{"page_id":1050158,"book_id":1102,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":1,"body":"سِلسِلة إصدارات ومَنْشُورات مَرْكَز البَصَائِر للبَحْث العِلْمِي (١١)\r\rالقَوَاعِدُ الكُلِيَّةُ في بَابِ القَدَرِ\rفي ضَوْءِ مَنْهجِ السَّلَفِ\r\rتَألِيفُ\rرَبيع بن أحمَد البيطار\r\rمَركز البَصَائِر للبَحثِ العِلْمِي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050159,"book_id":1102,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":2,"sequence_num":2,"body":"نبذة تعريفية بـ مَركز البَصَائِر للبَحثِ العِلْمِيِّ \rهو مركز للبحث العلمي في الدراسات الإسلامية يعتني بتحقيق كتب التراث، والتأليف، والترجمة، وغير ذلك، بواسطة مجموعة من الباحثين فى العالم الإسلامي، وفق أعلى معايير الجودة العلمية، - مع إتاحة العمل عن بعد من بلادهم -، ثم نشرها بأسعار مناسبة.\r* الأهداف الرئيسية للمشروع: \r١ - تحقيق كتب التراث الإسلامي، بعناية تليق بها، بالإضافة للمؤلفات، والكتب المترجمة.\r٣ - بيع كتب التراث بأسعار مناسبة.\r٤ - إعانة المؤلفين الراغبين في إخراج أعمالهم العلمية مع الاحتفاظ بالحقوق، ومساعدتهم في توزيعها.\r٥ - خدمة كتب التراث، والمشاريع الموسوعية بشكل أكبر لكثرة عدد الباحثين الذين يمكن الإفادة من جهودهم في هذا المجال، - لاستخدام نظام العمل عن بعد - بما يمكن المركز من إخراج أعمال كبيرة لا يتيسر إخراجها في كثير من الجهات العاملة في خدمة الدراسات الإسلامية.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد\rوآله وصحبه أجمعين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050160,"book_id":1102,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":3,"body":"﷽\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\r﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\rأما بعد: فإن الله ﷿ قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بدين قويم لا اعوجاج فيه، ومَنَّ على هذه الأمة بأن أكمله لهم، قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، و\"هذه أكبر نعم الله ﷿ على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حقٌ وصدقٌ لا كذبَ فيه ولا خُلْف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي\" (¬١).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050161,"book_id":1102,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":4,"body":"فما فارق ﷺ الدنيا إلا وقد بيَّن لأمته كل ما تحتاجه في كل باب من أبواب الدين، وقرَّر هذا ﷺ قولًا في مواطن، منها قوله ﷺ: (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (¬١)، وقوله ﷺ: (ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم) (¬٢).\rوقد تقرر هذا الأصل في كلام الصحابة ﵃، ومن ذلك قول سلمان الفارسي ﵃ لما قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟ فقال: \"أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم\" (¬٣)، وقول أبي ذر ﵁: \"تركَنَا رسولُ الله ﷺ وما طائرٌ يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم\" (¬٤).\rوكمال الدين شاملٌ له كله، عقائده وشرائعه.\rومن ذلكم باب القدر، فقد بيَّنه الله ورسوله أعظم البيان، وأوضحاه","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٢٨/ ٣٦٧) ح (١٧١٤٢)، وابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٦) ح (٤٣)، والحاكم (١/ ١٧٥) ح (٣٣١)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٩٣٧).\r(¬٢) أخرجه الطبراني (٢/ ١٥٥) ح (١٦٤٨)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٨٠٣).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٣) ح (٢٦٢).\r(¬٤) أخرجه ابن حبان: كتاب العلم، باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها (١/ ٢٦٧) ح (٦٥)، والطبراني (٢/ ١٥٥) ح (١٦٤٨)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٨٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050162,"book_id":1102,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":5,"body":"غاية الإيضاح، فإنه باب عظيم، \"الإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الإيمان وتمامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان\" (¬١).\rوقد رأيت بعد استشارة واستخارة أن يكون موضوع رسالتي لنيل درجة الماجستير بعنوان:\r\"القواعد الكلية في باب القدر في ضوء منهج السلف\" (¬٢).\r\r* أهمية الموضوع:\rومن كمال هذا الدين أنه جارٍ على أصولٍ مستقيمة وقواعدَ مطَّردة، لا تنخرم ولا يشذ عنها شيء، وهذا من رحمة الله سبحانه بالأمة؛ إذ الإحاطة بكل نصٍ وجزئيةٍ أمرٌ متعذرٌ أو ممتنعٌ، فإذا أمكن وجود أصول عامة تُرَدُّ إليها الجزئيات كان هذا نعمة عظيمة تجعل الأمة في مأمن من الضلال بإذن الله؛ وهذا من وجوه امتنانه سبحانه بإكمال الدين.\rفالعناية بالأصول العامة والقواعد الكلية أمر لا تخفى أهميته، فإنه السبيل إلى ضبط العلم وإحكامه، إذ الجزئيات - كما تقدم - مردُّها إلى أصول، فإذا خفي حكم الجزئية رُدَّت إلى أصلها وأُعطيت حكمه.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ٤٤).\r(¬٢) مع التنبيه على أني أمشي على طريقة المتقدمين في عدم التفريق بين القواعد والضوابط؛ إذ أنَّ أول من عُرف عنه التفريق بين القواعد والضوابط: تاج الدين ابن السبكي ت (٧٧١ هـ)، وتابعه على ذلك الزركشي ت (٧٩٤ هـ)، والسيوطي ت (٩١١ هـ)، وابن نجيم ت (٩٧٠ هـ)، والفتوحي ت (٩٧٢ هـ)، والكفوي ت (١٠٤٩ هـ)، والبناني ت (١١٩٨ هـ) وأغلب المعاصرين. انظر: \"القواعد الفقهية\" للدكتور يعقوب بن عبد الله الباحسين ص (٥٩ - ٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050163,"book_id":1102,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":6,"body":"قال شيخ الإسلام ﵀: \"ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب، لهم ولسائر الأمة فنقول: لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولَّد فساد عظيم\" (¬١).\rوهذا الأمر يتأكد في باب العقائد أكثر من غيره من الأبواب لأمورٍ منها:\rأولًا: أن هذا الباب أجلُّ قدرًا وأعلى منزلةً من غيره.\rثانيًا: أن الخطأ فيه ليس كالخطأ في غيره.\rهذا عمومًا، ولباب القدر أهمية خاصة تكمن فيما يلي:\r١) كونه ركنًا من أركان الإيمان.\r٢) أنه محل عناية عظيمة في نصوص الكتاب والسنة.\r٣) كونه من الأبواب التي اشتد فيها الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم.\r٤) أن له أثرًا كبيرًا ومباشرا في سلوك المسلم في كافة أحواله.\r\r* أسباب اختيار الموضوع:\rاخترت هذا الموضوع لأسباب عدَّة، هي:\r١) ما تقدم من أهميته، فهو موضوع جدير بالعناية به والكتابة فيه.\r٢) جمع القواعد المتعلقة بهذا الباب في كتاب واحد ليسهل الرجوع إليها والاستفادة منها.","footnotes":"(¬١) منهاج السنة (٥/ ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050164,"book_id":1102,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":7,"body":"٣) بيان عقيدة أهل السنة في هذا الباب من خلال شرح هذه القواعد، والرد على المخالفين لهم.\r٤) أن هذا الموضوع لم يفرد بتأليف مستقل.\r٥) الرغبة في الاستفادة الخاصة من البحث.\r\r* الدراسات السابقة:\rلم أقف - فيما اطَّلعت عليه - على مؤلَّف في هذا الموضوع، نحى هذا المنحى نفسه، من جمع القواعد وشرحها، والرد على المخالفين فيها.\rوإنما وقفت على مؤلفات:\r- إما في باب القدر عمومًا، ككتاب: \"القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه\" للشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود، نشرة دار النشر الدولي، (١٤١٤ هـ)، وكتاب: \"الإيمان بالقضاء والقدر\" للشيخ محمد إبراهيم الحمد، نشرة دار ابن خزيمة، الرياض، (١٤١٦ هـ).\r- أو في مسائل جزئية فيه، ككتاب: \"أفعال العباد بين أهل السنة ومخالفيهم\" عبد العزيز بن أحمد الحميدي، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، قسم العقيدة، وكتاب: \"الهدى والضلال: دراسة قرآنية\" أماني عبد الله الطويلي، رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود.\r- أو في جهود إمام من الأئمة في تقريره، ككتاب: \"جهود شيخ الإسلام في توضيح الإيمان بالقدر\" تامر محمد محمود متولي، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية، قسم العقيدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050165,"book_id":1102,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":8,"body":"* خطة البحث:\rسرت في هذا البحث وفق خطة اشتملت على: مقدمة، وتمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة، ثم فهارس فنية.\rالمقدمة: اشتملت على الافتتاحية، وأهمية الموضوع، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهجه.\rالتمهيد: مقدمات مهمة في القدر، وضمنته أربعة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف القدر في اللغة وفي الشرع، والفرق بينه وبين القضاء، وتحته ثلاث مطالب:\rالمطلب الأول: تعريف القدر في اللغة.\rالمطلب الثاني: تعريف القدر في الشرع.\rالمطلب الثالث: الفرق بين القدر والقضاء.\rالمبحث الثاني: منزلة الإيمان بالقدر من الإيمان، والأدلة على وجوبه.\rالمبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقدر.\rالمبحث الرابع: ما ورد في النهي عن الخوض في القدر وتوجيهه.\rالفصل الأول: القواعد العامة المتعلقة بالقدر، وتحته تسعة مباحث:\rالمبحث الأول: \"القدر سِرٌّ حجبه الله عن خلقه، فلا يُتَعَمَّق فيه\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050166,"book_id":1102,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":9,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الثاني: \"الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن لله ﷿ ورسوله ﷺ\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الثالث: \"الإيمان بالقدر متوقف على إثبات العلم لله والكتابة والمشيئة والخلق\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الرابع: \"علم الله سبحانه شامل لكل شيء\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050167,"book_id":1102,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":10,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الخامس: \"علم الظهور لا ينافي علم لله السابق\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث السادس: \"من العلم ما هو سبب في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث السابع: \"ما كتب في اللوح المحفوظ ثابت لا يتغير وما كتب في صحف الملائكة يقع فيه المحو والإثبات\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050168,"book_id":1102,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":11,"body":"المبحث الثامن: \"ما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة وكذلك العكس، وما لا فلا\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث التاسع: \"الفطرة لا تنافي تقدير الشقاوة والضلال\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالفصل الثاني: القواعد المتعلقة بأفعال الله ﷿، وتحته خمسة مباحث:\rالمبحث الأول: \"الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050169,"book_id":1102,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":12,"body":"المبحث الثاني: \"كل ميسر لما خلق له\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الثالث: \"الله سبحانه منزَّه عن الظلم، مع قدرته عليه\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الرابع: \"قدر الله - الذي هو فعله - لا شَرَّ فيه بوجه من الوجوه\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الخامس: \"أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل\"،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050170,"book_id":1102,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":13,"body":"وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالفصل الثالث: القواعد المتعلقة بأفعال العباد، وتحته مبحثان:\rالمبحث الأول: \"العبد له قدرة على فعله وله مشيئة\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الثاني: \"الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050171,"book_id":1102,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":16,"sequence_num":14,"body":"الفصل الرابع: قواعد متعلقة بمسائل متفرقة، وتحته عشرة مباحث:\rالمبحث الأول: \"الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الثاني: \"الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الثالث: \"ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050172,"book_id":1102,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":15,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الرابع: \"الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الخامس: \"للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث السادس: \"الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050173,"book_id":1102,"shamela_page_id":16,"part":"1","page_num":18,"sequence_num":16,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث السابع: \"لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث الثامن: \"لا حجة للعبد في القدر على معاصيه\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث التاسع: \"الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050174,"book_id":1102,"shamela_page_id":17,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":17,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالمبحث العاشر: \"من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك\"، وتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالخاتمة: لخصت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.\rالفهارس: وهي كما يأتي:\r١) فهرس الآيات القرآنية.\r٢) فهرس الأحاديث النبوية.\r٣) فهرس الآثار.\r٤) فهرس الأعلام.\r٥) فهرس الأشعار.\r٦) فهرس الفرق.\r٧) فهرس المصطلحات والكلمات الغريبة.\r٨) فهرس المصادر والمراجع.\r٩) فهرس الموضوعات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050175,"book_id":1102,"shamela_page_id":18,"part":"1","page_num":20,"sequence_num":18,"body":"* منهج البحث:\rاتبعت في هذا البحث المنهج الآتي:\r١) الرجوع إلى المصادر الأصيلة في جمع مادة البحث.\r٢) التقيد بالألفاظ الشرعية.\r٣) الحرص على تدعيم البحث بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم.\r٤) الحرص على استيعاب القواعد في هذا الباب، بذكر كل ما نص عليه أهل العلم أنه قاعدة، باللفظ أو بالمعنى.\r٥) عزو الآيات القرآنية، بذكر اسم السورة ورقمها، مع كتابتها بالرسم العثماني.\r٦) عزو الأحاديث النبوية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه، وإلا عزوته إلى مظانِّه من كتب السُّنة، مع ذكر حكم أهل العلم عليه.\r٧) الترجمة للأعلام غير المشهورين الواردة أسماؤهم في البحث ترجمة موجزة.\r٨) التعريف بالفرق والطوائف والأماكن والبلدان والقبائل، وكل ما يحتاج إلى تعريف.\r٩) شرح المصطلحات العلمية والكلمات الغريبة.\r١٠) الالتزام بعلامات الترقيم، وضبط ما يحتاج لضبط.\r١١) تذييل البحث بفهارس فنِّيَّة تُسهِّل الاستفادة منه، على النحو المبين في الخطة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050176,"book_id":1102,"shamela_page_id":19,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":19,"body":"شكر وتقدير\rأحمد الله سبحانه وأشكره أولًا، إذ هو مولى كل نعمة، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، حمْدَ من حمْدُه نعمةٌ منه تستوجب حمدًا جديدًا، أحمده حمدًا مزيدًا وشكرًا مديدًا.\rثم أثنِّي بالشكر لوالدي الكريمين، ممتثلًا أمر الرب سبحانه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وفقهما الله لكل خير، وصرف عنهما كل شر، وختم لهما بالصالحات من الأعمال.\rثم أشكر شكرًا كبيرًا شيخي الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي، الذي تفضَّل بالإشراف على هذه الرسالة - وذلك من عظيم مِنَّة الله تعالى عليَّ -، والذي لم يبخل علي بعلم ولا وقت ولا جهد ولا خبرة ولا تجربة، مع ما هو عليه من خلق رفيع وأدب جمٍّ، فجزاه الله عني كل خير، ولست أقول هذا مبالغة ولا تقليدًا، بل هو ما علمته عنه وشاهدته منه.\rكما أشكر القائمين على الجامعة الإسلامية لما يسر الله سبحانه على أيديهم من الانتساب لهذه الجامعة العريقة، ثم ما يسره من إتمام مرحلة الماجستير من الدراسات العليا.\rوأخص بالشكر: كلية الدعوة وأصول الدين، التي أتممت في قسم العقيدة منها هذه المرحلة، ووجدت فيها العون على طلب العلم.\rوليس يفوتني أن أشكر كلية الحديث والدراسات الإسلامية، التي تخرجت منها في المرحلة الجامعية.\rكما أشكر الشيخين الكريمين: الأستاذ الدكتور عبد القادر محمد عطا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050177,"book_id":1102,"shamela_page_id":20,"part":"1","page_num":22,"sequence_num":20,"body":"صوفي، والدكتور صالح بن محمد العقيل، اللذين تفضَّلا مشكورين بمناقشة هذه الرسالة.\rوأشكر أيضًا كل من أعانني على إتمام الرسالة من مشايخي وإخواني، جزاهم الله عني خيرًا، والحمد لله أولًا وآخرًا.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050178,"book_id":1102,"shamela_page_id":21,"part":"1","page_num":23,"sequence_num":21,"body":"التمهيد\rمقدمات مهمة في القدر\rوتحته أربعة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف القدر في اللغة وفي الشرع، والفرق بينه وبين القضاء.\rالمبحث الثاني: منزلة الإيمان بالقدر من الإيمان، والأدلة على وجوبه.\rالمبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقدر.\rالمبحث الرابع: ما ورد في النهي عن الخوض في القدر وتوجيهه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050179,"book_id":1102,"shamela_page_id":22,"part":"1","page_num":25,"sequence_num":22,"body":"المبحث الأول: تعريف القدر في اللغة وفي الشرع، والفرق بينه وبين القضاء\rالمطلب الأول: تعريف القدر في اللغة:\rالقَدَر: مصدر قَدَرَ يَقْدُرُ قَدَرًا، وقد تُسكَّن دالُه، وقَدَرتُ الشيء أَقْدِرُه وأَقْدُرُه، وقدَّرته أُقَدِّره: بمعنى، من التقدير.\rومادة (قَدَرَ) ترجع إلى أصل واحد يدلُّ على مَبْلَغ الشيء وكُنهه ونهايته؛ فالقَدَر: مبلغُ كلِّ شيء (¬١).\rويأتي القدر في اللغة على معان كثيرة منها: موافَقَة الشيء الشيء، وتهيئته، وتدبير الأمر، وقياس الشيء بالشيء، والقضاء، والحكم، والطاقة، والملك، والغنى واليسار والقوة، والعظمة، والشرف، والتزيين، وتحسين الصورة.\rقال الأزهري: \"قال [الليث]: وإذا وافَقَ الشيء الشيء، قلت: جاء قَدَرُه\" (¬٢).\rوقال: \"وقال الليث: قدَّرتُ الشيء، أي: هيَّأته\" (¬٣).\rوقال: \"والتقدير على وجوه من المعاني: أحدِهما: التروِيَة والتفكير في تسوية أمرٍ وتهيئته، والثاني: تقديره بعلاماتٍ تقطِّعه عليها، والثالث: أن تنويَ","footnotes":"(¬١) انظر: مقاييس اللغة (٥/ ٦٢).\r(¬٢) تهذيب اللغة (٩/ ١٨)، مادة: (قدر).\r(¬٣) المصدر السابق (٩/ ٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050180,"book_id":1102,"shamela_page_id":23,"part":"1","page_num":26,"sequence_num":23,"body":"أمرًا بعَقدك؛ تقول: قدَّرتُ أمرَ كذا وكذا، أي: نويته وعقدتُ عليه.\rويقال: قَدّرْتُ لأمر كذا وكذا أقدُرُ له وأقدِرُ له قَدْرًا، إذا نظرتُ فيه ودبَّرتُه وقايَستُه. . . وقال شمِر: يقال: قدَرتُ، أي: هيّأت، وقدَرتُ، أي: أطقْتُ، وقَدَّرْتُ، أي: وقَّتُّ وقدَرتُ: ملكْتُ\" (¬١).\rوقال ابن سيده: \"القَدْر: القضاء والحكم؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]: أي الحكْم\" (¬٢).\rوقال الفيروزآبادي: \"القَدَر محرَّكة: القضاء والحكْم ومَبْلَغ الشيء، ويُضَمُّ كالمقدار والطاقة كالقَدْر فيهما. . . والقَدْر: الغنى واليسار والقوّة\" (¬٣).\rوقال الزَّبيدي: \"والقَدْر: التعظيم، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، أي: ما عظَّموا الله حق تعظيمه. والقَدْر: تدبير الأمر، يقال: قدَرَه يقدِره - بالكسر - أي: دبَّرَه. والقَدْر: قياس الشيء بالشيء يقال: قدَره به قدْرًا، وقدَّره، إذا قاسه. ويقال أيضًا: قَدَرت لأمر كذا أقدِرُ له: بهذا المعنى. . . والقَدْر: الشرف، والعظمة، والتَّزيين، وتحسين الصورة\" (¬٤).\rهذه هي المعاني اللغوية التي ذكرت لكلمة \"القدر\".","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٩/ ٢٤).\r(¬٢) المحكم والمحيط الأعظم (٦/ ١٨٣)، مادة: (قدر)، وابن سيده هو: أبو الحسن، علي بن إسماعيل المرسي الضرير، إمام اللغة وأحد من يضرب بذكائه المثل، ولد بمرسية في شرق الأندلس، من كتبه: \"المخصص\"، و\"المحكم والمحيط الأعظم\"، مات سنة (٤٥٨ هـ).\rانظر: وفيات الأعيان (٣/ ٣٣٠)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٤٤).\r(¬٣) القاموس المحيط (٢/ ١١٢ - ١١٣)، مادة: (قدر).\r(¬٤) تاج العروس (١٣/ ٣٧٤ و ٣٨٠)، مادة: (قدر).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050181,"book_id":1102,"shamela_page_id":24,"part":"1","page_num":27,"sequence_num":24,"body":"المطلب الثاني: تعريف القدر في الشرع:\rتنوعت عبارات أهل العلم في بيان معنى القدر في الشرع.\r- فقال شيخ الإسلام ﵀: \"وهو علم الله وكتابه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه\" (¬١).\r- وقال النووي ﵀: \"ومعناه: أن الله ﵎ قدَّر الأشياء في القِدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها ﷾\" (¬٢).\r- وقال ابن القيم ﵀: \"فإنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته\" (¬٣).\r- وقال ابن كثير ﵀: \"هو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها\" (¬٤).\r- وقال ابن حجر ﵀: \"المراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجَدَ ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدَثٍ صادرٌ عن علمه وقدرته وإرادته\" (¬٥).\r- وقال السَّفاريني ﵀: \"القدر عند السلف: ما سبق به العلم وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد، وأنه ﷿ قدر مقادير الخلائق وما يكون من","footnotes":"(¬١) جامع الرسائل (٢/ ٣٥٥).\r(¬٢) شرح صحيح مسلم (١/ ١٠٩).\r(¬٣) شفاء العليل (٢/ ٧٣٣).\r(¬٤) تفسير ابن كثير (١٣/ ٣٠٤).\r(¬٥) فتح الباري (١/ ١١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050182,"book_id":1102,"shamela_page_id":25,"part":"1","page_num":28,"sequence_num":25,"body":"الأشياء قبل أن تكون في الأزل\" (¬١).\rوهذه التعريفات متقاربة فيما بينها، إلا أن بعضها أشملُ من بعضٍ وأكثرُ دقةً وتفصيلًا، وأشملُها وأدقُها - مع الإيجاز - تعريف شيخ الإسلام ﵀، فإنه اشتمل على مراتب القدر الأربع، مع التنبيه على مطابقة المقضي الواقع بمشيئته ﷾ للعلم السابق والكتابة المتقدمة، وأن المرتبتين الأولتين سابقتان للمقدور، وأن الأخيرتين مقارنتان له (¬٢)، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) لوامع الأنوار (١/ ٣٤٨).\r(¬٢) سيأتي بيان مراتب القدر في مبحث مستقل إن شاء الله.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050183,"book_id":1102,"shamela_page_id":26,"part":"1","page_num":29,"sequence_num":26,"body":"المطلب الثالث: الفرق بن القدر والقضاء:\rقبل بيان الفرق بينهما يحسُن أن يُعرَّف معنى القضاء لغةً.\rفالقضاء: مصدر قَضى يَقْضي قَضَاءً، بالمدِّ ويُقصر؛ وهو في اللغة على ضروب من المعاني؛ كلُّها تَرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامِه، فكل ما أحكم عمله أو أتم أو ختم أو أدي أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضي فقد قضي.\rومن معانيه كذلك: القطع والفصل والصنع والتقدير والحتم والأمر والوصية والعهد (¬١).\rوأما الفرق بينه وبين القدر:\rفقبل تحرير الفرق بينهما لا بد من التنبيه على أمرين:\r١) أن الخلاف في هذه المسألة يسير ولا يترتب عليه كبير أثر.\r٢) أن مجال البحث إنما هو القضاء الكوني القدَري، لا الدِّيني الشرعي.\rقد اختلف أهل العلم في الفرق بينهما على قولين:\rالقول الأول: أنه لا فرق بينهما، أي هما مترادفان، فالقضاء هو القدر، والقدر هو القضاء؛ فإن القدر في اللغة مرجعه إلى مَبْلَغ الشيء وكُنهه ونهايته، والقضاء مرجعه إلى انقطاع الشيء وتمامِه كذلك.\rوأيضًا هما كذلك في لسان الشرع؛ فإن الشارع يستعمل أحدهما مكان الآخر، فقد استعملهما جميعًا في التقدير السابق، كما سيأتي في أدلة القول الثاني.\rوهما كذلك في كلام السلف، ومن ذلك:","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٢١١)، ولسان العرب (٢٠/ ٤٦)، والكليات (٧٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050184,"book_id":1102,"shamela_page_id":27,"part":"1","page_num":30,"sequence_num":27,"body":"- قول الحسن بن علي ﵄: \"قُضي القضاء، وجف القلم، وأمور بقضاء في كتاب قد خلا\" (¬١).\r- قول الحسن البصري ﵀: \"جفَّ القلم، ومضى القضاء، وتمَّ القدر، بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل، وبسعادة من عمل واتقى، وبشقاوة من ظلم واعتدى، وبالولاية من الله ﷿ للمؤمنين، وبالتَّبْرئة من الله ﷿ للمشركين\" (¬٢).\rفهذان الإمامان قد عبَّرا بالقضاء مكان القدر؛ مما يدل على أنه لا فرق بينهما عندهم.\rوأيضًا هما كذلك في لسان الناس؛ فإنهم ما يزالون يقولون: هذا قدر الله، وهذا قضاء الله، وهذا قضاء الله وقدره.\rالقول الثاني: أن بينهما فرقًا، وقد اختلف أصحاب هذا القول في ماهية هذا الفرق، فقال بعضهم: الفرق هو أن القدر سابق على القضاء؛ فالقدر هو ما قدَّره الله ﷿ في الأزل أن يكون على ما سبق به علمه، والقضاء هو وقوع ذلك المقضي على وفق ما قُدِّر سابقًا.\rقال الراغب الأصفهاني ﵀: \"والقضاء من الله أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع\" (¬٣).\rوقال مرعي الكرمي ﵀: \"القدر عبارة عن سبق علم الله تعالى","footnotes":"(¬١) رواه عبد الله في السنة (٢/ ٤٠٥) رقم (٨٨١)، والفريابي (٨٨) رقم (٩٩).\r(¬٢) رواه الفريابي (٨٨) رقم (١٠٠)، وابن بطة (٢/ ١٩٤) رقم (١٧٠٥).\r(¬٣) المفردات (٦٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050185,"book_id":1102,"shamela_page_id":28,"part":"1","page_num":31,"sequence_num":28,"body":"بالمقدور. . . والقضاء عبارة عن خلق الله تعالى لذلك المقدور\" (¬١).\rومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].\rوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣].\rقال ابن كثير ﵀: \"وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وكقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]. أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه؛ ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لخلقه، وهو علمُه الأشياء قبل كونها، وكتابتُه لها قبل برئها\" (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: فرغ من خلقهن سبعَ سمواتٍ في يومين (¬٣).\rوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، أي: فُرِغ منه؛ فأُدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ (¬٤).\rوقيل العكس، أن القضاء سابق على القدر.\rقال الكَفوي ﵀: \"القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي على أعيان الموجودات بأحوالها من الأزل إلى الأبد. . . والقدر هو تفصيل هذا","footnotes":"(¬١) إتحاف ذوي الألباب (ق ٢١/ أ).\r(¬٢) تفسير ابن كثير (١٣/ ٣٠٤).\r(¬٣) تفسير الطبري (٢٠/ ٣٩٢).\r(¬٤) تفسير البغوي (٤/ ٣٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050186,"book_id":1102,"shamela_page_id":29,"part":"1","page_num":32,"sequence_num":29,"body":"الحكم\" (¬١).\rوقال الجُرجَاني ﵀ (¬٢): \"والفرق بين القدر والقضاء: هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها\" (¬٣).\rوقال: \"القدر خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء، والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال\" (¬٤).\rوقال ابن حجر ﵀: \"وقالوا - أي العلماء -: القضاء هو الحكم الكلِّي الإجمالي في الأزل، والقدَر جزئياتُ ذلك الحكم وتفاصيلُه\" (¬٥).\rومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].\rقال ابن عباس ﵄: \" ﴿أَجَلًا﴾: الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: الآخرة\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) الكليات (٧٠٦)، والكَفَوي هو: أبو البقاء، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، من أهل بلدة (كفه) التركية، له كتاب: \"الكليات\"، مات في اسطنبول سنة (١٠٩٤ هـ).\rانظر: الأعلام للزركلي (٢/ ٣٨)، ومعجم المؤلفين (١/ ٤١٨).\r(¬٢) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الحسيني الحنفي، المعروف بالشريف الجرجاني، من كتبه: \"التعريفات\" و\"شرح مواقف الإيجي\"، مات في شيراز سنة (٨١٦ هـ).\rانظر: الضوء اللامع (٥/ ٣٢٨ هـ)، والأعلام (٥/ ٧).\r(¬٣) التعريفات (١٨٠).\r(¬٤) المصدر السابق (١٨١).\r(¬٥) فتح الباري (١١/ ٤٧٧).\r(¬٦) رواه ابن جرير (٩/ ١٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050187,"book_id":1102,"shamela_page_id":30,"part":"1","page_num":33,"sequence_num":30,"body":"وهذا في القدر السابق بلا إشكال، ولذلك قال ابن كثير ﵀ بعد حكاية هذا القول عن ابن عباس وغيرِه: \"وقول الحسن في رواية عنه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: ما بين أن يموت إلى أن يبعث: وهو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص؛ وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام؛ وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة\" (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].\rقال ابن كثير ﵀: \"يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدَّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، أي: مرةً واحدةً فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد\" (¬٢).\rوالأظهر في ذلك والله أعلم أن القضاء والقدر من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت (¬٣)، وهذا هو جواب ما جاء في النصوص من إطلاق القضاء مكان القدر.\rفإذا اجتمعا؛ فيراد بالقدر: التقدير السابق، ويراد بالقضاء: وقوع المقضي على وفق ذلك التقدير.\rومع ذلك فهما متلازمان لا انفكاك لأحدهما عن الآخر.\rقال الخطابي ﵀: \"وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٦/ ٩).\r(¬٢) المصدر السابق (٢/ ٣٩).\r(¬٣) انظر: فتاوى ابن عثيمين (٢/ ٧٩ - ٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050188,"book_id":1102,"shamela_page_id":31,"part":"1","page_num":34,"sequence_num":31,"body":"أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه\" (¬١).","footnotes":"(¬١) معالم السنن (٤/ ٣٢٣)، وانظر: النهاية في غريب الأثر (٤/ ٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050189,"book_id":1102,"shamela_page_id":32,"part":"1","page_num":35,"sequence_num":32,"body":"المبحث الثاني: منزلة الإيمان بالقدر من الإيمان، والأدلة على وجوبه\rالإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، وأصلٌ عظيمٌ من أصوله التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، كما في حديث جبريل ﵇ الطويل وفيه: قال فأخبرني عن الإيمان. قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقَدَر خيره وشره) (¬١).\rوقد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ثبوت القدر ووجوب الإيمان به.\rفمن أدلة الكتاب:\r- قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].\rقال القرطبي ﵀: \"أي قدَّر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، لا عن سهوٍ وغفلةٍ، بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة وبعد القيامة، فهو الخالق المقدِّر\" (¬٢).\r- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣].","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾ (١/ ٣٦)، ح (٨).\r(¬٢) تفسير القرطبي (١٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050190,"book_id":1102,"shamela_page_id":33,"part":"1","page_num":36,"sequence_num":33,"body":"قال ابن كثير ﵀: \"وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه\" (¬١).\r- وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].\rقال ابن جرير ﵀: \"يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدَّرناه وقضيناه\" (¬٢).\rوسبق قول ابن كثير ﵀: \"وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وكقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]. أي: قدَّر قدرًا، وهدى الخلائق إليه؛ ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لخلقه، وهو علمُه الأشياء قبل كونها، وكتابتُه لها قبل برئها\" (¬٣).\rإلى غير ذلك من الآيات الكريمات.\rومن أدلة السنة:\r- حديث جبريل المتقدم (¬٤).\r- حديث جابر ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣٢٢).\r(¬٢) تفسير الطبري (٢٢/ ١٦٠).\r(¬٣) تفسير ابن كثير (١٣/ ٣٠٤).\r(¬٤) ص (١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050191,"book_id":1102,"shamela_page_id":34,"part":"1","page_num":37,"sequence_num":34,"body":"أخطأه لم يكن ليصيبه) (¬١).\r- حديث علي ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع؛ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر) (¬٢).\r- حديث أبي الدرداء ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: (لكل شيء حقيقة؛ وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبه) (¬٣).\r- حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة\". يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من مات على غير هذا فليس مني) (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه الترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره، (٤/ ٢٢) ح (٢١٤٤)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٢٤٣٩).\r(¬٢) رواه الترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره، (٤/ ٢٢ - ٢٣) ح (٢١٤٥)، وابن ماجه: المقدمة، باب في القدر، (١/ ١٠٥) ح (٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٧٥٨٤).\r(¬٣) رواه أحمد: (٤٥/ ٤٨٢) ح (٢٧٤٩٠)، والبزار: (١٠/ ٤٥) ح (٤١٠٧)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٣٠١٩).\r(¬٤) رواه أبو داود: كتاب السنة، باب في القدر (٥/ ٥٢) ح (٤٧٠٠)، والترمذي أبواب القدر، =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050192,"book_id":1102,"shamela_page_id":35,"part":"1","page_num":38,"sequence_num":35,"body":"- عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشِيت أن يُفسِد عليَّ ديني وأمري، فأتيت أُبَيَّ بن كعب ﵁ فقلت: أبا المنذر! إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشِيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أُحُد ذهبًا أو مثل جبل أُحُد تنفقه في سبيل الله ما قُبِل منك حتى تؤمن بالقدر؛ فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن متَّ على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أُبَيٌّ، وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة.\rفأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قال، وقال: ائت زيد بن ثابت فاسأله.\rفأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أُحُد ذهبًا أو مثل جبل أُحُد تنفقه في سبيل الله ما قبِله منك حتى تؤمن بالقدر كله؛ فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار) (¬١).","footnotes":"= باب، (٤/ ٢٩) ح (٢١٥٥)، وصححه الألباني في الصحيحة تحت ح (٢٤٣٩).\r(¬١) رواه أبو داود: كتاب السنة، باب في القدر (٥/ ٥١) ح (٤٦٩٩)، وابن ماجه: المقدمة، باب في القدر، (١/ ١٠٠ - ١٠١) ح (٧٧)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050193,"book_id":1102,"shamela_page_id":36,"part":"1","page_num":39,"sequence_num":36,"body":"إلى غير ذلك من الأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر، وأما الأحاديث في إثبات القدر عمومًا فكثيرة جدًا (¬١)، وكذا الآيات والأحاديث الخاصة بكل مرتبة من مراتب القدر، بل كل دليل على التوحيد فهو دليل على القَدَر؛ قال ابن القيم ﵀: \"وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد؛ قال ابن عباس ﵄: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبُه التوحيدَ (¬٢) \" (¬٣).\rوذلك أن الإيمان بالقدر له مساسٌ بأقسام التوحيد الثلاثة (¬٤)، فـ \"من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه\" (¬٥).\rوأما الإجماع:\rفقد حكاه غير واحد من أهل العلم؛ ومنهم:\r- اللالكائي ﵀، فقد قال - بعد حكاية قصة عمر ﵁ مع الجاثَليق (¬٦) مستدلًّا بها على الإجماع وفي آخرها: \"فتفرق الناس وما يختلف في","footnotes":"(¬١) انظر: العواصم والقواصم (٦/ ٢١٢) وما بعدها.\r(¬٢) سيأتي تخريجه ص (٤١).\r(¬٣) شفاء العليل (١/ ٢٢٨)، وقد قال ﵀ في تهذيب السنن (٤/ ٢١٣٦): \"وقد نظرت في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية؛ فإذا هي تقارب خمسمائة دليل\".\r(¬٤) انظر: القول المفيد (٢/ ٤٢٩).\r(¬٥) طريق الهجرتين (١/ ١٧٩).\r(¬٦) الجاثَلِيق: بفتح الثَّاء المثلَّثة؛ رئيس للنصارى في بلاد الإسلام بمدينة السلام، ويكون تحت =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050194,"book_id":1102,"shamela_page_id":37,"part":"1","page_num":40,"sequence_num":37,"body":"القدر اثنان\" - قال: \"فإن كان في الدنيا إجماع بانتشار من غير إنكار فهو في هذه المسألة، فمن خالف قوله فيها فهو معاند مشاقق يلحق به الوعيد، وهو داخل تحت قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] \" (¬١).\r- النووي ﵀، قال: \"وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله ﷾\" (¬٢).\r- وقال شيخ الإسلام: \"أهل السنة متفقون على إثبات القدر وأن الله على كل شيء قدير\" (¬٣).\r- ابن حجر ﵀، قال: \"ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى\" (¬٤).\rوأما آثار السلف في هذا فكثيرة أيضًا، ومنها:\r- أثر علي ﵁ قال: \"إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غير ظانّ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن","footnotes":"= يد بِطريق أنطاكية، ثم المَطران تحت يده، ثم الأَسْقُف يكون في كل بلد من تحت المَطران ثم القسِّيس ثم الشَّماس. القاموس المحيط (٣/ ٢١٠ - ٢١١).\r(¬١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٧٢٥ - ٧٢٦).\r(¬٢) شرح صحيح مسلم (١/ ١١٠).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٨).\r(¬٤) فتح الباري (١١/ ٤٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050195,"book_id":1102,"shamela_page_id":38,"part":"1","page_num":41,"sequence_num":38,"body":"ليصيبه، ويؤمن بالقدر كله\" (¬١).\r- أثر ابن مسعود ﵁ قال: \"لن يجد رجل طعم الإيمان - ووضع يده على فيه - حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث\" (¬٢).\r- أثر ابن عباس ﵄ قال: \"القدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله ﷿ وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحَّد الله تعالى وكذب بالقدر نقضَ التوحيد\" (¬٣).\r- أثر الحسن ﵀ قال: \"من كفر بالقدر فقد كفر بالإسلام\" (¬٤).\r- أثر زيد بن أسلم ﵀ قال: \"القدر قدرة الله، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله ﷿\" (¬٥).\r- أثر مالك ﵀ قال: \"ما أضل من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] لكفى بها حجة\" (¬٦).\rوالحاصل أن الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف ﵃.","footnotes":"(¬١) رواه ابن بطة (٢/ ٥٨) رقم (١٤٥٩)، واللالكائي (٤/ ٧٣٨) رقم (١٢١٤).\r(¬٢) رواه عبد الرزاق (١١/ ١١٨) رقم (٢٠٠٨١).\r(¬٣) رواه الفريابي (١٤٣) رقم (٢٠٥)، وعبد الله في السنة (٢/ ٤٢٢) رقم (٩٢٥).\r(¬٤) رواه الفريابي (١٨٨) رقم (٢٩٥)، وعبد الله في السنة (٢/ ٤٢٥) رقم (٩٣٤).\r(¬٥) رواه الفريابي (١٤٤) رقم (٢٠٧)، وابن بطة (٢/ ٢٢٢) رقم (١٨٠٥).\r(¬٦) رواه الفريابي (١٨٦) رقم (٢٩٠)، وابن بطة (١/ ٢٨٠) رقم (١٣٠٢)، و (٢/ ٢٥٦) رقم (١٨٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050196,"book_id":1102,"shamela_page_id":39,"part":"1","page_num":43,"sequence_num":39,"body":"المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقدر\rللإيمان بالقدر ثمراتٌ جليلةٌ، تعود على المؤمن بأعظم المنافع، وأكبر المكاسب.\rويمكن تقسيمها إلى قسمين:\rالأول: ثمرات أخروية؛ هي غاية مطلوب المؤمِن، وأسمى مقاصده.\rالثاني: ثمرات دنيوية؛ هي من عاجل ثواب الله للمؤمن، وكلتاهما محف فضل الله ومنته ﷾.\rأما الثمرات الأخروية: فهي الفوز برضا الله ﷿، ودخول جنته، ولذَّة النَّظر إلى وجهه الكريم، وهذه ثمرة تتحصَّل - بإذن الله - من الإيمان بالأركان السِّتة مجتمعة؛ التي منها الإيمان بالقدر.\rوأما الثمرات الدنيوية فكثيرة جدًا، ومنها:\r١) تحقيق صحة الإيمان، لأن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق إلا بها - كما تقدم -.\r٢) تحقيق العبودية لله ﷾ والاجتهاد في طاعته، يدلُّ على ذلك:\rما رواه جابر ﵁ أن سُرَاقة بن جُعشُم ﵁ قال: يا رسول الله! أخبرنا عن أمرنا كأنا ننظر إليه؛ أبما جرَت به الأقلام وثبتت به المقادير، أو بما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050197,"book_id":1102,"shamela_page_id":40,"part":"1","page_num":44,"sequence_num":40,"body":"يستأنف؟ قال: (لا بل بما جرَت به الأقلام وثبَتَت به المقادير). قال: ففيمَ العمل إذًا؟ قال: (اعملوا فكل ميسر).\rقال سُرَاقة ﵁: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن (¬١).\rبيان ذلك: أن المقدور إنما يُنال بالسَّبب الذي نصَبَه الله ﷿ ليوصَل به إليه، فإذا أتى العبد بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبَق له في أم الكتاب، وكلما زاد اجتهاده في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، وهذا يدل على جلالة فقه الصحابة، ودِقَّة أفهامهم، وصحَّة علومهم (¬٢).\rوما رواه أبو نعامة السعدي قال: \"كنا عند أبي عثمان النَّهدي، فحمدنا الله تعالى وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا منِّي بآخره، فقال: ثَبَّتَك الله! كنا عند سلمان فحمدنا الله تعالى وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره، قال سلمان: ثَبَّتَك الله تعالى، إن الله تعالى لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج ما هو كائن إلى يوم القيامة، خلق الذكر والأنثى، والشقاوة والسعادة، والأرزاق والآجال والألوان، فَمِن عَلَم السعادة فعلُ الخير ومجالسُ الخير، ومن عَلَم الشقاوة فعلُ الشر ومجالسُ الشر\" (¬٣).\rقال ابن القيم ﵀: \"وذلك لأنه إذا كان قد سبَق له من الله سابقة وهيَّأه ويسَّره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظمَ من فرحه بالأسباب التي تأتي بها، فإنها سبَقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها","footnotes":"(¬١) رواه ابن حبان: كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها، (٢/ ٤٩) ح (٣٣٧)، وأصله - بدون جملة سراقة الأخيرة - عند مسلم ح (٢٦٤٨).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (١/ ١١٩ - ١٢٠).\r(¬٣) رواه الفريابي (٦٠) رقم (٥١)، وابن بطة (٢/ ١٦٩) رقم (١٦٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050198,"book_id":1102,"shamela_page_id":41,"part":"1","page_num":45,"sequence_num":41,"body":"الله وشاءها وكتبها وقدرها، وهيَّأ له أسبابها لتوصله إليها، فالأمر كله من فضله وَجوده السابق فسبَق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها، فالمؤمن أشد فرحًا بذلك من كون أمره مجعولًا إليه\" (¬١).\r٣) تحقيق التوكل على الله ﷾ والاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضارِّ، إذ يوْقِن المؤمن بالقدر بأنه ﷾ مقدِّر الأسباب والمسبَّبات.\r٤) تحقيق شكر الله ﷿ وعدم الإعجاب بالنفس عند حصول المطلوب، لأنه إنما حصل بتوفيق الله ﷾ وفضله بما يسَّره ووفَّق له من أسباب ذلك المراد، كما قال ﷿ عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، أي: الحمد لله الذي وفَّقنا للعمل الذي أَكسَبَنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنَّا، وما كنا لنرشُد لذلك لولا أن أرشَدَنا الله له ووفَّقنا بمنِّه وطَوْله (¬٢).\r٥) دوام انشراح الصدر وطمأنينة القلب في كل حال يكون عليها المرء، سرَّاءَ كانت أم ضراء، فالمؤمن بالقدر في السَّراء شاكر، وفي الضراء صابر، كما بَيَّن ذلك النَّبيُّ ﷺ بقوله: (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأَحَد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبَر فكان خيرًا له) (¬٣).","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ١٢١).\r(¬٢) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٢٠٠).\r(¬٣) رواه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، (٤/ ٢٢٩٥)، ح (٢٩٩٩). عن صهيب ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050199,"book_id":1102,"shamela_page_id":42,"part":"1","page_num":46,"sequence_num":42,"body":"٦) تسلية النفس وعدم القلق والضَّجر عند فوات المراد أو وقوع المكروه، لأن ذلك إنما كان بقضاء الله وقدره (¬١)، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة ﵀: \"هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسَلِّم\" (¬٢).\rإلى غير ذلك من الثمرات النافعة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها، إنه خير مسؤول.","footnotes":"(¬١) انظر: الإبانة (٢/ ٢٥٠).\r(¬٢) رواه البيهقي: كتاب الجنائز، باب الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى به من الصبر والاسترجاع (٤/ ٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050200,"book_id":1102,"shamela_page_id":43,"part":"1","page_num":47,"sequence_num":43,"body":"المبحث الرابع: ما ورد في النهي عن الخوض في القدر وتوجيهه\rجاء النهي عن الخوض في القدر في عدة أحاديث مرفوعة، منها:\r- حديث أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقِئ في وجنتيه الرُّمَّان، فقال: (أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه) (¬١).\r- حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفْقَأ في وجهه حبُّ الرُّمَّان من الغضب، فقال: (بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض! بهذا هلكت الأمم قبلكم) قال فقال عبد الله بن عمرو ﵄: ما غَبَطْت نفسي بمجلس تخلَّفت فيه عن رسول الله ﷺ ما غَبَطْت نفسي بذلك المجلس وتخلُّفي عنه (¬٢).\r- حديث ثَوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا ذُكِر أصحابي","footnotes":"(¬١) رواه الترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر (٤/ ١١) ح (٢١٣٣)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ح (٢١٣٣).\r(¬٢) رواه ابن ماجه: المقدمة، باب في القدر، (١/ ١٠٧) ح (٨٥)، وقال الألباني: \"حسن صحيح\": صحيح ابن ماجه ح (٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050201,"book_id":1102,"shamela_page_id":44,"part":"1","page_num":48,"sequence_num":44,"body":"فأمسكوا، وإذا ذُكِرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذُكِر القدَر فأمسكوا) (¬١).\r- حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزال أمر هذه الأمة موائمًا أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر) (¬٢).\r- حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أُخِّر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة) (¬٣).\rفهذه الأحاديث وما جاء في معناها يُفهم من ظاهرها النهي عن الكلام في القدر، وهذا مشكلٌ لأمور:\rالأول: أن القدر باب من أبواب العلم الشرعي الذي تُطلب المعرفة به وجوبًا أو استحبابًا، بل هو من أجلِّ أبوابه، فكيف يُنهى عن تعلُّمه؟\rالثاني: أنه قد جاء في كثير من النصوص بيان كثير من مسائل القدر، تارة تقريرًا للمعتقد الحق، وأخرى ردًا على المخالفين.\rالثالث: أن الصحابة ﵃ سألوا النبي ﷺ عن القدر، وخاضوا في معرفته وفي وجوب الإيمان به، فلم يزجرهم عن ذلك القدر، ولم","footnotes":"(¬١) رواه الطبراني (٢/ ٩٦) ح (١٤٢٧)، ورواه بلفظه أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁ (١٠/ ٢٤٣) ح (١٠٤٤٨)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٣٤).\r(¬٢) رواه ابن حبان: كتاب التاريخ، باب إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث (١٥/ ١١٨) ح (٦٧٢٤)، والحاكم (١/ ٣٣)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٥١٥).\r(¬٣) رواه الحاكم (٢/ ٤٧٣)، وابن أبي عاصم (١/ ٢٥١) ح (٣٥٩)، وحسنه الألباني في الصحيحة ح (١١٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050202,"book_id":1102,"shamela_page_id":45,"part":"1","page_num":49,"sequence_num":45,"body":"يترك الجواب عليهم بالقدر الواجب على بيان ذلك (¬١).\rالرابع: أن الصحابة ﵃ الذين هم أفهم الناس لمراد الرسول ﷺ قد بيَّنوا هذا الباب للتابعين وأزالوا عنهم الشُّبَه فيه، كما تقدم في قصة ابن الديلمي (¬٢).\rالخامس: أن النبي ﷺ قد أخبر في نصوص كثيرة بافتراق أمته، بل رويت عنه ﷺ نصوص خاصة في خروج من يكذِّب بالقدر وذمِّهم والتحذير منهم (¬٣)، وهذا يقتضي البحث في مسائل القدر لأن الرد عليهم واجب، ولا يتم إلا بذلك.\rلذا؛ فقد وجَّه أهل العلم ما ورد في الأحاديث السابقة من نهي بعدة توجيهات:\rالأول: أن النهي محمول على الكلام في القدر بغير علم؛ بل بالظنون والتخرُّصات، وهذا - عدا كونه مفضيًا إلى التنازع والضلال - أمر محرم كما لا يخفى.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"إذ الخوض في ذلك [أي: القدر ومجامعته للشرع] بغير علم تام أوجب ضلال عامة الأمم ولهذا نهى النبي ﷺ","footnotes":"(¬١) انظر: العواصم والقواصم (٦/ ١٧٦).\r(¬٢) انظر ص (٣٨).\r(¬٣) عقد الأئمة أبوابًا خاصة لما ورد من الأحاديث في ذم المكذبين بالقدر، انظر: السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٢٩ - ٢٤٧) ح (٣٣٠ - ٣٥٤)، والشريعة (٢/ ٨٠١ - ٨١٤) ح (٣٨١ - ٣٩٥)، الإبانة (٢/ ٩٥ - ١٢٣) ح (١٥٠٩ - ١٥٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050203,"book_id":1102,"shamela_page_id":46,"part":"1","page_num":50,"sequence_num":46,"body":"أصحابه عن التنازع فيه\" (¬١).\rوقال ﵀: \"وتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بيَّنه الله ورسوله مأمور به، وهو الذي ينبغي للإنسان طلبه، وأما الكلام بلا علم فيذم، ومن تكلم بما يخالف الكتاب والسنة فقد تكلم بلا علم، وقد تكلم بما يظنه علمًا إما برأي رآه، وإما بنقل بلغه ويكون كلامًا بلا علم\" (¬٢).\rالثاني: أن النهي محمول على ضرب النصوص بعضها ببعض، ومعارضة حق بحق، فإن ذلك يقتضي التكذيب بأحد الحقين أو الاشتباه والحيرة، والواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق.\rويشهد لهذا: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ المتقدم، وفي لفظ آخر: أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي ﷺ، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ، فخرج كأنما فُقئ في وجهه حب الرمان، فقال: \"بهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ها هنا في شيء، انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا\" (¬٣) (¬٤).\rالثالث: أن النهي محمول على التنازع المفضي إلى التفرق والفتنة، ويشهد لهذا","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٧).\r(¬٢) درء التعارض (٨/ ٤٠٨).\r(¬٣) رواه بهذا اللفظ: أحمد (١١/ ٤٣٤) ح (٦٨٤٥ و ٦٨٤٦)، وابن أبي عاصم (١/ ٢٨٩) ح (٤١٥).\r(¬٤) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050204,"book_id":1102,"shamela_page_id":47,"part":"1","page_num":51,"sequence_num":47,"body":"حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه) (¬١).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وقد كرِه النبي ﷺ من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق؛ فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان. . .\" (¬٢).\rالرابع: أن النهي محمول في طائفة من تلك الأحاديث على مجاراة المبتدعة في القدر، والكلام فيه على أصولهم، على وجه يؤدي إلى إثارة الشر والشك، كأن يقال: كيف خلق الله المعاصي ونهى عنها وعذَّب عليها؟\rويشهد لذلك: حديث أبي هريرة ﵁ المتقدِّم: (أُخِّر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة) (¬٣) (¬٤).\rالخامس: أن النهي محمول على التألِّي على الله ﷿ والتكلف في تعيين قدره بغير وحي منه، كأن يقال: يغفر الله لفلان ولا يغفر لفلان، ويرزق الله فلانًا ولا يرزق فلانًا، ونحو ذلك (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب كراهية الخلاف (٩/ ١١١) ح (٧٣٦٥)، ومسلم: كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه والنهي عن الخلاف (٤/ ٢٠٥٣) ح (٢٦٦٧).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٧١).\r(¬٣) انظر ص (٤٨).\r(¬٤) انظر: العواصم والقواصم (٦/ ١٧٦ و ١٧٨)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ١٤٢)، وأقاويل الثقات (٢١٢)، وإكمال المعلم (٨/ ١٣٥).\r(¬٥) انظر: حز الغلاصم (١/ ١٢١ - ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050205,"book_id":1102,"shamela_page_id":48,"part":"1","page_num":52,"sequence_num":48,"body":"السادس: أن النهي محمول على تكلُّف البحث عما طوى الله عنا علمه ولم يخاطبنا به (¬١)، كتكلُّف البحث في تعليل أفعال الله ﷾، وكونه أحيا وأمات، وأضل وهدى، ونحو ذلك، قال شيخ الإسلام في تائيته (¬٢):\rوأصل ضلال الخلق من كل فرقة … هو الخوض في فعل الإله بعلةِ\rفإنهمُ لم يفهموا حكمة له … فصاروا على نوع من الجاهليةِ\rويدل عليه قوله ﷺ: (أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟) (¬٣).\rالسابع: أن النهي محمول على من ليس من أهل العلم بهذا الشأن، فلا يؤمن على من هذا حاله أن ينحرف إذا خاض فيه (¬٤).\rوالذي يظهر - والله أعلم - أنه لا تنافيَ بين هذه الأقوال، ولا مانع من حمل النهي عليها جميعًا.\rوأما الخوض في القدر بحق على جهة التعلم والتعرُّف لما جاءت به الشريعة، ثم الإيمان به بعد معرفته على الوجه المشروع؛ فإن هذا لم ينهَ عنه الشرع (¬٥)؛ بل هو مطلوب مأمور به؛ لأن ما يبحثه أهل العلم - من أهل السنة والجماعة - في هذا الباب مستفاد من نصوص الكتاب والسنة؛ وعليه فالبحث فيه هو من جملة تدبر النصوص والتَّفقُّه فيها؛ ولا ينازع أحد في مشروعية ذلك.","footnotes":"(¬١) انظر: العواصم والقواصم (٦/ ١٧٨).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٤٦).\r(¬٣) تقدم هذا اللفظ من حديث أبي هريرة ﵁ ص (٤٧)، وتقدم نحوه من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا ص (٤٧) و (٥٠).\r(¬٤) انظر: إكمال المعلم (٨/ ١٣٥).\r(¬٥) انظر: العواصم والقواصم (٦/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050206,"book_id":1102,"shamela_page_id":49,"part":"1","page_num":53,"sequence_num":49,"body":"قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨].\rوكذا تعلمه ردًا على المخالفين ودفعًا لشبهاتهم.\rويؤيد ما سبق - مع ما تقدم إيراده على ما يُفهم من ظاهر أحاديث النهي -:\r- أثر ابن عباس ﵄ في خروج عمر ﵁ إلى الشام؛ وفيه: \"فنادى عمر في الناس: إني مُصَبِّح على ظهر فأصبِحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدَر الله؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نفِرُّ من قدَر الله إلى قدَر الله. أرأيت لو كانت لك إبِل هبطت واديًا له عُدْوَتان؛ إحداهما خَصِبة، والأخرى جَدْبة أليس إن رعيت الخَصِبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجَدْبة رعيتها بقدر الله؟ \" (¬١).\rفأنكر أبو عبيدة على عمر ﵄ إرادته الانصراف رغبة في نجاته ومن معه من المسلمين محتجًّا عليه بأن الوباء لا يصيب إلا من قدَّر الله ﷿ أن يصيبه، وأنه لا ينجو منه من قدَّر له أن لا يصيبه، وأجاب عمر ﵁ بأن انصرافه ليس هروبًا مما قد قُدِّر عليه، وإنما رجوعًا عما يخاف أن يكون قد قُدِّر عليه من الوباء إن وصل، إلى ما يرجو أن يكون قد قُدِّر له من السلامة إن رجع (¬٢).\rفهذه المناظرة بينهما في القدر والأسباب دليل على جواز ذلك، ولهذا قال ابن عبد البر ﵀: \"وفيه دليل على إثبات المناظرة والمجادلة عند الخلاف في","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الطب، باب ما يُذكر في الطاعون (٧/ ١٣٠) ح (٧٥٢٩)، ومسلم: كتاب الطب، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (٤/ ١٧٤٠) ح (٢٢١٩).\r(¬٢) انظر: المنتقى شرح موطأ مالك (٩/ ٢٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050207,"book_id":1102,"shamela_page_id":50,"part":"1","page_num":54,"sequence_num":50,"body":"النوازل والأحكام، ألا ترى إلى قول أبي عبيدة لعمر رحمهما الله تعالى: تفر من قدر الله؟ فقال: نعم أفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، ثم قال له: أرأيت، فقايسه وناظره بما يشبه في مسألته\" (¬١).\r- ويدل عليه كذلك: ما رواه مسلم عن أبي الأسود الدِّئَلي قال: \"قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم، قال فقال: أفلا يكون ظلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا وقلت كل شيء خلق الله وملك يده، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزُر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ\". . . الحديث (¬٢).\rففي هذا الحديث يناظر عمران ﵁ أبا الأسود ﵀ في هذا الباب ليعلمه، وليمتحن عقله وفهمه.\rقال القاضي عياض ﵀: \"وفيه جواز كلام أهل العلم في هذا الباب، وتحاججهم ومناظرتهم لإظهار الحجج، لا للجدل، والمراد المغالبة (¬٣) \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) التمهيد (٨/ ٣٦٨).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٤١) ح (٢٦٥٠).\r(¬٣) كذا في المطبوع، ولعل الصواب: \"ومراد المغالبة\".\r(¬٤) إكمال المعلم (٨/ ١٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050208,"book_id":1102,"shamela_page_id":51,"part":"1","page_num":55,"sequence_num":51,"body":"- ويدل عليه كذلك: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى؛ فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي ﷺ: فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى) (¬١).\rقال ابن عبد البر ﵀: \"في هذا الحديث من الفقه إثبات الحِجاج والمناظرة، وإباحة ذلك إذا كان طلبًا للحق وظهوره\" (¬٢).\rومع ذلك فلا بد للباحث في هذا الباب من تقديم النية الحسنة واستحضار الإخلاص لله ﷾، وأن يكون القصد من البحث الوصول إلى الحق، مع التمسك الشَّديد بأصول أهل السنة والجماعة في الاستدلال، والحذر من القول على الله بغير علم.\rوهذا وإن كان مطلوبًا من الباحث في كل ما يدرسه من مسائل الاعتقاد إلا أنه في هذا الباب أشد تأكدًا.\rومن نفيس كلام ابن الوزير ﵀ قولُه - بعد أن تعرض لهذه المسألة ووجَّه ما ورد فيها من النهي -: \"ولا خفاء على العاقل أن الخوض في هذه اللُّجَّة التي هابها فضلاء العقلاء لا يكون إلا مصحوبًا بحسن النية، وشدة الرغبة إلى الله في الهداية، والتوقف على القول بغير دراية، والفكر الطويل،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله (٨/ ١٢٦) ح (٦٦١٤)، ومسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٢) ح (٢٦٥٢).\r(¬٢) التمهيد (١٨/ ١٤)، وانظر: العواصم والقواصم (٦/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050209,"book_id":1102,"shamela_page_id":52,"part":"1","page_num":56,"sequence_num":52,"body":"وتحري الإنصاف، والجمع بين أطراف الكلام التي يظهر تنافيها وتطَلُّب المحامل الحسنة، وعدم المؤاخذة بظاهر العبارة متى دلت القرينة على صحة المراد فيها، فإنها مسألة صعبة تقصر فيها العبارات الطويلة، فكيف بالإشارات الخفيَّة\" (¬١).\rوبهذا يتبين أن ما جاء في النصوص من النهي عن الخوض في القدر ليس على إطلاقه، وإنما هو محمول على أحوال وأوصاف خاصة، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) العواصم والقواصم (٦/ ١٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050210,"book_id":1102,"shamela_page_id":53,"part":"1","page_num":57,"sequence_num":53,"body":"الفصل الأول: القواعد العامة المتعلقة بالقدر\rوتحته تسعة مباحث:\rالمبحث الأول: \"القدر سِرّ حجبه الله عن خلقه، فلا يُتَعَمَّق فيه\".\rالمبحث الثاني: \"الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن الله ﷿ ورسوله ﷺ\".\rالمبحث الثالث: \"الإيمان بالقدر متوقف على إثبات العلم لله والكتابة والمشيئة والخلق\".\rالمبحث الرابع: \"علم الله سبحانه شامل لكل شيء\".\rالمبحث الخامس: \"علم الظهور لا ينافي علم الله السابق\".\rالمبحث السادس: \"من العلم ما هو سبب في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك\".\rالمبحث السابع: \"ما كتب في اللوح المحفوظ ثابت لا يتغير وما كتب في صحف الملائكة يقع فيه المحو والإثبات\".\rالمبحث الثامن: \"ما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة وكذلك العكس، وما لا فلا\".\rالمبحث التاسع: \"الفطرة لا تنافي تقدير الشقاوة والضلال\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050211,"book_id":1102,"shamela_page_id":54,"part":"1","page_num":59,"sequence_num":54,"body":"المبحث الأول: \"القدر سِرّ حجبه الله عن خلقه، فلا يُتَعَمَّق فيه\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050212,"book_id":1102,"shamela_page_id":55,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":55,"body":"المبحث الأول: \"القدر سِرٌّ حجبه الله عن خلقه، فلا يُتَعَمَّق فيه\"\rمضى في المبحث السابق - آخر مباحث التمهيد - إشارة إلى بعض ما يتعلق بهذه القاعدة كوجه من الوجوه التي يحمل عليها ما ورد في النهي عن الخوض في القدر (¬١)، وفي هذا المبحث أتعرض لدراسة هذا الأمر بصفته قاعدة مستقلةً من القواعد في باب القدر.\rوكان البدء بهذه القاعدة المهمة والتي تليها لأنه لا بد للباحث من استصحابهما معه في دراسته لكل مسائل القدر.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rجاءت هذه القاعدة مقرَّرة في كلام السلف بنحو هذه الألفاظ.\rفعن علي ﵁ أنه قال لمن سأله عن القدر: \"سِرّ الله فلا تكَلَّفه\" (¬٢).\rوعن طاووس ﵀ أنه قال لرجل: \"إن القدر سِرّ الله فلا تدخلن فيه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر ص (٤٧) وما بعدها.\r(¬٢) رواه الآجري (٢/ ٨٤٤) رقم (٤٢٢)، وابن بطة (٢/ ١٤٠) رقم (١٥٨٣)، واللالكائي (٤/ ٦٩٥) رقم (١١٢٢).\r(¬٣) رواه الآجري (٢/ ٩٤٠) رقم (٥٣٥)، وابن بطة (٢/ ٣١٣) رقم (١٩٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050213,"book_id":1102,"shamela_page_id":56,"part":"1","page_num":62,"sequence_num":56,"body":"بل قد رُوِي هذا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، فرُوي من حديث ابن عمر ﵄، ولفظه: (لا تكلَّموا بشيء من القدر فإنه سِرّ الله، فلا تفشو سِرّ الله)، ولكنه ضعيف (¬١).\rومن حديث أنس بن مالك ﵁، ولفظه: (لا تُفشوا في الكلام - يعني القدر - فإنه سِرّ الله)، وهو ضعيف أيضًا (¬٢).\rومن حديث عائشة ﵂، ولفظه: (القدر سِرّ الله، من تكلم به يسأله عنه يوم القيامة ومن لم يتكلم به لم يسأل عنه)، وهو ضعيف كذلك (¬٣).\rوهذا المعنى - وهو كون القدر سِرّ الله فلا يُتَعمَّق فيه - معنى صحيح، تتابع أهل العلم عليه سواء بهذا اللفظ أو بما يقاربه من المعاني.\rقال عليُّ بن المدِيني ﵀ (¬٤): \"والكلام في القدر وغيره من السنة","footnotes":"(¬١) رواه اللالكائي (٤/ ٦٩٥) رقم (١١٢٢)، وأبو نعيم (٦/ ١٨٢)، وضعفه العراقي في المغني (٢/ ١١٢٥) ح (٤٠٧٢)، لكنه عزاه لابن عدي من حديث ابن عمر ﵄، وهو عنده من حديث عائشة ﵂، انظر الكامل (٧/ ١٩١)، وضعفه كذلك الألباني في ضعيف الجامع ح (٤١٣١).\r(¬٢) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٦٧٥ - ٦٧٦) وحكم عليه بالوضع؛ قال بعد سياقه له ولحديث آخر من طريق محمد بن عبد بن عامر التميمي: \"وهذان الحديثان لا أصل لهما عند ذوي المعرفة بالنقل - فيما نعلمه - وقد وضعهما محمد بن عبد إسنادًا ومتنًا\".\r(¬٣) رواه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٩١)، وضعفه العراقي في المغني (٢/ ١١٢٥) ح (٤٠٧٢) - كما تقدم - وانظر: فيض القدير (٤/ ٥٣٤).\r(¬٤) هو: الشيخ الإمام الحجة، أمير المؤمنين في الحديث، أبو الحسن، علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد السعدي، مولاهم البصري، المعروف بابن المديني، مولى عروة بن عطية السعدي، أحد أئمة الحديث فِي عصره، والمقدم على حُفَّاظ وقته، =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050214,"book_id":1102,"shamela_page_id":57,"part":"1","page_num":63,"sequence_num":57,"body":"مكروه، ولا يكون صاحبه - وإن أصاب السنة بكلامه - من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم ويؤمن بالإيمان\" (¬١).\rوقال الطحاوي ﵀: \"وأصل القدر سِرّ الله تعالى في خلقه، لم يَطَّلع على ذلك ملَك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك، نظرًا وفكرًا ووسوسةً، فإن الله تعالى طوَى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه؛ كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب؛ كان من الكافرين\" (¬٢).\rوقال البربهاري ﵀: \"والكلام والجدل والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق لأن القدر سِرّ الله\" (¬٣).\rوقال الآجري ﵀: \"لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث عن القدر؛ لأن القدر سر من سر الله ﷿، بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به\" (¬٤).\rوقال أبو المظَفَّر السَّمعاني ﵀: \"القدر سِرّ من سِرّ الله وعلم من","footnotes":"= ولد بالبصرة سنة (١٦١ هـ)، وتوفي بسر من رأى سنة (٢٣٤ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤٢١)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤١).\r(¬١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٨٦).\r(¬٢) العقيدة الطحاوية مع الشرح (١/ ٣٢٠).\r(¬٣) شرح السنة له (٨٠).\r(¬٤) الشريعة (٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050215,"book_id":1102,"shamela_page_id":58,"part":"1","page_num":64,"sequence_num":58,"body":"علمه، ضربت دونه الأستار، وكُفَّت عليه الأزرار، واختص الله به علام الغيوب\" (¬١).\rوقال البغوي ﵀: \"والقدر سر من أسرار الله لم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يُعتقد أن الله ﷾ خلق الخلق فجعلهم فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلًا، وأهل شمال خلقهم للجحيم عدلًا\" (¬٢).\rفهؤلاء الأئمة أطلقوا هذه الكلمة أصلًا كُلِّيًا في باب القدر، مُنَزَّلًا منزلة الدليل على وجوب ترك الخوض فيه - على ما سبق توجيهه - (¬٣) والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٠)، وأبو المظفر هو: الإمام العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني المروزي الحنفي ثم الشافعي، ولد سنة (٤٢٦ هـ)، كان شوكًا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة، من كتبه: \"الانتصار لأصحاب الحديث\"، و\"المنهاج لأهل السنة\" مات سنة (٤٨٩ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٤)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٣٣٥).\r(¬٢) شرح السنة له (١/ ١٤٤).\r(¬٣) انظر: ما تقدم ص (٤٩) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050216,"book_id":1102,"shamela_page_id":59,"part":"1","page_num":65,"sequence_num":59,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rيمكن تقسيم الأدلة على هذه القاعدة إلى قسمين: عامة وخاصة.\rأما الخاصة: فقد سبق في المبحث الرابع من التمهيد سياق ما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة والكلام عليها بما أغنى عن إعادته هنا (¬١).\rوأما العامة: فهي الآيات والأحاديث الواردة في النهي عن الخوض فيما لا علم للإنسان به، ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].\rقال محمد الأمين الشنقيطي ﵀: \"نهى جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم. . . ويدخل فيه كل قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم\" (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\rقال السعدي ﵀: \"في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها، لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتَّجَرِّي على الله، والاستطالة على عباد الله، وتغيير دين الله وشرعه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٤٧ - ٤٨).\r(¬٢) أضواء البيان (٣/ ٦٨٢).\r(¬٣) تفسير السعدي (٢/ ٥٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050217,"book_id":1102,"shamela_page_id":60,"part":"1","page_num":66,"sequence_num":60,"body":"وأولى ما يدخل في ذلك الكلام في أصول الدين عمومًا بغير علم، وفي القدر على وجه الخصوص لارتباطه الوثيق بأقسام التوحيد الثلاثة، وللنهي الوارد فيه على وجه الخصوص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050218,"book_id":1102,"shamela_page_id":61,"part":"1","page_num":67,"sequence_num":61,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة تقرر أصلًا مهمًّا وهو النهيُ عن التكلف والتعمق في باب القدر، وتركُ إعمال العقل فيه بمعزل عن نصوص الشرع.\rوتضمنت أيضًا التنبيه على أن الطمع مقطوع عن إدراك حقيقته، لأن الله أخفاها عنا، فلا سبيل لنا لمعرفتها وقد أخفاها الله ﷿.\rومعنى كون القدر سِرّ الله: أي الجانب الخفي منه هو السِّر لا كله، إذ القدر له جانبان:\rالجانب الأول: جانب ظاهر أمرنا بتعلمه ومعرفته، وهو ما خوطبنا به في الشرع إيمانًا به؛ علمًا وعملًا، وهو أن نعلم ونؤمن أن الأمور كلها بتقدير الله ﷾ وأن الله سبحانه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه كتب كل شيء في اللوح المحفوظ وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته ﷾، وأنه ﷿ خالق كل شيء وربه ومليكه.\rونعلم كذلك سائر المسائل المندرجة تحت هذه الأصول؛ كأن نعلم أن الخير والشر من الله، وأن الطاعة والمعصية بقضاء الله وقدره وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا علمهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، ووفقهم لأعمال صالحة رضيها؛ أمرهم بها فوفَّقهم لها وأعانهم عليها وشكرهم بها وأثابهم الجنة عليها، تفضُّلًا منه ورحمة، وخلق النار وخلق لها أهلًا، أحصاهم عددًا، وعلم ما يكون منهم، وقدَّر عليهم ما كرهه لهم، خذلهم بها وعذبهم لأجلها، غير ظالم لهم ولا هم معذورون فيما حكم عليهم به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050219,"book_id":1102,"shamela_page_id":62,"part":"1","page_num":68,"sequence_num":62,"body":"فكل هذا وأشباهه من علم القدر الذي لزم الخلق علمه والإيمان به، والتسليم لأمر الله وحكمه وقضائه وقدره، فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.\rالجانب الثاني: جانب خَفِيٌّ أمرنا بالإيمان به والتسليم لله فيه، وعدم الخوض فيه نظرًا وفكرًا ووسوسةً.\rفهذا الجانب مما اختص به سبحانه ولم يطلع عليه أحدًا، لا ملَكًا مقرَّبًا ولا نبيًا مرسَلًا (¬١).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ولهذا قال بعض علماء السلف: (إن الله علم علمًا علَّمه العباد، وعلم علمًا لم يعلِّمه العباد، وإن القدر من العلم الذي لم يعلمه العباد) (¬٢)، ورووا في قصة سؤال موسى وعيسى وعزير ربنا ﵎ عن سِرّ القدر، وأنه لو أراد أن يُطاع لأطيع، وقد أمر أن يطاع وهو مع ذلك يُعصى.\rومضمون السؤال لو أردت هذا لكان واقعا لأنك قادر عليه، فما شئت كان وما لم تشأ لم يكن، ثم قد أمرت به والأمر يستلزم محبته وطلبه، فهلا كان المحبوب المطلوب قد أُريد وقوعه، فأوحى الله تعالى إليهم: أن هذا سِرّي فلا تسألوني عن سِرّي، وأن المسيح قال للحواريين: القدر سِرّ الله فلا تكلَّفوه (¬٣) \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: الإبانة (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧).\r(¬٢) رواه بنحوه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٥) رقم (١٨٠٤) بسنده عن رجل من فقهاء أهل المدينة.\r(¬٣) رواه الطبراني (١٠/ ٣١٧ - ٣١٨) ح (١٠٦٠٦)، من حديث ابن عباس ﵁.\r(¬٤) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٧ - ٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050220,"book_id":1102,"shamela_page_id":63,"part":"1","page_num":69,"sequence_num":63,"body":"والخوض في كُنْه حقيقته خوض في كُنْه حقيقة صفات الله ﷾؛ لأن مبناه على صفات الله: العلم والمشيئة والخلق والحكمة وغيرها.\rفإذا لم يمكنا الاطلاع على علم الله ﷾ ومشيئته وخلقه وحكمته فكيف يمكننا الاطلاع على القدر؟\rقال علي بن المديني ﵀: \"وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: العلم والقدر والكتاب سواء، ثم عرضت كلام عبد الرحمن هذا على يحيى بن سعيد فقال: لم يبقَ بعد هذا قليل ولا كثير\" (¬١).\rوهذا كلام متين جدًا، يظهر فيه ما اختص الله ﷾ به السلف من مزيد الفهم وعمق العلم وكثرة البركة في الكلام، فهذه الثلاثة من باب واحد، فإذا امتنع العلم بعلم الله وكتابته امتنع العلم بالقدر، لأن القدر مبناه عليهما - مع صفات أُخَر -.\rوقال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلامه السابق -: \"والمقصود التنبيه على أن العقول تعجز عن إدراك كُنْه الغاية المقصودة بالأفعال، كما تعجز عن كُنْه إدراك حقيقة الفاعل\" (¬٢).\rوالبحث في هذا الجانب هو البحث في تعليل أفعال الله ﷾ على التفصيل، أي تكلف البحث عن العلة فيما يقدره الله ﷾، وكونه أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيى، وأضل وهدى (¬٣)، ونحو ذلك.","footnotes":"(¬١) التمهيد (٦/ ٦٧).\r(¬٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٨).\r(¬٣) انظر: شرح الطحاوية (١/ ٣٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050221,"book_id":1102,"shamela_page_id":64,"part":"1","page_num":70,"sequence_num":64,"body":"ويدخل تحت هذا: الخوض في مسائل القدر الأخرى، كمسألة خلق الأفعال، والإرادة، والتحسين والتقبيح ونحوها، ومن هنا يعلم أن سائر المخالفين لأهل السنة في القدر خائضون في القدر الخوض المنهي عنه.\rولهذا الخوض صور، منها:\rأولًا: ضرب النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بعضها ببعض، وتفسيرها بمعزل عن النصوص الأخرى المفسرة لها، وعن فهم السلف، والأصول الثابتة المقررة عند أهل العلم، فيأتي الخائض فينتزع آية من كتاب الله أو جملة من حديث النبي ﷺ بدون النظر فيما يفسرها من سياق أو نص آخر ونحو ذلك، ثم يصادم بها أصلًا شرعيًّا، أو معنى صحيحًا.\rثانيًا: إعمال الأقيسة العقلية الفاسدة في فهم هذا الباب، وتقديمها على النصوص وفهم السلف، كمنطق اليونان.\rوإنما الواجب في هذا الباب وغيره: الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ﵏، كما قال السمعاني ﵀: \"سبيل معرفة هذا الباب: التوقيف من قبل الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد المعقول، فمن عدل عن التوقيف في هذا الباب؛ ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا وصل إلى ما يطمئن به القلب\" (¬١).\rقال ابن رجب ﵀: \"والنهي عن الخوض في القدر يكون على وجوه منها: ضرب كتاب الله بعضه ببعض فينزع المثبت للقدر بآية والنافي له بأخرى. ويقع التجادل في ذلك. . .","footnotes":"(¬١) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050222,"book_id":1102,"shamela_page_id":65,"part":"1","page_num":71,"sequence_num":65,"body":"ومنها الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا بالأقيسة العقلية: كقول القدرية لو قدر وقضى ثم عذب كان ظالمًا، وقول من خالفهم إن اللهَ جبر العباد على أفعالهم ونحو ذلك\" (¬١).\rومعنى التعمُّق: التنطُّع والتكلُّف، والمُتَعَمِّق: المُبالِغ في الأمر المتشَدِّد فيه، الذي يطلب أقصى غايته (¬٢).\rوالتعمق في هذا الجانب والخوض فيه كان السبب في ضلال من ضل في هذا الباب وانحرافه، قال شيخ الإسلام ﵀ في تائيته في القدر (¬٣):\rوأصل ضلال الخلق من كل فرقة … هو الخوض في فعل الإله بعلةِ\rفإنهمُ لم يفهموا حكمة له … فصاروا على نوع من الجاهليةِ\rفأصل ضلال الفرق جميعها هو طلبهم للعلة في أفعال الله سبحانه؛ لِمَ خلق كذا، ولِمَ يخلق كذا؟ ولمَ أفقر فلانًا، وأغنى فلانًا؟ ونحو ذلك.\rوقال الزهري ﵀: \"القدر رياض الزندقة؛ فمن دخل فيه هَمْلَج (¬٤) \" (¬٥).\rوالخوض في القدر - مع كونه منهيًّا عنه - لا يُجدي على صاحبه شيئًا، بل لا يزيده إلا ضلالًا وتحيُّرًا وتهوُّكًا.","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على الخلف (١٦ - ١٧).\r(¬٢) انظر: النهاية (٣/ ٢٩٩)، تاج العروس (١/ ١١٧).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٤٦).\r(¬٤) الهَمْلَجَة: حُسْن السير في سرعَة وبَخْتَرَة، انظر: تهذيب اللغة (٦/ ٥١٤)، ولسان العرب (٣/ ٢١٧)، مادة: (هَمْلَج).\r(¬٥) رواه اللالكائي (٤/ ٧٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050223,"book_id":1102,"shamela_page_id":66,"part":"1","page_num":72,"sequence_num":66,"body":"قال ابن بطة ﵀: \"والناظر فيه [أي الجانب الخفي] كالناظر في عين الشمس؛ كلما ازداد فيه نظرًا ازداد فيه تحيُّرًا، ومن العلم بكيفيتها بُعدًا\" (¬١).\rوقال ابن عبد البر ﵀: \"والقدر سِرّ الله، لا يُدرك بجدال، ولا يشفى منه مقال، والحِجَاج فيه مُرتَجة، لا يفتح شيء منها إلا بكسرِ شيء وغَلقه، وقد تظاهرت الآثار وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار، بالاستسلام والانقياد والإقرار بأن علم الله سابق، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] \" (¬٢).\rوهو كذلك سوء أدب مع الله ﷾ وجرأة عليه، إذ كيف يليق بالمخلوق الضعيف القاصر في علمه وحكمته أن يتطَلَّب ما اختص به الرب الكامل في ذاته وصفاته؟!\rوهو كذلك انشغال عن المأمور به إلى أمر نُهي عنه.\rقال المناوي ﵀: \"وطلب سِرّ الله تعالى منهي عنه، لما فيه من سوء الأَرَب وعدم الأدب، والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سِرّ ما لا يجوز سِرّه\" (¬٣).\rثم ليُعلم أن جَعْل الله سبحانه هذا الجانب سرًّا هو رحمة منه ﷾ بعباده ولطف بهم، ليستقيم لهم التكليف، ولئلَّا يفتتنوا ويفتروا عن العمل، ويتكلوا على مصير الأمر في العاقبة؛ فيكونوا بين أمن أو قنوط، فرحمهم الله،","footnotes":"(¬١) الإبانة (١/ ٢٤٧).\r(¬٢) التمهيد (٦/ ١٣ - ١٤)، وانظر: (٣/ ١٣٩ - ١٤٠) منه.\r(¬٣) فيض القدير (٤/ ٥٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050224,"book_id":1102,"shamela_page_id":67,"part":"1","page_num":73,"sequence_num":67,"body":"وعلَّقهم بين الخوف والرجاء ليمتحنهم، وليميز خبيثهم من طيبهم، ولله الحجة البالغة (¬١).\rولهذا قال بعض أهل العلم: سِرّ الله ينكشف للخلائق إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها (¬٢).\rوالحاصل أن للقدر جانبًا خفيًّا اختص الله بعلمه، فلا يجوز لنا البحث عنه ولا الخوض فيه، وهذا هو محل القاعدة وموضوعها، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣١)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٢٠٠).\r(¬٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٤٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050225,"book_id":1102,"shamela_page_id":68,"part":"1","page_num":74,"sequence_num":68,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rهذه القاعدة - كما تقدم - أصل عظيم من الأصول التي يجب القيام بها حتى يستقيم الاعتقاد الحق في باب القدر، وهذه القاعدة مبناها على مسألة الحكمة؛ إذ الخوض في القدر هو البحث في تعليل أفعال الله، فمن أثبت الحكمة وآزر هذا الإثبات بالعمل بمقتضى هذه القاعدة نجا وأفلح، ومن خاض في القدر فقد ركب المحظور، فإذا انضم إلى ذلك نفي الحكمة والتعليل فهي الحالقة.\rولم يجتمع هذان الأصلان إلا لأهل السنة والجماعة بخاصة، وأما سواهم فهم مخالفون فيهما بين مستقل ومستكثر.\rولما كانت مخالفتهم جميعًا من نفس الباب، وهو الخوض في القدر؛ فسأعرض وجه مخالفة كل طائفة، ثم أتبع ذلك برد عام عليهم.\rفقد خاض الأَشَاعرة (¬١) في القدر، وتشعبت بهم الطرق في باب الحكمة والتعليل، وخلصوا إلى إنكار حكمة الله سبحانه، وأنه تعالى يفعل لمحض","footnotes":"(¬١) الأشاعرة هم: فرقة من فرق أهل الكلام، تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري في طوره الثاني لما انتحل قول ابن كلاب، من أشهر عقائدهم: نفي الصفات إلا صفات سبع، فهم معطلة جهمية، والقول بالإرجاء، والقول بالجبر، وهم في جملة مقالاتهم يتذبذبون بين المعتزلة وأهل السنة، وهم أقرب فرق الضلال إلى أهل السنة وليسو منهم، تطور المذهب الأشعري بعد أبي الحسن وانحرف عن جادة الصواب أكثر، ومن روَّاد هذا الانحراف: الجويني والرازي، فأُدخل عليه أشياء محدَثة، كتقديم العقل على النقل، ومذهب الأشاعرة متذبذب مضطرب.\rانظر جملة من عقائدهم في: الملل والنحل (١/ ١٠٦)، وانظر بحثًا عن نشأتهم وعقيدتهم في: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ٤٣٧) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050226,"book_id":1102,"shamela_page_id":69,"part":"1","page_num":75,"sequence_num":69,"body":"المشيئة وصرف الإرادة، وأنكروا الأسباب، وبناءً على هذا أنكروا ثبوت صفات في الأفعال بها تحسُن وتقبُح، وجوزوا أن يأمر الله ﷾ بالكفر والشرك والفسوق وأنواع المخالفات، وأن ينهى عن الإيمان والتوحيد وصنوف الطاعات، وهذا مبني عندهم أيضًا على إنكار ما دلت عليه النصوص من انقسام الإرادة إلى كونية وشرعية (¬١).\rوخاض المعْتَزلة (¬٢) ومن وافقهم في القدر بالباطل، وكان من ثمار هذا الخوض أن أنكروا أن تكون لله سبحانه حكم يرجع إليه منها وصف ويشتق له منها اسم، بل لم يثبتوا إلا حكمة مخلوقة منفصلة عنه سبحانه، وقالوا باستحقاق المكلفين للثواب والمدح على فعل ما حسن في العقل، واستحقاقهم للذم والعقاب على فعل ما قبح في العقل ولو لم يرد بذلك نص.\rثم وقعوا نتيجة خوضهم هذا فيما هو أشد، إذ قاسوا الله سبحانه بخلقه، فأوجبوا اللطف والصلاح والأصلح ونحو ذلك، فاجتمع فيهم نوعان من الخوض المحرم:\r- الخوض في أفعال الله سبحانه في التعليل.","footnotes":"(¬١) سيأتي الكلام على هذه المسائل في مواضعها من البحث بعون الله.\r(¬٢) هم أصحاب واصل بن عطاء الغزال الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، من عقائدهم: القول بالقدر، ونفي الصفات والقول بأن أسماء الله أعلام محضة، والقول بخلق القرآن، والقول بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، والقول بتخليد عصاة الموحدين في النار، والقول بالخروج على الأئمة، مُضَمَّنة تحت أصول خمسة هي: العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم فرق كثيرة. انظر: التنبيه والرد (٣٦)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، والفرق بين الفرق (١٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050227,"book_id":1102,"shamela_page_id":70,"part":"1","page_num":76,"sequence_num":70,"body":"- قياس أفعال الله سبحانه على أفعال خلقه، فيحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم، فالمعتزلة مشبهة في الأفعال جهمية في الصفات (¬١).\rوهذا النوع الثاني وقع فيه الأشاعرة أيضًا، فإنهم ما جوزوا أمر الله بالقبيح ونهيه عن الحسن إلا لما انقدحت في أنفسهم مقالة المعتزلة، فأخذت من نفوسهم مأخذًا، فهرعوا إلى إنكارها، على طريقتهم في مقابلة المعتزلة بالضد، فهما طرفا نقيض في هذا الباب.\rوخاض الصُّوْفية (¬٢) هذا الخوض المحرم، وكان من ثمراته عليهم أن أخذوا من معين الأشاعرة نفسه، وهو معين الجَهْم بن صَفْوان (¬٣) الذي غلا في","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٥)، وحادي الأرواح (١/ ٢٤)، وسيأتي الكلام على هذه المسائل في مواضعها من البحث بإذن الله.\r(¬٢) الصوفية: نسبة إلى الصوف، وهي الآن فرقة من الفرق المخالفة لطريقة السلف، من أبرز وجوه هذه المخالفة: جعلهم توحيد الربوبية غاية السالكين، مع قولهم إن الأولياء يملكون تصرفًا في الكون، والغلو في المشايخ، وتقديس القبور والأضرحة، والدعاء والاستغاثة بغير الله، وتجويزهم رؤية الله سبحانه في الدنيا، ورفعهم الأولياء فوق الأنبياء، وفريق منهم قال بالقدر، ولم يسلم أحد منهم من مخالفة في القدر، وهم فرق؛ وهم دركات؛ فمنهم القريب إلى أهل السنة ومنهم الغلاة كابن سبعين وابن عربي.\rانظر نشأتهم وأطوارهم وحكاية عقائدهم في: موقف ابن تيمية من الصوفية، لمحمد العريفي (١/ ٢١٥) وما بعدها.\r(¬٣) هو: أبو محرز، الجهم بن صفوان الراسبي مولاهم السمرقندي، أسُّ الضلالة ورأس الجهمية، قيل: إن سلَم بن أحوز قتله سنة (١٢٨ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦)، ولسان الميزان (٢/ ٥٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050228,"book_id":1102,"shamela_page_id":71,"part":"1","page_num":77,"sequence_num":71,"body":"الجبر فزعم أن العبد مجبور على فعله، وهو كالريشة في مهب الريح، وأنكر الحكمة، بل هو أول من أنكرهها، وزعم أن المشيئة هي عين الإرادة، فكل ما شاءه فقد أحبه.\rوستأتي حكاية مذاهب المخالفين لأهل السنة في كل مسألة من هذه المسائل في محلها من البحث إن شاء الله، وإنما المقصود التنبيه على أن الخوض المحرم في القدر جرَّهم إلى مقالات باطلة ومذاهب منحرفة عن مراد الله والرسول؛ فها هنا أمران أصل وفرع، فالأصل هو الخوض المحرم، والفرع هو آحاد تلك المسائل.\rوأما الرد على هذا الأصل وبيان بطلانه فمن وجوه:\rأولها: أن الأدلة من الكتاب والسنة دلت - كما تقدم - على أن الخوضَ في القدر على هذا النحو محرمٌ.\rالثاني: أن أقوال السلف من الصحابة والتابعين - كما تقدم أيضًا - دلت على حرمة هذا الخوض أيضًا، فاجتمع الكتاب والسنة مع فهم السلف على ذلك، فماذا بعد ذلك من حجة.\rالثالث: أن الخوض في القدر على هذا النحو هو خوض فيما ليس للعقل فيه مدخل، وما ليس للعقل فيه مدخل، ولا للشرع فيه مدخل؛ فالطرق إليه مسدودة، والخوض فيه تهوُّر وتهوُّك.\rالرابع: أن انخرام مذهبكم في القدر كله وكذا في أبواب أخرى من الدين إنما كان بسبب هذا الخوض المحرم، في حين أن من سلم منه سلم له مذهبه واطرد، فهذا يدل على بطلان هذا الخوض، إذ هذا فرع عن ذاك كما تقدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050229,"book_id":1102,"shamela_page_id":72,"part":"1","page_num":79,"sequence_num":72,"body":"المبحث الثاني: \"الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن الله ﷿ ورسوله ﷺ -\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050230,"book_id":1102,"shamela_page_id":73,"part":"1","page_num":81,"sequence_num":73,"body":"المبحث الثاني: \"الكلام في القدر نفيًا وإثباتًا موقوف على الخبر عن الله ﷿ ورسوله ﷺ\"\rهذه القاعدة تمثل منهجًا مؤصَّلًا للكلام في باب القدر، وأنه ليس بالظنون والتخرُّصات؛ بل إنما يتلقى من مشكاة الوحي المبين، ومن كلام رسوله الأمين ﷺ.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال الإمام ابن القيم ﵀: \"ولما كان الكلام في هذا الباب [يريد باب القدر]- نفيًا وإثباتًا - موقوفًا على الخبر عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره؛ كان أسعد الناس بالصواب فيه من تلقَّى ذلك من مشكاة الوحي المبين، ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهَوِّكين، وتشكيكات المتكلِّمين، وتكلُّفات المتنطِّعين، واستمطر دِيَم الهداية من كلمات أعلم الخلق برب العالمين؛ فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفَتْ وشفَتْ وجمعَتْ وفرَّقَتْ وأوضحَتْ وبيَّنَتْ وحلَّتْ محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن\" (¬١).","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ٤٥ - ٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050231,"book_id":1102,"shamela_page_id":74,"part":"1","page_num":82,"sequence_num":74,"body":"وكون الكلام في القدر موقوفًا على نص الشارع أمرٌ متقررٌ عند أهل العلم من أهل السنة والجماعة.\rقال أبو المظفَّر السمعاني: \"قد ذكرنا أن سبيل معرفة هذا الباب [أي باب القدر] التوقيف من قبل الكتاب والسنة؛ دون محض القياس ومجرد المعقول، فمن عدَل عن التوقيف في هذا الباب؛ ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا وصل إلى ما يطمئن به القلب\" (¬١).\rفتوقيف هذا الباب هو أصل كُلِّي يستصحبه الناظر فيه حتى يكون - بإذن الله - في مأمن من الضلال والقول فيه بغير علم.","footnotes":"(¬١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050232,"book_id":1102,"shamela_page_id":75,"part":"1","page_num":83,"sequence_num":75,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الأدلة العامة على النهي عن القول والجدال في الدين بغير علم، وكذا الأدلة على وجوب اتباع ما جاء به النبي ﷺ دون غيره.\rفمن أدلة النوع الأول:\r- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].\rقال ابن كثير ﵀: \"ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلَّل شيئًا مما حرَّم الله، أو حرَّم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه\" (¬١).\r- وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩].\rفنهى ﷾ عباده عن اتباع خطوات الشيطان، مبينًا لهم أن من مكائده في إغوائهم أن يأمرهم بالقول على الله بغير علم، فدل على تحريمه.\rقال ابن كثير ﵀: \"أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا\" (¬٢).\r- وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨].","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٨/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\r(¬٢) المصدر السابق (٢/ ١٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050233,"book_id":1102,"shamela_page_id":76,"part":"1","page_num":84,"sequence_num":76,"body":"يخبر ﷾ في هذه الآية عن حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبدع؛ أنهم يخاصمون في الدين بلا عقل صحيح، ولا نقل صحيح صريح، بل بمجرد الرأي والهوى (¬١)، وهذا على سبيل الذم لهم.\rويدل كذلك لما نحن بصدده - دلالة أظهر - ما تقدم من قوله ﷾: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\rوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (¬٢).\rومما لا شك فيه أن أولى ما يدخل في النهي عن القول بغير علم الكلام في مسائل الاعتقاد، ومن أولى ذلك الكلام في القدر لأمور:\rالأول: النهي الخاص عن الخوض فيه كما تقدم.\rالثاني: الارتباط الوثيق بين باب القدر وسائر أبواب الاعتقاد الأخرى، وكذلك الارتباط بين الشرع والقدر.\rالثالث: خطورة باب القدر؛ فالزلل فيه هُوَّة عميقة ضلَّ فيها خلق لا يحصيهم إلا الله ﷾، وهذا دليل واقعي على أن الخوض فيه بلا مستند من الوحي لا يؤدي إلى خير؛ ينضم إلى الأدلة الشرعية في النهي عن ذلك.\rوقد تقدم شيء من هذا لكن اقتضى المقام إعادة الكلام فيه، وبالله التوفيق.","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (١٠/ ١٩ - ٢٠).\r(¬٢) انظر ص (٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050234,"book_id":1102,"shamela_page_id":77,"part":"1","page_num":85,"sequence_num":77,"body":"ومن أدلة النوع الثاني:\r- قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].\rقال السعدي ﵀: \"وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعيَّن على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحِل مخالفته، وأن نصَّ الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله\" (¬١).\r- وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].\rعن ابن عباس ﵄ قال: \"لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة\" (¬٢).\rويدخل في هذا: الآيات التي فيها الأمر برَدِّ النزاع إلى الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].\rوقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\rويدخل في هذا كله: الكلام في القدر؛ يحرُم الخروج فيه عما جاء به النبي ﷺ، وكذلك يجب رد النِّزاع فيه إلى الله ورسوله، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) تفسير السعدي (٤/ ١٨٠٣).\r(¬٢) رواه ابن جرير (٢١/ ٣٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050235,"book_id":1102,"shamela_page_id":78,"part":"1","page_num":86,"sequence_num":78,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالقدر - كما تقدم - باب من أبواب الدين التي يطلب العلم بها وجوبًا أو استحبابًا، وهو داخل في ضمن ما أُمرنا بتدبره وتفهمه، كما قال ﷾: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\rبل العلم به من أشرف العلوم وأجلِّها، لأن الإيمان به ركن من أركان الإيمان، ولأنه يسلك مسائل الدين كلها ولا انفكاك له عنها.\rفإذا تبيَّنَت أهميته وتقرَّرت مشروعية البحث فيه؛ فلا بد إذن من وجود منهج يسلكه الباحث ليأمن غوائل الضلال فيه، وليجتنب ما يجرُّه إلى الخوض فيما نُهي عن الخوض فيه.\rوهذه القاعدة هي لبيان هذا المنهج - أو لبيان الأهم فيه - وهي تركز على بيان مصدر التلقي والاستدلال، ووجوب الوقوف على النص وعدم تجاوزه.