: ٥٨، وقاعدة في التوسل: ١١٦ - ١١٧.\r(¬٢) يراجع في هذا الاعتصام في مواضع منها: ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، ٣٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049023,"book_id":1098,"shamela_page_id":671,"part":"2","page_num":695,"sequence_num":671,"body":"على إقرارهم على هذا العمل، فكذلك احتجاج الله تعالى على اليهود بما ابتدعوه من التوسل بالذات -لا يدل على إقرار الله تعالى لهم.\rب - إن هذا (¬١) لو ثبت أنه من شريعة موسى -مع أنه لا يمكن إثبات أنه من شريعة موسى- فلا يصح دليلاً أيضاً لأن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا إلا فيما ورد شرعنا بموافقته.\rوقد أخبرنا الله تعالى عن سجود إخوة يوسف وأبويه له، وعن قول الذين غلبوا على أمرهم ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١].\rوالسجود لغير الله، واتخاذ المساجد على القبور لا يجوز في شرعنا، وهذا التوسل بالذوات لو ثبت يكون مثل هذا فلا يجوز في شرعنا.\rوالحاصل أن التفسير الصحيح للآية هو أن اليهود كانوا يستفتحون أي يطلبون الفتح وهو النصر كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] أي يطلبون من الله النصر بالتعجيل بإرسال الرسول الذي يقاتلون معه حتى ينتصروا، فالذي يطلبونه هو تعجيل إرسال الرسول الذي يجدونه عندهم في التوراة ويجدون انتصاره على المشركين، أو المعني أنهم كانوا يخبرون الذين يحاربونهم أنه قد قرب زمن بعثة نبي فسوف ننتصر معه عليكم.\rفالآية يدور معناها بين الإخبار بقرب بعثته وبين سؤال الله تعالى أن يعجّل ببعثته.\r\rالآية الثانية:\rقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ [البقرة: ٢٤٨].","footnotes":"(¬١) انظر الإشارة إلى هذا الوجه في قاعدة التوسل: ١١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049024,"book_id":1098,"shamela_page_id":672,"part":"2","page_num":696,"sequence_num":672,"body":"استدل بهذه الآية بعضهم على التوسل بآثار الأنبياء؛ لأن هؤلاء كانوا ينصرون على الأعداء بسبب تقديمهم للتابوت.\rوأن \"هذا في الحقيقة ليس إلا توسلاً بآثار أولئك الأنبياء، إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم إلا ذلك، والله ﷾ راض عن ذلك بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت، ولم ينكر عليهم ذلك الفعل\" (¬١).\rوالجواب عن هذه الشبهة -بعون الله وتوفيقه- بعدة وجوه:\r١ - إن هذه (¬٢) الآية ليس فيها ما يدل على أنهم يتوسلون بالتابوت، وإنما غاية ما في الآية أن مجيء التابوت جعل آية وعلامة على صحة ملك طالوت، وذلك دليل على صدق ما أخبرهم به رسولهم من أن الله ملك طالوت عليهم، وهذا واضح من الآية وقد فسر هذه الآية على هذا المعنى جمهور المفسرين. قال ابن جرير رحمه الله تعالى في معنى السكينة بعد أن ذكر ما قيل في معنى السكينة من الأقاويل الواردة في تفسيرها عن السلف، قال: أولى الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء ابن أبي رباح من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها، وذلك لأن السكينة في كلام العرب الفعيلة من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه فهو يسكن سكوناً وسكينة، ثم ذكر رحمه الله تعالى أن السكينة تحتمل أن تكون كل ما ذكر لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس وتثلج بها الصدور (¬٣).","footnotes":"(¬١) مفاهيم ص: ٦٤ ولم أطلع من سبقه إلى الاستدلال بالآية على هذا الفهم، اللهم إلا ما ذكره الكليني في الكافي أن آيات الأنبياء عصا موسى وحجره وقميص يوسف وخاتم سليمان آلت إلى أئمة الشيعة وأن سلاح النبي ﷺ آل إليهم أيضاً وأن هذا السلاح مثل التابوت في بني إسرائيل انظر الكافي: ١/ ١٨٠ - ١٨٥.\r(¬٢) انظر الإشارة إلى هذا الوجه والثالث في مفاهيمنا ص: ٧٢.\r(¬٣) ابن جرير ٢/ ٦١١ - ٦١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049025,"book_id":1098,"shamela_page_id":673,"part":"2","page_num":697,"sequence_num":673,"body":"٢ - وأما ما روي في القصة أنهم كانوا إذا لقوا عدواً لهم قدموه أمامهم، وزحفوا معه فلا يقوم لهم معه عدو ولا يظهر عليهم أحد حتى إذا كثر اختلافهم على أنبيائهم سلبوا …\rفهذا من الأخبار الإسرائيليات فلا نصدقه ولا نكذبه ولا نستطيع أن نحتج به على أمر شرعي لاسيما وهو يتعلق بأصل الدين وبتوحيد العبادة الله تعالى.\r٣ - إن هذا لو ثبت يكون من باب التبرك وليس من باب التوسل وبينهما فرق كما تقدم (¬١).\r٤ - ولو ثبت أنهم توسلوا بالتابوت -مع أن دون ذلك خرط القتاد- فلا يصح الاحتجاج بهذه القصة الأمور:\rأ - إنها شرع من قبلنا وليس شرعاً لنا إلا فيما أقرته شريعتنا، وهذه المسألة جاءت مخالفة له فقد نهينا عن تتبع آثار الأنبياء.\rب - إن البقية التي في التابوت هي من آثار موسى مثل عصاه ورضاض الألواح، وقيل: عصا موسى وعصا هارون وشيء من الألواح، وقد ثبت التبرك بأثر نبينا ﷺ، ويمكن أن يحمل هذا على مثل ذلك، ولكن لا يقاس على الأنبياء غيرهم لأنَّه قياس مع الفارق.\rج - إن مما يقوي أننا لا نتبع شرع من قبلنا في مثل هذا ما روي عن عمر بن الخطاب حيث زجره الرسول ﷺ عندما رأى في يده صحيفة من التوراة (¬٢).\rد - إن تتبع الآثار هو سبب ضلال الأمم السابقة وهلاكهم، قال عمر","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٦٥٧.\r(¬٢) أخرجه أحمد: ٣/ ٣٨٧، والبزار كما في كشف الأستار: ١/ ٧٨ - ٧٩ من حديث جابر بن عبد الله قال الحافظ: ورجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفاً \"الفتح: ١٣/ ٣٣٤\"، وللحديث شواهد يتقوى بها منها حديث عمر وعبد الله بن ثابت وأبي الدرداء. انظر مجمع الزوائد: ١/ ١٧٣ - ١٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049026,"book_id":1098,"shamela_page_id":674,"part":"2","page_num":698,"sequence_num":674,"body":"﵁: \"إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا يتبعون آثار نبيهم فيتخذونها كنائس وبيعاً\" (¬١).\rهـ -ويمكن أن يشرع لهم في دينهم تعظيم ذلك التابوت والاستنصار به كما أنه شرع لنا تعظيم الكعبة والحجر الأسود، ولا يقاس على ذلك كما هو معلوم.\r\rالآية الثالثة:\rقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].\rهذه الآية قد اسْتُدِلَّ بها (¬٢) على جواز السؤال بالمخلوق والإقسام به، فيجاب عن ذلك بأنه قد ورد في \"الأرحام\" قراءتان (¬٣)، نصب الأرحام عطفاً على لفظ الجلالة وهذه القراءة هي قراءة العامة.\rوالقراءة الأخرى جر الأرحام عطفاً على الضمير في به وهذا جائز على القول الصحيح كما قال ابن مالك:\rوعود خافض لدى عطف على … ضمير خفض لازماً قد جعلا\rوليس عندي لازماً إذ قد أتى … في النظم والنثر الصحيح مثبتاً (¬٤)\rفعلى قراءة العامة ليست الآية مما نحن فيه، وهذه القراءة رجحها الطبري والبغوي وغيرهما لأن العطف على الضمير المجرور لا يكاد يوجد في كلام العرب إلا قليلاً ومعنى الآية على هذه القراءة: اتقوا الله واتقوا","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٢/ ٣٧٦، وابن وضاح في البدع ص ٤١، وقال الألباني: وسنده صحيح على شرط الشيخين. اهـ. تحذير الساجد: ١٣٧.\r(¬٢) احتج بهذه الآية عثمان الناصري تلميذ ابن جرجيس كما في مصباح الظلام ص: ٢٩٧ واستدل بها صاحب البصائر: ٣٨٠ على التوسل بالأحياء.\r(¬٣) انظر عن القراءتين: البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة ص: ٧٣، وابن جرير: ٤/ ٢٢٦، ومعالم التنزيل: ١٠/ ٣٨٩ العامة قرأوا بالنصب وقرأ حمزة بالخفض.\r(¬٤) الألفية مع شرح ابن عقيل: ٢/ ٢٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049027,"book_id":1098,"shamela_page_id":675,"part":"2","page_num":699,"sequence_num":675,"body":"الأرحام أن تقطعوها أو اتقوا الله في الأرحام كما نقله ابن جرير عن كثير من مفسري السلف (¬١).\rأما على قراءة الجر وهي أيضاً جائزة في اللغة على القول الصحيح كما ذهب إليه ابن مالك -يكون المعنى- واتقوا الله الذي إذا تساءلتم بينكم، قال السائل للمسؤول: أسألك به وبالرحم وهذا ليس من باب الإقسام على المخلوق بالمخلوق، بل هو من باب طلب إيفاء حق الرحم فهو تذكير لما يستحقه من صلة الرحم أو يقال: هو إخبار عما كانوا يقولونه، ولا يدل على جوازه في الشرع، والأول أولى.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وهذا إخبار عن سؤالهم، وقد يقال إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلاً على جوازه فمعنى قوله: أسألك بالرحم ليس إقساماً بالرحم -والقسم هنا لا يسوغ- لكن بسبب الرحم أي لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقاً.\rومن هذا الباب ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن ابن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه، وليس هذا من باب الإقسام، فإن الإقسام بغير جعفر أعظم بل من باب حق الرحم لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر، وجعفر حقه على عليّ\" (¬٢).\rومما يؤيد أن الآية على قراءة الجر ليست من باب الإقسام ما تقدم (¬٣) من النهي عن الحلف بغير الله تعالى واتفاق العلماء على عدم جواز الإقسام بغير الله تعالى.\rفلا يمكن حمل معنى الآية على أمر ورد النهي عنه واتفق العلماء على منعه.","footnotes":"(¬١) تفسير ابن جرير: ٤/ ٢٢٧.\r(¬٢) قاعدة في التوسل: ١/ ٣٣٩، واقتضاء الصراط: ٤٢١ - ٤٢٢.\r(¬٣) تقدم ص: ٥٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049028,"book_id":1098,"shamela_page_id":676,"part":"2","page_num":700,"sequence_num":676,"body":"الآية الرابعة:\rقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]، استدل بهذه الآية جماعة (¬١) على جواز طلب الدعاء من الرسول ﷺ وقالوا: الآية وإن وردت في أقوام معينين في حالة الحياة تعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت، فتعم الحالتين الحياة والموت وقالوا: ويؤيد هذا حكاية العتبي وحكاية مالك مع المنصور وستأتي مناقشة هاتين الحكايتين إن شاء الله تعالى في مبحث الحكايات.\rالجواب: إن هذه الآية لا تدل على ما ادعوه لوجوه:\r١ - أن الآية خاصة بحياة النبي ﷺ وذلك لأن الآية نزلت فيمن ترك الرسول ﷺ وذهب إلى الطاغوت وتحاكم إليه، فهذا أساء إلى الرسول ﷺ وترك حقاً من حقوقه واعتدى على حق الرسول ﷺ وهو التحاكم إليه.\rفهذا لا تتحقق توبته إلا بالمجيء إلى الرسول ﷺ والاعتراف بالخطأ بترك التحاكم إليه، ويدل على ذلك أن \"لو\" من حروف الشرط. وحرف الشرط يدل على أن وجود الجواب يتوقف على وجود الشرط، ففي هذه الآية قد اشترط الحصول التوبة مجيئهم إلى الرسول ﷺ واستغفارهم الله واستغفار الرسول ﷺ لهم، ومثل هذا الشرط لم يأت في الكتاب والسنّة لغير هذا الذنب فدل ذلك على أن ذنب التحاكم إلى غير الرسول ﷺ مع وجوده ليس إساءة إلى الله، فقط بل فيه اعتداء على حقوق الرسول ﷺ ولذا اشترط مجيئهم إلى الرسول ﷺ (¬٢).","footnotes":"(¬١) منهم السبكي في شفاء السقام: ٨٦ - ٨٧، ١٨٢، وذكر شيخ الإسلام أن منهم من يتأولها كما في قاعدة التوسل ١٩، ودحلان في خلاصة الكلام: ٢٤٧، والدرر ص: ٢٢، والغماري في الرد المحكم: ٤٤، والعزامي في البراهين: ٤١٤.\r(¬٢) تفسير المنار: ٥/ ١٩٠ - ١٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049029,"book_id":1098,"shamela_page_id":677,"part":"2","page_num":701,"sequence_num":677,"body":"٢ - ثم الخطاب في جاؤوك، يدل على حال الحياة لأنه لا يقال لمن جاء إلى قبر رسول الله ﷺ إنه جاء الرسول ﷺ وإنما يقال جاء قبر الرسول ﷺ.\r٣ - قوله: \"استغفر لهم\" يدل على حال الحياة، لأن استغفار الرسول ﷺ لمن أتاه إنما يتحقق في حياته صلوات الله وسلامه عليه، وأما أنه يستغفر بعد موته لمن أتاه فهذا يحتاج إلى نص صحيح صريح وليس هناك نص صريح صحيح، وسيأتي مناقشة حديث عرض الأعمال الذي يدل على الاستغفار مع أن حديث العرض لو صح إنما يدل على عرض جميع أعمال الأمة وليس لمن جاءه فقط.\r٤ - إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفهموا من الآية العموم مع أنهم أعلم الناس بمعاني القرآن ومراد الله تعالى به، إذ لو فهموا من الآية عمومها لحالتي الحياة والموت لطلبوا من النبي الله ﷺ بعد موته الاستغفار لهم وحل مشكلاتهم، فقد اختلفوا بعد لحوقه بالرفيق الأعلى - مباشرة في أمور مهمة للغاية مثل اختلافهم في محل دفنه وفي ميراثه وفي الخلافة، وحصلت لهم كروب وحروب مثل وقعة الجمل وصفين، وفي هذا ظلم بعضهم لنفسه، ومع هذا لم يأتوا إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه ولم يطلبوا منه لا استغفارًا ولا غيره، وقد كانوا في حياته يراجعونه فيما هو أقل من هذا بكثير فكان الرجل منهم يراجعه فيما يقع بينه وبين أهله، فلو فهموا العموم لأتوه ولو أتوه لنقل إلينا لأنه مما تتوافر الهمم على نقله - فدل تركهم الدائم على أنهم لم يفهموا من الآية العموم.\rوقد سبق لنا (¬١) أن الترك الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع سنة، وقد حصل هنا المقتضي وهو ظلم بعضهم لنفسه ولا مانع من الإتيان، فدل هذا على أن ترك المجيء سنة، فعلى هذا فلو قلنا: إن الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وأغفلوه حتى جاء","footnotes":"(¬١) سبق ص: ٦٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049030,"book_id":1098,"shamela_page_id":678,"part":"2","page_num":702,"sequence_num":678,"body":"المتأخرون وعملوا به وهذا لا يقول به من يعرف البون الشاسع بين السلف والمتأخرين في الحرص على الخير، ومن المعلوم \"أنه لا يجوز إحداث تأويل في آية، أو سنة، لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بيّنوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه\" (¬١). وبهذا اتضح أن من قال: إنها تدل على العموم فقد خالف بذلك \"إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم\" (¬٢).\r٥ - ثم إن المجيء إليه ﷺ في حياته لو دُعِيَ إليه مسلم ظلم نفسه ليستغفر له -وجب عليه المجيء مع القدرة لأن المنافقين هم الذين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥].\rولا يمكن أن نقول: كذلك فيمن دعي إلى قبره \"ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق\" (¬٣).\rونكتفي بهذا القدر لأن كثيرًا من المحققين المحققين (¬٤) قد بيّنوا عدم الآية على ما زعم هؤلاء بأوجه كثيرة فلا حاجة للتطويل.\r\rالآية الخامسة:\rقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ","footnotes":"(¬١) الصارم: ٣٢١.\r(¬٢) قاعدة في التوسل: ١٩.\r(¬٣) الصارم: ٣٢١.\r(¬٤) منهم: الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي من ص: ٣١٩ - ٣٢٣، ومنهم الشيخ بشير السهسواني في صيانة الإنسان بين ذلك في ١٦ وجهًا من ص: ٢٨ - ٤٧، وذكر بعض الأوجه أيضًا شيخ الإسلام في قاعدة في التوسل ص: ١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049031,"book_id":1098,"shamela_page_id":679,"part":"2","page_num":703,"sequence_num":679,"body":"وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥].\rقد استدل بهذه الآية بعضهم على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم على الله تعالى بهم وعلى الطلب من الموتى والغائبين دعاء الله تعالى.\rوقالوا: إن الوسيلة في الآية عامة تشمل التوسل بالذوات الفاضلة (¬١)، وفسر بعض هؤلاء المستدلين الوسيلة في الآية بأنها \"كل ما جعله الله سببًا في الزلفى عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه، والمدار فيها على أن يكون للوسيلة قدر وحرمة عند المتوسل إليه\" (¬٢).\r\rالجواب عن هذه الآية على وجوه:\rأ - إننا قد ذكرنا فيما مضى (¬٣) معنى التوسل في اللغة والشرع وعبارات السلف، وليس من معناه اللغوي ولا الشرعي التوسل بهذا المعنى المحدث الذي هو التوسل بالذات، فلا يجوز حمل الآية على المعنى الذي لم يكن متعارفًا عليه وقت النزول، فلهذا لم نجد أحدًا من مفسري السلف فسر الآية بالتوسل بالذوات وستأتي قريبًا عباراتهم","footnotes":"(¬١) استدل بهذه الآية كثيرون: منهم داود بن جرجيس في المنحة الوهبية ص: ٢٥، ٣٠، وكما في تحفة الطالب والجليس: ١١٩ - ١٢١، ومنهاج التأسيس ص: ٣٤٨، والتيجاني كما في جواهر المعاني: ١/ ٢١٧، والكوثري في المقالات: ٣٧٨ - ٣٧٩، وذكر الألوسي في روح المعاني: ٦/ ١٢٤ - ١٢٥ استدلال بعضهم بالآية على الاستغاثة والتوسل والإقسام، وممن احتج بها على جواز التوسل والاستغاثة سلامة القضاعي العزامي في البراهين الساطعة: ٣٩٢، وانتحل كلامه بحروفه صاحب المفاهيم ص: ٥٤، ومنهم النبهاني فقد نقل عن الرملي الشافعي وعبد الغني النابلسي والوفائي الأزهري أنهم استدلوا بالآية على جواز الاستغاثة بالأنبياء والأولياء بعد موتهم، انظر شواهد الحق: ١٤١ - ١٤٢.\r(¬٢) انظر كلام سلامة العزامي في البراهين: ٣٩٢ - ٣٩٣، وعنه صاحب المفاهيم منتحلًا ص: ٥٤.\r(¬٣) تقدم ص: ٦٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049032,"book_id":1098,"shamela_page_id":680,"part":"2","page_num":704,"sequence_num":680,"body":"وألفاظهم، فعلى هذا يكون تفسير الوسيلة في الآية بالتوسل بالذات -من التفسير بالرأي المجرد وهو مذموم كما هو معروف، ولهذا لم نجد أيضًا أحدًا ممن ألف في تفسير القرآن الكريم أو شرح معاني غريبه -ذكر هذا المعنى الذي هو التوسل بالذوات، وهذا كله يدل على أن الوسيلة في الآية هو التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي يكتسبها الإنسان بنفسه لا بأمر خارج عنه أجنبي لا علاقة له به.\rب - إن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أمر بطلب الوسيلة إلى الله تعالى والأمر للوجوب إن لم يصرف بدليل آخر فلو قلنا: إن الوسيلة هنا تشمل التوسل بالذوات، لزم أن التوسل بالذوات واجب إذ لا صارف لهذا الأمر، وقد أجمع المسلمون على أن التوسل بالذوات غير واجب وإنما الخلاف في الجواز وعدمه ولم يقل باستحبابه إلا بعض المتأخرين بدون دليل، ولو طلبوا بالصارف الذي صرفه عن الوجوب لم يجدوا فثبت بهذا أنه غير مراد من الآية وليس داخلًا في عمومها.\rج - إن هذا الأمر بطلب الوسيلة كان ينبغي للنبي ﷺ أن يبيّنه للأمة إما بقوله أو عمله وذلك عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ولم يثبت عن النبي ﷺ في حديث صحيح أو حسن أنه توسل بذاته الشريفة أو بالأنبياء أو الملائكة المقربين أو بصحابته في أدعيته الكثيرة المتواترة، والتي صنفت فيها المجلدات والتي فيها جميع أنواع صيغ الدعاء بأساليب شتى، فكيف يعقل ترك النبي ﷺ لبيان هذا الأمر الإلهي؟\rد - إن الصحابة لم يطبقوا هذا الأمر الإلهي بالتوسل بالذوات في حياة النبي ﷺ وقت وقوعهم في الشدائد والعظائم، فلم ينقل أن السرايا والمسافرين منهم توسلوا به، فلو كانت الآية تعني ابتغاء الوسيلة بذوات الأنبياء لرأينا في أدعية الصحابة التي نقلت بألفاظ كثيرة، وفي مناسبات شتي، توسلهم بالنبي ﷺ، وبكبار الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وباقي العشرة وأصحاب بدر وبيعة الرضوان، فكيف فاتهم هذا الفهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049033,"book_id":1098,"shamela_page_id":681,"part":"2","page_num":705,"sequence_num":681,"body":"لعموم الآية وأدركه المتأخرون؟\rوقد ذكرنا فيما مضى أن الترك (¬١) الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع سنة متبعة كما قرره العلماء المحققون.\rهـ - إن الوسيلة التي أمرنا بابتغائها من العبادات والطاعات بلا شك ولا ريب والعبادات مبناها على التوقيف، ولم يأت نص صحيح صريح في كون التوسل بالذوات من الطاعات التي يتقرب بها إلى الله تعالى فإذا لم يأت نص فهو من البدعة وليس من الطاعات التي شرع لنا التعبد بها والتي أمرنا بابتغاء الوسيلة إلى الله بها.\rو- الآية تدل على عكس فهم هؤلاء، لأن فيها تقديم المعمول وهو يفيد الحصر فقد قدم الجار والمجرور وهو \"إليه\" على المتعلق به وهو \"الوسيلة\"، أي اطلبوا القربة إلى الله وحده لا إلى غيره، فالتوسل البدعي توجه إلى غير الله وتعليق للقلب بغير الله، وليس فيه حصر التوجه والتعلق على الله الذي تفيده الآية بتقديم الجار والمجرور، ويدل على أن التوسل البدعي ليس فيه حصر التوجه ما خافه الإمام النووي ﵀ من التوسل بالأعمال الصالحة، فإنه ذكر حديث الغار وتوسل الثلاثة بأعمالهم وإن العلماء استحبوا لمن وقع في شدة أن يدعو بصالح عمله عملًا بحديث الغار، ثم قال ﵀: \"وقد يقال في هذا شيء لأن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى، ومطلوب الدعاء الافتقار\"، ثم أجاب عن الاستشكال بأن النبي ﷺ صَوَّبَ أعمالهم فدل على جوازه (¬٢).\rفإذا كان مثل النووي ﵀ يخاف في التوسل المشروع عدم حصر الافتقار في الله تعالى، فكيف يكون الأمر في التوسل المبتدع؟ لا شك أن ترك الافتقار المطلق فيه أولى وأظهر.","footnotes":"(¬١) سبق ص: ٦٠٦.\r(¬٢) الأذكار: ٣٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049034,"book_id":1098,"shamela_page_id":682,"part":"2","page_num":706,"sequence_num":682,"body":"ز - إن لفظ الوسيلة الذي ورد في هذه الآية هو مثل لفظ الوسيلة\rالذي ورد في آية الإسراء ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧].\rففي هذه الآية لا يمكن تفسير الوسيلة بما يشمل التوسل بالذوات لأن ذلك خلاف سياق الآية، فالآية تبين أن المدعوين أنفسهم يطلبون إلى الله الزلفى والقربة، ويرجون رحمته ويخافون عذابه فكيف أنتم تدعونهم مع هذا؟، بل اللائق بكم أن تدعوا وتطلبوا الزلفى إلى الله كما هم يطلبونها من الله تعالى وحده وهذا واضح من الآية بحمد الله تعالى فهي في نفي الواسطة إلى الله تعالى فيشمل ذلك التوسل البدعي، فكما أن الوسيلة في آية الإسراء لا تعم التوسل البدعي فكذلك لا تعمه في آية المائدة وخير ما فسر القرآن بالقرآن، ومن فرق بين المتماثلين فعليه البيان والبرهان، ولا برهان له إلا الاحتمالات الواهية والظنون الكاذبة.\rح - إن الوسيلة التي أمرنا بابتغائها لا بد أن يبينها الله لنا في كتابه لأنها مما يقربنا إليه وهي من الدين، وقد قال تعالى في أول هذه السورة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإذا لم يرد في القرآن الكريم كله التوسل بالذوات ولا مرة واحدة، ولم يحك الله لنا هذا التوسل في أدعية الأنبياء والصالحين وابتهالاتهم ومناجاتهم مع الله تعالى وهي كثيرة جدًا في القرآن الكريم، دل ذلك على أن هذا التوسل ليس مما يقربنا إلى الله تعالى وليس من الدين في شيء وليس من أدعية الأنبياء والصالحين، فثبت أنه محدث في الدين وأنه ليس مرادًا من الآية.\rفثبت بما تقدم - ولله الحمد - أن معنى الآية: ليس في التوسل بذوات الصالحين وإنما معناها تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه كما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049035,"book_id":1098,"shamela_page_id":683,"part":"2","page_num":707,"sequence_num":683,"body":"قاله قتادة وأبو وائل وعطاء ومجاهد والحسن وعبدالله بن كثير (¬١)، وقاله حذيفة أيضًا (¬٢) ويرجع إلى هذا المعنى تفسير (¬٣) عبد الرحمن بن زيد الوسيلة بالمحبة، أي تحببوا إلى الله أي تقربوا إلى الله بطلب رضاه ومحبته، وكذلك تفسير السدي (¬٤) بالمسألة والقربة لأن المعنى اطلبوا منه المسألة والقربة ولا تسألوا غيره.\rوكذلك ما روي عن ابن عباس (¬٥) أنه فسرها بالحاجة، أي اطلبوا منه الحاجة ولا تطلبوا من غيره، قال الألوسي: \"وكأن المعنى حينئذ اطلبوا متوجهين إليه حاجتكم فإن بيده عز شأنه مقاليد السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره فتكونوا كضعيف عاذ بقرملة\" (¬٦).\rفكل هذه المعاني في إخلاص الطاعة لله وإفراده بالمحبة والسؤال والحاجة وليس فيها ما يدل على طلب الحاجة من الله بواسطة الذوات، ثم إن هذه المعاني متقاربة فلذا قال ابن كثير بعد أن حكى تفسيرها بالقربة: \"وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه (¬٧).","footnotes":"(¬١) أخرج ذلك الطبري بأسانيده عنهم: ٦/ ٢٢٦، كما أخرجه عن قتادة، عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور: ٢/ ٢٨٠.\r(¬٢) أخرجه الحاكم: ٢/ ٧٨، وصححه ووافقه الذهبي.\r(¬٣) و (¬٤) أخرجهما الطبري بإسناده إليهما: ٦/ ٢٢٧.\r(¬٥) رواه ابن الأنباري في الوقف والطبراني في الكبير في سؤال نافع بن الأزرق لابن عباس وفيه: \"أخبرني عن قوله تعالى وابتغوا إليه الوسيلة، قال: الوسيلة الحاجة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟، قال: نعم أما سمعت عنترة وهو يقول:\rإن الرجال لهم إليك وسيلة … أن يأخذوك تكحلي وتخضبي\rانظر الاتقان: ١/ ١٥٨، والمنار: ٦/ ٣٠٥، ومسائل نافع تحقيق محمد عبد الباقي: ٢٩٠.\r(¬٦) روح المعاني: ٦/ ١٢٤ وقوله: كضعيف عاذ بقرملة: القرملة واحدة القرمل وهو نبات أو شجر صغار ضعاف لا شوك له، وهو مثل يقال لمن يستعين بمن لا دفع له، وبأذل منه. اهـ. اللسان مادة قرمل: ٦/ ٣٦٠٧.\r(¬٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049036,"book_id":1098,"shamela_page_id":684,"part":"2","page_num":708,"sequence_num":684,"body":"ويدل على أن هذه المعاني مآلها واحد أن ابن جرير الطبري فسر الوسيلة بالقربة ثم قال: \"وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل\"، ثم ساق أقوال من فسرها بالقربة والمسألة والمحبة استدلالًا على أنها مثل تفسيره (¬١).\rوصنع القرطبي مثل صنع الطبري أيضًا (¬٢).\rوذلك أن مفسري السلف قد يقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم له اختلافًا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن (¬٣).\rوبما تقدم من تفسير السلف وعلماء التفسير للوسيلة في الآية بما حاصله التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، يعلم ما في قول بعضهم في تعريف الوسيلة: \"كل ما جعله الله سببًا في الزلفى عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه\". ثم هنا أمر آخر وهو أن الخلاف في جعل الله التوسل بالذوات سببًا للزلفى عنده، فهو مورد النزاع فيحتاج إلى دليل خارجي يثبت أنه سبب للزلفى ووصلة إلى قضاء الحاجات، لأن الأسباب الشرعية لا بد من ثبوتها بالأدلة وإلا لجعل الناس أسبابًا للقربات من عند أنفسهم وادعوا أنها أسباب (¬٤).","footnotes":"(¬١) الطبري: ٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\r(¬٢) القرطبي: ٦/ ١٥٩.\r(¬٣) تفسير ابن كثير وانظر مقدمة تفسيره: ١/ ٥، والفتاوى: ١٣/ ٣٣٣، وما بعدها و ٥/ ١٦٠ - ١٦٣.\r(¬٤) ومما ينبغي أن يعلم في الأسباب ثلاثة أمور:\rأ - السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بد له من أسباب أخر وصرف الموانع.\rب - لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم.\rجـ - الأعمال الدينية لا يتخذ منها شيء سببًا إلا بالشرع لأن العبادة توقيفية، انظر الفتاوى: ١/ ١٣٧، والرد على البكري: ٨٦ - ٨٧ و ٢٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049037,"book_id":1098,"shamela_page_id":685,"part":"2","page_num":709,"sequence_num":685,"body":"والأسباب الشرعية للتقرب إلى الله ولقضاء الحاجات معروفة في الكتاب والسنّة، والتوسل البدعي ليس منها، فمن ادعى أنه منها فعليه البيان بالأدلة الثابتة الصحيحة التي تدل على أن الله تعالى جعل التوسل بالذوات سببًا لقضاء الحاجات، ولا يقبل ذلك بالادعاء لأنه أمر شرعي تعبدي فلا بد من النص الواضح على أنه سبب، ولا يكفي في كون الشيء سببًا يتوسل به إلى الله تعالى أن يكون له قدر وحرمة عند المتوسل إليه، وذلك لأن المتوسل إليه إذا لم يأمرنا بأن نتقرب إليه بذلك الذي له قدر وحرمة عنده يكون التوسل إليه من إساءة الأدب إليه، ومن الافتئات عليه لاسيما وقد بيّن لنا ما نتوسل به إليه وسكت عن هذا من غير نسيان، ثم إن فيه اتهامًا له بعدم النصح لنا بعدم البيان لما فيه الخير لنا أو التقصير في ذلك وحاشا الشارع الحكيم من ذلك.\rثم إن هذا الكلام فتح لباب الشرك الذي أمرنا بسد الذرائع إليه، إذ أصل شرك العالم هو بسبب ادعاء الواسطة بين الله وبين خلقه وادعاء الحرمة والقدر عند الله للمعبودين، فثبت بهذا أن المدار في جواز التوسل وعدمه ليس على الحرمة والقدر، وإنما المدار على الشرع، فما أجازه الشرع وجعله سببًا للتوسل جاز، وما لم يرد في الشر، لا يكون سببًا للتوسل لأن المدار على الاتباع لا على القياس والاستحسان.\rط - ويقال أيضًا: إن الآية الكريمة تحث على تقوى الله تعالى والتقرب إليه بما يرضاه من الأعمال الصالحة، كما تحث على الجهاد في سبيله، وهذه الأمور كلها الهدف منها النفع الأخروي الآجل، وليس في سياق الآية ما يدل من قريب ولا من بعيد على طلب النفع الدنيويّ العاجل، أو التقرب إليه بالذوات لطلب النفع العاجل، فالآية فيما هو أسمى من ذلك الذي هو الأمر الأخروي فقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يكتنفه الأمر بالتقوى والأمر بالجهاد ثم هو مذيل بتعليل ذلك بأنه يؤدي إلى الفلاح، وهذا السياق كله يدل على أن المقصود من الآية الأمر الأخروي والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049038,"book_id":1098,"shamela_page_id":686,"part":"2","page_num":710,"sequence_num":686,"body":"ويؤيد هذا الوجه الأخير ما ذكره شيخ الإسلام من أن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ معطوف على قوله: ﴿اتقوا الله﴾ وأنه من باب عطف الخاص على العام فيكون ابتغاء الوسيلة من تمام تقوى الله تعالى، وأن الفائدة من ذكر الخاص بعد العام هو ما في الخاص من مزية تستحق التنويه بها (¬١).\rولا يمكن لأحد أن يدعي أن التوسل بالذوات له مزية على غيره من أنواع الطاعات التي يحصل بها تقوى الله تعالى.\r\rالآية السادسة:\rقوله تعالى في قصة سليمان ﵇: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ [النمل: ٣٨].\rاستدل بها بعضهم (¬٢) على جواز طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من المخلوق.\rالجواب عن هذا على وجوه:\r١ - إن سليمان ﵇ عندما طلب من الملأ الذين معه - كان فيهم الجن والشياطين وهم آتاهم الله تعالى قدرة يستطيعون إحضار مثل هذا وقد سخرهم الله له. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ … ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ [ص: ٣٧]، فهو قد طلب منهم ما يقدرون عليه فلم يطلب ما لا يقدرون عليه.\r٢ - ثم (¬٣) إن القصة من أدلة التوحيد لأن الرجل الذي عنده علم من","footnotes":"(¬١) العبودية ص: ٨٠.\r(¬٢) استدل بها ابن جرجيس في المنحة الوهبية ص: ٣٠، وكما في القول الفصل: ٢٤، وتحفة الجليس: ٣٩ - ٤٢، والعزامي في: البراهين: ٤٠٧، وعنه منتحلًا بدون إشارة صاحب المفاهيم: ٩٥.\r(¬٣) انظر هذه الأجوبة الثاني والثالث والرابع في تحفة الطالب: ٣٩ - ٤٢، والقول الفصل: ٢٥ - ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049039,"book_id":1098,"shamela_page_id":687,"part":"2","page_num":711,"sequence_num":687,"body":"الكتاب توسل إلى الله بتوحيده وإلاهيته وكرر ذلك في دعائه، وقد روي (¬١) أنه يعرف الاسم الأعظم فهو طالب من الله راغب إليه سائل له، وقد روي أنه قال: \"يا ذا الجلال والإكرام\" أو قال: \"يا إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحدًا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها\"، وقيل إنه توضأ وصلى ركعتين ودعا الله تعالى ولم يدع سليمان ولا توسل به ولا بالأنبياء السابقين بل توجه إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة.\r٣ - ثم إن سليمان ليس داعيًا بل هو آمر وقد ذكرنا الفرق بين المعنيين فيما تقدم (¬٢)، وذلك لأن سليمان ﵇ ملك يأمر رعيته بما يقدرون عليه وهكذا حال الملوك وغيرهم، خصوصًا إذا كان مما يحبه الله ويرضاه …\r٤ - ثم إن هذا من باب طلب الدعاء من الحي الحاضر لا سيما إذا كان معروفًا بإجابة الدعاء، فإن الرجل قيل: إنه كان يعرف الاسم الأعظم الذي إذا دعى الله به أجاب ولا يشترط في طلب الدعاء أن يكون المطلوب منه أفضل من الطالب، كما في طلب النبي ﷺ من عمر إشراكه في الدعاء وطلب عمر من العباس الاستسقاء وأمر النبي الله ﷺ لعمر بطلب الاستغفار من أويس القرني (¬٣)، وبهذا علم أن هذا ليس من الطلب من الغائب ولا من الميت وإنما من الحاضر.\r٥ - ثم إن هذا الأمر من سليمان يمكن أن يكون بوحي من الله ﷾ لأنه نبي يعمل ما يعمله بالوحي، وقد يريد الله تعالى إظهار فضل أتباع نبيه سليمان ﵇ وإظهار كرامتهم عند الله تعالى، فيأمر سليمان بأن يأمر الحاضرين بالتسابق في تقديم الدعاء إلى الله تعالى فمنهم","footnotes":"(¬١) انظر هذه الروايات التي في هذه القصة تخريجها في تفسير الطبري: ١٩/ ١٦٣، والدر المنثور: ٥/ ١٠٩.\r(¬٢) سبق ص: ١٨.\r(¬٣) قد أخرجت هذه الأحاديث في ص: ٥٠١، ٧٢٠، وحديث أويس في مسلم برقم ٢٥٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049040,"book_id":1098,"shamela_page_id":688,"part":"2","page_num":712,"sequence_num":688,"body":"الجن والشياطين ومنهم الإنس، ففي قبول الدعاء من أتباع النبي كرامة لهذا التابع كما أنه من جهة معجزة للرسول المتبوع.\rفهذه القصة تحتمل أن تكون بوحي فلهذا لا يمكن القياس عليها.\r٦ - ثم إن هذه القصة قد وقعت في شريعة غير شريعتنا، ومن المعلوم أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا فيما وافق شرعنا، وقد علم قطعًا في شرعنا أنه لا يجوز طلب ما لا يقدر عليه إلا الله إلا من الله تعالى.\r\rالآية السابعة:\rقوله تعالى في حق موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥].\rاحتجوا (¬١) بهذه الآية على جواز الاستغاثة بالأموات والغائبين، كما احتجوا أيضًا بالأحاديث الواردة في مطلق الاستغاثة والإعانة، مثل ما ورد في حديث (¬٢) الشفاعة الكبرى: \"فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ (¬٣) وحديث (¬٤) ابن عباس في قصة هاجر من قولها: \"أغث إن كان عندك غواث\" (¬٥)، وما روي (¬٦) أن جبريل قال لإبراهيم عليهما","footnotes":"(¬١) انظر الاحتجاج بهذه الآية: في الأزهية في أحكام الأدعية نقلًا عن الجزري ص: ١٧٤.\r(¬٢) انظر الاستدلال به في شفاء السقام: ١٩٠، وشواهد الحق نقلًا عن الجوهر المنظم ص: ١٣٨، والدرر ص: ١٨، والبراهين: ٤١٧، وعنه منتحلًا في مفاهيم: ٥٤، والمقالات للكوثري ص: ٣٩٥.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٣/ ٣٣٨ رقم ١٤٧٥ من حديث ابن عمر، وانظر رقم ٣٣٤٠ من حديث أبي هريرة ومسلم من حديث أبي هريرة رقم ١٩٤ ومن حديث أنس ١٩٣.\r(¬٤) انظر الاحتجاج به في شفاء السقام: ١٨٨، وفي الأزهية ص: ١٧٥.\r(¬٥) أخرجه البخاري: ٦/ ٣٩٦ رقم ٣٣٦٤ من حديث ابن عباس.\r(¬٦) انظر ذكر احتجاجهم بهذا الحجة - في كشف الشبهات -: مؤلفات الشيخ: ١/ ١٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049041,"book_id":1098,"shamela_page_id":689,"part":"2","page_num":713,"sequence_num":689,"body":"السلام لما ألقي في النار ألك حاجة فقال أما إليك فلا (¬١).\rقالوا: وهذه الأمور فيها الاستغاثة بغير الله تعالى.\r\rالجواب (¬٢):\r١ - إن هؤلاء الذين يذكرون ما تقدم على أحد احتمالين: إما أنهم لم يفهموا الاستغاثة الممنوعة من المباحة ولم يستطيعوا التمييز بينهما، وإما أنهم يتعمدون التشويش وتلفيق الحجج والشبهات، وعلى كل فنقول جوابًا لهذا ولذاك سائلين الله تعالى التوفيق.\r٢ - إن الاستغاثة على قسمين جائزة وممنوعة.\rفالجائزة: الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه، وهي ما كان \"في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال، أو إدراك عدو، أو سبع أو نحوه، كقولهم يا لَزَيْدٍ يا للمسلمين كما ذكروا ذلك في كتب النحو\" (¬٣).\rوأما القسم الممنوع فهو أن يستغاث بالمخلوق الحاضر فيما لا يقدر، وكذلك بالغائب أو الميت فيما يقدر عليه حيًا ولا فيما لا يقدر.\rفالاستغاثة الممنوعة محصورة بالاستغاثة بالقوة والتأثير الغيبي أو في الأمور المعنوية من الشدائد، كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص: ٣٣٧.\r(¬٢) انظر الجواب عن هذه الشبهة: في الرد على البكري: ٦٧، وكشف الشبهات: ١/ ١٧٨، وتطهير الاعتقاد ٢٧، والدر النضيد: ٢٤، وتيسير العزيز: ٢٣٤، وعقيدة الشيخ محمد: ٤٦٤.\r(¬٣) تيسير العزيز: ٢٣٤.\r(¬٤) القول الفصل: ٥١ والانتصار لحزب الله: ٤٥ - ٤٦، وأصل الكلام لصنع الله الحلبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049042,"book_id":1098,"shamela_page_id":690,"part":"2","page_num":714,"sequence_num":690,"body":"فهذه الاستغاثة من خصائص الله تعالى لا يطلب فيها غيره، والسبب في منع الاستغاثة بغير الله في هذا لأن \"ما لا يقدر عليه من الأمور العامة الكلية كهداية القلوب ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة والفوز بالجنة والإنقاذ من النار ونحو ذلك غايةٌ في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل وإظهار الفاقة والعبودية ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق أو يقصد به غير الله\" (¬١).\rوقد تقدم (¬٢) ذكر ما يبين في مبحث مراتب الدعاء غير المشروع، فاتضح مما سبق أن ما استدلوا به كله من القسم الأول الجائز فإن موسى ﵇ في المثال الأول قادر على إغاثة الرجل الذي استغاث به وهو حي حاضر، ومثل ذلك ما ورد في أحاديث الشفاعة فإن الأنبياء حاضرون مع الناس فيطلبون منهم الدعاء والشفاعة، وذلك في مقدورهم، ومما يدل على ذلك دلالة واضحة أن الناس يذهبون إليهم واحدًا بعد واحد، فلو كان من الاستغاثة المدعية لما تجشموا الذهاب في ذلك الموقف الحرج بل اكتفوا بذكر أسمائهم أو ندائهم والصراخ بأسمائهم بدون أن يحضروا عندهم ويتجشموا الذهاب إليهم.\rفدل هذا على أن هذه الاستغاثة من باب طلب الدعاء من الحي الحاضر، ومن النوع استغاثة هاجر فإنها لما سمعت صوتًا طلبت من صاحب الصوت أن يغيثها وهو حاضر قريب إليها.\rوأما ما روي في قصة إبراهيم على فرض صحته فإنه أيضًا من هذا النوع، فإن جبريل شديد القوى كما وصفه الله يقدر على إغاثة إبراهيم وإلقائه خارج النار، أو إلقاء النار في مكان بعيد.","footnotes":"(¬١) تحفة الطالب والجليس: ١٠٤.\r(¬٢) تقدم ص: ٤٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049043,"book_id":1098,"shamela_page_id":691,"part":"2","page_num":715,"sequence_num":691,"body":"الآية الثامنة:\rقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤، الشورى: ٢٢].\rاستدل (¬١) بهذه الآية بعضهم على جواز دعاء الأولياء في قبورهم، أي أن الأولياء إذا أرادوا شيئًا في قبورهم وطلبوه من الله فلا بد أن يحصل ويتحقق فإذا كان الأمر كذلك فإذا دعاهم أحد فإنهم يشاءون له الإجابة.\rالجواب عن هذا بوجوه:\r١ - يلزم على تفسير الآية بقول هؤلاء الذين فسروها بالمشيئة المطلقة للأولياء أن الأولياء في قبورهم لهم التصرف المطلق في الكون، فهم لا يشاؤون أيّ شيء إلا كان، ولا يقول بهذا مسلم لأن المشيئة المطلقة ليست إلا الله تعالى.\r٢ - إن الآية ليست في الأولياء فقط بل تشمل جميع المؤمنين كما يدل عليه أول الآية في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الآية: ٢٢]، وفي سورة الزمر أيضًا في جميع المؤمنين كما رجحه ابن جرير الطبري مستدلًا بمقابلة هذه الآية بالآية التي قبلها ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ [آية: ٣٢]، وبقوله: ﴿أولئك المتقون﴾ [آية: ٣٣]، وبقراءة من قرأ (والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به) (¬٢).\rفإذا ثبت أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الموضعين عام لكل المؤمنين يلزم على قولهم أن كل المؤمنين لهم المشيئة المطلقة في القبور ويتصرفون في الإجابة فيجوز دعاؤهم لقضاء الحاجات وتفريج الكربات.","footnotes":"(¬١) انظر ذكر احتجاج بعض الناس بهذه الآية في الرسائل الشخصية: مؤلفات الشيخ: ٥/ ٢٠٥، وقطف الثمر ص: ١٠٥.\r(¬٢) تفسير ابن جرير: ٢٤/ ٤، وعنه نقل الحافظ في الفتح مقررًا: ١٣/ ٣٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049044,"book_id":1098,"shamela_page_id":692,"part":"2","page_num":716,"sequence_num":692,"body":"وهؤلاء يخصون الدعاء بالأولياء فقط ولا يقولون بذلك في عامة المؤمنين.\r٣ - إن هذا التفسير خلاف الأدلة الصحيحة، فقد دلت النصوص الصحيحة أن الميت ليس له تصرف في الأمور الدنيوية، وليس لمشيئته تأثير على ما يجري في الدنيا.\r٤ - سياق الآية يدل على أنها جزاء في الجنة وليس في القبور، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ في آية الشورى، كما يدل على ذلك مقابلة هؤلاء الصنف المصدقين بالمكذبين الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ فكما أن هذا يقع في الآخرة فكذلك الآخر.\r٥ - ثم لو سلمنا جدلًا أن المراد من الآية أن لهم المشيئة المطلقة في القبر يلزمنا أنهم يعلمون ما يجري في الدنيا وهذا يخالف النصوص وتأتي تلك النصوص في حديث عرض الأعمال.\r٦ - إن التفسير الصحيح للآية هو ما تدل عليه آيات أخر مثل هذه الآية تمامًا وهي واضحة أن هذه المشيئة هي في الجنة وأنهم ما يشاءون ويشتهون شيئًا إلا حصل لهم، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣١ - ٣٥] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ [الفرقان: ١٥، ١٦].\rفهاتان الآيتان في الجنة بدون شك ولا ريب، فكذا الآية التي احتجوا بها، فكل هذه الآيات في الجنة لا في البرزخ، ومثل هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١].\rفتبين مما سبق أن المراد من الآية ليس مشيئة مطلقة وإنما هي مشيئة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049045,"book_id":1098,"shamela_page_id":693,"part":"2","page_num":717,"sequence_num":693,"body":"خاصة بما يشتهونه في الجنة، ودل على هذه الآيات الأخرى والسياق وأقوال المفسرين.\rفقد فسر ابن جرير (¬١) وابن كثير (¬٢) والقرطبي (¬٣) وغيرهم الآية بالطلب في الجنة بعد قيام الساعة، ولم نطلع على أحد فسرها بما يدل على الطلب أيام البرزخ في القبر، فيكون تفسيرها بذلك من التفسير بالرأي المذموم الذي نهينا عنه كما يكون أيضًا مخالفًا لسياق الآية.\rقال الشيخ محمد صديق حسن خان ﵀ في رد هذه الشبهة: \"إن ذلك وعد لهم والله لا يخلف الميعاد وهذا لهم في الآخرة كما صرحت به الآيات والأحاديث ودعوى العموم بعيدة محالة، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن … \" (¬٤).\r\rالآية التاسعة:\rقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].\rقد احتجوا بهذه الآية على دعاء الموتى وندائهم بالحوائج، وقالوا هي الأرواح الفاضلة فإنها إذا فارقت البدن يظهر لها آثار في أحوال هذا العالم فهي المدبرات أمرًا، فإن الإنسان قد يرى شيخه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها (¬٥).","footnotes":"(¬١) الطبري: ٥/ ٢٤، ٢٦/ ٢٢.\r(¬٢) ابن كثير: ٤/ ٥٣، ١١١.\r(¬٣) الجامع للأحكام: ١٥/ ٢٥٧، ١٦/ ٢٠.\r(¬٤) قطف الثمر: ١٠٥.\r(¬٥) انظر هذا القول في تفسير الرازي: ٣٠/ ٣٢، وأساس التقديس ص: ٧٧، وقد نقل الكوثري في المقالات ص: ٣٨٢ قول الرازي من تفسيره ومن المطالب العالية وامتدحه، وانظر روح المعاني: ٣٠/ ٣٠ - ٣٢، وقد احتج بالآية داود بن جرجيس كما في تحفة الطالب ص: ٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049046,"book_id":1098,"shamela_page_id":694,"part":"2","page_num":718,"sequence_num":694,"body":"الجواب:\r١ - إن هذا التفسير من التفسير بالرأي المجرد المذموم لأنه لم يرد عن مفسري السلف ولا يدل عليه نظم القرآن وسياقه.\r٢ - قد فسر علماء التفسير من السلف المدبرات بالملائكة ولم يختلفوا في ذلك، وإنما اختلفوا في تفسير النازعات والناشطات والسابحات والسابقات، وأما المدبرات فلم يختلفوا في تفسيرها بالملائكة، قال ابن كثير ﵀: \"قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي هي الملائكة، زاد الحسن تدبر الأمر من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها ﷿ ولم يختلفوا في هذا\" (¬١)، فعلى هذا فلا يجوز إحداث تفسير لم يذهبوا إليه لأن ذلك يعد مخالفة لاتفاقهم.\r٣ - ثبت أن المراد من المدبرات هي الملائكة التي تدبر الأمور الكونية بأمر الله تعالى، ومع تدبيرها للكون لا يجوز دعاؤهم ولا الاستغاثة بهم.\rلأننا نعلم أن الملائكة يدعون لنا بالاستغفار ومع ذلك لا نطلب منهم ذلك، لأن ذلك إنما يكون منهم بالأمر الكوني لا يزيد بسؤال سائل (¬٢)، وفي هذا رد لما نقل عن بعضهم من القول بأن رفع اليدين إلى السماء في الدعاء لأجل دعاء الملائكة (¬٣) فالملائكة لا يدعون من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.\rوجاء تفسيرها بالملائكة كما سيأتي (¬٤).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٦٦، وانظر أيضًا الدر المنثور: ٦/ ٣١٠ - ٣١١، وقال ابن القيم: نقلًا عن ابن عطية: إنه لا يحفظ خلافًا في أنها الملائكة: مفتاح دار السعادة: ٢/ ٦١٧، والإغاثة: ٢/ ٩٥ - ٩٦.\r(¬٢) انظر ما سيأتي نقله في ص: ٧٧٧.\r(¬٣) انظر ما تقدم نقله عن الرازي من تأسيس التقديس ص: ٢٨٦.\r(¬٤) سيأتي ص: ٨٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049047,"book_id":1098,"shamela_page_id":695,"part":"2","page_num":719,"sequence_num":695,"body":"٤ - ثم إن القول بأن أرواح الموتى هي المدبرة للأمور فيه خطورة بالغة وفتح لباب الشرك على مصراعيه، وهل عبدت الأصنام إلا بمثل هذا، بل لا يعتقد أكثر عباد الأصنام لها التدبير استقلالًا كما سيأتي (¬١)، فاعتقاد التدبير للأموات من أشنع المسائل التي صرّح بها بعض من ينتسب إلى الإسلام وهي من أقوال الصابئة وبعض الفلاسفة الذين يعتقدون تأثيرًا وارتباطًا لأرواح الموتى بالأحياء، ولا يتصور من مسلم أن يتفوه بمثل هذا مع وضوح مناقضته لبديهيات الإسلام، فالقول بهذا مع مناقضته للإسلام \"رجوع إلى عبادة الملائكة والنجوم والأنفس المفارقة وهذا حقيقة دين الصابئة\" (¬٢).\rوبهذه الآية نصل إلى الانتهاء من ذكر أهم الآيات التي احتجوا بها والإجابة عليها بما يوضح أنها لا تدل على مقصودهم بل هي على نقيض قصدهم.\rومن هنا نقول: إننا لم نجد لهم دليلًا صريحًا من الكتاب العزيز يدل لما ذهبوا إليه من جواز دعاء غير الله تعالى من الأموات والغائبين أو التوسل بهم.\rوالآن نبدأ في عرض ما بقي من حججهم من السنة الصحيحة والإجابة عليها وبالله التوفيق.","footnotes":"(¬١) ص: ٨٩٣.\r(¬٢) تحفة الطالب ص: ٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049048,"book_id":1098,"shamela_page_id":696,"part":"2","page_num":720,"sequence_num":696,"body":"المبحث الثاني في مناقشة بعض ما احتجوا به من السنة الصحيحة\rومن الأحاديث الصحيحة التي استدلوا بها:\r١ - ما رواه أنس بن مالك ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: \"اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون\" (¬١).\rقد احتج بهذا الحديث طائفة (¬٢) ممن أجازوا السؤال بالذوات، والاستشفاع بها، أو استحبوا ذلك ومنهم من احتج به على جواز الاستغاثة بغير الله تعالى.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٢/ ٤٩٤ رقم ١٠١٠ و ٧/ ٧٧ رقم ٣٧١٠، وابن سعد في الطبقات: ٤/ ٢٨ - ٢٩، والفسوي في المعرفة والتاريخ: ١/ ٥٠٤، وابن حبان في صحيحه \"الإحسان\": ٤/ ٢٢٨ رقم ٢٨٥٠، وابن خزيمة في صحيحه: ٢/ ٣٣٧ رقم ١٤٢١، والطبراني في الدعاء: ٢/ ٢٥٢ رقم ٩٦٥، و ٣/ ٣٣٣ رقم ٢٢١١.\r(¬٢) وممن احتج به ابن الحاج في المدخل: ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وابن حجر الهيتمي كما في شواهد الحق: ١٣٧ - ١٣٨، والسمهودي في وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٥، وزيني دحلان في الدرر السنية ١١ - ١٣، وفي خلاصة الكلام: ٢٤٣ - ٢٤٤، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٧١، والكوثري في محق التقول في مسألة التوسل ضمن المقالات: ٣٨٠، ٣٨٨ والنبهاني في شواهد الحق: ١٣٧ - ١٣٨، والغماري في إتحاف الأذكياء: ١٥ - ١٦، والرد المحكم: ١٦٢ - ١٦٤، والداجوي كما في البصائر: ٩١، والعزامي في البراهين: ٤٣٢ - ٤٣٥، وعنه بدون إشارة صاحب المفاهيم: ٦٩ - ٧١، والبوطي في: السلفية مرحلة: ١٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049049,"book_id":1098,"shamela_page_id":697,"part":"2","page_num":721,"sequence_num":697,"body":"الجواب كالآتي:\rإن هذا الحديث ليس من التوسل بالذوات والسؤال بها.\rوإنما هو من التوسل المشروع وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر، ويدل على ذلك أمور:\r١ - إن علماء السلف فهموا من هذا الحديث التوسل المشروع، ويدل لذلك صنيع الإمام البخاري (¬١) رحمه الله تعالى فقد بوّب لهذا الحديث بقوله:\r\"باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا\" وأورد تحت هذا الباب هذا الحديث وحديث ابن عمر ﵄.\rربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:\rوأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل\rوقد اعترض (¬٢) على البخاري بعضهم، لإيراد هذين الحديثين تحت الباب المذكور لأن الحديثين في نظر المعترض ليس فيهما ما يدل على طلب الاستسقاء من الإمام، وعند التأمل يظهر دقة استنباط البخاري وصحته وأن الحديثين يدلان على سؤال الناس الإمام الاستسقاء ولا صحة لاعتراض من اعترض عليه، والسبب في هذا الاعتراض أن لفظ التوسل قد دخل فيه لبس وخلط فمفهومه في لغة الصحابة غير مفهومه عند المتأخرين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:\r\"ولفظ التوسل والاستشفاع ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول","footnotes":"(¬١) انظر البخاري مع الفتح: ٢/ ٤٩٤، ومثل البخاري الطبراني في الدعاء إذ عقد باباً بعنوان \"باب ما ينبغي للإمام من استحضار الصالحين عند الاستسقاء: ٢/ ١٢٥٢، رقم الباب ١٦٠\".\r(¬٢) انظر هذا الاعتراض في الفتح: ٢/ ٤٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049050,"book_id":1098,"shamela_page_id":698,"part":"2","page_num":722,"sequence_num":698,"body":"وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم\" (¬١).\rوذلك لأن التوسل والتوجه ونحوهما لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة، فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته ﷺ من أعظم الوسائل عند الله ﷿.\rوأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى ويقسم عليه بذاته (¬٢)، فالمعنى الصحيح لقول عمر ﵁: \"كنا نتوسل بنبينا فتسقينا\" -كنا نطلب منه الدعاء والشفاعة ونطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته \"ونحن نقدمه بين أيدينا شافعاً وسائلاً لنا -بأبي هو وأمي ﷺ فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به، والناس يدعون معه\" (¬٣).\rوليس معناه أننا نذكر اسمه في الدعاء مع غيبته كأن يقال: اللهم إنا نسألك بحرمة نبيك وجاهه. .. إلخ.\r٢ - إن الثابت في الأحاديث الصحاح أن الصحابة كان توسلهم في حياة النبي ﷺ في الاستسقاء وغيره -بطلب الدعاء منه، وذلك كما في حديث أنس وعائشة ﵄، بل قد ثبت أن الكفار كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ فكانوا يطلبون منه الدعاء ليسقيهم الله تعالى، كما في حديث ابن مسعود ﵁.\rفحديث أنس هو ما رواه البخاري ومسلم عن أنس، أن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً فقال:\rيا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل: ٧٩ - ٨٠، ومع الفتاوى: ١/ ٢٤٦.\r(¬٢) المرجع نفسه: ١٥٢، أو الفتاوى: ١/ ٣٤٤.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ١٢٦، أو الفتاوى: ١/ ٣١٤ - ٣١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049051,"book_id":1098,"shamela_page_id":699,"part":"2","page_num":723,"sequence_num":699,"body":"قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً … (¬١).\rوأما حديث عائشة ﵂ فهو قولها:\r\"شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه قالت: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: \"إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم … \" (¬٢).\rفقد صرح في الحديث أنهم شكوا إليه تأخر المطر وهذه الشكوى لأجل أن يدعو النبي ﷺ.\rفالصحابة لم يكونوا يتوسلون بذكر اسمه فقط بدون أن يدعو لهم النبي ﷺ وبدون أن يعلمه وبدون أن يحضروا عنده.\rوأما توسل الكفار واستشفاعهم بالنبي ﷺ فقد أخرجه البخاري تحت باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط من طريق مسروق قال: أتيت ابن مسعود فقال:\r\"إن قريشاً أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الأرحام، وإن قومك هلكوا فادع الله … فدعا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٢/ ٤١٢ رقم ٩٣٢، ومواضع أخر ومسلم: ٢/ ٦١٢ رقم ٨٩٧.\r(¬٢) أخرجه أبو داود: ١/ ٦٩٢ رقم ١١٧٣، وابن حبان [موارد] ص: ١٦٠ رقم ٦٠٤، والحاكم: ١/ ٣٢٨، والطحاوي: ١/ ١٩٢، والطبراني في الدعاء: ٣/ ١٧٦٩ - ١٧٧٣ رقم ٢١٧٠ - ٢١٧٤ ورقم ٢١٨٥، وقد قال فيه أبو داود: حديث غريب إسناده جيد، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي وقد حسنه الألباني في الإرواء: ٣/ ١٣٥ رقم ٦٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049052,"book_id":1098,"shamela_page_id":700,"part":"2","page_num":724,"sequence_num":700,"body":"رسول الله ﷺ فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعاً وشكا الناس كثرة المطر فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانحدرت السحابة عن رأسه فَسُقُوا الناسُ حولهم\" (¬١).\rفدلت هذه الأحاديث على أن التوسل المعهود في حياة النبي ﷺ هو المجيء إليه وطلب الدعاء منه وهذا يفسر التوسل الوارد في كلام عمر ﵁: \"كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا\" فكما أن قوله الأول نتوسل إليك بنبينا يحمل على هذا كما دلت عليه هذه الأحاديث، يحمل قوله: \"وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا\" على التوسل المعهود بينهم وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر الذي يدعو، قال شيخ الإسلام: والصحابة ﵃ \"كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي ﷺ واستسقاءه، لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته ﷺ سأل الله تعالى بمخلوق لا به ولا بغيره، لا في الاستسقاء ولا غيره\" (¬٢).\r٣ - ويدل لهذا أيضاً ما رواه عبد الرزاق من طريق عكرمة عن ابن عباس: \"أن عمر استسقى بالمصلى فقال للعباس: قم فاستسق فقام العباس فقال: اللهم إن عندك سحاباً وإن عندك ماء .. اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم إنا شفعنا إليك عمن لا منطق له عن بهائمنا، وأنعامنا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك لا شريك لك … \" (¬٣).\rففي هذا تصريح بطلب عمر من العباس ﵄ الدعاء،","footnotes":"(¬١) البخاري مع الفتح: ٢/ ٥١٠ رقم ١٠٢٠.\rوانظر خبر مجيء أبي سفيان إلى النبي ﷺ في دلائل البيهقي: ٢/ ٣٢٩، ولحديث ابن مسعود شاهد من حديث كعب بن مرة أخرجه ابن أبي شيبة برقم ٩٢٧٤، والطبراني في الدعاء برقم ٢١٩١.\r(¬٢) قاعدة في التوسل ص: ٦٥.\r(¬٣) مصنف عبد الرزاق: ٣/ ٩٢ - ٩٣، عن إبراهيم بن محمد وهو ابن أبي يحيى عن حسين بن عبد الله وهو الهاشمي عن عكرمة عن ابن عباس به وإسناده ضعيف لضعف ابن أبي يحيى، والهاشمي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049053,"book_id":1098,"shamela_page_id":701,"part":"2","page_num":725,"sequence_num":701,"body":"وهو التوسل المشروع ولم يكتف عمر بذكر اسم العباس في الدعاء فقط، بل طلب منه الدعاء، ثم إن قول العباس فشفعنا في أنفسنا إلخ يدل على أن كل الحاضرين مشتركون في الدعاء وأنهم يشفعون في أنفسهم وأهليهم كما يشفعون عن البهائم.\rثم إن قوله لا نرغب إلّا إليك يؤكد إفراد الله تعالى بالرغبة والسؤال وهذا كله يدل على أن التوسل الوارد في قول عمر معناه طلب الدعاء من الحي الحاضر.\r٤ - كما يشهد لذلك أيضاً ما ورد في بعض طرق الحديث عن أنس قال: \"كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به، فيستسقي لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر\" (¬١).\rفهذا واضح في طلب الدعاء منه ﷺ، وكذلك العباس إنما طلب منه عمر الدعاء فكلمة استسقوا السين والتاء فيها للطلب أي طلبوا منه الدعاء بالسقيا.\r٥ - ومما يشهد لذلك أيضاً صيغة ما دعا به العباس حين طلب منه عمر فإنه قال: \"اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث\" (¬٢).\rفلو كان توسل عمر بالذات لما دعا العباس ولسكت لأنَّه يكفي توسل عمر بذاته بل يكفي عدم حضور العباس معهم بذاته، فيكتفي بذكر","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن حبان (الإحسان: ٤/ ٢٢٨) والإسماعيلي كما في الفتح: ٢/ ٤٩٥، والإسناد صحيح لاتحاد مخرج الإسناد مع إسناد البخاري.\r(¬٢) أخرجه الطبراني في الدعاء من طريق الزبير بن بكار: ٣/ ١٧٩٥ رقم ٢٢١١. وعزاه الحافظ في الفتح إلى الزبير بن بكار في الأنساب (الفتح: ٢/ ٤٩٧)، وأخرجه الحاكم: ٣/ ٣٣٤ من طريق الزبير أيضاً، مختصراً وسكت عنه وقال الذهبي: داود متروك وسيأتي بعد قليل بيان ما في هذا الأثر من علل ص: ٧٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049054,"book_id":1098,"shamela_page_id":702,"part":"2","page_num":726,"sequence_num":702,"body":"اسم العباس في الدعاء بدون أن يدعو العباس وبدون أن يحضر كما يفعله المتأخرون.\r٦ - إن هذا التوسل لو كان توسلاً بالذات لما عدل عمر والصحابة عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس، وكان يمكنهم أن يأتوا قبر النبي ﷺ فيتوسلوا به أو يقولوا وهم في الصحراء: اللهم إنا نسألك بجاه نبيك أو نحوه ولكنهم عدلوا عن هذا إلى التوسل بالعباس.\rولا شك أنهم أعلم منا بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وغيرها وما هو أقرب إلى الإجابة.\rفدل هذا العدول عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول على أن التوسل بالأفضل لم يكن ممكناً (¬١).\rوقد ذكرنا فيما سبق (¬٢) أن من القواعد الأصولية المقررة أن الترك الراتب مع وجود المقتضي وعدم المانع -يدل على أن الترك سنة وأن خلافه بدعة.\rومما يدل على أن الصحابة يرون أن ترك التوسل بالنبي ﷺ هو السنة أنهم لم يكونوا في حياته يتوسلون بغيره مع حضوره معهم، فلو كان التوسل به مشروعاً بعد موته لما عدلوا عنه.\rقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:\r\"فلو كان توسلهم به في مماته كتوسلهم به في حياته لكان توسلهم به أولى من توسلهم بعمه العباس ويزيد وغيرهم.\rفهل كان فيهم في حياته من يعدل عن التوسل به والاستشفاع إلى التوسل بالعباس وغيره؟ وهل كانوا وقت النوازل والجدب يَدَعُونه، ويأتون","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل: ١٣١.\r(¬٢) سبق ص: ٦٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049055,"book_id":1098,"shamela_page_id":703,"part":"2","page_num":727,"sequence_num":703,"body":"العباس أم هل يفعل هذا مؤمن؟ فلو كان التوسل به في مماته كما كان في حياته لزم أن يكون المهاجرون والأنصار إما جاهلين بهذه التسوية وهذا الطريق أو أنهم سلكوا في مطلوبهم أبعد طريق، وكلاهما لا يصفهم به إلا من كان من جنس الرافضة الأراذل القادحين في أولئك الأفاضل. ثم سلف الأمة وأئمتها سلكوا سبيل الصحابة في التوسل في الاستسقاء بالأحياء الصالحين الحاضرين.\rولم يذكر أحد منهم ذلك التوسل بالأموات لا من الرسل ولا من الأنبياء ولا من الصالحين\" (¬١).\rوأما جواب من (¬٢) قال: إن عمر ﵁ فعل ذلك للإشارة إلى جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.\rفيقال في (¬٣) جوابه:\r١ - إنه يمتنع في العادة أن يلجأ المضطر في حالة الشدة إلى المشكوك فيه مع وجود من يتيقن إجابة دعائه، فالمضطر يلجأ إلى أعظم من يخلصه وينسى غيره.\rويدل لهذا صنيع المشركين في الشدة. قال تعالى:\r﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].\rقال شيخ الإسلام على لسان الصحابة: \"فلم نعدل عن الأمر المشروع … وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله بأضعف السببين، مع القدرة على أعلاهما ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ١٢٦ - ١٢٧.\r(¬٢) قد أجاب بهذا دحلان في الخلاصة: ٢٤٤، وفي الدرر: ١٣، والكوثري في محق التقول: ٣٨٨ والغماري في الإتحاف ١٦، والرد المحكم: ١٦٢.\r(¬٣) التوسل وأنواعه ص: ٦٥.\r(¬٤) قاعدة في التوسل: ٦٥، وضمن الفتاوى: ١/ ٢٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049056,"book_id":1098,"shamela_page_id":704,"part":"2","page_num":728,"sequence_num":704,"body":"٢ - ثم إن بيان الجواز يكفي فيه المرة الواحدة وقد تكرر من عمر هذا كما تدل عليه كلمة \"كان\".\r٣ - ثم إن هذا العدول ليس من عمر فقط بل فعله معاوية أيضاً حيث استسقى بيزيد بن الأسود، فقد روي عن سليم بن عامر الخبائري.\r\"أن السماء، قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس فأقبل يتخطى الناس فأمره معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه فقال معاوية: \"اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم.\rفما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم\" (¬١).\rوقد صحح إسناد هذا الأثر الحافظ في التلخيص والإصابة (¬٢)، وكذلك فعل الضحاك بن قيس استسقى بيزيد بن الأسود (¬٣)، فلا يمكن أن يقال: إن معاوية والضحاك فعلا أيضاً لبيان الجواز، فاجتماع هؤلاء الثلاثة إلى العدول عن النبي ﷺ وعدم إنكار أحد من الصحابة عليهم يدل على أن العدول هو المشروع.\rوهناك رواية أخرى في استسقاء معاوية بأبي مسلم الخولاني (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ: ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه ١/ ٦٠٢ رقم ١٧٠٣، وابن سعد في الطبقات: ٧/ ٤٤٤. وذكره الذهبي في السير: ٤/ ١٣٧، ونسبه الحافظ في التلخيص إلى اللالكائي وغيره.\r(¬٢) انظر: تلخيص الحبير: ٢/ ١٠١، والإصابة: ٦/ ٦٩٨.\r(¬٣) المعرفة والتاريخ: ٢/ ٣٨١، وأبو زرعة: ١/ ٦٠٢ رقم ١٧٠٤، وذكر في الإرواء: ٣/ ١٤٠، أن رجاله ثقات لكنه منقطع.\r(¬٤) أخرجها أحمد في الزهد: ٣٩٢، قال الألباني: وسنده منقطع \"الإرواء: ٣/ ١٤١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049057,"book_id":1098,"shamela_page_id":705,"part":"2","page_num":729,"sequence_num":705,"body":"وأما من (¬١) أجاب عن عدول عمر ﵁ إلى العباس بأن ذلك - مبالغة من عمر في التوسل برسول الله ﷺ ما استطاع وذلك لقرابته من رسول الله ﷺ، فيقال في جوابه:\rإن هذا يمكن أن يكون سبباً في تخصيص العباس دون غيره من الصحابة ولا يكون سبباً للعدول (¬٢).\rثم يعترض عليه بأن التعليل بالقرابة لا يمكن في صنيع معاوية والضحاك فليست العلة مطردة. وكذلك إجابة (¬٣) من أجاب بأن ذلك للاقتداء بالنبي ﷺ في إكرام العباس وإجلاله، واحتج بما روي من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال:\r\"استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فخطب عمر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ واتخذوه وسيلة إلى الله … \" (¬٤).\rوهذه الرواية فيها عدة علل (¬٥) وعلى فرض ثبوتها فإنما تدل على سبب التخصيص فقط، ولا تدل على سبب العدول المتنازع عليه.\rكما أن هذا يعترض عليه بقصة معاوية والضحاك -فلا يمكن أن","footnotes":"(¬١) ممن أجاب بهذا السمنودي في سعادة الدارين: ١٧٥، والغماري في الرد: ١٦٣، والعزامي في البراهين: ٤٣٤، وعنه انتحل صاحب المفاهيم: ٧٠، ومنهم أيضاً الكوثري في محق التقول: ٣٨٨، والهرري في الصراط المستقيم: ٥٥.\r(¬٢) التوسل أنواعه: ٧٢.\r(¬٣) منهم الغماري في الإتحاف: ١٦، والرد المحكم: ١٦٢.\r(¬٤) تقدم تخريجه ص: ٧٢٥.\r(¬٥) انظر الكلام عليها في التوسل أنواعه: ٧١ - ٧٢.\rقال الألباني ما حاصله:\r١ - داود ضعيف، والذهبي قال: داود متروك.\r٢ - ساعدة بن عبيد الله المزني لم أجد له ترجمة.\r٣ - الاضطراب في السند مرة عن زيد عن أبيه من طريق هشام بن سعد، ومرة عنه عن ابن عمر وهشام أقوى من داود.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049058,"book_id":1098,"shamela_page_id":706,"part":"2","page_num":730,"sequence_num":706,"body":"يقال فيه: إن ذلك للقرابة أو للاقتداء بالنبي ﷺ.\rثم إن قول عمر في هذه الرواية على فرض صحتها -وأنَّى لها الصحة؟ -: \"واتخذوه وسيلة إلى الله\" أي اجعلوه يدعو لكم، وليس معناه: اذكروا اسمه فقط، فلا حجة فيه كما ادعاه بعضهم (¬١).\rوأما من (¬٢) أجاب بأن عمر إنما عدل إلى العباس ﵄ خوفاً على ضعفاء المسلمين وعوامهم.\r١ - فيقال: هذا الظن لا دليل عليه لأن الاطلاع على مقاصد عمر ﵁ من الغيب، ولم يرد في لفظ الحديث ما يدل عليه.\r٢ - ثم هل يقال مثل هذا في معاوية والضحاك، هل العلة في الكل الخوف؟\r٣ - ثم لو سلم ذلك فيقال إذا كان الخليفة الملهم ﵁ يخاف على الذين في القرن الأول المفضل مع قوة نور النبوة، فكيف لا يخاف على الخلوف الذين بعدوا عن نور النبوة وعادوا إلى الجاهلية الأولى؟\rفلا بد من القول إما بأن المتأخرين أعلم منهم وأفقه .. إلخ، فلا يخاف عليهم، وإما بأن الخوف في المتأخرين أشد وأنهم أولى بأن يبتعدوا عما يزلزل إيمانهم بالله تعالى من ذرائع الشرك ووسائله، ومن تلك الذرائع التوسل بالذوات الذي باسمه أجاز من أجاز الاستغاثة بغير الله تعالى.\rوأما قول الكوثري: إن قول عمر: كنا نتوسل إليك بنبينا غير خاص بعهده ﷺ، بل يشمله وما بعده إلى عام الرمادة والتقييد تقييد بدون مقيد (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر ما ادعاه الكوثري في المقالات: ٣٨٦.\r(¬٢) قد أجاب بهذا دحلان في الخلاصة: ٢٤٤، والدرر: ١٣، ويوسف الدجوي كما في كتاب التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: ٢٧٢، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٧٥.\r(¬٣) محق التقول: ضمن المقالات: ٣٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049059,"book_id":1098,"shamela_page_id":707,"part":"2","page_num":731,"sequence_num":707,"body":"وقوله أيضاً: إن قوله: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا إنشاء للتوسل بذات العباس وليس خبراً وكذلك كنا نتوسل إليك بنبينا إنشاء وليس خبراً، أو أنه منصب على ما قبل هذا القول، فالصحابة على هذا كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ في حياته، وبعد لحوقه بالرفيق الأعلى.\rوأما قصر ذلك على ما قبل وفاته ﷺ تقصير عن هوى، وتحريف لنص الحديث وتأويل بدون دليل (¬١).\rفهذا القول الذي زعمه الكوثري باطل وافتراء على الصحابة بل هو الأنسب بأن يوصف بما قاله من كونه تقصيراً عن هوى وتحريفاً وتأويلاً بلا دليل، وهذا ليس تحاملاً عليه ولكن لما ثبت وورد في طرق الحديث من التقييد بعهد النبي ﷺ نصاً مصرحاً به.\rفقد أخرج الحديث نفسه ابن حبان والإسماعيلي في مستخرج البخاري مقيداً وإليك لفظه: \"عن أنس قال: كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا بالنبي ﷺ فيستسقى لهم، فيسقون، فلما كان بعد وفاة النبي ﷺ في إمارة عمر قحطوا فخرج عمر بالعباس يستسقي به فقال: \"اللهم إنا كنا إذا قُحِطنا على عهد نبيك ﷺ واستقينا به فسقيتنا به، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك ﷺ فاسقنا، قال فسقوا\" (¬٢). فتبين بهذا أنه جاء مقيداً بعهده ﷺ وأنَّه خبر لا إنشاء، وفائدة الخبر هو ذكر إجابة الله لهم سابقاً وأنَّه لا يخيبهم كما قال زكريا ﵇: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤].\rوأما القول بأن قول عمر كنا نتوسل بنبينا إذا قلنا توسل بالذات لا يحتاج إلى تقدير، وأما إذا قلنا إنه توسل بدعائه فيحتاج إلى تقدير مضاف محذوف ولا حاجة إلى الحذف والقول به بدون أي حاجة (¬٣).","footnotes":"(¬١) المرجع نفسه: ٣٨٠.