\rومعنى الكلام في القدر: أي البحث فيه ودراسته وبيان مسائله، ومحاججة الخصوم فيه؛ أي: تقريرًا وردًا.\rوفي القدر: أي الجانب الظاهر منه الذي يجوز لنا البحث فيه؛ لا الجانب الخفي الذي نُهينا عن الخوض فيه.\rنفيًا وإثباتًا: أي سواء كان الكلام في إثبات مسألة أو نفيها، فالإثبات محتاج إلى الدليل وكذا النفي.\rوهذه الكلمة إنما هي للتأكيد على المراد، وإلا فواضح أن الإثبات والنفي هنا من نفس الباب؛ كلاهما متوقف على الدليل.\rمتوقف على الخبر عن الله ﷿ ورسوله ﷺ: أي لا تثبت مسألة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050236,"book_id":1102,"shamela_page_id":79,"part":"1","page_num":87,"sequence_num":79,"body":"من مسائله إلا بالدليل الصحيح من كتاب الله وسنة النبي ﷺ، فلا يَصلُح أن يستدل في هذا الباب - ولا في غيره من أبواب الدين - بالرأي المجرد والأهواء والظنون.\rوالدليل الصحيح يتضمن شيئين:\rالأول: صحة الدليل من جهة النقل؛ فكما يُمنع الاستدلال بالرأي المجرد والهوى؛ فكذلك يُمنع الاستدلال بما لم يثبُت من الأحاديث.\rالثاني: صحة الاستدلال، فلربما صح الدليل نقلًا، ولكن الاستدلال به غير صحيح.\rومن الآثار عن السلف في توقيف باب القدر:\r- قول طاووس ﵀: \"اجتنبوا الكلام في القدر؛ فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم\" (¬١).\rفقوله ﵀: \"اجتنبوا الكلام في القدر\": أي الكلام بمجرد الرأي بلا علم، لأنه علل ذلك بعدُ بقوله: \"فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم\"، ومراده: لا تكونوا كالذين يتكلمون في القدر بظنون وأوهام، لأن الكلام فيه لا يجوز إلا بعلم.\r- قول القاسم بن محمد ﵀ لما مرَّ بقوم يذكرون القدر -: \"تكلموا فيما سمعتم الله ذَكَر في كتابه، وكُفُّوا عما كّفَّ الله عنه\" (¬٢).\rومقصوده - والله أعلم - أن الواجب ألا يتكلم أحد في القدر من عنده،","footnotes":"(¬١) رواه ابن بطة (٢/ ٢١٤)، رقم (١٧٧٤).\r(¬٢) رواه الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٦٧)، رقم (٨٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050237,"book_id":1102,"shamela_page_id":80,"part":"1","page_num":88,"sequence_num":80,"body":"بل يتبع في ذلك ما جاء في النصوص، وليس مراده النهي عن الكلام في القدر على الإطلاق، لأنه قال بعد ذلك: \"تكلموا فيما سمعتم الله ذَكَر في كتابه. . .\"؛ والقدر مما ذكره الله في كتابه.\rفالمقصود أن البحث في مسائل القدر موقوف على الدليل الشرعي، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والآراء، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050238,"book_id":1102,"shamela_page_id":81,"part":"1","page_num":89,"sequence_num":81,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rلما كانت هذه القاعدة مرتبطةً بما قبلها، ومتممة لها - إذ الأولى في بيان حرمة التنقير والبحث في مسائل القدر، وهذه في بيان الأصول التي يستمد منها الباب، وهي الكتاب والسنة - فالرد على المخالفين هنا سيكون كما في القاعدة السابقة مجملًا، مع عرض وجه المخالفة عند كل فرقة.\rوخصومة أهل السنة هنا مع المتكلمة من معتزلة وأشاعرة وجهمية، إذ أن وصف الكلام إنما أُخذ من اتباع الكلام والعقول والأقيسة المنطقية في مقابل النصوص الشرعية والآثار السلفية (¬١)، وذلك أن المتكلمين بنوا مقالتهم على تقديم العقل على النقل، وجعلوه أصلًا كليًّا عنه تفرع منهجهم في التلقي والاستدلال (¬٢).\rفمع تعظيمهم الغالي للعقل؛ أهملوا العناية بالنقل، وأعرضوا عن كتب الأحاديث والآثار، واشتغلوا عنهما بفلسفة الهند ومنطق اليونان، لذلك فهم من أجهل الناس بهما، وقد اعترف بذلك كبراؤهم، كاعتراف الغَزالي (¬٣) بأن","footnotes":"(¬١) قال الإيجي معرِّفًا علم الكلام: \"والكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية، بإيراد الحجج ودفع الشبه\" وقيد الدينية بكونها منسوبة إلى دين النبي ﷺ، وإن لم تكن هذه النسبة صحيحة في نفس الأمر، لأن الخطأ في تقرير مسألة لا يخرج المتكلم عن هذا الوصف. المواقف (٧)، وانظر: لوامع الأنوار (١/ ٧).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (١/ ٤ - ٦).\r(¬٣) هو: أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي الصوفي الأشعري المتكلم، ولد سنة (٤٥٠ هـ)، من كتبه: \"الاقتصاد في الاعتقاد\"، و\"إحياء علوم الدين\"، له هفوات وزلَّات عظيمة، كانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ومجالسة أهله ومطالعة =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050239,"book_id":1102,"shamela_page_id":82,"part":"1","page_num":90,"sequence_num":82,"body":"بضاعته في الحديث مزجاة (¬١) (¬٢).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد عن معرفة الحديث وأبعد عن اتباعه من هؤلاء، هذا أمر محسوس بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله ﷺ وأحواله وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيرًا من العامة أعلم بذلك منهم\" (¬٣).\rوسلكوا فيما وصلهم من أحاديث تعارض أصولهم، وتناقض مذاهبهم، مسالك شتى مرجعها إلى مسلكين خطيرين (¬٤):\r- مسلك الرد، فيطعنون في صحة النص من جهة ثبوته.\r- مسلك التأويل، ويلجأ إليه إذا لم يمكن إعمال المسلك الأول، وهذا المسلك فرع عن أصلهم المعتمد؛ ألا وهو ظنية الأدلة النقلية في مقابل قطعية الدليل العقلي.\rأما المسلك الأول فأدرجوا تحته أصولًا فاسدة منها:\rأولًا: الرد الصريح للنصوص، كما صرح بذلك أئمتهم، كأبي منصور","footnotes":"= الصحيحين\"، مات سنة (٥٠٥ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، وطبقات الشافعية الكبرى (٦/ ١٩١).\r(¬١) كما في قانون التأويل له (٣٠).\r(¬٢) انظر: لسان الميزان (٦/ ٣١٨).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٩٥).\r(¬٤) انظر: منهج التلقي والاستدلال بين أهل السنة والمبتدعة (٦٣ - ٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050240,"book_id":1102,"shamela_page_id":83,"part":"1","page_num":91,"sequence_num":83,"body":"البَغْدادي (¬١) حيث قال: \"فإن روى الراوي ما يحيله العقل ولم يحتمل تأويلًا صحيحًا؛ فخبره مردود\" (¬٢).\rومثاله ما وقع من عمْرو بن عُبيد (¬٣) - أخزاه الله - حيث قال في حديث الرجل الذي أمر أهله إذا مات أن يحرقوه ثم يذروه في يوم عاصف (¬٤)، قال: \"ما قال هذا رسول الله ﷺ قط، وإن كان قاله؛ فأنا به مكذب، فإن كان التكذيب به ذنب؛ فأنا عليه مصر\" (¬٥).\rثانيًا: الإيمان ببعض النصوص دون بعض، وله صور، منها:\r- رد أخبار الآحاد، زعمًا منهم أنها لا تفيد العلم، بل تفيد الظن، وما كان كذلك فلا يؤخذ منه اعتقاد، وبهذا يكونون قد ردوا أكثر السنة، إذ أن أخبار الآحاد أكثر عددًا من المتواتر.","footnotes":"(¬١) هو: أبو منصور، عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي الإسفراييني البغدادي نزيل خراسان، من كتبه: \"أصول الدين\"، و\"فضائح القدرية\"، و\"الفرق بين الفرق\"، مات بإسفرايين سنة (٤٢٩ هـ)\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٧٢)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٣٧).\r(¬٢) أصول الدين (٢٣).\r(¬٣) هو: أبو عثمان، عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء، القدري رأس المعتزلة، دخل مع واصل الغزال، فأعجب به وزوجه أخته، من كتبه: \"التفسير\"، و\"الرد على القدرية\"، مات بطريق مكة سنة (١٤٤ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٦٣)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٥).\r(¬٤) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب (٤/ ١٧٦) ح (٣٤٨١)، ومسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٩) ح (٢٧٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\r(¬٥) رواه الدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (٩٢) رقم (٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050241,"book_id":1102,"shamela_page_id":84,"part":"1","page_num":92,"sequence_num":84,"body":"قال الرَّازِي (¬١): \"أما التمسك بخير الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز\"، وجعل من وجوه الدلالة على ذلك: \"أن أخبار الآحاد مظنونة، فلا يجوز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته\" (¬٢).\rوقال التَّفْتازاني (¬٣): \"خبر الواحد -على تقدير اشتماله على جميع الشرائط المذكورة في أصول الفقه - لا يفيد إلا الظن، ولا عبرة بالظن في باب الاعتقادات\" (¬٤).\rوقال أبو الحُسيْن البَصري (¬٥): \"لا يجوز الاقتصار في التوحيد والعدل على الظن دون العلم\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) هو: أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، فخر الدين الرازي الشافعي الأشعري، ولد سنة (٥٤٤ هـ)، قال الذهبي: \"وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر\"، من كتبه: \"مفاتيح الغيب\"، و\"معالم أصول الدين\"، مات بهراة سنة (٦٠٦ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٥٠٠)، وطبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٨١).\r(¬٢) أساس التقديس (٢١٥).\r(¬٣) هو: مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعي، سعد الدين، ولد بتفتازان سنة (٧١٢)، من كتبه: \"تهذيب المنطق\"، و\"مقاصد الطالبين\"، مات بسمرقند سنة (٧٩١ هـ).\rانظر: الدرر الكامنة (٤/ ٣٥٠)، وبغية الوعاة (٢/ ٢٨٥).\r(¬٤) شرح العقائد النسفية (٨٩).\r(¬٥) هو: أبو الحسين، محمد بن علي بن الطيب البصري من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة، من كتبه: \"المعتمد في أصول الفقه\"، و\"تصفح الأدلة\"، مات ببغداد سنة (٤٣٦ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (٤/ ١٦٨)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٨٧).\r(¬٦) المعتمد في أصول الفقه (٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050242,"book_id":1102,"shamela_page_id":85,"part":"1","page_num":93,"sequence_num":85,"body":"وذهب النَّظَّام (¬١) من المعتزلة إلى إنكار خبر الواحد كذلك، بل أنكر حجية التواتر كذلك والإجماع والقياس (¬٢).\r- التشهي في اعتماد النصوص، فما وافق هواهم أخذوا به، وما لا ردوه، فالنصوص عندهم للاعتضاد لا للاعتماد.\rقال ابن أبي العز ﵀ في وصف حال المعتزلة: \"وعندهم أن التوحيد والعدل من الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا بعدها، وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية؛ إنما يذكرونها للاعتضاد بها لا للاعتماد عليها، فهم يقولون: لا نثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل! فمنهم من لا يذكرها في الأصول؛ إذ لا فائدة فيها عندهم، ومنهم من يذكرها ليبين موافقة السمع للعقل ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد عليها، والقرآن والحديث فيه عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب، والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم، وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع ما يهواه\" (¬٣).\rثالثًا: كتمان النصوص، فطريقة هؤلاء القوم أنهم لا يظهرون من النصوص إلا ما يوافق أهواءهم، وما يخالفها فإنهم لا يذكرونه، بل يكتمونه،","footnotes":"(¬١) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن سيار مولى آل الحارث بن عباد الضبعي البصري المتكلم المعتزلي، من كتبه: \"الطفرة\"، و\"النبوة\" وأشياء كثيرة لا توجد، اتهم بالزندقة، وكفره جماعة من أهل العلم، مات سنة (٢٣١ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦٢٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤١).\r(¬٢) انظر: الفرق بين الفرق (١٤٣ - ١٤٤)، وقد قال البغدادي عقب سياقه لهذه الفضيحة من فضائحه: \"فكأنه أراد إبطال أحكام فروع الشريعة لإبطاله طرقها\".\r(¬٣) شرح الطحاوية (٢/ ٧٩٣ - ٧٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050243,"book_id":1102,"shamela_page_id":86,"part":"1","page_num":94,"sequence_num":86,"body":"وهذه سمة عامة لأهل الأهواء، كما قال وكيع بن الجراح ﵀: \"أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"فلا تجد قط مبتدعًا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحدٌ بدعة إلا نُزعت حلاوة الحديث من قلبه\" (¬٢).\rرابعًا: الطعن في نقلة الحديث لإسقاط رواياتهم، فتراهم ينقمون من أهل الحديث نقلهم لما يخالف أهواءهم، فتارة يرمونهم بقلة الفهم، وتارة بأنهم حشوية، بل وصل الأمر ببعضهم إلى السب الصريح، حتى للصحابة، كما قال يحيى: \"قلت لعمرو بن عبيد: كيف حديث الحسن عن سمرة - يعني في السكتتين -؟ قال: ما تصنع بسمرة؟ قبَّح الله سمرة\" (¬٣).\rوقال الرازي: \"إن أجلّ طبقات الرواة قدرًا وأعلاهم منصبًا: الصحابة ﵃، ثم إنا نعلم أن رواياتهم لا تفيد القطع واليقين\" (¬٤).\rوأما المسلك الثاني: فهو في حقيقته تحريف، وإنما سمَّوه تأويلًا ليلبسوا به على العوام، إذ لفظ التحريف لفظ منفِّرٌ منكرٌ عند الناس، وهذا التحريف","footnotes":"(¬١) رواه الدارقطني (١/ ٢٧) ح (٣٦)، ومن طريقه: الهروي في ذم الكلام وأهله (٢/ ٢٧٠) رقم (٣٤٦).\r(¬٢) درء التعارض (١/ ٢٢١).\r(¬٣) رواه الدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (١٠٣) رقم (١٩).\r(¬٤) أساس التقديس (٢١٦)، وقد استدل له بما حدث من خلاف بين الصحابة، وما روي من طعن بعضهم في بعض!","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050244,"book_id":1102,"shamela_page_id":87,"part":"1","page_num":95,"sequence_num":87,"body":"عندهم على صورتين (¬١):\r- تحريف اللفظ: وهو تبديله، كنصب لفظ الجلالة من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ليكون المتكلم موسى ﵇.\r- تحريف المعنى، وهو صرف اللفظ عنه إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ، كتفسير الغضب بإرادة الانتقام، وتفسير اليدين بالنعمة والقدرة.\rوقد كان لهذا المنهج الذي سلكه المتكلمون أثره العظيم في باب القدر، فالمعتزلة ومن وافقهم من نفاة القدر جنحوا إلى تعظيم العقل وإضفاء صفة التشريع عليه، وقد برز هذا في باب القدر جليًّا واضحًا في مسائل كثيرة، كمسألة التحسين والتقبيح، فإنهم غلوا في منزلة العقل من كونه آلة يفهم بها النص، ويفهم بها ما أودعه الله في الأشياء من صفات تحسن وتقبح بها، إلى جعله مشرعًا للأحكام، قاضٍ بالمدح والذم والثواب والعقاب الشرعيين.\rفلم يقف المعتزلة في فهمهم واعتقادهم في باب القدر على ما جاء في النصوص الشرعية، وما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، بل جرَوا مع أهوائهم حيث سارت ركابها.\rوبنحوهم فعل الأشاعرة، فاعتاضوا في كثير من المسائل عن الأدلة الشرعية بما يقابل عقيدة المعتزلة، فجنحوا إلى سلب دور العقل وغلوا في إثبات الشرع وتعظيمه، وسلبهم للعقل كان سلبًا لكونه وسيلةً لفهم النص، وليس سلبًا لكونه بديلًا للنصوص الشرعية، بدليل أنهم لم يفزعوا إليها، وهذا ظاهر في مقالاتهم وآرائهم، ففي مسألة التحسين والتقبيح التي ذُكرت","footnotes":"(¬١) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٢٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050245,"book_id":1102,"shamela_page_id":88,"part":"1","page_num":96,"sequence_num":88,"body":"آنفًا؛ قابلوا تعظيم المعتزلة للعقل بسلبه خصيصته في تمييز حسن الأشياء وقبحها، وجعلوا الشرع حاكمًا بذلك، لكنهم لم يلجؤوا له على سبيل التحاكم، بل فرارًا من مذهب المعتزلة، بدليل استقلالهم بعقولهم في تجويزهم على الله الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن، مع كون النصوص الشرعية قطعية الدلالة على تنزيه الله عمَّا ذكروا.\rفقابلوا ضلال المعتزلة بضلال، ومع كلتا الطائفتين شيء من الحق، لكن لم يوفقوا لاستكماله، وإنما استكمله أهل السنة؛ فأخذوا بالحق الذي عندهما، واطرحوا ما عندهم من الباطل، والله الموفق والهادي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050246,"book_id":1102,"shamela_page_id":89,"part":"1","page_num":97,"sequence_num":89,"body":"المبحث الثالث: \"الإيمان بالقدر متوقف على إثبات العلم لله والكتابة والمشيئة والخلق\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050247,"book_id":1102,"shamela_page_id":90,"part":"1","page_num":99,"sequence_num":90,"body":"المبحث الثالث: \"الإيمان بالقدر متوقف على إثبات العلم لله والكتابة والمشيئة والخلق\"\rتشتمل هذه القاعدة على ما يسميه أهل العلم: \"مراتب القدر\"، وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وعلى وجوب الإيمان بها كلها.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rورد النص على هذه المراتب ووجوب الإيمان بها في كلام أهل العلم، ومن ذلك:\rقال الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه \"شفاء العليل\": \"الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر؛ التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر، وهي أربع مراتب:\rالمرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.\rالمرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها.\rالمرتبة الثالثة: مشيئته لها.\rالرابعة: خلقه لها\" (¬١).","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ١٣٣)، وانظر: طريق الهجرتين (١/ ١٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050248,"book_id":1102,"shamela_page_id":91,"part":"1","page_num":100,"sequence_num":91,"body":"وقال شيخ الإسلام ﵀: \"والإيمان بالقدر على درجتين؛ كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون؛ بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق. . . وأما الدرجة الثانية: فهو (¬١) مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة؛ وهو (١) الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه ﷾ على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات؛ فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه، سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه\" (¬٢).\rوقال ابن رجب ﵀: \"والإيمانُ بالقدرِ على درجتين:\rإحداهما: الإيمان بأنَّ الله تعالى سبقَ في علمه ما يعمله العباد من خيرٍ وشر وطاعةٍ ومعصيةٍ قبل خلقهم وإيجادهم، ومَنْ هو منهم من أهل الجنة، ومِن أهل النَّار، وأعدَّ لهم الثَّواب والعقاب جزاءً لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأنَّ أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.\rوالدرجة الثانية: أنَّ الله تعالى خلق أفعال عباده كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) كذا في المطبوع والمناسب أن تكون \"فهي\".\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٤٩).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050249,"book_id":1102,"shamela_page_id":92,"part":"1","page_num":101,"sequence_num":92,"body":"وممن نص عليها أيضًا من أهل العلم: الشيخ حافظ حكمي (¬١)، والسعدي - رحمهما الله - (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: معارج القبول (٣/ ١٠٨٦) وما بعدها.\r(¬٢) انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد (١٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050250,"book_id":1102,"shamela_page_id":93,"part":"1","page_num":102,"sequence_num":93,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rتقسيم القدر إلى مراتب لم يأتِ في الشرع منصوصًا عليه، وإنما عرَفه أهل العلم بالاستقراء والتتبع للنصوص الشرعية الواردة في القدر، وكذا توَقُّف الإيمان بالقدر على إثباتها لم يرد بخصوصه النص، وإنما وردت هذه المراتب في غضون النصوص، وورد معها وجوب الإيمان بها، فدل على أن الإيمان بالقدر متوقف على إثباتها.\rفمن الأدلة على المرتبة الأولى \"مرتبة العلم\":\rمن القرآن:\rقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].\rوقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\rومن السنة:\rحديث علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسًا وفى يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: (ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار). . . الحديث (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٦/ ١٧٠ - ١٧١) ح (٤٩٤٥ - =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050251,"book_id":1102,"shamela_page_id":94,"part":"1","page_num":103,"sequence_num":94,"body":"حديث ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (¬١).\rحديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رجل: يارسول الله! أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: (نعم) قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: (كل يعمل لما خلق له أو لما يُسِّر له) (¬٢).\rومن الأدلة على المرتبة الثانية \"مرتبة الكتابة\":\rمن القرآن:\rقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧].\rوقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].\rوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١، ٥٢].\rومن السنة:\rحديث ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ","footnotes":"= ٤٩٤٥)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٣٩) ح (٢٦٤٧).\r(¬١) رواه البخاري: كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٧)، ورواه مسلم بلفظه من حديث أبي هريرة ﵁ ح (٢٦٥٩).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب القدر، باب جف القلم على علم الله (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٦)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٤١) ح (٢٦٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050252,"book_id":1102,"shamela_page_id":95,"part":"1","page_num":104,"sequence_num":95,"body":"يومًا فقال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدْه تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف) (¬١).\rوحديث جابر ﵁ قال: جاء سُراقة بن مالك بن جُعشُم؛ قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير) قال: ففيم العمل؟ قال: زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت: ما قال؟ فقال: (اعملوا فكل ميسر) (¬٢).\rوحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة؛ فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطَا، والقلب يهوى ويتمنى؛ ويصدِّق ذلك الفرج ويكذِّبه) (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ، باب (٤/ ٢٨٥) ح (٢٥١٦)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٣١٦).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٤١) ح (٢٦٤٩).\r(¬٣) رواه مسلم: كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره (٤/ ٢٠٤٦) ح (٢٦٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050253,"book_id":1102,"shamela_page_id":96,"part":"1","page_num":105,"sequence_num":96,"body":"ومن الأدلة على المرتبة الثالثة \"مرتبة المشيئة\":\rمن القرآن:\rقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠].\rوقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩].\rوقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦].\rومن السنة:\rحديث حذيفة بن أَسيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكا فصوَّرها، وخلق سمعها وبصرها وجِلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يَزيد على ما أُمِر ولا يَنقُص) (¬١).\rوحديث أبي قتادة ﵁ حين ناموا عن الصلاة؛ وفيه قول النبي ﷺ: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء) (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٣٧) ح (٢٦٤٥).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٩/ ١٣٩) ح (٧٤٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050254,"book_id":1102,"shamela_page_id":97,"part":"1","page_num":106,"sequence_num":97,"body":"وحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى، ثم ينشئ الله تعالى لها خلقًا مما يشاء) (¬١).\rومن الأدلة على المرتبة الرابعة \"مرتبة الخلق\":\rمن القرآن:\rقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].\rوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣].\rوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].\rومن السنة:\rحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهبَ يخلُق كخَلْقي! فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبَّة أو شَعِيرة) (¬٢).\rوحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك؛ تحيَّتُك وتحيَّةُ ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢٠٤٦) ح (٢٦٥٧).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٩/ ١٦١) ح (٧٥٥٩)، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان. . . (٣/ ١٦٧١) ح (٢١١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050255,"book_id":1102,"shamela_page_id":98,"part":"1","page_num":107,"sequence_num":98,"body":"ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) (¬١).\rوحديث أبي هريرة ﵁ أيضًا عن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه، وهو يَكتُب على نفسه، وهو وَضْعٌ عنده على العرش إن رحمتي تغلب غضبي) (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤/ ١٣١) ح (٣٣٢٦)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (٤/ ٢١٨٣) ح (٢٨٤١).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٩/ ١٢٠) ح (٧٤٠٤)، ومسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٣/ ٢١٠٧) ح (٢٧٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050256,"book_id":1102,"shamela_page_id":99,"part":"1","page_num":108,"sequence_num":99,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة تقرِّر مراتب القدر، ووجوب الإيمان بها لتحقيق صحة الإيمان بالقدر.\rولها ارتباط وثيق كذلك بإثبات صفات الله ﷾؛ إذ مبنى هذه المراتب على صفات الله سبحانه: العلم والكتابة والمشيئة والخلق وغيرها.\rولهذا قال الإمام أحمد ﵀: \"القدر قدرة الله ﷿ على العباد\" (¬١).\rوقال زيد بن أسلم ﵀: \"القدر قدرة الله ﷿، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله ﷿\" (¬٢).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والقدر يتعلق بقدرة الله تعالى، ولهذا قال الإمام أحمد: القدر قدرة الله تعالى. يشير إلى أن من أنكر القدر؛ فقد أنكر قدرة الله تعالى، وأنه يتضمن إثبات قدرة الله تعالى على كل شيء\" (¬٣).\rوقال ابن القيم ﵀: \"وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، واستحسن ابنُ عَقِيل (¬٤) هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين.","footnotes":"(¬١) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٤٤).\r(¬٢) رواه الفريابي في القدر (١٤٤) رقم (٢٠٧).\r(¬٣) منهاج السنة (٣/ ٢٥٤).\r(¬٤) هو شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري، الحنبلي المتكلم، صاحب التصانيف، ولد (٤٣١ هـ)، اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته، ثم تاب منه، من كتبه: \"الفنون\" وهو في أربعمئة جزء، و\"الجدل على طريقة الفقهاء\"، مات سنة (٥١٣ هـ).\rانظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٤٨٢)، وذيله (١/ ٣١٦)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050257,"book_id":1102,"shamela_page_id":100,"part":"1","page_num":109,"sequence_num":100,"body":"وهو كما قال أيو الوفاء؛ فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابها وتقديرها\" (¬١).\rوقال ﵀ معرِّفًا القدر: \"فإنه علم الله وقدرته وكتابته ومشيئته\" (¬٢).\rوفيما يأتي شرح مجمل للمراتب الأربع:\rمرتبة العلم: وهي \"الإيمان بعلم الله ﷿ المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار، من قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دِقَّ ذلك وجليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير، عالم الغيب والشهادة علام الغيوب\" (¬٣).\rوهذه المرتبة اتفق عليها رسل الله ﷾ وكذا الصحابة والتابعون لهم بإحسان من هذه الأمة وأول من خالفهم فيها مجوس هذه الأمة (¬٤)؛ وهم القدرية الأوائل الذين خرجوا في أواخر عهد الصحابة ﵃، فتبرأ منهم الصحابة","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ١٣٠).\r(¬٢) شفاء العليل (٢/ ٧٣٣).\r(¬٣) معارج القبول (٣/ ١٠٨٦ - ١٠٨٧).\r(¬٤) انظر: شفاء العليل (١/ ١٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050258,"book_id":1102,"shamela_page_id":101,"part":"1","page_num":110,"sequence_num":101,"body":"وردوا بدعتهم وأعظموا الشناعة عليهم، كما سيأتي الكلام على ذلك (¬١).\rوالمراتب الثلاثة الأخرى تدل على هذه المرتبة؛ فكتابة الله ﷾ للمقادير لم تكن ولا تكون إلا عن علم بما سيُكتب (¬٢)، وكذلك مشيئته ﷿ إنما تكون بعد علمه تعالى بهذا الذي سيشاؤه، وكذا خلقه ﷾ إنما يحصل بعد العلم بما سيخلق.\rقال ابن أبي العز ﵀: \"فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم؛ لا يُتصور إيجادها إلا من عالم قد سبق علمه على إيجادها، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] \" (¬٣).\rمرتبة الكتابة: وهي الإيمان بأن الله ﷾ قد كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، فما من شيء صغير ولا كبير إلا وقد سُطِر في أم الكتاب.\rوهذا شامل لما يقوله الرب ﷾ وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وشامل أيضًا لمقتضى أسمائه وصفاته وآثارها؛ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي) (¬٤) (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر ما يأتي ص (١٢٤ و ١٥٧).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (١/ ١٣٣).\r(¬٣) شرح الطحاوية (٢/ ٣٥٣).\r(¬٤) رواه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٤/ ١٠٤) ح (٣١٩١)، ومسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٧) ح (٢٧٥١).\r(¬٥) انظر: شفاء العليل (١/ ١٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050259,"book_id":1102,"shamela_page_id":102,"part":"1","page_num":111,"sequence_num":102,"body":"ويدخل في الإيمان بكتابة المقادير أربعة تقادير (¬١):\rالأول: التقدير الأزلي قبل خلق السماوات والأرض عندما خلق الله تعالى القلم؛ وكُتب حينذاك كل شيء كائن على وجه التفصيل حتى تقوم الساعة.\rوهذا التقدير أول التقادير وأقدمها، وهو الأصل وما بعده تفصيل منه، وهو كذلك لا يتغير ولا يتبدل. ومن أدلته:\rقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢].\rوقوله ﷾: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١].\rوقوله ﷾: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].\rحديث عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناسٌ من بني تميم فقال: (اقبلوا البشرى يا بني تميم)، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا - مرتين - ثم دخل عليه ناسٌ من أهل اليمن فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم)، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض)، فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ٥٥ - ١١٥)، ومعارج القبول (٣/ ١٠٩٥ - ١١٠٨).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٤/ ١٠٦) ح (٣١٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050260,"book_id":1102,"shamela_page_id":103,"part":"1","page_num":112,"sequence_num":103,"body":"حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء) (¬١).\rحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) (¬٢).\rالثاني: التقدير حين أخذ الميثاق؛ وفيه قدر الله ﷾ أعمال بني آدم، وأرزاقهم وآجالهم، وسعادتهم وشقاوتهم، عقيب خلق أبيهم، ومما يدل عليه:\rقوله ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].\rعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: (أخذ الله الميثاق من ظهر آدم ﵊ بنعْمَان (¬٣) - يعني بعرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبلًا؛ وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٤) ح (٢٦٥٣).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (٣٧).\r(¬٣) نَعْمان: كسَحْبان؛ واد وراء عرفة، بين مكة والطائف يصب في ودان، وقيل: لهذيل على ليلتين من عرفات وهو نعمان الأراك. انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٩٣)، والنهاية (٥/ ٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050261,"book_id":1102,"shamela_page_id":104,"part":"1","page_num":113,"sequence_num":104,"body":"قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾) (¬١).\rوعنه ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال \"خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم\" (¬٢).\rعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم؛ أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك) (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٤/ ٢٦٨) ح (٢٤٥٦)، وابن أبي عاصم (١/ ١٥٩) ح (٢٠٨)، والحاكم (٢/ ٥٤٤) كلهم من طريق: الحسين بن محمد المروذي، حدثنا جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به مرفوعًا، وصححه الحاكم ووافقه عليه الذهبي، والألباني في الصحيحة ح (١٦٢٣).\rوقد قال الشيخ صالح المقبلي في \"الأبحاث المسددة\": \"ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك\". انظر: الصحيحة (٤/ ١٥٩).\r(¬٢) رواه الفريابي (٦٧) رقم (٥٧)، وابن جرير (١/ ١٥٩)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٣)، وابن بطة (١/ ٣١٩) رقم (١٣٤١) و (٢/ ١٦٤) رقم (١٦٣٤) من طرقٍ عن المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، وهذا إسناد حسن لحال المسعودي؛ فإنه صدوق، ولا يضر اختلاطه؛ لأن ممن روى هذا الحديث عنه: وكيع ويحيى بن سعيد القطان، وقد سمعا منه قبل الاختلاط. انظر: التهذيب (٦/ ٢١٠).\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤/ ١٣٣) ح (٣٣٣٤)، ومسلم: كتاب صفة القيامة =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050262,"book_id":1102,"shamela_page_id":105,"part":"1","page_num":114,"sequence_num":105,"body":"حديث هشام بن حكيم ﵁: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنبتديء الأعمال أو قد قُضي القضاء؟ فقال رسول الله ﷺ: (إن الله ﵎ أخذ ذرية آدم من ظهره، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم نَثَرهم في كفَّيْه أو كفِّه فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار؛ فأما أهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار) (¬١).\rقال ابن القيم ﵀ بعد أن ساق جملة من الآثار في هذا: \"فهذه الآثار وغيرها تدل على أن الله سبحانه قدَّر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق أبيهم\" (¬٢).\rالثالث: التقدير العمري عند تخليق النطفة في الرحم، فيكتب إذ ذاك ذكوريتها وأنوثتها، والأجل والعمل، والشقاوة والسعادة، والرزق وجميع ما","footnotes":"= والجنة والنار، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا (٤/ ٢١٠٧) ح (٢٧٥١).\r(¬١) رواه ابن أبي عاصم (١/ ١٣٧) ح (١٧٤)، والطبراني (٢٢/ ١٦٩) ح (٤٣٥)، والبزار (كشف الأستار) (٣/ ٢٠) ح (٢١٤٠). كلهم من طريق بقية بن الوليد، حدثني الزبيدي، حدثني راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، عن أبيه، عن هشام بن حكيم به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٨٧): \"رواه البزار والطبراني، وفيه بقية بن الوليد وهو ضعيف ويحسن حديثه بكثرة الشواهد، وإسناد الطبراني حسن\". قلت: ضعف بقية إنما هو لتدليسه وقد صرح بالتحديث في شيخه وشيخ شيخه، وباقي رجاله ثقات. ثم إن بقية قد توبع وذلك فيما رواه الطبراني أيضًا (٢٢/ ١٦٨) ح (٤٣٤) من طريق معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد به؛ بإسقاط قتادة السلمي بين عبد الرحمن وهشام، والحديث صححه الألباني في ظلال الجنة ح (١٦٨).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050263,"book_id":1102,"shamela_page_id":106,"part":"1","page_num":115,"sequence_num":106,"body":"هو لاق، ويدل عليه:\rحديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يُجمع خَلقُه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا؛ فيؤمر بأربع كلمات؛ ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وأجَله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) (¬١).\rحديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (¬٢).\rعن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره، فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود؛ فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٤/ ١١١) ح (٣٢٠٨)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٣٦) ح (٢٦٤٣).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب القدر (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٥)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته (٤/ ٢٠٣٨) ح (٢٦٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050264,"book_id":1102,"shamela_page_id":107,"part":"1","page_num":116,"sequence_num":107,"body":"ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة؛ بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص) (¬١).\rالرابع: التقدير السَّنَوي في ليلة القدر؛ يُقدَّر فيها كل ما يكون في السنة إلى مثله، من رزق وموت وحياة وصحة ومرض وعافية وابتلاء ونحو ذلك، ويدل عليه:\rقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥].\rعن مجاهد ﵀: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: \"ليلة الحكم\" (¬٢).\rوعن سعيد بن جبير ﵀ قال: \"يؤذن للحجاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم\" (¬٣).\rوعن قتادة في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: \"يقضى فيها ما يكون في السنة","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (٤/ ٢٠٣٧) ح (٢٦٤٥).\r(¬٢) رواه ابن جرير (٢٤/ ٥٤٤).\r(¬٣) رواه ابن جرير (٢٤/ ٥٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050265,"book_id":1102,"shamela_page_id":108,"part":"1","page_num":117,"sequence_num":108,"body":"إلى مثلها\" (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٣ - ٥].\rعن ابن عباس ﵄ قال: \"إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يعني: ليلة القدر، ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل\" (¬٢).\rعن قتادة ﵀ قال: \"هي ليلة القدر، فيها يقضى ما يكون من السنة إلى السنة\" (¬٣).\rوعن ربيعة بن كُلثوم ﵀ (¬٤)، قال: \"قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لَلَيلة يفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي الله كل أجل وعمل وخلق ورزق إلى مثلها\" (¬٥).\rوقد ذكر الإمام ابن القيم - وتبعه على ذلك حافظ الحكمي - رحمهما الله -","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير (٢٤/ ٥٤٧).\r(¬٢) رواه البيهقي في الشعب (٥/ ٢٥٤) ح (٣٣٨٨)، والحاكم (٢/ ٤٤٨) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".\r(¬٣) رواه ابن جرير (٢١/ ٩).\r(¬٤) هو: ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري.\rانظر: الجرح والتعديل (٣/ ٤٧٧)، وتهذيب التهذيب (١/ ٦٠٠).\r(¬٥) رواه ابن جرير (٢١/ ٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050266,"book_id":1102,"shamela_page_id":109,"part":"1","page_num":118,"sequence_num":109,"body":"تقديرًا خامسًا وهو:\rالتقدير اليومي؛ وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قُدِّرت لها فيما سبق، وإنفاذ المقدور على العبد في وقته الذي قُدِّر له، وذكر من أدلته:\rقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\rعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: (من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويخفض آخرين) (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه ابن ماجه: المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ١٩٨) ح (٢٠٢)، وابن أبي عاصم (١/ ٢١٥) ح (٣٠٨) كلاهما عن هشام بن عمار، حدثنا الوزير بن صبيح، حدثنا يونس بن حلبس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ به، وفيه علتان:\rالأولى: هشام متكلم فيه، لكنه قد توبع؛ تابعه صفوان بن صالح الدمشقي؛ فرواه عن الوزير بن صبيح به، كما عند ابن عساكر (٥٢/ ٣٣٤)، وتابعه أيضًا: الوليد بن شجاع كما عند ابن عساكر أيضًا (٦٣/ ٣٢).\rالثانية: ضعف وزير بن صبيح. قال دُحيم: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ. انظر تهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٧)، وقال الحافظ في التقريب ص (١٠٣٦): مقبول. أي حيث يتابع، وقد توبع؛ تابعه إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به كما عند ابن عساكر (٦٤/ ٦٠) قال الألباني في الظلال (١/ ١٣٠): \"رجاله ثقات لكنه مرسل\"، وكما عند البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٦١) ح (١٠٦٧) لكن في إسناده هشام بن يحيى الغساني، كذبه أبو حاتم وأبو زرعة. انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٧٣) فلا يصلح للمتابعة.\rوالحديث حسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٩٣)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٣٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050267,"book_id":1102,"shamela_page_id":110,"part":"1","page_num":119,"sequence_num":110,"body":"قال البغوي ﵀ في هذه الآية: \"قال المفسرون: من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق، ويعز قومًا، ويذل قومًا، ويشفي مريضًا، ويفك عانيًا، ويفرج مكروبًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء\" (¬١).\rونقل عن الحسين بن الفضل ﵀ (¬٢) قوله فيها: \"هو سوق المقادير إلى المواقيت\" (¬٣).\rوعن سفيان بن عيينة قوله: \"الدهر كله عند الله يومان؛ أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه اليوم - الذي هو مدة الدنيا -: الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة: الجزاء والحساب، والثواب والعقاب\" (¬٤).\rوالذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه هذا التقدير لا يدخل فيما نحن بصدده من تقديرات الكتابة، إذ لا كتابة فيه، وإنما هو إنفاذ لما قُدر سابقًا - كما ذُكر في تعريفه -.\rثم إن هذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير السَّنَوي، والسَّنَوي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة ومن الأزلي، والعمري تفصيل من","footnotes":"(¬١) تفسير البغوي (٧/ ٤٤٦).\r(¬٢) هو: أبو علي، الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر عالم عصره، ولد قبل (١٨٠ هـ)، مات بنيسابور سنة (٢٨٢ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤١٤)، وطبقات المفسرين للسيوطي (٤٨).\r(¬٣) المصدر السابق (٧/ ٤٤٧).\r(¬٤) المصدر السابق (٧/ ٤٤٦)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050268,"book_id":1102,"shamela_page_id":111,"part":"1","page_num":120,"sequence_num":111,"body":"التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الأزلي الذي خطه القلم في اللوح المحفوظ (¬١).\rوليس معنى كون كل تقدير تفصيلًا مما قبله أن ما قبله مجمل، بل المراد أنه تخصيص من عموم أعم، فاللوح المحفوظ كُتب فيه كل شيء صغير وكبير، فهو شامل لكل ما يقوله الرب ﷾ وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وشامل أيضًا لمقتضى أسمائه وصفاته وآثارها (¬٢).\rوالتقدير العمري الأول عند أخذ الميثاق هو تخصيص منه، والمخصوص به هم بنو آدم كلهم.\rوالتقدير العمري عند تخليق النطفة هو تخصيص من التقدير العمري الأول، والمخصوص به أفراد بني آدم كل فرد بعينه على حِدَة.\rوالتقدير السَّنَوي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، فيما يتعلق بكل شخص؛ إذ يقدر له في التقدير العمري رزقه وعمله وأجله وسعادته وشقاوته مدة حياته، وفي التقدير السَّنَوي يقدر له ما يكون في تلك السنة بخصوصها.\rوهو أيضًا - أي السَّنَوي - تفصيل من اللوح المحفوظ فيما يتعلق بعموم الحوادث في السنة المعيَّنة؛ ما تعلق منها ببني آدم أو غيرهم.\rوالتقدير اليومي تفصيل من التقدير السَّنَوي، يخصص منه ما يتعلق بهذا اليوم بخصوصه من بين أيام السنة.","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ١١٣ - ١١٤).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050269,"book_id":1102,"shamela_page_id":112,"part":"1","page_num":121,"sequence_num":112,"body":"وليس معنى كون أي تقدير تفصيلًا لما قبله أنه كُتب ونُسخ منه، بل المراد أنه أخص منه؛ إما من جهة متعَلَّقه، أو من جهة زمانه، والله أعلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والتقدير والكتابة تكون تفصيلًا بعد جملة\" (¬١).\rوقال ﵀: \"وهذا التقدير - التابع لعلمه سبحانه - يكون في مواضع جملةً وتفصيلًا؛ فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد، ونحو ذلك\" (¬٢).\rمرتبة المشيئة: وهي الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فليس في الوجود موجب تام إلا مشيئة الله وحده فلا يكون شيء إلا بمشيئته، ولا يخرج عن مشيئته شيء، وهذا هو عمود التوحيد الذي لا يقوم إلا به (¬٣).\rوقد دل على هذه المرتبة إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم وجميع الكتب المنزلة من عند الله والفطرة التي فطر الله عليها خلقه وأدلة العقول والعيان، وأجمع عليها المسلمون من أولهم إلى آخرهم.\rوقد تنوعت أدلة القرآن على إثبات هذه المرتبة، وهي متضمنة لأمرين:\r- الأول: أن ما وقع إنما وقع بمشيئته ﷾.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٨٧).\r(¬٢) المصدر السابق (٣/ ١٤٩).\r(¬٣) انظر: شفاء العليل (١/ ١٧١)، ومدارج السالكين (٣/ ١٠٥)، ودرء التعارض (١٠/ ١١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050270,"book_id":1102,"shamela_page_id":113,"part":"1","page_num":122,"sequence_num":113,"body":"- الثاني: أن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته ﷾.\rوهذه هي حقيقة الربوبية؛ فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه وكل ذلك بمشيئته وتكوينه وحده لا شريك له (¬١).\rومما يدخل في هذه المرتبة: الإيمان بقدرة الله ﷾ الشاملة، وأنه ﷾ على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما شاء الله كونه فهو كائن بقدرته ﷿، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].\rوما لم يشأ كونه فليس لعدم قدرته عليه؛ بل لعدم مشيئته لوجوده، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].\rفأخبر أن هداية كل نفس أمر مقدور له، لكنه لم يرده، معللًا ﷾ بذلك عدم وقوعه.\rمرتبة الخلق: وهي الإيمان بأن الله ﷾ خالق كل شيء؛ فما من مخلوق في السموات والأرض إلا الله خالقه، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلا والله ﷾ خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه (¬٢).\rوهذه المرتبة متفق عليها بين الرسل ﵈، واتفقت عليها الكتب الإلهية","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ١٦٣).\r(¬٢) انظر: معارج القبول (٣/ ١١٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050271,"book_id":1102,"shamela_page_id":114,"part":"1","page_num":123,"sequence_num":114,"body":"والفطر والعقول والاعتبار (¬١).\rوسيأتي في مباحث الرسالة - إن شاء الله - الكلام على المسائل المندرجة تحت هذه المراتب، وإنما المقصود هنا هو بيان هذه المراتب إجمالًا.\rوأما عن وجوب الإيمان بهذه المراتب لتحقيق الإيمان بالقدر؛ فكما تقدم: لم يرد هذا التقسيم في نص من النصوص الشرعية لا قرآنًا ولا سنةً، وإنما عرفه أهل العلم بالتتبع والاستقراء، والناظر في هذه المراتب وأدلتها يدرك قطعًا وجوبها لأمرين:\rالأول: أن هذه المراتب هي في الحقيقة صفات لله ﷿، فالعلم والكتابة والمشيئة والخلق والقدرة، كلها صفات لله سبحانه، والإيمان بصفاته ﷾ واجب؛ لا ينازع أحد في ذلك.\rالثاني: أن مسائل القدر كلها مندرجة تحت هذه المراتب.\rفالخلاصة أن للقدر أربع مراتب هي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأنه لا بد من الإيمان بها لتحقيق صحة الإيمان بالقدر، وبالله التوفيق.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ١٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050272,"book_id":1102,"shamela_page_id":115,"part":"1","page_num":124,"sequence_num":115,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rمراتب القدر الأربعة هي الدعائم التي يقوم عليها الاعتقاد الصحيح في هذا الباب العظيم الشريف، فمن أتى بها كاملة فاز وأنجح، ومن لا؛ خسر وهلك، ولا يقتصر تحقيقها على مجرد الإثبات دون تحقيق ما حوته من معان ودلالات.\rوإثباتها كاملة على الوجه الصحيح لم يتحقق لغير أهل السنة والجماعة، وسواهم ما بين ناف لها كلها، أو ناف لبعضها، أو مثبت لها على هواه ورأيه دون ما دلت عليه في حقيقة الأمر، على ما سيأتي بيانه.\rفذهب القدرية الأوائل إلى إنكار مراتب القدر كاملة؛ فأنكروا العلم السابق وزعموا أن الأمر أُنُف، وهم الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة فتبرؤوا منهم وردُّوا بدعتهم.\rوكان أول من قال بهذا القول: معبد الجهني بالبصرة، كما في قصة يَحيى بن يعمر (¬١) مع ابن عمر، وفيها قوله: \"أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم - وذكر من شأنهم - وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُف\"، فقال له ابن عمر ﵄: \"فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه؛ ما قَبل الله منه حتى يؤمن بالقدر\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) هو: أبو سليمان ويقال أبو عدي، يحيى بن يعمر الوشقي العدواني البصري، من علماء التابعين، مات سنة (١٢٩ هـ) وقيل غير ذلك.\rانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤١)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٠١).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾ (١/ ٣٦) ح (٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050273,"book_id":1102,"shamela_page_id":116,"part":"1","page_num":125,"sequence_num":116,"body":"وممن رد عليهم من الصحابة كذلك: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وجابر، وأنس، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر الجهني، وأقرانهم ﵃، وكانوا يوصون الناس بأن لا يسلموا عليهم، ولا يعودوهم إن مرضوا، ولا يصلوا عليهم إذا ماتوا (¬١).\rوهؤلاء هم غلاة القدرية، وقد اتفق سلف الأمة على تكفيرهم (¬٢).\rوإنكارهم للعلم متضمن لإنكارهم للمراتب الأخرى، إذ لا كتابة بدون علم، ولا مشيئة ولا خلق.\rأما الكتابة فإنما تكون لشيء معلوم، فإذا عدم عدمت من باب أولى.\rوأما المشيئة فإنها لا تكون إلا بعد العلم بالمراد، فإذا لم يكن المراد معلومًا فلا مشيئة له عندئذ.\rوأما الخلق، فإن الخلق يستلزم العلم بكيفية المراد، وإرادة الخالق له، فإذا انتفى العلم انتفى الخلق لانتفاء العلم به ولانتفاء إرادته أيضًا، فنفي العلم نفي للكتابة ونفي للمشيئة وهو نفي للخلق من باب أولى (¬٣).\rولذلك قال وكيع بن الجراح ﵀: \"القدرية يقولون: الأمر مستقبل، وإن الله لم يقدر الكتابة والأعمال\" (¬٤)، فجمع ﵀ بين إنكارهم للعلم،","footnotes":"(¬١) انظر: التبصير في الدين (٢١).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩١)، درء التعارض (٩/ ٣٩٦)، شفاء العليل (١/ ١٣٠) و (٢/ ٧٨٦).\r(¬٣) وانظر ما تقدم ص (١١٠).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥)، ورواه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٢٦١) رقم (١٨٧٨) بلفظ: \"القدرية يقولون: الأمر مستقبل، وإن الله لم يقدر المصائب\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050274,"book_id":1102,"shamela_page_id":117,"part":"1","page_num":126,"sequence_num":117,"body":"وإنكارهم للكتابة وخلق الأعمال.\rويؤيد هذا أن في حكاية أصحاب المقالات كالبغدادي والإِسفْراييني (¬١) والشهْرسْتاني (¬٢) (¬٣) لمذهبهم ما يتبين منه أنهم خالفوا في مسائل أخر هي أصول في باب القدر، سيأتي التنبيه عليها في موضعها.\rفلم تنحصر مخالفتهم في إنكار العلم، بل شملت مسائل أخرى، فهذا يؤيد أن إنكارهم للعلم إنكار للمراتب الثلاث الأخرى، وإنكارهم للمراتب كلها نقض لباب القدر عن آخره، والله المستعان.\rويشبه مقالةَ هؤلاء - بل هي شر منها (¬٤) -: مقالةُ الفلاسفة الذين ذهبوا إلى إنكار علم الله سبحانه بالجزئيات، وحصروا علمه بالكليات فقط، أو قالوا: علمه بالجزئيات كلي، وستأتي مقالتهم مع ردها مستوفاة في المبحث القادم إن شاء الله.","footnotes":"(¬١) هو: أبو المظفر، طاهر بن محمد الإسفراييني، ثم الطوسي، الشافعي، من كتبه: \"التفسير\"، و\"التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين\"، توفي سنة ٤٧١ هـ.\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠١)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٦١).\r(¬٢) هو: أبو الفتح، محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني الشافعي الأشعري، ولد سنة (٤٦٧ هـ)، قال ابن أرسلان: \"عالم كيِّس متفنن، ولولا ميله إلى أهل الإلحاد وتخبطه في الاعتقاد، لكان هو الإمام\"، من كتبه: \"نهاية الإقدام في علم الكلام\"، و\"الملل والنحل\"، مات بشهرستانة سنة (٥٤٨ هـ).\rانظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٧٣)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٨٦).\r(¬٣) انظر: الفرق بين الفرق (٣٥)، والتبصير في الدين (٢١)، والملل والنحل (٤٠).\r(¬٤) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050275,"book_id":1102,"shamela_page_id":118,"part":"1","page_num":127,"sequence_num":118,"body":"وأما القدرية المعتزلة ومن وافقهم؛ فهم في مقابل الأوائل متوسطة، وهم الذين يثبتون مرتبتي العلم والكتابة، وينفون مرتبتي المشيئة والخلق.\rفأنكروا أن يكون الله سبحانه خالقًا لشيء من أفعال الأحياء، من البشر أو الدواب أو الهوام أو غير ذلك، هذا مما اتفق عليه سائر المعتزلة (¬١).\rبل لم يكتفوا بذلك حتى أنكروا قدرته عليها (¬٢)، وإنما تنازعوا هل يقدر على مثلها (¬٣).\rوأنكروا كذلك إرادته لما وقع من المعاصي: فاجتمع عندهم فيها أمران: عدم خلقه سبحانه لها وعدم مشيئتها.\rقال القاضي عبْد الجبَّار (¬٤): \"اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلَيْن\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) وهذا في الأفعال المباشرة، وأما في الأفعال المتولدة فاختلفوا فيما بينهم، وسيأتي تقسيمهم هذا في موضعه من البحث إن شاء الله.\r(¬٢) انظر: الفرق بين الفرق (١٠٤)، والفصل (٥/ ٥٧).\r(¬٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٤).\r(¬٤) هو: أبو الحسن، عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل الهمذاني الشافعي، شيخ المعتزلة، ولي قضاء القضاة بالري، من كتبه: \"المغني في أبواب التوحيد والعدل\"، و\"تنزيه القرآن عن المطاعن\"، مات سنة (٤١٥ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٤١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٤).\r(¬٥) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050276,"book_id":1102,"shamela_page_id":119,"part":"1","page_num":128,"sequence_num":119,"body":"وقال ابن المرتضى (¬١): \"وأجمعوا أن فعل العبد غير مخلوق فيه\" (¬٢).\rوقال القاضي عبد الجبار في بيان أن الله لم يشأ ما وقع من العباد من المعاصي: \"فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها\" (¬٣)، وذلك أن إرادة القبائح قبيحة، والله منزه عن القبيح؛ فوجب ألا يشاءه (¬٤).\rفلما كانت المشيئة عندهم مرادفةً للمحبة، لم يمكنهم القول بأن الله شاء المعاصي، إذ معلوم أن الله لا يحب المعاصي، فنفوا مشيئته لها.\rونفيهم لمشيئته لها نفي - في حقيقة الأمر - لخلقها؛ إذ لا خلق بلا مشيئة؛ فلو خلقها لكان شائيًا لها - أي محبًّا بزعمهم -، والله لا يحب المعاصي، وبالعكس؛ فنفي الخلق نفي للمشيئة إذ لو شاءها الله لوجدت، فكل ما شاءه الله فلا بد أن يوجد، فنفي خلقها نفي لإرادتها.\rفهذه جملة مقالتهم في هذا الباب، وهي تدور على أمرين:\rالأول: نفي خلق الله سبحانه لأفعال العباد.","footnotes":"(¬١) هو المهدي، أحمد بن يحيى بن المرتضى بن المفضل الحسني، من سلالة الهادي إلى الحق، من أئمة الزيدية باليمن، ولد في ذمار سنة (٧٧٥ هـ)، من كتبه: \"نكت الفرائد\" و\"الأزهار في فقه الأئمة الأخيار\"، توفي سنة (٨٤٠ هـ) في جبل حجة غربي صنعاء.\rانظر: البدر الطالع (١/ ١٥٥)، والأعلام (١/ ٢٦٩).\r(¬٢) طبقات المعتزلة (٨).\r(¬٣) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٢١٨).\r(¬٤) المصدر السابق (٦/ ٢٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050277,"book_id":1102,"shamela_page_id":120,"part":"1","page_num":129,"sequence_num":120,"body":"الثاني: نفي مشيئة الله للمعاصي منها، لأن المشيئة عندهم والمحبة مترادفتان.\rوأما المرتبتان الأوليتان؛ فهم يثبتونهما من حيث العموم، ولهم مخالفات في ضمن هذا الإثبات.\rوما يدل على إثبات العلم من كتبهم قول القاضي عبد الجبار: \"وجملة القول في ذلك أنه يلزمه [أي المكلف] أن يَعلمَ أنه تعالى كان عالمًا فيما لا يزال، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة بجهل أو سهو، وأنه عالم بجميع المعلومات على الوجه الذي يصح أن تُعلم عليها\" (¬١).\rوقال أبو الحَسن الأشْعري ﵀ (¬٢): \"وأجمعت المعتزلة على أن الله لم يزل عالمًا قادرًا حيًّا\" (¬٣).\rوأما الكتابة؛ فقال القاضي عبد الجبار: \"وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣]: يدل على أن كل ذلك يكتبه الحفظة، ثم يقع التمييز عند المحاسبة، ويحتمل أن يريد أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، كما كتب الله الآجال والأرزاق\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (١٦٠).\r(¬٢) هو: أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم الأشعري اليماني البصري، إمام الأشعرية، كان معتزليًّا، ثم تحول إلى مذهب ابن كلَّاب، ثم تركه وصار على مذهب السلف، من كتبه: \"مقالات الإسلاميين\"، و\"اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع\"، مات ببغداد سنة (٣٢٤ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٢٦٠)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٥).\r(¬٣) مقالات الإسلاميين (١/ ١٥٧).\r(¬٤) انظر: تنزيه القرآن (٤٠٨)، وانظر: (٣٧٧) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050278,"book_id":1102,"shamela_page_id":121,"part":"1","page_num":130,"sequence_num":121,"body":"وممن قررها أيضًا: أبو بكر الأصَم (¬١)، والزمخشري (¬٢) كما في مواضع عديدة من تفسيره (¬٣).\rوقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه روي عن عمرو بن عبيد في كتابة المقادير روايتان (¬٤)، والرواية الثانية هي ما رواه الدارقطني عن معَاذ بن معَاذ (¬٥) قال: \"كنت جالسًا عند عمرو بن عبيد، فأتاه رجل فقال له: يا أبا عثمان، سمعت اليوم بالكفر! فقال: لا تعجل بالكفر، وما سمعت؟ قال: سمعت هاشم الأَوقص (¬٦) يقول: إن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، وقوله:","footnotes":"(¬١) انظر: مفاتيح الغيب للرازي (١٩/ ٦٦ - ٦٧)، وهو: أبو بكر، عبد الرحمن بن كيسان الأصم المعتزلي، له \"تفسير\"، و\"كتاب خلق القرآن\"، مات سنة (٢٠١ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٠٢)، ولسان الميزان (٥/ ١٢١).\r(¬٢) هو: أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي المعتزلي، ولد في زمخشر سنة (٤٦٧ هـ)، كان داعية إلى الاعتزال، من كتبه: \"الكشاف\"، و\"أساس البلاغة\"، مات ليلة عرفة سنة (٥٣٨ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٥١)، وبغية الوعاة (٢/ ٢٧٩).\r(¬٣) انظر مثلًا: (٢/ ٢٢١ و ٣٤٢)، و (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧)، و (٤/ ٨٦).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥).\r(¬٥) هو: أبو المثنى، معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري البصري القاضي الحافظ، قال الإمام أحمد: \"معاذ بن معاذ إليه المنتهى في التثبت\"، مات بالبصرة سنة (١٩٦ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٥/ ١٦٥)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٥٤).\r(¬٦) هو: هاشم الأوقص أو ابن الأوقص، كان موافقًا لعمرو بن عُبَيد في بدعته، قال البخاري والجوزجاني: ضال غير ثقة.\rانظر: لسان الميزان (٨/ ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050279,"book_id":1102,"shamela_page_id":122,"part":"1","page_num":131,"sequence_num":122,"body":"﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ليسا في اللوح المحفوظ، والله تعالى يقول: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّه فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤] فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان؟ قال: فسكت عمرو بن عبيد ساعةً، ثم أقبل عليه فقال: لو كان الأمر على ما تقولون ما كان على أبي لهب من لوم، وما كان على الوحيد من لوم\" (¬١).\rفهذه الرواية تظهر جليًّا إنكار عمرو بن عبيد للكتابة.\rوبهذا يتبين أن المعتزلة ينكرون مرتبتي المشيئة والخلق، ويثبتون العلم والكتابة - على مخالفة لهم في حقيقة هذا الإثبات، والله أعلم.\rوأما الأشاعرة؛ فيخالفون منهج السلف في كثير من التفصيلات المتعلقة بمراتب القدر، إلا أنهم يثبتون هذه المراتب على وجه العموم.\rفنصوص الأشعري - إمام المذهب - وما حكاه من إجماعات للسلف تدل على هذا؛ يقول في رسالته \"رسالة إلى أهل الثغر\": \"باب ذكر ما أجمع عليه السلف من الأصول:. . . وأجمعوا على أنه تعالى قد قدَّر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميعَ ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون. . . وأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم، وإرادته لهم. . . وأجمعوا على أنه خالق لجميع الحوادث وحده لا خالق لشيء منها سواه. . . وأجمعوا على أن جميع ما عليه سائر الخلق من تصرفهم قد قدره الله ﷿ قبل خلقه لهم، وأحصاه في اللوح المحفوظ لهم، وأحاط علمه به وبهم، وأخبر بما يكون منهم، وأن أحدًا لا يقدر على تغيير","footnotes":"(¬١) أخبار عمرو بن عبيد (٨٧) رقم (٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050280,"book_id":1102,"shamela_page_id":123,"part":"1","page_num":132,"sequence_num":123,"body":"شيء من ذلك، ولا الخروج عما قدره الله تعالى وسبق علمه به، وبما يتصرفون في علمه وينتهون إلى مقاديره، فمنهم شقي وسعيد\" (¬١).\rفاشتمل كلامه على إثبات المراتب كلها.\rومن ذلك قول البَيجُوري (¬٢): \"فالقضاء والقدر راجعان لما تقدم من العلم والإرادة وتعلق القدرة\" (¬٣)، وتعلق القدرة عندهم معناه الإيجاد (¬٤)، فهذا نص منه على العلم والإرادة والخلق.\rونص الرازي على الكتابة بقوله في تقرير الدلائل الإخبارية على صحة القول بالقضاء والقدر: \"الحجة الثلاثون: عن أبي ظَبْيان (¬٥) عن ابن عباس قال: (أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) (¬٦)، وجه الاستدلال به: أنه دخل في هذا المكتوب جميع أفعال العباد\" (¬٧).","footnotes":"(¬١) رسالة إلى أهل الثغر (٢٤٧ و ٢٥٢ و ٢٥٤ و ٢٦٥ - ٢٦٦).\r(¬٢) البيجوري: أو البيجوري،: إبراهيم بن محمد بن أحمد الأشعري، شيخ الجامع الأزهر، من فقهاء الشافعية، من كتبه: \"تحفة المريد\"، و\"تحقيق المقام\"، مات سنة (١٢٧٧ هـ).\rانظر: الأعلام (١/ ٧١)، ومعجم المؤلفين (١/ ٥٧).\r(¬٣) حاشية البيجوري على جوهرة التوحيد (١٨٩).\r(¬٤) انظر: المواقف للإيجي (١٥٢).\r(¬٥) في المطبوع: \"أبو طهمان\" وهو خطأ، وأبو ظَبْيان هو حصين بن جندب بن الحارث الجَنْبي، أبو ظَبيان الكوفي، ثقة من الثانية. انظر: تقريب التهذيب (١٣٧٥)، وتهذيب التهذيب (١/ ٤٤١).\r(¬٦) رواه من هذا الطريق: البيهقي: كتاب السير، باب مبتدأ الخلق (٩/ ٣)، وقد تقدم تخريجه ص (٣٧) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا.\r(¬٧) المطالب العالية (٩/ ٢٤٤)، وانظر: (٩/ ٢١٩) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050281,"book_id":1102,"shamela_page_id":124,"part":"1","page_num":133,"sequence_num":124,"body":"واستدل في الحجة العاشرة بحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) (¬١) مقرًّا لما تضمنه من كتابة المقادير (¬٢).\rلكنه ذهب إلى أن الإيمان باللوح المحفوظ وكتابة المقادير فيه غير واجب، فقال: \"لأن المسلمين أجمعوا على أن العلم بوجود اللوح المحفوظ، وبأن الله أحدث فيه رقومًا خاصة دالة على أحوال هذا العالم؛ ليس من شرائط الإيمان، ولا من واجباته\" (¬٣).\rوما ذهب إليه واضح البطلان من وجهين:\rالأول: أن النصوص دلت بطريق القطع على وجوب الإيمان بالقدر، ومن الإيمان بالقدر - باعترافه هو - الإيمان بأن الله سبحانه كتب في اللوح المحفوظ مقادير العباد، فهو واجب.\rالثاني: أن الإيمان باللوح وكتابة المقادير فيه من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها والتصديق لها، والأشاعرة أنفسهم يجعلون باب السمعيات - الذي من جملته اللوح - مما يجب الإيمان به.\rوأما الماتريدية؛ فقد ذهبوا إلى إثبات المراتب من حيث العموم دون التنصيص على أن هذه هي مراتب القدر، مع وجود المخالفة في حقيقة الإثبات لبعض المراتب.\rففي كلام أئمتهم إثبات صفة العلم لله ﷾، ومن ذلك قول أبي","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (١١٢).\r(¬٢) المطالب العالية (٩/ ٢٣٠)، وانظر: (٩/ ٢٣١) منه.\r(¬٣) المصدر السابق (٩/ ٢٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050282,"book_id":1102,"shamela_page_id":125,"part":"1","page_num":134,"sequence_num":125,"body":"منصور الماتريدي (¬١) في كتابه \"التوحيد\": \"ثم إذا كان الله جل ثناؤه موصوفًا بالعلم والقدرة والجبروت والحياة لذاته، لإحالة احتماله الأغيار\" (¬٢).\rوكذلك هم ممن يثبت اسم الله سبحانه \"العليم\" وما تضمنه من صفة \"العلم\".\rقال الكَمال بن الهُمام (¬٣): \"ثم إنه سميع بسمع وبصير بصفة تسمى بصرا، وكذا عليم بعلمٍ، وقدير بقدرة ومريد بإرادة، لأنه تعالى أطلق على نفسه هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم من اللغة من عليم: ذات له علم، بل يستحيل عندهم عليم بلا علم، كاستحالته بلا معلوم، فلا يجوز صرفه عنه إلا لقاطع عقلي يوجب صرفه\" (¬٤).\rولأبي منصور كلام طويل في تقرير خلق الأفعال في كتابه \"التوحيد\" (¬٥).\rوقال البزدوي (¬٦): \"قال أهل السنة والجماعة: إن الحوادث كلها من","footnotes":"(¬١) هو: أبو منصور، محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، من أئمة المتكلمين إمام المذهب الماتريدي، من كتبه: \"التوحيد\"، و\"تأويلات أهل السنة\"، مات سنة (٣٣٣ هـ).\rانظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ١٣٠)، والفوائد البهية (١٩٥).\r(¬٢) التوحيد (٣٠٠).\r(¬٣) هو: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي ثم الإسكندري الحنفي، كمال الدين، المعروف بابن الهمام، ولد بالإسكندرية، من كتبه: \"التحرير\"، و\"المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة\"، مات سنة (٨٦١ هـ).\rانظر: الضوء اللامع (٨/ ١٢٧)، وشذرات الذهب (٩/ ٤٣٧).\r(¬٤) المسايرة مع شرحها المسامرة (٦٨ - ٦٩).\r(¬٥) انظر: (٣٠٥ - ٣١٨) منه.\r(¬٦) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي الماتريدي شيخ الحنفية، =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050283,"book_id":1102,"shamela_page_id":126,"part":"1","page_num":135,"sequence_num":126,"body":"الأعيان والأفعال بمشيئة الله وإرادته وحكمه، خيرًا كان أو شرا\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"قال أهل السنة والجماعة: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومفعولة، والله تعالى هو موجدها ومحدثها ومنشئها\" (¬٢).\rوقال أبو المعين النَّسفي (¬٣) في ذكر مرتبتي المشيئة والخلق: \"وإذا ثبت أن الله تعالى هو الذي يتولى تخليق أفعال العباد خيرها وشرها، طاعتها ومعصيتها، والله تعالى مختار في تخليق ما يخلق غير مضطر فيه، ولا اختيار بدون الإرادة؛ ثبت أن ما يوجد من أفعال العباد كلها بإرادة الله تعالى، وما لم يوجد منها؛ لم يكن بإرادة الله تعالى، إذ لم يخلقه. ثم حاصل المذهب أن كل حادث حدث بإرادة الله تعالى على أي وصف كان\" (¬٤).","footnotes":"= صاحب الطريقة في المذهب، ولد في حدود سنة (٤٠٠ هـ)، من كتبه: \"المبسوط\"، و\"أصول البزدوي\"، مات سنة (٤٨٢ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٦٠٢)، والجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ٥٩٤).\r(¬١) أصول الدين (٥٢)، وانظر: (٥١) منه أيضًا.\r(¬٢) المصدر السابق (١٠٤).\r(¬٣) هو: أبو المعين، ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول النسفي الحنفي، من كتبه: \"بحر الكلام\"، و\"تبصرة الأدلة\"، مات سنة (٥٠٨ هـ).\rانظر: تاريخ الإسلام (١١/ ١١٩)، والجواهر المضية في طبقات الحنفية (٣/ ٥٢٧).\r(¬٤) التمهيد في أصول الدين (١١٢)، وعقد لهذا الكلام وما بعده فصلًا بعنوان: \"فصل في أن المعاصي بإرادة الله تعالى ومشيئته\"، كما عقد فصولًا أخرى لبيان خلق أفعال العباد هي: \"فصل في إثبات خلق أفعال العباد\"، وفصل في أن المتولدات مخلوقة لله تعالى\"، و\"فصل في القضاء والقدر وثبوت كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى\" و\"فصل في الهدى والضلال وثبوت خلق الأفعال\"، و\"فصل في إبطال القول بالأصلح وثبوت خلق الأفعال وكون =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050284,"book_id":1102,"shamela_page_id":127,"part":"1","page_num":136,"sequence_num":127,"body":"وفي جملة من كلام الكمال بن الهمام يجد القارئ إثباتهم للعلم والمشيئة والخلق، قال: \"الركن الثاني: العلم بصفات الله تعالى، ومداره على عشرة أصول، حاصل ستة منها: العلم بأنه تعالى قادر حي مريد، لما ثبت وحدانيته في الألوهية (¬١)؛ ثبت استناد كل الحوادث إليه، وهو مشَاهَدٌ منها كمال الإحسان، ويستلزم ذلك قدرته تعالى وعلمه بما يفعله ويوجده، وينضم إلى هذا أنه هو الموجد لأفعال المخلوقات، فيلزمه علمه بكل جزئي جزئي\" (¬٢).\rوأما مرتبة الكتابة، فنصوا عليها أيضًا، ومن ذلك قول الناصري: \"وقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ جميع ما يكون وجميع ما تفعل العباد قبل خلقهم\" (¬٣).\rوقال صاحب \"مميزات مذهب الماتريدية\": \"وكون أفعال العباد بعلم الله تعالى وإرادته وتقديره وكتبه في اللوح؛ لا يستلزم كون صدورها من العباد بالجبر\" (¬٤)، وهذا نص منه على العلم والكتابة والمشيئة.\rوبهذا يتبين أن الماتريدية يثبتون مراتب القدر من حيث العموم، ومخالفتهم هي في جزئيات تتعلق ببعضها، سيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله.","footnotes":"= الكفر والمعاصي مخلوقة لله تعالى. . .\".\r(¬١) هذا من خلط المتكلمين بين الربوبية والألوهية.\r(¬٢) المسايرة مع شرحها المسامرة (٥٨ - ٦٠)، وقد نقل زين الدين قاسم الحنفي في حاشيته عليها اتفاق \"جمهور العقلاء على أن الله تعالى عالم بما يجري في ملكه\".\r(¬٣) النور اللامع (ل ١١٠)، بواسطة: الماتريدية دراسةً وتقويمًا لأحمد عوض الله اللهيبي.\r(¬٤) مميزات مذهب الماتريدية عن العقائد الغيرية ضمن مجموع (ل ٧٥)، بواسطة المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050285,"book_id":1102,"shamela_page_id":128,"part":"1","page_num":137,"sequence_num":128,"body":"المبحث الرابع: \"علم الله سبحانه شامل لكل شيء\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050286,"book_id":1102,"shamela_page_id":129,"part":"1","page_num":139,"sequence_num":129,"body":"المبحث الرابع: \"علم الله سبحانه شامل لكل شيء\"\rكان الكلام في القاعدة السابقة عن مراتب القدر - ومنها العلم - ووجوب الإيمان بها، وسيكون الكلام في هذه القاعدة في تفصيل ما يتعلق بالعلم من حيث شموله لكل شيء.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فالعلم يتناول الموجود والمعدوم، والواجب والممكن والممتنع، وما كان وما سيكون، وما يختاره العالِم وما لا يختاره\" (¬١).\rوقال ﵀: \"وذلك أن الله يعلم الموجود والمعدوم والواجب والممكن والممتنع\" (¬٢).\rوقال ابن القيم ﵀: \"الأصل الأول: إثبات عموم علمه سبحانه، وإحاطته بكل معلوم، وأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض؛ بل قد أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل","footnotes":"(¬١) شرح الأصبهانية (٦٧٩).\r(¬٢) جامع المسائل (٤/ ٤٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050287,"book_id":1102,"shamela_page_id":130,"part":"1","page_num":140,"sequence_num":130,"body":"شيء عددًا\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"العلم أعم الصفات تعلقًا بمتعلقه وأوسعها؛ فإنه يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل، والجائز والموجود والمعدوم. . . فالعلم أوسع وأعم وأشمل في ذاته ومتعلَّقه\" (¬٢).\rوقال السفاريني ﵀: \"فيجب شرعًا أن يُعلم أن علم الله غير متناه من حيث تعلقه. . . فهو شامل لجميع المتصوَّرات سواء كانت واجبة كذاته وصفاته، أو مستحيلة كشريك له تعالى، أو ممكنة كالعالم بأسره، الجزيئات من ذلك والكليات، على ما هي عليه من جميع ذلك\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٢/ ٥٢٨).\r(¬٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٠).\r(¬٣) لوامع الأنوار (١/ ١٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050288,"book_id":1102,"shamela_page_id":131,"part":"1","page_num":141,"sequence_num":131,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على شمول علم الله ﷾ الكتاب والسنة وإجماع السلف.\rفمن أدلة الكتاب:\rقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].\rوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].\rوقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين﴾ [الأنعام: ٥٩].\rوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].\rومن أدلة السنة:\rحديث ربعي بن حراش ﵀ عن رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج؟. . . الحديث، وفيه قوله للنبي ﷺ: فهل بقى من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: (قد علم الله ﷿ خيرًا، وإنَّ من العلم ما لا يعلمه إلا الله؛ الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050289,"book_id":1102,"shamela_page_id":132,"part":"1","page_num":142,"sequence_num":132,"body":"اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]) (¬١).\rوحديث أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ: (أن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. . .) الحديث وفيه: (فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حَرْف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال له الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) (¬٢).\rحديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: (إذا هَمَّ أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علَّام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. ويسمي حاجته) (¬٣).\rفذكر علمه العلم مقرونًا بوصفه بأنه علام الغيوب، وهذا يعم كل ما","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٣٨/ ٢٠٦) ح (٢٣١٢٧) من طريق منصور عن ربعي به، وهذا إسناد صحيح. قال الألباني في الصحيحة (٦/ ٤٧٨): \"وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين غير الرجل العامري، وهو صحابي فلا يضر الجهل باسمه\".\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵉ (٤/ ١٥٤) ح (٣٤٠١)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر ﵇ (٤/ ١٨٤٧) ح (٢٣٨٠).\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة (٨/ ٨١) ح (٦٣٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050290,"book_id":1102,"shamela_page_id":133,"part":"1","page_num":143,"sequence_num":133,"body":"صح أن يسمى علمًا، ثم ذكر علمه بالشيء المعين.\rوأما الإجماع، فممن نقله:\r- المزني ﵀، قال - بعد أن ذكر جُمَلًا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومنها: \"أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، فالخلق عاملون بسابق علمه ونافذون لما خلقهم له من خير وشر\" -: \"هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضا\" (¬١).\r- الأشعري ﵀، قال: \"وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجَهمية (¬٢) والمعتزلة والحرورية على أن لله علمًا لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث، ونازلة تنزل: كل هذا سابق في علم الله، فمن جحد أن لله علمًا خالف المسلمين، وخرج به عن اتفاقهم\" (¬٣).\r- شيخ الإسلام ﵀، قال - بعد أن ساق آيات في تعلق علم الله","footnotes":"(¬١) شرح السنة (٧٩ و ٨٨).\r(¬٢) هم أتباع جهم بن صفوان السمرقندي، من أبرز عقائدهم: تعطيل الأسماء والصفات، والقول بخلق القرآن، والقول بالجبر، والقول بفناء الجنة والنار، والقول أن الإيمان هو المعرفة فقط، انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٤)، الفرق بين الفرق (١٨٦)، والفصل (٥/ ٧٣)، والملل والنحل (١/ ٩٧)، إلا أن هذه التسمية صارت تطلق على كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة. انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٩)، و (١٤/ ٣٥٢).\r(¬٣) الإبانة عن أصول الديانة (٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050291,"book_id":1102,"shamela_page_id":134,"part":"1","page_num":144,"sequence_num":134,"body":"بالمخلوقات بعد وجودها -: \"هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون\" (¬١).\rهذه بعض أدلة العلم، وبالجملة فكل دليل على القدر بصفة عامة، أو على مرتبة من مراتبه؛ فهو دليل على العلم وشموله، لأن مراتب القدر كلها تدل على العلم كما تقدمت الإشارة إليه (¬٢).","footnotes":"(¬١) درء المعارض (٩/ ٣٩٦).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050292,"book_id":1102,"shamela_page_id":135,"part":"1","page_num":145,"sequence_num":135,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rسبق الكلام على مرتبة العلم بصورة مجملة، وسيكون الكلام فيه في هذه القاعدة مفصلًا من حيث شموله لكل شيء.\rوالعلم صفة من الصفات الذاتية الفعلية لله ﷿، وهي من الصفات المعنوية المعلومة بالعقل، وتتعلق بكل معلوم على التفصيل (¬١)، ومن أسمائه ﷿ العليم.\rوعلم الله ﷾ علم كامل يليق بكمال الله ﷿، علم لم يُسبق بجهالة، ولا يلحقه نسيان، ولا يعتريه نقص بحال من الأحوال.\rوشمول علم الله ﷿ يمكن ترتيبه في أمور:\rالأول: شمول علمه ﷾ لما يتعلق به ﷿: فأسماء الرب وصفاته، وكذا ذاته؛ معلومة له.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"اللطيف الخبير علمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه مستلزم لعلمه بلوازم ذاته\" (¬٢).\rوقال ابن القيم ﵀: \"فذات الرب سبحانه وصفاته وأسماؤه معلومة له\" (¬٣).\rوقال السفاريني ﵀: \"فهو شامل لجميع المتصورات؛ سواء كانت واجبة كذاته وصفاته. . .\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: الصواعق المرسلة (٤/ ١٢١٩).\r(¬٢) درء التعارض (١٠/ ١١٧).\r(¬٣) مفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٠).\r(¬٤) لوامع الأنوار (١/ ١٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050293,"book_id":1102,"shamela_page_id":136,"part":"1","page_num":146,"sequence_num":136,"body":"وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"معلومه يدخل فيه علمه بذاته وبصفاته، وبما سوى ذلك\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"فعلم الله تعالى واسع شامل محيط لا يستثنى منه شيء، فأما علمه بالواجب، فكعلمه بنفسه وبما له من الصفات الكاملة. . .\" (¬٢).\rالثاني: شمول علم الله ﷾ لما كان في الماضي: ومعناه أن الله ﷿ قد علم ما كان في الماضي من دقيق الأمور وجليلها، فلم تخف عليه منها خافية، سواء فيما يتعلق بهذا العالم وما جَرَى فيه، أو ما سبقه مما لا يعلمه إلا الله، وسواءٌ ما يتعلق بنفسه ﷾، أو ما يتعلق بمخلوقاته.\rويدل على ذلك قوله ﷾ في قصة موسى ﵇ مع فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١، ٥٢].\rفقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ هو جواب من موسى ﵇ لفرعون لما احتج عليه بشرك الأمم الماضية، أي: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم به.\rوقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، أي: لا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئًا؛ فأثبت له كمال العلم وإحاطته بكل شيء ابتداءً، ثم نفى عنه النقص والنسيان؛ فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنَزَّه نفسه عن ذلك (¬٣).","footnotes":"(¬١) فتاوى ابن عثيمين (٨/ ١٣٩).\r(¬٢) المصدر السابق (٨/ ١٤٩ - ١٥٠).\r(¬٣) انظر: تفسير ابن كثير (٩/ ٣٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050294,"book_id":1102,"shamela_page_id":137,"part":"1","page_num":147,"sequence_num":137,"body":"الثالث: شمول علم الله ﷾ لما سيكون في المستقبل: ومعناه أن الله ﷿ علم علمًا أزليًّا بما سيقع فيما سيأتي من أزمان؛ سواء فيما يتعلق بالدنيا وما تصير إليه، وما يقع فيها من أمور إلى حين انقضائها وزوالها، أو ما يتعلق بالآخرة، إلى ما لا نهاية له.\rوسواءٌ في كل ذلك ما يتعلق بنفسه ﷾، أو ما يتعلق بمخلوقاته.\rويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢].\rيعني: إلا في أم الكتاب (¬١).\rفأخبر ﷾ أن كتابته للمصيبة سابقة لوقوعها، والكتابة لا تكون إلا عن علم، فدل على أن علمه بها متقدم على وقوعها.\rويدل عليه كذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) (¬٢).\rوكل دليل على تقدُّم الكتابة فهو دليل على العلم السابق بما سيكون - لأن الكتابة لا تكون إلا عن علم كما تقدم آنفًا -، سواء كانت الكتابة الأزلية أو غيرها، مع كون الكتابة الأولى كافية في الدلالة على ذلك لأن ما بعدها تفصيل منها (¬٣).\rومما يدل عليه الآيات والأحاديث التي جاءت في وصف المغيبات","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٤١٨).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (١١٢).\r(¬٣) انظر: ما تقدم ص (١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050295,"book_id":1102,"shamela_page_id":138,"part":"1","page_num":148,"sequence_num":138,"body":"المتعلِّقَة بيوم القيامة، وما يتبع ذلك من نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، ونحو ذلك، ومن ذلك:\rقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُم رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَة وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين﴾ [الطور: ١٧ - ٢٠].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٨].\rوحديث ابن مسعود ﵁ في قصة آخر من يدخل الجنة (¬١)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ في قصة صاحب البطاقة (¬٢).\rوكذا النصوص التي جاءت في وصف ما سيكون من الفتن وأشراط الساعة؛ كخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ونحو ذلك (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب آخر أهل النار خروجًا (١/ ١٧٤) ح (٣١٠).\r(¬٢) رواه الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (٤/ ٣٧٩) ح (٢٦٣٩)، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٥/ ٦٧٠) ح (٤٢٩٩) كلاهما من طريق الليث بن سعد، عن عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي، عن عبد الله بن عمرو ﵄، وهذا إسناد صحيح، وصححه الحاكم (١/ ٦) وقال: \"على شرط مسلم\"، والألباني في الصحيحة ح (١٣٥).\r(¬٣) قال شيخ الإسلام ﵀ جامع الرسائل (١/ ١٨٣): \"فأما إثبات علمه وتقديره للحوادث قبل كونها ففي القرآن والحديث والآثار ما لا يكاد يحصر بل كل ما أخبر الله به قبل كونه =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050296,"book_id":1102,"shamela_page_id":139,"part":"1","page_num":149,"sequence_num":139,"body":"الرابع: شمول علم الله ﷾ لما لا يقع: ويدخل فيه الجائز الذي علم الله أنه لا يقع، والممتنع.\rفمن أدلة الأول:\rقوله ﷾ عن أهل النار: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\rفأخبر ﷾ عن علمه بهؤلاء الكفار بأنه لو ردهم إلى دار التكليف مرة أخرى ليستدركوا ما فاتهم من الإيمان والعمل؛ أنهم لا يؤمنون، بل يرجعون إلى سالف عهدهم من الكفر والمخالفة (¬١)، مع أن رجوعهم إلى دار الدنيا أمر قد أخبر ﷾ بأنه لا يقع، كما في قوله ﷾: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧].\rوكذا قوله عن المشركين: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].\rأي: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله ﷿ حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فلن يؤمنوا، ثم أخبر ﷾ أنه لو أفهمهم ذلك لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيمان به، معاندون للحق بعد العلم به (¬٢).","footnotes":"= فقد علمه قبل كونه\".\r(¬١) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥٠).\r(¬٢) انظر: تفسير الطبري (١٣/ ٤٦٣)، وانظر كذلك: شرح الطحاوية (١/ ١٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050297,"book_id":1102,"shamela_page_id":140,"part":"1","page_num":150,"sequence_num":140,"body":"ومن أدلة الثاني:\rقوله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢].\rأخبر جل وعلا عن علمه بما ينتج عن هذا الأمر المستحيل فيما لو وقع، وهو فساد أهل السماوات والأرض (¬١)، مع كونه ﷾ قد أخبر عن استحالة وقوعه، بإخباره سبحانه بتفرده بالإلهية وانتفاء الشريك معه، كما قال ﷿: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥].\rوقوله ﷾: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].\rأي: لو كان مع الله ﷾ آلهة كما يزعمه المشركون؛ - وهذا ممتنع غير واقع - إذن لابتغت تلك الآلهة القربة من الله ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى إليه (¬٢).\rالخامس: شمول علم الله ﷾ للجُزئيَّات (¬٣): ومعناه أن علم الله ﷿ لا يقتصر على كليات الأمور؛ بل هو شامل للتفصيلات والدقائق أيضًا، فما من أمر عظيم ولا حقير، كبير ولا صغير؛ إلا والله يعلمه، ويعلم أدق تفصيلاته في ذاته وصفاته وأحواله، وجميع ما يتعلق به.","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير الطبري (١٦/ ٢٤٦).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (١٤/ ٦٠٣).\r(¬٣) الجُزْئِي: ما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة كزيد، وبإزائه الكُّلِّيّ، وهو: ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه كالإنسان، انظر: التعريفات للجرجاني (٧٩ و ١٩٥)، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا (١/ ٤٠٠) و (٢/ ٢٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050298,"book_id":1102,"shamela_page_id":141,"part":"1","page_num":151,"sequence_num":141,"body":"ويدل على ذلك: النصوص التي أخبرت بعموم علمه بالأشياء، وهذا العموم يقتضي علمه بالجزئيات، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\rوقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\rويدل عليه كذلك: النصوص الواردة في كتابة المقادير؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].\rفإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته؛ كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجُزئية المعيَّنة، فتقدير الله يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات (¬١).\rومما يدل على علمه بالجزئيات: خلقه ﷾ للأشياء، فإن الخلق يستلزم علمه بتفاصيل المخلوق.\rقال ﷿: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩].\rفأتبع ﷾ احتجاجه بالنشأة الأولى على قدرته على الإعادة بإخباره بشمول علمه لأن الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه بتفاصيل خلقه.\rوقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ عقِب ذلك فيه فائدة أخرى؛ وهي","footnotes":"(¬١) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٣٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050299,"book_id":1102,"shamela_page_id":142,"part":"1","page_num":152,"sequence_num":142,"body":"إخباره بعلمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال (¬١)، فبعلمه بتفاصيلها مع قدرته ﷾ يعيدها مرة أخرى.\rقال السعدي ﵀: \"وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي على (¬٢) ثبوت علمه؛ وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر، فإن في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته\" (¬٣).\rوقال ﷾: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وهذه الآية تدل على كونه عالمًا بالجزئيات من طرق:\rأحدها: من جهة كون الخلق يستلزم العلم بالمخلوق.\rوالثاني: من جهة كونه في نفسه لطيفًا خبيرًا، وذلك يوجب علمه بدقيق الأشياء وخفيها، ثم يقال: اللطيف الخبير عِلمه بنفسه أولى من علمه بغيره، وعلمه بنفسه مستلزم لعلمه بلوازم ذاته - كما تقدم - فقد تضمنت الآية هذه الطرق الثلاثة\" (¬٤).\rومما يدل على ذلك أيضًا أن الله سبحانه سمى ووصف نفسه بما يدل على علمه بتفاصيل الأمور وخفاياها وخباياها.\rومن ذلك: تسميته نفسه باسم الخبير واللطيف، ووصفه نفسه بما","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (١/ ٣٣).\r(¬٢) في المطبوع \"إلى\" وهو خطأ.\r(¬٣) تفسير السعدي (١/ ٤٩٧).\r(¬٤) درء التعارض (١٠/ ١١٧)، وانظر: (١٠/ ٥٤) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050300,"book_id":1102,"shamela_page_id":143,"part":"1","page_num":153,"sequence_num":143,"body":"تضمناهما من المعاني وهي اللُّطف والخبرة.\rومعنى الخبير: \"العالم بكُنْه الشيء، المطَّلع على حقيقته، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] \" (¬١).\rوالخبير بمعنى العليم، لكن إذا أضيف العلم إلى الأمور الباطنة الخفية سُمِّي خبرة، وسمي صاحبه خبيرًا (¬٢).\rوقد يقرن الله ﷿ بينه وبين اسم \"العليم\"، كما في قوله ﷾: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. فحينئذ يكون المعنى: \"الذي أحاط علمُه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء\" (¬٣).\rوأما اللطيف فله معنيان:\rأحدهما: ما نحن بصدده؛ وهو الذي لا تخفى عليه خافية، بل أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، وهو بمعنى الخبير.\rالثاني: اللطيف بعباده المؤمنين، الذي يوصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه، من طرق خفية عنهم لا يشعرون بها، وهو بمعنى الرؤوف (¬٤).","footnotes":"(¬١) شأن الدعاء (٦٣).\r(¬٢) المقصد الأسنى (٧٦).\r(¬٣) تفسير السعدي (١/ ٢٤).\r(¬٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050301,"book_id":1102,"shamela_page_id":144,"part":"1","page_num":154,"sequence_num":144,"body":"قال العلامة ابن القيم ﵀ (¬١):\rوهو اللطيف بعبده ولعبده … واللُّطْف في أوصافه نوعانِ\rإدراك أسرار الأمور بخبرةٍ … واللُّطْف عند مواقع الإحسانِ\rفيُريك عزَّته ويُبدي لُطْفَه … والعبد في الغَفَلات عن ذا الشانِ\rويقرن الله ﷾ بينه وبين الخبير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ومعناه عندئذ: \"الذي لطف علمه بما في القلوب؛ الخبير بما تُسِره وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية\" (¬٢).\rومن الأدلة على علمه ﷾ بالجزئيات: إخباره ﷾ في مواطن كثيرة من كتابه بتفاصيل الأمور المعيَّنة، كإخباره عن قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما آل إليه حالهم.\rومن الأدلة أيضًا: أنه لو لم يكن عالمًا بها لكان جاهلًا، والجهل نقص يتنَزَّه الله عنه، فوجب أن يكون عالما بها (¬٣).\rومن الأدلة أيضًا: أن نفيَ علم الله ﷾ بالجزئيات نفيٌ لعلمه بالأشياء؛ لأن الكليات لا وجود لها خارج الذهن؛ وإنما الموجود خارج الذهن: الجزئياتُ المعيَّنة.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فإن لم يعلم المعيَّنات لم يعلم شيئًا من الموجودات، إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان، فمن لم","footnotes":"(¬١) النونية (١٧٩) رقم (٣٣٠٠ - ٣٣٠٢).\r(¬٢) فتح القدير (٥/ ٣٤٨).\r(¬٣) بيان التلبيس (٥/ ٣٩)، وانظر لهذا المسلك في الاستدلال على صفات الكمال: التدمرية (١٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050302,"book_id":1102,"shamela_page_id":145,"part":"1","page_num":155,"sequence_num":145,"body":"يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات\" (¬١).\rومن الأدلة أيضًا: أن من المخلوقات من يعلم بعض الجزئيات، والعلم بها صفة كمال؛ فوجب أن يكون الله سبحانه عالمًا بها، لأن كل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه، لأمرين:\rالأول: أنه ﷾ أكمل من المخلوق، فيمتنع أن يوصف المخلوق بكمال ويكون الرب ﷿ عاريًا عنه؛ لأنه الأكمل.\rالثاني: لأنه هو الذي أعطى المخلوق ذلك الكمال، فمعطي الكمال لغيره أولى وأحرى أن يكون هو موصوفًا به (¬٢).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"بل مخلوقه له علم بالكلي والجزئيات، فالخالق أولى بذلك\" (¬٣).\rوإذا ثبت علمه ببعض الجزئيات؛ ثبت علمه بها كلها؛ إذ لا فرق بين جزئية وأخرى، ولأنه لم يقل أحد من الناس أنه يعلم بعض الجزئيات دون بعض، فهم إما مثبتون لعلمه بها كلها، وإما نافون. والله أعلم.\rقال العلامة ابن القيم ﵀ في بيان شمول علم الله ﷾ (¬٤):\rوهو العليم بما يُوسوِس عبدُه … في نفسه من غير نطق لسانِ","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٩٥)، وانظر: (١١/ ٢٢٧) منه، ودرء التعارض (٥/ ١١٣) و (١٠/ ١٦٦)، وشفاء العليل (٢/ ٥٢٨).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (١/ ٣٠)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٣٥٧)، وشرح الأصبهانية (٣٩٦ - ٣٩٧).\r(¬٣) درء التعارض (١٠/ ١٧٣).\r(¬٤) النونية (٤٤) رقم (٥٢٦ - ٥٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050303,"book_id":1102,"shamela_page_id":146,"part":"1","page_num":156,"sequence_num":146,"body":"بل يستوي في علمه الداني مع الـ … ــقاصي وذو الإسرار والإعلانِ\rوهو العليم بما يكون غدًا وما … قد كان والمعلوم في ذا الآنِ\rوبكل شيء لم يكن لو كان كيـ … ـف يكون موجودًا لدى الأعيانِ\rوالحاصل أن علم الله ﷾ شامل لكل شيء على وجه التفصيل، ولا يخرج عنه شيء، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050304,"book_id":1102,"shamela_page_id":147,"part":"1","page_num":157,"sequence_num":147,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rإثبات العلم لله ﷾، وشموله لكل شيء؛ شموله لما يتعلق به ﷿، وشموله لما كان في الماضي، وشموله لما لا يقع، وشموله لما سيكون في المستقبل، وشموله للجُزئيَّات أمر لم يخالف فيه بالجملة أحد من المنتسبين للإسلام (¬١)، وإنما خالف في ذلك طائفتان:\rالأولى: القدرية الأوائل الذين أنكروا علمه بالمستقبل، ومن تبعهم كالرافضة الذين قالوا بالبداء (¬٢).\rالثانية: الفلاسفة الذين أنكروا علمه بالجزئيات.\rوليس مع واحدة منهما دليل صحيح، بل أوهام ظنوها حقائق وأدلة.\rأما القدرية الأوائل؛ وهم غلاة القدرية، وقد تقدم وصفهم وبيان اتفاق سلف الأمة على تكفيرهم (¬٣)، وقد قال الشافعي ﵀: \"ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروا كفروا\" (¬٤).\rوقال عبد الله بن أحمد: \"سمعت أبي ﵀ وسأله علي بن الجهم عمن قال بالقدر يكون كافرًا؟ - قال: إذا جحد العلم؛ إذا قال إن الله ﷿ لم يكن عالمًا حتى خلق علمًا فعلم؛ فجحد علم الله ﷿ فهو كافر\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: نهاية الإقدام (٢١٥).\r(¬٢) سيأتي تعريفه ص (٢٤٩).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (١٢٥).\r(¬٤) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٣٥٤).\r(¬٥) السنة لعبد الله (٢/ ٣٨٥) رقم (٨٣٥)، وانظر: السنة للخلال (٣/ ٥٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050305,"book_id":1102,"shamela_page_id":148,"part":"1","page_num":158,"sequence_num":148,"body":"ومذهب هؤلاء واضح البطلان، جلي المخالفة لما علم بالدليل القاطع من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.\rأما الكتاب والسنة؛ فالآيات والأحاديث الكثيرة المتتابعة على إثبات علم الله ﷾، كما سبق سياق بعضها، وسبق أيضًا سياق الإجماع (¬١).\rوأما العقل؛ فمن وجوه:\rالأول: أن العلم صفة كمال، ونقيضه الجهل صفة نقص، والله سبحانه متصف بالكمال ومنزَّه عن النقص؛ فوجب أن يوصف بالعلم وينزه عن النقص.\rالثاني: أن العلم مقتضى الربوبية، ولا ربوبية بغير علم؛ إذ كل صفات الربوبية، وعلى رأسها الصفات التي هي خصائص الربوبية: الخلق والرزق والتدبير والملك ونحوها، كلها مبناها على العلم، فنفي العلم نفي للربوبية من أصلها، يوضحه:\rالثالث: أن نفي العلم يستلزم لوازم باطلة:\rأولها: نفي الخلق، إذ الخلق مبني على العلم كما تقدم تقريره، ونفي الخلق نفي لأمر من أعظم المسلمات، وهو مكابرة لا تقع إلا من أحمق.\rثانيها: نفي المشيئة عن الله سبحانه لأن المشيئة لا تكون إلا عن علم كما تقدم.\rثالثها: إثبات شركاء لله سبحانه في ربوبيته، لأن العلم إذا عدم؛ تساوى الرب مع غيره في جهل الأشياء، بل يكون بعض المخلوقين أعلم ببعض الأشياء من الرب ﷾، وهذا كفر صريح وشرك بيِّن، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (١٤٣ - ١٤٤)، و (١٠٩ - ١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050306,"book_id":1102,"shamela_page_id":149,"part":"1","page_num":159,"sequence_num":149,"body":"ولكون هذا المذهب في منتهى البطلان؛ فقد قلَّ أو انقرض من ينكره اليوم وقيل، قال القرطبي ﵀ عنه: \"وقد تُرك اليوم، فلا يعرف من يُنسب إليه من المتأخرين من أهل البدع المشهورين، والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها\" (¬١).\rوأما الفلاسفة، فالخلاف واقع بين فلاسفة الإسلام جراء اختلافهم في فهم مذهب الفلاسفة الأولين كأرسْطو (¬٢) وأفْلاطون (¬٣) ونحوهما، ويتمثل هذا الخلاف في رأيين:\rأولهما: رأي الغزالي وغيره ممن ذهب إلى أنهم ينكرون علم الله سبحانه بالجزئيات، وصرح بكفرهم لثلاثة أمور هذا أحدها (¬٤)، وجعل لهم في إنكار","footnotes":"(¬١) المفهم (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، وانظر: الواسطية (ضمن مجموع الفتاوى) (٣/ ١٤٩).\r(¬٢) هو: أرسطو بن نيقوماخس الفيثاغوري، يسمونه المعلم الأول، تلميذ أفلاطون المتصدر بعده، ولد في مدينة أسطاغيرا اليونانيّة سنة (٣٨٤ ق. م)، كان كشيخه أفلاطون يُعلم الفلسفة ماشيًا، فسمي هو وأصحابه المشاؤون، انتهت إليه فلسفة اليونان، وكان مشركًا يعبد الأصنام، وهو أول من صرح بقدم الأفلاك، من كتبه: \"الكون والفساد\"، و\"الأخلاق\"، مات سنة (٣٢٢ ق. م).\rانظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء (٢١)، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء (٨٦)، ومنهاج السنة (١/ ٣٦٠).\r(¬٣) هو أفلاطون - ويقال فلاطن وأفلاطن - بن أرسطون، من أهل مدينة أثينيا، رومي فيلسوف يوناني طبي؛ كان أبواه من أشراف اليونانيين، من كتبه: \"السياسة المدنية\"، و\"احتجاج سقراط على أهل أثينيا\"، مات سنة (٣٨٤ ق. م) عن إحدى وثمانين سنة.\rانظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء (٧٩).\r(¬٤) انظر: تهافت الفلاسفة (٣٠٧ - ٣٠٨)، وفيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (ضمن =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050307,"book_id":1102,"shamela_page_id":150,"part":"1","page_num":160,"sequence_num":150,"body":"علمه بالجزئيات ﷾ مذهبين:\rالأول: إنكار العلم بالجزئيات مطلقًا.\rالثاني: الزعم بأنه يعلم الجزئيات علمًا كليًّا (¬١).\rثانيهما: رأي ابن رُشْد (¬٢) الذي ذهب إلى أن الفلاسفة لا ينكرون علمه بالجزئيات، وأن من حكى هذا عنهم؛ فقد غلط عليهم ولم يفهم مذهبهم، وأن صواب مذهبهم أنهم \"يرون أنه تعالى يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا بها، وذلك لأن علمنا بها معلول للمعلوم به، فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره، وعلم الله بالوجود على مقابل هذا، فإنه علة للمعلوم الذي هو الموجود، فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحدًا وذلك غاية الجهل\" (¬٣).\rفهم - في نظره - يرون أن علمه تعالى مختلف عن علمنا، في كليات الأمور وجزئياتها، لأن الأمور كلياتها وجزئياتها معلولة عن علمه تعالى، وعلمه منزه","footnotes":"= مجموعة رسائل الغزالي) (٢٦٤).\r(¬١) انظر: تهافت الفلاسفة (٢٠٦).\r(¬٢) هو أبو الوليد، محمد بن أبي القاسم أحمد ابن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي الفيلسوف، ولد سنة (٥٢٠ هـ)، من كتبه: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" و\"تهافت التهافت\"، مات سنة (٥٩٥ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٠٧)، وتاريخ قضاة الأندلس (١٤٤)، وشذرات الذهب (٦/ ٥٢٢).\r(¬٣) فصل المقال (٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050308,"book_id":1102,"shamela_page_id":151,"part":"1","page_num":161,"sequence_num":151,"body":"عن أن يوصف بأنه كلي أو جزئي (¬١).\rوابن رشد في فهمه لمذهبهم على هذا النحو مخالف لمن سبقه من أئمة الفلاسفة وعلى رأسهم ابن سيْنا (¬٢)، ومخالف كذلك لأبي البركات ابن مَلكا (¬٣) صاحب \"المعتبر\" (¬٤)، والطُّوسي (¬٥).\rوهذا المسلك من ابن رشد إنما كان لتعظيمه الشديد للفلاسفة الأولين، ومحاولته الجاهدة للتوفيق بين مقالاتهم وشرع الرب ﷿، وبيان أن ما ذهبوا إليه هو من جنس ما ذهب إليه مبتدعة الإسلام، وليس كفرًا، وعلى ذلك بنى","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٤٠).\r(¬٢) الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وابن سينا: هو أبو علي، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا البلخي ثم البخاري الفيلسوف، كان أبوه كاتبًا من دعاة الإسماعيلية، وهو كذلك إسماعيلي من إخوان الصفا ولد سنة (٣٧٠ هـ)، من كتبه: الشفاء\"، و\"أسرار الحكمة المشرقية\"، مات بهمذان سنة (٤٢٨ هـ).\rانظر: وفيات الأعيان (٢/ ١٥٧)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٣١).\r(¬٣) هو: أبو البركات، هبة الله بن علي بن ملكا البلدي الفيلسوف، من كتبه: \"المعتبر\"، و\"رسالة في العقل وماهيته\"، مات سنة نيف وخمسين وخمس مئة.\rانظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء (٢٢٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤١٩).\r(¬٤) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٧).\r(¬٥) كما في شرحه على الإشارات المطبوع معها (٢٩٦ - ٢٩٧)، وهو: أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف الملحد الزنديق، الملقب بنصير الدين، وهو في حقيقة الأمر نصير الشرك والكفر، ولد بطوس قرب نيسابور سنة (٥٩٧ هـ)، من مؤلفاته: \"تلخيص المحصل\"، و\"تجريد العقائد\"، هلك ببغداد سنة (٦٧٢ هـ).\rانظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٢٥٢)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050309,"book_id":1102,"shamela_page_id":152,"part":"1","page_num":162,"sequence_num":152,"body":"كتابه: \"فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال\" كما يظهر من اسمه، وحمل على أبي حامد الغزالي لتصريحه بكفرهم حتى إنه نقض كتابه \"تهافت الفلاسفة\" بـ \"تهافت التهافت\"، بيَّن فيه وهم أبي حامد على الفلاسفة الأولين، وخطئه في حكاية مذهبهم وإكفارهم.\rوليس الأمر كما قاله ابن رشد؛ بل مقالاتهم التي لم يذهب إليها أحد من طوائف المسلمين لا من أهل البدعة ولا من أهل السنة (¬١).\rقال شيخ الإسلام ﵀ في طريقة ابن رشد هذه: \"وأما ما ذكره من أن الفلاسفة لا يقولون إنه لا يعلم الجزئيات، بل يرون أنه لا يعلمها بالعلم المحدث وإنكاره أن يكون المشاؤون من الفلاسفة ينكرون علمه بجزئيات العالم؛ فهذا يدل على فرط تعصبه لهؤلاء الفلاسفة بالباطل، وعدم معرفته بتحقيق مذهبهم؛ فإنه دائمًا يتعصب لأرسطو صاحب التعاليم المنطقية والإلهية\" (¬٢).\rوما احتج به ابن رشد في انتصاره للفلاسفة من أنهم يرون أن الرؤيا الصادقة تتضمن الإنذارات بالجزئيات الحادثة في الزمان المستقبل، وأن ذلك العلم يحصل للإنسان في النوم من قِبَل العلم الأزلي المدبر للكل والمستولي عليه (¬٣) - يعني أن العلم عندهم سبب الإنذار بالجزئيات -؛ فباطل وذلك لأنهم يرون أن هذا العلم الحاصل لهم إنما هو فيض فاض من العقل الفعال","footnotes":"(¬١) انظر: الرد على المنطقيين (٥٦٨)، ودرء التعارض (٩/ ٣٩٧).\r(¬٢) درء التعارض (٩/ ٣٩٧).\r(¬٣) انظر: فصل المقال (٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050310,"book_id":1102,"shamela_page_id":153,"part":"1","page_num":163,"sequence_num":153,"body":"والنفس الفلكية، فهي المنذر به (¬١).\rفإذا تبين فساد ما ذهب إليه ابن رشد؛ فالأقوال في مذهب الفلاسفة هي ما حكاها الغزالي.\rوقد ذكرها أيضًا الشهرستاني في كتابه \"نهاية الإقدام\" حيث قال: \"وذهبت قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط ثم من ضرورة علمه بذاته يلزم منه الموجودات وهي غير معلومة عنده أي لا صورة لها عنده على التفصيل والإجمال.\rوذهب قوم منهم إلى أنه يعلم الكليات دون الجزئيات، وذهب قوم إلى أنه يعلم الكلي والجزئي جميعًا على وجه لا يتطرق إلى علمه تعالى نقص وقصور\" (¬٢).\rفالأول والثاني هما ما حكاهما الغزالي، والثالث شبيه بما ذكره ابن رشد (¬٣) (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٨) و (١٠/ ١٨٩).\r(¬٢) نهاية الإقدام (٢١٥)، وانظر: المعتبر (٣/ ٦٩)، ولباب العقول للمكلاتي (٢٣٤).\r(¬٣) انظر: درء التعارض (٩/ ٤٠٠).\r(¬٤) هذا هو المشهور من كلام الفلاسفة ومذاهبهم، وقد حكى شيخ الإسلام ﵀ لهم قولًا رابعًا، وهو القول بأن الله يعرف ذاته وسائر مخلوقاته في سائر الأوقات على اختلاف الحالات مما هو كائن وما هو آت، كما ذكر ذلك أبو البركات في \"المعتبر\"، قال شيخ الإسلام: \"وهذا القول ينزع إلى قولين: أحدهما القول الذي اختاره ابن رشد الذي قربه من التغير ولم يجب عنه، والثاني: التزام هذا اللازم وبيان أنه ليس بمحذور، وهذا قد اختاره أبو البركات كما يختاره طوائف من المتكلمين كأبي الحسين والرازي وغيرهما وكما هو معنى ما دل عليه الكتاب والسنة وذكره أئمة السنة\" درء التعارض (٩/ ٤٠١ - ٤٠٢). ومقصوده ﵀ أن الفلاسفة منهم من نحا منحى إنكار لوازم العلم بالجزئيات، كابن رشد، ومنهم من التزم ذلك، وهو لازم حق دلت عليه الأدلة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050311,"book_id":1102,"shamela_page_id":154,"part":"1","page_num":164,"sequence_num":154,"body":"فخلاصة مذهبهم أنهم يرون أن الله سبحانه لا يعلم الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون قولًا واحدًا (¬١).\rثم منهم من ينكر علمه بالجزئيات مطلقًا، كما ذهب إليه أرسطو (¬٢)، ومنهم من يقول يعلمها بعلم كلي، كما ذهب إليه ابن سينا، ومن ذلك قوله: \"فالواجب الوجود يجب ألا يكون علمه بالجزئيات علمًا زمانيًّا حتى يدخل فيه الآن والماضي والمستقبل، فيعرض لصفة ذاته أن تتغير، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيات على الوجه المقدس العالي عن الزمان والدهر\" (¬٣).\rوبيان هذا المذهب أن يقال: إن الجزئيات المتغيرة يعلمها الله سبحانه، لكن علمه بها لا يدخل تحت زمان أو مكان، فالله عند هؤلاء عالم بذاته، وعلمه بذاته يقتضي أن يعلم أنه علة للموجودات كلها، فإذا علم ذاته وعلم كونه علة للموجودات؛ علم أنه عالم بالقوانين والأسباب الكلية التي تحكم العالم، وعلم ارتباطها بمسبَّباتها، فإذا علم وقوع السبب؛ علم وقوع المسبب، لكن لا في زمان معين ولا مكان معين، وهذا معنى إطلاقهم أن الله عالم بكل شيء.\rمثال ذلك: الكسوف، فالله سبحانه يعلم أن كسوفًا سيكون، بعلمه بأسبابه، لكنه لا يعلم الزمن الذي سيكون فيه الكسوف، في أي سنة أو شهر","footnotes":"(¬١) كما حكى الغزالي اتفاقهم على ذلك، انظر: تهافت الفلاسفة (٢٠٦)، ونقل اتفاقهم كذلك: أبو الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي في: \"لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول\" (٢٣٣).\r(¬٢) انظر: تفسير ما بعد الطبيعة (٣/ ١٧٠٧).\r(¬٣) الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050312,"book_id":1102,"shamela_page_id":155,"part":"1","page_num":165,"sequence_num":155,"body":"أو يوم أو ساعة، ولا يعلم المكان الذي سيكون فيه الكسوف، فعلمه بالكسوف علم كلي تابع لعلمه بأسبابه الكلية، لأنه علم ثابت لا يتغير، وأما علمه بزمانه ومكانه فهو متغير فلذلك لم يصح أن يوصف به.\rثم هذه الجزئيات يعلمها الباري علمًا واحدًا متجانسًا، ولا يعلم كل جزئي منها على حدة، قال ابن سينا: \"إشارة: الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات من حيث تجب بأسباب منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه متخصص به، كالكسوف الجزئي؛ فإنه قد يعقل وقوعه بسبب توافي أسبابه الجزئية، وإحاطة العقل بها، وتعقلها كما تعقل الكليات، وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني الذي يحكم أنه وقع الآن أو قبله أو يقع بعده\" (¬١).\rوهذا القول راجع في حقيقته إلى إنكار علمه بالجزئيات من أصله - كما هو القول الأول - لأن العلم بالجزئيات مجردًا عن الزمان والمكان ونحوهما غير معقول، إذ هذه الجزئيات حاصلة في زمان ومكان ومختلفة شخصًا، فنفيها عنها نفي للعلم بها من أصله، إذ مجرد العلم بأسبابها وعللها دون العلم بحقيقتها علمًا محيطًا بها ليس علمًا بها، وإنما العلم الحقيقي بها هو العلم بأسبابها وعللها وأوصافها، ثم العلم بها بعد وقوعها على ما هي عليه.\rفالفلاسفة جعلوا مجرد علم عللها وأسبابها علم بها، وهذا باطل، لأن من علم بأن زرعًا ينبت إذا سقي البذر، لكن لا يعلم أي زرع هذا الذي ينبت، ولا في أي أرض ولا في أي موسم أو يوم؛ لا يعلم حقيقة هذا الزرع.\rوقد صرح ابن سينا بأن الله قد لا يعلم وقوع الجزئي فقال: \"ثم ربما وقع","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050313,"book_id":1102,"shamela_page_id":156,"part":"1","page_num":166,"sequence_num":156,"body":"ذلك الكسوف، ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع\" (¬١).\rفالجزئي إنما كان جزئيًّا لأن تصوره مانع من وقوع الشركة فيه سواء، وإذا لم يمكن ذلك فليس بجزئي وإنما هو كلي.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ففي الجملة؛ الجزئي لا يكون جزئيًّا إلا إذا انحصر شخصه ومنع تصوره من وقوع الشركة فيه. . . فلا يعلم على وجهه إن لم يعلم وقته المعين، وحينئذ فيكون العلم به قبل وقته وإلا فإذا علم أنه متى حصل كذا على وجه كذا حصل الكسوف فهذا كلي وإن علم أنه لا بد أن يحصل فإنه كلي من حيث الزمان فإن تصوره لا يمنع اشتراك الأزمنة فيه فلم يعلم إلا على وجه كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه\" (¬٢).\rولما كان الأمر كذلك - أن مآل القولين واحد على التحقيق -؛ فسأسوق شبههما مساقًا واحدًا، إذ الشبه الحاملة لهم على ذلك واحدة، فقد استدلوا لمقالتهم بشبه باطلة منها:\rأولًا: أنه لو تعلق علم الله تعالى بالجزئيات للزمه التغير والتجدد بتغير المعلوم وتجدده، فيلزم من ذلك التغير الكثرة في ذات الله تعالى، وهو الواحد الأحد.\rقال ابن سينا: \"فالواجب الوجود يجب ألا يكون علمه بالجزئيات علمًا زمانيًّا حتى يدخل فيه الآن والماضي والمستقبل، فيعرض لصفة ذاته أن تتغير، بل يجب أن يكون علمه بالجزئيات على الوجه المقدس العالي عن الزمان والدهر\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٣/ ٢٨٧).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (١٠/ ١٦٣)، وانظر: (١٠/ ١٦٩) منه.\r(¬٣) الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050314,"book_id":1102,"shamela_page_id":157,"part":"1","page_num":167,"sequence_num":157,"body":"وقال: \"لا يجوز أن يكون عاقلًا لهذه المتغيرات مع تغيرها من حيث هي متغيرة عقلًا زمانيًّا متشخصًا، بل على نحو آخر نبينه، فإنه لا يجوز أن يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة، ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات\" (¬١).\rثانيًا: أن العلم بالجزئيات يحتاج إلى حواس تُدرك بها، ومعرفة مقدمات توصل إليها، كما يحتاج إلى تصور وتخيل، والرب منزه عن هذا، ففي هذا الوصف ما يتضمن افتقار الله إلى غيره (¬٢).\rوقبل الرد عليهما تجدر الإشارة إلى أن مذهب الفلاسفة في هذا المقام هو فرار من تشبيه الله بخلقه، فإنهم لما لم يعقلوا من هذا إلا ما يثبت للمخلوق؛ نفوه عن الرب سبحانه تنزيهًا له.\rوللمتكلمين أجوبة على مذهب الفلاسفة هذا متنوعة بتنوع مشاربهم، إلا أنها لا تشفي عليلا ولا تروي غليلًا، ولهذا نازعهم فيها ابن رشد وأفسدها عليهم، وإن كان حاصل رده عليهم ليس له طائل، بل مآل كلامه هو نفس ما يؤول إليه كلامهم (¬٣).\rوجواب هاتين الشبهتين مبني على مسألة مهمة، وهي التفريق بين علم الظهور وعلم الله السابق، مع بيان أن علم الظهور لا ينافي العلم السابق،","footnotes":"(¬١) النجاة (٢/ ١٠٣).\r(¬٢) انظر: الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة للبطليوسي (٣٥).\r(¬٣) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050315,"book_id":1102,"shamela_page_id":158,"part":"1","page_num":168,"sequence_num":158,"body":"وستأتي هذه المسألة تحت قاعدة: \"علم الظهور لا ينافي علم الله السابق\".\rأما الشبهة الأولى؛ فهي مبنية عند الفلاسفة على أصل من أصولهم، وهو منع قيام الحوادث بالرب ﷿، لأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وبناءً على ذلك نفوا قيام الصفات به ﷿، الذاتية منها والفعلية.\rقال شيخ الإسلام: \"ومعلوم أنه إنما دعاهم [أي الفلاسفة] إلى ذلك: القول بنفي الصفات والأحوال الاختيارية التي تقوم بذات الله وظنهم أن ذلك مستلزم للكثرة التي يجب نفيها ومستلزم لتغير الأحوال الذي يجب نفيه\" (¬١).\rوجوابها من وجوه:\rالأول: أن من يعلم الأشياء أكمل ممن لا يعلمها، فأن يعلم الجزئيات أكمل من أن لا يعلمها - وإن قدر لزوم التغير ونحوه عليه - (¬٢).\rالثاني: أن الأدلة بأنواعها النقلية والعقلية دلت على اتصاف الله سبحانه بالصفات الذاتية والفعلية فيجب إثباتها له، وما لزم على ذلك من لوازم فهو حق؛ لأن لازم الحق حق.\rالثالث: أن هذا لزوم غير صحيح لثبوت الفرق بين العلم القديم وعلم الظهور على ما سيأتي، وملخص ذلك: العلم السابق هو علم الله بكون الشيء ووجوده، وعلم الظهور هو علم بأنه سيكون، وعلم الله ﷾ ليس كعلم المخلوقين، فلا يلزم من كونه ﷿ يخبر بحصول علم له ﷾ بشيء بعد وقوعه أن ذلك العلم كان مسبوقًا بجهل، بل علمه سبحانه علم","footnotes":"(¬١) درء التعارض (١٠/ ٨٢)، وانظر: الرد على المنطقيين (٥٠٨).\r(¬٢) درء التعارض (٩/ ٤١٢ - ٤١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050316,"book_id":1102,"shamela_page_id":159,"part":"1","page_num":169,"sequence_num":159,"body":"تام كامل لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان ولا تعتريه أي صورة من صور النقص، ومذهب أهل السنة في هذه المسألة مبني على أن العلم التابع لوقوع المعلوم أمر ثبوتي، وليس نسبة عدمية أو إضافية (¬١).\rالرابع: أن نفي العلم بالجزئيات - مباشرة كقول أرسطو، أو مآلًا كقول ابن سينا - أعظم نقصًا من إثبات هذه اللوازم - على فرض كونها نقصًا - فلا يجوز التزام أعظم النقصين حذرًا من أدناهما (¬٢).\rالخامس: أن لفظ \"التغير\" و\"الكثرة\" ألفاظ مجملة، فإن أريد بها أن علم الله السابق يتغير بحدوث هذه الجزئيات فهو باطل، وإن أريد بأن العلم التابع لوقوع المعلوم هو قدر زائد عن العلم السابق (¬٣)، وأن حصوله مشروط بوقوع الجزئي فهذا حق دلت عليه الأدلة كما سيأتي.\rالسادس: أنكم تقولون الخلق لزم عن ذاته، والعلم لزم عن ذاته، فإن كان العلم يوجب التغير والكثرة؛ فالخلق يوجب ذلك من باب أولى، وإن لم يكن الخلق موجبًا لذلك؛ فألا يكون العلم موجبًا له من باب أولى، فإن الذي يلزم في العلم؛ يلزم في الخلق من باب أولى (¬٤)، وإذا لم يكن كون الأشياء مفعولة له مما يوجب نقصًا له وكمالًا به؛ فأن لا يوجب كونها معلومة له نقصًا","footnotes":"(¬١) انظر ما يأتي ص (١٧٩).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (٩/ ٤١٣).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (١٠/ ١٨٥).\r(¬٤) انظر: المعتبر لأبي البركات ابن ملكا (٣/ ٧٤)، وقد استحسن شيخ الإسلام هذا الرد فقال: \"وما ذكره أبو البركات في المعارضة بالفعل في غاية الحسن\" وزاده بسطًا وشرحًا، درء التعارض (٩/ ٤١٥)، وانظر: (١٠/ ٢٩ - ٣٠) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050317,"book_id":1102,"shamela_page_id":160,"part":"1","page_num":170,"sequence_num":160,"body":"له وكمالًا به من باب أولى.\rالسابع: أن العلم لازم له سبحانه، لا ينفك عنه بحال، وليس شيئًا متجددًا، فليس كماله بغيره، بل بعلمه الذي هو من لوازم ذاته، فكونه متعلقًا بغيره لا يقدح فيه كما لا يقدح بالقدرة تعلقها بالمقدور من باب أولى، لأن العلم متعلق به وبغيره، وأما القدرة فلا تكون إلا على غيره (¬١).\rالثامن: أن هذه الجزئيات هي مخلوقات الله سبحانه، وليس في الوجود إلا الله ومخلوقاته، وهذه المخلوقات لا وجود لها إلا به، فتعلق ذاته بهم أعظم من تعلق صفاته بهم، وإذا لم يكن في تعلق ذاته بهم نقصٌ؛ فليس في تعلق صفاته بهم نقص، وصفاته من علم وقدرة وغيرها من لوازم ذاته، ووجود ذاته بدون لوازمها ممتنع باتفاق العقلاء (¬٢).\rالشبهة الثانية: أن العلم بالجزئيات يحتاج إلى حواس تُدرك بها، ومعرفة مقدمات توصل إليها، كما يحتاج إلى تصور وتخيل، والرب منزه عن هذا، ففي هذا الوصف ما يتضمن افتقار الله إلى غيره.\rجوابها من وجوه:\rالأول: أن هذا القول مبني على تشبيه الخالق بالخلوق، وهذا باطل، فعلم الله سبحانه ليس كعلمنا، سواء العلم الأول، أو علم الظهور.\rالثاني: أن القول بأنه بحاجة لحواس أو تخيل، هذا في حق المخلوق، وأما في حق الخالق سبحانه فتدرك الجزئيات بما اتصف به من صفات العلم","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٩/ ٤٢٠).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٩/ ٤٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050318,"book_id":1102,"shamela_page_id":161,"part":"1","page_num":171,"sequence_num":161,"body":"والسمع والبصر ونحوها، يوضحهما:\rالثالث: أن يقال: ماذا تريد بالحواس؟ فإن أردت بها أن يكون له سمع وبصر فهذا حق دلت عليه النصوص الشرعية، وإن أردت غير ذلك فبينه، فنفي السمع والبصر بذريعة كونهما حواسًّا باطل، مع التنبيه على أن إطلاق الحواس في حقه سبحانه غير جائز.\rالرابع: أن غير الجزئيات كالسموات والأرض - ونحوهما مما لا يتغير - هي محسوسة أيضًا، فيلزم نفي علمه بها لحاجته إلى حواس ليدركها بها، وهذا باطل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050319,"book_id":1102,"shamela_page_id":162,"part":"1","page_num":173,"sequence_num":162,"body":"المبحث الخامس: \"علم الظُّهور لا ينافي علم الله السابق\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050320,"book_id":1102,"shamela_page_id":163,"part":"1","page_num":175,"sequence_num":163,"body":"المبحث الخامس: \"علم الظُّهور لا ينافي علم الله السابق\"\rلا يزال الحديث في هذه القاعدة موصولًا بمرتبة العلم؛ من جهة علاقة العلم القديم بعلم الظُّهور وأنه لا تنافي بينهما.\rوالمقصود بعلم الظُّهور هنا: \"العلم الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده، وهو العلم الذي يترتب عليه المدح والذم، الثواب والعقاب\" (¬١).\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال ابن قتيبة ﵀: \"إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة فأنظره قال: لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضًا، وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قدره فيهم يتم، وإنما قاله ظانًّا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدَّق عليهم ما ظنه فيهم فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكِّين يعني نعلمهم موجودين ظاهرين، فيحق القول ويقع الجزاء\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩٦).\r(¬٢) انظر: إغاثة اللهفان (١/ ١٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050321,"book_id":1102,"shamela_page_id":164,"part":"1","page_num":176,"sequence_num":164,"body":"وقال البغوي ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢١]: \"أراد علم الوقوع والظُّهور، وقد كان معلومًا عنده بالغيب\" (¬١).\rوقال القرطبي ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]: \"ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيبًا\" (¬٢).\rوقال السعدي ﵀: \"القاعدة الثامنة والأربعون: متى علق الله علمه بالأمور بعد وجودها، كان المراد بذلك العلم الذي يترتب عليه الجزاء. . . وقد ورد عدة آيات يخبر بها أنه شرع وقدر كذا؛ ليعلم كذا، فوجه هذا: أن هذا العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وأما علمه بأعمال العباد وما هم عاملون قبل أن يعملوا، فذلك علم لا يترتب عليه الجزاء، لأنه إنما يجازي على ما وجد من الأعمال، وعلى هذا الأصل نزل ما يرد عليك من الآيات\" (¬٣).\rوقال ابن عثيمين ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]: \"المراد علم الظُّهور الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) تفسير البغوي (٦/ ٣٩٧).\r(¬٢) تفسير القرطبي (٢١/ ٣١٢).\r(¬٣) القواعد الحسان لتفسير القرآن (١٢٣).\r(¬٤) تفسير القرآن؛ الحجرات إلى الحديد (٤٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050322,"book_id":1102,"shamela_page_id":165,"part":"1","page_num":177,"sequence_num":165,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل القرآن في مواطن كثيرة على إثبات علم الظهور، ومن ذلك:\rقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].\rوقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].\rوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤].\rوقوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].\rوغير ذلك من الآيات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050323,"book_id":1102,"shamela_page_id":166,"part":"1","page_num":178,"sequence_num":166,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rمقصود هذه القاعدة بيان العلاقة بين العلم السابق وعلم الظُّهور، وأن ثبوت علم الظُّهور لله ﷾ لا ينافي علمه السابق.\rوقد تقدمت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على إثبات علم الله ﷾ السابق، وأنه متعلق بكل شيء، كما تقدم كذلك تعريف علم الظُّهور (¬١).\rوالعلم بصفة عامة ينقسم إلى قسمين:\r- علم سابق على وقوع الشيء: وهو العلم بأنه سيكون، سواء كان أزليًّا كعلم الله ﷾، أو حادثًا كعلم المخلوق بما علَّمه ربه ﵎.\r- وعلم لاحق: وهو الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده (¬٢).\rوالفرق بينهما أن العلم السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، ولا أي أثر من الآثار التي تقوم عليها الأحكام الشرعية؛ فلا يعاقب اللهُ ﷾ لفضله وعدله الإنسانَ على مخالفةٍ علمها منه في الأزل - مع أنها ستقع منه حتمًا -، بل تتوقف المؤاخذة على وقوع مقتضيها في الشاهد، وكذا سائر الآثار المترتبة على المؤاخذة، كفراق الزوجة أو رد الشهادة ونحو ذلك، وكذا لا يثيبه إلا على ما وقع منه من الحسنات، وما تبعها من آثار إن كانت متعدية، كالصدقة الجارية.\rوأما علم الظُّهور، فهو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب وجميع الآثار","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (١٧٥).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050324,"book_id":1102,"shamela_page_id":167,"part":"1","page_num":179,"sequence_num":167,"body":"المترتبة عليهما.\rوبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه القاعدة هو في مسألتين:\rالأولى: في إثبات علم الظُّهور وأنه غير العلم السابق.\rالثانية: في أن علم الظُّهور لا يقدح في العلم السابق.\rأما الأولى: فهي مسألة كبيرة دقيقة (¬١)، وهي مبنية على مسألة أخرى في باب الصفات، وهي: هل هذا العلم التابع لوقوع المعلوم أمر ثبوتي؟ أم أنه نسبة عدمية وإضافة فقط بين العلم السابق والمعلوم؟\rوالذي عليه عامة السلف وأئمة السنة والحديث أنه أمر ثبوتي كما دل عليه النص؛ وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فقد أخبر بحصول الرؤية بعد وقوع المرئي (¬٢).\rومعنى هذا الأمر الثبوتي هنا: علم الله بكون الشيء ووجوده - وقت كَونه -، وهذا غير العلم بأنه سيكون - قبل كونه - (¬٣)، فإذا ثبت وجود أمر ثبوتي هو غير العلم القديم؛ لم يعد هناك ما يُشْكل في إثبات علم الظُّهور.\rيوضحه: أن الله ﷾ لم يخبر بعلمه له بعد وجوده فحسب؛ بل أخبر سبحانه في مواطن كثيرة بأنه يراه بعد وجوده؛ كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وكذا أخبر بأنه يسمعه بعد وقوعه؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٥ و ٣٩٧).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩٦).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050325,"book_id":1102,"shamela_page_id":168,"part":"1","page_num":180,"sequence_num":168,"body":"إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].\rقالت عائشة ﵂: \"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات؛ لقد جاءت خولة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامها، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ الآية\" (¬١).\rومعلوم قطعًا أن السمع والبصر إنما يتعلقان بالموجود بعد وجوده، فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم (¬٢)، وإخباره ﷾ عن رؤيته وسماعه إخبار عن العلم به كذلك، ولهذا كان ابن عباس ﵄ يفسرها بالرؤية فيقول: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا لنرى.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ففسر [أي ابن عباس] العلم المقرون بالوجود بالرؤية، فإن المعدوم لا يرى بخلاف الموجود، وإن كانت الرؤية تتضمن علمًا آخر\" (¬٣).\rوهذا كما لا يخفى تفسير باللازم، فرؤية الشيء بعد وجوده، وكذا سماعه بعد وقوعه من لازمها العلم به، فيلزم من الرؤية والسماع العلم بالمرئي","footnotes":"(¬١) رواه النسائي: كتاب الطلاق، باب الظهار (٦/ ٤٨٠) ح (٣٤٦٠)، وابن ماجه: كتاب الطلاق، باب الظهار (٣/ ٤٥٧) ح (٢٠٦٣)، كلاهما من طريق الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة ﵂، وعلقه البخاري مجزومًا به عن الأعمش في: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٩/ ١١٧)، والحديث صححه ابن حجر في تغليق التعليق (٥/ ٣٣٩)، والألباني في ظلال الجنة ح (٦٢٥).\r(¬٢) انظر: الرد على المنطقيين (٤٦٥).\r(¬٣) درء التعارض (١٠/ ١٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050326,"book_id":1102,"shamela_page_id":169,"part":"1","page_num":181,"sequence_num":169,"body":"والمسموع، ولا يلزم من العلم بالشيء رؤيته وسماعه؛ لأن الرؤية والسماع إنما يتعلقان بالموجود، والعلم أعم منهما؛ فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود (¬١).\rفالشاهد أنه ﷾ أخبر بحصول الرؤية والسماع بعد الوقوع؛ فيلزم منه حصول علم به بعد الوقوع هو غير العلم السابق.\rوتجدر الإشارة هنا إلى أن في تفسير: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ خمسة أقوال (¬٢):\rالأول: إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي؛ على عادة العرب في إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فُعل بهم إليه، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\rالثاني: إلا لنميز أهل اليقين.\rالثالث: إلا لنرى. وهذا والذي قبله رويا عن ابن عباس ﵄.\rالرابع: إلا لنبين لكم أنا نعلم.\rالخامس: إلا لتعلموا أنتم، إذ كنتم جهالًا به قبل أن يكون، فأضاف العلم إلى نفسه، على وجه الترفق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته.\rوالأقوال: الثاني والثالث والرابع متقاربة؛ إذ مرجعهما إلى إظهار العلم السابق بالشيء (¬٣)، وكذا الأول والخامس مرجعهما إلى تأويله بعلم العباد.\rفيتحصل من هذه الأقوال الخمسة قولان:\r- أن المراد بذلك علم الظهور والوقوع، وهو اختيار ابن كثير ﵀ (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير ابن كثير (١٠/ ٤٩٣)، وتفسير الطبري (٢/ ٦٤٤).\r(¬٢) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٦٤١ - ٦٤٥)، وزاد المسير (١/ ١٥٥).\r(¬٣) انظر: زاد المسير (١/ ١٥٥).\r(¬٤) انظر: تفسير ابن كثير (١٠/ ٤٩٣) و (١١/ ٢٨١) و (١٣/ ٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050327,"book_id":1102,"shamela_page_id":170,"part":"1","page_num":182,"sequence_num":170,"body":"- أن المراد به علم العباد.\rولا تنافي بينهما؛ إذ بوقوع المعلوم يعلمه الله سبحانه موجودًا، علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، ويعلمه العباد أيضًا بعد أن لم يكونوا عالمين به، فيجتمع فيه الأمران، والله أعلم.\rومما يوضح هذا أيضًا: شمول علم الله ﷾ للموجود والمعدوم، مع إجماع العقلاء قاطبة على الفرق بينهما، فهذا الشيء المعيَّن الذي كان معدومًا ثم وجد؛ لا شك أن تعلق علم الله ﷾ به معدومًا غير تعلقه به موجودًا، مع التنبيه على أن تحقق وقوع المعلوم بالنسبة لله سواء؛ فلا فرق بين ما علم أنه يقع وما علم أنه وقع (¬١).\rوأما الثانية: - وهي محور القاعدة -، فيدل عليها أمور:\rالأول: أن الله ﷿ هو الذي أخبر بثبوت علم الظُّهور مع إثباته ﷾ للعلم السابق، فلو كان قادحًا فيه لكان كلام الله متناقضًا، والله سبحانه منَزَّه عن ذلك.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعًا في القرآن، مع إخباره في مواضع أكثر من ذلك أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد أخبر في القرآن من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله\" (¬٢).\rالثاني: أن علم الله ﷿ ليس كعلم المخلوقين، فلا يلزم من كونه","footnotes":"(¬١) تفسير القرآن، سورة الكهف لابن عثيمين (٢٤).\r(¬٢) الرد على المنطقيين (٤٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050328,"book_id":1102,"shamela_page_id":171,"part":"1","page_num":183,"sequence_num":171,"body":"﷾ يخبر بحصول علم له بشيء بعد وقوعه أن ذلك العلم كان مسبوقًا بجهل، بل علمه سبحانه علم تام كامل لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان ولا تعتريه أي صورة من صور النقص، ومن كمال علمه سبحانه: علمه بالشيء قبل وجوده، وعلمه به بعد وجوده، قال شيخ الإسلام ﵀: \"وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوده، ثم لما خلقه علمه كائنًا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون؛ فهذا هو الكمال\" (¬١).\rالثالث: أن علم الله ﷿ هو علم بالشيء على ما هو عليه، فإذا علم الله ﷾ وقوع شيء على صفة ما؛ كأن يعلم أن زيدًا يقتل عمرًا بسيف؛ فلا بد أن يقع معلومه، بأن يَقتل زيدٌ عمرًا، على الصفة نفسها وبالسيف نفسه، ولا يمكن ألا يُقتل عمرو، أو أن يُقتل بسكين مثلًا.\rفالقتل - على هذه الصفة - برز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، بأن صار واقعًا بعد أن كان مقدرًا.\rوبعلمه سبحانه به بعد وقوعه، لم يحصل له علم لم يكن موجودًا، وإنما هو العلم السابق، مع علم آخر هو علم بوقوع القتل في الوجود وخروجه إلى عالم الشهادة بعد أن كان مقدَّرًا، يوضحه:\rالرابع: أن متعَلَّق العِلْمين مختلف، فالعلم السابق يتعلق بالمقدَّر، وعلم الظهور يتعلق بالموجود، فاختلاف متعلقهما يدفع تنافيهما ويردُّه.\rفالحاصل أن علم الظهور لا ينافي علم الله السابق، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٤٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050329,"book_id":1102,"shamela_page_id":172,"part":"1","page_num":184,"sequence_num":172,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف أهلَ السنة والجماعة في هذه القاعدة طوائفُ من المخالفين (¬١):\rالطائفة الأولى: وهم القدرية الغلاة والفلاسفة الذين ينفون علمه بالمحدَثات إلا بعد حدوثها، وقد سبقت حكاية مذهبهم والرد عليها فأغنى عن إعادته هنا.\rالطائفة الثانية: ما ذهب إليه الجهم بن صفوان، فقد ذهب إلى إثبات علوم حادثة لله سبحانه، وأن المعلومات إذا تجددت أحدث الباري سبحانه علومًا متجددة لا في محل، بها يعلم العلوم الحادثة، ثم العلوم تتعاقب حسب تعاقب المعلومات في وقوعها متقدمة عليها، وكلها لا في محل (¬٢)، ووافق جهمًا على هذا القول: هشَام بن الحَكم (¬٣).\rواستدل جهم على مقالته هذه بأن العلم بأن الشيء سيقع غير العلم بأنه وقع، فالله سبحانه لو علم الشيء قبل حدوثه بالعلم القديم، ثم وقع فإنه لا يخلو: إما أن يبقى علمه بهذا الشيء على ما هو عليه، أو لا يبقى، فإن كان الأول فهو جهل، لثبوت الفرق بين العلم بالشيء واقعًا والعلم بأنه سيقع،","footnotes":"(¬١) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٧٧ - ١٧٩).\r(¬٢) انظر: الإرشاد للجويني (٩٦)، ونهاية الإقدام (٢١٥)، وانظر كذلك: الفرق بين الفرق (١٨٦)، والفصل (٥/ ٧٣)، والتبصير في الدين (١٠٨).\r(¬٣) هو: أبو محمد، هشام بن الحكم الشيباني بالولاء، الكوفي الرافضي المشبه، ولد بالكوفة، له كتب منها: \"الإمامة\"، و\"القدر\"، مات بالكوفة سنة (١٩٠ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٣)، ولسان الميزان (٨/ ٣٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050330,"book_id":1102,"shamela_page_id":173,"part":"1","page_num":185,"sequence_num":173,"body":"وإما أن لا يبقى فيلزم أنه تغير، وهو محال في حق الله سبحانه (¬١).\rوإذا ثبت أن علمه سبحانه محدث، فلا يخلو: إما أن يحدث في ذاته سبحانه، أو في محل، فإن كان الثاني فيلزم أن يكون المحل هو المتصف به دون الله سبحانه، وإن كان الأول: كان الباري محلًّا للحوادث، ولزم حدوث التغير فيه، وكلاهما باطل، فتعين أنه لا في محل (¬٢)، فهروبًا من هذا وذاك: أثبت علمًا حادثًا، لكنه غير قائم به سبحانه، بل لا في محل!\rواستدل هشام على قوله بأن الله إنما يعلم الأشياء بعد أن لم يكن عالمًا بها بشبهتين (¬٣):\rالأولى: أنه لو كان لم يزل عالمًا لكانت المعلومات لم تزل لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود.\rالثانية: أنه لو كان عالمًا بما يفعله عباده لم يصح التكليف.\rهذا بالإضافة إلى ما استدل به الجهم من شبه، إلا أنه عبر بالتجدد بدلًا من التغير (¬٤).\rوقد حُكي هذا القول عن الزرارية أيضًا أتباع زرارة بن أعين الرافضي، حكاه عنهم الأشعري (¬٥) والبغدادي (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر: الملل والنحل (١/ ٩٧).\r(¬٢) انظر: الملل والنحل (١/ ٩٨).\r(¬٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١١٢)، والفرق بين الفرق (٦٦ - ٦٧).\r(¬٤) انظر: نهاية الإقدام (٢١٧ - ٢١٨).\r(¬٥) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١١٢).\r(¬٦) انظر: الفرق بين الفرق (٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050331,"book_id":1102,"shamela_page_id":174,"part":"1","page_num":186,"sequence_num":174,"body":"وقول هذه الطائفة في غاية البطلان، وهو مخالف للأدلة القاطعة من الكتاب والسنة والإجماع على تقدم علم الله سبحانه، وقد سبق سياق شيء منها (¬١).\rالطائفة الثالثة: وهم الذين يقولون: إنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم.\rوهو قول الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة.\rقال الشهرستاني: \"قال الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵁ على طريقته -: لا يتجدد لله تعالى حكم ولا يتعاقب عليه حال ولا تتجدد له صفة، بل هو تعالى متصف بعلم واحد قديم متعلق بما لم يزل ولا يزال، وهو محيط بجميع المعلومات على تفاصيلها من غير تجدد وجه العلم أو تجدد تعلق أو تجدد حال له لقدمه، والقدم لا يتغير ولا يتجدد له حال\" (¬٢).\rوقال الغزالي: \"الأصل الثامن: أن علمه قديم؛ فلم يزل عالمًا بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته، ومهما حدثت المخلوقات؛ لم يحدث له علم بها، بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي\" (¬٣).\rوقال الآمِدي (¬٤): \"الباري تعالى عالم بعلم واحد قائم بذاته، قديم أزلي،","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (١٤١) وما بعدها.\r(¬٢) نهاية الإقدام (٢١٨).\r(¬٣) إحياء علوم الدين (١/ ١٠٩)، وانظر: الاقتصاد في الاعتقاد (١٤٩ - ١٥١).\r(¬٤) هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن سالم التغلبي، سيف الدين الآمدي الأشعري، ولد في آمد =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050332,"book_id":1102,"shamela_page_id":175,"part":"1","page_num":187,"sequence_num":175,"body":"متعلق بجميع المتعلقات، غير متناه بالنظر إلى ذاته، ولا بالنظر إلى متعلقاته\" (¬١).\rومعنى التعلق عندهم: \"اقتضاء الصفة أمرًا زائدًا على قيامها بالذات، كاقتضاء العلم معلومًا ينكشف به، واقتضاء الإرادة مرادًا يتخصص بها، واقتضاء القدرة مقدورًا، وهكذا. . .\" (¬٢)، وهو على قسمين:\r- تعلق صلوحي، ومرادهم به: صلاحية تعلق الصفة بالشيء منذ الأزل.\r- تعلق تنجيزي، وهو تعلق الصفة بالشيء بالفعل، فإذا كان في الأزل سمي تنجيزيًّا قديمًا، وإن كان بعد ذلك سمي حادثًا.\rوهذا التعلق أمر اعتباري عندهم على التحقيق، أي غير وجودي، قال البيجوري: \"فهو [أي التعلق] أمر اعتباري. وقيل هو أمر وجودي، وقيل واسطة بين الموجود والمعدوم فيكون حالًا، وقيل هو من مواقف العقول فلا يعلمه إلا الله تعالى، والتحقيق الأول\" (¬٣).\rوالصفات المتعلقة عندهم تنقسم بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام (¬٤):","footnotes":"= آمد سنة (٥٥١ هـ)، من كتبه: \"الإحكام في أصول الأحكام\" و\"أبكار الأفكار\" قال شيخ الإسلام: \"والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة الأصول الكبار\" مجموع الفتاوى (٥/ ٥٦٢)، مات سنة (٦٣١ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٤)، وطبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٠٦).\r(¬١) أبكار الأفكار (١/ ٣٢٢).\r(¬٢) شرح الخريدة البهية (٨٢)، وانظر: تحفة المريد (١٤٢).\r(¬٣) تحقيق المقام على كفاية العوام (١١١).\r(¬٤) انظر: تحفة المريد (١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050333,"book_id":1102,"shamela_page_id":176,"part":"1","page_num":188,"sequence_num":176,"body":"الأوّل: ما يتعلق بالممكنات، وهو القدرة والإرادة، ولكن القدرة تعلقها تعلق إيجاد وإعدام، والإرادة تعلقها تعلق تخصيص.\rالثاني: ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهو العلم والكلام، لكن تعلق العلم تعلق انكشاف، وتعلق الكلام تعلق دلالة.\rالثالث: ما يتعلق بالموجودات، وهو السمع والبصر\rالرابع: ما لا يتعلق بشيء وهو الحياة.\rواختلفوا في العلم، هل له تعلقان، صلوحي وتنجيزي، أم أنه ليس له إلا تعلق واحد تنجيزي قديم، فممن ذهب إلى الأول: ابن عاشُور (¬١)، ووجهه أن تعلق الصفة: تحقق مقتضاها في الخارج لا في ذات موصوفها؛ فلا يفضي ذلك إلى اتصاف الله تعالى بوصف حادث.\rوممن اختار الثاني: الأشعري (¬٢)، والسَّنُوسي (¬٣)، والبيجوري (¬٤)،","footnotes":"(¬١) التحرير والتنوير (٢٠/ ٢٠٥)، وابن عاشور هو: محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس، ولد بتونس وتوفي بها، من كتبه: \"التحرير والتنوير\"، و\"الوقف وآثاره في الإسلام\"، مات سنة (١٣٩٣ هـ).\rانظر: الأعلام للزركلي (٦/ ١٧٤).\r(¬٢) انظر: نهاية الإقدام (٢١٨).\r(¬٣) انظر: شرح السنوسية (١٥١ - ١٥٢)، وهو: أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي التلمساني الحسني الأشعري، من كتبه: \"عقيدة أهل التوحيد\" و\"شرح صغرى الصغرى\"، مات بتلمسان سنة (٨٩٥ هـ).\rانظر: الأعلام للزركلي (٧/ ١٥٤)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٧٨٦).\r(¬٤) انظر: تحفة المريد (١٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050334,"book_id":1102,"shamela_page_id":177,"part":"1","page_num":189,"sequence_num":177,"body":"والدَّرْدير (¬١)، ووجهه أن كل واجبٍ، وكلّ مستحيلٍ، وكلّ جائزٍ فهو منكشف له تعالى بعلمه، لا يخفى عليه شيء؛ لأنّ قول القائل: علم الله يَصلُحُ لكذا، ظاهر الفساد؛ إذ يقتضي أنّ شيئًا لم ينكشف له - تعالى عن ذلك -، فتعلقه تنجيزيٌّ قديم لا غير.\rوأيًّا كان فهم متفقون على نفي تجدد علم غير العلم السابق.\rوقال بهذا القول أيضًا: الماتريدية، فذهبوا - كالأشاعرة - إلى نفي تجدد شيء ثبوتي، وإنما جعلوا التجدد في التعلقات، قال السعد التفتازاني: \"لا يلزم من قدم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات؛ لأنها صفات قديمة تحدث لها تعلقات بالحوادث\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \". . . كالعلم والقدرة وسائر الصفات، فإن كلًّا منها صفة واحدة قديمة والتكثر والحدوث إنما هو في التعلقات والإضافات، لما أن ذلك أليق بكمال التوحيد، ولأنه لا دليل على تكثر كل منها في نفسها\" (¬٣).\rوقال الفرهاري: \"وحاصل الدفع أن للعلم تعلقين بالمعلومات، أحدهما قديم شامل لكل ما يمكن تعلق العلم به من الأزليات والحادثات والممكنات والمحالات وهذا التعلق بالحادث يكون باعتبار أنه سيوجد، ثانيهما: تعلقات","footnotes":"(¬١) انظر: شرح الخريدة البهية (٨٢)، وهو: أبو البركات، أحمد بن محمد بن أحمد العدوي الشهير بالدردير، من فقهاء المالكية، ولد في بني عدي بمصر، من كتبه: \"أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك\"، و\"منظومة الخريدة البهية في التوحيد\"، مات بالقاهرة سنة (١٢٠١ هـ).\rانظر: الأعلام للزركلي (١/ ٢٤٤)، ومعجم المؤلفين (١/ ٢٤٢).\r(¬٢) شرح العقائد النسفية (٤١).\r(¬٣) المصدر السابق (٤١ - ٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050335,"book_id":1102,"shamela_page_id":178,"part":"1","page_num":190,"sequence_num":178,"body":"فيما لا يزال مختصة بالمتجددات تحدث عند حدوثها. . . ولا يلزم من ذلك تغير في الصفة الإلهية بل في متعلقاتها وهي أمور إضافية لا يوجب تغيرها تغيرًا في الصفة القديمة\" (¬١).\rوهذا القول أيضًا هو قول طوائف من المعتزلة لكن هؤلاء يقولون: يعلم المستقبلات ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم لا بين العلم والمعلوم.\rوقول هؤلاء باطل من وجوه:\rالأول: أن مآل كلامهم إلى نفي ما دل عليه القرآن صراحة من تجدد علم لله سبحانه بالشيء المتجدد غير العلم القديم، يوضحه:\rالثاني: أن هذا التعلق الذي أثبتوه إما أن يكون أمرًا وجوديًّا أو أمرًا عدميًّا، فإن كان الثاني فقد بطل قولهم من أصله، وإن كان عدميًّا فلم يتجدد لله شيء، إذ العدم لا شيء، وهذا مناف لما أثبتته النصوص من حدوث تجدد (¬٢).\rالثالث: أن حدوث التعلق الذي هو نسبة وإضافة فقط ممتنع، إذ وجود هذا التعلق مشروط بحدوث أمر وجودي يقتضي ذلك، فلا تكون نسبة وإضافة إلا تابعة لصفة ثبوتية، كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية فإنها لا بد أن تستلزم أمورًا ثبوتية (¬٣).\rالرابع: أن مجرى هذا العلم في هذا مجرى باقي الصفات من سمع وبصر ونحوها، فالمسموع والمبصر قبل وجودهما عدمًا، والعدم لا يتعلق به سمع","footnotes":"(¬١) النبراس في شرح العقائد (١٣٥).\r(¬٢) انظر: جامع الرسائل (٢/ ١٨).\r(¬٣) انظر: جامع الرسائل (٢/ ١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050336,"book_id":1102,"shamela_page_id":179,"part":"1","page_num":191,"sequence_num":179,"body":"ولا بصر، ولكن إذا وجد الشيء سُمع وأُبصر، فكذلك العلم بالشيء موجودًا، لا يتعلق به إلا بعد أن يوجد، والله أعلم.\rولما كان التعلق بهذا التعقيد؛ فقد اعترف أكابرهم بصعوبة إدراكه وكونه مما لا يجب على المكلف معرفته.\rقال البيجوري: \"ومعرفة التعلقات غير واجبة على المكلف لأنها من غوامض علم الكلام، كما نقله الشيخ البرَّاوي (¬١) عن سيدي محمد الصغير، وذكره الشيخ الشنواني\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) هو: عيسى بن أحمد بن عيسى بن محمد الزبيري البراوي الأزهري المصري الشافعي، من كتبه: \"التيسير لحل ألفاظ الجامع الصغير\"، و\"حاشية على شرح جوهرة التوحيد\"، مات بالقاهرة سنة (١١٨٢ هـ).\rانظر: سلك الدرر (٣/ ٢٧٣)، الأعلام للزركلي (٥/ ١٠٠).\r(¬٢) تحفة المريد (١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050337,"book_id":1102,"shamela_page_id":180,"part":"1","page_num":193,"sequence_num":180,"body":"المبحث السادس: \"من العلم ما هو سببٌ في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050338,"book_id":1102,"shamela_page_id":181,"part":"1","page_num":195,"sequence_num":181,"body":"المبحث السادس: \"من العلم ما هو سبب في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك\"\rهذه القاعدة هي آخر القواعد المتعلقة بمسألة العلم بصفة خاصة، والبحث فيها هو في تأثير العلم في وجود المعلوم.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rويكون في ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والتحقيق أن كلًّا من العِلمين علم الخالق وعلم المخلوق ينقسم إلى ما يكون له تأثير في وجود معلومه وإلى ما لا يكون كذلك، فما لا يكون كذلك علم الله بنفسه سبحانه فإن هذا العلم ليس سببًا لهذا الموجود، فلا يجوز إطلاق القول بأن ذلك العلم سبب للوجود مطلقًا\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"والصواب أن العلم قسمان: علم فعلي؛ وهو علم الفاعل المختار بما يريد أن يفعله؛ فإنه موقوف على إرادته الموقوفة على تصوره المراد وعلمِه به، فهذا علم قبل الفعل متقدم عليه مؤثر فيه، وعلم انفعالي؛ وهو العلم التابع للمعلوم الذي لا تأثير له فيه، كعلمنا بوجود الأنبياء والأمم والملوك وسائر الموجودات فإن هذا العلم لا يؤثر في المعلوم","footnotes":"(¬١) درء التعارض (٩/ ٣٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050339,"book_id":1102,"shamela_page_id":182,"part":"1","page_num":196,"sequence_num":182,"body":"ولا هو شرط فيه\" (¬١).\rوقال صديق حسن خان ﵀ في ذكر تقسيمات العلم: \"الخامس: إلى فعلي ويسمى كليًّا قبل الكثرة، وهو ما يكون سببًا لوجود المعلوم في الخارج، كما نتصور السرير مثلًا ثم نوجده، وانفعالي ويسمى كليًّا بعد الكثرة وهو ما يكون مسببًّا عن وجود العالم بأن يكون مستفادًا من الوجود الخارجي، كما نجد أمرًا في الخارج كالسماء والأرض ثم نتصوره فالفعلي ثابت قبل الكثرة والانفعالي بعدها\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) مفتاح دار السعادة (١/ ٣١٤ - ٣١٥).\r(¬٢) أبجد العلوم (١/ ٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050340,"book_id":1102,"shamela_page_id":183,"part":"1","page_num":197,"sequence_num":183,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rتنقسم الأدلة على هذه القاعدة إلى قسمين: الأدلة على العلم السببي، والأدلة على العلم غير السببي.\r\rالأدلة على العلم السببي:\rقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].\rوكل آية يخبر الله ﷾ فيها بعلمه بأفعال عباده فالعلم فيها من العلم السببي، لأنه ﷾ خالق أفعال العباد.\rوكذا كل آية يخبر ﷾ فيها بعلمه بخلقه هي كذلك، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وإنما يكون فعليًا علمُه بخلقه؛ فإن علمَه له تأثير في فعل خلقه. . . ومذهب أهل السنة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، فعلمه فعليٌّ لجميع المخلوقات بهذا الاعتبار\" (¬١).\rوالعلم الفعلي - كما سيأتي - هو العلم السببي.\r\rالأدلة على العلم غير السببي:\rقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\rقال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: يعلم ما قدموا من أعمالهم\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) درء التعارض (١٠/ ١١٢).\r(¬٢) رواه ابن أبي حاتم (٢/ ٤٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050341,"book_id":1102,"shamela_page_id":184,"part":"1","page_num":198,"sequence_num":184,"body":"قال مجاهد: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضى من الدنيا\" (¬١).\rوقال ابن جريج: \"قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضى أمامهم من الدنيا\" (¬٢).\rوعلمه سبحانه بما مضى من أعمال بني آدم علم غير سببي، إذ لا تأثير له في المسبب، وهو غير العلم الذي كان سببًا في حصولها.\rفكل نص يتضمن علمه سبحانه بما وجد من مخلوقاته فهو من العلم غير السببي، وكذا كل نص يتضمن الإخبار بعلمه بنفسه سبحانه، لأن نفسه سبحانه غير مخلوقة.","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير (٤/ ٥٣٦)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٨٩).\r(¬٢) رواه ابن جرير (٤/ ٥٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050342,"book_id":1102,"shamela_page_id":185,"part":"1","page_num":199,"sequence_num":185,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمراد من هذه القاعدة بيان انقسام العلم إلى ما هو سبب في وجود المعلوم وما هو غير سبب فيه، وقد ذكر بعض أهل العلم هذه المسألة معبرين عنها بتأثير العلم، فذكروا أن العلم - باعتبار التأثير - ينقسم إلى قسمين:\rالأول: العلم العملي؛ وهو ما كان شرطًا في حصول المعلوم، ووجود المعلوم بدونه ممتنع، وهو علم الفاعل المختار بما يريد أن يفعله، وهو شرط في إرادة المعلوم، لأن الإرادة مشروطة بتصور المراد، ويسمى كذلك: العلم الفعلي، وهذا العلم طلبي، ولا يكون إلا متقدمًا على الفعل، ولا يمكن أن يتأخر عنه، لأنه شرط فيه، وسبب له.\rوالثاني: العلم الخبري النظري المحض؛ وهو ما كان المعلوم فيه غير مفتقر في وجوده إلى العلم به، وهو العلم بما لا يفعله العالم، وما ليس علمه به شرطًا في وجوده، ويسمى أيضًا: العلم الانفعالي، وهذا النوع قد يكون متقدمًا على المعلوم، وقد يكون متأخرًا عنه (¬١).\rوهذا التقسيم للعلم هو من حيث كونه علمًا، أي سواء تعلق بالله تعالى أو بالمخلوق.\rفمن علم الله ﷾ ما هو مؤثر في وجود المعلوم وشرط له، كعلمه ﷾ بمخلوقاته؛ فإنه شرط في وجودها، ومنه ما ليس مؤثرًا فيه كعلمه","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (١/ ٨٨) و (٩/ ٣٩٠ - ٣٩٢) و (١٠/ ١١٢)، وجامع الرسائل (١/ ١٧٢) و (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، ومجموع الفتاوى (١٩/ ١٢٩ - ١٣٠) ومفتاح دار السعادة (١/ ٣١٤ - ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050343,"book_id":1102,"shamela_page_id":186,"part":"1","page_num":200,"sequence_num":186,"body":"سبحانه بنفسه وما يجب له من صفات الكمال.\rوكذا من علم المخلوق ما هو مؤثر في معلومه، كعلمه بما يريد فعله من قيام أو صلاة أو كتابة ونحو ذلك، ومنه ما لا يؤثر، كعلمه بوحدانية الله وأسمائه وصفاته وصدق رسله وبملائكته وكتبه وغير ذلك، فإن هذه المعلومات ثابتة في نفسها سواء علمها أو لم يعلمها، فهي مستغنية عن علمه بها (¬١).\rقال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلامه عن انقسام علمنا إلى مؤثر وغير مؤثر -: \"وهذا التقسيم ثابت في علم الله تعالى؛ فإنه يعلم نفسه، ويعلم مخلوقاته أيضًا، والأول علم بموجود، والثاني علم بمقصود\" (¬٢).\rوكل من هذين القسمين مستلزم للآخر؛ بمعنى أنهما يجتمعان في كل علم.\rأما استلزام العلم الخبري النظري للعلم العملي؛ فلأن العلم لا بد أن يتبعه أثر ما وعمل ما على العالِم، من حب أو بغض أو غيرهما، فيكون - مع كونه تابعًا للمعلوم - متبوعًا مؤثرًا من هذه الجهة، لكن لا يجب أن يكون تأثيره في نفس المعلوم، بل يكون في أحوال تتعلق بالمعلوم من حب أو بغض أو إرادة ونحو ذلك.\rمثاله: العلم بالله ﷾ هو علم خبري تابع للمعلوم، فمن آمن بالله فأحبه؛ كان علمه مؤثرًا، لكن تأثيره ليس في نفس المعلوم، وإنما في محبته وإرادته، وكذا العلم بالشيطان؛ هو علم خبري تابع غير مؤثر فيه، لكنه مؤثر في بغضه وكراهيته لمن عرفه.","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (١/ ٨٨).\r(¬٢) جامع الرسائل (٢/ ٣٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050344,"book_id":1102,"shamela_page_id":187,"part":"1","page_num":201,"sequence_num":187,"body":"وأما استلزام العلم العملي للعلم الخبري النظري؛ فلأن العلم العملي لا يكون مؤثرًا في وجود المعلوم إلا إذا كان المعلوم متصَوَّرًا في ذهن العالم قبل وجوده في الخارج، فإن الفعل الاختياري يتبع الإرادة، والإرادة تتبع المراد؛ فلا بد أن يتصور الفاعل المراد قبل قصد الفعل الذي هو سبب إليه، فهو من هذه الحيثية علم نظري، فكل علم عملي فهو مسبوق بعلم نظري قائم في نفس العالم، فقد يكون ثبوت المعلوم في ذهن العالم سابقًا لوجوده في الخارج، وقد يكون وجوده في الخارج سابقًا لتصوره، أو بدون تصوره، وهذا هو مورد التقسيم.\rومن هذا يتبين أن لكل علم أثرًا في نفس العالم، وأن كل علم هو تابع مطابق للمعلوم، وإن كان بعضه سابقًا، وبعضه تابعًا تبع التأخر والتأثر (¬١).\rولا ريب أن إثبات التأثير للعلم يقتضي كونه سببًا فيه، سواء عبر عن ذلك بلفظ السببية أو الشرطية أو نحو ذلك مما يقتضي توقف حصول المعلوم عليه، ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: \"العلم أبدًا تابع للمعلوم مطابق له، ثم قد يكون سببًا في وجود المعلوم. . . وقد لا يكون سببًا\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"وقد يجوز أن يقال: كله علم فهو تابع للمعلوم مطابق، سواء كان سببًا في وجود المعلوم أو لم يكن\" (¬٣).\rوكل من القسمين صفة كمال وعدمه من أعظم النقص (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٠ - ١٣٢)، وجامع الرسائل (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦).\r(¬٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥١٠).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٠).\r(¬٤) انظر: مفتاح دار السعادة (١/ ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050345,"book_id":1102,"shamela_page_id":188,"part":"1","page_num":202,"sequence_num":188,"body":"ومن مسائل هذه القاعدة: إن إثبات سببية العلم لا يعني أنه مقتض للمعلوم موجب له بمجرده، بل هو شرط أو جزء سبب، فليس هو وحده موجبًا لوجود المعلوم بلا قدرة ولا إرادة وعمل، بل لا بد مع العلم به من إرادته والقدرة عليه، وإن كان العلم سابقًا عليهما (¬١).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ومن المعلوم أن نفس العلم بالمعلومات لا يغني عن إرادة ذلك والقدرة عليه، فمن ادعى أن مجرد العلم كاف في حصول المعلومات كان مكابرًا مباهتًا\" (¬٢).\rفالحاصل أن العلم قسمان: سبب في وجود المعلوم، وغير سبب، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٧٢)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٥١١ - ٥١٢).\r(¬٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥١٢)، وانظر: درء التعارض (١٠/ ١١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050346,"book_id":1102,"shamela_page_id":189,"part":"1","page_num":203,"sequence_num":189,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالخلاف في هذه القاعدة مع طائفتين: المتكلمين والفلاسفة.\rأما المتكلمون فذهبوا إلى أن العلم ليس سببًا لوجود المعلوم، بل هو تابع له على ما هو عليه ولا تأثير له فيه.\rصرح بذلك عدد من أئمتهم، فقال الغزالي: \"العلم يتبع المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه، ولا يؤثر فيه ولا يغيره\" (¬١).\rوقال الجُوَيني (¬٢): \"وتعلق العلم بالمعلوم لا يغيره ولا يوجبه، بل يتبعه في النفي والإثبات، ولو كان العلم يؤثر في المعلوم؛ لما تعلق العلم بالقديم ﷾\" (¬٣).\rوقال الرازي: \"العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه\" (¬٤).\rوقال الزمخشري: \"العلم تابع للمعلوم لا يتعلق به إلا على ما هو عليه\" (¬٥).\rبل قد حكى الشهرستاني اتفاق المتكلمين على ذلك، فقال: \"ولذلك اتفق المتكلمون بأسرهم على أن العلم يتبع المعلوم فيتعلق به على ما هو به، ولا","footnotes":"(¬١) الاقتصاد في الاعتقاد (١٠١)، وانظر: المستصفى (١/ ٢٩٠).\r(¬٢) هو: أبو المعالي، عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني النيسابوري الأشعري، المعروف بإمام الحرمين، شيخ الشافعية، ولد سنة (٤١٩ هـ)، من كتبه: \"العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية\"، و\"نهاية المطلب في دراية المذهب\"، مات سنة (٤٧٨ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٨)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٥).\r(¬٣) البرهان (١/ ١٠٥).\r(¬٤) مفاتيح الغيب (١٩/ ٧٥)، وانظر: المحصول (٢/ ٢١٦).\r(¬٥) الكشاف (٤/ ٥٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050347,"book_id":1102,"shamela_page_id":190,"part":"1","page_num":204,"sequence_num":190,"body":"يكسبه صفةً ولا يكتسب عنه صفةً\" (¬١).\rوذهب الفلاسفة إلى أن علم الله سبحانه سبب في وجود المعلوم، وأن هذا العلم بمجرده هو الموجب لوجود المخلوقات، وليس للمشيئة والقدرة في ذلك مدخل.\rقال ابن سينا: \"الصور العقلية قد يجوز بوجه ما أن تُستفاد من الصور الخارجية، مثلًا كما تستفيد صورة السماء من السماء، وقد يجوز أن تسبق الصورة أولًا إلى القوّة العاقلة، ثم يصير لها وجود من خارج، مثل ما تعقل شكلًا ثم تجعله موجودًا، ويجب أن يكون ما يعقله واجب الوجود من الكلّ على الوجه الثاني\" (¬٢).\rوهذا تصريح واضح في أنّ علم الله سبحانه علم فعلي لا انفعالي، فقد قال الطوسي في شرحه: \"فقسم المفعولات إلى ما تكون عللًا لوجود الأعيان الخارجية التي هي صورها، كتعقل الإنسان عملًا غريبًا لم يسبقه أحد إليه، وإيجاد ما يعقله بعد ذلك، ويسمى علمًا فعليًّا، وإلى ما تكون معلولات الأعيان الخارجية كتعقل الإنسان شيئًا شاهد صورته، ويسمى علمًا انفعاليًّا. ونفى المصنف الثاني عن الأول تعالى، لامتناع انفعاله عن غيره\" (¬٣).\rوقال الشهرستاني: \"ومن مذهبهم [أي الفلاسفة] أنه ليس علم الباري تعالى علمًا انفعاليًّا - أي تابعًا للمعلوم -، بل علمه علم فعلي فهو من حيث هو","footnotes":"(¬١) نهاية الإقدام في علم الكلام (٧٠).\r(¬٢) الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\r(¬٣) شرح الطوسي بهامش الإشارات والتنبيهات (٣/ ٢٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050348,"book_id":1102,"shamela_page_id":191,"part":"1","page_num":205,"sequence_num":191,"body":"فاعل عالم وعلمه هو الذي أوجب الفعل\" (¬١).\rوالرد على هاتين المقالتين من وجوه:\rالأول: أن تقسيم العلم إلى سببي وغير سببي أمر معلوم ببداهة العقل، فكل أحد يدرك أن العلم ببعض الأشياء كأخبار من سلف من الأمم ليس سببًا في وجود هذا المعلوم بضرورة العقل، إذ هو سابق في وجوده، ويدرك كذلك أن من العلم ما هو شرط في حصول المعلوم، كبناء دار؛ فلا يمكن لأحد أن يبني بيتًا وهو جاهل بصناعة البناء.\rالثاني: أن الفلاسفة في نفيهم للعلم غير السببي، وكذا المتكلمون في نفيهم للعلم السببي كلاهما معترف ضمنًا بالقسمة، وإن عبَّر بنفيها، وإن أنكروها فهي لازمة لهم.\rفمن يقر من الفلاسفة بأن الله سبحانه يعلم نفسه - وهم أكثر الفلاسفة (¬٢) - يلزمه أن يقر بأن علمه سبحانه بها ليس سببًا فيها؛ لأن ذاته سبحانه غير مخلوقة.\rوأما المتكلمون فإنهم يقرون بأن العلم بالشيء الذي سيفعله الفاعل شرط في حصول ذلك الشيء، وإذا كان شرطًا في حصوله فهو سبب مؤثر فيه، ولذلك فإنهم يستدلون على ثبوت العلم للرب سبحانه بدليل الإحكام والإتقان (¬٣)، فلو لم يكونوا مقرين بوجود هذا القسم لما صحَّ لهم الاستدلال","footnotes":"(¬١) الملل والنحل (١/ ٨٢).\r(¬٢) انظر: تلبيس إبليس (١/ ٣٢٥).\r(¬٣) انظر مثلًا: شرح الأصول الخمسة (١٥٦)، وشرح العقائد النسفية (٣٦)، وشرح السنوسية (٩٣)، وتحفة المريد (١٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050349,"book_id":1102,"shamela_page_id":192,"part":"1","page_num":206,"sequence_num":192,"body":"كما لا يخفى.\rولذلك وُجد من علماء الكلام من نص على القسمين، كما فعل الإِيجِي (¬١) في \"المواقف\"، فقد قال: \"العلم إما فعلي كما نتصور أمرًا ثم نوجده، وإما انفعالي كما يوجد أمر ثم نتصوره، فالفعلي قبل الكثرة، والانفعالي بعدها\" (¬٢).\rوأقره على ذلك الشارح الجرجاني، والسِّيَالكوتي (¬٣) وحسَن جَلبي (¬٤) في حاشيتهما عليه (¬٥)، ولذلك قال شيخ الإسلام: \"وما أظن العقلاء من الفريقين إلا يقصدون معنى صحيحًا؛ وهو أن يشيروا إلى ما تصوروه؛ فينظر هؤلاء في أن العلم تابع لمعلومه مطابق له، ويشير هؤلاء إلى ما في حسن العلم في الجملة من أنه قد يؤثر في المعلوم وغيره ويكون سببًا له، وأن وجود الكائنات كان","footnotes":"(¬١) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار بن أحمد، عضد الدين الإيجي الشيرازي الشافعي الأشعري، من كتبه: \"المواقف في علم الكلام\"، و\"شرح مختصر ابن الحاجب\"، مات سنة (٧٥٦ هـ).\rانظر: طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ٤٦)، والدرر الكامنة (٣/ ٣٢٧).\r(¬٢) المواقف (١٤٥).\r(¬٣) هو: عبد الحكيم بن شمس الدين الهندي السيالكوتي البنجابي، من كتبه: \"عقائد السيالكوتي\"، و\"زبدة الأفكار\"، مات سنة (١٠٦٧ هـ).\rانظر: الأعلام للزركلي (٣/ ٢٨٣)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٦٠).\r(¬٤) هو: حسن جلبي بن محمد شاه بن حمزة، بدر الدين الرومي الحنفي، ويعرف بالفناري، من تصانيفه: \"حاشية على شرح صدر الشريعة\"، و\"حاشية على شرح الشريف الجرجاني لمواقف الإيجي\"، مات سنة (٨٨٦ هـ).\rانظر: الضوء اللامع (٣/ ١٢٧)، الفوائد البهية (٦٤).\r(¬٥) شرح المواقف للجرجاني مع حاشيتي السيالكوتي والجلبي (٦/ ٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050350,"book_id":1102,"shamela_page_id":193,"part":"1","page_num":207,"sequence_num":193,"body":"بعلم الله\" (¬١).\rإلا أن إطلاق المتكلمين أحسن وأصوب من إطلاق الفلاسفة (¬٢).\rالثالث: أن كلا العلمين السببي وغير السببي متلازمان، ويجتمعان في العلم غالبًا أو دائمًا كما تقدم، وهذه القسمة الحاصلة إنما كانت نتيجة لكون ثبوت المعلوم في نفس العالم وتصوره قد يكون سابقًا لوجوده في الخارج، كتصور أحدنا لأقواله وأفعاله، وقد يكون وجوده الخارجي هو السابق، فلا يتأتى لأحد - والحال هذه - إنكار أحدهما، بل يلزم الإقرار بهما معًا.\rوأما زعم الفلاسفة بأن العلم موجب لوجود المعلوم بدون القدرة والمشيئة فباطل، إذ يلزم عليه قدم المخلوقات؛ لأن علمه سبحانه أزلي، فإذا كان وجود المخلوقات غير مشروط بالقدرة والإرادة، والعلم أزلي؛ فالمخلوقات أزلية، وهذا باطل بالضرورة، ثم إن تأثير القدرة والمشيئة في وجود المراد أظهر من تأثير العلم (¬٣)، فلا يصح نفي سببيتهما، وهذا معلوم لكل أحد، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٠).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩٢)، ومجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٠).\r(¬٣) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050351,"book_id":1102,"shamela_page_id":194,"part":"1","page_num":209,"sequence_num":194,"body":"المبحث السابع: \"ما كُتب في اللوح المحفوظ ثابت لا يتغير، وما كُتب في صحف الملائكة يقع فيه المحو والإثبات\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050352,"book_id":1102,"shamela_page_id":195,"part":"1","page_num":211,"sequence_num":195,"body":"المبحث السابع: \"ما كُتب في اللوح المحفوظ ثابت لا يتغير، وما كُتب في صحف الملائكة يقع فيه المحو والإثبات\"\rتتضمن هذه القاعدة مسألة مهمة تتعلق بمرتبتي العلم والكتابة - وهي ألصق بمرتبة الكتابة -، وهي مسألة المحو والإثبات في المقادير (¬١).\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rويكون في ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة؛ فإذا وصل رحِمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب\" (¬٢).\rوقال ابن العربي ﵀: \"الحكمة في كون الملك يكتب ذلك كونه قابلًا للنسخ والمحو والإثبات، بخلاف ما كتبه الله تعالى فإنه لا يتغير\" (¬٣).\rوقال البيهقي ﵀: \"الله جل ثناؤه قد كتب ما يصيب عبدًا من عباده","footnotes":"(¬١) في هذا الموضوع بحث مفرد هو: \"المحو والإثبات في المقادير\" للدكتور عيسى السعدي، وقد استفدت منه في مواضع من هذا المبحث.\r(¬٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١).\r(¬٣) فتح الباري (١١/ ٤٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050353,"book_id":1102,"shamela_page_id":196,"part":"1","page_num":212,"sequence_num":196,"body":"من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك، وأنه إن دعا الله تعالى أو أطاعه في صلة الرحم وغيرها لم يصبه ذلك البلاء، ورزقه كثيرًا وعمره طويلًا، وكتب في أم الكتاب ما هو كائن من الأمرين، فالمحو والإثبات يرجع إلى أحد الكتابين كما أشار إليه ابن عباس (¬١)، والله أعلم\" (¬٢).\rوقال الذهبي ﵀: \"فإن الدعاء بطول البقاء قد صح؛ دعا الرسول ﷺ لخادمه أنس بطول العمر (¬٣)، والله يمحو ما يشاء ويثبت، فقد يكون طول العمر في علم الله مشروطًا بدعاء مجاب، كما أن طيران العمر قد يكون بأسباب جعلها من جور وعسف، و (لا يرد القضاء إلا الدعاء) (¬٤)، والكتاب الأول فلا يتغير\" (¬٥).\rوقال الشوكاني ﵀: \"تطويل العمر وتقصيره هما بقضاء الله وقدره؛ لأسباب تقتضي التطويل وأسباب تقتضي التقصير، فمن أسباب التطويل: ما ورد في صلة الرّحم عن النبيّ ﷺ ونحو ذلك، ومن أسباب التقصير الاستكثار من معاصي الله ﷿، فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلًا سبعين سنة؛ فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة، وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان، والكلّ في كتاب مبين\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر ما يأتي ص (٢١٤).\r(¬٢) القضاء والقدر (١/ ٤٨٥).\r(¬٣) سيأتي تخريجه ص (٢٣٩).\r(¬٤) سيأتي تخريجه ص (٢١٧).\r(¬٥) سير أعلام النبلاء (٨/ ٢١٩ - ٢٢٠).\r(¬٦) فتح القدير (٤/ ٤٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050354,"book_id":1102,"shamela_page_id":197,"part":"1","page_num":213,"sequence_num":197,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rتضمنت هذه القاعدة مسألتين:\rالأولى: أن ما في اللوح المحفوظ لا يقبل المحو والإثبات.\rالثانية: وقوع ذلك في صحف الملائكة.\rفأدلة الأولى: هي كل دليل دل على الفراغ من المقادير، مثل قوله ﷺ لأبي هريرة ﵁: (يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذَر) (¬١).\rومثل قوله ﷺ لابن عباس ﵄: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدْه تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف) (¬٢).\rوحديث جابر ﵁ قال: جاء سُراقة بن مالك بن جُعشُم؛ قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير\" قال: ففيم العمل؟ قال: زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت: ما قال؟ فقال: \"اعملوا فكل ميسر) (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب النكاح، باب ما يُكره من التبتل والخصاء (٧/ ٤) ح (٥٠٧٦).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (١٠٤)، وهو صحيح.\r(¬٣) تقدم تخريجه ص (١٠٤)، وهو صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050355,"book_id":1102,"shamela_page_id":198,"part":"1","page_num":214,"sequence_num":198,"body":"وأما أدلة الثانية؛ فيمكن تقسيمها إلى قسمين:\rأدلة على ذات المحو والإثبات؛ وتتضمن إثبات المحو والإثبات:\rكما في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فجمع سبحانه في هذه الآية بين وقوع المحو والإثبات فيما دون اللوح المحفوظ، وبين عدمه فيه، كما قال ابن عباس ﵄ وعكرمة ﵀: \"كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب\" (¬١).\rقال ابن أبي العز ﵀: \"وقيل الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحُمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٨، ٣٩]، على أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة، وأن قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: اللوح المحفوظ. ويدل على هذا الوجه سياق الآية، وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، ثم قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، أي: من ذلك الكتاب، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ\" (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١]، على الراجح في تفسيرها، فيكون مرجع الضمير في قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ إلى المعمر نفسه، أي وما ينقص من عمره على الحقيقة، فالمراد بالنقص: النقص من العمر المكتوب، كما يراد بالزيادة: الزيادة في العمر المكتوب.\rقال الشوكاني ﵀: \"والأولى أن يقال: ظاهر النظم القرآني أن تطويل","footnotes":"(¬١) رواهما ابن جرير (١٣/ ٥٦٢).\r(¬٢) شرح الطحاوية (١/ ١٣١ - ١٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050356,"book_id":1102,"shamela_page_id":199,"part":"1","page_num":215,"sequence_num":199,"body":"العمر وتقصيره هما بقضاء الله وقدره؛ لأسباب تقتضي التطويل وأسباب تقتضي التقصير.\rفمن أسباب التطويل: ما ورد في صلة الرّحم عن النبيّ ﷺ ونحو ذلك، ومن أسباب التقصير الاستكثار من معاصي الله ﷿، فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلًا سبعين سنة؛ فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة، وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان، والكلّ في كتاب مبين\" (¬١).\r\rأدلة على أسباب المحو والإثبات:\rكتقوى الله وطاعته، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، والدعاء، والبِرّ.\rكما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤].\rفجعل سبحانه عبادته وطاعته سببًا لزيادة العمر، والمعنى: \"يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدره الله لكم بشرط الإيمان والطاعة، فوق ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان\" (¬٢).\rوقال القرطبي ﵀: \"قال ابن عباس: أي ينسئ في أعماركم، ومعناه أن الله تعالى كان قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم، وإن لم يؤمنوا","footnotes":"(¬١) فتح القدير (٤/ ٤٥١)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠)، وقد شنَّع الشوكاني في قطر الولي (٥٠٦ - ٥٠٧) على من فسره بغير ذلك بعبارات شديدة لا يوافق عليها، ولكلتا هاتين الآيتين أقوال أخرى في تفسيرها؛ ستأتي مع مناقشتها.\r(¬٢) فتح القدير (٥/ ٣٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050357,"book_id":1102,"shamela_page_id":200,"part":"1","page_num":216,"sequence_num":200,"body":"عوجلوا بالعذاب\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"والعمر يطول والرزق يبسط بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح، كما أن الهلاك والإغراق استحقه قوم نوح بالكفر والتكذيب\" (¬٢).\rوحديث أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أحب أن يُبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليَصِل رَحِمَه) (¬٣).\rوحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار) (¬٤).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا، وقال: إن وصل رحمه زدته كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر\" (¬٥).\rوقال أيضًا: \"والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة؛ فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص","footnotes":"(¬١) تفسير القرطبي (٢١/ ٢٥١).\r(¬٢) مختصر الفتاوى المصرية للبعلي (٢٤٩).\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (٨/ ٥) ح (٥٩٨٦)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٤/ ١٩٨٢) ح (٢٥٥٧)، ورواه البخاري في الباب السابق (٨/ ٥) ح (٥٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\r(¬٤) رواه أحمد (٤٢/ ١٥٣) ح (٢٥٢٥٩)، وصححه الألباني الصحيحة ح (٥١٩).\r(¬٥) مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050358,"book_id":1102,"shamela_page_id":201,"part":"1","page_num":217,"sequence_num":201,"body":"نقص من ذلك المكتوب\" (¬١).\rوحديث ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) (¬٢).\rقال البيهقي ﵀ بعد أن ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى -: \"والمعنى في هذا أن الله جل ثناؤه قد كتب ما يصيب عبدًا من عباده من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك، وأنه إن دعا الله تعالى أو أطاعه في صلة الرحم وغيرها لم يصبه ذلك البلاء، ورزقه كثيرًا وعمره طويلًا، وكتب في أم الكتاب ما هو كائن من الأمرين، فالمحو والإثبات يرجع إلى أحد الكتابين كما أشار إليه ابن عباس، والله أعلم\" (¬٣).\rوغير ذلك من الأدلة، وسيأتي شيء منها في غضون الشرح بإذن الله.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩١).\r(¬٢) رواه أحمد (٣٧/ ٦٨) ح (٢٢٣٨٦)، والترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء (٤/ ١٨) ح (٢١٣٩)، وابن ماجه: المقدمة، باب في القدر (١/ ١١١) ح (٩٠)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٥٤).\r(¬٣) القضاء والقدر (١/ ٤٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050359,"book_id":1102,"shamela_page_id":202,"part":"1","page_num":218,"sequence_num":202,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالبحث في هذه القاعدة هو في مسألة المحو والإثبات في المقادير، وأن ذلك واقع في صحف الملائكة دون اللوح المحفوظ، ويتضمن البحث كذلك بيان متعلق المحو والإثبات.\rويحسُن قبل الخوض في شرح هذه القاعدة بيانُ المراد بالمحو والإثبات.\rفالمحو: إزالة الشيء والذهاب به، والمحو لكل شيء يذهب أثره (¬١).\rوالإثبات: ضده، وهو إقامة الشيء وإدامته، وعدم إزالته (¬٢).\rوكل من المحو والإثبات من أفعال الله ﷾، كما في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].\rوكذا قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤].\rوقوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢].\rوهما من الصفات الفعلية اللائقة بعظمته وجلاله ﷾.\rومذهب أهل السنة والجماعة أن المحو والإثبات واقعان في المقادير، والخلاف بينهم في مسألتين:\rالأولى: محل المحو والإثبات.\rالثانية: متعلق المحو والإثبات.","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (٥/ ٢٧٧)، ولسان العرب (٢٠/ ١٣٩)، مادة: (محو).\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٦٧)، والمفردات (١٧١)، مادة: (ثبت).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050360,"book_id":1102,"shamela_page_id":203,"part":"1","page_num":219,"sequence_num":203,"body":"أما المسألة الأولى: - وهي المسألة الأساسية في القاعدة - فهم فيها على قولين:\rالقول الأول: أن المحو والإثبات واقع في صحائف الملائكة فحسب، وأما اللوح المحفوظ فلا محو فيه ولا إثبات.\rالقول الثاني: أن المحو والإثبات واقع في كليهما.\rفاتفق الفريقان على وقوعه في الصحف واختلفا في وقوعه في اللوح.\rوالمراد بالصحف: صحف التقدير العمري، وصحف التقدير الحولي في ليلة القدر.\rمع التنبيه على أن أهل السنة مجمعون على أن علم الله سبحانه لا محو فيه ولا إثبات.\rأما وقوعه في صحف الملائكة؛ فيدل عليه ما تقدم من أدلة على وقوع المحو والإثبات.\rوأما منع وقوعه في اللوح المحفوظ - وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول -؛ فيدل عليه:\rأولًا: قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].\rعن ابن عباس ﵄ أنه قال في هذه الآية: \"كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب\"، ومثله عن عكرمة (¬١).\rوقال الربيع: \" ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أي: أصل الكتاب، وهو","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجهما ص (٢١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050361,"book_id":1102,"shamela_page_id":204,"part":"1","page_num":220,"sequence_num":204,"body":"اللوح المحفوظ الذي لا يبدَّل ولا يغير\".\rوقال ابن زيْد (¬١): \" ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: لا يُغير ولا يُبدل\" (¬٢).\rوقال السُّدي: \" ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: يقول: عنده الذي لا يُبدل\".\rقال الحافظ ﵀: \"فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى؛ فلا محو فيه البتة\" (¬٣).\rوقال السعدي ﵀: \" ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: من الأقدار، ﴿وَيُثْبِتُ﴾: ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه؛ فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير، لأن ذلك محال على الله، أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب، فالتغيير","footnotes":"(¬١) هو أبو الشعثاء، جابر بن زيد الأزدي اليحمدي مولاهم، البصري، كان عالم أهل البصرة في زمانه، يعد مع الحسن وابن سيرين وهو من كبار تلامذة ابن عباس، ولد سنة (٢١ هـ)، قال عمرو بن دينار: \"ما رأيت أحدًا أعلم من أبي الشعثاء\"، وقال عزرة الكوفي: \"قلت لجابر بن زيد: إن الإباضية يزعمون أنك منهم قال: أبرأ إلى الله منهم\"، مات سنة (٩٣ هـ). انظر: الطبقات الكبرى (٩/ ١٧٩)، والتاريخ الكبير (٢/ ٢٠٤)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨١).\r(¬٢) تفسير الطبري (١٣/ ٥٦٧).\r(¬٣) فتح الباري (١٠/ ٤١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050362,"book_id":1102,"shamela_page_id":205,"part":"1","page_num":221,"sequence_num":205,"body":"والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب ما رُسم في اللوح المحفوظ\" (¬١).\rوهذا الاستدلال مستقيمٌ، سواء قيل إن ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ هو اللوح المحفوظ - كما هو الراجح وهو المأثور عن ابن عباس وعكرمة -، أو قيل إنه علم الله سبحانه، يوضحه:\rثانيًا: أنه قد وقع الإجماع على أن علم الله ﷾ لا محو فيه ولا إثبات، والذي في اللوح المحفوظ هو من علم الله ﷾، وعليه فلا محو فيه ولا إثبات أيضًا.\rدل على هذا حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره؛ فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل)، فلذلك أقول جف القلم على علم الله (¬٢).\rفجعل عبد الله بن عمرو ﵄ المكتوب في اللوح المحفوظ هو علم الله ﷾.","footnotes":"(¬١) تفسير السعدي (٢/ ٨٣٦).\r(¬٢) رواه أحمد (١١/ ٢١٩) ح (٦٦٤٤)، والترمذي: أبواب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة (٤/ ٣٨٢) ح (٢٦٤٢)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٢٤١)، وبوَّب البخاري: \"باب جف القلم على علم الله\" أورد تحته حديث عمران بن حصين قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: (نعم)، قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: (كل يعمل لما خلق له، أو لما يسر له) (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050363,"book_id":1102,"shamela_page_id":206,"part":"1","page_num":222,"sequence_num":206,"body":"ثالثًا: أن النبي ﷺ قد أخبر بجفاف القلم وأن الأمر قد فُرغ منه، وإذا جف قلم اللوح فلا محو في اللوح ولا إثبات.\rكما في حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذَر).\rوحديث ابن عباس ﵄ وفيه: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف).\rوحديث سُراقة بن مالك بن جُعشُم ﵁ حين قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير). وقد تقدمت قريبًا (¬١). . . إلى غير ذلك من الأحاديث.\rقال ابن رجب ﵀ في حديث ابن عباس ﵄: \"هو كنايةٌ عن تقدُّم كتابة المقادير كلِّها، والفراغ منها من أمدٍ بعيدٍ، فإنَّ الكتابَ إذا فُرِغَ من كتابته ورفعت الأقلامُ عنه وطال عهده؛ فقد رُفعت عنه الأقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها مِنْ مدادها، وجفت الصَّحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغِها\" (¬٢).\rرابعًا: أن النبي ﷺ قد أخبر في أحاديث عدة أن القلم جرى","footnotes":"(¬١) انظر ص (٢١٠).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٣٦٢ - ٣٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050364,"book_id":1102,"shamela_page_id":207,"part":"1","page_num":223,"sequence_num":207,"body":"بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ وفيه (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) (¬١).\rوفي لفظ: (اكتب القدر؛ ما كان وما هو كائن إلى الأبد) (¬٢)، وفي لفظ: (فجرى بما هو كائن إلى الأبد) (¬٣).\rوهذا المحو والإثبات الواقعين في القدر لا يخلو إما أن يكونا مما سُطر في اللوح المحفوظ، أو لا يكونا، والثاني باطل قطعًا لمخالفته للعموم الوارد في الأحاديث السابقة، فيلزم أنه موجود فيه.\rوإذا تقرر وجوده فيه فأي شيء سيمحى أو يثبت فيه؟ فالموجود في اللوح المحفوظ: القدر المشروط، والقدر النهائي، وهو ما يعبر عنه بالقدر المعلق أو المقيد، والقدر المثبت أو المطلق أو المبرم كما سيأتي بيانه.\rخامسًا: قوله سبحانه: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، على قراءة من قرأ ﴿مَحْفُوظٍ﴾ بالخفض على أنه صفة للوح (¬٤)، فوصف اللوح بالحفظ، وهذا يعم الحفظ من التغيير والتبديل والمحو والإثبات.\rقال ابن جرير ﵀: \"في لوح محفوظ من الزيادة فيه والنقصان منه عما أثبته الله فيه\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٣٧).\r(¬٢) رواه الترمذي (٤/ ٢٩) ح (٢١٥٥)، وانظر: صحيح الترمذي ح (٢١٥٥).\r(¬٣) رواه كذلك الترمذي (٥/ ٣٤٨) ح (٣٣٢٠)، وانظر: صحيح الترمذي ح (٣٣١٩).\r(¬٤) وهم الجميع سوى نافع، انظر: الحجة في القراءات السبع (٣٦٨).\r(¬٥) تفسير الطبري (٢٤/ ٢٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050365,"book_id":1102,"shamela_page_id":208,"part":"1","page_num":224,"sequence_num":208,"body":"وقال ابن كثير ﵀: \"أي هو في الملأ الأعلى؛ محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل\" (¬١).\rسادسًا: أنه يلزم على القول بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ لازم باطل، وهو نسبة البداء إلى الله ﷾ (¬٢)، إذ المكتوب في اللوح علمه سبحانه - كما تقدم -، فإذا جاز التغيير في علمه ﷾ فهذا هو عين البداء.\rوقد اعترض القائلون بوقوع المحو والإثبات في اللوح - وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني - على هذه الأدلة بثلاثة اعتراضات:\rالاعتراض الأول: أن المكتوب في صحف الملائكة هو ما في اللوح المحفوظ، فصحف التقدير السنوي تنسخها الملائكة من اللوح المحفوظ، وصحف التقدير العمري تعرض على اللوح المحفوظ فتكون مطابقة لما فيه.\rقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قال: \"يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو موت أو حياة أو مطر، حتى يكتب الحاج يحج فلان ويحج فلان\" (¬٣).\rوتقدم أن هذه المقادير تفصيل مما في اللوح المحفوظ (¬٤)، كما هي دلالة تسميته بأم الكتاب، لأن أم كل شيء: أصله وعماده، ومنه قولهم لمكة: أم القرى (¬٥).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣١٤).\r(¬٢) سيأتي تعريف البداء ص (٢٤٩).\r(¬٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٨٧).\r(¬٤) انظر ما تقدم ص (١١٩).\r(¬٥) القاموس المحيط (٤/ ٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050366,"book_id":1102,"shamela_page_id":209,"part":"1","page_num":225,"sequence_num":209,"body":"فإذا قلنا أن بوقوع المحو والإثبات فيها؛ لزمنا القول بوقوعهما فيه حتمًا.\rوالجواب عليه: أنه لا شك أن ما في صحف الملائكة موجود في اللوح المحفوظ، لأن اللوح المحفوظ كُتب فيه كل شيء على التفصيل، سواء ما يتعلق ببني آدم أو بغيرهم، بل قد كتب فيه ما يتعلق بما يقوله الرب ﷾ وما يفعله، وما يكون بقوله وفعله، وكتب فيه أيضًا مقتضى أسمائه وصفاته وآثارها كما تقدم (¬١).\rلكن محل النزاع هنا: هل الذي في اللوح المحفوظ هو فقط ما في هذه الصحف، أم أن فيه زيادة عليها؟\rهذه المسألة تتضح ببيان مسألة أخرى: وهي انقسام المكتوب في اللوح إلى قدر معلق، وقدر مبرم، فالقدر قدران:\rالأول: القدر المثبت، أو المطلق، أو المبرم: وهو ما في اللوح المحفوظ دون غيره من الصحف، وهو ما علمه الله أنه يقع، وهو مستقر الأمر الذي يعلمه الله ﷾ ولا تعلمه الملائكة، وهذا القدر ثابت لا يتغير؛ فلا محو فيه ولا إثبات.\rالثاني: القدر المعلق، أو المقيد: وهو المعلق بالأسباب التي هي من جملة ما قدره الله وكتبه، وهو ما يوجد في صحف الملائكة - مع وجوده في اللوح -.\rكأن يقال للملَك: إن عمر فلان مائة سنة إن وصل رحمه وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع، وهذا هو الذي يدخله المحو والإثبات (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (١١٠).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٨٨ - ٤٩٢)، وفتح الباري (١٠/ ٤١٦)، وشرح صحيح مسلم (١٦/ ٣٣٠ - ٣٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050367,"book_id":1102,"shamela_page_id":210,"part":"1","page_num":226,"sequence_num":210,"body":"فثبت بهذا أن ما في الصحف مطابق لما في اللوح، إلا أنه مقيد بأسبابه، وما في اللوح شامل لهذا ولما يستقر عليه الأمر، فلا إشكال حينئذٍ.\rالاعتراض الثاني: أن القول بوقوع المحو والإثبات في اللوح قد روي عن بعض السلف.\rكما روى ابن أبي شيبة (¬١) والبيهقي في القضاء والقدر (¬٢) عن ابن مسعود ﵁: \"ما دعا عبد قط بهذه الدعوات إلا وسع الله عليه في معيشته: يا ذا المن فلا يُمَن عليك، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول لا إله إلا أنت، ظهر اللاجئين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيًا فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيدًا، وإن كنت كتبتني في أم الكتاب مقتَّرًا عليَّ رزقي؛ فامح حرماني وتقتير رزقي، وأثبتني عندك سعيدًا موفقًا للخير، فإنك تقول في كتابك: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] \".\rوالجواب عليه من وجوه:\rالأول: ضعف سنده؛ فهو من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جده عبد الله بن مسعود ﵁، وفيه علتان:\r١) عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ابن سعد بن الحارث، أبو شيبة الواسطي الأنصاري ويقال الكوفي، متفق على ضعفه (¬٣).","footnotes":"(¬١) المصنف (١٥/ ١٤٢) ح (٣٠١٤٥).