\r(¬٢) أخرجه ابن حبان: الإحسان ٤/ ٢٢٨ رقم ٢٨٥٠، والإسماعيلي كما في الفتح: ٢/ ٤٩٥.\r(¬٣) محق التقول ضمن المقالات: ٣٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049060,"book_id":1098,"shamela_page_id":708,"part":"2","page_num":732,"sequence_num":708,"body":"فيقال: بأنه لا حاجة إلى تقدير مضاف لأن معنى التوسل والتوجه والاستشفاع في عرف الصحابة ولسانهم هو التوسل بالدعاء، ولا يفهمون منه غير هذا كما تقدم بيان ذلك فلا نقدر أَيَّ محذوف.\rأو يقال: \"بأنه لا بد من تقدير مضاف إما بدعاء أو بذات نبينا والأدلة تؤيد تقدير بدعاء نبينا\" (¬١).\rوالجواب الأول أولى لأن هذا التوهم لحاجة الكلام إلى التقدير إنما وقع عندما حصل خلط ولبس في معنى التوسل، وأما الأوائل فلا يفهمون منه إلا التوسل بالدعاء.\rوبهذا اتضح أن الحديث إنما يدل على التوسل بدعاء الحي الحاضر ولا يدل على التوسل بذوات الموتى أو الغائبين.\rومن الأحاديث الصحيحة التي استدلوا (¬٢) بها على نفع الأموات وجواز دعائهم ما ورد في أحاديث الإسراء من قوله ﷺ: \"مررت على موسى يصلي في قبره\"، ومراجعته للنبي ﷺ في تخفيف الصلاة.\rوحديث صلاة موسى في قبره أخرجه مسلم (¬٣)، وأما حديث المراجعة فمتواتر من طرق كثيرة في أحاديث الإسراء (¬٤).\rولكن صلاة موسى، وقصة مراجعته، وكذلك صلاة الأنبياء خلف","footnotes":"(¬١) التوسل أنواعه: ٥٥، ونحوه في البصائر: ٣٣٧، وروح المعاني: ٦/ ١٢٦.\r(¬٢) احتج به داود بن جرجيس في المنحة الوهبية ص: ٥، وتلميذه كما في مصباح الظلام ص: ٢٤٥، وصاحب المفاهيم: ١٦٩ - ١٧٠، وانظر جلاء العينين ص: ٤٤١.\r(¬٣) صحيح مسلم: ٤/ ١٨٤٥ رقم ٢٣٧٥، ١/ ١٥٧ رقم ١٧٢، ومع إخراج مسلم له قال ابن القيم مظهراً عدم طمأنينته من صحته في النفس منه حسيلة هل قاله: والحق ما قال ذو الفرقان\". اهـ. النونية مع شرح الهراس: ١/ ٢٩٣.\r(¬٤) وانظر تفسير ابن كثير: ٣/ ٢ - ٢٤، فهو أوسع من وقفت على كلامه في إيراد طرق تلك الأحاديث وفيها المراجعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049061,"book_id":1098,"shamela_page_id":709,"part":"2","page_num":733,"sequence_num":709,"body":"الرسول ﷺ، كل هذا لا يدل إلَّا على حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية لا نعلم حقيقتها وكيفيتها، وثبوت هذه الحياة لا يستلزم جواز دعائهم ولا الاستغاثة بهم لأوجه:\r١ - الأنبياء في حال حياتهم الدنيوية لا يجوز دعاؤهم ولا الاستغاثة بهم إلا فيما يقدرون عليه، فمن باب أولى إذا انتقلوا من هذه الدار أن لا يجوز ذلك.\r٢ - الغائب عن النبي ﷺ في حال حياة النبي ﷺ لا يمكن أن يطلب منه الدعاء والشفاعة والاستغاثة فمن باب أولى في حال وفاته صلوات الله وسلامه عليه.\r٣ - إن دعاء الأنبياء -وإن كانوا أحياء في قبورهم- يستلزم اعتقاد أنهم يعلمون بمن يدعوهم ويستغيث بهم، ويسمعون نداءه واستغاثته والعلم المحيط والسمع المحيط من خواص الله تعالى.\r٤ - ولو فرضنا علمهم وسمعهم لذلك فلا يجوز دعاؤهم لأن الأنبياء كانوا يحذرون من يفعل ذلك معهم في حال حياتهم بل يحذرون مما هو أقل من ذلك، فقد ورد عن نبينا ﷺ قوله لمن قال له: ما شاء الله وشئت: \"أجعلتني الله ندًا\" (¬١)، ولما سمع قول الفتاة في العرس: \"وفينا نبي يعلم ما في غد\" نهاها (¬٢).\r٥ - ثم ما يفعلونه في الحياة البرزخية من الأمر الكوني فلا يزيد بسؤال السائل، وذلك مثل دعاء حملة العرش والملائكة للمؤمنين فلا يجوز مع علمنا بأن الملائكة يدعون لنا أن ندعوهم وكذلك الأنبياء بعد مماتهم، وسيأتي بيان هذا (¬٣).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه: ٤٥٥.\r(¬٢) تقدم تخريجه: ٤٩٥.\r(¬٣) سيأتي ص: ٧٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049062,"book_id":1098,"shamela_page_id":710,"part":"2","page_num":734,"sequence_num":710,"body":"ومن تلك الأحاديث الصحيحة التي استدلوا بها \"اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي ﷺ أعوذ بك من النار\".\rاستدل به بعضهم (¬١) على التوسل وزعم أن \"تخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم فكأنه يقول: \"اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل … إلخ\".\r\rالجواب:\r١ - الحديث ليس فيه توسل بالذوات، وإنما هو توسل بصفة من صفات الله وهي ربوبيته لهؤلاء الملائكة، فهو يدعو رب هؤلاء ولم يدع هؤلاء كما أنه لم يدع بهؤلاء، والحكمة في التوسل بربوبية الله لهؤلاء الثلاثة كما قال ابن القيم: إن الله وكلهم بالحياة فجبريل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل بالمطر وبه حياة الأبدان، وإسرافيل بالنفخ في الصور وبه حياة العالم وعود الروح إلى الجسد، فالتوسل إليه سبحانه في حياة القلب بالهداية بربوبيته لهؤلاء الموكلين بالحياة له مناسبة وتأثير في حصول المطلوب (¬٢).\r٢ - ثم إن الحديث باللفظ الذي استدلوا به ضعيف (¬٣) ولكن الحديث جاء من طريق صحيح وفيه ما يدل على أن المراد بالإضافة إلى هؤلاء هو التوسل بربوبية الله لهم وهو ما روي من طريق عائشة ﵂ قالت: \"كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت","footnotes":"(¬١) قد استدل به دحلان في الدرر ٣٠، وخلاصة الكلام: ٢٥٢، والعلوي في مفاهيم: ٦٨ - ٦٩، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٨٥ - ١٨٦.\r(¬٢) زاد المعاد: ٤/ ٢٠٥، وإغاثة اللهفان: ٢/ ٩٦، ومفتاح السعادة: ١/ ١٠٨.\r(¬٣) فقد أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص: ٥٢ رقم ١٠٣، والحاكم: ٣/ ٦٢٢، وسكت عليه هو والذهبي وقد ضعفه الألباني في الصحيحة: ٤/ ٥٩، وقد حسنه الحافظ في نتائج الأفكار: ١/ ٣٨٣ وكأنه حسنه لشواهده، والله أعلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049063,"book_id":1098,"shamela_page_id":711,"part":"2","page_num":735,"sequence_num":711,"body":"تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\" (¬١).\rففي هذا الحديث جاء قوله: \"فاطر السموات … \" فلا يمكن ادعاء أنه من باب التوسل بالذوات.\rفدل هذا الحديث على أن هذا الدعاء توسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا من ربوبيته لملائكته المقربين وخلقه السموات والأرض وعلمه للغيب والشهادة وأما تأويل ذلك إلى التوسل البدعي وادعاء أنه أراد اللهم إني أتوسل إليك بهؤلاء ادعاء باطل لا دليل عليه، ولا قرينة لفظية ولا معنوية تدل عليه، وهل الرسول ﷺ عجز أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بجبريل بدل أن يقول: اللهم رب جبريل … وهو أفصح الخلق صلوات الله وسلامه عليه؟.\rثم إن قوله: \"ومحمد النبي ﷺ\" يلزم منه على ادعاء أنه توسل بالذوات -توسل النبي ﷺ بذاته- فيلزم الدور.\rويلزم (¬٢) هؤلاء أيضاً التوسل بالمخلوقات الحقيرة أو الشياطين فإنه قد ورد إضافة الرب إلى الشياطين، ففي حديث بريدة بن الحصيب ﵁ مرفوعاً: \"إذا أويت إلى فراشك: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت: كن لي جاراً من شر خلقك … \" (¬٣)، وفي حديث صهيب نحوه (¬٤).\r\rحديث الضرير:\rوهو ما رواه أبو جعفر عمير بن يزيد عن عمارة بن خزيمة عن","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: ١/ ٥٣٤ رقم ٧٧٠.\r(¬٢) انظر البصائر ص: ٤٣٧.\r(¬٣) أخرجه الترمذي: ٥/ ٥٣٩ رقم ٣٥٢٣، وقد ضعفه في ضعيف الجامع: ١/ ١٥٨.\r(¬٤) أخرجه النَّسَائِي في عمل اليوم ص: ٣٦٧ رقم ٥٤٣ - ٥٤٧، وابن السني برقم ٥٢٤، وابن حبان رقم ٢٣٧٧، والحاكم: ١/ ٤٤٦ وصححه ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049064,"book_id":1098,"shamela_page_id":712,"part":"2","page_num":736,"sequence_num":712,"body":"عثمان بن حنيف: \"أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخرت ذلك فهو خير\"، وفي رواية: \"وإن شئت صبرت فهو خير لك\" فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:\r\"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربك في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فَشَفْعْهُ فِيَّ وشَفِّعْنِي فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ\".\rقد استدل بهذا الحديث طائفة (¬١) ممن أجازوا السؤال بالذوات الفاضلة.\rكما استدل به الذين أجازوا نداء الموتى والاستغاثة بهم وقالوا: إن فيه نداء النبي ﷺ، وهو غائب، واحتجوا في هذا بقصة تعليم عثمان للرجل التي في بعض طرق الحديث.\rوقد ذكر بعض (¬٢) هؤلاء الذين استدلوا بهذا الحديث أن هذا الحديث أصرح حديث وأصح حديث في الباب وحجة قاصمة.\rولتشبث هؤلاء بهذا الحديث واعتنائهم به ظناً منهم أنهم وجدوا الدليل القوي فيما ذهبوا إليه -لا بد من دراسة هذا الحديث سنداً ومتناً ومناقشة ما ادعوه ليعلم عدم دلالة الحديث على دعواهم بل دلالته على نقيضها.","footnotes":"(¬١) منهم السبكي في شفاء السقام: ١٧٥ - ١٧٩، والسمهودي في الوفا: ٤/ ١٣٧٢، والزركشي في الأزهية ص: ١٧٢، والهيتمي كما في شواهد الحق: ١٣٧، ودحلان في خلاصة الكلام: ٢٤١، ٢٥٨، والدرر: ٨، ٣٥، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٧٩ - ١٨٠، وعثمان بن منصور تلميذ ابن جرجيس كما في مصباح الظلام: ٢٩٦، والكوثري في محق التقول: ٣٧٩، ٣٨٩، والعزامي في الفرقان: ١١٩، ١٢٦، والغماري في الإتحاف: ٤ - ٥، والهرري في الصراط لمستقيم: ٥٤ - ٥٥ والبوطي في السلفية مرحلة ص: ١٥٤.\r(¬٢) وهو السمنودي في سعادة الدارين: ١٧٩ - ١٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049065,"book_id":1098,"shamela_page_id":713,"part":"2","page_num":737,"sequence_num":713,"body":"دراسة الإسناد:\rقد اشتهر هذا الحديث عن أبي جعفر.\rفقد رواه عنه أربعة: شعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وهشام الدستوائي، وروح بن القاسم.\rفهؤلاء الأربعة وإن اتفقوا في الرواية عن أبي جعفر إلا أنهم اختلفوا في شيخ أبي جعفر، فشعبة وابن سلمة روياه عن أبي جعفر عن عمه عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حُنَيْف.\rوأما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فروياه عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف، وسيأتي الكلام على هذا الاختلاف في الإسناد والمتن إن شاء الله تعالى.\rفأقوى هذه الطرق طريق شعبة لأنَّه أحفظهم وأتقنهم، وقد رواه عن شعبة ثلاثة عثمان بن عمر وروح بن عبادة، وغندر.\rفأما رواية عثمان فقد أخرجها الترمذي (¬١) والنسائي (¬٢) كلاهما عن محمود بن غيلان.\rوأخرجه أحمد (¬٣) وعبد بن حميد (¬٤) وابن ماجه (¬٥) عن أحمد بن منصور بن يسار. وابن خزيمة (¬٦) عن محمد بن بشار وأبي موسى.\rوالطبراني عن إدريس بن جعفر العطار (¬٧)، والحاكم من طريق","footnotes":"(¬١) الترمذي: ٥/ ٥٦٩ رقم ٣٥٧٨.\r(¬٢) عمل اليوم والليلة ٤١٧ رقم ٦٥٩.\r(¬٣) المسند: ٤/ ١٣٨.\r(¬٤) المنتخب: ١/ ٣٤١ رقم ٣٧٩.\r(¬٥) ابن ماجه: ١/ ٤٤١ رقم ١٣٨٥.\r(¬٦) صحيح ابن خزيمة: ٢/ ٢٢٥ رقم ١٢١٩.\r(¬٧) الدعاء للطبراني: ٢/ ١٢٨٩ رقم ١٠٥١، والمعجم الكبير: ٩/ ١٩ رقم ٨٣١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049066,"book_id":1098,"shamela_page_id":714,"part":"2","page_num":738,"sequence_num":714,"body":"الحسن بن مكرم (¬١)، ومن طريق العباس بن محمد الدوري (¬٢)، والبيهقي عن الحاكم بطريق الدوري (¬٣).\rوأخرجه البيهقي أيضاً من طريق محمد بن يونس (¬٤)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير على صورة التعليق عن شيخه علي وهو ابن المديني (¬٥).\rكل هؤلاء -وهم: محمود بن غيلان وأحمد وابن حميد وابن يسار وابن بشار وأبو موسى والعطار وابن مكرم والدوري وابن يونس وابن المديني- عن عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف به.\rوأما رواية روح بن عبادة:\rفقد أخرجها أحمد ثنا روح قال: ثنا شعبة به (¬٦).\rوالبيهقي في الدعوات من طريق أحمد بن الوليد، ثنا روح (¬٧).\rوقال البيهقي في الدلائل: ورويناه في كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة (¬٨).\rوأما رواية غندر محمد بن جعفر، فقد أخرجها الحاكم من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة به (¬٩).","footnotes":"(¬١) المستدرك: ١/ ٥١٩.\r(¬٢) المرجع نفسه: ١/ ٣١٣.\r(¬٣) دلائل النبوة: ٦/ ١٦٦.\r(¬٤) المرجع نفسه: ووقع عنده اسم عمارة عامر بن خزيمة.\r(¬٥) التاريخ الكبير للبخاري: ٦/ ٦١٠.\r(¬٦) المسند: ٤/ ١٣٨.\r(¬٧) الدعوات للبيهقي: ل ٢٢/أ.\r(¬٨) الدلائل للبيهقي: ٦/ ١٦٧.\r(¬٩) المستدرك: ١/ ٥١٩ ولم أجد هذه الطريقة في المسند.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049067,"book_id":1098,"shamela_page_id":715,"part":"2","page_num":739,"sequence_num":715,"body":"وأما بالنسبة إلى لفظ الحديث فقد اتفقت رواية شعبة في قوله: \"اللهم فشفعه فيّ\" ثم اختلفت في قوله: \"وشفعني فيه\" فبعضهم شك في زيادتها.\rوأما طريق حماد بن سلمة، فقد أخرجه الإمام أحمد ﵀ عن مؤمل وهو ابن إسماعيل قال: ثنا حماد يعني ابن سلمة، قال: ثنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف به (¬١)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير تعليقاً عن شيخه شهاب بن عباد عن حماد به (¬٢)، وأخرجه أيضاً النَّسَائِي عن محمد بن معمر قال: حدثنا حبان قال: حدثنا حماد به (¬٣)، وأخرجه ابن أبي خيثمة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة به (¬٤).\rوأما طريق هشام بن أبي عبد الله الدستوائي فأخرجه النَّسَائِي عن محمد بن المثنى قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه به (¬٥)، وأخرجه البخاري في التاريخ تعليقاً عن شيخه محمد بن المثنى به (¬٦).\rولفظ هشام الدستوائي: \"فشفعه فيّ وشفعني في نفسي\"، ولفظ حماد بن سلمة عند النَّسَائِي: \"اللهم شفع فيَّ نبيي وشفِّعْنِي في نفسي\".\rوأما طريق روح بن القاسم فقد روى عنه راويان:\rشبيب بن سعيد الحبطي، وعون بن عمارة البصري.","footnotes":"(¬١) المسند: ٤/ ١٣٨.\r(¬٢) التاريخ الكبير للبخاري: ٦/ ٢٠٩.\r(¬٣) عمل اليوم والليلة: ٤١٧ رقم ٦٥٨.\r(¬٤) هكذا ساق إسناده شيخ الإسلام في قاعدة في التوسل ص: ٩٨.\r(¬٥) عمل اليوم والليلة: ٤١٨/ ٦٦٠.\r(¬٦) التاريخ الكبير: ٦/ ٢١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049068,"book_id":1098,"shamela_page_id":716,"part":"2","page_num":740,"sequence_num":716,"body":"رواية شبيب بن سعيد:\rفقد روى عنه ثلاثة: ولداه أحمد وإسماعيل ابنا شبيب، وعبد الله بن وهب.\r\rوأما رواية أحمد بن شبيب:\rفلها أربعة طرق، وقد أخرجها ابن السني من طريق العباس بن فرح الرياشي، والحسين بن يحيى الثوري (¬١).\rوالحاكم من طريق أبي عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ (¬٢).\rومن طريق الحاكم البيهقي (¬٣).\rثلاثتهم -العباس الرياشي، والحسين الثوري، والصائغ- عن أحمد بن شبيب بن سعيد به، بدون ذكر القصة في أول الحديث.\rوخالف هؤلاء الثلاثة يعقوب الفسوي، فزاد في أول الحديث قصة أخرجها في تاريخه فقال: ثنا أحمد بن شبيب بن سعيد، ثنا أبي عن روح بن القاسم إلخ وذكر القصة (¬٤).\rومن طريقه البيهقي في الدلائل (¬٥)، ومن طريقه أيضاً عبد الغني المقدسي في كتاب الترغيب في الدعاء (¬٦).\r\rوأما رواية إسماعيل بن شبيب:\rفقد أخرجها البيهقي من طريق أبي عروبة عن العباس بن الفرج ثنا","footnotes":"(¬١) عمل اليوم والليلة: ٢٩٦ رقم ٦٢٨.\r(¬٢) المستدرك: ١/ ٥٢٦.\r(¬٣) الدلائل: ٦/ ١٦٧.\r(¬٤) انظر تاريخ الفسوي: ٣/ ٢٧٢، اقتبسه المحقق من البداية: ٦/ ١٦٢، وتاريخ الإسلام: ١/ ٢١٩.\r(¬٥) الدلائل: ٦/ ١٦٨.\r(¬٦) الترغيب في الدعاء والحث عليه رقم الحديث ٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049069,"book_id":1098,"shamela_page_id":717,"part":"2","page_num":741,"sequence_num":717,"body":"إسماعيل بن شبيب وذكر القصة (¬١).\rولكن هذه الرواية فيها احتمال خطأ أحد الرواة لأن ابن السني أخرجها من هذه الطريقة فجعلها من رواية أحمد لا إسماعيل وليس فيها كما تقدم.\rأما رواية عبدالله بن وهب:\rفقد أخرجها البخاري في تاريخه عن شيخه عبد المتعال بن طالب حدثنا ابن وهب عن أبي سعيد وهو شبيب عن روح بن القاسم به ولم يسق لفظه (¬٢) وأخرجها الطبراني في كتبه الدعاء (¬٣)، والمعجم الصغير (¬٤)، والمعجم الكبير (¬٥) عن طاهر بن عيسى عن أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن أبي سعيد المكي وهو شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف وزاد قصة في أوله وهي:\r\"إن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ايت الميضأة فتوضأ ثم ايت المسجد فصل فيه ركعتين، وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان ﵁، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: حاجتك، فذكر حاجته،","footnotes":"(¬١) الدلائل: ١٦٧/ ٦.\r(¬٢) التاريخ الكبير: ٦/ ٢١٠.\r(¬٣) الدعاء: ٢/ ١٢٨٧ رقم ١٠٥٠.\r(¬٤) المعجم الصغير: ١/ ١٨٣ - ١٨٤.\r(¬٥) المعجم الكبير: ٩/ ١٧ رقم ٨٣١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049070,"book_id":1098,"shamela_page_id":718,"part":"2","page_num":742,"sequence_num":718,"body":"وقضاها له، وقال له: ما فهمت حاجتك حتى كان الساعة، وقال له: ما كان لك من حاجة فسل، ثم إن الرجل خرج من عند عثمان فأتى عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر إلي في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: ما كلمته فيك، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فذكر الحديث وفي آخره، قال ابن حنيف: والله ما تفرقنا حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط\".\r\rرواية عون بن عمارة البصري:\rأخرجه الحاكم من طريق العباس الدوري ثنا عون بن عمارة البصري ثنا روح بن القاسم به بدون القصة (¬١).\rفتكون رواية عون بن عمارة المجردة عن القصة راجحة على رواية شبيب بن سعيد التي فيها القصة لموافقتها لرواية الجماعة، وإن كان ضعيفًا ولأنه قد اختلف على شبيب في زيادة القصة، وقد يقال: إن عونًا قد اختلف عليه فقد أخرج الطبراني في الدعاء هذا الحديث من طريقه عن روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله ﵁ فذكر القصة، وقال الطبراني: \"وَهِمَ عون في الحديث وهمًا فاحشًا\" وأبدى محقق كتاب الدعاء احتمال كون الوهم من شيخ الطبراني وليس من عون بدليل رواية الحاكم السابقة (¬٢).\r\rالخلاصة:\r١ - أن أقوى الطرق طريق شعبة لكونه أحفظ من روى هذا الحديث عن أبي جعفر، ولأنه لم يختلف عليه فيه.\r٢ - أن شعبة وحماد بن سلمة اتفقا على أن شيخ أبي جعفر هو عمارة بن خزيمة بن ثابت.","footnotes":"(¬١) المستدرك: ١/ ٥٢٦.\r(¬٢) الدعاء: ٢/ ١٢٩٠ رقم ١٠٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049071,"book_id":1098,"shamela_page_id":719,"part":"2","page_num":743,"sequence_num":719,"body":"٣ - وخالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فجعلا شيخ أبي جعفر أبا أمامة بن سهل بن حنيف.\r٤ - اتفقت رواية شعبة وابن سلمة وهشام الدستوائي في عدم زيادة القصة في أول الحديث.\r٥ - اختلف على روح بن القاسم بذكر القصة في أوله وعدم ذكرها فروى عنه عون بن عمارة البصري بدون القصة مثل الجماعة، وروى عنه شبيب بن سعيد فاختلف عليه فروى عنه ابنه أحمد بدون القصة في أكثر الروايات عنه، وانفرد يعقوب الفسوي عنه بزيادة القصة في أولها.\rوروي عن شبيب ابنه إسماعيل وابن وهب بزيادة القصة، فاتضح من هذا أن زيادة القصة في أول الحديث منكرة وذلك للآتي:\r١ - ضعف المتفرد بها وهو شبيب (¬١).\r٢ - مخالفته للثقات الذين لم يذكروها.\r٣ - اضطرابه فيها حيث يزيد مرة ولا يزيد مرة أو يقال: الاختلاف عليه فيها.\rوقد ذكر شيخ الإسلام (¬٢) ابن تيمية ما في هذه الزيادة من علل ونقدها سندًا ومتنًا، وإليك خلاصة كلامه في ذلك، فقد ذكر أربعة علل تتعلق بالإسناد فقال: فهذه الزيادة فيها عدة علل:\r١ - انفراد هذا بها عمن هو أكبر وأحفظ منه:","footnotes":"(¬١) قد ذكر النقاد ضعف شبيب إلا في حال روايته نسخة يونس بن زيد الأيلي برواية ابنه أحمد ففي هذه الحالة أحاديثه مستقيمة، ففي غير تلك الحالة روايته ضعيفة لا سيما رواية ابن وهب عنه كما هنا انظر الكلام عليه في الكامل لابن عدي: ٤/ ١٣٤٦، والميزان: ٢/ ٢٦٢، وقاعدة في التوسل: ٩٦ - ٩٨، ومقدمة الفتح: ٤٠٩، والتوسل أنواعه: ٩٣.\r(¬٢) انظر قاعدة في التوسل: ١٠٠ - ١٠٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049072,"book_id":1098,"shamela_page_id":720,"part":"2","page_num":744,"sequence_num":720,"body":"٢ - وإعراض أهل السنن عنها.\r٣ - واضطراب لفظها.\r٤ - وأن راويها عرف له عن روح هذا أحاديث منكرة.\rومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجّة فيها.\rثم أجاب رحمه الله تعالى على فرض صحتها:\r١ - بأن الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على فهمه بل على خلافه لأن قوله: \"فشفعه فيّ\" لا يستقيم فيمن لم يشفع له الرسول الله ﷺ لو لم يدع له، لأن الشفاعة إنما تكون في حياته ﷺ لمن أتى إليه ودعا له الرسول ﷺ.\r٢ - ثم إن مثل هذا الأمر لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات - إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه - وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول، مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، وغسل أبي هريرة إلى العضد، وغير ذلك مما فعله آحاد الصحابة ولم يجمعوا عليه.\r٣ - وأما قول من قال من العلماء: إن قول الصحابي حجة فمقيد بما إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولم يعرف نص يخالفه أو اشتهر ولم ينكروه، وأما إذا كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في السنة بلا ريب عند أهل العلم.\r٤ - ثم إنه لو ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه يستحب التوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا وشافعًا- يرد أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته لأنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء فلما مات لم يتوسلوا به وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره بالتوسل بذاته لا بشفاعته، ولم يأمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049073,"book_id":1098,"shamela_page_id":721,"part":"2","page_num":745,"sequence_num":721,"body":"بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمّن للتوسل بشفاعته- كان ما فعله عمر هو الموافق للسنة، وكان المخالف لعمر محجوجًا بسنة رسول الله ﷺ وكان الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ حجة عليه لا له.\r\rرجال الإسناد:\rليس في رجال الإسناد من يحتمل أن يكون فيه كلام إلا أبا جعفر وهو الخطمي، كما جاء مصرحًا به في مصادر كثيرة التي أخرجت الحديث والتي تقدمت الإشارة إليها (¬١).\rكما يؤيد ذلك أن أبا جعفر الذي يروي عنه شعبة ويروي عن عمارة بن خزيمة هو الخطمي (¬٢) واسمه عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الأنصاري المدني البصري الخطمي، وقد وثقه ابن معين والنسائي وابن مهدي وابن نمير والعجلي والطبراني، وقال أبو الحسن ابن المديني هو مدني قدم البصرة، وليس لأهل المدينة عنه أثر ولا يعرفونه (¬٣).\rوقال الحافظ فيه: صدوق الحافظ السادسة (¬٤)، وهذه العبارة من الحافظ تدل على أن حديثه في مرتبة الحسن، وبهذا يعرف عدم صحة قول من ذهب إلى أن أبا جعفر ليس الخطمي وأنه الرازي وهو ضعيف (¬٥).","footnotes":"(¬١) نذكر بعضها على سبيل الأمثلة: مسند أحمد: ٤/ ١٣٨، وفيه الخطمي وفي رواية أبو جعفر المديني وهو الخطمي، ومنها عمل اليوم للنسائي ص: ٤١٨، وسماه أبا جعفر عمير بن يزيد بن خرشة وصحيح ابن خزيمة: ٢/ ٢٢٥، وعنده أبو جعفر المديني، والدعاء للطبراني وعنده الخطمي في: ٢/ ١٢٨٨ و ١٢٨٩.\r(¬٢) انظر العلل للإمام أحمد: ١/ ١٨٨، والكنى للدولابي: ١/ ١٣٦، والتهذيب: ٨/ ١٥١.\r(¬٣) تهذيب التهذيب: ٨/ ١٥١.\r(¬٤) التقريب رقم ٥١٩٠.\r(¬٥) قد جاء في بعض نسخ الترمذي أنه ليس الخطمي واغتر بهذا السهسواني في صيانة الإنسان ص: ٣٧٦ وأشار الصنعاني في تطهير الاعتقاد إلى أن في إسناده مقالًا ص: ١٩ وممن مال إلى أنه غير الخطمي الشقيري في السنن والمبتدعات ص: ١٢٥ - ١٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049074,"book_id":1098,"shamela_page_id":722,"part":"2","page_num":746,"sequence_num":722,"body":"أقوال النقاد في الحديث:\rقد رجع أبو زرعة الرازي رواية شعبة عن أبي جعفر عن عمارة عن عثمان، على رواية الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان لكون شعبة أحفظ (¬١) لكن خالفه ابن أبي حاتم فرجح رواية الدستوائي فقال في ترجيحه تابع هشامًا الدستوائي روح بن القاسم وهو ممن يجمع حديثه ثقة، وهو أشبع متنًا، فروايتهما أصح (¬٢).\rوقال علي بن المديني: \"وما أرى روح بن القاسم إلا قد حفظه\" (¬٣)، فعلى قول ابن المديني وابن أبي حاتم تكون رواية الدستوائي وروح بن القاسم أرجح لتقوية رواية أحدهما بمتابعة الآخر، ولكن يعترض على هذا بأن شعبة أيضًا توبع، تابعه حماد بن سلمة، ثم إن شعبة أقوى من الدستوائي وروح بن القاسم فتساوت الروايتان فلا يمكن ترجيح إحداهما على الأخرى، فيحتمل أن هذا الاختلاف من أبي جعفر فهو الذي اضطرب فيه فمرة روى هكذا ومرة هكذا، وإن كان الأمر كذلك دل على ضعف حفظه.\rوأبدى الحافظ ابن حجر احتمال كون أبي جعفر روى بطريقين (¬٤)، ولكن هذا الاحتمال لا يلجأ إليه إلا عند التأكد من كون الراوي المختلف عليه حافظًا ضابطًا، وأبو جعفر ليس من الحفاظ المتقنين ويدل على ذلك هذا الاضطراب في اسم شيخه، وفي المتن حيث يقول مرة: فشفعني في نفسي، ومرة وشفعني فيه، ومرة فشفعه فيّ.\rوالحاصل: أن الحديث فيه الأمور التالية:\r١ - اضطراب أبي جعفر في اسم شيخه فيما يتعلق بالسند وكذلك","footnotes":"(¬١) علل ابن أبي حاتم: ٢/ ١٨٩.\r(¬٢) المرجع نفسه: ٢/ ١٩٠.\r(¬٣) الدعاء للطبراني: ٢/ ١٢٩٠ رقم ١٠٥٢.\r(¬٤) نتائج الأفكار وعنه في الفتوحات الربانية: ٤/ ٣٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049075,"book_id":1098,"shamela_page_id":723,"part":"2","page_num":747,"sequence_num":723,"body":"في المتن تارة يقول فشعفه فيّ وتارة يقول: فشفعني فيه، ومرة وشفعني في نفسي وتارة يذكر الوضوء والصلاة وتارة لا يذكر، وهذا يدل على أقل تقدير على عدم ضبطه للقصة، أو روايته لها بالمعنى.\r٢ - ليس قويًا يعتمد عليه فيما انفرد به من السنن التي لم يشاركه فيها غيره، لأنه ليس من الحفاظ المتقنين الذين يقبل ما تفردوا به، ويدل على ذلك أن الحافظ ابن حجر قال فيه: صدوق، وهذه المرتبة هي مرتبة الحسن وهو من ليس تام الضبط.\r٣ - تفرده (¬١) بقصة وقعت بمحضر الصحابة وتعد من أقوى المعجزات الدالة على صدقه ﷺ، ومثل هذا مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله.\rفهذه الأمور تجعل في النفس في صحة هذا الحديث وفي ضبط أبي جعفر لألفاظه شيئًا والله أعلم.\r\rالكلام على حديث الأعمى من جهة المعنى:\rفحديث الأعمى -إن ثبت- يدل على التوسل المشروع وهو طلب الدعاء من الحي الحاضر، لأن ألفاظ الحديث: \"تدل على أن ذلك مشروع إذا كان -الرسول ﷺ حيًا مسؤولًا سائلًا لله\" (¬٢) ولا تدل على التوسل به إذا لم يكن سائلًا وإليك تفصيل هذا:\rأ- إن الأعمى (¬٣) جاء إلى النبي ﷺ طالبًا منه الدعاء له، فلو كان يكفي مجرد التوسل بذكر اسم الرسول ﷺ لجلس في بيته وقال: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد أن ترد علي بصري، أو مثل هذا ولم يتعب نفسه بالمجيء والحضور إلى النبي ﷺ.","footnotes":"(¬١) أشار إلى هذا الثالث محمد طاهر في البصائر ص: ٣٣٢، ٣٣٤.\r(¬٢) الرد على البكري: ١٢٧.\r(¬٣) انظر معارج القبول: ١/ ٤٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049076,"book_id":1098,"shamela_page_id":724,"part":"2","page_num":748,"sequence_num":724,"body":"ب - إنه لم يكتف بالحضور فقط بل طلب صراحة من النبي ﷺ الدعاء له فقال: \"ادع الله أن يعافيني\".\rولم يفعل مثل ما يفعله بعض المريدين مع شيوخهم حيث يعتقدون أن الشيخ مطلع على الأسرار وأنه يعرف حوائج المريدين، فلا حاجة لإخباره ولا للطلب منه، ومثل ذلك ما يفعله بعض القبوريين الذين يقولون للولي عند زيارته: \"العارف لا يعرف\" (¬١).\rجـ ـ وعده (¬٢) ﷺ إياه بالدعاء إن لم يصبر، \"إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك\"، والرسول ﷺ خير من وفي بما وعد، فلا يقال: لم يثبت في ألفاظ الحديث أنه دعا له.\rد - إصرار (¬٣) الأعمى على الدعاء فقد ورد في بعض طرقه أنه قال: \"ادع الله لي مرتين أو ثلاثًا\" (¬٤) وفي رواية: \"ألا تصبر؟، قال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي … \" (¬٥).\rفبعد هذا الإصرار على الدعاء لا بد أن النبي ﷺ أن يفي له بما وعد وهو الدعاء له.\rهـ ـ ما ورد في لفظ الدعاء الذي علمه النبي ﷺ: \"اللهم شفع في نبيي … \" (¬٦) وفي رواية: \"اللهم شفعه فيّ\" (¬٧)، وهذا يدل علي أن النبي ﷺ شفع له، ودعا الله له. وإلا فكيف يطلب الأعمى من الله تعالى قبول شفاعة النبي ﷺ إذا لم تحصل الشفاعة ولم تقع من النبي ﷺ؟.","footnotes":"(¬١) اعترف بهذه الحقيقة الغماري في الرد المحكم ص: ٢٧١.\r(¬٢) انظر التوسل أنواعه ص: ٧٦.\r(¬٣) انظر التوسل أنواعه ص: ٧٦.\r(¬٤) عمل اليوم والليلة للنسائي: ٤١٧ رقم ٦٥٨، والتاريخ الكبير للبخاري: ٦/ ١٠٩.\r(¬٥) عمل اليوم والليلة لابن السني: ٢٩٦ رقم ٦٢٨.\r(¬٦) النسائي، عمل اليوم والليلة: ٤١٧ في رواية حماد بن سلمة.\r(¬٧) عند النسائي وغيره في رواية شعبة والدستوائي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049077,"book_id":1098,"shamela_page_id":725,"part":"2","page_num":749,"sequence_num":725,"body":"وـ ما ورد في الروايات من قوله \"وتشفعني فيه\" (¬١). إذ يطلب الأعمى أن يقبل الله تعالى شفاعته التي يطلب فيها من الله تعالى قبول شفاعة النبي ﷺ في حاجة الأعمى، وليس المراد أنه يشفع للنبي ﷺ في حاجة للنبي، وإنما المراد أنه يدعو الله تعالى أن يقبل شفاعة النبي ﷺ فيه فهو كالشفاعة في الشفاعة (¬٢)، فهذا يدل على أن النبي ﷺ قد شفع له ودعا له.\rز - إن العلماء فهموا من هذا الحديث التوسل بدعاء النبي- ﷺ، ولهذا: \"ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره\" (¬٣).\rح - قد ثبت بهذه الأدلة دعاء الرسول ﷺ للأعمى، فإذا ثبت دعاؤه له فلا يمكن أن يقاس عليه من لم يدع الرسول ﷺ له، إذ من شرط القياس المماثلة ولا توجد هنا مماثلة، إذ الفرق \"ثابت شرعًا وقدرًا بين من دعا له النبي ﷺ، وبين من لم يدع له فلا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخرة\" (¬٤).\rط - وقد دل عمل الصحابة ومن بعدهم على الفرق المذكور لأنه \"لو كان كل أعمى توسل به وإن لم يدع له الرسول ﷺ بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، وأن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي ﷺ وإلى زمننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى،","footnotes":"(¬١) عند أحمد: ٤/ ١٣٨، والبيهقي في الدعوات: ل ٢٢ في رواية روح عن شعبة المتقدمة.\r(¬٢) قاعدة في التوسل: ٢٧٦ - ٢٧٧.\r(¬٣) قاعدة في التوسل ضمن المجموع: ١/ ٢٦٦.\r(¬٤) الرد على البكري: ١٢٩، وقاعدة في التوسل: ١٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049078,"book_id":1098,"shamela_page_id":726,"part":"2","page_num":750,"sequence_num":726,"body":"فعدولُهم عن هذا إلى هذا - مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فإنهم أعلم منا بالله ورسوله، وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء، وينفع، وما لم يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره … - دليلٌ على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه\" (¬١).\rوقد ذكرنا فيما مضى (¬٢) أن الترك الراتب سنة متبعة وأن خلافه بدعة.\rي - لو سلمنا دلالته على التوسل بالذات الغائبة - لا نسلم أنه عام في كل الأحوال والأشخاص بل هو قضية عين (¬٣) عموم لها فهو خاص بمن دعا له الرسول الله ﷺ وهو هذا الأعمى الذي جاءه وطلب منه الدعاء.\rولو تنازلنا وقلنا: إنه ليس خاصًا بهذا الأعمى أو بمن دعا له في حياته - لا نسلم أنه يعم غير النبي ﷺ فهو خاص به، لأنه لا يمكن قياس غير النبي ﷺ على النبي ﷺ وإلى هذا ذهب العز بن عبد السلام ﵀ على فرض صحة الحديث (¬٤).\rك - ثم لو سلمنا دلالته على العموم - وهيهات ذلك - فهو حديث عن قواعد الشرع فلا يعمل به لمخالفته للقطعيات من نصوص الكتاب والسنّة (¬٥).\rل ـ ثم لو سلمنا دلالته على التوسل بالذوات تنازلًا مع المخالف-","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ١٣٠، وقاعدة في التوسل ص: ١٣٤، ومع الفتاوى: ١/ ٣٢٦.\r(¬٢) تقدم ص: ٦٠٦.\r(¬٣) الرد على البكري: ١٢٩.\r(¬٤) فتاوى العز بن عبد السلام ص: ١٢٦ - ١٢٧، والأزهية: ١٧٣ - ١٧٤.\r(¬٥) ذكر نحو هذا الشيخ حمد بن معمر في النبذة الشريفة ضمن الرسائل النجدية: ٤/ ٦٢٢، وقد تقدم كلام علماء الأحناف في هذا ص: ٦٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049079,"book_id":1098,"shamela_page_id":727,"part":"2","page_num":751,"sequence_num":727,"body":"لا نسلم دلالته على الاستغاثة ونداء الموتى ودعائهم، لأن هذا الحديث غاية ما يدل عليه أن الأعرابي طلب من النبي ﷺ أن يدعو مع حضوره في حياته ﷺ، فأين هذا من دعاء الأموات والالتجاء إليهم في الشدائد؟ ومن هنا يعلم أننا لو تنازلنا وقلنا: إن الحديث يدل على جواز التوسل بالنبي ﷺ في مغيبه فلا يدل على جواز دعائه والاستغاثة به والاستنجاد به وذلك لأن \"الفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين: المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره لا على سبيل الطلب منه، وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه\" (¬١).\rوالذي يستحق السؤال والاستغاثة والتوكل هو الله وحده، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ولا يمكن أن يدعى ويسأل غير الله تعالى، كما لا يمكن قياس سؤاله ﷺ ودعائه على السؤال به والتوسل به فالفرق شاسع بين البابين.\rوأما تعليمه ﷺ الأعمى الدعاء فلا ينافي دعاءه ﷺ له، لأن دعاء الأعمى ووضوءه وصلاته من التوسل بالأعمال الصالحة، ويكون دعاء النبي ﷺ له من التوسل بدعاء الحي الحاضر \"فحصل الدعاء من الجهتين\" (¬٢).\rوبهذا تسقط دعوى من يقول: إن الرسول ﷺ لم يدع للأعمى وإنما أرشده إلى الصلاة والتوسل به فقط (¬٣).\rوأما قوله: \"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد\" فليس معناه بذات أو جاه نبيك وذلك لأن معنى التوسل والتوجه في لسان","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٣/ ٢٧٦.\r(¬٢) الرد على البكري: ١٢٩.\r(¬٣) انظر هذه الدعوى في الرد المحكم للغماري: ١٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049080,"book_id":1098,"shamela_page_id":728,"part":"2","page_num":752,"sequence_num":728,"body":"الشرع وسلف هذه الأمة هو التوسل بالدعاء، وقد تقدم شرح ذلك (¬١).\rأو نقول: إنه لا بد من التقدير إما أن يقدر بذات أو بدعاء والأدلة تدل على أن المقدر، دعاء، وهذا الجواب الثاني - وإن ذكره بعض العلماء (¬٢) - لكن الجواب الأول أولى لأن أصل وضع الكلمة لا يحتاج إلى تقدير مضاف محذوف، والأصل عدم التقدير، وأما قوله: \"وشفعني في نفسي\" فأقوى الطرق ليس فيه هذا اللفظ وهي رواية شعبة، وأقواها رواية فشفعه فيّ وشفعني فيه، لورودها في طريق شعبة القوية.\rوأما على تقدير كونها محفوظة فمعناه \"إنه طلب أن يكون شفيعًا لنفسه مع دعاء النبي ﷺ، ولو لم يدع له النبي ﷺ كان سائلًا مجردًا كسائر السائلين، ولا يسمى مثل هذا شفاعة، وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا فيكون أحدهما شفيعًا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره\" (¬٣).\rوأما توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ في قول الأعمى: \"إني توجهت بك إلى ربي\" وفي رواية: \"يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي\". فليس فيه دليل على نداء الغائب والاستغاثة به وذلك:\r١ - لأن النبي ﷺ كان حاضرًا عند الأعمى، كما يدل على ذلك سياق الرواية، وليس هناك دليل على أن الأعمى ذهب إلى مكان آخر، فصلى فدعا فيه بهذا الدعاء.\rوأما ما ورد في بعض رواية شبيب عن روح بن القاسم من زيادة","footnotes":"(¬١) انظر ص: ٦٢٨.\r(¬٢) قد ذكر هذا الجواب الشيخ محمد طاهر في البصائر ص: ٣٣٧، والشيخ الألباني في التوسل ص: ٨١، والألوسي في روح المعاني: ٦/ ١٢٦، وعنه في جلاء العينين ص: ٥٦٧، وقد تقدم نحو هذا في ص: ٧٣٢.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ١٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049081,"book_id":1098,"shamela_page_id":729,"part":"2","page_num":753,"sequence_num":729,"body":"القصة والقول في آخرها، قال ابن حنيف: والله ما تفرقنا حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.\rفقد ذكرنا أن هذه الرواية منكرة وبيّنا ما فيها من العلل، فتبين بهذا أنها لا يقوم بها حجة.\r٢ - ثم لو سلمنا صحتها -يكون معنى الخطاب والنداء هو خطاب ونداء استحضار-: \"يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب الشهوده بالقلب كما يقول المصلي: \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\" والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب\" (¬١).\r٣ - وأما الإجابة (¬٢) بأن الخطاب والنداء لم يثبت في طرق الحديث ففيه نظر، فأكثر طرق الحديث إما فيها النداء بيا محمد أو فيها الخطاب بقوله: \"إني توجهت بك إلى ربي\" فإذا ثبت أصل الحديث فالخطاب ثابت ولكن قد عرفت أن أصل الحديث في ثبوته تردد، واحتمال رواية هذا الحديث بالمعنى وارد بسبب ما نراه من الاختلاف في ألفاظه.\rوأما ما ورد في بعض طرق حديث حماد بن سلمة فيما رواه ابن أبي خيثمة حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا حماد بن سلمة \"اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصري\"، وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك أو قال: \"افعل مثل ذلك\" فهذه الرواية فيها عدة علل:\rأ - تفرد حماد (¬٣) بن سلمة بها من بين سائر من روى هذا الحديث أحفظ وأقوى منه فهو لو خالف واحدًا منهم يعتبر شاذًا فكيف وقد خالف جميعهم؟","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط ص: ٤١٦، والقول الفصل: ١١٦ و ١٤٥.\r(¬٢) وقد ذكرت هذه الإجابة في النبذة الشريفة ضمن الرسائل النجدية: ٤/ ٦٢٢، ومصباح الظلام ص: ٢٠٨.\r(¬٣) انظر قاعدة في التوسل ص: ٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049082,"book_id":1098,"shamela_page_id":730,"part":"2","page_num":754,"sequence_num":730,"body":"وأما الإجابة (¬١) عن هذا التفرد بأنه من زيادة الثقة وهي مقبولة فسيأتي أن هذا ليس مطردًا (¬٢).\rب - ومما يقوي شذوذ هذه الزيادة أن الرواة عن حماد بن سلمة لم يتفقوا على ذكرها فقد روى عنه ثلاثة: مسلم بن إبراهيم، ومؤمل بن إسماعيل، وحبان بن هلال، فرواية مسلم عند ابن أبي خيثمة ورواية مؤمل عند أحمد ورواية حبان عند النسائي، ولم تذكر هذه الزيادة إلا في رواية مسلم بن إبراهيم فهي أيضًا شاذة عن حماد بن سلمة.\rجـ - ويحتمل أن هذه الزيادة رويت بالمعنى فحصل فيها تغيير، قال شيخ الإسلام: \"واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى\" (¬٣).\rد - ويحتمل أيضًا أن هذه الزيادة قد تكون مدرجة من كلام عثمان بن حنيف لا من كلام النبي ﷺ، ويدل على ذلك لفظ هذه الزيادة إذ وردت بلفظ: \"وإن كانت حاجة فعل ذلك\" والمفترض أنها إذا كانت من كلام النبي ﷺ أن تكون بلفظ الخطاب: \"وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك\" (¬٤).\rوقد اتضح مما سبق - ولله الحمد - أن حديث الأعمى - على فرض ثبوته - لا يدل على التوسل بالذوات وإنما يدل على التوسل بدعاء الحي الحاضر.\rوقد تقدم (¬٥) ذكر استدلالهم بحديث الشفاعة الكبرى وبحديث هاجر: \"أغث إن كان عندك غواث\"، وبينا عدم دلالتهما على مرادهم بما لا يدع مجالًا للشك.","footnotes":"(¬١) الرد المحكم: ١٥٥.\r(¬٢) يأتي ص: ٧٦٥.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ٩٩.\r(¬٤) المرجع السابق في المكان نفسه.\r(¬٥) ص: ٧١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049083,"book_id":1098,"shamela_page_id":731,"part":"2","page_num":755,"sequence_num":731,"body":"ومن هنا نقول: لم نجد لهم دليلًا صريحًا من السنة الصحيحة يدل على جواز دعاء الأموات أو الغائبين أو التوسل بذواتهم.\rوبعد أن أنهينا الكلام على الأدلة الصحيحة ندخل في ذكر أدلتهم غير الصحيحة ومناقشتها وبالله التوفيق وهو المستعان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049084,"book_id":1098,"shamela_page_id":732,"part":"2","page_num":757,"sequence_num":732,"body":"الفصل الثاني\rفي مناقشة ما احتجوا به\rمن الأدلة غير الصحيحة\rويحتوي على ثلاثة مباحث:\rالمبحث الأول: الأحاديث الضعيفة.\rالمبحث الثاني: الأحاديث الواهية والموضوعة.\rالمبحث الثالث: الحكايات والنظريات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049085,"book_id":1098,"shamela_page_id":733,"part":"2","page_num":759,"sequence_num":733,"body":"المبحث الأول في الأحاديث الضعيفة\rاحتج من يجيز الدعاء غير المشروع بأحاديث ضعيفة جدًا، وغالبها خارجة عن الموضوع، والباقي لا يمكن انجباره للضعف الشديد الذي فيه، وسأذكر هنا أهم حديث ضعيف احتجوا به وأناقشه وبالله التوفيق وهو:\r\rحديث عرض الأعمال على النبي ﷺ-:\rوهو ما روي مرفوعًا: \"حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض أعمالكم علي، فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم\".\rفهذا الحديث قد احْتُجَّ (¬١) به على جواز دعاء النبي ﷺ والطلب منه","footnotes":"(¬١) قد احتج به جماعة منهم الهيتمي كما في الدرر السنية ص: ٢٥، ودحلان في الخلاصة: ٢٤٧، والدرر: ٢٥، وعثمان بن منصور تلميذ ابن جرجيس كما في مصباح الظلام: ٢٠٦، والنبهاني في شواهده ص: ١٣٨، والعزامي في البراهين: ٤٢١، والغماري في الرد المحكم: ١٨١ - ١٨٦، وعنه نقل في المفاهيم منتحلًا: ١٧٢ - ١٧٣، كما احتج به أيضًا في ص: ٥٧.\rوللغماري أيضًا رسالة خاصة بهذا الحديث سماها \"نهاية الآمال في صحة وشرح حديث عرض الأعمال\". حاول فيها تصحيح الحديث وتقويته، وادعى في مقدمتها أن الألباني خالف الصناعة الحديثية في تضعيفه للحديث ولكنه لم يستطع أن =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049086,"book_id":1098,"shamela_page_id":734,"part":"2","page_num":760,"sequence_num":734,"body":"لعلمه بذلك، ثم لم يكتف هؤلاء بالنبي ﷺ، بل عدوا الحكم إلى غيره لأن هذا الحديث هو عمدة من يدعي أن الموتى يعلمون بندائهم ودعاء الأحياء لهم، لأن شفاعتهم ووساطتهم للسائلين فرع عن علمهم بسؤالهم وحوائجهم.\rوقد بلغ الأمر ببعضهم إلى القول بأن \"مخاطبته ﷺ بعد موته أبلغ، لأن أعمال أمته تعرض عليه في قبره\" (¬١).\rفادعى أن الخطاب بعد الموت أبلغ من الخطاب في الحياة وهذه مبالغة وغلو شديد.\rهذا وإن عرض الأعمال لم يقتصروا فيه على النبي ﷺ كما قلنا بل جاوزوا به إلى غيره، فالروافض قالوا بعرض الأعمال على أئمتهم، فقد روى الكليني في كافيه الذي هو عمدة عندهم: أن قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أنهم الأئمة (¬٢).\rوروي أيضًا عن علي الرضا أحد الأئمة عندهم أنه قال له أحدهم: \"ادع الله لي ولأهل بيتي فقال: أو لست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض على في كل يوم وليلة، قال: فاستعظمت ذلك فقال لي: أما تقرأ كتاب الله ﷿: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: هو والله علي بن أبي طالب ﵇\" (¬٣).\rوقد عقد الصفار (¬٤) عدة أبواب (¬٥) في إثبات عرض الأعمال على","footnotes":"= يناقش الشيخ الألباني فيما ذكره من الشذوذ الذي في الحديث، هذا وسوف أناقش ما ورد في هذه الرسالة من النقاط المهمة إن شاء الله تعالى.\r(¬١) انظر كلام عثمان بن منصور تلميذ ابن جرجيس في مصباح الظلام: ٢٠٦.\r(¬٢) الكافي: ١/ ١٧١، ونحوه في بصائر الدرجات: ٤٤٢، ٤٤٧، ٤٤٨، ٤٥٠.\r(¬٣) الكافي: ١/ ١٧١، والبصائر ص: ٤٤٩.\r(¬٤) هو محمد بن الحسن بن فروخ أبو جعفر وادعوا أنه تلميذ للحسن العسكري (ت ٢٩٠ هـ)، انظر معجم المؤلفين: ٩/ ٢٠٨ ومقدمة البصائر.\r(¬٥) قد عقد باب الأعمال تعرض على رسول الله ﷺ والأئمة ﵈ من ص: ٤٤٤ - ٤٤٦، ثم باب عرض الأعمال على الأئمة: ٤٤٧ - ٤٤٨، ثم باب عرض =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049087,"book_id":1098,"shamela_page_id":735,"part":"2","page_num":761,"sequence_num":735,"body":"الأئمة في كتابه بصائر الدرجات، الذي يعتبر من أهم مصادرهم الأصلية، ثم ساق عجائب وغرائب، في تلك الأبواب، فانظر إلى مدى ما وصل إليه اعتقاد عرض الأعمال، لأنه لو اقتصر على النبي ﷺ لكان الأمر أخف، ولكن ادعى ذلك هؤلاء لأئمتهم كما ترى، وادعى آخرون من المريدين لشيوخهم.\rفعقيدة عرض الأعمال على الأموات هي أصل لدعائهم، لأن الواحد من هؤلاء الذين يدعون الأموات لو تصور أن مدعوه لا يعلم بأعماله لم يدعه، ولم يطمع في أنه يشفع له عند الله تعالى ويتوسط له فكل ذلك فرع عن تصوره بعلمه ومعرفته به وبأحواله.\rهذا ومناقشة حديث العرض من ناحيتين ناحية الإسناد وناحية المتن:\r\rمناقشة الحديث من ناحية الإسناد:\rقد أخرج هذا الحديث البزار في مسنده فقال: \"حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبدالله بن السائب، عن زاذان عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: \"إن الله ملائكة سياحين يبلغون عن أمتي السلام\"، قال: وقال رسول الله ﷺ: \"حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم … \".\rقال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد\" (¬١).\rهذا الحديث يشتمل على شطرين وقد رواه كثيرون فاقتصروا على الشطر الأول، وخالفهم عبد المجيد بن أبي رواد فزاد الشطر الثاني.\rفالشطر الأول قد روي عن سفيان وهو الثوري بهذا الإسناد من","footnotes":"= الأعمال على الأئمة الأحياء: ٤٤٩ - ٤٥٠، ثم باب الأئمة تعرض عليهم الأعمال في أمر العمود الذي يرفع للأئمة وما يصنع بهم في بطون أمهاتهم: ٤٥١ - ٤٥٤.\r(¬١) كشف الأستار: ١/ ٣٩٧ رقم ٨٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049088,"book_id":1098,"shamela_page_id":736,"part":"2","page_num":762,"sequence_num":736,"body":"طرق متعددة، فهو مشهور مستفيض عن الثوري قد رواه عنه عدد كثير اطلعنا على رواية نحو عشرة منهم، وهم: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبدالله بن المبارك، ومعاذ بن معاذ، وعبد الرزاق بن همام وعبدالله بن نمير، ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو إسحاق الفزاري، وفضيل بن عياض.\rوإليك تفصيل هذه الطرق ومن أخرجها:\rطريق عبد الرحمن بن مهدي: أخرجه أحمد في المسند (¬١).\rطريق القطان: أخرجه إسماعيل القاضي (¬٢).\rطريق وكيع: أخرجه ابن أبي شيبة (¬٣)، وأحمد (¬٤)، والنسائي (¬٥)، وابن حبان (¬٦).\rطريق ابن المبارك: أخرجه النسائي (¬٧).\rطريق معاذ بن معاذ: أخرجه أحمد (¬٨)، والنسائي (¬٩).\rطريق عبد الرزاق: أخرجه هو في مصنفه (¬١٠)، ومن طريقه النسائي والطبراني (¬١١).\rطريق عبدالله بن نمير: أخرجه أحمد (¬١٢).","footnotes":"(¬١) المسند: ١/ ٤٤١.\r(¬٢) فضل الصلاة على النبي ﷺ: ٣٤ رقم ٢١.\r(¬٣) المصنف: ١١/ ٤٧٤ رقم ١١٧٧٠.\r(¬٤) المسند: ١/ ٤٤١.\r(¬٥) سنن النسائي: ٣/ ٣٧ رقم الباب ٤٦.\r(¬٦) موارد الظمآن ص: ٥٩٤ رقم ٢٣٩٣.\r(¬٧) عمل اليوم والليلة للنسائي: ١٦٧ رقم ٦٦.\r(¬٨) المسند: ١/ ٤٥٢.\r(¬٩) سنن النسائي: ٣/ ٣٧ رقم الباب ٤٦.\r(¬١٠) المصنف: ٢/ ٢١٥ رقم ٣١١٦، ومن طريق الدبري عنه في سير أعلام النبلاء: ١٧/ ١٠٥.\r(¬١١) سنن النسائي: ٣/ ٣٧ رقم الباب ٤٦، والمعجم الكبير: ١٠/ ٢٧١ رقم ١٠٥٢٩.\r(¬١٢) المسند: ١/ ٣٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049089,"book_id":1098,"shamela_page_id":737,"part":"2","page_num":763,"sequence_num":737,"body":"طريق الفريابي: أخرجه الدارمي (¬١).\rطريق أبي إسحاق الفزاري: أخرجه الحاكم (¬٢)، والطبراني (¬٣)، وأبو نعيم (¬٤).\rطريق فضيل بن عياض أخرجه الطبراني (¬٥).\rوقد روى أبو إسحاق الفزاري هذا الحديث عن الأعمش والثوري فيكون الأعمش متابعًا للثوري.\rوقد ذكر الدارقطني أن ممن رواه من أصحاب الثوري، فضيل بن عياض وغيره.\rكما ذكر ممن تابع الثوري -الأعمش والحسين الحلقاني ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والعوام بن حوشب وشعبة كل هؤلاء تابعوا الثوري فرووه عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن ابن مسعود (¬٦) به واقتصروا على الشطر الأول.\rوالحاصل أن الذين عرفنا أسماءهم ممن روى هذا الحديث عن الثوري مقتصرين على الشطر الأول، هم عشرة وهم ثقات أثبات، وهم أوثق أصحاب الثوري، بل أوثق تلك الطبقة على الإطلاق، وخالفهم عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فزاد الشطر الثاني: \"حياتي خير لكم … \".","footnotes":"(¬١) مسند الدارمي: ٢/ ٢٢٥ رقم ٢٧٧٧.\r(¬٢) المستدرك: ٢/ ٤٢١.\r(¬٣) المعجم الكبير: ١٠/ ٢٧٠ رقم ١٠٥٢٨ فجعله عن الأعمش.\r(¬٤) أخبار أصبهان: ٢/ ٢٥.\r(¬٥) المعجم الكبير: ١٠/ ٢٧١ رقم ١٠٥٣٠.\r(¬٦) الصارم المنكي: ١٩٣ نقلًا عن العلل للدارقطني.\rوقد أخرج الطبراني في الكبير طريق الفزاري عن الأعمش برقم ١٠٥٢٨ كما تقدم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049090,"book_id":1098,"shamela_page_id":738,"part":"2","page_num":764,"sequence_num":738,"body":"فهذه الزيادة شاذة، أو منكرة، فعلى قول من وثق عبد المجيد فهي شاذة، وعلى قول من ضعفه فهي منكرة وذلك لتفرده بها ومخالفته بذلك الثقات، مع أنه مختلف فيه فقد وثقه بعضهم وضعفه بعضهم، وهم كثيرون وممن وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود.\rوهؤلاء الذين وثقوه بينوا مع ذلك أنه مبتدع داعية في الأرجاء.\rوممن ضعفه الحميدي وأبو حاتم وعبد الرزاق والدارقطني ومحمد بن يحيى وابن سعد والساجي وابن حبان، وبين هؤلاء الذين ضعفوه أنه روي أحاديث عن ابن جريج لم يتابع عليها، وروي عن مالك أحاديث أخطأ فيها، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك (¬١).\rوهذا الجرح المفسر مقدم على التوثيق مع أن الذين وثقوه بينوا أنه داعية إلى الإرجاء.\rوأيضًا فلو قلنا: إنه ثقة يكون هذا الحديث شاذًا لأنه من مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه ضبطًا واتقانًا وعددًا.\rكل واحد منهم أعلى مكانة من عبد المجيد، ويعرف هذا بالرجوع إلى تراجمهم، وفيهم من هو في أعلى درجات الحفظ والإتقان باتفاق المحدثين، كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان ووكيع بن الجراح وابن المبارك وأبي إسحاق الفزاري فهؤلاء أئمة الحديث ورؤساء تلك الطبقة وأخص أصحاب الثوري.","footnotes":"(¬١) انظر العلل لأحمد: ٢/ ١١٣، وتاريخ يحيى: ٣/ ٦١ رقم ٣٢٥، وأحوال الرجال: ١٥٣ رقم ٢٦٩، والضعفاء الصغير للبخاري رقم ٢٣٩، والمجروحين: ٢/ ١٦٠، والكامل: ٥/ ١٩٨٢، والجرح والتعديل: ٦/ ٦٤، والميزان: ٢/ ٦٤٨، والمغني: ٥٧٠، والتهذيب: ٦/ ٣٨١، وانظر ما ذكره المروذي في العلل ومعرفة الرجال عن أحمد، في ترجمة عبد المجيد: أن أبا عبدالله يحدث عن المرجيء إذا لم يكن داعية أو مخاصمًا. اهـ. العلل ومعرفة الرجال ص: ١٢٤ رقم ٢١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049091,"book_id":1098,"shamela_page_id":739,"part":"2","page_num":765,"sequence_num":739,"body":"فلو خالف عبد المجيد واحدًا من هؤلاء -يعد شاذًا فكيف وقد خالف جميعهم؟ فهو شاذ بدون أدنى شك، بل يمكن اعتبار هذه الزيادة منكرة باعتبار الكلام الذي في عبد المجيد.\rوربما يقول قائل: إن هذه الزيادة تعد من زيادة الثقة باعتبار قول من وثق عبد المجيد فلا بأس بها. فنقول جوابًا لهذا الادعاء المفترض:\rهذه القاعدة ليست مطردة عند نقاد الحديث، وإنما كانوا ينظرون إلى القرائن والأحوال (¬١).\rفالذي يدل عليه كلام الحفاظ مثل أحمد وغيره أن زيادة الثقة إن لم يكن مبرزًا في الحديث والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عن أحمد روايتان (¬٢).\rوقد نقل الحافظ ابن حجر عن العلائي قوله: \"وكلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث\" (¬٣).\rووجه عدم قبول زيادة الثقة مطلقًا -هو لأجل ما يحصل من غلبة الظن أن الثقة الواحد الزائد هو الذي أخطأ، حيث إن مخرج الحديث واحد فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في","footnotes":"(¬١) انظر في هذا البحث الكتب التالية: النكت لابن حجر: ٢/ ٦٠٣ - ٦١٣ و ٦٨٦ - ٧٠٢، وتوضيح الأفكار: ١/ ٣٣٩، ٣٤٣، وفتح الباري: ١٠/ ٢٠٣، وشرح علل الترمذي: ٣٠٦ - ٣١٦، ومقدمة الإلزامات والتتبع للشيخ مقبل: ١١ - ٢٢.\r(¬٢) شرح علل الترمذي: ٣٠٩.\r(¬٣) النكت على ابن الصلاح: ٢/ ٦٠٤، وفتح المغيث: ١/ ٢١٧، وتوضيح الأفكار: ١/ ٣٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049092,"book_id":1098,"shamela_page_id":740,"part":"2","page_num":766,"sequence_num":740,"body":"الضبط والاتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد، فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو كثرتهم، أو لهما معًا كما هنا؟ ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته كالزهري وأضرابه مثل الثوري كما هنا.\rبحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة (¬١).\rفحاصل كلام الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا متقنًا حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر منه عددًا أو كان فيهم من هو أحفظ منه أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقًا فإن زيادته لا تقبل (¬٢).\rفاتضح مما سبق أن هذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة رقم ٩٧٥، وفي ضعيف الجامع رقم ٢٧٤٥ و ٢٧٤٦، وقال: \"فاتفاق جماعة من الثقات على رواية الحديث عن سفيان دون آخر الحديث: \"حياتي … \" ثم متابعة الأعمش له على ذلك، مما يدل عندي على شذوذ هذه الزيادة لتفرد عبد الحميد بن عبد العزيز بها، لاسيما وهو متكلم فيه من قبل حفظه … ثم نقل الكلام فيه وقال:\r\"وإذا عرفت ما تقدم فقول الحافظ الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٤ رواه البزار ورجاله رجال الصحيح فهو يوهم أنه ليس فيهم من هو متكلم فيه.\rولعل السيوطي اغتر بهذا حين قال في الخصائص الكبرى: ٢/ ٢٨١، سنده صحيح، ولهذا فإني أقول: إن الحافظ العراقي -شيخ الهيثمي- كان أدق في التعبير عن حقيقة إسناد البزار حين قال عنه في تخريج الإحياء: ٤/ ١٢٨:","footnotes":"(¬١) النكت: ٢/ ٦٨٨.\r(¬٢) النكت: ٦٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049093,"book_id":1098,"shamela_page_id":741,"part":"2","page_num":767,"sequence_num":741,"body":"\"ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه بعضهم\".\rقلت: وأما قوله هو أو ابنه في طرح التثريب في شرح التقريب: ٣/ ٢٩٧: \"إسناده جيد\" فهو غير جيد عندي، وكان يكون كذلك لولا مخالفة عبد المجيد للثقات على ما سبق فهي علة الحديث (¬١) \".\rوقد أشار إلى هذه العلة البزار (¬٢) والحافظ ابن كثير (¬٣). وقد سبقا الألباني.\rولهذا فاتهام الألباني (¬٤) بعدم الإنصاف مردود بقول هذين الحافظين.\rهذا وفي الحديث علة أخرى وهي أن عبد المجيد قد وصفه كثير من النقاد بأنه داعية إلى الإرجاء وأنه غال في ذلك.\rوهذا الحديث يؤيد مذهبه لأنه يدل على أن النبي ﷺ يستغفر لأمته ومن يستغفر له الرسول ﷺ دائمًا فلا يخاف عليه من المعاصي ما دام يشهد بالإسلام، وهذا المعنى يقوي مذهب الإرجاء.\rوقد ذهب علماء الجرح والتعديل إلى أن الداعية لا يقبل حديثه فيما يؤيد مذهبه لا سيما إذا كان غاليًا في هواه، وهذا المذهب هو الصحيح في رواية المبتدع (¬٥).","footnotes":"(¬١) السلسلة الضعيفة: ٢/ ٤٠٤.\r(¬٢) حيث قال: \"لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه انظر كشف الأستار: ٣، والبداية: ٥/ ٢٤١.\r(¬٣) البداية: ٥/ ٢٤١، فقد نقل كلام البزار مقررًا له وذكر أن أوله يروى من طرق متعددة.\r(¬٤) انظر ما قاله الغماري في مقدمة نهاية الآمال ص: ٨.\r(¬٥) انظر في هذه المسألة الكتب التالية: أحوال الرجال للجوزجاني ص: ٣٢، والكفاية ص: ١٩٥، ومقدمة ابن الصلاح: ١١٥، وشرح علل الترمذي: ٨٣ - ٨٦، وشرح النخبة ص: ٥٠، وتدريب الراوي: ١/ ٣٢٥، وتوضيح الأفكار: ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ومال المعلمي في التنكيل: ١/ ٤٢ - ٥٢، إلى القبول.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049094,"book_id":1098,"shamela_page_id":742,"part":"2","page_num":768,"sequence_num":742,"body":"كما أن في الحديث علة أخرى وهي أن هذا الحديث روي عن ابن مسعود مرفوعًا في عرض الأعمال على الله تعالى.\rوهو ما رواه ابن عدي من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال:\r\"تعرض أعمال بني آدم في كل يوم اثنين، وفي كل يوم خميس فيرحم المترحمين ويغفر للمستغفرين ويترك أهل الحقد بغلهم\".\rأخرجه ابن عدي في ترجمة عبيد الله بن زحر مشيرًا إلى أنه مما أنكر عليه حيث قال في آخر كلامه: \"ولعبيد الله بن زحر غير ما ذكرت من الحديث ويقع في أحاديثه ما لا يتابع عليه\" (¬١).\rوقد وثقه بعضهم وضعفه بعضهم حتى قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيدالله وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن - لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم (¬٢).\rوهذه الطريقة وإن كانت ضعيفة لكنها يمكن أن يعل بها الحديث، إذ هذه الطريقة واردة في حق الله تعالى، والسابقة في حق الرسول ﷺ.\rهذا وللحديث طريقان آخران:\rأ - أحدهما: عن أنس وله عنه طريقان فيهما كذابان:\rأولاهما: طريق أبي سعيد الحسن بن علي العدوي ثنا خراش ثنا مولاي أنس قال رسول الله ﷺ: \"حياتي خير لكم، وموتي خير لكم، أما حياتي فأحدث لكم وأما موتي فتعرض علي أعمالكم عشية الاثنين","footnotes":"(¬١) الكامل: ٤/ ١٦٣٢ - ١٦٣٣.\r(¬٢) المجروحين: ٢/ ٦٢ - ٦٣، والميزان: ٣/ ٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049095,"book_id":1098,"shamela_page_id":743,"part":"2","page_num":769,"sequence_num":743,"body":"والخميس، فما كان من عمل صالح حمدت الله عليه، وما كان من عمل سيئ، استغفرت لكم\" (¬١).\rفالعدوي الحسين بن علي كذاب اتهمه بالكذب ابن عدي (¬٢) وابن حبان (¬٣) وقال الدارقطني: كذاب على رسول الله ﷺ يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل (¬٤).\rوخراش بن عبدالله قال ابن عدي: مجهول (¬٥) وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا للاعتبار ثم ذكر حديثًا من روايته فقال مع أشياء تشبه هذا إذا تأملها من هذا الشأن صناعته علم أنه كان يضع الحديث (¬٦).\rفبهذا يعرف أن هذه الطريقة موضوعة فلا يفرح بها (¬٧).\rثانيهما: طريق يحيى بن خدام حدثنا محمد بن عبد الملك بن زياد أبو سلمة الأنصاري ثنا مالك بن دينار عن أنس به نحوه وفيه: \"تعرض علي أعمالكم كل خميس\" (¬٨). فهذه الطريقة أيضًا موضوعة لأن الأنصاري أبا سلمة قال فيه العقيلي: منكر الحديث (¬٩). وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به بحال (¬١٠).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن عدي في الكامل: ٣/ ٩٤٥.\r(¬٢) المرجع نفسه: ٣/ ٩٤٦.\r(¬٣) المجروحين: ١/ ٢٤١.\r(¬٤) سؤالات السهمي رقم ٢٨٤ ص ٢١١.\r(¬٥) الكامل: ٣/ ٩٤٦.\r(¬٦) المجروحين: ١/ ٢٨٨.\r(¬٧) السلسلة الضعيفة: ٢/ ٤٠٦.\r(¬٨) المرجع السابق ونسبه إلى أبي طاهر المخلص في الثاني من العاشر من حديثه: ق ٢/ ٢١٢.\r(¬٩) الضعفاء: ٤/ ٩٦.\r(¬١٠) المجروحين: ٢/ ٢٦٦ وسماه محمد بن عبدالله بن زياد وكذلك العقيلي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049096,"book_id":1098,"shamela_page_id":744,"part":"2","page_num":770,"sequence_num":744,"body":"وقال ابن طاهر: \"كذاب وله طامات\" (¬١)، وقال الذهبي: متهم (¬٢).\rوأما يحيى بن خدام فقال الذهبي: صدوق إن شاء الله ما علمت به بأسًا إلا قول أبي أحمد الحاكم الحافظ في الكنى في ترجمة أبي سلمة وروى عنه يحيى بن خدام أحاديث منكرة فالله أعلم الحمل فيها على أبي سلمة أو على ابن خدام (¬٣).\rب - وثانيهما: حديث عن التابعي بكر بن عبدالله المزني مرسلًا، وله عنه ثلاث طرق:\rالأولى: عن غالب القطان عنه أخرجه ابن سعد من طريق (¬٤) وإسماعيل القاضي (¬٥) قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: ثنا حماد بن زيد قال: حدثنا غالب القطان به.\rوقد صحح هذا الإسناد ابن عبد الهادي إلى بكر المزني (¬٦).\rالثانية: عن كثير بن يسار أبي الفضل عنه، أخرجه إسماعيل القاضي (¬٧) حدثنا الحجاج بن منهال قال: ثنا حماد بن سلمة عن كثير أبي الفضل به.\rالثالثة: عن جسر بن فرقد عنه، أخرجه الحارث بن أبي أسامة عنه في مسنده (¬٨) من طريق جسر بن فرقد عن بكر به، وهذا إسناد ضعيف","footnotes":"(¬١) الميزان: ٣/ ٥٩٨.\r(¬٢) ديوان الضعفاء: رقم ٣٨٠٣.\r(¬٣) الميزان: ٤/ ٣٧٢.\r(¬٤) الطبقات لابن سعد:\r(¬٥) فضل الصلاة على النبي ﷺ: ٣٦/ ٢٦.\r(¬٦) الصارم المنكي: ١٩٣.\r(¬٧) فضل الصلاة: ٢٧.\r(¬٨) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: ل ١١٣ / ب، والمطالب العالية: ٤/ ٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049097,"book_id":1098,"shamela_page_id":745,"part":"2","page_num":771,"sequence_num":745,"body":"لاتفاقهم على ضعف جسر بن فرقد (¬١) وبهذا نعلم مدى عدم صحة ما قاله بعضهم: رواه أيضًا الحارث بن أسامة في مسنده بسند صحيح (¬٢). فكيف يكون السند صحيحًا وفيه من اتفق النقاد على تضعيفه؟\rوالحاصل أن الحديث بجميع طرقه ضعيف، وأحسنها مرسل بكر بن عبدالله المزني، ومن المعروف أن المرسل من أقسام الضعيف لا يحتج به، ولا يمكن تقويته بالطريقين الآخرين لشدة ضعف حديث أنس، حيث إن فيه وضاعًا ولنكارة حديث ابن مسعود.\rوهذا هو الذي تقتضيه الصناعة الحديثية لا ما ادعاه الغماري من أنها تقتضي تصحيحه وأن من ضعفه ليس بمنصف (¬٣).\rوأما من ناحية المتن فمن وجوه:\rأ - إنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين والخميس، فقد روى أبو هريرة مرفوعًا: \"تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله ﷿ في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا (¬٤) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا\" (¬٥).\rوفي حديث أسامة بن زيد ﵄: \"ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) الميزان: ١/ ٣٩٨، والمجروحين: ١/ ٢١٧.\r(¬٢) ذكره الغماري في الرد المحكم: ١٨٢، وعنه منتحلًا صاحب المفاهيم: ١٧٣.\r(¬٣) مقدمة نهاية الآمال: ٨.\r(¬٤) اركوا: يقال: ركاه يركوه إذا أخره، النهاية: ٢/ ٢٦١.\r(¬٥) مسلم: ٤/ ١٩٨٧ رقم ٢٥٦٥/ ٣٦، وأحمد في المسند: ٢/ ٢٦٨، ٣٢٩، ٤٨٤، والدارمي رقم ١٧٥٨.\r(¬٦) المسند: ٥/ ٢٠٠، ٢٠١، ٢٠٥، ٢٠٩، وأبو داود: رقم ٢٤١٩ (٧/ ١٠٠)، والدارمي: رقم ١٧٥٧، وقد صحح الحديث الألباني في الإرواء: ٤/ ١٠٢ رقم ٩٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049098,"book_id":1098,"shamela_page_id":746,"part":"2","page_num":772,"sequence_num":746,"body":"فإذا ثبت بهذا عرض الأعمال على الله ﷾ كل خميس واثنين يكون القول بثبوت هذا العرض على النبي ﷺ تشريكًا للمخلوق بالخالق، وتشبيهًا للمخلوق بالخالق، مع أن النبي ﷺ نفسه في حياته كان يحب أن تعرض أعماله على الله وهو صائم فكيف يقال: إن الأعمال تعرض عليه ﷺ؟\rوعلى هذا فيحتمل أن بعض الرواة جعل للنبي ﷺ ما ورد في حق الله تعالى، ويقوى هذا الاحتمال ما تقدم من أن حديث ابن مسعود في عرض الأعمال على النبي ﷺ قد ورد في لفظ بعرض الأعمال على الله، وإن كانت الرواية ضعيفة، لأن الحديث طرقه لا تخلو من ضعف فيمكن إعلال بعضها ببعض.\rب - إن النبي صلوات الله وسلامه عليه لما كان في الحياة الدنيوية لم يكن يعلم بأحوال من غاب عنه إلا عندما يوحى إليه.\rوقد أمره الله تعالى أن يبين للناس أنه لا يعلم الغيب إلا في الأمور التي أوحى إليه فيها، وأما العلم بكل الأشياء من جميع المغيبات وجميع أحوال من غاب عنه من أصحابه - فهذا هو الذي أمره الله أن يبين للناس أنه لا يعلمه-، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\rوالأحاديث الدالة على هذا كثيرة، منها قصة الإفك، فلم يعلم النبي ﷺ براءة عائشة ﵂ إلا بعد نزول القرآن، وقصة ضياع عقد عائشة حيث أمر بطلبه مع وجوده تحت البعير الذي تركبه عائشة ﵂ (¬١).\rوالحاصل أنه إذا كان صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم الغيب إلا ما","footnotes":"(¬١) البخاري: ١/ ٤٣١ رقم ٣٣٤، ومسلم: ١/ ٢٧٩ رقم ٣٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049099,"book_id":1098,"shamela_page_id":747,"part":"2","page_num":773,"sequence_num":747,"body":"علّمه الله في الدنيا، فكيف نقول بعلمه في البرزخ؟ إلا على قول الغلاة الذين قالوا: إن علم الله تعالى وعلم النبي ﷺ، متساويان، وأن آية سورة الأعراف الماضية إنما كانت في أول الأمر قبل أن يوحى إليه بجميع الغيب (¬١).\rفعلى هذا القول فقط يمكن الادعاء، وبطلان هذا القول واضح لا شك فيه وكذلك ما يلزم منه هذا القول فهو باطل.\rجـ - إن هذا الحديث يخالف الأحاديث الصحيحة الثابتة، منها حديث الحوض المتواتر حيث ورد فيه: \"ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي\" (¬٢). وفي رواية أبي هريرة عند البخاري: \"إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك\" (¬٣).\rفهذا الحديث يدل دلالة واضحة على عدم علم النبي ﷺ بما أحدثه هؤلاء بعده صلوات الله وسلامه عليه، فيناقض حديث عرض الأعمال","footnotes":"(¬١) انظر ما ادعاه الصاوي على الجلالين: ٢/ ٩٧، والبريلوية: ٨٧، وغاية الأماني: ١/ ٣٥.\r(¬٢) البخاري: ١١/ ٤٦٤ رقم ٦٥٨٢، ومسلم: رقم ٢٣٠٤ من حديث أنس ومن حديث ابن مسعود، والبخاري: رقم ٦٥٧٦، ومسلم: رقم ٢٢٩٧، ومن حديث أبي سعيد، البخاري: رقم ٦٥٨٤، ومسلم: ٢٢٩١، ومن حديث أسماء بنت أبي بكر: البخاري: ٦٥٩٣، ومسلم: ٢٢٩٣، ومن حديث عائشة: مسلم: ٢٢٩٤، ومن حديث أم سلمة: مسلم: ٢٢٩٥، ومن حديث حذيفة: مسلم: ٢٢٩٧، فالحديث متواتر يفيد العلم القطعي كما صرح بذلك الحافظ في الفتح: ١١/ ٤٦٧، ومع هذا نازع الغماري في تواتره بل زعم أن حديث العرض أكثر منه ومع طريقًا لأنه على حد زعمه جاء من ٢٠ طريقًا ولم يستطع أن يذكر تلك الطرق بل أحال على أخيه في هذا الادعاء كما ادعى أن حديث الحوض يخالف الكتاب والسنة.\rوهذا من الهوى والتعصب حيث وصل إلى حد يجعل الحديث المتواتر ضعيفًا والضعيف متواترًا.\r(¬٣) البخاري: ١١/ ٤٦٤ رقم ٦٥٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049100,"book_id":1098,"shamela_page_id":748,"part":"2","page_num":774,"sequence_num":748,"body":"الذي يدل على علمه بأعمال أمته، فهذا ضعيف وذاك متواتر، ومن المعروف أن القطعي لا يعارض بالضعيف وإنما يكون مردودًا.\rد - إن العرض إنما ثبت في الصلاة على النبي ﷺ خاصة دون سائر الأعمال كما في حديث أوس بن ثابت ﵁، قال: قال النبي ﷺ: \"إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي، قال: فقالوا: يا رسول الله فكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟، قال: يقولون بليت، قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء ﷺ\" (¬١).