\r(¬٢) (٤٨٧) ح (١٨٨).\r(¬٣) انظر: التهذيب (٢/ ٤٨٦ - ٤٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050368,"book_id":1102,"shamela_page_id":211,"part":"1","page_num":227,"sequence_num":211,"body":"٢) الانقطاع بين القاسم وابن مسعود (¬١).\rوعليه فهذا الأثر لا يصح.\rالثاني: على فرض ثبوته فهو معارَض بالنصوص التي دلت على أن اللوح المحفوظ لا محو فيه ولا إثبات، وقد سبقت.\rالثالث: أنه مخالف لجمهور الصحابة، فإن هذا القول لم يؤثر عن أحد منهم.\rوبهذا يتبين أن هذا الاعتراض غير متوجه، والله أعلم.\rالاعتراض الثالث: أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة به، فيحتمل التبديل (¬٢).\rوالجواب عليه: أن لم يثبت في شيء من النصوص أن أحدًا من الخلق يطلع على اللوح المحفوظ لا الملائكة ولا غيرهم، بل قد ثبت خلاف ذلك من وجوه:\r- منها وصفه سبحانه له بالحفظ.\r- وكون المكتوب فيه علم الله الذي ليس لأحد الاطلاع عليه.\r- وصفه بأنه عنده، وقد تقدمت بما أغنى عن إعادتها هنا (¬٣).\rكما أنه يلزم عليه نفي اختصاص الله ﷾ بالغيب وهذا باطل بالضرورة.\rوأما استدلال من جوَّز اطلاع الملائكة عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، على أن","footnotes":"(¬١) انظر: جامع التحصيل (٢٥٢) رقم (٦٢٤)، والمصدر السابق.\r(¬٢) انظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٩٤)، وقد نقله عن الغَزْنَوي.\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٢١٩) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050369,"book_id":1102,"shamela_page_id":212,"part":"1","page_num":228,"sequence_num":212,"body":"الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، والضمير في ﴿يَمَسُّهُ﴾ راجع إليه، والمطهَّرون هم الملائكة.\rفالجواب: أنه لا يسلم لهم صحة الاستدلال إلا بالبرهان على هذه المسائل الثلاث:\r- أن المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ.\r- أن مرجع الضمير إليه.\r- أن المراد بالمطهَّرين: الملائكة.\rولا سبيل لهم إلى ذلك، ففي كل منها خلاف كبير.\rفقد اختلف في المراد بالكتاب المكنون، فقيل: كتاب في السماء، قاله ابن عباس.\rوقيل: عند الله في صحف مطهرة، قاله ابن عباس ومالك.\rوقيل هو اللوح المحفوظ، قال به جابر بن زيد وابن عباس.\rوقيل: التوراة والإنجيل؛ فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه، قاله عكرمة.\rوقيل: الزبور، قاله السدي.\rوقيل: هو المصحف الذي في أيدينا، قاله مجاهد وقتادة (¬١).\rواختلف أيضًا في مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿يَمَسُّهُ﴾، فقيل يرجع إلى القرآن، والمراد: المصحف، ثم من هؤلاء من فسر المس بالمس المعنوي فقال: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون: أي المؤمنون بالقرآن، قاله الفراء وهو اختيار البخاري، أو لا يوفق للعمل به، أو لا يمس ثوابه إلا","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050370,"book_id":1102,"shamela_page_id":213,"part":"1","page_num":229,"sequence_num":213,"body":"المؤمنون به، وإن كان أكثر المفسرين - كما قال الواحدي - على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون (¬١).\rفإن كان الأول هو الصواب فلا حجة لهم، وإن كان الثاني رجعنا إلى الخلاف في المراد بالكتاب المكنون.\rواختلف كذلك في المراد بالمطهرين، فقيل: الملائكة، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وأبو العالية وغيرهم.\rوقيل: الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل، قاله ابن زيد وأبو العالية.\rوقيل: لا يمسه عند الله إلا المطهرون.\rوقيل: حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.\rوقيل: كل من كان مطهرًا من الذنوب، رجحه ابن جرير (¬٢).\rفإن كان غير الأول هو الصواب فلا حجة لهم، وإلا لزمهم القول بأن غير الملائكة تمسه كذلك، وهو باطل؛ وهم لا يقولون به، وإن كان الأول هو الصواب رجعنا إلى الخلاف في المراد بالكتاب المكنون أيضًا.\rوالقول بأن المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ بعيد، لأنه مخالف للأدلة التي نصت على حفظ اللوح كما تقدم قريبًا، ولأن الأدلة على خلافه كما في قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦].","footnotes":"(¬١) انظر: فتح القدير (٥/ ٢١٣)، وتفسير ابن كثير (١٣/ ٣٩٠).\r(¬٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٣٦٤ - ٣٦٧)، والدر المنثور (١٤/ ٢٢٠ - ٢٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050371,"book_id":1102,"shamela_page_id":214,"part":"1","page_num":230,"sequence_num":214,"body":"قال مالك ﵀: \"أحسن ما سمعت في هذه الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في عبس: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ \" (¬١).\rقال ابن العربي ﵀: \"أما قول من قال: إن المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ فهو باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال، فلو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه محل، وأما من قال: أنه الذي بأيدي الملائكة من الصحف فإنه قول محتمل، وهو الذي اختاره مالك\" (¬٢).\rوقد ذكر الألوسي في تفسيره أنه وقف على نسخة مؤلفة في هذه المسألة لبعض الأفاضل - كانت عنده وفُقدت في حادثة بغداد -، قرر فيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي (¬٣)، فيفهم من كلامه أنه يقول بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ.\rواختار الشوكاني كذلك هذا القول في كتابه \"قطر الولي\" (¬٤).\rواستدل كل منهما بأدلة ترجع - عند التأمل - إلى إثبات وقوع المحو والإثبات، وهذا القدْر لا شك فيه، لكن النزاع في محله، هل هو مقصور على الصحف، أم أنه شامل كذلك للوح.\rوبعضها يرجع إلى عموم متعلق المحو والإثبات، وستأتي مناقشة هذه الأدلة إن شاء الله.","footnotes":"(¬١) انظر: الدر المنثور (١٤/ ٢٢٣).\r(¬٢) أحكام القرآن (٤/ ١٧٥).\r(¬٣) انظر: روح المعاني (١٣/ ١٧٠).\r(¬٤) انظر: (٤٩٦ - ٤٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050372,"book_id":1102,"shamela_page_id":215,"part":"1","page_num":231,"sequence_num":215,"body":"وأما المسألة الثانية: متعلق المحو والإثبات.\rفالمراد بمتعلق المحو والإثبات: أي ما الذي يمحى؟\rاختلف أهل السنة في هذه المسألة على سبعة أقوال، ومجمل هذه الأقوال:\r١) يمحى كل شيء إلا الموت والحياة، والشقاء والسعادة؛ فإنهما قد فُرغ منهما، وهو قول ابن عباس ومجاهد.\r٢) يمحى كل شيء إلا السعادة والشقاوة، وهو قول لابن عباس ومجاهد أيضًا.\r٣) يمحى كل شيء بدون استثناء، وهو قول عمر، وابن مسعود، وكعب الأحبار، والضحاك، وأبي وائل شقيق بن سلمة.\r٤) أن الذي يمحى ما ليس فيه ثواب ولا عقاب والذي يثبت ما فيه ثواب وعقاب، وهو قول الضحاك وأبي صالح.\r٥) أن الذي يمحى ويثبت هو الأجل؛ يمحو من قد حان أجله، ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله، وهو قول الحسن.\r٦) أن الذي يمحى ويثبت هي الذنوب؛ يمحوها بالمغفرة، ويثبتها بعدمها، وهو قول سعيد بن جبير.\r٧) أن الذي يمحى ويثبت هو الناسخ والمنسوخ فيمحو المنسوخ ويثبت الناسخ، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن جريج، وقتادة، والقرظي، وابن زيد (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير الطبري (١٣/ ٥٥٩ - ٥٦٩)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٦٣ - ١٦٨)، وزاد المسير (٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050373,"book_id":1102,"shamela_page_id":216,"part":"1","page_num":232,"sequence_num":216,"body":"والأقوال الخامس والسادس والسابع: حقيقتها نفي المحو والإثبات على المعنى المراد في هذا المبحث، وسيأتي التطرق لها في مناقشة مانعي المحو والإثبات.\rوأما الأقوال الأُخَر فترجع إلى ثلاثة أقوال:\rالأول: العموم بدون استثناء.\rالثاني: العموم مع استثناء شيء محدد، إما السعادة والشقاوة، أو هما مع الآجال.\rالثالث: أن المحو والإثبات لشيء خاص وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب.\rأما القول الأول، فممن ذهب إليه: الشوكاني.\rوعند تأمل ما ورد من نصوص وآثار في ذلك - وسبق شيء منها - يلحظ أنها نصت على المحو والإثبات في ثلاثة أشياء:\r- السعادة والشقاوة.\r- الآجال.\r- الأرزاق.\rوما عداها فهو مفهومُ عموماتٍ، لا منطوقٌ صريحٌ، كالعموم في قوله ﷾: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وفي قوله ﷺ: (لا يرد القدر إلا الدعاء) (¬١).\rوالذي يظهر قصر المحو والإثبات على هذه الكلمات الثلاث لوجوه:\rأولها: النص عليها دون غيرها - كما تقدم آنفًا -.","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٢١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050374,"book_id":1102,"shamela_page_id":217,"part":"1","page_num":233,"sequence_num":217,"body":"ثانيها: أن هذه الكلمات هي التي تتعلق بالمعين من الأشخاص دون غيرها، يدل على ذلك أنها هي التي يكتبها الملَك في التقدير العمري في الرحم، وهو التقدير الخاص بالمعينين من بني آدم، فلذلك يثبت فيها المحو والإثبات في حق المعين عند إتيانه بأسبابهما، يوضحه:\rثالثها: أنه لم يثبت المحو والإثبات في حق عموم الناس، وإنما ثبت في حق معينين، وكل ما يخص المعين إنما يدور على هذه الكلمات الثلاث.\rولا يعكّر على هذا التقرير ثبوته في حق قوم نوح كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤]؛ لأن العموم إنما هو في الخطاب؛ تمامًا كقول النبي ﷺ: (من سَرَّه أن يُبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره فليَصِل رَحِمَه) (¬١)، فإنه خطاب عام لكل الأمة، وأما المحو والإثبات فهو في حق المعين الذي أتى بالسبب، ولا يتوقف حصولهما في حق من أتى بسببهما على إتيان جميع المخاطبين بأسبابهم، لذلك تحقق هذا في حق قوم نوح، فمن آمن زيد في عمره وأُخِّر، ومن لم يؤمن عوجل بالعقوبة وأُهلك.\rرابعها: أن تعميم متعلق المحو والإثبات ليشمل كل شيء يلزم عليه لازم باطل: وهو عدم الوثوق بشيء من الأخبار الغيبية كالحشر والنشر، وكذا لا يبقى وثوق بالإخبار بأنه ﷺ خاتم النبيين، لجواز أن يكون الله تعالى قد علم ذلك حين أخبر ثم تعلق علمه بخلافه (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٢١٦).\r(¬٢) انظر: روح المعاني (١٣/ ١٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050375,"book_id":1102,"shamela_page_id":218,"part":"1","page_num":234,"sequence_num":218,"body":"وهذا يترتب عليه هدم الدين ومحو الشريعة كما لا يخفى.\rوقد أورد القائلون بالعموم بدون استثناء على هذا القول عدة اعتراضات:\rالاعتراض الأول: استعاذته ﷺ من سوء القضاء وطلب الحفظ منه، ولو لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ منه.\rالاعتراض الثاني: أنه ﷺ شرع لأمته الدعاء، ولولا إمكان التغيير لألغاه.\rوهذان الاعتراضان من باب واحد، وإنما يصلحان أدلةً على من ينكر المحو والإثبات، وليس فيهما أن المحو والإثبات يقعان في كل شيء، إلا أن يراد أن كلًّا من (القضاء) و (الدعاء) هنا عام في كل شيء، وهذا لا يصح، لأن القضاء وصف هنا بالسوء، فالمستعاذ منه هو القضاء السيء لا مطلق القضاء، والقضاء إنما يكون سيئًا في حق من وقع عليه من المعينين، ولا يخرج فيهم هذا عن الكلمات الثلاث كما تقدم.\rالاعتراض الثالث: اعتذاره ﷺ عن الخروج لصلاة التراويح بخشيته أن تفرض عليهم، ولا معنى لهذه الخشية - بعد سبق القضاء أنها ستكون خمسًا - لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير.\rوالجواب عليه: أن هذا خارج محل النزاع أصلًا، لأن محل النزاع هو القدر لا الشرع، فإن المحو والإثبات في الشرائع - المعبر عنه بالنسخ - واقعٌ بلا إشكال ما دام الوحي ينزل على النبي ﷺ.\rالاعتراض الرابع: أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفًا من النار حتى أن منهم من كان يقول: ليت أمي لم تلدني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050376,"book_id":1102,"shamela_page_id":219,"part":"1","page_num":235,"sequence_num":219,"body":"والجواب عليه: أن خوفهم هذا راجع إلى المحو والإثبات في السعادة والشقاوة، وهذا لا إشكال في وقوع المحو والإثبات فيه (¬١).\rالاعتراض الخامس: أن العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، شاملٌ لكل شيء؛ فما من شيء من المقادير إلا وهو قابلٌ للمحو والإثبات.\rوالجواب عليه: أن هذا عام مخصوص بالكلمات الثلاث، ووجه اختصاصه ما تقدم قريبًا في وجوه قصر المحو والإثبات على الكلمات الثلاث.\rلكن لا يمنع هذا شموله للمحو والإثبات في الشرائع، ولا شموله أيضًا لمحو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب (¬٢).\rوبهذا يظهر الجواب عن القول الثالث، وهو أن المحو والإثبات لشيء خاص وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب.\rوزيادة في تحريره يقال: في قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، المثبت عند أصحاب هذا القول: ما فيه ثواب وعقاب، والممحو: ما ليس فيه ثواب وعقاب، فكأن الله سبحانه قال: أمحو ما ليس فيه ثواب وعقاب، وأثبت ما فيه ثواب وعقاب.\rوهذا لا يصح، لأن محو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب حتمٌ - تفضلًا من الله ﷾ والله سبحانه علقه بالمشيئة؛ والشيء إذا كان حتمًا لا","footnotes":"(¬١) انظر هذه الاعتراضات الأربعة في روح المعاني (١٣/ ١٧١ - ١٧٢)، وانظر: قطر الولي (٤٩٧ - ٥٠٢) للاعتراضين الأول والثاني منهما.\r(¬٢) انظر: قطر الولي (٥٠٣ - ٥٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050377,"book_id":1102,"shamela_page_id":220,"part":"1","page_num":236,"sequence_num":220,"body":"يعلق بالمشيئة (¬١).\rفالخروج من هذا الإلزام يكون بالقول بإمكان كل من المحو والإثبات فيما فيه ثواب وعقاب، وما ليس فيه ثواب وعقاب ممحو على كل حال تفضلًا من الله ﷾.\rفتفسير من فسر الآية بهذا من السلف هو تفسير بالمثال، وإلا فهو من جملة ما يمحى لا كله، والله أعلم.\rوأما القائلون بالعموم مع استثناء شيء محدد؛ إما السعادة والشقاوة، أو هما مع الآجال، فيرد على تعميمهم بما تقدم في الرد على القول الأول.\rوأما استثناؤهم الآجال فيُستدل له بأدلة:\rالأول: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].\rالثاني: وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].\rالثالث: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ، وبأبي؛ أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي ﷺ: (قد سألت الله لآجال","footnotes":"(¬١) قال شيخ الإسلام ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤]: \"فمحو الباطل نظير إحقاق الحق ليس مما علق بالمشيئة بل لا بد منه، بخلاف الختم على قلبه فإنه معلق بالمشيئة ولا يجوز أن يعلق بالمشيئة محو الباطل كتعليق الختم على قلبه، بل يقذف بالحق على الباطل فيدمغه\" الجواب الصحيح (١/ ٤٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050378,"book_id":1102,"shamela_page_id":221,"part":"1","page_num":237,"sequence_num":221,"body":"مضروبة وأيام معدودات وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل) (¬١).\rويؤيده (¬٢) حديث ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) (¬٣)، فحصر زيادة العمر بالبر دون غيرها.\rوالجواب عن الاستدلال بالآيتين: أنهما لا تعارضان وقوع المحو والإثبات في الآجال، لأنهما خاصتان بمن حضر أجله بالنص، بخلاف من لم يحضر أجله، فالمحو والإثبات في الأجل واقع ما لم يحضر الأجل، فإذا حضر لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.\rقال الزهري ﵀ في قول الله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]: \"نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة ولا يُقدم، وما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء، ويقدم ما شاء\" (¬٤).\rوقال الشوكاني ﵀: \"إذا حضر الأجل فإنه لا يتقدم ولا يتأخر، وقبل حضوره يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر (٤/ ٢٠٥٠) ح (٢٦٦٣).\r(¬٢) انظر شرح الطحاوية (١/ ١٢٩).\r(¬٣) تقدم تخريجه ص (٢١٦).\r(¬٤) رواه ابن جرير (١٤/ ٢٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050379,"book_id":1102,"shamela_page_id":222,"part":"1","page_num":238,"sequence_num":222,"body":"يقدمه لمن عمل شرا أو قطع ما أمر الله به أن يوصل وانتهك محارم الله سبحانه\" (¬١).\rوقد جمع الله ﷾ بين الأمرين في قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٣، ٤].\rوقد ثبت في السنة أن الله ﷾ يزيد في الأجل وينقص منه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال ستين سنة قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته) (¬٢).\rومثله ما تقدم من كون صلة الرحم وحسن الجوار يزيدان في الأعمار (¬٣).\rفتبين بهذا أن هاتين الآيتين لا تعارضان دخول المحو والإثبات في الآجال.","footnotes":"(¬١) قطر الولي (٥٠٨).\r(¬٢) رواه الترمذي: أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأعراف (٥/ ١٥٩) ح (٣٠٧٦)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ح (٣٠٧٦) وظلال الجنة ح (٢٠٦).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٢١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050380,"book_id":1102,"shamela_page_id":223,"part":"1","page_num":239,"sequence_num":223,"body":"وأما حديث أم حبيبة ﵂، فالجواب عليه من وجهين:\rالأول: أن الحديث ليس فيه أن الآجال لا تتغير مطلقًا، وإنما الذي فيه أنها لا تزيد بالدعاء خاصة، قال شيخ الإسلام ﵀: \"ففيه أن العمر لا يطول بهذا السبب الذي هو الدعاء فقط\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"وأما حديث أم حبيبة؛ ففيه أن الدعاء يكون مشروعًا نافعًا في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو، ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء؛ فالأعمار المقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فإن الدعاء مشروع له نافع فيه\" (¬٢).\rوعليه، فلا يكون دليلًا لمنع المحو والإثبات في الآجال مطلقًا، سيما وقد ثبتا فيها في أحاديث أخر وبأسباب أخر.\rعلى أن منع تأثير الدعاء لا يُسلم، فقد ثبت أن النبي ﷺ دعا لأنس فقال: (اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له) (¬٣).\rوقد استجاب الله ﷾ لنبيه، فعمر أنس وكثر ماله وولده، فقد قال","footnotes":"(¬١) مختصر الفتاوى المصرية للبعلي (٢٦٤).\r(¬٢) الاستقامة (١٣١).\r(¬٣) رواه أبو يعلى (٧/ ٢٢٤) ح (٤٢٣٦)، والبخاري في الأدب المفرد: باب من دعا بطول العمر (١/ ٣٤٢) ح (٦٥٣)، من طريق سنان بن ربيعة عن أنس ﵁، وأصله في الصحيحين بدون ذكر طول العمر، وبوب له البخاري ﵀ بقوله: \"باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله\"، وهذا منه إشارة لطريق سنان هذه التي فيها ذكر طول العمر كما ذكر الحافظ، انظر: فتح الباري (١١/ ١٤٤ - ١٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050381,"book_id":1102,"shamela_page_id":224,"part":"1","page_num":240,"sequence_num":224,"body":"عقب هذا الحديث: \"فدعا لي بثلاث؛ فدفنت مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة\"، فثبت بهذا جواز الدعاء بزيادة الآجال، وأنه مؤثر فيها.\rوكذلك يرده ما في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في قصة آدم وداود ﵉.\rالثاني: أن نهي النبي ﷺ هنا من باب الإرشاد إلى ما هو أنفع وأولى، خصوصًا أن مجرد طول العمر ليس محمودًا إلا مع الصلاح، ودعاؤها ﵂ كان - فيما يظهر - مجردًا عن الفائدة الأخروية.\rلذلك شرع الدعاء بتغيير الآجال لما تضمن نفعًا أخرويًا، كما في حديث أنس المتقدم، وكما في حديث عمار بن ياسر ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. . .) (¬١).\rوأما حديث ثوبان ﵁ فلا دلالة فيه على منع المحو والإثبات في الآجال، وإنما فيه حصر لسببهما، والجواب عليه من وجهين:\rالأول: ما تقدم من ثبوت الدعاء بطول العمر.\rالثاني: أن الدعاء من البر، لأن البر إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به (¬٢)، والدعاء مما أمر الله به.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٣٠/ ٢٦٤) ح (١٨٣٢٥)، والنسائي: كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر (٣/ ٦٢) ح (١٣٠٤ - ١٣٠٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (١٣٠١).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050382,"book_id":1102,"shamela_page_id":225,"part":"1","page_num":241,"sequence_num":225,"body":"وأما استثناء السعادة والشقاوة فيُستدل له بأدلة:\rالأول: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصرة، فنكَّس فجعل ينكُت بمخصرته، ثم قال: (ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا وكتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة)، قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: (أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (¬١).\rالثاني: حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يُجمع خَلقُه في بطن أمه أربعين","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ (٦/ ١٧١) ح (٤٩٤٨)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (٤/ ٢٠٣٩) ح (٢٦٤٧)، ومن حديث عمران بن حصين ﵁، رواه: البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (٩/ ١٥٩) ح (٧٥٥١)، ومسلم في الموضع السابق (٤/ ٢٠٤١) ح (٢٦٤٩)، ومن حديث سراقة بن مالك بن جُعشُم ﵁، رواه مسلم في الموضع السابق كذلك (٤/ ٢٠٤٠) ح (٢٦٤٨)، وقد تقدم ص (١٠٤).\rوروي في غير الصحيحين من حديث عدد من الصحابة: أبي بكر، وعمر، وأبي حميد الساعدي، وذي اللحية الكلابي ﵃.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050383,"book_id":1102,"shamela_page_id":226,"part":"1","page_num":242,"sequence_num":226,"body":"يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا؛ فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجَله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) (¬١).\rالثالث: حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: (أتدرون ما هذان الكتابان)؟ قال قلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال للذي في يده اليمنى: (هذا كتاب من رب العالمين ﵎ بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا)، ثم قال للذي في يساره: (هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا)، فقال أصحاب رسول الله ﷺ فلأي شيء إذن نعمل إن كان هذا أمرًا قد فرغ منه؟ قال رسول الله ﷺ: (سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار ليختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل)، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: (فرغ ربكم ﷿ من العباد)، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: (فريق في الجنة)، ونبذ باليسرى فقال: (فريق في السعير) (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (١٠٤).\r(¬٢) رواه أحمد (١١/ ١٢١) ح (٦٥٦٣)، والترمذي: أبواب القدر، باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار (٤/ ١٩) ح (٢١٤١)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٨٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050384,"book_id":1102,"shamela_page_id":227,"part":"1","page_num":243,"sequence_num":227,"body":"فدلت هذه الأحاديث على أن السعادة والشقاوة قد فرغ منهما فلا محو ولا إثبات.\rوالجواب عليها من وجوه:\rالأول: أن يقال: مما لا شك فيه أن إثبات الأسباب لا ينافي سبق القدر، لأن هذه الأسباب من جملة القدر.\rوالدعاء وصلة الرحم وغيرهما - مما ثبت تأثيره في المحو والإثبات -، إنما هي أسباب من جملة ما قدره الله ﷾ من الأسباب، وحينئذ فإثباتها لا ينافي سبق القدر بمسبَّباتها.\rفسبْق القدر بالسعادة والشقاوة لا ينافي الإتيان بأسبابهما، بل الإتيان بأسبابهما من جملة المقدور الذي ييسر به المرء لعمل أهلهما (¬١)، كما بين ذلك النبي ﷺ في الأحاديث المتقدمة.\rفالأسباب التي تؤثر في السعادة والشقاوة محوًا وإثباتًا هي من جملة السعادة والشقاوة.\rالثاني: أن هذه النصوص وأمثالها محمولة على القضاء المبرم لا المعلق - وهذا واضح جدًا - والقضاء المبرم لا محو فيه ولا إثبات، وإنما ذلك في المعلق الذي بأيدي الملائكة كما تقدم بيانه (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٧٢) وما بعدها.\r(¬٢) وتجدر الإشارة إلى أنه قد روي في استثناء السعادة والشقاوة والآجال حديث مرفوع رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٩/ ١٧٩) ح (٩٤٧٢) من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: (يمحو الله ما يشاء؛ إلا الشقاوة والسعادة، والحياة والموت)، ولا يصح؛ انظر: الضعيفة ح (٥٤٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050385,"book_id":1102,"shamela_page_id":228,"part":"1","page_num":244,"sequence_num":228,"body":"الثالث: أن الدعاء بمحو الشقاوة وإثبات السعادة فعله أكابر السلف، كعمر وابن مسعود ﵄، وأبي وائل شقيق بن سلمة ﵀.\rفعن أبي عثمان النَّهدي، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال - وهو يطوف بالبيت ويبكي -: \"اللهم إن كنت كتبت علي شِقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب؛ فاجعله سعادةً ومغفرة\".\rوعن أبي قِلابة، عن ابن مسعود ﵁، أنه كان يقول: \"اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني، وأثبتني في أهل السعادة\".\rوعن الأعمش، عن أبي وائل، قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات: \"اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب\" (¬١).\rومما ينبغي التنبيه عليه أن في حديث عبد الله بن عمرو إثبات هذين الكتابين، كتاب السعادة وكتاب الشقاوة، وأنهما مشاركان للوح المحفوظ بكونهما مما لا محو فيه ولا إثبات، كما لا محو ولا إثبات في اللوح المحفوظ.\rوبهذا يتبين أن المحو والإثبات واقعان في المقادير؛ فيما يتعلق بالكلمات الثلاث خاصة دون غيرها، وأن ذلك المحو والإثبات إنما يكون في صحف الملائكة، دون اللوح المحفوظ فإنه مصون عن التغيير والتبديل والمحو والإثبات، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) روى هذه الآثار ابن جرير (١٣/ ٥٦٣ - ٥٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050386,"book_id":1102,"shamela_page_id":229,"part":"1","page_num":245,"sequence_num":229,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rمخالفو أهل السنة والجماعة في هذه القاعدة على ضربين:\rالأول: من مخالفته غير خارجة عن مجمل الأقوال التي حكيت عن أهل السنة.\rالثاني: من مخالفته خارجة عن الأقوال التي حكيت عن أهل السنة.\rأما الصنف الأول،؛ فهم المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.\rأما المعتزلة؛ فعباراتهم في تفسير المحو والإثبات تدل على إثباتهم له، ومن ذلك قول القاضي عبد الجبار في تفسير ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]: المراد بذلك أنه ﷻ يمحو عن المؤمن الصغائر لأنها مغفورة، ويحتمل أنه الناسخ والمنسوخ، ويحتمل أنه يمحو ما لا مدخل له في الثواب والعقاب، ويثبت ما له مدخل في ذلك، ويحتمل أنه يمحو ما كتب من آجال وأرزاق من مضى ويثبت ذلك فيمن يبقى ويحدث\" (¬١).\rوبنحوه قول الزمخشري: \" ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: ينسخ ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو يتركه غير منسوخ، وقيل: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة؛ لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ غيره، وقيل يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة ويثبت إيمانهم وطاعتهم، وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضًا من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أصل كل كتاب وهو","footnotes":"(¬١) تنزيه القرآن (٢٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050387,"book_id":1102,"shamela_page_id":230,"part":"1","page_num":246,"sequence_num":230,"body":"اللوح المحفوظ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه\" (¬١).\rويظهر من هذين النقلين أن المعتزلة يقرون بالمحو والإثبات في المقادير في الجملة.\rوأما الأشاعرة؛ فإنهم يثبتون المحو والإثبات كذلك، ومن ذلك قول البيجوري - في حديث زيادة العمر بصلة الرحم -: \"فالزيادة - بحسب الظاهر - على ما في صحف الملائكة، وإلا فلا بد من تحقق ما في علمه تعالى، كما يشير له قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، أي أصل اللوح المحفوظ وهو علمه تعالى الذي لا محو فيه ولا إثبات، وأما اللوح المحفوظ؛ فالحق قبول ما فيه للمحو والإثبات كصحف الملائكة، وبعضهم فسر أم الكتاب باللوح المحفوظ لأنه ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه، والراجح الأول\" (¬٢).\rومن ذلك أيضًا ما فعله الرازي، فقد ذكر أن في المحو والإثبات في الآية قولين: العموم في كل شيء، والتخصيص ببعض الأشقياء دون بعض، ثم أورد اعتراض سبق المقادير وجفاف القلم، وأجاب عليه بأن ذلك المحو والإثبات أيضًا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه (¬٣). فتقريره هذا صريح في إثبات ذلك.\rوأما الماتريدية؛ فيثبتون المحو والإثبات في المقادير كذلك، ومن ذلك","footnotes":"(¬١) الكشاف (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\r(¬٢) تحفة المريد (٢٦٣ - ٢٦٤).\r(¬٣) انظر: مفاتيح الغيب (١٩/ ٦٦ - ٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050388,"book_id":1102,"shamela_page_id":231,"part":"1","page_num":247,"sequence_num":231,"body":"صنيع إمامهم أبي منصور الماتريدي في تفسيره عند آية الرعد؛ فإنه ذكر أن من المعاني التي يحتملها المحو والإثبات: محو ما لا جزاء له ولا ثواب وإبقاء ما له جزاء وثواب مما يكتبه الحفظة من الأعمال والأفعال، أو محو ما في صحف الحفظة مما كتبوه من أعمال العباد من الزيادة على ما في اللوح المحفوظ عند معارضتها به، وإثبات ما فيه من الزيادة عليها فيها (¬١).\rفهؤلاء جميعًا لا ينكرون ثبوت المحو والإثبات في المقادير، وجملة مقالتهم من جنس أقوال أهل السنة.\rوأما الصنف الثاني؛ فهم على قسمين:\rالأول: من ينكر المحو والإثبات من أصله، ويؤول ما جاء في النصوص من أدلة عليه.\rالثاني: من يثبت المحو والإثبات في علم الله سبحانه.\rأما الصنف الأول؛ فهو ما يُفهم من مذهب الصوفية أصحاب الكشف والذوق، فقد أنكروا وقوع المحو والإثبات في المقادير، وأولوا ما ورد من أدلة عليه.\rقال القُشَيري (¬٢): \"المحو: رفع أوصاف العادة، والإثبات: إقامة أحكام العبادة.","footnotes":"(¬١) انظر: تأويلات أهل السنة (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣).\r(¬٢) هو: أبو القاسم، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري النيسابوري الشافعي الصوفي، ولد سنة (٣٧٥ هـ)، من كتبه: \"التفسير الكبير\"، و\"الرسالة القشيرية\"، مات سنة (٤٦٥ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٢٧)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050389,"book_id":1102,"shamela_page_id":232,"part":"1","page_num":248,"sequence_num":232,"body":"فمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة، وأتى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة، فهو صاحب محو وإثبات. . .\rوأما حقيقة المحو والإثبات، فصادران عن القدرة، فالمحو: ما ستره الحق ونفاده (¬١)، والإثبات ما أظهره الحق وأبداه، والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، قيل: يمحو عن قلوب العارفين ذكر غير الله تعالى، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر الله.\rومحو الحق لكل أحد وإثباتهُ على ما يليق بحاله، ومن محاه الحق سبحانه على مشاهدة أثبته بحق حقه، ومن محاه الحق عن إثباته به ردَّه إلى شهود الأغيار، وأتيته في أودية التفرقة\" (¬٢).\rوقال ابن عَطاء الأَدمي (¬٣): \" ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ عن رسوم الشواهد والأعراض وكلما يورد على سره من عظمته وحرمته وهيبته ولو غاب أنواره، فمن أثبته فقد أحضره ومن محاه فقد غيبه، والحاضر مرجوعه لا يعدوه\" (¬٤).\rوقال الواسطي: \"يمحوهم عن شاهد الحق ويثبتهم في شواهدهم، ويمحوهم عن شواهدهم ويثبتهم في شاهد الحق، ويمحو رسوم نفوسهم","footnotes":"(¬١) كذا في المطبوع، ولعل الصواب \"ونفاه\".\r(¬٢) الرسالة القشيرية (١٥٦ - ١٥٧).\r(¬٣) هو أبو العباس، أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الادمي البغدادي الصوفي العابد، راج عليه حال الحلاج وامتحن بسببه، مات سنة (٣٠٩ هـ).\rانظر: طبقات الصوفية (٢٠٤)، وصفة الصفوة (٢/ ٤٤٤)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٥٥).\r(¬٤) تفسير السلمي (١/ ٣٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050390,"book_id":1102,"shamela_page_id":233,"part":"1","page_num":249,"sequence_num":233,"body":"عن نفوسهم ويثبتهم برسمه\" (¬١).\rفهذه الأقوال منهم تبين إنكارهم للمحو والإثبات وتأويلهم له إلى ما ذُكر، وهذا القول باطل، وبطلانه من وجهين:\rالأول: أنه عار عن دليل صحيح من كتاب أو سنة.\rالثاني: أن إنكار المحو والإثبات لم يؤثر عن أحد من سلف الأمة، بل المأثور عنهم إثباته، وإن وقع في عباراتهم اختلاف في محل المحو والإثبات وما الذي يمحى ويثبت - على ما سبق بيانه -.\rوأما الصنف الثاني؛ فهم الرافضة - قاتلهم الله - والذين ذهبوا إلى القول بالبداء وتغير علم الله سبحانه.\rوالبَداء في اللغة: من البدوّ، يقال: بدا يبدو بدوًّا وبداءً، وهو الظهور بعد خفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤].\rومنه تغير الرأي عما كان عليه؛ تقول: بدا لي في هذا الأمر بداء، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] (¬٢).\rوالبداء لا يجوز نسبته إلى الرب سبحانه، لأنه يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما باطل ينزه الله سبحانه عنه.\rوأصل القول بالبداء إنما كان عبد الله بن سبأ (¬٣)، وتلقفه عنه المختار","footnotes":"(¬١) المصدر السابق.\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٠٢)، ومقاييس اللغة (١/ ٢١٢)، مادة: (بَدَو).\r(¬٣) انظر: التنبيه والرد (١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050391,"book_id":1102,"shamela_page_id":234,"part":"1","page_num":250,"sequence_num":234,"body":"الثقفي الكذاب وسرى في أتباعه الكَيسَانية (¬١).\rوللقول بالبداء منزلة عظيمة عند الرافضة قبحهم الله، وهو من أعظم العبادات عندهم.\rوقد أفرد الكُليني (¬٢) للبداء بابًا في كتاب التوحيد من \"أصول الكافي\"، ذكر فيه ستة عشر حديثًا عن الأئمة في تقرير هذه العقيدة الخبيثة، منها:\rعن زرارة عن أحدهما أنه قال: \"ما عُبد الله بشيء مثل البداء\" (¬٣).\rوعن أبي عبد الله أنه قال: \"ما عُظِّم الله بمثل البداء\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: التبصير في الدين (٣٠)، والفرق بين الفرق (٤٦ و ٥٣ - ٥٤)، والكيسانية هم: فرقة من الروافض، أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، كيسان، الذي كان قام يطلب ثأر الحسين بن علي بن أبي طالب وكان يقتل من يظفر به ممن كان قاتله بكربلاء، وهم فرق يجمعهم القول بنوعين من البدعة: تجويز البداء على الله تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا، وقولهم بإمامة محمد بن الحنفية، ثم اختلفوا في سبب إمامته، واختلفوا كذلك في موته، فقالت الكربية منهم: لم يمت، وإنه في جبل رضوى وعنده عين من الماء وعين من العسل وأسد ونمر يحفظانه، هانه المهدي المنتظر، وذهب الباقون من الكيسانية إلى الإقرار بموته، واختلفوا في الإمام بعده، ومن فرقهم كذلك: البيانية والحربية وهما من الغلاة.\rانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٩٢)، والفرق بين الفرق (٤٦)، والفصل (٥/ ٣٥)، والتبصير في الدين (٣٠)، والملل والنحل (١/ ١٧٠).\r(¬٢) هو: أبو جعفر، محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرافضي، من أهل كلين بالري، من كتبه: \"الكافي\" و\"الرد على القرامطة\"، مات سنة (٣٢٨ هـ).\rسير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٨٠)، ولسان الميزان (٧/ ٥٩٤).\r(¬٣) أصول الكافي: كتاب التوحيد، باب البداء (١/ ١٩٤).\r(¬٤) المصدر السابق (١/ ١٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050392,"book_id":1102,"shamela_page_id":235,"part":"1","page_num":251,"sequence_num":235,"body":"وعن الرضا أنه قال: \"ما بعث الله نبيًّا قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقرَّ لله بالبداء\" (¬١).\rوعن أبي جعفر قال: \"العلم علمان، فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وعلم علمه ملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون؛ لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء، ويؤخر منه ما يشاء، ويثبت ما يشاء\" (¬٢).\rوعن أبي عبد الله قال: \"إن لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو، من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه\" (¬٣).\rفهذه روايات صريحة في وقوع التغيير في علم الله سبحانه.\rوقد أجمع الرافضة على القول بالبداء، كما نقل إجماعهم على ذلك المفيد في \"أوائل المقالات\" (¬٤).\rوهذه العقيدة أقل شأنًا من أن يُشتغل بالرد عليها، ويكفيها بطلانًا مخالفتُها لإجماع أهل القبلة على أن علم الله لا يلحقه النقص ولا التغير، إضافة لما اشتملت عليه من لوازم باطلة.\rووجه إيراد مخالفة هؤلاء هنا أمران:\rالأول: أنهم استدلوا بأدلة المحو والإثبات في المقادير على مذهبهم.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١/ ١٩٩).\r(¬٢) المصدر السابق (١/ ١٩٨).\r(¬٣) المصدر السابق (١/ ١٩٨).\r(¬٤) ص (٤٦)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050393,"book_id":1102,"shamela_page_id":236,"part":"1","page_num":252,"sequence_num":236,"body":"الثاني: أنهم يقولون - على هذا - بوقوع المحو والإثبات في اللوح المحفوظ، إذ الذي في اللوح المحفوظ علم الرب سبحانه، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050394,"book_id":1102,"shamela_page_id":237,"part":"1","page_num":253,"sequence_num":237,"body":"المبحث الثامن: \"ما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة، وكذلك العكس، وما لا فلا\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050395,"book_id":1102,"shamela_page_id":238,"part":"1","page_num":255,"sequence_num":238,"body":"المبحث الثامن: \"ما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة، وكذلك العكس، وما لا فلا\"\rالبحث في هذه القاعدة هو في العلاقة بين قدرة الله ﷾ الشاملة ومشيئته النافذة، وأن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقالى شيخ الإسلام ﵀: \"فإن ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة؛ فإن ما شاء الله كان ولا يكون شيء إلا بقدرته، وما تعلقت به القدرة من الموجودات تعلقت به المشيئة؛ فإنه لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته، وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة وكذلك بالعكس، وما لا فلا\" (¬١).\rوقال ﵀: \"ومذهب المسلمين أن الله على كل شيء قدير، سواء شاءه أو لم يشأه. . . فالله تعالى قادر على ذلك فلو شاءه لفعله بقدرته، وهو لا يشاؤه\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٨٢ - ٣٨٣).\r(¬٢) المصدر السابق (١١/ ٤٨٨ - ٤٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050396,"book_id":1102,"shamela_page_id":239,"part":"1","page_num":256,"sequence_num":239,"body":"وقال ﵀: \"ولهذا اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور طوائف أهل الكلام على أن الله قادر على ما علم وأخبر أنه لا يكون، وعلى ما يمتنع صدوره عنه لعدم إرادته لا لعدم قدرته عليه\" (¬١).\rوقال ﵀: \"قدرة الرب لا يفعل بها إلا مع وجود مشيئته، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وليس كل ما كان قادرًا عليه فعله. . . وإذا كان لو شاءه لفعله دل على أنه قادر عليه، فإنه لا يمكن فعل غير المقدور\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"فإنه أخبر في غير موضع أنه لو شاء لفعل أشياء وهو لم يفعلها، فلو لم يكن قادرًا عليها لكان إذا شاءها لم يمكن فعلها\" (¬٣).\rوقال ابن القيم ﵀: \"وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل ما لم يفعله في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] ونظائره، وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٨/ ٢٩٢).\r(¬٢) منهاج السنة (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠).\r(¬٤) التبيان في أيمان القرآن (٢٤٤ - ٢٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050397,"book_id":1102,"shamela_page_id":240,"part":"1","page_num":257,"sequence_num":240,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب العزيز، ويمكن تقسيم أدلته إلى قسمين:\rالأول: إخباره ﷾ بقدرته على ما عَلم أنه لا يفعله:\rقوله ﷾: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥].\rعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما نزل على رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: قال: (أعوذ بوجهك)، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: (أعوذ بوجهك) فلما نزلت: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: قال: (هاتان أهون) أو (أيسر) (¬١).\rفبين النبي ﷺ أن الله سبحانه عافى الأمة من أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، مع إخبار الله ﷾ أنه قادر على ذلك (¬٢).\rوقوله ﷾: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، أي لقادرون أن نذهب به فتهلكوا عطشًا، وتخرب أرضوكم، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الأرض جاريًا (¬٣)، ومعلوم أنه لم يذهب به (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب في قول الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ (٩/ ١٠١) ح (٧٣١٣).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠ و ٤٩٩)، منهاج السنة (٣/ ٢٧١).\r(¬٣) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ٢٧).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050398,"book_id":1102,"shamela_page_id":241,"part":"1","page_num":258,"sequence_num":241,"body":"الثاني: إخباره ﷾ أنه لو شاء أن يفعل أمورًا لم تكن لفَعَلَها، ومن ذلك:\rقوله ﷾: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].\rوقوله ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\rوقوله ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨].\rوقوله ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما لا يكون أنه لو شاء لفعله. . . وأمثال هذه الآيات تبين أنه لو شاء أن يفعل أمورًا لم تكن لفعلها، وهذا يدل على أنه قادر على ما عَلم أنه لا يكون، فإنه لولا قدرته عليه لكان إذا شاء لا يفعله، فإنه لا يمكن فعله إلا بالقدرة عليه، فلما أخبر - وهو الصادق في خبره - أنه لو شاء لفعله؛ عُلم أنه قادر عليه وإن عَلم سبحانه أنه لا يكون، وعُلم أيضًا أن خلاف المعلوم قد يكون مقدورًا\" (¬١).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٨/ ٥٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050399,"book_id":1102,"shamela_page_id":242,"part":"1","page_num":259,"sequence_num":242,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rلهذه القاعدة تعلق بالمرتبة الثالثة من مراتب القدر، والمقصود منها شمول قدرة الرب ﷾ لما كان ولما لم يكن، وشمول مشيئته لما كان وجوازها فيما لم يكن.\rوكلٌ من القدرة والمشيئة - فيما ظهر لي من كلام أهل العلم - تتعلق بها عدة مسائل.\rأما القدرة: فتتعلق بها سبع مسائل:\rالأولى: ثبوت صفة القدرة لله ﷾.\rالثانية: دوام قدرة الله ﷾ في الأزل والأبد.\rالثالثة: أن القدرة تتناول الفعل القائم بالفاعل، ومقدوره المباين.\rالرابعة: أن القدرة تتناول الفعل اللازم والمتعدي.\rالخامسة: قدرة الله ﷾ شاملة لكل شيء.\rالسادسة: ثبوت القدرة للعبد على فعله بإقدار الله ﷾ له.\rالسابعة: أن القدرة تنقسم إلى سابقة ومقارنة.\rوالمسألة السابعة محلها مبحث الاستطاعة، وكذا السادسة محلها مبحث أفعال العباد، وستأتيان في موضعهما إن شاء الله.\rوالمسألة الخامسة هي محل البحث وما عداها فهي مقدمات أساسية تبينها وتشرحها.\rوأما المشيئة: فتتعلق بها أربع مسائل:\rالأولى: المشيئة صفة ثابتة لله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050400,"book_id":1102,"shamela_page_id":243,"part":"1","page_num":260,"sequence_num":243,"body":"الثانية: المشيئة هي الإرادة الكونية.\rالثالثة: شمول مشيئة الله ﷾ لكل ما كان.\rالرابعة: جواز تعلق مشيئة الرب بكل ما جاز أن تتعلق به قدرته.\rوالمسألتان الثالثة والرابعة هما محل البحث، والأولى والثانية هما مقدمتان لهما.\rوسيكون البدء بمقدمات كل منهما، ثم بالمسألة الأساسية فيهما.\rأما مقدمات القدرة:\rالمسألة الأولى: ثبوت صفة القدرة لله ﷾.\rالقدرة من الصفات الذاتية الثابتة لله ﷾ على ما يليق بجلاله وعظمته، ومن أسمائه تعالى: (القادر) و (القدير) و (المقتدر).\rوقد دل على اتصاف الله سبحانه بها الكتاب والسنة.\rأما الكتاب، فمن أدلته:\rقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].\rوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].\rوأما السنة:\rحديث جابر ﵁ في الاستخارة وفيه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050401,"book_id":1102,"shamela_page_id":244,"part":"1","page_num":261,"sequence_num":244,"body":"وتعلم ولا أعلم وأنت علَّام الغيوب) (¬١).\rحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا: (اعلم أبا مسعود، لَلَّهُ أقدر عليك منك عليه)، فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ (¬٢).\rوحديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ: (ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذِرُ) (¬٣).\rالمسألة الثانية: دوام قدرة الله ﷾ في الأزل والأبد، فإنه قادر ولا يزال قادرًا على ما يشاؤه بمشيئته (¬٤).\rوالقدرة في هذا كسائر صفات الكمال، لم يزل الله ولا يزال متصفًا بها.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ويقولون [أي السلف] إنه لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال، لم يزل متكلمًا إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالمًا ولم يزل قادرًا ولم يزل حيًا سميعًا بصيرًا، ولم يزل مريدًا، فكل كمال لا نقص فيه يمكن اتصافه به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متصفًا بصفات الكمال","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (١٤٢).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده (٣/ ١٢٨٠) ح (١٦٥٩).\r(¬٣) رواه مسلم: كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (٤/ ١٧٢٨) ح (٢٢٠٢).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٩ - ٣٠)، الصفدية (١/ ١٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050402,"book_id":1102,"shamela_page_id":245,"part":"1","page_num":262,"sequence_num":245,"body":"منعوتًا بنعوت الجلال والإكرام ﷾\" (¬١).\rومن الأدلة على ذلك:\rقوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].\rوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣].\rوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].\rوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].\rعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أتاه رجل فقال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ كأنه شيء كان؟ قال: \"أما قوله: ﴿وَكَانَ﴾ فإنه لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بكل شيء عليم\" (¬٢).\rالمسألة الثالثة: أن القدرة تتناول الفعل القائم بالفاعل، ومقدوره المباين.\rوهذا عام في قدرة الله ﷾ وفي قدرة العبد.\rأما في قدرة الله ﷾ فمن الأدلة عليها:\rقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١].\rفأخبر أنه قادر على نفس فعله القائم به، وهو أن يخلق، فنفس الخلق فعل له وهو قادر عليه.","footnotes":"(¬١) الجواب الصحيح (٢/ ١٦٤).\r(¬٢) رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050403,"book_id":1102,"shamela_page_id":246,"part":"1","page_num":263,"sequence_num":246,"body":"وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].\rقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].\rفإحياء الموتى نفس فعله، وحياتهم مفعوله المباين له وكلاهما أخبر ﷾ أنه مقدور له.\rوقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤].\rفتسوية البنان فعله، واستواؤها مفعوله، وقد أخبر ﷾ بقدرته على كليهما (¬١).\rوأما قدرته ﷾ على المقدور المباين، فمن أدلتها:\rقوله تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢].\rوقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥].\rفهذه الآيات نص في قدرته ﷾ على الأعيان المفعولة.\rوأما شمولها لأفعال العباد بخاصة، فيدل عليها ما ورد من كونه ﷾ خالق أفعال العباد، لأن كونه خالق أفعال العباد يستلزم أنه قادر عليها، وستأتي هذه الأدلة في موضعها إن شاء الله.\rوأما قدرة العبد على فعله القائم به، فمن أدلتها:\rقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\rوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٤٥٢)، وانظر كذلك: مجموع الفتاوى (٨/ ١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050404,"book_id":1102,"shamela_page_id":247,"part":"1","page_num":264,"sequence_num":247,"body":"يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].\rوقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (¬١).\rوأما قدرة العبد على المقدور المباين، فمن أدلتها:\rقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].\rفأخبر ﷾ بقدرتهم على المحاربين، وهذه قدرة على الأعيان المنفصلة.\rوقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل: ٧٥].\rفأخبر أن العبد المملوك لا يقدر على شيء، والآخر بخلافه قادر على ما لم يقدر عليه هذا.\rوقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].\rأخبر ﷾ أنهم في هذه الحال لا يقدرون على شيء مما كسبوا، فدل بالمفهوم على أنهم في غير تلك الحال يقدرون على ما كسبوا، وكذلك غيرهم يقدر على ما كسب.\rومن هذا الباب ما جاء من الأدلة على أن المفعولات الخارجة مصنوعة","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب (٢/ ٤٨) ح (١١١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050405,"book_id":1102,"shamela_page_id":248,"part":"1","page_num":265,"sequence_num":248,"body":"لهم، لأن المصنوع لهم مقدور لهم بالضرورة، كقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].\rوقوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨].\rوقوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] (¬١).\rالمسألة الرابعة: أن القدرة تتناول الفعل اللازم والمتعدي.\rفالفعل اللازم: هو الذي لزم فاعله ولم يتعد أثره إلى غيره، أي لم يتعدَّ إلى مفعول، وهو في حق الله ﷾ كالاستواء، والإتيان والنزول والمجيء.\rوالفعل المتعدي: بخلافه، وهو ما لم يلزم فاعله، بل تعدى أثره إلى غيره، وهو في حق الله ﷾ كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والهدى والإضلال.\rوالفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، لأن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعديًا إلى مفعول أو لم يكن، والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديًا إلى غيره، والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله إذ كان لا بد له من الفاعل (¬٢).\rوقد اجتمع النوعان في قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، فالاستواء فعل لازم، والخلق فعل متعد.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٥ - ١٧).\r(¬٢) انظر لتعريف الفعل اللازم والمتعدي والفرق بينهما: الفتاوى (٨/ ١٨ - ١٩)، ودرء التعارض (٢/ ٣ - ٤)، وبدائع الفوائد (٢/ ٤٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050406,"book_id":1102,"shamela_page_id":249,"part":"1","page_num":266,"sequence_num":249,"body":"ومذهب أهل السنة أن كلًّا من الفعلين اللازم والمتعدي ثابت لله ﷾، وأنه سبحانه قادر على كِلا الفعلين (¬١).\rأما القدرة على الفعل اللازم، فمما يدل عليها:\rقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].\rفالله ﷾ مستو على العرش، ففعله للاستواء دليل على قدرته عليه، إذ يمتنع الفعل بدون قدرة.\rوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].\rوهذا إخبار بأنه سيفعل ذلك وهذا أيضًا متضمن لقدرته على ذلك.\rومثل هذين حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) (¬٢).\rوأما القدرة على الفعل المتعدي، فمما يدل عليها:\rقوله ﷿: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١].\rوقوله ﷿: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٨ - ٢٠).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (٢/ ٥٣) ح (١١٤٥)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (١/ ٥٢١) ح (٧٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050407,"book_id":1102,"shamela_page_id":250,"part":"1","page_num":267,"sequence_num":250,"body":"وقوله ﷿: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].\rفأخبر ﷾ بقدرته على الخلق وإحياء الموتى صريحًا، وبقدرته على الهداية والإضلال ضمنًا، والله أعلم.\rوأما مقدمات المشيئة:\rالمسألة الأولى: ثبوت صفة المشيئة لله ﷾.\rالمشيئة من الصفات الثابتة لله ﷾ على ما يليق بجلاله وعظمته، وقد تقدمت أدلة على ثبوت المشيئة مرتبةً من مراتب القدر، فأغنى عن إعادتها هنا.\rوقد دل على مشيئة الله ﷿ إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله، والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان (¬١).\rالمسألة الثانية: المشيئة هي الإرادة الكونية.\rوذلك أن الإرادة تنقسم إلى قسمين (¬٢):\rإرادة كونية: وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث؛ كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهي المستلزمة لوقوع المراد، وهي إرادة ما يريد أن يفعله هو ﷾؛ فهي مقتضى الربوبية.\rإرادة شرعية: وهي المتضمنة لمحبته ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعًا ودينًا، وهي ملازمة للأمر الشرعي، ولا تستلزم وقوع المراد، وهي إرادته من العبد فعل ما أمره به (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ١٧١).\r(¬٢) سيأتي الكلام على الإرادة في مبحث مستقل إن شاء الله.\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٣١ و ١٨٨) و (١١/ ٢٦٦)، ومنهاج السنة (٣/ ١٥٦)، وشفاء العليل (١/ ١٨٩ - ١٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050408,"book_id":1102,"shamela_page_id":251,"part":"1","page_num":268,"sequence_num":251,"body":"فلا تكون المشيئة بمعنى المحبة أبدًا، وحيثما وردت في كلام الشارع فالمراد بها الإرادة الكونية.\rقال ابن القيم ﵀: \"لفظ المشيئة كوني، ولفظ المحبة ديني شرعي\" (¬١).\rوقال ﵀ في حمل المشيئة على الأمر -: \"وهذا باطل قطعًا، فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك، وإنما استعملت في مشيئة التكوين\" (¬٢).\rوأما المسألة الأساسية فيهما، فيمكن ترتيبها في ثلاث مسائل:\rالأولى: شمول قدرة الله ﷾ لكل شيء.\rالثانية: شمول مشيئة الله ﷾ لكل شيء، وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع.\rالثالثة: جواز تعلق قدرة الرب ﷾ بكل ما جاز أن تتعلق به مشيئته والعكس، وجودًا وعدمًا.\rأما المسألة الأولى: شمول قدرة الله ﷾ لكل شيء.\rفالمراد بها أنه ما من شيء إلا والله ﷿ قادر عليه، فلا يعزب عن قدرته ﷾ شيء.\rوقد دل على هذه المسألة:\rقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].\rوقد وصف الله ﷾ نفسه بأنه على كل شيء قدير في خمسة وثلاثين موضعًا في القرآن.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ١٨٩).\r(¬٢) التبيان في أيمان القرآن (٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050409,"book_id":1102,"shamela_page_id":252,"part":"1","page_num":269,"sequence_num":252,"body":"وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].\rفـ (كل شيء) في كلا الآيتين على عمومه فيدخل فيه كل ما صح أن يكون شيئًا؛ ما وُجد فعلًا، وما لم يوجد مما يتصوره الذهن موجودًا إن تُصوِّر وجوده في الخارج، لا يستثنى من ذلك شيء ولا يزاد عليه شيء.\rوأما ما صح أن يتصوره الذهن لكن لا يمكن وجوده في الخارج فهذا ليس بشيء أصلًا، فلا يكون داخلًا فيما سبق (¬١).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وأما أهل السنة فعندهم أن الله تعالى على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا؛ فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء\" (¬٢).\rوبيان ذلك: أن الشيء إما أن يكون موجودًا أو معدومًا، فالموجود أمره واضح، ولا إشكال فيه.\rوله أربع مراتب:\r- الوجود العيني: وهو الوجود في الخارج.\r- الوجود الذهني: وهو الوجود في العلم.\r- الوجود اللفظي: وهو الوجود في النطق واللسان.\r- الوجود الرسمي، وهو الوجود في الخط والكتابة (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٨ - ١٠) و (١٢/ ٣٣١).\r(¬٢) منهاج السنة (٢/ ٢٩٣).\r(¬٣) انظر: معيار العلم (٤١ - ٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050410,"book_id":1102,"shamela_page_id":253,"part":"1","page_num":270,"sequence_num":253,"body":"قال السيوطي:\rمراتبُ الوجود أربعٌ فقطْ … حقيقةٌ تصورٌ لفظٌ فخطْ\rفوجود الموجود في الخارج هو الوجود العيني، والعلم به الذي في القلوب هو الوجود الذهني العلمي، والعبارة عن ذلك هو الوجود اللفظي اللساني، وكتابة ذلك هو الوجود الرسمي البناني (¬١).\rوقد جمع الله ﷾ هذه المراتب الأربعة في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].\rفمرتبة الوجود العيني في قوله: ﴿خَلَقَ﴾، ومرتبة الوجود الذهني في قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ومرتبة الوجود الرسمي في قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، وأما مرتبة الوجود اللفظي فمن لوازم التعليم بالقلم، فإن الكتابة فرع النطق، والنطق فرع التصور (¬٢).\rوأما المعدوم؛ فهو على قسمين:\rالأول: المعدوم الممكن، وهو ما أمكن وجوده في الخارج، وإن لم يكن موجودًا فيه فعلًا، وهو على قسمين:\r- ما قُدر أنه سيقع، كأشراط الساعة الكبرى من خروج الدجال","footnotes":"(¬١) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣) و (٤/ ١٦)، ومجموع الفتاوى (١٢/ ٢٣٩).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٢) و (١٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٢٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050411,"book_id":1102,"shamela_page_id":254,"part":"1","page_num":271,"sequence_num":254,"body":"والدابة ونحو ذلك.\r- ما قُدر أنه لا يقع، مع إمكان الوقوع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].\rفعلق عدم وجودها على عدم مشيئته، فدل على إمكانها، وقد يسمى هذا القسم ممتنع لغيره، أي لعدم مشيئته، تمييزًا له عن الممتنع لذاته.\rومن هذا الباب إمكان إدخال المؤمنين النار، وتعذيب من لا ذنب له، هو ممكن له ﷾ لكن لا يفعله فضلًا منه سبحانه وحكمةً، وسيأتي لبيان ذلك مبحث مستقل إن شاء الله.\rوالممكن بقسميه يصح أن يسمى شيئًا باعتبار وجوده في العلم - أو فيه مع اللفظ والكتاب - مع إمكان وجوده في الخارج، فيكون داخلًا في عموم (كل شيء).\rالثاني: المعدوم الممتنع، وهو ما لا يمكن وجوده في الخارج، مثل كون الشيء موجودًا معدومًا، فإن هذا ممتنع لذاته لا يعقل ثبوته في الخارج، وإنما يتصوره الذهن على وجه التمثيل، ثم يحكم بامتناع وجوده في الخارج، فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ولا يسمى شيئًا باتفاق العقلاء.\rفله وجود في العلم، لكنه ممتنع الوقوع في الخارج، فخرج بهذا عن كونه شيئًا، فلا يكون داخلًا في عموم (كل شيء).\rوالمعدوم بقسميه على هذا التقرير ليس شيئًا في الخارج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050412,"book_id":1102,"shamela_page_id":255,"part":"1","page_num":272,"sequence_num":255,"body":"وهذا موضع إجماع أهل السنة والجماعة، وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف (¬١).\rوأما المسألة الثانية: شمول مشيئة الله ﷾ لكل شيء، وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع.\rفالمراد منها أن مشيئة الرب ﷿ نافذةٌ، فليس في الوجود موجب تام إلا مشيئة الله وحده فلا يكون شيء إلا بمشيئته، ولا يخرج عن مشيئته شيء.\rوتقدم عند الكلام على المشيئة - بصفتها من مراتب القدر - الإشارة إلى أدلة شمولها، وأنها متضمنة لأمرين (¬٢):\rالأول: أن ما وقع من الأشياء إنما وقع بمشيئته ﷾، فهي الموجب التام.\rالثاني: أن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته ﷾، فتعليقه عدم الوقوع على عدم المشيئة دليل على جواز نفوذها.\rومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٨].\rفانقطاع خلود أهل الجنة والنار أمر لا يكون، وقد أخبر ﷿ لو شاء لفعله.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩ - ١٠ و ١٨٢ - ١٨٥)، ومنهاج السنة (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٣)، وجامع المسائل (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (١٠٥ - ١٠٦ و ١٢١ - ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050413,"book_id":1102,"shamela_page_id":256,"part":"1","page_num":273,"sequence_num":256,"body":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، فرد حصول الفعل إلى مشيئته ﷾.\rفكل ما صح أن يُسمى شيئًا - كما سبق بيانه - يصح أن يشاءه الله ﷿.\rوأما المسألة الثالثة: جواز تعلق قدرة الرب ﷾ بكل ما جاز أن تتعلق به مشيئته والعكس، وجودًا وعدمًا.\rفهذه المسألة هي في الحقيقة لبُّ هذه القاعدة، وقد بان من مجموع ما سبق المراد منها، وزيادة في البيان يقال:\rالقدرة إنما تصح على ما يصح أن يُشاء، لأن ما لا يصح أن يُشاء ليس بشيء؛ فلا يصح تعلق القدرة به، وكذلك المشيئة إنما تكون على المقدور، والله على كل شيء قدير، وما لا يصح أن يكون مقدورًا - لكونه ليس شيئًا - لا يصح توجه المشيئة إليه.\rفشمول كل منهما دليل على شمول الأخرى.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"قدرة الرب لا يفعل بها إلا مع وجود مشيئته، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وليس كل ما كان قادرًا عليه فعله. . . وإذا كان لو شاءه لفعله دل على أنه قادر عليه، فإنه لا يمكن فعل غير المقدور\" (¬١).\rفجواز القدرة دليل على جواز المشيئة، وجواز المشيئة دليل على جواز القدرة.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] دخل في ذلك ما يصلح أن يكون مقدورًا، وذلك يتناول كل ما كانت ذاته ممكنة الوجود، وقد يقال: دخل في ذلك كل ما يسمى شيئًا بمعنى مشيئًا. . . فكل ما","footnotes":"(¬١) منهاج السنة (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050414,"book_id":1102,"shamela_page_id":257,"part":"1","page_num":274,"sequence_num":257,"body":"يصلح أن يشاء فهو عليه قدير، وإن شئت قلت: قدير على كل ما يصلح أن يقدر عليه، والممتنع لذاته ليس شيئًا باتفاق العقلاء\" (¬١).\rوالأصل الجامع في هذا الباب: قوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، وذلك أن (شيء) في الأصل مصدر شاء يشاء شيئًا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسمَّوا المشيء شيئًا، فيكون المعنى: على كل مشيء قدير - سواء كان شيئًا في الخارج أو في العلم فقط - أي: على كل ما يُشاء قدير، فأثبت قدرته على كل ما يُشاء، وجواز مشيئته لكل ما هو قادر عليه.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والشيء في الأصل مصدر شاء يشاء شيئًا، كنَال ينال نيلًا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسموا المشيء شيئًا. . . فقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي على كل ما يشاء؛ فمنه ما قد شيء فوُجد، ومنه ما لم يُشأ لكنه شيء في العلم بمعنى انه قابلٌ لأن يشاء، وقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ يتناول ما كان شيئًا في الخارج والعلم، أو ما كان شيئًا في العلم فقط، بخلاف ما لا يجوز أن تتناول المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته، أو الممتنع لنفسه فإنه غير داخل في العموم ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفسه ليس بشيء\" (¬٢).\rوالحاصل أن قدرة الله ﷾ شاملة لكل شيء، وأن مشيئته كذلك شاملة لكل شيء؛ وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع، وأن جواز شمول كل منهما دليل على جواز شمول الأخرى، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٣١).\r(¬٢) المصدر السابق (٨/ ٣٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050415,"book_id":1102,"shamela_page_id":258,"part":"1","page_num":275,"sequence_num":258,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف أهلَ السنة في هذه القاعدة المعتزلة، وكلام المعتزلة في القدرة كثير ومتشعب، والذي يهمنا هنا كلامهم في هذه المسألة، وهي شمول القدرة وشمول المشيئة، وجواز تعلق القدرة بكل ما يجوز أن تتعلق به المشيئة والعكس.\rومذهبهم في هذه المسألة أن كلًّا من القدرة والمشيئة غير شامل لكل شيء، بل من الأشياء ما لا يقدر عليه الرب سبحانه ولا يشاؤه، فمخالفتهم في أمور:\rالأمر الأول: جعلهم المعدوم شيئًا في الخارج.\rالأمر الثاني: إخراجهم القدرة عن عمومها، وجعلهم بعض الموجودات خارجة عن قدرة الرب ومشيئته.\rالأمر الثالث: تجويزهم تعلق المشيئة بما هو خارج عن القدرة.\rأما الأمر الأول: فاشتهر في أول أمره عن معتزلة بغداد، وقال به أبو الحسين الخَيَّاط (¬١)، والشَّحَّام (¬٢)، ثم من بعدهما (¬٣)، وقد حكى الإسفراييني اتفاق المعتزلة على ذلك خلا الصالحي، وحكى عنهم أنهم يقولون إن الجوهر","footnotes":"(¬١) هو: أبو الحسين، عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط، شيخ المعتزلة ببغداد، تنسب إليه فرقة منهم تدعى: \"الخياطية\"، له كتب منها: \"الانتصار\"، و\"الاستدلال\"، مات سنة (٣٠٠ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٣٧٣)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٢٠)، الأعلام (٣/ ٣٤٧).\r(¬٢) هو: أبو يعقوب يوسف بن عبيد الله الشحام البصري، صاحب أبي الهذيل العلاف، وشيخ أبي علي الجبائي، انتهت إليه رئاسة المعتزلة بالبصرة في وقته، من كتبه: \"الاستطاعة على المجبرة\"، وله كتاب في \"تفسير القرآن\"، مات نحو سنة (٢٨٠ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٥٢)، ولسان الميزان (٨/ ٥٦٠)، والأعلام للزركلي (٨/ ٢٣٩).\r(¬٣) انظر: الوجود والعدم بين المعتزلة والأشاعرة (٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050416,"book_id":1102,"shamela_page_id":259,"part":"1","page_num":276,"sequence_num":259,"body":"قبل وجوده جوهر والعرض عرض، وأن هذه الأمور متحققة قبل الوجود، والوجود لم يزدها شيئًا (¬١).\rوممن حكى عنهم ذلك أيضًا: البغدادي، إلا أنه جعل القول بأن الجوهر قبل وجوده جوهر: قول البصريين منهم (¬٢)، وحكاه الأشعري قولًا للبغداديين منهم إلا في العرض (¬٣)، وجعل ابن حزم هذا قول سائر المعتزلة عدا هشَام بن عمرو الفُوطي (¬٤).\rواحتجوا على هذه المقالة بما جاء في النصوص من الإخبار عن بعض المعدومات بأنها شيء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١].\rواحتجوا كذلك بكون المعدوم يُخبَر عنه ويُوصَف ويُتمنى، ومن المحال أن يكون ما هذه صفته ليس شيئًا (¬٥).\rوهذه المقالة بنوها على التفريق بين الوجود والماهية، وأن الوجود قدر زائد على الماهية، فماهية الشيء - أي عينه - عندهم ثابتة قبل وجوده (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر: التبصير في الدين (٦٣).\r(¬٢) انظر: الفرق بين الفرق (١٠٦).\r(¬٣) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤١).\r(¬٤) الفصل (٥/ ١٥٥)، وانظر حكاية قول الفوطي والصالحي في مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، والفوطي هو: أبو محمد هشام بن عمرو الفوطي الكوفي المعتزلي، مولى بني شيبان.\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٧)، ولسان الميزان (٨/ ٣٣٧).\r(¬٥) انظر: الفصل: (٥/ ١٥٥).\r(¬٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050417,"book_id":1102,"shamela_page_id":260,"part":"1","page_num":277,"sequence_num":260,"body":"وجعْل المعتزلة المعدوم شيئًا في الخارج أمرٌ مردود من وجوه:\rالأول: عدم الدليل الصحيح على ذلك، أثرًا كان أو نظرًا، وما استدلوا به من نصوص لا يُسلم لهم، والصواب في ذلك أن للشيء وجودًا ذهنيًّا، ووجودًا لفظيًّا ووجودًا رسميًّا خطيًّا، ووجودًا خارجيًّا - كما تقدم -، فما ورد من نصوص في إطلاق الشيء على ما هو معدوم؛ فمحمول على غير الوجود الخارجي، إما اللفظي أو الذهني العلمي، أو الرسمي، لكن المعتزلة لما لم يهتدوا لهذا التقسيم - أو لما لم يقروا به - توهموا أن الوجود مقصور على الوجود الخارجي، فظنوا أن إطلاق الشيء على المعدوم يقتضي كونه موجودًا.\rالثاني: أن التفريق بين الوجود والماهية باطل، فوجود الشيء عين ماهيته، وماهيته عين وجوده، سواء قصد بالوجود الذهني أو اللفظي أو الخطي أو الخارجي العيني، ومن جعل الوجود زائدًا على الماهية؛ لزمه أن يجعل الماهية قابلة للوجود، والوجود صفة لها فيجعل الوجود الواجب صفة لغيره، وهذا باطل (¬١)، يوضحه:\rالثالث: أن هذا يلزم عليه كون الموجود الثابت في الخارج صفة لماهية ثابتة في الخارج، وهذا باطل، إذ ليس في الخارج إلا عين الشيء ووجوده (¬٢).\rفخلاصة الأمر أن الماهية والوجود شيء واحد، لا فرق بينهما، وإن كان إطلاق الماهية - في الاصطلاح - أكثر على الوجود الذهني، وإطلاق الوجود","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٥/ ١٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050418,"book_id":1102,"shamela_page_id":261,"part":"1","page_num":278,"sequence_num":261,"body":"أكثر على الحقيقة الخارجية (¬١).\rوأما الأمر الثاني: وهو إخراجهم القدرة عن عمومها، وجعلهم بعض الموجودات خارجة عن قدرة الرب ومشيئته.\rوهذا أصل متفق عليه عند كل المعتزلة، فقد اتفقوا على إخراج أفعال العباد عن قدرة الرب سبحانه ومشيئته، وجعلوا العباد هم المحدثين لها بقدرتهم وإرادتهم، وليس للقدرة والمشيئة الإلهية في ذلك مدخل.\rقال القاضي عبد الجبار: \"اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعلٍ من فاعلَيْن\" (¬٢).\rوقال في بيان أن الله لم يشأ ما وقع من العباد من المعاصي: \"فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها\" (¬٣)، وذلك أن إرادة القبائح قبيحة، والله منزه عن القبيح؛ فوجب ألا يشاءه (¬٤).\rوحكى البغدادي اتفاق المعتزلة على أن الله سبحانه لم يشأ ما لم يأمر به، وما لم ينه عنه من أفعال العباد (¬٥).","footnotes":"(¬١) الرد على المنطقيين (١٠٧).\r(¬٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ٣).\r(¬٣) المصدر السابق (٦/ ٢١٨).\r(¬٤) المصدر السابق (٦/ ٢٢٠).\r(¬٥) انظر: الفرق بين الفرق (١٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050419,"book_id":1102,"shamela_page_id":262,"part":"1","page_num":279,"sequence_num":262,"body":"والمعتزلة تطلق القول بعموم القدرة، فيقولون: الرب قادر على كل المقدورات، أو على سائر أجناس المقدورات، كما في قول القاضي عبد الجبار: \"وأنه [أي الرب سبحانه] قادر على جميع أجناس المقدورات، ومن كل جنس على ما لا يتناهى، وأنه لا ينحصر مقدوره لا في الجنس ولا في العدد\" (¬١).\rوليس مرادهم من ذلك عموم قدرة الرب على كل شيء، بل مرادهم قدرته على كل مقدور له، ومن الأشياء ما لا يدخل تحت مقدوره، فقد ذهب المعتزلة - عدا الشحام - إلى أن الله سبحانه لا يوصف بالقدرة على ما أقدر عليه عباده، وإنما النزاع بينهم في قدرته على جنس ما أقدر عليه العباد على قولين، وتنازعوا كذلك في قدرته على الظلم، واكثرهم على إثبات ذلك، وبعضهم يطلق القول بقدرته على الظلم لا على أن يظلم (¬٢)، وذهبوا كذلك - عدا ضرار بن عمرو وبشر بن المعتمر - إلى أن الله سبحانه لا يقدر على لطف يلطف به الكافر حتى يؤمن، وأنه ليس في قوة الرب سبحانه أحسن مما فعل بنا (¬٣).\rبل قد ذهب أبو الهُذَيل (¬٤) منهم إلى أن مقدورات الرب تفنى حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرًا على شيء، ومن هنا قال بفناء حركات أهل","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (١٥٥).\r(¬٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٤ - ٢٧٤)، والفصل (٥/ ٥٩).\r(¬٣) انظر: الفصل (٥/ ٥٧)، وانظر (٥/ ٥٩) منه.\r(¬٤) هو أبو الهذيل، محمد بن محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي العلاف، مولى عبد القيس، من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة سنة (١٣٥ هـ)، كان خبيث القول، فارق إجماع المسلمين، هلك في سنة (٢٢٧ هـ)، وقيل (٢٣٥ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (٤/ ٥٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050420,"book_id":1102,"shamela_page_id":263,"part":"1","page_num":280,"sequence_num":263,"body":"الجنة والنار (¬١).\rوذهب النظام منهم إلى أن الله سبحانه لا يقدر على فعل ما علم أن غيره أصلح منه (¬٢).\rوذهب الجَاحِظ (¬٣) إلى أن الله سبحانه لا يقدر على إفناء الأجسام بالكلية وإنما يرققها ويفرق أجزاءها فقط (¬٤).\rوذهب هشام بن عمرو الفوطي منهم إلى أن الله سبحانه إذا خلق شيئًا فإنه لا يقدر على أن يخلق مثل ذلك الشيء أبدًا، لكن يقدر على أن يخلق غيره (¬٥).\rوذهب عبَّاد بن سليمان (¬٦) منهم إلى أن الله سبحانه لا يقدر على أن يخلق غير ما خلق (¬٧)، وهو قول الأسوارية منهم أتباع علي الأسواري (¬٨).\rوالمقصود بيان ضلال المعتزلة في إخراجهم قدرة الله سبحانه عن عمومها","footnotes":"(¬١) انظر: الفرق بين الفرق (١١١)، والفصل (٥/ ٥٨).\r(¬٢) انظر: الفرق بين الفرق (١٢١).\r(¬٣) هو: أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري المعتزلي الجاحظ، أخذ عن النظام، كان ماجنًا قليل الدين، له نوادر، من كتبه: \"الرد على النصارى\"، و\"البيان والتبيين\"، مات سنة (٢٥٥ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٢٤)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٦).\r(¬٤) انظر: الفصل (٥/ ٦٢).\r(¬٥) انظر: المصدر السابق (٥/ ٦٢).\r(¬٦) هو: عباد بن سليمان الصيمري، من كبار المعتزلة، أخذ عن هشام بن عَمْرو.\rانظر: لسان الميزان (٤/ ٣٨٩).\r(¬٧) انظر: المصدر السابق (٥/ ٦٣).\r(¬٨) انظر: الفرق بين الفرق (١٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050421,"book_id":1102,"shamela_page_id":264,"part":"1","page_num":281,"sequence_num":264,"body":"وتحريفهم معنى قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بقولهم: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وكذلك بيان ضلالهم في إخراجهم المشيئة عن بعض مخلوقاته سبحانه.\rومذهبهم هذا مردود باطل، إذ أنه يتضمن أن يكون في ملك الله ما لا يريده وما لا يقدر عليه، وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وأنه فعال لما يريد (¬١)، وسيأتي مزيد تفصيل في الرد عليهم في مبحث أفعال العباد.\rوأما الأمر الثالث: وهو تجويزهم تعلق المشيئة بما هو خارج عن القدرة؛ فقد صرح به القاضي عبد الجبار فقال: \"ونحن إذا قلنا إنه تعالى مريد فلا نعني به كونه قادرًا ولا عالمًا، لأنه قد يريد ما لا يقدر عليه، وقد يقدر على ما لا يريده\" (¬٢).\rوهذا أيضًا واضح البطلان، من وجوه:\rالأول: ما تقدم من أدلة على عموم قدرة الرب على كل شيء، فليس ثَمَّ شيء خارج عن القدرة أصلًا.\rالثاني: أن لفظ المشيئة - كما تقدم - كوني، فلا بد إذا شاء الرب شيئًا أن يكون، ولا يمكن أن يتخلف أصلًا، والمعتزلة - مع سائر المخالفين - إنما ضلوا في هذا الباب بعدم تفريقهم بين المشيئة والمحبة، والمراد الكوني والمراد الشرعي، وسيأتي الرد عليهم في هذا في موضعه إن شاء الله.","footnotes":"(¬١) انظر: شرح الطحاوية (١/ ١١٧).\r(¬٢) شرح الأصول الخمسة (٤٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050422,"book_id":1102,"shamela_page_id":265,"part":"1","page_num":283,"sequence_num":265,"body":"المبحث التاسع: \"الفطرة لا تنافي تقدير الشقاوة والضلال\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050423,"book_id":1102,"shamela_page_id":266,"part":"1","page_num":285,"sequence_num":266,"body":"المبحث التاسع: \"الفطرة لا تنافي تقدير الشقاوة والضلال\"\rهذه القاعدة هي آخر قواعد هذا الباب، والكلام فيها عن الفطرة ومعناها وعدم منافاتها للقدر السابق.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال ابن القيم ﵀ في كتابه شفاء العليل (¬١): \"الباب الموفي ثلاثين: في ذكر الفطرة الأولى ومعناها، واختلاف الناس في المراد بها، وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال\".\rوقال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن حكى تفسير الإمام أحمد للفطرة بالإسلام -: \"وقوله في موضع آخر: يولد على ما فُطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك؛ فإن الله تعالى قدر الشقاوة والسعادة وكتبها وقدر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين، فتهويد الأبوين وتنصيرهما","footnotes":"(¬١) (٢/ ٧٧٥)، وقد قال ﵀ في تعداده أبواب الكتاب في المقدمة (١/ ٥٣): \"الباب الموفي ثلاثين: في الفطرة الأولى التي فطر الله عباده عليها، وبيان أنها لا تنافي القضاء والقدر بل توافقه وتجامعه\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050424,"book_id":1102,"shamela_page_id":267,"part":"1","page_num":286,"sequence_num":267,"body":"وتمجيسهما هو مما قدره الله تعالى، والمولود ولد على الفطرة سليمًا وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدر الله تعالى ذلك وكتبه كما مثل النبي ﷺ ذلك بقوله: (كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) (¬١)، فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الناس، وذلك بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا ثم يفسده أبواه وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) يأتي تخريجه ص (٢٨٧).\r(¬٢) درء التعارض (٨/ ٣٦١ - ٣٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050425,"book_id":1102,"shamela_page_id":268,"part":"1","page_num":287,"sequence_num":268,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب مع السنة، ومن ذلك:\rقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]\rوحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه، كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء؟) ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] (¬١).\rوفي رواية: قالوا يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (¬٢).\rوحديث ابن عباس وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن أولاد المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام (٢/ ٩٥) ح (١٣٥٩)، ومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٨/ ٥٢) ح (٦٩٢٦).\r(¬٢) رواها البخاري: كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين (٨/ ١٢٣) ح (٦٥٩٩)، ومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٤٧) ح (٢٦٥٨).\r(¬٣) رواهما البخاري: كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين (٢/ ١٠٠) ح (١٣٨٣ و ١٣٨٤)، ومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050426,"book_id":1102,"shamela_page_id":269,"part":"1","page_num":288,"sequence_num":269,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rمقصود هذه القاعدة بيان أن سبق المقادير لا ينافي كون الإنسان ولد على الفطرة، وينبغي قبل الخوض في هذا الموضوع تقرير معنى الفطرة في اللغة والشرع.\rالفِطْرة في اللغة: من فَطَرَ الشيء يفطُره فَطرًا، والفِطْرة الحالة منه كالجِلْسة والرِّكْبة.\rوالفاء والطاء والراء: أصل صحيح، يدل على فتح شيء وإبرازه، وقد فسرت الفطرة في اللغة بمعان كلها ترجع إلى هذا الأصل:\rفقيل: الشق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، أي: انشقت (¬١).\rوحديث عائشة ﵂: أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه (¬٢)، أي تتشقق.\rووجه مناسبته للأصل ظاهر، فإن الشيء إذا انشق فقد فُتح وأُبرز ما فيه.\rوقيل: الابتداء والاختراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أي: مبتدعهما ومبتدئهما (¬٣).\rوقول أحد الأعرابيين اللذين اختصما إلى ابن عباس ﵄ في بئر: \"أنا","footnotes":"= أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٤٩) ح (٢٦٦٠ و ٦٥٩٧).\r(¬١) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ١٧٤).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة الفتح، (٦/ ١٣٥) ح (٤٨٣٧).\r(¬٣) انظر: تفسير الطبري (٩/ ١٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050427,"book_id":1102,"shamela_page_id":270,"part":"1","page_num":289,"sequence_num":270,"body":"فطرتها\"، أي: أنا ابتدأتها (¬١).\rووجه مناسبتها للأصل أن ما اخترع وابتدئ فقد أُبرز إلى الوجود، وشُق عنه غطاء العدم.\rوقيل: الخِلقة، والفطر: الخلق، وبه فسر قتادة والسُّدي (¬٢) قولَه تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أي: خالق السموات والأرض.\rوهذا المعنى قريب من المعنى الثاني.\rوقيل: ما قرُب عهده، فكل ما أُعجِل عن إدراكه فهو فَطير، ومنه قولهم: حيس فطير، أي: طري قريب حديث العمل.\rوقولهم لبن فطير: للذي يُحلب ساعتئذ، وخبز فطير: للذي اختُبز من ساعته ولم يختمر، ورأي فطير: للذي استُعجل به قبل أن يستحكم، وجِلد فطير: للذي لم يُروَ من دباغ (¬٣).\r\rالفطرة في الشرع:\rاختلف أهل العلم في المراد بالفطرة في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم، والصواب الذي عليه جمهور السلف، أن المراد بها: الإسلام (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير (٩/ ١٧٥).\r(¬٢) رواهما ابن جرير (٩/ ١٧٥ - ١٧٦).\r(¬٣) انظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٣٢٥)، ومقاييس اللغة (٤/ ٥١٠)، ولسان العرب (٦/ ٣٦١)، مادة: (فطر).\r(¬٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٢ - ٧٧)، ودرء التعارض (٨/ ٣٦٧ - ٣٧٧ و ٤١٠)، وشفاء العليل (٢/ ٧٨١ - ٧٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050428,"book_id":1102,"shamela_page_id":271,"part":"1","page_num":290,"sequence_num":271,"body":"ومن الأدلة عليه:\rأولًا: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].\rفالفطرة هنا الإسلام بإجماع السلف.\rقال ابن عبد البر ﵀: \"وقال آخرون: الفطرة ههنا الإسلام، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل، قد أجمعوا في قول الله ﷿: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: فطرة الله: دين الله الإسلام\" (¬١).\rومما نقل عنهم في ذلك: أبو هريرة فقد كان يقول عقب رواية الحديث: \"واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ \" (¬٢).\rومن ذلك أيضًا: تفسير الزهري ﵀ كما روى البخاري عنه (¬٣) أنه قال: \"يصلى على كل مولود متوفى، وإن كان لِغِيَّة (¬٤)، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة - وإن كانت أمه على غير الإسلام - إذا استهل صارخًا يصلى عليه، ولا يصلى على من لا يستهل من","footnotes":"(¬١) التمهيد (١٨/ ٧٢).\r(¬٢) انظر: صحيح البخاري (٢/ ٩٥)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٤٧)، وتقدم ص (٢٨٧).\r(¬٣) كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام (٢/ ٩٤) ح (١٣٥٨).\r(¬٤) قال الحافظ ﵀ في الفتح (٣/ ٢٢١): \"بكسر اللام والمعجمة وتشديد التحتانية، أي: من زنا، ومراده أنه يصلى على ولد الزنا، ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه لأنه محكوم بإسلامه تبعًا لأمه، وكذلك من كان أبوه مسلمًا دون أمه\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050429,"book_id":1102,"shamela_page_id":272,"part":"1","page_num":291,"sequence_num":272,"body":"أجل أنه سقط\"، ثم استدل بحديث أبي هريرة ﵁ (¬١).\rومن ذلك أيضًا: تفسير عطاء وعمرو بن دينار - رحمهما الله -، كما روى عبد الرزاق (¬٢) عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ولد الزنا حين يولد بعد ما استهل أيصلى عليه؟ قال: \"نعم\"، قلت: كيف وهو كذلك؟ قال: \"من أجل أنه ولد على الفطرة، فطرة الإسلام\". قال ابن جريج: \"وسألت عمرو بن دينار فقال مثل قول عطاء\".\rومن ذلك أيضًا: تفسير ابن زيد ومجاهد وعكرمة، كما رواه عنهم الطبري (¬٣).\rثانيًا: حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) (¬٤)، وفي لفظ: (حنفاء مسلمين) (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٦٦).\r(¬٢) (٣/ ٥٣٤) رقم (٦٦١٤).\r(¬٣) انظر تفسير الطبري (١٨/ ٤٩٣ - ٤٩٤).\r(¬٤) رواه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٧) ح (٢٨٦٥).\r(¬٥) رواه الطبراني (١٧/ ٣٦٣) ح (١٤٦٨٣)، وابن أبي خيثمة في تاريخه (١/ ٤٠٤)، وابن عساكر (٣٤/ ٤٥١) من طرق عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050430,"book_id":1102,"shamela_page_id":273,"part":"1","page_num":292,"sequence_num":273,"body":"ثالثًا: حديث الفطرة المتقدم، وفي بعض ألفاظه التصريح بأن المراد بالفطرة: ملة الإسلام، ومنها: (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة)، و (إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه) (¬١).\rوكذلك جاء التصريح بكونها فطرة الإسلام في حديث الأسود بن سَريع ﵁، وفيه قوله ﷺ: (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) (¬٢).\rرابعًا: أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عقيب ذلك عن أطفال المشركين، وهذا يدل على أنهم فهموا أن المراد بالفطرة الإسلام (¬٣).\rخامسًا: أن النبي ﷺ قال هذا الحديث عقيب إنكاره عليهم قتل أولاد المشركين كما في حديث الأسود بن سريع ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال رسول الله ﷺ: (ما حملكم على قتل الذرية؟) قالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين! قال: (أَوَهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة","footnotes":"= عن عبد الرحمن بن عائذ، الأزدي عن عياض بن حمار ﵁ به.\r(¬١) رواهما مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٤٧) ح (٢٦٥٨).\r(¬٢) رواه بهذا اللفظ: الطبراني (١/ ٢٨٣) ح (٨٣١)، وابن حبان (١/ ٣٤١) ح (١٣٢)، من طريق الحسن عن الأسود ﵁ به.\r(¬٣) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050431,"book_id":1102,"shamela_page_id":274,"part":"1","page_num":293,"sequence_num":274,"body":"حتى يعرب عنها لسانها) (¬١).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: (أَوَليس خياركم أولاد المشركين) يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك\" (¬٢).\rسادسًا: أن النبي ﷺ شبه تهويد أبوين وتنصيرهما وتمجيسهما للمولود بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيه، ثم تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها (¬٣)، يوضحه:\rسابعًا: أن النبي ﷺ لم يذكر لموجب الفطرة شرطًا، وإنما ذكر ما يمنع موجبها (¬٤).\rثامنًا: أنه جاء في أحاديث أُخَر إطلاق الفطرة على الإسلام، كما في أحاديث سنن الفطرة، ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب) (¬٥).\rوحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (عشر من","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٤/ ٣٥٤) ح (١٥٥٨٨)، و (٢٤/ ٣٥٦) ح (١٥٥٨٩)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٤٠٢).\r(¬٢) درء التعارض (٨/ ٣٦٤).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٣٧٢).\r(¬٤) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٥٤).\r(¬٥) رواه البخاري: كتاب اللباس، باب قص الشارب (٧/ ١٦٠) ح (٥٨٨٨)، ومسلم: كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة (١/ ٢٢١) ح (٢٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050432,"book_id":1102,"shamela_page_id":275,"part":"1","page_num":294,"sequence_num":275,"body":"الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك. . .) (¬١)، وغيرهما من الأحاديث.\rوالمراد بسنن الفطرة: سنن الإسلام، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن فطرة الإسلام: الغسل يوم الجمعة والاستنان وأخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها فخالفوهم، حُدُّوا شواربكم وأعفوا لِحاكُم) (¬٢).\rوكما في حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ، وعلى ملة أبينا إبراهيم، حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين) (¬٣).\rوكما في حديث البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن مت؛ مت على الفطرة) (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة (١/ ٢٢٣) ح (٢٦١).\r(¬٢) رواه ابن حبان (٤/ ٢٣) ح (١٢٢١)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٣١٢٣).\r(¬٣) رواه أحمد (٢٤/ ٧٧) ح (١٥٣٦٣)، والنسائي في الكبرى (٩/ ٥) ح (٩٧٤٣)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٢٩٨٩).\r(¬٤) رواه البخاري: كتاب الدعوات، باب إذا بات طاهرًا (٨/ ٦٨) ح (٦٣١١)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (٤/ ٢٠٨١) ح (٢٧١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050433,"book_id":1102,"shamela_page_id":276,"part":"1","page_num":295,"sequence_num":276,"body":"وخالف الراجح ممن ذهب إلى هذا القول فريقان:\r- فريق قال بنفي العموم في قوله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة)، فعندهم أن من الأطفال من يولد على الفطرة، ومنهم من ليس كذلك. ومعنى الحديث: أن المولود على الفطرة من الأبوين الكافرين يكفرانه، أي يحكم له بذلك تبعًا لهما، وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما وذلك حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه.\rواستدلوا بدليلين:\rالأول: حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (¬١).\rالثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتى؛ فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت مؤمنًا) (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٥٠) ح (٢٦٦١).\r(¬٢) رواه أحمد (١٧/ ٢٢٧) ح (١١١٤٣)، والترمذي: أبواب الفتن، باب ما جاء ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة (٤/ ٥٣) ح (٢١٩١)، وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف، انظر: الضعيفة ح (٢٩٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050434,"book_id":1102,"shamela_page_id":277,"part":"1","page_num":296,"sequence_num":277,"body":"قالوا: ففي هذا الحديث ومع حديث غلام الخضر ما يدل على أن قوله ﷺ: (كل مولود) ليس على العموم.\rفعندهم أن النبي ﷺ أخبر أن الله خلق هذا الغلام كافرًا، وإذا كان كذلك استحال أن يكون ولد على الفطرة، لأن قول النبي ﷺ فيه ذلك هو إخبار وحي، لا حكم دنيوي.\rوكذلك الحديث الآخر أخبر فيه ﷺ أن من الأطفال من يولد مؤمنًا فهو على الفطرة، ومنهم من يولد كافرا فليس هو على الفطرة.\rووجَّهوا العموم في قوله ﷺ: (كل مولود) بأن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ في لسان العرب، كما في قول الله ﷿: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وهي لم تدمر السموات والأرض (¬١).\rوالصواب أن الحديث على عمومه، لأنه جاء بألفاظ تدل دلالة قطعية على إرادة العموم، منها: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) (¬٢)، و (كل بني آدم يولد على الفطرة) (¬٣).\rوأما ما استدلوا به من أحاديث فسيأتي الكلام عليها (¬٤) (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد (١٨/ ٥٩ - ٦٣)، وقد حكى ابن عبد البر ﵀ هذا القول طائفة من أهل العلم دون تسمية.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (٢٨٧).\r(¬٣) رواه الفريابي في القدر (١٢٢) ح (١٦٠).\r(¬٤) انظر ما يأتي ص (٣١٠ و ٣١٢ و ٣١٧).\r(¬٥) جعل ابن عبد البر ﵀ هذا القول مع ضده في مسألة مستقلة؛ فجعل الخلاف في الفطرة خلافين: خلاف في العموم وعدمه، وخلاف في الحقيقة والماهية. انظر: التمهيد =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050435,"book_id":1102,"shamela_page_id":278,"part":"1","page_num":297,"sequence_num":278,"body":"- وذهب محمَّد بن الحَسَن ﵀ (¬١) إلى أن هذا القول من النبي ﷺ كان في أول الإسلام قبل نزول الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد.\rقال أبو عبيد: \"سألت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث فقال: كان هذا في أول الإسلام، قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد\" (¬٢).\rويرده حديث الأسود بن سريع ﵁ المتقدم، فهو نص في المسألة، لأنه كان عقب غزوة حنين، ولذلك قال ابن عبد البر ﵀: \"فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه إما لإشكاله عليه أو لجهله به أو لكراهية الخوض في ذلك، وأما قوله فيه: إن ذلك القول كان من النبي ﵇ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد؛ فليس كما قال، لأن في حديث الأسود بن سَريع ما يبين أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد\" (¬٣).\rولعل منشأ الإشكال عنده ﵀ أنه رأى استقرار الشريعة على تبعية","footnotes":"= (١٨/ ٥٩ - ٦٤)، والذي يظهر من قول هؤلاء أنهم يريدون بالفطرة: الإسلام؛ فإن قولهم لا يطَّرد إلا بهذا، وعليه فالأنسب أن يكون محل قولهم هنا، وقد ذكر أبو عبيد أن هذا هو المفهوم من كلام محمد بن الحسن، والله أعلم.\r(¬١) هو: أبو عبد الله، محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان الفقيه الأصولي القاضي الكوفي، صاحب أبي حنيفة، من كتبه: \"الآثار\"، و\"المبسوط\"، قال الشافعي: \"لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلت لفصاحته\"، مات بالري سنة (١٨٩ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤)، والجواهر المضية في طبقات الحنفية (٣/ ١٢٢).\r(¬٢) غريب الحديث (٢/ ٢٦٥)، وانظر: التمهيد (١٨/ ٦٦ - ٦٧)، ودرء التعارض (٨/ ٣٨٠ - ٣٨٤)، وشفاء العليل (٢/ ٧٨٧ - ٧٨٩).\r(¬٣) التمهيد (١٨/ ٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050436,"book_id":1102,"shamela_page_id":279,"part":"1","page_num":298,"sequence_num":279,"body":"أولاد المشركين لآبائهم في الدنيا، فظن أن قول النبي ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) يقتضي أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين فقال: هذا منسوخ (¬١).\rوقبل حكاية الأقوال الأخرى المخالفة لهذا القول يحسن بيان مسألتين، توضحان القول الراجح، وتتضمنان ردًا مجملًا على ما خالفه من أقوال.\rالمسألة الأولى: المعنى المراد بكون المولود على الفطرة:\rليس المراد من كون المولود ولد على الفطرة، أو على ملة الإسلام، أو على الإسلام، أو خُلق حنيفًا: أنه ولد عالمًا بهذا الدين ومريدًا له، فإن الله ﷾ يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضيةٌ موجبةٌ لدين الإسلام لمعرفته ومحبته، إذا سلمت عن المعارض.\rقال شيخ الإسلام ﵀ في معنى الفطرة: \"وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة\" (¬٢).\rفكل مولود يولد على محبة فاطره وإقراره له بربوبيته وإلهيته، فلو خُلِّي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره.\rوينبغي أن يعلم أنه ليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، بل المراد أن نفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، ثم موجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٢ - ٣٨٣).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050437,"book_id":1102,"shamela_page_id":280,"part":"1","page_num":299,"sequence_num":280,"body":"سلمت عن المعارض، وقد يعرض لها ما يفسدها، وهذا كما أن المولود يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، وبغض خلافه، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا بحسب حاجته، وقد يعرض له ما يفسده عليه، فيحب ما لا يلائمه ويبغض ما يلائمه (¬١).\rالمسألة الثانية: بيان منشأ الغلط في هذه المسألة، وسبب الخلاف:\rمنشأ الغلط في هذه المسألة هو اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن بعض أهل السنة لما رأوا أن أحكام الكفر تجري على أولاد الكفار في أمور الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم وحضانة آبائهم لهم وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم والموارثة بينهم وبين آبائهم واسترقاقهم إذا كان آباؤهم محاربين؛ ظنوا أنهم كفار في نفس الأمر كالذي تكلم بالكفر وعمل به.\rوالصواب أن حكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا، فقد يكون الرجل في أرض الكفار وهو مؤمن كاتم لإيمانه، فيغزوهم المسلمون فيقتلونه - وهم لا يعلمون حاله - فيُعامل معاملة قتلى الكفار، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن مع المشركين وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجرى عليهم في الدنيا أحكام المسلمين وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار.\rوكون أطفال المشركين يتبعون لآبائهم في حكم الدنيا أمر قد علم بالاضطرار من شرع الرسول ﷺ.","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٣ - ٣٨٤)، وشفاء العليل (٢/ ٧٨٩ - ٧٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050438,"book_id":1102,"shamela_page_id":281,"part":"1","page_num":300,"sequence_num":281,"body":"فإذا عُرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة.\rوالنبي ﷺ لم يرد بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، الإخبار بأحكام الدنيا وحال أطفال الكفار، وإنما أراد بيان الحقيقة التي خلقوا عليها (¬١).\rوسبب الخلاف: أن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله بل مما فعله الناس، فكل مولود خلقه الله على الفطرة، وكفره إنما حصل بعد ذلك من الناس.\rفأراد الأئمة منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، فصاروا يتأولونه بتأويلات يخرجونه بها عن مقتضاه، فكان مقصودهم صحيحًا، لكن سلكوا في حصوله طرقًا بعضها صحيح، وبعضها ضعيف (¬٢).\rوأما الأقوال الأخرى في معنى الفطرة فهي خمسة:\rالقول الأول: أن المراد بالفطرة في الحديث: الخلقة التي خُلق عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد: خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، قالوا: والفاطر الخالق وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقد الكفر أو","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٣٢ - ٤٣٣).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٦٢ و ٣٧٧ و ٣٨٢ و ٤١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050439,"book_id":1102,"shamela_page_id":282,"part":"1","page_num":301,"sequence_num":282,"body":"الإيمان بعد البلوغ إذا ميز (¬١).\rوقد حكى ابن عبد البر ﵀ هذا القول عن طائفة من أهل الفقه والنظر دون تسمية، ورجحه على غيره من الأقوال، واختاره كذلك: الطحاوي (¬٢)، والقرطبي (¬٣).\rومن الأدلة عليه:\rأولًا: قوله ﷺ: (كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء؟) (¬٤)، قالوا: شبَّه قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم يطرأ عليها النقص بعد بقطع آذانها وأنوفها.\rويدل على ذلك المعنى اللغوي، فالفطرة السلامة والاستقامة، والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم.\rثانيًا: أنه لو كان الأطفال قد فطروا على شيء على الكفر أو الإيمان في ابتداء أمرهم ما انتقلوا عنه أبدًا، والمشاهد بخلاف ذلك.\rثالثًا: أن الله ﷾ قد أخبر بأن الطفل يولد ولا معرفة له بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ومن كان كذلك استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار.\rرابعًا: أن الله ﷾ قد أخبر أن الإنسان إنما يجزى بعمله كما قال:","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد (١٨/ ٦٨ - ٧١)، ودرء التعارض (٨/ ٤٤٢ - ٤٤٣)، وشفاء العليل (٢/ ٨١٥).\r(¬٢) انظر: شرح مشكل الآثار (٤/ ١٧ - ١٩).\r(¬٣) انظر: تفسير القرطبي (١٦/ ٤٢٧ - ٤٢٨).\r(¬٤) تقدم تخريجه ص (٢٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050440,"book_id":1102,"shamela_page_id":283,"part":"1","page_num":302,"sequence_num":283,"body":"﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وإنما يكون ذلك إذا بلغ، لذا فقد أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا، وإذا تعلق الأمر بالبلوغ امتنع أن يكون الكفر والإيمان حاصل قبله.\rخامسًا: أن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، فهذا يدفع كون المراد بالفطرة: الإسلام (¬١).\rسادسًا: لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب أن يحكم للطفل إذا ولد من بين أبوين كافرين بحكم الإسلام ما دام طفلًا، فلا يرثهما ولا يرثانه، ولوجب ألا يصح استرقاقه ونحو ذلك (¬٢).\rوالجواب عن هذا القول أن يقال: القول بأن: \"كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، أي خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك\".\rإن أُريد بالفطرة فيه مجرد التمكن من المعرفة والقدرة عليها من غير إرادة لها فهذا ضعيف من وجهين:\rالأول: أن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حين يُسأل عمن مات صغيرًا.\rالثاني: أن النبي ﷺ علل النهي عن قتل أولاد المشركين بكونهم على الفطرة، فإذا كانت الفطرة هي مجرد القدرة، والقدرة في الكبير أكمل منها في","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٧).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٥٩ - ٣٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050441,"book_id":1102,"shamela_page_id":284,"part":"1","page_num":303,"sequence_num":284,"body":"الصغير، فوجب أن تعصم دماء المشركين البالغين من باب أولى، وهذا باطل.\rوإن أُريد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها أيضًا؛ فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان (¬١).\rوأما القول: \"وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً، ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّزوا\".\rفجوابه أن يقال: إن أُريد بهذا أنهم خُلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر؛ فهذا فاسد لوجهين:\rالأول: أنه لا فرق حينئذ بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب، فعليه كان ينبغي أن يذكر الإسلام كذلك.\rالثاني: أن الفطرة على قولهم قابلة للمدح والذم على السواء، وما كان كذلك لم يستحق مدحًا ولا ذمًا لذاته، والفطرة ممدوحة لذاتها في الشرع لأن النبي ﷺ شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق، وشبه النقص الحاصل لها بالجدع، ولأن الله ﷾ أمر بلزومها كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وهذا هو","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٥)، وشفاء العليل (٢/ ٧٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050442,"book_id":1102,"shamela_page_id":285,"part":"1","page_num":304,"sequence_num":285,"body":"الذي يشعر به ظاهر الكلام.\rوإن أُريد به أنهم ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار والإيمان على الكفر بما فيها من قبول واستعداد، ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن هذه الفطرة، فيقال لهم: هذا القبول والاستعداد، هل هو كاف في حصول المعرفة، أم أن حصولها يتوقف على مؤثر خارجي، فإن كان الأول فقولهم صحيح، وإن كان الثاني فهو باطل لوجهين:\rالأول: أن هذا المؤثر يمكن أن يوجد تارة وينعدم أخرى، وإذا انعدم انعدمت المعرفة، وهذا لا يصح، لأن النبي ﷺ عمم الفطرة في جميع بني آدم، ولأنه لم يذكر لموجب المعرفة شرطًا، بل ذكر موانعه.\rالثاني: أن هذا المؤثر الخارجي يمتنع أن يكون مؤثرًا بذاته، وإنما هو سبب، فعندئذ إن وجب حصول المعرفة فإنما وجبت بالسبب وإن فقدت فلعدمه، وهذا فاسد؛ لأن في الفطرة قبول الكفر والإنكار إذا وجد من يعلمها ذلك، فلا فرق حينئذ بين الإيمان والكفر والمعرفة والإنكار، لأن في الفطرة قوة قابلة لكم منهما وحصول أحدهما متوقف على السبب الخارجي، وهذا باطل (¬١).\rوأما جواب ما استدلوا به من أدلة:\rالدليل الأول: جوابه أن يقال: هذا دليل على أن الفطرة هي الإسلام، لأنه شبه التهويد والتنصير بتغيير الخلقة، فدل على أن ضدهما - وهو الإسلام -","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٤٤ - ٤٤٦)، وشفاء العليل (٢/ ٨١٦ - ٨٢٢).\rوقد جعل شيخ الإسلام ﵀ أصل كل من هذه الجزئيتين قولًا، مستقلًّا. انظر (٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥ و ٤٤٢)، وتابعه على ذلك ابن القيم ﵀. انظر: شفاء العليل (٢/ ٧٩١ و ٨١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050443,"book_id":1102,"shamela_page_id":286,"part":"1","page_num":305,"sequence_num":286,"body":"هو الخلقة الأولى، يوضحه أن النبي ﷺ لم يذكر لموجب الفطرة شرطًا بل اقتصر على ذكر ما يمنعها دون ذكر شرط لها؟\rالدليل الثاني إلى السادس: جوابه ما تقدم في الرد المجمل في المعنى المراد بكون المولود على الفطرة.\rالقول الثاني: أن المراد بالفطرة في الحديث: البَدْأَة التي ابتدأهم عليها؛ فالله ﷾ قد ابتدأهم للحياة والموت والشقاء والسعادة وغير ذلك مما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم واعتقادهم (¬١).\rوهذا القول رواية عن أحمد تركها (¬٢)، وهو قول ابن المبارك (¬٣)، وهو المفهوم من صنيع مالك في الموطأ (¬٤).\rومن الأدلة عليه:\rأولًا: أن الفطرة في كلام العرب البَدْأَة، والفاطر: المبدئ والمبتدئ، ومنه أثر ابن عباس ﵄: \"لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها\" (¬٥).\rفوجب أن يكون المراد بها هنا: ما ابتدأه الله عليه من السعادة والشقاوة وغير ذلك مما يصير إليه.","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٨ - ٨٠)، ودرء التعارض (٨/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، وشفاء العليل (٢/ ٧٩١ - ٧٩٢).\r(¬٢) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٩)، ودرء التعارض (٨/ ٣٨٩).\r(¬٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\r(¬٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٩).\r(¬٥) تقدم تخريجه ص (٢٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050444,"book_id":1102,"shamela_page_id":287,"part":"1","page_num":306,"sequence_num":287,"body":"ثانيًا: قوله ﷿: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠]\rعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال: \"إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم، مؤمنًا وكافرًا\" (¬١).\rوعن أبي العالية ﵀ قال: \"عادوا إلى علم الله فيهم\" (¬٢).\rوعن محمد بن كعب ﵀ قال: \"من ابتدأ الله خلقه على الشقوة صار إلى ما ابتدأ الله خلقه عليه؛ وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، ومن ابتدئ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه؛ وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم\" (¬٣).\rثالثًا: قول علي ﵁: \"جبار القلوب على فطراتها، شقيها وسعيدها\" (¬٤).\rوالجواب عن هذا القول أن يقال: حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه، وهو ضعيف لوجوه:\rالأول: أنه يلزم عليه أن كل مخلوق من إنس وجن وشجر وحجر فهو","footnotes":"(¬١) رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٦٢)، وابن جرير (١٠/ ١٤٢).\r(¬٢) رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٦٣)، وابن جرير (١٠/ ١٤٣).\r(¬٣) رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٦٣)، وابن جرير (١٠/ ١٤٣).\r(¬٤) رواه الطبراني في الأوسط (٩/ ٤٣) ح (٩٠٨٩)، وابن أبي شيبة (١٠/ ١٠٧) ح (٣٠٠١٢) ولا يصح، انظر: الضعيفة (٦٥٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050445,"book_id":1102,"shamela_page_id":288,"part":"1","page_num":307,"sequence_num":288,"body":"مخلوق على الفطرة، لأنها كلها صائرة إلى ما سبق في علم الله لها، وهذا باطل لأن النبي ﷺ خصصه ببني آدم.\rالثاني: أن النبي ﷺ ذكر تغيير الأبوين للفطرة، ولو كان المراد بها ما سبق في علم الله للمولود لم يكن لذكر التغيير معنى، لأن الأبوين حينئذٍ لم يغيِّرا الفطرة، بل فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، والنبي ﷺ مثل ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت، فيبين أن أبويه غيَّرا ما ولد عليه.\rالثالث: أنه لو كان المراد بالفطرة ما سبق في علم الله للمولود؛ لم يكن ثم فرق بين التهويد والتنصير، وبين تلقين الإسلام وتعليمه وبين تعليم سائر الصنائع فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم.\rالرابع: أن النبي ﷺ خص الفطرة في حال الولادة، ولو كان المراد بالفطرة ما سبق في علم الله للمولود؛ لم يكن ثم فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان فإنه من حين كان جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص.\rالخامس: أنه جاء عن النبي ﷺ ما يدل أن المراد بالفطرة الإسلام كما تقدم، وهذا يرد كون الفطرة هي القدر السابق (¬١).\rوأما جواب ما استدلوا به من أدلة:\rالدليل الأول: جوابه أن يقال: كون الفطرة في اللغة البداءة لا ينافي أن يولد المولود على فطرة الإسلام، فيكون المراد: أن المولود يبتدئ أمره أن يكون على الفطرة، ثم التغيير قد يطرأ عليها فيما بعد.","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وشفاء العليل (٢/ ٧٩١ - ٧٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050446,"book_id":1102,"shamela_page_id":289,"part":"1","page_num":308,"sequence_num":289,"body":"وتفسير البداءة في الحديث بالبداءة بالسعادة والشقاوة لا يُسَلم، مع الاتفاق على سبق السعادة والشقاوة.\rالدليل الثاني: جوابه أن يقال: هذه الآية في إثبات علم الله ﷾ والقدر السابق، لا في الفطرة.\rوما نقل عن ابن عباس ومحمد بن كعب وأبي العالية وما يتضمنه من إثبات القدر فهذا حق، لكن ليس ما ذهبوا إليه هو المراد بها (¬١).\rالدليل الثالث: جوابه أنه ضعيف لا يثبت عن علي ﵁ (¬٢).\rالقول الثالث: أن المراد بالفطرة في الحديث: أن الله ﷾ فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا جميعًا: بلى، فأما أهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاء فقالوا بلى كرهًا لا طوعًا (¬٣).\rوهو قول إسحاق بن راهويه كما يأتي النقل عنه، والأزهري (¬٤).\rومن الأدلة عليه:\rأولًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤١١ - ٤١٣).\r(¬٢) فهو من طريق سلامة الكندي عنه، ورواية سلامة عنه مرسلة كما نص عليه أبو حاتم والعلائي والهيثمي. انظر: الجرح والتعديل (٤/ ٣٠٠) رقم (١٣٠٨)، وجامع التحصيل (١٩٣) رقم (٢٧٤)، ومجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٤) رقم (١٧٣٠٦).\r(¬٣) انظر: التمهيد (١٨/ ٨٣ - ٨٨)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٣ - ٤١٧)، وشفاء العليل (٢/ ٨٠١ - ٨٠٣).\r(¬٤) انظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٣٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050447,"book_id":1102,"shamela_page_id":290,"part":"1","page_num":309,"sequence_num":290,"body":"أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].\rقال إسحاق بن راهويه: \"أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال: انظروا، ألا تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم\" (¬١).\rوروى السدي (¬٢) عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، قالوا: \"لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منها ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذَّر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك قوله أصحاب اليمين والشمال، ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ألست بربكم قالوا: بلى، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقية، فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قالوا فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه\".\rثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا","footnotes":"(¬١) التمهيد (١٨/ ٨٤).\r(¬٢) ساقه ابن عبد البر بإسناده إلى السدي، انظر: التمهيد (١٨/ ٨٥ - ٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050448,"book_id":1102,"shamela_page_id":291,"part":"1","page_num":310,"sequence_num":291,"body":"وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣].\rثالثًا: قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠].\rرابعًا: حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (¬١).\rقال إسحاق ﵀: \"وكان الظاهر ما قال موسى: أقتلت نفسًا زاكية (¬٢)؟ فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها، لأنه كان قد طبع يوم طبع كافرًا\" (¬٣).\rوقال ﵀: \"فلو ترك النبي ﵇ الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين، لأنهم لا يدرون ما جُبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين لهم النبي ﷺ حكم الطفل في الدنيا فقال: (أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) يقول: أنتم لا تعرفون ما طُبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين كافرين أُلحق بحكمهما، ومن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين ألحق بحكمهما، وأما إيمان ذلك وكفره - مما يصير إليه - فعلم ذلك إلى الله، ويُعلم ذلك فضل الخضر موسى (¬٤) إذ أطلعه الله","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٢٩٥).\r(¬٢) كذا بالألف، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: حجة القراءات (٤٢٤).\r(¬٣) التمهيد (١٨/ ٨٦).\r(¬٤) كذا في المطبوع، ولعل الصواب: \"ويُعلم بذلك فضل الخضر على موسى\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050449,"book_id":1102,"shamela_page_id":292,"part":"1","page_num":311,"sequence_num":292,"body":"عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك العلم\" (¬١).\rخامسًا: حديث عائشة ﵂ قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه! قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) (¬٢).\rوالجواب عن هذا القول أن يقال: إن أريد بكونه مفطورًا على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان: أن الله قد سبق في علمه أنهم ينكرون ويعرفون، ويكفرون ويؤمنون فهذا حق، لكن ليس هو المراد بالحديث.\rوإن أريد أن الإنكار والمعرفة، والكفر والإيمان كانت موجودة حين أخذ الميثاق، كما هو ظاهر قول إسحاق فإن كان هذا حقًا فهو مؤكد لكونهم وُلدوا على المعرفة والإنكار، وهذا مؤكد كذلك لكونهم ولدوا حنفاء أو على الملة.\rوأما القول بأنهم انقسموا إلى طائع وكاره فهذا مشكل لأن الآثار في هذا الباب تدل على التسوية بين الناس في الإقرار.\rوإن ثبت فلا يقدح في كون المولود مفطورًا على المعرفة بربه، لأن فيه أن المعرفة عامة، لكن منهم من أقر بها كارهًا، وكرهه لا يقدح في صحة معرفته، بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره لكن لا يقر به إلا كارهًا.","footnotes":"(¬١) التمهيد (١٨/ ٨٧).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٥٠) ح (٢٦٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050450,"book_id":1102,"shamela_page_id":293,"part":"1","page_num":312,"sequence_num":293,"body":"على أن هذا لا يسلم لأن الله ﷾ جعل هذا الإقرار حجة عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]، ولو كان فيهم كاره لاحتج بأنه قال ذلك كرهًا، فلا تقوم عليه الحجة (¬١).\rوأما جواب ما استدلوا به من أدلة:\rالدليل الأول: جوابه ما تقدم آنفًا.\rالدليل الثاني: جوابه هذه الآية ليست في الفطرة بل هي في الإسلام الموجود بعد خلقهم، لدليل ما تقدم من أن الله ﷾ احتج بالإقرار الأول عليهم.\rالدليل الثالث: تقدم الكلام عليه، وأن الآية هي في إثبات علم الله ﷾ والقدر السابق، لا في الفطرة.\rالدليل الرابع: فالمراد به كتب وختم، وهذا من طبع الكتاب وهو من التقدير، وأما الإقرار الوارد في الآية فليس طبعًا، لأنه ليس بتقدير.\rوسبب إشكال هذا اللفظ عليهم أن كثيرًا من الناس يستعمل الطبع في الطبيعة التي بمعنى الجبلة والخلقة (¬٢).\rوفي توجيه هذا الحديث أربعة مسالك:\rالأول: أن هذا الغلام بالغ، ويدل عليه قراءة ابن عباس ﵄ للآية:","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٢١ - ٤٢٤).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٢٦ - ٤٢٧ - ٣٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050451,"book_id":1102,"shamela_page_id":294,"part":"1","page_num":313,"sequence_num":294,"body":"\"وأما الغلام فكان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين\" (¬١).\rوهو مدفوع بأنه ورد في بعض ألفاظ قصة موسى مع الخضر قوله ﷺ: (ولو أدرك) (¬٢)، وهذا دليل على أنه لم يدرك بعد، وكذا قوله ﷺ: (فمر بصبي يلعب مع الصبيان) (¬٣).\rالثاني: أن يقال لعل التكليف في تلك الشريعة يكون قبل الاحتلام عند قوة عقل الصبي وكمال تمييزه، إما عمومًا أو في التوحيد ومعرفة الله ﷾ كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه.\rالثالث: أنه قُتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، فيكون من باب قتل الصائل.\rالرابع: أن كفر الصبي كان ظاهرًا وليس من باب الغيب، وعليه فلا إشكال، ولا يَرِد ما قاله إسحاق ﵀ (¬٤).\rالدليل الخامس: جوابه: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن المولود يفطر على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، وإنما فيه أنه لا يشهد لكل معيَّن من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق أن أطفال المؤمنين في الجملة في الجنة، كما يشهد للمؤمنين مطلقا أنهم في الجنة ولا يشهد لمعيَّن بذلك إلا من شهد له النبي ﷺ (¬٥).","footnotes":"(¬١) رواها ابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٨٠) رقم (١٢٩٢٤).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر ﵇ (٤/ ١٨٤٧) ح (٢٣٨٠).\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، حديث الخضر مع موسى ﵉ (٤/ ١٥٥) ح (٣٤٠١).\r(¬٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٨٩ - ٩٠)، ودرء التعارض (٨/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، شفاء العليل (٢/ ٨٠٧ - ٨٠٩).\r(¬٥) انظر: طريق الهجرتين (٢/ ٨٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050452,"book_id":1102,"shamela_page_id":295,"part":"1","page_num":314,"sequence_num":295,"body":"القول الرابع: أن المراد بالفطرة في الحديث: الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذَّر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا وإن سماه بغير اسمه، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول.\rقالوا: وليست تلك المعرفة بإيمان ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب، فطرة ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية والخضوع تصديقًا بما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة وهو به عارف (¬١).\rوهو قول أبي بن كعب ﵁، وحماد بن سلمة - كما يأتي النقل عنهما -، وابن قتيبة (¬٢)، وابن بطة (¬٣).\rومن الأدلة عليه:\rأولًا: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].\rثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٠ - ٩٣)، درء التعارض (٨/ ٣٥٩ و ٤٣٧ - ٤٣٨)، وشفاء العليل (٢/ ٧٩١ و ٨١٥).\r(¬٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٥٩).\r(¬٣) انظر: الإبانة (٢/ ٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050453,"book_id":1102,"shamela_page_id":296,"part":"1","page_num":315,"sequence_num":296,"body":"عن أبي بن كعب ﵁ قال: \"جمعهم جميعًا فجعلهم أزواجًا ثم صورهم ثم استنطقهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، قال: فإني سأرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا برسلي وصدقوا بوعدي، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي. قال فأخذ عهدهم وميثاقهم. . . قال: وهو قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] \" (¬١).\rعن حجاج بن المنهال قال: سمعت حماد بن سلمة يفسر حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) قال: \"هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم، حيث قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى\" (¬٢).\rوالجواب عن هذا القول أن يقال: هذا القول موافق للقول الراجح الذي عليه جمهور السلف، وليس بينهما تنافٍ، إلا أنه اشتمل على زيادة عليه، وهي أن ذلك كان قبل الولادة حين استخرجوا من صلب آدم.\rوقولهم \"وليست تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار بإيمان\": صحيح، لأن الإيمان الشرعي هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وأما المعرفة","footnotes":"(¬١) رواه الحاكم (٢/ ٣٢٤)، وعبد الله (زوائد المسند) (٣٥/ ١٥٥) ح (٢١٢٣٢)، والفريابي (٦٠) ح (٥٢) و (٦٢) ح (٥٣)، وابن جرير (١٠/ ٥٥٧)، وابن بطة (١/ ٣١٤) ح (١٣٣٧) من طرق عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب ﵁، وهذا إسناد حسن، وقد صحح الحديث: الحاكم، وحسنه الألباني في تعليقه على المشكاة ح (١٢٢).\r(¬٢) رواه أبو داود: كتاب السنة، باب في ذراري المشركين (٥/ ٦٠) ح (٤٧١٦)، وهو صحيح، انظر: صحيح أبي داود ح (٤٧١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050454,"book_id":1102,"shamela_page_id":297,"part":"1","page_num":316,"sequence_num":297,"body":"والإقرار الحاصلان بالفطرة فلا يترتب عليهما ثواب ولا عقاب، بل يتوقف ذلك على إرسال الرسل، فمن سلمت فطرته عن المعارض فآمن فله الثواب، ومن لا فكفر فعليه العقاب.\rالقول الخامس: أن المراد بالفطرة في الحديث: ما قضاه الله وقدره لعباده من أول أحوالهم إلى آخرها، سواء كانت حالًا واحدة لا تنتقل، أو حالًا بعد حال، أي ما يقلب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء؛ فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمنًا، وقد يؤمن ثم يكفر فيموت كافرًا، وقد يكفر ثم لا يزال على كفره حتى يموت عليه، وقد يكون مؤمنًا حتى يموت على الإيمان، وذلك كله تقدير الله وفطرته لهم (¬١).\rومن الأدلة عليه:\rأولًا: قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩].\rأي: حالًا بعد حال، على ما سبق لهم في علم الله.\rعن مجاهد قال: قال ابن عباس: \" ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حاد، قال هذا نبيكم ﷺ\" (¬٢).\rثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتى؛ فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٣ - ٩٤).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب التفسير، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٦/ ١٦٨) ح (٤٩٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050455,"book_id":1102,"shamela_page_id":298,"part":"1","page_num":317,"sequence_num":298,"body":"ويموت مؤمنًا) (¬١).\rوالجواب عن هذا القول أن يقال: حقيقة هذا القول أنهم ولدوا على ما سبق في علم الله أنهم يصيروا إليه، وهو راجع إلى القول الثاني، وتقدم الرد عليه.\rوما استدلوا به من أدلة إنما يدل على هذا القدر، على أن حديث أبي سعيد لا يصح تفرد به علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف كما تقدم (¬٢).\rقال ابن عبد البر ﵀: \"وهذا القول وإن كان صحيحًا في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة، والله أعلم\" (¬٣).\rهذه هي أقوال أهل السنة في معنى الفطرة (¬٤)، والله أعلم.\rفإذا علم أن كل مولود من بني آدم يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، وأن الصواب في معنى الفطرة أنها الإسلام؛ فالناس معها على صنفين:\rالأول: من عاش حتى بلغ، وهم قسمان:\r- من اختار الإسلام على الكفر.\r- من اختار الكفر على الإسلام.\rالثاني: من مات قبل البلوغ، وهم قسمان كذلك:\r- من كان من أبوين مسلمين، وهم: أطفال المسلمين.","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٢٩٥).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٢٩٥).\r(¬٣) التمهيد (١٨/ ٩٤).\r(¬٤) قال ابن عبد البر ﵀ عقب سياقه لهذه الأقوال: \"فهذا ما انتهى إلينا عن العلماء أهل الفقه والأثر - وهم الجماعة - في تأويل حديث رسول الله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) \" التمهيد (٨/ ٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050456,"book_id":1102,"shamela_page_id":299,"part":"1","page_num":318,"sequence_num":299,"body":"- من كان من أبوين كافرين، وهم: أطفال المشركين.\rفالصنف الأول لا إشكال فيه من جهة معارضة الفطرة، لأنهما بلغا الاختيار، ثم الفطرة سلمت عن المعارض في الأول فوقع موجبها، ولم تسلم في الثاني فانتفى موجبها.\rوأما الصنف الثاني؛ فالقسم الأول لاحق بالقسم الأول من الصنف الأول، وحكي الإجماع عليه (¬١).\rوأما القسم الثاني: فهو محل الإشكال.\rوصورة هذا الإشكال: أن أولاد المشركين ولدوا على الفطرة، فهم عليها حتى تعرب عنهم ألسنتهم، فإذا ماتوا كان القياس أنهم من السعداء لكونهم على الإسلام، فإذا لم يكونوا كذلك؛ فكيف يقدر الله ﷾ الشقاء على من لم يعرب عنه لسانه مع كونه على فطرة الإسلام؟\rوقد وُجدت نصوص يفهم منها أنهم أشقياء، مثل حديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) (¬٢).\rوالجواب الجامع على هذا الإشكال هو قول النبي ﷺ: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وفي لفظ: (الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم) (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد (٦/ ٣٤٨)، وشرح مسلم للنووي (١٦/ ٤٢٣) والفتاوى الكبرى (٥/ ٥٣٥).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (٢٩٥).\r(¬٣) رواه مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٤٩) ح (٢٦٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050457,"book_id":1102,"shamela_page_id":300,"part":"1","page_num":319,"sequence_num":300,"body":"فالله ﷿ الذي خلقهم هو أعلم بهم، ويعلم ما كانوا سيكونون عليه لو بلغوا، ولهذا فالصواب في مسألة أطفال المشركين أن يجاب فيها بجواب رسول الله ﷺ: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، فلا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار بل هم ينقسمون بحسب ما يظهر من العلم فيهم إذا كلفوا يوم القيامة في العرصات.\rوهذا قول جميع أهل السنة والحديث حكاه الأشعري عنهم في كتابي الإبانة والمقالات (¬١)، وحكاه محمد بن نصر المروزي في كتابه في الرد على ابن قتيبة (¬٢).\rوقد جاءت بذلك الأحاديث، ومن ذلك:\rحديث الأسود بن سريع ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (أربعة يوم القيامة؛ رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (¬٣).\rوحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أربعة","footnotes":"(¬١) انظر: الإبانة (١٢)، والمقالات (١/ ٣٤٩).\r(¬٢) نقله عنه ابن القيم في أحكام أهل الذمة (٢/ ١١٣٩).\r(¬٣) رواه أحمد (٢٦/ ٢٢٨) ح (١٦٣٠١)، وابن حبان (١٦/ ٣٥٦) ح (٧٣٥٧) من طريق معاذ بن هشام قال حدثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع ﵁ به، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٤٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050458,"book_id":1102,"shamela_page_id":301,"part":"1","page_num":320,"sequence_num":301,"body":"كلهم يدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هرمًا، ورجل أصم أبكم، ورجل معتوه، فيبعث الله إليهم ملكًا رسولًا فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم نارًا ثم يقول: اقتحموها. فمن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لا؛ حقت عليه كلمة العذاب) (¬١).\rوروي نحو هذا أيضًا من حديث أنس وأبي سعيد الخدري ومعاذ بن جبل ﵃ (¬٢).\rفهذه الأحاديث تدل دلالة صريحة على أن أطفال المشركين يمتحنون يوم القيامة ليظهر علم الله ﷾ فيهم.\rوفي أطفال المشركين مذاهب أخر ليس هذا محل بسطها ومناقشتها (¬٣)، إلا أن هذا القول هو الذي تعضده الأدلة الصحيحة، وهو أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنزل جميع الأحاديث، وهو الذي تدل عليه الأصول المعلومة بالكتاب والسنة (¬٤).\rوبهذا الجواب يزول الإشكال، ويظهر أنه لا تنافي بين تقدير الشقاء على بعض أولاد المشركين وبين كونهم على الفطرة، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٦/ ٢٣٠) ح (١٦٣٠٢)، وابن أبي عاصم (١/ ٢٢٨) ح (٤١٣)، وإسحاق بن راهويه (١/ ٤٤٥) ح (٥١٤)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٤٠٤).\r(¬٢) انظر: الصحيحة ح (٢٤٦٨).\r(¬٣) انظر هذه الأقوال في أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٦ - ١١٥٨).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٤٧)، ودرء التعارض (٨/ ٤٣٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١١٣٧ - ١١٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050459,"book_id":1102,"shamela_page_id":302,"part":"1","page_num":321,"sequence_num":302,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rلم يخالف في ثبوت الفطرة، وكون الرب سبحانه خلق عباده عليها أحد من المنتسبين للإسلام، وإنما اختلفوا في تفسير هذه الفطرة، وبعض الخلاف واقع في تفسيرها بين أهل السنة - كما تقدم -.\rفذهبت المعتزلة إلى أن المراد بالفطرة أن الله سبحانه يخلق العبد قابلًا للأمرين، من غير أن يكون فيه ميل لأحدهما، وأنه هو الذي يختار الكفر أو الإيمان فيضل أو يهتدي، وأن الله لا يضله ولا يهديه.\rفهم متفقون على أنه لا يولد أحد على الإسلام ولا على ضده، بل المسلم أحدث لنفسه الإسلام والكافر أحدث لنفسه الكفر، ولكن الله دعاهما إلى الإسلام، وأزاح عللهما وأقدرهما قدرة تصلح للضدين، ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان منه (¬١).\rقال القاضي عبد الجبار: \"فإن قيل: أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه: (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)؟ قلنا: هذا الخبر يدل على صحة ما نذهب إليه ولا تعلق لكم بهذا الخبر، ففيه أن كل مولود يولد على الفطرة، ومن مذهبكم أن بعض المولودين يولدون على الفطرة والبعض الآخر يولدون على الكفر، فكيف يصح قولكم ذلك؟ وفيه أيضًا أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، ومن مذهبكم أنه تعالى المتولي كل ذلك، وأنه على الحقيقة يهوده ويمجسه وينصره. ثم نقول: إن المراد بالخبر أن أبويه يلقنانه اليهودية والنصرانية","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050460,"book_id":1102,"shamela_page_id":303,"part":"1","page_num":322,"sequence_num":303,"body":"والتمجس لا أنه يصير ذلك\" (¬١).\rومذهبه هذا ومذهب أسلافه كان سببًا لتفسير بعض السلف لحديث الفطرة بالقدر السابق، قال شيخ الإسلام ﵀: \"وإنما قال الأئمة ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة؛ لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليست بقدر الله بل مما فعله الناس، لأن كل مولود يولد خلقه الله على الفطرة، وكفره بعد ذلك من الناس. . . فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية\" (¬٢).\rوقول المعتزلة باطل من وجوه ثلاثة:\rأولهما: أن القرآن قد دل على أن المراد بها الدين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].\rوقد فهم أبو هريرة ﵁ هذا منها، ففي الصحيحين عنه أنه قال بعد روايته للحديث: \"واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (¬٣).\rالثاني: أن النبي ﷺ بيَّن أن المراد بالفطرة الإسلام، كما في حديث الأسود بن سريع المتقدم وفيه قوله ﷺ: (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام) (¬٤).","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٤٨٢ - ٤٨٣).\r(¬٢) درء التعارض (٨/ ٣٦٢).\r(¬٣) تقدم تخريجه ص (٢٩٠).\r(¬٤) تقدم تخريجه ص (٢٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050461,"book_id":1102,"shamela_page_id":304,"part":"1","page_num":323,"sequence_num":304,"body":"وكما في بعض روايات حديث أبي هريرة ﵁: (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة)، و (إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه) (¬١).\rوقد أوَّل القاضي عبد الجبار المراد بالفطرة في الآية إلى \"أنه خلق جميع العباد للطاعة والقيام بالدين، على خلاف ما تقوله المجبرة، وذلك أن فطرة الله هي دينه لأنه خلقهم لأجلها وفطرهم لها، فلما فطر الخلق لذلك وصف نفس الدين بأنه فطرة\" (¬٢)، وتأويله هذا مردود بتصريح النبي ﷺ بكون الفطرة الإسلام، وبإجماع السلف - ومنهم الصحابي أبو هريرة ﵁ صاحب الحديث - على أن المراد بها في الآية: الإسلام (¬٣)، وقد تقدمت الأدلة على ترجيح كون المراد بالفطرة الإسلام (¬٤).\rالثالث: أن مبناه على إنكارهم أن الله سبحانه يهدي ويضل، وإنكارهم أن يكون للرب سبحانه على العبد المطيع نعمة خاصة أعانه بموجبها على الطاعة، وهذان المذهبان باطلان - كما سيأتي في موضعه - فما بني عليهما فهو باطل.\rوإنكار المعتزلة كون العبد مفطورًا على الإسلام، وتأويلهم لأحاديث الفطرة جرَّهم إلى القول بأن معرفة الله سبحانه ليست فطرية، بل هي حاصلة بالنظر، ولذلك أوجبوا النظر، وجعلوه أول الواجبات.\rقال القاضي عبد الجبار: \"إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجهما ص (٢٩٢).\r(¬٢) متشابه القرآن (٥٥٦).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٢٩٠).\r(¬٤) انظر ما تقدم ص (٢٩٠) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050462,"book_id":1102,"shamela_page_id":305,"part":"1","page_num":324,"sequence_num":305,"body":"عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر\" (¬١).\rوهذا الوجوب عنده عيني، حيث يقول: \"الغرض بقولنا إن النظر أول الواجبات: أنه أول واجب لا ينفك أحدٌ من المكلفين عنه\" (¬٢).\rوقد تابع المعتزلة على هذا الأصل: الأشاعرةُ؛ إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في: هل أول واجب هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو أول النظر، أو المعرفة (¬٣).\rوكل من النظر والقصد إليه حكيا عن الأشعري (¬٤).\rوهذا الخلاف بينهم لفظي كما بيَّنه التفتازاني: \"اختلفوا في أول الواجبات، فقيل معرفة الله تعالى لأنها الأصل، وقيل النظر فيها أو القصد إليه لتوقفها عليه، والحق أنه إن قيد الواجب بما يكون مقصودًا في نفسه فالأول، وإلا فالثاني\" (¬٥).\rوممن قرر ذلك أيضًا الرازي (¬٦) والبيجوري (¬٧)، واشتط بعضهم فزعم أن أول واجب على العبد الشك، كما ذهب إليه الغزالي (¬٨)، وأبو هاشم","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٣٩)، وانظر: (٧٥) منه، والمحيط بالتكليف (١/ ١٧).\r(¬٢) المحيط بالتكليف (١/ ١٩).\r(¬٣) انظر مثلًا: الشامل (١١٥) والإرشاد (٣) كلاهما للجويني، والإنصاف (٢١) للباقلاني، وتحفة المريد (٨٢)، والمقاصد مع شرحه (١/ ٢٧١).\r(¬٤) انظر: تحفة المريد (٨٢).\r(¬٥) المقاصد مع شرحه (١/ ٢٧١).\r(¬٦) انظر: المحصل ص (٤٧).\r(¬٧) تحفة المريد (٨٣)، وانظر: درء التعارض (٧/ ٣٥٣).\r(¬٨) انظر: ميزان العمل (٤٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050463,"book_id":1102,"shamela_page_id":306,"part":"1","page_num":325,"sequence_num":306,"body":"الجبائي من المعتزلة (¬١).\rوقد أنكر مقالةَ الأشاعرة هذه بعضُ أئمتهم، يقول الشهرستاني: \"فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت - بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها - على صانع حكيم عالم قدير، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك\" (¬٢)، فهو يرى أن معرفة الله فطرية لا تحتاج إلى نظر واستدلال.\rوممن أنكر هذه المقالة أيضًا: أبو جعفر السُّمْنَاني (¬٣)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وقد نقل القدوة أبو محمَّد بن أبي جَمْرة (¬٤) عن أبي الوليد","footnotes":"(¬١) انظر: المواقف للإيجي (٣٢)، وشرح المقاصد (١/ ٢٧٢)، ودرء التعارض (٧/ ٤١٩).\r(¬٢) نهاية الإقدام (١٢٤).\r(¬٣) هو: أبو جعفر، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد السمناني الحنفي الأشعري، قاضي الموصل، مات بالموصل سنة (٤٤٤ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢١٧)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥١).\r(¬٤) هو: أبو محمد، عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، من العلماء بالحديث، مالكي، أصله من الأندلس، من كتبه: \"جمع النهاية\"، و\"بهجة النفوس\"، وله مختصر على البخاري، مات بمصر سنة (٦٩٥ هـ). =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050464,"book_id":1102,"shamela_page_id":307,"part":"1","page_num":326,"sequence_num":307,"body":"الباجي عن أبي جعفر السمناني - وهو من كبار الأشاعرة - أنه سمعه يقول: إن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب\" (¬١).\rوإنما قال ذلك لكون هذا القول لا يتوافق مع أصول الأشعرية القاضية بأنه لا واجب إلا بالشرع (¬٢).\rوالقول بإيجاب النظر وأن معرفة الله غير فطرية باطل من وجوه:\rالأول: أن النصوص الشرعية دلت على فطرية المعرفة وأنها لا تتوقف على النظر، ومن ذلك ما تقدم في أدلة الفطرة.\rالثاني: أن الدعوة إلى عبادة الرب سبحانه كانت أول ما يدعو الرسل إليهم أقوامهم، كما أخبر بذلك الله عنهم في كتابه، ومن ذلك:\rقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] و [هود: ٥٠].\rوقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] و [هود: ٦١].\rوقوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] و [هود: ٨٤] ونحوها من الآيات.","footnotes":"= انظر: طبقات الأولياء (٤٣٩)، والأعلام للزركلي (٤/ ٨٩).\r(¬١) فتح الباري (١/ ٧١)، وانظر: (١٣/ ٣٤٩) منه.\r(¬٢) انظر: درء التعارض (٨/ ١٢ - ١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050465,"book_id":1102,"shamela_page_id":308,"part":"1","page_num":327,"sequence_num":308,"body":"وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\rالثالث: أن النبي كان يأمر رسله الدعاة بالبداءة بالتوحيد، مثل ما في حديث معاذ في بعث النبي له إلى اليمن، فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا نحو اليمن قال له: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا؛ فاخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك؛ فخذ منهم وتَوَقَّ كرائم أموال الناس) (¬١).\rالرابع: أن إنكار فطرية المعرفة لم يؤْثر عن أحد من أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها.\rفتحصل أن هذا القول محدَث لا أصل له في النصوص وكلام السلف، بل قد اتفق السلف على خلافه.\rقال شيخ الإسلام ﵀ عنه: \"ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين ولا هو قول كل المتكلمين ولا","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ (٩/ ١١٤) ح (٧٣٧٢)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١/ ٥٠) ح (١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050466,"book_id":1102,"shamela_page_id":309,"part":"1","page_num":328,"sequence_num":309,"body":"غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام ابتدعه متكلمو المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم، وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم، وقالوا بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال، بل قد يقولون يمتنع أن يحصل بالقياس والنظر وهذا قول جماهير الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والعامة وغيرهم، بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا تقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة\" (¬١).","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٥٧٠ - ٥٧١)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ١١٧ - ١١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050467,"book_id":1102,"shamela_page_id":310,"part":"1","page_num":329,"sequence_num":310,"body":"الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بأفعال الله ﷿ -\rوتحته خمسة مباحث:\rالمبحث الأول: \"الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء\".\rالمبحث الثاني: \"كلٌ ميسرٌ لما خلق له\".\rالمبحث الثالث: \"الله سبحانه منزَّة عن الظلم مع قدرته عليه\".\rالمبحث الرابع: \"قدر الله - الذي هو فعله - لا شر فيه بوجه من الوجوه\".\rالمبحث الخامس: \"أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050468,"book_id":1102,"shamela_page_id":311,"part":"1","page_num":331,"sequence_num":311,"body":"المبحث الأول: \"الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050469,"book_id":1102,"shamela_page_id":312,"part":"1","page_num":333,"sequence_num":312,"body":"المبحث الأول: \"الله سبحانه جَبَل العباد على ما شاء\"\rهذه أولى القواعد المتعلقة بأفعال الله ﷾، وتتضمن بيان خلق الله ﷿ لإرادات عباده، وجعلهم راضين بها مختارين لها.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال الزَّبيدِي ﵀ (¬١): \"أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر ويخلق، ويجبل عبده على ما أحبه\" (¬٢).\rوقال الأوزاعي ﵀: \"ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) هو: أبو الهذيل، محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي القاضي، الإمام الحافظ الحجة، ولد في خلافة عبد الملك، كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث وكان ثقة، مات سنة (١٤٩ هـ)، وقيل غير ذلك.\rانظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٧٢٣)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٨١).\r(¬٢) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٥٥) رقم (٩٣٢)، واللالكائي (٤/ ٧٧٥) رقم (١٣٠٠).\r(¬٣) المصدرين السابقين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050470,"book_id":1102,"shamela_page_id":313,"part":"1","page_num":334,"sequence_num":313,"body":"وقال سفيان الثوري ﵀: \"الله ﷿ جبل العباد\" (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٥٣) رقم (٩٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050471,"book_id":1102,"shamela_page_id":314,"part":"1","page_num":335,"sequence_num":314,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.\rفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] فأخبر ﷿ أنه خلق الإنسان على هذه الصفة.\rوقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].\rوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].\rومن السنة: حديث أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدها زارع - وكان في وفد عبد القيس - قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبي ﷺ ورِجْله، قال: وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عَيْبَتَه (¬١) فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي ﷺ فقال له: (إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، قال: يا رسول الله، أنا أتخلَّق بهما، أم الله جَبَلني عليهما؟ قال: (بل الله جَبَلك عليهما)، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله (¬٢).","footnotes":"(¬١) العَيْبَة: وعاء من أدَم، يضع الرجل فيها خير ثيابه وخير متاعه وأنفسه عنده. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ١٥٧)، ولسان العرب (٢/ ١٢٥)، مادة: (عيَب).\r(¬٢) رواه بهذه السياقة أبو داود: كتاب الأدب، باب قُبْلة الرِّجْل (٥/ ٢٤٨) ح (٥٢٢٥)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ح (٥٢٢٥) دون ذكر تقبيل الرجل.\rورواه من حديث الأشج ﵁ أحمد (٢٩/ ٣٦١) ح (١٧٨٢٨)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٨٠) ح (٢٥٧٣٠) عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأشج به، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (١٩٠) على شرط الشيخين. =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050472,"book_id":1102,"shamela_page_id":315,"part":"1","page_num":336,"sequence_num":315,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالجَبْلُ في اللغة مأخوذ من مادة (جَبَل)، يقال: جَبَل الله الخلق يجبُلهم جَبْلًا، أي: خلقهم، وجُبل الإنسان على هذا الأمر أي طُبع عليه، وجِبِلَّة الشيء: طبيعته وأصله وما بُني عليه (¬١).\rوهذا المعنى اللغوي هو المراد في لسان الشرع، فمعنى جبْل الله ﷾ للعباد: خلْقُهم؛ ذواتهم وأفعالهم، وما أودعه في نفوسهم من طبائع وصفات.\rلكن المقصود في هذه القاعدة شيء خاصٌّ من هذا العموم، وهو خلق الله ﷿ لإرادات عباده من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية.\rوأما خلق الأفعال فسيأتي الكلام عليه مفصَّلًا في قاعدةٍ مستقلةٍ.\rوسبب الكلام في هذه المسألة عند الأئمة ﵏ هو أن القدرية - الذين أنكروا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه ﷾ هو خالق أفعال العباد - ألزموا مخالفيهم بالقول بأن الله ﷾ يجبر العباد على أفعالهم، فالتزم بعض من ناظرهم من أهل السنة إطلاق الجبر في حق الله ﷿، ونفاه بعضهم وأطلقوا أن الله ﷾ لا يجبر العباد على أفعالهم، فأنكر الأئمة - كما سيأتي - ذلك على الطائفتين (¬٢).\rوأصل الجواب في هذه المسألة هو أن لفظ (الجبر) لفظ مجمل، يراد به","footnotes":"= ورواه بدون لفظ الشاهد: مسلم من حديث ابن عباس ﵄ ح (٢٥)، ومن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ح (٢٦).\r(¬١) انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٩٥)، لسان العرب (٥/ ١٠٢)، مادة: (جَبَل).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (١/ ٢٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050473,"book_id":1102,"shamela_page_id":316,"part":"1","page_num":337,"sequence_num":316,"body":"معنىً صحيحًا ومعنىً باطلًا، ولا سبيل إلى تقرير المعنى الحق ورد المعنى الباطل إلا بالرجوع إلى لفظ شرعي صحيح، وهذا اللفظ هو (الجبل)، فلا يقال: الله ﷾ جبر العباد، ولا يقال: لم يجبرهم، وإنما يقال: جَبَل العباد.\rوبيان ذلك: أن لفظ الجَبْر - الذي هو بمعنى الإكراه والقهر (¬١) - يراد به معنيان مختلفان (¬٢):\rالأول: إلزام الإنسان بخلاف رضاه، إما بإكراهه على فعل ما لا يريده، أو بمنعه مما يريده، ثم قد يكون هذا الإلزام بحق، وقد يكون بباطل.\rومثال هذا القسم: إجبار الولي المرأةَ - التي تحت ولايته - على النكاح بغير رضاها، أو عضلها ومنعها عن الكفء.\rالثاني: خلق الإرادة في قلب العبد وجعله مريدًا لذلك مختارًا محبًّا له راضيًا به، وخلقه متصفًا بهذه الصفات.","footnotes":"(¬١) وللجبر معنيان آخران سوى هذا المعنى: أحدهما يرجع إلى الإصلاح، يقال جَبَر العظم، لازمًا ومتعديًا، ومنه قول العجاج:\rقد جَبَر الدينَ الإلهُ فجَبَر … وعوَّر الرحمن من ولَّى العَوَر\rوالثاني: يرجع إلى العز والامتناع، ومنه الجبَّار من النخل، وهو ما طال وفات الأيدي، قال الأعشى:\rطريقٌ وجبَّارٌ رواءٌ أصولُه … عليه أبابيلٌ من الطير تنعَبُ\rانظر: تهذيب اللغة (١١/ ٥٧)، ولسان العرب (٥/ ١٨٢)، مادة: (جَبَر).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (١/ ٦٥ - ٦٩)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٢ - ٤٦٥)، وشفاء العليل (١/ ٣٨٥ - ٣٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050474,"book_id":1102,"shamela_page_id":317,"part":"1","page_num":338,"sequence_num":317,"body":"ومن ذلك قول قتادة ﵀: \"الجبار: جبر خلقه على ما يشاء\" (¬١)، وقول محمد بن كعب القرظي ﵀: \"إنما يسمى الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أراد\" (¬٢).\rوالجبر بهذا المعنى تصح إضافته إلى الله ﷾، بل لا يقدر عليه غيره، فهو ﷿ المتفرد بالخلق وتدبير العباد وقلوب العباد بين إصبعين من أصابعه كقلب واحد، يقلبها كيف شاء، فمعنى هذا الجبر: القهر والقدرة، وأنه ﷾ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومن قهره وقدرته ﷾ أنه يجعل العبد محبًّا مريدًا فاعلًا لما يشاؤه منه، إما مع محبته واختياره، وإما مع بغضه وكرهه.\rوالجبر من الله ﷾ على هذا المعنى - مختص به - كما تقدم -، وهو مبني على عدله ﷾، وصادر عن علمه الشامل وحكمته البالغة (¬٣)، وأما على المعنى الأول فلا يصح أن يوصف به الله ﷾، لأن الذي يكره غيره على خلاف ما يريد؛ هو عاجز في الحقيقة عن جعله مريدًا للفعل محبًا له راضيًا به، والله ﷾ على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء.\rفلأجل هذا الاشتباه في معنى الجبر منع الأئمة من إطلاق القول بالنفي أو الإثبات فيه، وعدلوا عنه إلى اللفظ الشرعي الصحيح وهو: الجبْل.","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير (٢٢/ ٥٥٤).\r(¬٢) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٥٧) رقم (٩٣٥ و ٩٣٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٨٩) رقم (٤٨).\r(¬٣) انظر للفروق بين الجبر بهذا المعنى وبين جبر المخلوق: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٥)، وشفاء العليل (١/ ٣٨٧ - ٣٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050475,"book_id":1102,"shamela_page_id":318,"part":"1","page_num":339,"sequence_num":318,"body":"كما روى الخلال عن بقية ﵀ قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: \"أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحبه\".\rوقال الأوزاعي: \"ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ، إنما وصفت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق (¬١) \" (¬٢).\rفالزبيدي نفى الجبر بناء على المشهور من معناه وهو الإكراه، وأما الأوزاعي فلم يثبته ولم ينفه، بل منع من إطلاقه وعدل عنه إلى ما ذَكر، ولهذا كان جواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي، مع كون جوابيهما من أحسن الأجوبة (¬٣).\rوروى الخلال كذلك (¬٤) عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: رجل يقول: إن الله جبر العباد؟ فقال: \"هكذا لا تقول\" وأنكر هذا، وقال: \"يضل من يشاء ويهدي من يشاء\".\rوروى أيضًا عنه (¬٥) قال: \"سمعت بعض المشيخة تقول: سمعت","footnotes":"(¬١) العبارة في كتاب السنة: \"وإنما وضعت كلاهما مذكورة هذا مخافة أن يرتاب رجل من الجماعة والتصديق\"! وتصويبها من شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.\r(¬٢) السنة (٣/ ٥٥٥) رقم (٩٣٢)، ورواه أيضًا: اللالكائي (٤/ ٧٧٥) رقم (١٣٠٠).\r(¬٣) انظر: درء التعارض (١/ ٦٩)، ومنهاج السنة (٣/ ٢٤٦).\r(¬٤) السنة (٣/ ٥٥٠) رقم (٩٢٠).\r(¬٥) المصدر السابق (٣/ ٥٥٣) رقم (٩٢٩)، وقد بوَّب الخلال لهذه الآثار وغيرها: \"الرد على القدرية وقولهم إن الله جبر العباد على المعاصي\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050476,"book_id":1102,"shamela_page_id":319,"part":"1","page_num":340,"sequence_num":319,"body":"عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكره سفيان الثووي: جبر، وقال: الله ﷿ جبل العباد\"، قال أبو بكر المروذي: \"أظنه أراد قول النبي ﷺ لأشج عبد القيس\" (¬١).\rوعدول الأئمة إلى لفظ (الجبل) له ثلاثة أسباب:\rالأول: شرعيته، فالجبل لفظ جاء به النص، كما في حديث أشجّ عبد القيس ﵁ المتقدم.\rالثاني: سلامته من الاشتباه والإجمال، فالمعاني التي يدور عليها هذا اللفظ كلها يصح إضافتها إلى الله ﷾.\rالثالث: شموله للمعنى الدال على المراد، وهو أن الله ﷿ يخلق إرادات عباده للخير والشر، ويطبعهم على ذلك، ويجعلهم فاعلين مريدين لما يشاؤه منهم.\rوهذا الباب له ارتباط وثيق بباب الهدى والإضلال، فالله ﷾ يخلق الهدى في قلب عبده المؤمن وييسره لليسرى، ويخلق الضلال في قلب الفاجر، وييسره للعسرى.\rولهذا عدل الإمام ﵀ كما تقدم - عن لفظ الجبر إلى قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].\rوقال زيد بن أسلم ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]: \"ما جبلوا عليه من شقوة وسعادة\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٣٣٥).\r(¬٢) رواه الفريابي في القدر (٩٠) رقم (١٠٥)، وابن جرير (٢١/ ٥٥٤)، وابن بطة (٢/ ٢٢٢) رقم (١٨٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050477,"book_id":1102,"shamela_page_id":320,"part":"1","page_num":341,"sequence_num":320,"body":"فجميع ما يقوم به العبد من أفعال الخير؛ فإنما قام بها لهداية الله ﷾ له إليها، وجميع ما يقوم به من خلاف ذلك فهو لإضلال الله ﷾ له، وعدم توفيقه للخير.\rفالحاصل أن الله ﷾ خلق عباده وطبعهم على ما شاء، وجعل في قلوبهم إرادة ما يشاؤه منهم، وذلك لكمال عزته وقهره ونفوذ مشيئته، مع ما اتصف به من علم شامل وحكمة بالغة، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050478,"book_id":1102,"shamela_page_id":321,"part":"1","page_num":342,"sequence_num":321,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rلما كانت هذه القاعدة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببابي خلق الأفعال والهدى والإضلال؛ فإن المخالف فيهما مخالف فيها على وجه الإجمال، إلا أن هذه القاعدة مختصة ببيان أن الرب سبحانه يخلق الاختيار والمشيئة في قلب العبد ويجعله شائيًا مختارًا محبَّا.\rوهذا القدر خالف فيه عموم المخالفين لأهل السنة، فلم يقروا به، بل هم إزاء ذلك فريقان:\r- من ينكر أن يكون الله خالقًا لإرادة العبد أو مشيئته، ويجعلُ العبد هو المختار الشائي بمعزل عن مشيئة الرب وقدرته، وهم القدرية المعتزلة من شايعهم.\r- من يزعم أن الله سبحانه قد أجبر العبد على فعله، وأنه لا مشيئة له ولا اختيار؛ بل هو كالريشة في مهب الريح، وهؤلاء الجبرية الخلص وهم الجهمية.\rويلحق بهم من زعم أن العبد كاسب لفعله، وهؤلاء الجبرية المتوسطة وهم الأشاعرة، والأولون يقولون بالجبر على المعنى النفي عن الرب سبحانه وهو الذي بمعنى الإلزام بما لا يرضاه الأخر، كإجبار الرجل على ترك طعام أو فعل قبيح لا يرضى بفعله.\rفالمخالفون دائرون بين هذين الأمرين: الجبر المنفي عن الرب سبحانه، وضده من نفي مشيئة الرب وقدرته، وأما إثبات مشيئة للعبد واختيار مخلوق لله سبحانه في قلب العبد يحمله به على فعل ما يريد هو سبحانه؛ فلم يثبته غير أهل السنة، وسيأتي بإذن الله في مبحثي أفعال العباد تفصيل أقوال هؤلاء المخالفين وردها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050479,"book_id":1102,"shamela_page_id":322,"part":"1","page_num":343,"sequence_num":322,"body":"وفي هذه القاعدة مسألة أخرى سبق الكلام عليها المبحث الثاني من الفصل الأول، وهي مسألة توقيف الكلام في القدر على النصوص الشرعية، ومنه الالتزام بالألفاظ الشرعية وعدم العدول عنها إلى ألفاظ مجملة محتملة لحق وباطل، ويخالف فيها أهل البدع من المتكلمين على ما تقدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050480,"book_id":1102,"shamela_page_id":323,"part":"1","page_num":345,"sequence_num":323,"body":"المبحث الثاني: \"كل ميسر لما خلق له\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050481,"book_id":1102,"shamela_page_id":324,"part":"1","page_num":347,"sequence_num":324,"body":"المبحث الثاني: \"كل ميسر لما خلق له\"\rهذه القاعدة أصل جامع في باب القدر، تنتظم مسائل القدر والشرع والسبب والمسبب.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rهذه القاعدة هي نص حديث للنبي ﷺ كما سيأتي -، وقد تتابع أهل العلم على تقريرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050482,"book_id":1102,"shamela_page_id":325,"part":"1","page_num":348,"sequence_num":325,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.\rفمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].\rوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\rوقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨].\rومن السنة: حديث علي ﵁ قال: كان النبي ﷺ في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرض، فقال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة). قالوا: يا رسول الله، أفلا نتَّكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة؛ فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء؛ فييسر لعمل أهل الشقاوة) ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه بهذا اللفظ: البخاري: كتاب التفسير، سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٦/ ١٧١) ح (٤٩٤٩)، وقد تقدم تخريجه ص (٢٤١) بدونه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050483,"book_id":1102,"shamela_page_id":326,"part":"1","page_num":349,"sequence_num":326,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة هي نص حديث النبي ﷺ، ولها تعلق مباشر بعدد من أبواب القدر، من أهمها: باب الأسباب، وباب الحكمة، وباب الهدى والضلال.\rوهي على وجه العموم قد انتظمت الشرع والقدر والسبب والمسبب (¬١).\rكما أن لها تعلقًا متينًا بالقاعدة السابقة: \"الله ﷾ جبل العباد على ما شاء\"، وذلك أن جبل الله ﷾ للعباد - كما تقدم - خلْقُ ذواتهم وأفعالهم، ومن ذلك خلق إراداتهم من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية، وهذا مشتمل على التيسير لليسرى، والتيسير للعسرى، فتكون هذه القاعدة أخص منها.\rولهذا وضع بعض أهل العلم لفظ (التيسير) مكان لفظ (الجبل)، بديلًا للفظ (الجبر) المبتدَع، كما صنع الإمام ابن القيم ﵀ (¬٢).\rوأما ارتباطها بباب الهدى والضلال، فلأن التيسير لليسرى - في الحقيقة - هو الهدى، والتيسير للعسرى هو الضلال.\rوأما ارتباطها بباب الحكمة، فلأن الله ﷾ يعلم المحل الذي يصلح لفضله وكرامته وعطائه، من المحل الذي لا يصلح لذلك، وحكمته ﷾ تأبى وضع الشيء إلا في المكان الذي يصلح له، فالله ﷾ علم من بعض خلقه صلاحيتهم لفضله فيسرهم لأسباب السعادة، وعلم من بعضهم عدم ذلك فيسرهم لخلافها.\rوأما ارتباطها بباب الأسباب، فلأن الله ﷿ يعلم الأمور على ما هي عليه؛","footnotes":"(¬١) انظر: التبيان في أيمان القرآن (١٠٠)، وانظر (٨٨) منه.\r(¬٢) التبيان في أيمان القرآن (٩٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050484,"book_id":1102,"shamela_page_id":327,"part":"1","page_num":350,"sequence_num":327,"body":"فهو يعلم أن السعيد يسعد بأسباب السعادة التي هي الأعمال الصالحة، والشقي يشقى بأسباب الشقاء وهي الأعمال السيئة، فمن كان سعيدًا يُسِّر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة، ومن كان شقيًا يُسِّر للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة، وكلاهما ميسر لما خلق له (¬١).\rوقول النبي ﷺ: (كل ميسر لما خلق له)، أجاب به في عدة مواطن على سؤال تكرر من عدد من الصحابة ﵃، ومضمون هذا السؤال: هو أنه إذا كان قد سبق القدر بالسعادة والشقاوة، فما فائدة العمل؟ فمن كتبه الله من أهل السعادة فسيصير لها، ومن كتبه من أهل الشقاوة فكذلك سيصير لها.\rفأجاب النبي ﷺ بهذا الأصل الكلي المتضمن لأصول أربعة:\rالأول: إثبات الأسباب، ببيان أن كلًّا من السعادة والشقاوة إنما تنال بأسبابها.\rالثاني: إثبات القدر السابق، وأنه لا تنافي بينه وبين كون الإنسان له قدرة على فعله وله اختيار.\rالثالث: أن هذا عام في كل مخلوق، بدلالة لفظ: (كلّ).\rالرابع: أن من الناس من خلق للسعادة، ومنهم من خلق للشقاء، فلم يخلقوا كلهم للسعادة ثم منهم من اختار الشقاء.\rوقد ورد حديث أبي حميد الساعدي ﵁ بلفظ: (أجملوا في طلب الدنيا، فإن كلًّا ميسرٌ لما كتب له منها) (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٣ - ٢٤).\r(¬٢) رواه ابن ماجه كتاب التجارات، باب الاقتصاد في المعيشة (٣/ ٥١٢) ح (٢١٤٢)، =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050485,"book_id":1102,"shamela_page_id":328,"part":"1","page_num":351,"sequence_num":328,"body":"فعليه يكون هذا الحديث عامًا في أمور الدنيا والآخرة، ويكون التيسير من الله ﷾ للعبد شاملًا لتيسيره لأسباب آخرته ومآله، ولتيسيره لأسباب دنياه ومعاشه.\rومعنى تيسير الله ﷾ للعبد: أي تهيئته وصرفه وتسهيله، أي أن الله ﷿ يُلهم عبده العمل الذي قدره له ويُهيئ له أسبابه (¬١).\rوهذا التيسير نوعان - كما في الحديث -:\r- تيسير لليسرى، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، وأصل اليسرى: الخَلَّة والحالة السهلة النافعة المهيأة للعبد، وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة، وذلك يتضمن التيسير للخير وأسبابه، فتصير خصالهما مَذلَّلة له منقادة لا تستعصي عليه (¬٢).\rوقد ذكر ﷾ للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب:\rالأول: إعطاء العبد ما أمره الله ﷿ به، وهذا متضمن فعل العبد لجميع ما أمر الله ﷾ به، من اعتقاد وقول وعمل، ويدل على العموم حذفه للمفعول، فلم يعين مفعولًا بعينه بل أطلق.","footnotes":"= والحاكم (٢/ ٣)، من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري، عن أبي حميد الساعدي ﵁، وصححه الألباني في الصحيحة ح (٨٩٨).\r(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٨).\r(¬٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٤٦٦)، الهداية إلى بلوغ النهاية (١٢/ ٨٣١٢)، التبيان في أيمان القرآن (٩٥ - ٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050486,"book_id":1102,"shamela_page_id":329,"part":"1","page_num":352,"sequence_num":329,"body":"الثاني: التقوى، وهي فعل المأمور وترك المحظور.\rالثالث: التصديق بالحسنى، وهو التصديق با لإيمان وجزائه، وعلى هذا تدور تفاسير السلف للحسنى (¬١).\rوعند التأمل يلاحظ عود هذه الأسباب الثلاثة إلى سبب واحد وهو التقوى، فالعمل بالمأمور من قول أو عمل أو اعتقاد مع اجتناب ضده هو حقيقة التقوى، ويدخل في ذلك التصديق بخبر الله ﷾، ومن ذلك التصديق بما وعد الله من ثواب دنيوي جزئي، أو أخروي كامل.\rلذلك فقد علق الله ﷿ التيسير عليها وحدها في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، والله أعلم.\rوالتيسير لليسرى يختلف قوة وضعفًا بحسب تحقيق العبد لهذه الأسباب.\r- تيسير للعسرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]، العُسرى: هي الخَلَّة والحالة العسرى، وذلك بالعمل بالمعاصي، وهذا يتضمن التيسير للشر وأسبابه.\rوقد ذكر ﷾ في مقابل ما ذكره من أسباب التيسير لليسرى - ثلاثة أسباب للتيسير للعسرى:\rالأول: البخل وعدم إعطاء ما أُمر به العبد.","footnotes":"(¬١) للسلف في تفسير (الحسنى) أقوال، أوصلها بعضهم إلى ستة، وحصرها ابن القيم في ثلاثة: لا إله إلا الله، والجنة، والخَلَف، وكل ما ذكر في تفسيرها يرجع إلى الإيمان وجزائه، فمن فسرها بلا إله إلا الله؛ فقد فسرها بالإيمان والدين، ومن فسرها بالجنة أو بالخَلَف؛ فقد فسرها بجزاء الإيمان؛ الجزاء الأعلى في الأول، ونوعًا من الجزاء في الثاني. انظر: تفسير القرطبي (٢٢/ ٣٢٤)، زاد المسير (٩/ ١٤٩)، التبيان في أيمان القرآن (٩١ - ٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050487,"book_id":1102,"shamela_page_id":330,"part":"1","page_num":353,"sequence_num":330,"body":"الثاني: الاستغناء وترك التقوى.\rالثالث: التكذيب بالحسنى.\rوالتيسير للعسرى - كذلك - يختلف قوةً وضعفًا بحسب قيام العبد بأسبابه، حتى يصل إلى التعسير المطلق الذي تنسدُّ معه كل أبواب الخير، وتفتح كل أبواب الشر، عياذًا بالله ﷾.\rوكل من (اليسرى) و (العسرى) فُسِّرتا بالجزاء وأسبابه، ففسرت اليسرى بالجنة وبالخير، وفسرت العسرى بالنار والشر (¬١).\rلذا، فإن للتيسير في كل منهما يكون للجزاء وسببه، مع دفع معارضه، بحسب وجود أسباب كل منهما.\rوالمراد بقول النبي ﷺ في الحديث: (لما خُلق له) أي لما قدره الله ﷾ وكتبه أن يصير إليه من سعادة وشقاوة، وجنة ونار، فمن خلقه للسعادة يسره لها ولأسبابها فضلًا منه ﷾، ومن خلقه للأخرى يسره لها ولأسبابها عدلًا منه ﷾، وهو الحكيم في كل ما يقوله ويفعله.\rوالمقصود أن الله سبحانه ييسر عباده لما شاء من يسر أو عسر بإلهامه هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته جل وعلا، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: زاد المسير (٩/ ١٤٩ - ١٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050488,"book_id":1102,"shamela_page_id":331,"part":"1","page_num":354,"sequence_num":331,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rيخالف أهلَ السنة في هذه القاعدة من يخالفهم في باب الأسباب، وباب الحكمة، وباب الهدى والضلال؛ لما تقدم من العلاقة بينها وبين هذه القاعدة، إذ هذه القاعدة من القواعد الجامعة في باب القدر.\rفهذا المعنى الذي تضمنته القاعدة وهو كون الرب سبحانه ييسر عباده لما شاء من يسر أو عسر بإلهامه هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته جل وعلا؛ إنما أقر به أهل السنة فقط.\rوالمخالفة البارزة مخالفة القدرية المعتزلة؛ فإنهم لما كانوا يرون أن الله سبحانه لا يضل أحدًا ولا يهديه؛ فإنهم يجعلون التيسير هو البيان من الله وإزالة الموانع، والتمكين من الأمرين، لكن التيسير لليسرى يكون بألطاف من الله - مع ذلك - تحمل على الطاعة، والتيسير للعسرى يكون بالحرمان من تلك الألطاف.\rقال القاضي عبد الجبار: \"المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ أعلمها وبين لها الفجور لتجتنب ذلك، والتقوى لتُقدِم عليها\" (¬١).\rوقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]: \"المراد باليسرى: الثواب العاجل والآجل، وبالعسرى: العقاب العاجل والآجل. . . ويحتمل أن يكون المراد فيمن صدق بالحسنى: تيسيره للألطاف التي لأجلها يثبت على الإيمان، وفيمن كذب الحسنى تيسيره لأمور","footnotes":"(¬١) تنزيه القرآن عن المطاعن (٤٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050489,"book_id":1102,"shamela_page_id":332,"part":"1","page_num":355,"sequence_num":332,"body":"لأجلها يفضل الثبات على ما هو عليه\" (¬١).\rوقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]: \"ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما\" (¬٢).\rوقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]: \"فسنهيؤه لها، من يسَّر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها، ومنه قوله ﵇: (كل ميسر لما خلق له) والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها\".\rوقال في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]: \"فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشدَّه\" (¬٣).\rوما ذهبوا إليه باطل، إذ أن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على ثبوت هداية الله لخلقه وإضلالهم، وسيأتي ذكر شبه المعتزلة والرد عليها في مبحث الهدى والضلال، كما سيأتي في مبحث النعمة الخاصة ذكر مرادهم باللطف والتوفيق والرد عليه بإذن الله.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٤٦٥).\r(¬٢) الكشاف (٦/ ٣٨٢).\r(¬٣) المصدر السابق (٦/ ٣٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050490,"book_id":1102,"shamela_page_id":333,"part":"1","page_num":357,"sequence_num":333,"body":"المبحث الثالث: \"الله سبحانه منزَّه عن الظلم، مع قدرته عليه\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050491,"book_id":1102,"shamela_page_id":334,"part":"1","page_num":359,"sequence_num":334,"body":"المبحث الثالث: \"الله سبحانه منزَّه عن الظلم، مع قدرته عليه\"\rهذه القاعدة من القواعد المهمة في باب القدر، والبحث فيها هو في حقيقة الظلم الذي ينزه الله ﷿ عنه، وأنه داخل تحت قدرته ﷾.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال ابن قتيبة ﵀: \"وعدْل القول في القدر: أن تعلم أن الله عدل لا يجور\" (¬١).\rوقال ابن عبد البر ﵀: \"وحسب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة\" (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"فعُلم أن الله قادر على ما نزَّه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله. . . فعُلم أن الذي حرمه على نفسه هو أمر مقدور عليه لكنه لا يفعله؛ لأنه حرمه على نفسه، وهو سبحانه منزَّه عن فعله مقدس عنه\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"ومعلوم أن الله سبحانه حَكَمٌ عَدْلٌ لا يضع الأشياء إلا","footnotes":"(¬١) الاختلاف في اللفظ (٣٥).\r(¬٢) التمهيد (٣/ ١٣٩).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050492,"book_id":1102,"shamela_page_id":335,"part":"1","page_num":360,"sequence_num":335,"body":"مواضعها، ووضعها غير مواضعها ليس ممتنعًا لذاته، بل هو ممكن لكنه لا يفعله لأنه لا يريده، بل يكرهه ويبغضه؛ إذ قد حرَّمه على نفسه\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"فهذا الظلم الذي حرَّمه على نفسه هو ظلم بلا ريب، وهو أمر ممكن مقدور عليه، وهو سبحانه يتركه مع قدرته عليه بمشيئته واختياره لأنه عادل ليس بظالم\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١٨/ ١٤٥).\r(¬٢) المصدر السابق (١٨/ ١٥٦)، وانظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050493,"book_id":1102,"shamela_page_id":336,"part":"1","page_num":361,"sequence_num":336,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.\rأما أدلة الكتاب: فهي أنواع:\rالأول: نفيه ﷾ الظلم عن نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مواضع من كتاب الله ﷾ (¬١).\rوكقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].\rوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].\rالنوع الثاني: نفيه ﷾ إرادته له: كقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١].\rالنوع الثالث: تأمينه ﷾ العباد منه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].\rالنوع الرابع: إخباره ﷾ عن نفسه باتصافه بخلافه وهو العدل، تارة بالإخبار بالقيام به كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ","footnotes":"(¬١) آل عمران: (١٨٢)، والأنفال: (٥١)، والحج: (١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050494,"book_id":1102,"shamela_page_id":337,"part":"1","page_num":362,"sequence_num":337,"body":"وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وتارة بالإخبار بالحكم به كما في قوله ﷾: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٥٤]، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وغير ذلك.\rالنوع الخامس: نفيه ﷾ التسوية بين الطائعين والعاصين، كقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].\rوقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].\rوأما أدلة السنة: فحديث أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا. . .) (¬١).\rوفي هذا الحديث نوع آخر من الأدلة على نفي الظلم غير ما تقدم في أنواع أدلة القرآن، وهو: تحريمه سبحانه الظلم على نفسه.\rوحديث عبد الله بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: (إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) ح (٢٥٧٧)، من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر به. وفيه عقب الحديث: قال سعيد [يعني ابن عبد العزيز]: \"كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جَثا على ركبتيه\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050495,"book_id":1102,"shamela_page_id":338,"part":"1","page_num":363,"sequence_num":338,"body":"تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة؛ فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء) (¬١).\rوحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (تحاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابٌ أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله ﷿ من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ﷿ ينشئ لها خلقًا) (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (١٤٨)، وهو صحيح.\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب التفسير، سورة ﴿ق﴾ (٦/ ١٣٨) ح (٤٨٥٠)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٦) ح (٢٨٤٦)، وفي هذا الحديث دلالة أخرى على المقصود، وهي وضعه ﷾ الشيء في موضعه الذي يناسبه، وهذه حقيقة العدل.\rوقد أورد البخاري ﵀ هذا الحديث في كتاب التوحيد ح (٧٤٤٩) بلفظ: (ولكل واحدة منكما ملؤها؛ قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050496,"book_id":1102,"shamela_page_id":339,"part":"1","page_num":364,"sequence_num":339,"body":"وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة؛ يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها) (¬١).\rوحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم\" (¬٢).","footnotes":"= يشاء فيلقون فيها فتقول هل من مزيد، ثلاثًا حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ. . .)، وهذا اللفظ مشكل، لأن المعروف الذي اتفق عليه الشيخان أن الإنشاء يكون للجنة لا للنار. قال ابن القيم ﵀: \"وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة وأنه ينشئ للنار من يشاء فيلقى فيها فتقول: هل من مزيد؛ فغلط من بعض الرواة؛ انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده؛ فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، وأنه لا يعذب إلا من قامت عليه حجته وكذب رسله\". حادي الأرواح (٢/ ٨٠١)، وانظر (٢/ ٧٥٤) منه، وأنكر هذا اللفظ أيضًا: البلقيني، انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٣٧)، وانظر كلامًا مفصَّلًا نفيسًا حول هذا الحديث لابن الوزير في إيثار الحق (٢١٦ - ٢٢١).\r(¬١) رواه مسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا (٤/ ٢١٦٢) ح (٢٨٠٨).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (٣٨)، وهو صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050497,"book_id":1102,"shamela_page_id":340,"part":"1","page_num":365,"sequence_num":340,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة أصل عظيم يتعلق بالدين كله من أوله إلى آخره، قال شيخ الإسلام ﵀: \"وهذا الأصل - وهو عدل الرب - يتعلق بجميع أنواع العلم والدين؛ فإن جميع أفعال الرب ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله وشرائعه كتبه المنزلة وما يدخل في ذلك\" (¬١).\rولمادة (ظَلَمَ) في اللغة أصلان صحيحان:\rالأول: من الظُّلْمة، وهي خلاف النور، وجمعه ظُلَم وظلمات، والظلام اسم لها، يقال: أظلم المكان إظلامًا، فهو مظلم.\rالثاني: من الظُّلْم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلم يظلم ظلمًا، ومنه المثل السائر: من أشبهْ أباه فما ظَلَم (¬٢).\rقال الأصْمَعيَ ﵀ (¬٣): \"ما ظلم، أي: ما وضع الشبه في غير موضعه، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه\".\rوقد ذُكر للظلم معان أخرى ترجع إلى هذا الأصل:\rفقيل: الميل عن القصد، ومنه قولهم: الزم هذا الصوب ولا تظلم منه","footnotes":"(¬١) جامع الرسائل (١/ ١٢٥).\r(¬٢) انظر: مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٣٠٠).\r(¬٣) هو: أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع البصري، اللغوي الإخباري، حجة الأدب، ولسان العرب، ولد سنة بضع وعشرين ومئة، من تصانيفه: \"الإبل\" و\"خلق الإنسان\"، و\"الشاء\"، أثنى عليه الإمام أحمد في السنة، مات سنة (٢١٦ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٢/ ١٥٧)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050498,"book_id":1102,"shamela_page_id":341,"part":"1","page_num":366,"sequence_num":341,"body":"شيئًا، أي لا تَجُر عنه.\rوقيل: النقصان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، أي: ما نقصونا شيئًا بما فعلوا، ولكن نقصوا أنفسهم (¬١) (¬٢).\rوأما الظلم في الشرع فيرجع إلى الأصل اللغوي الثاني، وهو وضع الشيء في غير موضعه، وهو نوعان:\rأولهما: الظلم في حق المخلوق، وهو قسمان:\rالقسم الأول: ظلم النفس، وهو على حالتين:\rالأولى: ظلمها بتحميلها ما لا تطيق، بمشروع كصلاة ونحوها، أو بمباح كلهو ونحوه.\rالثانية: ظلمها بالذنوب والمعاصي، وهذا على ضربين:\r- ظلم أكبر، بالشرك الأكبر.\r- ظلم أصغر، بالذنوب التي دون الشرك.\rالقسم الثاني: ظلم الغير، بالاعتداء على دمه أو ماله أو عرضه، ونحو ذلك.\rثانيهما: الظلم في حق الخالق، والكلام عليه من خلال مسائل ثلاث:\rالأولى: معنى الظلم الذي حرمه الله على نفسه.\rالثانية: تنزه الله ﷾ عن الظلم.\rالثالثة: قدرة الله ﷾ على الظلم.","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٥٠٥).\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٣٨٢)، ومقاييس اللغة (٣/ ٤٦٨)، مادة: (ظلَم).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050499,"book_id":1102,"shamela_page_id":342,"part":"1","page_num":367,"sequence_num":342,"body":"المسألة الأولى: معنى الظلم الذي حرمه الله على نفسه.\rتفسير أهل السنة والجماعة للظلم موافق للسان العربي الذي نزل به القرآن العزيز، فيقولون: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ويفسرون الظلم المنفي عن الله ﷾ بما يرجع إلى هذا المعنى، ولهم في تفسيره أقوال، وهذه الأقوال هي في الحقيقة صور الظلم الممكن وقوعها، وهي:\rالأول: أن ينقص من حسنات العامل، أو يزاد عليه من سيئات غيره.\rوقد جاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، لا يخاف ظلمًا: بأن يحمل من سيئات غيره، ولا هضمًا: بأن يبخس شيئًا من حسناته.\rقال ابن عباس ﵄: \"لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته\" (¬١)، وجاء هذا التفسير عن عدد من السلف: مجاهد وقتادة والحسن رحمهم الله تعالى (¬٢).\rالثاني: عقوبة من لم يذنب.\rوقد جاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣٠، ٣١]، يبين لهم هذا المؤمن أن هذا العقاب لم يكن ظلما منه ﷾ لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولكنه","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير (١٦/ ١٧٦).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (١٦/ ١٧٦ - ١٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050500,"book_id":1102,"shamela_page_id":343,"part":"1","page_num":368,"sequence_num":343,"body":"أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، بالخبر في مواضع من كتاب الله ﷿ (¬٢)، وبالإنشاء في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨].\rالثالث: أن ينقص ثواب العمل.\rوجاء نفي هذا الظلم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].\rيخبر ﷿ أنه يلحق بالمؤمن ذريته الذين اتبعوه على الإيمان فيرفعهم إلى درجته وإن لم يعملوا مثل عمله لتقر بهم عينه، ثم أخبر ﷾ أنه لا يظلمه فلا ينقص لأجل ذلك من عمله شيئًا.\rقال سعيد بن جبير ﵀ في قوله ﷿: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾: \"وما ظلمناهم\" (¬٣)، ومثله عن قتادة والضحاك وابن زيد ﵏ (¬٤).\r\rالمسألة الثانية: تنزه الله ﷾ عن الظلم.\rتنزيه الله عن الظلم هو مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، والخلاف إنما هو في حقيقة هذا الظلم ومعناه (¬٥)، وقد تقدم تفسير الظلم ومعناه عند أهل السنة والجماعة.","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٣١٥ - ٣١٦)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤).\r(¬٢) الأنعام: (١٦٤)، الإسراء: (١٥)، فاطر: (١٨)، الزمر: (٧).\r(¬٣) رواه ابن جرير (٢١/ ٥٨٦).\r(¬٤) انظر: المصدر السابق.\r(¬٥) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢١ و ١٢٥)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٥٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050501,"book_id":1102,"shamela_page_id":344,"part":"1","page_num":369,"sequence_num":344,"body":"وقد دل على تنزه الله ﷾ عن الظلم - مع الإجماع - الكتاب والسنة والعقل.\rوقد تقدمت دلالة الكتاب والسنة على ذلك، وأما دلالة العقل، فمن وجوه:\rالأول: أن الظلم نقص وعيب بإجماع العقلاء من جميع الأمم، والله ﷾ منزه عن النقص، فوجب أن يكون الله ﷾ منزهًا عن الظلم.\rالثاني: أن العدل - وهو نقيض الظلم - صفة كمال ومدح، فوجب أن يكون الله ﷿ متصفًا بها؛ لأنه أحق وأولى بكل كمال (¬١).\rالثالث: أن الظلم شر بالإجماع، والشر ليس إليه ﷾، كما أخبر النبي ﷺ بذلك (¬٢).\rالرابع: أن الله ﷾ سمى ووصف نفسه بما يدل على تنَزُّهه عن الظلم.\rومن ذلك: تسميته نفسه بالحكم والحاكم والحكيم، ووصف نفسه بالحكمة.\rوأصل الحكم: المنع، وأوّل ذلك الحُكْم بمعنى المَنْع من الظُّلْم، ومن هنا قيل للحاكم بين الناس حاكم: لأنه يمنع الظالم من الظلم، والحكومة: رد الرجل عن الظلم (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (١٥٥).\r(¬٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٦)، والحديث المشار إليه رواه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ١٣٤) ح (٧٧١) من حديث علي ﵁.\r(¬٣) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ١١٠)، ومقاييس اللغة (٢/ ٩١)، مادة: (حكَم).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050502,"book_id":1102,"shamela_page_id":345,"part":"1","page_num":370,"sequence_num":345,"body":"قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، قال ابن كثير ﵀: \"أي: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يَجُور ولا يَظلم أحدًا؟ \" (¬١).\rومنه تسميته ﷾ نفسه بالسلام، ومن معانيه: الذي سلِم خلقه من ظلمه (¬٢).\rومنه تسميته ﷾ نفسه بالمؤمن، ومن معانيه: الذي أمَّن خلقه من أن يظلمهم (¬٣).\rومنه تسميته ﷾ نفسه بالمتكبِّر، ومن معانيه: الذي تكبَّر عن ظلم عباده (¬٤).\rقال ابن القيم ﵀: \"فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه\" (¬٥).\rومعنى تحريم الظلمِ الواردُ في حديث أبي ذر ﵁: المنع، أي منعت نفسي من الظلم، وهذا المنع هو حق أوجبه الله ﷾ على نفسه تفضلًا وتكرمًا بحكم وعده، وبما كتبه على نفسه من تحريم الظلم، وبموجب أسمائه وصفاته، لا أنه يجب عليه كما يجب على المخلوق (¬٦).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣٩٦).\r(¬٢) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥١)، وشأن الدعاء (٤١)، وتفسير القرطبي (٢٠/ ٣٩٠).\r(¬٣) انظر: تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥٢).\r(¬٤) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٢٧).\r(¬٥) شفاء العليل (٢/ ٥١٢).\r(¬٦) انظر: منهاج السنة (٢/ ٣١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050503,"book_id":1102,"shamela_page_id":346,"part":"1","page_num":371,"sequence_num":346,"body":"المسألة الثالثة: قدرة الله ﷾ على الظلم.\rتقدم في المبحث الثامن من الفصل الماضي بيان شمول قدرة الرب ﷾ لكل شيء، وأنه يدخل في ذلك ما عُلم أنه ﷿ لا يفعله، وتقدم كذلك بيان كون الممتنع ليس بشيء أصلًا بإجماع أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم، فأغنى عن إعادته هنا (¬١).\rومذهب أهل السنة والجماعة أن الظلم ممكن مقدور لله ﷾، وليس هو بممتنع، وقد دل على ذلك:\rأولًا: تمدحه ﷾ بتركه وعدم إرادته، ولو لم يكن مقدورا له لما كان لذلك التمدح معنى؛ لأن الأمر الذي لا يُقدر عليه لا يصح أن يُمدح الممدوح بتركه أو عدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرًا عليها (¬٢).\rبل لم يكتف الله ﷿ بالإخبار بنفي الظلم وأنه حرمه على نفسه ولم يرده، حتى نوَّع الأدلة على ذلك ما بين تأمين العباد منه، ونفيه ﷾ التسوية بين الطائع والعاصي؛ وهذا كله يدل على أن الظلم مقدور له.\rثانيًا: أن الله ﷾ أخبر أنه حرَّم الظلم على نفسه، وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته؛ فلا يصح أن يقال: حرمت على نفسي خلق مثلي، ونحو ذلك من المحالات، لأن المعنى حينئذ: أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدورًا لي لا أفعله.","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٢٧١ - ٢٧٢).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤)، وشفاء العليل (٢/ ٥١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050504,"book_id":1102,"shamela_page_id":347,"part":"1","page_num":372,"sequence_num":347,"body":"وهذا المعنى باطل، فهو مع خلوه من معنى يستفيده السامع، ليس فيه مدح ولا ثناء، وخطاب الله ورسوله ينزه عن إرادة مثل هذا المعنى (¬١).\rثالثًا: أن القدرة على الظلم صفة كمال وضدها نقص، والله ﷾ متصف بالكمال ومنزه عن النقص، فوجب أن يكون قادرًا عليه.\rرابعًا: أن الله ﷾ أثبت لنفسه الملك والحمد؛ الملكَ بكونه على كل شيء قدير، والحمدَ بأنه عادل لا يظلم، فمن نفى قدرته على الظلم فقد نفى ملكه، وكذب بما أخبر به عن ذلك، كما أن من نفى عدله وأثبت قدرته فقد أثبت له حمدًا بلا ملك (¬٢).\rومما يجب أن يُعلم أن أهل العلم قد نبَّهوا على مسألة مهمة، وهي أن الظلم المنفي عن الله ﷾ ليس هو الظلم المنفي عن الخلق (¬٣).\rومحل البحث فيما ظهر لي هو الصورة الثالثة من صور تفسير الظلم؛ لأن الظلم المنفي عن الله ﷾ هو - كما تقدم تفسيره - ثلاث صور:\rالأولى: أن ينقص من حسنات العامل أو يزيد عليه من سيئات غيره.\rالثانية: أن يعاقب من لم يذنب.\rالثالثة: أن ينقص ثواب العمل.\rوذلك أن المعنى المنفي في الصورتين الأولى والثانية واحد سواء أضيف إلى الخالق أو إلى المخلوق، لكن للخالق من ذلك ما يليق به، وللمخلوق ما يليق به.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٤).\r(¬٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠)، وشفاء العليل (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).\r(¬٣) منهاج السنة (٢/ ٣١٠ - ٣١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050505,"book_id":1102,"shamela_page_id":348,"part":"1","page_num":373,"sequence_num":348,"body":"وأما الصورة الثالثة فالمعنى مختلف، لأن المخلوق إنما يكون ظالمًا للعامل إذا استوفى منه المنفعة ثم هضمه أجره، فالأمر بينهما معاوضة؛ عمل مقابل الأجرة، وأما بالنسبة لله ﷿ فالأمر مختلف، لأن إثابة المطيع فضل منه ﷾ وإحسان وليس هو من قبيل المعاوضة، لأن الله ﷾ غني عن العباد وأعمالهم، فلو أطاعوه كلهم أو عصوه كلهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا ولم يزد.