\rوإذا ثبت عرض الصلاة على النبي ﷺ فيقال: لماذا خص الصلاة إذا كانت كل الأعمال تعرض عليه فيكون التخصيص بدون فائدة؟\rفعلى هذا يحتمل أن بعض الرواة ظن عموم عرض الأعمال استنباطًا من عرض الصلاة فروى بالعموم.\rومما يقوي هذا الاحتمال أن حديث ابن مسعود السابق اتفق أغلب الرواة على رواية عرض الصلاة فقط، وانفرد عبد المجيد بن عبد العزيز","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٨، وأبو داود: ١/ ٦٣٥ رقم ١٠٤٧، ٢/ ١٨٤ رقم ١٥٣١، والنسائي: ٣/ ٧٥، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة رقم ٢٢، وابن ماجه: ١/ ٥٢٤ رقم ٥٥٠، والدارمي: ١/ ٣٠٧ رقم ١٥٨٠، والحاكم في المستدرك: ١/ ٢٧٨، وصححه ووافقه الذهبي، وقد اختلف في الحديث فمنهم من صححه ومنهم من قال: إن فيه علة خفية. انظر القول البديع ص: ١٥٩، وجلاء الأفهام: ٣٦ - ٤١، وتعليق الألباني على فضل الصلاة ص: ٣٥، وللحديث شواهد كثيرة منها حديث ابن مسعود المتقدم: \"إن الله ملائكة … إلخ\" وغير ذلك من الشواهد الكثيرة انظرها في المراجع السابقة، القول البديع وجلاء الأفهام وتعليق الألباني. وقال ابن عبد الهادي: رواته كلهم مشهورون بالصدق والأمانة والثقة والعدالة، ولذلك صححه جماعة من الحفاظ كأبي حاتم ابن حبان، والحافظ عبد الغني المقدسي وابن دحية، ولم يأت من تكلم فيه وعلله بحجة بيّنة. اهـ. الصارم ص: ٢٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049101,"book_id":1098,"shamela_page_id":749,"part":"2","page_num":775,"sequence_num":749,"body":"برواية عرض الأعمال عامة، وقد قال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن أورد نصوصًا في عرض الصلاة على النبي ﷺ: \"فهذه النصوص التي ذكرنا تدل على أنه يسمع سلام القريب، ويبلغ سلام البعيد وصلاته، لا أنه يسمع ذلك من المصلي والمسلم، وإذا لم يسمع الصلاة والسلام من البعيد إلا بواسطة فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى والأحرى، والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام ولم يدل على أنه يبلغه غير ذلك\" (¬١).\rوقال ﵀ أيضًا: \"وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد، فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق أصوات العباد كلهم … \" (¬٢).\rهـ - ثم إنه لو ثبت عرض الأعمال لا يصح الاستدلال به علي جواز الدعاء بالرسول ﷺ أو دعائه، وذلك لأمور:\r١ - إنه ﷺ كان يستغفر لأمته في حياته فلم يكن الصحابة يسألون الله تعالى بذلك الاستغفار، ولم يدعوا الرسول ﷺ به مع أنه أبلغ وأقطع من استغفاره بعد موته.\r٢ - الدعاء عبادة، ولم يشرع لنا هذا الدعاء لأنه لو شرع لسبقنا إليه خير القرون، ومن قال بمشروعيته فقد جهلهم (¬٣).","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ٣٤، وانظر أيضًا الرد على الأخنائي: ٢٠٨ - ٢٠٩.\r(¬٢) الرد على الأخنائي: ٢١٠ - ٢١١.\r(¬٣) مصباح الظلام ص: ٢٠٩، وهذه مفاهيمنا: ٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049102,"book_id":1098,"shamela_page_id":750,"part":"2","page_num":776,"sequence_num":750,"body":"٣ - إن عرض الأعمال على فرض ثبوته يكون مثل ما كان يقع في حياة النبي ﷺ من الأخبار التي تصله عن بعض الصحابة الذين غابوا عنه، إما في سرية أو تجارة أو الذين هاجروا إلى الحبشة أو المدينة وهو في مكة، ولم يثبت أن أحدًا من هؤلاء الصحابة ممن وقعوا في الشدة والكرب أنهم استغاثوا بالنبي ﷺ، فقد وقع كثير منهم في الشدة كما في قصة خبيب بن عدي، وأصحاب بئر معونة (¬١)، والمهاجرين إلى الحبشة الذين طال مكثهم هناك أكثر من عشر سنوات ومرت عليهم ظروف قاسية (¬٢). لم ينقل أنهم استغاثوا بالنبي ﷺ ولا توسلوا بجاهه، وقد قال خبيب بن عدي عندما أرادوا قتله:\rلقد جمع الأحزاب حولي وألبوا … قبائلهم واستجمعوا كل مجمع\rإلى أن قال:\rإلى الله أشكو غربتي ثم كربتي … وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي\rفذا العرش صبرني على ما يراد بي … فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعي\" (¬٣).\rولم يقل خبيب: إلى رسول الله أشكو بل إلى الله أشكو بصيغة الحصر بتقديم الجار والمجرور. وقد أُقِرُّوا على هذا من الرسول الكريم ﷺ.\rولو تتبع ما وقع للصحابة من الشدائد في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته لطال البحث.\rوالمقصود أنهم لم يدعوا باستغفار الرسول ﷺ ولا توسلوا بذلك.\r٤ - ثم إن الله ﷾ حذر من دعاء الملائكة والأنبياء في","footnotes":"(¬١) البخاري، المغازي: ٧/ ٣٧٨ - ٣٨٦.\r(¬٢) البخاري، المغازي: ٧/ ٤٨٤ - ٤٨٥.\r(¬٣) سيرة ابن هشام: ٢/ ١٧٦، وقال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها، ولكن قد ثبت بعض الأبيات في الصحيح، انظر البخاري مع الفتح: ٧/ ٣٧٩، وقد ذكر الحافظ أن عند أبي الأسود عن عروة زيادة في البيت فذكر البيتين الأولين، انظر الفتح: ٧/ ٣٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049103,"book_id":1098,"shamela_page_id":751,"part":"2","page_num":777,"sequence_num":751,"body":"قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧]، فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون، ومع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم، وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قُدِّرَ أنهم تعرض عليهم أعمال الأحياء وأنهم يدعون لذلك فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك ولم يفعل ذلك أحد من السلف، لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يفضي إلى الشرك لأنهم لا يقرون أحدًا على الشرك.\rولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته، فإنه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم فما يفعلونه بعد الموت فهو أمر محدود يفعلون منه ما أمر الله به، لا يزداد بسؤال السائلين فليس في سؤالهم إياه منفعة بل مضرة (¬١).\rثم إنهم إذا شفعوا لعبد بعد إذن الله لهم - شفعوا رغبة في رضا الله تعالى وطاعة له فقط (¬٢).\rوأما تأييد الحديث (¬٣) بما ثبت من شهادته ﷺ على أمته يوم القيامة بالقول بأن ذلك يستلزم علمه بأعمالها - فمنقوض من وجوه:\r١ - إن شهادته ﷺ لا يلزم أن تكون على أعمالهم بالتفصيل وإنما","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ١١٥ - ١١٦ و ٢٣٤ - ٢٣٥، ٢٦٢، وقاعدة في التوسل: ١٣٦ - ١٣٧ و ١٥١، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٥٤، والفتاوى: ٢٧/ ٨١.\r(¬٢) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١٠١.\r(¬٣) انظر نهاية الآمال: ١٩ - ٢٣، والرد المحكم: ١٨٣، وعنه في مفاهيم منتحلًا: ١٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049104,"book_id":1098,"shamela_page_id":752,"part":"2","page_num":778,"sequence_num":752,"body":"هي خاصة بالشهادة بإيمانهم به وبما جاء به وبأنه بلغهم، كما قاله ابن جرير ونقله أيضًا عن عطاء وقتادة (¬١)، وهذا هو قول المفسرين.\r٢ - إن هذه الشهادة قد جاء تفسيرها مرفوعًا من حديث ابن مسعود: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"شهيدًا عليهم ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد\" (¬٢).\rفعلى هذا التفسير فهي خاصة بدوام النبي ﷺ في الأمة ولا تشمل ما بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه.\r٣ - هذه الشهادة التي ثبتت للرسول ﷺ مثل شهادة باقي الأنبياء على أممهم، وقد صرح في قصة عيسى أنها شهادة مقيدة بدوام عيسى ﵇ في قومه ولا تعم ما بعد الموت، قال تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧].","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري: ٢/ ١٠، ١١ و ١٧/ ٢٠٨.\r(¬٢) أخرجه الحميدي: ١/ ٥٦ برقم ١٠٢ عن ابن عيينة عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه عن ابن مسعود به، وابن جرير: ٥/ ٩٢، ٩٣ من طريقين عن ابن عيينة، والمسعودي مختلط ورواه عنه ابن عيينة ولم يذكروه فيمن سمع منه قبل الاختلاط كما في الكواكب: ٢٨٥ - ٢٨٩، فالإسناد ضعيف ولكن المسعودي قد توبع فقد أخرجه أبو يعلى في مسنده: ٨/ ٤٣٦ برقم ٥٠٢٠ من طريق مسعر حدثني معن عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه فهذا يمكن أن يتقوى به الحديث إلا أنه خالف في جد جعفر فجعله أمية وهو الضمري وهو ثقة وأما ابن حريث فمقبول وفيه اختلاف آخر فقد رد في إحدى طريقيه عند ابن جرير مرسلًا ولعل هذا الاختلاف من المسعودي، ومعن أقوى من المسعودي، فالحديث من رواية جعفر بن عمرو بن أمية الضمري ويشهد لصحة الحديث آية المائدة في قصة عيسى، وقد ذكر الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد: ٧/ ١٩ وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، هذا وقد روى ابن مسعود حديثًا آخر يتعلق بهذه الآية وهو متفق عليه، البخاري: ٤٥٨٢، ومسلم: ٨٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049105,"book_id":1098,"shamela_page_id":753,"part":"2","page_num":779,"sequence_num":753,"body":"٤ - هذه الشهادة مثل شهادة هذه الأمة على الأمم السابقة، ولم يلزم من ذلك اطلاع هذه الأمة على تفاصيل أحوال الأمم السابقة كما هو واضح.\r٥ - هذه الشهادة جاء تفسيرها وبيان كيفيتها في الأحاديث الصحيحة منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط: العدل\" (¬١). فقد صرح في هذا الحديث بأن هذه الأمة ونبيها يشهدون لنوح ﵇ بالتبليغ فقط وعلى هذا تكون شهادة النبي ﷺ لهذه الأمة أيضًا بتبليغها وإيمانها فقط، وليس على جميع أعمال الأمة والله أعلم، فاتضح مما سبق أن شهادته ﷺ على أمته لا تقتضي ولا تستلزم أن تعرض أعمالهم عليه.\rوأما الأثر الذي استدل به (¬٢) الغماري لتقوية الحديث وهو ما رواه ابن المبارك أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: \"ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي ﷺ أمته غدوة وعشيًا، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم. يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ (¬٣).\rفقد قال ابن كثير ﵀: \"إنه أثر، وفيه انقطاع، فإن فيه رجلًا مبهمًا لم يسم وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه\" (¬٤) أي فهو","footnotes":"(¬١) البخاري: ٨/ ١٧١ رقم ٤٤٨٧، ٧٣٤٩.\r(¬٢) نهاية الآمال: ٢٢، والرد المحكم: ١٨٣، وعنه صاحب المفاهيم منتحلًا: ١٧٣.\r(¬٣) الزهد لابن المبارك، ونسبه إليه ابن كثير: ١/ ١٩٩، والحافظ في الفتح: ٩/ ٩٩.\r(¬٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049106,"book_id":1098,"shamela_page_id":754,"part":"2","page_num":780,"sequence_num":754,"body":"ضعيف لوجود هذه العلل من جهالة الرجل الأنصاري، وكونه مقطوعًا أي من كلام التابعي لم يرفعه، حتى تقول: إنه مرسل يحتج به عند بعضهم، ثم هو معارض بالأدلة القطعية مثل ما سبق في حديث الحوض حيث صرح هنا بأنه يعرفهم بأسمائهم وأعمالهم مع أنه يقال له: لا تدري ما أحدثوا بعدك. وعبارة ابن كثير المتقدمة أدق من قول الحافظ ابن حجر في أثر سعيد بن المسيب إنه مرسل (¬١).\rفقد تعلق الغماري بعبارة الحافظ بأنه مرسل، والصحيح ما قاله ابن كثير من أنه ليس مرسلًا لأنه لم يرفعه فلا ينفع القول بأن مراسيل ابن المسيب قوية.\rثم هذا الأثر في هذه الآية معارض بثلاثة أحاديث مرفوعة وردت في تفسير الآية وهي:\r١ - حديث ابن فضالة، فقد أخرج الطبراني وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة الظفري عن أبيه \"أن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئًا فقرأ، فأتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى حتى ضرب لحياه ووجنتاه، فقال: يا رب هذا على من أنا بين ظهرانيه فكيف بمن لم أره؟ \" (¬٢).\r٢ - حديث عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه قال: \"كان إذا قرأ هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا … ﴾ بكى رسول الله ﷺ: وقال: \"يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهرانيه فكيف بمن لم أره؟ \" (¬٣).\r٣ - حديث ابن مسعود الذي تقدم (¬٤).","footnotes":"(¬١) الفتح: ٩/ ٩٩.\r(¬٢) مجمع الزوائد: ٧/ ٤، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\r(¬٣) مجمع الزوائد: ٧/ ٤، وقال: رواه الطبراني، وعبد الرحمن بن لبيبة لم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\r(¬٤) تقدم ص: ٧٧٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049107,"book_id":1098,"shamela_page_id":755,"part":"2","page_num":781,"sequence_num":755,"body":"٤ - ويؤيد هذه الأحاديث ما ورد في عيسى من قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا .... ﴾ الآية [المائدة: ١١٧]، وأما ما قاله الحافظ ابن حجر ﵀ بعد ذكره لأثر سعيد بن المسيب: \"ففي هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة والله أعلم\" (¬١) فقد سبق أنه ليس مرسلاً وإنما هو مقطوع، ويعترض عليه بما سبق بيانه من الأدلة القاطعة على عدم العرض، فلو صحت أحاديث العرض يمكن أن يلجأ إلى الجمع، وأما ما دام أنها ضعيفة فلا يمكن أن تعارض الأدلة الصحيحة كما هو معروف في فمن المصطلح من أنه لا يعل الصحيح بالضعيف، كما أن الأحاديث الواردة في تفسير الآية أقوى بمجموعها من أثر ابن المسيب.\rوقد ذهب ابن كثير (¬٢) إلى ترجيح حديثي ابن فضالة وابن مسعود على أثر سعيد بن المسيب، وهذا الذي ذهب إليه ابن كثير هو الراجح لما تقدم من الأدلة الكثيرة الشاهدة له والله أعلم ..\rوبهذا اتضح سقوط احتجاجهم بحديث العرض وعليه نقتصر لأنَّه أهم حديث ضعيف يدل لقولهم، والآن نبدأ في مناقشة الأحاديث الواهية والموضوعة وبالله التوفيق ومنه نستمد العون والسداد.","footnotes":"(¬١) الفتح: ٩/ ٩٩.\r(¬٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049108,"book_id":1098,"shamela_page_id":756,"part":"2","page_num":782,"sequence_num":756,"body":"المبحث الثاني الأحاديث الواهية والموضوعة\rومن الأحاديث الواهية التي احتجوا بها (¬١):\rما روي عن سواد بن قارب من أنه أنشد بين يدي رسول الله ﷺ أبياتاً منها:\rفأشهد أن الله لا رب غيره … وأنك مأمون على كل غائب\rوأنك أدنى المرسلين وسيلة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب\rوكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة … بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب\rقالوا: لم ينكر عليه رسول الله ﷺ قوله أدنى المرسلين وسيلة، ولا قوله وكن لي شفيعاً.\r\rالجواب عن هذين البيتين من ناحيتين:\rأولاً: ناحية الإسناد:\rقد روي خبر سواد بن قارب في صحيح البخاري في سؤال عمر بن الخطاب له عن إسلامه وما كانت تأتي به الجن وإخبارها له ببعثة النبي ﷺ","footnotes":"(¬١) انظر الاحتجاج به في الدرر السنية ص: ٢٩ وفي الخلاصة: ٢٥١، والبراهين: ٤١٠، ومفاهيم: ٧٩، وانظر ذكر احتجاجهم به في الرسائل الشخصية: مؤلفات الشيخ: ٥/ ٢٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049109,"book_id":1098,"shamela_page_id":757,"part":"2","page_num":783,"sequence_num":757,"body":"ولا يوجد في الصحيح محل الشاهد، وأما الطرق التي فيها محل الشاهد فكلها واهية جداً، وهذه الطرق هي نحو ستة طرق، وإليك بيانها:\rأ - ما روي من طريق علي بن منصور الأنباري عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن محمد بن كعب القرظي قال: \"بينما عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم جالس … فذكر سؤال عمر عن كهانته في الجاهلية وفي آخره أنه أتى النبي ﷺ فأنشده شعراً وفيه البيتان (¬١)، وهذا الإسناد فيه عدة علل:\r١ - علي بن منصور مجهول كما قاله الذهبي (¬٢).\r٢ - عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي متفق على تركه كما قاله الذهبي أيضاً (¬٣).\r٣ - الانقطاع بين محمد بن كعب القرظي وعمر بن الخطاب إذ ولادة محمد بن كعب في سنة ٤٠ على الصحيح كما قاله الحافظ (¬٤)، فلم يدرك قصة عمر مع سواد بن قارب ﵄.\rولهذا قال الحافظان الذهبي وابن كثير رحمهما الله تعالى أن هذا الطريق منقطع (¬٥)، وذكر الهيثمي هذا الطريق وطريقاً آخر ثم قال: \"وكلا الإسنادين ضعيف\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٦٠٨ - ٦١٠، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢٥٣، وأخرجه أبو يعلى في معجمه ص: ٢٦٣ رقم ٣٢٩، وعزاه إليه ابن كثير في البداية: ٢/ ٣٠٩، والطبراني في الكبير: ٧/ ١٠٩ - ١١١ رقم ٦٤٧٥، والأحاديث الطوال: ٢٥/ ٢٥٦ - ٢٥٩، وأبو نعيم في الدلائل: ١/ ٣١ - ٣٢، والأصبهاني في دلائل النبوة ص: ١٣١ - ١٣٢ رقم ١٤٤.\r(¬٢) و (¬٣) السيرة النبوية للذهبي: ١٣١.\r(¬٤) التقريب: ٦٢٥٧.\r(¬٥) تلخيص المستدرك للذهبي: ٣/ ٦٠٩، والسيرة النبوية له ص: ١٣١، والبداية: ٢/ ٣١٠.\r(¬٦) مجمع الزوائد: ٨/ ٢٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049110,"book_id":1098,"shamela_page_id":758,"part":"2","page_num":784,"sequence_num":758,"body":"فتبين مما سبق أن هذه الطريقة واهية جداً لاجتماع هذه العلل الثلاثة فيها، إذ الواحدة منها كافية لإسقاطه عن الاعتبار فكيف وهي مجتمعة؟\rب - ما روي من طريق سعيد بن عبيد الله الوصافي عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي وهو الباقر قال: دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب به وفيه قوله: وإنك أدنى المرسلين وسيلة، وليس فيه فكن لي شفيعاً (¬١)، وهذه الطريقة فيها عدة علل أيضاً.\r١ - سعيد بن عبيد الله الوصافي ضعفه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات (¬٢). ومن المعروف تساهل ابن حبان في توثيق المجاهيل.\r٢ - أبوه عبيد الله الوصافي تركه الفلاس والنسائي وابن حبان، وضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم (¬٣).\r٣ - الانقطاع بين أبي جعفر الباقر وعمر بن الخطاب فإن أبا جعفر وُلِدَ وَالِدُه الذي هو زين العابدين بعد وفاة عمر فضلاً عنه (¬٤).\rفتبين بهذا أن هذا الطريق ضعيف جداً لا يصلح للاعتبار والاعتضاد، وبما تقدم يعلم أن قول الحافظ في الفتح: وهما طريقان مرسلان يعضد أحدهما الآخر (¬٥). فيه نظر إذ أن كلاً منهما إسناده ضعيف جداً فكيف يصلح للاعتضاد؟ إلا إن أراد الحافظ أصل القصة لورودها في","footnotes":"(¬١) أخرجه الخرائطي في هواتف الجان ص: ١٤٨ رقم ٣، وعزاه الحافظ في الفتح: ٧/ ١٧٩، إلى ابن أبي خيثمة وغيره كما عزاه في الإصابة إلى ابن أبي خيثمة ومحمد بن هارون الروياني: ٣/ ٢١٩ رقم ٣٥٨٥، كما عزاه ابن كثير في البداية إلى الخرائطي: ٢/ ٣١١.\r(¬٢) الجرح والتعديل: ٤/ ٣٨، وثقات ابن حبان: ٨/ ٢٦٤، والميزان: ٢/ ١٥٠، والمغني: ١/ ٣٨٠.\r(¬٣) الكامل: ٤/ ١٦٣٠، والمجروحين: ٢/ ٦٣، والميزان: ٣/ ١٧، والتهذيب: ٧/ ٥٥.\r(¬٤) قال الذهبي في زين العابدين: ولد في سنة ثمان وثلاثين ظناً وكان يوم كربلاء ٢٣ سنة. اهـ. سير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٨٦.\r(¬٥) الفتح: ٧/ ١٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049111,"book_id":1098,"shamela_page_id":759,"part":"2","page_num":785,"sequence_num":759,"body":"الصحيح دون الزيادة التي في الطريقين المرسلين.\rجـ - ما روي من طريق زياد بن يزيد بن بادويه أبو بكر القصري قال: حدثنا محمد بن تراس الكوفي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال: بينما عمر إلخ .. وفيه البيتان، وفيه أنك أدنى المرسلين شفاعة بدل وسيلة (¬١). فهذا الإسناد فيه عدة مقادح:\r١ - أبو بكر القصري زياد بن يزيد مجهول.\r٢ - محمد بن تراس الكوفي كذلك مجهول، قال ذلك فيهما الذهبي وسيأتي نص كلامه.\r٣ - أبو بكر بن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه (¬٢).\r٤ - وأبو إسحاق هو السبيعي، ثقة إلا أنه مدلس وقد اختلط (¬٣) ولم يصرح بالسماع، كما أن سماع أبي بكر بن عياش منه ليس بالقوي كما قاله أبو حاتم (¬٤)، وهذه العلل الثلاث الأخيرة ربما يستغنى عنها لأن الحمل على الضعيف أولى من الحمل على الثقة ولهذا لم يتعرض لها الذهبي، بل حمل على العلتين الأوليتين فقال: \"هذا حديث منكر بالمرة، ومحمد بن تراس وزياد مجهولان لا تقبل روايتهما وأخاف أن يكون موضوعاً على أبي بكر بن عياش، ولكن أصل الحديث مشهور\" (¬٥).\rيريد قصة سواد بن قارب مع عمر بن الخطاب ﵄ وليس في أصل الحديث البيتان المذكوران.","footnotes":"(¬١) أخرجه البيهقي في الدلائل: ٢٢/ ٢٤٨ - ٢٥١، وعزاه إليه ابن كثير في التفسير: ٤/ ١٦ - ١٦٨، ووقع في إسناده تصحيف وعزاه في البداية: ٢/ ٣١٢ إلى ابن عساكر أيضاً.\r(¬٢) التقريب: رقم ٧٩٨٥.\r(¬٣) الكواكب النيرات: ٤١ ص ٣٤١.\r(¬٤) علل ابن أبي حاتم: ٣٥١، وتهذيب التهذيب: ١٢/ ٣٧، وهامش الكواكب النيرات ص: ٣٥٦.\r(¬٥) السيرة النبوية للذهبي ص: ١٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049112,"book_id":1098,"shamela_page_id":760,"part":"2","page_num":786,"sequence_num":760,"body":"وهذه الطريقة لا تصلح للاعتبار فقد خاف الذهبي أن تكون موضوعة.\rد - ما روي من طريق الفضل بن عيسى القرشي عن العلاء بن زيدل عن أنس بن مالك فذكر القصة بطولها وفي آخرها قوله:\rفكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب (¬١)\rوهذه الطريقة فيها العلاء بن زيدل، قال فيه ابن المديني: يضع الحديث، وقال البخاري والعقيلي وابن عدي: منكر الحديث، وقال ابن حبان والحاكم: روى عن أنس نسخة موضوعة (¬٢).\rوهذه الطريقة في غاية الضعف لا تصلح للاعتضاد كما هو واضح.\rهـ - ما روي من طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن عمر بن حفص، وفيه قوله: وكن لي شفيعاً (¬٣). والكلبي متهم بالكذب (¬٤).\rو- ما روي من طريق الحسن بن عمارة عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: دخل سواد بن قارب على عمر فذكر الحديث بطوله (¬٥).\rفهذه الطريقة أيضاً في غاية الوهن فالحسن بن عمارة قال فيه الحافظ: متروك (¬٦).\rفتبين مما سبق أن هذه الطرق كلها واهية جداً لأنها لا تخلو من كذاب، أو متروك، أو مجهول، فمن هنا يعرف أنه لا يصلح الاحتجاج","footnotes":"(¬١) عزاه الحافظ في الإصابة: ٢/ ٢١٩، وفي الفتح: ٧٢/ ١٧٩، إلى ابن شاهين.\r(¬٢) الكامل: ٥/ ١٨٦٢، والمجروحين: ٢/ ١٨٠، والميزان: ٣٠/ ٩٩، والتهذيب: ٨/ ١٨٣.\r(¬٣) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية بدون عزو: ٢/ ٣١٢.\r(¬٤) التقريب: رقم ٥٩٠٠\r(¬٥) عزاه الحافظ في الإصابة: ٣/ ٢٢٠ إلى الحسن بن سفيان.\r(¬٦) التقريب: رقم ١٢٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049113,"book_id":1098,"shamela_page_id":761,"part":"2","page_num":787,"sequence_num":761,"body":"بما ورد فيها من البيتين المذكورين، إذ يعد زيادة البيتين رواية منكرة لعدم وقوعها في روايات الثقات الذين رووا أصل القصة ولم يذكروا البيتين.\rهذا ما يتعلق بناحية الإسناد.\r\rثانياً: ناحية المتن:\rوأما ما يتعلق بالمتن فنقول وبالله التوفيق: إنه لو صحت هذه الطرق فلا دليل على المدعي لأمور (¬١):\rفإن قوله: وإنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يحتمل في معناه أوجهاً:\rأظهرها: أنه ﷺ أقرب المرسلين إلى الله منزلة ورتبة وقدراً وقد تقدم ذكر معنى الوسيلة وأنها تطلق على المنزلة (¬٢).\rوثانيها: أنه وسيلة إلى الله في التبليغ والرسالة وأن شريعته أقرب إلى الله تعالى من شرائع المرسلين.\rوثالثها: أنه وسيلة في الدعاء للناس حال حياته على معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ … ﴾ [النساء: ٦٤].\rومثل ذلك كونه وسيلة في الشفاعة العظمى يوم القيامة ..\rولا يفهم منه أنه وسيلة بعد الممات في الحياة البرزخية مع تلك الاحتمالات الظاهرة فمن ادعى فعليه البرهان، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال لاسيما أن تلك الاحتمالات أظهر من الاحتمال المدعي.\rوأما قوله: وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة، فعلى تقدير ثبوته","footnotes":"(¬١) انظر في هذا: مصباح الظلام ص: ٢٢٠، وصيانة الإنسان: ٢٨٧ - ٢٨٩، والبصائر ص: ٣٥٦.\r(¬٢) تقدم ص: ٦٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049114,"book_id":1098,"shamela_page_id":762,"part":"2","page_num":788,"sequence_num":762,"body":"فمعناه طلب الدعاء منه ﷺ بالشفاعة يوم القيامة بعد الإذن.\rوهذا طلب من الرسول ﷺ ما يقدر عليه وهو الدعاء فلا يمكن أن يدعي أنه يدل على طلب الشفاعة أو الدعاء منه في الحياة البرزخية.\r\rومن الأحاديث الواهية التي احتجوا بها (¬١): خبر مازن بن الغضوب أو الغضوبة وهو ما روي من طريق هشام بن الكلبي عن أبيه قال: حدثني عبد الله العماني قال مازن بن الغضوبة فذكر حديثاً طويلاً وفيه أنه أنشد رسول الله ﷺ:\rإليك رسول الله خبت مطيتي … تجوب الفيافي من عمان إلى العرج\rلتشفع لي يا خير من وطئ الحصا … فيغفر لي ذنبي وأرجع بالفلج (¬٢)\rالإسناد فيه:\rهشام بن محمد بن السائب الكلبي متروك رافضي (¬٣)، وأبوه الكلبي كذلك متروك رافضي وقد تقدم (¬٤) آنفاً.\rوقال الهيثمي: رواه الطبراني من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وكلاهما متروك (¬٥). وعلى كل فالحديث ضعيف جداً.\rولو صح فالمعنى واضح لا غبار عليه فهو في طلب الشفاعة من الرسول ﷺ في مغفرة الذنب مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، وذلك في حياة النبي ﷺ وهذا ليس من مورد النزاع.","footnotes":"(¬١) احتج به دحلان في الدر.\r(¬٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ٢٠/ ٣٣٧ - ٣٣٩، والأحاديث الطوال: ٢٥ رقم ٦٢، والخطابي في غريب الحديث: ١/ ٤٤٧، وأبو نعيم في الدلائل ص: ٣٢ - ٣٣، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢٥٨، وعزاه الحافظ في الإصابة: ٥/ ٧٠٤ رقم ٧٥٩١ إلى ابن السكن وابن قانع.\r(¬٣) قال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن عساكر رافضي ليس بثقة، الميزان: ٤/ ٣٠٤.\r(¬٤) تقدم ص: ٧٨٦.\r(¬٥) مجمع الزوائد: ٨/ ٢٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049115,"book_id":1098,"shamela_page_id":763,"part":"2","page_num":789,"sequence_num":763,"body":"توسل آدم بالنبي ﷺ:\rوهو ما روي من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري حدثنا إسماعيل بن مسلمة أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر مرفوعاً: \"لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال: غفرت لك، ولولا محمد لما خلقتك\" (¬١).\rقد احتج جماعة بهذا (¬٢) الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ وقالوا: إن هذا توسل بذاته ولا يمكن القول بأن هذا توسل بدعائه لكونه قبل وجوده.\r\rمناقشة هذا الحديث سنداً:\rقد تكلم كبار نقاد الحديث وجهابذاته على هذا الحديث فحكموا بوضعه وبطلانه فمن الحفاظ الذين حكموا بوضعه وبطلانه:","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبراني في الصغير: ٢/ ٨٢ - ٨٣، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٦١٥، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٤٨٩.\rوقد ساق في المعجم الصغير إسناده هكذا (حدثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري حدثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد) ولعله خطأ مطبعي.\r(¬٢) ممن احتج به البكري كما في الرد على البكري ص: ٤، والسبكي في الشفا: ١٧٢، والزركشي في الأزهية ص: ١٧٣، والهيتمي كما في شواهد الحق: ١٣٧، والسمهودي في الوفا: ٤/ ١٣٧١، ودحلان في الخلاصة: ٢٤٢، والدرر ٩، والسمنودي في سعادة الدارين ص: ١٥٧، والعزامي في البراهين: ٣٩٤، والفرقان: ١١٧، والكوثري في محق التقول: ٣٩١، وابن جرجيس كما في منهاج التأسيس ص: ٣٩١، والغماري في الإتحاف: ٥ - ٧، والرد المحكم: ١٢١، ١٤١، والعلوي في مفاهيم ص: ٤٦ - ٤٧، والبوطي في السلفية: ١٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049116,"book_id":1098,"shamela_page_id":764,"part":"2","page_num":790,"sequence_num":764,"body":"١ - الذهبي فقد حكم بوضعه وبطلانه (¬١).\r١ - وابن حجر حكم ببطلانه (¬٢).\r٣ - وابن تيمية حكم بوضعه وبأنه لا أصل له (¬٣).\r٤ - وابن عبد الهادي (¬٤).\r٥ - والألباني (¬٥).\rوعِيْبَ على الحاكم إخراج هذا الحديث وقوله: \"صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب\" (¬٦) مع أن الحاكم نفسه ذكر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه \"المدخل\" في المجروحين وقال: \"روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصناعة أن الحمل فيها عليه\" (¬٧).\rوأما محاولة (¬٨) تقوية عبد الرحمن بن زيد بأنه لم يتهم بالكذب فيرده كلام الحاكم نفسه السابق من أنه روى أحاديث موضوعة فهذه محاولة يائسة.","footnotes":"(¬١) تلخيص المستدرك: ٢/ ٦١٥ قال: قلت: بل موضوع وعبد الرحمن واه، وقال في الميزان: ٢/ ٥٠٤ في ترجمة عبد الله بن مسلم الفهري: روى خبراً باطلاً فيه (يا آدم لولا محمد ما خلقتك).\r(¬٢) اللسان: ٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠.\r(¬٣) الرد على البكري ص: ٤ - ٢١ و ٥٩، ومنهاج السنة: ٧/ ١٣١.\r(¬٤) الصارم المنكي ص: ٣٦.\r(¬٥) السلسلة الضعيفة: ١/ ٣٨/ ٢٥، والتوسل أنواعه وأحكامه ص: ١٠٢ - ١١٤.\r(¬٦) المستدرك: ٢/ ٦١٥.\r(¬٧) المدخل ص: ١٥٤، وانظر اللسان في ترجمة الحاكم حيث نص على وهم الحاكم، ونص على عبد الرحمن بن زيد. اللسان: ٥/ ٢٣٣، وانظر أيضاً الميزان: ٣/ ٦٠٨، والتذكرة: ٣/ ١٠٤٢ - ١٠٤٥. ويراجع للتوسع في الكلام على الحديث السلسلة الضعيفة: ١/ ٣٨ - ٤٥، والتوسل أنواعه: ١٠٢ - ١١٤، ومفاهيمنا: ٢٠ - ٣٠.\r(¬٨) انظر هذه المحاولة من الكوثري في المقالات: ٣٩١، والغماري في الرد المحكم ص: ١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049117,"book_id":1098,"shamela_page_id":765,"part":"2","page_num":791,"sequence_num":765,"body":"وكذلك تأييده (¬١) بالحكاية المكذوبة عن مالك وسيأتي مناقشتها قريباً.\rهذا من ناحية السند، ومن ناحية المتن فالحديث منقوض بأوجه:\r١ - إن الراجح في تفسير الكلمات التي تلقاها آدم ما ورد في آية أخرى ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].\rوهذا ما رجحه إمام المفسرين الطبري (¬٢) ﵀، وأولى ما يفسر القرآن بالقرآن فإذا وجد فلا يعدل عنه.\r٢ - قد ذكر ابن جرير وأبو حاتم الأقوال الواردة في تفسير الكلمات وليس فيها هذا المزعوم، وقد نص ابن أبي حاتم بأنه قد اختلف في تفسير الآية على ستة أوجه، ثم ذكرها واحدة تلو الأخرى ولم يذكر هذا (¬٣).\r٣ - إن التفسير الذي ورد عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يخالف هذا.\rفقد أخرج الطبري عن يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية، قال: لقاهما هذه الآية: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (¬٤).\rفلو كان عند عبد الرحمن بن زيد حديث مرفوع في تفسير الآية لما عدل عنه إلى غيره.\r٤ - ثم إن في الرواية أن آدم هو الذي اطلع بنفسه على اسم","footnotes":"(¬١) انظر المقالات ص: ٣٩١\r(¬٢) ابن جرير الطبري: ١/ ٢٤٥.\r(¬٣) تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٥ - ١٣٧.\r(¬٤) تفسير الطبري: ١/ ٢٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049118,"book_id":1098,"shamela_page_id":766,"part":"2","page_num":792,"sequence_num":766,"body":"النبي ﷺ والآية تدل على أنه تلقى الكلمات من الله تعالى، فهذه الرواية المكذوبة تخالف الآية.\r٥ - لو كان آدم ﵇ قد قال هذا وحصلت له التوبة به لكانت أمة محمد ﵊ أحق به منه.\rوقد علم كل عالم بالآثار أن النبي ﷺ لم يأمر أمته به، ولا نقل عن أحد من الصحابة الأخيار، ولا نقله أحد من العلماء الأبرار (¬١).\r٦ - إن التوبة تكون بالاعتراف بالذنب والإقرار له والاستغفار، ويتضمن ذلك قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.\rوإذا حصلت المغفرة بالتوبة حصل المقصود بها لا بغيرها (¬٢).\r٧ - إن من المعلوم بالاضطرار أن الكفار والفساق لا يحتاج أحدهم إذا تاب إلى الله بالإقسام بأحد فكيف يحتاج آدم إلى ما لا يحتاج إليه أحد من المذنبين؟ (¬٣).\r٨ - ثم إنه لو ثبت لم يكن فيه حجة. لأنَّه شرع من قبلنا، وليس شرعاً لنا إلا إذا ورد شرعنا بموافقته ومن المعلوم أن شرعنا لم يرد بالإقسام بالمخلوق على الخالق في التوبة وغيرها.\r٩ - إن (¬٤) هذه الرواية تخالف القطعي من خلق آدم وبنيه لأجل العبادة لا لأجل محمد ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقد ذكر علماء علوم الحديث أن علامات وضع الحديث من مخالفته للقطعي كما تقدم (¬٥).","footnotes":"(¬١) و (¬٢) انظر الوجه الخامس والسادس في الرد على البكري ص: ١١، وانظر الخامس أيضاً في منهاج السنة: ٧/ ١٣٢.\r(¬٣) انظر الوجه السابع في منهاج السنة: ٧/ ١٣١.\r(¬٤) انظر الإشارة إلى هذا الوجه في البصائر ص: ٣٥٢، والتوسل أنواعه: ١٢٥.\r(¬٥) تقدم ص: ٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049119,"book_id":1098,"shamela_page_id":767,"part":"2","page_num":793,"sequence_num":767,"body":"١٠ - ومما يقوي وضع الحديث وبطلانه أن بعض الشيعة ذكروا بأسانيدهم عن أبي عبد الله (جعفر الصادق)، أن الله عرض على آدم في الميثاق ذريته وفيهم النبي ﷺ وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين فحسدهم، وفي رواية عندهم لم يقر بالولاية لهم فطرد لهذا من الجنة، فلما تاب من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين -غفر الله له- وذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (¬١).\rوالظاهر أن بعض الضعفاء نقل عن هؤلاء الروافض هذا الذي عندهم من توسل آدم بحق هؤلاء الخمسة، فقصره على النبي ﷺ، ومثل هذا الصنيع معروف من الذين يسرقون الأحاديث فيركبون لها أسانيد أو متوناً بزيادة أو نقصان تعمية وإخفاء.\rومن العجب أن هؤلاء الذين ادعوا توسل آدم بالنبي ﷺ لم يقتصروا عليه، بل ما نجا نوح في السفينة ولا إبراهيم في النار إلا بالدعاء به وهذا عين ما تزعمه الروافض في أئمتهم.\rقال زيني دحلان في المواهب: ويرحم الله ابن جابر حيث قال:\rبه قد أجاب الله آدم إذا دعا … ونجى في بطن السفينة نوح\rوما ضرت النار الخليل لنوره … ومن أجله نال الفداء ذبيح\" (¬٢).\r\rحديث فاطمة بنت أسد:\rوهو ما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما ماتت فاطمة","footnotes":"(¬١) تفسير العياشي: ١/ ٤١، وتفسير الصافي، الكاشاني: ١/ ٨٢ - ٨٣، والطبرسي: ١/ ٨٩، ٨٧، ٨٨.\rوانظر نحوه في الكافي: ٢/ ٦، وفي: ٤/ ٣٩٣ ط حـ.\rوانظر كلام ابن الجوزي في وضع حديث سؤال آدم بمحمد وعلي في الموضوعات: ٢/ ٣.\r(¬٢) خلاصة الكلام: ٢٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049120,"book_id":1098,"shamela_page_id":768,"part":"2","page_num":794,"sequence_num":768,"body":"بنت أسد أم علي ﵂ دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال: \"رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيباً وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة\"، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله ﷺ بيده، ثم خلع رسول الله ﷺ قميصه، فألبسها إياه، وكفنها ببرد فوقه ثم دعا رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ فاضطجع فيه، وقال: \"الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين\" وكبر عليها أربعاً وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر ﵄.\rفقد احتجوا (¬١) بهذا الحديث على جواز التوسل بالذوات.\rوالجواب عن هذا الحديث من ناحيتين:\rأ - ناحية الإسناد: روي هذا الحديث عن أنس وابن عباس وجابر ﵃ وروي مرسلاً عن محمد بن الحنفية، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب.\r١ - حديث أنس أخرجه الطبراني في الكبير (¬٢) والأوسط (¬٣)، ومن","footnotes":"(¬١) قد احتج به السمهودي في وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٣، ودحلان في الخلاصة ص: ٢٤١، والدرر ٧ - ٨، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٥٦، والعزامي في البراهين: ٣٩٣، والفرقان: ١٢٠، والكوثري في محق التقول: ٣٧٩، ٣٩١ والغماري في الإتحاف: ٢ - ٤، والرد المحكم: ١٩٣، والبوطي في السلفية مرحلة: ١٥٥، والعلوي في مفاهيم ص: ٦٥.\r(¬٢) المعجم الكبير: ٢٤/ ٣٥١ رقم ٨٧١.\r(¬٣) الأوسط: ١/ ١٥٢ رقم ١٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049121,"book_id":1098,"shamela_page_id":769,"part":"2","page_num":795,"sequence_num":769,"body":"طريقه أبو نعيم في الحلية (¬١) عن أحمد بن حماد -زغبة- (¬٢) حدثنا روح بن صلاح حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس، وهذا الإسناد فيه عدة علل:\rأ - روح بن صلاح قد اختلفوا فيه وثقه ابن حبان والحاكم، وضعفه ابن عدي وقال بعد أن ساق له حديثين: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي بعض حديثه نكرة، وقال ابن ماكولا: ضعفوه، وقال ابن يونس: رويت له مناكير، وقال الدارقطني: ضعيف في الحديث (¬٣).\rفالجرح هنا مقدم لأمرين:\r١ - إن الذين ضعفوه الدارقطني، وابن عدي، من المعتدلين (¬٤)، وأما الذين وثقوه ابن حبان والحاكم فمعروفون بالتساهل (¬٥).\r٢ - الجرح هنا مفسر وهو روايته المناكير.\rب - تفرده بهذا الحديث حيث لم يرو عن سفيان غيره، والتفرد عن مثل سفيان الثوري علة؛ لأن الشيخ إذا كان ممن يجمع حديثه كالثوري وانفرد أحد تلامذته عنه بحديث ولم يكن من الحفاظ المتقنين فإنه يرد ويعد منكراً (¬٦)، وهنا انفرد روح بهذا دون بقية أصحاب سفيان وليس هو من الحفاظ المتقنين، وقد أشار إلى هذه العلة الطبراني فقال: لم يرو هذا الحديث عن عاصم الأحول إلا سفيان الثوي تفرد به روح بن صلاح (¬٧)","footnotes":"(¬١) الحلية: ٣/ ١٢١.\r(¬٢) وقع في المعجمين المطبوعين عن ابن رغبة وهو خطأ لأن زغبة لقب له كما في التقريب.\r(¬٣) الثقات: ٨/ ٢٤٤، والكامل: ٣/ ١٠٠٦، والميزان: ٢/ ٥٨، واللسان: ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.\r(¬٤) ذكر من يعتمد قوله ص: ١٥٩، وفتح المغيث: ٣/ ٣٥٩.\r(¬٥) المرجعان السابقان والصارم ص ٩٥، ٣٦، واللسان: ١/ ١٤، والتنكيل: ١/ ٦٦ وما بعدها و ٤٣٧ - ٤٣٨، والرد على التعقب الحثيث: ١٨ - ٢١.\r(¬٦) مقدمة صحيح مسلم: ١/ ٧، وانظر ما تقدم في ص: ٧٦٥.\r(¬٧) الأوسط: ١/ ١٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049122,"book_id":1098,"shamela_page_id":770,"part":"2","page_num":796,"sequence_num":770,"body":"كما أشار إلى ذلك أبو نعيم، فقال: غريب من حديث عاصم والثوري لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح تفرد به (¬١).\rوقد أعل هذا الحديث بهاتين العلتين الشيخ الألباني (¬٢) حفظه الله\rج - ثم إن في النفس شيئاً من سماعه من سفيان الثوري لأن صلاحاً توفي ٢٣٣ وهو مصري، ووفاة الثوري عام ١٦١ وبين الوفاتين ما يقارب ٧٤ سنة فلا بد لصحة سماعه من الثوري أن يكون سنه نحو عشرين سنة قبل وفاة الثوري حتى يمكن طلبه للعلم وسماعه من كبار الشيوخ.\rويقوي هذا أن ابن حبان عندما ذكره في الثقات قال: روح بن صلاح من أهل مصر يروي عن يحيى بن أيوب وأهل بلده (¬٣).\rفخص روايته عن أهل بلده، والثوري كوفي، كما أنه لم يذكره المزي في تهذيبه في تلاميذ الثوري مع محاولته الاستقصاء.\r٢ - حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الأوسط (¬٤)، وابن عبد البر (¬٥) تعليقاً من طريق سعدان بن الوليد السابري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه، واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه؟ فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها.\rوفي هذا الإسناد سعدان بن الوليد السابري، وهو مجهول، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعدان بن الوليد، ولم أعرفه","footnotes":"(¬١) الحلية: ٣/ ١٢١.\r(¬٢) في السلسلة الضعيفة: ١/ ٣٢ رقم ٢٣، والتوسل أنواعه: ١٠٩.\r(¬٣) الثقات لابن حبان: ٨/ ٢٤٤.\r(¬٤) كما في مجمع الزوائد: ٩/ ٢٥٧.\r(¬٥) الاستيعاب لابن عبد البر: ٤/ ١٨٩١ رقم ٤٠٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049123,"book_id":1098,"shamela_page_id":771,"part":"2","page_num":797,"sequence_num":771,"body":"وبقية رجاله ثقات (¬١).\r٣ - حديث جابر أخرجه ابن شبة (¬٢) من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جده عبد الله بن عقيل عن جابر به.\rوهذه الطريقة ضعيفة جداً لأن فيها القاسم بن محمد الهاشمي، قال فيه أبو حاتم: متروك وقال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: أحاديثه منكرة (¬٣).\r٤ - مرسل محمد بن الحنفية: أخرجه ابن شبة (¬٤) من طريق عبد العزيز، وهو ابن محمد الدراوردي عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن أبي طالب به.\rوليس فيه التوسل المذكور إلا أن فيه أنه قرأ فيه القرآن.\rوهذا الإسناد فيه عبد العزيز وهو الدراوردي وهو مختلف فيه (¬٥) وهو مرسل أيضاً.\r٥ - مرسل محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:\rأخرجه ابن أبي عاصم (¬٦) ومن طريقه ابن الأثير (¬٧) من طريق عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله ﷺ كفن فاطمة بنت أسد في قميصه، واضطجع في قبرها وجزاها خيراً.\rفعبد الله بن محمد هو العلوي، قال فيه الحافظ: مقبول (¬٨) ووالده","footnotes":"(¬١) مجمع الزوائد: ٩/ ٢٥٧.\r(¬٢) تاريخ المدينة: ١/ ١٢٤.\r(¬٣) الميزان: ٣/ ٣٧٩.\r(¬٤) تاريخ المدينة: ١/ ١٢٣.\r(¬٥) قد ذكروا أنه إذا حدث من حفظه يهم، انظر الميزان: ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤.\r(¬٦) كما في الإصابة: ٨/ ٦٠.\r(¬٧) أسد الغابة: ٦/ ٢١٧ رقم ٧١٦٨.\r(¬٨) التقريب: رقم ٣٥٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049124,"book_id":1098,"shamela_page_id":772,"part":"2","page_num":798,"sequence_num":772,"body":"محمد بن عمر قال فيه أيضاً: صدوق من السادسة، وروايته عن جده مرسلة (¬١).\rفإذا كانت روايته عن جده علي بن أبي طالب مرسلة فكيف بروايته المرفوعة؟ فهي معضلة.\rوالحاصل أنه قد تحصل لنا أن الحديث قد روي من خمسة طرق، ثلاثة موصولة ومرسلان فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف، ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إلا في طريقة واحدة وهي طريق أنس، فهذه الأحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لأن الكل ضعيف فيعل بعضه ببعض.\rولكن هذه الطرق الضعيفة تدل على أنه ﷺ لم يدع بالدعاء المزعوم، فتكون زيادة الدعاء الذي فيه التوسل منكرة.\rهذا على فرض تقوية هذه الطرق مع أنها ضعيفة جداً لا يمكن تقويتها بمجيئها من عدة طرق، فلا يزيد بعضها بعضاً إلا وهناً وضعفاً.\rهذا ما يتعلق بأسانيد هذا الحديث.\rوأما من ناحية المتن فهو منقوض من عدة وجوه أيضاً:\rأ - إن في (¬٢) هذا الحديث مبالغة وإطراء متجاوزاً المألوف في ذلك العهد النبوي.\rب - إن (¬٣) فيه ركاكة الألفاظ.\rجـ - هذا الحديث يخالف هديه وسنته في غسل جنازة المرأة وذلك في أمور:\r١ - سكبه بيده الشريفة لم يرد إلا في هذه القصة، وأما الذي ورد","footnotes":"(¬١) المرجع نفسه: رقم ٦١٧٠.\r(¬٢) و (¬٣) أشار إليهما عبد الرحمن الدوسري، انظر هامش صيانة الإنسان: ١٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049125,"book_id":1098,"shamela_page_id":773,"part":"2","page_num":799,"sequence_num":773,"body":"في غسل بنته زينب أنه أمرهن بالغسل، ولم يسكب بنفسه، فقد روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: \"دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً، فإذا فرغتن فآذنني، قالت: فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه فقال: أشعرنها إياه ولم يزد على ذلك. . .\" (¬١).\r٢ - ثم إلباسه إن كان بيده ففيه مخالفة هديه في كفن المرأة الذي دل عليه الحديث السابق.\r٣ - إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والاضطجاع فيه كلها لم تعهد إلا في هذا الحديث الضعيف، مخالفاً هديه ﷺ المشهور عنه وهو من المبالغة والإطراء.\r٤ - ثم لفظُ الدعاء الذي بدأ بلفظ الغيبة ثم الخطاب بعيدٌ عن الأسلوب المعهود في الدعوات المأثورات \"اللهم أنت … \" ولم نر في غير هذا الدعاء (الله الذي. . .).\r٥ - ومما يدل على ضعفه أن الراوي اعترف بأن النبي ﷺ لم يفعل هذه الأفعال إلا في هذه المرة، ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره، وهيهات.\rد - يمكن أن يكون هذا من وضع الغلاة في علي ﵁ ليرفعوا من شأنه وشأن أسرته بمثل هذه المبالغات، وأن بعضهم سرق ذلك منهم، ويؤيد ما نقول من المبالغة واحتمال أن بعضهم أخذه من الشيعة، أن الكليني روى بسنده عن أبي عبد الله ما يشبه هذه الروايات مع بعض الاختلاف وذكر أنه أدخلها القبر واضطجع فيه ثم زاد \"أنه انكب عليها طويلاً يناجيها ويقول لها ابنك ابنك، ثم خرج وسوى عليها ثم","footnotes":"(¬١) البخاري مع الفتح: ٣/ ١٣٣ رقم ١٢٦١، ومسلم: ٢/ ٦٤٦ رقم ٩٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049126,"book_id":1098,"shamela_page_id":774,"part":"2","page_num":800,"sequence_num":774,"body":"انكب على قبرها فسمعوه يقول: لا إله إلا الله اللهم إني استودعها إياك، ثم ذكر أنهم سألوه عن سبب الانكباب فأجاب بأنها سئلت عن ربها ورسولها فأجابت وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها، فقلت ابنك ابنك\" (¬١)، وهذا واضح أنه من وضع الشيعة.\r\rمن الأحاديث الموضوعة التي استدلوا بها حديث دعاء حفظ القرآن وعيسى وهو:\r\" اللهم إني أسألك بمحمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى كلمتك وروحك، وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد. . .\".\rاستدل به بعضهم (¬٢) على جواز التوسل المبتدع.\rوهذا الحديث قد روي من حديث أبي بكر الصديق وابن مسعود وابن عباس ومرسل الزهري.\rأ - حديث أبي بكر الصديق أخرجه أبو الشيخ في كتاب ثواب (¬٣) الأعمال وأبو العباس ابن إبراهيم بن تركمان في كتاب الدعاء (¬٤). كلاهما من طريق الحسن بن عرفة العبدي حدثنا زيد بن الحباب العكلي حدثنا عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني عن أبيه أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ فقال: إني أتعلم القرآن فيتفلت مني فقال النبي ﷺ قل: \"اللهم. . .\".\rوهذا الحديث بهذا الإسناد موضوع كما أشار (¬٥) إلى ذلك شيخ","footnotes":"(¬١) الكافي: ١/ ٣٧٧.\r(¬٢) قد استدل به الغماري في إتحاف الأذكياء ص: ٥، وسبقه إلى الاستدلال به السمنودي في سعادة الدارين ص: ١٨٦.\r(¬٣) عزاه إليه شيخ الإسلام في قاعدة التوسل: ٨٣، والسيوطي في اللآلي: ٢/ ٣٥٧.\r(¬٤) نسبه إليه السيوطي في اللآلي: ٢/ ٣٥٧.\r(¬٥) قاعدة في التوسل ص: ٨٣ - ٨٤، والموضوعات: ٣/ ١٧٤ - ١٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049127,"book_id":1098,"shamela_page_id":775,"part":"2","page_num":801,"sequence_num":775,"body":"الإسلام ابن تيمية وابن الجوزي لأن فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة وقد تقدم بيان أنه وضاع (¬١).\r٢ - ثم إن أباه ضعفه الدارقطني أيضاً فقال: \"وأبوه أيضاً متروك\" (¬٢).\r٣ - ثم الانقطاع بين هارون بن عنترة وبين الصديق كما في بعض الطرق فعلى هذا فهو إعضال كما عبر به السيوطي (¬٣). أو بين جد عبد الملك وهو عنترة الشيباني وبين الصديق. فعلى هذا يكون انقطاعاً كما عبر به أبو موسى المديني (¬٤).\r٤ - وقد حكم نقاد الحديث بوضع هذا الحديث منهم ابن الجوزي وشيخ الإسلام (¬٥) والسيوطي (¬٦) وابن عراق (¬٧).\r\rحديث ابن مسعود:\rأخرجه الخطيب في الجامع من طريق موسى بن إبراهيم المروزي نا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود مرفوعاً وفيه: \"أسألك بحق محمد رسولك ونبيك وإبراهيم خليلك. . .\" (¬٨).\rوهذا حديث موضوع أيضاً، قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٦٨٧.\r(¬٢) الضعفاء والمتروكون للدارقطني: ٢٨٩/ ٣٦٢، ونقل في الميزان في ترجمة ابنه تضعيف الدارقطني له وفي ترجمة الأب قول الدارقطني: يحتج به. وكذلك في التهذيب: ١١/ ١٠ فليحرر.\r(¬٣) اللآلي: ٢/ ٣٥٧.\r(¬٤) نقله عنه شيخ الإسلام في قاعدة التوسل ص: ٨٤.\r(¬٥) الموضوعات: ٣/ ١٧٤ - ١٧٥، وقاعدة في التوسل: ٨٣ - ٨٤.\r(¬٦) اللآلي: ٢/ ٣٥٧.\r(¬٧) تنزيه الشريعة: ٢/ ٣٢٢.\r(¬٨) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: ٢/ ٢٦١/ ١٧٩٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049128,"book_id":1098,"shamela_page_id":776,"part":"2","page_num":802,"sequence_num":776,"body":"موسى بن إبراهيم بعد أن نقل عن يحيى تكذيبه وعن الدارقطني وغيره أنه متروك.\rقال: فمن بلاياه، قال: حدثنا وكيع عن عبيدة فذكر ما تقدم (¬١) وزاد في تنزيه الشريعة نقلاً عن الذهبي قوله: \"فإما وضعه أو سرقه ممن وضعه وركب له إسناداً والله أعلم (¬٢) \".\rوأخرجه ابن الجوزي أيضاً من طريق عمر بن الصبح عن أبي عبد الله الشامي ومحمد بن أبي عائشة السندي عن يزيد بن عمر عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود مرفوعاً.\rقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع والمتهم به عمر بن الصبح (¬٣).\rوقال شيخ الإسلام في هذه الطريقة: إنها أضعف من الطريق الأول (¬٤). وعمر بن صبح قال فيه ابن حبان: كان ممن يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب لأهل الصناعة فقط (¬٥).\r\rحديث ابن عباس:\rأخرجه الطبراني في الدعاء (¬٦) من طريق موسى بن عبد الرحمن","footnotes":"(¬١) الميزان: ٤/ ١٩٩.\r(¬٢) تنزيه الشريعة: ٢/ ٣٢٢، ولعل هذه الجملة سقطت من النسخة المطبوعة من الميزان.\r(¬٣) الموضوعات: ٣/ ١٧٥، ووقع في الإسناد في النسخة المطبوعة خطأ والتصويب من اللآلي.\r(¬٤) قاعدة في التوسل: ٨٨، يعني بالأول طريق موسى بن عبد الرحمن المروزي.\r(¬٥) المجروحين: ٢/ ٨٨.\r(¬٦) الدعاء للطبراني: ٣/ ١٤٢٢ رقم ١٣٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049129,"book_id":1098,"shamela_page_id":777,"part":"2","page_num":803,"sequence_num":777,"body":"الصنعاني المفسر، حدثني ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس (ح) وحدثنا (¬١) مقاتل بن حيان عن مجاهد عن ابن عباس، وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين قال فيه ابن حبان: دجال يضع الحديث، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير جمعه من عطاء كلام الكلبي ومقاتل بن سليمان وألزقه بابن جريج عن عن ابن عباس، ولم يحدث به ابن عباس ولا عطاء سمعه ولا ابن جريج سمع من عطاء (¬٢).\rوقال ابن عدي: منكر الحديث (¬٣).\rوقال الذهبي: مشهور هالك (¬٤). وقال فيه أيضاً: دجال (¬٥).\r\rمرسل الزهري:\rوهو ما روي من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري، حدثنا أبو الأشعث حدثنا زهير بن العلاء العتبي (¬٦) حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري ورفع الحديث قال: \"من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره في آخر الآيام السبعة على هؤلاء الكلمات. . .\" (¬٧).","footnotes":"(¬١) قوله وحدثنا معطوف على حدثني ابن جريج فيكون من كلام الصنعاني وليس من كلام الطبراني كما ظنه محقق كتاب الدعاء فحكم على الإسناد بالانقطاع.\r(¬٢) المجروحين: ٢/ ٢٤٢.\r(¬٣) الكامل: ٦/ ٣٣٤٨.\r(¬٤) المغني للضعفاء: ٢/ ٣٣٤.\r(¬٥) ديوان الضعفاء ص: ٣١١ رقم ٤٢٩١.\r(¬٦) هكذا في الأصل والذي في تهذيب الكمال: ١/ ٤٨٨، زهير بن العلاء القيسي.\r(¬٧) عزاه شيخ الإسلام في القاعدة ص: ٨. إلى أبي الشيخ الأصبهاني كما عزاه إلى أبي موسى المديني في أماليه وأبي عبد الله المقدسي وذكر أن إخراج هؤلاء لهذا الحديث الموضوع على عادة المتقدمين من ذكر جميع ما في الباب من دون تقيد بالصحيح ولا يدل على أنهم يعتقدون ثبوته وإنما هم يجعلون العهدة على الناقل لذكرهم الإسناد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049130,"book_id":1098,"shamela_page_id":778,"part":"2","page_num":804,"sequence_num":778,"body":"وهذا مرسل أيضاً موضوع. فإن زهير بن العلاء قال فيه أبو حاتم: أحاديثه موضوعة (¬١).\rوقال شيخ الإسلام بعد أن ساق إسناد مرسل الزهري: \"وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء\" (¬٢).\rثم إن العلماء ذكروا أن مراسيل الزهري من أضعف المراسيل قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنَّه حافظ كلما قدر أن يسمي سمي، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه وقال فيه وفي مرسل قتادة: هو بمنزلة الريح (¬٣) وقال ابن معين: مراسيل الزهري ليس بشيء (¬٤).\rوالحاصل أن هذا الحديث موضوع بكل طرقه لأن في كل الطرق أحد الوضاعين.\rوقد أصاب ابن الجوزي في حكمه عليه بالوضع (¬٥) وتبعه السيوطي (¬٦) وابن عراق (¬٧)، وقبلهما شيخ الإسلام (¬٨).\rهذا ما يتعلق بالإسناد.\rوأما من ناحية المتن ففي بعض طرقه أنه يكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحفة قوارير بعسل وزعفران وماء مطر.","footnotes":"(¬١) الميزان: ٢/ ٨٣، والمغني: ١٠/ ٣٥١، وأبو الأشعث هو أحمد بن المقدام وثقوه إلا أن أبا داود تركه لمزاح فيه الميزان: ١/ ١٥٨ ولم أطلع على ترجمة الجوهري ويوسف بن يزيد.\r(¬٢) قاعدة في التوسل ص: ٨٨.\r(¬٣) جامع التحصيل ص: ٨٧.\r(¬٤) المراسيل لابن أبي حاتم ص ٣، وتقدمه الجرح والتعديل ص: ٢٤٦.\r(¬٥) الموضوعات: ٣/ ١٧٤ - ١٧٥.\r(¬٦) اللآلي المصنوعة: ٢/ ٣٥٧.\r(¬٧) تنزيه الشريعة: ٢/ ٣٢٢.\r(¬٨) قاعدة في التوسل: ٨٧ - ٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049131,"book_id":1098,"shamela_page_id":779,"part":"2","page_num":805,"sequence_num":779,"body":"وهذا دليل آخر على وضعه.\rفكتابة القرآن والأدعية بالزعفران والعسل من التلاعب بالقرآن الكريم، ولم يعهد في شيء من الأحاديث الصحيحة كتابة الرقى بهذه الكيفية، وإنما يفعل هذا المشعوذون الدجالون الأكالون لأموال ضعفاء العقول، وقد يكون هذا من وضع بعض أهل الأهواء فقد روى الكليني في الكافي هذا الدعاء عن أبي عبد الله الصادق بهذه الكيفية (¬١)، فكتابة الحروز والاعتقاد بالخرافات منتشر بين هؤلاء ثم تتسرب هذه الاعتقادات إلى عوام المسلمين بطريق المتصوفة، كما أن الوضاعين للحديث يسرقون هذه الأحاديث التي عندهم ثم يركبون لها أسانيد أخر.\r\rومن الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها ما روي مرفوعاً: \"إذا كانت لكم إلى الله حاجة فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم\".\rقد احتج بهذا الحديث الموضوع بعضهم (¬٢) على جواز التوسل بالنبي ﷺ وهذا الحديث حكم عليه الحفاظ بالوضع والبطلان، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: \"حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث\" (¬٣). وقال أيضاً: \"وهو كذب موضوع من الأحاديث المشينات التي ليس لها زمام ولا خطام\" (¬٤).\rوقال الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى-: \"لا أصل له\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) الكافي: ٢/ ٤١٩، ونحوه في المصباح للكفعمي ص: ١٩٧.\r(¬٢) قد احتج به العزامي في البراهين: ٤٣٧، وصاحب بغية المستفيد كما في التيجانية ص: ١٦٩، وذكر شيخ الإسلام أنهم يروونه في التوسل كما في الاقتضاء: ٤١٥، والرد على البكري: ٤٥.\r(¬٣) الرد على البكري ص: ٤٥، والقاعدة الجليلة ص: ١٢٩، ١٤٧، والفتاوى: ١/ ٣٤٦، ٣١٩.\r(¬٤) الرد على البكري: ١١ - ١٢، واقتضاء الصراط: ٤١٥، والفتاوى: ١٢٦/ ٢٧ و ٢٤/ ٣٣٥.\r(¬٥) السلسلة الضعيفة: ١/ ٣٠/ ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049132,"book_id":1098,"shamela_page_id":780,"part":"2","page_num":806,"sequence_num":780,"body":"وقال الألوسي: لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو شيء في كتب الحديث (¬١).\rوقد أراد سلامة العزامي أن يقويه بأنه ثابت المعنى وإن لم يرد التصريح بخصوص هذا اللفظ وأن المختار جواز الرواية بالمعنى متى صح فهم الراوي وحسنت معرفته بالعربية (¬٢)، ويلزم على قوله هذا صحة رواية الأحاديث الموضوعة إذا صح معناها واستقامت ألفاظها، والقول بهذا في غاية الخطورة لأمور:\r١ - إن هذا ليس من رواية الحديث بالمعنى في شيء؛ لأن ذلك حيث يثبت الحديث لكن الراوي لا يستحضر لفظه فيجوز له روايته بالمعنى، وأما هذا الحديث المزعوم فلم يرد بهذا اللفظ ولا بمعناه حتى يصح روايته بالمعنى.\r٢ - إن هذا الكلام قول من يقول: إنه يجوز نسبة كل كلام حسن إلى رسول الله ﷺ.\rوهذا المذهب هو مذهب الكرامية وهم يجيزون الوضع في الترغيب والترهيب (¬٣).\r٣ - إن هذا خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم كما قاله النووي (¬٤). وذلك لأنَّه داخل في عموم قوله ﷺ: \"من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار\" (¬٥). وفي رواية: \"من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار\" أخرجها البخاري من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ (¬٦).\r٤ - إن هذا الحديث بعد ثبوت وضعه لا يجوز الاستدلال به بأي","footnotes":"(¬١) روح المعاني: ٦/ ١٣٧ ولعله نقله عن شيخ الإسلام.\r(¬٢) البراهين الساطعة: ٤٣٧.\r(¬٣) الموضوعات لابن الجوزي: ١/ ٩٦، وفتح المغيث: ١٢/ ٢٦٤، والوضع لفلاتة: ١/ ٣١٠ - ٣١٦.\r(¬٤) تقريب الإرشاد: ١/ ٢٨٤.\r(¬٥) حديث متواتر كما في الفتح: ١/ ٢٠٣.\r(¬٦) البخاري: ١/ ٢٠١ رقم ١٠٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049133,"book_id":1098,"shamela_page_id":781,"part":"2","page_num":807,"sequence_num":781,"body":"حال لا بلفظه ولا بمعناه، والعلماء الذين أجازوا العمل بالضعيف لا يجيزون العمل بالموضوع بأي حال.\r٥ - هذا الحديث يشبه ما يأمر به الصوفية مريديهم من أن يتوسلوا بجاههم أو جاه غيرهم وقد يصل الحال ببعضهم إلى الأمر بدعائه أو بدعاء قبره بعد الوفاة (¬١).\rومما يشبه هذا الحديث الموضوع ما نقل عن الشاذلي أنه قال: \"إذا عرضت لكم إلى الله حاجة فتوسلوا إليه بالإمام أبي حامد\" (¬٢).\rومما ينبغي أن يعلم أن الحكم بوضع هذا الحديث ليس معناه نفي جاهه ﷺ فإن جاهه ﷺ ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى موسى بقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقال في عيسى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله ﷿ فكيف بسيد ولد آدم صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب الكوثر والحوض المورود وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا، ذو الجاه العظيم ﷺ وآله؟ ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع أحد إلا بإذنه (¬٣).\r\rمن الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها:\r\" إذا أعيتكم الأمور -أو إذا تحيرتم في الأمور- فعليكم بأصحاب القبور، أو فاستعينوا بأهل القبور\".\rقد احتج به بعضهم (¬٤) على الاستغاثة بأصحاب القبور عند","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص: ٤٧٠.\r(¬٢) أبو الحسن الشاذلي ص: ٥٣.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ١/ ٣١٩ - ٣٢٠.\r(¬٤) قد احتج به البريلوي في الأمن والعلى ص: ٤٤ كما ذكره الشيخ إحسان في البريلوية ص: ٦٠، واحتج به أيضاً الملا الداجوي كما في إرشاد الناظر ص: ٣٣، ٣٠٩، ٣١٠، وأيده بآية: ﴿وَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049134,"book_id":1098,"shamela_page_id":782,"part":"2","page_num":808,"sequence_num":782,"body":"المدلهمات وحدوث النائبات، وهذا الحديث موضوع باتفاق أهل الحديث.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة\" (¬١).\rوقال أيضاً: \"هذا مكذوب باتفاق أهل العلم لم يروه عن النبي ﷺ أحد من علماء الحديث\" (¬٢).\rكما أن شيخ الإسلام عده من الأحاديث المكذوبة التي هي من جنس أكاذيب الرافضة (¬٣).\rوذكره ابن القيم من الأحاديث المكذوبة التي وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ وهي تناقض دينه وما جاء به (¬٤).\r\rومن الأحاديث الموضوعة التي احتجوا بها:\r\" لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه\" وفي لفظ: \"لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به\".\rهذا الحديث من الأحاديث المشتهرة على الألسنة التي يستدلون بها على جواز دعاء غير الله تعالى، ولشهرته على الألسنة وضعه السخاوي في المقاصد الحسنة (¬٥).\rوقد حكم الحفاظ عليه، بالوضع، فممن حكم عليه بالوضع شيخ الإسلام (¬٦).","footnotes":"=وانظر في حكاية استدلالهم به: معارج الألباب: ٢٠٣، وكتب شيخ الإسلام الآتية في الأرقام التالية.\r(¬١) قاعدة في التوسل ص: ١٥٢، أو المطبوعة ضمن الفتاوى: ١/ ٣٥٦.\r(¬٢) الرد على البكري: ٣٠٢ - ٣٠٣، ونحوه في اقتضاء الصراط: ٣٣٧.\r(¬٣) منهاج السنة: ١/ ٤٨٣.\r(¬٤) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧.\r(¬٥) انظر المقاصد الحسنة ص: ٣٤١ رقم ٨٨٣.\r(¬٦) منهاج السنة: ١/ ٤٨٣، ونقل حكمه هذا في المقاصد: ٣٤١، وفي الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة ص: ١٠٧ رقم ١٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049135,"book_id":1098,"shamela_page_id":783,"part":"2","page_num":809,"sequence_num":783,"body":"وابن القيم فقد ذكره من جملة الأحاديث الموضوعة التي بسببها انتشر الشرك وأنَّه من وضع المشركين عباد الأوثان (¬١).\rكما ذكره من الأحاديث التي وضعها أشباه عباد الأصنام من المقابرية والتي تناقض دين الإسلام، والله بعث رسوله ﷺ بقتل من حسن ظنه بالأحجار (¬٢).\rوقال الحافظ ابن حجر: لا أصل له (¬٣).\rونقل السخاوي كلام شيخ الإسلام والحافظ فأقره (¬٤).\rونقل الملا علي القاري كلام السخاوي وابن تيمية فأقره (¬٥).\rوحكم عليه بالوضع الشيخ الألباني أيضاً (¬٦).\rثم إن هذا الحديث وأمثاله هو الذي بسببه صار كثير من الناس يحسنون الظن بالكهنة والمشعوذين والدجالين، ولو كان مشركاً كافراً مجاهراً بذلك، ومع هذا يزورونه وينذرون له ويلتمسون دعاءه وبركته (¬٧) تحسيناً للظن.\rوبهذا القدر نكتفي في مناقشة أدلتهم من الأحاديث الواهية والموضوعة، ونبدأ في مناقشة شبههم من الحكايات والمنامات والعقليات، وبالله نستعين وعليه نتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.","footnotes":"(¬١) المنار المنيف ص: ١٣٩ رقم ٣١٩.\r(¬٢) إغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧.\r(¬٣) المقاصد الحسنة ص: ٣٤١ رقم ٨٨٣.\r(¬٤) المرجع نفسه ص: ٣٤١.\r(¬٥) المصنوع من معرفة الحديث الموضوع ص: ١٤٧ رقم ٢٤٨.\r(¬٦) السلسلة الضعيفة: ١/ ٤٥٢ رقم ٤٥٠.\r(¬٧) انظر زاد المعاد: ٥/ ٧٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049136,"book_id":1098,"shamela_page_id":784,"part":"2","page_num":810,"sequence_num":784,"body":"المبحث الثالث في الحكايات والمنامات والنظريات\rتمهيد في الجواب الإجمالي:\rومما لا شك فيه أن الحكايات لها أثر كبير في انتشار الأدعية الشركية والبدعية، وقد كان كثير من الناس يصدق تلك الحكايات والمنامات ويحتج بها على صحة تلك الأدعية الباطلة ومشروعيتها، كما أن كثيراً من سدنة الأضرحة يختلقون تلك الحكايات ليكثر سواد الزائرين ضعفاء العقول. وقد تقدم ذكر (¬١) أثر الحكايات والسدنة في انتشار الأدعية الشركية والبدعية. والمقصود هنا مناقشة احتجاجهم بتلك الحكايات وبيان عدم حجيتها، وقبل الخوض في ذكر بعض تلك الحكايات نذكر الجواب الإجمالي عن الاحتجاج بالحكايات والنظريات، فنقول وبالله التوفيق:\r\r١ - الجواب الإجمالي:\rأ - إن الله ﷾ أكمل دينه وأتم شرعه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فلا يقبل في دين الله تعالى إلا ما دل عليه الكتاب والسنة أو أجمعت عليه الأمة.","footnotes":"(¬١) ٤٤٧، ٤٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049137,"book_id":1098,"shamela_page_id":785,"part":"2","page_num":811,"sequence_num":785,"body":"وأما الحكايات والمنامات فليست من الأدلة الشرعية عند أهل العلم، وكذلك القياس لا يدخل في العبادات لكون مبناها على التوقيف \"وإنما المتبع عند علماء الإسلام في إثبات الأحكام هو كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ وسبيل السابقين الأولين، ولا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصاً أو استنباطاً بحال\" (¬١).\rب - إن أغلب هذه الحكايات والمنامات لا تصح عمن نقلت عنه وإنما هي من اختلاق الدجالين الأكالين لأموال الناس، الذين لا يهمهم إلا قبض النذور والدجل على ضعاف العقول واختلاق الإفك والكذب والزور.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"المنقول في ذلك إما أن يكون كذباً على صاحبه مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي ﵀\" فذكر الحكاية التي تأتي والتي تقول: إنه يتبرك بقبر أبي حنيفة. ثم قال: \"وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف\"، ومن المعلوم أننا لا نقبل مثل هذه الحكايات المجهولة الإسناد في الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ فكيف بالمنقول عن غيره؟ (¬٢).\rجـ - ثم إن هذه الحكايات لو صحت إلى أصحابها فلا يمكن أن تكون حجة أيضاً لعدة وجوه:\r١ - يحتمل أنها فهمت عنهم فهماً غير صحيح، فآفة الأخبار رواتها، فيمكن أن تلك الحكايات دخل فيها زيادة أو نقصان أو تأويل على وجه لم يرده أصحابها.\rفيحتمل أن صاحب الحكاية قالها أو فعلها \"بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط ص: ٣٤٤، ٣٥٢، ومصباح الظلام: ٣٠٣، والصارم ٣٢٣.\r(¬٢) اقتضاء الصراط: ٣٤٣ - ٣٤٤، ومنهاج السنة: ٢/ ٤٥١ و ٣/ ٤٩١، وقاعدة في التوسل: ١٥٤.\r(¬٣) اقتضاء الصراط: ٣٤٤، ٣٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049138,"book_id":1098,"shamela_page_id":786,"part":"2","page_num":812,"sequence_num":786,"body":"٢ - كما يحتمل أن صاحبها قد اجتهد وأخطأ لأنها محكية عن غير معصوم، والحكايات كما قال ابن كثير ﵀: \"قصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره لأنَّه يجوز عليه الخطأ\" (¬١) وقال شيخ الإسلام في معرض بيان حجة هؤلاء: \"إن عمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، إما أن يكون كذباً عليه وإما أن يكون غلطاً منه، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى\" (¬٢).\r٣ - كما يحتمل أنها من تخييل الشيطان لهم فإنه كثيراً مَّا يلبس على الصالحين بتخييل الحكايات والكرامات لهم، وقد يقضي بعض حوائج من استغاث بالأموات وقد يتراءى لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، وقد تقدم ذكر (¬٣) هذا، وقال الصغاني بعد ذكر الأدعية المبتدعة: \"والشيطان في أكثر الأحيان يظهر لتلك الأسماء تأثيرات ومنافع لأجل تغرير الجهال وافتتانهم\" (¬٤).\rوالحاصل أن تلك الحكايات إن صحت عن أصحابها فلا يستقيم الاحتجاج بها، بل ينبغي الرد عليهم وبيان الحق في ذلك بدون محاباة لهم، قال ابن الجوزي في معرض رده على حكايات الصوفية: \"وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم، فإن كان ذلك صحيحاً عنهم توجه الرد عليهم بدون محاباة في الحق، وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) البداية والنهاية: ١/ ٣١١ في مبحث قصة الخضر.\r(¬٢) الرد على البكري ص: ٣٥٢، والعبودية: ١٣٠ و ١٣٥ و ١٤٤.\r(¬٣) تقدم ص: ٤٤٧، وانظر روح المعاني: ٦/ ١٢٩.\r(¬٤) موضوعات الصغاني.\r(¬٥) تلبيس إبليس: ١٦٨ - ١٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049139,"book_id":1098,"shamela_page_id":787,"part":"2","page_num":813,"sequence_num":787,"body":"د - ثم إن مثل (¬١) هذه الحكايات موجود عند اليهود والنصارى والمشركين بكثرة، فهل يمكن أن نقبل منهم هذا في صحة مذهبهم؟ فكذلك فيما نحن بصدده لا يمكن أن نقبل الاحتجاج بمثل هذا.