\rوقد أخبر النبي ﷺ بأن الأعمال ليست عوضًا لدخول الجنة، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (لن ينجي أحد منكم عمله)، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله، قال: (ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا) (¬١).\rوأيضا فالله ﷾ هو الذي أقدر العامل عل العمل ووفقه له ودفع عنه موانعه، ثم مَنَّ عليه بعد ذلك بأن حفظ له العمل من الحبوط، فالفضل له ﷾ أولًا وآخرًا.\rوالحاصل أن الله ﷿ يقدر على الظلم، إلا أنه ﷾ لكمال عدله وإحسانه لا يفعله، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (٨/ ٩٨) ح (٦٤٦٣)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (٤/ ٢١٦٩) ح (٢٨١٦).\rورواه كذلك البخاري في الموضع السابق (٨/ ٩٨) ح (٦٤٦٤)، ومسلم في الموضع السابق كذلك (٤/ ٢١٧١) ح (٢٨١٨) من حديث عائشة ﵂.\rورواه مسلم أيضًا في الموضع السابق (٤/ ٢١٧٠) ح (٢٨١٧)، من حديث جابر ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050506,"book_id":1102,"shamela_page_id":349,"part":"1","page_num":374,"sequence_num":349,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rتقدم أن تنزيه الله عن الظلم مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، والخلاف إنما هو في حقيقة هذا الظلم ومعناه.\rفذهبت الجبرية من جهمية وأشاعرة إلى أن الظلم ليس بممكن الوجود، بل هو الممتنع مثل الجمع بين الضدين، ومثل كون الشيء موجودًا معدومًا، وكل ممكن إذا قدر وجوده من الرب سبحانه فإنه عدل، فالعدل هو الممكن.\rقال البَاقِلاني (¬١): \"الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل، وإنما يكون كذبًا إذا خالف الأمر، وكذلك الجور والظلم، وهذا كله يصح الوصف به لمن فوقه آمر أمره، وناه نهاه، وهم الخلق. وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه، فلا يصح وصفه بشيء من هذا\" (¬٢).\rوقال الغزالي: \"الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار والعبث عن الريح، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فحلى ملك غيره، ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى، أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره، فلا يتصور من الإنسان أن يكون ظالمًا في ملك نفسه بكل ما يفعله إلا إذا خالف أمر الشرع، فيكون ظالمًا بهذا المعنى، فمن","footnotes":"(¬١) هو: أبو بكر، محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي، المعروف بالباقلاني، أو ابن الباقلاني الأشعري، من كتبه: \"الإنصاف\"، و\"التقريب والإرشاد\"، مات سنة (٤٠٣ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (٣/ ٣٦٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٠).\r(¬٢) الإنصاف (١٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050507,"book_id":1102,"shamela_page_id":350,"part":"1","page_num":375,"sequence_num":350,"body":"لا يتصور منه أن يتصرف في ملك غيره، ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره؛ كان الظلم مسلوبًا عنه لفقد شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه، فلتفهم هذه الدقيقة فإنها مزلة القدم، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك؛ فهو غير مفهوم ولا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات\" (¬١).\rوقال الآمدي: \"الظلم وكل صفة منقصة مسلوبةٌ عنه لامتناع اتصافه بها، وذلك على نحو سلب الظلم والعبث عن الحيوانات والجمادات وغير ذلك من النباتات؛ إذ الظلم يتصور ممن يصادف تصرفه ملك غيره من غير علمه، أو مخالفة من هو داخل تحت تصرفه وحكمه، وذلك كله منفي عن الباري تعالى\" (¬٢).\rوقال ابنُ المنيِّر (¬٣): \"ولا معنى للظلم إلا التصرف في ملك الغير بغير إذنه، والعباد ملك الله تعالى، فكيف يتصور حقيقة الظلم منه\" (¬٤).\rوقال الإيجي: \"وتصرفه تعالى فيما هو ملكه كيف كان لا يكون ظلمًا\" (¬٥).\rواحتج الأشاعرة لما ذهبوا إليه بأن الظلم إما التصرف في ملك الغير، وإما مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وكلاهما منتف عن الرب سبحانه؛ إذ كل","footnotes":"(¬١) الاقتصاد في الاعتقاد (١٨٣ - ١٨٤).\r(¬٢) غاية المرام في علم الكلام (٢١٣ - ٢١٤).\r(¬٣) هو أبو العباس، أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن مختار الإسكندري المالكي، المعروف بابن المنيِّر، الأشعري، ولد سنة (٦٢٠ هـ)، من كتبه: \"البحر المحيط\"، و\"الانتصاف من صاحب الكشاف\"، مات سنة (٦٨٣ هـ).\rانظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٤٩١)، وبغية الوعاة (١/ ٣٨٤).\r(¬٤) الانتصاف (بحاشية الكشاف) (٥/ ٣١٦)، وانظر: (١/ ١٦٦) منه.\r(¬٥) المواقف (٣٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050508,"book_id":1102,"shamela_page_id":351,"part":"1","page_num":376,"sequence_num":351,"body":"ما سوى الله سبحانه ملك له، وليس فوق الله تعالى آمر تجب عليه طاعته.\rوما ذهبوا إليه باطل من وجوه:\rالأول: أن الصواب في تعريف الظلم أنه وضع الشيء في غير موضعه - كما تقدم بيانه - لا ما ذكروا، وحصرهم للظلم في التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الواجب طاعته لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا لغة، بل قولهم مردود بالكتاب والسنة واللغة.\rالثاني: أن دعوى امتناع الظلم منه سبحانه غير صحيحة، بل الظلم ممكن إلا أن الله تنزَّه عنه، وقد تقدم بيان ذلك (¬١).\rالثالث: أن مذهب الأشاعرة في هذه المسألة مبني على مذهبهم الباطل في التحسين والتقبيح، وأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع ولا مدخل للعقل في ذلك، فعندهم لو أمر الشارع بالزنا والكفر لحسن ذلك، ولو نهى عن التوحيد والعفة لحسن ذلك لأمر الله ﷾، وعلى مذهبهم الباطل في نفي الحكمة والتعليل، وسيأتي بيان ضلالهم في هذين البابين، وما بُني على باطل فهو باطل.\rالرابع: أن التصرف في ملك الغير وكذا مخالفة الآمر الذي تجب طاعته ليس بظلم دائمًا، بل قد يكون هو العدل، وهذا بيِّن، ويدل للأول: ما جاء في الشرع من الحجر على مال السفيه؛ فإنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وليس ظلمًا باتفاق العقلاء بل عدل ومنفعة.\rويدل للثاني: حديث علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٣٧١ - ٣٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050509,"book_id":1102,"shamela_page_id":352,"part":"1","page_num":377,"sequence_num":352,"body":"سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا فجمعوا له، ثم قال أوقدوا نارًا فأوقدوا، ثم قال ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك وسكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها؛ إنما الطاعة في المعروف) (¬١)، فقد بيَّن النبي ﷺ وجوب الخروج عن الطاعة إذا كانت في غير المعروف.\rولا مجال للأشعرية بأن ينازعوا بأن هذه الأحكام ثبتت في الشرع، لأن الأول ممدوح عقلًا قبل ورود الشرع لتضمنه حفظ مال السفيه، والثاني كان فعل الصحابة فيه صائبًا قبل ورود الشرع، بدليل استدلالهم بالعقل، ثم جاء إقرار النبي ﷺ لهم.\rفهذان دليلان ومثالان على أن التصرف في ملك الغير ومخالفة الآمر قد يكونان عدلًا لا ظلمًا.\rوذهبت القدرية المعتزلة إلى أن الظلم مقدور لله تعالى، إلا أنهم جعلوا الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، إذ هم مشبهة في الأفعال.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٩/ ٦٣) ح (٧١٤٥)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٣/ ١٤٦٩) ح (١٨٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050510,"book_id":1102,"shamela_page_id":353,"part":"1","page_num":378,"sequence_num":353,"body":"وإنما كان الله سبحانه منزَّهًا عن الظلم عندهم لأن الظلم غير مراد له سبحانه، فهو - عندهم - لم يرد وجود شيء من الذنوب لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان ولا خلقه، بل العباد أحدثوا ذلك بغير مشيئته، فلما أحدثوا هذه المعاصي استحقوا العقوبة عليها، فعقوبتهم عندئذٍ ليست ظلمًا.\rفالإحداث ليس فعله، والعقوبة عليه عدل، ليست بظلم.\rوفرَّعوا على هذا أيضًا إنكار هداية الرب سبحانه لخلقه وإضلالهم، لأنه عندهم إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالمًا له، وكذلك إذا اختص بعض عباده بالإعانة دون بعض كان ظالمًا.\rقال القاضي عبد الجبار: \"اعلم أن الظلم كل ضرر لا نفع فيه ولا دفع ضرر، ولا استحقاق ولا الظن، للوجهين المتقدمين، ولا يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور به، ولا يكون في الحكم من جهة غير فاعل الضرر\" (¬١).\rفشروط الظلم عندهم:\r١) أن يكون ضررًا لا نفع فيه ولا دفع ضرر؛ إذ لا يكون ظالمًا من كلف أجيرًا بعمل مضر به في مقابل أجرة يحصل له بها نفع معلوم.\rولا يكون ظالمًا من أضر بأحد مضرة لدفع مضرة أكبر منها، كما يقطع الطبيب اليد المتآكلة إبقاء لحياة المريض.\r٢) أن يكون ضررًا غير مستحق، إذ لا يكون ظالمًا من أضر بعقوبة من يستحق هذه العقوبة، كذم الفاسق والكاذب، فإنهما مستحقان للذم.\r٣) أن يكون الضرر ليس من جهة المضرور به، إذ ليس بظالم من دفع","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٣٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050511,"book_id":1102,"shamela_page_id":354,"part":"1","page_num":379,"sequence_num":354,"body":"صائلًا بضربه والإضرار به، لأنه ضرر من جهة المضرور به.\rوهذا الشرط يمكن دخوله فيما تقدم، إذ المدفوع مستحق لأن يدفع ضره.\r٤) أن يكون الضرر من جهة غير فاعل الضرر، فلو أن الله سبحانه أمات صبيًا ألقي به في النار لا يكون ظالمًا له، لأن هذه الإماتة كأنها في هذا الحكم من غير جهة الله سبحانه.\rوعرَّفه القاضي عبد الجبَّار أيضًا مقابلًا له بضده: \"وقد عُلم أن الظلم هو ما يفعله بغيره من المضار القبيحة، فيجب أن يكون العدل ما يفعله الفاعل بغيره من المضار الحسنة وما يجري مجراها\" (¬١).\rولا فرق في هذا بين أن يكون النفع ودفع الضر ظنيًّا أو معلومًا (¬٢).\rوهذا المعنى هو المقصود في حق الله عندهم، فالقاضي يعرف العدل في حق الله فيقول: \"ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم؛ فالمراد به أنه لا يفعل القبيح ولا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأن أفعاله كلها حسنة\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"وأما في الاصطلاح، فإذا قيل إنه تعالى عدل؛ فالمراد به أن أفعاله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخلُّ بما هو واجب عليه\" (¬٤).\rوقولهم ما يفعله الفاعل بغيره مبني على قولهم في الحكمة وأنها راجعة إلى المخلوق ولا يعود لله منها وصف، إذ ما يفعله الفاعل بنفسه لا يوصف بكونه","footnotes":"(¬١) المغني للقاضي عبد الجبار (٦/ ٥٠).\r(¬٢) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٤٥ - ٣٤٦).\r(¬٣) المصدر السابق (٣٠١).\r(¬٤) المصدر السابق (١٣٢)، وانظر: (١٣٣) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050512,"book_id":1102,"shamela_page_id":355,"part":"1","page_num":380,"sequence_num":355,"body":"عدلًا ولا ظلمًا، قال القاضي عبد الجبار: \"فصل في بيان وصف الفعل بأنه عدل وحكمة وما يتصل بذلك.\rاعلم أن الذي يختص بهذه الصفة من الأفعال كل فعل فعله لينتفع المفعول به على وجه يحسن أو يضر به، وأما ما يفعله الفاعل منا بنفسه لمنفعة أو دفع مضرة فإنه لا يوصف بذلك\" (¬١).\rفمما تقدم يظهر أن المعتزلة أحسنوا في إثبات قدرة الرب على الظلم، ولكنهم أخطؤوا في مسألتين:\rالأولى: في حقيقة الظلم، فإنهم عرفوه بناءً على تشبيه أفعال الله بأفعال الخلق، وأنه يحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم.\rالثانية: جعلهم هذا دليلًا وحاملًا على إنكار خلق الله سبحانه لأفعال العباد، لأنه - بزعمهم - إذا كان خالقًا لها ثم عذبهم على القبيح منها فهو ظالم، وفي ذلك يقول القاضي: \"وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقًا لأفعال العباد: هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان الله تعالى خالقًا لها لوجب إن يكون ظالمًا جائرًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا\" (¬٢).\rولا شك في بطلان ما ذهبوا إليه في المسألتين، أما الثانية؛ فلأنه لا يلزم من كون الله خالقًا لأفعال العباد أن يكونوا غير فاعلين لها، أو أن يكونوا مجبورين عليها، بل للعبد قدرة ومشيئة على فعله والله خالقه وخالق قدرته ومشيئته وفعله، وسيأتي في مبحثي خلق الأفعال الرد عليهم في هذا.","footnotes":"(¬١) المغني للقاضي عبد الجبار (٦/ ٤٨).\r(¬٢) شرح الأصول الخمسة (٣٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050513,"book_id":1102,"shamela_page_id":356,"part":"1","page_num":381,"sequence_num":356,"body":"ومما يُردُّ عليهم به: أن الإجماع منعقد على أن الله قد خلق لهم الاستطاعة التي وقع بها منهم الظلم والكذب والجور مع علمه أنهم يظلمون بها، فيلزم على مذهبكم هذا أن يسمى بذلك ظالمًا ومعينًا على الظلم (¬١).\rومما يُردُّ به عليهم أيضًا: أنه إن كان بخلقه الظلم يسمى ظالمًا فينبغي أن يكون بخلقه حركة الاضطرار يسمى متحركًا، وبخلقه السقم سقيمًا، وهكذا (¬٢).\rوأما المسألة الأولى، فمن وجوه:\rالأول: أن الله سبحانه كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته؛ فليس له مثل في أفعاله، فتشبيه أفعاله بأفعال خلقه باطل.\rالثاني: أن الله سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].\rالثالث: أن تنزه الرب سبحانه عن الظلم من كماله سبحانه، ومن تفضله على خلقه لا أن أحدًا يوجب عليه ذلك.\rالرابع: أن الله سبحانه موصوف بالحكمة، والحكيم والحكم من أسمائه، وكل أفعاله منوطة بالحكمة، وما يقع في الوجود من شرور فقد تضمنت من الحكم ما يجعل وجودها خيرًا من عدمها.\rولذلك فإن المعتزلة - كما سيأتي - لما كانوا يرون أنه لا يعود من أفعال الله تعالى إليه وصف وإنما إلى الخلق فقط، فإنهم أوجبوا على الله سبحانه العوض على الآلام التي لا تتضمن حكمة تعود على المتألم كإيلام الأطفال؛ هروبًا من","footnotes":"(¬١) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ١٨٧).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050514,"book_id":1102,"shamela_page_id":357,"part":"1","page_num":382,"sequence_num":357,"body":"الظلم، وقالوا: العوض عليها يخرجها عن أن تكون ظلمًا بالنسبة لهم (¬١).\rوقد تقدم في المطلب الأول أن الظلم المنفي عن الله ﷾ ليس هو الظلم المنفي عن الخلق، وأن إثابة المطيع فضل منه سبحانه وليس هو من قبيل المعاوضة، لأن أعمال بني آدم ليست عوضًا لثواب الله سبحانه.","footnotes":"(¬١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٩٤)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٤٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050515,"book_id":1102,"shamela_page_id":358,"part":"1","page_num":383,"sequence_num":358,"body":"المبحث الرابع: \"قدر الله - الذي هو فعله - لا شر فيه بوجه من الوجوه\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050516,"book_id":1102,"shamela_page_id":359,"part":"1","page_num":385,"sequence_num":359,"body":"المبحث الرابع: \"قدر الله - الذي هو فعله - لا شر فيه بوجه من الوجوه\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير. . . فإنه لا يخلق شرا محضًا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق؛ فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"فإن أفعاله خيرٌ كلَّها وعدل ومصلحة وحكمة، لا شر فيها بوجه من الوجوه\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"وإنما يقع الشر في مفعولاته ومخلوقاته، لا في فعله سبحانه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٦).\r(¬٢) شفاء العليل (٢/ ٧٣٦).\r(¬٣) جلاء الأفهام (٣٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050517,"book_id":1102,"shamela_page_id":360,"part":"1","page_num":386,"sequence_num":360,"body":"وقال ﵀: \"الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه؛ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه. . . بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته\" (¬١).\rوقال ابن الوزير: \"وهي [أي الحكمة] شاهدة لقول أهل المعقولات، أنه لا يكون في مخلوقات الله تعالى ما هو شر محض من جميع الوجوه، لأن ما كان كذلك لم يمكن تجويز أنه خير ولا أن فيه خيرًا\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) حادي الأرواح (٢/ ٧٧٠)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٧٣٧).\r(¬٢) إيثار الحق (٢١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050518,"book_id":1102,"shamela_page_id":361,"part":"1","page_num":387,"sequence_num":361,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة.\rأما الكتاب؛ قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].\rفالحسنة - كما سيأتي -: الخير وأسبابه، والسيئة الشر وأسبابه، فأضاف الخير إليه ﷾، وأضاف الشر إلى نفس الإنسان.\rوكذلك ما جاء من نفي بعض أفراد الشر، كالظلم وإرادة العسر بالعباد ونحو ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\rوأما السنة؛ ففيها التصريح بنفي الشر عنه جملةً، كما في حديث علي ﵁ في دعاء الاستفتاح، وفيه قوله ﷺ: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) (¬١).\rومثله حديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال: \"يُجمع الناس في صعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فينادي منادٍ: يا محمد - على رؤوس الأولين والآخرين - فيقول ﷺ: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، تباركت ربنا وتعاليت)، قال حذيفة: فذلك المقام المحمود\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ٥٣٤) ح (٧٧١).\r(¬٢) رواه النسائي في الكبرى (١٠/ ١٥٣) ح (١١٢٣٠)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٢٧٣) =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050519,"book_id":1102,"shamela_page_id":362,"part":"1","page_num":388,"sequence_num":362,"body":"وكل نص في الكتاب والسنة فيه تسبيح الله؛ فهو دليل على نفي الشر عنه ﷾، لأن (سبحان الله): كلمة يُنَزَّه الله بها عن السوء، كما جاء عن ابن عباس ﵄، وميمون بن مهران ﵀ (¬١).","footnotes":"= ح (٣٥٨٠٧)، والحاكم (٢/ ٣٦٣)، من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة ﵁ به، وفيه علتان: عنعنة أبي إسحاق واختلاطه، وكلتاهما مدفوعتان برواية النسائي، فقد صرح أبو إسحاق فيها بالسماع فأمن تدليسه، وهي عنده من رواية شعبة عنه، فأُمن اختلاطه لأن شعبة سمع منه قبل الاختلاط، فالحديث صحيح، وصححه الحاكم، والحافظ في الفتح (٨/ ٣٩٩)، والألباني في ظلال الجنة ح (٧٨٩).\r(¬١) رواهما ابن أبي حاتم (١/ ٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050520,"book_id":1102,"shamela_page_id":363,"part":"1","page_num":389,"sequence_num":363,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة من القواعد العظيمة في باب القدر، ولها ارتباط بكل مسائل الاعتقاد.\rوقبل الشروع في بيانها يحسن البدء بمقدمة مشتملة على خمس مسائل:\rالأولى: اتصاف الله ﷾ بصفات الكمال، وتنزهه عن كل نقص.\rالثانية: الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره.\rالثالثة: عموم خلق الله ﷾ لكل شيء.\rالرابعة: أن هناك فرقًا بين الفعل والمفعول.\rالخامسة: أن هناك فرقًا بين فعل وأفعل.\rأما المسألة الأولى: فسبق طرقها مرارًا، فأغنى عن إطالة الكلام فيها، وحاصلها أن الأدلة - من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة والحس وسائر أنواع الدلالات الصحيحة - دلت على اتصاف الله ﷿ بالكمال وتنزهه عن النقص.\rويتفرع عن هذه القاعدة الكلية قواعد وفروع كثيرة جدًا، بل لو قيل إن هذه القاعدة قد انتظمت مسائل الاعتقاد كلها لما بعُد، لأن الاعتقاد كله مرجعه إلى الإيمان بالله، والإيمان بالله قول وعمل، وإن شئت قل: علم وعمل، فالعلم بالله لا يكون إلا بالعلم بأسمائه وصفاته، والعمل لا يكون إلا بمعرفة المعبود ومعرفة مراده، فعاد أمر الاعتقاد، بل أمر الدين كله إلى معرفة أسماء الله وصفاته.\rوأما علاقتها بهذا المبحث أن وصف الشر وصف نقص مطلقًا، فوجب تنزيه الله ﷾ عنه، وصفًا وتسميةً وفعلًا، مع إثبات كمال ضده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050521,"book_id":1102,"shamela_page_id":364,"part":"1","page_num":390,"sequence_num":364,"body":"له ﷾، وهو مسمى الخير من إحسان ورحمة وحكمة وكرم ونحوها.\rبل إذا تأمل المتأمل يرى أن جميع صفات النقص مرجعها إلى الشر، وجميع صفات الكمال مرجعها إلى ضده، لذا فقد جمع النبي ﷺ بينهما في قوله: (والخير بيديك، والشر ليس إليك) (¬١).\rوأما المسألة الثانية: فهي من القواعد المهمة جدًّا في باب الصفات، ولها تعلق بمسائل كثيرة في شتى أبواب الاعتقاد، لأن باب الأسماء والصفات ينتظم جميع أبواب الدين.\rوالمراد بهذه القاعدة أن الله ﷿ إنما يوصف بما قام به لا بما خلقه في غيره، فإذا خلق سبحانه في غيره حركة أو لونًا أو كلامًا؛ لم يكن هو المتصف بأحكام هذه الصفات، فلا يوصف بأنه هو المتحرك بها، أو المتلون أو المتكلم به.\rفالمحل الذي قامت به الصفة هو الذي يأخذ حكمها، ويشتق له منها اسم، لا غيره.\rوقد جعل شيخ الإسلام ﵀ هذه القاعدة في أربع مسائل فقال: \"وهنا أربع مسائل: مسألتان عقليتان، ومسألتان سمعيتان لغويتان:\rالأولى: أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك المحل. . .\rالثانية: أن حكمها لا يعود على غير ذلك المحل، فلا يكون عالما بعلم يقوم بغيره. . .\rوهاتان عقليتان.\rالثالثة: أنه يشتق لذلك المحل من تلك الصفة اسم - إذا كانت تلك","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٢٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050522,"book_id":1102,"shamela_page_id":365,"part":"1","page_num":391,"sequence_num":365,"body":"الصفة مما يشتق لمحلها منها اسم -. . .\rالرابعة: أنه لا يشتق الاسم لمحل لم يقم به تلك الصفة. . .\" (¬١).\rوعلاقة هذه القاعدة بهذا المبحث أن الله ﷾ إذا خلق الشر في محل ما؛ قام وصف الشر بذلك المحل لا به ﷿، فلا يوصف ﷾ بسبب ذلك - بالشر، لا في صفاته ولا في أفعاله، كما أن اسم الشر يتسمى به ذلك المحل دون الله ﷿.\rوأما المسألة الثالثة: فالأصل فيها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقد تقدم الكلام على مرتبة الخلق - على وجه الإجمال - مع الأدلة عليها (¬٢).\rوالمقصود من إيرادها هنا بيان أن الشر داخل في عموم الأشياء التي خلقها الله ﷾، وأن انتفاء إضافته إليه ﷿ وصفًا وتسمية وفعلًا لا ينافي إضافته إليه خلقًا وتكوينًا، مع التنبه على أن المراد بالشر هنا: الجزئي الإضافي لا الكلي المحض - كما سيأتي بيانه -.\rومع التنبه كذلك على أنه لا يضاف إليه ﷾ خلقًا من باب الأدب معه؛ فلا يقال: خالق القردة والخنازير والكلاب، ولا خالق المعاصي والآثام ونحو ذلك، وإن كان الجميع مخلوقًا له ﷾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) شرح الأصبهانية (٤٨٤)، وانظر (٢٠) منه، ومجموع الفتاوى (٦/ ٣١٥) و (١٢/ ٢٧٣)، ودرء التعارض (١٠/ ٥٨)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٩٢).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (١٠٦ - ١٠٧ و ١٢٢ - ١٢٣).\r(¬٣) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050523,"book_id":1102,"shamela_page_id":366,"part":"1","page_num":392,"sequence_num":366,"body":"ومن هذا الباب أيضًا عدم إضافة الأشياء الحقيرة إليه - وإن كانت ليست شرا في نفسها - كالهوام والدواب.\rوبالجملة؛ فإن الله ﷾ إنما يثنى عليه ويتمدح بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساوئها، وعظائمها دون محقراتها (¬١).\rوأما المسألة الرابعة: فالمقصود منها أن أئمة السنة وجمهور الأمة يثبتون الفرق بين فعل الفاعل ومفعوله المنفصل، فالفعل هو إحداث الشيء والمفعول هو الحدث، وكل شيء سوى الله بقضائه فهو مفعول (¬٢)، ففعله يقوم به ويتصف بما تضمنه من معنى، وأما مفعوله المنفصل فلا يتصف به، وهذا مطَّرد في حق الخالق وفي حق المخلوق، فالصلاة من العبد - على سبيل المثال - تطلق على شيئين: على فعله القائم به، الذي يسمى بسببه بالمصلي، وهو قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه ونحو ذلك، وتطلق على المفعول المنفصل، وهي الصلاة التي وجدت بفعله، وهذه المسألة مرتبطة بمسألة أفعال العباد، وستأتي هناك إن شاء الله.\rوكذا الأمر في حق الله ﷾ وهي المسألة المرادة هنا -؛ فرق ما بين فعله ﷿ ومفعوله المنفصل، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله ﷿، وليست هي فعل الله ﷾، كما أن ذوات العباد مخلوقة مفعولة له ﷿ وليست هي نفس فعله.","footnotes":"(¬١) انظر: القضاء والقدر للبيهقي (٢/ ٦٦١ - ٦٦٢).\r(¬٢) انظر: خلق أفعال العباد (٢/ ٢٩٧ - ٣٠٠)، وانظر كذلك: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، و (٢/ ١١٩ - ١٢٠)، ومنهاج السنة (٢/ ٢٩٨)، وشفاء العليل (١/ ٣٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050524,"book_id":1102,"shamela_page_id":367,"part":"1","page_num":393,"sequence_num":367,"body":"ومن ذلك الشرور والآلام والمعاصي ونحوها؛ فالذي لله ﷿ من ذلك العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأما المعلوم المكتوب المشيء المخلوق من هذه الشرور؛ فليس إلى الله ﷾ فلا يوصف به.\rوأما المسألة الخامسة: فالمقصود منها أن أهل السنة يثبتون الفرق كذلك بين فعل وأفعل، فالفعل هو الذي يقوم بالفاعل، ويشتق له منه اسم وصفة، وأما الإفعال فلا يقوم به، وإنما يقوم بمن جعله فاعلًا له.\rوذلك أن الله ﷿ فاعل غير منفعل، والعبد فاعل منفعل، إما انفعالًا محضًا فيما ليس له فيه اختيار كارتعاشه ومرضه وموته، وإما انفعالًا غير محض وذلك فيما له فيه اختيار، إذ أن فاعليته - هذه - لا تخرجه عن كونه منفعلًا، لأنه فيها منفعل للرب الذي لا ينفعل.\rفالله ﷾ أفْعَلَ، والعبد فَعَل، فهو الذي أضل العبد والعبد ضل، وهو الذي جعله كافرًا والعبد كفر، وهو الذي جعله مصليًا والعبد صلى، وهكذا في كل أفعال العباد من خير وشر (¬١).\rفلا يلزم من جعل الله ﷿ للعبد فاعلًا للشرور أن يقوم به وصف الشر، بل إنما يقوم بمن فعله وهو العبد (¬٢).\rوهذه القاعدة تتضمن مسألتين:\r\rالأولى: معنى الشر، وأنواعه.\rمادة (شَرّ) في اللغة أصل صحيح يدل على الانتشار والتطاير، ومن ذلك","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ٣٩٩).\r(¬٢) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050525,"book_id":1102,"shamela_page_id":368,"part":"1","page_num":394,"sequence_num":368,"body":"الشر خلاف الخير، وهو السوء، سمي بذلك لانتشاره وكثرته، ومنه الشرر: وهو ما تطاير من النار، واحدته: شررَة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢].\rوشرشر الشيء إذا شققه وقطعه، وشر يشر: زاد شره، وشر إنسانًا: إذا عابه، وشرره في الناس: شهره فيهم (¬١).\rوالشر في لسان الشارع هو خلاف الخير، وهو نوعان (¬٢):\rالأول: الشر المحض، ويقال: الكلي والمطلق، وهو ما خلا عن كل مصلحة وحكمة ورحمة، بل ليس فيه إلا السوء والضرر والمشقة، وهذا لم يخلقه الله ﷾ وليس له وجود.\rالثاني: الشر الجزئي، ويقال: النسبي والإضافي، وهو ما اشتمل - مع ما فيه من سوء - على مصالح وحكم، فهو شر من وجه دون وجه.\r\rالمسألة الثانية: الشر بنوعيه منتف عن الله ﷾، فعلًا ووصفًا وتسميةً.\rالمقصود بنفي الشر عن الله ﷿ نفي الوصف والإضافة، لا نفي الخلق، فإن كل ما سوى الله ﷾ مخلوق، وهو ﷾ الذي خلقه وأوجده من العدم، ومن ذلك الشر.\rكما أن المقصود بالشر المنفي هو الشر الجزئي لا الكلي، إذ أن الشر الكلي لا وجود له أصلًا، ولا هو داخل فيما خلقه الله ﷾، ويدل على","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٢٧٢)، ومقاييس اللغة (٣/ ١٨٠) مادة: (شر).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥١٥)، ومجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050526,"book_id":1102,"shamela_page_id":369,"part":"1","page_num":395,"sequence_num":369,"body":"ذلك أمور:\rالأول: أنه لا حكمة فيه ولا مصلحة ولا رحمة لأحد، وما كان كذلك يستحيل أن يفعله الله ﷾ لكمال عدله ورحمته وحكمته، واتصافه بصفات الكمال.\rالثاني: أنه مناف لحمد الله ﷾ وكونه أحق ما قال العبد، قال شيخ الإسلام ﵀: \"وإذا قيل: يخلق ما هو شر محض، لم يكن هذا موجبًا لمحبة العباد له وحمدهم، بل العكس\" (¬١).\rالثالث: أن الشر المحض عدم محض، والعدم لا يضاف إلى الله تعالى، لأنه ليس شيئًا ولا حقيقة له (¬٢)، يوضحه:\rالرابع: أن الواقع يشهد بانتفائه، فليس في الوجود ما هو شر لكل المخلوقات، بحيث يكون شرا مطلقًا عامًّا، بل يكون شرا في حق من تألم به فحسب، وقد يكون نفس تألم هذا خيرًا لغيره (¬٣).\rفإذا تبين أن الشر المحض لا وجود له ولا حقيقة؛ علم امتناع إضافته إلى الله ﷾.\rوأما الشر الجزئي الإضافي فواقع، وهو داخل في عموم ما خلقه الله ﷿، والمقصود هنا الكلام عن انتفائه عن فعل الله ﷾، ووقوعه في مفعولاته (¬٤).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٠٧ و ٢١٣).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٢١٣)، (١٤/ ٢٠).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (١٤/ ٢٠ - ٢١).\r(¬٤) وأما الكلام على الحكمة من خلقه فسيأتي في المبحث القادم إن شاء الله.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050527,"book_id":1102,"shamela_page_id":370,"part":"1","page_num":396,"sequence_num":370,"body":"وقد جمع النبي ﷺ بين نفي نسبة الشر إلى الله ﷾، وبين إثبات ضده، وذلك في قوله: (الخير بيديك، والشر ليس إليك) (¬١).\rومعنى: (الشر ليس إليك): أي لا يضاف إليك بوجه لا في ذاتك، ولا في أسمائك، ولا في صفاتك، ولا في أفعالك.\rأما انتفاؤه في ذاته: فلأن ذاته أكمل الذوات، ولها الكمال المطلق من جميع الوجوه.\rوأما انتفاؤه في أسمائه: فلأن أسماءه كلها حسنى، ليس فيها اسم سوى ذلك.\rوأما انتفاؤه في صفاته: فلأن صفاته كلها صفات كمال ويحمد عليها ويثنى عليه بها.\rوأما انتفاؤه في أفعاله: فلأن أفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة، لا شر فيها بوجه ما (¬٢)، بل الشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته إلى الله ﷿، فلو أضيف إليه لم يكن شرا (¬٣).\rوقد فسر النضر بن شميل هذا الحديث فقال: \"والشر ليس إليك، تفسيره: والشر لا يُتقرب به إليك\" (¬٤)، وهو تفسير ابن خزيمة (¬٥)، وابن حبان (¬٦)","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٣٨٧).\r(¬٢) انظر: حادي الأرواح (٢/ ٧٧٠)، وبدائع الفوائد (٢/ ٧١٨ - ٧١٩).\r(¬٣) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥١١).\r(¬٤) رواه الطحاوي في المشكل (٤/ ٢٢٢)، والبيهقي: كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة بعد التكبير (٢/ ٣٣).\r(¬٥) انظر: صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٣٦).\r(¬٦) انظر: صحيح ابن حبان (٥/ ٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050528,"book_id":1102,"shamela_page_id":371,"part":"1","page_num":397,"sequence_num":371,"body":"رحم الله الجميع، وهو يرجع إلى تفسير الشر بالأعمال المنهي عنها لا بالمخلوق.\rوهذا المعنى خطَّأه ابن القيم ﵀ (¬١)، ووجه الخطأ - فيما ظهر لي - هو قصر تفسيره على هذا، وإلا فتفسير النضر داخل في عموم المعنى، فالله ﷾ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله لا يقبل إلا خيرًا، ولا يقبل ضده، وهذا كقول النبي ﷺ: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) (¬٢).\rومما يبين أن الشر لا يضاف إلى الله ﷿: اتصاف الله ﷾ بصفات الكمال، كما تقدم التنبيه عليه.\rومما يبين ذلك أيضًا: تسمي الله ﷾ بما يدل على تنزهه عن الشر، وقد مضى في المبحث الماضي شيء من ذلك، فأغنى عن إعادته هنا (¬٣).\rومما يبينه أيضًا: أن هذا الشر الواقع في المفعولات راجع - في حقيقة الأمر - إلى العدم؛ عدم الخير وأسبابه، وهذه هي جهة الشر فيه، وأما وجوده المحض فلا شر فيه.\rفالنفوس الشريرة وجودها - من حيث هو - خير، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها خلقت متحركة، فإذا أمدت بالخير وأسبابه تحركت إليه، وإذا قطع عنها هذا الإمداد تحركت بطبعها إلى الشر، فحركتها كوجودها - من حيث هو - خير لا شر.","footnotes":"(¬١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٧٢٤)، وحادي الأرواح (٢/ ٧٧٠).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيته (٢/ ٧٠٣) ح (١٠١٥).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٣٦٨ - ٣٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050529,"book_id":1102,"shamela_page_id":372,"part":"1","page_num":398,"sequence_num":372,"body":"وذلك أن الخير وأسبابه ثلاثة: إيجاد، وإعداد وإمداد، وكلها إلى الله ﷾، فإذا لم يوجد الشيء فهو باق على العدم وهو ليس بشيء حتى يكون خيرًا أو شرًا، فإذا وُجد وأُعِد وأُمِد كان خيرًا لا شر فيه، وإذا قطع عنه الإعداد والإمداد بعد وجوده حصل فيه الشر الذي سببه هذا العدم الذي ليس إلى الله ﷾، وإنما إليه ضده (¬١).\rفإذا تبين أن الشر راجع إلى العدم، ظهر انتفاء إضافته إلى الله ﷿.\rثم هذا الشر الحاصل لعدم الخير وأسبابه ليس شرا محضًا، بل هو نسبي إضافي، فهو شر للمحل الذي حصل فيه دون غيره، وإن كان خيرًا له من وجه آخر كذلك، وهذا الخير هو محل حكمة الله ﷾ فيه.\rفالشر له وجهان: وجهٌ نسبته إلى الله ﷾ خلقًا ومشيئة، فهو من هذا الوجه خير لما تضمنه من الحكم البالغة التي اقتضت وجوده.\rووجهٌ نسبته إلى من هو شر في حقه، وإن كان خيرًا له من وجه آخر (¬٢).\rمثال ذلك: الشر الذي حصل للقاتل بالقصاص هو شر له من حيث إزهاق روحه، وإعدام حياته، وهو خير له من وجه آخر، إذ فيه تكفير ذنبه، وهو خير كذلك لعموم الناس إذ فيه إظهار لدين الله ﷿ وإقامة لشرائعه، وانتشار للأمن وحفظ للدماء.\rومما يبين أن الشر لا يضاف إلى الله ﷿ أيضًا: أنه لم يُضَف في كلام الله","footnotes":"(¬١) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٠٠).\r(¬٢) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٧١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050530,"book_id":1102,"shamela_page_id":373,"part":"1","page_num":399,"sequence_num":373,"body":"ولا كلام رسوله ﷺ إلى الله، وإنما ورد على أحد وجوه ثلاثة (¬١):\rالأول: أن يدخل في عموم المخلوقات، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وهذا يتضمن إثبات قدرة الله ﷾ عليه ومشيئته وخلقه له.\rالثاني: أن يضاف إلى السبب الفاعل، ومثاله قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].\rالثالث: أن يُحذف فاعله، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، فجمع ﷾ بين عدم إضافة الشر إليه وبين إضافة الخير إليه ﷾.\rوهذا كقول الخضر: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]، مع قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، فأضاف إعابتها - وهو شر إضافي - إلى نفسه، وأضاف الخير من بلوغ الأشد واستخراج الكنز إلى الله ﷿.\rوأوضح منه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فأضاف الحسنة إلى الله ﷾ إذ هو المنعم بها من كل وجه، وأضاف السيئة إلى العبد إذ هو المتسبب فيها والفاعل لها، وبه قامت.\rوقد فُسرت الحسنة والسيئة في هذه الآية بتفسيرات كلها ترجع إلى معنى واحد (¬٢)، فقيل: الحسنة: السراء، والسيئة: الضراء، قاله أبو العالية.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٤)، وشفاء العليل (٢/ ٧٣٧ - ٧٣٨).\r(¬٢) رواها ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٠٨ - ١٠٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050531,"book_id":1102,"shamela_page_id":374,"part":"1","page_num":400,"sequence_num":374,"body":"وقيل الحسنة: ما أصاب من الغنيمة والفتح، والسيئة: ما أصابه يوم أحد، وهو مروي عن ابن عباس ﵄ والضحاك.\rوقيل: الحسنة: النعم، والسيئة: المصائب، قاله قتادة.\rوقيل: الحسنة: تنتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم وتحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، والسيئة: الجدب والضرر في أموالهم، قاله السدي.\rوالمعنى الذي ترجع إليه هذه الأقوال أن الحسنة: الخير وأسبابه، والسيئة: الشر وأسبابه.\rفالخير وأسبابه من الله ﷾ وإليه، فعلًا ووصفًا، والشر وأسبابه من نفس الإنسان وبذنوبه، وهو من الله خلقًا وتقديرًا، وليس إليه وصفًا وفعلًا.\rفالحاصل أن الشر لا يضاف إلى الله ﷾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإنما هو واقع في مفعولاته المنفصلة، وهو مع ذلك شر جزئي إضافي، وأما الشر الكلي فلا وجود له أصلًا، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050532,"book_id":1102,"shamela_page_id":375,"part":"1","page_num":401,"sequence_num":375,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rلم يخالف في تنزه قضاء الرب سبحانه عن الشر أحد من المنتسبين إلى الإسلام، إلا ما نسب إلى الجهم بن صفوان، من أن الله سبحانه يخلق الشر المحض الذي لا خير فيه ولا مصلحة لأحد، وقد عزى هذا القول إليه الإمامان: شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله - (¬١).\rوهذا قول باطل مجانب لأصول الإسلام القاضية بتنزه الرب سبحانه عن النقص واتصافه بالكمال.\rوأما سائر الفرق المنتسبة إلى الإسلام فعلى القول بتنزيه الرب سبحانه عن أن يكون في قضائه شر، والخلاف مع طائفتين:\rالأولى: المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الشرور الواقعة في العالم قسمان:\r- الشرور المتعلقة بأفعال العباد وما تولد منها، فهذه عندهم غير مخلوقة لله سبحانه، فليست مما يدخل في القضاء الإلهي أصلًا.\r- الشرور التي لا تعلق لها بأفعال العباد كالأمراض والآلام والسموم وإبليس ونحوها؛ فهذه كلها عندهم حسنة لما فيها من اللطف المصلحة العاجلة والآجلة، وإنما يقال فيها أنها سيئات وشرور مجازًا لا حقيقة (¬٢).\rولذا فقد عرفوا الخير بأنه النفع الحسن وما يؤدي إليه، والشر هو الضرر القبيح وما يؤدي إليه.\rوالضرر القبيح هو الضرر المحض الذي لا خير فيه ولا عاقبة حسنة،","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٩٩)، وطريق الهجرتين (١/ ٣١٤).\r(¬٢) انظر: طريق الهجرتين (١/ ٣١٤)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050533,"book_id":1102,"shamela_page_id":376,"part":"1","page_num":402,"sequence_num":376,"body":"وأما الضرر الحسن فليس بشر، وإنما هو خير لما تضمنه من نفع عظيم وعواقب حميدة.\rقال القاضي عبد الجبار مبينًا مذهب المعتزلة في هذا: \"فإن قيل: أليس المعلوم على لسان الأمة أن الخير والشر من الله وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره؟ ولا شر أعظم من الكفر والمعاصي؛ فقولوا: إنهما من الله، وإلا خرجتم عن الإجماع.\rقيل: إن الخير هو النفع الحسن وما يؤدي إليه، والشر هو الضرر القبيح وما يؤدي إليه في الأصل، ويجري على غيره مجازًا، ولذلك لا يقال في الضرر الحسن إنه شر، ولذلك لا نصف ما يفعله الله تعالى من العقاب في الآخرة ولا ما أمر به في الدنيا من الذم وإقامة الحدود وغيرها بأنه شر، وعلى هذا الوجه لا يوصف الله تعالى بأنه شرير، وإن أكثر من المضار الحسنة\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"فأما قول القائل في الشر إنه بقضاء الله، فمتى أراد به الأمراض والفقر فهو مصيب بالإضافة، مخطئ في وصفه بأنه شر بالإطلاق، وإن أراد المعاصي من أفعال العباد فهو مصيب بأنه شر، مخطئ بالإضافة بالإطلاق\" (¬٢).\rوفرَّعوا على تقريرهم هذا مذهبهم في العوض عن الآلام - على ما سيأتي بيانه -.","footnotes":"(¬١) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (١٧٨ - ١٧٩)، وانظر: المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢٤١).\r(¬٢) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (١٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050534,"book_id":1102,"shamela_page_id":377,"part":"1","page_num":403,"sequence_num":377,"body":"واستدلوا على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩]، فقالوا: المراد بالحسنة والسيئة الأولى: الخصب والرخاء والشدة والأمراض، وبالحسنة والسيئة الثانية: الطاعات والمعاصي (¬١).\rفأحسن المعتزلة إذ قالوا بأن قضاء الرب سبحانه منزه عن الشر، لكنهم أساؤوا بأن أخرجوا الشرور المتعلقة بأفعال العباد عن قضائه وخلقه.\rوما ذهب إليه المعتزلة باطل من وجوه:\rالأول: أن هذا التفريق بالحكم بين الشرور الناتجة عن أفعال العباد، والشرور الأخرى غير صحيح، وليس عليه دليل، بل لا فرق في ذلك بين ما كان من أفعال العباد وغيرهم، يبينه:\rالثاني: أن الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة دلت على أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه - كما سيأتي في موضعه -، فهي مشاركة لسائر الموجودات بأنها مخلوقة لله سبحانه، فكل ما سوى الله مخلوق.\rالثالث: أن قولهم: إن الشرور والسيئات إنما يقال أنها شرور مجازًا لا حقيقة، إن أردوا به نفي كونها شرورًا في نفسها، وأنها لم تشتمل على صفات بها تكون شرا فهذا باطل، وإن أرادوا بها أنها ليست شرا محضًا بل هي - لما اشتملت عليه من مصالح ومنافع - خير؛ فهذا حق، وأصول المعتزلة في","footnotes":"(¬١) انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن (١٠٢)، والمختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050535,"book_id":1102,"shamela_page_id":378,"part":"1","page_num":404,"sequence_num":378,"body":"إثبات الحسن القبح العقليين تقضي أنهم أرادوا الثاني، ويدل عليه ما تقدم من قول عبد الجبار.\rعلى أن للمعتزلة في نفي الشر عن قضاء الله سبحانه تفصيلات مخالفة للصواب، منها وجوب العوض عنها، وستأتي هذه المسألة في مبحث التحسين والتقبيح بعون الله سبحانه.\rوأما ما استدلوا به من قول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩]، فلا دليل لهم فيه من وجوه (¬١):\rأولًا: أن الله سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات، وعندهم لا فرق بينهما، بل فعل العبد عندهم - حسنة كان أو سيئة - هو منه لا من الله.\rثانيًا: أنه سبحانه جعل الحسنات والسيئات كليهما من الله، فقالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، وإنما في الجزاء.\rثالثًا: أن تفريقهم بين الحسنة والسيئة في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، والحسنة والسيئة في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ غير صحيح، ولا دليل عليه، بل تحكم محض، فهذه مثل هذه.\rرابعًا: أن المراد بالحسنة والسيئة النعم والمصائب كما تقدم (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧).\r(¬٢) انظر ص (٣٩٩ - ٤٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050536,"book_id":1102,"shamela_page_id":379,"part":"1","page_num":405,"sequence_num":379,"body":"الثانية: الأشاعرة، فقد شارك الأشاعرة أهل الإسلام في نفي الشر عن قضاء الله سبحانه، لكنهم جعلوا كل ما في الوجود خير وأن الله لم يقدر شرا مطلقًا، والشر الموجود ليس ذاتيًّا.\rقال الآمدي: \"والوجود من حيث هو وجود خير محض لا شر فيه، وهو ما يقع مرادًا للباري تعالى، وأما الشر من حيث هو شر؛ فليس هو مستندًا إلا إلى اختلاف الأغراض، أو إلى قول الشارع افعل أو لا تفعل كما سنبينه، وذلك مما لا يوجب كونه شرا في نفسه\" (¬١).\rوقال الجويني: \"الآلام واللذات لا تقع مقدورة لغير الله تعالى، فإذا وقعت من فعل الله تعالى فهي منه حسن، سواء وقعت ابتداءً أو حدثت منه مسماة جزاء. . . بل ما وقع منهما فهو من الله تعالى حسن، لا يعترض عليه في حكمه\" (¬٢).\rوالخير عندهم في الوجود وكماله، والشر في العدم؛ عدم الوجود أو عدم كمال الوجود، فالوجود وكمال الوجود داخلان في القضاء لذاتهما، وأما الشر الذي هو نقص الوجود فهو داخل في القضاء لا بالذات بل بالعرض، وأما العدم المحض فهو شر محض.\rيقول الشهرستاني: \"الوجود خير كله من حيث هو وجود فكان [أي الله سبحانه] مريد الخير، وأما الشر فمن حيث هو موجود فقد شارك الخير، فهو من ذلك الوجه خير ومراد وعلى هذا لا يتحقق في الوجود شر محض، فهو تعالى مريد الوجود ومريد الخير، والعبد يريد الخير والشر.","footnotes":"(¬١) غاية المرام (١٤١).\r(¬٢) الإرشاد (٢٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050537,"book_id":1102,"shamela_page_id":380,"part":"1","page_num":406,"sequence_num":380,"body":"وعن هذا قال الحكماء: الشر داخل في القضا والإرادة بالعرض لا بالذات، وبالقصد الثاني لا بالقصد الأول، فإن الشر عندهم إما عدم وجود أو عدم كمال الوجود، وإنما الداخل في القضا والإرادة بالقصد الأول هو الوجود وكمال الوجود\" (¬١).\rوهذا جار على قاعدتهم في الحسن والقبح، وأن الحسن ما حسنه الشارع، والقبيح ما قبحه، وأنه ليس للأشياء صفات في نفسها بها تحسن وتقبح.\rومذهبهم باطل من وجهين:\rالأول: أن إنكارهم وجود الشرور أمر يكذبه واقع الأمر، فالأمراض والأسقام والقتل ونحوها هي شرور بالنظر إلى ذاتها باتفاق العقلاء، وإن كان شرها جزئيًّا وليس محضًا، فهي خير لما تضمنته من حكم ومصالح.\rالثاني: أن القول بأن الوجود خير والعدم شر، لا يصح إطلاقه؛ لأن العدم لا شيء حتى يقال إنه خير أو شر، كما أن من الأشياء ما وجوده شر من عدمه وعدمه خير من وجوده (¬٢)، وهذا بالنظر إلى ذوات الأشياء، فكفر المؤمن وجوده شر من عدمه، وبعكسه إيمان الكافر وجوده خير من عدمه، وأما بالنظر إلى ما يترتب على الحكمة في أفعال الله سبحانه: فكل ما يفعله فهو خير، وكل ما لم يفعله فليس بخير؛ إذ لو كان خيرًا لفعله، وهذا التفضيل باعتبار الخير الراجح والشر الراجح، إذ قد يترتب على وجود بعض أفراد الخير شر راجح، وقد يترتب على عدم بعض أفراد الشر ضرر راجح، وإلا","footnotes":"(¬١) نهاية الإقدام (٢٥٢ - ٢٥٣).\r(¬٢) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٣١)، وشفاء العليل (٢/ ٥١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050538,"book_id":1102,"shamela_page_id":381,"part":"1","page_num":407,"sequence_num":381,"body":"فإن الأشياء في نفسها منقسمة إلى خير وشر.\rولما كان الأشاعرة ينفون الحكمة عن أفعال الرب سبحانه؛ فقد انسد عليهم هذا الباب، فصار قولهم إن الموجود خير والعدم شر، كما تقدم في كلامهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050539,"book_id":1102,"shamela_page_id":382,"part":"1","page_num":409,"sequence_num":382,"body":"المبحث الخامس: \"أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050540,"book_id":1102,"shamela_page_id":383,"part":"1","page_num":411,"sequence_num":383,"body":"المبحث الخامس: \"أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة لأجلها فعل\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والله عليم حكيم؛ ما خلقه وأمر به له فيه حكمة بالغة صادرة من علمه وحكمته وقدرته\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"قد دلت أدلة العقول الصحيحة، والفطر السليمة، على ما دل عليه القرآن والسنة، أنه سبحانه حكيم؛ لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"وقالوا [أي أهل السنة] إن له في كل ما خلقه وشرعه حكمة بالغة، ونعمة سابغة لأجلها خلق وأمر، ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٥).\r(¬٢) شفاء العليل (٢/ ٥٣٧).\r(¬٣) طريق الهجرتين (١/ ٣٢٢)، وانظر: (١/ ٢٤٣) منه، وحادي الأرواح (٢/ ٧٦١)، والفوائد (١٩٦)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٣)، ومدارج السالكين (١/ ١٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050541,"book_id":1102,"shamela_page_id":384,"part":"1","page_num":412,"sequence_num":384,"body":"وقال ابن كثير ﵀: \" ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم\" (¬١).\rوقال ابن الوزير ﵀: \"وأن له الحكمة البالغة فيما فعل وترك، وقدر وقضى\" (¬٢).\rوقال الألوسي ﵀: \" ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يفعل ولا يأمر إلا بما فيه حكمة ومصلحة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٣٦).\r(¬٢) إيثار الحق (٢٤٩).\r(¬٣) روح المعاني (١٠/ ٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050542,"book_id":1102,"shamela_page_id":385,"part":"1","page_num":413,"sequence_num":385,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.\rأما أدلة الكتاب والسنة فهي أكثر من أن تحصر، قال الإمام ابن القيم ﵀ \"أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها\" (¬١).\rومن أنواع هذه الأدلة:\rالأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].\rالثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا، كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].","footnotes":"(¬١) وقال ﵀ في مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦٣): \"والقرآن وسنة رسول الله ﷺ مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مئة موضع أو مئتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050543,"book_id":1102,"shamela_page_id":386,"part":"1","page_num":414,"sequence_num":386,"body":"الثالث: الإتيان بكي الصريحة في التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣].\rالرابع: ذكر المفعول له؛ وهو علة للفعل المعلل به، كقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤].\rالخامس: الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلًا لما قبله، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].\rالسادس: ذكر (من أجل) وهو من صرائح التعليل، كقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].\rالسابع: التعليل بلعل، وهي في كلام الله ﷾ للتعليل مجردة عن معنى الترجي، فإنها إنما يقارنها معنى الترجي إذا كانت من المخلوق، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050544,"book_id":1102,"shamela_page_id":387,"part":"1","page_num":415,"sequence_num":387,"body":"قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. فـ (لعل) في هذا كله قد أخلصت للتعليل، والرجاء الذي فيها متعلق بالمخاطبين.\rالثامن: ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له، تارة يذكر بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردًا.\rفالأول كقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠].\rوالثاني كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨].\rوالثالث كقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] (¬١).\rالتاسع: تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه، كقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].\rالعاشر: إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره،","footnotes":"(¬١) قال ابن القيم ﵀: \"وهذا في التنزيل يزيد على عدة آلاف موضع، بل القرآن مملوء منه\" شفاء العليل (٢/ ٥٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050545,"book_id":1102,"shamela_page_id":388,"part":"1","page_num":416,"sequence_num":388,"body":"كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ١٤ - ١٦]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٧].\rالحادي عشر: إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة، كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، وقوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩].\rالثاني عشر: إنكاره سبحانه أن يسوى بين المختلفين أو يفرق بين المتماثلين، وأن حكمته وعدله يأبى ذلك.\rأما الأول فكقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، وأما الثاني فكقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].\rالثالث عشر: أمره سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه وفي أوامره ونواهيه وزواجره، ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي هي محل الفكر لما كان للتفكير فيه معنى، كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].\rالرابع عشر: إخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050546,"book_id":1102,"shamela_page_id":389,"part":"1","page_num":417,"sequence_num":389,"body":"فيذكر هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه، تنبيهًا على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].\rالخامس عشر: إخباره بأن حكمه أحسن الأحكام وتقديره أحسن التقادير، ولولا مطابقته للحكمة والمصلحة المقصودة المرادة لما كان كذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].\rالسادس عشر: إخباره سبحانه أنه على صراط مستقيم كما في قوله حاكيًا عن نبيه هود: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، والثاني قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، ووصفه سبحانه بأنه على صراط مستقيم هو كونه يقول الحق ويفعل الصواب، فلا يقول إلا ما يحمد عليه، لا يفعل إلا ما يحمد عليه لكونه حقًّا وعدلًا وصدقًا وحكمةً في نفسه.\rالسابع عشر: حمده سبحانه لنفسه على جميع ما يفعله، وأمره عباده بحمده، وهذا لما في أفعاله من الغايات والعواقب الحميدة التي يستحق فاعلها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050547,"book_id":1102,"shamela_page_id":390,"part":"1","page_num":418,"sequence_num":390,"body":"الحمد، فهو يحمد على نفس الفعل، وعلى قصد الغاية الحميدة به، وعلى حصولها، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].\rالثامن عشر: إخباره بإنعامه على خلقه وإحسانه إليهم وأنه خلق لهم ما في السموات وما في الأرض، وأعطاهم الأسماع والأبصار والأفئدة ليتم نعمته عليهم، ومعلوم أن المنعم المحسن لا يكون كذلك ولا يستحق هذا الاسم حتى يقصد الإنعام على غيره والإحسان إليه، فلو لم يفعل سبحانه لغرض الإنعام والإحسان لم يكن منعمًا في الحقيقة ولا محسنًا؛ إذ يستحيل أن يكون كذلك من لم يقصد الإنعام والإحسان، وهذا غني عن التقرير.\rيوضحه أنه سبحانه حيث ذكر إنعامه وإحسانه فإنما يذكره مقرونًا بالحكم والمصالح والمنافع التي خلق الخلق وشرع الشرائع لأجلها، كقوله في آخر سورة النحل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، فهذا في الخلق، وقال في الشرع في أمره باستقبال الكعبة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقال في أمره بالوضوء والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، فجعل تمام نعمته في أن خلق ما خلق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050548,"book_id":1102,"shamela_page_id":391,"part":"1","page_num":419,"sequence_num":391,"body":"للإحسان وأمر بما أمر لذلك.\rالتاسع عشر: اتصافه بالرحمة وأنه أرحم الراحمين وأن رحمته وسعت كل شيء، وذلك لا يتحقق إلا بأن يقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم وبما أمرهم به، فلو لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم لما كان رحمة، ولو حصلت بها الرحمة لكانت اتفاقية لا مقصودة وذلك لا يوجب أن يكون الآمر سبحانه أرحم الراحمين، فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي لأجلها يفعل إنكار لرحمته في الحقيقة وتعطيل لها.\rالعشرون: جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه، وإن كان السائل لا يعلمها، كما أجاب الملائكة لما قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فأجابهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ولو كان فعله مجردًا عن الحكم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم من أن يسألوا هذا السؤال، ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي في خلق هذه الخليفة.\rالحادي والعشرون: إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما يستلزمه من المفسدة وأن المصلحة في تركه، ولو كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم يكن ذلك علة للحكم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢، ٢٣]، فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون به - وهو سماع الفهم - بأنهم لا خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم، وبأن فيهم مانعًا آخر يمنع من الانتفاع بالمسموع لو سمعوه وهو الكبر،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050549,"book_id":1102,"shamela_page_id":392,"part":"1","page_num":420,"sequence_num":392,"body":"فالأول من باب تعليل عدم الحكم بعدم ما يقتضيه، والثاني من باب تعليله بوجود مانعه وهذا إنما يصح ممن يأمر وينهى ويفعل للحكم والمصالح (¬١).\rوأما الإجماع؛ فممن نقله:\r- شيخ الإسلام، قال ﵀: \"وكذلك الحكمة وشرع الأحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع السلف\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"ومن وافق جهم بن صفوان من المثبتين للقدر على أن الله لا يفعل شيئًا لحكمة ولا لسبب، وأنه لا فرق بالنسبة إلى الله بين المأمور والمحظور، ولا يحب بعض الأفعال ويبغض بعضها؛ فقوله فاسد مخالف للكتاب والسنة واتفاق السلف\" (¬٣).\r- ابن القيم، قال ﵀: \"وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه، والغايات المحمودة في أفعاله، فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع، بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم\" (¬٤).\r- ابن الوزير، قال ﵀ في سياق كلامه على الحكمة: \"فلو ادعى مدع إجماع المتأخرين مع إجماع المتقدمين من المسلمين على ذلك [أي على إثبات الحكمة]؛ لما بعد عن الصواب، والله الهادي\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٧ - ٥٦٩)، وانظر كذلك: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٥).\r(¬٣) منهاج السنة (٣/ ٩٨)، وانظر: جامع المسائل (٢/ ٢٧٨).\r(¬٤) شفاء العليل (٢/ ٥٧٠ - ٥٧١).\r(¬٥) إيثار الحق (١٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050550,"book_id":1102,"shamela_page_id":393,"part":"1","page_num":421,"sequence_num":393,"body":"وأما دلالة الفطرة؛ فحكاها غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن تيمية (¬١)، وابن القيم (¬٢)، وابن الوزير (¬٣).\rوتقريرها: أن كل أحد يجد في نفسه ضرورة أن هذا الكون فيه من الحكم والمصالح ما لا يمكن حصره، وذلك أنه يرى هذا الوجود حوله \"شاهد بحكمته وعنايته بخلقه أتم عناية، وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف أو يحصره عقل، ويكفي الإنسان فكره وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيأته فإنه لو استنفد عمره لم يحط علمًا بجميع ما تضمنه خلقه من الحكم والمنافع على التفصيل\" (¬٤).\rومن مشهور ذلك ما حصل لخديجة ﵂ لما جاءها النبي ﷺ يرجف فؤاده من الخوف في قصة ابتداء الوحي، ففيه قولها ﵂ للنبي ﷺ: \"كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق\" (¬٥).\rفاستدلت على أن الله ﷾ لا يخزيه بأن من جعله الله متصفًا بهذه","footnotes":"(¬١) انظر: شرح الأصبهانية (٧٠٠).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٧ و ٥٧١ و ٥٩٢).\r(¬٣) انظر: إيثار الحق (١٨٢).\r(¬٤) شفاء العليل (٢/ ٥٧١).\r(¬٥) رواه البخاري: كتاب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (١/ ٧) ح (٣)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (١/ ١٣٩) ح (١٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050551,"book_id":1102,"shamela_page_id":394,"part":"1","page_num":422,"sequence_num":394,"body":"الأخلاق، فحكمته ﷾ تأبى أن يخزيه، وهذا الفهم منها لم يكن بوحي إذ لم يكن ثَمَّ وحي، بل إنما كان بفطرتها التي فطرها الله عليها (¬١).\rومن هذا الباب أيضًا: أن الخلق مفطورون على التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، وهذه هي حقيقة الحكمة، إذ الحكمة - كما سيأتي - وضع الشيء في موضعه، وهذا مبني على مرتبتين: تمييز وتنزيل، والتمييز راجع في الحقيقة إلى التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، والتنزيل تابع للتمييز.\rقال ابن القيم ﵀: \"وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين وإنكار الجميع بينهما\" (¬٢).\rوأما دلالة العقل؛ فمن وجوه أشهرها (¬٣): دلالة التخصيص والترجيح، وتقريرها أن الممكن لا بد له من مرجح لوجوده على عدمه، وإلا لم يوجد.\rفلا بد مع القدرة على إيجاده من إرادة ترجح وجوده على عدمه، وهذه الإرادة لا بد أن تكون لحكمة وإلا لم تكن إرادة، فلا يعقل إرادة بغير حكمة، فآل الأمر إلى أن الحكمة هي المرجح.\rفيلزم على إنكار الحكمة لوازم باطلة، لأن نفيها نفي للإرادة، وبالتالي","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٥/ ٤٣٨)، والصفدية (١/ ٢٢٥).\r(¬٢) إعلام الموقعين (٢/ ٢٤٨).\r(¬٣) وثمة وجوه أخرى عقلية في الدلالة على الحكمة، أقل التصاقًا بمسألة الحكمة من هذا الدليل، كدلالة الإحكام والإتقان، ودلالة آيات الأنبياء، وغيرها. انظرها في: الحكمة والتعليل للشهري (٢/ ٤٥٢ - ٥١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050552,"book_id":1102,"shamela_page_id":395,"part":"1","page_num":423,"sequence_num":395,"body":"نفي للفعل، أو القول بالترجيح بدون مرجح، أو القول بالعبث عليه ﷾، وكل ذلك باطل.\rقال المقبلي ﵀: \"الحجة على وجوب تعليل أفعاله تعالى بالحكم هو لزوم العبثية لعدم القول به، وألا يقع الفعل. . . ولزوم أن نظام العالم ومحاسن الشريعة اتفاقية، فهذه ثلاث حجج عقلية، كل منها أكبر من أختها\" (¬١).\rوسيأتي مزيد كلام على هذه المسألة قريبًا (¬٢).","footnotes":"(¬١) العلم الشامخ (١٣١ - ١٣٢).\r(¬٢) انظر ما يأتي ص (٤٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050553,"book_id":1102,"shamela_page_id":396,"part":"1","page_num":424,"sequence_num":396,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rمسألة الحكمة والتعليل من أجل مسائل باب القدر، بل من أجل مسائل الدين كله، وما من شيء من أحكام الدين والدنيا إلا وله تعلق بهذه المسألة.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"هذه المسألة كبيرة من أجل المسائل الكبار التي تكلم فيها الناس، وأعظمها شعوبًا وفروعًا، وأكثرها شبهًا ومحارات؛ فإن لها تعلقًا بصفات الله تعالى وبأسمائه وأفعاله وأحكامه من الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي داخلة في خلقه وأمره، فكل ما في الوجود متعلق بهذه المسألة، فإن المخلوقات جميعها متعلقة بها وهي متعلقة بالخالق سبحانه، وكذلك الشرائع كلها: الأمر والنهي والوعد والوعيد متعلقة بها، وهي متعلقة بمسائل القدر والأمر وبمسائل الصفات والأفعال، وهذه جوامع علوم الناس\" (¬١).\rوقال مرعي الكرمي ﵀: \"وهذه المسألة؛ مسألة غايات أفعال الله ونهاية حكمته مسألة عظيمة، لعلها أجل المسائل الإلهية\" (¬٢).\rوقبل الشروع في بيان هذه المسألة لا بد من التعريف بالحكمة في اللغة، وكذا التعريف بالعلة، لأن الحكمة كثيرًا ما يعبر عنها بالعلة (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٨١).\r(¬٢) رفع الشبهة والغرر (٥٤).\r(¬٣) وللحكمة مرادفات اصطلاحية أخرى مثل: الغرض، والغاية، والباعث، والمعنى، والسبب، والقصد، والهدف، والمرمى، وهذا بحسب اصطلاح المتكلمين وغيرهم، وإلا فاللفظ الشرعي هو الحكمة، كما سيأتي التنبيه عليه، وقد اقتصرت على بيان معنى العلة فقط، لكونها أكثر ما استُخدم، ولأنها ألصق تلك الكلمات بمعنى الحكمة، وكثيرًا ما تذكر مقرونة بها فيقال: الحكمة والتعليل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050554,"book_id":1102,"shamela_page_id":397,"part":"1","page_num":425,"sequence_num":397,"body":"الحِكْمَة في اللغة: من حكم يحكم حكمًا، ومادة (حكم) أصل واحد يدل على المنع (¬١)، قال جرير (¬٢):\rأبني حنيفة أحكموا سفهاءَكم … إنِّي أخاف عليكمُ أن أغضبا\rأي امنعوهم.\rوقد ذكر أهل اللغة للحكمة معانٍ مرجعها إلى هذا الأصل؛ فقيل: الحكمة العدل، لأنها تمنع من الظلم.\rوقيل: الحكمة العلم، لأنها تمنع من الجهل.\rوقيل: الحكمة الحلم، لأنها تمنع من السفه والطيش.\rوقيل: الحكمة الإتقان، لأنها تمنع من الفساد.\rوفسرت الحكمة كذلك بما يمنع من السوء والشر، ففسرت بالنبوة وبالقرآن (¬٣)، وذلك أن هذه الأمور تمنع من الشر الذي هو عبادة غير الله ﷾، لذلك قال الراغب أن (حَكَمَ): \"أصله: منَع منعًا لإصلاح\" (¬٤).\rالحكمة في الشرع: اختلفت عبارات أهل العلم - سلفهم وخلفهم - في معنى الحكمة في الشرع، فمن ذلك:\rقال مجاهد ﵀: \"الإصابة في القول والفعل\".\rوقال مالك بن أنس ﵀: \"الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع","footnotes":"(¬١) انظر: مقاييس اللغة (٢/ ٩١).\r(¬٢) ديوان جرير (٤٧).\r(¬٣) انظر: القاموس المحيط (٤/ ٩٧).\r(¬٤) المفردات (٢٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050555,"book_id":1102,"shamela_page_id":398,"part":"1","page_num":426,"sequence_num":398,"body":"له\"، وقال: \"الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له\".\rوقال ابن زيد ﵀: \"الحكمة العقل في الدين\".\rوقال قتادة ومجاهد - رحمهما الله -: \"الحكمة هي الفقه في القرآن\" (¬١).\rوقال ابن قتيبة ﵀: \"الحكمة هي العلم والعمل، لا يسمى الرجل حكيمًا حتى يجمعهما\" (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"ولا ريب أن الحكمة هي العلم والعمل بها، كما فسرها بذلك مالك بن أنس وغيره من الأئمة\" (¬٣).\rوقال ﵀: \"الحكمة هي معرفة الحق والعمل به\" (¬٤).\rوقال ابن القيم ﵀: \"والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح، وسمي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلقهما، وأوصلا إلى غايتيهما\" (¬٥).\rوقال ابن الوزير ﵀: \"العلم بأفضل الأعمال، والعمل بمقتضى ذلك العلم\" (¬٦).\rوقيل غير ذلك، وعند تأمل هذه الأقوال يرى أنها على قسمين:\rالأول: تفسير الحكمة بالأمر العلمي، كالعلم بالدين والعقل فيه.","footnotes":"(¬١) انظر هذه الأقوال في تفسير القرطبي (٤/ ٣٥٦).\r(¬٢) غريب القرآن (٣٢).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٤١٥).\r(¬٤) المصدر السابق (١٩/ ١٦٤)، وانظر: النبوات (١/ ١٧٣).\r(¬٥) شفاء العليل (٢/ ٥٣٧).\r(¬٦) إيثار الحق (١٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050556,"book_id":1102,"shamela_page_id":399,"part":"1","page_num":427,"sequence_num":399,"body":"الثاني: تفسيرها بمجموع العلم والعمل، وهذا هو الصواب، وبناءً على هذا فالحكمة مبناها على أمرين:\r- العلم بدقائق الأمور، والتمييز بينها، ومعرفة ما يخص كل معين منها.\r- العمل بمقتضى ذلك العلم، وتنزيله على الواقعة المعينة.\rهذا هو المراد بالحكمة على وجه العموم.\rوأما العِلَّة في اللغة، فهي: من علَّ، وعلَّ في لغة العرب ترجع إلى ثلاثة أصول:\rالأول: التكرر أو التكرير، ومنه العَلَل، وهي الشربة الثانية، يقال: عَلَلٌ بعد نَهَلٍ، فالنّهَل: الشربة الأولى، والعَلَل: الشربة الثانية.\rالثاني: العائق يعوق، ومنه قولهم: لا تعدم خرقاء علة، أي عائقًا تتعلل به.\rالثالث: المرض والضعف، يقال: عل المريض فهو عليل (¬١).\rوهذا الأصل هو - عند التأمل - فرع عن الأصل السابق، إذ المرض والضعف هو من جملة العوائق التي تعوق المرء عن وجهته.\rومما ذكر في معنى العلة: أنها السبب، يقال هذه علته: أي سببه (¬٢).\rوهذا المعنى هو الأنسب للمعنى الاصطلاحي للعلة.\rوأما العلة في هذا الباب: فيراد بها ما يراد بالحكمة، فتطلق على أنها مرادف اصطلاحي لها كما تقدم.","footnotes":"(¬١) انظر: مقاييس اللغة (٤/ ١٣)، وانظر كذلك: تهذيب اللغة (١/ ١٠٥)، ولسان العرب (١٣/ ٤٩٥).\r(¬٢) انظر: المحكم لابن سيده (١/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050557,"book_id":1102,"shamela_page_id":400,"part":"1","page_num":428,"sequence_num":400,"body":"والكلام على عقيدة أهل السنة في الحكمة في مسائل:\rالمسألة الأولى: مرادهم بالحكمة، وشمولها للشرع والقدر.\rما مضى في تعريف الحكمة في الشرع هو من حيث العموم، وأما في حق الله ﷾ فتتضمن أمرين:\rالأول: الإحكام والإتقان لما يفعله ﷿.\rالثاني: صدور فعله ﷾ عن غايات حميدة وحكم عظيمة.\rوكلا هذين النوعين هو في الشرع والقدر؛ فخلقه ﷾ في غاية الإحكام والإتقان، وهو صادر عن حكمة بالغة وغاية حميدة، وكذا الشرع هو في غاية الإحكام، وهو معلل بغايات حميدة.\rفها هنا أربعة أمور:\r- إحكام في الخلق.\r- إحكام في الشرع.\r- علل حميدة للخلق.\r- علل حميدة للشرع.\rفالأمران الأول والثاني لا خلاف فيهما، فكل المسلمين يقرون بأن سبحانه قد أحكم خلقه وشرعه، فهما في غاية الكمال والإتقان.\rوهذا الإحكام هو دليل على الحكمة؛ إذ لا معنى للإحكام إلا الفعل لحكمة مقصودة، فإذا انتفت انتفى الإحكام (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: النبوات (٢/ ٩٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050558,"book_id":1102,"shamela_page_id":401,"part":"1","page_num":429,"sequence_num":401,"body":"وكذا التعليل في شرعه ليس فيه خلاف بين المسلمين (¬١)، إلا ما كان من نفاة القياس (¬٢)، وخلافهم فيه غير معتبر (¬٣)، على أن بعضهم لا ينفي أصل التعليل، بل يقول بالقياس المنصوص على علته (¬٤).\rبل لا يمكن فقيهًا أن يتكلم في الفقه وأصوله إلا بإثبات التعليل في الشريعة (¬٥).\rوأما التعليل في الخلق فهو موضع النزاع، ومذهب أهل السنة فيه - على ما سيأتي بيانه - أن لله ﷾ في خلقه حكمًا عظيمة لأجلها سبحانه فعل وخلق.\rقال الإمام ابن القيم ﵀ (¬٦):\rوالحكمة العليا على نوعين أيـ … ــضًا حُصِّلا بقواطع البرهان\rإحداهما في خلقه سبحانه … نوعان أيضًا ليس يفترقان","footnotes":"(¬١) فقد حكى الإجماع على أن الشرائع معللة: ابن الحاجب ﵀. انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرحه رفع الحاجب (٤/ ٣٢٨).\r(¬٢) انظر: الإحكام لابن حزم (٨/ ٧٦ - ٧٧)، فقد عقد بابًا صرح فيه بأن القول بالعلل باطل في جميع أحكام الدين، وأن من قال بإثبات القياس الجلي من الظاهرية كالقاساني وأضرابه؛ فقوله لا يُعتد به، ولا هو قول داود - إمام المذهب -، وانظر كذلك: البحر المحيط للزركشي (٥/ ١٨ - ١٩).\r(¬٣) فتاوى ومسائل ابن الصلاح (١/ ٢٠٧).\r(¬٤) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ٨٦١).\r(¬٥) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٧٣ و ٥٧٥)، وانظر كذلك: الرد على البكري (٢١٩).\r(¬٦) النونية (١٧٨) رقم (٣٢٨٤ - ٣٢٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050559,"book_id":1102,"shamela_page_id":402,"part":"1","page_num":430,"sequence_num":402,"body":"إحكام هذا الخلق إذ إيجاده … في غاية الإحكام والإتقان\rوصدوره من أجل غايات له … وله عليها حمد كل لسان\rوالحكمة الأخرى فحكمة شرعه … أيضًا وفيها ذانك الوصفان\rغاياتها اللائي حُمِدن وكونها … في غاية الإتقان والإحسان\rوللحكمة - المرادة في هذا البحث - أوصاف:\rالأول: أنها ملازمة لأفعال الله ﷾، فلا يخلو فعل من أفعاله من حكمة حميدة.\rالثاني: أنها المرجح للفعل أو الترك.\rالثالث: أنها مطلوبة بفعله ﷾، أي أنها مرادة له ﷿، فلم تقع اتفاقًا أو تبعًا.\rالرابع: أنها القصد الأصلي والأولي له ﷾، والفعل وسيلة إليها.\rالخامس: أنها محبوبة له ﷾.\rالسادس: أنها متعلق محبته وحمده والثناء عليه من خلقه.\rالسابع: أنها مظهر من مظاهر اتصافه ﷾ بصفات الكمال.\rقال ابن القيم ﵀ معرفًا الحكمة: \"هي الغاية التي يفعل لأجلها، وتكون هي المطلوبة بالفعل، ويكون وجودها أولى من عدمها\" (¬١).\rوقال: \"وهي الغاية المحبوبة له، المطلوبة، التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأمات فأحيا، وأسعد وأشقى، وأضل","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (٣/ ٤٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050560,"book_id":1102,"shamela_page_id":403,"part":"1","page_num":431,"sequence_num":403,"body":"وهدى، ومنع وأعطى، وهذه الحكمة هي الغاية والفعل وسيلة إليها\" (¬١).\rأما ملازمتها لأفعال الله وعدم خلوها منها؛ فلأنها - كما سيأتي - من الصفات الذاتية التي لم يزل الله ولا يزال متصفًا بها، فخلو فعل من أفعاله منها نقص في ذاته ينزه عنه.\rوهذا شامل للشرع والقدر كما تقدم، وشامل أيضًا للدارين (¬٢).\rويقال أيضًا: قد ثبت أن الله ﷾ عالم مريد، وهذا من لوازم ذاته ﷾، والحكمة لازمة للعلم وللإرادة، أما لزومها للإرادة: فلأنه لا إرادة بدون حكمة - كما سيأتي قريبًا -، وأما لزومها للعلم: فلأن العلم موجب لترك القبيح لما فيه من القبح، وفعل الحسن لما فيه من الحسن، وهذه هي حقيقة الحكمة، وخلاف ذلك بفعل القبيح وترك الحسن جهل ينزه الله عنه.\rفإذا ثبت كون الحكمة لازمة للعلم والإرادة، وهما لازمان للذَّات الإلهية؛ فالحكمة لازمة لها أيضًا (¬٣).\rوأما كونها المرجح للفعل أو الترك؛ فلأن الإرادة والقدرة بمجردهما لا يخصصان معينًا على معين، لأن نسبتهما إلى جميع المتماثلات سواء، فلا بد من مرجح للفعل، وهذا المرجح لا يكون إلا الحكمة (¬٤).\rووجوب أن يكون هذا المرجح هو الحكمة هو لأن الفاعل المريد إنما","footnotes":"(¬١) طريق الهجرتين (١/ ١٩٣).\r(¬٢) انظر: الداء والدواء (٣٥).\r(¬٣) انظر: النبوات (٢/ ٩٢٤).\r(¬٤) انظر: درء التعارض (٤/ ٢٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050561,"book_id":1102,"shamela_page_id":404,"part":"1","page_num":432,"sequence_num":404,"body":"يرجح مرادًا على مراد بما ينضم إلى إرادته من محبة هذا المراد، أو محبة ما يؤول إليه، فلا يعقل أن يرجح المراد إذا استوى عنده وجوده وعدمه، بل لا بد أن يكون وجوده أولى عنده من عدمه (¬١)، وهذه هي حقيقة الحكمة.\rوليس معنى انضمام الحكمة إلى الإرادة أن الإرادة كانت ولا حكمة، ثم انضمت الحكمة إليها، بل المعنى أن الإرادة لا تستقل بنفسها بل لا بد معها من حكمة.\rفالإرادة تابعة للحكمة، فكل ما يشاء الله وجوده فإنما شاءه لحكمة، وأوجده لحكمة، فالفعل وجودًا ومشيئة - قبل ذلك - إنما كان لحكمة، فصارت الحكمة هي الباعث والقصد الأول لكل فعل؛ لمشيئته أولًا، ثم لإيجاده.\rقال الألوسي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]: \" ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾ أي: نوجد وما نكوِّن شيئًا من تلك الأشياء ملتبسًا بشيء من الأشياء ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي إلا ملتبسًا بمقدار معين تقتضيه الحكمة، وتستدعيه المشيئة التابعة لها من بين المقدورات الغير المتناهية، فإن تخصيص كل شيء بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون ما عدا ذلك، مع استواء الكل في الأشكال وصحة تعلق القدرة به؛ لا بد له من حكمة تقتضي اختصاص كل من ذلك بما اختص به\" (¬٢).\rوكل من الحكمة والإرادة متلازمان؛ أما استلزام الإرادة للحكمة فلأنه","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٥٨ - ٤٥٩).\r(¬٢) روح المعاني (١٤/ ٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050562,"book_id":1102,"shamela_page_id":405,"part":"1","page_num":433,"sequence_num":405,"body":"لا فعل حاصل بإرادة مجردة عن الحكمة، فإن هذا غير معقول - ولو عُقل لكان سفهًا وعبثًا - (¬١)، ولا حكمة حاصلة بدون إرادة، إذ لا فعل حينئذ، والفعل هو مُظهر الحكمة.\rوقد دلت الأدلة - كما تقدم - على أنه ﷾ يفعل لأجل هذه الحكمة، فدل على أنها هي المرجح، لأنها محبوبة له ﷿، والمحبة هي الغاية والحكمة العليا التي لأجلها كان كل شيء (¬٢).\rوأما كونها مطلوبة بفعله ﷾؛ فمعناه أنها لم تقع اتفاقًا، كما لو رمى رجل حجرًا من نافذة فأصاب أفعى في الطريق يتضرر بها الناس فقتلها.\rوليست تبعًا للفعل؛ حصلت عقيبه حصولًا مجردًا عن إرادة الفاعل، بل هي مرادة للفاعل مقصودة له.\rوذلك أن الحكمة إنما تتصور في حق من عمل شيئًا لشيء يريد بفعله الحكمة الناشئة عن فعله، وأما من لم يفعل شيئًا لشيء فلا يتصور في حقه الحكمة (¬٣).\rوالقول بنفي قصد الله ﷾ للحكمة يلزم منه وصفه بالنقص، فإن من فعل فعلًا ليس وجه الخير فيه هو مراده، وليس وجه الشر أيضًا هو مراده؛ فليس وصفه بالخير أقرب من وصفه بالشر، ومن كان هذا حاله هو للنقص أقرب منه للكمال، لأن أفعاله أشبهت أفعال الأطفال والسفهاء والمجانين، بل هي أنقص منها؛ لأن أفعال هؤلاء لم تخل من موافقة شهوة لهم؛","footnotes":"(¬١) انظر: النبوات (٢/ ٩٢٥).\r(¬٢) انظر ما يأتي ص (٤٤٢).\r(¬٣) انظر: طريق الهجرتين (١/ ٢٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050563,"book_id":1102,"shamela_page_id":406,"part":"1","page_num":434,"sequence_num":406,"body":"فلم تتجرد في حقهم من كل داع، وتجردت في حق الأول من كل داع (¬١).\rوقصد الحكمة من عدمها هو محل الخلاف بين المسلمين في التعليل؛ فليس أحد من المسلمين إلا ويقر بالحكمة - إذ هذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر - لكن الكلام في هذه هل هي مقصودة للفاعل، أم أنها حصلت اتفاقًا أو تبعًا، يوضحه:\rأنها القصد الأصلي والأولي له ﷾، والفعل إنما هو وسيلة إليها.\rيبينه أن الحكمة صفة ذاتية له ﷾، وهو سبحانه لم يتصف بها لكونه فعل ما فيه حكمة، بل هي صفة لازمة له أزلًا وأبدًا، لأنه ﷾ هو الكامل وكماله ذاتي ليس متوقفًا على فعله، ليس كالمخلوق الذي إنما يكمل بفعله، فالله كمل ففعل، والمخلوق فعل فكمل، وشتان ما بين الكمالين (¬٢).\rفالله ﷿ أراد الحكمة ابتداءً، والفعل هو المظهِر لها والسبب في إبرازها، وحكمته ﷾ تقتضي حصول الأشياء بأسبابها، فعادت الإرادة الأصلية للحكمة.\rوتقدم قريبًا أن الحكمة سابقة للفعل ومشيئته، وأنها بذلك هي القصد الأول.\rوأما كونها محبوبة لله ﷾، فلأن حكمته ﷾ كسائر صفاته - محبوبة له، فالله ﷿ يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها وموجبها، لأن ذلك من لوازم كماله (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: جامع الرسائل لابن تيمية (١/ ١٠٣)، وإيثار الحق (١٨٣).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٨٧).\r(¬٣) انظر: روضة المحبين (٦٤)، وعدة الصابرين (٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050564,"book_id":1102,"shamela_page_id":407,"part":"1","page_num":435,"sequence_num":407,"body":"فالحكمة التي هي صفته محبوبة له، وكذا أثرها وموجبها في الخلق محبوب له.\rوأما كونها متعلق محبته وحمده والثناء عليه؛ فمن وجهين:\rالوجه الأول: أن متعلق محبة الله ﷾ وحمده أمران (¬١):\rالأول: كماله ﷿ في ذاته.\rالثاني: فعله ﷾ لما يستحق عليه الحمد والثناء.\rومن ذلك حكمته سبحانه، يحمد الله ﷾ عليها لاتصافه بها وعود حكمها عليه، ويحمد كذلك على أثر هذه الصفة العظيمة، وهو ما في الوجود من الحكم والغايات الحميدة التي هي أصل منافع المخلوقين وسعادتهم.\r\"فالحمد لازم الحكمة\" (¬٢)، و\"وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع\" (¬٣)، فيكون نفي الحكمة نفيًا لحمده، نفيًا كليًّا عند من ينفي نوعي الحكمة، ونفيًا دون ذلك لمن ينفي الحكمة العائدة إليه ويثبت الأخرى.\rالوجه الثاني: أن إثبات الحكمة هو ملجأ أهل الإيمان لما يشاهدونه في الوجود من الشرور، وذلك أن المخلوقات على صنفين:\r- ما خيره ظاهر.\r- ما شره هو الظاهر.","footnotes":"(¬١) انظر: روضة المحبين (٦٠)، والفوائد (٢٦٦ - ٢٦٧).\r(¬٢) طريق الهجرتين (١/ ٢٤٦).\r(¬٣) تكررت هذه القاعدة في كلام شيخي الإسلام - رحمهما الله -، انظر على سبيل المثال: درء التعارض (١٠/ ١٢٠)، الجواب الصحيح (٢/ ١٠٤)، ومدارج السالكين (١/ ٢٠٦ و ٢٠٨)، وطريق الهجرتين (١/ ٢١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050565,"book_id":1102,"shamela_page_id":408,"part":"1","page_num":436,"sequence_num":408,"body":"فأما ما خيره ظاهر، كانتصار الدين ورفعته، وذل الكفر وانحطاطه؛ فالنفوس منه على برد ويقين، يطالعون فيه آلاء الله وحكمته، وعظم فضله ورحمته ومنته على خلقه.\rوأما ما شره ظاهر، كتغلب الكفار على المسلمين، وحصول الذلة والمهانة والقتل لأولياء الله ﷾؛ فقد يقع في بعض النفوس منه شيء، ويكون مدخلًا للشيطان عليها منه؛ يشككها في كمال ربها وما وعد به من نصرة الأنبياء وأتباعهم، وكسر أعدائهم، فيعمل بذلك على تبغيض الله إلى خلقه، وصرفهم عن صراطه المستقيم.\rفيقابل أهل القرآن وعسكر الإيمان هذه الوساوس والتشكيكات بالإيمان بحكمة الله ﷾، وأن له في تقدير هذه الشرور من الغايات الحميدة ما يستحق عليه أعظم الحمد وأجل الثناء، فلولا الإيمان بالحكمة وجعلها أصلًا محكمًا يرد إليه ما خفي وتشابه؛ لما تحقق الحب لله والثناء عليه، فصار للحكمة خصوصية من بين سائر صفات الكمال في ذلك.\rفالله سبحانه \"لما اشتملت عليه صفاته من الكمال، وأسماؤه من الحسن، وأفعاله من الحكم والغايات المقتضية لحمده، المطابقة لحكمته، الموافقة لمحابه. . . لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم مطابق للحكمة موجب للحمد\" (¬١).\rوهذا يوضح المراد بكونها مظهرًا من مظاهر اتصافه ﷾ بصفات الكمال، بل هي من أعظمها.\rونفي الحكمة نفي لأفعال الله ﷾، إذ الحكمة هي الغاية، والفعل","footnotes":"(¬١) طريق الهجرتين (١/ ٣٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050566,"book_id":1102,"shamela_page_id":409,"part":"1","page_num":437,"sequence_num":409,"body":"وسيلة إليها، فنفي الغاية نفي للوسيلة، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته (¬١).\rفالحكمة مشاركة لسائر الصفات في دلالتها على كمال الرب ﷿، وتختص الحكمة من ذلك بحظ وافر على ما تقدم بيانه.\rالمسألة الثانية: الحكمة هي اللفظ الشرعي، وأما لفظ العلة والغرض ونحوها فهي ألفاظ مجملة.\rمعنى الحكمة معنى شرعي جاء التعبير عنه في الشرع بهذا اللفظ (الحكمة)، وقد سبق عند عرض أدلة الحكمة سياق ما يبرهن ذلك.\rإلا أن هذا اللفظ الشرعي استُبدل بألفاظ أخرى مثل العلة، والغرض، والغاية، والباعث، والمعنى، والسبب، والقصد، والهدف، والمرمى.\rوهذه الألفاظ فيها ملحظان:\rالأول: أن الشارع لم يعبر بها.\rالثاني: أن هذه الألفاظ - عن آخرها - لا تخلو من إجمال، فهي مشتملة على حق وباطل.\rوالواجب التعبير عن المعاني الشرعية بالألفاظ الشرعية ما أمكن.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية؛ فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١/ ١٩٤).\r(¬٢) درء التعارض (١/ ٢٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050567,"book_id":1102,"shamela_page_id":410,"part":"1","page_num":438,"sequence_num":410,"body":"الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما توقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة والألفاظ التي بُيِّنت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة\" (¬١).\rوقد تطلق بعض هذه الألفاظ في أحد موطنين:\rالأول: في محاججة الخصوم، فيخاطبون بما يعرفونه من مصطلحات.\rالثاني: حيث أمن اللبس، وعرف مراد المتكلم (¬٢).\rالمسألة الثالثة: أهل السنة يثبتون ما تضمنه معنى الحكمة اسمًا لله ﷾ وصفة.\rأهل السنة يثبتون ما أثبته الله ﷾ لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، من الأسماء والصفات، ومن ذلك إثباتهم لصفة الحكمة، وكذا اسمه ﷿ الحكيم والحَكَم.\rوصفة الحكمة صفة ذاتية، بمعنى أن الله لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي كذلك شرعية عقلية، بمعنى أنها عُلمت بالشرع وبالعقل.\rفمن أسماء الله ﷾ الحكيم والحَكَم، قال ابن كثير ﵀: \"الحكيم: في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١/ ٢٧١).\r(¬٢) انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٥)، ففيه تجويز إطلاق لفظ الجبر إذا أمن اللبس وعلم القصد، مع ما في لفظ الجبر من إيهام.\r(¬٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050568,"book_id":1102,"shamela_page_id":411,"part":"1","page_num":439,"sequence_num":411,"body":"وأما الحكم فمعناه: الحاكم، أي الذي إليه الحكم، ورُد إليه فيه الأمر (¬١).\rواسم الله ﷾ الحكيم يتضمن معنى اسم الحكم وزيادة، فهو متضمن لمعنيين: معنى الحكم، ومعنى الإحكام للخلق أي الإتقان، وكل منهما شامل للشرع والقدر.\rقال ابن القيم ﵀ (¬٢):\rوهو الحكيم وذاك من أوصافه … نوعان أيضًا ما هما عدمان\rحكمٌ وإحكامٌ وكل منهما … نوعان أيضًا ثابتا البرهان\rوأهل السنة سائرون في إثباتهم الحكمة لله ﷾ على أصولهم، من أنه ﷾ ليس كمثله شيء؛ فحكمته تليق به لا تشابه ما ثبت منها للمخلوق، فلله منها أعظم الكمال الذي يختص به فلا يشاركه فيه أحد، وللمخلوق من ذلك ما يليق بضعفه ونقصه.\rقال ابن القيم ﵀: \"كل ما خلقه وأمر به خلقه فيه حكمة بالغة وآيات باهرة، لأجلها خلقه وأمر به، ولكن لا نقول: إن لله تعالى في خلقه وأمره كله حكمة مماثلة لما للمخلوق من ذلك، ولا مشابهة له، بل الفرق بين الحكمتين كالفرق بين الفعلين، وكالفرق بين الوصفين والذاتين، فليس كمثله شيء في وصفه ولا في فعله ولا في حكمة مطلوبة له من فعله، بل الفرق بين الخالق والمخلوق في ذلك كله أعظمُ فرق وأبينُه وأوضحه عند العقول والفطر\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: شأن الدعاء (٦١)، والمنهاج للحليمي (١/ ٢٠٧).\r(¬٢) النونية (١٧٧) رقم (٣٢٦٦ - ٣٢٦٧).\r(¬٣) مفتاح دار السعادة (٣/ ١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050569,"book_id":1102,"shamela_page_id":412,"part":"1","page_num":440,"sequence_num":412,"body":"ويتبَع ذلك أنهم يفسرون الحكمة بمعناها الذي عرف بالشرع وبلسان العرب، ولا يفسرونها بما يعرفونه - أو يتوهمونه - في المخلوق، فإن هذا من أعظم الجناية في التعامل مع الله ﷾؛ فإن في ذلك تشبيهًا لله بخلقه (¬١)، فلا يفسرونها بتحصيل اللذة، أو دفع الهم والحزن ونحو ذلك.\rالمسألة الرابعة: حكمة الله ﷾ نوعان:\r- حكمة هي صفته ﷿، وهي كما تقدم صفة ذاتية معنوية له ﷾.\r- حكمة مخلوقة هي أثر اتصافه بالحكمة.\rفيقال: الحكمة صفة الله ﷿، ويقال: من حكمة الله نزول المطر، وخلق البحار ونحو ذلك، وذلك أن اسم الصفة - الذي هو الحكمة هنا - يراد اسم المصدر، ويراد به كذلك متعلقها وهو مسمى المفعول، فالله ﷾ حكيم بالحكمة التي هي صفته ﷾، وما يخلقه من الحكم هو أثر تلك الحكمة (¬٢).\rوقد سبقت الإشارة إلى الفرق بين الفعل والمفعول (¬٣).\rالمسألة الخامسة: الحكمة التي هي الغاية بفعله ﷾ منها ما يعود إليه ﷾، ومنها ما يعود إلى خلقه.\rيقرر أهل السنة ما دلت عليه نصوص الشرع، من أن الحكمة التي","footnotes":"(¬١) وهذا المسلك كان سبب انحراف كثير من أهل البدع عن الصراط المستقيم، فإنهم لما لم يعقلوا من الصفات غير ما يشاهدونه في المخلوق؛ توهموا أن إثباتها تنقصٌ للرب ﷿ وتشبيهٌ له بخلقه، فلم يجدوا سبيلًا لتنزيهه عن هذا النقص إلا بتعطيل الصفات، فمثلوا أولًا وعطلوا ثانيًا، والله المستعان.\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٧).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٣٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050570,"book_id":1102,"shamela_page_id":413,"part":"1","page_num":441,"sequence_num":413,"body":"يفعل الله ﷾ لأجلها نوعان (¬١):\r- حكمة تعود إليه ﷿، يحبها ويرضاها.\r- حكمة تعود إلى المخلوقين، يفرحون ويلتذون بها.\rوهذا شامل للأمور الشرعية والكونية.\rفأما الحكمة التي تعود إليه ﷿ فالكلام فيها مبني على مسألة عظيمة من مسائل الصفات، وهي أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، وقد سبق الكلام عليها فيما مضى (¬٢)، والمقصود منها هنا أن الله ﷿ متصف بالحكمة، فالحكمة وصفه، ويفعل لحكمة، فقيام الحكمة به يقتضي أن يعود إليه حكمها، وهذا واضح جدًا، ونفي حكمها في الحقيقة نفي لأصلها، ومجموع ذلك نفي لاستحقاقه الحمد، ونفي لاتصافه بالكمال، فيلزم من أثبت له الحكمة أن يثبت أنه ﷿ يعود إليه حكمة من أفعاله.\rفإنه لا يعقل في الحكيم إلا الذي يفعل لحكمة تعود إليه، بل لا يعقل أن يفعل المختار فعلًا بدون حكمة تعود إليه، أو أن تكون الحكمة وعدمها بالنسبة إليه سواء، ولو تصور وجوده؛ فهو سفيه عابث ليس بحكيم (¬٣).\rإذا تقرر هذا فما هي الحكم التي تعود إليه ﷿ من أفعاله؟\rالحكمة التي تعود إليه سبحانه هي في الحقيقة صفات من جملة صفاته التي تقوم به.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٥ - ٣٧).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٣٩٠ - ٣٩١).\r(¬٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٩٢ - ١٩٣ و ١٩٤)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٨٩ - ٩٠ و ٢١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050571,"book_id":1102,"shamela_page_id":414,"part":"1","page_num":442,"sequence_num":414,"body":"وبيان ذلك أن هذه الصفات هي في مقام التعليل لأفعاله ﷾، فينزل الغيث رحمة بعباده، وينصر رسله محبة لهم ولدينهم، ويهلك أعداءه غضبًا عليهم وانتقامًا منهم، وهكذا (¬١)، لذا فإن إثبات حكمة تعود إليه لا يستلزم أن يكون مستكمَلًا بغيره، لأن هذه الحكم هي صفاته.\rوهذه الحكم كلها مرجعها إلى صفة المحبة، لأن الله ﷾ يحب أسماءه وصفاته، ويحب ظهور آثارها وموجباتها في المخلوقات - كما تقدم (¬٢) -، وأفعاله ﷾ التي تتضمن الحكمة - هي عن أسمائه وصفاته.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وكل فاعل بالإرادة؛ فإرادته تستلزم محبة عامة لأجلها فعل، فالحب أصل وجود كل موجود، والرب تعالى يحب نفسه، ومن لوازم حبه نفسه أنها محبة مريدة لما يريد أن يفعله، وما أراد فعله فهو يريده لغاية يحبها، فالحب هو العلة الغائية التي لأجلها كان كل شيء\" (¬٣).\rلذلك كان الانحراف في فهم صفة المحبة، وعدم التفريق بينها والمشيئة هو أصل الضلال في هذا الباب، قال شيخ الإسلام ﵀: \"فلو أثبتوا [أي الجهمية والمعتزلة] أنه سبحانه يحب ويفرح بحصول محبوبه - كما أخبر به الرسول -؛ تبين لهم حكمته، وتبين أيضًا أنه يفعل الأفعال لحكمة\" (¬٤).\rوأما الحكمة التي تعود إلى المخلوقين؛ فهي أثر تلك الحكمة العائدة إليه","footnotes":"(¬١) انظر: الحكمة والتعليل للشهري (١/ ٢٠٨).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٤٣٤).\r(¬٣) النبوات (١/ ٣٧٢)، وانظر: جامع المسائل (٦/ ٢٠٨).\r(¬٤) منهاج السنة (٥/ ٣٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050572,"book_id":1102,"shamela_page_id":415,"part":"1","page_num":443,"sequence_num":415,"body":"سبحانه من محبته ورحمته وإحسانه وكرمه وسائر الحكم التي هي صفاته كما تقدم، فهذه الصفات تطلب أثرها وتقتضيه، وهذا الأثر هو الحِكم التي تعود على المخلوقين من حصول منافعهم وتحقق مصالحهم، ودفع الشرور عنهم.\rولهذا كانت الأمور العامة التي يفعلها الله ﷾ لحكمة عامة، ورحمة عامة (¬١)، وهذه الحكمة العامة لا يلزم تحققها في كل معين، بل قد تتضمن هذه الحكم ضررًا لبعض المخلوقات، ومثال ذلك إرسال الرسل فإن فيه من الحكم والمصالح العامة ودفع الشرور ما لا يحيط به إلا الله ﷾، ومع هذا فقد تضمنت شرورًا بالنسبة لبعض المخلوقين، كفرعون وأبي جهل وأمثالهم، فلا يلزم تحقق هذه المصالح في كل معين.\rوهذه الشرور مغمورة في جانب المصالح الحاصلة، ثم هي ليست شرورًا محضة بل هي مشتملة على حكم وغايات، هي باعتبارها خير ومصلحة (¬٢).\rالمسألة السادسة: حكمته ﷾ كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق.\rمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وأن الله ﷿ لا يحيط عبادُه به علمًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فالطمع مقطوع من الإحاطة بصفاته ﷾ لا من جهة أصل المعنى -، ومن ذلك الحكمة، فلا يمكن أحدًا من الخلق أن يدرك تفاصيل حكمة الله ﷾ في خلقه وأمره، وما اطلعنا عليه من تفاصيل هذه الحكمة سواء بالوحي أو بغيره لا يساوي شيئًا في","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٣).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٩٣ - ٩٤)، ومنهاج السنة (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050573,"book_id":1102,"shamela_page_id":416,"part":"1","page_num":444,"sequence_num":416,"body":"جانب ما لم نطلع عليه.\rومما يبين ذلك؛ أن الحكمة - كما تقدم - مبناها على أمرين: علم بدقائق الأمور، وعمل بمقتضى ذلك العلم.\rوالإحاطة بعلم الله ﷾ مما أخبر الله ﷾ ورسوله ﷺ بانتفائه، بل هو مما يُعلم اضطرارًا، لذا فقد ربط العلامة ابن القيم ﵀ بين انتفاء الإحاطة بتفاصيل الحكمة في كل شيء، وبين انتفاء الإحاطة بعلمه ﷾ فقال: \"ولو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله في خلقه وأمره لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع، مع قصور أذهاننا ونقص عقولنا ومعارفنا وتلاشيها، وتلاشي علوم الخلائق جميعهم في علم الله كتلاشي ضوء السراج في عين الشمس، وهذا تقريب وإلا فالأمر فوق ذلك\" (¬١).\rويكفي الإنسان فيما لم يدرك تفاصيله الإيمان المجمل بحكمة الله ﷾ وأنه لا يخلو منها شيء من الشرع ولا القدر، ويستدل على ما خفي منها بما ظهر.\rقال ابن القيم ﵀: \"وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وإبداعه وأمره وشرعه؛ فيكفيهم فيه معرفته بالوجه العام؛ أن تضمَّنَتَه حكمة بالغة - وإن لم يعرفوا تفصيلها - وأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به، فيكفيهم في ذلك الإسناد إلى الحكمة البالغة العامة الشاملة، التي علموا ما خفي منها بما ظهر لهم\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٢/ ٥٧٣).\r(¬٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٣١٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050574,"book_id":1102,"shamela_page_id":417,"part":"1","page_num":445,"sequence_num":417,"body":"ومعرفة الحكم والغايات في شرع الله ﷾ وقدره من أعظم ما يزيد اليقين والإيمان، لذا فقد أمر الله ﷾ بالتفكر والتدبر في آياته الكونية والشرعية وما تضمنته من حكم وغايات، قال ﷿: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥].\rالمسألة السابعة: ترتبط بالحكمة عدة مسائل في باب القدر، ومنها: مسألة التحسين والتقبيح، ومسألة خلق الأفعال، ومسألة الهداية والإضلال، ومسألة الأسباب، ومسألة الاستطاعة، ومسألة تكليف ما لا يطاق، ومسألة الرضا بالقدر، ومسألة دخول الشر في القضاء، وهذا بيان بعضها:\rأما مسألة التحسين والتقبيح؛ فالكلام فيها كان فرعًا عن الكلام في الحكمة والتعليل (¬١)، وقد تباينت مذاهب الناس فيها تبعًا لتباينها في هذه المسألة.\rوالمقصود هنا بيان علاقة التحسين والتقبيح العقليين بمسألة الحكمة، فمن نفى الحكمة - وهم الجهمية والأشاعرة كما سيأتي -؛ نفى التحسين والتقبيح العقليين، وجعل معرفتهما سمعية فقط، ومن أثبتهما - وهم أكثر الناس من المسلمين وغيرهم -؛ أثبت التحسين والتقبيح العقليين.\rوذلك أنه لا يمكن القول بالتعليل إلا بالقول بأن الأشياء متضمنة للحسن والقبح في ذاتها، وإلا فلو خلت الأشياء من صفات بها تحسن وتقبح لما أمكن تعليل فعلها، بل يكون فعلها راجعًا لمحض المشيئة.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050575,"book_id":1102,"shamela_page_id":418,"part":"1","page_num":446,"sequence_num":418,"body":"ومن هنا كان كل دليل يدل على تعليل أفعال الله ﷾ فهو دليل على الحسن والقبح العقليين، فإثبات الحكمة متضمن لإثبات التحسين والتقبيح العقليين.\rوبالعكس؛ فإثبات التحسين والتقبيح العقليين يستلزم إثبات التعليل، إذ معنى تضمن الشيء لما يكون به حسنًا أو قبيحًا، يقتضي أن فعل الحسن كان لحسنه، وترك القبيح كان لقبحه، وهذه هي حقيقة التعليل (¬١).\rووجه آخر: وهو أن الحكمة قد تكون في المأمور به، وقد تكون في الأمر، وقد تكون في كليهما، فالعدل والإحسان إلى الخلق وصلة الرحم ونحو ذلك فيه منفعة وحكمة فيما لو فعله العبد بدون الأمر به، فإذ أمر به صار فيه حكمتان: حكمة في نفسه، وحكمة في الأمر، وهذا هو الغالب على الشريعة.\rوأما ما ليس فيه حكمة في نفسه؛ ثم أمر به الشارع؛ صارت الحكمة فيه بالأمر لا في نفس المأمور؛ فإنه لا حكمة فيه، مثال ذلك أمر الله سبحانه لإبراهيم بذبح إسماعيل، فذات الذبح لا حكمة فيه ولا مصلحة، لذلك لم يكن مرادًا لله سبحانه، وإنما المراد له امتثال الأمر من إبراهيم، وهو الذي فيه مصلحة، فلما حصل الامتثال أُمر بعدم الذبح وبشر بأنه قد صدَّق الأمر وامتثله (¬٢).\rفالأول - الذي فيه حكمة في نفسه وإن لم يأت الأمر به -: حسنه عقلي.\rوالثاني - وهو ما فيه حكمة في نفسه وأتى الأمر به -: حسنه عقلي وشرعي.\rوالثالث - وهو ما أمر به مما لا حكمة فيه في نفسه -: فهذا امتحان","footnotes":"(¬١) انظر: الحكمة والتعليل للشهري (٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ١٤٤ - ١٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050576,"book_id":1102,"shamela_page_id":419,"part":"1","page_num":447,"sequence_num":419,"body":"وابتلاء، والحسن فيه إنما هو في الأمر به لا في ذاته.\rفالتفصيل الواقع في مسألة التحسين والتقبيح مبني على التفصيل في الحكمة، والله أعلم.\rوأما مسألة خلق الأفعال؛ فالكلام فيها كان سببًا في الكلام في مسألة الحكمة، إذ أن من لم يثبت للعبد قدرة ولا اختيارًا، بل جعله مجبورًا على أفعاله - وهم الجهمية والأشاعرة - لم يثبت الحكمة، وذلك لأن جبر العبد على الذنب ثم عقوبته عليه ظلم ينافي العدل والحكمة في بدائه العقول.\rأما منافاته للعدل فظاهرة.\rوأما منافاته للحكمة، فإن عقوبة من أكره على المعصية وضع للشيء في غير موضعه، وبناءً على ذلك فإثبات الجبرية للحكمة نقض لأصلهم في الجبر، وإذا انتقض أصلهم في الجبر انتقض مذهبهم في كل مسائل القدر وبان تناقضهم، ففرارًا من هذا المأزق نَفَوا التعليل في أفعاله ﷾، وأنه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة.\rوبالمقابل؛ فإثبات القدرة والاختيار للعبد يقتضي أن إثابة المطيع إنما هي لطاعته، وعقوبة العاصي إنما هي لمعصيته، وهذا يقود إلى إثبات التعليل من طريقين:\rالأول: أن إثابة المطيع لطاعته، وعقوبة العاصي لمعصيته هي حقيقة الحكمة، لأنها وضع للشيء في موضعه الذي يناسبه.\rالثاني: أن ذلك يقتضي إثبات الحسن في الطاعة، والقبح في المعصية، وثبوت الحسن والقبح يستلزم التعليل كما تقدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050577,"book_id":1102,"shamela_page_id":420,"part":"1","page_num":448,"sequence_num":420,"body":"ومن هذا يتبين أن إثبات الحكمة هو من أهم المطالب في باب القدر، إذ الإيمان بالقدر مداره على أصلين: إثبات القدر وخلق الله ﷾ لأفعال العباد، وإثبات الحكمة له ﷾، وهما متلازمان أشد ما تكون الملازمة، فلا إيمان بقدر إلا بإثبات الحكمة، ولا يمكن إثبات الحكمة إلا بإثبات القدر.\rوكل من القدر والحكمة والشرع أصول آخذ بعضُها برقاب بعض، لتشمل الدين كله، ولا يتأتى اجتماعها إلا على أصول سلف الأمة، والله المستعان.\rقال ابن القيم ﵀: \"والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءهم - لكمال ميراثهم لنبيهم - آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمر والنهي، وصدقوا بالوعد والوعيد، فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب، فصدقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفي لوازمهما كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر، وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\rواعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواص الخلق ولب العالم\" (¬١).\rوالحاصل أن لله ﷾ في كل ما قدره وقضاه حكم عظيمة، وأنه لا يخلو فعل من أفعاله من الحكمة، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) طريق الهجرتين (١/ ١٩٤ - ١٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050578,"book_id":1102,"shamela_page_id":421,"part":"1","page_num":449,"sequence_num":421,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف المعتزلة والأشاعرة أهل السنة في إثبات الحكمة في أفعال الرب سبحانه.\rأما المعتزلة؛ فذهبوا إلى إثبات الحكمة، وأنه لا يخلو فعل من أفعال الرب سبحانه منها، وإلا للزم العبث عليه، تعالى الله عن ذلك.\rقال القاضي عبد الجبار: \"إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلة، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حسن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول من قال: إنه تعالى خلق الخلق لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثًا لا لوجه تقتضيه الحكمة، وذلك - أي نقص من يفعل لا لغرض - ظاهر في الشاهد\" (¬١).\rوقال الشهرستاني: \"قالت المعتزلة: قد قام الدليل على أنه تعالى حكيم، والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان، فلا يفعل فعلًا جزافًا؛ فإن وقع خيرًا فخير وإن وقع شرا فشر، بل لا بد وأن ينحو غرضًا ويقصد صلاحًا\" (¬٢).\rومخالفة المعتزلة لعقيدة أهل السنة من وجهين:\rالأول: إنكارهم أن يعود لله سبحانه من الحكمة وصف، وأن الحكمة من الفعل مقصورة على الحكمة الراجعة إلى المخلوق، وهذا بناءً على مذهبهم في نفي صفات الله سبحانه.\rفإنهم جعلوا \"الحكمة في ذلك [أي الخلق] إحسانه إلى الخلق، والحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب، وقالوا: إن فعل الإحسان إلى الغير حسن","footnotes":"(¬١) المغني (١١/ ٩٢ - ٩٣).\r(¬٢) نهاية الإقدام (٤٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050579,"book_id":1102,"shamela_page_id":422,"part":"1","page_num":450,"sequence_num":422,"body":"محمود في العقل، فخلق الخلق لهذه الحكمة من غير أن يعود إليه من ذلك حكم، ولا قام به فعل ولا نعت\" (¬١).\rوعلة ذلك عندهم أن الحكيم من يفعل أحد أمرين، إما أن ينتفع أو ينفع غيره والباري سبحانه لما كان مقدَّسًا عن الانتفاع؛ تعين أنه إنما يفعل لينفع غيره (¬٢).\rالثاني: أنهم جعلوا الحكمة حاملًا لقولهم بالإيجاب على الله سبحانه.\rوما ذهبوا إليه باطل من وجوه:\rالأول: أن الأدلة النقلية والعقلية دلت على اتصاف الرب سبحانه بالحكمة، وأن الحكمة وصفه سبحانه، ولكن المعتزلة لما كانوا ينفون صفات الرب سبحانه فإنهم نفوا اتصافه بالحكمة.\rالثاني: أن قولهم: أن الرب سبحانه مقدس عن الانتفاع مجمل، فإن أريد بالانتفاع كون الرب سبحانه محتاجًا لغيره حتى يكمل؛ فباطل، وإن أريد أنه سبحانه يعود عليه وصف من كونه يفعل لحكمة فصحيح، يوضحه:\rالثالث: أنه لا يعقل أن يفعل الحكيم فعلًا من غير أن يعود عليه منه حكم؛ فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله، إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لقصده الحمد والثواب بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٨٩).\r(¬٢) انظر: نهاية الإقدام (٣٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050580,"book_id":1102,"shamela_page_id":423,"part":"1","page_num":451,"sequence_num":423,"body":"فكل من فعل فعلًا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه - لا عاجلة ولا آجلة -؛ كان عابثًا ولم يكن محمودًا (¬١).\rالرابع: أن الحكمة العائدة إليه سبحانه صفات من جملة صفاته التي تقوم به - كما تقدم - فهو ينصر المؤمنين محبة لهم ولدينه، ويخذل الكافرين غضبًا عليهم وانتقامًا منهم، وهكذا (¬٢)، فالحكمة العائدة إليه من صفاته، فلا يكون سبحانه مستكملًا بغيره.\rالخامس: أن الإيجاب على الرب سبحانه لا يصح أصلًا، سواء كان موجبه الحكمة أو غيرها، لأن العباد لا يوجبون على الرب سبحانه إلا ما أوجبه على نفسه تفضُّلًا منه سبحانه - كما سيأتي - وإن كان سبحانه إنما أوجب على نفسه ما أوجب تفضُّلًا لحكمة، إذ الحكمة - كما تقدم - ملازمة لأفعال الله ﷾ (¬٣).\rوأما الأشاعرة؛ فذهبوا إلى إنكار الحكمة في أفعاله سبحانه، وزعموا أنه سبحانه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة، فليس ثَمَّ حكمة تبعث على الفعل أو مقصودة به، وإنما تترتب عليه، وتحصل عقيبه حصولًا مجردًا عن القصد.\rقال الشهرستاني: \"مذهب أهل الحق أن الله تعالى خلق العالم بما فيه من الجواهر والأعراض، وأصناف الخلق والأنواع، لا لعلة حاملة له على الفعل، سواء قدرت تلك العلة نافعة له أو غير نافعة؛ إذ ليس يقبل النفع والضر، أو قدرت تلك العلة نافعة للخلق إذ ليس يبعثه على الفعل باعث، فلا غرض له","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٨٩ - ٩٠)، ومنهاج السنة (٣/ ١٩٢ - ١٩٤).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٤٤١ - ٤٤٢).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٤٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050581,"book_id":1102,"shamela_page_id":424,"part":"1","page_num":452,"sequence_num":424,"body":"في أفعاله ولا حامل، بل علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى اشتملت على خير وتوجهت إلى صلاح، وأنه لم يخلق الخلق لأجل الفساد، ولكن الكلام إنما وقع في أن الحامل له على الفعل ما كان صلاحًا يرتقبه وخيرًا يتوقعه، بل لا حامل له\" (¬٢).\rوقال الإيجي: \"المقصد الثامن في أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، إليه ذهبت الأشاعرة\" (¬٣).\rوقال الآمدي: \"القاعدة الثانية: في نفي الغرض والمقصود عن أفعال واجب الوجود: مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها، بل كل ما أبدعه من خير وشر ونفع وضر لم يكن لغرض قاده إليه، ولا لمقصود أوجب الفعل، بل الخلق وأن لا الخلق له جائزان، وهما بالنسبة إليه سيان\" (¬٤).\rوقال الرازي: \"المسألة السادسة والعشرون: في أنه لا يجوز أن تكون أفعال الله تعالى وأحكامه معللة بعلة البتة\" (¬٥).\rوقال: \"مسألة: لا يجوز أن يفعل الله شيئًا لغرض\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) نهاية الإقدام (٣٩٧)، تحت: \"القاعدة الثامنة عشر: في إبطال الغرض والعلة في أفعال الله تعالى. . .\".\r(¬٢) المصدر السابق (٤٠٠)، وانظر: غاية المرام (٢٠٢).\r(¬٣) المواقف (٣٣١).\r(¬٤) غاية المرام (١٩٤).\r(¬٥) الأربعين في أصول الدين (٣٥٠).\r(¬٦) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050582,"book_id":1102,"shamela_page_id":425,"part":"1","page_num":453,"sequence_num":425,"body":"واستدل الأشاعرة لما ذهبوا إليه بأدلة، منها:\rأولًا: أن إثبات الحكمة في أفعاله سبحانه يستلزم أن يكون مستكملًا بغيره، إذ من فعل فعلًا لتحصيل منفعة أو دفع مضرة؛ إما أن يكون تحصيل تلك المنفعة أو دفع المضرة أولى له من عدمه أو لا، فإن كان الأول؛ كان ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره، وإن كان الثاني؛ بطل التعليل إذ لا رجحان حينئذ (¬١).\rثانيًا: أنه لو كان الله سبحانه قد خلق لعلة؛ فإن هذه العلة لا تخلو عن أن تكون قديمة أو محدثة، فإن كانت قديمة؛ وجب قدم الخلق لقدم علته، وإن كانت محدثة؛ فلا يخلو: إما أن يكون الله أحدثها لعلة أو لا، فإن كان الثاني بطل القول بالتعليل، وإن كان الأول فالقول فيها كالقول في العلة الأولى، فيلزم التسلسل (¬٢).\rثالثًا: أن كل غرض يفرض أن الله سبحانه يفعل الفعل لأجله، فهو سبحانه قادر على إيجاده ابتداءً فيكون توسيط ذلك الفعل عبثًا، وهو محال (¬٣).\rكما ادعوا أن اللام في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] هي لام العاقبة والصيرورة، وليست لام التعليل.\rقال الشهرستاني: \"وأما الآيات في مثل ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] فهي لام المآل وصيرورة الأمر وصيرورة العاقبة، لا لام التعليل،","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد للباقلاني (٥٠)، ونهاية الإقدام (٣٩٩)، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (٢٠٥)، والأربعين للرازي (٣٥٠)، وغاية المرام (١٩٧)، والمواقف (٣٣١).\r(¬٢) انظر: التمهيد للباقلاني (٥١ - ٥٢)، والأربعين للرازي (٣٥٠ - ٣٥١).\r(¬٣) انظر: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين (٢٠٥)، والأربعين للرازي (٣٥١)، والمواقف (٣٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050583,"book_id":1102,"shamela_page_id":426,"part":"1","page_num":454,"sequence_num":426,"body":"كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] \" (¬١).\rوالجواب على شبهتهم الأولى من وجوه (¬٢):\rالأول: أن القول بأنه ناقص بذاته إما أن يراد به أنه كان عادمًا لكمال كان يجب أن يكون له قبل حدوث المراد، أو يراد أنه عادم لما ليس كمالًا قبل وجوده؟\rفإن كان المراد الثاني؛ فلا نقص؛ إذ البحث في كونه كمالًا قبل وجود الفعل، وإن كان الأول فباطل؛ إذ لا يلزم من فعله لغرض حصوله أولى من عدمه أن يكون عادمًا لشيء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد، فإنه يمتنع أن يكون كمالًا قبل حدوثه.\rالثاني: أن هذه الحكمة لم تحصل من شيء خارجي عنه، بل تلك الحكمة صفته القائمة به.\rالثالث: أن الحكمة المقصودة بفعله سبحانه محبوبة له سبحانه مرادة، وإذا كانت كذلك؛ فحصولها هو الكمال في حقه، وعدمها نقص؛ إذ من كان قادرًا على تحصيل ما يحبه وفعله في الوقت الذي يحب على الوجه الذي يحب فهو الكامل حقًّا لا من لا محبوب له أو له محبوب لا يقدر على فعله.\rالرابع: أن نفي الحكمة هو النقص لا أن إثباتها يستلزم نقصًا، لأن الحكمة كمال - كما تقدم - ولزوم النقص من انتفاء الحكم أظهر في العقول والفطر من لزوم النقص في إثبات ذلك.","footnotes":"(¬١) نهاية الإقدام (٤٠٤).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٧٧ - ٥٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050584,"book_id":1102,"shamela_page_id":427,"part":"1","page_num":455,"sequence_num":427,"body":"الخامس: أن هؤلاء يجوزون على الرب سبحانه فعل كل ممكن، حتى الأمر بالكفر والشرك ونسخ التوحيد، فإذا جازت هذه المرادات من غير أن يكون في إرادتها نقص، فجواز غيرها من باب أولى، وعليه فلا يلزم من كون الحكمة مرادة له نقص.\rالسادس: أن انتفاء الحكمة في الفعل الاختياري من الحي العالم ممتنع - كما تقدم -، وإنما يتصور هذا في حق زائل العقل بنوم أو جنون أو العابث، والرب سبحانه منزه عن ذلك.\rوأما الشبهة الثانية فجوابها من وجوه كذلك (¬١):\rالأول: أن الحكمة يحذى بها حذو الفعل؛ فما جاز عليه جاز عليها، وما امتنع عليه امتنع عليها، فالفعل لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديمًا أو حادثًا، فإن أمكن أن يكون قديمًا؛ أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك، وإن كان حادثًا؛ كانت الحكمة كذلك.\rالثاني: أن النفاة يقرون بقدم كونه مريدًا، ولا يلزم من هذا قدم الإرادة عندهم قدم المراد، فكذلك الحكمة لا يلزم من كونها قديمة قدم الفعل، إذ الباب واحد.\rالثالث: أن أهل السنة يقولون: الله سبحانه يفعل لحكمة، وهذه الحكمة محبوبة له مرادة، ثم قد تكون مرادة لذاتها؛ فلا تسلسل، وإما أن تكون مرادة لغيرها، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لذاته قطعًا للتسلسل.\rفالقول بتوقف العلة على علة أخرى ممنوع، إذ هو التسلسل الممتنع، وهو","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٨٦ - ٥٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050585,"book_id":1102,"shamela_page_id":428,"part":"1","page_num":456,"sequence_num":428,"body":"التسلسل في المؤثرين، يوضحه:\rالرابع: أن التسلسل المذكور إما أن يكون التسلسل الممتنع، - وهو التسلسل في المؤثِّرين، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى نهاية -، وإما أن يكون التسلسل الجائز - وهو التسلسل في الآثار -، فإن كان جائزًا بطل الإلزام من أصله، وإن كان ممتنعًا فهو مدفوع بانتهاء المرادات إلى مراد لنفسه فينقطع التسلسل.\rالخامس: أن نفي الحكمة يستلزم نفي الإرادة، إذ لا يعقل من كون المريد مريدًا إلا لحكمة وغاية، وإذا انتفت الإرادة لزم أن يكون موجبًا بالذات وعلة تامة لمعلوله في الأزل، فيلزم قدم الحوادث المشهودة، وهذا بيِّن البطلان.\rوأما الشبهة الثالثة فجوابها من وجوه أيضًا (¬١):\rالأول: أنه لا يلزم من كون الفعل مقدورًا ممكنًا أن تكون الحكمة المقصودة بوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه، إذ وجود الملزوم بدون لازمه محال.\rالثاني: أن دعوى العبث في توسط أحد الأمرين مطلقًا باطلة، إذ توسط الشرط أو السبب أو المادة التي يحدث منها ما يحدثه ليس بعبث بل هو الحكمة.\rالثالث: أن قولهم بأن العبث على الله محال يستلزم إثبات الحكمة، لأن العابث من يفعل لا لحكمة ولا لمصلحة.\rالرابع: أن يقال: هذه الوسائط إما أن تكون معللة بحكم أخرى فيها مصلحة للفاعل أو للوسائط؛ فليس توسطها حينئذ عبثًا، وإما أن تكون غير معللة بل مرادة لذاتها، ولا مانع يمنع من هذا، ولا يلزم من انتفاء التعليل في","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٩٣ - ٥٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050586,"book_id":1102,"shamela_page_id":429,"part":"1","page_num":457,"sequence_num":429,"body":"بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع.\rالخامس: أن غاية هذه الشبهة أنه قادر على تحصيل تلك الحكم بالوسائط وبدونها، وهذا لا ينافي الحكمة من وجهين:\rأولًا: أنه إذا كان الأمران ممكنين في حقه سبحانه فإنما يكون العدول عن أحدهما إلى الآخر عبثًا إذا كانا متساويين من كل وجه، وهذا ما لا سبيل لإثباته، بل لا يمكن لعاقلٍ أن يقول به؛ إذ هو متضمن إنكار الأسباب، وهذا يعود على الشرع والقدر بالإبطال، لأن الأسباب محل الشرع والقدر - كما سيأتي - (¬١).\rثانيًا: إذا كان الله قادرًا على الأمرين فالكمال فعل كلا الأمرين، فالرب لكماله قادر على تحقيق تلك الحكم بتوسط المخلوق المنفصل، وقادر على خلقها بدون توسط المخلوق، بل بما قام بنفسه من أفعاله اللازمة وكلماته وثنائه على نفسه وحمده لها.\rوأما دعواهم أن لام التعليل في القرآن هي لام العاقبة؛ فباطل أيضًا من وجوه:\rالأول: أن لام العاقبة ينزه الرب سبحانه عنها، فهو العليم القدير، ولام العاقبة لا تكون إلا من عاجز أو جاهل، أما الجاهل فمثاله آل فرعون في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فهم جاهلون بمآل الأمر وثمرته عليهم، وأما العاجز فمثاله قول الشاعر (¬٢):\rلِدُوا للموت وابنوا للخراب … فكلكم يصير إلى تباب","footnotes":"(¬١) انظر ما يأتي ص (٦٠٢) وما بعدها.\r(¬٢) ديوان أبي العتاهية ص (٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050587,"book_id":1102,"shamela_page_id":430,"part":"1","page_num":458,"sequence_num":430,"body":"فهم عالمون بهذه العاقبة لكنهم عاجزون عن دفعها (¬١).\rالثاني: أن لام العاقبة لا يصح أن يكون الفاعل مريدًا للعاقبة فيها، والعبادة فيما مثلوا به من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ مرادة بالاتفاق، فيمتنع على هذا أن تكون اللام فيها للعاقبة ويلزم أن تكون للغاية (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٤)، وجامع المسائل (٦/ ٥٩)، وشفاء العليل (٢/ ٥٣٩).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥)، وقد تتبع ابن القيم ﵀ ما أوردوه من أمثلة ونقضها مثالًا مثالًا، انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٤٠) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050588,"book_id":1102,"shamela_page_id":431,"part":"2","page_num":463,"sequence_num":431,"body":"الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بأفعال العباد\rوتحته مبحثان:\r\rالمبحث الأول: \"العبد له قدرة على فعله وله مشيئة\".\rالمبحث الثاني: \"الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050589,"book_id":1102,"shamela_page_id":432,"part":"2","page_num":464,"sequence_num":432,"body":"[المطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدة من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: «وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة» (¬١).\rوقال ﵀: «أهل السنة يقولون: إن العبد له مشيئة وقدرة وإرادة، وهو فاعل لفعله حقيقة» (¬٢).\rوقال ﵀: «ويؤمنون [أي: أهل السنة والجماعة] أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختار» (¬٣).\rوقال مرعي الكرمي: «فإن العبد له قدرة وإرادة وفعل حقيقة، يقدر به على فعل ما كلف به وعلى تركه» (¬٤).] [¬*]\r\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل الكتاب والسنة والإجماع على هذه القاعدة.\rأما الكتاب والسنة؛ فقد دلَّا عليها في مواطن كثيرة، ويمكن تقسيم دلالتهما إلى أنواع:\rالأول: الآيات والأحاديث الصريحة في إثبات قدرة العبد ومشيئته، كقوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، أي: ذوي قدرة، كما أُثر عن ابن عباس ﵁، وأُثر نحوه عن مجاهد وقتادة وابن زيد ﵏ (¬٥).\rوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].\rوقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. . . إلى أن قال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: ٢٠ - ٢١]، فأثبت قدرتهم على الأولى، ونفاها عن الثانية.\rومنه الآيات والأحاديث المصرحة بإثبات القوة للعبد، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣].\rوقوله ﷺ للمستحاضة: (وإن قويت على أن تؤخري الظهر","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٠).\r(¬٢) المصدر السابق (١٢/ ٣٣١).\r(¬٢) المصدر السابق (٣/ ٣٧٤).\r(¬٤) رفع الشبهة والغرر (٥٠).\r(¬٥) روى هذه الآثار ابن جرير (٢٣/ ١٧٦ - ١٧٧).\r\r[¬*] تعليق الشاملة: سقطت هذه المسألة من المطبوع، فأضفناها من أصل الرسالة العلمية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050590,"book_id":1102,"shamela_page_id":433,"part":"2","page_num":465,"sequence_num":433,"body":"وتعجلي العصر. . . فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك) (¬١).\rوقوله ﷺ: (خذوا من العمل ما تطيقون) (¬٢).\rومنه أيضًا الآيات والأحاديث المصرحة بإثبات الاستطاعة للعبد، كقوله ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷾ حكاية عن شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].\rوقوله ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (¬٣).\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٦، ٣٧]، وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩].\rوقوله ﷺ لمن سأله عن الوضوء من لحوم الغنم: (إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ) (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٤٥/ ٤٦٧) (٢٧٤٧٤)، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (١/ ١٤٤) ح (٢٨٧)، من حديث حمنة بنت جحش ﵂، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (٢٨٧).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب الصوم، باب صوم شعبان (٣/ ٣٨) ح (١٩٧٠)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد. . . (١/ ٥٤٢) ح (٧٨٥)، من حديث عائشة ﵂.\r(¬٣) تقدم تخريجه ص (٢٦٤).\r(¬٤) رواه مسلم: كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل (١/ ٢٧٥) ح (٣٦٠)، من =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050591,"book_id":1102,"shamela_page_id":434,"part":"2","page_num":466,"sequence_num":434,"body":"الثاني: الآيات والأحاديث التي فيها إثبات الكسب للإنسان، كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، والكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضرر (¬١)، ولا يكون كسبًا إلا بالقدرة عليه ومشيئته.\rالثالث: الآيات والأحاديث التي فيها إضافة أفعال العباد إليهم، نحو: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، و ﴿يَفْعَلُونَ﴾، و ﴿يَتَّقُونَ﴾، و ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، و ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، وأمثال ذلك وهو أكثر من أن يحصر.\rولا تضاف أفعالهم إليهم حتى يكونوا قادرين عليها، شائين لها.\rوبالجملة، فكل نص تضمن إثبات الوسع أو الطاقة أو الملك أو نفي العجز مضافًا إلى العبد، أو الثواب والعقاب على فعله، أو انقطاع عمله بعد موته؛ فهو دليل على قدرة العبد ومشيئته (¬٢).\rوأما الإجماع فممن حكاه: شيخ الإسلام، قال ﵀: \"ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. . . وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله\" (¬٣).","footnotes":"= حديث جابر بن سمرة ﵁.\r(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٨٧).\r(¬٢) انظر: صيانة الإنسان (٢٥٢)، وقد تقدم ذكر بعض الأدلة على قدرة العبد، انظر ص (٢٦٣ - ٢٦٤).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050592,"book_id":1102,"shamela_page_id":435,"part":"2","page_num":467,"sequence_num":435,"body":"وقال ﵀: \"وكذلك جماهير أهل السنة من أهل الحديث والفقه والتفسير والتصوف، لا يقرون بهذه الأقوال المتضمنة للخطأ، بل هم متفقون على أن الله خالق أفعال العباد، وعلى أن العبد قادر مختار يفعل بمشيئته وقدرته والله خالق ذلك\" (¬١).","footnotes":"(¬١) منهاج السنة (٣/ ١٢٨ - ١٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050593,"book_id":1102,"shamela_page_id":436,"part":"2","page_num":468,"sequence_num":436,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة هي إحدى القاعدتين اللتين تنبني عليهما مسألة خلق الأفعال، وهي المسألة العظيمة في باب القدر، فهذه المسألة لها متعلقان:\r- ما يتعلق بالرب ﷿، وهو إثبات خلقه ﷾ لأفعال عباده واراداتهم وقدرتهم.\r- ما يتعلق بالعبد، وهو إثبات أن له قدرة ومشيئة بهما فعل.\rولا بد قبل البدء بتحرير هاتين القاعدتين من التذكير بمقدمات ثلاث تتعلق بها:\rالأولى: التفريق بين الفعل والمفعول، والمقصود منها أن أفعال العباد هي فعل للعبد وخلق لله ﷾، فجهة فعلها غير جهة خلقها.\rفالقيام والقعود ونحوهما من أفعال العباد تطلق على الفعل الذي به وجد المفعول، وتطلق على المفعول الحاصل بالفعل.\rالثانية: التفريق بين فعل وأفعل، فالله أقدر العبد على فعله وجعل شائيًا له، والعبد قدِر وشاء، وفعل بقدرته ومشيئته.\rالثالثة: الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره؛ فأفعال العباد قامت بهم وهم الذين اكتسبوها، فالعبد هو المصلي والصائم والقائم والقاعد، والله ﷾ هو الذي أقدره على ذلك.\rوالذي للعبد منها فعله وكسبه الذي يستحق عليه المدح والذم والثواب والعقاب، والذي لله منها العلم والكتابة والمشيئة والخلق.\rوالله ﷾ ممدوح على كل ما قدَّر وشاء - إذ له ﷾ الحكمة البالغة -، والعبد يمدح على حسن فعله ويذم على قبيحه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050594,"book_id":1102,"shamela_page_id":437,"part":"2","page_num":469,"sequence_num":437,"body":"وقد سبق بيان هذه المقدمات، والمقصود هنا بيان علاقتها بخلق الأفعال.\rوالكلام على هذه القاعدة في مسائل:\rالأولى: معنى القدرة المضافة إلى العبد.\rالثانية: معنى المشيئة المضافة إليه كذلك.\rالثالثة: قدرته ومشيئته كسائر صفاته، هما على ما يناسبه ويليق به.\rالرابعة: قدرة العبد حقيقية، لها أثر في وجود الفعل.\rالخامسة: قدرة العبد ومشيئته من أسباب وجود الفعل، والسبب لا بد له من معاونة ودفع الموانع.\rالسادسة: ثبوت تأثير القدرة والمشيئة لا يعني الاستقلال بالفعل، بل هما تابعتان لقدرة الله ﷾ ومشيئته.\rالمسألة الأولى: معنى القدرة المضافة إلى العبد.\rالمراد بالقدرة المضافة إلى العبد: أي أن الله ﷾ أعطاه استطاعة يقدر بها على فعل الشيء وتركه، وهذه الاستطاعة هي التمكُّن وسلامة الآلات التي يكون بها الفعل.\rوذلك أن الاستطاعة - على ما سيأتي في مبحث مستقل - نوعان:\r- سابقة للفعل، وهي المصححة للفعل، وهي المرادة هنا.\r- ومقارنة للفعل، وهي حقيقة القدرة، وهي المختصة بالفاعل.\rفالعبد بما أودع الله ﷿ فيه من صفات وغرائز يقدر على أفعاله، وهذا يكون بحسب ما أعطاه الله ﷾ من الكمال، والناس متفاوتون في قدراتهم، فمنهم من يقدر على أشياء كثيرة لا يقدر عليها كثيرون، ومنهم من لا يقدر إلا على القليل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050595,"book_id":1102,"shamela_page_id":438,"part":"2","page_num":470,"sequence_num":438,"body":"ولكن المقصود هو الكلام على القدرة عمومًا.\rوالقدرة قرينة الحياة وملزومها، فكل حي فهو قادر على ما أقدره الله عليه من أفعال، ومن لا يقدر على شيء من الأفعال البتة؛ فهو ميت ليس بحي، كما ذكر البخاري عن نعيم بن حماد: \"أن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل؛ فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت\" (¬١).\rفالذي لا يفعل ليس بحي، والفعل لا يكون إلا بقدرة، فمن لا قدرة له؛ لا حياة له.\rوالقدرة المرادة هنا هي القدرة الكونية لا الشرعية (¬٢)، إذ الشرعية أخص منها؛ فكل قادرٍ شرعًا فهو قادرٌ كونًا، وليس كل قادرٍ كونًا قادرٌ شرعًا (¬٣)، فالأعرج الذي خرج للجهاد قادر على الجهاد كونًا ولكنه غير قادر شرعًا، وهذا من رحمة الشارع وتيسيره على المكلفين.\rالمسألة الثانية: معنى المشيئة المضافة إلى العبد.\rوالمراد بها أن للعبد إرادة واختيارًا فيما يقدر عليه، فله إرادة واختيار في الفعل والترك.\rوما قيل في الإرادة من جهة استلزام الحياة لها يقال في المشيئة، فلا حياة بغير قدرة ولا حياة بغير مشيئة.\rفلا يمكن خلو الإنسان عن المشيئة، فإن الإنسان حساس يتحرك","footnotes":"(¬١) خلق أفعال العباد (٢/ ١٩٢).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٠).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050596,"book_id":1102,"shamela_page_id":439,"part":"2","page_num":471,"sequence_num":439,"body":"بالإرادة، فلا بد له من مراد، سواء كان مراد خير أو مراد شر (¬١).\rالمسألة الثالثة: قدرة العبد ومشيئته كسائر صفاته، هما على ما يناسبه ويليق به.\rمن المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله، ومن المتقرر عندهم كذلك أن صفات ما دونه من المخلوقين كذلك على ما يليق بما جبلوا عليه من نقص وضعف.\rومن ذلك اتصاف العباد بالقدرة والمشيئة؛ فهو بهما لم يخرج عما جبل عليه من نقص، وهما على ما يليقان به، وكذا القدرة والمشيئة المضافتين إلى الرب ﷿ هما على ما يليق بكماله وعظمته.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ما يوصف الله به ويوصف به العباد؛ يوصف الله به على ما يليق به ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام\" (¬٢).\rالمسألة الرابعة: قدرة العبد حقيقية لها أثر في وجود الفعل.\rيثبت أهل السنة والجماعة للعبد قدرة على ما تعرفه العرب من كلامها، وهي القدرة التي لها أثر في المقدور، وأما قدرة لا علاقة لها بالمقدور إلا الاقتران العادي، أو كونها علامة عليه فليست قدرة على الحقيقة.\rومعنى أن القدرة لها أثر: أي أنها سبب من الأسباب التي يحصل بها","footnotes":"(¬١) انظر: الجواب الصحيح (٦/ ٣٤)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ١٩٦)، وجامع المسائل (٣/ ٥٤)، وشفاء العليل (٢/ ٨٣٠ - ٨٣١).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050597,"book_id":1102,"shamela_page_id":440,"part":"2","page_num":472,"sequence_num":440,"body":"الفعل، وهذا السبب له أسباب أخرى تعاونه، وموانع تعوقه، لا أن المراد أنها مستقلة بالأثر موجبة له.\rفلفظ التأثير يراد به هذين المعنيين: أنها سبب من جملة الأسباب، وأنها علة تامة مستقلة بإيجاد السبب، فالثاني باطل، والأول هو الصواب.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والمقصود هنا أن التأثير إذا فُسر بوجود شرط الحادث، أو بسبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى - فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار.\rوإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع؛ فليس شيء من المخلوقات مؤثرًا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ندَّ له، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن\" (¬١).\rومما يدل على تأثير قدرة العبد ومشيئته قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فأخبر أنه لا يملك الضر والنفع لنفسه إلا إذا شاء الله، ومفهومه أنه إذا شاء الله ملك لنفسه ذلك، والنفع والضر هما أثر الفعل الحاصل بقدرته ومشيئته، فدل على أن لهما أثرًا في الفعل.\rفدلت هذه الآية \"على أن قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى ومشيئته\" (¬٢)، فنص على القدرة، والمشيئة قرينتها في ذلك.\rومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾","footnotes":"(¬١) مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ١٥٥).\r(¬٢) روح المعاني (٩/ ١٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050598,"book_id":1102,"shamela_page_id":441,"part":"2","page_num":473,"sequence_num":441,"body":"[يس: ١٢]، فـ (آثارهم): آثار أعمالهم من خير وشر، سواء كانت في الحياة أو بعد الممات، والتعبير بالآثار يدل على أن لها أثرًا في وجود العمل.\rقال السعدي ﵀: \" ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي آثار الخير وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم\" (¬١)، يوضحه:\rالمسألة الخامسة: قدرة العبد ومشيئته من أسباب وجود الفعل، والسبب لا بد له من معاونة ودفع الموانع.\rفالله ﷾ لكمال حكمته - ربط الأسباب بمسبباتها، وجعل لهذه الأسباب أضدادًا وموانع؛ فلا بد للوصول إلى الفعل من الإتيان بأسبابه ودفع أضدادها.\rوهكذا الأمر في أفعال العباد؛ من جملة الأسباب التي تحصل بها: قدرة العبد ومشيئته، ومن لطيف ما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣، ٧٤]، فأخبر ﷾ بأن مراد الكفار وهو فتنة النبي ﷺ عن الوحي قد انعقدت أسبابه من قبلهم إلى حد أنه قارب الوقوع، إلا أنه لم يقع لوجود المانع، وهو تثبيت الله لنبيه ﷺ.\rفقدرتهم ومشيئتهم كانت من جملة أسباب هذه الفتنة، إذ أن الله ﷾ أضاف الفعل إليهم، فدل على أنه واقع بقدرتهم ومشيئتهم.","footnotes":"(¬١) تفسير السعدي (٣/ ١٤٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050599,"book_id":1102,"shamela_page_id":442,"part":"2","page_num":474,"sequence_num":442,"body":"وتقرير كون قدرة العبد ومشيئته من أسباب الفعل يعني أنهما - كسائر الأسباب - لا تستقلان بالفعل، بل لا بد من وجود أعوانها ودفع أضدادها.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وأن قدرة العباد لها تأثير فيها كتأثير الأسباب في مسبباتها، وأن الله خالق كل شيء بما خلقه من الأسباب، وليس شيء من الأسباب مستقلًا بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه وإلى دفع موانع تعارضه، ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب التام الذي يجب به الفعل، فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل - مع أن أكثر أسبابه ليست إليه -؛ فقد خرج عن موجب العقل والشرع. . . ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل، وأن وجود قدرته وإرادته وعدمهما بالنسبة إلى الفعل على السواء؛ فقد كابر العقل والحس\" (¬٢).\rالمسألة السادسة: قدرة العبد ومشيئته تابعتان لقدرة الله ﷾ ومشيئته.\rيثبت أهل السنة والجماعة لله ﷾ الملك التام والحمد التام، فيثبتون له الحكمة وينزهونه عن الظلم والقبيح، ويثبتون له التصرف المطلق في خلقه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته.\rوكل ما في العباد من نعمة؛ قوة وقدرة وإرادة وغيرها؛ فهي من الله ﷾، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].","footnotes":"(¬١) درء التعارض (١٠/ ١١٥)، وانظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٤٢١ - ٤٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050600,"book_id":1102,"shamela_page_id":443,"part":"2","page_num":475,"sequence_num":443,"body":"وما يثبت للمخلوقات من قدرة ومشيئة وتصرف فهو بإذن الله ﷾، ولا يخرج عما يشاؤه ﷿.\rفقدرة العباد إنما كانت بإقدار الله ﷾ لهم، فلا حول لهم ولا قوة إلا به، كما في دعاء الاستخارة: (وأستقدرك بقدرتك. . . فإنك تقدر ولا أقدر) (¬١)، ففيه سؤال العبد القدرة من ربه القدير، وتعليل ذلك بانفراده بالقدرة على الحقيقة، مع خلو العبد منها إلا أن يقدره على شيء.\rوكذا مشيئته هي تابعة لمشيئة الله ﷾، لا تخرج عنها، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠]، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٥، ٥٦]، فأثبت لهم مشيئة، وجعلها تابعة لمشيئته متوقفة عليها.\rقال الشافعي ﵀: \"في كتاب الله المشيئة له دون خلقه، والمشيئة إرادة الله؛ يقول الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فأعلم خلقه أن المشيئة له\" (¬٢).\rوقال الأشعري ﵀ في \"الإبانة\": \"فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئًا إلا وقد شاء الله أن نشاءه\" (¬٣).\rوقد جمع الله ﷾ بين إثبات المشيئة النافذة له ﷾ وحده،","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة (٨/ ٨١)، (٦٣٨٢)، من حديث جابر ﵁.\r(¬٢) رواه ابن بطة (٢/ ٢٦٢) رقم (١٨٨١)، واللالكائي (٣/ ٦٢٩) رقم (١٠١٣).\r(¬٣) الإبانة (٧)، وانظر: التمهيد (٦/ ١٣)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٢٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050601,"book_id":1102,"shamela_page_id":444,"part":"2","page_num":476,"sequence_num":444,"body":"ونفي القدرة عن غيره في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩].\rوالحاصل أن للعباد قدرة على أفعالهم ولهم مشيئة، وهما تابعتان لقدرة الله ومشيئته، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050602,"book_id":1102,"shamela_page_id":445,"part":"2","page_num":477,"sequence_num":445,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف أهل السنة في هذه القاعدة القدرية والجبرية.\rفذهبت القدرية إلى أن العبد مستقل بقدرته ومشيئته، وأنه يشاء ما لم يشأ الله سبحانه.\rقال القاضي عبد الجبار: \"اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"أفعال العباد لا يجوز أن توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده ومن قبله وذلك واضح، فإن أفعالهم حدثت من جهتهم وحصلت بدواعيهم وقصودهم، واستحقوا عليها المدح والثواب والعقاب، فلو كانت من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله؛ لما جاز ذلك\" (¬٢).\rوهم مع قولهم بذلك يقرون بأن الله سبحانه هو الذي أقدرهم عليها، كما تقدم في قول عبد الجبار: \"وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك\".\rوقد حكى البغدادي وابن حزم عنهم إنكار قدرة الله سبحانه على أفعال العباد (¬٣)، وحكى الأشعري تنازعهم في قدرته على مثلها (¬٤).\rوالواقع أن المعتزلة قالوا باستقلال العبد بالقدرة والمشيئة لأفعاله لقولهم","footnotes":"(¬١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ٣).\r(¬٢) شرح الأصول الخمسة (٧٧٨).\r(¬٣) انظر: الفرق بين الفرق (١٠٤)، والفصل (٥/ ٥٧).\r(¬٤) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050603,"book_id":1102,"shamela_page_id":446,"part":"2","page_num":478,"sequence_num":446,"body":"بأن العباد يخلقون أفعالهم.\rوأما الجبرية فذهب جهميتهم إلى إنكار قدرة العبد ومشيئته على أفعاله بالكلية، وزعموا أنه كالريشة في مهب الريح ليس له من أمره شيء بل هو مجبور على أفعاله.\rوقد حكى عامة أصحاب المقالات (¬١) عن رأسهم الجهم الجبر، وأنه لا اختيار لشيء من الحيوانات في شيء مما يجري عليهم، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده وأنه هو الفاعل، وأن الناس مضطرون إلى أفعالهم وإنما تنسب إليهم على سبيل المجاز كما يقال تحركت الشجرة وسقط الجدار وانخسفت الشمس، حالهم في ذلك حال الجمادات.\rوهؤلاء هم الجبرية الخالصة، وأما الجبرية المتوسطة؛ فهم الأشاعرة (¬٢)، الذين ذهبوا إلى أن للعبد كسبًا في فعله، وأن له قدرة على فعله ومشيئة لكنها غير مؤثرة في وجود الفعل.\rوهذا الكسب - كما سيأتي - اختلفت في بيانه عباراتهم اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيه اضطرابًا عظيمًا.\rوأما قدرة العبد ومشيئته فمذهبهم أنها غير مؤثرة، ومن أقوالهم في ذلك:\rقال الشهرستاني: \"لم يثبت شيخنا الأشعري للقدرة الحادثة صلاحية أصلًا، لا لجهة الوجود ولا لصفة من صفة الوجود\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، والفرق بين الفرق (١٨٦)، والفصل (٣/ ٣٣)، والتبصير في الدين (١٠٧)، والملل والنحل (٩٧ - ٩٨).\r(¬٢) انظر: الملل والنحل (٩٧)، والتعريفات للجرجاني (٧٧).\r(¬٣) نهاية الإقدام (٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050604,"book_id":1102,"shamela_page_id":447,"part":"2","page_num":479,"sequence_num":447,"body":"وقال: \"ونجا أبو الحسن ﵀؛ حيث لم يثبت للقدرة أثرًا أصلًا\" (¬١).\rوهذا القول هو الذي استقر عليه الأشعري فيما حكاه ابن القيم ﵀ حيث يقول: \"والذي استقر عليه قول الأشعري أن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بها، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه، وتابعه على ذلك عامة أصحابه\" (¬٢).\rفعموم الأشاعرة إذن على نفي تأثير القدرة الحادثة.\rوكلام المخالفين في هذه المسألة متضمَّنٌ في كلامهم على خلق الأفعال الآتي في المبحث القادم.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٧٨).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٣٦٩)، وانظر: منهاج السنة (١/ ٤٥٩)، والأربعين للرازي (٣٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050605,"book_id":1102,"shamela_page_id":448,"part":"2","page_num":481,"sequence_num":448,"body":"المبحث الثاني: \"الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050606,"book_id":1102,"shamela_page_id":449,"part":"2","page_num":483,"sequence_num":449,"body":"المبحث الثاني: \"الله سبحانه خالق أفعال العباد وخالق قدرتهم وإرادتهم\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال يحيى بن سعيد القطان ﵀: \"ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة\" (¬١).\rوقال أبو ثور ﵀: \". . . وذلك أن الله خالق كل شيء، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فمن زعم أن شيئًا ليس بمخلوق من أفاعيل العباد كان بذلك ضالًا\" (¬٢).\rوقال البخاري ﵀: \"أفعال العباد مخلوقة\" (¬٣).\rوقال ابن أبي عاصم ﵀: \"ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: القول بإثبات القدر. . . وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم خلق لخالقهم\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري في خلق أفعال العباد (٢/ ٧٠) رقم (١٣٢).\r(¬٢) رواه اللالكائي (٤/ ٧٩٥) رقم (١٣٣١).\r(¬٣) رواه البيهقي في القضاء والقدر (١/ ٣٤٤) رقم (٩٢).\r(¬٤) السنة (٢/ ١٠٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050607,"book_id":1102,"shamela_page_id":450,"part":"2","page_num":484,"sequence_num":450,"body":"وقال الأشعري ﵀: \"قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها:. . . وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة\" (¬١).\rوقال الصابوني ﵀: \"ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدُّون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه\" (¬٢).\rوقال العِمْرَاني ﵀ (¬٣): \"ونؤمن بأخبار الصفات. . . وأن الله خلق أفعال العباد وأقوالهم ونياتهم وخطراتهم في الطاعة والمعصية\" (¬٤).\rوقال ابن الحَاج القفْطي ﵀ (¬٥): \"ولا يلحقك شك ولا ارتياب في أن الله خالق أفعال العباد\" (¬٦).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله","footnotes":"(¬١) الإبانة (٩).\r(¬٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٨٥).\r(¬٣) هو: أبو الحسين، يحيى بن سالم بن أسعد بن يحيى العمراني اليماني، شيخ الشافعية في بلاد اليمن، ولد سنة (٤٨٩ هـ)، من كتبه: \"الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار\"، و\"مختصر الإحياء\"، مات بذي سفال باليمن سنة (٥٥٨ هـ).\rانظر: طبقات الشافعية الكبرى (٧/ ٣٣٦)، شذرات الذهب (٦/ ٣٠٩).\r(¬٤) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ١٠٠).\r(¬٥) هو: شيث بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة المعروف بابن الحاج القناوي القفطي النحوي، من كتبه: \"حز الغلاصم وإفحام المخاصم\"، و\"تهذيب ذهن الواعي في إصلاح الرعية والراعي\"، مات سنة (٥٩٨ هـ).\rانظر: بغية الوعاة (٢/ ٦)، والأعلام للزركلي (٣/ ١٨١).\r(¬٦) حز الغلاصم (١٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050608,"book_id":1102,"shamela_page_id":451,"part":"2","page_num":485,"sequence_num":451,"body":"خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم\" (¬١).\rوقال الذهبي ﵀: \"فالله تعالى خالقنا، وخالق أفعالنا وأدواتنا\" (¬٢).\rوقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: \"والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٠).\r(¬٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٧٧).\r(¬٣) شرح الطحاوية (١/ ٣٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050609,"book_id":1102,"shamela_page_id":452,"part":"2","page_num":486,"sequence_num":452,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.\rقال ابن القيم ﵀: \"وعلى صحة هذا المذهب أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والمعقول والفطر\" (¬١).\rوقال ﵀ في النونية (¬٢):\rأَوَليس قد قامَ الدليلُ بأنَّ أفعـ … ــالَ العبادِ خليقةُ الرحمنِ\rمن ألفِ وجهٍ أو قريبِ الألفِ يحصيـ .... ـها الذي يُعنى بهذا الشَّأْنِ\rوأدلة الكتاب والسنة على نوعين، عامة وخاصة:\rأما الأدلة العامة: فهي على ثلاثة أقسام:\rالقسم الأول: الأدلة الدالة على عموم خلق الله ﷾ لكل شيء، كقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢].\rووجه دلالتها أن أفعال العباد داخلة في عموم الأشياء التي خلقها الله.\rالقسم الثاني: الأدلة الدالة على تفرد الرب بالملك، كقوله تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١].\rووجه دلالتها أن تفرد الرب بالملك يقتضي ألا يكون في خلقه إلا ما","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (١/ ٢٦١).\r(¬٢) (٥٣ - ٥٤) رقم (٧١٤ - ٧١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050610,"book_id":1102,"shamela_page_id":453,"part":"2","page_num":487,"sequence_num":453,"body":"يريد، وألا يوجد شيء إلا بإيجاده، ومن هنا كان من لم يثبت خلقه لأفعال العباد؛ لم يثبت له تمام الملك (¬١).\rالقسم الثالث: الأدلة الدالة على سبق المقادير، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله ﷺ: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز) (¬٢).\rووجه دلالتها أن تقدير الله ﷿ للمقادير يقتضي أنه علمها وكتبها وشاءها وخلقها، وأفعال العباد داخلة في عموم المقادير.\rوهذا النوع من الأدلة خنجر في نحر من ينكر خلق أفعال العباد مع إثباته للعلم والكتابة، لذلك قال من قال من السلف: \"ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروا كفروا\" (¬٣).\rوأما الأدلة الخاصة: فهي على قسمين: صريحة وغير صريحة.\rأما الأدلة الصريحة: فهي كل دليل على خلق الأفعال بصفة خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] سواء كانت (مَا) مصدرية - وهو ضعيف -، أو كانت موصولة - وهو الأصح -، وإن كان الأول أصرح.\rوالمعنى: والله خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها، ووجه الدلالة حينئذ أن هذه الأصنام إنما صارت أصنامًا بصنعتهم وعملهم، فدل على أن","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٧٧).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٥) ح (٢٦٥٥)، من حديث ابن عمر ﵄.\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (١٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050611,"book_id":1102,"shamela_page_id":454,"part":"2","page_num":488,"sequence_num":454,"body":"أعمالهم وصنعتهم خلق له ﷾، كما أن الحجارة التي جُعلت أصنامًا خلق له، فلما كان المسبب الذي هو الصنم مخلوقًا له؛ كان السبب وهو فعل العبد مخلوقًا له من باب أولى.\rوأما وجه الدلالة على المعنى الأول فظاهر، إذ المعنى حينئذ: والله خلقكم وخلق عملكم (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨٠، ٨١].\rووجه الدلالة أن الله ﷾ أخبر أنه هو الذي خلق لهم البيوت والسرابيل، وإنما صارت بيوتًا وسرابيل بصنعتهم وعملهم.\rوقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢]، فأخبر ﷾ أنه خلق لهم الفلك، وقد صارت فلكا بعملهم كما أخبر ﷾ عن نبيه نوح ﵇: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨].\rوقوله ﷺ: (إن الله خالق كل صانع وصنعته) (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر هذا الدليل ووجه الاستدلال به وما قيل فيه في: منهاج السنة (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٧ و ٧٩ و ١٢١)، وبدائع الفوائد - وأطال فيه النفس - (١/ ٢٥٣ - ٢٦٨).\r(¬٢) رواه البخاري في خلق أفعال العباد (٢/ ٦٦) رقم (١٢٤)، والحاكم (١/ ٣١)، من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة ﵁ مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٩٨)، والألباني في الصحيحة ح (١٦٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050612,"book_id":1102,"shamela_page_id":455,"part":"2","page_num":489,"sequence_num":455,"body":"قال البخاري ﵀: \"فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة\" (¬١).\rووجه الدلالة فيه كالآية الأولى؛ إن أريد بالصنعة الفعل فظاهر، وإن أريد بها المفعول المصنوع؛ فإنما صار مصنوعًا بفعل المخلوق.\rوأما الأدلة غير الصريحة: فهي على أصناف:\rالصنف الأول: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يهدي ويضل، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].\rوقوله ﷺ: (مَن يهدِه الله فَلا مُضلَّ لَه، ومن يضلل فلا هادي له) (¬٢).\rالصنف الثاني: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يشرح الصدر ويضيِّقه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\rالصنف الثالث: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يحبب الإيمان إلى المؤمنين ويبغِّض إليهم خلافه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].\rالصنف الرابع: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يجعل القلوب قاسية ومخبتة، كقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا","footnotes":"(¬١) خلق أفعال العباد (٢/ ٦٦)، بعد روايته للحديث السابق.\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢) ح (٨٦٧)، من حديث جابر ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050613,"book_id":1102,"shamela_page_id":456,"part":"2","page_num":490,"sequence_num":456,"body":"الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤].\rالصنف الخامس: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يلهم عباده التقوى والفجور، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨].\rالصنف السادس: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يعز ويذل، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].\rالصنف السابع: الأدلة الدالة على أن الله ﷾ يضحك ويبكي، ويحيي ويميت، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٣، ٤٤].\rومن هذا الباب ما جاء في النصوص من سؤال الله ﷾ أن يجعل كذا، كقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقوله ﷺ: (رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا، لك رهابًا، لك مطواعًا، إليك مخبتًا، لك أواهًا منيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي) (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٣/ ٤٥٢) ح (٣٥٥١)، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلم (٢/ ١١٨) ح (١٥١٠)، والترمذي: أبواب الدعوات، باب في دعاء النبي ﷺ (٥/ ٥١٧) ح (٣٥٥١)، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله ﷺ (٥/ ٣٥٤) ح (٣٨٣٠) من طريق سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن طليق بن قيس، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا. قال الترمذي: \"حسن =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050614,"book_id":1102,"shamela_page_id":457,"part":"2","page_num":491,"sequence_num":457,"body":"ووجه الدلالة من هذا القسم أن الله ﷾ أخبر أنه خلق هذه الأشياء في العباد مع كونها من أفعالهم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ففي القرآن من ذكر تفصيل أفعال العباد التي بقلوبهم وجوارحهم، وأنه هو ﵎ يحدث من ذلك ما يطول وصفه\" (¬١).\rوأما الإجماع فممن حكاه:\r- اللالكائي، قال ﵀: \"سياق ما فسر من الآيات. . . وما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ﷿ طاعاتها ومعاصيها\" (¬٢).\r- شيخ الإسلام، قال ﵀: \"أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة\" (¬٣).","footnotes":"= صحيح\"، وصححه ابن القيم في الوابل (٤٠٤)، والألباني في صحيح أبي داود ح (١٣٥٢).\r(¬١) منهاج السنة (٣/ ٢٦٢).\r(¬٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٨٩).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050615,"book_id":1102,"shamela_page_id":458,"part":"2","page_num":492,"sequence_num":458,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة من القواعد العظيمة في القدر وهي مرتبطة ارتباطًا مباشرا بالمرتبة الرابعة من مراتب القدر التي هي الخلق.\rونفي ما تضمنته هذه القاعدة من خلق الله ﷿ لأفعال العباد نفي لقسط كبير من ملك الله وآياته؛ بل نفي لما هو من محاسن ملكه وأعظم آياته ومخلوقاته (¬١).\rوهذه المسألة هي لب باب القدر، وعنها تشعبت كثير من مسائله.\rولا بد قبل البدء بشرحها من بيان خمس مقدمات هي:\rالأولى: التفريق بين الفعل والمفعول، والمقصود منها أن أفعال العباد هي فعل للعبد وخلق لله ﷾، فجهة فعلها غير جهة خلقها.\rفالقيام والقعود ونحوهما من أفعال العباد تطلق على الفعل الذي به وجد المفعول، وتطلق على المفعول الحاصل بالفعل.\rالثانية: التفريق بين فعل وأفعل، فالله أقدر العبد على فعله وجعله شائيًا له، والعبد قدِر وشاء، وفعل بقدرته ومشيئته.\rالثالثة: الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره؛ فأفعال العباد قامت بهم، وهم الذين اكتسبوها، فالعبد هو المصلي والصائم والقائم والقاعد، والله ﷾ هو الذي أقدره على ذلك.\rقد سبق الكلام على هذه المقدمات الثلاث في المبحث السابق.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050616,"book_id":1102,"shamela_page_id":459,"part":"2","page_num":493,"sequence_num":459,"body":"الرابعة: إثبات عموم خلقه ﷾.\rوقد دل على عموم خلقه أدلة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].\rوقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].\rونفى ﷾ عن غيره أن يكون خالقًا لشيء، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقال ﷿: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣].\rومن أسمائه: الخالق والخلاق، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦].\rوهذا العموم يدخل فيه أفعال العباد قطعًا، إذ لا موجب لإخراجها عنه، لذلك كان نفاة خلق أفعال العباد مجوس هذه الأمة، لأنهم أثبتوا خالقًا مع الله ﷾، بل خالقين.\rالخامسة: إثبات كمال ملكه ﷿.\rمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ متصف بالملك التام على ما يليق بجلاله وكماله، ومن أسمائه سبحانه: الملك والمالك والمليك.\rومن الأدلة على هذه الأسماء: قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، على قراءتين: (ملك) و (مالك) (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤].\rوقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].","footnotes":"(¬١) قرأ عاصم والكسائي (مالك)، وقرأ الباقون: (ملك)، انظر: حجة القراءات (٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050617,"book_id":1102,"shamela_page_id":460,"part":"2","page_num":494,"sequence_num":460,"body":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].\rوقوله ﷺ: (يقبض الله الأرض، ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض) (¬١).\rقال الزَّجَّاج ﵀ (¬٢): \"وقال أصحاب المعاني: الملك: النافذ الأمر في ملكه؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والمُلَّاك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى\" (¬٣).\rوقال الخطابي ﵀: \"هو التام الملك، الجامع لأصناف المملوكات، فأما المالك: فهو الخاص\" (¬٤).\rوقد أخبر الله ﷿ أنه الملك على الحقيقة، ومن سواه فلا يملك شيئًا، فقال ﷾: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].\rوقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب التفسير، وما قدروا الله حق قدره، (٦/ ١٢٦) ح (٤٨١٢)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٤/ ٢١٤٨) ح (٢٧٨٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.\r(¬٢) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن السري الزجاج البغدادي، نحوي زمانه، كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، من تصانيفه: \"معاني القرآن\"، و\"الاشتقاق\"، مات سنة (٣١١ هـ).\rانظر: وفيات الأعيان (١/ ٤٩)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٠).\r(¬٣) تفسير أسماء الله الحسنى (٣٠).\r(¬٤) شأن الدعاء (٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050618,"book_id":1102,"shamela_page_id":461,"part":"2","page_num":495,"sequence_num":461,"body":"السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].\rوكل من الخَلْق والمُلْك من خصائص الربوبية، أي أخص ما يتصف به الرب ﷿.\rوإثبات كمال الملك يقتضي إثبات خلقه لأفعال العباد، لأن إخراجها عن خلقه إخراج لها عن ملكه.\rوالكلام على هذه القاعدة في مسائل:\rالأولى: معنى كون الله ﷾ خالقًا لأفعال العباد.\rالثانية: الجمع بين كون أفعال العباد خلقًا لله ﷾ وفعلًا للعبد.\rالثالثة: شمول خلق الله ﷾ لجميع أفعال العباد.\rالمسألة الأولى: معنى كون الله ﷾ خالقًا لأفعال العباد.\rيُراد بكونه ﷿ خالقًا لأفعال العباد ما يُراد بكونه خالقًا لغيرها من الأشياء؛ إذ الباب واحد، فالجميع أُخرج من العدم إلى الوجود بقدرته ﷾ ومشيئته وحكمته، وإنما التباين بينها في الأسباب التي بها وُجدت، فالزرع وُجد بسبب البذر والماء وغيرهما من الأسباب، والولد وُجد بسبب الجماع.\rوكذا الأمر في أفعال العباد؛ وُجدت بما قدره الله ﷾ من الأسباب، كقدرة العبد ومشيئته.\rوكون قدرة العبد ومشيئته سببًا لا يعني استقلاله بالخلق، إذ لا موجب تام إلا قدرة الله ومشيئته كما تقدم (¬١).\rوالله ﷾ خالق السبب والمسبب وهو قادر على خلق أفعال","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (١٢١ و ٢٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050619,"book_id":1102,"shamela_page_id":462,"part":"2","page_num":496,"sequence_num":462,"body":"العباد بدون هذه الأسباب، لكن حكمته تأبى ذلك، بل هو سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها.\rوهذا - عند التأمل - من أقوى الأدلة على كون أفعال العباد مخلوقة.\rالمسألة الثانية: الجمع بين كون أفعال العباد خلقًا لله ﷾ وفعلًا للعبد.\rلا إشكال عند أهل السنة بين كون الله ﷾ خالقًا لأفعال العباد، وبين كونها أفعالهم وكسبهم، لأمرين:\rأولهما: أن الشارع هو الذي أخبر بهذا وأخبر بهذا، والتناقض في كلامه ممتنع باتفاق، فيلزم ألا يكون بينهما تناقض، بل لكل واحد منهما وجهه الصحيح.\rثانيهما: أن الجهة مختلفة، فهي لله مفعولة مخلوقة، وهي للعبد فعل وكسب، وفرق بين الفعل والمفعول - كما تقدم (¬١) - فالتنافي غير وارد أصلًا.\rفلله ﷾ من ذلك العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وللمخلوق منها الفعل والكسب.\rقال ابن القيم ﵀: \"ويؤمنون بأن من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلمًا والكافر كافرًا والمصلي مصليًّا والمتحرك متحركًا، وهو الذي يسير عبده في البر والبحر، وهو المسير والعبد السائر وهو المحرك والعبد المتحرك. . . ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازًا، وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول. . . فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٣٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050620,"book_id":1102,"shamela_page_id":463,"part":"2","page_num":497,"sequence_num":463,"body":"مخلوقة له حقيقة، والذي قام بالرب ﷿ علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سبحانه هو المقدر لهم على ذلك القادر عليه\" (¬١).\rالمسألة الثالثة: شمول خلق الله ﷾ لجميع أفعال العباد.\rأفعال العباد فيها الحسن والقبيح، والطاعة والمعصية والإيمان والكفر، وفيها ما ليس كذلك.\rفهي إما أن ترجع إلى الخير وأسبابه، أو إلى الشر وأسبابه، أو إلى ما ليس بخير ولا شر - بالنظر إلى ذاته -.\rوهذه الأقسام الثلاثة مخلوقة لله ﷿، أما الخير وأسبابه، وكذا ما ليس بخير ولا شر؛ فلا إشكال فيه عند من يثبت أصل خلق الله ﷾ لأفعال العباد.\rوأما أفعال الشر وأسبابه، فيدل على دخولها تحت خلق الله أمران:\rالأول: أنها كالقسمين السابقين؛ لا فرق، والنظير له حكم نظيره.\rالثاني: أنها لا تعدو أن تكون من جملة الشرور التي هي خلق لله ﷿ كما تقدم - وله فيها الحكمة البالغة.\rولا يلزم من كون الله ﷾ خالقًا لأفعال عباده - بأقسامها الثلاثة - أن يتصف بما تضمنته، بل له ﷾ من ذلك العلم والكتابة والمشيئة والخلق - كما تقدم -، وله في تقديرها الحكمة البالغة والرحمة السابغة والحمد التام.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ٢٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050621,"book_id":1102,"shamela_page_id":464,"part":"2","page_num":498,"sequence_num":464,"body":"وللمخلوق منها الفعل والكسب، ويحمد على إحسانه، ويذم على إساءته، حمدًا وذمًا تترتب عليه الأحكام الشرعية في الدنيا والآخرة.\rوقد مضى في المقدمات تقرير أن أهل السنة يثبتون الفرق بين الفعل والمفعول، وبين فعل وأفعل، وأن حكم الصفة يرجع إلى محلها.\rفالله ﷿ يوصف بما فعله وقام به لا بما خلقه في غيره، ولا بما جعل غيره فاعلًا له.\rوالمقصود أن الله ﷾ هو خالق أفعال العباد، وخالق ما كان سببًا فيها من قدرة ومشيئة لهم، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050622,"book_id":1102,"shamela_page_id":465,"part":"2","page_num":499,"sequence_num":465,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rتقدم في المبحث الماضي حكاية أقوال الفرق في مسألة خلق الأفعال على سبيل الإجمال، وأنها على قولين: قول القدرية، وقول الجبرية.\rأما الأول: فقول القدرية المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن العباد يخلقون أفعالهم ويحدثونها، وأن الله سبحانه لم يخلقها.\rوأقوال أئمتهم في تقرير هذا المذهب كثيرة، بل قد حكوا اتفاقهم عليه، ومن ذلك ما تقدم من قول القاضي عبد الجبار: \"اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله ﷿ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه\" (¬١) (¬٢).\rوقال أيضًا: \"فصل في خلق الأفعال، والغرض به الكلام على أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"أفعال العباد لا يجوز أن توصف بأنها من الله تعالى ومن عنده ومن قبله وذلك واضح، فإن أفعالهم حدثت من جهتهم وحصلت بدواعيهم وقصودهم، واستحقوا عليها المدح والثواب والعقاب، فلو كانت","footnotes":"(¬١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ٣)، وانظر: الإرشاد للجويني (١٨٧).\r(¬٢) وخالف في ذلك من المعتزلة: ضرار بن عمرو وحفص الفرد؛ فقد وافقا أهل السنة، ومعمر والجاحظ؛ فقد قالا إنها اضطرارية وهي فعل الطبيعة وليس للإنسان من الفعل إلا الإرادة، انظر: الفصل (٣/ ٨١ - ٨٢) و (٥/ ٥٧).\r(¬٣) شرح الأصول الخمسة (٣٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050623,"book_id":1102,"shamela_page_id":466,"part":"2","page_num":500,"sequence_num":466,"body":"من جهته تعالى أو من عنده أو من قبله؛ لما جاز ذلك\" (¬١).\rوقال ابن المرتضى: \"وأجمعوا أن فعل العبد غير مخلوق فيه\" (¬٢).\rواستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة، منها:\rالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣].\rقالوا: نفى الله عن خلقه التفاوت، فلا يخلو أن يكون هذا التفاوت في الخلق أو في الحكمة، والأول غير مراد لأن التفاوت في الخلق مشاهد لا يخفى، فيتعين أن المراد الثاني، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون أفعال العباد مخلوقة له، لما فيها من التفاوت المنافي للحكمة (¬٣).\rالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧].\rقالوا: الإحسان المذكور إما أن يكون المراد به أن جميع ما فعله الله سبحانه فهو إحسان، وإما أن يكون المراد به أن جميع ما فعله حسن، والأول غير مراد؛ لأن في أفعاله سبحانه ما ليس إحسانًا كالعقاب، فتعين أن الثاني هو المراد، وإذا كان كذلك؛ امتنع أن تضاف أفعال العباد إليه سبحانه لاشتمالها على ما ليس بحسن (¬٤).\rالدليل الثالث: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨].\rقالوا: بيَّن سبحانه أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الإحكام","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٧٧٨)، وانظر: المحيط بالتكليف (١/ ٣٥٦).\r(¬٢) طبقات المعتزلة (٨).\r(¬٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٥٥).\r(¬٤) انظر: المصدر السابق (٣٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050624,"book_id":1102,"shamela_page_id":467,"part":"2","page_num":501,"sequence_num":467,"body":"والحسن معًا، وأفعال العباد فيها ما ليس بمتقن؛ فوجب ألا تكون مخلوقة لله سبحانه (¬١).\rالدليل الرابع: أن جميع القرآن - أو أكثره - قد تضمن المدح والذم والوعد والوعيد والثواب والعقاب، فلو كانت أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه؛ لم يصح تعلق ذلك بالعباد، إذ فيه مدح الغير وذمه ونحو ذلك على ما ليس فعلًا له (¬٢).\rهذا ما استدلوا به من جهة السمع، وأما من جهة النظر:\rالدليل الخامس: أن الفرق ثابت بين ما قام بالعباد من أوصاف بسبب أفعالهم، وبين ما قام بهم من أوصاف خَلْقية، فالأول يمدح ويذم، والثاني لا يتوجه إليه مدح ولا ذم، ولو كانت أفعال العباد مخلوقة لله؛ للزم أن يكونا سواء، وللزم ألا يتوجه لفاعليها مدح ولا ذم (¬٣).\rالدليل السادس: أن أفعال العباد تجب بحسب قصودهم ودواعيهم، وتنتفي بحسب كراهتهم وصوارفهم، فلولا أنها محتاجة إليهم ومتعلقة بهم لما صح ذلك (¬٤).\rالدليل السابع: أنه قد ثبت في الشاهد أن العاقل لا يسيء إلى نفسه ولا يريد من غيره ذلك لعلمه بقبحه ولغناه عنه، والله سبحانه أولى بذلك، فوجب أن لا يكون خالقًا لأفعال العباد لأن ذلك يقتضي أنه يسيء إلى نفسه (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٣٥٨).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٣٥٩).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (٣٣٢).\r(¬٤) انظر: المصدر السابق (٣٣٦).\r(¬٥) انظر: المصدر السابق (٣٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050625,"book_id":1102,"shamela_page_id":468,"part":"2","page_num":502,"sequence_num":468,"body":"الدليل الثامن: أن في أفعال العباد ما هو جور وظلم، فلو كان الله سبحانه خالقًا لها لوجب أن يكون ظالمًا جائرًا، والله منزه عن ذلك، فوجب أن لا تكون مخلوقة له سبحانه (¬١).\rوالجواب على ما استدلوا به من وجهين: مجمل ومفصل.\rأما المجمل؛ فمن وجوه ثلاثة هي أصول سبق الكلام عليها (¬٢):\rالأول: أن الفرق ثابت في - حقيقة الأمر - بين الفعل والمفعول، ففرق بين فعل الفاعل والمفعول المنفصل؛ إذ الفعل إحداث الشيء والمفعول هو الحدث، فلا يلزم من كون أفعال العبد مخلوقة لله سبحانه أن تكون فعلًا له، بل هي مفعولة له، وهي فعل من فعلها وهم العباد، فجهة الفعل غير جهة الخلق.\rومثال ذلك: الصلاة، فإنها تطلق على فعل المصلي القائم به الذي يسمى بسببه كان مصليًا، وهو قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه ونحو ذلك، وتطلق على المفعول المنفصل، وهي الصلاة التي وجدت بفعله.\rالثاني: أن الفرق ثابت بين فعل وأفعل، فالفعل هو الذي يقوم بالفاعل، وأما الإفعال فلا يقوم به، وإنما يقوم بمن جعله فاعلًا له.\rفالله سبحانه أفْعَلَ العبدَ - أي جعله فاعلًا - والعبدُ فَعَل، فالله الذي جعله مصليًا والعبد صلى، وهو الذي جعله مطيعًا والعبد أطاع، وهو الذي جعله كافرًا والعبد كفر، وهكذا. . .\rالثالث: أن الصفة إذا قامت بمحل؛ عاد حكمها على ذلك المحل دون","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٣٤٥).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٣٩٠) وما بعدها و (٤٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050626,"book_id":1102,"shamela_page_id":469,"part":"2","page_num":503,"sequence_num":469,"body":"غيره، فالله سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما خلقه في غيره، فلا يوصف الله تعالى بأفعال العباد، لأن تلك الأفعال لم تقم به وإنما قامت بمن فعلها وهم العباد، وهم المتصفون بها.\rوهذا الرد شامل لكل مخالف في هذا الباب.\rوأما الرد المفصل؛ فهو بتتبع كل دليل على حدة.\rأما الدليل الأول؛ فجوابه أن المراد بالتفاوت في الآية: التفاوت في الخلقة، ويدل عليه السياق، فإنه ذكر خلق السموات، ثم ذكر عدم التفاوت، ثم أعقب ذلك بالأمر بإرجاع البصر لإدراك انتفاء الفطور وهو النقص والخلل، من تشقق ونحو ذلك، فدل على أن المراد بذلك التفاوت في الخلقة.\rقال ابن قتيبة: \" ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: اضطراب واختلافٍ، وأصله من الفوت وهو: أن يفوت شيء شيئًا فيقعَ الخللُ، ولكنه متصل بعضُه ببعض.\r﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: أي من صُدوع\" (¬١).\rوقال الفرَّاء: \"والتفاوت: الاختلاف، أي: هل ترى في خلقه من اختلاف\" (¬٢).\rقال ابن كثير: \"وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب","footnotes":"(¬١) غريب القرآن لابن قتيبة (٤٧٤).\r(¬٢) معاني القرآن للفراء (٣/ ١٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050627,"book_id":1102,"shamela_page_id":470,"part":"2","page_num":504,"sequence_num":470,"body":"ولا خلل؛ ولهذا قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللا؛ أو فطورًا؟ قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والثوري، وغيرهم في قوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: شقوق\" (¬١).\rوقال البغوي: \"ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض، بل هي مستقيمة مستوية، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت بعضها بعضًا لقلة استوائها ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾: كرر النظر، معناه: انظر ثم ارجع ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ شقوق وصدوع\" (¬٢).\rوأما الدليل الثاني؛ فبطلانه من وجوه:\rالأول: أن تخطئة القول بأن جميع ما خلقه الله إحسانٌ ليست بصحيحة، بل كل ما خلقه الله فهو إحسان، وما وجد فيه من خلاف ذلك فهو جزئي مغمور في جانب الإحسان، إذ أفعاله سبحانه - كما تقدم - كلها خير (¬٣)، والعقاب ونحو ذلك هو إحسان في حقيقة الأمر، حتى للمعاقَب، كما قال الحسن في أهل النار: \"لقد دخلوا النار وإنَّ حمده لفي قلوبهم؛ ما وجدوا عليه حجة ولا سبيلًا\" (¬٤).\rوالعقاب الذي هو ظلم هو أن يعاقب الإنسان على عمل غيره، فأما عقوبته على فعله الاختياري وإنصاف المظلومين من الظالمين، فهو من كمال","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٧٢).\r(¬٢) تفسير البغوي (٨/ ١٧٦).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٣٨٥) وما بعدها.\r(¬٤) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٠٢) و (٢/ ٦١٢)، ومختصر الصواعق (٢/ ٦١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050628,"book_id":1102,"shamela_page_id":471,"part":"2","page_num":505,"sequence_num":471,"body":"عدل الله تعالى وإحسانه، والعدل ممدوح (¬١).\rالثاني: أن جهة إضافة أفعال العباد إلى الله سبحانه غير جهة إضافتها إلى العباد، فالأولى إضافة خلق وتقدير، والثانية إضافة فعل ومباشرة وكسب، فلا يلزم من إضافتها إلى الرب سبحانه خلقًا أن يتصف بما تضمنته من حكم - على ما تقدم في الرد المجمل -.\rالثالث: أن خلق الله سبحانه لما خلقه من أفعال العباد القبيحة إنما هو لحكم عظيمة، يمدح الله سبحانه عليها، وبعدم خلقها تفوت هذه الحكم.\rوأما الدليل الثالث؛ فكسابقه.\rوكذا الدليل الرابع.\rواحتجاج المعتزلة وسائر المتكلمين بالنقل لا يستقيم لهم لسببين:\rالأول: أن ما هم عليه مناف لما جاء به النقل.\rالثاني: أنهم ليسو من أهل العناية بالنقل، وبخاصة الأحاديث النبوية.\rوأما ما احتجوا به من النظر، وهو باقي الأدلة:\rفالدليل الخامس؛ وهو احتجاجهم بتوجه المدح والذم إلى أفعال العباد دون ما قام بهم من صفات خلقية، فباطل من وجهين:\rالأول: أن متعلق المدح والذم هو الفعل والكسب، وخلقة الإنسان مما لا كسب له فيها، فلا يتوجهان إليه فيها، وأما أفعاله فهي كسبه وفعله، وأنتم أثبتم الفرق بينهما، يوضحه:","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050629,"book_id":1102,"shamela_page_id":472,"part":"2","page_num":506,"sequence_num":472,"body":"الثاني: ما تقدم مرارًا من اختلاف الجهة بين الخلق والفعل، فأفعال العباد من جهة خلقها كأوصافهم الخلقية لا يتوجه إليها مدح ولا ذم.\rوالدليل السادس؛ وهو احتجاجهم بوجوب أفعال العباد بحسب دواعيهم وانتفائها بحسب صوارفهم، فلا حجة لهم فيه لوجوه:\rالأول: أنه لا تلازم بين وقوع الفعل بحسب الداعي أو انتفائه بحسب الصارف وبين خلق الفعل، فلا يلزم من قيامي إذا أردت القيام وجلوسي إذا تعبت أني أنا الخالق لقيامي وجلوسي.\rالثاني: أن فعل العبد قد يحصل بغير داعيه هو، بل بداعي غيره، كمن يقيم رجلًا ويجلسه، فقيامه وجلوسه كان بحسب داعي غيره وقصده، ولم يلزم من ذلك أن يكون الغير هو الخالق للقيام والجلوس.\rالثالث: أن قصد الفاعل وداعيه من جملة الأسباب التي يخلق الله سبحانه بها الفعل، والسبب لا يستقل بوجود المسبَّب كما تقدم، وهذا السبب مخلوق لله سبحانه.\rوالدليل السابع؛ وهو احتجاجهم بكون العاقل لا يسيء إلى نفسه، وأن خلق أفعال العباد السيئة يقتضي إساءة للرب فاقتضى أن لا يكون خالقها، فباطل كذلك لاختلاف الجهة بين خلق أفعال العباد وكسبها كما تقدم.\rوأما الدليل الثامن؛ وهو احتجاجهم بوجود الظلم في أفعال العباد، مما يستدعي تنزيه الرب عن خلقها، فباطل لما تقدم من اختلاف الجهة كذلك.\rوهذان الدليلان - السابع والثامن - يردهما معًا أن الظلم والسوء في أفعال العباد إنما خلقهما الله سبحانه لحكمة كانا بها خيرًا ومصلحة، وما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050630,"book_id":1102,"shamela_page_id":473,"part":"2","page_num":507,"sequence_num":473,"body":"تضمناه من شرور فهو مغمور في جانب هذه الحكمة (¬١).\rوبعد تقريرهم هذا اختلفوا في جواز إطلاق خلق الإنسان لفعله على ثلاثة أقوال (¬٢):\rالأول: المنع من إطلاق ذلك لنهي الشرع عنه، مع أن معنى فاعل وخالق واحد.\rقال القاضي: \"أما تسمية أفعالنا بأنها مخلوقة؛ فغير جائزة على الإطلاق، وقد منع السمع من إطلاق لفظ الخالق في العبد، وإن كان من حيث اللغة لا يمتنع تسميته بذلك، وليس يمتنع أن يكون محدثًا\" (¬٣).\rالثاني: ضده، وهو جواز ذلك، لأن خالق معناه: مقدر، فمن وقع منه الخلق أطلق عليه خالق سواء كان قديمًا أو محدثًا.\rالثالث: المنع لأن الخلق في الحقيقة هو الفعل لا بآلة ولا جارحة، والمخلوق يفعل بآلة وجارحة.\rوأما القول الثاني وهو قول الجبرية، فقالت به طائفتان:","footnotes":"(¬١) وهذا التقرير عند المعتزلة هو للفعل المباشر، إذ الأفعال عندهم قسمان: أفعال مباشرة، وأفعال متولدة، ومثال الأفعال المتولدة: تدحرج الحجر الحادث عن رميه، والألم الحادث عند الضرب ونحو ذلك، وهذا القسم اختلفوا فيه فيما بينهم اختلافًا كثيرًا، ما بين قائل إنه لا محدث لها، وما بين قائل إنها طبعية، وجمهورهم على أنها قسمان: ما تولد من فعل الحي، فهذا فعله، وما تولد من فعل غير الحي ففيه خلاف بينهم. انظر: المعتزلة وأصولهم الخمسة (١٨٤ - ١٨٩).\r(¬٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٨).\r(¬٣) المحيط بالتكليف (١/ ٤٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050631,"book_id":1102,"shamela_page_id":474,"part":"2","page_num":508,"sequence_num":474,"body":"الجبرية الغلاة، وهم الجهمية؛ وذهبوا إلى أن العبد مجبور على فعله بالكلية وأنه لا اختيار له ولا قدرة ولا مشيئة، بل هو كالريشة في مهب الريح، وهو مضطر إلى أفعاله اضطرارًا.\rالجبرية المتوسطة، وهم الأشاعرة؛ الذين يقولون إن الله سبحانه خالق أفعال العباد، وأن العبد كاسب لفعله، فالله خالق للفعل، والعبد كاسب له.\rثم اختلفوا اختلافًا عظيمًا في تفسير هذا الكسب، واضطربوا في تقريره اضطرابًا شديدًا، وأقوالهم ترجع إلى قولين اثنين:\rالقول الأول: وهو الذي عليه جمهور الأشاعرة - واستقر عليه قول أبي الحسن (¬١) - أن الكسب هو اقتران عادي بين القدرة المحدثة والفعل، وأنه لا أثر للقدرة أبدًا.\rقال السنوسي: \"وعن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها مقارنة له من غير تأثير: عبَّر أهل السنة بالكسب، وهو متعلق التكليف الشرعي، وأمارة على الثواب والعقاب\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"مذهب أهل الحق - على ما سبق - أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في شيء من الممكنات، وهي تتعلق بمقدورها تعلقًا من غير تأثير، بل نسبته إليها كنسبة العلم الذي يتعلق بمعلومه ولا يؤثر فيه\" (¬٣).\rوقال الجرجاني: \"والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٤٧٨ - ٤٧٩).\r(¬٢) السنوسية مع شرحها (١٨٨ - ١٨٩).\r(¬٣) شرح السنوسية (١٩٧ - ١٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050632,"book_id":1102,"shamela_page_id":475,"part":"2","page_num":509,"sequence_num":475,"body":"يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًّا له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري\" (¬١).\rوقال - شارحًا لقول الإيجي: \"المقصد الأول: في أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها\" (¬٢) -: \"ليس لقدرة العباد تأثير فيها بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثًا، ومكسوبًا للعبد\" (¬٣).\rوقال الآمدي: \"وذهب من عدا هؤلاء من أهل الحق إلى أن أفعال العباد مضافة إليهم بالاكتساب وإلى الله تعالى بالخلق والاختراع، وأنه لا أثر للقدرة الحادثة فيها أصلًا\" (¬٤).\rوقال الدردير: \"فلا تأثير لقدرتنا في شيء من أفعالنا الاختيارية، كالحركات والسكنات والقيام والقعود ونحو ذلك، بل جميع ذلك مخلوق له ﷾ بدون واسطة، كما أن قدرتنا مخلوقة له تعالى\" (¬٥).\rلذلك فقد فُسِّر الكسب عند هؤلاء بتفسيرين:\rأولهما: ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به، بل ومن غير صحة مشاركته - إذ لا تأثير له - وإنما هو مجرد المقارنة.","footnotes":"(¬١) شرح المواقف (٨/ ١٦).\r(¬٢) المواقف (٣١١).\r(¬٣) شرح المواقف (٨/ ١٤٦).\r(¬٤) غاية المرام (١٨٢).\r(¬٥) شرح الخريدة البهية (٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050633,"book_id":1102,"shamela_page_id":476,"part":"2","page_num":510,"sequence_num":476,"body":"الثاني: ما يقع به المقدور في محل قدرته (¬١).\rالقول الثاني: وهو قول من يثبت للقدرة الحادثة أثرًا، واختلفوا في تفسير التأثير - بعد اتفاقهم على نفي التأثير الذي يثبته أهل السنة على ما تقدم (¬٢) - على أقوال منها:\rقول الباقلاني: فقد ذهب إلى أن فعل العبد واقع بمجموع القدرتين، على أن تتعلق قدرة الرب سبحانه بأصل الفعل، والقدرة الحادثة بصفته التي لا يجوز أن توصف بها قدرة الرب سبحانه، ومثال ذلك لطم اليتيم تأديبًا وإيذاءً، فذات اللطم في كلا الحالين واقع بقدرة الله وتأثيره، وكونه طاعة على الأول، ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره (¬٣).\rقال الباقلاني: \"ويجب أن يُعلم أن العبد له كسب وليس مجبورًا، بل مكتسب لأفعاله من طاعة ومعصية، لأنه تعالى قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني: من ثواب طاعة، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] يعني: من عقاب معصية. . . فأفعال العباد هي كسب لهم وهي خلق الله تعالى، فما يتصف به الحق لا يتصف به الخلق، وما يتصف به الخلق لا يتصف به الحق، وكما لا يقال لله تعالى إنه مكتسب، كذلك لا يقال للعبد إنه خالق\" (¬٤).\rوقوله هذا يؤول في حقيقة الأمر إلى إنكار تأثير قدرة العبد، لأن الثواب","footnotes":"(¬١) انظر: تحفة المريد (١٧٦).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٤٧١ - ٤٧٣).\r(¬٣) انظر: شرح المواقف (٨/ ١٤٧).\r(¬٤) الإنصاف (٤٣ - ٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050634,"book_id":1102,"shamela_page_id":477,"part":"2","page_num":511,"sequence_num":477,"body":"والعقاب والطاعة والمعصية أوصاف شرعية لا علاقة لها بأصل الفعل، والبحث هنا في الناحية الكونية لأفعال العباد، فليس ورود الشرع بحرمة الفعل أو كونه طاعة أو معصية ونحو ذلك مؤثِّرًا في المسألة.\rفما قاله ليس ببعيد عن قول أبي الحسن، فهو يتفق معه في المعنى وإن خالفه في اللفظ.\rويكفي في بطلان هذا القول عدم الدليل عليه، وكونه قولًا محدثًا.\rقول أبي المعالي الجويني: فقد ذهب إلى إثبات تأثير القدرة الحادثة في مقدورها لا على وجه الإحداث والخلق؛ إذ نفي هذه القدرة يأباه العقل والحس، وإثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهي كنفي القدرة أصلًا، وأما إثبات في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير، خصوصًا والأحوال على أصلهم لا توصف بالوجود والعدم، فلا بد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضًا عدم الاستقلال (¬١).\rوهذا القول قرره في \"العقيدة النظامية\" بكلام طويل (¬٢)، قال في آخره: \"وقد أطلت أنفاسي قليلًا، ولكن - حرس الله مولانا (¬٣) - لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان - وحق القائم على كل نفس بما كسبت - أحب إلي من ملك الدنيا بحذافيرها أطول أمدها\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: الملل والنحل (١/ ١١١ - ١١٢)، ونهاية الإقدام (٧٨).\r(¬٢) انظر: (٤٦ - ٥٤) منها.\r(¬٣) يقصد الوزير نظام الملك الذي صنف له الكتاب الذي اجتُزئت منه هذه العقيدة.\r(¬٤) العقيدة النظامية (٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050635,"book_id":1102,"shamela_page_id":478,"part":"2","page_num":512,"sequence_num":478,"body":"وكان قبل ذلك يؤيد المشهور من مذهب الأشاعرة من نفي تأثير القدرة الحادثة، كما في كتاب الإرشاد (¬١).\rوما ذهب إليه - فيما قرره - موافق لمذهب السلف في الجملة، وهو توسط حسن، وإن كان فيما قرره ما لا يوافق عليه (¬٢).\rقول الغزالي: فقد ذهب إلى إثبات مقدور بين قادرين، وأن الفعل يقع بمجموع القدرتين على فعل واحد، وكلاهما مؤثر فيه.\rقال: \"وإنما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما؛ فتوارد التعلقين على شيء واحد غير محال\" (¬٣).\rوالقول بمقدور بين قادرين بهذا المعنى - كما سيأتي - باطل، ولا يسعفه أن يحمل قوله على تأثير القدرة الحادثة على وجه السببية، إذ هو - والأشاعرة - منكرون للأسباب.\rوقد استدل جمهور الأشاعرة - القائلون بنفي تأثير القدرة المحدثة - لمذهبهم بأدلة منها:\rالدليل الأول: الآيات التي فيها إثبات خلق الله سبحانه لكل شيء، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾","footnotes":"(¬١) انظر: (١٨٧) منه.\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨).\r(¬٣) الاقتصاد في الاعتقاد (٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050636,"book_id":1102,"shamela_page_id":479,"part":"2","page_num":513,"sequence_num":479,"body":"[الأنعام: ١٠٢] فتضمنت الآية تفرد الباري بخلق كل مخلوق، والاستدلال بها يعتضد بكونها في سياق التمدح، فاقتضى اختصاصه بها (¬١)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، قالوا هي نص في محل النزاع (¬٢).\rالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، سواء كانت (ما) مصدرية أو موصولة (¬٣).\rالدليل الثالث: ما دل على أن الله سبحانه يجعل العبد مسلمًا ومصليًا، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] (¬٤).\rالدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، قالوا: نفى عنهم القتل وأثبته لنفسه، ونفى عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه.\rالدليل الخامس: دليل التمانع المشهور، وتقريره أنه لو كانت قدرة العبد مؤثرة؛ وأراد تحريك جسم في وقت وأراد الله تعالى سكونه في ذلك الوقت، فإما أن يقع المرادان جميعًا وهو ظاهر الاستحالة، أو لا يقع شيء منهما وهو أيضًا محال، وإما أن يقع أحدهما دون الآخر فيلزم الترجيح بلا مرجح لأن","footnotes":"(¬١) انظر: الإرشاد (١٩٨)، وشرح المقاصد (٤/ ٢٣٨).\r(¬٢) انظر: الإرشاد (١٩٩).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (٢٠١)، وشرح المقاصد (٤/ ٢٤٠).\r(¬٤) انظر: شرح المقاصد (٤/ ٢٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050637,"book_id":1102,"shamela_page_id":480,"part":"2","page_num":514,"sequence_num":480,"body":"التقدير استقلال كل من القدرتين بالتأثير من غير تفاوت (¬١).\rالدليل السادس: أن فعل العبد مقدور لله، فلو كان مقدورًا كذلك للعبد للزم اجتماع المؤثرين على أثر واحد، والقول بمقدور بين قادرين، وهو ممتنع (¬٢).\rالدليل السابع: أن الفعل المتقن لا يصدر إلا عن عالم محيط بالفعل، فلو كانت أفعال العبد مخلوقة له لوجب أن يكون عالمًا بها، وهذا منتف، للقطع بعدم إحاطته بعلمها، ولصدور أفعال عن النائم والغافل (¬٣).\rالدليل الثامن: أنه لو جاز تأثير القدرة الحادثة في الفعل بالإيجاد والاختراع؛ لجاز تأثيرها في إيجاد كل موجود، من حيث إن الوجود قضية واحدة لا يختلف وإن اختلفت محاله وجهاته، والقول بجواز تأثيرها في إيجاد كل موجود باطل بالمشاهدة، فوجب بطلان تأثيرها في فرد من أفراده (¬٤).\rهذه أبرز أدلتهم، وبيان بطلانها من وجهين: مجمل، وقد تقدم في الرد على أقرانهم المعتزلة ومفصل على كل دليل بدليله.\rأما الدليل الأول؛ فالاستدلال به على خلق أفعال العباد صحيح، لكن ليس فيه ما يدل ما ذهبوا إليه من نفي القدرة والاختيار عن العبد، ففرق بين كون العبد فاعلًا لفعله، له قدرة واختيار فيه، وبين كونه خالقًا له.\rوأما الدليل الثاني، فلا ريب في دلالة هذه الآية على خلق أفعال العباد،","footnotes":"(¬١) انظر: الأربعين للرازي (٣٢٦)، وشرح المقاصد (٤/ ٢٣٣)، والسنوسية وشرحها (١٨٠ - ١٨١).\r(¬٢) انظر: المقاصد وشرحه (٤/ ٢٢٧).\r(¬٣) انظر: نهاية الإقدام (٦٧ - ٦٨)، وغاية المرام (١٩٢)، وشرح المقاصد (٤/ ٢٢٨).\r(¬٤) انظر: نهاية الإقدام (٧٠ - ٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050638,"book_id":1102,"shamela_page_id":481,"part":"2","page_num":515,"sequence_num":481,"body":"لكن ليس فيها ما يدل على انتفاء قدرتهم واختيارهم، بل فيها ما يثبت ذلك، وهو إضافة الفعل إليهم، فأفعالهم مضافة إليهم اكتسابًا وفعلًا ومباشرة، ومضافة إلى الرب سبحانه خلقًا وتقديرًا.\rوأما الدليل الثالث؛ فهو كذلك حق في نفسه، لكنه لا يدل على نفي قدرة العبد واختياره، بل يدل عليها، إذ فيه ثبوت كون العبد فاعلًا لفعله من صلاة وصيام وإيمان وكفر، وهذا كاف في الدلالة على المقصود.\rوبالجملة فما يذكره الجبرية من أدلة على خلق أفعال العباد فهو حق، لكن إنما يتوجه على القدرية الذين ينفون خلق الرب سبحانه لأفعال العباد.\rثم القرآن دل في مواطن كثيرة على ثبوت قدرة العبد على فعله وثبوت اختياره - كما تقدم (¬١) -.\rوأما الدليل الرابع؛ فقد جعل أصلًا للقول بالجبر (¬٢)، ولا يصح الاستدلال به على ذلك، فإنه خطاب للمؤمنين في وقعة بدر، فقوله لهم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ لأن الملائكة جنود الله كانت تقاتل معهم، فلم ينفرد المسلمون بقتلتهم بل قتلهم الملائكة.\rوقوله لنبيه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ لأن الرمي المثبت غير الرمي المنفي؛ لأنه أثبت ونفى؛ والمثبت لا بد أن يكون غير المنفي، فإنه أثبت لنبيه رميًا بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، ونفى عنه رميًا بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾، والرمي المثبت هو ما فعله النبي ﷺ وهو حذف الحصى في وجوه","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٤٦٤) وما بعدها.\r(¬٢) انظر: مدارج السالكين (٣/ ٤٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050639,"book_id":1102,"shamela_page_id":482,"part":"2","page_num":516,"sequence_num":482,"body":"المشركين، والرمي المنفي هو إيصال الحصى إلى وجوه المشركين، فأضاف إليه ﷺ ما هو مقدور له وفي محل قدرته وهو ابتداء الرمي، ونفى عنه ما لا يقدر عليه إلا هو، وهو إيصال الحصى إلى وجوه الكفار، ولو صح الاستدلال بهذه الآية لصح أن يقال: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما أكلت إذ أكلت ولكن الله أكل ونحو ذلك مما يعلم بطلانه ضرورة.\rفوجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرة كدفع المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافًا إليه (¬١).\rوأما الدليل الخامس؛ فلا ريب في صحة دليل التمانع على إفراد الله سبحانه بالخلق والإيجاد (¬٢)، لكن ذلك لا يمنع من ثبوت تأثير لقدرة العبد واختياره كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، وهذا الدليل إنما يتوجه إذا قيل إن تأثير قدرة الله مكافئ لتأثير قدرة العبد، وهذا لا يقوله أحد (¬٣).\rوأما الدليل السادس؛ فهو ثمرة الدليل الرابع، وهو تلبيس وتضليل، إذ القول باجتماع مؤثرين على أثر إن أريد به استقلال كل منهما بالتأثير فباطل، وإن أريد به أن لأحدهما تأثير بالإيجاد والخلق، وللآخر تأثير من جنس تأثير السبب في مسببه، فليس بباطل.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٨)، ومجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٩٦)، ومدارج السالكين (٣/ ٤٢٦)، وشفاء العليل (١/ ٢١٧)، وزاد المعاد (٣/ ١٨٢ - ١٨٣)، وانظر كذلك: تفسير الطبري (١١/ ٨٢ - ٨٣)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٤٠ - ٤٢).\r(¬٢) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٥٤)، وشفاء العليل (١/ ٤٣٧).\r(¬٣) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050640,"book_id":1102,"shamela_page_id":483,"part":"2","page_num":517,"sequence_num":483,"body":"ففعل العبد يضاف إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرين قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر وهي جزء سبب، وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير.\rفالتعبير عن ذلك بمقدور بين قادرين أو اجتماع مؤثرين فيه تلبيس من جهة إيهامه تكافؤ قدرة الرب وقدرة العبد (¬١).