\rهـ - ثم إن هذه الحكايات -لو صحت من هؤلاء- تكون معارضة للقطعيات من الكتاب والسنة فتكون مردودة.\rو- إن العلماء (¬٢) رحمهم الله تعالى بينوا حكم مثل هذه الحكايات والمنامات وأنَّه لا يجوز إثبات حكم شرعي بالمنامات، حتى في رؤية النبي ﷺ الذي لا يتمثل به الشيطان كما ورد في الحديث (¬٣). وعللوا ذلك بأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي.\rوالحاصل أن شرع الله تعالى كامل وواضح وهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ضوئهما، وأما الحكايات والمنامات وكذا القياس في العبادات فخارجة عن شرع الله تعالى ودينه.\rز - إن أغلب تلك الحكايات تدور على أن الله قد استجاب لفلان عندما استغاث بالولي أو عندما دعا عند قبره إلى مثل هذه الحكايات.\rفهي تدور على الاستدلال بوقائع أجاب الله فيها الدعاء مع مخالفتها للشرع، وهذا لا يستقيم الاحتجاج به الأمور:\r١ - إننا قد ذكرنا فيما تقدم (¬٤) أن إجابة الدعاء من مقتضى ربوبية الله تعالى، فلهذا إن الله ﷾ قد يجيب الدعاء غير المشروع","footnotes":"(¬١) انظر هذا الوجه في اقتضاء الصراط: ٣٤٤، ومنهاج السنة: ١/ ٤٨٣، والجواب الباهر: ٦٢، وقاعدة في التوسل: ١٥٧.\r(¬٢) انظر شرح النووي لمسلم: ١/ ١١٥، وفتح الباري: ١٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥ و ٣٨٩.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ١٢/ ٣٨٣ من حديث أبي هريرة وأنس وأبي قتادة وأبي سعيد من رقم ٦٩٩٣، إلى ٦٩٩٧، ومسلم من حديث أبي هريرة وأبي قتادة وجابر: ٤/ ١٧٧٥ رقم ٢٢٦٦ - ٢٢٦٨.\r(¬٤) تقدم ص: ٢٣٣، ٢٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049140,"book_id":1098,"shamela_page_id":788,"part":"2","page_num":814,"sequence_num":788,"body":"فيجيب الله تعالى أحياناً دعاء المشركين، وقد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦] (¬١).\r٢ - إن الاستجابة (¬٢) التي تحصل في الدعاء غير المشروع قد يكون سببها اضطرار صاحبها واشتداد حاجته فيكشف الله عنه كربته لأن الله سبحانه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠]، وقد يكون سببها حسنة تقدمت منه جعل الله إجابة دعوته شكراً لحسنته، وقد يكون سببها أن صاحبها دعا بحرقة وانكسار وذلة وصدق لجأ فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لكون دعائه مشروعاً، أو أن الله يجيبه لمحض فضله ورحمته، أو أن الله يجيبه لكونه وافق ما قدره الله تعالى أو وافق وقت الإجابة، لا لأجل مشروعية دعائه.\r٣ - وقد يكون (¬٣) استدراجاً له، وفي ذلك هلاكه الأبدي، \"فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة\".\rقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].\r٤ - إن تأثير الدعاء (¬٤) غير المشروع لا يدل على إباحته فضلاً عن مشروعيته، فنحن نعلم أن السحر يؤثر حقيقة كما هو المذهب","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط: ٣٤٤ - ٣٤٥، ٣٢١، ٤١٣.\r(¬٢) المرجع نفسه: ٣٤٨، ٣٢٠، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧، والجواب الكافي ص: ١٣، وتحفة الذاكرين: ١٧٧.\r(¬٣) اقتضاء الصراط: ٣٤٨، ٤١٤، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٦٧، وتحفة الذاكرين ص: ١٧٧، وروح المعاني: ٦/ ١٢٩، وعنه في جلاء العينين ص: ٥٧٤.\r(¬٤) اقتضاء الصراط: ٣٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049141,"book_id":1098,"shamela_page_id":789,"part":"2","page_num":815,"sequence_num":789,"body":"الصحيح (¬١)، وهو كفر فلا ملازمة بين التأثير وبين المشروعية كما هو واضح.\r٥ - إن (¬٢) فساد هذه الأدعية يربو على مصلحتها، ونفعها قليل وإنما يستجاب لهم في النادر، ولا يبارك لهم حتى في نفس ذلك المطلوب، فهي فتنة في حق من لم يهده الله ولم يفرق بين الأمر الشرعي والأمر الكوني. فتبين بهذا أنه لا ملازمة بين إجابة الدعاء وحصول المقصود به وبين كونه مشروعاً، قال شيخ الإسلام ﵀: \"وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود مما يدل على أنه سائغ في الشريعة … فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحاً، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. . .\" (¬٣).\r\rالجواب التفصيلي لبعض تلك الحكايات:\rفمن تلك الحكايات التي يستدلون بها ويحتجون بها ويَدَّعُوْنَ وقوعَ الاستغاثة بالأموات في الصدر الأول.\r\rأثر مالك الدار:\rوهو ما روي عن مالك الدار -وكان خازن عمر على الطعام- قال: \"أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنكم مسقون وقل له: عليك الكيس","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٤٧، وفتح الباري: ١٠/ ٢٢٢، وتيسير العزيز: ٣٨٢.\r(¬٢) اقتضاء الصراط: ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٤٦.\r(¬٣) قاعدة في التوسل: ٩١ - ٩٢، أو الفتاوى: ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، وانظر الرد على البكري ص: ٢٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049142,"book_id":1098,"shamela_page_id":790,"part":"2","page_num":816,"sequence_num":790,"body":"الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر ﵁، ثم قال:\r\"يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه\"، وروى سيف بن عمر التميمي في الفتوح أن الذي رأى المنام هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة.\rقد استدل بهذا الأثر جماعة (¬١) على جواز طلب الدعاء من الرسول ﷺ بعد وفاته وقاسوا عليه غيره.\r\rالجواب عن هذا من وجهين:\rأ - الوجه الأول ما يتعلق بالإسناد.\rقد روي هذا الأثر من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار به أخرجه ابن أبي شيبة وغيره (¬٢).\rقد حكم على إسناد هذا الأثر الحافظ ابن كثير بالصحة حيث ذكر هذا الأثر من طريق البيهقي ثم قال: \"وهذا إسناد صحيح\" (¬٣).\rوأدق منه عبارة الحافظ ابن حجر فإنه قال: \"روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) منهم السبكي في شفاء السقام: ١٨٤ - ١٨٥، استدل به على جواز التوسل في البرزخ والهيتمي في الجوهر المنظم كما في شواهد الحق ص: ١٣٨، ودحلان في الخلاصة: ٢٤٢، ٢٥٨، والدرر: ٩، ٣٥، وعثمان بن منصور كما في مصباح الظلام: ٣٠٢، والعزامي في البراهين: ٤١١، والفرقان: ١٢٥، والكوثري في محق التقول: ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٩ والسمهودي في الوفاء: ٤/ ١٣٧٤، والغماري في إتحاف الأذكياء ص: ١٠، والرد المحكم ص: ٧٦، ١٩٧، والهرري في الصراط المستقيم: ٥٣، وصاحب المفاهيم: ٦٦ - ٦٧، والبوطي في السلفية: ١٥٥.\r(¬٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١١/ ٣١ - ٣٢ رقم ١٢٠٥١، والبيهقي في دلائل النبوة /، وابن أبي خيثمة في التاريخ والمعرفة.\r(¬٣) البداية والنهاية: ٧/ ٢٣ - ٩٤.\r(¬٤) فتح الباري: ٢/ ٤٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049143,"book_id":1098,"shamela_page_id":791,"part":"2","page_num":817,"sequence_num":791,"body":"فإن عبارة الحافظ إنما تفيد صحة الإسناد إلى أبي صالح السمان فقط، وذلك لأن مالك الدار مجهول الحال، وقد قال فيه كل من الحافظ المنذري والحافظ الهيثمي: لا أعرفه (¬١).\rوهذه الجهالة هي علة هذا الأثر كما ذكرها الشيخ الألباني -حفظه الله- وقال: \"إن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ١ - ٢١٣) ولم يذكر راوياً عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه -مع سعة حفظه واطلاعه- لم يحك فيه توثيقاً فبقي على الجهالة\" (¬٢).\rولكن يمكن أن يقال: إنه غير مجهول، فقد ذكره ابن حجر في الإصابة في القسم الثالث وهم الذين كانوا في عهد النبي ﷺ وقد أدركوا الجاهلية ولكن لم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا به ﷺ، وهم المخضرمون (¬٣)، وقال: \"له إدراك، وسمع من أبي بكر الصديق، وروى عن الشيخين ومعاذ وأبي عبيدة وروى عنه أبو صالح السمان وابناه عون وعبد الله ابنا مالك\" (¬٤) فهؤلاء ثلاثة رووا عنه، ثم ذكر الحافظ قصة مروية من طريق عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي عن مالك الدار، فهؤلاء أربعة من الرواة رووا عنه، فبهذا ترتفع عنه الجهالة، ويؤيد ذلك أن ابن سعد ذكره في الطبقة الأولى من التابعين في أهل المدينة، وقال: \"كان معروفاً\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر الترغيب للمنذري: ٢/ ٤٢، ومجمع الزوائد: ٣/ ١٢٥، والتوسل أنواعه: ١٣١.\r(¬٢) انظر التوسل أنواعه ص: ١٣٠.\r(¬٣) انظر مراد الحافظ بالقسم الثالث وتفسيره بهذا في مقدمة الإصابة: ١/ ٤.\r(¬٤) الإصابة: ٦/ ٢٦٨.\r(¬٥) طبقات ابن سعد: ٥/ ١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049144,"book_id":1098,"shamela_page_id":792,"part":"2","page_num":818,"sequence_num":792,"body":"وقال أبو عبيدة: \"ولاه عمر كيلة عيال عمر، فلما قدم عثمان ولاه القسم، فسمي \"مالك الدار\" وقال إسماعيل القاضي عن علي بن المديني: \"كان مالك الدار خازناً لعمر\" (¬١).\rوذكره خليفة في حلفاء بني عدي وقال: \"مولى عمر بن الخطاب\" (¬٢).\rويقال في سكوت ابن أبي حاتم (¬٣) والبخاري (¬٤) إن ذلك لا يستلزم جهالته، لا سيما إذا عرفه غيرهما.\rولكن يمكن أن يقال: إن ما سبق يفيد أنه ترتفع عنه جهالة العين فقط ولم ترتفع جهالة الحال إلا أنه يقال: إن قول ابن سعد وكان معروفاً يفيد رفع جهالة الحال لكنه غير صريح في التوثيق.\rولو سلمنا أنه مجهول الحال فقط يمكن أن يقال: إن مجهول الحال إنما يقبل حديثه عند الجمهور إذا لم يأت بما ينكر عليه، كما ذكره الذهبي (¬٥).\rوهنا قد أتي بما ينكر عليه، وتفرد بحادثة تتوافر الهمم على نقل مثلها. فتحصل من هذا أن علة هذا الأثر هو تفرد مالك الدار مع كونه مجهول الحال -بحادثة تعد من أهم الحوادث العظيمة- وهي مما تتوافر الهمم على نقله.\rوأما إعلاله (¬٦) بعدم علم سماع أبي صالح السمان من مالك الدار، وكذلك إدراكه له فقد يقال فيه: إنه سمع من بعض كبار الصحابة كسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وغيرهما، واللقاء ممكن لأن كليهما مدنيان ولا تضر","footnotes":"(¬١) الإصابة: ٦/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\r(¬٢) طبقات خليفة ص: ٢٣.\r(¬٣) الجرح والتعديل: ٨/ ٢١٣ رقم ٩٤٤.\r(¬٤) التاريخ الكبير: ٧/ ٣٠٤ رقم ١٢٩٥.\r(¬٥) الميزان: ٣/ ٤٢٦.\r(¬٦) انظر احتمال إعلال الأثر بهاتين العلتين في مفاهيمنا ص: ٦١ - ٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049145,"book_id":1098,"shamela_page_id":793,"part":"2","page_num":819,"sequence_num":793,"body":"عنعنته لأنَّه لم يوصف بالتدليس، فالإسناد على شرط مسلم في الاقتصار على إمكان اللقاء مع المعاصرة، ولكن لا يزال احتمال عدم السماع وارداً ما دام أننا لم نعلم تاريخ وفاة مالك، ولم يصرح أبو صالح بالسماع.\rوأما إعلاله (¬١) بعنعنة الأعمش لكونه مدلساً فقد يقال: إن الحافظ الذهبي ذكر أن الأعمش إذا روى عن كبار شيوخه الذين أكثر عنهم كأبي صالح السمان -كما هنا- وأبي وائل وإبراهيم النخعي، فإن روايته هذا المصنف تحمل على السماع (¬٢).\rفتبين من هذا أن أقوى العلل التي في الأثر تفرد مالك الدار بهذه الحادثة العظيمة مع جهالة حاله.\r\rالوجه الثاني: ما يتعلق بالمتن:\rأ - إن الذي يظهر -والله أعلم- أنه قد حصل زيادة في القصة وتغيير، ومما زيد فيها قصة مجيء الرجل إلى القبر، وهذه الزيادة ضعيفة منكرة، وإنما الذي يمكن أن يتقوى من الأثر هو رؤية الرجل المنام.\rويدل على هذا عدة أمور:\r١ - إن الإمام البخاري ﵀ ذكر هذا الأثر فاقتصر على قول عمر ﵁: \"يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه\" (¬٣) ولم يذكر مجيء الرجل إلى القبر، فهذا يدل على أن ذلك مما زيد في الرواية.\r٢ - ومما يدل أيضاً على أن قصة مجيء الرجل إلى القبر ضعيفة ما رواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر بن راشد عن إسماعيل أبي المقدام عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أصاب الناس سنة، وكان رجل","footnotes":"(¬١) انظر احتمال إعلال الأثر بهاتين العلتين في مفاهيمنا ص: ٦١ - ٦٢.\r(¬٢) الميزان: ٢/ ٢٢٤.\r(¬٣) التاريخ الكبير: ٧/ ٣٠٤ رقم ١٢٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049146,"book_id":1098,"shamela_page_id":794,"part":"2","page_num":820,"sequence_num":794,"body":"في بادية فخرج فصلى بأصحابه ركعتين، واستسقى ثم نام فرأى في المنام أن رسول الله ﷺ، أتاه وقال: اقرئ عمر السلام وأخبره أن الله قد استجاب لكم وكان عمر قد خرج فاستسقى أيضاً، وأمره فليوف العهد وليشد العقد، قال: فانطلق الرجل حتى أتى عمر فقال: استأذنوا لرسول رسول الله ﷺ قال: فسمعه عمر فقال: من هذا المفتري على رسول الله؟ فقال الرجل: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين فأخبره الخبر، فبكى عمر\" (¬١).\rوهذا الإسناد رجاله ثقات وابن عمير ثقة من أوساط التابعين من الثالثة (¬٢) ويمكن ادعاء لقائه عمر وأن فيه انقطاعاً والله أعلم.\rوفي إسماعيل أبي المقدام كلام لا يضر لأن معمراً عندما سئل عنه أشار إلى أنه لم يكثر من الرواية عنه لعدم إتيانه بالكلام على وجهه (¬٣)، وهنا من رواية معمر انتقى من أحاديثه ما أتى به على وجهه.\rفهذا الأثر يبين أن الرجل فعل المشروع وهو الخروج إلى الصحراء ثم الصلاة وطلب السقيا من الله تعالى، ولم يأت القبر، والذي رآه في المنام بعد فعل المشروع لا مانع منه من ناحية الشرع.\rوهذا يدل على أن الرواية التي فيها أنه أتى القبر غير صحيحة ولا يقال: إن هذه القصة غير تلك القصة وذلك لأن الحمل على التعدد شأن غير المحققين من المحدثين، الذين كلما رأوا اختلافاً في ألفاظ الحديث أو نوع اختلاف في المعنى حملوه على التعدد، وأما المحققون فلا يرون ذلك كما ذكره ابن القيم (¬٤) ﵀.","footnotes":"(¬١) مصنف عبد الرزاق: ٣/ ٩٣ - ٩٤.\r(¬٢) التقريب: رقم ٣٤٥٥.\r(¬٣) قد ذكر محقق كتاب الأسامي والكنى لأحمد - عبد الله الجديع كلاماً نفيساً فراجعه رقم ٢٦٨.\r(¬٤) زاد المعاد: ٣/ ٤٢، وشرح الطحاوية ص: ١٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049147,"book_id":1098,"shamela_page_id":795,"part":"2","page_num":821,"sequence_num":795,"body":"٣ - ومما يؤيد أثر عبدالله بن عبيد بن عمير رواية سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الأنس، فكان الناس بذلك حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله ﷺ: \"لقد عهدتك كيسًا وما زلت على ذلك فما شأنك؟ قال: متى رأيت هذا؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم قام، فقال: أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرًا غيره خير منه؟ فقالوا: اللهم لا، فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية. قالوا: صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين … وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيًا فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال:\r\"اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا … \" (¬١).\rفهذا الأثر - وإن كان ضعيفًا لأن سيف بن عمر قال فيه الحافظ: ضعيف الحديث عمدة في التاريخ أفحش ابن حبان القول فيه (¬٢) -إلا أنه يدل على أن ما يتوهم من عبارة الحافظ في الفتح (¬٣) من أن الرجل الذي أتى القبر هو بلال بن الحارث المزني - كما رواه سيف في الفتوح - غير صحيح لأن الحافظ لم ينقل لنا لفظ الأثر عند سيف كما هو، وفي الحقيقة الأثر يدلّ بوضوح وجلاء على أن بلالًا لم يأت القبر وإنما رأى","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري: ٣/ ٩٨، في حوادث سنة ١٨، وذكره ابن كثير في البداية: ٧/ ٩٣.\r(¬٢) التقريب: رقم ٢٧٢٤.\r(¬٣) فتح الباري: ٢/ ٤٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049148,"book_id":1098,"shamela_page_id":796,"part":"2","page_num":822,"sequence_num":796,"body":"رؤيا في المنام، وهو يؤيد ما تقدم من أثر ابن عمير وبهذا تسقط دعوى أن الرجل الذي أتى القبر صحابي وأن الحافظ صححه.\r٤ - ويشهد له أيضًا ما رواه سيف أيضًا عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلًا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة.\rوفيه أنه ذبح الشاة ورأى في المنام الرسول ﷺ وأمره بإتيان عمر (¬١) …\rفهذه الرواية -وإن كانت ضعيفة- إلا أنها تدل كسابقتها على أن الرجل لم يأت القبر وإنما رأى المنام فقط.\rب - وأما لو قلنا: إن الرواية لم يحصل فيها زيادة فنقول في الجواب:\r١ - إنها على فرض صحتها لا يصح الاستدلال بها لأن الرجل الذي فعل لم يعرف من هو؟ وحتى لو عرف فلا حجة في فعل آحاد الصحابة إذا خالف السنة كما هنا وقد تقدم ذلك (¬٢)، ولا يقال إن عمر (¬٣) أقره لأنه ربما لم يخبره بالمجيء إلى القبر وإنما أخبره بالرؤيا فقط وليس في الرواية أنه أخبره بالمجيء إلى القبر.\r٣ - إن مجيء الرجل إلى القبر يخالف السنة التي شرعها رسول الله ﷺ وهي الخروج إلى الصحراء للاستسقاء.\rوهكذا فعل الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة فلم ينقل أنهم يستسقون بالمجيء إلى القبر.","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في تاريخه: ٣/ ٩٩، وذكره ابن كثير في البداية: ٧/ ٩٣ - ٩٤، ولكن هذه الرواية فيها نكارة من جهة أخرى إذ فيها أن الرجل قال مناديًا: يا محمداه إلا أن يحمل على ما تقدم في ص: ٧٥٣ من أن مثل هذا النداء لا يقصد به الا سماع، وقد عرفت أن الأثر ضعيف.\r(¬٢) تقدم: ٧٤٤.\r(¬٣) مصباح الظلام ص: ٣٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049149,"book_id":1098,"shamela_page_id":797,"part":"2","page_num":823,"sequence_num":797,"body":"٤ - إنها لو صحت يدل قوله ﷺ: \"عليك الكيس الكيس\" على أنه ﷺ أمر عمر بالمشروع وهذا هو الذي فهمه عمر من الرؤيا، حيث أسرع في الاستسقاء بالناس على الوجه المشروع.\r٥ - ثم إن الرؤيا ليست من الأدلة الشرعية كما هو معروف ولا يقال (¬١) يستدل بإقرار النبي ﷺ على فعله حيث لم يؤنبه في المنام - لأنه ﷺ كان في الدنيا ربما يعطي السائل المسألة وهو كاره له، وقد قال في حديث عمر بن الخطاب ﵁: \"إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل\" (¬٢).\rوقد علم أن الدعاء غير المشروع قد يجاب لأسباب ككون الداعي مضطرًا أو ما يخشى عليه من الفتنة إذا لم يستجب له (¬٣)، فلهذا فهذه الرؤية على فرض وقوعها - بعد الذهاب إلى القبر - لا تدل على تحسين النبي ﷺ وإقراره لعمل الرائي من المجيء إلى القبر والطلب منه الاستسقاء.\r\rأثر فتح الكوة:\rوهو ما روى أن أهل المدينة قحطوا قحطًا شديدًا فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوًا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطروا مطرًا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق.\rقد احتج (¬٤) به على جواز التوسل بالذوات ..","footnotes":"(¬١) المرجع السابق: ٣٠٣.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٧٣٠ رقم ١٠٥٦.\r(¬٣) اقتضاء الصراط ص: ٣٧٤، وانظر ص: ٨١٤.\r(¬٤) احتج به جماعة منهم البكري كما في الرد على البكري ص: ٢٧، والسبكي في شفائه ص: ١٨٣، والسمنهودي في وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٤، ودحلان في الدرر: ٢٢، وخلاصة الكلام: ٢٤٦، والعزامي في الفرقان: ١٢٥، والبراهين: ٤١٢، والغماري في الإتحاف ١٠، والرد المحكم: ٧٦ و ١٩٧، والعلوي في المفاهيم: ٦٦ - ٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049150,"book_id":1098,"shamela_page_id":798,"part":"2","page_num":824,"sequence_num":798,"body":"الجواب عن هذا الأثر من وجهين:\r\rالوجه الأول: ما يتعلق بنقد الإسناد:\rأخرج هذا الأثر الدارمي في سننه (¬١): حدثنا أبو النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبدالله قال: قحط أهل المدينة .. إلخ.\rفهذا الإسناد فيه عدة علل:\r١ - سعيد بن زيد فيه ضعف (¬٢).\r٢ - إن أبا النعمان محمد بن الفضل وهو الملقب بعارم قد اختلط، ولم يذكر الدارمي فيمن سمع منه قبل الاختلاط (¬٣).\r٣ - إن الأثر لو صح فهو موقوف، فلا حجة فيه لأنه يمكن أن يكون من قبيل الاجتهادات التي تقع من آحاد الصحابة، وقد تقدم أن فعل الصحابي إذا خالف السنة لا يحتج به (¬٤).\rوقد ذكر هذه العلل الثلاث (¬٥) الشيخ الألباني - حفظه الله - وبقي في الأثر علتان أخريان رابعة وخامسة (¬٦)، وهما:\r٤ - إن عمرو بن مالك النكري قال فيه ابن عدي في ترجمة أبي","footnotes":"(¬١) ١/ ٤٣ رقم ٩٣.\r(¬٢) فقد ضعفه يحيى القطان والسعدي والدارقطني، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس كان يحيى بن سعيد لا يستمرئه. (انظر أحوال الرجال رقم ١٨٣، والكامل: ٣/ ١٢١٢، والميزان: ٢٨/ ١٣٨٢، والتهذيب: ٤/ ٣٣).\r(¬٣) انظر عن اختلاطه ومن روى عنه قبل الاختلاط في: الكواكب النيرات: رقم ٥٢ ص ٣٨٢ - ٣٩٣.\r(¬٤) تقدم ص: ٧٤٤.\r(¬٥) التوسل وأنواعه ص: ١٣٩.\r(¬٦) وقد ذكر العلة الخامسة شيخنا الشيخ حماد الأنصاري في تحفة القاري: ٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049151,"book_id":1098,"shamela_page_id":799,"part":"2","page_num":825,"sequence_num":799,"body":"الجوزاء: \"حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة\" (¬١).\rوهذا الأثر من روايته عنه فيكون غير محفوظ.\rوقال البخاري أيضًا في أبي الجوزاء: \"في إسناده نظر\" (¬٢).\rوقد ذكر الحافظ ابن حجر أن كلام البخاري هذا يحمل على رواية خاصة وهي رواية عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء والنكري ضعيف عنده (¬٣)، أي البخاري، وقال ابن حبان في ترجمة ابنه يحيى بن عمرو بن مالك النكري: \"كان منكر الرواية عن أبيه -يريد يحيى- ثم قال: ويحتمل أن يكون السبب في ذلك منه أو من أبيه أو منهما معًا، ولا نستحل أن يطلق الجرح على مسلم قبل الاتضاح، بل الواجب تنكب كل رواية يرويها عن أبيه لما فيها من مخالفة الثقات والوجود من الأشياء المعضلات، فيكون هو وأبوه جميعًا متروكين من غير أن يطلق وضعها على أحدهما .... \" (¬٤).\rفيفهم من هذا أن ابن حبان متوقف فيه لا يوثقه ولا يجزم بجرحه ومع هذا فقد ذكره في الثقات وقال: \"ويعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه (ت ١٢٩ هـ) يخطئ ويغرب\" (¬٥).\rولكن هذا ليس توثيقًا مطلقًا فإنه إنما يفيد أنه يعتبر به في المتابعات والشواهد ولا يفيد أنه يقبل تفرده.","footnotes":"(¬١) الكامل: ١/ ٤٠٢، والتهذيب: ١/ ٣٨٤، وفي الكامل المطبوع تصحيف والتصويب من التهذيب.\r(¬٢) التاريخ الكبير: ١/ ١٧٢، والعقيلي: ١/ ١٢٤، والكامل: ١/ ٤٠٢، والتهذيب: ١/ ٣٨٤.\r(¬٣) التهذيب: ١/ ٣٨٤.\r(¬٤) المجروحين: ٣/ ١١٤، وعنه في الأنساب للسمعاني: ١٣/ ١٧٥.\r(¬٥) الثقات لابن حبان: ٧/ ٢٢٨، والأنساب: ١٣/ ١٧٥، والتهذيب: ٨/ ٩٦. وزاد في النقل عن ابن حبان قوله: \"يخطئ ويغرب\" وهذا غير موجود في النسخة المطبوعة من الثقات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049152,"book_id":1098,"shamela_page_id":800,"part":"2","page_num":826,"sequence_num":800,"body":"وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (¬١) مما يوحي إلى جهالة حاله عنده.\rلكن ابن معين قال فيه: ثقة (¬٢).\rووثقه الذهبي أيضًا (¬٣).\rوقال الحافظ ابن حجر: \"صدوق له أوهام\" (¬٤).\rفتبين مما سبق أن النكري روايته عن أبي الجوزاء كما هنا، غير محفوظة كما قاله ابن عدي، وأنه ضعيف عند البخاري كما قاله الحافظ، ويعتبر به فقط عند ابن حبان على ما قاله في الثقات، ويتوقف في أحاديثه على ما مال إليه في المجروحين إذا كان من رواية ابنه عنه. ولم نجد له توثيقًا من المتقدمين إلا ابن معين، فيعارض هذا التوثيق بجرح البخاري وابن حبان وابن عدي وهم أكثر عددًا منه، وجرح بعضهم مفسر لاسيما إذا روي عن أبي الجوزاء، كما هنا فيقدم على توثيق ابن معين والذهبي وابن حجر.\rفتحصل من هذا أنه لا يقبل فيما تفرد به لاسيما عن أبي الجوراء كما هنا وإنما يعتبر به في المتابعات والشواهد.\r٥ - الانقطاع بين عائشة ﵂ وبين أبي الجوزاء أوس بن عبدالله الربعي فقد قال البخاري: \"في إسناده نظر\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) الجرح والتعديل: ٦/ ٢٥٩ رقم ١٤٢٧.\r(¬٢) سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين: رقم ٧١٠ ص ٤٤٥.\r(¬٣) الميزان: ٣/ ٢٨٦ رقم ٦٤٣٦، والمغني: ٢/ ٧٢ رقم ٤٧٠١.\r(¬٤) التقريب: رقم ٥١٠٤.\r(¬٥) التاريخ الكبير: ١/ ١٧٢، والعقيلي: ١/ ١٢٤، والكامل: ١/ ٤٠٢.\rوقد قال الذهبي: إن البخاري لا يقول فيه نظر إلا فيمن يتهمه \"الميزان: ١/ ٤١٦\" ولكن هذا ليس مطردًا كما هنا، فلهذا أول كلامه ابن عدي انظر في هذا المبحث: دراسات في الجرح والتعديل للأعظمي ص: ٢٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049153,"book_id":1098,"shamela_page_id":801,"part":"2","page_num":827,"sequence_num":801,"body":"وقد حمل ابن عدي كلام البخاري هذا على أنه يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده (¬١).\rوقال ابن عدي أيضًا: وأبو الجوزاء روى عن الصحابة ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم وأرجو أنه لا بأس به ولا يصحح روايته عنهم أنه سمع منهم (¬٢).\rوممن ذكر عدم سماعه عائشة الحافظ ابن عبدالبر، قال أبو عن زرعة ابن الحافظ العراقي: \"وذكر ابن عبد البر في التمهيد أنه لم يسمع من عائشة وحديثه عنها مرسل\" (¬٣) ونقله عن ابن عبدالبر أيضًا الحافظ في التهذيب فأقره (¬٤).\rفهؤلاء الحفاظ البخاري وابن عدي وابن عبد البر والعراقي وابن حجر يقررون عدم سماعه عائشة، فاتضح بهذا أن فيه انقطاعًا.\rوبهذه العلل الخمس يتبين ضعف إسناد الأثر ضعفًا شديدًا لأن الواحدة منها تكفي لرده فكيف وهي مجتمعة؟؟\r\rالوجه الثاني: ما يتعلق بنقد المتن:\rوأما ما يتعلق بنقد متن هذا الأثر فعلى وجوه:\r١ - إن هذا (¬٥) الأثر يخالف ما ثبت من الصحابة باتفاق أهل العلم من استسقائهم بالدعاء المشروع إما في المسجد في خطبة الجمعة ونحوها، وإما بالخروج إلى الصحراء وهذا ثابت عنهم قطعًا.","footnotes":"(¬١) الكامل: ١/ ٤٠٢، ومقدمة الفتح: ٣٩١ - ٣٩٢، والتهذيب: ١/ ٣٨٤.\r(¬٢) الكامل: ١/ ٤٠٢.\r(¬٣) تحفة المراسيل: ل ٣/ أ.\r(¬٤) التهذيب: ١/ ٣٨٤.\r(¬٥) انظر هذا الوجه الأول في الرد على البكري ص: ٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049154,"book_id":1098,"shamela_page_id":802,"part":"2","page_num":828,"sequence_num":802,"body":"ومن المعلوم أن من علامة وضع الحديث مخالفته للقطعي (¬١).\r٢ - ومما يبين (¬٢) كذب هذه الرواية أنه لم يكن في حياة عائشة للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا على ما كان على عهد النبي ﷺ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد (¬٣)، ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد وأدخلت الحجر في المسجد، ثم بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدارًا عاليًا، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف، وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بيّن.\r٣ - ولو صح (¬٤) هذا الأثر - لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه فأين هذا من هذا؟؟\r\rحكاية الإمام مالك مع المنصور:\rوهب ما روي من طريق يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، … فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبدالله، أأستقبل القبلة","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم: ص ٣٣٧.\r(¬٢) انظر هذا الوجه الثاني في الرد على البكري: ٦٧ - ٦٨ و ٢٨ - ٢٩.\r(¬٣) أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٤ رقم ٢، ومن طريقه البخاري: ٢/ ٦ رقم ٥٢٢، ومسلم: ١/ ٤٢٦ رقم ٦١١.\r(¬٤) انظر هذا الوجه الثالث في الرد على البكري ص: ٦٨ و ٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049155,"book_id":1098,"shamela_page_id":803,"part":"2","page_num":829,"sequence_num":803,"body":"وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ؟ فقال: ولِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعك الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ (¬١) [النساء: ٦٤] وقد احتج بهذه الحكاية جماعة (¬٢) على جواز التوسل بالذوات.\r\rمناقشة هذه الحكاية رواية ودراية:\rفأما رواية فإن في إسناد هذه الحكاية العلل التالية:\rالعلة الأولى: محمد بن حميد الرازي راوي الحكاية عن مالك متهم بالكذب، قال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزقاني: رديء المذهب، غير ثقة، وقال إسحاق بن منصور الكوسج: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان، وقال صالح بن محمد: كل شيء يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه، وقال أبو زرعة وابن وارة: صح عندنا أنه يكذب، وقد وثقه أحمد وابن معين، والراجح عدم توثيقه، وأما الذين وثقوه فعذرهم أنهم لم يعرفوه، قال ابن خزيمة عندما قيل له: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن","footnotes":"(¬١) أخرجه بإسناده القاضي عياض في الشفا: ٢/ ٥٩٥ - ٥٩٦.\r(¬٢) منهم البكري كما في الرد على البكري ص: ٢٤، والسبكي في شفاء السقام ص: ٨٤، ١٦٤، والسمهودي في وفاء الوفاء: ٤/ ١٣٧٦، ودحلان في الدرر: ١٠، والخلاصة: ٢٤٢، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٥٩، والكوثري في محق التقول ضمن المقالات: ٣٩١، والعزامي في الفرقان: ١١٨، والغماري في الرد المحكم: ٩٠، ١٩٧، وقد اعترف بضعف إسنادها إلا أنه قال: فقد تلقاها أهل المذهب بالقبول وعملوا بمقتضاها، كما احتج به الغماري في إتحاف الأذكياء: ١١ - ١٢، وقد اغتر بهذه الحكاية بعض من ليس على مذهب القبوريين. انظر المغني لابن قدامة: ٣/ ٥٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049156,"book_id":1098,"shamela_page_id":804,"part":"2","page_num":830,"sequence_num":804,"body":"أحمد قد أحسن الثناء عليه، قال: إنه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلًا (¬١).\rوالسبب في هذا أن الذين كذبوه هم أهل بلده من الخراسانيين الذين خبروا حاله عن كثب، ولعله عندما اجتمع بأحمد وابن معين ببغداد اختار لهم أحاديثه الصحيحة، ويدل لذلك قول ابن معين عندما سأل أبا حاتم الرازي: أي شيء تنقمون عليه؟ فأخبره السبب، فذكر ابن معين أنه عندما قدم أخذوا منه كتاب يعقوب القمي ففرقوا الأوراق وسمعوه (¬٢)، فهذا يدل على الرجوع عن توثيقه، وهناك رواية تدل على رجوع أحمد عن توثيقه ذكرها ابن حبان من طريق صالح بن أحمد أبيه (¬٣).\rوبهذا نصل إلى أن جرحه مقدم على توثيقه للأمور التالية:\r١ - إنه جرح مفسر.\r٢ - إن الذين جرحوه، بعضهم من أهل بلده وهم أخبر بحاله.\r٣ - ثم هناك ما يدل على أن الذين وثقوه رجعوا عن توثيقه عندما أخبروا بحاله الحقيقي.\rوبهذا يسقط اتهام الكوثري لابن عبد الهادي بإهمال كلام من أثنى عليه، وأنه يذكر الجرح ويغفل التعديل في الأدلة التي تساق ضد شذوذ شيخه (¬٤)، يعني ابن تيمية، هكذا زعم الكوثري، ولكن هذه التهمة ساقطة لأن ابن عبد الهادي من النقاد الكبار، يعرف أن ثناء من أثنى عليه لا قيمة له مع ثبوت الجرح المفسر فيتركه.","footnotes":"(¬١) أحوال الرجال: رقم ٣٨٢، والجرح والتعديل: ٧/ ٢٣٢، والكامل: ٦/ ٢٢٧٧، والمجروحين لابن حبان: ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤، وتاريخ بغداد: ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٤، والميزان: ٣/ ٥٣٠، والتهذيب: ٩/ ١٢٧ - ١٣١، والسير: ١١/ ٥٠٣.\r(¬٢) الجرح والتعديل: ٧/ ٢٣٢.\r(¬٣) المجروحين: ٢/ ٣٠٤.\r(¬٤) المقالات ص: ٣٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049157,"book_id":1098,"shamela_page_id":805,"part":"2","page_num":831,"sequence_num":805,"body":"ثم إن الكوثري نفسه رجح عدم توثيقه في مكان آخر فقال في المقالات: محمد بن حميد الرازي مختلف فيه، وقد كذبه كثيرون أشنع تكذيب (¬١).\rكما قال في موضع آخر: \"لا يحتج به عند كثيرين\" (¬٢).\rوما هذا إلا من التناقض العجيب الذي يقع فيه من يتبع الهوى.\rالعلة الثانية: الانقطاع بين ابن حميد هذا وبين مالك بن أنس الإمام فإنه لم يسمع من مالك ولم يلقه (¬٣) ويدل على هذا أمور:\r١ - أن مولده كما قال الذهبي في حدود الستين ومئة (¬٤) وتوفي مالك عام ١٧٩ هـ.\r٢ - ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه كما قاله شيخ الإسلام (¬٥).\r٣ - ويؤكد هذا أن أبا جعفر المنصور قد حج عدة مرات: في عام ١٤٠ هـ و ١٤٤ و ١٤٧ و ١٥٢، وهذه الأعوام هي التي يمكن أن يجتمع بمالك في المدينة، وأما حجته الأخيرة وهي عام ١٥٨ فقد توفي في الحج ولم يصل المدينة (¬٦)، ولا يمكن لابن حميد أن يحضر المناظرة في هذه الأعوام التي أشرنا إليها، لأنه لا يمكن أن يحضر المدينة في آخر قدمة قدمها المنصور وهو عام ١٥٢ لأمرين:\rالأول: أنه لم يولد إلا في حدود الستين كما قاله الذهبي، فهذه المناظرة على فرض صحتها قبل ولادته.","footnotes":"(¬١) المقالات ص: ٤٥٦.\r(¬٢) المصدر نفسه ص: ٥٨.\r(¬٣) الصارم ص: ٢٥٥.\r(¬٤) سير أعلام النبلاء: ١١/ ٥٠٣.\r(¬٥) قاعدة في التوسل: ٦٧.\r(¬٦) انظر البداية: ١٠/ ١٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049158,"book_id":1098,"shamela_page_id":806,"part":"2","page_num":832,"sequence_num":806,"body":"الثاني: لو فرضنا ولادته لا يمكن حضوره المناظرة لأنه لم يرحل إلا وهو كبير، وهو في خراسان، والقصة في المدينة.\rوقد حاول الكوثري نفي هذا الانقطاع بأن عمر ابن حميد عند وفاة مالك لا يقل عن نحو خمس عشرة سنة، وهذا الذي قاله يشهد عليه لا له، لأن المناظرة على فرض وقوعها حصلت على أكبر تقدير عام ١٥٢ هـ، وبين هذا التاريخ ووفاة مالك عام ١٧٩ هـ سبع وعشرون سنة، وباعترافه هذا فابن حميد ولد بعد المناظرة قطعًا، وليس من أهل المدينة ولم يرحل إلا بعد ما كبر وتوفي عام ٢٤٨ هـ.\rالعلة الثالثة: إن في الطريق إلى ابن حميد من ليس بمعروف كما قاله شيخ الإسلام (¬١).\rوقال ابن عبد الهادي: \"إسناد مظلم منقطع وهو مشتمل على من يتهم بالكذب، وعلى من يجهل حاله\" (¬٢).\rالعلة الرابعة: إن مالكًا ﵀ لو ثبت عنه -وهيهات ذلك- لم يسندها فهي مقطوعة فليس في ذلك حجة بل الحجة فيما ثبت بالكتاب والسنة.\rالعلة الخامسة (¬٣): إن محمد بن حميد تفرد برواية هذه الحكاية عن مالك، حيث لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه وهو ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته؟ وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون ضعفوا روايتهم وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه كثيرة رواها واحد من الخراسانيين","footnotes":"(¬١) قاعدة في التوسل ص: ٦٧.\r(¬٢) الصارم ص: ٢٥٨.\r(¬٣) انظر هذا الوجه في قاعدة التوسل: ٦٧ - ٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049159,"book_id":1098,"shamela_page_id":807,"part":"2","page_num":833,"sequence_num":807,"body":"لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟؟\rوقد قال الخطابي في مثل هذا: \"فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه -أي في الفقه- إلا ما كان من رواية ابن القاسم والأشهب وضربائهم من تلاد أصحابه، فإذا جاءت رواية عبدالله بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلًا … فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم في الأمر الأهم والخطب الأعظم؟ \" (¬١).\rويؤيد هذا الوجه أن من القواعد المقررة عند النقاد أن الشيخ إذا كان ممن يجمع حديثه ويشترك في الأخذ عنه كثيرون من الحفاظ المتقنين وذلك كمالك والثوري وشعبة والأعمش، ثم انفرد عن هؤلاء التلاميذ الحفاظ أحد من الرواة ولم يكن من الحفاظ المتقنين، فإن روايته ترد كما ذكره مسلم في مقدمة صحيحة (¬٢) وغير واحد من النقاد (¬٣).\r\rمناقشة هذه الحكاية دراية:\r١ - إن هذه (¬٤) الحكاية تخالف ما ثبت عن مالك ﵀ من نهيه عن الوقوف عند قبر النبي ﷺ.\rوهذا ثابت عن مالك بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره مثل العتبي. فقد ذكروا عن مالك أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك (¬٥). وقد حاول الكوثري تضعيف (¬٦) رواية إسماعيل القاضي بحكاية","footnotes":"(¬١) معالم السنن: ١/ ٤.\r(¬٢) مقدمة صحيح مسلم ص: ٧.\r(¬٣) انظر ما تقدم ص: ٧٦٥.\r(¬٤) انظر هذا الوجه في الرد على البكري: ٢٥، وقاعدة في التوسل: ٦٨ - ٧٠، ١٥٠.\r(¬٥) انظر مصادر هذه الرواية عن مالك في ص: ٥٤٧، ٦١١، ٦١٥.\r(¬٦) المقالات ص: ٣٩٣، فقد زعم أن إسماعيل القاضي لم يسندها وأنه عراقي وأن رواية المدنيين والمصريين تخالفه، فأما زعمه بأنه لم يسنده فهذا تخمين وظن فإنه =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049160,"book_id":1098,"shamela_page_id":808,"part":"2","page_num":834,"sequence_num":808,"body":"ابن حميد هذه وأن ابن وهب روى ما يخالفها وقد تقدم (¬١) أن رواية ابن وهب لا تخالف الرواية المشهورة. كما حاول الغماري الجمع بين الروايتين نقلًا عن غيره: بأن المنع من الدعاء عند القبر للعوام الذين يخاف عليهم سوء الأدب. وأن هذه الحكاية فيمن يعلم آداب الدعاء كالمنصور (¬٢).\rوهذا الجمع غير صحيح لأن هذه الحكاية غير ثابتة عنه حتى يجمع بينهما وبين ما ثبت مما يخالفها، ثم إن منع مالك عام يشمل الجميع فمن تأمل الألفاظ الواردة عن مالك في النهي عن الوقوف، يعرف أنه يمنع الوقوف عند القبر للدعاء مطلقًا، وأحكام الشريعة الغراء تأتي عامة شاملة لا تخص طائفة دون طائفة\r٢ - إن مالكًا (¬٣) ﵀ كان من أبعد الناس عن البدع، وقد كره قول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ (¬٤) وكره تتبع (¬٥) الآثار التي بالمدينة حتى كره زيارة قباء مع وروده، وكل ذلك للمحافظة على السنة، فإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن أن يأمر بما لم يثبت بالسنة من الدعاء عند القبر.\r٣ - إن (¬٦) هذه الرواية تخالف ما ثبت عن السلف، فالآثار الواردة","footnotes":"= لم ينقله عن كتاب المبسوط فإنه لم يذكر أنه رآه وقد نقل ابن تيمية وابن عبد الهادي عن الكتاب مباشرة وذكرا ما يفيد أنه أسنده، وأما زعمه أنه عراقي فهو أيضًا غير صحيح لأن إسماعيل لم ينفرد بهذا بل معه العتبي وغيره كما أن رواية ابن وهب المصري لا تخالفه كما نقل عنه ابن القار المصري كراهته التردد لأهل المدينة. انظر قاعدة التوسل ص: ٦٩.\r(¬١) تقدم ص: ٦١٣.\r(¬٢) الرد المحكم: ٩١، ووفاء الوفاء للسمهودي: ٤/ ١٣٧٧.\r(¬٣) انظر هذا الوجه في الرد على البكري ص: ٢٦ - ٢٧.\r(¬٤) تقدم ص: ٥٤٧.\r(¬٥) ذكره ابن وضاح في البدع ص: ٤٥.\r(¬٦) انظر في قاعدة التوسل ص: ١٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049161,"book_id":1098,"shamela_page_id":809,"part":"2","page_num":835,"sequence_num":809,"body":"عنهم تدل على أن هذا ليس من عملهم ولا عاداتهم، فلو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا أسبق إلى ذلك لحرصهم على الخير.\r٤ - إن لفظ (¬١) الرواية فيها ركاكة من الناحية اللغوية في قوله: \"استشفع به فيشفعك الله\" لأن الاستشفاع به معناه في اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع به يوم القيامة، وإذا كان المراد به الاستشفاع منه أي طلب شفاعته فإنما يقال: \"استشفع به فيشفعه الله فيك\" ولا يقال فيشفعك الله فيه.\rوهذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، فيقول أحدهم اللهم إنا نستشفع إليك بفلان أي نتوسل به وهذا ليس لغة السلف ولا لغة العرب.\r٥ - ثم إن عقد المناظرة بين العلماء والخلفاء غير معروف في التاريخ غالبًا لأن المناظرة إنما تعقد بين العلماء، وقد تكون في بعض الأحيان القليلة بحضور بعض الخلفاء وإشرافهم.\rوقد ذكر العلماء المناظرة بين مالك وأبي حنيفة وبين مالك وأبي يوسف بحضور بعض خلفاء بني العباس.\r٦ - ثم لو صحت (¬٢) هذه الحكاية يمكن أن يكون مالك نهى عن رفع الصوت في مسجده ﷺ، ويكون مالك آمرًا بما أمر الله به من توقيره وتعزيره ﷺ، لكن وقع تحريف في ألفاظ الحكاية.\rفعلي فرض صحتها ليس معنى التوسل الذي في الحكاية هو التوسل في الدنيا بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها مع أن أصلها ضعيف.\rوالحاصل (¬٣) أن هذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون في غاية","footnotes":"(¬١) انظر هذا الوجه في قاعدة التوسل ص: ٧٥ - ٨٠.\r(¬٢) انظر هذا الوجه في قاعدة ص: ٧٦ - ٧٧ و ٦٦.\r(¬٣) الصارم: ٢٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049162,"book_id":1098,"shamela_page_id":810,"part":"2","page_num":836,"sequence_num":810,"body":"الضعف والوهن مكذوبة على مالك أو تكون مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، فعلى كل تقدير فليس فيها حجة.\r\rحكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة رحمهما الله تعالى:\rوهي ما روي من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: \"إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم -يعني زائرًا- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى\" (¬١).\r١ - وقد احتج بهذه الحكاية جماعة (¬٢) على التوسل بالذوات والدعاء عند القبور.\rوسند هذه الحكاية ضعيف وليس بصحيح كما زعمه بعضهم (¬٣) وذلك لأن فيه عمر بن إسحاق بن إبراهيم، وهو غير معروف (¬٤). ثم إنه يظهر جليًا كذب هذه الحكاية من جهة المعنى، قال شيخ الإسلام ﵀: هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا.\r٢ - وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من","footnotes":"(¬١) تاريخ بغداد: ١/ ١٢٣.\r(¬٢) منهم دحلان كما في الخلاصة: ٢٥٢، والدرر: ٣٠، والكوثري في المقالات ص: ٣٨١، والسمنودي في سعادة الدارين: ١٨٧، والغماري في الرد المحكم ص: ٧٦، ١٩٨.\r(¬٣) وهو الكوثري في المقالات ص: ٣٨١.\r(¬٤) السلسلة الضعيفة: ١/ ٣١، وقال المعلمي: السند إلى الشافعي فيه مجاهيل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049163,"book_id":1098,"shamela_page_id":811,"part":"2","page_num":837,"sequence_num":811,"body":"قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده؟\r٣ - ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وغيرهما، لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره.\r٤ - ثم قد تقدم (¬١) عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها (¬٢).\r٥ - ومما يؤكد كذب هذه الحكاية ما ذكر من مجيء الشافعي إلى قبر أبي حنيفة كل يوم، وهذه مبالغة مكشوفة، إذ لا يتصور في العقل أن الشافعي ليس له عمل كل يوم إلا التردد إلى المقبرة، والوقوف لديها.\r\rحكاية التوسل بقبر موسى الكاظم:\rوهي ما روي عن الحسن بن إبراهيم الخلال يقول: \"ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله لي ما أحب\" (¬٣).\rاحتج بهذه الحكاية جماعة (¬٤) على جواز التوسل بالذوات والدعاء عند القبور.\r\rالجواب:\rإن الحكايات والمنامات لا تقوم بها حجة في شرع الله الذي أكمله الله وأتمه على لسان نبيه ﷺ، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٦١٨.\r(¬٢) اقتضاء الصراط المستقيم: ٣٤٣.\r(¬٣) أخرجه الخطيب في التاريخ: ١/ ١٢٠.\r(¬٤) منهم السمنودي في سعادة الدارين: ١٨٧، والغماري في الرد المحكم: ٧٦، ١٩٨، والكوثري في المقالات: ٣٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049164,"book_id":1098,"shamela_page_id":812,"part":"2","page_num":838,"sequence_num":812,"body":"وهذه الحكاية تؤكد ما سبق عند ذكر أسباب انتشار دعاء غير الله تعالى من أن الشيعة لهم أثر في نشر ذلك، إذ موسى الكاظم رحمه الله تعالى يَدَّعُون أنه من أئمتهم الإثني عشر، فاقتدى بهم جهال أهل السنة في التردد على مقبرتهم والدعاء عندها أو دعائها.\r\rشبهة (¬١) الوساطة والشفاعة:\r\rولهؤلاء المدافعين عن دعاء الموتى والاستغاثة بهم شبه نظرية أرادوا بها إثبات مشروعية نداء الأموات من دون الله تعالى والاستغاثة بهم، وهذه الشبه النظرية هي من باب قياس الخالق بالمخلوق مع عدم المماثلة، ومن تلك الشبه شبهة الوساطة والشفاعة:\rإذ قالوا نحن مذنبون بعيدون عن الله تعالى وليس لنا قدر ولا جاه عند الله فلذا نجعل أحبابه وأولياءه وسطاء بيننا وبينه، لما نعلم من أن لهم عند الله جاهًا ومنزلة وقدرًا فلا يرد شفاعتهم ووساطتهم، كما أن الملوك يتشفع لديهم بالمقربين لديهم من الوزراء والندماء وفي ذلك سلوك للأدب مع الله تعالى لعدم، أهليتنا لخطاب الله تعالى وعدم معرفتنا لآداب خطابه، كما أن ذلك في سرعة لقضاء حوائجنا (¬٢).\rالجواب من وجوه:\r\rالوجه الأول:\rإن هذه العقيدة هي عقيدة المشركين، فهم لا يعتقدون غير الوساطة والشفاعة لمعبوديهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا","footnotes":"(¬١) انظر الاحتجاج بهذه الشبهة في: شواهد النبهاني ص: ١٤٧، والخلاصة: ٢٥٦، والبراهين ص: ٤٠٨ - ٤١١، وعنه منتحلًا في مفاهيم ص: ٧٨ - ٨٠. وانظر في ذكر احتجاجهم بهذه الشبهة، تلبيس إبليس: ٣٩٣، ومؤلفات الشيخ: ١/ ١٥٥ - ١٦٥، ٣٦٧، ومصباح الظلام: ١٧٤، ١٧٦، وتطهير الجنان: ٥٦، وروح المعاني: ١٧/ ٢١٢.\r(¬٢) تفسير الرازي: ٢٦/ ٢٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049165,"book_id":1098,"shamela_page_id":813,"part":"2","page_num":839,"sequence_num":813,"body":"﴿يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].\rوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].\rقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: \"وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا: إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله، مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر فهذا هو المراد من قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ \" (¬١).\rفهذه الآية نص قاطع في أن عبادتهم لغير الله ليست إلا لشيء واحد وهو طلب القربى والزلفى إلى الله تعالى وذلك لأن الآية وردت بصيغة القصر والحصر وهي النفي والاستثناء ففي الآية حصر غرض عبادة الأولياء في التقريب إلى الله تعالى.\rوقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣].\rوقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨].\rوالقربان: ما يتقرب به إلى المعبود كما هو معروف وفسره به العلماء.\rوإنما قيل للآلهة قربانًا لما أنها غير مقصودة لذواتها ألا تراه يقول في غير هذا الموضع (شفعاء) ويحكى ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (¬٢).\rوقال تعالى في قصة صاحب آل يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [يس: ٢٣].\rفهذه الآيات قد دلت على أن مقصود المشركين الأوائل هو الشفاعة والوساطة لا غير.","footnotes":"(¬١) تفسير الرازي: ٢٦/ ٢٤١.\r(¬٢) معارج الألباب: ١٨٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049166,"book_id":1098,"shamela_page_id":814,"part":"2","page_num":840,"sequence_num":814,"body":"ثم إن الذين يدعون الملائكة والصالحين على عدة (¬١) أنواع وكلهم مجمعون على اعتقاد الشفاعة وهم أربع فرق:\r١ - ففرقة قالت: ليس لنا أهلية مباشرة دعاء الله ورجائه بلا واسطة تقربنا إليه وتشفع لنا لعظمته، فتوهموا أن عبادة الواسطة أشد في تعظيم الله من عبادته.\r٢ - وفرقة قالت: الأنبياء والملائكة ذو وجاهة عند الله ومنزلة عنده، فاتخذوا صورهم من أجل حبهم لهم ليقربوهم إلى الله زلفى.\r٣ - وفرقة جعلتهم قبلة في دعائها وعبادتها.\r٤ - وفرقة اعتقدت أن لكل صورة مصورة على صورة الملائكة والأنبياء وكيلًا موكلًا بأمر الله، فمن أقبل على دعائه ورجائه وتبتل إليه قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله وإلا أصابته نكبة بأمره تعالى.\rوالحاصل أن المشركين بأصنافهم من عبدة الملائكة والأنبياء والكواكب والأوثان والفلاسفة الذين يعتقدون في العلويات، كلهم يقصدون من دعائهم لمعبوديهم التقريب والوساطة، وإنما يدعون الأصنام والأوثان والهياكل باعتبار أنها تماثيل للصالحين وهي من وسائل التقريب فقط، وهذا حاصل عقيدتهم ومنتهى مزاعمهم، فلم يقولوا: إن المطلوب الذي يطلبونه صار رهينًا في أيدي الوسائط والشفعاء وأنهم مسلطون على الرفع والوضع والنفع والدفع والعطاء والمنع، ويدل على ذلك التعبير القرآني بالشفعاء والقربان والحكاية عنهم بيقربونا، وأن مصب إنكار الأنبياء عليهم هو اتخاذهم للشفعاء (¬٢).\rهذه الشبهة جاءت إليهم من قبل تعظيمهم في الظاهر الله تعالى وهي","footnotes":"(¬١) تفسير الرازي: ٢٦/ ٢٤١ و ١٧/ ٦٣ و ٢٧/ ١٣٠ و ١٣/ ٣٧ - ٣٩، والهدية السنية ص: ١٤، وتلبيس إبليس ص: ٥٠، ٣٧، والواسطة بين الحق والخلق ضمن الفتاوى: ١/ ١٣٥.\r(¬٢) معارج الألباب: ١٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049167,"book_id":1098,"shamela_page_id":815,"part":"2","page_num":841,"sequence_num":815,"body":"من كيد الشيطان. قال عبد الرحمن بن مهدي: \"قد هلك قوم من هذا الوجه قالوا: الله أعظم من أن ينزل كتابًا أو يرسل رسولًا وثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم قال: فهل هلكت المجوس إلا من جهة التعظيم، قالوا: الله أعظم من أن نعبده نحن ولكن نعبد من هو أقرب إليه منا فعبدوا الشمس وسجدوا لها فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (¬١)\rوقد اتضح مما سبق أن هؤلاء الذين يدعون الأموات لا فرق بينهم وبين المشركين السابقين، لاعتقاد الكل الشفاعة والوساطة دون الخلق والإيجاد.\rقال الرازي بعد أن ذكر عقيدة السابقين في الأصنام التي وضعت على صور الأنبياء والأكابر، قال: \"ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله\" (¬٢)\r\rالوجه الثاني:\rإن هذا الاعتقاد بالوساطة فيه مفاسد ومحاذير تهدم العقيدة وتزلزل أركانها من ذلك إساءة الظن بالله تعالى.\rوالاعتقاد بالوساطة يستلزم إساءة الظن بالله تعالى، وبعلمه وسمعه وجوده وكرمه وذلك أن الذي ظن أن الرب ﷾ لا يسمع له ولا يستجيب له إلا بواسطة تطلعه على ذلك، أو تسأل ذلك منه فقد ظن بالله ظن السوء، فإنه إن ظن أنه لا يعلم أو لا يسمع إلا بإعلام غيره له وإسماعه، فذاك نفي لعلم الله وسمعه وكمال إدراكه وكفى بذلك ذنبًا، وإن","footnotes":"(¬١) إبطال التأويل لأبي يعلى ق ١٦/ ب، وعلاقة الإثبات والتفويض لرضا نعسان ص: ٧.\r(¬٢) تفسير الرازي: ١٧/ ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049168,"book_id":1098,"shamela_page_id":816,"part":"2","page_num":842,"sequence_num":816,"body":"ظن أنه يسمع ويرى ولكن يحتاج إلى من يلينه ويعطفه عليه فقد أساء الظن بإفضال ربه وبره وإحسانه وسعة جوده.\rوقد قال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧] أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا عبدتم معه غيره وظننتم أنه يحتاج في الاطلاع على ضرورات عباده لمن يكون بابًا للحوائج إليه، وهذا بخلاف الملوك فإنهم محتاجون إلى الوسائط لعجزهم وقصور علمهم، فأما من لا يشغله سمع عن سمع وسبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة فما تصنع الوسائط عنده؟\rفمن اتخذ واسطة بينه وبين الله تعالى فقد ظن به أقبح الظن، ومستحيل أن يشرعه لعباده بل ذلك يمتنع في العقول والفطر (¬١).\rلأنه قد ثبت في العقول والفطر أن الله سبحانه هو المدبر لأمور الخلائق بدون الاستغاثة بأحد، وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأنه \"يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين\" (¬٢).\rوأي عقل سليم يترك هذا الرب الجليل ويترك الالتجاء إلى بابه ويطلب الوسطاء فإنه عقل مختل.\r٣ - ومن المحاذير التي في ذلك تشبيه الخالق بالمخلوق:\rوقد اعترفوا بهذا التشبيه في تجويزهم الوساطة وعللوا جوازها بأن الناس جبلوا على معرفة \"أن إكرام عبيد السلطان وأتباعه وتعظيمهم هو من","footnotes":"(¬١) تجريد التوحيد: ٣١ - ١٣، والجواب الكافي: ١٤٣، وإغاثة اللهفان: ١/ ٥٠، والواسطة ضمن الفتاوى: ١/ ١٢٦، والفتاوى: ٢٧/ ٧٤، والمدارج: ٣/ ٢٧.\r(¬٢) الواسطة بين الحق والخلق، وضمن الفتاوى: ١/ ١٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049169,"book_id":1098,"shamela_page_id":817,"part":"2","page_num":843,"sequence_num":817,"body":"أحسن وجوه التقرب إليه لقضاء حوائجهم عنده، وكلما كان ذلك العبد أو التابع أقرب له وأحب إليه كان إكرامه وتعظيمه والتوسل به إليه أقرب في نجاح الحاجة وحصول المقصود … \" (¬١).\rولا يخفى ما في هذا التشبيه من المفاسد العظيمة فالله ﷾ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يمكن أن يشبه بالملوك والرؤساء وقد علم أن الوسائط بين الملوك والناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة، وكلها مستحيلة في حق الله تعالى والوجوه الثلاثة هي:\r١ - لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه.\r٢ - أو يكون الملك عاجزًا عن تدبير الرعية فيحتاج إلى مساعد.\r٣ - أو يكون الملك لا يريد الخير لرعيته فيحتاج إلى من يحركه وينصحه (¬٢)، وهذه الأوجه الثلاثة مستحيلة في حق الله تعالى، والاعتقاد بالوساطة يستلزم هذه الأوجه.\r٤ - ثم من المحاذير التي في اعتقاد الوساطة أن ذلك الاعتقاد يلزم منه الخضوع والتذلل، والتأله من العبد لتلك الوسائط حتى ترفع أمره إلى الله تعالى.\rوهذا التأله قبيح في الشرع والعقل صرفه لغير الله تعالى (¬٣).\rفلو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب من يطلب الشفاعة والوساطة بسبب قسمته ذلك بينه ﷾ وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من يطلب شفاعته - لكفى في شناعة اعتقاد الوساطة (¬٤).","footnotes":"(¬١) شواهد الحق: ١٤٥.\r(¬٢) الواسطة بين الحق، وضمن الفتاوى: ١/ ١٢٦ - ١٢٧.\r(¬٣) تجريد التوحيد: ٣٣.\r(¬٤) إغاثة اللهفان: ١/ ٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049170,"book_id":1098,"shamela_page_id":818,"part":"2","page_num":844,"sequence_num":818,"body":"٥ - ومن المحاذير التي في ذلك أنه قول على الله بغير علم، حيث زعم هؤلاء أن الله وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل شيئًا بدون وساطتهم، فحولوا بذلك قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه ووجهوها إلى القبور وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ثم سموا هذا توسلًا إليه فهم يتقربون إليه بالشرك به ودعاء غيره من دونه أو معه (¬١).\rوهذا كله يدل على فساد قياس الذين قاسوا الخالق بالمخلوق الملك أو الرئيس فالملك يقبل الشفاعة تارة لحاجته إلى من يشفع إليه، وتارة لخوفه منه، وتارة لجزاء إحسانه ومكافأة له حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته وخدمه فإنه محتاج إليهم لأنه لو لم يقبل شفاعتهم لتضرر بذلك.\rوشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة أو حياء أو مودة أو غير ذلك، وهذا بخلاف الشفاعة عند الله فإنه سبحانه لا يخاف أحدًا ولا يرجوه ولا يحتاج إلى أحد (¬٢).\r\rالوجه الثالث:\rإن الله ﷾ لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار والله قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\rقال بعضهم: والسر في أن الله لم يقل: فقل إني قريب الآية، كما هو عادة أساليب القرآن في الجواب عن الأسئلة الموجهة للرسول ﷺ، السر في ذلك الإشارة إلى عدم الوساطة في الدعاء حيث لم يجعل الله الوساطة في الجواب على السؤال فكيف بالوساطة في الدعاء نفسه؟ (¬٣).","footnotes":"(¬١) تفسير المنار: ٢/ ٧٢ - ٧٣.\r(¬٢) الواسطة ضمن الفتاوي: ١/ ١٢٩، والفتاوى: ٢٧/ ٧٣، وإغاثة اللهفان: ١/ ١٧٣.\r(¬٣) تفسير الرازي: ٥/ ١٠٦، والأزهية: ٥/ ٢٨، وإتحاف السادة: ٥/ ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049171,"book_id":1098,"shamela_page_id":819,"part":"2","page_num":845,"sequence_num":819,"body":"وهذا مما يعلم فساده بالضرورة من دين الإسلام فإنه لا يوجد في الإسلام وساطة بين الله وبين خلقه، \"في الخلق والتدبير، والرَّزْقِ والإحياء والإماتة، وسماع الدعاء وإجابة الداعي، بل الرسل كلهم وأتباع الرسل متفقون على أنه لا يعبد إلا الله وحده فهو الذي يسأل ويعبد، وله يصلى ويسجد، وهو الذي يجيب دعاء المضطرين ويكشف الضر عن المضرورين، ويغيث عباده المستغيثين ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (¬١) [فاطر: ٣] \".\rومن هذا يتبين أن المسلمين بل الحنفاء جميعًا \"ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في العبادة والدعاء والاستغاثة بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة\" (¬٢).\rوالوساطة التي جعلها الله تعالى للأنبياء إنما هي في (¬٣) تبليغ رسالته وأمره ونهيه ووعده ووعيده كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] و [الكهف: ٥٦].\rوقال نوح ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١].\rومثل هذا ما أمر الله به خاتم رسله أن يقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ … ﴾ [الأنعام: ٥٠].\r\rالوجه الرابع\rثم إن هذه الشفاعة والوساطة التي يريدها هؤلاء من الأنبياء","footnotes":"(¬١) الرد على المنطقيين: ٥٣٧.\r(¬٢) الرد على البكري: ٣٠٠ - ٣٠١.\r(¬٣) انظر في هذا: الرد على المنطقيين: ٥٣٧ - ٥٣٨، والرد على البكري: ٣٠١، والواسطة بين الحق ص:، وضمن الفتاوى: ١/ ١٢٢ - ١٢٣، وملحق المصنفات ص: ٩٧، وتطهير الجنان: ٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049172,"book_id":1098,"shamela_page_id":820,"part":"2","page_num":846,"sequence_num":820,"body":"والصالحين لا يتصور من عباد الله الصالحين أن يشفعوا فيها ويطلبوا من الله ذلك، لأنهم ممتثلون لأمر الله تعالى فلا يفعلون ما لا يرضاه الله تعالى من الإشراك به.\rفإذا دعاهم رجل وتوسط بهم فهم لا يرضون ذلك فيتبرؤون منه ومن دعائه.\rولقد نهى الله تعالى النبي ﷺ والمؤمنين من الاستغفار للمشركين فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [براءة: ١١٣].\rوقال في دعوة نوح لابنه: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ (¬١) [هود: ٤٦].\rفتحصل من هذا أن الداعي إن كان مستحقًا للعقاب ورد الدعاء، فالنبي أو الصالح لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة (¬٢).\rثم إن الأنبياء والصالحين إنما يشفعون يوم القيامة بعد الإذن وهم يفعلون ذلك طاعة لربهم ورغبة في رضاه، فهم يشفعون لمن أذن لهم فيه وإن لم يطلب منهم (¬٣).\rالوجه الخامس: إن قولهم: نحن بعيدون عن الله ومذنبون .. إلخ.\rقول باطل من أقوال المشركين فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.\rوقد روي (¬٤) في سبب نزولها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، ربنا","footnotes":"(¬١) يراجع الواسطة ضمن الفتاوى: ١/ ١٣١.\r(¬٢) الفتاوى: ٢٧/ ٧٥.\r(¬٣) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١٠١ - ١٠٢.\r(¬٤) انظر ما تقدم في ص: ٢٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049173,"book_id":1098,"shamela_page_id":821,"part":"2","page_num":847,"sequence_num":821,"body":"قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية.\rوقد أمر الله تعالى العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته فيها بقولهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (¬١).\rفالعباد يخاطبون الله ﷻ في صلواتهم ودعواتهم بدون حجاب ولا واسطة توصل خطابهم إليه.\rالوجه السادس: شواهد الحال تكذب دعواهم فإن نية الشفاعة والوساطة \"على فرضها بعيدة الخطورة في البال، وشواهد هذا ظاهرة في حالاتهم تلك، بحيث إن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة وأقطار متباعدة، ونواحي متباينة -لما كانوا قد نشأوا لا يعرفون إلا ما وجدوا عليه من قبلهم من الآباء والشيوخ من هذه العقائد الوثنية والمفاسد - فتجدهم إذا شكى أحدهم على الآخر نازلة نزلت فلعله لا يخطر له في بال إلا: هل قد ذهبت إلى الولي … \" (¬٢).\rفقولهم: إننا نقصد بدعائهم التوسط والشفاعة والتوسل -بعيد عن واقع أحوالهم فالذي تدل عليه أحوالهم وأقوالهم أنهم يريدون من الولي الإجابة والإغاثة، إذ يرون له التصرف المطلق والعلم المحيط وغير ذلك.\rوإن كان هذا ليس عامًا في الجميع لأنه يكفي في المنع أن يحصل من البعض.\r\rبقية شبهة الشفاعة والوساطة:\rثم إنهم استدلوا على جواز طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين بل على جواز الاستغاثة ودعاء الموتى والغائبين بما ورد في أحاديث الشفاعة المتواترة من طلب الناس الشفاعة من الأنبياء يوم القيامة، وقاسوا على ذلك طلب الشفاعة منهم أو من الصالحين في حال مماتهم ومغيبهم","footnotes":"(¬١) الفتاوى: ٢٧/ ٧٤.\r(¬٢) معارج الألباب: ١٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049174,"book_id":1098,"shamela_page_id":822,"part":"2","page_num":848,"sequence_num":822,"body":"والاستغاثة بهم (¬١).\rواستدلوا (¬٢) بأحاديث فيها طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ الدعاء والشفاعة لهم يوم القيامة. مثل حديث ابن عباس ﵄ في حديث طويل أن عكاشة بن محصن قال للنبي ﷺ: \"ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت منهم\" (¬٣).\rوحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: \"كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بِوَضُوْئِه وحاجته، فقال لي: \"سل\" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة قال: \"أو غير ذلك؟ \" قلت: هو ذاك، قال: \"فأعني على نفسك بكثرة السجود\" (¬٤).\r\rالجواب:\r١ - إن أحاديث الشفاعة يوم القيامة ليست مما نحن فيه لأن ذلك من سؤال الحي ما يقدر عليه، فيوم القيامة يجمعهم الموقف بعد أن أحياهم الله فليس هو من سؤال الغائب ولا الميت.\rثم إن الأحاديث الأخرى ليست مما نحن فيه أيضًا لأنها تدل على جواز سؤال النبي ﷺ في حياته ما يقدر عليه - وهو الدعاء، فهو يقدر على دعاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) فممن احتج بذلك السبكي في شفاء السقام: ١٩٠ و ٢٥٣، والنبهاني في شواهد الحق فإنه ساق أربعين حديثًا في الشفاعة من ١٢٦ - ١٣٥، وداود بن جرجيس كما في مصباح الظلام: ٣٦١، والعزامي في البراهين: ٤١٧، وانتحله صاحب المفاهيم: ٥٤.\r(¬٢) انظر الاستدلال بهذه الأحاديث في شفاء السقام: ١٨٦، ومصباح الظلام: ٣٢٩، ومفاهيم: ٨٠ - ٨٩. وانظر الاستدلال بحديث ربيعة أيضًا في وفاء الوفاء للسمهودي: ٤/ ١٣٧٤.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ١١/ ٤٠٥ رقم ٦٥٤١، ٦٥٤٢، ومسلم: ١/ ١٩٩ رقم ٢٢٠.\r(¬٤) رواه مسلم: ١/ ٣٥٣ رقم ٤٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049175,"book_id":1098,"shamela_page_id":823,"part":"2","page_num":849,"sequence_num":823,"body":"ويدل لهذا قول عكاشة ﵁: \"ادع الله أن يجعلني منهم\" فهو إنما طلب الدعاء وهو أمر مشروع، وهو مثل طلب الاستغفار منه ﷺ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤].\r٢ - ثم إنه لا يمكن القياس على هؤلاء الذين طلبوا الشفاعة من الرسول ﷺ في حياته للفارق بينهم ومن بعدهم، إذ هو ﷺ يمكن أن يعلم من يشفع له ومن لا يشفع له فلهذا وافق في عكاشة وأغلق الباب على الذي بعده.\r٣ - ثم إن الرسول ﷺ ذكر في حديث ربيعة الأسلمي ما يشير إلى ما يكون سببًا للدخول في شفاعة النبي ﷺ، وهو الإيمان الخالص والعمل الصالح كما في حديث أبي هريرة: \"من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصًا قلبه\" (¬١).\rفهذا هو السبب الذي يقتضي الشفاعة فلهذا قال لربيعة الأسلمي فأعنّي بكثرة السجود، فعلى هذا فالذي لا يسجد ولا يؤمن بل يشرك بدعاء غير الله تعالى كيف يعين النبي ﷺ على شفاعته، بل هو إنما يعين الشيطان على إضلاله وإغوائه نسأل الله السلامة.\r٤ - ثم في بعض طرق حديث ربيعة ما يشعر بأنه إنما طلب الدعاء له بالشفاعة ولم يطلب الشفاعة. (¬٢).\rومن جملة شبههم القياسية ما ذكروه من قياس الذوات على الأعمال حيث قالوا:\r\"إذا جاز السؤال بالأعمال، وهي مخلوقة، فالسؤال بالنبي ﷺ أولى\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ١/ ١٩٣ رقم ٩٩، وانظر مصباح الظلام: ٣٣٢.\r(¬٢) الطبراني …\r(¬٣) شفاء السقام ص: ١٧٤. وانظر قريبًا منه في مصباح الظلام: ١٨٠، ١٨٩ من استدلال تلميذ ابن جرجيس، وفي جلاء العينين نقلا عن السمهودي ص: ٥٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049176,"book_id":1098,"shamela_page_id":824,"part":"2","page_num":850,"sequence_num":824,"body":"فهذه الشبهة المبنية على أساس جامع الاشتراك بين الأعمال والذوات الفاضلة في كونهما مخلوقين هي من أضعف الشبه، وذلك لأن القياس لا يدخل في باب العبادات إذ مبناها على التوقيف، والاتباع (¬١).\rوهذا القياس فاسد من ناحية أخرى أيضًا وهي أنه قياس مع الفارق وذلك لأن علة صحة التوسل بالأعمال كونها من كسب الإنسان وعمله يرجو عليه الجزاء والثواب في الدنيا والآخرة، وهذا الذي جعلها سببًا للوسيلة وهذه العلة مفقودة في الذوات الفاضلة لأنها أجنبية عن المتوسّل بها، فبهذا يتضح أن هذا القياس قياس مع الفارق وهو فاسد الاعتبار كما هو مقرر في علم الأصول.\rومن شبههم القياسية قياس حال الموت على حال الحياة، قال بعضهم:\r\"ولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل، والاستغاثة به ﷺ بعد وفاته إلا قياسه على التوسل، والاستغاثة به في حياته الدنيا، لكفى فإنه حي الدارين دائم العناية بأمته، متصرف بإذن الله في شؤونها خبير بأحوالها … \" (¬٢).\rوهذا القياس الذي ذكروه فاسد الاعتبار من وجوه:\r١ - إن الفرق بين الحياة والموت واضح وضوح الشمس في رائعة النهار، وهذه قضية مسلمة منطقية لا جدال فيها بين العقلاء، ومن شرط القياس المماثلة فلا مماثلة بين الحالتين.\r٢ - ثم إن النبي ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين كانوا في حياتهم","footnotes":"(¬١) مصباح الظلام: ١٨١.\r(¬٢) البراهين الساطعة ص: ٤٢١، وهذا الكلام مع خطورته قد انتحله العلوي في كتابه مفاهيم ص: ٩١، ففي هذا الكلام ما يشير إلى اعتقاد التصرف المطلق. انظر مفاهيمنا: ١٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049177,"book_id":1098,"shamela_page_id":825,"part":"2","page_num":851,"sequence_num":825,"body":"يدعون الله تعالى لمن توسل بدعائهم وطلب منهم الدعاء حيث يسمعون كلامه ويعرفون مراده، وأما في دار البرزخ فلا يمكن ادعاء ذلك وحتى لو حصل منهم الدعاء فرضًا فإنما هو بأمر كوني لا يزيد بسؤال سائل كما تقدم بيانه (¬١).\r٣ - ثم إنه لا يمكن لأحد أن أن الأحكام التي كانت للنبي ﷺ في حال حياته مستمرة له بعد وفاته، فقد كان في حياته يصلي خلفه فهل يمكن لأحد الآن أن يصلي متجهًا إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه؟\rوكذلك كان في حياته يطلب منه أن يفتي ويقضي فهل يمكن الآن أن يطلب منه ذلك (¬٢)؟\r٤ - ثم إن الصحابة في حياته لم يكونوا يستغيثون به في مغيبه ولا يتوسلون بذكر اسمه وجاهه وإنما كانوا يطلبون الدعاء منه إذا كانوا في مجلسه فقط، فمن باب أولى أن لا يستغاث به بعد الموت، \"والدعاء داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى، وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا على ما جرت به العادة، فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم: \"اللهم أخبر عنا رسولك كما قال عاصم بن ثابت … \" (¬٣).\r٥ - ثم إنه ﷺ (¬٤) وكذلك الأنبياء والصالحون عندما كانوا في الحياة لا يمكن أن يشرك بهم من دون الله تعالى، وأما بعد وفاتهم فيمكن أن يشرك بهم فيمنع القياس من هنا. وقد فند هذه الشبهة الشيخ أبا بطين","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ٧٧٧.\r(¬٢) انظر الرد على البكري ص: ١١٥، و ٦٩ - ٧٠، وقاعدة في التوسل: ١٥١ - ١٥٢، ومع الفتاوى: ١/ ٣٥٥.\r(¬٣) انظر ما تقدم ص: ٧٧٦.\r(¬٤) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049178,"book_id":1098,"shamela_page_id":826,"part":"2","page_num":852,"sequence_num":826,"body":"بعدة وجوه قوية (¬١) منطقية لا يمكن لمبتدع الإجابة عنها، فلنقتصر على هذه الأوجه التي ذكرناها ففيها الكفاية لمن يريد الحق.","footnotes":"(¬١) انظر تأسيس التقديس ص: ٥٤ - ٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049179,"book_id":1098,"shamela_page_id":827,"part":"2","page_num":853,"sequence_num":827,"body":"الفصل الثالث\rفي مناقشة ردودهم وإجاباتهم\rعن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع\rويحتوي على تمهيد، وتسع شبه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049180,"book_id":1098,"shamela_page_id":828,"part":"2","page_num":855,"sequence_num":828,"body":"تمهيد\rإن الذين أباحوا دعاء الموتى والغائبين لما رأوا كثرة الأدلة الدالة على منع دعاء غير الله تعالى ودلالتها الواضحة الصريحة وعجزوا عن معارضتها، بحثوا عن شبهات يمكن أن يدفعوا بها دلالة تلك الأدلة على واقعهم المرير وعملهم المشين.\rومقصدهم بذلك ادعاء أن تلك النصوص لا تنطبق على أعمالهم الشركية -وهيهات ذلك- كما أن مقصودهم إخضاع النصوص الشرعية لتوافق ما عليه عباد القبور وسدنة الأضرحة، وهؤلاء المبيحون لدعاء الموتى ينسبون إلى العلم ومعدودون من أهله.\rوكان الواجب عليهم النصح الله ولرسوله ولهؤلاء الداعين للأموات من عوام المسلمين، فاستبدلوا بهذا الواجب البحث عن الشبهات التي يمكن أن تدفع عنهم دلالة النصوص الشرعية على واقعهم الشركي، فأتوا بهذه الشبهات التي نناقشها -إن شاء الله تعالى- في هذا الفصل.\rوالفرق بين هذه الشبهات والتي مرت في الفصلين السابقين هو أن المراد من هذه الشبهات هو منع دلالة النصوص المحرمة لدعاء غير الله تعالى على أعمال القبوريين، وصرفها إلى غيرهم والإجابة اليائسة المستميتة عن النصوص الواضحة المانعة لأعمالهم فهذه الشبهات تتعلق بما يسمى في علم الأصول بتحقيق المناط.\rوأما المراد من الشبهات السابقة فهو إثبات مشروعية تلك الأعمال.\rومما ينبغي أن يعلم أن أغلب هذه الشبهات التي في هذا الفصل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049181,"book_id":1098,"shamela_page_id":829,"part":"2","page_num":856,"sequence_num":829,"body":"إنما أثيرت بعد انتشار دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فلما رأوا انتشارها الواسع أرادوا معارضة هذه الدعوة السلفية المباركة بهذه الشبهة الواهية.\rفلهذا لا نجد هذه الشبهات في كلام من سبق هؤلاء ممن هو على مشربهم بخلاف الشبهات التي سبقت في الفصلين السابقين.\rومن هنا رد عليهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتبه ورسائله، كما رد عليهم آخرون ممن جاء بعده فجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء .. وهذه المناقشات التي ستأتي إن شاء الله تعالى مجموعة مما تفرق في كلام هؤلاء المحققين السابقين، وإن كان هناك إضافة فقليلة لا تستحق الذكر، والغرض مشاركة هؤلاء في هذا الصنيع المبارك لعل الله ينفع به من يشاء من عباده وهو وحده المرجو لذلك، وهو المستعان وهو ولي التوفيق.\r\rالشبهة الأولى (¬١):\rقولهم: إن تلك النصوص فيمن لا يعترف بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، أي الذي لا يعترف بتوحيد الربوبية، وأما من اعترف بذلك فلا تشمله تلك النصوص ولو دعا غير الله تعالى واستغاث به، وذبح له، ونذر له.\rوقالوا: إن من أقر بالربوبية فقد أقر بالألوهية، فعلى هذا فالآيات والأحاديث لا تشمل المسلمين من هذه الأمة المحمدية المرحومة الذين يعترفون بربوبية الله تعالى وأنه الخالق … إلخ.","footnotes":"(¬١) انظر الاحتجاج بهذه الشبهة في الدرر السنية: ٤٠ - ٤١، ٣٢، ٣٥، وخلاصة الكلام ص:، وشواهد الحق: ١٤٢ - ١٤٩، ١٥٣، وفرقان القرآن للعزامي ص: ١٢٧ - ١٢٨، ومفاهيم ٢٦، ويراجع في الجواب إلى مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات: ١٦١، والدر النضيد: ١٦، ١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049182,"book_id":1098,"shamela_page_id":830,"part":"2","page_num":857,"sequence_num":830,"body":"الجواب:\rحاصل شبهتهم ادعاء الفرق بينهم وبين المشركين الأوائل في اعتقاد الربوبية، وفحوى كلامهم أن الأوائل لا يعترفون بتوحيد الربوبية، بل صرح بذلك بعضهم كما سيأتي.\rوالصواب الذي لا مرية فيه أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ووردت فيهم تلك النصوص - يعترفون بالربوبية - وإليك الأدلة القاطعة:\r١ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].\r٢ - وقال عز من قائل: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].\r٣ - وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ … ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣].\r٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨].\r٥ - وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩].\r٦ - وقال عز من قائل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049183,"book_id":1098,"shamela_page_id":831,"part":"2","page_num":858,"sequence_num":831,"body":"٧ - وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ … ﴾ إلى آخر تلك الآيات [النمل: ٦٠ - ٦٤].\r٨ - قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، فقد اتفقت أقوال مفسري السلف (¬١) على أن من إيمانهم قولَهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، وعلى أن شركهم هو عبادتهم غيره ويوضح ذلك ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه قال: \"إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه وهو مشرك في عبادته\" (¬٢).\r٩ - ومن الأدلة القطعية على اعترافهم بتوحيد الربوبية، ما ذكره الله عنهم في وقت الشدائد والتطام الأمواج من إخلاص الدعاء الله رب العالمين قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقال: ? ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣، ٥٤].\rقال قتادة بن دعامة ﵀ في تفسير هذه الآية: \"الخلق كلهم يقرون الله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك\" (¬٣).\r١٠ - الآيات التي تحدثت عن المشركين بأنهم يتخذون مع الله شركاء ووصفتهم بالشرك أو باتخاذهم وجَعْلِهم مع الله آلهة أخرى.","footnotes":"(¬١) نقل ذلك عنهم ابن: جرير ١٣/ ٧٧ - ٧٩، وقد علق البخاري بصيغة الجزم قول عكرمة وذكر الحافظ أن أسانيد ابن جرير عن عطاء ومجاهد صحيحة. انظر الفتح: ١٣/ ٤٩٤.\r(¬٢) ابن جرير: ١٣/ ٧٨.\r(¬٣) أخرجه ابن أبي حاتم، انظر الدر المنثور: ٤/ ١٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049184,"book_id":1098,"shamela_page_id":832,"part":"2","page_num":859,"sequence_num":832,"body":"وذلك لأن الشرك مأخوذ من الشركة فيفيد إقرارهم بالربوبية إلا أنهم يجعلون معه شريكًا في العبادة، كشريكين في شيء مثلًا مع أنهم ما كانوا يساوون آلهتهم بالله في كل شيء بل في المحبة والخضوع لا في الخلق والإيجاد والنفع والضر (¬١)، فتلك الآيات تدل على أنهم لم يزعموا إلا الشراكة. والآيات التي وردت بالصفة المذكورة كثيرة جدًا ويمكن الإشارة إلى بعضها، منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٤]، ولو قيل يفهم من الآية أن فريقًا منهم يشرك بالرب بعد كشف الضر لاستقام، ومن المعلوم أنه يوجد فيهم حنفاء موحدون.\rوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤].\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢]، فإن قوله: ﴿كما يقولون﴾ صريح في أنهم إنما يدعون الشراكة لا الاستقلال كما هو واضح بين.\r١٢ - الآيات التي فيها اعتراف المشركين بالمشيئة المطلقة الله تعالى والتي فيها الاحتجاج بالقدر مثل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٢٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، ففي هذه الآيات اعتراف منهم","footnotes":"(¬١) تطهير الجنان والأركان: ١٧ - ١٨ لأحمد آل بوطامي، وتطهير الاعتقاد للصنعاني: ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049185,"book_id":1098,"shamela_page_id":833,"part":"2","page_num":860,"sequence_num":833,"body":"بالمشيئة الكونية الله تعالى وإن كان احتجاجهم وزعمهم الجبر غير صحيح.\r١٢ - الآيات التي وصف الله المشركين فيها بأنهم جعلوا الملائكة بنات لله تعالى، فهم يعبدون الملائكة على أنها بنات الله تعالى، وتقرب إليه، لا على أنها خالقة الكون، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ … ﴾ إلى قوله: … ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ١٥ - ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٠ - ١٥٣].\rقال المعلمي رحمه الله تعالى: إن أول ما سرى إلى العرب نسبة الولد إليه تعالى كانوا يقولون: الملائكة بنات الله على معنى أنهم مقربون إليه ولم يقولوا: أبناء الله خشية إيهام أن يكونوا نظراءه فقالوا: بنات الله لأن الإناث عندهم ضعيفات (¬١).\r١٣ - الآيات التي وردت بصيغة الاستفهام التقريري، نحو قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].\rوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣].\rوقوله سبحانه ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].\rوقوله جل شأنه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١].\rوقوله تقدست أسماؤه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ","footnotes":"(¬١) القائد إلى تصحيح العقائد ص: ١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049186,"book_id":1098,"shamela_page_id":834,"part":"2","page_num":861,"sequence_num":834,"body":"﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]. فالاستفهام في هذه الآيات استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرون (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، قال مقاتل في تفسير هذه الآية: فسألهم النبي ﷺ فسكتوا أي لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها، وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله لا لأنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (¬٢) [النحل: ٥٣، ٥٤].\rومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦]. قال شيخ الإسلام: \"وهذا استفهام إنكار بمعنى النفي، أي ما جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فإنهم مقرون أن آلهتهم لم يخلقوا كخلقه وإنما كانوا يجعلونهم شفعاء ووسائط\" (¬٣).\r١٤ - الآيات التي تدل (¬٤) على أن المشركين إنما أنكروا على الرسل الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة لا أصل العبادة ولا الإقرار بالربوبية، منها قوله تعالى في قصة هود: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقول قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. . .﴾ [الزمر: ٤٥]، ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦].","footnotes":"(¬١) تطهير الاعتقاد للصنعاني: ٧، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية: ٦٧١، والدر النضيد: ١٧.\r(¬٢) تفسير أبي حيان، البحر المحيط:، وعنه في القول النفيس: ١٠٢ - ١٠٣.\r(¬٣) قاعدة التوسل: ١٢٤، وضمن الفتاوى: ١/ ٣١١.\r(¬٤) انظر الإشارة إلى هذا في تطهير الاعتقاد: ١٢ - ١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049187,"book_id":1098,"shamela_page_id":835,"part":"2","page_num":862,"sequence_num":835,"body":"١٥ - الآيات الدالة على أنهم إنما يريدون من الأصنام الشفاعة والتقريب فقط، ومن تلك الآيات ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣].\r١٦ - الآيات الدالة على أنهم يعبدون الله تعالى ويعبدون معه آلهة أخرى، فمن تلك الآيات قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦].\rفالاستثناء في هذه الآيات يدل على أنهم يعبدون الله تعالى مع عبادتهم للآلهة، وهذا هو الذي أوجب الاستثناء وإلا فلو كانوا لا يعبدون الله فضلًا عن كونهم يعتقدون ربوبيتها فلا حاجة إلى هذا الاستثناء.\rوالخلاصة أن القرآن الكريم قد دل دلالة قطعية وصريحة على أن المشركين لم يكونوا يشركون في الربوبية وإنما كان شركهم في الألوهية ومع هذه الدلالة الواضحة أنكر ذلك بعضهم فلهذا نتبع هذا بالإشارة إلى أقوال العلماء الذين ذكروا ذلك، وقبل ذلك نذكر بعض الأدلة من غير القرآن فنقول وبالله التوفيق:\rومما يدل على أن المشركين يعترفون بتوحيد الربوبية، ما وجد في حكاياتهم وقصصهم من اعتقادهم بالربوبية ويشهد بذلك أشعارهم وما نقل عن حكمائهم وحنفائهم كخطب قس بن ساعدة وزيد بن عمرو وأبي ذر الغفاري قبل إسلامه (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر أخبار هؤلاء الحنفاء في سيرة ابن إسحاق رواية يونس: ١١٥ - ١١٩، وحجة الله البالغة: ١/ ١٢٤ - ١٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049188,"book_id":1098,"shamela_page_id":836,"part":"2","page_num":863,"sequence_num":836,"body":"كما يدل على ذلك اعتقادهم بأنهم كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل وكانوا يعترفون برسالتهما وإن حصل لهم فيها خبط (¬١).\rكما يدل لذلك ما كانوا يقولونه في تلبيتهم. قال ابن عباس ﵄: \"كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ: \"ويلكم قد قد\" فيقولون: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك يقولون: هذا وهم يطوفون بالبيت\" (¬٢).\r\rالاستشهاد بأقوال العلماء الذين صرحوا باعتراف المشركين بالربوبية:\rهذه المسألة واضحة جدًا لا تحتاج إلى تطويل لولا أن بعض الناس ظنوا أن المشركين لا يعترفون بالربوبية -مع وضوح الأدلة- فاقتضى الأمر إلى الاستشهاد بأقوال العلماء الذين صرحوا بذلك، فالعلماء الذين صرحوا بذلك كثيرون، نقتصر على الإشارة إلى بعضهم فنقول وبالله التوفيق:\r١ - فمن العلماء الذين صرحوا بذلك الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٦٧ هـ) فإنه ذكر الفطرة التي فطر الناس عليها ثم قال: \"فلست واجدًا أحدًا إلا وهو مقر بأن له صانعًا ومدبرًا، وإن سماه بغير اسمه أو عبد شيئًا دونه ليقربه منه عند نفسه، أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوًا كبيرًا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ \" (¬٣).\r٢ - الإمام أبو الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) فإنه قال: إن الله بعث محمدًا ﷺ إلى سائر العالمين، وهم أحزاب وفرق منهم كتابي وبرهمي ودهري، ووثني ومجوسي \"وصاحب صنم يعتكف عليه، ويزعم أن له ربًا","footnotes":"(¬١) انظر زعمهم ذلك في سيرة ابن إسحاق: ١٢٠.\r(¬٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٨٤٣ رقم ١١٨٥.\r(¬٣) مختلف الحديث: ١٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049189,"book_id":1098,"shamela_page_id":837,"part":"2","page_num":864,"sequence_num":837,"body":"يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه\" (¬١) فبين الأشعري أن أهل الأصنام مقرون بالرب تعالى.\r٣ - الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) فإنه ذكر في مسألة الفرق بين الكفر والشرك، أن المشركين واليهود والنصارى والمجوس والبراهمة مقرون بالله تعالى فلم ينكره جملة ويجحده إلا الدهرية فقط (¬٢).\r٤ - الشهرستاني محمد بن عبد الكريم المتكلم (ت ٥٤٨ هـ)، فقد ذكر أن تعطيل العالم عن الصانع لا يعرف قائله إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية ثم ذكر مجمل مقالتها في تفسير خلق العالم، ثم ذكر أن هذا القول لا يدل على إنكار قائله بالصانع، ثم ذكر أن الفطرة الضرورية دلت على الصانع، ثم ذكر أنه لهذا لم يرد التكليف بمعرفة الصانع وأن هذا هو السبب في كون محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ونفي الشريك، ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]، وغير ذلك من الآيات (¬٣).\r٥ - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (ت ٤٥٨ هـ): \"فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا وإن سماه بغير اسمه. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ \" (¬٤).\r٦ - أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، فقد ذكر الفلاسفة ثم قال: \"وما قد حكى لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال، فإن أكثر القوم يثبتون الصانع، ولا ينكرون النبوات، وإنما أهملوا","footnotes":"(¬١) رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري ص: ٧٩ - ٨٠.\r(¬٢) المحلى: ٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\r(¬٣) نهاية الإقدام: ١٢٣ - ١٢٤، وعنه في درء تعارض العقل: ٧/ ٣٩٦ - ٣٩٨.\r(¬٤) درء تعارض العقل والنقل: ٨/ ٣٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049190,"book_id":1098,"shamela_page_id":838,"part":"2","page_num":865,"sequence_num":838,"body":"النظر فيها، وشذ منهم قليل فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة\" (¬١).\rوذكر ابن الجوزي أيضًا أن كثيرًا من أهل الهند يعتقدون الربوبية وأن لله ملائكة (¬٢).\r٧ - الفخر الرازي محمد بن عمر (ت ٦٠٤ هـ). فقد ذكر إقرار المشركين بالربوبية في تفسيره في مواضع منه (¬٣)، منها قوله: \"اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكًا يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، وهذا مما لم يوجد إلى الآن، لكن الثنوية يثبتون إلهين، أحدهما حكيم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما الاشتغال بعبادة غير الله ففي الذاهبين إليه كثرة. . .\" (¬٤).\r٨ - أبو محمد العز بن عبد السلام: (ت ٦٦٠ هـ) فقد ذكر في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، أنه لا يمكن أن يقال: \"إنهم كانوا يعظمون الأصنام أكثر من تعظيم الله، لأنه ليس الأمر كذلك بل قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (¬٥) [الزمر: ٣]، وذكر العز أيضًا أن السجود للصنم قد يقصد به التقرب إلى الله تعالى واستدل على ذلك بآية الزمر (¬٦).\r٩ - ابن منظور محمد بن مكرم أبو الفضل اللغوي (ت ٧١١ هـ)، فإنه ذكر في مادة \"شرك\" حديث تلبية الجاهلية وقولهم: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك ثم قال: اللهم إنا نسألك صحة التوحيد والإخلاص في","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس: ٤٩.\r(¬٢) المصدر نفسه ص: ٦٠.\r(¬٣) انظر تفسير الرازي: ١٣/ ٣٧ - ٣٩، و ٢٦/ ٢٤١ و ٢٧/ ١٣٠ و ٩/ ٦٣، ١٧/ ٦٣.\r(¬٤) المصدر السابق: ١٣/ ٣٧، ونحوه في: ٢/ ١٢٢.\r(¬٥) الفوائد في مشكل القرآن ص: ٩٠.\r(¬٦) انظر الإعلام بقواطع الإسلام ص: ١٩ - ٢٠، والفروق للقرافي. . .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049191,"book_id":1098,"shamela_page_id":839,"part":"2","page_num":866,"sequence_num":839,"body":"الإيمان، انظر إلى هؤلاء لم ينفعهم طوافهم ولا تلبيتهم ولا قولهم عن الصنم هو لك ولا قولهم تملكه وما ملك، مع تسميتهم الصنم شريكًا بل حبط عملهم بهذه التسمية، ولم يصح لهم التوحيد مع الاستثناء ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (¬١).\r١٠ - شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد قرر هذه المسألة بأدلة مختلفة وذكرها في مواضع كثيرة من كتبه (¬٢) نذكر بعضها، فمنها: ما ذكره من أن المتكلمين غاية أمرهم إثبات واجب الوجود \"وهذا حق لم ينازع فيه لا معطل ولا مشرك\"، لأن الناس متفقون على إثباته إلا ما يحكى عن بعضهم أنه قال: إن العالم حدث بنفسه وهذا لا يعرف قائله وإنما هو يقدر تقديرًا، وهو مما يخطر في قلوب الناس فقط وليس قولًا معروفًا لطائفة معينة\" (¬٣).\rوقال أيضًا: ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهاً مساويًا لله في جميع صفاته بل عامة المشركين بالله مقرون بأنه ليس شريكه مثله\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) لسان العرب: ٤/ ٢٢٤٩ مادة شرك.\r(¬٢) انظر بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٦، ومنهاج السنة: ١/ ٢٠٣، ٢٢٩، ٣/ ٢٩٢ - ٢٩، ٣٣٠، ودرء تعارض العقل: ٧/ ٣٩١، ٣٩٦، وبغية المرتاد: ٣٦٠، ٣٦٨، ٣٧٣، والتدمرية ص: ٤٩، والرد على المنطقيين: ٢٩٣، وقاعدة في التوسل: ١٥ - ١٧ و ١٢٤، والفتاوى: ٥/ ٥٤٨ - ٥٤٩ و ٣/ ٩٦ - ٩٧ و ٧/ ٧٥ - ٧٧ و ١٠/ ٦٦٩، ١٥٦ - و ١/ ٩٢ و ٢/ ٣٧ - ٣٨، والرد على البكري: ١٧٨ - ١٧٩، وموافقة صحيح المنقول: ١/ ١٧٤ - ١٧٥، وجامع الرسائل: ٢/ ٥١ - ٥٣، والتسعينية ضمن الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥٠.\r(¬٣) منهاج السنة: ٣/ ٣٩٥ - ٤٥٦.\r(¬٤) الفتاوى: ٣/ ٩٦، ونحوه في: ٧/ ٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049192,"book_id":1098,"shamela_page_id":840,"part":"2","page_num":867,"sequence_num":840,"body":"وقال أيضًا: \"وإثبات توحيد الربوبية لم ينازع في أصله أحد من بني آدم وإنما نازعوا في بعض تفاصيله. . . \" (¬١).\rوقد نبه شيخ الإسلام ﵀ على أن هذا الموضع عظيم ينبغي معرفته لالتباسه على بعض الطوائف حتى وقعوا فيما ينافي الإسلام (¬٢).\r١١ - ابن القيم شمس الدين أبو عبد الله (ت ٧٥١ هـ) فإنه قال بعد أن ذكر اللات والعزى ومناة: \"ولم يكن أحد من أرباب الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم اليوم عند طواغيتهم\" (¬٣).\r١٢ ـ ابن أبي العز الحنفي علي بن علي (ت ٧٩٢ هـ) فقد ذكر توحيد الربوبية ثم ذكر أنه لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم وذكر أنه مفطور في البشر (¬٤).\r١٣ - المقريزي أحمد بن علي (ت ٨٤٥ هـ) فإنه ذكر قول المشركين في النار ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] ثم قال: \"ومعلوم قطعًا أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونه ربهم وخالقهم، فإنهم كانوا كما أخبر الله عنهم مقرين بأن الله تعالى وحده هو ربهم وخالقهم. . .\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) الفتاوي: ٢/ ٣٧ - ٣٨.\r(¬٢) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥٠.\r(¬٣) زاد المعاد: ٣/ ٥٠٦ وقال ابن القيم أيضًا في المقارنة بين النصارى والمشركين: إن المشركين يأنفون من وصف آلهتهم بما يصف النصارى الله به والله أعظم في قلوبهم من ذلك \"وإنما شرك القوم أنهم عبدوا من دونه آلهة مخلوقة. . . وزعموا أنها تقربهم إليه لم يجعلوا شيئًا من آلهتهم كفوًا له ولا نظيرًا ولا ولدًا. . .\". اهـ. إغاثة اللهفان: ٢/ ٢٠٨، ونحوه في مفتاح دار السعادة: ١/ ١٢١، وطريق الهجرتين ص: ٤٥.\r(¬٤) شرح الطحاوية: ١٦ - ٢٠.\r(¬٥) تجريد التوحيد ص: ١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049193,"book_id":1098,"shamela_page_id":841,"part":"2","page_num":868,"sequence_num":841,"body":"١٤ - القاري علي بن سلطان الهروي الحنفي (ت ١٠١٤ هـ) فقد ذكر أن توحيد الألوهية يستلزم توحيد الربوبية دون العكس لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. . .﴾ (¬١).\r١٥ - الدهلوي أحمد بن عبد الرحيم (ت ١١٧٦ هـ)، فقد ذكر هذه المسألة وقررها في عدة مواضع من كتبه (¬٢) بتقرير حسن.\r١٦ - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ) فإنه قد ذكر هذا الأصل وقرره في مواضع (¬٣) من كتبه ورسائله على أحسن الوجوه.\r١٧ - ابن عابدين محمد بن عمر الحنفي (ت ١٢٥٢ هـ) فقد ذكر في حاشيته على رد المحتار تعقيبًا على كلام المؤلف أن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى كما لا يخفى، ثم ذكر أن عبدة الأوثان كانوا يقرون بالله تعالى، قال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. .﴾ الآية، ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (¬٤) [الصافات: ٣٥].\r١٨ - ثم هناك علماء كثيرون (¬٥) صرحوا بهذا فنكتفي بهذا القدر.","footnotes":"(¬١) شرح الفقه الأكبر ص: ٥١.\r(¬٢) انظر الفوز الكبير ص: ٢٣ - ٢٦، وحجة الله البالغة ١/ ٥٩ - ٦١ و ١٢٥، والبدور البازغة ص: ١٢٤، ١٨٨، كما في البصائر: ٢٧٣، ٢٧٤.\r(¬٣) انظر مؤلفات الشيخ قسم العقيدة: ١٥٥ - ١٥٧، ٢٠٠، و ٣٦٥ - ٣٦٧، و ٣٩٨ - ٣٩٩، والرسائل الشخصية: ٥/ ١٥١ - ١٥٤ و ٤٤ - ٤٥.\r(¬٤) حاشية ابن عابدين على رد المحتار: ٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧، ونحوه في حاشيته على البحر الرائق: ٥/ ١٣٩ وقد نقل ابن عابدين في رسائله ١/ ٣٦٢ عن إبراهيم الحلبي أن غلاة الروافض أسوأ حالًا من المشركين لأنهم اعتقدوا الألوهية في علي، والذين عبدوا الأصنام لم يعتقدوا الألوهية فيها وإنما عبدوها تقربًا إلى الله تعالى الذي هو الإله وإنما سموها آلهة لإشراكهم إياها له تعالى في العبادة.\r(¬٥) قد ذكرنا بعضهم في أثناء ما تقدم منهم قتادة ومقاتل كما تقدم قريبًا ص: ٨٥٨، ٨٦١، ومنهم الكلبي المتخصص في شؤون الجاهلية فقد ذكر في كتابه \"الأصنام\" أشعارًا وحكايات تدل على ذلك ومن ذلك ما ذكره عن الرجل الذي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049194,"book_id":1098,"shamela_page_id":842,"part":"2","page_num":869,"sequence_num":842,"body":"كما اعترف بهذه الحقيقة (¬١) كثير من أهل هذا العصر نكتفي منهم بما ذكره محمد عبد الله دراز، من أن المتدينين مهما بلغوا في الخرافة أي مبلغ لا بد أن يعترفوا بالإله الأعظم، وأما الأصنام والأوثان فيزعمون أنها مهبط لقوة غيبية. . . إلخ (¬٢).\rولا حاجة إلى إطالة البيان لهذا الواضح البين لولا زعم من يقول (¬٣): \"إن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم من قولهم مسوغين عبادة الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] \".\rثم احتج هذا القائل بشبهة وهي:\r١ - أن الله سبحانه قد نهى المسلمين من سب أصنامهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].","footnotes":"= نفرت له الإبل فسب الصنم الذي يريد أن يعبده المسمى بسعد فأنشد:\rوَهَلْ سَعْدٌ إِلا صَخْرَةٌ بِتَنُوْفَةٍ. . . من الأرضِ لا يُدْعَى لِغَيٍّ ولا رُشْدِ\rأنظر الأصنام ص: ٣٧ كما ذكر هذه الحكاية ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام: ١/ ٨١، وإغاثة اللهفان: ٢/ ١٥٩، ومنهم الزجاج في معاني القرآن: ١/ ٩٧ - ٩٩، ومنهم الأمير الصنعاني في تطهير الاعتقاد: ٨ - ١٠، والشوكاني في الدر النضيد ١٧، ومحمد صديق حسن خان في الدين الخالص: ١/ ٢٠٩، والسويدي في العقد الثمين: ٦١ وما بعدها والألوسي في روح المعاني: ١٥/ ١١٥، والمعلمي في القائد ص: ١٠٣ فقال: أما مشركو العرب فإنهم قلدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط.\r(¬١) انظر ما قاله المودودي في المصطلحات الأربعة ص: ١٩، وعبد الحليم محمود في أبو الحسن الشاذلي: ٩٠ - ٩١، وأحمد صبحي منصور في السيد البدوي: ٢١٨، ٢١٩ - ٢٢٠، والشيخ زكريا علي يوسف في الإيمان وآثاره: ٨٩ - ٩٠، وانظر كلام المستشرق/ دوزي في كتاب ابن تيمية والتصوف لمصطفى حلمي: ٧٩\r(¬٢) الدين لمحمد عبد الله دراز: ٤٢ - ٤٣.\r(¬٣) وهو العلوي المالكي في مفاهيمه ص: ٢٦ - ٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049195,"book_id":1098,"shamela_page_id":843,"part":"2","page_num":870,"sequence_num":843,"body":"وزعم أن قول كلمة نقص في الحجارة التي يعبدونها - يتسبب عنه غضبهم غيرة على تلك الحجارة التي يعتقدون من صميم قلوبهم أنها آلهة تنفع وتضر، وأنهم \"لو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترؤوا أن يسبوه انتقامًا ممن يسبون آلهتهم، فإن ذلك واضح جدًا في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة\".\rالجواب عن هذه الشبهة على وجوه:\rالوجه الأول (¬١):\rأن سبهم الذي يخشى أن يقع عند سب آلهتهم هو مقابلتهم لمن سب معبودهم بمثل سبه يريدون محض المجاراة فيتجاوزون الحد فيها، كما يقع كثيرًا من المختلفين في الدين والمذهب، يسب نصراني نبي المسلم فيسب المسلم نبيه ويريد عيسى عليهما الصلاة والسلام، ويسب شيعي -يلاحي سنيًا ويماريه- أبا بكر فيسب عليًا والأول يعلم أن سب عيسى كفر كَسَبِّ محمد عليهما الصلاة والسلام والثاني يعلم أن سب علي فسق (¬٢) كسب أبي بكر ﵄، ومثل هذا يقع كثيرًا بل كثيرًا مَّا يتساب أخوان من أهل دين واحد يسب أحدهما أب الآخر أو معبوده فيقابله بمثل سبه، يغيظه بسب أبيه مضافاً إليه، ويعده إهانة له، فيسبه مضافًا إلى أخيه إهانة لأخيه، وهذا كله من حب الذات، والجهل الحامل على المعاقبة على الجريمة بارتكابها عينها يهين والده المعظم عنده ومعبوده الذي هو أعظم منه احتماء لنفسه وعصبية لها، وقد جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"من الكبائر شتم الرجل والديه","footnotes":"(¬١) انظر في هذا تفسير المنار: ٧/ ٥٥٣ - ٥٥٤، وروح المعاني: ٧/ ٢٥١.\r(¬٢) ذكر شيخ الإسلام اختلاف العلماء في حكم من سب أحدًا من الصحابة وأن منهم من كفره وحكم بقتله ومنهم من قال لا يكفر ولكنه يعزر ويؤدب ثم مال شيخ الإسلام ﵀ إلى أن الحكم فيه تفصيل وأن منهم من لا يشك في كفره. اهـ. يراجع الصارم المسلول من ص ٥٦٧ - ٥٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049196,"book_id":1098,"shamela_page_id":844,"part":"2","page_num":871,"sequence_num":844,"body":"قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه. . .\" (¬١).\rومما يشهد لهذا الوجه ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفي محمدًا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فلطم المسلم اليهودي فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ واشتكى فقال النبي ﷺ: «لا تخيروني على موسى» (¬٢).\rوقال ﵊: \"ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى\" (¬٣)، وكل هذا لئلا يفضي إلى المخاصمة والمنازعة ثم يؤدي ذلك إلى الازدراء والانتقاص للمفضول بدون قصد.\rوعلى هذا الوجه المتقدم يحمل قوله تعالى: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، على أن المراد بالعلم المنفي: \"العلم الحضوري الباعث على العمل وهو إرادة السب التي يقصد بها إهانة المسبوب، فإن الساب هنا لا يتوجه قصده إلا إلى إهانة مُخَاطَبه الذي سبه\" (¬٤).\rالوجه الثاني:\rليس المراد أنهم يسبونه صريحًا ولكن يخوضون في ذكره فيذكرونه بما لا يليق به ويتمادون في ذلك بالمجادلة فيزدادون في ذكره بما لا يليق بالله تعالى، وقد قال بهذا الوجه الراغب الأصفهاني (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ١/ ٩٢ رقم ٩٠، وأحمد ٢/ ١٦٤، ١٩٥، ٢١٤، ٢١٦.\r(¬٢) البخاري ٥/ ٧٠ رقم ٢٤١١، ٦/ ٤٤١ رقم ٣٤٠٨، ومسلم: ٤/ ١٨٤٣ رقم ٢٣٧٣.\r(¬٣) البخاري ٦/ ٤٥٠ رقم ٣٤١٣، ٣٤١٦، ومسلم: ٤/ ١٨٤٦ رقم ٢٣٧٦ - ٢٣٧٧.\r(¬٤) المنار: ٧/ ٥٥٤.\r(¬٥) المفردات ص: ٢٢٠ مادة سب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049197,"book_id":1098,"shamela_page_id":845,"part":"2","page_num":872,"sequence_num":845,"body":"فالمراد أنهم يقولون ما يستلزم سبه بحيث يفهم ذلك منهم، وإن لم يَعْلَم ذلك قَائِلُه (¬١) وليس ذلك غرضه.\rالوجه الثالث:\rأن معنى سبهم لله تعالى هو سبهم وعيبهم لأمر المسلمين فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به، وقد قال بهذا الوجه ابن الجوزي (¬٢).\rويقرب هذا الوجه أن الكفار إذا عيب دينهم فلا بد أن يعيبوا دين المسلمين والشريعة الإسلامية وما جاءت به من العبادات والأحكام، فيؤدي ذلك إلى سب من شرع هذا الدين الحنيف وهو الله تعالى.\rالوجه الرابع:\rأنهم ربما كان في جهالهم من كان يعتقد بأن إله محمد شيطان يحمله على ادعاء الرسالة، وليس خالق السموات والأرض، فكان يشتم إله محمد على هذا التأويل، وهذا الوجه أبداه الرازي احتمالًا (¬٣).\rويؤيد هذا الوجه أن المتخاصم ربما يعتقد أن خصمه لا يعبد الله تعالى بل يعبد إلهًا آخر، لأنه يصف معبوده بما لا يصح أن يوصف به الله تعالى عنده، وقد ثبت عن بعض المختلفين في الأديان وفي مذاهب الدين الواحد وصف ربهم وإلههم بصفات، ورب خصومهم وإلههم بصفات تناقضها، أو تضادها كما يقول مثبتو الصفات ونفاتها بعضهم في بعض، مع أن الجميع يقولون: إنهم يعبدون الله خالق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما (¬٤).","footnotes":"(¬١) المنار: ٧/ ٥٥٣.\r(¬٢) زاد المسير: ٣/ ١٠٢.\r(¬٣) تفسير الرازي: ٧/ ١٤٧.\r(¬٤) المنار: ٧/ ٥٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049198,"book_id":1098,"shamela_page_id":846,"part":"2","page_num":873,"sequence_num":846,"body":"الوجه الخامس:\rأن هؤلاء يعلمون أن الله أجل وأعظم من أصنامهم، ولكن تهوى أنفسهم هذه الأصنام أكثر وتحبها حبًا أفضل من حب الله تعالى في أشياء مخصوصة باعتباراتٍ مخصوصة، وليس تفضيلًا مطلقًا، وقد أشار إلى هذا الوجه شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث ذكر هذه الآية والآية الآتية وقول أبي سفيان الآتي فأجاب بهذا الوجه (¬١).\rالوجه السادس:\rمعنى السب لله تعالى هو تماديهم في الشرك به، فالشرك مسبة لله تعالى، وأي مسبة أعظم من عبادة غيره معه أو ادعاء الولد والصاحبة له؟ ويدل على هذا الحديث القدسي، قال تعالى: \"يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله إن لي ولدًا. . .\" (¬٢).\rوهذا التمادي في الشرك يحصل من التعصب للآلهة وذلك أن الخصم عندما يسمع سبه وسب معبوده -لا يصغي إلى الحجة ولا يلقي لها بالًا بل يحاول أن يدفع البراهين الساطعة والأدلة الدامغة بدون تأمل ولا روية، ولكن عندما يعلم أن خصمه لا يريد إهانته ولا سب معبوده وإنما يريد الحق والإنصاف- يصغي إلى حجة خصمه وأدلته، ويفكر فيها بجد، وقد يصل في النهاية إلى الاقتناع ولهذا أمرنا الله تعالى بالمجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].\rهذا وقد بقيت وجوه أخرى ذكرت (¬٣) في توجيه الآية مثل أن المراد","footnotes":"(¬١) منهاج السنة النبوية: ٥/ ٣٩٧.\r(¬٢) أخرجه البخاري: ٦/ ٢٨٧ رقم ٣١٩٣ من حديث أبي هريرة.\r(¬٣) انظر تفسير الرازي: ٧/ ١٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049199,"book_id":1098,"shamela_page_id":847,"part":"2","page_num":874,"sequence_num":847,"body":"من سب الله سب رسوله، أو أن الآية في القائلين بالدهر ونفاة الصانع، وهذه الوجوه ضعيفة لا تناسب سياق الآية فالوجوه السابقة كافية لمن يريد الحق والله الموفق ..\r٢ - كما احتج هذا القائل (¬١) أيضًا بآية ثانية زاعمًا أنها تدل على أن الله تعالى أقل في نفوسهم من الحجارة وهي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].\rالجواب: أن الآية -بحمد الله- تدل على عكس فهم هذا الزاعم وذلك لأن معناها كما قال ابن عباس ومجاهد.\rأنهم -يسمون لله جزءًا من الحرث-، ولشركائهم وأوثانهم جزءًا، فما ذهبت به الريح أو سقط من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه وقالوا: الله غني عن هذا، وأما ما ذهب من جزء الله إلى جزء أوثانهم لم يردوه وقالوا: إنها فقيرة ومحتاجة.\rوقال السدي: \"إذا هلك الذي يصنعون لشركائهم وكثر الذي لله قالوا: ليس بُدٌّ لآلهتنا من نفقة، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا لو شاء أزكى الذي له فلا يردون عليه شيئًا مما للآلهة\" (¬٢).\rهذان التفسيران المأثوران يدلان على أن الله تعالى أعظم في نفوسهم من آلهتهم، لوصفهم الله تعالى بالغنى على التفسير الأول وبالمشيئة المطلقة على الثاني، ولوصفهم أوثانهم بالفقر والحاجة، وعدم المشيئة.","footnotes":"(¬١) انظر مفاهيم: ٢٧.\r(¬٢) الطبري: ٨/ ٤١ - ٤٢، والبغوي: ٢/ ١٣٣، وابن كثير: ٢/ ١٧٩، والرازي: ٧/ ٢١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049200,"book_id":1098,"shamela_page_id":848,"part":"2","page_num":875,"sequence_num":848,"body":"وهذا واضح جدًا فالآية تدل على عكس ما زعمه، ثم إنا لو سلمنا أنها تدل على أن الله أقل من أصنامهم فلا نسلم أنها تدل على عدم اعتقادهم بالربوبية، لما مر في الآية السابقة من الوجه الخامس من أن التفضيل في أشياء مخصوصة ليس تفضيلًا مطلقًا.\r٣ - واحتج أيضًا بشبهة أخرى ثالثة وهي قول (¬١) أبي سفيان يوم أحد \"اعل هبل\" وقال: \"ينادي صنمهم المسمى بهبل أن يعلو في تلك الشدة رب السموات والأرض ويقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب آلهتهم\" (¬٢).\rالجواب عن هذه الشبهة بوجوه:\r١ - إن معنى اعل هبل -ظهر دينك (¬٣) - أو أظهر دينك (¬٤)، وعلى هذا فهو يخبر بظهور دين هبل على دين المسلمين وليس على خالق السموات والأرض، أو يدعوه بأن يظهر دينه على دين المسلمين ويؤيد الأول تفسير ابن الجوزي له بقوله: \"أي علا دينك\" (¬٥).\r٢ - ولو سلمنا أن معناه أن هبل أعلى من إله المسلمين فهو على قصد أن إله المسلمين غير خالق السموات والأرض، فإن المشركين لا يعترفون بأن الله هو الذي أرسل محمدًا لله بل يقولون إنه ساحر وكاذب وشاعر إلى آخر ذلك.\rومن الدلائل الصريحة في ذلك قول سهيل بن عمرو في قصة","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: ٧/ ٣٤٩ رقم ٤٠٤٣.\r(¬٢) مفاهيم: ٢٧.\r(¬٣) هكذا فسره ابن إسحاق كما في سيرة ابن إسحاق تحقيق سهيل ذكار: ٣٣٣ ونقله عنه في الفتح: ٧/ ٣٥٢، وفسره الكلبي في الأصنام: ٢٨ أي علا دينك.\r(¬٤) نقله هكذا عن ابن إسحاق في الروض الأنف: ٣٠/ ١٧٠، وفي سيرة ابن هشام: ٣/ ٩٣، وفي نسخة لكتاب الأصنام أعل هبل أعل دينَك.\r(¬٥) تلبيس إبليس ص: ٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049201,"book_id":1098,"shamela_page_id":849,"part":"2","page_num":876,"sequence_num":849,"body":"الحديبية عندما أملى الرسول ﷺ على الكاتب وهو علي بن أبي طالب \"هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله\" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي ﷺ: \"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله\" (¬١).\r٣ - وإذا كان هناك احتجاج بكلام الكفار في الحرب فيقال لهذا القائل: ماذا تقول في قول أبي جهل يوم بدر: \"اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة فكان ذلك استفتاحًا منه فنزلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (¬٢) [الأنفال: ١٩].\rفقد استفتح أبو جهل بالرب دون اللات والعزى وهبل.\rالخلاصة:\rقد تبين مما سبق أن أكثر الأمم معترفون بتوحيد الربوبية، وخاصة مشركو العرب الذين نزل فيهم القرآن وأنهم إنما أشركوا بصرفهم العبادة لغير الله تعالى بزعمهم الشفاعة والوساطة والتقريب، وأن القول بنفي الربوبية لا يعرف إلا ما يقال احتمالًا وافتراضًا أو من شرذمة قليلة فسدت فطرتها فتنكرت لما تفرضه الفطرة، وتوجبه البديهة وتظاهرت بالإنكار مع أنها في الحقيقة تقر بذلك ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢].","footnotes":"(¬١) البخاري: ٥/ ٣٣١ رقم ٢٧٣١.\r(¬٢) أخرجه أحمد: ٥/ ٤٣١، وابن جرير: ٩/ ٢٠٧، والحاكم: ٢/ ٨٢، ونسبه في الدر المنثور: ٣/ ١٧٥، أيضًا إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وغيرهم كلهم من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صغير وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي كما صححه الشيخ مقبل بن هادي في الصحيح المسند من أسباب النزول: ٧٢ وللحديث شواهد من مراسيل التابعين، انظرها في الدر وابن جرير:","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049202,"book_id":1098,"shamela_page_id":850,"part":"2","page_num":877,"sequence_num":850,"body":"وهذا الاعتقاد بالوساطة للأصنام والأوثان وغيرها - لا يمنع من أنه قد يوجد (¬١) بعض الأفراد القليلين الذين قد ينسون الله بالكلية فيقصدون آلهتهم فقط وإن كانوا يعترفون ويعلمون بالنظر البرهاني أن لا بد من الاعتراف بالله تعالى.\rولكن مناقشتنا ليست في هؤلاء القلة وإنما هي في جمهور المشركين الذين نزل فيهم القرآن وقاتلهم رسول الله ﷺ فهؤلاء قطعًا يقرون بالربوبية ويعتقدون في الأصنام الشفاعة والتقريب وهم جَادُّونَ فيما يعتقدونه من ذلك كما دلت عليه الأدلة القاطعة التي ذكرناها ولله الحمد.\r\rالشبهة (¬٢) الثانية:\rقالوا: إن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم ليس عبادة لهم وبالتالي فليس شركًا ولا تنطبق عليه النصوص الواردة في منع دعاء غير الله تعالى، لأن المراد بالدعاء في تلك الآيات هو العبادة وليس بمعنى السؤال والنداء والطلب.","footnotes":"(¬١) انظر ما ذكره ابن الجوزي من تحسين الشيطان لبعضهم أنها الآلهة وحدها \"تلبيس إبليس ص: ٦٣\" وما ذكره ابن القيم من أن من المشركين من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة أو أكبر الآلهة \"الجواب الكافي: ١٣٥\"، وما ذكره الدهلوي من أن بعضهم قد ينسى جلال الله بالكلية فلا يعبد إلا الشريك بدون نية الوساطة \"حجة الله البالغة: ١/ ٦١ \".\rويمكن أن يقال: إن هؤلاء إنما زعموا في معبوداتهم أنها الإله الحق لزعمهم حلول الإله فيها أو سر الإله لا على أنها بذاتها هي الإله الأعظم، انظر بغية المرتاد: ٥٢١، أو أن هذا الكلام افتراض من هؤلاء القائلين إذ لا يعرف القائل به كما أشار إليه ابن تيمية. والله أعلم. أو يقال إن هؤلاء القلة ليسوا من أصحاب الأصنام الذين يناقشهم القرآن، وإنما من بعض الدهرية كما يشير إلى ذلك كلام الأشعري السابق.\r(¬٢) انظر هذه الشبهة في خلاصة الكلام: ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، والدرر السنية ص: ٣٤، وانظر حكاية هذه الشبهة عنهم والجواب عنها في كشف الشبهات ص: ١٦٤، والقول الفصل ص: ٢٩، وجلاء العينين: ٤٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049203,"book_id":1098,"shamela_page_id":851,"part":"2","page_num":878,"sequence_num":851,"body":"وأما الدعاء بمعنى النداء والسؤال فيجوز صرفه لغير الله تعالى، فالممنوع هو دعاء غير الله تعالى بمعنى العبادة لا بمعنى السؤال.\rوقالوا: فنحن لم نعبد غير الله تعالى، وإنما المقصود بدعائنا هو التوسل والتشفع فقط لا العبادة.\rالجواب عن هذه الشبهة بوجوه:\r١ - إن هذا القول يصادم النصوص الواضحة التي سمت دعاء المسألة عبادة وهي كثيرة: فمن ذلك قوله ﷺ: «الدعاء العبادة» (¬١).\rومن ذلك بعض الآيات التي وردت فيها كلمة الدعاء ومتصرفاتها وأريد بها دعاء المسألة نصًا، فلا يمكن تأويلها بالعبادة فهي آيات صريحة في موضع النزاع، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].\rوقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].\rوقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].\rفالمراد بالدعاء في هذه الآيات دعاء المسألة كما هو واضح من سياق الآيات.\rويدل على ذلك في الآية الأولى قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ لأن الكشف هو إجابة الدعاء. كما يدل على ذلك في الآية الثانية قوله: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص: ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049204,"book_id":1098,"shamela_page_id":852,"part":"2","page_num":879,"sequence_num":852,"body":"عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ لأن كشف الضر أو تحويله هو إجابة الدعاء.\rويدل السياق في الآية الثالثة مع المثل المضروب وكلمة لا يستجيبون على أن المراد بالدعاء دعاء المسألة.\rوقد ذكرنا فيما تقدم (¬١) أمثلة أخرى مع نقل كلام العلماء في ذلك.\r٢ - إن أكثر استعمال الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان العرب ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم (¬٢).\rوقد تقدم (¬٣) بيان ذلك في تعريف الدعاء ولله الحمد.\rومن الأدلة على أن الاستعمال الأكثر للدعاء إنما هو في السؤال والطلب صنيع المؤلفين من المحدثين وغيرهم، حيث يعقدون في كتبهم بباب الدعوات أو كتاب الدعوات أو مثل هذه العبارة ثم يوردون ما يتعلق بدعاء المسألة فقط (¬٤).\rوأغلبهم لا يتعرضون لدعاء العبادة في تلك الكتب والأبواب.\rومثل هؤلاء آخرون الذين أفردوا كتبًا خاصة بالدعاء وهي كتب كثيرة للمتقدمين (¬٥) والمتأخرين لم يذكروا في تلك الكتب إلا مما يتعلق بدعاء المسألة.\rفهذا يدل على أن الاستعمال الغالب لكلمة الدعاء في لسان المصنفين من العلماء -إنما هو في دعاء المسألة-.","footnotes":"(¬١) تقدم ص: ١١٨.\r(¬٢) فتح المجيد ص: ١٨٠.\r(¬٣) مر في ص: ٢٧.\r(¬٤) انظر القول الفصل النفيس: ٤٧.\r(¬٥) قد ذكرت في ص: ١٦٣ أنها وصلت بعد التتبع حسب الاستطاعة نحو ٦٠ مؤلفًا إلى القرن السادس وأما بعد ذلك فكثيرة جدًا فيصعب حصرها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049205,"book_id":1098,"shamela_page_id":853,"part":"2","page_num":880,"sequence_num":853,"body":"٣ - لو سلمنا أن المراد بالدعاء في الآيات -العبادة- لا نسلم بأن دعاء المسألة لا يدخل في العبادة، فإنه إن لم يكن الدعاء من العبادة فلا عبادة يمكن تصورها، لأن الدعاء يتضمن أنواعًا من العبادات وليس عبادة واحدة فقط، فهو يتضمن الرجاء والخوف والتوكل والتضرع والابتهال والخشية والطمع والتوجه إلى الله والإقبال عليه والانطراح بين يديه وحسن الظن بالله، والمراقبة الله، كما أنه يتضمن سؤاله وذكره وثناءه والتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.\rفإذا لم تكن هذه الأمور عبادة فلا يمكن أن نتصور عبادة وقد وردت الأدلة الصحيحة بأن الدعاء هو العبادة وأنه مخها وروحها، قال ﷺ في حديث النعمان بن بشير ﵄: الدعاء هو العبادة \"فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجلّ العبادات فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادات\" (¬١).\rفتحصل من هذا أن الدعاء داخل في العبادة، وأن الآيات والأحاديث الواردة في العبادة والتحذير من صرفها لغير الله تعالى تشمل وتعم جميع أنواع العبادت ومن أجلها دعاء المسألة، وقد قدمنا تلازم نوعي الدعاء وأن دعاء العبادة يستلزم الطلب والسؤال، فلا ينفع الخصم تأويل معنى الدعاء إلى العبادة وتضييقه لمفهوم العبادة حيث يظن أنها خاصة بالصلاة والصوم والحج.\rقال الأمير الصنعاني جوابًا لمن حصرها في الصلاة والصوم إلخ:\r\"هذا جهل بمعنى العبادة فإنها ليست منحصرة فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقدًا ويصنعون له ما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز ص: ٢١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049206,"book_id":1098,"shamela_page_id":854,"part":"2","page_num":881,"sequence_num":854,"body":"والاستغاثة والحلف والنذر وغير ذلك\" (¬١).\r٤ - وأما ادعاء (¬٢) أن هذا الطلب والسؤال الذي يصرف لغير الله ليس بدعاء بل هو نداء فالآيات إنما وردت في التحذير من الدعاء، وأما النداء للغائب فجائز.\rفهذا الادعاء غير صحيح لأمور (¬٣).\rأ - إن الله ﷾ قد سمي النداء دعاء في كثير من الآيات منها ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٢ - ٤].\rسمي الله النداء دعاء في هذه الآية لأن مدلولهما واحد من باب الترادف على معنى واحد (¬٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]. فعطف النداء على الدعاء عطف مرادف. وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] وسمي ذلك دعاء في آية أخرى فقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠].\rب - ثم يقال: وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجة وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب بأن الأول يسمى دعاء والثاني نداء؟ (¬٥).\rولا فرق بين الأمرين لا في اللغة ولا في الشرع.\rج - ثم يقال أيضاً: وأي فرق بين سؤال الميت حاجة وبين سؤالها","footnotes":"(¬١) تطهير الاعتقاد للصنعاني ص: ٣٤.\r(¬٢) يراجع خلاصة الكلام: ٢٥٧.\r(¬٣) القول الفصل: ٢٩، والانتصار لحزب الله ص: ٢٥، وتأسيس التقديس لأبا بطين ص: ٥٠.\r(¬٤) القول الفصل: ٢٩، والانتصار لحزب الله ص: ٢٥.\r(¬٥) الانتصار لحزب الله ص: ٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049207,"book_id":1098,"shamela_page_id":855,"part":"2","page_num":882,"sequence_num":855,"body":"من صنم ونحوه بأن الثاني يسمى دعاء والأول نداء؟ فإن قال: الكل يسمى نداء لا دعاء، فهذا مشاقة للقرآن ومحادة الله ورسوله (¬١)؛ لأنَّه قد وردت آيات كثيرة جداً تسمي نداءَ ما يعبد من دون الله دعاء وذكرنا أمثلتها في التعريف (¬٢) فيما تقدم.\r٥ - وأما ادعاء أن دعاء الصالحين لا يسمى عبادة وإنما يسمى توسلاً أو شفاعة أو تبركاً إلى آخر تلك التأويلات فهو قول باطل لأن الأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه (¬٣)؛ لأن العبرة بالمقاصد لا بالألفاظ والأسماء، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال ﵊: إنما الأعمال بالنيات\" (¬٤).\rوقد أخبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه سيأتي قوم يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها (¬٥).\rفالخمر هي من الخمر ولو سموها -زوراً وبهتاناً- شراباً روحياً أو غير ذلك الأسماء البراقة الخادعة.\rوكذلك دعاء -غير الله تعالى- لا يتغير بتسميته توسلاً وتشفعاً وتبركاً، وكذلك تسمية من يعتقدون فيه أولياء لا تخرجهم عن اسم الأصنام والأوثان، إذ هم معاملون لهم معاملة المشركين للأصنام ويطوفون","footnotes":"(¬١) المرجع نفسه ص: ٢٥، وتأسيس التقديس ص: ٥٢.\r(¬٢) تقدم ص: ٣٢.\r(¬٣) تطهير الاعتقاد: ٢٠، والانتصار لحزب الله ص: ١٠.\r(¬٤) البخاري: ٩/ ١ رقم ١، ومسلم: ٣/ ١٥١٥ رقم ١٩٠٧.\r(¬٥) أخرجه أبو داود: ٤/ ٩٣ رقم ٣٦٨٨، وابن ماجه: ٢/ ١٣٣٣ رقم ٤٠٢٠، وأخرجه البخاري عن شيخه هشام بن عمار على صورة التعليق جازماً به \"البخاري مع الفتح: ١٠/ ٥١ رقم ٥٥٩٠\" والحديث صحيح بلا شك خلافاً لابن حزم وله شواهد ساقها الحافظ ابن حجر في الفتح: ١٠/ ٥١ - ٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049208,"book_id":1098,"shamela_page_id":856,"part":"2","page_num":883,"sequence_num":856,"body":"بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد (¬١).\rقال ابن القيم: فالشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا بسجود له هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة أو هذا إكرام لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجوداً لغير الله، وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة (¬٢).\rفتبين مما سبق أن ما يفعله عباد القبور من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالذبائح والنذور عبادة منهم للمقبورين وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة.\rومن كيد الشيطان أنه لما علم أن كل من قرأ القرآن أو سمعه ينفر من الشرك ومن عبادة غير الله تعالى ألقى في قلوب الجهال أن ما يفعلونه مع المقربين وغيرهم ليس عبادة لهم وإنما هو توسل وتشفع بهم والتجاء إليهم ونحو ذلك، فسلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب (¬٣).\r٦ - إن السبب الذي أوقعهم فيما قالوا أنهم ضيقوا مفهوم العبادة وظنوا أنها لا تشمل إلا نحو السجود والركوع.\rكما ظنوا أن العبادة لا يكون صرفها لغير الله شركاً إلا إذا اعتقد التأثير من دون الله، وقد صرح بعضهم بذلك. فقال: وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقدون ألوهيته واستحقاقه العبادة، فيرغبون إليه ويخضعون بين يديه فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله","footnotes":"(¬١) تطهير الاعتقاد: ٢٢.\r(¬٢) بدائع الفوائد: ٢/ ٢٣٥.\r(¬٣) الانتصار لحزب الله: ١١ - ١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049209,"book_id":1098,"shamela_page_id":857,"part":"2","page_num":884,"sequence_num":857,"body":"تعالى واعتقاد التأثير، وأما النداء لمن لا يعتقد ألوهيته ولا تأثيره فليس بشرك وإن كان لميت أو غائب أو جماد (¬١). وقال غيره: إن العبادة هي اعتقاد ربوبية المخضوع له فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما يأتي به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً مهما كان المأتي به ولو سجوداً (¬٢). وهذا باطل لأمور:\rأ - لأن الشرك جعل شريك الله تعالى فيما يستحقه ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع والخوف والرجاء والدعاء …\rفمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربه، قد عدل به سواه وجعل له نداً من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية أو استقلالاً بشيء منها (¬٣).\rب - ثم يقال لهم إن ظنكم أن العبادة لا يكون صرفها لغير الله شركاً إلا إذا اعتقد التأثير -يدل على أن الشرك لا يكون إلا اعتقادياً، وأن اللفظ لا يكون كفراً إلا إذا طابق الاعتقاد، وهذا يقتضي سد أبواب الشرائع ويخالف ما ذكره الفقهاء في باب الردة من التكفير بألفاظ يذكرها بعض الناس من غير اعتقاد (¬٤)، وهذا الجواب على سبيل التنزل معهم وإلا فكثير منهم يعتقدون ما يقولون.\rج - ثم يقال لهؤلاء الذين ضيقوا مفهوم العبادة: إن السجود عبادة ومثله الدعاء والنذر والذبح فما الفارق الذي أباح صرف هذا دون هذا؟ بل الذي ورد في خصوص الدعاء أكثر مما ورد من السجود (¬٥).\rد - ويقال لهم أيضاً: إن هذا جهل بمعنى العبادة فإنها ليست","footnotes":"(¬١) خلاصة الكلام ص: ٢٥٧.\r(¬٢) فرقان الفرقان للعزامي ص: ١١١.\r(¬٣) تحفة الطالب: ٥٩.\r(¬٤) جلاء العينين ص: ٥١٤ - ٥١٥.\r(¬٥) الانتصار لحزب الله: ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049210,"book_id":1098,"shamela_page_id":858,"part":"2","page_num":885,"sequence_num":858,"body":"منحصرة في السجود والصلاة والصيام إلخ، \"بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقداً ويصنعون له ما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك\" (¬١).\rهـ - ويقال أيضاً لمن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم عبادتهم: \"فلأي مقتضى صنعت هذا الصنيع؟ فدعاؤك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك فأنت مصاب بعقلك\" (¬٢).\r٧ - هذا ومما يدل على أن ادعاءهم بأنهم يريدون من الدعاء التوسل .. الخ ليس صحيحاً أن بعض هؤلاء يعترف بأنه لا فرق بين التوسل والاستشفاع بالأولياء، وبين الاستغاثة والدعاء والنداء وطلب تفريج الكربات من الأولياء فالكل من باب واحد لأن المهم هو عدم اعتقاد التأثير المستقل للأولياء.\rومع هذا إذا نوقشوا واحتج عليهم بأن القسم الثاني الذي هو الاستغاثة .. إلخ شرك صريح بدليل الآيات البينات.\rقالوا: إنها تؤول إلى التوسل والشفاعة.\rفدل هذا على أن هذا الكلام إنما هو تلبيس للحقائق وتسمية للأشياء بغير اسمها وإلا فهم باعترافهم لا يرون فرقاً بين الأمرين، وأن الكل ليس بمحظور بل هو مستحب وأدب من آداب الدعاء.\rوهذه عبارات بعضهم تنادي عليهم بذلك:\rقال السبكي: \"اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل، والاستغاثة،","footnotes":"(¬١) تطهير الاعتقاد ص: ٣٤.\r(¬٢) الدر النضيد: ٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049211,"book_id":1098,"shamela_page_id":859,"part":"2","page_num":886,"sequence_num":859,"body":"والتشفع بالنبي ﷺ إلى ربه ﷾\" (¬١).\rثم ذكر أن معنى الاستغاثة طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، وإن كان أعلى منه، فالتوسل والتشفع والتوجه والاستغاثة بالنبي ﷺ وسائر الأنبياء والصالحين ليس لها معنى في قلوب المسلمين غير ذلك … وإذا صح المعنى فلا عليك في تسميته توسلاً أو تشفعاً أو توجهاً أو استغاثة.\rثم ذكر أنه لو سلم أن لفظ الاستغاثة يستدعي النصر على المستغاث منه فالعبد يستغيث بالنبي ﷺ وغيره من الصالحين متوسلاً بهم إلى الله ليغيثه على من استغاث منه، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي ﷺ واسطة بينه وبين المستغيث (¬٢)، ويقول أيضاً: \"فالله تعالى مستغاث، فالغوث منه خلقاً وإيجاداً، والنبي ﷺ مستغاث، والغوث منه تسبباً وكسباً\" (¬٣).\rفهو يعترف بأن الاستغاثة بالصالحين لا مانع منها، ويعلل ذلك بأن القصد من الاستغاثة بهم كونهم واسطة بين المستغيث بهم وبين الله تعالى.\rوقد عرف أن هذا الاعتقاد بالواسطة هو عين ما يعتقده المشركون الأوائل.\rكما يري أن إسناد الاستغاثة إلى المخلوق بمعنى أنهم مكتسبون لها ومتسببون فيها لا مانع، فهو يشير بهذا إلى كسب الأشعري المعروف.\rفعلى قوله فإسناد الاستغاثة إلى النبي ﷺ في حال مماته كإسناد الاستغاثة إليه في حال حياته؛ لأن الكل من باب الكسب والتسبب، وأما المؤثر الحقيقي في الحالتين فهو الله تعالى.","footnotes":"(¬١) شفاء السقام: ١٧١.\r(¬٢) المصدر نفسه: ١٨٣ - ١٨٤.\r(¬٣) المصدر نفسه: ١٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049212,"book_id":1098,"shamela_page_id":860,"part":"2","page_num":887,"sequence_num":860,"body":"وذكر الهيتمي مثل كلام السبكي السابق ولعله نقله منه ومما قاله (¬١): \"فهو ﷾ مستغاث به حقيقة والغوث منه خلقاً وإيجاداً، والنبي ﷺ مستغاث به مجازاً (¬٢) والغوث منه تسبباً وكسباً فهو على حد قوله تعالى: وما رميت ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، أي وما رميت خلقاً وإيجاداً إذ رميت تسبباً وكسباً ولكن الله رمى خلقًا وإيجاداً، وقوله تعالى: فلم تقتلوهم ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧].\rوبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث باعتبار الكسب أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعاً، فإذا قلت: أغثني يا الله، تريد الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإذا قلت: أغثني يا رسول الله، تريد الإسناد المجازي باعتبار الكسب والتوسط\".\rففي هذا الكلام الأمور التالية:\r١ - أنه يجوز طلب الاستغاثة من الرسول ﷺ، وكذا من الصالحين، لأنَّه لا فرق ذلك بين عندهم.\r٢ - إن المستغاث به الذي هو النبي ﷺ أو الولي، يغيث ويقع الغوث منه في حال مماته مثل ما يقع منه في حال حياته بدون أدنى أي فرق بين الحالتين، وقد علم بالضرورة الفرق بين الحالتين، فعدم الفرق باطل.\r٣ - إن إسناد الغوث إلى المخلوق إسناد كسب وتسبب، وليس إسناد إيجاد وخلق، وهذه العقيدة في الإسناد في الأفعال هي عامة عندهم الأفعال الاختيارية، وهو قول الأشعري في مسألة قدرة العبد على","footnotes":"(¬١) الدر المنظم بواسطة خلاصة الكلام: ٢٥٣، والدرر السنية: ١٧، والمواهب اللدنية كما في جلاء العينين ص: ٤٩٦، وانظر نحو هذا الكلام في المنحة الوهبية لابن جرجيس ص: ٤، ٢٥، وفي غاية الأماني: ٢/ ٣٤٠ نقلاً عن رجل عراقي.\r(¬٢) فكلمة المجاز في عبارته لا يراد بها المجاز المصطلح عليه عند علماء البلاغة وإنما المراد به الإشارة إلى مذهب الأشاعرة في الكسب، فالإغاثة قد حصلت عندهم حقيقة من النبي ﷺ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049213,"book_id":1098,"shamela_page_id":861,"part":"2","page_num":888,"sequence_num":861,"body":"الفعل وأن ذلك كسب وليس فعلاً وهو يرجع في الحقيقة إلى قول الجبرية كما تقدمت (¬١) الإشارة إلى ذلك. فهذا اعتراف منهم بأنهم يعتقدون أن الاستغاثة قد وقعت فعلاً وحصلت من المستغاث به، وأنَّه يقدر على الإغاثة وإن كانوا يؤولون في معنى القدرة، وأن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى.\r٤ - إنه لا فرق بين الاستغاثة وبين التوسل والتشفع وأن المراد من الكل هو توسط النبي أو الولي في قضاء الحاجات.\rوقد علمنا أن عقيدة التوسط والشفاعة هي التي يعتقدها المشركون.\rوقد نقل (¬٢) كلام الهيتمي هذا -أحمد زيني دحلان- واحتج به وممن صرح بذلك الدجوي (¬٣) فإنه قال:\r\"والحاصل أنه لا يكفر المستغيث إلا إذا اعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى … فإنه إن اعتقد الإيجاد لغير الله كفر على خلاف للمعتزلة في خلق الأفعال وإن اعتقد التسبب والاكتساب لم يكفر، وأنت تعلم أن غاية ما يعتقد الناس في الأموات هو أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء لا أنهم خالقون موجدون كالإله، إذ لا يعقل أن يعتقد فيهم الناس أكثر من الأحياء، وهم لا يعتقدون في الأحياء إلَّا الكسب والتسبب، فإذا كان هناك غلط فليكن في اعتقاد التسبب والاكتساب لأن هذا هو غاية ما يعتقده المؤمن في المخلوق وإلا لم يكن مؤمناً والغلط في ذلك ليس كفراً ولا شركاً\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) مر في ص: ٣٤٢.\r(¬٢) خلاصة الكلام: ٢٥٣ - ٢٥٤، والدرر السنية: ١٧ - ١٨.\r(¬٣) هو يوسف بن أحمد المصري المالكي الضرير له عدة مقالات في نشر البدع ورد السنن نشرها في مجلة الأزهر (ت ١٣٦٥ هـ). انظر معجم المؤلفين ١٣/ ٢٧٢.\r(¬٤) التوسل وجهلة الوهابيين: ٢٧٩ - ٢٨٠، وذكر نحوه عنهم في جلاء العينين: ٤٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049214,"book_id":1098,"shamela_page_id":862,"part":"2","page_num":889,"sequence_num":862,"body":"وهذا الكلام مع خطورته واعتراف صاحبه بأنه لا يضر قصد الميت للاستغاثة على قضاء الحاجات - قد انتحله بعض المعاصرين (¬١).\rوممن صرح بعدم الفرق بين الاستغاثة والتوسل وغيرهما الكوثري، فقد ذكر أن الاستغاثة والاستعانة والتوسل من باب واحد (¬٢).\rهذا ومما يلاحظ على هؤلاء الذين نقلنا كلامهم أنهم احتجوا بمسألة خلق أفعال العباد على المذهب الأشعري، وهذا لا يفيدهم شيئاً بل يبين اعتقادهم ويكشفه على حقيقته لاعتقادهم للموتى ما يعتقدونه للأحياء.\rثم إن مسألة خلق أفعال العباد لا تلازم بينها وبين دعاء الأولياء والصالحين بوجه ما وإنما ظن هؤلاء أن من قال بأن الله يخلق أفعال العباد يبيح ويجيز دعاء الصالحين، ومن قال: إن العبد يخلق أفعال نفسه يحرم عليه ذلك (¬٣).\rوهذا ظن سيئ لأن كلا الفريقين لا فرق بينهم في منع طلب ما لا يقدر عليه إلا الله من غير الله تعالى، لأن ذلك ليس من باب الكسب المباشر بل يكون من التأثير بالقوة والسلطان الغيبي بدون مباشرة الأسباب؛ لأن من يدعوهم يعتقد أنهم يؤثرون في حاجته بدون مباشرة للأسباب الظاهرة، وهذا من خصائص الله تعالى.\r\rالشبهة الثالثة:\rقولهم: إن تلك النصوص إنما وردت في الأصنام فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام، فمن يدعوهم ليس مثل من يدعو الأصنام. والجواب (¬٤):","footnotes":"(¬١) وهو العلوي في كتابه مفاهيم يجب أن تصحح ص ١٠٥.\r(¬٢) المقالات ص: ٣٩٥.\r(¬٣) تحفة الطالب ص: ٤٨، وغاية الأماني: ٢/ ٣٤٣.\r(¬٤) انظر هذا الجواب في مؤلفات الشيخ: كشف الشبهات: ١٦٢، وتطهير الاعتقاد: ١٤، والدر النضيد: ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049215,"book_id":1098,"shamela_page_id":863,"part":"2","page_num":890,"sequence_num":863,"body":"١ - إن المشركين الذين وردت فيهم تلك النصوص ليسوا كلهم يعبدون الأصنام فإن منهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأحجار وهي في الأصل صور رجال صالحين، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم ومن أوضحها قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧].\rفهذه الآية في العقلاء بدون شك وإن اختلف المفسرون في تعيينهم:\rأ - فقيل الجن، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وفي رواية: \"فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون\" (¬١).\rب - وفي رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنها نزلت في الملائكة ومثله عن عبد الرحمن بن زيد (¬٢).\rجـ - وفي رواية أنهم عزير وعيسى وأمه والملائكة، روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد (¬٣).","footnotes":"(¬١) البخاري: ٨/ ٣٩٧ رقم ٤٧١٤، ومسلم: ٤/ ٢٣٢١ رقم ٣٠٣٠، والطبري: ١٥/ ١٠٤.\r(¬٢) الطبري: ١٥/ ١٠٥.\r(¬٣) الطبري: ١٥/ ١٠٥ وابن أبي حاتم، قال ابن تيمية: روى ابن أبي حاتم وغيره بأسانيد ثابتة عن شعبة عن السدي سمع أبا صالح عن ابن عباس به هـ \"الرد على المنطقيين: ٥٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049216,"book_id":1098,"shamela_page_id":864,"part":"2","page_num":891,"sequence_num":864,"body":"فهذه الأقوال المنقولة عن السلف في تفسير هذه الآية ليس بينها اختلاف؛ لأنها عامة تشمل كل هذه الأقوال إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم إنه ليس مراد من فسرها بالجن أو الملائكة أنها خاصة بذلك وإنما مراده مجرد التمثيل.\rقال شيخ الإسلام: \"وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر والسلف ﵃ في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز فيريه رغيفاً فيقول هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه.\rوليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس\" (¬١).\rفمعنى (¬٢) الآية أن الذين يدعونهم المشركون هم أنفسهم يتقربون إلى الله بالطاعات ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز دعاؤهم؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢].\rوأما القول بأنها لا تعم إلا الذين كانوا أحياء في وقت النزول وهم الملائكة والجن لأنهم هم الذين يتقربون ويرجون ويخافون وقت نزول الآية.\rوأما الذين ماتوا مثل عزير ومريم فلا تشملهم (¬٣) ففيه نظر؛ لأنَّه يمكن أن يقال: إن الآية تذكر صفتهم في حال حياتهم فقد كانوا يتقربون","footnotes":"(¬١) الرد على البكري: ٢٨٦، والفتاوى: ١٥/ ٢٢٦، وعنه في ملحق المصنفات: ١٠٢، والفواكه العذاب: ٣٨.\r(¬٢) انظر الرد على المنطقيين: ٥٢٩.\r(¬٣) ذهب إلى ذلك الإمام الطبري ﵀: ١٥/ ١٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049217,"book_id":1098,"shamela_page_id":865,"part":"2","page_num":892,"sequence_num":865,"body":"إلى الله تعالى (¬١)، ويمكن أن يقال أيضاً: إنهم لا زالوا يتقربون كما ورد أن موسى يصلي في قبره (¬٢)، وأما الرجاء والخوف فلا ينقطع إلا بعد دخول الجنة يوم القيامة.\rفتبين بهذا أن الآية عامة في المعبودين من العقلاء بدون تخصيص صنف دون صنف.\rوقد اتفقت أقوال المفسرين على أن هذه الآية في المدعوين العقلاء وليست في الأصنام وإليك قول الرازي: \"اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على المشركين وقد ذكرنا أن المشركين كانوا يقولون: ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى، فنحن نعبد بعض المقربين من عباد الله، وهم الملائكة، ثم أنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالاً وصورة، واشتغلوا بعبادته على هذا التأويل، والله تعالى احتج على بطلان قولهم في هذه الآية فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وليس المراد الأصنام لأنَّه تعالى قال في صفتهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتة\" (¬٣).\rومما يدل على أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن يعبدون غير الأصنام ما بيّنه الله ﷾ في كتابه من الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالصالحين، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، والشرك بالجن، وأصل ذلك كله الشرك بالشيطان، فقال تعالى في الشرك بالملائكة والأنبياء ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٧٩، ٨٠] وقال","footnotes":"(¬١) انظر وجه ذلك في الرد على البكري ص: ٢٨٥ - ٢٨٦.\r(¬٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: ١٨/ ١٥٧ رقم ١٧٢، وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أنس في: ٤/ ١٨٤٥ رقم ٢٣٧٥.\r(¬٣) تفسير الرازي: ١٠/ ٢٣٢، وانظر فتح القدير: ٣/ ٢٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049218,"book_id":1098,"shamela_page_id":866,"part":"2","page_num":893,"sequence_num":866,"body":"تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال في الشرك بالملائكة والأنبياء والصالحين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].\rوقال في الشرك بالملائكة والجن: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]. ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، وقال تعالى في الشرك بالشيطان ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ١٠٠].\r٢ - ثم لو سلمنا أن تلك النصوص وردت في الأصنام فقط على سبيل التنزل فإننا نقول: إن تلك الأصنام هي تماثيل لقوم صالحين فقد ثبت في ود وسواع ويغوث .. إلخ أنها أسماء رجال صالحين من قوم نوح. كما ثبت أن اللات رجل يلت السويق للحجيج.\rوقد تقدم (¬١) ذكر ذلك.\rوعلى هذا فعبادة الأصنام ترجع في الحقيقة إلى عبادة الصالحين فهي الأساس في العبادة وأصل الفتنة.\rوقد ذكر كثير من علماء الإسلام هذا المعنى وبينوا أن عبادة الأصنام ترجع إلى عبادة العقلاء من الملائكة والأنبياء والصالحين أو الكواكب (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر ص: ٤٦١، ٤٦٤.\r(¬٢) انظر ما ذكره شيخ الإسلام في قاعدة التوسل ص: ١٥٥، وضمن الفتاوى: ١/ ٣٦١، وما ذكره الرازي في التفسير: ٢٦/ ٢٤١، والمراجع التي تقدمت في هامش ص: ٨٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049219,"book_id":1098,"shamela_page_id":867,"part":"2","page_num":894,"sequence_num":867,"body":"كما أقر بهذا الباحثون المعاصرون كما ذكر ذلك الدكتور محمد عبد الله دراز فإنه قال: \"فاعلم أن كلمات الباحثين في نفسيات المتدينين وعقلياتهم قد تطابقت على أنه ليس هناك دين أياً كانت منزلته من الضلال والخرافة، وقف عند ظاهر الحس، واتخذ المادة المشاهدة معبودة لذاتها وأنَّه ليس أحد من عباد الأصنام والأوثان كان هدف عبادته في الحقيقة هياكلها الملموسة، ولا رأى في مادتها من العظمة الذاتية ما يستوجب لها منه هذا التبجيل والتكريم، وكل أمرهم هو أنهم كانوا يزعمون هذه الأشياء مهبطاً لقوة غيبية أو رمزاً لسر غامض يستوجب منهم هذا التقديس البليغ فهي في نظرهم أشبه شيء بالتمائم والتعويذات التي يتفاءل أو يتبرك بها أو يستدفع بها شيء من الحسد أو السحر … ثم ضرب مثالاً لذلك بالزنوج الذين في جبال النوبة وأنهم يعبدون رجلاً يسألونه دفع البلاء وجلب النفع بالمطر والرزق، ويبالغون في دعائه واسترضائه، فإن لم يحصل مطلوبهم سجنوه وربما قتلوه.\rفدل هذا على أنهم يعتقدون فيه علم الأسرار والقدرة على قضاء الحاجات إلى حد محدود، كما هو الحال في المعتقدين في الأولياء والقديسين ولا ذلك يمنع من اعتقادهم في الإله الأعظم\" (¬١).\r٣ - ثم إن تلك النصوص عامة شاملة لجميع المدعوين من دون الله سواء كانوا من الأصنام الجامدات أو العقلاء. لأن تلك النصوص وردت بألفاظ العموم فتشمل الجميع.\rوبعض تلك النصوص جاءت بألفاظ خاصة بالعقلاء نحو ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]. وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر، لأن الذين لم يخبر به إلا عن العقلاء ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت (¬٢).","footnotes":"(¬١) الدين مع الهامش: ٤٢ - ٤٣.\r(¬٢) القول الفصل ص: ٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049220,"book_id":1098,"shamela_page_id":868,"part":"2","page_num":895,"sequence_num":868,"body":"وبهذا يتبين أن النصوص عامة لكل المدعوين من العقلاء وغيرهم، ومن ادعى التخصيص بغير العقلاء فعليه البرهان ولا برهان له يدل على الفرق بين العقلاء وغيرهم \"لأن الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو يفعل لغير الله شيئاً يختص به سبحانه سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسماً آخر فلا اعتبار بالاسم قط …\rوقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور … \" (¬١).\rوإنما قلنا بأن الآيات جاءت بألفاظ العموم لأنها جاءت بصيغة الموصول وهي من صيغ العموم (¬٢) كقوله: والذين تدعون ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٥٦].\rفهذه الموصولات في كلام الله وكلام رسوله واقعة على كل مدعو ومعبود نبياً كان أو ملكاً أو صالحاً إنسياً أو جنياً، حجراً أو شجراً متناولة لذلك بأصل الوضع، فإن الصلة كاشفة ومبينة للمراد وهي واقعة على كل مدعو من غير تخصيص، وهي أبلغ وأدل وأشمل من الأعلام الشخصية والجنسية.","footnotes":"(¬١) الدر النضيد ص: ١٨.\r(¬٢) انظر في صيغ العموم: الأحكام للآمدي: ٢/ ١٨٣ - ١٨٤، والأحكام لابن حزم: ٣/ ١٢٩، وجمع الجوامع: ١٨/ ٤٠٩، وإرشاد الفحول ص: ١١٥. فقد ذكروا أن أسماء الشرط والاستفهام والموصولات من صيغ العموم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049221,"book_id":1098,"shamela_page_id":869,"part":"2","page_num":896,"sequence_num":869,"body":"وهذا هو الوجه في إيثارها على الأعلام، وشرط الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب، والمعهود عند من يعقل من أصناف بني آدم أن الأنبياء والملائكة والصالحين قد عُبِدوا مع الله وقصدهم المشركون بالدعاء في حاجاتهم (¬١).\rفتبين مما سبق بطلان القول بأن النصوص واردة في الأصنام، واتضح أنها عامة لكل معبود من دون الله تعالى.\r\rالشبهة (¬٢) الرابعة:\rقولهم: إن المشركين الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول ﷺ، وينكرون البعث ويكذبون القرآن ونحن نشهد الشهادتين ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم .. إلخ فكيف تجعلوننا مثلهم بمجرد قصدنا الأولياء للشفاعة؟ واحتجوا على هذا بحديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا … وحديث أسامة وغيرهما من الأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله.\rجـ (¬٣) - الإقرار بالشهادتين والاعتراف بالشريعة الإسلامية لا يغني عن الاحتراز من الوقوع في نواقض الإسلام، ولا يلزم من ذلك بقاء الرجل على الإسلام ولو أتى بالكفريات وبما يناقض الشهادتين، والأدلة على ذلك كثيرة:\r١ - إجماع (¬٤) العلماء رحمهم الله تعالى على أن من صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء يكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ","footnotes":"(¬١) تحفة الطالب: ٨٩ - ٩٠.\r(¬٢) انظر في هذا الدرر السنية ص: ٤٠ - ٤١، ومفاهيم: ٧.\r(¬٣) يراجع في الجواب إلى مفيد المستفيد: ٣٠٧، وتطهير الاعتقاد: ٣١، والدر النضيد: ٢١، ٢٣.\r(¬٤) انظر في حكاية الإجماع على ذلك الشفا لعياض: ٢/ ١٠٧٢، وما بعدها ويراجع الروضة للنووي: ١٠/ ٧١، وجلاء العينين: ٤٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049222,"book_id":1098,"shamela_page_id":870,"part":"2","page_num":897,"sequence_num":870,"body":"يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١].\rوقد علم أن التوحيد أهم أركان الإسلام فمن أنكره أو أنكر بعض جوانبه فقد كفر.\r٢ - وقد وقع في التاريخ الإسلامي ما يدل على إجماع العلماء على تكفير من أنكر بعض الشيء من الدين ومن ذلك:\rأ - إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال المرتدين بعد مناقشة عمر لأبي بكر وبيانه له، فلم يحصل بينهم في قتالهم خلاف مع أن بعضهم لا زال يقر بالإسلام.\rب - قد حرق علي ﵁ الذين غلوا فيه وألّهوه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا التابعين وقد أنكر عليه ابن عباس الإحراق بالنار، لا أصل قتلهم (¬١).\r٣ - فقهاء المذاهب يعقدون أبواباً في أحكام الردة ولو أن المسلم لا يمكن وقوع الكفر منه لما كانت حاجة إلى عقد تلك الأبواب.\rوقد ذكروا في تلك الأبواب ما هو أقل بكثير مما نحن فيه.\r٤ - قد وردت آيات تدل على ارتداد من ارتكب بعض الكفريات مع كونهم من أصحاب رسول ﷺ يجاهدون معه ويقاتلون الكفار، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤]. وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص: ٤٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049223,"book_id":1098,"shamela_page_id":871,"part":"2","page_num":898,"sequence_num":871,"body":"مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فلو كان مجرد الشهادتين يمنع الحكم بالكفر لما كفرهم، وحكم بأنهم كفروا بعد إيمانهم.\r٥ - كما أنه قد وردت آيات أخر تبين أن من أشرك يبطل عمله حتى ولو كان من الأنبياء والمرسلين مع أن الله عصمهم، فكيف بغيرهم؟ قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].\r٦ - الأنبياء والرسل الكرام وجلة الصالحين كانوا يخافون على أنفسهم الشرك، ولو كان مجرد النطق بالشهادتين يكفي ولا يضر الإتيان بما يناقض ذلك لما خافوا على أنفسهم من الشرك. قال إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]. وقد حذر النبي ﷺ أمته من الشرك فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقيل له: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم (¬١).\r٧ - ويقال أيضاً في الجواب: \"إن الجامع بين المشركين من الأولين والآخرين موجود وهو الشرك، فالحكم في ذلك واحد لا فرق فيه لعدم الفارق ووجود الجامع.","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد: ٤/ ٤٠٣ من حديث أبي موسى، وأخرجه ابن السني ص: ٢٤١ رقم ٢٨٦ من حديث أبي بكر وهناك شاهد آخر من حديث حذيفة وقد صحح الحديث الألباني كما في صحيح الجامع: ٣/ ٣٣٣. وانظر أيضاً النهج السديد ص: ٢٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049224,"book_id":1098,"shamela_page_id":872,"part":"2","page_num":899,"sequence_num":872,"body":"وفي أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: كل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها إلى غيرها.\rوهذا باطل، وتعطيل لجريان الأحكام الشرعية على جميع البرية\" (¬١) لأنَّه يلزم من اعتقاد أن الآيات لا تشمل إلا المشركين الأوائل الذين نزلت فيهم أنها لا حكم لها الآن، فالذي يجب على الإنسان إذا قرأ القرآن أن لا يحسب أن المخاصمة كانت مع قوم انقرضوا، بل الواقع أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم بطريق الأنموذج (¬٢) بحكم الحديث: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة … \" (¬٣).\rوأما احتجاجهم بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله فيقال: إن الأحاديث تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا إن تبين منه ما يناقض تلك الكلمة (¬٤)، كدعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالأولياء .. إلخ.\rوقد ثبت في بعض طرق الأحاديث ما يفيد ذلك وهو قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ في بعض طرقه عند مسلم: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به\" (¬٥). فقوله ﷺ: \"ويؤمنوا بي وبما جئت به\" يدل على وجوب الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ، ولا يكفي مجرد الإيمان بالشهادتين فقط.\rكما ورد نحوه في حديث آخر وهو ما أخرجه مسلم أيضاً من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:","footnotes":"(¬١) درجات الصاعدين: ٥٩، والدين الخالص: ١/ ٢٣٢.\r(¬٢) الفوز الكبير في أصول التفسير ص: ١١.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٧/ ٤٩٥ رقم ٣٤٥٦، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٤ رقم ٢٦٦٩.\r(¬٤) تطهير الاعتقاد: ٣٣.\r(¬٥) أخرجه مسلم: ١/ ٥٢ رقم ٢١/ ٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049225,"book_id":1098,"shamela_page_id":873,"part":"2","page_num":900,"sequence_num":873,"body":"\"من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله\" (¬١).\rفدل على اشتراط الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله وأنَّه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله.\rويدل لذلك أيضاً قوله ﷺ في الحديث الذي احتجوا به \"إلا بحقها\". وفي رواية: \"إلا بحق الإسلام\" (¬٢).\rوحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة فلم تنفعهم كلمة الشهادة فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء\" (¬٣).\rوقد صرح بعض العلماء بأن حديث الأمر بالكف بالإقرار بالشهادة خاص بمشركي العرب، وأما من كان يقر بالتوحيد كاليهود فلا يكتفي بقوله: لا إله إلا الله لأنها من اعتقاده، فلا بد من إيمانه بجميع ما جاء به الرسول ﷺ (¬٤).\rفاتضح بما سبق أن كلمة الشهادتين وإقامة الصلاة .. إلخ إنما يفيد من التزم: بمقتضى ذلك ولم يأت بما يناقضه، وأما من لم يلتزم بذلك وأتى بالنواقض فلا يمنعه.\r\rالشبهة (¬٥) الخامسة:\rقولهم: إن الشرك لا يقع في الأمة المحمدية الأمة المرحومة خير","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ١/ ٥٣ رقم ٢٣/ ٣٤، وأحمد: ٣/ ٤٧٢.\r(¬٢) البخاري: ١/ ٧٥ رقم ٢٥، ومسلم: ١/ ٥٢ رقم ٢٠، ٢١، ٢٢.\r(¬٣) تطهير الاعتقاد: ٣٢\r(¬٤) شرح النووي لمسلم: ١/ ٢٠٧.\r(¬٥) انظر عن هذه الشبهة: مفاهيم ص: ٢٧ ودحض شبهات على التوحيد: ٢٥، والبصائر: ٤٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049226,"book_id":1098,"shamela_page_id":874,"part":"2","page_num":901,"sequence_num":874,"body":"الأمم ولا سيما في الجزيرة العربية المطهرة. واحتجوا على هذا بأحاديث:\r١ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم\" (¬١).\r٢ - وحديث: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد\" (¬٢) فدعاء النبي ﷺ مجاب فيقتضي ذلك أن قبره لن يعبد.\r٣ - وحديث عقبة بن عامر مرفوعاً: \"وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها\" (¬٣).\rالجواب عن الحديث الأول بأوجه:\r١ - إن معنى الحديث: \"إنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر\" (¬٤) وأن يرتدوا عن الإسلام عن بكرة أبيهم لأن الله تعالى قد وعد باستخلاف المسلمين في الأرض وتمكينه لهم فيها، وأول ما تنطبق عليه تلك الأرض الموعود أهلها بالتمكين فيها جزيرة العرب. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥].\rوقد أجاب الله تعالى دعوة النبي ﷺ بأن لا يسلط على أمته عدوًا يستبيح بيضتهم (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: ٤/ ٢١٦٦ رقم ٢٨١٢، وأحمد في المسند: ٣/ ٣١٣، ٣٥٤، وانظر تخريجه مطولاً في حاشية دحض شبهات ص: ٢٥ - ٢٦، والسلسلة الصحيحة: رقم ١٦٠٨.\r(¬٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤٦، والحميدي: ٢/ ٤٤٥ رقم ١٠٢٥، والجندي في فضائل المدينة ص: ٣٩ رقم ٥١ من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً به، وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٧٢ رقم ٨٥ مرسلاً: ٨٥ عن عطاء بن يسار. والحديث له طرق وهو صحيح انظر النهج السديد: ١١٥.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٣/ ٢٠٩ رقم ١٣٤٤، ومسلم: ٤/ ١٧٩٥ رقم ٢٢٩٦.\r(¬٤) دحض شبهات: ٣٤.\r(¬٥) مسلم: ٤/ ٢٢١٥ رقم ٢٨٨٩ من حديث ثوبان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049227,"book_id":1098,"shamela_page_id":875,"part":"2","page_num":902,"sequence_num":875,"body":"فكل هذا يدل على أن أهل الجزيرة العربية لا يمكن اجتماعهم على الارتداد عن الإسلام.\r٢ - الذي ثبت في لفظ الحديث هو نسبة اليأس إلى الشيطان مبنياً للفاعل ولم يقل الرسول ﷺ \"أيس\" بالبناء للمفعول، ولو قدر أنه يئس من عبادته في جزيرة العرب أبد الآبدين فإنما ذلك حسب ظنه وتخمينه لا عن علم؛ لأنَّه لا يعلم الغيب وهذا من مفاتيح الغيب الخمس لأنَّه الأمور المستقبلية (¬١). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤].\rوهذا الظن منه يخالف ما أخبر به الرسول ﷺ وهو الوجه التالي.\r٣ - قد أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في أحاديث صحيحة ومتعددة بوقوع الشرك في أمته، ومن ذلك ما هو خاص بالجزيرة، فمن ذلك قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: \"لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة\" (¬٢). وذو الخلصة صنم لدوس كانوا يعبدونه في الجاهلية وهو في جنوب الجزيرة.\rوقوله: \"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى\" (¬٣).\rواللات كانت بالطائف والعزى كانت بوادي نخلة (¬٤) قرب مكة.","footnotes":"(¬١) دحض شبهات: ٣٦.\r(¬٢) البخاري: ١٣/ ٧٦ رقم ٧١١٦، ومسلم: ٤/ ٢٢٣٠ رقم ٢٩٠٦، وأحمد في المسند ٢/ ٢٧١ وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة: ١/ ٣٨، وفي الأوائل ص: ٧٦ رقم ٥٨ من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف وفيه: \"وهو أول شرك في الإسلام\".\r(¬٣) مسلم: ٤/ ٢٢٣٠ رقم ٢٩٠٧ وقد روى ابن وضاح ص: ٨٥ عن ابن عمر مرفوعاً: \"لا تقوم الساعة حتى تنصب الأوثان، وأول من ينصبها أهل مضر من تهامة\" ونحوه من قول حذيفة ص: ٨٤ - ٨٥.\r(¬٤) انظر كتاب الأصنام للكلبي ص: ١٦، ١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049228,"book_id":1098,"shamela_page_id":876,"part":"2","page_num":903,"sequence_num":876,"body":"٤ - والواقع التاريخي يؤيد ذلك ولا يمكن إنكار الأمر الواقع، ومن ذلك:\r١ - أن أكثر من في الجزيرة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ، فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان وكثير صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره (¬١).\r٢ - القرامطة الذين أخذوا الحجر الأسود وقتلوا الحجيج وأجمعت الأمة على كفرهم كانوا في شرق الجزيرة.\r٥ - اعتراف كثير من العلماء السابقين بوقوع الشرك في هذه الأمة ونكتفي باعتراف الرازي فإنه ذكر أقوال الكفار في عبادتهم الأصنام والأسباب الباعثة لهم على عبادتها ثم قال: \"ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله\" (¬٢).\rوهذا اعتراف من الرازي بأن كثيراً من أهل زمانه يشتغلون بتعظيم القبور وأنَّه مثل عبادة التماثيل عند المشركين.\rوأما قوله ﷺ: \"اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\". فالجواب عنه بوجوه:\r١ - إن الرسول ﷺ لو لم يخف وقوع الشرك بقبره لما دعا وهو يدل على إمكان وقوعه، وقد دل الواقع على وقوعه، فكم من مستغيث بقبره داع له؟\r٢ - إن الحديث يحمل على إجماع الأمة على جعل قبره وثناً كما","footnotes":"(¬١) دحض شبهات: ٣٩\r(¬٢) تفسير الرازي: ١٧/ ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049229,"book_id":1098,"shamela_page_id":877,"part":"2","page_num":904,"sequence_num":877,"body":"حصل في الأمم السابقة وهذا لم يحصل -بحمد الله تعالى- فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة.\r٣ - أو يقال كما قال بعض العلماء بأن الله أجاب دعوة نبيه بأن حفظ قبره بالحيطان الثلاثة التي بنيت على قبره ﷺ، فلا يستطيع أحد أن يصل إليه حتى ولو أراد عبادته ودعاءه من دون الله تعالى.\r٤ - قد حذر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من الشرك بقبره في آخر حياته فقال وهو ينازع: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة: يحذر ما صنعوا\" (¬١). وقال قبل موته بخمس ليال: \"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك\" (¬٢).\rوهذا التحذير البليغ منه ﷺ لخوفه أن يتخذ قبره مسجداً ولو كان ذلك لا يمكن وقوعه لما خاف وحذر منه في مثل تلك الحالة التي يحتاج فيه إلى التحذير من الشيء الأهم والأشد خطراً.\rوأما الجواب (¬٣) عن الحديث الثالث وهو قوله ﷺ: \"وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي\" فعلى وجوه:\r١ - إن الحديث خاص بالصحابة الذين خاطبهم الرسول ﷺ كما هو ظاهر الخطاب الموجه إليهم -وليس المقصود من الحديث الأمة المحمدية بأجمعها.\rوهذا يقتضيه الجمع بين هذا الحديث والأحاديث الدالة على وقوع الشرك وقد تقدمت الإشارة إليها.\r٢ - أو أن هذه الأمة تفتن في أول أمرها بغير الشرك من فتنة الدنيا،","footnotes":"(¬١) تقدم تخريج الحديث ص: ٤٥٦.\r(¬٢) تقدم تخريج الحديث ص: ٤٥٧.\r(¬٣) انظر الإشارة إلى هذا الجواب في البصائر للمتوسلين بالمقابر ص: ٣٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049230,"book_id":1098,"shamela_page_id":878,"part":"2","page_num":905,"sequence_num":878,"body":"ولا يمنع وقوع الشرك في آخرها.\r٣ - أو أن النبي ﷺ قال هذا قبل أن يوحى إليه بأن الشرك سيقع في طوائف من أمته.\r٤ - أو أن الحديث يحمل على أن الشرك لا يقع في جميع الأمة حتى يرجعوا إلى ما كانوا عليه وتجتمع الأمة عليه ولا يمنع من بعضها. والله أعلم.\r\rالشبهة (¬١) السادسة:\rقول بعضهم: إن أعمال هؤلاء شرك وكفر، ولكنهم لا يعلمون أن ما يفعلونه شرك بل لو عرض أحدهم على السيف لم يقر بأنه شرك بالله تعالى ولا فاعل لما هو شرك، بل لو علم أن ذلك شرك لم يفعله. الجواب:\r١ - إن الحكم بالكفر -والعياذ بالله- لا يشترط فيه أن يعلم متلبسه أنه كفر، فقد ذكر الشوكاني أنه تقرر في باب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بأن ما فعله كفر ثم قال: \"وعلى كل حال فالواجب على من اطلع على شيء من هذه الأمور الشركيات التي اتصف بها القبوريون أن يبلغهم الحجة الشرعية، ويخبرهم بأن هذا هو عين ما يفعله المشركون في الجاهلية. فإذا علموا بهذا علماً لا يبقى معه شك ولا شبهة ثم أصروا على ما هم فيه، أخبرهم بأنهم إن لم يتوبوا فقد حلت دماؤهم وأموالهم وانطبق عليهم حكم المشركين\" (¬٢).\r٢ - والعلماء صرحوا بأن كلمة الكفر إذا تكلم بها العبد عمداً وإن كانت بغير الاعتقاد -كفر- وممن صرح بذلك علماء الحنفية، ففي أغلب كتبهم في أبواب الردة نصوا على ذلك وقالوا: لا يعذر بالجهل، وقالوا:","footnotes":"(¬١) انظر في هذه الشبهة والجواب عنها: الدر النضيد: ٢٣.\r(¬٢) الدر النضيد: ٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049231,"book_id":1098,"shamela_page_id":879,"part":"2","page_num":906,"sequence_num":879,"body":"إن ذلك هو الأصح عندهم (¬١) ومثل الحنفية علماء المالكية فقد صرحوا بأن الجهل لا يعذر به عندهم (¬٢)، وذهب إلى ذلك بعض علماء الشافعية فيما إذا تهاون بعدم تعلمه (¬٣).\rقال الإمام القرافي المالكي بعد أن ذكر الأدعية المحرمة أو المكفرة: \"واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذراً عند الله تعالى؛ لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل ما يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل على الله، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسالته وأوجب عليهم كافة أن يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلاً فقد عصى معصيتين لتركه واجبين، وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل.\rوأما الجهل الذي يمكن رفعه لا سيما مع طول الزمان واستمرار الأيام والذي لا يعلم اليوم يعلم في غد، ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذراً لأحد، ولذلك ألحق مالك الجاهل في العبادات بالعامد دون الناسي؛ لأنَّه جهل يمكنه رفعه فسقط اعتباره، وكذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي بجواز سؤاله فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهو يدل على أن الأصل في الدعاء التحريم، إلا ما دل الدليل على جوازه، وهذه قاعدة جليلة يتخرج عليها كثير من الفروع الفقهية\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر الفتاوى البزازية: ٣/ ٣٤٧، والبحر الرائق: ٥/ ١٣٥، والفتاوى الهندية: ٢/ ٣٧٦، وجلاء العينين ص: ٥١٥.\r(¬٢) انظر الشرح الصغير للدردير: ٤/ ٤٣٩، وشرح عليش على مختصر خليل: ٤/ ٤٧٧.\r(¬٣) انظر العلم الشامخ ص: ٥٩٠، وتنبيه الغبي: ٢٣، والعقد الثمين للفاسي: ٢/ ١٧٦.\r(¬٤) الفروق: ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥، واعترض عليه ابن الشاط في كون أصل الدعاء التحريم بأن الأصل في الدعاء الندب إلا ما دل الدليل على منعه. انظر البروق بهامش الفروق: ٤/ ٢٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049232,"book_id":1098,"shamela_page_id":880,"part":"2","page_num":907,"sequence_num":880,"body":"هذا كلام القرافي المالكي وقد نقل بعض كلامه هذا ابن حجر الهيتمي الشافعي مقرراً له (¬١).\r٣ - ثم إن العلماء الذين أعذروا بالجهل قيدوه بشرط عدم قيام الحجة، فأما إذا قامت الحجة الرسالية فلم يعذروه، كما أن الجاهل إذا كان معرضاً عن طلب الحق ولا يريد الحق إذا تمكن منه فلا يعذر، فقد ذكروا (¬٢) أن من الكفر كفر إعراض، وكفر عناد، وإنما الذي يعذر من يريد الهدى ويؤثره ويحبه ولكنه غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم مرشد وبعضهم إنما أعذر من المسائل الدقيقة الخفية، وأما مثل هذه المسألة التي هي أصل الإسلام فلم يعذروا فيه بالجهل.\rوقد تقدمت (¬٣) الإشارة إلى هذه المسألة.\r٤ - ثم كون الجهل يعذر به على القول به -لا يجعل الشرك أمراً جائزاً ومباحاً ولا يبيح الدفاع عمن يفعل الشرك ولا السكوت عن إنكاره والرضا به. مثال ذلك لو أن رجلاً كان قريب عهد بالإسلام وشرب الخمر لجهله فهو معذور ولكن هذا لا يبيح لمن يراه أن يسكت عنه ولا أن ينكر على من ينكر عليه، كما أن هذا الشارب للخمر إذا عرف بتحريم الخمر في الإسلام ثم استمر -يكون عاصياً.\rومثل هذا ما نحن فيه لا يصلح الاعتذار بمسألة الجهل عمن يدعو غير الله تعالى في ديار المسلمين، ويعيش بينهم، كما أنه لا يكون له عذر بعد تعريفه وإقامة الحجة عليه.\r٥ - ثم إن العاقل ينبغي له الابتعاد عن الشرك وذرائعه والاحتياط في ذلك حتى ولو كانت المسألة مختلفاً فيها، فإذا كان العلماء في المسائل الخلافية في الفروع يأخذون بالأحوط فكيف يكون الأمر في المسائل","footnotes":"(¬١) الإعلام بقواطع الإسلام ص: ٩٨\r(¬٢) طبقات المكلفين ص: ٩٨ - ١٠٣، وكشف الشبهتين ص: ٨٥ - ٨٩.\r(¬٣) تقدم ص: ٥٦٥ - ٥٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049233,"book_id":1098,"shamela_page_id":881,"part":"2","page_num":908,"sequence_num":881,"body":"العقدية التي يدور الأمر فيها بين الخروج عن الملة والارتداد والخلود في النار، وإبانة الزوجة وعدم الإرث وغير ذلك، وبين كونه معصية لا تخرج عن الإسلام؟ فالاحتياط فيها أوجب وأوكد بلا شك ولا ريب.\r\rالشبهة السابعة (¬١):\rما قيل إن كفر هؤلاء المعتقدين في الأموات من الكفر العملي لا الكفر الجحودي، وقد قيل مثل ذلك في كفر تارك الصلاة، وكفر تارك الحج وغير ذلك من النصوص التي وردت بالحكم بالكفر، وحملها العلماء على الكفر العملي ولم يحملوها على الكفر الاعتقادي الجحودي.\rوذلك لأنهم مؤمنون بالله ورسوله ﷺ وباليوم الآخر لكن زين لهم الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحون ينفعون ويشفعون ويضرون فاعتقدوا ذلك جهلاً كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد لا يجعلون الأولياء آلهة بخلاف الكفار.\r\rالجواب (¬٢) عن هذه الشبهة:\rإننا نسلم أن الكفر ينقسم إلى قسمين: اعتقادي وعملي. ولكن دعوي أن ما يفعله هؤلاء القبوريون من الكفر العملي في غاية الفساد وذلك للأمور الآتية:\r١ - لأن هذا القائل اعترف بكونه يتعلق بالاعتقاد بقوله هؤلاء المعتقدين في الأموات، وهذا من التناقض.\r٢ - ثم ما هو الحامل لهؤلاء على دعاء الأموات والاستغاثة بهم وغير ذلك، هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد فهذا لا يمكن","footnotes":"(¬١) انظر عن هذه الشبهة رسالة الأمير الصنعاني في شرحه لأبياته في مدح الشيخ رقم المخطوطة: ٧/ ٤٣٩٢ أفلام، والدر النضيد: ٣٢ - ٣٤، ومصباح الظلام: ٣٤٥.\r(¬٢) انظر الدر النضيد: ٣٤ - ٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049234,"book_id":1098,"shamela_page_id":882,"part":"2","page_num":909,"sequence_num":882,"body":"أن يكون عن العقلاء، أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت؟\rوإذا ثبت أن الحامل على ذلك هو الاعتقاد فكيف يقال إنه كفر عملي؟\r٣ - ثم إنه لا يقبل الاعتذار عنهم بأن هذا الاعتقاد ناشئ عن الجهل وتزيين الشيطان، وذلك لأن طوائف الكفر وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلاً، وهل يمكن أن يقال: إن اعتقاد الكفار اعتقاد علم؟\r٤ - قد ثبت أن هؤلاء القبوريين أشد غلواً في الاعتقاد في الأموات من الكفار، وقد بينّا ذلك فيما سبق (¬١).\r٥ - ثم قد تقدم (¬٢) -بحمد الله تعالى وتوفيقه- بيان استلزام الدعاء للاعتقاد بصفات الربوبية والألوهية وأنَّه لا يمكن تصور الدعاء بدون اعتقاد، وذكرنا الأدلة على ذلك بما لا يدع مجالاً للشك، فلهذا فالقول بأن دعاء غير الله تعالى كفر عملي -يتنافى مع وضع الدعاء وحقيقته ومقتضى معناه، فهو قول غير صحيح.\r\rالشبهة الثامنة (¬٣):\rقولهم: إن دعاء الصالحين من دون الله تعالى -من الشرك الأصغر كالحلف بغير الله تعالى والطيرة.\rفالإجابة عن هذه الشبهة على أوجه:\rأ - لا مساواة بين دعاء غير الله تعالى وبين الحلف بغير الله تعالى","footnotes":"(¬١) سبق ص: ٥١٧.\r(¬٢) تقدم ص: ٢٤٨ - ٣٠٧.\r(¬٣) انظر عن هذه الشبهة مفيد المستفيد: ٣٠٦، ٢٩٧، وفيه الرد على من زعم أنه قول لابن القيم، ودرجات الصاعدين: ٥٢، والنبذة الشريفة: ٥٩٢، والدين الخالص: ١/ ٢٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049235,"book_id":1098,"shamela_page_id":883,"part":"2","page_num":910,"sequence_num":883,"body":"والطيرة، فهناك فروق كثيرة بين الدعاء، والحلف، كما أن هناك فرقاً بين الدعاء والطيرة، فالفروق التي بين الدعاء والحلف هي:\r١ - أن الدعاء من أجلّ العبادات وهو مأمور به شرعاً إما أمر وجوب أو استحباب على ما مر (¬١) في حكمه.\rوأما الحلف فلم يأمرنا الله به، فهو ليس من العبادات المأمور بها وإنما هو من المباح، وقد استحب إذا كان هناك مصلحة راجحة في التأكيد بالحلف واليمين، ولهذا ورد في القرآن الكريم أَمْرُ الله نبيه بالقسم في أمر الساعة في ثلاثة مواضع (¬٢)، ولم يأت في غير ذلك البتة (¬٣).\rوهذه المواضع الثلاثة كلها فيما يتعلق بالتأكيد على بعث العباد ومعادهم، وأما في غير ما يتعلق بأمر المعاد فلم يرد في القرآن الكريم.\r٢ - الدعاء يشتمل على الرغبة والرهبة والرجاء والخوف والتوكل وغيرها من لوازم الدعاء، فمن دعا غير الله فقد أشرك في هذه الأنواع من العبادات وليس كذلك الحلف (¬٤).\rب - ويقال لهذا القائل إنه شرك أصغر:\rما الفرق عندك بين السجود لغير الله تعالى وبين الدعاء لغير الله حيث إن الأول شرك أكبر والثاني شرك أصغر عندك، مع أن كليهما قد جاء الأمر بطلبه من العباد، كما أن كليهما من أنواع العبادات، والعبادة صرفها لا يجوز لغير الله تعالى أياً كانت.","footnotes":"(¬١) مر ص: ٣٨١\r(¬٢) وهذه المواضع الثلاثة هي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧].\r(¬٣) النبذة الشريفة: ٦١١، وانظر تفسير ابن كثير: ٢٠/ ٢٢ و ٣/ ٢٥ و ٤/ ٣٧٤.\r(¬٤) النبذة الشريفة: ٦١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049236,"book_id":1098,"shamela_page_id":884,"part":"2","page_num":911,"sequence_num":884,"body":"مع العلم بأن النهي عن دعاء غير الله تعالى في القرآن أضعاف أضعاف النهي عن السجود لغير الله تعالى، بل لا يعلم نوع من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله تعالى بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه (¬١).\rج - قد وقع (¬٢) النهي عن الشرك في الدعاء في أول الإسلام وجاءت آيات كثيرة جداً في التحذير عنه؛ لأن الدعاء لقضاء الحاجات وإغاثة اللهفان وشفاء المريض هو الذي عليه المشركون وهو أصل شركهم والعكوف والذبح ونحوهما فروع عنه.\rفلهذا وقع النهي عنه في أول الإسلام بدون تأخير، وأما الحلف بغير الله فلم يرد في القرآن النهي عنه إلا أنه ورد في الأحاديث بعد مدة طويلة وليس في أول الإسلام، وقد وقع من بعض الصحابة ومع ذلك لم يكفرهم الرسول ﷺ.\rفقد حلف عمر بأبيه، فقال النبي ﷺ: \"لا تحلفوا بآبائكم\"، وقال: \"من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت\" (¬٣).\rويقال (¬٤) في الطيرة مثل هذا الذي سبق، فإنها لم يقع النهي عنها في القرآن وفي أول الدعوة، كما أنها قد يقع شيء منها في قلوب المؤمنين الموحدين، فقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁: \"الطيرة شرك وما منا إلا … ولكن الله يذهبه بالتوكل\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق: ٦٠١ - ٦٠٢.\r(¬٢) انظر درجات الصاعدين: ٥٣، والنبذة الشريفة: ٦١٣، والدين الخالص: ١/ ٢٢٧.\r(¬٣) أخرجه البخاري: ٥/ ٢٨٧ رقم ٢٦٧٩، ومسلم: ٣/ ١٢٦٧ رقم ١٦٤٦.\r(¬٤) النبذة الشريفة ص: ٦١٥.\r(¬٥) أخرجه أحمد في المسند: ١٠/ ٣٨٩، ١٣٨، ٤٤٠، وأبو داود: ٤/ ٢٣٠ رقم ٣٩١٠، والترمذي: ٤/ ١٦٠ رقم ١٦١٤، وابن ماجه: ٢/ ١١٧٠ رقم ٣٥٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049237,"book_id":1098,"shamela_page_id":885,"part":"2","page_num":912,"sequence_num":885,"body":"فتبين مما سبق الفرق الواضح بين من استغاث بغير الله في الشدائد مبتهلاً متضرعاً، وبين من حلف بغير الله يميناً مجردة لم يقصد تعظيمه كتعظيم الله، أو خطر في قلبه شيء من الطيرة، فالفرق شاسع جداً ولا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته.\rهذا وقد مال الأمير الصنعاني إلى أن الحلف بغير الله يخرج من الملة تمسكاً بظاهر الأدلة (¬١)، وذهب الجمهور إلى أنه شرك أصغر، هذا إذا لم يقصد تعظيمه كتعظيم الله وإلا فقد اتفقوا على أنه شرك أكبر، وكذلك الطيرة قد تصل إلى الشرك الأكبر إذا كان يرى المتطير أن ذلك من علم الغيب، وأن الطير تخبره عما هو صائر إليه في المستقبل أو أن الأفلاك تدبر أمر الخلائق (¬٢).\r\rالشبهة التاسعة: شبهة المجاز (¬٣) العقلي:\rقالوا: ينبغي حمل كلام المسلم على محمل حسن، فإذا أسند فعلاً إلى غير الله تعالى وهو مما لا يصح إسناده إلا إلى الله تعالى ينبغي حمله على المجاز العقلي، وهو شائع معروف.\rوقالوا: إن القرينة هنا كونه مسلماً موحداً، وإن العلاقة في ذلك هي التسبب والشفاعة.\rوقبل الخوض في الجواب عن هذه الشبهة نقدم تعريفاً موجزاً للمجاز العقلي.","footnotes":"(¬١) تطهير الاعتقاد: ٣١، وسبل السلام: ٤/ ١٤٣٣.\r(¬٢) راجع النبذة ص: ٦١٦، وتحفة الطالب: ١٢٦.\r(¬٣) انظر الاحتجاج بهذه الشبهة في: خلاصة الكلام: ٢٤٥، ٢٥٥، والدرر السنية: ٢٠، وعنهما منتحلاً في المفاهيم: ١٦، والبراهين الساطعة: ٤٠٨، وعنه أيضاً منتحلاً في المفاهيم: ٩٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049238,"book_id":1098,"shamela_page_id":886,"part":"2","page_num":913,"sequence_num":886,"body":"تعريف المجاز العقلي:\rكلمة المجاز:\rهي في الأصل مَفْعل من جاز المكان يجوزه إذا تعداه إلى مكان آخر، سمي بذلك لأنهم جازوا به معناه الأصلي إلى معنى آخر (¬١).\rوفي الاصطلاح كلمة استعملت في غير ما وضعت له لعلاقة وقرينة مانعة من إرادته (¬٢).\r\rوأما المجاز العقلي:\rفهو إسناد الفعل أو معناه إلى مُلَابسٍ له -غير ما هو له بتأويل (¬٣) فالمراد من معنى الفعل ما يتضمن معنى الفعل من اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر والصفة المشبهة واسم التفضيل.\rوللفعل ملابسات شتى منها الفاعل والمفعول والزمان والمكان والسبب (¬٤) فإذا أسند الفعل إلى هذه الأمور فقد أسند إلى ما يلابسه.\rوقوله بتأويل أي بنصب قرينة صارفة للإسناد عن أن يكون إلى ما هو له (¬٥).\rوقد عرفه السكاكي بقوله: \"هو الكلام المقاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بوساطة وضع، كقولك أنبت الربيع البقل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة\" ثم قال شارحاً للتعريف: \"وإنما قلت خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول خلاف ما عند العقل لئلا يمتنع طرده بما إذا قال","footnotes":"(¬١) شرح الجوهر المكنون ص: ١٣٨، وانظر إرشاد الفحول ص: ٢١.\r(¬٢) شرح الجوهر: ١٣٩، ومفتاح العلوم: ٣٥٩\r(¬٣) التعريفات للجرجاني: ٢٠٣، وشرح الجوهر: ٤٤.\r(¬٤) شرح الجوهر: ٤٤ - ٤٥.\r(¬٥) التعريفات للجرجاني: ٢٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049239,"book_id":1098,"shamela_page_id":887,"part":"2","page_num":914,"sequence_num":887,"body":"الدهري عن اعتقادِ جهلٍ، أو جاهلٌ غيره: أنبت الربيع البقل رائياً إنباتَ البقلِ من الربيع فإنه لا يسمى كلامه مجازاً وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر، ولذلك لا تراهم يحملون نحو:\rأشابَ الصغير وأفنى الكبيرَ … كَرُّ الغداة ومَرُّ العَشِي (¬١)\rعلى المجاز، ما لم يعلموا أو يغلب في ظنهم أن قائله ما قاله عن اعتقاد. . .\" (¬٢).\rويستفاد من تعريفه وشرحه له أن شرط إطلاق المجاز العقلي أن يكون ظاهر الكلام يفيد خلاف ما عند المتكلم حسب ما يفهمه المخاطب من ظاهر حال المتكلم وكلامه.\rومما يوضح معنى المجاز العقلي معرفة ضده وهو الحقيقة العقلية لأنَّه كما قيل: وبضدها تتميز الأشياء.\rفلهذا نشير إلى تعريفها بالإيجاز، ومما قيل في تعريفها:\r\"إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر\" (¬٣).\rفقولهم \"عند المتكلم\" يريدون به أن الاعتبار في الحكم هو ما يراه المتكلم في ذلك الحكم ويعتقده، وليس الواقع ونفس الأمر، وقولهم \"في الظاهر\" إشارة إلى أنه لا يشترط موافقته لاعتقاد المتكلم الحقيقي. فمثلاً لو أخفى المتكلم عقيدته وتظاهر بالإسناد الحقيقي فنحن نعد إسناداً حقيقية (¬٤).\rوقد عرف السكاكي الحقيقة العقلية بقوله:\r\"وهي الكلام المقاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه، كقولك","footnotes":"(¬١) البيت للصلتان العبدي وهو قثم بن خبية من شعراء الحماسة. انظر الشعر والشعراء لابن قتيبة: ١/ ٥٠٩، وخزانة الأدب للبغدادي: ١/ ٣٠٨.\r(¬٢) مفتاح العلوم: ٣٩٣، وانظر التلخيص: ٤٧ - ٤٨.\r(¬٣) التلخيص للقزويني: ٤٥.\r(¬٤) انظر شرح الجوهر المكنون: ٤١، والتلخيص: ٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049240,"book_id":1098,"shamela_page_id":888,"part":"2","page_num":915,"sequence_num":888,"body":"أنبت الله البقل وشفى الله المريض وكسا خدم الخليفة الكعبة … وإنما قلت: ما عند المتكلم من الحكم فيه، دون أن أقول ما في العقل من الحكم فيه، ليتناول كلام الدهري إذا قال: أنبت الربيع البقل رائياً إنبات البقل من الربيع، وكلام الجاهل إذا قال: شفى الطبيب المريض رائياً شفاء المريض من الطبيب، حيث عُدَّا منهما حقيقتين مع كونهما غير مفيدين لما في العقل من الحكم فيهما\" (¬١).\rوبعد هذا العرض للتعريف نبدأ في مناقشة الشبهة والجواب عنها بحول الله تعالى وقوته.\rويكون الجواب على طريقتين إحداهما: طريقة من ينفي وجود المجاز في اللغة، وثانيتهما: طريقة من يثبت وجود المجاز في اللغة.\r\rالجواب على طريقة من ينفي المجاز:\rاختلف العلماء في وجود المجاز في اللغة وعدمه، وهذا الخلاف جار (¬٢) في المجاز العقلي:\r١ - فقال قوم: لا يوجد المجاز في اللغة أصلاً.\r٢ - وقال آخرون: لا يوجد في القرآن الكريم، ويوجد في اللغة.\r٣ - وقالت فرقة ثالثة: بوجوده في القرآن وفي اللغة.\rوممن قال بالقول الأول: أبو إسحاق (¬٣) الإسفراييني وأبو علي (¬٤) الفارسي.","footnotes":"(¬١) مفتاح العلوم: ٣٩٩.\r(¬٢) نَصَّ على جريانه في المجاز العقلي البناني في حاشيته على جمع الجوامع: ١/ ٣٠٨.\r(¬٣) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصولي المتكلم الشافعي أحد الأعلام، وصاحب التصانيف، جمع أشتات العلوم (ت ٤١٨ هـ)، العبر: ٢/ ٢٣٤، وطبقات الشافعية: ٤/ ٢٥٦.\r(¬٤) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد واحد زمانه في علم العربية كان عدم المثل. وكان متهماً بالاعتزال، وفضله بعضهم على المبرد (ت ٣٧٧ هـ)، بغية الوعاة: ١/ ٤٩٦، والعبر: ٢/ ١٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049241,"book_id":1098,"shamela_page_id":889,"part":"2","page_num":916,"sequence_num":889,"body":"وممن قال بالقول الثاني: الظاهرية وبعض الحنابلة وبعض المالكية وبعض الشافعية.\rوممن قال بالثالث: أغلب علماء البلاغة والمتأخرون من الأصوليين والفقهاء (¬١).\rوقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية المذهب الأول ونصره بعدة أوجه (¬٢)، كما نصره ابن القيم بأكثر من خمسين وجهًا (¬٣).\rوممن رجح هذا القول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (¬٤) والدكتور لطفي عبد البديع (¬٥).\rوهذا المذهب الأول هو الراجح لقوة أدلته، وسلامته من الاعتراضات، وإليك بعض تلك الأدلة والاعتراضات:\r١ - إن تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز تقسيم حادث بعد انقضاء القرون المفضلة، لم يتكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر في حكاية هذه الأقوال ونسبتها إلى أصحابها الكتب التالية: الأحكام للآمدي: ١/ ٤٣، ٤٤، وجمع الجوامع: ١/ ٣٠٨، والبرهان للزركشي: ٢/ ٢٥٥، والأحكام لابن حزم: ٤/ ٢٨، والوصول إلى الأصول: ١/ ٩٧، والمسودة في أصول الفقه: ١٦٥، والتمهيد في أصول الفقه: ١/ ٨٠، والإيمان لابن تيمية: ٨١، ومختصر الصواعق: ٢/ ٥، والمزهر للسيوطي: ١/ ٣٦٤ - ٣٦٦.\r(¬٢) انظر الإيمان من ص: ٧٩ - ١٠٥.\r(¬٣) انظر مختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٢ - ٧٦.\r(¬٤) له رسالة مستقلة في الموضوع سماها منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز وقد طبعت.\r(¬٥) له رسالة مستقلة في الموضوع سماها فلسفة المجاز بين البلاغة العربية والفكر الحديث، والرسالة من منشورات النادي الأدبي بجدة برقم ٣٢.\r(¬٦) الإيمان: ٨٠، ومختصر الصواعق: ٢/ ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049242,"book_id":1098,"shamela_page_id":890,"part":"2","page_num":917,"sequence_num":890,"body":"٢ - ثم إن الذين قسموا لم يستطيعوا أن يفرقوا بينهما بحد صحيح جامع مانع (¬١).\r٣ - العرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد، فجَعْلُ هذا حقيقةً، وهذا مجازاً ضَرْبٌ من التحكم لأن اسم الأسد وضعٍ للسبع كما وضع للرجل الشجاع (¬٢)، فمن زعم أنها استخدمت هذا أولاً في ثم في كذا ثانياً فقد ادعى دعوى لا برهان عليها ولا يمكن لبشر على وجه الأرض إثبات ذلك، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا بوحي من الله تعالى (¬٣).\r٤ - بعض الكلمات لها معان كثيرة، من ذلك أن بعض حروف المعاني تدل على عدة معان كمن والباء، وكذلك الأسماء الدالة على عدة معان كالرأس يطلق على رأس الإنسان وأول الدرب ومنبع العين وسيد القوم وأول الشهر وغير ذلك.\r٥ - إن بعض الكلمات العربية تدل على المعنى وضده كالجون يدل على السواد وعلى البياض، والقر يدل على الطهر والحيض فأيهما حقيقة وأيهما مجاز؟ (¬٤).\r٦ - \"إن الألفاظ المفردة التي هي من أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد\" (¬٥).\rفيبطل بهذا ادعاء أن الأسد وضع للحيوان المفترس ولم يوضع للرجل الشجاع .. إلخ.","footnotes":"(¬١) الإيمان: ٨٧، ٩٧، ومختصر الصواعق: ١/ ١٠ - ٣٠.\r(¬٢) الوصول إلى الأصول: ١/ ٩٩، والمزهر: ١/ ٣٦٥، وفلسفة المجاز: ٢٧.\r(¬٣) مختصر الصواعق: ٢/ ٣٠.\r(¬٤) انظر نحو هذا الاعتراض في الإيمان: ٨٨ - ٨٩.\r(¬٥) دلائل الإعجاز ص: ٤١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049243,"book_id":1098,"shamela_page_id":891,"part":"2","page_num":918,"sequence_num":891,"body":"وذلك لأنَّه لم يوضع ليدل بمفرده وأما إذا وقع في الكلام التام نحو رأيت أسداً يرمي، فلم يدل إلا على الرجل الشجاع ففي مثل هذا التركيب لا يمكن ادعاء أنه وضع لغير هذا المعنى.\rهذا ومما ينبغي أن يفهم أن الذين أنكروا وجود المجاز في اللغة لم ينكروا وجود تلك الأمثلة التي ضربها المثبتون، له، وإنما ذهبوا إلى أن ذلك أسلوب من أساليب اللغة العربية وأن الكل حقيقة، والكلمة إذا استعملت في هذا الأسلوب فهي حقيقة، وإذا استعملت في أسلوب آخر فهي أيضاً حقيقة، ولا يمكن أن نقول: إنها في هذا الأسلوب حقيقية وفي الآخر مجازية. قال الدكتور لطفي عبد البديع:\r\"إن منازعة القوم في المجاز، إنما كانت منازعة في صحته على أنه خلاف الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه الكلام، وإلا فإن ما أطلق عليه المجاز ثابت في اللغة لا يسع أحداً إنكاره وهو أكثر من أن يحصى فالعرب كما ذكر ابن فارس قالت استوى فلان على متن الطريق ولا متن لها، وفلان على جناح السفر ولا جناح للسفر وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق وليس لليل لمة ولا للحرب ساق …\rولم يؤثر عن أحد ممن سمعوا هذا الضرب من الكلام قبل ظهور القول بالمجاز بعد القرون الثلاثة الأولى أنه على خلاف الأصل، أو أن ألفاظه استعملت في غير ما وضعت له بحيث ينبغي تأويله لدفع شبهة الكذب عنه والمبالغة\" (¬١).\rوأما على قول من أثبت المجاز في اللغة فالإجابة تكون على وجوه.\rوقبل الخوض في تلك الوجوه لا بد من الإشارة إلى أن العلماء من أهل الأصول وأهل البلاغة الذين أثبتوا المجاز اتفقوا على أن الأصل في","footnotes":"(¬١) فلسفة المجاز: ٢٥٢ - ٢٥٣، وانظر الوصول إلى الأصول: ١/ ٩٧ - ٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049244,"book_id":1098,"shamela_page_id":892,"part":"2","page_num":919,"sequence_num":892,"body":"الكلام الحقيقة (¬١)، فلا يخرج عنها إلا بدليل قوي يصرفه إلى المجاز.\rومن هنا يمكن لنا الطلب من المخالفين إقامة دليل قوي وصارف واضح للكلام عن الحقيقة، ولن يجدوا إلا الاحتمالات البعيدة والقرائن البعيدة، ومع أنه يمكن أن نكتفي بهذا الأصل ونتمسك به، لكنا لا نكتفي بذلك ونتبرع بالجواب عن هذه الشبهة بوجوه:\rأ - إن حد المجاز العقلي الذي أشرنا إليه من قبل- لا ينطبق على دعاء الأموات وندائهم والاستغاثة بهم إذا اعتبرنا حال الداعين واعتقادهم فالإسناد الواقع في كلام من يدعو الأموات -إسناد حقيقي ينطبق عليه حد الحقيقة العقلية، ولا ينطبق عليه حد المجاز العقلي، وذلك لأن علماء البلاغة ذكروا أن العبرة في الإسناد ليكون مجازاً عقلياً -أن يكون الحكم المفاد منه خلاف ما يعتقده المتكلم ولا يشترط أن يكون خلاف الواقع ونفس الأمر، وقالوا: إن قول الدهري: أنبت الربيع البقل لا يسمى مجازاً، وكذلك قول الشاعر:\rأشاب الصغير وأفنى الكبير … كر الغداة ومر العشي\rوكذلك قالوا في نحو شفى الطبيب المريض.\rقالوا هذه الأمثلة حقيقة عقلية إذا وقعت ممن يرى تأثير المسند إليه في النسبة وقد تقدم بيان ذلك في التعريف.\rفعلى هذا فكثير ممن يدعون الأموات والغائبين، فالإسناد الواقع في كلامهم حقيقة عقلية وليس مجازاً عقلياً، لاعتقادهم التأثير والتصرف في الكون وغير ذلك لمن يدعونهم كما تقدم في مبحث علاقة الدعاء بالعقيدة، فقد بينّا هناك بما لا يدع مجالاً للشك أن كثيراً منهم يعتقد","footnotes":"(¬١) جمع الجوامع مع شرح المحلى: ١/ ٣١٢، والخصائص لابن جني: ٣/ ٤٤٢، والمزهر: ١/ ٣٦١ و ٣٥٦، وترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان: ١٥١، والرسالة المدنية ص: ٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049245,"book_id":1098,"shamela_page_id":893,"part":"2","page_num":920,"sequence_num":893,"body":"التأثير والتصرف وسيأتي قريباً نقل عباراتهم الصريحة في اعتقاداتهم وقد علم في علم البلاغة أن الكلام يحمل على الحقيقة إذا لم يعلم حال المتكلم، وأما إذا علم حاله كما هنا فيحمل على الحقيقة من باب أولى.\rوعلى هذا فتأويلهم لكلام من يصرح بتصرفه في الكون، وإغاثته لمن يستغيث به في البر والبحر، وعلمه بحال المريد وخواطره.\rوكذلك تأويلهم لكلام من يدعو الأموات معتقداً فيمن يدعوه السماع والعلم بحاله وضره ونفعه واستطاعته على الإغاثة .. إلخ فتأويل كلام هؤلاء لا يدخل تحت المجاز العقلي بل هو صريح وواضح أنه من الحقيقة العقلية.\rثم إن بعض علماء البلاغة ذكروا أن تقدير الفاعل الموجد المؤثر في نحو \"سرتني رؤيتك\" حيث قدر بعضهم \"سرني الله وقت رؤيتك\" -إن هذا التقدير تقدير لما لم يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض في التراكيب (¬١).\rومثل هذا المثال الإسناد الواقع في كلام الداعين لغير الله تعالى لأن المتكلمين به لا يقصدون تقدير الفاعل الذي هو الله تعالى، ولا يتعلق به الغرض في التركيب.\rويزيد هذا الوجه وضوحاً الوجه التالي:\rب - إن كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل (¬٢) ومن هذا القبيل تأويل كلام الداعين لغير الله، فإنه يوجد في كلامهم ما يدل صراحة على إخلاص الرجاء والرغبة للمدعو وحده، فلو أولنا كلامهم فقد أبطلنا تلك الدلالة الصريحة على إسناد الرجاء إلى الولي، والتأويل معناه إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاؤه.","footnotes":"(¬١) حاشية الجوهر المكنون: ٤٨، ونحوه في التعليق على التلخيص: ٥٠ - ٥١.\r(¬٢) مختصر الصواعق: ١/ ٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049246,"book_id":1098,"shamela_page_id":894,"part":"2","page_num":921,"sequence_num":894,"body":"\"ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة منها أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه أراد حقيقته وما وضع له؟ \" (¬١).\rوقد علمنا مراد بعض هؤلاء بما صرحوا به في كلامهم أنهم يريدون إسنادًا حقيقيًا فكيف نؤول كلامهم بما يبطل دلالته؟ وسيأتي سرد كلام بعضهم في مبحث صور من الدعاء غير المشروع\" وفيه التصريح بإخلاص الاستغاثة بغير الله تعالى.\rفتبين من هذا أن الذي يدعي صرف كلامهم عن ظاهره وحقيقته فقد ادعى معرفته لمراد كلامهم ومراد الواضع أيضًا، فإن لم تكن دعواه مطابقة المراد المتكلم والواضع - كان كاذبًا على المتكلم والواضع معًا (¬٢) ومراد هؤلاء الداعين للأموات بكلامهم واضح جدًا، قال النعمي:\r\"والذي يدل عليه سيرهم وأحوالهم القولية والفعلية أن ما يقع منهم عند التطام موج البحر ونازلة باغتة وجزئيات لا تنحصر - ليس من قبيل التوسل، بل لا يتبادر إلى أذهانهم ولا يخطر في أفكارهم إلا الولي وأما الله تعالى فمنسي أو يشرك معه الولي\" (¬٣).\rوالذي بقي لله في عقائدهم هو الإمكان فقط دون الأثر (¬٤)، ومن هنا نستطيع أن نقول: \"إن في هذه الألفاظ ما يتعذر أو يتعسر تأويله أو كلها كذلك\" (¬٥).\rوالحاصل أن الحمل على المجاز العقلي إنما يجوز إذا: \"لم يصدر","footnotes":"(¬١) المرجع نفسه: ١/ ٩٥.\r(¬٢) بدائع الفوائد: ٤/ ٢٠٦.\r(¬٣) معارج الألباب: ١٧٨.\r(¬٤) المرجع السابق: ١٧١.\r(¬٥) العلم الشامخ: ٥٩٠، وتنبيه الغبي: ١٥٩، والعقد الثمين للفاسي: ٢/ ١٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049247,"book_id":1098,"shamela_page_id":895,"part":"2","page_num":922,"sequence_num":895,"body":"من ذلك المتكلم شيء من الألفاظ والأعمال الكفرية مما هو كفر بواح وشرك قراح. وأما إذا صدر منه شيء من تلك الألفاظ والأعمال فلا يحمل كلامه على المجاز العقلي\" (¬١).\rجـ ـ إن الأمثلة التي ضربوها للمجاز العقلي مثل أنبت الربيع البقل هي في الأمور الظاهرة التي تكون العلاقة والقرينة واضحة، وتكون تلك القرينة من الأسباب الظاهرة ولها تعلق ومباشرة حقيقية، فأما في الأمور التي يكون التأثير فيها بالقوة الغيبية وبدون مباشرة الأسباب الظاهرة فلا يمكن قياس ذلك على تلك الأمثلة، وذلك لعدم المماثلة المشروطة في القياس.\rوالمشكلة الرئيسية عند هؤلاء أنهم لم يفرقوا بين الإسناد إلى الأسباب الظاهرة التي هي موجودة في كلام العرب وهي محمولة على السببية، وهو الذي سموه بالمجاز العقلي، وبين الإسناد إلى الأسباب الباطنة التي تأثيرها غير مباشر ويكون بقوة غيبية وتأثير غيبي.\rولنضرب الأمثلة على ذلك، فإذا قال القائل أنبت الربيع البقل يكون القائل قد أسند الإنبات إلى غيره تعالى وهو الربيع، وذلك لأنه سبب ظاهر ومباشر، فهنا الحمل على المجاز واضح وواقع في كلام الناس.\rوالشرع أباح مثل هذا، لأن استحضار السببية عند التكلم - قريب لا لبس فيه وأما إذا قال القائل: رزقني سيدي فلان الولد وأراد أنه تسبب وتوسط له في ذلك، فقد أسند إلى سبب غير مباشر وإلى تأثير غيبي وليس هناك سبب ظاهر حصل من سيدي فلان حتى يحمل الكلام على المجاز العقلي.\rفهذا هو الفرق بين المثالين:\rولكن هؤلاء خلطوا بين المثالين وجعلوا الحكم واحدًا، مع أن","footnotes":"(¬١) صيانة الإنسان: ٢٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049248,"book_id":1098,"shamela_page_id":896,"part":"2","page_num":923,"sequence_num":896,"body":"استحضار نية السببية في المثال الثاني غير واضح وليس قريب المأخذ من اللفظ.\rقال الإمام الدهلوي ﵀:\r\"وكذلك الرزق والشفاء على وجهين فقولنا: رزق الأمير الجند المفهوم منه أنه فرق الأموال التي جمعها بالقوة الناسوتية، وقولنا: \"شفى الطبيب المريض\" اجتهد كلَّ الجهد، وسعى كلَّ السعي بفكره الذي يشابه فكر المريض بتعيين دواء فيه حرًا وبردًا وغيرهما من خواص العالم فأعقبه الصحة.\rوقولنا: رزق الله تعالى خلقه، وشفى الله عبده أنه أراد أن يجتمع إليه المال من غير ملابسة بالأعمال الناسوتية ولا مشابهة بالناسوتية فاجتمع أولًا أو أن يزول مرضه ويحدث فيه الصحة فكان كما أراد\" (¬١).\rفالفرق بين المثالين أن الأول يكون تأثير المسند إليه بقوة مناسبة لإنسانيته وبشريته وهي القوة المباشرة الظاهرة وأما الثاني فيكون تأثير المسند إليه بقوة غير مناسبة لبشريته وهى القوة الغيبية وبدون اتصال مباشر ظاهر للأعين والأبصار، والأمثلة التي يدور النقاش فيها من باب المثال الثاني لا الأول كما هو واضح، ويؤيد هذا الوجه ما يلي:\rد - ومما يؤيد الفرق بين المثالين أن علماء البلاغة اشترطوا في القرينة أن تكون قريبة المأخذ وواضحة وأن يكون الشبه بين الطرفين جليًا.\rوقالوا: إن الأسد لا يطلق على الرجل أبخر الفم مع اشتراكهما في البخر لأن تلك القرينة بعيدة وغير قريبة المأخذ (¬٢)، فلا يتبادر الذهن عند إطلاق الأسد على الرجل أن المراد من الإطلاق أنه أبخر الفم بل الذي يتبادر أنه شجاع.","footnotes":"(¬١) البدور البازغة ص: ١٢٣، بواسطة البصائر: ٣٧٢ - ٣٧٣.\r(¬٢) انظر التلخيص: ٣٣٥، وترجيح أساليب القرآن: ١٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049249,"book_id":1098,"shamela_page_id":897,"part":"2","page_num":924,"sequence_num":897,"body":"هـ - ثم \"إن العلماء القائلين بالمجاز لم يقولوا بدخول المجاز والتأويل في كل كلام بل قالوا: \"المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له\" (¬١).\rوهؤلاء الداعون للأموات كلامهم نص واضح جلي في مرادهم فكيف نؤوله ونطلب له الحيل والمخارج ونجادل عنهم؟ ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩]. والعلماء نصوا على أنه ليس كل كلام قابلًا للتأويل، قال البقاعي ﵀:\r\"إنه ليس كل كلام يقبل تأويله وصرفه عن ظاهره، وذلك يرجع إلى قاعدة الإقرار بشيء، وتعقيبه بما يرفع شيئًا مَّا من معناه ولا خلاف عند الشافعية في أنه إن كان مفصولًا لا يقبل، وأما إذا كان موصولًا ففيه خلاف، ومن صورة ما لا ينفع فيه الصرف عن الظاهر كما لو أقر ببيع أو هبة ثم قال: كان ذلك فاسدًا فأقررت بظني الصحة فإنه لا يصدق في ذلك\" (¬٢).\rوالمجاز العقلي القرينة المدعاة ليست متصلة بالكلام بل هي مفصولة فلا خلاف عند الشافعية في عدم اعتباره في الحكم.\rوإذا ثبت أنه لا يقبل كل كلام التأويل فمن العلماء من \"غلب جانب الحرمة الله ولرسوله فمنع التأويل مطلقًا\" (¬٣).\rفعلى هذا فلا يقبل التأويل فيما يتعلق بحق الله تعالى ورسوله ﷺ وقال بعضهم مفرقًا بين الكلام الذي يؤول والذي لا يؤول: \"إنما نؤول كلام من ثبتت عصمته حتى نجمع بين كلاميه لعدم جواز الخطأ عليه،","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد: ١/ ١٥.\r(¬٢) تنبيه الغبي: ٢٢ - ٢٣، ومنع الجواز: ٥٢.\r(¬٣) الشفا لعياض: ٢/ ٩٧٨، وتنبيه الغبي: ٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049250,"book_id":1098,"shamela_page_id":898,"part":"2","page_num":925,"sequence_num":898,"body":"وأما من لم تثبت عصمته فجائز عليه الخطأ والمعصية والكفر فنؤاخذه بظاهركلامه، ولا يقبل منه ما أول كلامه عليه مما لا يحتمله، أو مما يخالف الظاهر\" (¬١).\rفعلى هذا فالتأويل خاص بما وقع في الكتاب والسنّة مما ظاهره التعارض والسبب في أن الذين أجازوا التأويل في الكلام عامة قالوا بعدم جواز دخول التأويل فيما هو نص في مراد المتكلم لا يحتمل غيره، لأن ذلك كذب ظاهر على المتكلم وتحميل لكلامه ما لا يحتمله (¬٢).\rولا يوجد في العلماء من يجيز تأويل كل كلام بدون قيد ولا شرط.\rو- ثم إننا لو أولنا كلام هؤلاء باحتمال المجاز العقلي فماذا نفعل بأعمالهم الشركية فهل يمكن تأويلها أيضًا؟ وإذا قلنا نؤول فبأي شيء نؤول سجودهم على أعتاب الأضرحة وطوافهم بالقباب، وذبحهم للقرابين وبذلهم للنذور؟ \"فهل هذه الأعمال أيضًا مؤولة، لوقوعها عمن لا يعتقد التأثير مع أن هذه العبادات من خالص حق الله تعالى، وصرفها لغيره شرك؟ \" (¬٣).\rز - إن فتح باب التأويل على مصراعيه يؤدي إلى فساد عظيم وخطر جسيم في اللغات والأديان ومصالح الدنيا، فأما فساد اللغات فإن \"العبد لا يعلم ما في ضمير صاحبه إلا بالألفاظ الدالة على ذلك فإذا حمل السامع كلام المتكلم على خلاف ما وضع له، وخلاف ما يفهم منه عند التخاطب عاد على مقصود اللغات بالإبطال ولم يحصل مقصود المتكلم ولا مصلحة","footnotes":"(¬١) تنبيه الغبي ص: ٦٦ - ٦٧، ١٣٦، ١٩٦، ٢٥٣، والعقد الثمين للفاسي: ٢/ ١٩٠ - ١٩١ وقد ذكر الفاسي عن أبي زرعة ولي الدين ابن الحافظ العراقي أنه قال: \" … وأمرنا أن نحكم بالظاهر وإنما يؤول كلام المعصومين\" العقد الثمين: ٦/ ٣٥٢.\r(¬٢) الصواعق المرسلة: ١/ ٢١٩.\r(¬٣) صيانة الإنسان: ٢٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049251,"book_id":1098,"shamela_page_id":899,"part":"2","page_num":926,"sequence_num":899,"body":"المخاطب، وكان ذلك أقبح من تعطيل اللسان عن كلامه فإن غاية ذلك أن تفوت مصلحة البيان، وإذا حمل على ضد مقصوده فوت مصلحة البيان وأوقع في ضد المقصود … \" (¬١) وأما فساد الدين فإن التأويل هو الذي فتح الباب للفرق الزائغة وأصحاب المقاصد السيئة لمحاولة هدم الإسلام تحت ستار التأويل.\rولا يخفى ما فعلته الروافض والجهمية بنصوص الكتاب والسنة الخبرية بدعوى التأويل في أمور العقيدة الهامة، ثم جاءت الباطنية فأعملت معاولها في النصوص المتبقية من الشرائع العملية وأمور المعاد، واحتجت بالحجج التي احتج المأولون السابقون من الجهمية والرافضة الذين أولوا النصوص الخبرية.\rفلم يستطع هؤلاء الرد على الباطنية بعد أن تعاونوا في تلك المحاولة اليائسة لهدم الشريعة (¬٢).\rوأما فساد مصالح الدنيا، فإنه لا يمكن لأمة من الأمم أن تعيش في ظل نظام التأويل فإنه لو فتح الباب للتأويل لا يمكن لأي قاض أن يحكم في قضية مَّا، ولا يمكن لأي فرد في المجتمع أن يثق بكلام الآخر لاحتماله للتأويل، وبهذا ترفع الثقة من بين الناس.\rقال الحافظ ابن عبد البر: \"ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات\" (¬٣).\rوقال الغزالي: \"إن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام بنقل عن صاحب الشرع وبغير ضرورة تدعو إلى ذلك من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ … والباطن لا ضبط له بل","footnotes":"(¬١) الصواعق المرسلة: ١/ ١٩١.\r(¬٢) انظر عن هذا الموضوع فضائح الباطنية للغزالي: ٥٣، والصواعق المرسلة: ١/ ١٩٣ - ٢٠٩، والحموية ص: ٢٠.\r(¬٣) التمهيد لابن عبد البر: ٧/ ١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049252,"book_id":1098,"shamela_page_id":900,"part":"2","page_num":927,"sequence_num":900,"body":"تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى\" (¬١).\rوقال شمس الدين الجزري: \"ولو فتح باب تأويل كل كلام ظاهره الكفر لم يكن في الأرض كافر\" (¬٢).\rوقال الحافظ الذهبي: وإن فتحنا باب الاعتذار عن المقالات وسلكنا طريق التأويلات المستحيلات، لم يبق في العالم كفر ولا ضلال وبطلت كتب الملل والنحل واختلاف الفرق\" (¬٣).\rوقال ابن رشد في معرض رده على الذين يؤولون أمور المعاد: وأما إذا أوّلت -أي نصوص المعاد- فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة فتتمزق الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها، وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، وهذا كله إبطال للشريعة ومَحْوٌ لها من النفوس من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظيم ما جناه على الشريعة\" (¬٤).\rوقال الألوسي: \"ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة لها لأمكن لكل من تكلم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقًا أن يقول: لم تحكمون بردتي؟ فيذكر احتمالًا ولو بعيدًا يخرج به عما كفر به، ولما احتاج إلى توبة ولا توجه عليه لوم\" (¬٥).\rحـ - ولكون التأويل يؤدي إلى هذه المفاسد لم يترك الشارع الحكيم الأمور سدى بل أناط الحكم بظواهر الألفاظ وما تقتضيه بأساليبها التركيبية، وأما ما وراء الألفاظ من السرائر والضمائر فإلى الله تعالى، قال عمر ﵁: \"إن أناسًا كانوا يأخذون بالوحي في عهد","footnotes":"(¬١) الإحياء: ١/ ٤٩، وتنبيه الغبي: ٦٧.\r(¬٢) تنبيه الغبي: ١٩٦.\r(¬٣) تاريخ الإسلام للذهبي وعنه في العقد الثمين: ٥/ ٣٣٢.\r(¬٤) الكشف عن مناهج الأدلة: ٨١، وفلسفة المجاز: ٦٨.\r(¬٥) جلاء العينين ص: ٥١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049253,"book_id":1098,"shamela_page_id":901,"part":"2","page_num":928,"sequence_num":901,"body":"رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة\" (¬١).\rوهذا الذي قاله الفاروق ﵁ تبعه فيه كافة العلماء لم يخالف في ذلك منهم أحد، بل أجمع عليه العلماء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الاجتهاد الصحيح (¬٢).\rقال ابن حجر الهيتمي الشافعي: \"المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله\" (¬٣).\rويدل لذلك الحديث المتفق عليه عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ: \"إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذ منه شيئًا فإنما أقطع له قطعة النار\" (¬٤).\rط - إن العلماء لم يعذروا في الألفاظ الكفرية بالتورية ولا بالجهل إلا في بعض صور الجهل التام.\rفقد قال العلماء: \"لو نطق بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرًا وباطنًا\" (¬٥). وعللوا عدم العذر بحصول التهاون منه (¬٦).\rفالحكم إنما يتعلق بالتكلم بألفاظ الكفر فمن تلفظ بها فقد كفر ولا يقبل منه ما يدعيه من الجهل أو التأويل إلا في بعض الصور.","footnotes":"(¬١) البخاري مع الفتح: ٥/ ٢٥١ رقم ٢٦٤١.\r(¬٢) مصرع التصوف: ٢٥٢.\r(¬٣) الإعلام بقواطع الإسلام ص: ٨٢.\r(¬٤) أخرجه البخاري: ٥/ ٢٨٨ رقم ٢٦٨٠، ومسلم: ٣/ ١٣٣٧ رقم ١٧١٣.\r(¬٥) تنبيه الغبي: ٢٣، والزواجر عن اقتراف الكبائر: ١/ ٣٢، والإعلام بقواطع الإسلام ص: ١٩.\r(¬٦) تنبيه الغبي: ٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049254,"book_id":1098,"shamela_page_id":902,"part":"2","page_num":929,"sequence_num":902,"body":"قال بعضهم: \"وإن كان قائلها -أي كلمة الكفر- لم يرد ظاهرها فهو كافر بقوله، ضال بجهله، ولا يعذر في تأويله لتلك الألفاظ، إلا أن يكون جاهلًا بالأحكام جهلًا تامًا عامًا، ولا يعذر في جهله لمعصيته لعدم مراجعة العلماء والتصانيف على الوجه الواجب من المعرفة\" (¬١).\rويستفاد من هذا أن الجهل أيضًا ليس بعذر في مثل هذه الأمور الاعتقادية الواضحة، فإن العلماء لم يعذروا بالجهل في باب الكفر إلا في بعض المسائل الدقيقة أو في التي لها شبهة قوية تمنع الحكم حتى تبين وقد تقدمت (¬٢) الإشارة إلى ذلك.\rي ـ الأهم من هذا كله هو أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذا هو حجة من يرى المجاز العقلي ويبيح إسناد الدعاء لغير الله تعالى.\rفلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله تعالى على المجاز العقلي، ويمنع من الحكم عليه بالشرك، لكان الله تعالى أعذر المشركين الذين يعتقدون التسبب والوساطة، ولحكم بكفر من يعتقد الاستقلال فقط، وأما من اعتقد أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى وأنها شفعاء عند الله فاستثناهم ولم يحكم بكفرهم، ولكن رأينا أن الله تعالى حكم على الكل بالكفر والشرك في كتابه العزيز، فلا ينفع ادعاء المجاز العقلي ولا الجدال عنهم بمثل هذه التأويلات البعيدة والحيل الفاسدة، قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩].\rوقد تقدم سابقًا بما لا يدع مجالًا للشك أن المشركين الأوائل كانوا يقرون بالربوبية والتأثير المطلق الله تعالى، وإنما يعتقدون الشفاعة والوساطة","footnotes":"(¬١) العلم الشامخ: ٥٩٠، وتنبيه الغبي: ١٥٩.\r(¬٢) تقدم ص: ٥٦٥ - ٥٦٦، ٩٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049255,"book_id":1098,"shamela_page_id":903,"part":"2","page_num":930,"sequence_num":903,"body":"والتسبب فكما لم ينفعهم ذلك الاعتقاد ولم يعذرهم الله تعالى، فكذلك من دعا غير الله تعالى من الأموات والغائبين وادعى الوساطة والشفاعة والتسبب لا ينفعه ذلك.\rمع أننا بينّا أن كثيرًا منهم يعتقد التأثير لا الوساطة فقط، كما بينّا ما في شبهة الوساطة والشفاعة من المحاذير والمفاسد - فلله الحمد وهو المستعان وعليه التكلان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049256,"book_id":1098,"shamela_page_id":904,"part":"2","page_num":931,"sequence_num":904,"body":"ملحق يشتمل على صور من الأدعية الشركية والبدعية وعلى نماذج من الأدعية الشرعية المأثورة\rصور من الأدعية الشركية والمبتدعة المنتشرة في العالم الإسلامي:\rقد انتشرت الأدعية الشركية والمبتدعة في العالم الإسلامي انتشارًا واسعًا حتى صار بعض الناس يعتقدها أنها هي الدعاء المشروع، وإذا أنكر عليه منكر ظن أنه جاء بدين جديد.\rولكثرة تلك الأدعية المخالفة للدعاء المشروع لا نستطيع حصرها بل ولا عشرها وإنما نقتصر على نماذج منها يعرف منها ما بقي، ونذكر تلك الأدعية وننقلها كما هي مع اشتمال بعضها على الكفر الصريح من دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به، وطلب المدد والإنقاذ وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟\rويشتمل بعضها على الاعتداء، وبعضها على التوسل البدعي، وإنما ذكرنا هذه النماذج لئلا يقال: إن دعاء غير الله تعالى الذي تحدثنا عنه طويلًا أمرٌ غير واقع في حياة المسلمين كما ذلك من يقول: إن هذه يزعم الأمة المرحومة لا يقع فيها الشرك، ثم ليقف القارئ بنفسه على تلك الأدعية الشركية والبدعية كما هي، ثم ليحكم هل ادعينا عليهم افتراء أم هي الحقيقة والواقع المرير؟.\rوإليك هذه النماذج:\r\rأ - صور من الأدعية الشركية والبدعية عند الشيعة:\rفهؤلاء عندهم الأدعية الشركية والبدعية الكثيرة جدًا، فهم يدينون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049257,"book_id":1098,"shamela_page_id":905,"part":"2","page_num":932,"sequence_num":905,"body":"بالاستغاثة والاستمداد من الأئمة ويعدون ذلك من أهم القربات والطاعات، ويدل على مدى صدق ما نقول ما أخرجه الكليني في الكافي أهم كتبهم عن جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ قال: \"نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العبد إلا بمعرفتنا\" (¬١)، ومثله في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ نحن الأوصياء\" (¬٢).\rفهم يعتقدون أن الله لا يقبل عملًا إلا إذا دُعِيَ بالأئمة، فلهذا لا يخلو دعاؤهم غالبًا من الاستمداد بهم أو التوسل بهم، ولكون ذلك كثيرًا عندهم نختار نماذج قليلة من أدعيتهم.\rفمن صور الأدعية الشركية المنتشرة لدى الشيعة ما يسمى عندهم بالزيارة الجامعة وهي من أوثق الزيارات عندهم، ويعدونها أحسن الزيارات الجامعة متنًا وإسنادًا (¬٣)، وهي طويلة في نحو خمس صفحات، وفيها: \"خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين … أشهد الله وأشهدكم أني مؤمن بكم وبما آمنتم به … مستجير بكم زائر لكم، لائذٌ عائذٌ بقبوركم، مستشفع إلى الله ﷿ بكم، ومتقرب بكم إليه ومقدمكم أمام طلبتي وحوائجي وإرادتي في كل أحوالي وأموري … بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبكم ينفس الهم، ويكشف الضر … \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) الكافي: ١/ ١١٠، وتقدم ص: ٤٦٧.\r(¬٢) المرجع نفسه: ١/ ٣٥٢.\r(¬٣) الشيعة والتصحيح للموسوي ص: ١٤٤، وقد استدل الخميني بما ورد فيها في ولاية الفقيه ص: ٥٢ كما تقدم ص: ٤٦٦.\r(¬٤) انظر هذه الزيارة في كتابهم من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٣٧٠ - ٣٧٥، وفي الكافي: ٣/ ٣٦١ ط ح في زيارة الحسين نحو هذا وفيه زيادة: \"وبكم يمحو الله ما يشاء، وبكم يثبت وبكم يفك الذل … وبكم تنبت الأرض أشجارها، وبكم تخرج الأرض ثمارها … وبكم تسيخ الأرض التي تحمل أبدانكم وتستقر جبالها … \".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049258,"book_id":1098,"shamela_page_id":906,"part":"2","page_num":933,"sequence_num":906,"body":"ففي هذا الكلام غلو شديد متفاحش، ففيه وصف الأئمة بالقدم وهو إشارة إلى قدم الأئمة وأوليتهم، وقد تسرب منهم إلى الصوفية ويسمونه بالحقيقة المحمدية ويريدون أن أصل العالم من نور محمد وعلي والأئمة (¬١)، كما أن فيه طلب الاستجارة واللياذة والعياذة من غير الله تعالى وفيه خطاب للموتى والغائبين، ولا يقال إنه خطاب لصاحب القبر المزور مثل السلام لأن هؤلاء يريدون خطاب جميع الأئمة، بمن فيهم غائبهم المنتظر مع العلم بأن قبورهم ليست في مكان واحد حتى يصح خطابهم جملة واحدة كأنهم في مكان واحد، كما أن في هذا اعتقاد أنهم الواسطة بين الله وبين الخلق في حوائجهم بل فيه اعتقاد أنهم الواسطة في الحوادث الكونية، من إنزال الغيث وإمساك السماء - تعالى الله عما يقولون - فكأن الله لا يفعل شيئًا إلّا لجبر خاطر الأئمة وإرضائهم، فلولا الأئمة ما أوجد العالم، وكأن الله محتاج إليهم في تدبير الكون تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\rومن أدعيتهم الشركية مع الحث على الاستغاثة بالإمام علي ﵁ قولهم:\rناد عليًا مظهر العجائب … تجده عونًا لك في النوائب\rكل هم وغم سينجلي … بولايتك يا علي يا علي (¬٢)\rوتسربت الاستغاثة بهذين البيتين إلى المتصوفة (¬٣).\rومن أدعيتهم الشركية ما أخرجه صاحب الكافي بسنده عن بعضهم \"إذا أحزنك أمر فقل في آخر سجودك، يا جبرئيل، يا محمد، يا جبرئيل،","footnotes":"(¬١) انظر في هذا الادعاء الكافي: ١/ ١١٦، والإنسان الكامل: ٢/ ٤٦، ٦١، ٧٤ - ٧٨، وانظر الاعتراف بهذا في الصلة بين الشيعة والتصوف ص: ٤٤٩ - ٤٥٦.\r(¬٢) مصباح الكفعمي: ١٨٢ - ١٨٣، وتحفة العوام: ٤٠٢.\r(¬٣) انظر جواز الاستغاثة بهما عندهم في البريلوية لإحسان إلهي: ٥٧، وفي البصائر ص:.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049259,"book_id":1098,"shamela_page_id":907,"part":"2","page_num":934,"sequence_num":907,"body":"يا محمد - تكرر ذلك - اكفياني ما أنا فيه فإنكما كافيان واحفظاني بإذن الله فإنكما حافظان\" (¬١).\rوقريب من هذا دعاء آخر يسمى دعاء فرج حضرت حجة وهو \"يا محمد يا علي، يا علي، يا محمد اكفياني، فإنكما كافيان وانصراني فإنكما ناصران، يا مولانا يا صاحب الزمان، الغوث، الغوث، أدركني أدركني، الساعة، الساعة، العجل، العجل، العجل\" (¬٢).\rففي هذا الدعاء الاستغاثة بمحمد وعلي وطلب الكفاية والنصرة منهما ووصفهما بهما، وفيه نداء صاحب الزمان -مهديهم الغائب في السرداب- وطلب الغوث والنجدة والإدراك في الساعة على سرعة وعجل، فبالله عليك ما الذي بقي الله تعالى من مخ الدعاء ولبه وخالصه وهل بقي شيء آخر لا يطلب إلا من الله تعالى!\rوأما الاعتداء في أدعيتهم فحدث ولا حرج، فإذا دعا الأئمة واستغاثَ فلا بد أن يلعن من ظلمهم ومن لا يواليهم، ويكفي للدلالة على ذلك ما ورد في الدعاء المشهور عندهم بدعا (¬٣) صنمي قريش، ففيه","footnotes":"(¬١) الكافي: ٢/ ٤٠٦.\r(¬٢) مصباح الكفعمي: ١٧٦، ١٨٢ - ١٨٣، ومفاتيح الجنان ١١٥ - ١١٦، وذكروا أنه يقرأ لرد الضائع والآبق.\r(¬٣) وفيه قولهم: \"والعن صنمي قريش وجبتيهما، وطاغوتيهما وإفكيهما وابنتيهما اللذان خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك … اللهم العنهما وأتباعهما وأولياءهما وأشياعهما ومحبيهما … لعنًا يعود أوله ولا ينقطع آخره لهم ولأعوانهم وأنصارهم … وذكروا أن عليًا يقنت بدعاء صنمي قريش\". انظر: المصباح للكفعمي ص: ٥٥٢ - ٥٥٣، وشرعة التسمية في زمن الغيبة: ق ٢٦/ ١، ومفاتيح الجنان: ٢٦١، ونفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت: ق ٦/ ١، وتحفة العوام ص:، وانظر أيضًا في المصباح للكفعمي: ٤٨٣ - ٤٨٤، ونحوه في الكافي: ٣/ ٣٥٩ ح \"فلعن الله أمة أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت، ولعن الله أمة دفعتكم عن مقامكم … اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049260,"book_id":1098,"shamela_page_id":908,"part":"2","page_num":935,"sequence_num":908,"body":"اعتداء وقح على مقام الشيخين أبي بكر وعمر وأمهات المؤمنين ﵃.\rوأما التوسل البدعي فما أكثره في أدعيتهم فقلما يخلو دعاء من أدعيتهم من التوسل بأئمتهم (¬١)، فكأن التوسل شرط أساسي لقبول الدعاء عندهم. ومن الأدعية الشركية المنتشرة بين الروافض: الدعاء المسمى عندهم بدعاء الاستئذان، أي الدعاء الذي يدعى به قبل دخول المشهد أو قبل دخول المسجد النبوي، وهو: \"اللهم إني أعتقد حرمة صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته، كما أعتقدها في حضرته، وأعلم أن رسولك وخلفاءك ﵈ أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي، ويسمعون كلامي، ويردون سلامي، وأنك حجبت عن سمعي كلامهم، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم … وأستأذنك يا رسول الله وأستأذن خليفتك الإمام المفترض طاعته … أأدخل يا حجة الله … \" (¬٢).\rوفي هذا الدعاء من الشرك الاعتقاد بأن الأئمة الغائبين الميتين يرونه ويسمعون كلامه ولهذا يستأذن على رسول الله ﷺ من بعيد وعلى الحجة الغائب، وفي هذا اعتقاد علم الغيب المحيط لغير الله تعالى، كما أن فيه الاعتقاد بالسمع المحيط لغير الله تعالى.\rوقد تسرب هذا الاستئذان على صاحب المشهد من بعيد إلى المتصوفة (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر على سبيل المثال لا الحصر الكافي: ٢/ ٤٠٩، ٤١٣، ذكر فيه بحق الخمسة - محمد، علي، فاطمة، الحسن، الحسين - و ٤٢٤، ٤٢٥، ٣٩٥، ٣٩٦، ٤٠٠، ٤٠١، ٤٠٢.\r(¬٢) المصباح للكفعمي: ٤٧٢ - ٤٧٣، وانظر دعاء الاستئذان في مصابيح الجنان: ٤٧١، ومفتاح الجنان: ٥٢٤.\r(¬٣) انظر على سبيل المثال استئذان الشاذلي على النبي ﷺ من أول النهار إلى نصفه في أبو الحسن الشاذلي: ٧٨ - ٧٩، وما ذكره الألوسي في روح المعاني: ١٨/ ١٨٥، وغاية الأماني: ٢/ ٣٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049261,"book_id":1098,"shamela_page_id":909,"part":"2","page_num":936,"sequence_num":909,"body":"ومن أدعيتهم الشركية دعاؤهم في زيارة الغائب في السرداب: \"السلام على الحق الجديد، والعالم الذي علمه لا يبيد، السلام على محيي المؤمنين ومبير الكافرين\" (¬١).\rففي هذا وصف للغائب بأن علمه باق أبدًا وأنه المحيي المميت وهذه صفات خاصة بالله تعالى، ودعاؤهم أيضًا في زيارته: \"اللهم صلِّ على حجتك في أرضك وخليفتك في بلادك … وخير من تقمص وارتدى … ومفرج الكرب، ومزيل الهم وكاشف البلوى\" (¬٢)، ففي هذا الدعاء من الشرك وصفه بأنه المفرج للكرب .. إلخ، وهذه صفات خاصة بالله تعالى لاسيما وأنها مطلقة ولم تقيد بتفريج كربة معينة مثلًا، وفيه من الغلو وصفه بأنه أفضل من الأنبياء والمرسلين لأنهم داخلون فيمن تقمص وارتدى.\r\rب - صور من الأدعية الشركية أو البدعية عند المتصوفة والقبوريين:\rفالأدعية الشركية والبدعية كثيرة في استغاثات المتصوفة والقبوريين وفي نداءاتهم وابتهالاتهم، فكثيرًا ما نجد بعضهم ينظم القصائد في ذلك ويصف من يستغيث به من المخلوقين بأوصاف الربوبية والألوهية، وإليك بعض ذلك:\rيقول أحدهم مخاطبًا البدوي راجيًا استغاثته:\rأتيت حماك الرحب استمطر الندى … وبذل أيادٍ ما لهن مضارع\rوحاشا وكلّا أن أخيب وأن لي … فؤادًا بقصد الغير ما هو قانع","footnotes":"(¬١) مفتاح الجنان: ٥٢٩.\r(¬٢) مفتاح الجنان: ٥٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049262,"book_id":1098,"shamela_page_id":910,"part":"2","page_num":937,"sequence_num":910,"body":"نحوتك أرجو منك سالف عادتي … فجد لي واستعفني بما أنا طامع\rأغيرك ينحوه المؤمل أو سوى … رحابك أهل تثنى إليه المطالع (¬١)\rفهذه الأبيات غاية في التضرع والتملق والانكسار بين يدي البدوي فإذا لم يكن مثل هذا عبادة ودعاء -لغير الله تعالى- فليس هناك ما يتصور أن يكون دعاء لغير الله تعالى، ثم إن هذه الأبيات صريحة في أن المقصود بهذا الدعاء هو البدوي فقط، وليس المراد منها الشفاعة المزعومة إلى الله تعالى فلا ينفع فيها ما يسمى بالمجاز العقلي، وقد تقدمت مناقشة ذلك بحمد الله تعالى.\rفقد محض السؤال للبدوي وخصه به وقصره عليه بقوله: أغيرك ينحوه المؤمل وبقوله: وأن لي فؤادًا بقصد الغير … فيدخل في هذا الغير الله ﷾.\rومثله قول آخر في البدوي أيضًا:\rوحماك أبغي يا أبا الفتيان في … خطب أهاج القلب من حسراته\rمن لي سواك أرومه في كشفه … أو ارتجي إن ضقت من وثباته\rعار عليك إذا رددت خويدمًا … قصر الفؤاد عليك في حاجاته (¬٢)\rويقول آخر في البدوي أيضًا:\rإني أتيتك يا ذا المشرع العالي … فانظر بلحظك في شأني وفي حالي\rولا تكلني إلى من ليس ينصرني … ولا إلى ذي جفا للعهد لي قالي\rففاقتي لك يا ذا الطول قد علمت … من كسر قلبي ومن حالي ومن قالي\rوقد تحاميت في الجاه المديد فلا … تردني خائبًا من فيض إفضالي\rومن أولى بغوث منك يا أملي … ومنتهى رحلتي ومنائي بل وآمالي","footnotes":"(¬١) السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة ص: ٢٨١ و ٣٢٠ نقلًا عن مخطوطة الجواهر السنية.\r(¬٢) السيد البدوي: ٣١٩ نقلًا عن الجواهر ص: ١٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049263,"book_id":1098,"shamela_page_id":911,"part":"2","page_num":938,"sequence_num":911,"body":"وصن بعزك يا ذا الطول وجهي … عن سؤال غيرك ممن حاله بالي\rوقد نزلت بباب فاز قاصده … بكل قصد وتعظيم وإجلال (¬١)\rوهذه الأبيات صريحة في قصر الدعاء والطلب على البدوي، فبالله عليك قل لي: ماذا أبقى هذا الشاعر الله تعالى؟ فهل لو أخلص أحدنا الدعاء الله تعالى يستطيع أن يقول الله تعالى أكثر من هذا؟\rومن أدعيتهم الشركية قولهم في الشيخ عبد القادر الجيلاني: شيئًا لله يا عبد القادر.\rفقد نص كثير من العلماء على أنها شرك كما تقدم (¬٢) ففيها استشفاع بالله عليه وقد استعظمه النبي ﷺ (¬٣) ومع هذا، فهذه الكلمة منتشرة في كثير من أرجاء العالم الإسلامي - إلى الآن - فنداء الشيخ عبد القادر والاستغاثة به والغلو فيه منتشر جدًا.\rفقد كان بعضهم يدعوه بقوله: \"يا غوثي أنت المحيي وأنت المميت، وأن النبي هو القاسم وأنت الموصل\" (¬٤).\rففي هذا نداء ودعاء لعبد القادر، ووصف له بصفات الربوبية، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rوالشيخ عبد القادر يلقب عندهم بالغوث الأعظم فهم لم يرضوا له أن يكون غوثًا فقط حتى جعلوه هو الغوث الأعظم، فأين الله تعالى في مخيلتهم؟؟ فهذا لم يصل إليه المشركون الأوائل.\rوأما التوسل البدعي فبحر (¬٥) لا ساحل له في أدعيتهم، لأن من","footnotes":"(¬١) السيد البدوي ص: ٢٨٢ نقلًا عن الجواهر: ١٢٤.\r(¬٢) تقدم ص: ٥٤٠.\r\r(¬٣) تقدم ص: ٥٠٦.\r(¬٤) البريلوية لإحسان إلهي ص: ٧١.\r(¬٥) فالتوسل البدعي كثير في أدعية المتأخرين لاسيما بعد الألف، فيوجد حتى عند بعض العلماء الذين يعدون من الكبار في بعض العلوم فمثلًا انظره لدى مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء كما في: ٥/ ٢ و ١١٨، وما كتبه علماء ديوبند الذين يعتبرون مراجع في القارة الهندية في عقيدتهم المسماة \"المهند على المقند\" ص: =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049264,"book_id":1098,"shamela_page_id":912,"part":"2","page_num":939,"sequence_num":912,"body":"استحسن الاستغاثة والاستمداد من الميت فمن باب أولى أن يستحسن التوسل به إلى الله تعالى، فلهذا لا نحتاج إلى ضرب الأمثلة الكثيرة.\rفمن أمثلة ذلك ما ذكره أصحاب التيجاني من صيغ التوسل أن يقول: \"يا رب توسلت إليك بحبيبك ورسولك وعظيم القدر عندك سيدنا محمد ﷺ في قضاء الحاجة التي أريدها\" يقول هذا مائة مرة ثم يقول: \"أسألك وأتوجه إليك بجاه القطب الكامل سيدنا أحمد بن محمد التيجاني وجاهه عندك أن تعطيني كذا وكذا، ويسمي حاجته بعينها عشرًا\" (¬١).\rويقول آخر في توسلاته بالأولياء بعد أن عدد أسماء كثيرين متوسلًا بهم:\rوبالباز عبد القادر الجيلي … أقرت جميع الأولياء للمزية\rوبالقطبى أحمد الرفاعي من حظي … يد المصطفى في القبر فاز بقبلة\rبشيخ الدسوقي والدميري والديلمي … والدرديري الرباني هم أهل رفعة وأحمد ابن علوان أحمد البدوي … وأحمد بن إدريس أهل الصبابة (¬٢)\rونختم هذا بما ذكره الشيخ حسين بن مهدي النعمي من مشاهداته.\rقال ﵀:\r\"ومن عجيب ما أتته العامة من الطرائف والغرائب الفاحشة ما شاهدناه بالمعاينة مكتوبًا على راية مشهد من المشاهد: \"هذه راية البحر التيار، فلان بن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار\".\rوقول بعضهم في قصيدة:","footnotes":"= ٣٧، والزرقاني على الموطأ: ٤/ ٤٣٦، وابن الجوزي في صيد الخاطر ص: ٧٩ وغير هؤلاء كثيرون.\r(¬١) رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم هامش الجواهر: ١/ ٢٦٥.\r(¬٢) إرشاد الأذكياء في حكم التوسل بالأولياء لعلي بن إبراهيم الصومالي ص: ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049265,"book_id":1098,"shamela_page_id":913,"part":"2","page_num":940,"sequence_num":913,"body":"يا سيدي يا صفي الدين يا سندي … يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري\rأنت الملاذ لما أخشى ضرورته … وأنت لي ملجأ من حادث الدهر\rامدد بمواد اللطف منك وكن … لي الكفيل بكشف الضر ونيل الظفر\rوامنن علي بتوفيق وعافية … وخير خاتمة مهما انقضى عمري\rوكف عنا أكف الظالمين إذا … امتدت بسوء وأمر مؤلم نكر\rفإني عبدك الراجي لودك ما … آمله يا صفي السادة الغرر\rوقد مددت يد الرجوي على ثقة … مني لنيل الذي أملت من وطري\rفلا ندري: أي معنى اختص به الخالق بعد هذه المنزلة من كيفية مطلب أو تحصيل مأرب؟ وماذا أبقى هذا المشرك الخبيث لخالقه من الأمر؟ \" (¬١).\rوبعد: فهذه الصور التي نقلناها غيض من فيض، ذكرناها ليطلع القارئ على مدى ما وصل إليه انتشار الأدعية الشركية والبدعية في العالم الإسلامي، ثم ليكون شاهدًا واضحًا على ما كررناه في الرسالة من اعتقاد بعض المسلمين لمن يدعونهم من دون الله تعالى - صفات الربوبية والألوهية - من التصرف المطلق والعلم بالغيب والسمع البصر المحيطين واستحقاق الدعاء والرجاء والخوف .. إلخ.\rثم ليتضح أن ما يدعيه المجادلون عن هؤلاء الداعين للأموات أنهم لا يريدون إلا التوسل والمجاز العقلي والشفاعة … باطل لا أساس له من الصحة، ففي الصور التي نقلناها رَدٌّ على هذا الادعاء، ففيها التصريح بأن المدعو من دون الله تعالى هو المقصود بالدعاء والرغبة واللجأ، وأنه لا ملجأ إلا إليه ولا باب إلا بابه، إلى غير ذلك مما يدفع في وجه من يريد تأويله وتخريجه على محمل لم يرده قائله ولم يدر بخلده ولم يخطر بباله ولم يضمره عند التكلم به.","footnotes":"(¬١) معارج الألباب ص: ١٧٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049266,"book_id":1098,"shamela_page_id":914,"part":"2","page_num":941,"sequence_num":914,"body":"مع أن المحمل الذي يريدون حمله عليه أيضاً هو عقيدة المشركين الأوائل، فهم يعتقدون الوساطة والشفاعة والتقريب إلى الإله الأكبر. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049267,"book_id":1098,"shamela_page_id":915,"part":"2","page_num":942,"sequence_num":915,"body":"نماذج مختارة من الأدعية المأثورة الواردة في الكتاب والسنة\rبعد أن سقنا نماذج من الأدعية الشركية والبدعية يستحسن أن نسوق نماذج من الأدعية المأثورة التي جاءت في الكتاب والسنة الصحيحة، إذْ بضدها تتميز الأشياء؛ وليرى القارئ الفرق الشاسع بين النموذجين فالأدعية المأثورة يتجلى فيها صدق التوجه إلى الله تعالى، وإخلاص الرغبة له، وتجريده بالطلب والالتجاء والتذلل، والانطراح بين يديه، والإعراض عما سوى الله تعالى، وقصر التوجه عليه، وإظهار العجز والمسكنة والفقر إلى رحمة الله تعالى، كما يظهر في الأدعية المأثورة عذوبةُ الألفاظ ووجازتُها، مع غزارة المعاني وسُمُوِّها، واشتمالها على المطالب العالية من خيري الدنيا والآخرة، كما يتضح فيها الإيمان المطلق بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهي في الغالب تتضمن ما يدل على التوحيد بأنواعه الثلاثة، وتُفتَتَح أو تختم باسم عظيم من أسماء الله الحسنى يناسب المقام، كما أنها مشتملة على تنزيهٍ لجناب الله وتعظيمه وتقديسه، كما يتجلى فيها حسن الأدب مع الله تعالى في الخطاب، وحسن عرض الحوائج والرغائب.\rكما أنها -من جانب آخر- معصومة مأمونة من الوقوع في الخطأ والزلل، أو الإثم أو اللحن، أو سوء الأدب.\rكما أنها بعيدة كل البعد عن أيِّ التفات إلى غير الله تعالى؛ فليس فيها التوسل البدعي -فضلاً عن دعاء غير الله تعالى أو الاستغاثة به-","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049268,"book_id":1098,"shamela_page_id":916,"part":"2","page_num":943,"sequence_num":916,"body":"بخلاف الأدعية غير المأثورة في هذه الأمور كلها.\rوإذا وقف القارئ على هذه الفروق الواضحة بين النموذجين وأدرك بنفسه هذه الحقيقة، فإنه يعرف خصائص الأدعية المأثورة، ولا يستبدل الخبيث بالطيب، ولا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيكون من الخاسرين.\rوإذا اتضح هذا، فإننا نختار نماذج قليلة -لأنها أمثلة لما هو معلوم ميسر لمن أراده في كتب السنة المشرفة، وفي كتب الأدعية الصحيحة-، ونبدأ أولاً بالأدعية الواردة في الكتاب العزيز:\r\rأ - نماذج من الأدعية الواردة في الكتاب العزيز:\r﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\r﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].\r﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].\r﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].\r﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].\r﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران: ١٤٧].\r﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049269,"book_id":1098,"shamela_page_id":917,"part":"2","page_num":944,"sequence_num":917,"body":"تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٤].\r﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].\r﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤٠، ٤١].\r﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ [الكهف: ١٠].\r﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].\r﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].\r﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾ [الممتحنة: ٤، ٥].\r﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾.\r\rب - نماذج من الأدعية الواردة في السنّة المطهرة:\r\" اللهمَّ أَنتَ رَبِّي لا إله إلا أنتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووَعْدِك ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صَنَعْتُ، أَبُوْءُ لَكَ بنِعْمَتِكَ عليَّ، وأَبُوءُ بِذَنْبِي، اغفر لي فإنه لا يغفرُ الذنوب إلا أنت\" [سيد الاستغفار، البخاري رقم ٦٣٠٦].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049270,"book_id":1098,"shamela_page_id":918,"part":"2","page_num":945,"sequence_num":918,"body":"\"اللهمَّ اغْفِرْ خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وإسرَافِي فِي أَمْرِي، وما أنت أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللهم اغفر لي جِدِّي وهَزْلِي، وخَطَئِي وعَمْدِي، وكلُّ ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ وما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ وما أنت أعلمُ بهِ مِنِّي، أنتَ المقدِّمُ وأنت المؤخرُ، وأنتَ على كل شيء قدير\" [البخاري ح رقم ٦٣٩٨، ومسلم ح رقم ٢٧١٩]\r\"اللهم إني ظلمتُ نفسي كثيراً، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ؛ فاغفر لي مغفرةً من عندك وارْحَمْنِي، إنك أنت الغفور الرحيم\" [تقدم].\r\"اللهم إنِّي عَبْدُكَ وابنُ عَبْدِكَ، وابنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حكمُكَ، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألكَ بكلِّ اسم هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ به نَفْسَك، أو عَلَّمْتَه أحداً مِنْ خَلْقِكَ، أو أَنْزَلْتَه في كتابِك، أو اسْتَأْثَرْتَ به في علمِ الغيبِ عندَك: أن تجعل القرآنَ العظيمَ ربيعَ قَلْبِي، ونورَ صَدْرِي، وجَلاءَ حزني، وذهابَ هَمِّي\" [انظر: السلسلة الصحيحة رقم ١٩٨].\r\"اللهم إني أسألك بأني أشهدُ أنك أنت اللهُ لا إله إلا أنت، الأحدُ الصمدُ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد\" [تقدم].\r\"اللهم إني أعوذُ بِرضَاكَ من سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ لا أُحْصِي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ\" [مسلم رقم ٤٨٦].\r\"اللهمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنتَ خَيْرُ من زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يَخْشَعُ، ومن نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، ومن دعوةٍ لا يُسْتَجَابُ لها\" [مسلم رقم ٢٧٢٢].\r\"اللهمَّ فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، لا إله إلا أنتَ ربَّ كلِّ شيءٍ ومليكه، أعوذ بك من شرِّ نفسي، ومن شرِّ الشيطان الرجيمِ وشركه، وأن أَقْتَرِفَ على نفسي سُوءاً أو أَجُرَّهُ على مسلمٍ\" [تقدم].\r\"اللهم إني أعوذُ بك من عذابِ جَهَنَّمَ، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المسيحِ الدجَّال، وأعوذُ بِكَ من فتنةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ\" [تقدم].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049271,"book_id":1098,"shamela_page_id":919,"part":"2","page_num":946,"sequence_num":919,"body":"\"اللهم أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إليك، لا مَلْجَأَ ولا مَنْجَا منك إلَّا إلَيْكَ. اللهم آمنتُ بِكِتَابِكَ الذي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الذي أَرْسَلْتَ\" [دعاء النوم، تقدم].\r\"اللهم إني أَسْتَخِيرُكَ بعلمِكَ، وأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ من فَضْلِكَ العظيمِ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وأنتَ عَلَّامُ الغيوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كنتَ تَعْلَمُ أن هذا الأمرَ \"ويسمّي حاجته\" خيرٌ لي في دِيْنِي وَمَعَاشي وعاقِبَة أَمْرِي [أو: عَاجِلِ أمري وآجله] فَاقْدُرْهُ لي ويَسِّرْه لي ثم بَارِك لي فيه. وإن كنتَ تعلمُ أن هذا الأمرَ \"ويسمّي حاجته\" شرٌّ لي في دِيْنِي وَمَعَاشِيْ وَعَاقِبَةِ أَمْرِي [أو: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِه] فاصْرِفْهُ عَنِّي واصرفني عنه، واقدُر لي الخيرَ حيث كان ثم رَضِّنِي به\" [دعاء الاستخارة، البخاري رقم ١١٦٢، ٦٣٨٢].\r\"اللهم إنِّي أَسْأَلُكَ الهُدى، والتَّقَى، والعَفَافَ، وَالْغِنَى\" [مسلم رقم ٢٧٢١].\r\"اللهم أَصْلِحْ لِي دِينِي الذي هو عِصْمَةُ أَمْرِي، وأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ التي فيها مَعَاشِي، وأصْلِحْ لي آخِرَتِي التي فيها مَعَادِي، وَاجْعَلِ الحياةَ زِيَادَةً لي في كلِّ خيرٍ، واجْعَلِ الموتَ راحةً لي مِنْ كُلِّ شر\" [مسلم رقم ٢٧٢٠].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049272,"book_id":1098,"shamela_page_id":920,"part":"2","page_num":947,"sequence_num":920,"body":"الخَاتِمَة\rلقد توصلت -بحمد الله وتوفيقه وإعانته- إلى بعض النتائج الآتية:\r١ - إن الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد، وحياة القلب، ويجعله متعلقاً بالله تعالى محبة ورغبة، ويفتح له باباً عظيماً من لذيذ المناجاة وحلاوة الإيمان، وبشاشته، وبرد اليقين، وراحة البال، وطمأنينة النفس، وانشراح الصدر، وغير ذلك.\r٢ - إن الدعاء يتضمن الاعتقاد بربوبية الله تعالى، وقدرته، وجوده وكرمه، وعلمه، وسمعه، وعلوه على خلقه، وغير ذلك الصفات من العليا.\r٣ - إن الدعاء يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، ومن ذلك توجه القلب إلى الله ﷿، وقصده بالكلية، ورجاء إجابة دعوته والرغبة إليه، والتوكل عليه، والخوف منه وخشيته، ومحبته، والابتهال إليه والتذلل له والتملق، والانطراح بين يديه تعالى، والتبري من الحول والقوة، وذكره باللسان واللهج باسمه، والاستغاثة به، وغير ذلك من أنواع العبادات المتنوعة.\r٤ - إن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية، فهي شاملة للخلق مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى يربيهم بالنعم التي منها إجابة دعائهم وقضاء حوائجهم.\r٥ - إن الدعاء سبب شرعي من جملة الأسباب التي جعلها الله -عز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049273,"book_id":1098,"shamela_page_id":921,"part":"2","page_num":948,"sequence_num":921,"body":"وجل- سبباً لنيل المرغوب، ودفع المرهوب، وهو من جملة القضاء ومندرج تحته فليس خارجاً عنه، فالقدر السابق يتضمن الغاية وسببها، لم يتضمن غاية بلا سبب.\r٦ - إن الشرك في الدعاء هو أصل شرك العالم، والعكوف والذبح، والنذر، وما إلى ذلك فروع عنه.\r٧ - إن الشرك في الدعاء هو أغلب وأكثر أعمال المشركين نحو الأوثان والقبور قديماً وحديثاً.\r٨ - إنه لم يرد في كتاب الله العزيز تحذير من أي نوع من أنواع الشرك مثل ما ورد في الدعاء.\r٩ - إن الدعاء والعبادة يتعاقبان في كتاب الله تعالى على موضوع واحد أو على موضوعات متشابهة.\r١٠ - إن الدعاء غير المشروع انتشر في عوام المسلمين بطريق المتصوفة، وتسرب إلى المتصوفة من الرافضة، فهم أول من أحدث في هذه الأمة التعلق بالقبور ورجاء البركة منها ودعاء أصحابها من دون الله تعالى.\r١١ - إن التوسل البدعي هو الذي فتح الباب لدعاء غير الله تعالى والاستغاثة به والاستمداد منه، فهو الباب الرئيسي الذي يدخل منه الشيطان ليزين لبعض الناس دعاء غير الله تعالى.\r١٢ - إنه لا يوجد دليل صحيح صريح لمن يجيز الدعاء غير المشروع، وإنما شبهاتهم تدور بين صحيح غير صريح الدلالة، أو ضعيف أو مكذوب صريح الدلالة.\r١٣ - إن هؤلاء المجيزين للدعاء غير المشروع يقلد بعضهم بعضاً تقليداً أعمى حتى أن بعض معاصريهم كان ينتحل كلام من سبقه على عواهنه، مع اشتماله على عقائد خطيرة ومفاسد جسيمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049274,"book_id":1098,"shamela_page_id":922,"part":"2","page_num":949,"sequence_num":922,"body":"١٤ - إن الشرك في الدعاء أو غيره لا يزال يقتحم فيه كثير من هذه الأمة، فمن الواجب البحث عنه وكشف زيف أهله وباطلهم بشتى الوسائل الممكنة.\rهذا وإني أحمد الله ﷾ على ما وفقني ويسر لي من إتمام هذا البحث، وأسأله أن ينفعني به فهو المبدي بالنعم ومديمها وهو المسؤول أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ..\rهذا ومما واجهني أثناء البحث كثرة مسائله المتشعبة وكثرة من خاض فيه بحق أو باطل، فقد خاض فيه كثيرون، وكثر التأليف فيه من الجانبين المجيزين للدعاء غير المشروع والمانعين منه.\rولا يخفى صعوبة الاطلاع على جميع ما كتب حول الموضوع، ثم إبراز الجوانب التي تستحق الدراسة ومناقشة ما يستحق المناقشة، ولا يزال الموضوع يؤلف فيه فريق من الناس إلى اليوم محاولين مقاومة انتشار الوعي الصحيح للعقيدة الصحيحة السليمة من الشرك والبدع، والتي هي عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم، ومع هذه الصعوبة، استعنت بالله تعالى -في إعداد الرسالة وبذلت قصارى جهدي ولم أدخر وسعاً، فما كان صواباً فمن الله تعالى وتوفيقه، وما كان خطأ من فمني ومن تقصيري وجهلي ومن الشيطان ..\rوالله أسأل أن يعفو عني وعن زلاتي وأسأله أن يسددني لما فيه الحق والصواب وأن يهديني إلى الصراط المستقيم ..\rوسبحانك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .. وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك ..","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049275,"book_id":1098,"shamela_page_id":923,"part":"2","page_num":950,"sequence_num":923,"body":"فهرس المصادر والمراجع\r(حرف الألف)\r١ - الآداب الشرعية والمنح المرعية: لابن مفلح المقدسي أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي، (ت ٧٦٣ هـ)، نشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، عام ١٣٩١ هـ.\r٢ - آراء ابن العربي الكلامية: د. عمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط. الشروق، بيروت.\r٣ - الإبريز لعبد العزيز الدباغ: (ت ١١٣٢ هـ)، ط. بولاق، القاهرة، سنة ١٢٩٢ هـ.\r٤ - الإبداع في مضار الابتداع: تأليف علي محفوظ (ت ١٣٦١ هـ)، نشر دار الاعتصام.\r٥ - أبو الحسن الشاذلي: للدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر، دار التراث العربي.\r٦ - إتحاف الأذكياء في جواز التوسل بالأنبياء: للغماري عبد الله محمد الصديق.\r٧ - إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين: لمرتضى الزبيدي محمد بن محمد، (ت ١٢٠٥ هـ)، نشر دار الفكر.\r٨ - الإتقان في علوم القرآن: للسيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، (ت ٩١١ هـ)، ط. مصطفى الحلبي، الرابعة، ١٣٩٨ هـ.\r٩ - إثبات صفة العلو: لابن قدامة موفق الدين عبد الله بن أحمد، (ت ٦٢٠، هـ)، تحقيق د. أحمد عطية الغامدي، ط. مؤسسة علوم القرآن، دمشق، سنة ١٤٠٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049276,"book_id":1098,"shamela_page_id":924,"part":"2","page_num":951,"sequence_num":924,"body":"١٠ - اجتماع الجيوش الإسلامية: لابن قيم الجوزية، (ت ٧٥١ هـ)، المكتبة السلفية بالمدينة النبوية.\r١١ - أجوبة ابن سيد الناس: مخطوط، مكتبة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري.\r١٢ - الأجوبة النافعة: تأليف محمد ناصر الألباني، نشر المكتب الإسلامي، ط. ثانية، ١٤٠٠ هـ، بيروت.\r١٣ - الاحتجاج بالقدر: لشيخ الإسلام ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، (ت ٧٢٨ هـ)، ط. المكتب الإسلامي، ط. رابعة، ١٤٠٤ هـ.\r١٤ - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: لابن بلبان علي الفارسي، (ت ٧٣٩ هـ)، تحقيق …\r١٥ - أحكام الجنائز: للألباني محمد ناصر الدين، المكتب الإسلامي، ط. أولى، ١٣٨٨ هـ.\r١٦ - الإحكام في أصول الأحكام: للآمدي سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد، (ت ٦٣١ هـ)، بدون.\r١٧ - أحكام القرآن: لابن العربي أبي بكر محمد بن عبد الله، (ت ٥٤٣ هـ)، تحقيق علي محمد البجاوي، نشر دار المعرفة، بيروت.\r١٨ - أحوال الرجال: للجوزجاني أبي إسحاق بن يعقوب، (ت ٢٥٩ هـ)، تحقيق صبحي السامرائي، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ، بيروت.\r١٩ - إحياء علوم الدين: للغزالي أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، (ت ٥٠٥ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\r٢٠ - أخبار أصبهان: للأصبهاني أبي نعيم أحمد بن عبد الله، (ت ٤٣٠ هـ)، ط. بريل بليدن، عام ١٩٣١ م.\r٢١ - الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد: للإمام البخاري محمد بن إسماعيل، (ت) ٢٥٦ هـ)، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٧٨ هـ.\r٢٢ - الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار: للنووي يحيى بن شرف، (ت ٦٧٦ هـ)، ط. المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، ط. الرابعة، ١٣٧٥ هـ.\r٢٣ - الأربعين في صفات رب العالمين: للذهبي، تحقيق جاسم الدوسري، ط. الدار السلفية، الكويت، ١٤٠٨ هـ.\r٢٤ - إرشاد الناظر فيما افترى به الغوي الفاجر: لخان بادشاه الباكستاني، طبع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049277,"book_id":1098,"shamela_page_id":925,"part":"2","page_num":952,"sequence_num":925,"body":"مع البصائر للمتوسلين بالمقابر على نفقة الشيخ خليفة آل ثاني، قطر، ١٤٠٣ هـ.\r٢٥ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط. الأولى، ١٣٩٩ هـ.\r٢٦ - الأزهية في أحكام الأدعية: للزركشي محمد بن بهادر، (ت ٧٩٤ هـ)، تحقيق أم عبد الله، بإشراف أبي عبد الله الحداد، نشر دار الفرقان، ط. الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٢٧ - أساس البلاغة: للزمخشري جار الله أبي القاسم محمود بن عمر، (ت ٥٣٨ هـ)، دار الكتب بمصر، عام ١٩٧٢ م، ط ٢ ..\r٢٨ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد، (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق علي محمد البجاوي، نشر مكتبة نهضة مصر، القاهرة.\r٢٩ - الاستقامة: لابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، (ت ٧٢٨ هـ)، تحقيق محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام، ط. أولى، ١٤٠٣ هـ.\r٣٠ - أسد الغابة في معرفة الصحابة: لعز الدين ابن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري، (ت ٦٣٠ هـ)، دار الفكر، بدون.\r٣١ - الإسلام وتقاليد الجاهلية: آدم عبد الله، الألوري، ط. الثانية، مطبعة المدني، القاهرة.\r٣٢ - الأشباه والنظائر: لمقاتل اللخمي، (ت ١٥٠ هـ)، تحقيق د. عبد الله شحاتة، ١٣٩٥ هـ، الهيئة العامة للكتاب المصرية.\r٣٣ - الإصابة في تمييز الصحابة: للحافظ ابن حجر العسقلاني، (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق علي محمد البجاوي، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة.\r٣٤ - إصلاح المنطق: لابن السكيت، (ت ٢٤٤ هـ)، تحقيق أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد، ط. الثالثة، دار المعارف بمصر.\r٣٥ - الأصل الجامع لعبادة الله: لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، (ت ١٢٠٦ هـ)، المطبوع ضمن مؤلفات الشيخ، قسم العقيدة، نشر جامعة الإمام.\r٣٦ - أصول الدين للبغدادي: أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، (ت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049278,"book_id":1098,"shamela_page_id":926,"part":"2","page_num":953,"sequence_num":926,"body":"٤٢٩ هـ)، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي.\r٣٧ - أصول السرخسي: أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، (ت ٤٩٠ هـ)، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\r٣٨ - الأصل للشيباني: محمد بن الحسن، (ت ١٨٩ هـ)، ط. دار المعارف العثمانية، حيدر أباد، الهند ط. الأولى، ١٣٩٣ هـ.\r٣٩ - الأصنام: للكلبي هشام بن محمد بن السائب، (ت ٢٠٤ هـ)، تحقيق أحمد زكي، نشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة، عام ١٣٨٤ هـ.\r٤٠ - الاعتصام: للشاطبي أبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي، (ت ٧٩٥ هـ)، المكتبة التجارية، مصر.\r٤١ - الإعلام بقواطع الإسلام للهيتمي: أحمد بن حجر، (ت ٩٧٤ هـ)، طبع بهامش الزواجر عن اقتراف الكبائر، دار الكتب العربية، مصر، ١٣٣٢ هـ.\r٤٢ - أعلام الموقعين عن رب العالمين: لابن قيم الجوزية، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، (ت ٧٥١ هـ)، تحقيق محمد محيي عبد الحميد.\r٤٣ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: لابن القيم أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، (ت ٧٥١ هـ)، نشر المكتبة القيمة، القاهرة عام ١٩٨٣ م.\r٤٤ - اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم، تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، (ت ٧٢٨ هـ)، نشر مطابع المجد التجارية، تحقيق محمد حامد الفقي.\r٤٥ - الإقناع: لأبي النجا شرف الدين موسى الحجاوي المقدسي، (ت ٩٦٨ هـ)، تصحيح وتعليق عبد اللطيف محمد موسى السبكي، المطبعة المصرية بالأزهر.\r٤٦ - إكمال إكمال المعلم: للأبيّ أبي عبد الله محمد بن خلطة الوشتاني المالكي (ت ٨٢٧ هـ)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\r٤٧ - ألفية ابن مالك: جمال الدين محمد بن مالك الأندلسي، (ت ٦٧٢ هـ)، المطبوع مع شرح ابن عقيل، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.\r٤٨ - الإمام المهدي وظهوره: للشاهروردي جواد حسين الحسيني \"معاصر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049279,"book_id":1098,"shamela_page_id":927,"part":"2","page_num":954,"sequence_num":927,"body":"شيعي\"، نشر مكتبة دار الإرشاد، الكويت، ط. الأولى، عام ١٤٠٥ هـ.\r٤٩ - الأم: للشافعي أبي عبد الله محمد بن إدريس، (ت ٢٠٤ هـ)، ط. دار الشعب، ١٣٨٨ هـ.\r٥٠ - الأمصار ذوات الآثار: للذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق محمود الأرناؤوط، نشر دار ابن كثير، ط. ١٤٠٥ هـ.\r٥١ - الانتصار لحزب الله الموحدين: للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ١٢٨٢ هـ، مكتبة الصحابة الإسلامية السالمية، الكويت، ط الثالثة.\r٥٢ - الأنساب: للسمعاني، طبع دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند.\r٥٣ - الإنسان الكامل: للجيلي عبد الكريم بن إبراهيم، (ت ٧٦٧ - ٨٠٥ هـ)، في جزأين في مجلد واحد ط. رابعة، ١٤٠٢ هـ، مصطفى البابي الحلبي.\r٥٤ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، تأليف علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي، (ت ٨٨٥ هـ)، ط. الأولى، تحقيق محمد حامد الفقي، عام ١٣٧٧ هـ، مطبعة السنة المحمدية، مصر، القاهرة.\r٥٥ - الأنوار الرحمانية لهداية التيجانية: للإفريقي عبد الرحمن بن يوسف، (ت هـ)، تصحيح وتعليق إسماعيل الأنصاري، نشر دار الإفتاء.\r٥٦ - الأوراد المأثورة: تأليف محمود مهدي الإستانبولي، ط. ٢، ١٤٠٧ هـ، نشر المكتب الإسلامي.\r٥٧ - أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير: لأبي بكر جابر الجزائري، ط. الثانية، ١٤٠٧ هـ.\r٥٨ - الإيمان: لابن تيمية، (ت ٧٢٨) (هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط. الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r٥٩ - الإبانة عن أصول الديانة: لأبي الحسن الأشعري علي بن إسماعيل، (ت ٣٢٤ هـ)، تحقيق فوقية حسين محمود، جامعة عين شمس، دار الأنصار، القاهرة.\r٦٠ - إرشاد الأذكياء في حكم التوسل بالأولياء: لعلي بن حاج إبراهيم الصومالي، الطبعة الثانية بمقديشو، عام ١٤٠٢ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049280,"book_id":1098,"shamela_page_id":928,"part":"2","page_num":955,"sequence_num":928,"body":"٦١ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: للشوكاني، (ت ١٢٥٠ هـ)، ط. الحلبي، ١٣٥٦ هـ.\r٦٢ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت ١٣٩٢ هـ)، عالم الكتب.\r٦٣ - إفادة الخبر بنصه في زيادة العمر ونقصه للسيوطي: أبي الفضل عبد الرحمن السيوطي، (ت ٩١١ هـ)، تحقيق عبد الحميد منير شانوحة، مكتبة دار الوفاء، ط. أولى.\r٦٤ - أدرار الشروق على أنواع الفروق لابن الشاط: قاسم بن عبد الله، (ت ٧٢٣ هـ)، المطبوع بهامش الفروق للقرافي.\r\r(حرف الباء)\r٦٥ - الباعث على إنكار البدع والحوادث: للعلامة أبي شامة الشافعي، (ت ٦٦٥ هـ)، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة.\r٦٦ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق: لابن نجيم زين العابدين بن إبراهيم، (ت ٩٧٠ هـ)، نشر دار المعرفة، بيروت.\r٦٧ - بدائع الفوائد: لابن القيم، مصورة دار الكتاب العربي، بيروت.\r٦٨ - البداية والنهاية: للحافظ ابن كثير الدمشقي، (ت ٧٧٤ هـ)، تحقيق د. أحمد أبو، ملحم، د. علي نجيب عطوة، فؤاد السيد، مهدي ناصر الدين، علي عبد الساتر، الناشر دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r٦٩ - البدر الطالع بمحاسن من بعد الفرن السابع: للعلامة محمد بن علي الشوكاني، (ت ١٢٥٠ هـ)، مطبعة السعادة القاهرة، ط. أولى، ١٣٤٨ هـ.\r٧٠ - بدع التفاسير: للغماري عبد الله محمد بن الصديق، ط. دار الطباعة المحمدية بالأزهر، ١٣٨٥ هـ.\r٧١ - البدع والنهي عنها: للقرطبي محمد بن وضاح، (ت ٢٨٦ هـ)، تحقيق محمد أحمد دهمان، دار، البصائر، دمشق، ط. الثانية.\r٧٢ - البراهين الساطعة في الرد على بعض البدع الشائعة: للعزامي سلامة هندي القضاعي الصوفي، (ت ١٣٧٦ هـ)، تقديم الكوثري، ط. أمين الكردي بمصر، ١٣٦٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049281,"book_id":1098,"shamela_page_id":929,"part":"2","page_num":956,"sequence_num":929,"body":"٧٣ - البريلوية، عقائد وتاريخ: تأليف إحسان إلهي ظهير، الناشر إدارة ترجمان السنة، ط. الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r٧٤ - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد: لمحمد بن الحسن بن فروخ الصفار، (ت ٢٩٠ هـ)، ط. طهران، نشر مؤسسة الأعلمي، ط. عام ١٣٦٢ هـ.\r٧٥ - البصائر للمتوسلين بالمقابر: للشيخ محمد طاهر الباكستاني، طبع على نفقة الشيخ خليفة آل ثان، قطر، عام ١٤٠٣ هـ.\r٧٦ - بغية المرتاد: لابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، (ت ٧٢٨ هـ)، تحقيق موسى بن سليمان الدويش، نشر مكتبة العلوم والحكم، ط. الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٧٧ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: للسيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، ط. ٢، ١٣٩٩ هـ.\r٧٨ - بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب: لمحمود شكري الألوسي البغدادي، (ت ١٣٤٣ هـ)، تصحيح محمد بهجة الأثري، مطابع دار العربي بمصر، ١٣٤٢ هـ.\r٧٩ - البناية في شرح الهداية: للعيني محمود بن أحمد، (ت ٨٥٥ هـ)، تصحيح: محمد عمر الرامفوري، دار الفكر، ط. ١، عام ١٤٠١ هـ.\r٨٠ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، (ت ٧٢٨ هـ)، تصحيح وتعليق محمد بن القاسم، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، ١٣٩٢ هـ.\r٨١ - البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة: لأبي الوليد ابن رشد القرطبي، (ت ٥٢٠ هـ)، وضمنه المستخرجة من الأسمعة المعروفة بالعتبية لمحمد العتبي القرطبي، ت ٢٥٥ هـ)، تحقيق محمد حجي، ط. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٤ هـ، ط. الأولى.\r\r(حرف التاء)\r٨٢ - تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة عبد الله بن مسلم، (ت ٢٧٦ هـ)، تصحيح محمد زهري النجار، نشر دار الجيل، بيروت، ط. عام ١٣٩٣ هـ.\r٨٣ - تاج العروس شرح القاموس: للزبيدي محمد بن محمد مرتضى الزبيدي، (ت ١٢٠٥ هـ)، مصورة عن الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية المنشأة بجمالية مصر، عام ١٣٠٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049282,"book_id":1098,"shamela_page_id":930,"part":"2","page_num":957,"sequence_num":930,"body":"٨٤ - تاريخ أبي زرعة الدمشقي عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري، (ت ٢٨١ هـ)، تحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني، نشر مجمع اللغة العربية بدمشق.\r٨٥ - تاريخ بغداد: للخطيب البغدادي، أحمد بن علي، (ت ٤٦٣ هـ)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\r٨٦ - تاريخ الرسل والملوك: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، (ت ٣١٠ هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط. الرابعة، دار المعارف، مصر.\r٨٧ - التاريخ لابن معين: أبي زكريا يحيى بن معين، (ت ٢٣٤ هـ)، تحقيق أحمد نور سيف، نشر جامعة أم القرى.\r٨٨ - تاريخ المدينة: لابن شبة أبي زيد عمر بن شبة، (ت ٢٦٢ هـ)، تحقيق فهيم محمد شلتوت، ط. دار الأصبهاني بجدة.\r٨٩ - التاريخ الكبير: للبخاري محمد بن إسماعيل، (ت ٢٥٦ هـ)، ط. دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند، ط. الأولى.\r٩٠ - تاريخ نجد المسمى بروضة الأفكار والأفهام: للعلامة المؤرخ حسين بن غنام، (ت ١٢٢٥ هـ)، تهذيب د. ناصر الدين الأسد والشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ط. الثالثة، ١٤٠٣ هـ، الرياض.\r٩١ - تجريد التوحيد المفيد: للمقريزي أحمد بن علي، (ت ٨٥٤ هـ)، تعليق طه محمد الزيني، نشر مكتبة القاهرة لصاحبها علي يوسف، مصر.\r٩٢ - تحذير المسلمين: تأليف محمد بن البشير ظافر الأزهري، (ت بعد ١٣٢٩ هـ)، تحقيق محيي الدين مستو، دار ابن كثير، بيروت، مكتبة دار التراث، المدينة المنورة، ط. أولى، ١٤٠٥ هـ.\r٩٣ - تحفة الأحوذي شرح الترمذي: للمباركفوري، أبي العلي محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم، (ت ١٣٥٣ هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، المكتبة السلفية، القاهرة.\r٩٤ - تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس: للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، (ت ١٢٩٣ هـ)، تحقيق عبد السلام بن برجس.\r٩٥ - تحفة المحتاج بشرح المنهاج: للهيتمي أحمد بن حجر الشافعي المكي،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049283,"book_id":1098,"shamela_page_id":931,"part":"2","page_num":958,"sequence_num":931,"body":" (ت ٩٧٤ هـ)، مطبعة مصطفى محمد نشر المكتبة التجارية الكبرى، مصر.\r٩٦ - تخريج الكلم الطيب: للشيخ الألباني، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ، المكتب الإسلامي.\r٩٧ - التدمرية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط. السلفية بمصر، ط الثالثة: ١٤٠٠ هـ.\r٩٨ - تذكرة الحفاظ: الشمس الدين الذهبي، (ت ٧٤٨ هـ)، مصور عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند.\r٩٩ - ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان لابن الوزير، محمد بن المرتضى، (ت ٨٤٠ هـ)، الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\r١٠ - الترغيب في الدعاء والحث عليه: للمقدسي الجماعيلي عبد الغني بن عبد الواحد، (ت ٦٠٠ هـ)، مخطوط منه صورة بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية تحت رقم ١٣١٣.\r١٠١ - التصوف بين الحق والخلق: تأليف محمد فهر شقفة، الدار السلفية، ط. الثالثة، ١٤٠٣ هـ.\r١٠٢ - التصوف والاتجاه السلفي في العصر الحديث: د. مصطفى حلمي أستاذ بجامعة دار العلوم، القاهرة، نشر دار الدعوة للطبع والنشر، الإسكندرية.\r١٠٣ - تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد: للعلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني، (ت ١١٨٢ هـ)، نشر إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض.\r١٠٤ - تطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران: لأحمد بن حجر آل بوطامي آل ابن علي، إدارة إحياء التراث الإسلامي، الطبعة العاشرة بدولة قطر.\r١٠٥ - التعريفات: للشريف علي بن محمد الجرجاني، (ت ٨١٦ هـ)، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط. الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r١٠٦ - تفسير ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، (ت ٣٢٧ هـ)، تحقيق د. أحمد الزهراني، نشر مكتبة الدار، ط. الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r١٠٧ - تفسير البحراني \"البرهان في تفسير القرآن\": للبحراني الشيعي هاشم بن سليمان، (ت ١١٠٧ هـ أو ١١٠٩ هـ)، أو ١١٠٩ هـ)، تصحيح محمود بن جعفر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049284,"book_id":1098,"shamela_page_id":932,"part":"2","page_num":959,"sequence_num":932,"body":"الموسوي الزرندي، نشر مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان، قم، إيران.\r١٠٨ - تفسير الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب: لفخر الدين الرازي عمر خطيب الري، (ت ٦٠٤ هـ)، ط. الأولى، ١٤٠١ هـ، دار الفكر، بيروت.\r١٠٩ - تفسير الطبري \"جامع البيان في تفسير القرآن\": للطبري محمد بن جرير، (ت ٣١٠ هـ)، ط. الحلبي، مصر.\r١١٠ - تفسير الطبرسي \"مجمع البيان في تفسير القرآن\": للطبرسي الفضل بن الحسن الشيعي، (ت ٥٤٨ أو ٥٥٢ هـ)، منشورات مكتبة الرعشي النجفي، قم، إيران، ١٤٠٣ هـ.\r١١١ - تفسير العياشي: محمد بن مسعود بن عياش السلمي الشيعي من القرن الثالث الهجري، تصحيح وتحقيق هاشم المحلاتي، نشر المكتبة العلمية الإسلامية، طهران.\r١١٢ - تفسير المنار: للشيخ محمد رشيد رضا، (ت ١٣٥٠ هـ)، ط. الهيئة المصرية للكتاب، عام ١٩٧٣ م.\r١١٣ - تقريب التهذيب: لابن حجر أحمد بن علي، (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق محمد عوامة، ط. دار البشائر الإسلامية، ط. الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r١١٤ - تلبيس إبليس: للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، (ت ٥٩٧ هـ)، نشر دار البيان للطباعة والنشر.\r١١٥ - تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: لابن حجر أحمد بن علي، (ت ٨٥٢ هـ)، تصحيح عبد الله بن هاشم اليماني، ط. الأولى، عام ١٣٨٤ هـ.\r١١٦ - التلخيص في علوم البلاغة: للقزويني محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، (ت ٧٣٩ هـ) نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\r١١٧ - تلخيص المستدرك: للذهبي محمد بن أحمد بن قايماز، (ت ٧٤٨ هـ)، المطبوع مع المستدرك.\r١١٨ - التمهيد للباقلاني: أبي بكر بن الطيب، (ت ٤٠٣ هـ)، تحقيق مكارثي اليسوعي، نشر المكتبة الشرقية، بيروت، عام ١٩٥٧ م.\r١١٩ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: لابن عبد البر النمري، (ت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049285,"book_id":1098,"shamela_page_id":933,"part":"2","page_num":960,"sequence_num":933,"body":"٤٦٣ هـ)، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية.\r١٢٠ - التمهيد في أصول الفقه: للكلوذاني محفوظ بن أحمد بن الحسن أبي الخطاب، (ت ٥١٠ هـ)، تحقيق أبو عمشة، نشر مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى.\r١٢١ - تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصه من الدلائل: للشوكاني محمد بن علي، (ت ١٢٥٠ هـ)، طبع ضمن مجموع للشوكاني، طبع تحت اسم أمناء الشريعة، تحقيق إبراهيم إبراهيم هلال.\r١٢٢ - تنزيه الشريعة المرفوعة للكناني: أبي الحسن علي بن محمد بن عراق، (ت ٩٦٣ هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\r١٢٣ - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل: للمعلمي عبد الرحمن بن يحيى، (ت ١٣٨٦ هـ)، بتحقيق الألباني، ط. لاهور، باكستان، عام ١٤٠١ هـ.\r١٢٤ - التوسل أنواعه وأحكامه: للألباني، نشر الدار السلفية، بالكويت، ط. الثالثة.\r١٢٥ - التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: لأبي حامد بن مرزوق، ط. تركيا، عام ١٩٨١ م، إستانبول.\r١٢٦ - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار: للأمير الصنعاني محمد بن إسماعيل، (ت ١١٨٢ هـ)، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.\r١٢٧ - التوكل على الله ﷿: لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد بن عبيد، (ت ٢٨١ هـ)، تحقيق جاسم الفهيد الدوسري، دار الأرقم، الكويت، ط. الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r١٢٨ - تهذيب مختصر سنن أبي داود: لابن القيم شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، (ت ٧٥١ هـ)، طبع مع مختصر المنذري، تحقيق محمد حامد الفقي، ط. السنة المحمدية، ١٣٦٨ هـ.\r١٢٩ - تهذيب الأسماء واللغات: لمحيي الدين النووي، (ت ٦٧٦ هـ)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049286,"book_id":1098,"shamela_page_id":934,"part":"2","page_num":961,"sequence_num":934,"body":"١٣٠ - تهذيب التهذيب: لابن حجر أحمد بن علي بن حجر، (ت ٨٥٢ هـ)، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الهند.\r١٣١ - تهذيب اللغة لأبي منصور: محمد بن أحمد الأزهري اللغوي (ت ٣٧٠ هـ)، تحقيق د. عبد الحليم النجار، مراجعة الأستاذ محمد علي النجار، نشر الدار المصرية للتأليف والنشر، ط. مطابع سجل العربي، بدون تاريخ.\r١٣٢ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للمزي جمال الدين أبي الحجاج يوسف، (ت ٧٤٢ هـ)، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت. ونسخة أخرى وهي المصورة عن المخطوط دار المأمون، دمشق.\r١٣٣ - التيجانية: لدخيل الله، علي بن محمد الدخيل، نشر دار طيبة، الرياض.\r١٣٤ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٣٣ هـ)، ط. المكتب الإسلامي، ط. الثالثة.\r\r(حرف الثاء)\r١٣٥ - الثقات لابن حبان: محمد بن حبان البستي، (ت ٣٥٤ هـ)، ط. دائرة المعارف العثمانية الهند.\r\r(حرف الجيم)\r١٣٦ - جامع بيان العلم وفضله: لابن عبدالبر، أبي عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري (ت ٤٦٣ هـ).\r١٣٧ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن \"تفسير الطبري\": لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، (ت ٣١٠ هـ)، تحقيق أحمد شاكر ومحمود شاكر، ط. دار المعارف، مصر، ونسخة أخرى تقدمت برقم ١٠٩.\r١٣٨ - جامع التحصيل في أحكام المراسيل: للحافظ صلاح الدين العلائي، (ت ٧٦١ هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، نشر وزارة الأوقاف العراقية، ط. أولى ١٣٩٨ هـ.\r١٣٩ - الجامع الصغير: تأليف محمد وأبي يوسف مع شرح القاضي خان، (ت ٥٩٢ هـ)، مصورة بالجامعة الإسلامية بالمدينة تحت رقم ١٦٦٩.\r١٤٠ - جامع العلوم والحكم للحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، (ت ٧٩٥ هـ)، نشر دار المعرفة، بيروت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049287,"book_id":1098,"shamela_page_id":935,"part":"2","page_num":962,"sequence_num":935,"body":"١٤١ - الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر، (ت ٣٢٧ هـ) مصورة عن دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند، عام ١٣٧١ هـ.\r١٤٢ - جزء الحسن بن عرفة العبدي، (ت ٢٥٧ هـ)، تحقيق عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، مكتبة دار الأقصى، الكويت.\r١٤٣ - جزء في مسح الوجه بعد رفعهما للدعاء: للشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد، نشر دار الرشد، الرياض، عام ١٤٠٤ هـ.\r١٤٤ - جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام: لابن قيم الجوزية، (ت ٧٥١ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\r١٤٥ - جمع الجوامع: للسبكي عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، (ت ٧٧١ هـ)، ط. عيسى الحلبي، بدون.\r١٤٦ - جمهرة اللغة لابن دريد الأزدي البصري: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، (ت ٣٢١ هـ)، دار صادر، بيروت، طبعة روفست، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية، عام ١٣٤٥ هـ.\r١٤٧ - الجواب الباهر لزوار المقابر: لابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، (ت ٧٢٨ هـ)، تحقيق الشيخ سليمان الصنيع وعبد الرحمن المعلمي، المطبعة السلفية، ط. ٤.\r١٤٨ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: لابن تيمية، ط. مطابع المجد التجارية.\r١٤٩ - الجواب الكافي: لابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر، (ت ٧٥١ هـ)، مؤسسة المصري للكتاب.\r١٥٠ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للإمام الحافظ الخطيب البغدادي، تحقيق د. محمود، الطحان، مكتبة المعارف، الرياض. ١٥١ - جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التجاني: تأليف علي حرازم بن العربي الفاسي، (ت ١٢١٧ هـ)، ط. مصطفى الحلبي، عام ١٣٨٢ هـ.\r\r(حرف الحاء)\r١٥٢ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: لابن القيم شمس الدين محمد بن أبي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049288,"book_id":1098,"shamela_page_id":936,"part":"2","page_num":963,"sequence_num":936,"body":"بكر، (ت ٧٥١ هـ)، تحقيق د. السيد الجميلي، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\r١٥٣ - حاشية الخضري على شرح ابن عقيل للشيخ محمد الخضري كان حياً عام ١٢٥٠ هـ، دار الفكر، بيروت.\r١٥٤ - حاشية رد المحتار على الدر المختار: لابن عابدين محمد أمين، ط. الثانية ١٣٨٦ هـ، مصطفى الحلبي.\r١٥٥ - حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة: تأليف العلامة إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، (ت ١٣١٩ هـ)، نشر وتوزيع مكتبة دار الهداية، الرياض، ط. أولى، ١٤٠٩ هـ.\r١٥٦ - حاشية السندي على ابن ماجه للإمام أبي الحسن محمد بن عبد الهادي الحنفي المعروف بالسندي، (ت ١١٣٨ هـ)، ط. دار الفكر.\r١٥٧ - حجة الله البالغة: تأليف أحمد المعروف بشاه ولي الله ابن عبد الرحيم الدهلوي، (ت ١١٧٦ هـ)، ط. دار المعرفة، بيروت، بدون.\r١٥٨ - الحجة في بيان المحجة: لقوام السنة التيمي الأصفهاني، (ت ٥٣٥ هـ)، تحقيق د. محمد ربيع وزميله.\r١٥٩ - الحكومة الإسلامية للخميني دروس ألقاها عام ١٣٨٩ هـ، من منشورات المكتبة الإسلامية الكبرى.\r١٦٠ - الحكم العطائية لابن عطاء مع شرحها غيث المواهب العلية في شرح الحكم: لأبي عبدالله بن إبراهيم النفري، (ت ٧٩٢ هـ).\r١٦١ - حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد: للمعصومي الخجندي أبو عبد الكريم محمد سلطان، (ت … هـ). ١٦٢ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني، (ت ٤٣٠ هـ).\r١٦٣ - الحوادث والبدع: لأبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، (ت ٥٢٥ هـ)، تحقيق محمد الطالبي، دار الأصفهاني، جدة.\r١٦٤ - حياة القلوب بدعاء علام الغيوب: لمحمد عبد الظاهر بن محمد نور الدين الفقيه أبو السمح، (ت ١٣٩٣ هـ)، ط. ٤، ١٤٠٤ هـ، مطبعة سفير، الرياض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049289,"book_id":1098,"shamela_page_id":937,"part":"2","page_num":964,"sequence_num":937,"body":"١٦٥ - الخصائص لابن جني: عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح، (ت ٣٩٢ هـ).\r١٦٦ - خلاصة الكلام في تاريخ البلد الحرام: لأحمد زيني دحلان المكي، (ت ١٣٠٤ هـ).\r\r(حرف الدال)\r١٦٧ - دحض شبهات على التوحيد لأبي بطين عبدالله بن عبد الرحمن النجدي، (ت ١٢٨٢ هـ)، تحقيق عبد السلام بن برجس، دار العاصمة، الرياض، ط. ٢، ١٤٠٧ هـ.\r١٦٨ - دراسات تاريخية: للدكتور ضياء العمري، نشر المجلس العلمي، إحياء التراث الإسلامي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ط. أولى،\r١٤٠٣ هـ.\r١٦٩ - درجات الصاعدين: للبكري محمد بن أحمد الحفظي بن عبد القادر، (ت ١٢٣٧ هـ)، تحقيق أبي سعيد بن غرامة العمري، مكتبة المعلا، الكويت، ط. الأولى، ١٤٠٧ هـ.\r١٧٠ - الدرر السنية في الرد على الوهابية: لأحمد زيني دحلان، (ت ١٣٠٤ هـ)، ط. مصطفى الحلبي بمصر، ط. ٢، ١٣٨٦ هـ.\r١٧١ - درء تعارض العقل والنقل: لابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، (ت ٧٢٨ هـ)، تحقيق محمد رشاد سالم نشر جامعة الإمام، ط. الأولى، ١٤٠١ هـ.\r١٧٢ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: تأليف ابن حجر أحمد بن علي، ت ٨٥٢ هـ)، نشر دار الجيل، بيروت.\r١٧٣ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور: للإمام جلال الدين السيوطي، (ت ٩١١ هـ)، ط. دار المعرفة للطباعة والنشر.\r١٧٤ - الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد: للشوكاني محمد بن علي، (ت ١٢٥٠ هـ)، نشر دار الكتب العلمية ضمن الرسائل السلفية للشوكاني.\r١٧٥ - الدعاء للطبراني: أبي القاسم سليمان بن أحمد، (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق محمد سعيد البخاري، ط. دار البشائر الإسلامية، عام ١٤٠٧ هـ.\r١٧٦ - الدعاء: لمحمد بن فضيل بن غزوان الضبي، (ت ١٩٥ هـ)، مخطوط\r١٧٧ - دعوة التوحيد: للدكتور محمد خليل هراس، دار الكتب العلمية، ط. أولى، ١٤٠٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049290,"book_id":1098,"shamela_page_id":938,"part":"2","page_num":965,"sequence_num":938,"body":"١٧٨ - الدعوات: للبيهقي أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ)، مخطوط.\r١٧٩ - دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، منشورات مكتبة الخافقين، دمشق.\r١٨٠ - دلائل الإعجاز للجرجاني: عبد القاهر بن عبد الرحمن، (ت ٤٧٤ هـ)، تصحيح محمد رشيد رضا، نشر دار المعرفة، بيروت.\r١٨١ - دلائل النبوة للبيهقي أحمد بن الحسين بن علي، (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق عبد المعطي القلعجي.\r١٨٢ - دلائل الرسوخ في الرد على المنفوخ: للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، (ت ١٢٩٣ هـ)، ط. الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف، الرياض، ١٤٠٢ هـ.\r١٨٣ - دلائل النبوة: لأبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني، (ت ٤٣١ هـ)، نشر عالم الكتب، بيروت.\r١٨٤ - الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان: د. محمد عبدالله دراز، ط. دار القلم، الثانية.\r١٨٥ - ديوان الأعشى ميمون بن قيس، (ت ٧ هـ)، ط. دار صادر، بيروت، عام ١٩٦٦ م.\r١٨٦ - ديوان أمية بن أبي الصلت، جمع وتحقيق ودراسة الدكتور عبد الحفيظ أستاذ الأدب الجاهلي في جامعة دمشق، ط. ٢، عام ١٩٧٧ م، المطبعة التعاونية، بدمشق.\r١٨٧ - ديوان طرفة بن العبد مع شرح الأعلم: للشمنتري، (ت ٤٧٦ هـ)، تحقيق درية الخطيب، ولطفي الصقال، من مطبوعات مجمع اللغة العربية، بدمشق عام ١٣٩٥ هـ.\r١٨٨ - ديوان عنترة تحقيق وشرح كرم البستاني، ط. دار صادر، بيروت، ١٣٨٥ هـ.\r١٨٩ - ديوان ابن الفارض: أبي حفص وأبي قاسم عمر بن أبي الحسن بن المرشد بن علي المعروف بابن الفارض، المكتبة الثقافية، بيروت، بدون تاريخ الطبع.\r١٩٠ - ديوان لبيد بن ربيعة العامري: ط. دار صادر، بيروت، بدون تاريخ.\r١٩١ - ديوان المتنبي مع شرح عبد الرحمن البرقوقي، المكتبة التجارية الكبرى،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049291,"book_id":1098,"shamela_page_id":939,"part":"2","page_num":966,"sequence_num":939,"body":"بمصر، مطبعة الاستقامة، ط. ٢، عام ١٣٥٧ هـ.\r١٩٢ - الدين الخالص: لمحمد صديق حسن خان، (ت ١٣٠٧ هـ)، تحقيق محمد زهري النجار، نشر مكتبة الفرقان، مصر.\r\r(حرف الراء)\r١٩٣ - رأس الحسين: لشيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، (ت ٧٢٨ هـ)، تقديم الدكتور محمد جميل غازي، ط. مطبعة المدني، القاهرة.\r١٩٤ - رحلة الصديق إلى البيت العتيق: للصديق حسن خان، (ت ١٣٠٨ هـ)، تصحيح وتعليق عبد الحكيم شرف الدين، دار ابن القيم، ط. الثالثة، ١٤٠٦ هـ.\r١٩٥ - الرد على الأخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية: لابن تيمية، تصحيح وتعليق عبد الرحمن المعلمي، نشر دار الإفتاء، الرياض، ١٤٠٤ هـ.\r١٩٦ - رد الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي: (ت ٢٨٠ هـ)، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر في مطبعة الأشراف، لاهور، باكستان، ١٤٠٢ هـ.\r١٩٧ - الرد على الجهمية: للدارمي عثمان بن سعيد، (ت ٢٨٠ هـ)، تحقيق بدر البدر، نشر الدار السلفية، الكويت، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r١٩٨ - الرد على التعقب الحثيث للحبشي: بقلم محمد ناصر الدين الألباني، مطبعة الترقي، دمشق، ١٣٧٧ هـ.\r١٩٩ - الرد على البكري: لابن تيمية، نشر الدار العلمية، دلهي، الهند، ط. الثانية، ١٤٠٥ هـ.\r٢٠٠ - الرد على من قال بقول الفلاسفة في دعاء الموتى: للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، المطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ٤/ ٣٨٣، ٤٠٤، نشر مكتبة الإمام الشافعي، الرياض.\r٢٠١ - الرد على المنطقيين: لابن تيمية، نشر إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان.\r٢٠٢ - الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين: للغماري أبي الفضل عبدالله محمد الصديق، ط. ٢، عام ١٣٧٤ هـ، مطبعة العهد الجديد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049292,"book_id":1098,"shamela_page_id":940,"part":"2","page_num":967,"sequence_num":940,"body":"٢٠٣ - رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا: تصحيح خير الدين الزركلي، نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ١٣٤٧ هـ.\r٢٠٤ - الرسائل الشخصية: الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط. الرياض.\r٢٠٥ - رسالة الأمير الصنعاني: محمد بن إسماعيل، (ت ١١٨٢ هـ)، مخطوطة منها صورة بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٣٩٢ ف.\r٢٠٦ - الرسالة القشيرية: لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري الشافعي، (٣٧٦ - ٤٦٥ هـ)، تحقيق د. عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف، طبعة حسان، القاهرة، نشر دار الكتب الحديثة بالقاهرة، المجلد الأول، عام ١٩٧٢ م، المجلد الثاني، ١٩٧٤ م.\r٢٠٧ - رسالة في إثبات الاستواء والفوقية: للجويني أبي محمد عبدالله بن يوسف، (ت ٤٣٨ هـ)، المطبوعة ضمن المجموعة المنيرية، ١/ ١٧٤ - ١٨٧.\r٢٠٨ - رسالة في توحيد العبادة: لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، (ت ١٢٠٦ هـ)، المطبوع ضمن مؤلفات الشيخ قسم العقيدة، ٣٩٨.\r٢٠٩ - رسالة التوحيد: لمحمد إسماعيل الدهلوي، (ت ١٢٤٦ هـ)، تحقيق أبي الحسن علي الحسن الندوي، المكتبة اليحيوية، سهارنفور، الهند.\r٢١٠ - رسالة الشرك ومظاهره: لمبارك بن محمد الميلي، (ت ١٣٥٧ هـ)، مركز شؤون الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة ط. الأولى: ١٤٠٧ هـ.\r٢١١ - الرسالة المدنية: لابن تيمية، تحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان، ط. دار طيبة، الرياض، ط. الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٢١٢ - الرسالة المستطرفة: لمحمد بن جعفر الكتاني، (ت ١٣٤٥ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط. الثانية، ١٤٠٠ هـ.\r٢١٣ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: للألوسي أبي الفضل محمود البغدادي، (ت ١٢٧٠ هـ)، ط. ١٣٩٨ هـ، دار الفكر، بيروت.\r٢١٤ - روضة الطالبين وعمدة المفتين: للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ)، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط. ٢، ١٤٠٥ هـ.\r٢١٥ - روضة الناظر وجنة المناظر: لابن قدامة موفق الدين أبي محمد عبدالله بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049293,"book_id":1098,"shamela_page_id":941,"part":"2","page_num":968,"sequence_num":941,"body":"أحمد المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، ومعها شرحها نزهة الخاطر العاطر لابن بدران، نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط. الثانية، ١٤٠٤ هـ.\r٢١٦ - الرياض النضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة: للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، (ت ١٣٧٦ هـ)، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، ١٤٠٥ هـ.\r\r(حرف الزاي)\r٢١٧ - زاد المسير في علم التفسير: لابن الجوزي عبد الرحمن أبي الفرج (ت ٥٩٧ هـ)، ط. المكتب الإسلامي، عام ١٣٨٤ هـ.\r٢١٨ - زاد المعاد في هدي خير العباد: لابن القيم، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، ط. مؤسسة الرسالة، ط الثامنة، عام ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\r٢١٩ - زغل العلم: للذهبي، أبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق محمد بن ناصر العجمي، نشر مكتبة الصحوة الإسلامية.\r٢٢٠ - الزواجر عن اقتراف الكبائر: لابن حجر الهيتمي، (ت ٩٧٤ هـ)، بدون.\r٢٢١ - الزهد والرقائق: لابن المبارك أبي عبد الرحمن عبدالله بن المبارك المروزي، (ت) ١٨١ هـ)، نشر مجلس إحياء المعارف، الهند، ١٣٨٥ هـ.\r٢٢٢ - الزهد: للإمام أحمد بن حنبل، (ت ٢٤١ هـ) نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\r٢٢٣ - الزهد: لهناد بن السري الكوفي، (ت ٢٤٣ هـ)، تحقيق عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، ط. الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r\r(حرف السين)\r٢٢٤ - سؤالات ابن الجنيد أبي إسحاق إبراهيم بن عبدالله الختلي: ليحيى بن معين، (ت ٢٦٠ هـ)، تحقيق أحمد محمد نور سيف، نشر مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط. ١٤٠٨ هـ.\r٢٢٥ - سؤال وجواب في أهم المهمات: تأليف عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي التميمي، (ت ١٣٧٦ هـ)، ط. ٢، ١٤٠٧ هـ، نشر دار العاصمة، هـ، الرياض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049294,"book_id":1098,"shamela_page_id":942,"part":"2","page_num":969,"sequence_num":942,"body":"٢٢٦ - سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني: محمد بن إسماعيل، (ت ١٢٨٢ هـ)، تحقيق محمد عبد العزيز الخولي، دار الجيل، ط. ١٤٠٠ هـ.\r٢٢٧ - سفر السعادة: للفيروز آبادي صاحب القاموس مجد الدين محمد بن يعقوب، (ت ٨١٧ هـ)، عني بطبعه عبدالله بن إبراهيم الأنصاري، من منشورات المكتبة العصرية، بيروت، مصورة عن طبعة عام ١٣٤٦ هـ، صور عام ١٤٠٥ هـ.\r٢٢٨ - سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية والظاهرية: للسمنودي المنصوري إبراهيم بن عثمان، كان موجوداً قبل ١٣٢٠ هـ، طبع عام ١٣٢٠ هـ، بمصر.\r٢٢٩ - سلسلة الأحاديث الصحيحة: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.\r٢٣٠ - سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني أيضاً، المكتب الإسلامي.\r٢٣١ - السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي: تأليف محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، دمشق، سورية، ط. الأولى، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.\r٢٣٢ - سنن ابن ماجه: أبي عبدالله محمد بن يزيد القزويني، (ت ٢٧٥ هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، عيسى الحلبي، بمصر.\r٢٣٣ - سنن الترمذي: للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، (ت ٢٧٩ هـ)، تحقيق أحمد شاكر وتكملة إبراهيم عطوة، ط. مصطفى الحلبي، ط. الثانية، ١٣٩٥ هـ.\r٢٣٤ - سنن الدارمي: لأبي محمد عبدالله بن عبد الرحمن الدارمي، (ت ٢٥٥ هـ)، طبعة عبدالله هاشم يماني، المدينة المنورة، عام ١٣٨٦ هـ.\r٢٣٥ - السنن الكبرى: أبي بكر البيهقي، (ت ٤٥٨ هـ)، ط. دائرة المعارف العثمانية، الهند.\r٢٣٦ - السنة: للحافظ أبي بكر بن أبي عاصم، عمرو بن الضحاك بن مخلد، (ت ٢٨٧ هـ) المكتب الإسلامي، ط. الأولى، ١٤٠٠ هـ.\r٢٣٧ - السنة: تأليف محمد بن نصر المروزي، (ت ٢٩٤ هـ)، المكتبة الأثرية، باكستان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049295,"book_id":1098,"shamela_page_id":943,"part":"2","page_num":970,"sequence_num":943,"body":"٢٣٨ - السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات: لمحمد عبد السلام، ط. دار الفكر.\r٢٣٩ - السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة: تأليف د. أحمد صبحي منصور، قسم التاريخ، جامعة الأزهر، ط. الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r٢٤٠ - سيرة ابن هشام: أبي محمد عبد الملك بن هشام الحميري المعافري، (ت ٢١٣ هـ)، تحقيق مصطفى السقا وزملائه، ط. مصطفى الحلبي، ط. الثانية.\r٢٤١ - سير أعلام النبلاء: للذهبي محمد بن أحمد بن عثمان، (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط وزملائه ط. مؤسسة الرسالة، بيروت.\r٢٤٢ - السيرة النبوية للذهبي: تحقيق حسام الدين القدسي، نشر دار الباز، مكة المكرمة، ط. الأولى، ١٤٠١ هـ، بيروت، لبنان.\r٢٤٣ - السير والمغازي: لمحمد بن إسحاق، (ت ١٥١ هـ)، تحقيق سهيل ذكار، ط. الأولى، ١٣٩٨ هـ.\r\r(حرف الشين)\r٢٤٤ - شأن الدعاء: للخطابي حمد بن محمد أبي سليمان، (ت ٣٨٨ هـ)، تحقيق أحمد يوسف الدقاق، ط دار المأمون للتراث، دمشق، ط. الأولى.\r٢٤٥ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين: للالكائي هبة الله، (ت ٤١٨ هـ)، تحقيق د. أحمد سعد حمدان، نشر دار طيبة الرياض.\r٢٤٦ - شرح الزرقاني: محمد بن عبد الباقي بن يوسف، (ت ١١٢٢ هـ)، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠١ هـ.\r٢٤٧ - شرح السنة: تأليف البغوي، أبي محمد الحسين بن مسعود (ت ٥١٦ هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ط. الأولى، ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي.\r٢٤٨ - شرح الطحاوية: لابن أبي العز الحنفي علي بن علي، (ت ٧٩٢ هـ)، نشر مكتبة الدعوة الإسلامية، شباب الأزهر.\r٢٤٩ - شرح الفقه الأكبر: لأبي حنيفة الكوفي النعمان بن الثابت، (ت ١٥٠ هـ)، للملا علي الهروي القاري الحنفي دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049296,"book_id":1098,"shamela_page_id":944,"part":"2","page_num":971,"sequence_num":944,"body":"٢٥٠ - شرح مسلم: لمحيي الدين النووي أبي زكريا يحيى بن شرف (ت ٦٧٦ هـ)، نشر دار إحياء التراث العربي عن الطبعة الأولى، ١٣٤٧ هـ.\r٢٥١ - شرح المهذب للنووي: تحقيق محمد نجيب المطيعي، نشر مكتبة الإرشاد، جدة.\r٢٥٢ - الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة: لابن بطة عبيد الله بن محمد العكبري (ت ٣٨٧ هـ)، تحقيق د. رضا نعسان معطي، ١٤٠٤ هـ، نشر المكتبة الفيصلية بمكة.\r٢٥٣ - شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس، ط. الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.\r٢٥٤ - شرعة التسمية في زمن الغيبة: لباقر الدامار محمد بن محمد الحسني الشيعي، كان حياً عام ١٠٣٠ هـ، مخطوط في مكتبة رضا رامبور، تحت رقم ١٩٣٧ م.\r٢٥٥ - الشريعة للإمام أبي بكر الآجري، (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر حديث أكاديمي، باكستان ط. الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r٢٥٦ - شفاء السقام في زيارة خير الأنام: للسبكي علي بن عبد الكافي، (ت ٧٥٦ هـ)، نشر مكتبة دار جوامع الكلم، القاهرة، ط. ١٩٨٤ م.\r٢٥٧ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى: للقاضي عياض بن موسى اليحصبي، (ت ٥٤٤ هـ)، تحقيق علي محمد البجاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي القاهرة، عام ١٩٧٧ م.\r٢٥٨ - شفاء العليل: لابن قيم الجوزية، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن الشيخ، (ت ٧٥١ هـ)، تحرير الحساني حسن عبدالله، نشر مكتبة دار التراث، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية، ١٩٧٥ م.\r٢٥٩ - شواهد الحق للنبهاني: يوسف بن إسماعيل بن يوسف، (ت ١٣٥٠ هـ)، طبعة مصطفى البابي الحلبي، بمصر، ط. الأولى، ١٣٨٥ هـ.\r٢٦٠ - الشيعة والتصحيح: للموسوي، الدكتور موسى، [شيعي معاصر]، طبع ١٤٠٨ هـ بلوس أنجلوس، أمريكا.\r\r(حرف الصاد)\r٢٦١ - الصارم المنكي في الرد على السبكي: لابن عبد الهادي محمد بن أحمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049297,"book_id":1098,"shamela_page_id":945,"part":"2","page_num":972,"sequence_num":945,"body":" (ت ٧٤٤ هـ)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، عام ١٤٠٥ هـ.\r٢٦٢ - الصافي في تفسير القرآن: للكاشاني محمد بن المرتضى، (ت ١٠٩٠ هـ)، من تفاسير الروافض، نشر المكتبة الإسلامية، طهران.\r٢٦٣ - الصحاح للجوهري: إسماعيل بن حماد (ت ٣٩٣ هـ)، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت ط. ٢، عام ١٣٩٩ هـ.\r٢٦٤ - صحيح البخاري: لمحمد بن إسماعيل البخاري، (ت ٢٥٦ هـ)، المطبوع مع فتح الباري، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط. السلفية. ٢٦٥ - صحيح الجامع الصغير: للألباني ط. المكتب الإسلامي، ط. ٢، ١٣٩٩ هـ.\r٢٦٦ - صحيح ابن خزيمة السلمي النيسابوري: أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١ هـ)، تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي.\r٢٦٧ - صحيح مسلم: للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، (ت ٢٦١ هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط. عيسى البابي الحلبي، ط. الأولى، ١٣٧٤ هـ.\r٢٦٨ - الصراط المستقيم: للهرري عبدالله بن محمد الشيبي العبدري الحبشي الهرري، ط. في بيروت، السادسة، ١٤٠٣ هـ.\r٢٦٩ - صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط. ١١، ١٤٠٣ هـ.\r٢٧٠ - الصفدية: لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، ط. الثانية، ١٤٠٦ هـ.\r٢٧١ - الصلة بين التشيع والتصوف: لكامل الشيبي [شيعي معاصر]، ط. دار المعارف بمصر.\r٢٧٢ - الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة لابن القيم، (ت ٧٥١ هـ)، تحقيق الدكتور أحمد عطية الغامدي والدكتور علي الفقيهي.\r٢٧٣ - الصوفية معتقداً ومسلكاً: تأليف د. صابر طعيمة، الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م نشر شركة العبيكان للطباعة والنشر، الرياض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049298,"book_id":1098,"shamela_page_id":946,"part":"2","page_num":973,"sequence_num":946,"body":"٢٧٤ - صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان: تأليف محمد بشير السهسواني، (ت ١٣٢٦ هـ) مطابع نجد التجارية، الرياض، ط.\rالخامسة، ١٣٩٥ هـ.\r٢٧٥ - صيد الخاطر: لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي، (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق علي الطنطاوي وناجي الطنطاوي، ط. ٢، ١٣٩٨ هـ، دار الفكر، دمشق.\r\r(حرف الضاد)\r٢٧٦ - الضعفاء الصغير: للبخاري (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار الوعي بحلب، ط. الأولى، ١٣٩٦ هـ.\r٢٧٧ - الضعفاء للعقيلي (ت ٣٢٢ هـ)، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r٢٧٨ - الضعفاء والمتروكون: للدارقطني علي بن عمر، (ت ٣٨٥ هـ)، تحقيق موفق بن عبدالله، مكتبة المعارف، الرياض.\r٢٧٩ - ضعيف الجامع الصغير وزياداته \"الفتح الكبير\": ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ١٣٩٩ هـ.\r\r(حرف الطاء)\r٢٨٠ - طبقات ابن سعد: أبي عبدالله محمد بن سعد الزهري، (ت ٢٣٠ هـ)، دار بيروت.\r٢٨١ - طبقات الشافعية: لتاج الدين السبكي، (ت ٧٧١ هـ)، تحقيق محمود محمد الطناحي، عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الأولى، ١٣٨٣ هـ، عيسى الحلبي.\r٢٨٢ - الطبقات الكبرى: للشعراني، عبد الوهاب بن أحمد بن علي الأنصاري، (ت ٩٨٣ هـ)، نشر المكتبة الشعبية.\r٢٨٣ - طبقات المكلفين ومراتبهم في الدار الآخرة: تأليف ابن قيم الجوزية، نشر المكتبة الإسلامية العالمية، ١٤٠١ هـ.\r٢٨٤ - ظلال الجنة في تخريج السنة: للشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، ط. الأولى، ١٤٠٠ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049299,"book_id":1098,"shamela_page_id":947,"part":"2","page_num":974,"sequence_num":947,"body":" (حرف العين)\r٢٨٥ - العبادة في الإسلام: للدكتور يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، ط. الثانية عشر، ١٤٠٥ هـ.\r٢٨٦ - العبر في خبر من غبر: للذهبي، تحقيق أبو هاجر، نشر دار الكتب العلمية.\r٢٨٧ - العبودية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، المكتب الإسلامي، ط. الخامسة، ١٣٩٩ هـ.\r٢٨٨ - العتبية في مسائل مذهب الإمام مالك: جمع محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي، (ت ٢٥٤ هـ)، طبعت مع البيان والتحصيل لابن رشد.\r٢٨٩ - العجاب في بيان الأسباب: للحافظ ابن حجر أحمد بن علي، (ت ٨٥٢ هـ)، مخطوط في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري.\r٢٩٠ - العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: لابن عبد الهادي الحنبلي (ت ٧٤٤ هـ)، ط. مطبعة المدني بالقاهرة.\r٢٩١ - العلل ومعرفة الرجال: للإمام أحمد، (ت ٢٤١ هـ)، نشر المكتبة الإسلامية، استانبول، ١٩٨٧ م.\r٢٩٢ - العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ: تأليف العلامة صالح بن المهدي المقبلي، (ت ١١٠٨ هـ)، ط. مكتبة دار البيان، دمشق.\r٢٩٣ - عمل اليوم والليلة: لأحمد بن شعيب النسائي، (ت ٣٠٣ هـ)، تحقيق فاروق حمادة، مؤسسة الرسالة، ط. الثانية، ١٤٠٦ هـ.\r٢٩٤ - عمل اليوم والليلة: لابن السني، (ت ٣٦٤ هـ)، تحقيق بشير محمد عيون، نشر مكتبة دار البيان الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\r٢٩٥ - عوارف المعارف: للسهروردي عبد القاهر بن عبد الله، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط. ٢، ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م.\r٢٩٦ - عون المعبود شرح سنن أبي داود: للعلامة أبي الطيب آبادي، محمد شمس الحق العظيم، (ت ١٣٢٩ هـ)، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة النبوية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049300,"book_id":1098,"shamela_page_id":948,"part":"2","page_num":975,"sequence_num":948,"body":"٢٩٧ - العين: لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٠٠ ت ١٧٥ هـ)، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي، نشر وزارة الثقافة والإعلام العراقية، ط. عام ١٩٨١ م.\r\r(حرف الغين)\r٢٩٨ - غاية المنتهي في الجمع بين الإقناع والمنتهي: للمقدسي مرعي بن يوسف، (ت ١٠٣٣ هـ)، مع شرحه مطالب أولي النهى للرحيباني، ط. المكتب الإسلامي، دمشق، ١٣٨٠ هـ.\r٢٩٩ - غريب القرآن لابن قتيبة عبدالله بن مسلم، (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، عام ١٣٩٨ هـ.\r\r(حرف الفاء)\r٣٠٠ - الفتاوى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، (ت ٧٢٨ هـ)، جمع عبد الرحمن بن القاسم، ط. الرياض.\r٣٠١ - فتاوى الإمام الشاطبي: أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الأندلسي، (ت ٧٩٠ هـ)، تحقيق وتقديم محمد أبو الأجفان، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\r٣٠٢ - فتاوى العز بن عبد السلام السلمي الشافعي، (ت ٦٦٠ هـ)، بتعليق عبد الرحمن بن عبد الفتاح دار المعرفة، ط. ١٤٠٦ هـ.\r٣٠٣ - الفتاوى الكبرى أو المصرية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تقديم حسنين مخلوف نشر دار المعرفة، بيروت.\r٣٠٤ - الفتاوى الهندية: لمجموعة من علماء الهند طبع في الهند وصور حديثاً في بيروت.\r٣٠٥ - فتح الباري: لابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، ط. السلفية.\r٣٠٦ - فتح القدير: للشوكاني، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، (ت ١٢٥٠ هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.\r٣٠٧ - فتح القدير: لابن الهمام محمد بن عبد الواحد، (ت ٨٦١ هـ)، نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر.\r٣٠٨ - الفتح المبين شرح حديث الأربعين: للهيتمي، أحمد بن حجر، (ت ٩٧٤","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049301,"book_id":1098,"shamela_page_id":949,"part":"2","page_num":976,"sequence_num":949,"body":"هـ)، ط. دار إحياء الكتب العربية القاهرة.\r٣٠٩ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: للشيخ عبد الرحمن بن حسن، (ت ١٢٨٥ هـ) بمراجعة الشيخ ابن باز، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ط. ٥، عام ١٣٩١ هـ.\r٣١٠ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي: لشمس الدين السخاوي محمد بن عبد الرحمن (ت ٩٠٢ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط. الأولى، ١٤٠٢ هـ.\r٣١١ - الفتوحات الربانية على الأذكار النووية لابن علان محمد بن علان الصديقي الشافعي (ت ١٠٥٧ هـ)، نشر جمعية النشر والتأليف الأزهرية ط. مطبعة السعادة، عام ١٣٤٧ هـ.\r٣١٢ - فجر الإسلام: لأحمد أمين، (ت ١٣٧٣ هـ) نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\r٣١٣ - فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان: للعزامي سلامة هندي النقشبندي القضاعي، (ت ١٣٧٦ هـ)، طبع مع الأسماء والصفات للبيهقي بتحقيق الكوثري، ط. ١٣٥٨ هـ بمطبعة السعادة بمصر.\r٣١٤ - الفروع: لابن مفلح المقدسي، شمس الدين أبي عبدالله محمد بن مفلح، (ت ٧٦٣ هـ)، طبع على نفقة الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني، ط. ٢، راجعه عبد الستار أحمد فراج سنة ١٣٨٨ هـ، دار مصر للطباعة.\r٣١٥ - الفصل في الملل والأهواء والنحل: لابن حزم تحقيق محمد إبراهيم نصر، وزميله دار، الجيل بيروت ١٤٠٥ هـ.\r٣١٦ - فصوص الحكم: لمحيي الدين ابن عربي، (ت ٦٣٨ هـ)، والتعليقات عليه بقلم أبو العلا، دار الكتاب العربي، بيروت، ط. الثانية، ط ٤٠٠ هـ في جزئين: الأول الفصوص والثاني التعليقات عليه لأبي العلا عفيفي.\r٣١٧ - فضائح الباطنية للغزالي: محمد بن محمد (ت ٥٩٥ هـ)، تحقيق عبد الرحمن بدوي نشر مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، حولى.\r٣١٨ - فضائل المدينة: للجندي أبي سعيد المفضل بن محمد بن إبراهيم اليمني المكي، (ت ٣٠٨ هـ)، تحقيق محمد مطيع الحافظ، دار الفكر، ١٤٠٥ هـ، ط. الأولى بدمشق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049302,"book_id":1098,"shamela_page_id":950,"part":"2","page_num":977,"sequence_num":950,"body":"٣١٩ - فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء: للسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، (ت ٩١١ هـ)، تحقيق محمد شكور المياديني، مكتبة المنار، الأردن، ١٤٠٥ هـ.\r٣٢٠ - فضل الصلاة: لإسماعيل القاضي، إسماعيل بن إسحاق الجهضمي، المالكي، (ت ٢٨٢ هـ)، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط. ٣، ١٣٩٧ هـ.\r٣٢١ - فوائد الجامع الصغير: للصدر الشهيد عمر بن عبد العزيز البخاري، (ت ٥٣٦ هـ)، مخطوط، مصورة الجامعة الإسلامية تحت رقم ١٢٦٩ هـ عن الأصل المحفوظة بمكتبة عارف حكمت، ٢١١ فقه حنفي.\r٣٢٢ - الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة: للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي، (ت ١٠٣٣ هـ)، تحقيق محمد الصباغ، الدار العربية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٧ هـ، ١٩٧٧ م.\r٣٢٣ - الفوائد في مشكل القرآن: للعز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ)، تحقيق الندوي، سيد رضوان علي، نشر وزارة الأوقاف الكويتية.\r٣٢٤ - فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت: للأنصاري عبد العلي محمد بن نظام الدين مطبوع مع المستصفى للغزالي، مصورة عن الطبعة البولاقية، سنة ١٣٢٢ هـ.\r٣٢٥ - الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب: لابن معمر حمد بن ناصر، (ت ١٢٢٥ هـ)، تحقيق عبد السلام بن برجس، دار العاصمة، الرياض.\r٣٢٦ - الفوز الكبير في أصول التفسير: للدهلوي أحمد بن عبد الرحيم، (ت ١١٧٦ هـ)، ترجمه إلى العربية سلمان الحسيني الندوي، ط. دار البشائر الإسلامية، ط. الثانية، ١٤٠٧ هـ.\r٣٢٧ - فهرس الفهارس: لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، باعتناء الدكتور إحسان عباس دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. الثانية، ١٤٠٢ هـ.\r٣٢٨ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: للعلامة المناوي، عبد الرؤوف بن تاج العارفين، (ت ١٠٣١ هـ) ط. ٢، دار المعرفة، بيروت.\r\r(حرف القاف)\r٣٢٩ - قاعدة في التوسل والوسيلة لابن تيمية: ط. ونشر الرئاسة العامة لإدارات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049303,"book_id":1098,"shamela_page_id":951,"part":"2","page_num":978,"sequence_num":951,"body":"البحوث والإفتاء الرياض، ١٤٠٤ هـ.\r٣٣٠ - قانون التأويل: للقاضي أبي بكر بن العربي، (ت ٥٤٣ هـ)، دراسة وتحقيق محمد السليماني، نشر دار القبلة للثقافة الإسلامية، مؤسسة علوم القرآن، جدة، بيروت، ط. ١، عام ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م.\r٣٣١ - القرى لقاصد أم القرى: لمحب الدين الطبري المكي، (ت ٦٩٤ هـ)، تحقيق مصطفى السقا، مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي، مصر، الطبعة الثانية، ١٣٩٠ هـ.\r٣٣٢ - قطر الولي على حديث الولي: للشوكاني محمد بن علي (ت ١٢٥٠ هـ)، تحقيق إبراهيم بن إبراهيم، هلال دار الكتب الحديثة، القاهرة.\r٣٣٣ - قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر: للعلامة صديق حسن خان، (ت ١٣٠٧ هـ)، تحقيق د. عاصم القريوتي، ط. الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r٣٣٤ - قواعد الأحكام للإمام العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\r٣٣٥ - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث: للقاسمي، محمد جمال الدين القاسمي، دار إحياء السنة النبوية، ط. ١٣٩٩ هـ.\r٣٣٦ - القواعد النورانية الفقهية: لابن تيمية تحقيق محمد حامد الفقي، نشر دار المعرفة، بيروت، لبنان.\r٣٣٧ - القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع: للسخاوي، محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر السخاوي، (ت ٩٠٢ هـ)، المكتبة العلمية للنمنكاني، المدينة المنورة.\r٣٣٨ - القول الجلي في حكم التوسل بالنبي والولي: للسلفي محمد بن أحمد بن محمد بن عبد السلام، (ت هـ)، تحقيق إسماعيل الأنصاري، نشر إدارات البحوث والدعوة والإرشاد.\r٣٣٩ - القول الفصل النفيس في الرد على المفتري داود بن جرجيس: للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الإمام محمد بن عبد الوهاب، (ت ١٢٨٥ هـ)، تقديم الشيخ إسماعيل بن عتيق، نشر دار الهداية، الرياض، ١٤٠٥ هـ.\r\r(حرف الكاف)\r٣٤٠ - الكافي: تأليف أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، صححه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049304,"book_id":1098,"shamela_page_id":952,"part":"2","page_num":979,"sequence_num":952,"body":"نجم الدين الآملي، من منشورات المكتبة الإسلامية، طهران، عام ١٣٨٨ هـ، ط. المطبعة الإسلامية من كتب الشيعة المهمة.\r٣٤١ - نسخة أخرى الكافي: للكليني مع شرحه براءة العقول المطبوع طبعة حجرية عام ١٣٢٥ هـ، وهي المرموز لها: ط. ح.\r٣٤٢ - الكامل: لأبي أحمد عبد الله بن عدي، (ت ٣٦٥ هـ)، دار الفكر، ط. ١٤٠٤ هـ.\r٣٤٣ - كتاب التوحيد: لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، (ت ١٢٠٦ هـ)، ومعه كتاب القول السديد، طبعة مركز شؤون الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\r٣٤٤ - كتاب التوحيد وإخلاص العمل والوجه الله ﷿: لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق د. محمد السيد الجليند، نشر دار القبلة، جدة، ط. الثالثة، ١٤٠٧ هـ.\r٣٤٥ - كتاب التوحيد: لابن منده أبي عبدالله محمد بن إسحاق، (ت ٣٩٥ هـ)، تحقيق د علي بن ناصر الفقيهي، ط. الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، الأولى.\r٣٤٦ - كتاب التوحيد: لابن خزيمة أبي بكر محمد بن إسحاق السلمي، (ت ٣١١ هـ)، مراجعة د. محمد خليل هراس، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\r٣٤٧ - كتاب العرش وما روي فيه: لابن أبي شيبة محمد بن عثمان العبسي (ت ٢٩٧ هـ)، تحقيق محمد بن حمد الحمود مكتبة، المعلا، الكويت ١٤٠٦ هـ.\r٣٤٨ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: تأليف أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، (ت ٥٣٨ هـ)، نشر دار المعرفة، بيروت.\r٣٤٩ - كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي: منصور بن يونس بن إدريس، (ت ١٠٥١ هـ)، ط. مطبعة الحكومة، ١٣٩٤ هـ.\r٣٥٠ - الكليات \"معجم في المصطلحات والفروق اللغوية\": لأبي البقاء الكفوي أيوب بن موسى، (ت ١٠٩٤ هـ)، ط. وزارة الثقافة بدمشق، عام ١٩٧٥ م.\r٣٥١ - كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة: للهيثمي نور الدين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049305,"book_id":1098,"shamela_page_id":953,"part":"2","page_num":980,"sequence_num":953,"body":"علي بن أبي بكر (ت ٨٠٧ هـ)، ط. مؤسسة الرسالة.\r٣٥٢ - كشف الشبهات: لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، المطبوع ضمن مؤلفات الشيخ / قسم العقيدة من منشورات جامعة الإمام.\r٣٥٣ - كشف الشبهتين للشيخ سليمان بن سحمان، (ت ١٣٤٩ هـ)، تحقيق آل عبد السلام بن برجس عبد الكريم، دار العاصمة الرياض، ١٤٠٨ هـ.\r٣٥٤ - الكشف عن مناهج الأدلة: لابن رشد أبو الوليد، محمد بن أحمد بن محمد، (ت ٥٩٥ هـ)، طبع مع كتاب له آخر (فصل المقال) بعنوان فلسفة ابن رشد دار الآفاق.\r٣٥٥ - كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: للحافظ ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ)، تحقيق الشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، ط. الرابعة، ١٣٩٧ هـ.\r٣٥٦ - الكواكب الدرية: للكرمي الحنبلي، مرعي بن يوسف، (ت ١٠٣٣ هـ)، تحقيق نجم عبد الرحمن خلف، دار الغرب الإسلامي، ط. الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٣٥٧ - الكنى: للدولابي، (ت ٣١٠ هـ)، تصوير دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الثانية، ١٤٠٣ هـ.\r\r(حرف اللام)\r٣٥٨ - اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: للسيوطي، (ت ٩١١ هـ)، نشر المكتبة التجارية الكبرى مصر.\r٣٥٩ - لسان العرب: لابن منظور محمد بن مكرم بن علي، (ت ٧١١ هـ)، تحقيق عبدالله علي الكبير وزملائه، دار المعارف، مصر. ٣٦٠ - لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني، منشورات الأعلمي، بيروت، ط. ١٩٧١ م.\r٣٦١ - اللمع: لأبي نصر السراج الطوسي، (ت ٣٧٨ هـ)، عبدالله بن علي بن يحيى الصوفي تحقيق د. عبد الحليم محمود، وطه عبد الباقي سرور، ١٣٨٠ هـ، من نشر \"لجنة التراث الصوفي\" وهو الكتاب الثالث.\r\r(حرف الميم)\r٣٦٢ - المبسوط: للسرخسي شمس الدين أبي بكر محمد بن أبي سهل، (ت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049306,"book_id":1098,"shamela_page_id":954,"part":"2","page_num":981,"sequence_num":954,"body":"٤٨٣ هـ)، نشر دار المعرفة، بيروت، ط. الثانية.\r٣٦٣ - مجابي الدعوة لابن أبي الدنيا أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرني، مؤسسة الرسالة، ط. الثانية، ١٤٠٦ هـ.\r٣٦٤ - المجروحين من المحدثين: لابن حبان محمد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي، (ت ٣٥٤ هـ)، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار الوعي بحلب، ط. الأولى، ١٣٩٦ هـ.\r٣٦٥ - مجاز القرآن: لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠ هـ)، تحقيق فؤاد سزكين، ط. مؤسسة الرسالة، ط. ٢، عام ١٤٠٨ هـ.\r٣٦٦ - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: لشيخي زاده عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الرومي، (ت ١٠٧٨ هـ).\r٣٦٧ - مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار: للفتني، محمد طاهر الصديقي الهندي (ت ٩٨٦ هـ)، ط. دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد، سنة ١٣٨٧ هـ.\r٣٦٨ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، (ت ٨٠٧ هـ)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\r٣٦٩ - مجموعة الرسائل النجدية لبعض علماء نجد مكتبة الإمام الشافعي الرياض، ط. الثانية، ١٤٠٨ هـ.\r٣٧٠ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والدعوة والإرشاد الرياض ط. الأولى، ١٤٠٨ هـ. ٣٧١ - محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين: للرازي فخر الدين محمد بن عمر الخطيب، (ت ٦٠٦ هـ)، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، ط. الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r٣٧٢ - محق التقول في مسألة التوسل للكوثري محمد زاهد، (ت ١٣٧٣ هـ)، طبع ضمن المقالات له.\r٣٧٣ - المحكم والمحيط الأعظم في اللغة لابن سيده علي بن إسماعيل بن سيده، (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق عبد الستار أحمد فرج، ط. المطبعة الأميرية، ببولاق، مصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049307,"book_id":1098,"shamela_page_id":955,"part":"2","page_num":982,"sequence_num":955,"body":"٣٧٤ - المحلى: تأليف ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ)، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\r٣٧٥ - المختار للفتوى: لابن مودود الموصلي (ت ٦٨٣ هـ)، مع شرحه الاختيار لتعليل المختار تحقيق طه محمد الزيني وزميله، ط. المنيرية، مصر، الأولى، ١٣٧٦ هـ.\r٣٧٦ - مختصر العلو للعلي الغفار للذهبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، نشر المكتب الإسلامي، ط. الأولى، ١٤٠١ هـ.\r٣٧٧ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، اختصره محمد الموصلي.\r٣٧٨ - مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين: لابن القيم، تحقيق محمد حامد الفقي، عام ١٣٧٥ هـ.\r٣٧٩ - المدخل: لابن الحاج أبي عبد الله محمد بن محمد العبدري (ت ٧٣٧ هـ)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط. ٢، ١٩٧٢ م.\r٣٨٠ - المراسيل: لابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، (ت ٣٢٧ هـ)، تحقيق شكر الله القوجاني، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى، ١٣٩٧ هـ.\r٣٨١ - مراقي الفلاح للشرنبلاني حسن بن عمار الحنفي، (ت ١٠٦٩ هـ)، ط. مصطفى الحلبي، عام ١٣٦٦ هـ.\r٣٨٢ - مرويات دعاء ختم القرآن وحكمه داخل الصلاة وخارجها: بقلم بكر بن عبد الله أبو زيد دار طيبة للنشر، الرياض، ط. الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٣٨٣ - المزهر في اللغة للسيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، (ت ٩١١ هـ)، تحقيق محمد أحمد جاد الولي وزملائه نشر دار التراث، القاهرة، ط. ٣.\r٣٨٤ - مسائل الجاهلية التي خالف فيها الرسول الله أهل الجاهلية: لشيخ الإسلام ﷺ محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ)، نشر الجامعة الإسلامية.\r٣٨٥ - المسائل الماردينية: الشيخ الإسلام ابن تيمية طبعة المكتب الإسلامي.\r٣٨٦ - المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة لابن الهمام، (ت ٨٦١ هـ)، مع شرحها المسامرة لكمال بن أبي شريف، (ت ٩٠٥ هـ)، ط. دائرة المعارف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049308,"book_id":1098,"shamela_page_id":956,"part":"2","page_num":983,"sequence_num":956,"body":"الإسلامية بعناية احتشام الحق ط. كراجي باكستان.\r٣٨٧ - المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله، (ت ٤٠٥ هـ)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\r٣٨٨ - المستصفى من علم الأصول: للغزالي أبي حامد محمد بن محمد، (ت ٥٠٥ هـ)، مصورة عن الطبعة الأميرية ببولاق نشر دار المعرفة، بيروت.\r٣٨٩ - المسك الأذفر في نشر مزايا القرن الثاني عشر والثالث عشر: لمحمود شكري الألوسي (ت ١٣٤٣ هـ)، تحقيق د. عبد الله الجبوري، نشر دار العلوم للطباعة والنشر الرياض، ١٤٠٢ هـ.\r٣٩٠ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، (ت ٢٤١ هـ)، دار صادر، بيروت.\r٣٩١ - المسند للحميدي أبي بكر عبد الله بن الزبير، (ت ٢١٩ هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي الناشر المجلس العلمي، كراتشي، باكستان.\r٣٩٢ - مسند أبي داود الطيالسي: سليمان بن داود بن الجارود، (ت ٢٠٤ هـ)، ط. دائرة المعارف حيدر آباد الهند.\r٣٩٣ - مسند الشهاب: للقضاعي أبي عبد الله محمد بن سلامة، (ت ٤٥٤ هـ)، تحقيق حمدي السلفي، ط. مؤسسة الرسالة، ط. الأولى، عام ١٤٠٥ هـ.\r٣٩٤ - المسودة في أصول الفقه لآل تيمية تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\r٣٩٥ - مشارق الأنوار على صحاح الآثار: للقاضي عياض بن موسى اليحصبي، (ت ٥٤٤ هـ)، نشر المكتبة العتيقة ودار التراث بيروت، مصور عن طبعة عام ١٣٣٣ هـ.\r٣٩٦ - مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام: للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت ١٢٩٢ هـ)، تصحيح، الشيخ إسماعيل بن عتيق نشر دار الهداية، الرياض.\r٣٩٧ - المصباح: للكفعمي إبراهيم بن علي بن الحسن العاملي الشيعي، (ت ٩٠٥ هـ)، من منشورات الرضى زاهدي، ط. ١٤٠٥ هـ، قم، إيران.\r٣٩٨ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، تأليف أحمد بن محمد علي الفيومي (ت ٧٧٠ هـ)، ط. المنيرية بالقاهرة، عام ١٩٢٢ هـ.\r٣٩٩ - مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي وتحذير العباد من أهل العناد للعلامة برهان الدين البقاعي (ت) ٨٨٥ هـ)، تحقيق عبد الرحمن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049309,"book_id":1098,"shamela_page_id":957,"part":"2","page_num":984,"sequence_num":957,"body":"الوكيل، مطبعة السنة المحمدية ط. الأولى، ١٣٧٢ هـ.\r٤٠٠ - المصطلحات الأربعة في القرآن: لأبي الأعلى المودودي، تعريب محمد كاظم سباق دار القلم، ط. ٥، ١٣٩١ هـ.\r٤٠١ - المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة عبد الله بن محمد، (ت ٢٣٥ هـ)، ط. الدار السلفية بومباي الهند.\r٤٠٢ - معارج الألباب في مناهج الحق والصواب: للنعمي حسين بن مهدي (ت ١١٨٧ هـ)، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر مكتبة المعارف الرياض، ط الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\r٤٠٣ - معارج القبول لشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد: تأليف الشيخ حافظ بن أحمد حكمي، المطبعة السلفية، القاهرة.\r٤٠٤ - معالم التنزيل (تفسير البغوي) للإمام البغوي الحسين بن مسعود الفراء، (ت ٥١٦ هـ)، تحقيق خالد عبد الرحمن، وزميله ط دار المعرفة بيروت عام ١٤٠٦ هـ.\r٤٠٥ - معالم السنن للخطابي البستي أبو سليمان أحمد بن محمد، (ت ٣٨٨ هـ)، ط. الثانية، ١٤٠١ هـ نشر المكتبة العلمية، بيروت.\r٤٠٦ - معاني الآثار للطحاوي أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، (ت ٣٢١ هـ)، تحقيق محمد سيد جاد الحق ط. الأنوار المحمدية، القاهرة.\r٤٠٧ - معاني القرآن للأخفش الأوسط، سعيد بن مسعدة، (ت ٢١٥ هـ)، تحقيق د. فائز، فارس ط. ٢، عام ١٤٠١ هـ.\r٤٠٨ - معاني القرآن للفراء يحيى بن زياد تحقيق أحمد يوسف نجاتي، ومحمد علي النجار، ط. دار الكتب المصرية، ١٣٧٤ هـ، ١٩٥٥ م.\r٤٠٩ - معاني القرآن وإعراب\r٤١٠ - المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري محمد بن علي بن الطيب المعتزلي، (ت) ٤٣٦ هـ)، ضبط خليل الميس نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r٤١١ - المعجم الأوسط للطبراني أبي القاسم سليمان بن أحمد اللخمي،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049310,"book_id":1098,"shamela_page_id":958,"part":"2","page_num":985,"sequence_num":958,"body":" (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق محمود الطحان نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r٤١٢ - المعجم الصغير للطبراني تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، عام ١٣٨٨ هـ.\r٤١٣ - المعجم الكبير للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، ط. وزارة الأوقاف، بغداد.\r٤١٤ - معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\r٤١٥ - معجم مقاييس اللغة: لابن فارس أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، (ت ٣٩٥ هـ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط. الأولى بالقاهرة، ١٣٦٦ هـ، ط. عيسى الحلبي.\r٤١٦ - معجم أبي يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى، (ت ٣٠٧ هـ)، تحقيق إرشاد الحق الأثري، ط. المكتبة العلمية، لاهور، باكستان، ١٤٠٧ هـ، الأولى.\r٤١٧ - المعرفة والتاريخ للفسوي يعقوب بن سفيان، (ت ٢٧٧ هـ)، تحقيق الدكتور أكرم العمري، مطبعة الإرشاد، بغداد.\r٤١٨ - المغني في الضعفاء: للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان: الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق د نور الدين عتر، طبع على نفقة إدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر.\r٤١٩ - المغني لابن قدامة أبي محمد عبد الله بن أحمد (ت ٦٢٠ هـ)، المطبعة اليوسفية، مصر.\r٤٢٠ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لجمال الدين بن هشام الأنصاري، (ت ٧٦١ هـ)، تحقيق د. مازن المبارك، وزميله دار الفكر، بيروت، ط. الثالثة، ١٩٧٢ م.\r٤٢١ - مفاهيم يجب أن تصحح للعلوي المالكي محمد نشر دار السلام لاهور، باكستان ط. ٢، ١٤٠٦ هـ.\r٤٢٢ - مفتاح الجنات في الأدعية المؤلف شيعي مجهول، نشر مكتبة الماحوزي البحرين.\r٤٢٣ - مفتاح دار السعادة لابن القيم، دار نجد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049311,"book_id":1098,"shamela_page_id":959,"part":"2","page_num":986,"sequence_num":959,"body":"٤٢٤ - مفتاح العلوم للسكاكي: أبي يعقوب يوسف بن أبي بكر، (ت ٦٢٦ هـ)، ضبط نعيم، زرزور دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r٤٢٥ - المفردات في غريب القرآن: للأصفهاني أبي القاسم الحسين بن محمد، (ت ٥٠٢ هـ)، دار المعرفة، بيروت.\r٤٢٦ - مفيد المستفيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ضمن مؤلفات الإمام القسم الأول، العقيدة، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود.\r٤٢٧ - مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني، (ت ٣٥٦ هـ)، قدم له وأشرف على طبعه كاظم المظفر، ط. الثانية، الناشر محمد كاظم الحاج محمد صادق الكتبي منشورات الرضى، زاهدي النجف، العراق، ١٣٨٥ هـ.\r٤٢٨ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة: للسخاوي محمد بن عبد الرحمن، (ت ٩٠٢ هـ)، تحقيق عبد الله محمد الصديق، مكتبة الخانجي بمصر، ١٣٧٥ هـ. ٤٢٩ - مقالات الكوثري: محمد زاهد الكوثري (ت ١٣٧٣ هـ)، مطبعة الأنوار بالقاهرة.\r٤٣٠ - مقدمة ابن خلدون ط. الدار التونسية للنشر، عام ١٩٨٤ م.\r٤٣١ - مقدمة مفتاح كنوز السنة لمحمد رشيد رضا، نشر إدارة ترجمان السنة لاهور باكستان.\r٤٣٢ - ملحق المصنفات لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، مؤلفات الشيخ، نشر جامعة الإمام.\r٤٣٣ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن القيم، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعة الإسلامية، ط. الثانية، ١٤٠٢ هـ.\r٤٣٤ - المنتخب للحافظ عبد بن حميد (ت ٢٤٩ هـ)، تحقيق أبي عبد الله مصطفى العدوي، شلبانة مكتبة ابن حجر مكة المكرمة، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r٤٣٥ - المنحة الوهبية في رد الوهابية: لداود بن سليمان بن جرجيس، (ت ١٢٩٩ هـ)، مكتبة أيشق، إستانبول، تركيا، ط. ٢، ١٣٩٣ هـ.\r٤٣٦ - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي أبي الفرج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049312,"book_id":1098,"shamela_page_id":960,"part":"2","page_num":987,"sequence_num":960,"body":"عبد الرحمن بن علي (ت ٥٩٧ هـ)، ط. دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند، عام ١٣٥٧ هـ.\r٤٣٧ - المنتقي شرح موطأ الإمام مالك: للباجي (ت ٤٩٤ هـ)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط. الرابعة، ١٤٠٤ هـ.\r٤٣٨ - منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت) ١٣٩٣ هـ المطبوع في آخر أضواء البيان.\r٤٣٩ - منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس: للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ت) ١٢٩٢ هـ نشر دار الهداية، الرياض، ط. الثانية، ١٤٠٧ هـ.\r٤٤٠ - منهاج السنة النبوية في نقص كلام الشيعة القدرية: لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم طبع ونشر جامعة الإمام محمد بن سعود، ١٤٠٦ هـ.\r٤٤١ - المنهاج في شعب الإيمان: للحليمي أبي الحسين بن الحسن، (ت ٤٠٣ هـ)، تحقيق حلمي محمد فودة، دار الفكر، ط. الأولى، ١٣٩٩ هـ.\r٤٤٢ - من لا يحضره الفقيه: للقمي الشيعي محمد بن علي بن الحسين بن بابوية، (ت ٣٨١ هـ)، تحقيق حسن الموسوي الخرسان، ط دار الكتب الإسلامية، النجف، مطبعة النجف بالعراق، ١٣٧٧ هـ، ط. ٤.\r٤٤٣ - المهند على المفند في عقائد علماء أهل: ديوبند: للسهارنيوري خليل أحمد، (ت ١٣٤٦ هـ)، ط. لاهور باكستان، ١٩٨٤ م.\r٤٤٤ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي، علي بن أبي بكر، (ت ٨٠٧ هـ)، تحقيق محمد عبد الرزاق حمزة دار الكتب العلمية، بيروت.\r٤٤٥ - المواقف في علم الكلام للإيجي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، (ت ٨٦٤ هـ)، عالم الكتب، بيروت.\r٤٤٦ - الموطأ للإمام مالك بن أنس، ت (١٧٩ هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث العربي.\r٤٤٧ - الموضوعات: لابن الجوزي تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر المكتبة السلفية بالمدينة النبوية، ط. الأولى، ١٣٨٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049313,"book_id":1098,"shamela_page_id":961,"part":"2","page_num":988,"sequence_num":961,"body":"٤٤٨ - موضوعات الصغاني: الحسن بن محمد بن الحسن القرشي الصغاني، (ت ٦٥٠ هـ)، حققه نجم عبد الرحمن خلف، ط. الأولى، ١٩٨٠ م، ١٤٠١ هـ دار نافع للطباعة والنشر.\r٤٤٩ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي تحقيق علي محمد البجاوي، نشر دار المعرفة، بيروت.\r(حرف النون)\r٤٥٠ - النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير لأبي الحسنات عبد الحي اللكنوي ١٢٦٤ - ١٣٠٤ هـ نشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي باكستان، بدون تاريخ.\r٤٥١ - النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين للشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي (ت ١٢٢٥ هـ)، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ط. ٢، ١٤٠٨ هـ نشر مكتبة الإمام الشافعي الرياض.\r٤٥٢ - نبذة في الدعاء وآدابه وأسبابه: لليافعي عفيف الدين عبد الله بن أسعد، (ت ٧٦٨ هـ)، طبعت مع فض الوعاء للسيوطي، بتحقيق محمد شكور بن محمود المياديني، ط. مكتبة المنار الأردن، ط. ١، ١٤٠٥ هـ.\r٤٥٣ - نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار للحافظ ابن حجر، (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي منشورات مكتبة المثنى ببغداد مطبعة الإرشاد بغداد ونسخة أخرى مخطوطة منها فلم بقسم المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة رقم ١٢٢٩.\r٤٥٤ - نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي أبي الفرج تحقيق محمد عبد الكريم كاظم الراضي، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، عام ١٤٠٤ هـ.\r٤٥٥ - نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي أبي محمد عبد الله بن يوسف الحنفي، (ت ٧٦٢ هـ)، ط. ٢، دار المأمون، القاهرة.\r٤٥٦ - نظم المتناثر من الحديث المتواتر: للكتاني أبي الفيض جعفر الحسني، ت ١٣٢٣ هـ دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\r٤٥٧ - نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت للكركي علي بن عبد العالي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049314,"book_id":1098,"shamela_page_id":962,"part":"2","page_num":989,"sequence_num":962,"body":"الرافضي العاملي (ت ٩٤٥ هـ)، مخطوط بمكتبة رضا لامبور، بالهند، رقم ١٩٩٨.\r٤٥٨ - نقض المنطق: تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية حققه محمد حامد الفقي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\r٤٥٩ - النونية: لابن القيم مع شرحها لمحمد خليل هراس، مكتبة الفاروق الحديثة، مصر.\r٤٦٠ - النهاية في غريب الحديث والأثر: لابن الأثير أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، (ت ٦٠٦ هـ)، تحقيق الطناحي وزميله نشر المكتبة الإسلامية، عام ١٣٨٣ هـ.\r٤٦١ - النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد: للشيخ جاسم الفهيد الدوسري، دار الخلفاء، الكويت، ط. ١٤٠٤ هـ.\r٤٦٢ - نيل الأوطار للشوكاني محمد بن علي بن محمد الشوكاني، (ت ١٢٥٠ هـ)، ط. مصطفى الحلبي، مصر، الطبعة الأخيرة.\r(حرف الهاء)\r٤٦٣ - الهداية شرح البداية للمرغيناني (ت ٥٩٣ هـ)، ط. مصطفى الحلبي، مصر.\r٤٦٤ - الهدية السنية والتحفة الوهابية مجموعة خمس رسائل: جمع وترتيب الشيخ سليمان بن سحمان تعليق محمد رشيد رضا، مطبعة النهضة الحديثة، مكة.\r٤٦٥ - هذه مفاهيمنا: للشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، ط. ١، ١٤٠٦ هـ.\r(حرف الواو)\r٤٦٦ - الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب لابن قيم الجوزية، تحقيق بشير محمد عيون، نشر مكتبة دار، البيان توزيع مكتبة المؤيد.\r٤٦٧ - الواسطة بين الحق والخلق لشيخ الإسلام ابن تيمية المطبوعة ضمن الفتاوى، الجزء الأول.\r٤٦٨ - الوجوه والنظائر: للدامغاني الحسين بن محمد تحقيق عبد العزيز سيد الأهل، دار العلم للملايين بيروت ط. ٤، عام ١٩٨٣ م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049315,"book_id":1098,"shamela_page_id":963,"part":"2","page_num":990,"sequence_num":963,"body":"٤٦٩ - الوصول إلى الأصول لابن برهان أحمد بن علي بن برهان، (ت ٥١٨ هـ)، تحقيق أبو زنيد، نشر مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٣ هـ.\r\rاستدراكات على المصادر والمراجع:\r(حرف الألف)\r٤٧٠ - ابن تيمية والتصوف للدكتور مصطفى حلمي، ط. دار الدعوة للطبع والنشر، الإسكندرية، ١٩٨٢ م.\r٤٧١ - الاحتجاج للطبرسي، أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب \"شيعي\"، (ت في حدود ٦٢٠ هـ)، بتعليق محمد باقر الموسوي، طبع في مشهد، إيران، ١٤٠١ هـ.\r٤٧٢ - الأحاديث الطوال للطبراني أبي القاسم طبع في آخر الجزء الخامس والعشرين من المعجم الكبير للطبراني، بتحقيق حمدي السلفي، مطبعة الأمة، بغداد، ١٩٨٣ م.\r٤٧٣ - الأحاديث العوالي من جزء ابن عرفة العبدي: (ت ٢٥٧ هـ)، رواية شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق عبد الرحمن الفريوائي، ط. دار الكتب السلفية، بمصر، ط. الأولى، ١٤٠٧ هـ.\r٤٧٤ - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد، (ت ٤٥٦ هـ)، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، نشر دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط. ٢، عام ١٤٠٣ هـ.\r٤٧٥ - اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي: للطوسي أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي \"شيعي\"، (ت ٤٦٠ هـ)، حققه حسن المصطفوي طبع في مشهد، إيران.\r٤٧٦ - الأرواح النوافخ لآثار إيثار الآباء والمشايخ للمقبلي صالح بن المهدي الصنعاني، (ت ١١٠٨ هـ)، طبع مع العلم الشامخ له أيضًا، ط. دار البيان، دمشق، عام ١٤٠١ هـ.\r٤٧٧ - الأسامي والكنى لابن حنبل أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، (ت ٢٤١ هـ)، تحقيق عبد الله بن يوسف الجديع، نشر مكتبة دار الأقصى، الكويت، ط. الأولى، ١٤٠٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049316,"book_id":1098,"shamela_page_id":964,"part":"2","page_num":991,"sequence_num":964,"body":"٤٧٨ - الأسماء والصفات للبيهقي أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت ٤٥٨ هـ)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، عام ١٤٠٥ هـ.\r٤٧٩ - الأشباه والنظائر لابن نجيم زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم، (ت ٩٧٠ هـ)، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل نشر مؤسسة الحلبي، القاهرة عام ١٩٨٧ هـ\r٤٨٠ - الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت ٤٥٨ هـ)، تخريج أحمد عصام الكاتب، نشر دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط. الأولى، ١٤٠١ هـ.\r٤٨١ - الأوائل: لابن أبي عاصم أبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني، (ت ٢٨٧ هـ)، تحقيق محمد بن ناصر العجمي نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت.\r٤٨٢ - الإيمان وآثاره والشرك ومظاهره تأليف زكريا علي يوسف، مكتبة السلام العالمية، القاهرة، ط الثانية.\r\r(حرف الباء)\r٤٨٣ - البارع في اللغة للقالي أبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، (ت ٣٥٦ هـ)، تحقيق هاشم الطمعان نشر مكتبة النهضة، بغداد، ١٩٧٥ م.\r٤٨٤ - البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة للشيخ عبد الفتاح بن عبد الغني القاضي (ت ١٤٠٣ هـ) نشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ط. الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r٤٨٥ - البرهان في علوم القرآن للزركشي محمد بن عبد الله، (ت ٧٩٤ هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم دار المعرفة، بيروت.\r٤٨٦ - البروق في تعقب مسائل القواعد والفروق لابن الشاط قاسم بن عبد الله، (ت ٧٢٣ هـ)، طبع بهامش الفروق للقرافي.\r٤٨٧ - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث للهيثمي، علي بن سليمان بن أبي بكر، (ت ٨٠٧ هـ) مخطوط منه صورة بقسم المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية، رقم ١٢٤٨.\r٤٨٨ - بلوغ المرام من أدلة الأحكام للعسقلاني تحقيق محمد حامد الفقي، نشر دار القلم، بيروت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049317,"book_id":1098,"shamela_page_id":965,"part":"2","page_num":992,"sequence_num":965,"body":" (حرف التاء)\r٤٨٩ - تأسيس التقديس في علم الكلام للرازي محمد بن عمر بن الحسين، (ت ٦٠٦ هـ)، ط. مصطفى الحلبي، عام ١٣٥٤ هـ.\r٤٩٠ - تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس: للشيخ أبا بطين عبد الله بن عبد الرحمن (ت ١٣٨٢ هـ)، ط. عيسى الحلبي بمصر، ١٣٤٤ هـ.\r٤٩١ - تاريخ الغيبة الكبرى لمحمد الصدر \"شيعي معاصر\"، ط. دار التعارف للمطبوعات بيروت، ط الثانية، ١٤٠٣ هـ.\r٤٩٢ - تبيين الحقائق شرح كنز الحقائق: للزيلعي عثمان بن علي الحنفي (ت ٧٤٣ هـ) نشر دار المعرفة، بيروت، عن ط. بولاق، ١٣١٣ هـ.\r٤٩٣ - تحذير الساجد في اتخاذ القبور مساجد: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط. ٢، عام ١٣٩٢ هـ، ط. المكتب الإسلامي، بيروت.\r٤٩٤ - تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين للشوكاني محمد بن علي بن محمد (ت ١٢٥٠ هـ)، بتعليق محمد بن محمد زبارة نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\r٤٩٥ - تحفة المراسيل: لأبي زرعة ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم العراقي، (ت ٨٢٦ هـ)، مخطوط.\r٤٩٦ - تحفة عوام مقبول لمؤلف شيعي مجهول ط. مطبعة حيدري برسيس، لاهور، باكستان.\r٤٩٧ - التحفة العراقية في الأعمال القلبية: تأليف شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية طبعت مع رسالة أمراض القلوب وشفاؤها له أيضًا، نشر المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٨٦ هـ.\r٤٩٨ - التحفة السنية بتوضيح الطريقة التجانية: للبرناوي محمد الطاهر ميغري، نشر مركز شؤون الدعوة بالجامعة الإسلامية، ط. الأولى.\r٤٩٩ - التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز نشر مركز شؤون الدعوة بالجامعة الإسلامية، ط. ٧.\r٥٠٠ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي، (ت ٩١١ هـ)،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049318,"book_id":1098,"shamela_page_id":966,"part":"2","page_num":993,"sequence_num":966,"body":"تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف نشر دار الكتب الحديثة، ط. ٢، عام ١٣٨٥ هـ.\r٥٠١ - الترغيب والترهيب للمنذري عبد العظيم بن عبد القوي، (ت ٦٥٦ هـ)، نشر مكتبة الإرشاد.\r٥٠٢ - تفسير القرآن العظيم تفسير ابن كثير: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، (ت ٧٧٤ هـ)، نشر دار المعرفة، بيروت، ١٣٨٨ هـ.\r٥٠٣ - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير: للنووي أبي زكريا يحيى بن شرف، (ت ٦٧٦ هـ)، طبع مع شرحه تدريب الراوي، بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ط. الثانية، عام ١٣٨٥ هـ.\r٥٠٤ - التهاني في التعقيب على موضوعات الصغاني للغماري عبد العزيز بن محمد بن الصديق نشر دار الأنصار بالقاهرة.\r\r(حرف الجيم)\r٥٠٥ - جامع الرسائل لابن تيمية تحقيق محمد رشاد سالم نشر دار المدني، ط. ٢، ١٤٠٥ هـ\r٥٠٦ - جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن من أن ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن لشيخ الإسلام ابن تيمية، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط الثانية، ١٣٩٤ هـ.\r\r(حرف الحاء)\r٥٠٧ - حاشية البناني على شرح المحلى على متن جمع الجوامع: للبناني عبد الرحمن بن جاد الله (ت ١١٩٨ هـ)، ط. عيسى البابي الحلبي.\r٥٠٨ - حاشية مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح للطحطاوي أحمد بن محمد بن إسماعيل (ت ٢٣١ هـ)، ط. ٢، ١٣٨٩ هـ، ط. مصطفى الحلبي بمصر.\r٥٠٩ - الحيوان للجاحظ أبي عثمان عمرو بن بحر، (ت ٢٥٥ هـ)، تحقيق عبد السلام محمد، هارون ط مصطفى البابي الحلبي.\r\r(حرف الخاء)\r٥١٠ - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: للبغدادي عبد القادر بن عمر، (ت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049319,"book_id":1098,"shamela_page_id":967,"part":"2","page_num":994,"sequence_num":967,"body":"١٠٩٣ هـ)، دار صادر، بيروت على هامشه كتاب المقاصد النحوية للعيني.\r\r(حرف الدال)\r٥١١ - دراسات في الجرح والتعديل: للأعظمي محمد ضياء الرحمن، ط. المطبعة السلفية، بنارس، الهند، ط. الأولى، عام ١٤٠٣ هـ.\r٥١٢ - درر الحكام في شرح غرر الأحكام لمحمد فراموز منلا خسرو، (ت ٨٨٥ هـ)، ط. أحمد كامل بدار السعادة، تركيا، عام ١٣٢٩ هـ.\r٥١٣ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم القحطاني، ط. مطبعة أم القرى، الأولى، ١٣٥٢ هـ.\r٥١٤ - دلائل النبوة للتيمي إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني، (ت ٥٣٥ هـ)، إعداد أبي عبد الله الحداد نشر دار طيبة الرياض، ط. الأولى، ١٤٠٩ هـ.\r٥١٥ - ديوان الضعفاء والمتروكين: للذهبي شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، (ت ٧٤٨ هـ)، حققه الشيخ حماد الأنصاري، ط. مكتبة النهضة الحديثة بمكة الأولى، ١٣٨٧ هـ.\r\r(حرف الذال)\r٥١٦ - ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي، تحقيق أبو غدة ضمن أربع رسائل في علوم الحديث الناشر مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط. الخامسة، ١٤٠٤ هـ.\r\r(حرف الراء)\r٥١٧ - رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري: لابن درياس أبي القاسم عبد الملك بن عيسى (ت ٦٥٩ هـ)، تحقيق الدكتور علي بن محمد الفقيهي، ط. الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r٥١٨ - رسالة في الطاعون وما ينبغي العمل عند وقوعه: للمنيحي محمد بن محمد الصالحي (ت ٧٨٥ هـ) مخطوط منه صورة بقسم المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٤٧٢ ف.\r٥١٩ - رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم: للفوتي عمر بن سعيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049320,"book_id":1098,"shamela_page_id":968,"part":"2","page_num":995,"sequence_num":968,"body":"الطوري، (ت ١٢٨٣ هـ)، المطبوع بهامش جواهر المعاني، ط. مصطفى الحلبي، عام ١٣٨٢ هـ.\r\r(حرف السين)\r٥٢٠ - سؤالات السهمي: حمزة بن يوسف، (ت ٤٢٨ هـ)، تحقيق موفق بن عبد الله نشر مكتبة المعارف، الرياض، ط. الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r٥٢١ - سباحة الفكر في الجهر بالذكر: للكنوي أبي الحسنات محمد عبد الحي (ت ١٣٠٤ هـ)، تحقيق أبو غدة، ط. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط الرابعة، ١٤٠٨ هـ.\r٥٢٢ - السراج المنير في تنبيه جماعة التبليغ على أخطائهم: للدكتور محمد تقي الدين الهلالي، ط. الأولى، عام ١٣٩٩ هـ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب.\r٥٢٣ - السلم المنورق في علم المنطق: للأخضري عبد الرحمن بن محمد الصغير، كان حيًا عام ٩٤١ هـ، طبعت ضمن مجموع المتون في مختلف الفنون باعتناء عبد الله بن إبراهيم الأنصاري طبع على نفقة الشؤون الدينية بدولة قطر.\r\r(حرف الشين)\r٥٢٤ - شرح حديث العلم لابن رجب زين الدين عبد الرحمن بن رجب، (ت ٧٩٥ هـ)، تحقيق الشيخ محمد عمر عبد الهادي ط. دار نشر الثقافة، الإسكندرية، مصر.\r٥٢٥ - شرح ديوان طرفة بن العبد للأعلم الشنتمري يوسف بن سليمان بن عيسى (ت ٤٧٦ هـ)، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقال، طبع مجمع اللغة العربية دمشق، ١٣٩٥ هـ.\r٥٢٦ - شرح الدر المختار للحصفكي محمد علاء الدين الحنفي (ت ١٠٨٨ هـ)، ط. محمد علي صبيح، القاهرة.\r٥٢٧ - الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب مالك: للدردير أبي البركات أحمد بن محمد بن أحمد (ت ١٢٠١ هـ)، تحقيق د. مصطفى كمال وصفي، طبع على نفقة الشيخ زايد بن سلطان، دار المعارف، مصر، ١٩٧٤ م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049321,"book_id":1098,"shamela_page_id":969,"part":"2","page_num":996,"sequence_num":969,"body":"٥٢٨ - شرح عليش على مختصر خليل المسمى منح الجليل على مختصر الخليل: لعليش محمد بن أحمد بن محمد المالكي، (ت ١٢٩٩ هـ)، نشر مكتبة النجاح بطرابلس، ليبيا.\r٥٢٩ - شرح القاضي خان على الجامع الصغير: لقاضيخان الحسن بن منصور الفرغاني (ت ٥٩٢ هـ) مخطوط منه صورة بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية، رقم ١٦٦٩.\r٥٣٠ - الشعر والشعراء لابن قتيبة أبي محمد عبد الله بن مسلم، (ت ٢٧٦ هـ)، تقديم أحمد شاكر، ط. الثانية، ١٣٨٦ هـ.\r\r(حرف الصاد)\r٥٣١ - الصاوي على الجلالين: لأحمد بن محمد الصاوي الخلوتي، (ت ١٢٤١ هـ)، ط. عيسى البابي الحلبي.\r٥٣٢ ـ الصحيح المسند من أسباب النزول: للوادعي مقبل بن هادي، ط. دار الأرقم، الكويت، ط. الثانية.\r٥٣٣ - صحيح سنن ابن ماجه: تأليف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، نشر مكتبة التربية العربي لدول الخليج بالرياض، ط. المكتب الإسلامي، ط. الأولى، ١٤٠٧ هـ.\r\r(حرف العين)\r٥٣٤ - عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين لابن الجزري أحمد بن محمد بن محمد الدمشقي، (ت ٨٣٣ هـ)، طبع مع شرحه تحفة الذاكرين للشوكاني، ط. دار الكتب العلمية.\r٥٣٥ - العقد الثمين في بيان مسائل الدين للسويدي علي بن أبي السعود محمد بن عبد الله (ت ١٢٣٧ هـ)، ط. المطبعة الميمنية، بمصر، ١٣٢٥ هـ.\r٥٣٦ - عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي: تأليف الدكتور صالح بن عبد الله العبود، نشر المجلس العلمي وإحياء التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية، عام ١٤٠٨ هـ.\r٥٣٧ - العلل ومعرفة الرجال عن الإمام أحمد، (ت ٢٤١ هـ)، رواية المروذي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049322,"book_id":1098,"shamela_page_id":970,"part":"2","page_num":997,"sequence_num":970,"body":"وغيره تحقيق د. وصي الله بن محمد ط. الدار السلفية بومباي، الهند، الأولى.\r٥٣٨ - علل الحديث لابن أبي حاتم أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي (ت ٣٢٧ هـ) نشر مكتبة المثنى ببغداد.\r\r(حرف الغين)\r٥٢٩ - غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب للسفاريني محمد بن أحمد بن سالم، ت (١١٨٨ هـ)، نشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ونسخة أخرى طبعت بمطبعة الحكومة بمكة، ١٣٩٣ هـ.\r٥٤٠ - الغيبة: للنعماني محمد بن إبراهيم بن جعفر بن أبي زينب \"شيعي\" توفي في حدود ٣٤٢ هـ تحقيق علي أكبر الغفاري مكتبة الصدوق، طهران، إيران.\r\r(حرف الفاء)\r٥٤١ - فتاوى ابن رشد: أبي الوليد محمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، (ت ٥٢٠ هـ)، تحقيق د. المختار بن الطاهر التليلي، ط. دار الغرب الإسلامي، الأولى، ١٤٠٧ هـ.\r٥٤٢ - فتاوى ابن الصلاح: أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، (ت ٦٤٣ هـ)، طبع ضمن مجموعة الرسائل المنيرية.\r٥٤٣ - الفتاوى البزازية: لمحمد بن محمد المعروف بابن البزاز الكردي (ت ٨٢٧ هـ) طبعت بهامش الفتاوى الهندية.\r٥٤٤ - فتاوي قاضيخان حسن بن منصور الأوزجندي، (ت ٥٩٢ هـ)، طبع بهامش الفتاوى الهندية أيضًا.\r٥٤٥ - الفتح الرحماني في فتاوى السيد ثابت أبي المعاني: للنمنكاني الشيخ حامد مرزا، الفرغاني ط. الثانية، عام ١٣٩٦ هـ، مطبعة القادر يرنتنك، كراتشي، باكستان.\r٥٤٦ - الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، المطبعة السلفية، ط. الرابعة، ١٤٠١ هـ.\r٥٤٧ - الفتوحات المكية لابن عربي محيي الدين محمد بن علي الطائي الحاتمي الصوفي، (ت ٦٣٨ هـ)، تحقيق د. عثمان يحيى، نشر المجلس الأعلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049323,"book_id":1098,"shamela_page_id":971,"part":"2","page_num":998,"sequence_num":971,"body":"لرعاية الآداب والفنون، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٣٩٢ هـ.\r٥٤٨ - الفرج بعد الشدة: للتنوخي أبي علي المحسن بن علي، (ت ٣٨٤ هـ)، تحقيق عبود الشالجي، دار صادر، بيروت ط. الأولى، ١٣٩٨ هـ.\r٥٤٩ - فرق الشيعة للنوبختي الحسن بن موسى \"شيعي\" (توفي بعد ٣٠٠ هـ)، تحقيق محمد صادق آل بحر العلوم المطبعة الحيدرية، النجف، العراق.\r٥٥٠ - الفروق، ويسمى أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي (ت ٦٨٤ هـ)، نشر دار المعرفة، بيروت.\r٥٥١ - الفهرست لابن النديم محمد بن إسحاق بن محمد الوراق البغدادي، (ت ٤٣٨ هـ)، تحقيق رضا تجدد ط، طهران، إيران، ١٣٩١ هـ.\r\r(حرف القاف)\r٥٥٢ - قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات في الفنون والأثر: للفلاني صالح بن محمد (ت ١٢١٨ هـ)، تحقيق عامر، صبري، دار الشروق، ط. الأولى، عام ١٤٠٥ هـ.\r٥٥٣ - القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية لابن اللحام غلاء الدين علي بن عباس البعلي الحنبلي (ت ٨٠٣ هـ)، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر دار الكتب العلمية، عام ١٤٠٣ هـ.\r٥٥٤ - قواعد وعقائد آل محمد \"بيان مذهب الباطنية وبطلانه\": للديلمي محمد بن الحسن الصنعاني (ت ٧١١ هـ)، تصحيح شدو طمان، ط. ٢، نشر إدارة ترجمان السنة بلاهور باكستان.\r\r(حرف الكاف)\r٥٥٥ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لحاجي خليفة مصطفى بن عبد الله، (ت ١٠٦٧ هـ) من منشورات مكتبة المثنى، ببغداد.\r٥٥٦ - الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري: للكرماني محمد بن يوسف، (ت ٧٨٧ هـ)، ط. الأولى عام ١٣٥٢ هـ، مطبعة محمد محمد عبد اللطيف، بمصر.\r٥٥٧ - الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات: لابن الكيال أبي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049324,"book_id":1098,"shamela_page_id":972,"part":"2","page_num":999,"sequence_num":972,"body":"البركات محمد بن أحمد (ت ٩٣٩ هـ)، تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي، نشر مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى.\r\r(حرف الميم)\r٥٥٨ - المجموع المفيد من رسائل وفتاوى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: (ت ١٣٤٩ هـ)، جمع وترتيب إسماعيل بن سعد بن عتيق، نشر دار الهداية، ط. المطابع الأهلية للأوفست، الرياض، ١٤٠٣ هـ.\r٥٥٩ - المخصص لابن سيده: أبي الحسن علي بن إسماعيل الأندلسي، (ت ٤٥٨ هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، ١٣١٦ هـ.\r٥٦٠ - مسائل نافع بن الأزرق: تخريج السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، (ت ٩١١ هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي مع معجم غريب القرآن المستخرج من البخاري، ط. عيسى البابي الحلبي، ط الثانية.\r٥٦١ - المسيحية: لأحمد شلبي، ط. الثامنة، عام ١٩٨٤ م، نشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.\r٥٦٢ - مصنف عبد الرزاق: أبي بكر عبد الرزاق بن همام، (ت ٢١١ هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، ط. المكتب الإسلامي، بيروت.\r٥٦٣ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: لابن حجر العسقلاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\r٥٦٤ - المعجم الوسيط تأليف مجموعة من علماء اللغة المعاصرين برعاية اللغة العربية بمصر، طبع بإشراف عبد السلام هارون نشر دار مجمع إحياء التراث العربي.\r٥٦٥ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: لأبي الحسن الأشعري، (ت ٣٣٠ هـ)، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط. ٢، عام ١٣٨٩ هـ. ٥٦٦ - مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، عام ١٣٩٥ هـ.\r٥٦٧ - المنتقى: لابن الجارود أبي محمد عبد الله بن علي النيسابوري (ت ٣٠٧ هـ)، تحقيق عبد الله هاشم المدني، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة ١٣٨٢ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1049325,"book_id":1098,"shamela_page_id":973,"part":"2","page_num":1000,"sequence_num":973,"body":"٥٦٨ - الموافقات في أصول الشريعة: للشاطبي أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي (ت ٧٩٠ هـ)، بتحقيق محمد عبد الله دراز، ط. المكتبة التجارية الكبرى ط. الثانية، ١٣٩٥ هـ.\r٥٦٩ - المهدي وظهوره: للشاهروردي جواد حسين الحسيني الشيعي \"معاصر\"، نشر مكتبة الإرشاد، الكويت، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r\r(حرف النون)\r٥٧٠ - نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: للحسني عبد الحي بن فخر الدين الندوي، (ت ١٣٤١ هـ)، ط. دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند.\r٥٧١ - النشر في القراءات العشر: لابن الجزري أبي الخير محمد بن محمد، (ت ٨٣٣ هـ)، تصحيح على محمد الضباع، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\r٥٧٢ - نهاية الآمال في صحة شرح حديث عرض الأعمال: للغماري عبد الله بن محمد بن الصديق، ط. عالم الكتب، بيروت، الثانية، ١٤٠٥ هـ.\r٥٧٣ - نهاية الأقدام في علم الكلام: للشهرستاني أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد (ت ٥٤٨ هـ)، تحقيق جيوم، نشر مكتبة المثنى، ببغداد.\r\r(حرف الواو)\r٥٧٤ - الوضع في الحديث: للدكتور عمر بن حسن فلاتة، نشر مكتبة الغزالي، بدمشق، ط. الأولى، عام ١٤٠١ هـ.\r\r(حرف الهاء)\r٥٧٥ - هواتف الجان: للخرائطي محمد بن جعفر بن محمد، (ت ٣٢٧ هـ)، طبع مع رسالتين تحت اسم نوادر الرسائل، بتحقيق إبراهيم صالح، ط. مؤسسة الرسالة الثانية، ١٤٠٧ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}