\rوأما الدليل السابع؛ فلا ريب أن من العلم ما هو سبب في وجود المعلوم، وبدونه لا يوجد، لكن ليس كل علم شرط في ذلك، وضابط هذا العلم هو علم الفاعل المختار بما يريد أن يفعله؛ وهذا علم جملي ليس بتفصيلي، كمن أراد أن يصنع بابًا، فلا بد له من العلم بما يتوقف صنع الباب عليه من وجوب وجود خشب، وكونه مستو، ووجود مسامير ومطرقة ونحو ذلك، وهذا القدر من العلم كاف في وجود الفعل، ولا يلزم العلم بالتفاصيل من ذلك كنوع الخشب ومن أي شجر قطع، ومن أي غابة، ومن قطعه، وكم بقي حتى يبس، ومن صنع المسامير، ومن صنع المطرقة، ونحو ذلك (¬٢).\rوأما الاستدلال على ذلك بأفعال النائم والساهي، فباطل كذلك، أما النائم فلأن أفعاله في الحقيقة ضرورية له غير مكتسبة، كحركة المرتعش (¬٣).\rوأما الساهي؛ فهو قادر على الفعل، وله علم وتصور إرادة، وإنما حصل في حقه غياب الشعور بالإرادة لانشغال محل التصور منه بشيء آخر منعه من","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٢٨ و ٤٣٧).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (١٩٤) وما بعدها.\r(¬٣) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050641,"book_id":1102,"shamela_page_id":484,"part":"2","page_num":518,"sequence_num":484,"body":"الشعور بالإرادة فعملت عملها وهي غير مشعور بها، إذ الفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة وأما الشعور به على التفصيل فلا يستلزمه (¬١).\rوأما الدليل الثامن؛ فمن أعجب العجب، وأغرب ما يكون من الاستدلال، ومضمونه أنه لا يقدر على شيء من الموجودات إلا من يقدر على كل شيء، وهذا مضاد للعقل والشاهد، وهو منتقض بما أثبتوه من كسب للعبد، إذ يلزم من كون العبد كاسبًا لفعله أن يكون كاسبًا لكل موجود، وهذا ما لا يقولون به، وهو باطل بداهة (¬٢).\rوبهذا يتبين بطلان قول القدرية والجبرية في أفعال العباد.","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٣٤).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050642,"book_id":1102,"shamela_page_id":485,"part":"2","page_num":519,"sequence_num":485,"body":"الفصل الرابع: قواعد متعلقة بمسائل متفرقة\rوتحته عشرة مباحث:\rالمبحث الأول: \"الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية\".\rالمبحث الثاني: \"الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة\".\rالمبحث الثالث: \"ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به\".\rالمبحث الرابع: \"الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته\".\rالمبحث الخامس: \"للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة\".\rالمبحث السادس: \"الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة\".\rالمبحث السابع: \"لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة\".\rالمبحث الثامن: \"لا حجة للعبد في القدر على معاصيه\".\rالمبحث التاسع: \"الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب\".\rالمبحث العاشر: \"من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050643,"book_id":1102,"shamela_page_id":486,"part":"2","page_num":521,"sequence_num":486,"body":"المبحث الأول: \"الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050644,"book_id":1102,"shamela_page_id":487,"part":"2","page_num":523,"sequence_num":487,"body":"المبحث الأول: \"الأمر يستلزم الإرادة الشرعية لا الكونية\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فإن التحقيق أنه [أي الأمر الشرعي] غير مستلزم للإرادة الكونية القدرية، وإن كان مستلزمًا للإرادة الدينية الشرعية\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية؛ فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا\" (¬٢).\rوقال الشاطبي: \"الأمر والنهي يستلزم طلبًا وإرادة من الآمر؛ فالأمر يتضمن طلب المأمور به وإرادة إيقاعه، والنهي يتضمن طلبا لترك المنهي عنه وإرادةً لعدم إيقاعه، ومع هذا؛ ففعل المأمور به وترك المنهي عنه يتضمنان أو يستلزمان إرادة بها يقع الفعل أو الترك أو لا يقع.\rوبيان ذلك أن الإرادة جاءت في الشريعة على معنيين:","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤١٢)، وانظر: (١١/ ٣٥٥) منه.\r(¬٢) شفاء العليل (٢/ ٧٦٨)، وانظر: (٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050645,"book_id":1102,"shamela_page_id":488,"part":"2","page_num":524,"sequence_num":488,"body":"أحدهما: الإرادة الخَلْقية القدرية المتعلقة بكل مراد؛ فما أراد الله كونه كان، وما أراد أن لا يكون فلا سبيل إلى كونه، أو تقول: وما لم يرد أن يكون؛ فلا سبيل إلى كونه.\rوالثاني: الإرادة الأمرية المتعلقة بطلب إيقاع المأمور به وعدم إيقاع المنهي عنه، ومعنى هذه الإرادة أنه يجب فعل ما أمر به ويرضاه، ويحب أن يفعله المأمور ويرضاه منه، من حيث هو مأمور به، وكذلك النهي يحب ترك المنهي عنه ويرضاه.\rفالله ﷿ أمر العباد بما أمرهم به؛ فتعلقت إرادته بالمعنى الثاني بالأمر؛ إذ الأمر يستلزمها لأن حقيقته إلزام المكلف الفعل أو الترك؛ فلا بد أن يكون ذلك الإلزام مرادًا، وإلا لم يكن إلزامًا ولا تصور له معنى مفهوم. . . والإرادة بهذا المعنى الأول لا يستلزمها الأمر؛ فقد يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد، وأما بالمعنى الثاني؛ فلا يأمر إلا بما يريد، ولا ينهى إلا عما لا يريد\" (¬١).","footnotes":"(¬١) الموافقات (٣/ ٣٦٩ - ٣٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050646,"book_id":1102,"shamela_page_id":489,"part":"2","page_num":525,"sequence_num":489,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة:\rتضمنت هذه القاعدة جزئيتين، وقد دل على كل منهما الكتاب والسنة.\rأما الجزئية الأولى وهي: استلزام الأمر للإرادة الشرعية، فدلالة النصوص عليها من وجوه:\rالأول: النصوص التي دلت على إرادة الله ﷾ لشيء، مع إخباره ﷾ في موضع آخر أنه يحبه، ووجه دلالته أن هذا المراد قد أمر الله سبحانه به.\rكقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأخبر ﷾ أنه يريد لعباده التوبة والتطهر، مع إخباره في الآية الأخرى أنه يحب ذلك.\rالثاني: النصوص التي دلت على أمر الله ﷿ بشيء، مع إخباره ﷾ أنه يحبه.\rكقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأمر بالتطهر، ثم أخبر بأنه يحبه.\rوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، فأمره بالقسط في الحكم، ثم أخبر أنه يحب المقسطين.\rوقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فأمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050647,"book_id":1102,"shamela_page_id":490,"part":"2","page_num":526,"sequence_num":490,"body":"بالإحسان وأخبر أنه يحب أهله.\rالثالث: النصوص التي دلت على نهي الله ﷾ عن شيء، مع إخباره ﷾ أنه لا يحب فاعله.\rكقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، فنهى عن الاعتداء وأخبر أنه لا يحب المعتدين.\rوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]،\rوقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فأمر بعدم الخيانة، وأخبر أنه لا يحب الخائنين.\rوأما الجزئية الثانية وهي: عدم استلزام الأمر للإرادة الكونية، فدلالة النصوص عليها من وجوه كذلك:\rالأول: النصوص الدالة على أن الله ﷾ لا يحب الكفر والفساد ونحوهما من الشرور، ولا يرتضيهما ولا يحب أهلهما.\rكقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].\rووجه دلالة هذه النصوص أن الشرور التي وقعت إنما وقعت بمشيئة الله وإرادته، ولولا أن الله أراد وقوعها لما وقعت، وقد أخبر ﷾ أنه يكرهها، وكراهيته لها تنافي أمره بها؛ فدل على أنه لا تلازم بين وقوعها وبين أمر الله بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050648,"book_id":1102,"shamela_page_id":491,"part":"2","page_num":527,"sequence_num":491,"body":"الثاني: النصوص الدالة على إرادة الله ﷿ لشيء، مع إخباره أنه لا يحبه.\rوهذا في الكتاب والسنة كثير، كإرادته ﷿ ظهور الدجال ويأجوج ومأجوج، مع إخباره أنهم كفار وفتنة ونحو ذلك.\rالثالث: النصوص الدالة على نهي الله عن شيء مع إخباره أنه يقع بمشيئته. .\rكالنهي عن عبادة الأوثان والشرك بالله ﷾ في آيات وأحاديث أكثر من أن تحصى، مع الإخبار بوقوع ذلك في الأمة، فضلًا عن وقوعه في الأمم الأخرى قبل البعثة وحالها وبعدها.\rكقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعُزَّى)، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًّا! قال: (إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه؛ فيرجعون إلى دين آبائهم) (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تَعبد دَوْسٌ ذا الخلصة (٤/ ٢٢٣٠) ح (٢٩٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050649,"book_id":1102,"shamela_page_id":492,"part":"2","page_num":528,"sequence_num":492,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالبحث في هذه القاعدة في مسألة مهمة من مسائل القدر، وهي مسألة الأمر واستلزامه الإرادة، وهذا الأصل مما فارق فيه المخالفون أهل السنة في باب القدر.\rوقبل الكلام على هذه القاعدة لا بد من بيان خمس مقدمات:\rالمقدمة الأولى: معنى الإرادة.\rالإرادة في الشرع نوعان (¬١)، ولكل نوع منهما أحكام، وبينهما اجتماع وافتراق.\rالنوع الأول: إرادة كونية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، وهي المقارنة للقضاء والقدر والخلق والقدرة، وهي التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\rوتسمى: الإرادة الخلقية القدرية، وهي متعلقة بربوبيته ﷾.\rومن أحكامها:\r- أنها مستلزمة لوقوع المراد؛ فلا يمكن أن تتخلف.\r- أنها غير ملازمة للمحبة؛ فقد تكون مما يحبه الله سبحانه، وقد تكون مما لا يحبه.\rومن أمثلتها:\rقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]،","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٧ - ١٨٨)، ومنهاج السنة (٣/ ١٦)، والاستقامة (٣٠٧)، وشفاء العليل (٢/ ٧٣٦)، وإيثار الحق (٢٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050650,"book_id":1102,"shamela_page_id":493,"part":"2","page_num":529,"sequence_num":493,"body":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦].\rوكل آية في كتاب الله ﷾ ذكر فيها مشيئته ﷾ فهي مثال على هذه الإرادة، لأن المشيئة مرادفة للإرادة الكونية.\rوقول النبي ﷺ: (إن الله ﷿ إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره) (¬١).\rوقول النبي ﷺ: (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (¬٢).\rوقول النبي ﷺ: (إن ثلاثة في بني إسرائيل أراد الله أن يبتليهم. . .) الحديث (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الفضائل، باب إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها (٤/ ١٧٩١) ح (٢٢٨٨) من حديث أبي موسى ﵁.\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب القدر (٨/ ١٢٢) ح (٦٥٩٥)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (٤/ ٢٠٣٨) من حديث أنس بن مالك ﵁.\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب لا يقول ما شاء الله وشئت وهل يقول أنا بالله ثم بك (٨/ ١٣٣) ح (٦٦٥٣)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق (٤/ ٢٢٧٥) ح (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050651,"book_id":1102,"shamela_page_id":494,"part":"2","page_num":530,"sequence_num":494,"body":"النوع الثاني: إرادة شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا، وهي المقارنة للأمر والنهي والحب والبغض والرضا والغضب.\rوتسمى: الإرادة الدينية الأمرية، وهي متعلقة بإلهيَّته المتضمنة لربوبيته ﷿.\rومن أحكامها:\r- أنها غير مستلزمة لوقوع المراد، إلا أن تتعلق بالإرادة الكونية.\r- أنها ملازمة للمحبة؛ فكل ما أراده الله شرعًا فهو يحبه.\rومن أمثلتها:\rقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\rوهاتان الإرادتان تجتمعان فيما وقع في الوجود مما أراده الله ﷾ شرعًا، كإيمان أبي بكر وعمر ﵄؛ فالله ﷾ أراد الإيمان منهما شرعًا، وأراده كونًا فوقع.\rوتنفرد الكونية فيما وقع في الوجود مما لا يريده الله شرعًا، إما لكونه لا يريده ولا يريد خلافه كالمباحات من أكل وقيام وسفر، أو لكونه يريد خلافه كالكفر والمعاصي.\rوتنفرد الشرعية فيما لم يقع مما أراده الله ﷾ شرعًا ودينًا، كإيمان فرعون وأبي جهل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050652,"book_id":1102,"shamela_page_id":495,"part":"2","page_num":531,"sequence_num":495,"body":"وتتخلف كلتا الإرادتين فيما لم يقع مما لم يرده الله شرعًا (¬١).\rالمقدمة الثانية: الإرادة صفة لله ﷿، وهي ذاتية فعلية باعتبارين، فهي قديمة النوع حادثة الآحاد.\rالمقدمة الثالثة: أن المراد بالأمر هنا: الأمر الشرعي الذي هو المراد الشرعي، إذ أن الأمر - كالإرادة - قسمان (¬٢):\rأمر كوني، وهو المتعلق بخلقه وقدره، وهو المطابق للإرادة الكونية.\rوأمر شرعي، وهو ما شرعه على ألسنة أنبيائه ورسله، وهو المطابق للإرادة الشرعية.\rفالأمر الشرعي هو الذي يستلزم الإرادة الشرعية دون الكونية، وأما الأمر القدري فإنه يستلزم الإرادتين أو الكونية وحدها، ولا يستلزم الإرادة الشرعية وحدها.\rالمقدمة الرابعة: أن الإرادة الشرعية متعلقة بأفعال المكلفين.\rيُقصد بالإرادة الشرعية ما يُقصد بالحكم الشرعي الذي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، فهي أوامر الله ﷾ ونواهيه لعباده على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم.\rفالمراد الشرعي هو الحكم الشرعي سواء بسواء لا فرق.\rوأما الإرادة المتعلقة بفعله ﷿ فلها شأن آخر، وتلك هي الإرادة الكونية.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٨ - ١٨٩)، وشفاء العليل (١/ ١٨٩)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٠ - ٤١١).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (١/ ١٨٩ و ١٩٠) و (٢/ ٧٦٩ - ٧٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050653,"book_id":1102,"shamela_page_id":496,"part":"2","page_num":532,"sequence_num":496,"body":"وحينئذ فالفرق ثابت بين إرادته ﷾ من نفسه أن يفعل، وبين إرادته من عبده أن يفعل - كما سيأتي -.\rقال ابن القيم ﵀ عقب تقسيمه للإرادة وبيان استلزامها للمحبة: \"هذا ما إذا تعلقت الإرادة بأفعال العباد، وأما إذا تعلقت بأفعال الله فإنها لا تنقسم، بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضي له، ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته\" (¬١).\rالمقدمة الخامسة: المراد الشرعي هو الدين كله، الشرائع والعقائد.\rإذا تبين أن الإرادة الشرعية هي الحكم الشرعي؛ فينبغي أن يعلم أن هذا شامل لعقائد الدين وشرائعه، إذ أن أولى ما يدخل في الأوامر والنواهي: أصول الدين، فالتوحيد - الذي هو أساس الدين، ومضمون رسالة النبيين، ومقصود خلق الثقلين - هو أعظم مأمور به، ونقيضه أعظم منهي عنه.\rوالأوامر مرادٌ لله ﷾ من العبد فعلها، والنواهي مرادٌ له ﷾ من العبد تركها.\rوهذه القاعدة تتضمن مسألتين:\rالمسألة الأولى: أن الأمر الشرعي يستلزم الإرادة الشرعية التي هي المحبة، بمعنى أن كل ما أمر الله به في الشرع فإنه يحبه، ولا يمكن أن يكون شيء من أوامره الشرعية مبغوضًا له.\rوبالمقابل؛ فكل ما نهى عنه في الشرع فإنه يبغضه ولا يحبه.\rقال ابن القيم ﵀: \"والرب سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٢/ ٧٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050654,"book_id":1102,"shamela_page_id":497,"part":"2","page_num":533,"sequence_num":497,"body":"وأراده إرادة دينية، وهو لا يحب شيئًا إلا ووجوده خيرٌ من عدمه، وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه وهو لا يبغض شيئًا إلا وعدمه خير من وجوده\" (¬١).\rوالمحبة التي يستلزمها الأمر هي محبة لذات الأمر ولما يؤدي إليه، فنفس التوحيد ونفس الصلاة ونفس ترك الشرك محبوب ذاتي له ﷿، أي من حيث هو أمر هو محبوب لله ﷾.\rويدل عليه - إضافةً إلى ما تقدم - أمور:\rالأول: أن الله ﷾ موصوف بالكمال، ومن كماله أنه لا يأمر إلا بخير، ولا يأمر بالشر مطلقًا، والخير محبوب له ﷾، فأمره ﷾ محبوب له مَرْضي.\rالثاني: أن أوامر الله الشرعية هي وحيه وكلامه، وهما من صفاته ﷿، وصفاته ومقتضياتها محبوبة له ﷾، فتكون أوامره الشرعية محبوبة له ﷾.\rالثالث: أن الأحكام الشرعية معللة بحكم، وهذه الحكم مرجعها إلى حكمة كُلِّية هي المحبة - كما تقدم (¬٢) -، لذا فالله ﷾ لم يشرع حكمًا إلا وهو يحبه.\rالمسألة الثانية: أنه لا تلازم بين الأمر الشرعي والإرادة الكونية، بمعنى أنه لا يلزم من أمر الله ﷾ لعباده بأمر أن يكون هذا الأمر مراد الوقوع لله ﷾، بل قد يقع وقد لا يقع.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٢/ ٥١٣).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٤٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050655,"book_id":1102,"shamela_page_id":498,"part":"2","page_num":534,"sequence_num":498,"body":"كما أنه لا يلزم من وقوع الشيء أن يكون محبوبًا لله ﷾ مرادًا له شرغا، بل يخلق الله ﷾ ما يحبه وما لا يحبه، فالله خالق كل شيء، وكل ما خلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير ومحبوب له ﷿.\rفالمراد نوعان:\rمراد لذاته: وهو المحبوب لنفسه المرضي.\rومراد لغيره: وهو ما كان مبغوضًا بالنظر إلى ذاته، لكنه محبوب مراد لكونه وسيلة إلى المراد المحبوب لذاته (¬١).\rوقد سبق في مبحث الحكمة ما يبين هذا (¬٢).\rومما يدل على هذه المسألة: واقع الأمر، إذ أن كثيرًا مما أمر الله ﷾ به لم يقع، بل وقع خلافه، فالله أمر بالإيمان والتقوى وحسن الجوار وكف الأذى وترك المعاصي وغير ذلك، والذين وقع منهم ذلك هم الأقلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\rومما يوضح هاتين المسألتين: ثبوت الفرق بين إرادته ﷿ من نفسه أن يفعل، وبين إرادته من عبده أن يفعل؛ فالأولى الإرادة المتعلقة بفعله ﷾، والثانية هي الإرادة المتعلقة بفعل العبد، والأولى هي الكونية، والثانية هي الشرعية.\rوهذا الفرق معلوم ببدائه العقول، إذ ليس كل ما يأمر به الإنسان غيره","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٦٤).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٤٣٠) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050656,"book_id":1102,"shamela_page_id":499,"part":"2","page_num":535,"sequence_num":499,"body":"يكون مرادًا له، بل قد يكون خلافه هو المراد له لاختلاف الجهة، كأمر الرجل غيره بخطبة امرأة نصحًا له، مع إضماره في نفسه إرادة خطبتها.\rوإذا أمكن هذا في حق المخلوق فإمكانه في حق الخالق أولى وأحرى.\rفالله ﷿ إذا أمر العبد بأمر فقد يريد إعانته وقد لا يريد، مع كونه ﷾ مريدًا منه الفعل.\rبيانه أن الله ﷿ أمر عباده على ألسنة أنبيائه ورسله بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، فأراد منهم امتثال الأمر وترك المنهي، ثم منهم من أراد الله ﷿ خلق فعله وجعله فاعلًا، فوقع منه الامتثال والترك، ومنهم من لم يرد خلق فعله فلم يقع منه ذلك - مع كونه مريدًا له، حكمةً منه ﷾، ولا يلزم من كون الأمر بالشيء حكمة أن يكون وقوع الامتثال من المأمور حكمة، بل قد تكون الحكمة في عدم الامتثال (¬١).\rمثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٦، ٤٧]، بعد أمره لهم بالنفير بقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]، فأخبر أنه أمرهم بالخروج وأراده منهم شرعًا، ثم أخبر بتثبيطه لهم عنه لكرهه له منهم، ثم أخبر بالحكمة التي اقتضت ذلك وهي أن في خروجهم ضررًا على المؤمنين.\rقال ابن القيم ﵀: \"ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته، فإن","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٦٨ - ١٧٠)، وشفاء العليل (٢/ ٧٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050657,"book_id":1102,"shamela_page_id":500,"part":"2","page_num":536,"sequence_num":500,"body":"أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة لا شر فيها بوجه من الوجوه، وأما مفعولاته فهي مورد الانقسام. . . وعلى هذا فها هنا إرادتان ومرادان: إرادة أن يفعل ومرادها فعله القائم به وإرادة أن يفعل عبده ومرادها مفعوله المنفصل عنه، وليسا بمتلازمين\" (¬١).\rومما ذكره أهل العلم في الدلالة على هذه القاعدة: اتفاق الفقهاء على أن الحالف لو قال في يمينه: والله لأفعلن كذا ثم قال إن شاء الله، ولم يفعل ما حلف عليه أنه لا يحنث وإن كان ما حلف عليه واجبًا أو مستحبًا، ولو قال: إن أحب الله بدل إن شاء الله؛ حنث إذا كان مشروعًا وجوبًا أو استحبابًا (¬٢).\rفالحاصل أن أمر الله الشرعي يستلزم محبته ورضاه - اللذين هما إرادته الشرعية -، ولا يستلزم خلقه وتكوينه - اللذين هما الإرادة الكونية -، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧).\r(¬٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٥ - ١٦)، وإيثار الحق (٢٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050658,"book_id":1102,"shamela_page_id":501,"part":"2","page_num":537,"sequence_num":501,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف في هذه القاعدة كل من القدرية والجبرية، بعد اتفاقهم على أمرين:\r- نفي القسمة في الإرادة إلى كونية وشرعية.\r- وأن المراد بالإرادة المحبة.\rفذهب القدرية إلى أن الأمر يستلزم الإرادة، بل الإرادة هي نفس الرضا والمحبة، فكل ما أمر الله به فقد أراده، وكل ما أراده فقد أمر به وأحبه.\rوذلك أن الإرادة عندهم مرادفة للمحبة، ولذلك فإن ما حدث من الأفعال التي لا يحبها الله سبحانه كالكفر والفساد والمعاصي؛ فإنها إنما تحدث بغير إرادته سبحانه.\rوبناء على ذلك فإنه سبحانه لا يريد الكفر ولا الفساد ولا المعاصي، وأن ما يحدث من ذلك إنما يحدث بدون إرادته ومشيئته، وإنما قالوا بعدم مشيئته للأعمال الصالحة والمباحات طردًا للأصل؛ إذ كلها من باب واحد.\rقال القاضي عبد الجبار: \"وأحد ما يدل على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي؛ هو أنه لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت، حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُد متناقضًا\" (¬١).\rفالإرادة والمحبة والرضا - عندهم - متفقة في المعنى حقيقة (¬٢).","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٤٦٤).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٤٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050659,"book_id":1102,"shamela_page_id":502,"part":"2","page_num":538,"sequence_num":502,"body":"وقال أيضًا: \"فصل في أن المحبة والرضا والاختيار والولاية ترجع إلى الإرادة\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"فثبت بهذه الجملة أن كل من جازت عليه الإرادة جازت عليه المحبة، وأنه تعالى إذا صح كونه مريدًا فيجب أن يكون محبًّا، وكل ما صح أن يريده صح أن يحبه، وكل ما أوجب قبح محبته؛ أوجب قبح إرادته، فأما الرضا فهو إرادة الشيء، وإن كان لا يسمى بذلك إلا إذا وجد المراد\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"وقد بينا من قبل أن المحبة والرضا والاختيار ترجع إلى الإرادة، فما ثبت أنه تعالى أراد من فعله؛ يحبه ويرضاه ويختاره لنا ويشاؤه، وما لا يريده ثبت أنه يكرهه ويسخطه ويبغضه، فهذا جملة ما نذهب إليه\" (¬٣).\rفالأمر عندهم ملازم للإرادة، وهي شرط فيه، فمتى انتفت الإرادة عن شيء لم يكن مأمورًا به، ومتى أمر بشيء كان مرادًا له، فالله سبحانه - عندهم - لا يأمر إلا بما يريد، وبناءً على ذلك نفوا إفادة صيغة الأمر للأمر بمجردها إلا إذا اقترنت بإرادة الآمر فعل الأمر من المأمور.\rقال القاضي عبد الجبار: \"وقد بينا فيما تقدم أنه إنما يكون أمرًا بإرادة المأمور به، وأنه لا بد من ذلك في كونه أمرًا، ولا بد أيضًا من أن يريد الآمر إحداث الأمر خطابًا للمأمور\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٥١).\r(¬٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٥٤).\r(¬٣) المصدر السابق (٦/ ٢١٦).\r(¬٤) المصدر السابق (١٧/ ١٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050660,"book_id":1102,"shamela_page_id":503,"part":"2","page_num":539,"sequence_num":503,"body":"وقال أيضًا: \"إن الأمر لا يكون أمرًا لصورته ولا لسائر أحواله، وإنما يكون أمرًا لإرادة الآمر من الأمور ما أمره به\" (¬١).\rوما لم يقع مما أمر الله سبحانه به كإيمان المشركين؛ فإنه محبوب لله سبحانه مراد كالذي وقع، لكنه لم يقع لأن المشركين اختاروا خلافه، فلم يخرج بعدم وقوعه عن كونه مرادًا لله تعالى.\rولذلك يجب أن يعلم أن البحث في كلام المعتزلة في هذه المسألة هو في الإرادة المتعلقة بأفعال المكلفين، أو بالتشريع، لا الإرادة المتعلقة بالخلق، وذلك أن أفعال العباد عندهم غير مخلوقة فلا يدخلها هذا النوع من الإرادة.\rفالإرادة - على عمومها - عند المعتزلة نوعان:\rالنوع الأول: إرادة حتم وجبر وقسر، وهي إرادة الله سبحانه في خلق السموات والأرض وما بينهما من الخلق، فجاء خلقه كما أراد لم يمتنع منه شيء، وهذه الإرادة ملازمة للخلق والتكوين، فإذا أراد شيئًا كوَّنه، وإذا كونه فقد أراده.\rالنوع الثاني: إرادة تخيير وتحذير معها تمكين وتفويض، وهي إرادته سبحانه من خلقه ما أمرهم به، لأنه لو أراد منهم ما أمرهم به على معنى الإرادة الأول لما استطاعوا الخروج عن المأمور كما لا يستطيعون التحول من صورتهم الخَلقية إلى صورة غيرهم (¬٢).\rفالمراد بالبحث النوع الثاني لا الأول، فالإرادة الكونية غير داخلة في أفعال","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٦/ ٢٢٣).\r(¬٢) انظر: كتاب فيه معرفة الله من العدل والتوحيد -. . - ليحيى بن الحسين، (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٨٨ - ٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050661,"book_id":1102,"shamela_page_id":504,"part":"2","page_num":540,"sequence_num":504,"body":"العباد أصلًا، لكونها - أي أفعال العباد - غير مخلوقة له سبحانه - بزعمهم -.\rولم أقف في كلام المعتزلة على استدلال لهم على ترادف الإرادة والمحبة على وجه الخصوص، وإنما توسعوا في الاستدلال على إرادة الرب سبحانه للطاعات بمعنى محبتها، وعدم إرادته للقبائح، بمعنى عدم محبتها، فقد ذكر عبد الجبار ثلاثة عشر دليلًا على ذلك تحت: \"فصل في أنه تعالى يريد جميع ما أمر به ورغَّب فيه من العبادات، ولا يريد شيئًا من القبائح بل يكرهها\" من المغني (¬١)، وهذه الأدلة متضمنة الدلالة على ترادف المحبة والإرادة.\rوكذلك استدلوا على اشتراط الإرادة في الأمر (¬٢).\rوهذا القدر من قول المعتزلة - أن الأمر مستلزم للمحبة - صحيح موافق لقول السلف، ومخالفتهم إنما هي في إنكار الإرادة الكونية المتعلقة بأفعال العباد، فالله عندهم لم يرد وقوع الإيمان ممن وقع منه على جهة الخلق والتكوين، ولم يرد خلافه لا على هذه الجهة ولا على جهة المحبة. وإنما ذهبوا إلى ذلك طردًا لأصلهم من أن الله سبحانه غير خالق لأفعال العباد، وقد تقدم في المبحث السابق إبطال هذا الأصل، وذلك متضمن لإبطال ما بني عليه من نفي الإرادة الكونية في أفعال العباد.\rوينبغي التنبه على أن المعتزلة في إثباتهم للإرادة للرب سبحانه مخالفين لمذهب السلف، فإنهم يثبتون إرادة حادثة لا تقوم بالله سبحانه، بل في غير محل.\rقال القاضي عبد الجبار: \"واعلم أنه تعالى مريد عندنا بإرادة محدثة","footnotes":"(¬١) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٢١٨ - ٢٤٩).\r(¬٢) انظر: آراء المعتزلة الأصولية دراسةً وتقويمًا (٢١٤ - ٢١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050662,"book_id":1102,"shamela_page_id":505,"part":"2","page_num":541,"sequence_num":505,"body":"موجودة لا في محل\" (¬١).\rوقال: \"وقال شيخانا أبُو عليّ (¬٢) وأبُو هاشِم (¬٣) رحمهما الله وسائر من تبعهما: أنه تعالى مريد في الحقيقة، وأنه يحصل مريدًا بعد ما لم يكن؛ إذا فعل الإرادة، وأنه يريد بإرادة محدثة، ولا يصح أن يريد لنفسه ولا بإرادة قديمة، وأن إرادته توجد لا في محل\" (¬٤).\rوعقد لهذه الجمل فصولًا في المغني في الجزء السادس الذي أفرده للكلام على الإرادة وما يتعلق بها، فقال: \"فصل في الدلالة على أن الله تعالى مريد في الحقيقة\".\r\"فصل في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا لنفسه ولا لعلة\".\r\"فصل: في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا بإرادة قديمة\".\r\"فصل: في أنه يجب أن يكون مريدًا بإرادة محدَثة\".\r\"فصل: في أن إرادته تعالى يجب أن تكون موجودة لا في محل وما يتصل بذلك\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٤٤٠).\r(¬٢) هو: أبو علي، محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري، من أئمة المعتزلة، وإليه تنسب الطائفة \"الجبائية\" منهم، مات بالبصرة سنة (٣٠٣ هـ).\rانظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٧)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٣).\r(¬٣) هو: أبو هاشم، عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من أئمة المعتزلة، إليه تنسب الطائفة \"البهشمية\"، من كتبه: \"الجامع الكبير\" و\"العرض\"، مات سنة (٣٢١ هـ).\rانظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٨٣)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٦٣).\r(¬٤) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٣).\r(¬٥) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٠٤، ١١١ و ١٣٤، ١٣٧، ١٤٠، ١٤٩)، وانظر نحوها في المحيط بالتكليف (١/ ٢٦٩ - ٢٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050663,"book_id":1102,"shamela_page_id":506,"part":"2","page_num":542,"sequence_num":506,"body":"وقابلهم الأشاعرة، فذهبوا إلى أن الأمر لا يستلزم الإرادة، وأن الله قد يأمر بما لا يحبه، وقد يحب ما لا يأمر به.\rففسروا الإرادة بالمحبة، لكنهم جعلوها كونية؛ إذ جعلوا المراد هو الموجود، وما لم يوجد فليس بمراد، بل التزموا أنه يريد القبائح والشرور؛ لأنه إذا كان مريدًا لكل حادث - والإرادة هي المحبة - فهو محب لكل حادث راضٍ به أيًّا كان.\rوهذا القول - أن الله تعالى يحب الكفر، ويرضاه كفرًا معاقَبًا عليه - هو ما يطلقه بعض الأشعرية على العموم دون تفصيل.\rولهم مذهب ثان وهو المنع من إطلاق ذلك، لأن الكفر والفسوق والعصيان غير محبوبة لله سبحانه، والإرادة هي المحبة، ثم من هؤلاء من يجعل المحبة والرضا عبارة عن إنعامه سبحانه وإفضاله، ومنهم من يحمل المحبة والرضا على الإرادة، لكنه يقول: إذا تعلقت الإرادة بنعيم ينال عبدًا فإنها تسمى محبة ورضًا، وإذا تعلقت بنقمة تنال عبدًا فإنها تسمى سخطًا (¬١).\rوتأولوا ما ورد من نصوص دالة على أن الله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، بأن المعنى: لا يريد الفساد ولا يريد الكفر، وهذا إما أن يحمل على من لم يقع منه ذلك، أو يحمل على أنه لا يريده دينًا.\rوقال الباقلاني: \"واعلم أنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة والاختيار والرضى والمحبة\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: الإرشاد (٢٣٨ - ٢٣٩).\r(¬٢) الإنصاف (٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050664,"book_id":1102,"shamela_page_id":507,"part":"2","page_num":543,"sequence_num":507,"body":"وقال الجويني: \"أصل أهل الحق أن المحرمات مرادة للرب سبحانه، وأن إرادته القديمة تتعلق بحدوث المحظورات والمباحات تعلقها بالطاعات\" (¬١).\rوقال الدردير: \"والحاصل أن كل كائن، أي واقع فهو مراد له تعالى، سواء أمر به أو لا، ومفهومه أن ما لم يكن فهو غير مراد الوقوع، سواء أمر به كالإيمان من أبي جهل، أو لم يأمر به كالكفر من المؤمنين. . . وإذا عرفت ذلك؛ فالقصد - يعني الإرادة - غير الأمر بالشيء، بل ولا يستلزمه، كما أنه لا يستلزمها\" (¬٢).\rوتأولوا ما ورد من نصوص في نفي محبة الرب للفساد، ونفي رضاه بالكفر لعباده بأن المراد هو نفي الإرادة بالتكليف به (¬٣)، فيكون المعنى: لا يريد الفساد ولا يريد لعباده الكفر، قالوا: وهذا يصح على وجهين: إما أن يكون خاصًّا بمن لم يقع منه الكفر والفساد، وإما بمعنى: لا يحب الفساد دينًا، ولا يرضاه دينًا (¬٤).\rوالأشاعرة أحسنوا إذ أثبتوا عموم قدرة الله سبحانه ونفوذ مشيئته، وأساؤوا بقولهم إن الله يريد الكفر والعصيان.\rوقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:\rأولًا: ما جاء من نصوص في أمر الله سبحانه بأشياء لم يرد تعالى وقوعها، إذ لو أرادها لوقعت، كأمر الله سبحانه المشركين بالإيمان، وأمر الخليل بذبح","footnotes":"(¬١) التلخيص في أصول الفقه (١/ ٢٥٨).\r(¬٢) شرح الخريدة البهية (٧٦).\r(¬٣) انظر: غاية المرام (٦٧).\r(¬٤) انظر: الإنصاف (١٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050665,"book_id":1102,"shamela_page_id":508,"part":"2","page_num":544,"sequence_num":508,"body":"ولده، وأمر إبليس بالسجود لآدم، مع إرادته سبحانه عدم وقوع ذلك، إذ لو أراده لوقع (¬١).\rثانيًا: إجماع المسلمين على كلمة متلقاة بالقبول ليست من المجملات المتأوَّلات، وهي قولهم: \"ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن\" (¬٢).\rثالثًا: أن من حلف على مأمور به فاستثنى ثم لم يفعل لم يحنث، ولو كان الأمر هو الإرادة لحنث، لأن الله سبحانه قد شاء أن يقضيه إذ أمره بذلك (¬٣).\rرابعًا: أمر السيد عبده بما عصاه به عبده أمام القاضي ليقيم عذره، فهو آمرٌ له بما لا يريده منه، فدل على أن الأمر غير مستلزم للإرادة (¬٤).\rخامسًا: أنه لو كان الأمر بمعنى الإرادة لما صح أن يقول الرجل: \"أريد منك كذا ولا آمرك به\"، لأنه حينئذ بمنزلة قوله: \"أريد منك كذا ولا أريده منك\" (¬٥).\rسادسًا: أن المكره يصح منه الأمر ولا إرادة له، فدل على أن الأمر لا يستلزم الإرادة.\rسابعًا: أن أهل اللغة لم يشترطوا الإرادة في الأمر، بل اشترطوا الصيغة مع الرتبة، ولو كانت شرطًا لما أخلُّوا بها.","footnotes":"(¬١) انظر: المحصول (٢/ ١٩)، وقواطع الأدلة (١/ ٥٣)، والإرشاد (٢٤٦)، وغاية المرام (٩٤ - ٩٥).\r(¬٢) انظر: الإنصاف للباقلاني (٤٢)، والإرشاد للجويني (٢٤٢)، وغاية المرام (٩٤).\r(¬٣) انظر: شرح اللمع (١/ ١٩٥).\r(¬٤) انظر: المحصول (٢/ ٢٢)، والإرشاد (٢٤٤ - ٢٤٥)، وغاية المرام (٩٤).\r(¬٥) انظر: المحصول (٢/ ٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050666,"book_id":1102,"shamela_page_id":509,"part":"2","page_num":545,"sequence_num":509,"body":"وهذا الذي ذهبوا إليه من نفوذ مشيئة الرب وعموم ملكه صحيح موافق لقول السلف، لكنهم أخطؤوا في نفي إرادة الرب الشرعية واستلزام أمره سبحانه لها، وما أوردوه من أدلة صحيحة على ذلك فهو مسلَّم لهم لا ينازعون فيه، وإن كان في بعض ما أوردوه منها نظر.\rوالصواب في ذلك ما تقدم من قول أهل السنة من التفصيل بين الإرادتين، الكونية والشرعية، وأن الأمر يستلزم الشرعية لا الكونية.\rوما تقيمه القدرية من أدلة على محبة الله سبحانه للأمر، وأنه لا يأمر إلا بما يحب؛ فهو صحيح يُدفَع به في نحر الجبرية، وما تقيمه الجبرية من أدلة على عموم ملك الرب ونفوذ مشيئته فهو صحيح ويُدفَع به في نحر القدرية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050667,"book_id":1102,"shamela_page_id":510,"part":"2","page_num":547,"sequence_num":510,"body":"المبحث الثاني: \"الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة قي هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050668,"book_id":1102,"shamela_page_id":511,"part":"2","page_num":549,"sequence_num":511,"body":"المبحث الثاني: \"الاستطاعة استطاعتان: سابقةٌ للفعل، وهي التمكُّن وسلامة الآلات، ومقارنةٌ للفعل، وهي حقيقة القدرة\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال الطحاوي ﵀: \"والاستطاعة التي يجب بها الفعل - من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به - تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات؛ فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب\".\rقال ابن أبي العز ﵀ في شرحه: \"والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله؛ لا يجب أن تكون معه، والقدرة التي يكون بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل؛ لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"فالاستطاعة نوعان: متقدمة صالحة للضدين، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل، فتلك هي المصححة للفعل المجوزة","footnotes":"(¬١) شرح الطحاوية (٢/ ٦٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050669,"book_id":1102,"shamela_page_id":512,"part":"2","page_num":550,"sequence_num":512,"body":"له، وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"والصواب أنها نوعان: نوع قبله وهي المصححة للتكليف التي هي شرط فيه، ونوع مقارن له فليست شرطًا في التكليف\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٢).\r(¬٢) بدائع الفوائد (٥/ ١٦١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050670,"book_id":1102,"shamela_page_id":513,"part":"2","page_num":551,"sequence_num":513,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على انقسام الاستطاعة إلى سابقة مقارنة: الكتاب والسنة.\rفمن أدلة الاستطاعة السابقة:\rقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\rفأوجب الحج على المستطيع، ولو لم تكن هذه الاستطاعة سابقةً للفعل غير مقارنة له؛ لما وجب الحج إلا على من وقع منه، وهذا باطل بالضرورة (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\rفأمر بالتقوى وقيدها بالاستطاعة، فلو لم يكن المراد بالاستطاعة السابقة لما استطاع التقوى إلا من اتقى، وهذا باطل كذلك (¬٢).\rوقوله تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢].\rفاعتذروا عن تخلفهم بعدم استطاعتهم الخروجَ معه ﷺ، ولو لم يكن المراد بالاستطاعة هنا السابقة لما احتاجوا أن يعتذروا.\rوأيضًا لو كان مرادهم الاستطاعة المقارنة لكان اعتذارهم من قبيل الاعتذار عن الشيء بنفسه، فكأنهم يقولون نعتذر على عدم الخروج بأننا لم نخرج، وهذا باطل أيضًا.\rومثله الاستطاعة الواردة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (١/ ٤٠٨)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٢٩ و ٣٧٢)، ورفع الشبهة والغرر (٤٥).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٢)، ودرء التعارض (٥/ ٩٤)، ورفع الشبهة والغرر (٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050671,"book_id":1102,"shamela_page_id":514,"part":"2","page_num":552,"sequence_num":514,"body":"أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣].\rوقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (¬١).\rوقوله ﷺ: (إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدًا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان) (¬٢).\rوقوله ﷺ: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) (¬٣).\rوبالجملة، فكل استطاعة علق بها حكم تكليفي (¬٤)، أو جاءت في سياق اعتذار - غير الاعتذار بالقدر - أو تحَدٍّ؛ فهي استطاعة سابقة بمعنى التمكن وسلامة الآلات - كما سيأتي -.\rومن أدلة الاستطاعة المقارنة:\rقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠].\rفالاستطاعة المنفية هنا هي الاستطاعة المقارنة، لأن انتفاء السمع","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٢٦٤).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي (١/ ٣٦٢) (٥٠٥)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ من استطاع منكم الباءة. . . (٧/ ٣) ح (٥٠٦٥)، ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه … (٢/ ١٠١٨) ح (١٤٠٠)، من حديث ابن مسعود ﵁.\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050672,"book_id":1102,"shamela_page_id":515,"part":"2","page_num":553,"sequence_num":515,"body":"والبصر الذي يكون به التكليف عذر لهم لا حجة عليهم.\rومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١].\rوقوله تعالى حكاية عن الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، ونظيرتيها.\rفالمنفي هنا هو حقيقة الصبر لا أسبابه؛ فإنها كانت ثابتة لموسى، فهو من أولي العزم والصبر من الرسل، ولهذا عاتبه الخضر ﵇، ولو كان عادمًا لأسباب الصبر وأدواته لما استحق اللوم ولكان معذورًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050673,"book_id":1102,"shamela_page_id":516,"part":"2","page_num":554,"sequence_num":516,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة من القواعد الجليلة في القدر، لأنها أساس من الأسس التي قام عليها مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهي مما هدى الله إليه أهل السنة دون من عداهم، فله الحمد والمنة.\rولا بد قبل الشروع في بيانها من توضيح معنى الاستطاعة في اللغة.\rالاسْتطَاعَة: مشتقة من الطَّوْع، كأنها كانت في الأصل الاستطواع، فلما أُسقطت الواو جعلت الهاء بدلًا منها، مثل قياس الاستعانة والاستعاذة.\rوالاستطاعة: الإطاقة والقدرة على الشيء (¬١).\rوالاستطاعة والقدرة والقوة والوسع والطاقة ألفاظ متقاربة في المعنى (¬٢).\rوالاستطاعة لفظ شرعي، جاءت به النصوص ما بين إثبات ونفي، وإنما دخله الإجمال من جهة أنه أطلق في الشرع على معنيين، فغابت هذه القسمة عن كثير من الناس فصاروا يعممون أحد هذين المعنيين على كل استطاعة وردت في النصوص، وسلك أهل السنة المحجة البيضاء ففرقوا بين المعنيين، ونزلوا على كل واحد منهما النصوص الشرعية الخاصة به.\rوالكلام على هذه القاعدة في مسائل:\rالأولى: معنى الاستطاعة السابقة وأحكامها.\rالثانية: معنى الاستطاعة المقارنة وأحكامها.\rالثالثة: علاقة الاستطاعة السابقة بالاستطاعة المقارنة.","footnotes":"(¬١) انظر: الصحاح (٣/ ١٢٥٥)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ١٤٢).\r(¬٢) انظر: التعريفات (١٩)، وشرح الطحاوية (٢/ ٦٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050674,"book_id":1102,"shamela_page_id":517,"part":"2","page_num":555,"sequence_num":517,"body":"المسألة الأولى: معنى الاستطاعة السابقة وأحكامها.\rالاستطاعة السابقة هي القدرة المصححة للفعل، أي التي يقدر بها الفاعل على الفعل، فهي سلامة الأدوات والوسائل والأسباب التي أودعها الرب سبحانه في الفاعل، والتي تشكل لديه بمجموعها استعدادًا وقوة يتمكن بها من الفعل إذا أراده - بمشيئة الله ﷿.\rوهذه الاستطاعة تتنوع أفرادها بتنوع الأفعال المراد القيام بها؛ فاستطاعة الحج: الزاد والراحلة، واستطاعة الصلاة قدرة البدن، وقد تصل إلى حياة القلب فقط، واستطاعة الزكاة: ملك النصاب، واستطاعة الصيام قوة الجسم على تحمل الامتناع عن المفطر.\rوهكذا كل أمر تكون الاستطاعة بحسبه، ويجمعها كلها سلامة الآلة التي يكون بها الفعل.\rومن أحكامها (¬١):\rأولًا: أنها متقدمة على الفعل لا متأخرة ولا مقارنة.\rأما كونها سابقة للفعل فلأنها وسيلته وأداته، وسبب من أجل أسبابه الوجودية، والله سبحانه لحكمته ربط الأسباب بمسبَّباتها، وجعل وجود الشيء متوقف على وجود أسبابه ومقتضياته، فوجود الشيء مع عدم بعض أسبابه الوجودية ممتنع، فوجب أن تكون هذه الاستطاعة متقدمة على الفعل كما يتقدم سبب الفعل عليه.\rوأما كونها غير متأخرة فليس المراد به أنه بعد الفعل تعدم القدرة عليه، فلا","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٤٧ - ٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050675,"book_id":1102,"shamela_page_id":518,"part":"2","page_num":556,"sequence_num":518,"body":"يكون في مقدور الفاعل فعله مرة أخرى؛ بل المراد أنها متأخرة عن الفعل المعين.\rيبينه أن القدرة على فعل معين هي سبب من أسباب وجوده - كما تقدم -، وسبب الشيء لا يتأخر عنه وإلا لم يكن سببًا له، ثم هذه الاستطاعة تكون سببًا لفعل آخر، وهكذا، فالقول بأنها متقدمة أو غير متأخرة وكذا غير مقارنة؛ إنما هو بالنسبة إلى الفعل المعين نفسه - من حيث كونها سببًا له - لا بالنسبة إلى عموم الأفعال التي من جنسه.\rوأما كونها غير مقارنة فالمراد منه أن الفعل إذا خرج بأسبابه إلى الوجود؛ فإن هذه الاستطاعة لا تكون حينئذ موجودة، بل تحل محلها استطاعة أخرى بها يتحقق الفعل - كما سيأتي -.\rثانيًا: أنها مناط الأمر والنهي؛ فإذا وجدت وجد الأمر والنهي، وإذا عدمت عدم الأمر والنهي (¬١).\rفالله سبحانه لرحمته لا يكلف نفسًا إلا وسعها وقدرتها، فإذا عدمت الاستطاعة لم يتوجه الأمر والنهي، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة في المبحث القادم إن شاء الله.\rثالثًا: أنها استطاعة شرعية (¬٢).\rوهذا الحكم متمِّم للحكم السابق؛ فمعنى كونها استطاعة شرعية هو كونها مناطًا للأمر والنهي، مع تضمنه لمعنيين آخرين:\rالأول: أنه لا يلزم من وجودها وجود الفعل، بل قد يتخلف الفعل، وقد","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٠) و (٨/ ١٢٩).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٣٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050676,"book_id":1102,"shamela_page_id":519,"part":"2","page_num":557,"sequence_num":519,"body":"يحصل خلافه - مع تخلفه - مع وجود هذه الاستطاعة.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وأما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن\" (¬١).\rالثاني: أنها أخص من الاستطاعة الكونية، فالاستطاعة الشرعية المشروطة في التكليف لم يكتف فيها الشارع بمجرد المكنة ولو حصل معها ضرر، بل جعل القدرة على الفعل مع الضرر كالعجز عنه تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] (¬٢)، يزيده إيضاحًا:\rرابعًا: أنها صالحة للضدين.\rفالاستطاعة السابقة يستطيع بها الفاعل الفعل والترك، فهو قبل الفعل مستطيع مختار، بمعنى أنه لا يلزم من حصول الاستطاعة السابقة وقوع الفعل، بل قد يقع وقد لا يقع.\rفعلى ساق الاستطاعة قامت الأحكام الشرعية، والتكليف مع عدمها ممتنع، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\rخامسًا: أنها حاصلة للفاعل والتارك.\rفلا يختص بها أحدهما، بل هي لكليهما، فالذي قدَّر الله ﷾ له أن يفعل؛ كانت الاستطاعة قبلُ حاصلة له، وإلا لما وقع منه الفعل؛ لأن هذه الاستطاعة سبب في وقوعه، ولا بد حتى يقع الفعل من وجود أسبابه.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١٠/ ٣٢)، وانظر: (١٨/ ١٧٣) منه.\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٤٣٩)، ومنهاج السنة (٣/ ٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050677,"book_id":1102,"shamela_page_id":520,"part":"2","page_num":558,"sequence_num":520,"body":"ومن قدَّر عليه ألا يفعل فلا يخلو من أحد حالين:\r- أن لا يكون مطالبًا بالفعل أصلًا؛ لعجز أو غيره، فهذا غير داخل فيما نحن بصدده.\r- أن يكون مطالبًا به؛ فلا بد من استطاعته عليه، إذ لا تكليف مع العجز، فالتكليف دليل على الاستطاعة.\rسادسًا: أنها سبب من أسباب وجود الفعل.\rتقدم أن سلامة الآلات التي يكون بها الفعل من جملة أسبابه الوجودية التي يتوقف عليها، فليس وجود هذه الاستطاعة كعدمها، وليست هي متفردة بإيجاده، بل هي من جملة الأسباب، فلا بد للقيام بواجب الحج من وجود أسبابه التي من جملتها وجود الزاد والراحلة، فلا حج بدون زاد وراحلة، ولا مجرد وجود الزاد والراحلة محقق لوقوع الحج.\r\rالمسألة الثانية: معنى الاستطاعة المقارنة وأحكامها.\rالاستطاعة المقارنة هي حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل، هي عبارة عن مجموع القدرة السابقة مع الإرادة الجازمة، اللذين هما المرجح التام للفعل بمشيئة الله ﷾.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"القادر المختار إذا أراد الفعل إرادة جازمة، وهو قادر عليه قدرة تامة؛ لزم وجود الفعل وصار واجبًا بغيره لا بنفسه. . . ومع القدرة التامة والإرادة الجازمة يمتنع عدم الفعل، ولا يتصور عدم الفعل إلا لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة. . . أما مع كمال قدرته وإرادته فلا يتوقف الفعل على شيء غير ذلك والقدرة التامة والإرادة الجازمة هي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050678,"book_id":1102,"shamela_page_id":521,"part":"2","page_num":559,"sequence_num":521,"body":"المرجح التام للفعل الممكن، فمع وجودهما يجب وجود ذلك الفعل\" (¬١).\rفعدم الفعل إما إن يكون لعدم القدرة عليه، أو لعدم إرادته - أصلًا أو كمالًا -، أو لعدمهما معًا.\rوحصول القدرة المقارنة التي يكون بها الفعل هو من التوفيق الذي خص الله ﷾ به الفاعل على التارك، وهذا التوفيق هو هداية الله ﷾ للمؤمن، وخلافه من الإضلال.\rلذلك قال الطحاوي ﵀: \"والاستطاعة التي يجب بها الفعل - من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به - تكون مع الفعل\" (¬٢).\rومن هنا كان من مذهب أهل السنة أن لله ﷾ على عبده المطيع نعمة دينية أمكنه بها من الطاعة، وسيأتي بيان هذه المسألة في قاعدة مستقلة إن شاء الله.\rومن أحكامها:\rأولًا: أنها لا تكون إلا مقارنة للفعل، ولا تصلح إلا له.\rفلا يمكن أن تتقدم عليه، كما لا يمكن أن تتأخر عنه.\rوذلك لأن الفعل إنما يخرج إلى الوجود بهذه الاستطاعة، فبوجودها يوجد الفعل، وبعدمها يعدم الفعل، فهي موجب الفعل وعلة تامة له، فلا يتصور تقدمها أو تأخرها عنه، لأن العلة التامة تقارن المعلول لا تتقدمه (¬٣).","footnotes":"(¬١) منهاج السنة (١/ ١٦٣)، وانظر: (١/ ٤٠٧) منه، ودرء التعارض (١/ ٤٦)، ومجموع الفتاوى (٧/ ١٨٨).\r(¬٢) الطحاوية مع شرح ابن أبي العز (٢/ ٦٣٣).\r(¬٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050679,"book_id":1102,"shamela_page_id":522,"part":"2","page_num":560,"sequence_num":522,"body":"كما أنها مختصة بالفعل المعين، فلا تكون لغيره.\rثانيًا: أنها لا تصلح للضدين بل للفعل فقط، ومن هنا كانت استطاعة كونية.\rأي يلزم من وجودها وجود الفعل ولا يمكن أن يتخلف، فلا يتصور وجودها مع عدم الفعل، لأنها المرجح التام له، يوضحه:\rثالثًا: أنها تختص بالفاعل دون التارك.\rفالتارك إنما ترك الفعل لعدم القدرة التامة، أو لعدم الإرادة الجازمة، أو لعدمهما معًا، وعدمه أيًا منهما يخرجه عن كونه مستطيعًا هذه الاستطاعة.\rوالفاعل إنما صار فاعلًا لقدرته التامة ومشيئته الجازمة، وهما حقيقة الاستطاعة المقارنة، فالفاعل مستطيع بهذا المعنى دون التارك فإنه غير مستطيع.\rرابعًا: أنها موجبة للفعل، وسبب تام في وجوده.\rوهذا كما تقدم من كون الفعل يخرج إلى الوجود بالاستطاعة المقارنة التي هي القدرة التامة والمشيئة الجازمة.\rوهذه الاستطاعة هي المرجح للفعل والسبب التام.\rلكن مع كونها كذلك، فإنها لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من مشيئة الرب ﷾ له، ولا تنافي في ذلك؛ لأن وجود القدرة والمشيئة إنما كان بمشيئة الله وخلقه، فكون الاستطاعة المقارنة مرجحًا للفعل فهذا بمشيئة الله ﷿ لا بنفسها.\rوقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا المعنى فقال: \"القادر المختار إذا أراد الفعل إرادة جازمة، وهو قادر عليه قدرة تامة؛ لزم وجود الفعل، وصار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050680,"book_id":1102,"shamela_page_id":523,"part":"2","page_num":561,"sequence_num":523,"body":"واجبًا بغيره لا بنفسه\" (¬١).\rولا تنافي كذلك لأن هذه الاستطاعة هي في حقيقة الأمر توفيق من الله ﷾ لعبده، جعله به قادرًا على الطاعة، مريدًا لها.\rولا تنافي كذلك لأن لموجب هذه الاستطاعة موانع لا بد من إزالتها، إذ يبقى بعد وجود القدرة والإرادة زوال الموانع التي تحول دون وجود الفعل.\r\rالمسألة الثالثة: علاقة الاستطاعة السابقة بالاستطاعة المقارنة.\rمن خلال ما تقدم تتضح العلاقة بين الاستطاعتين، وملخص ذلك أن الاستطاعة السابقة هي جزء من الاستطاعة المقارنة.\rوالاستطاعة المقارنة تتضمن الاستطاعة السابقة وزيادة، وهذه الزيادة هي الإرادة الجازمة على القيام بالفعل.\rفكل استطاعة سابقة إذا لاقت إرادة جازمة صارتا بمجموعهما قدرة مقارنة تامة، يخرج بها الفعل إلى الوجود بمشيئة الله ﷾.\rوالحاصل أن مذهب أهل السنة أن الاستطاعة نوعان: سابقة ومقارنة، ولكل واحدة منهما حقيقتها وأحكامها وأدلتها من الكتاب والسنة، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١/ ١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050681,"book_id":1102,"shamela_page_id":524,"part":"2","page_num":562,"sequence_num":524,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف أهل السنة في هذه القاعدة طوائف من المخالفين.\rفذهبت الجهمية إلى إنكار الاستطاعة من أصلها، وقالوا: ليس للعبد قدرة على فعله ولا استطاعة، وهذا بناءً على قولهم بأن العبد مجبور على فعله.\rحكى عنه ذلك أهل المقالات، فقال البغدادي: \"الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها\" (¬١).\rوقال الإسفراييني: \"وكان من مذهبه أن لا اختيار لشيء من الحيوانات في شيء مما يجري عليهم، فإنهم كلهم مضطرون لا استطاعة لهم بحال\" (¬٢).\rوقال الشهرستاني: \"ومنها: قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار\" (¬٣).\rوحكاه ابن حزم عن طائفة من الأزارقة أيضًا (¬٤).","footnotes":"(¬١) الفرق بين الفرق (١٨٦).\r(¬٢) التبصير في الدين (١٠٧).\r(¬٣) الملل والنحل (٩٨).\r(¬٤) انظر: الفصل (٣/ ٣٣)، والأزارقة: طائفة من الخوارج أتباع نافع بن الأزرق الحنفي، لهم مقالات فارقوا بها المحكمة الأولى وسائر الخوارج، منها: أنهم يقولون أن من خالفهم من هذه الأمة فهو مشرك، ومن لم يهاجر إليهم فهو مشرك وإن كان على معتقدهم، وأطبقوا على أن ديار مخالفيهم ديار الكفر وأن قتل نسائهم وأطفالهم مباح وأن رد أماناتهم لا يجب، وحرَّموا قتل من انتمى إلى اليهود أو النصارى أو المجوس، وأسقطوا الرجم عن الزاني، وجوزوا أن يبعث الله تعالى نبيًّا يعلم أنه يكفر بعد نبوته أو كان كافرًا قبل البعثة. =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050682,"book_id":1102,"shamela_page_id":525,"part":"2","page_num":563,"sequence_num":525,"body":"وهذا القول باطل ببدائه العقول، وهو ثمرة مذهبه في الجبر، وأن الإنسان كالريشة في مهب الريح.\rوذهبت القدرية المعتزلة إلى إنكار الاستطاعة المقارنة، وأن الاستطاعة سابقة لا غير.\rقال القاضي عبد الجبار: \"فصل في الاستطاعة، وهو الكلام في أن القدرة متقدمة لمقدورها غير مقارنة له\"، ثم قال: \"وجملة ذلك أن من مذهبنا أن القدرة متقدمة لمقدورها\" (¬١).\rوقال: \"باب في أن القدرة قبل الفعل. . . إذا أعطى الله ﷿ القدرة والاستطاعة للعبد؛ فقد مكنه بها من الأفعال أجمع، ويصح منه أن يفعل بها الخير والطاعة كما يمكنه أن يفعل بها الشر والمعصية، فلذلك قلنا إنها متقدمة على الفعل\" (¬٢).\rوحكى الأشعري إجماعهم على ذلك فقال: \"وأجمعت المعتزلة على أن الاستطاعة قبل الفعل وهي قدرة عليه وعلى ضده، وهي غير موجبة للفعل\" (¬٣).\rواستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة منها:\rأولًا: ما تقدم من أدلة على الاستطاعة السابقة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ","footnotes":"= انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٨)، والفرق بين الفرق (٧٨)، والفصل (٥/ ٥٢)، والتبصير في الدين (٤٩)، والملل والنحل (١/ ١٣٧).\r(¬١) شرح الأصول الخمسة (٣٩٠ و ٣٩٦).\r(¬٢) المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٦).\r(¬٣) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050683,"book_id":1102,"shamela_page_id":526,"part":"2","page_num":564,"sequence_num":526,"body":"عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\rوقوله تعالى حاكيًا عن المنافقين: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢]، ونحو ذلك من الآيات.\rثانيًا: أنه لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها لوجب أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفًا بما لا يطاق، إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه (¬٢).\rثالثًا: أن القدرة صالحة للضدين، فلو كانت مقارنة لهما لوجب بوجودها وجود الضدين، فيجب في الكافر - وقد كلف الإيمان - أن يكون كافرًا مؤمنًا دفعة واحدة وهو محال (¬٣).\rرابعًا: أن القدرة لو كانت مع الفعل لكانت قدرة على الموجود فقط، والموجود استغنى بوجوده عن القدرة أصلًا (¬٤).\rخامسًا: أنه لو كان القادر منا إنما يقدر على الفعل حال وجوده لكان الرب سبحانه كذلك لا يقدر على الفعل إلا حال وجوده، لأن حال القادر لا يختلف (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن (٧٢)، ومتشابه القرآن (١٥٢).\r(¬٢) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٩٦)، والمختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٧).\r(¬٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٣٩٦).\r(¬٤) انظر: المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٦).\r(¬٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050684,"book_id":1102,"shamela_page_id":527,"part":"2","page_num":565,"sequence_num":527,"body":"وعند النظر في هذه الأدلة يلاحظ أن المعتزلة استدلوا بها على أمرين: على إثبات الاستطاعة المتقدمة، وعلى نفي الاستطاعة المقارنة.\rأما دلالتها على إثبات الاستطاعة المتقدمة؛ فصحيحة لا إشكال فيها، النقلية منها، والعقلية في الجملة، حاشا الدليل الأخير؛ فإنه مبني على تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا باطل.\rوأما دلالتها على نفي الاستطاعة المقارنة فباطل من وجوه:\rالأول: أن الأدلة الصحيحة الصريحة دلت على إثبات الاستطاعة المقارنة، كما دلت على إثبات الاستطاعة السابقة، فإثبات هذه ونفي هذه تشهٍّ وهوى.\rالثاني: أن نفي الاستطاعة المقارنة يؤول إلى التسوية بين الفاعل والتارك؛ إذ لا استطاعة يختص بها الفاعل، وهذا باطل.\rالثالث: أن القدرة السابقة إما أن تكون تامة أو غير تامة، فإن كانت تامة؛ لزم وجود الضدين إذ القدرة عليهما على السواء وهذا محال، وإن كانت ناقصة فهي غير موجبة للفعل، فيلزم وجود استطاعة أخرى تتممها، وهو المطلوب (¬١).\rالرابع: أن القدرة غير كافية في وجود الفعل، بل لا بد معها من إرادة ترجح الفعل على الترك، والقدرة مع الإرادة الجازمة موجبة للفعل بإذن الله، وهما حقيقة القدرة المقارنة - كما تقدم - (¬٢).\rومذهب المعتزلة في الاستطاعة مبني على قولهم بنفي التوفيق وأن يكون للرب سبحانه على المطيع نعمة خاصة به يعينه بها على الطاعة، بل إقدار الرب","footnotes":"(¬١) انظر: الفصل (٣/ ٥١ - ٥٢).\r(¬٢) وانظر: منهاج السنة (٣/ ٤٥ - ٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050685,"book_id":1102,"shamela_page_id":528,"part":"2","page_num":566,"sequence_num":528,"body":"سبحانه وإعانته للمطيع والعاصي سواء، ولكن هذا بنفسه رجح الطاعة وهذا بنفسه رجح المعصية كالوالد الذي أعطى كل واحد من ابنيه سيفًا فهذا جاهد به في سبيل الله وهذا قطع به الطريق.\rوهذا مردود باتفاق أهل السنة والجماعة على إثبات نعمة دينية خص الله بها المطيع دون العاصي، أعانه بها على الطاعة (¬١).\rوذهب الأشاعرة إلى أن نفي الاستطاعة المتقدمة، وأنها مقارنة للفعل لا غير، لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه.\rقال الباقلاني: \"ويجب أن يعلم أن الاستطاعة للعبد لا تكون إلا مع الفعل، لا تجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"فإن قال: فهل تزعمون أنه يستطيع الفعل قبل اكتسابه، أو في حال اكتسابه؟ قلنا: لا، بل في حال اكتسابه، ولا يجوز أن يقدر عليه قبل ذلك\" (¬٣).\rوقال الرازي: \"مسألة: القدرة مع الفعل خلافًا للمعتزلة: لنا أن القدرة عرَض؛ فلا تكون باقية، فلو تقدمت على الفعل لاستحال أن يكون قادرًا على الفعل؛ لأن حال وجود القدرة ليس إلا عدم الفعل، والعدم المستمر يستحيل أن يكون مقدورًا، وحال حصول الفعل لا قدرة\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٣ - ٤٤).\r(¬٢) الإنصاف (٤٤).\r(¬٣) التمهيد (٣٢٤ - ٣٢٥).\r(¬٤) المحصل (١٠٥ - ١٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050686,"book_id":1102,"shamela_page_id":529,"part":"2","page_num":567,"sequence_num":529,"body":"وقال: \"مسألة: القدرة لا تصلح للضدين خلافًا للمعتزلة\" (¬١).\rوقال الآمدي: \"مذهب أهل الحق من الأشاعرة: أن القدرة الحادثة لا تتقدم على مقدورها ولا تتعلق به قبل حدوثه، بل وقت حدوثه\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"مذهب أكثر أصحابنا امتناع تعلق القدرة الحادثة بمقدورين معًا\" (¬٣).\rوقال التفتازاني: \"القدرة الحادثة على الفعل لا توجد قبله خلافًا للمعتزلة\" (¬٤).\rوعقد الأشعري في كتابه \"اللمع\" بابًا في الكلام في الاستطاعة، قرر فيه أن الاستطاعة لا تكون إلا مقارنة للفعل (¬٥).\rواستدلوا لمذهبهم بأمور منها:\rأولًا: ما تقدم من أدلة على ثبوت الاستطاعة المقارنة، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] (¬٦).\rوقوله تعالى حكاية عن الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] (¬٧)، ونحوهما من الآيات.\rوقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١٠٧).\r(¬٢) أبكار الأفكار (٢/ ٢٩٦).\r(¬٣) المصدر السابق (٢/ ٣٠٨).\r(¬٤) المقاصد مع شرحه (٢/ ٣٥٣).\r(¬٥) انظر: اللمع (٩٣) وما بعدها.\r(¬٦) انظر: المصدر السابق (٩٩)، والإنصاف (٤٤).\r(¬٧) انظر: اللمع (٩٩)، والإنصاف (٤٤)، وشعب الإيمان (١/ ٣٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050687,"book_id":1102,"shamela_page_id":530,"part":"2","page_num":568,"sequence_num":530,"body":"﴾ [إبراهيم: ٤٠]، فلو كانت القدرة سابقة على الفعل لما كان لطلبه معنى، ولصح أن يقول له الله سبحانه: قد جعلتك مقيمًا، ويكون الإنسان مستغنيًا عن معونة ربه سبحانه (¬١).\rثانيًا: أنه لو لم تكن القدرة الحادثة متعلقة بالفعل حال حدوثه؛ لما كانت متعلقة به أصلًا، واللازم ممتنع؛ فالملزوم ممتنع (¬٢).\rثالثًا: أن القدرة عرض، والعرض لا يبقى، فلو كانت متقدمة على الفعل للزم وقوعه مع عدم القدرة، وهو محال (¬٣).\rرابعًا: أن من لم يخلق الله سبحانه له استطاعة محال أن يكتسب شيئًا، فلما استحال أن يكتسب الفعل إذا لم تكن استطاعة؛ صح أن الكسب إنما يوجد لوجودها، وفي ذلك إثبات وجودها مع الفعل للفعل (¬٤).\rفالاستطاعة مع الكسب كالعلة مع المعلول، ولا يصح تقدم العلة على المعلول، فلا يصح تقدم الاستطاعة على الكسب (¬٥).\rهذه أهم أدلتهم، وقد أرادوا منها أمرين: إثبات الاستطاعة المقارنة، ونفي الاستطاعة السابقة.\rفأما دلالتها على الاستطاعة المقارنة، فصحيحة خلا الدليل الثالث، فإن","footnotes":"(¬١) انظر: الإنصاف (٤٥)، والتمهيد (٣٢٥).\r(¬٢) انظر: أبكار الأفكار (٢/ ٢٩٨)، والإنصاف (٤٥).\r(¬٣) انظر: اللمع (٩٣ - ٩٤)، والإرشاد للجويني (٢١٩)، والتمهيد (٣٢٥)، وشرح السنوسية (١٨٦)، والمقاصد وشرحه (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤).\r(¬٤) انظر: اللمع للأشعري (٩٦ - ٩٧).\r(¬٥) انظر: شعب الإيمان (١/ ٣٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050688,"book_id":1102,"shamela_page_id":531,"part":"2","page_num":569,"sequence_num":531,"body":"مذهب الأشاعرة بأن العرض لا يبقى زمانين \"قول محدَث في الإسلام، لم يقله أحد من السلف والأئمة، وهو قول مخالف لما عليه جماهير العقلاء من جميع الطوائف\" (¬١)، والحس يكذبه؛ فإن كل أحد يدرك أن لون ثوبه في لحظة هو لونه في لحظة تالية وهكذا.\rوأما استدلالهم بها على نفي الاستطاعة السابقة فباطل من وجوه:\rالأول: دلالة الأدلة الصحيحة الصريحة على إثبات الاستطاعة السابقة - كما تقدم - فنفيها معارضة لهذه الأدلة وإبطال لها.\rالثاني: أن نفي القدرة السابقة لا يجعل للتارك استطاعة، وإذا لم يكن مستطيعًا كان معذورًا، وهذا معلوم البطلان، يوضحه:\rالثالث: أن القول بنفي الاستطاعة المتقدمة يعود على التكليف بالإبطال، إذ الاستطاعة المتقدمة هي مناط التكليف، وهذا باطل.\rوقد التزم الأشاعرة لذلك القول بالتكليف بما لا يطاق، قال الأشعري: \"ومما يبين ذلك [أي أن الاستطاعة مع الفعل] أن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠]، وقال: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وقد أمروا أن يسمعوا الحق وكلفوه، فدل ذلك على جواز تكليف ما لا يطاق، وأن من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعًا\" (¬٢).\rالرابع: أن الاستطاعة المقارنة متضمنة للاستطاعة السابقة وزيادة هي الإرادة الجازمة بتوفيق الله سبحانه، فنفي الاستطاعة المقارنة هجر من القول،","footnotes":"(¬١) مجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٣٢)، وانظر: درء التعارض (٤/ ٢٦٨).\r(¬٢) اللمع (٩٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050689,"book_id":1102,"shamela_page_id":532,"part":"2","page_num":570,"sequence_num":532,"body":"إذ حقيقته إنكار الاستطاعة أصلًا، وهذه هي حقيقة قول الأشاعرة، فإنهم لم يجعلوا للعبد في الاستطاعة المقارنة أثرًا، وهذا مبني على قولهم في خلق الأفعال، وأن للإنسان قدرة غير مؤثرة على فعله، فهو كما عبَّر الرازي - وأحسن في التعبير -: \"مجبور في صورة مختار\" (¬١).\rالخامس: أن كل أحد يجد من نفسه قدرة على كثير مما لم يفعله، وهذه القدرة لا يمكن أن تكون مقارنة، إذ لا فعل حينئذ تقارنه.\rوقد تأول الأشاعرة ما ورد من أدلة على الاستطاعة السابقة بغير استطاعة البدن، فتأولوا استطاعة الحج بالمال الذي هو الزاد والراحلة، وتأولوا استطاعة خروج المنافقين بالمال والجِدة والظَّهر (¬٢).\rوتبعًا لقول الأشاعرة والمعتزلة بأن الاستطاعة واحدة لا غير؛ فإنهم اختلفوا في بقاء الاستطاعة ودوامها.\rأما الأشاعرة فذهبوا - كما تقدم - إلى أن الاستطاعة عرض، والعرض لا يبقى زمانين، ووافقهم على ذلك الماتريدية مع قولهم بالاستطاعتين (¬٣).\rوأما المعتزلة فاختلفوا فيما بينهم في ذلك كما حكاه الأشعري في المقالات.","footnotes":"(¬١) عزاه للرازي في تفسيره: ملا علي قاري في شرح الفقه الأكبر (١٦٠)، ولم أقف عليه في تفسيره، وهذه العبارة قررها كذلك: التفتازاني في شرح المقاصد (٤/ ٢٣١) فقال: \"ولهذا ذهب المحققون إلى أن المآل هو الجبر وإن كان في الحال الاختيار، وأن الإنسان مضطر في صورة مختار\"، وانظر: (٤/ ٢٦٣) منه، والبيجوري كذلك في تحفة المريد (١٧٦) فقال: \"وبالجملة فليس للعبد تأثير ما، فهو مجبور باطنًا مختار ظاهرًا\".\r(¬٢) انظر: اللمع (١٠٥ - ١٠٦).\r(¬٣) انظر: التوحيد للماتريدي (٢٥٦) وما بعدها، والتمهيد للنسفي (٢٥٧) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050690,"book_id":1102,"shamela_page_id":533,"part":"2","page_num":571,"sequence_num":533,"body":"فذهب أكثر المعتزلة إلى أنها تبقى.\rوذهب أبو القَاسِم البَلخِي (¬١) وبعض المعتزلة إلى أنها لا تبقى وقتين، وأن الفعل يوجد في الوقت الثاني بالقدرة المتقدمة المعدومة، ولكن لا يجوز حدوثه مع العجز، بل يخلق الله في الوقت الثاني قدرة فيكون الفعل واقعًا بالقدرة المتقدمة.\rوهذا قولهم في الفعل المباشر، فأما المتولد فقد يجوز عندهم أن يحدث بقدرة معدومة وأسباب معدومة، ويكون الإنسان في حال حدوثه ميتًا أو عاجزًا (¬٢).\rوهذه الأقوال لا دليل عليها يعضدها، لا من جهة الشرع ولا من جهة العقل، بل هما على خلافها، أما الشرع فلعدم الدليل على ذلك، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل هذه الأقوال لم تُحْكَ عن أحد من سلف الأمة وأئمتها.\rوأما العقل؛ فلأنه لا يعقل وجود الفعل إلا مع وجود القدرة عليه، إذ القدرة عليه شرط وجودي له، ووجود الشيء مع عدم شرطه الوجودي باطل (¬٣).\rوأما التزام بعضهم وقوع الفعل مع عدم القدرة؛ فهو باطل، لأن القدرة إذا ارتفعت وقع نقيضها وهو العجز، فيكون الفعل مقدورًا معجوزًا عنه في آن معًا، وهو محال.","footnotes":"(¬١) هو: أبو القاسم، عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني، أحد أئمة المعتزلة، تنسب إليه طائفة \"الكعبية\" المعتزلية، من كتبه: التفسير\"، و\"تأييد مقالة أبي الهذيل\"، مات ببلخ سنة (٣٢٩ هـ) وقيل غير ذلك.\rانظر: تاريخ بغداد (١١/ ٢٥)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٥٥).\r(¬٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٠٠).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٥٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050691,"book_id":1102,"shamela_page_id":534,"part":"2","page_num":573,"sequence_num":534,"body":"المبحث الثالث: \"ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050692,"book_id":1102,"shamela_page_id":535,"part":"2","page_num":575,"sequence_num":535,"body":"المبحث الثالث: \"ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به\"\rهذه القاعدة لها ارتباط وثيق بباب القدر، ومبناها على مسألة الاستطاعة.\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال الطحاوي ﵀: \"الله ﷿ لم يكلفنا ما لا نطيق، ولم يتعبدنا بما نحن عنه عاجزون\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"ما لا يطاق يُفسَّر بشيئين: يُفسَّر بما لا يطاق للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحدًا.\rويفسر بما لا يطاق للاشتغال بضده فهذا هو الذي وقع فيه التكليف\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل؛ فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها؛ فلا","footnotes":"(¬١) شرح مشكل الآثار (٩/ ٢٠٦).\r(¬٢) منهاج السنة (٣/ ٥٢ - ٥٣)، وانظر: (٣/ ١٠٤) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050693,"book_id":1102,"shamela_page_id":536,"part":"2","page_num":576,"sequence_num":536,"body":"يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير.\rوأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل؛ فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين\" (¬١).\rوقال مرعي الكرمي ﵀: \"اعلم أن تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين:\rأحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه بطريق الآلات. . . فهذا غير واقع في الشريعة ولم يكلف الله به أحدًا.\rثانيهما: تكليف ما لا يطاق للاشتغال بضده مع سلامة الآلات. . . والتكليف بهذا واقع بالاتفاق\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٠).\r(¬٢) رفع الشبهة والغرر (٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050694,"book_id":1102,"shamela_page_id":537,"part":"2","page_num":577,"sequence_num":537,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rعند التأمل في نصوص الكتاب والسنة يلاحظ أن النفي لما لا يطاق فيها متوجه إلى ما يعجز عنه، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده؛ فهذا لم يرد في النصوص كما سيأتي، ومن النصوص الدالة على أن الله لا يكلف العباد ما يعجزون عنه:\rقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الطبري ﵀: \"لا يكلف الله نفسا فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها ولا يجهدها\" (¬١).\rوقال ابن كثير ﵀: \"أي لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم\" (¬٢).\rوقوله في الآية نفسها: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، مع قول الله ﷿: (قد فعلت) (¬٣).\rوقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢].\rوقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].\rقال ابن جرير ﵀: \"لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت\" (¬٤).\rوقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري (٥/ ١٥٣).\r(¬٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٢٦).\r(¬٣) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق (١/ ١١٦) ح (١٢٦)، من حديث ابن عباس ﵄.\r(¬٤) تفسير الطبري (٤/ ٢١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050695,"book_id":1102,"shamela_page_id":538,"part":"2","page_num":578,"sequence_num":538,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rمسألة تكليف ما لا يطاق مبنية على مسألة الاستطاعة ومتفرعة عنها، وقبل الشروع في بيانها لا بد من بيان مقدمتين:\rالأولى: معنى الطاقة.\rالطاقة في اللغة: اسم يوضع موضع المصدر، يقال: أطاق يطيق إطاقة وطاقة، والطاقة: هي القدرة على الشيء، ومنه قولهم: طوقني الله أداء حقك، أي: قوَّاني (¬١).\rواستخدمت الطاقة في الشرع بمعناها اللغوي لكن على وجه أخص؛ فالطاقة في الشرع: القدرة على الشيء من غير ضرر يلحق الفاعل.\rالثانية: إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة.\rأخبر الله ﷿ أنه لا يكلف نفسًا فوق طاقتها وقدرتها، رحمةً منه ﷾.\rوهذا القدر من مسألة تكليف ما لا يطاق شرعي لا إشكال فيه، وهو القدر الذي عرفه الصحابة ﵃ وسلف الأمة، مع كونهم لم يسموه تكليف ما لا يطاق.\rثم لما تكلم من بعدهم في هذا المعنى وأضافوا صورًا غير شرعية صار هذا المعنى مجملًا مشتملًا على حق وباطل، فتوجب التفصيل فيه رفعًا للاشتباه وتمييزًا للحق منه عن الباطل.\rقال شيخ الإسلام بعد ذكر التفصيل في هذه المسألة: \"وإذا عرف هذا؛","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٢٤٢)، القاموس المحيط (٣/ ٢٥١)، ولسان العرب (١٢/ ١٠١)، مادة: (طوَق).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050696,"book_id":1102,"shamela_page_id":539,"part":"2","page_num":579,"sequence_num":539,"body":"فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام\" (¬١).\rفمناط كون هذا الإطلاق بدعة أمران:\rالأول: أن الشارع وكذا الصحابة والتابعون لم يطلقوه.\rالثاني: أنه مجمل مشتمل على حق وباطل.\rوالكلام في هذه القاعدة في مسائل:\r\rالمسألة الأولى: معنى التكليف بما لا يطاق.\rما لا يطاق يفسر بشيئين كما ذكر أهل العلم (¬٢):\rالأول: ما لا يطاق للعجز عنه.\rالثاني: ما لا يطاق لا للعجز عنه، ولكن للاشتغال بضده.\rأما القسم الأول؛ فهو على نوعين:\rأولهما: ما يُعجز عنه لا لاستحالته في نفسه، ولكن لعدم القدرة عليه مع كونه ممكنًا في نفسه، وهذا على ضربين:\r- ما يكون سببه ضعف الوسائل والآلات التي يكون بها الفعل، كمن عجز عن حضور الجماعة لمرض يعوقه.\r- ما يكون سببه ضرر يلحق الفاعل من زيادة مرض أو خوف ضرر معتبر في الشرع، مع سلامة الآلات والوسائل.\rثانيهما: ما يُعجز عنه لاستحالته في نفسه، وهو على نوعين كذلك:\r- ما هو ممتنع عادةً، كتكليف الأعمى نقط المصحف، وتكليف","footnotes":"(¬١) درء التعارض (١/ ٦٥).\r(¬٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٢ - ٥٣)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٣٠)، ورفع الشبهة والغرر (٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050697,"book_id":1102,"shamela_page_id":540,"part":"2","page_num":580,"sequence_num":540,"body":"المقعد بالمشي.\r- ما هو ممتنع في نفسه، كالجمع بين الضدين، كالتكليف بالنطق والسكوت في آن واحد.\rولهذا القسم أحكام:\rالأول: أنه مشتمل على ما هو شرعي وما هو غير شرعي.\rفالذي جاء في النصوص أن الله ﷿ لم يكلف عباده ما يعجزون عنه، أو ما يقدرون عليه مع نوع مشقة وضرر - كما تقدم في الأدلة -.\rوأما ما هو ممتنع؛ سواء كان امتناعه في نفسه أو في العادة؛ فهذا - مع القول بأنه لم يقع التكليف به - فإنه لم يأت إطلاقه في النصوص.\rوكذلك مع كونه لم يرد في النصوص فإنه خطأ في نفسه؛ فإن الممتنع ليس بشيء أصلًا - كما تقدم - (¬١)، فكيف يوصف العبد بعدم إطاقته؟\rوهذا القسم - أعني الممتنع - إنما ذكَره مَن ذكَره مِن أهل العلم في معرض الرد على المخالفين، ومخاطبتهم باصطلاحهم، وإلا فهو في حقيقة الأمر غير داخل في هذا القسم لما تقدم.\rالثاني: أنه متعلق بمسائل الأمر والنهي لا بمسائل القضاء والقدر.\rلمسألة تكليف ما لا يطاق تعلقان: تعلق بالأمر والنهي، وتعلق بالقدر، فما كان منها راجعًا إلى العجز؛ فإنه متعلق بالشرع، وما كان منها راجعًا إلى الاشتغال بالضد؛ فإنه متعلق بالقدر.\rوعلاقة ما لا يطاق للعجز عنه بالأمر والنهي: أن النزاع فيه يتعلق بهما،","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٢٧١ - ٢٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050698,"book_id":1102,"shamela_page_id":541,"part":"2","page_num":581,"sequence_num":541,"body":"بمعنى: هل يكلف العبد بالقيام بالأمر مع عدم هذه الإطاقة أو لا يكلف؟ بقطع النظر عن وقوع الامتثال منه من عدمه.\rفعدم التكليف لما يطاق في هذا القسم هو أن الله ﷿ لحكمته ورحمته - لم يأمر عباده وينهاهم عما إذا أرادوا امتثاله عجزوا عنه، وإن كان قد يكلفهم بما يقدرون عليه وإن لم يريدوه (¬١)؛ إذ لا تلازم بين أمره سبحانه الشرعي وإرادته الكونية - كما تقدم في مبحث مستقل -، يوضحه:\rالثالث: أنه متعلق بالاستطاعة المتقدمة لا المقارنة.\rوذلك لأن الاستطاعة المتقدمة هي التي تتعلق بالأمر والنهي دون المقارنة؛ فإنها تتعلق بالقدر، وسيأتي بيان علاقة تكليف ما لا يطاق بالاستطاعة.\rوأما القسم الثاني: وهو ما لا يطاق للاشتغال بضده، فالمراد به أن المكلف المتلبس بخلاف ما أمر به غير مطيق لما أمر به، بمعنى أنه غير قادر على الإتيان به، كتكليف المشتغل عن الصلاة بغيرها في وقت أدائها، سواء كان هذا المشتغَل به مباحًا أو محرمًا أو مكروهًا أو أقل وجوبًا من الفعل المأمور به، وكتكليف الكافر بالإيمان حال كفره.\rفحقيقة هذا القسم أن من لم يفعل المأمور به فقد كُلف ما لا يطيق.\rومأخذ ذلك أن الفعل لا بد في وجوده من قدرة تامة، وإرادة جازمة، فإذا انصرفت الإرادة عن الفعل المأمور به إلى ضده لم يوجد الفعل، لا لنقص القدرة، وإنما لاشتغال الإرادة؛ لأن الإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر.","footnotes":"(¬١) انظر: بدائع الفوائد (٤/ ١٦١٣ - ١٦١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050699,"book_id":1102,"shamela_page_id":542,"part":"2","page_num":582,"sequence_num":542,"body":"ومأخذ توجه الأمر به إليه - والحالة هذه - هو إمكان أن يترك ذلك الضد ويفعل الضد المأمور به (¬١).\rولهذا القسم أحكام:\rالأول: أن إطلاق تكليف ما لا يطاق عليه إطلاق غير شرعي، كما سيأتي التنبيه عليه.\rالثاني: أنه متعلق بمسائل القضاء والقدر لا بمسائل الأمر والنهي.\rوذلك لأن البحث فيه هو في الفعل المأمور به من حيث وقوعه من عدمه، لا في توجه الأمر به، يوضحه:\rالثالث: أنه متعلق بالاستطاعة المقارنة لا المتقدمة.\rلأن وقوع الفعل متوقف على الاستطاعة المقارنة لا المتقدمة.\r\rالمسألة الثانية: جواز التكليف بما لا يطاق من عدمه.\rالمقصود بهذه المسألة بيان هل كُلِّف العباد ما لا يطيقون؟ وهي في الحقيقة ثمرة للمسألة السابقة وهي تقسيم ما لا يطاق.\rوقبل الشروع فيها يُنبه على أمرين:\rالأمر الأول: أن لهذه المسألة مآخذ (¬٢)، من حقق الصواب فيها هدي إلى الحق في هذه المسألة، ومن لا فلا.\rأولها: أن الصواب أن الاستطاعة نوعان: سابقة مصححة، ومقارنة موجبة، فالأولى شرط في التكليف دون الثانية.","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٥).\r(¬٢) انظر: بدائع الفوائد (٤/ ١٦١٣ - ١٦١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050700,"book_id":1102,"shamela_page_id":543,"part":"2","page_num":583,"sequence_num":543,"body":"ثانيها: أن تعلق علم الله ﷿ بعدم وقوع الفعل لا يخرجه عن كونه مقدورًا للعبد القدرة المصححة السابقة، وإن أخرجه عن كونه مقدورًا له القدرة المقارنة الموجبة له.\rثالثها: أن ما تعلق علم الله سبحانه بأنه لا يكون من أفعال المكلفين؛ إما أن يكون لعدم قدرة العبد عليه، وإما أن يكون لعدم إرادة العبد له، وإما أن يكون لعدم مشيئة الله له.\rفالأول: لا يكلف العبد به لعجزه عنه، إذ القدرة مناط التكليف.\rوأما الثاني: فيجوز الأمر به ووقوعه، ولا يخرجه عدم إرادة العبد عن الإمكان.\rوأما الثالث: فلا يخرجه عدم مشيئة الرب سبحانه له عن كونه ممكنًا في نفسه، كما لم تخرجه مشيئة العبد عن كونه ممكنًا في نفسه؛ إذ أن مناط الإمكان هو قدرة العبد لا إرادته، فلا يمتنع التكليف بما لو أراده الفاعل لفعله - بعد مشيئة الله ﷿، وإنما يمتنع بما لو أراده لم يقدر عليه.\rالأمر الثاني: أن النزاع في هذه المسألة يتنوع باعتبارين:\rالأول: بالنظر إلى المأمور به، أي من حيث وقوعه من عدمه.\rالثاني: بالنظر إلى جواز الأمر به (¬١)، فمن لم يفرق بين هذين الاعتبارين لم يوفق للحق في هذه المسألة، والفرق بينهما ثابت من وجوه:\r- أن جواز الأمر به متعلق بوجود شرط التكليف وهو القدرة، بقطع النظر عن الوقوع من عدمه، فمتعلقه هو الشرع، وأما وقوعه","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (١/ ٦٤ - ٦٥)، وبدائع الفوائد (٤/ ١٦١٤ - ١٦١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050701,"book_id":1102,"shamela_page_id":544,"part":"2","page_num":584,"sequence_num":544,"body":"فمتعلق بالقدر ومشيئة الرب ﷿ له.\r- أن جواز الأمر به لا تعلق له بإرادة العبد له؛ بل يأمر سبحانه بالفعل من يريده ومن لا يريده من المكلفين، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه، وأما وقوعه فهو مشروط بإرادة العبد له، ولا يمكن وقوعه بدونها.\r- أن جواز الأمر به لا يستلزم مشيئة الرب سبحانه له، بل يأمر سبحانه شرعًا بما لم يرد وقوعه كونًا - كما تقدم (¬١) -، وأما وقوعه فلا بد فيه من مشيئته سبحانه، إذ لا يخرج شيء في الوجود عنها.\rويلاحظ أن كلا الأمرين السابقين مبنيان على مسألة الاستطاعة والتفريق بين المتقدمة منها والمقارنة، ومن هنا تظهر العلاقة بين الاستطاعة وتكليف ما لا يطاق، وأن من وفق للصواب في الأولى وفق للصواب في الثانية ومن لا فلا، والله الموفق.\rإذن فتكليف ما لا يطاق ينبني على مسألة الاستطاعة، فمتى وجدت الاستطاعة المتقدمة المصححة للفعل وجد التكليف، ولا يكون حينئذ تكليفًا بما لا يطاق بل هو مما يطيقه العباد باعتبار القدرة عليه، ومتى فقدت عُدِم التكليف ولم يتوجه.\rوكل من وجد منه الفعل المأمور به فقد أطاقه بالمعنى القدري، ويكون قد كُلف بما أطاقه قدرًا، ومن لم يوجد منه الفعل فهو غير مطيق له، لا من جهة الوسع والقدرة - إذ لولاهما ما خوطب به ابتداءً - وإنما من جهة عدم وقوعه","footnotes":"(¬١) سبق الكلام على هذه المسألة في مبحث مستقل، انظر ص (٥٢٣) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050702,"book_id":1102,"shamela_page_id":545,"part":"2","page_num":585,"sequence_num":545,"body":"منه لانشغال إرادته بضدٍّ له.\rوبعبارة أخرى: تكليف ما لا يطاق قسمان:\r- ما لا يطاق للعجز عنه، سواء كان لضعف أسبابه أو وجود أضدادها، أو كان لاستحالته في نفسه أو عادة؛ فهذا لا يجوز التكليف به، فحكمة الله سبحانه ورحمته وعدله وكرمه وسائر صفات كماله تمنع منه.\rوقد اتفق حملة الشريعة على عدم التكليف به.\r- ما لا يطاق لا للعجز عنه، ولكن للاشتغال بضده، فهذا يجوز التكليف به (¬١).\rعلى أن إطلاق تكليف ما لا يطاق على هذا القسم بدعة من القول في الشرع واللغة، أما في الشرع: فلأنه لا يقال لمن لم يؤمر بالحج مع استطاعته إنه مكلف بما لا يطيق، بل يقال: هو لم يستطع الحج - أي الاستطاعة المقارنة، وإن كان مستطيعًا له استطاعة الوسائل والآلات - (¬٢).\rوأما في اللغة: فلأن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، ومضمون تسمية ما لم يفعله العبد تكليفًا بما لا يطاق: أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! (¬٣).\r\rالمسألة الثالثة: ما لا يطاق مما لم يكلِّف الله سبحانه به قسمان:\r- ما لا يطاق في أصل الشرع، فالشرع موافق لطاقة المكلفين من","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٢ - ٥٣)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٣٠)، ورفع الشبهة والغرر (٤٨).\r(¬٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٥).\r(¬٣) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٦٥٤ و ٦٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050703,"book_id":1102,"shamela_page_id":546,"part":"2","page_num":586,"sequence_num":546,"body":"حيث الجملة؛ فلم يشرع الله سبحانه من الأحكام ما لا يقدر عليه عموم المكلفين، بحيث لا يقدر عليه أحد منهم، بل شرع ما يقدرون عليه بالجملة، وإن كان يوجد في المعينين من لا يقدر على بعض ما شرعه الله تعالى.\r- ما لا يطاق في حق المعينين، فلا يطالب المعين من المكلفين بما لا يقدر عليه، وإن كان يقدر عليه بنوع مشقة.\rومن هنا جاءت الشريعة بالتيسير، فخفف عن المعينين من التكاليف ما لا قدرة لهم عليه البتة، وما لهم عليه قدرة لكن مع مشقة تلحقهم.\rمثال الأول: تكليف الفقير بالزكاة، فالفقير لا قدرة له على الزكاة أصلًا، فلذلك لم يطالب بها.\rومثال الثاني: جهاد الأعرج والأعمى والمريض، فالأعرج قادر على الجهاد وكذا الأعمى والمريض، لكنه شاق عليهم، فخفف الله سبحانه عنهم ولم يوجبه عليهم، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧].\rوقد سبق الكلام على الاستطاعة الشرعية وكونها أخص من الاستطاعة الكونية بما أغنى عن إعادته هنا (¬١).\rومن هنا كانت الطاقة قسمان كالاستطاعة: طاقة شرعية، وطاقة كونية.\rومن الأدلة على هذا حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال: (من هذه؟) قالت: فلانة؛ تذكر من صلاتها قال:","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٥٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050704,"book_id":1102,"shamela_page_id":547,"part":"2","page_num":587,"sequence_num":547,"body":"(مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا)، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (¬١)، فهذه المرأة مطيقة كونًا لهذا القيام، بدليل أنها فعلته، وقد جعله النبي ﷺ فوق الطاقة.\rومثله حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم والوصال) - مرتين - قيل: إنك تواصل؟ قال: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فاكلفوا من العمل ما تطيقون) (¬٢).\rقال ابن الوزير ﵀: \"فسمح ﷾ مما يطاق الكثير الذي لا يعلم مقداره إلا هو، ولم يبق من التكاليف إلا ما جعله سببًا لرحمته وفضله وكرامته\" (¬٣).\rومن هنا يعلم خطأ من أطلق القول بأن العباد لا يطيقون إلا ما كَلَّفهم ربهم، لأنه إذا قصد بالطاقة هنا السابقة للفعل التي هي سلامة الآلات؛ فغير صواب لما تقدم من أن في طاقة العبد فعل أكثر مما كلفه الله به، ولكن الله خفف ويسر على المكلفين رحمة منه ﷾، وإن قصد بها المقارنة فالمعنى صحيح، لكن هذا الإطلاق بدعة في اللغة والشرع كما تقدم (¬٤).\rفالحاصل أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة وضلال، وأنه لا بد","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة (٢/ ٥٤) ح (١١٥١).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال (٣/ ٣٨) ح (١٩٦٦)، ومسلم كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم (٢/ ٧٧٤) ح (١١٠٣).\r(¬٣) إيثار الحق (٣٢٦).\r(¬٤) انظر ما تقدم ص (٥٧٨ - ٥٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050705,"book_id":1102,"shamela_page_id":548,"part":"2","page_num":588,"sequence_num":548,"body":"فيه من التفصيل؛ فما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده فالتكليف به واقع اتفاقًا، على أن تسميته تكليفًا بما لا يطاق بدعة في اللغة والشرع، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050706,"book_id":1102,"shamela_page_id":549,"part":"2","page_num":589,"sequence_num":549,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف أهل السنة في هذه القاعدة الجبرية من جهمية وأشاعرة، والقدرية المعتزلة.\rفذهبت الجهمية إلى جواز تكليف ما لا يطاق مطلقًا من غير تفصيل.\rقال الشهرستاني في حكاية مقالات الجهم: إن \"الثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر، قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضًا كان جبرًا\" (¬١).\rوهذا قول باطل مصادم للنصوص القطعية الدالة على أن الله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، على ما تقدم بيانه.\rوذهب الأشاعرة إلى جواز التكليف بما لا يطاق بالجملة، قال الرازي: \"قال أهل السنة [يريد الأشاعرة]: لا يمتنع تكليف ما لا يطاق، وقالت المعتزلة: إنه لا يجوز\" (¬٢).\rوعلة ذلك عندهم أنه لا يجب على الله سبحانه شيء ولا يقبح منه شيء؛ إذ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه، إلا أنه عندهم مراتب (¬٣):\rالأول: ما لا يطاق لعلم الله بعدم وقوعه أو لعدم إرادته له، أو للخبر عنه بأنه لا يقع، فإن مثله لا تتعلق به القدرة الحادثة لأن القدرة مع الفعل ولا تتعلق بالضدين.\rقالوا: والتكليف بهذا جائز، بل هو واقع إجماعًا، إذ لو لم يكن واقعًا لما","footnotes":"(¬١) الملل والنحل (٩٨).\r(¬٢) أصول الدين (٩١).\r(¬٣) انظر: المواقف (٣٣٠ - ٣٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050707,"book_id":1102,"shamela_page_id":550,"part":"2","page_num":590,"sequence_num":550,"body":"كان العاصي مكلَّفًا حال معصيته.\rالثاني: الممتنع عادة، فهذا جائز عندهم، وإن لم يقع بالاستقراء.\rالثالث: ما لا يطاق لامتناعه في نفسه، فهذا التكليف به عندهم فرع تصوره، فمن تصوره منهم قال بجواز التكليف به، ومن لا؛ منع ذلك.\rقال الجويني: \"تكليف ما لا يطاق تكثر صوره، فمن صوره تكليف جمع الضدين، وإيقاع ما يخرج عن قبيل المقدورات، والصحيح عندنا أن ذلك جائز غير مستحيل\" (¬١).\rومن أدلتهم على ذلك:\rأولًا: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقد تضمنت الآية الاستعاذة من التكليف بما لا يطاق، فلو لم يكن ذلك ممكنًا؛ لما ساغت الاستعاذة منه (¬٢).\rثانيًا: أن الله قد كلف الكافر الذي مات على كفره بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن، فهو مكلف بفعل الإيمان مقارنًا للعلم بعدم الإيمان، وهذا تكليف بما لا يطاق (¬٣).\rثالثًا: أن القدرة على الكفر والإرادة له من خلق الله سبحانه، ومجموعهما يوجب الكفر، فإذا كلفه بالإيمان فقد كلفه بما لا يطاق (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإرشاد (٢٢٦).\r(¬٢) انظر: الإرشاد (٢٢٨)، والتمهيد (٣٣٣).\r(¬٣) انظر: أصول الدين (٩١).\r(¬٤) انظر: أصول الدين (٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050708,"book_id":1102,"shamela_page_id":551,"part":"2","page_num":591,"sequence_num":551,"body":"رابعًا: الاتفاق على جواز تكليف العبد القيام مع كونه قاعدًا حالة توجه الأمر عليه، وهذا من تكليف ما لا يطاق، لأن وقوع القيام مقدورًا من غير قدرة عليه مستحيل كجمع الضدين، وإنما المأمور به قيام مقدور عليه (¬١).\rخامسًا: أن أبا لهب كُلف بالإيمان، ومما كلف أن يؤمن به قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]، ومضمون هذه الآية أنه لن يؤمن؛ فأضحى مكلَّفًا بالإيمان بأنه لا يؤمن.\rوكلف بالإيمان بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بما لا يطاق (¬٢).\rوالجواب على أدلتهم:\rأما الدليل الأول؛ فلا ريب أن الآية دلت على ما ذكروه من إمكان التكليف بما لا يطاق، لكن ليس المراد بهذا التكليف بما لا يطاق ما ذكروه، من وجهين:\rالأول: أن المراد به أن يكلفهم ما يطيقونه بمعنى أنهم يقدرون عليه، لكن مع مشقة وعسر، كما جاء في تفسير الآية.\rقال ابن الأنْبَاري ﵀ (¬٣): \"المعنى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا","footnotes":"(¬١) انظر: الإرشاد (٢٢٦).\r(¬٢) انظر: الإرشاد (٢٢٧ - ٢٢٨)، وأصول الدين (٩١)، والأربعين للرازي (١/ ٣٢٩)، والاقتصاد في الاعتقاد (١٨١).\r(¬٣) هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون، أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري، المقرئ النحوي، ولد سنة (٢٧١ هـ)، من كتبه: \"كتاب الوقف والابتداء\"، و\"غريب الحديث\"، قال أبو بكر الخطيب: كان ابن الأنباري صدوقًا ديِّنًا من أهل السنة، توفي ببغداد سنة (٣٢٨ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (٤/ ٢٩٩)، والسير (١٥/ ٢٧٤)، وبغية الوعاة (١/ ٢١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050709,"book_id":1102,"shamela_page_id":552,"part":"2","page_num":592,"sequence_num":552,"body":"مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، فخاطب العرب على حسب ما تعقل؛ فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك لكنه يثقل عليه\" (¬١).\rوقد ذكر في تفسير الآية خمسة أقوال، ليس منها ما ذكروه (¬٢):\r- فقيل: إنه ما يصعب ويشق من الأعمال، قاله الضحاك والسدي وابن زيد والجمهور.\r- وقيل: إنه المحبة، قاله إبراهيم.\r- وقيل: الغُلمة، قاله مكحول.\r- وقيل: حديث النفس ووساوسها.\r- وقيل: عذاب النار.\rوالأقوال الأربعة الأخيرة ترجع إلى الأول، وهو ما ذكره ابن الأنباري ﵀.\rالثاني: أن إطلاق تكليف ما لا يطاق على المشتغَل بضده لم يرد في الشرع كما تقدم، وحيثما جاء إطلاق ما لا يطاق في نصوص الشرع؛ فإنما يرجع إلى القدرة المتقدمة على الفعل، أو إلى الابتلاء.\rوهذا الجواب مبني على ما ثبت في النصوص من التفريق بين الاستطاعة السابقة والمقارنة (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: زاد المسير (١/ ٣٤٦)، والبحر المحيط (٢/ ٣٨٥).\r(¬٢) انظر: زاد المسير (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، وتفسير القرطبي (٤/ ٥٠٣).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٥٤٩) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050710,"book_id":1102,"shamela_page_id":553,"part":"2","page_num":593,"sequence_num":553,"body":"وأما الدليل الثاني؛ فلا ريب أن الكافر الذي مات على الكفر كان مكلفًا بالإيمان، وأنه لم يطقه، فهو مكلف حقيقة بما لم يطقه، لكن ليس في هذا دلالة على مذهبهم من وجوه:\rالأول: أن هذا الكافر كان قادرًا على الإيمان، إذ لو عجز لما كان مكلفًا، فمن هذه الحيثية لم يكلف ما لا يطيق، لكن من جهة كونه كان مشتغلًا بضد ما كلف به كان مكلفًا بما لم يطقه، يوضحه:\rالثاني: أن ما لا يطاق له جانبان: كوني وشرعي، فالشرعي لم يكلف الله أحدًا ما لا يطيقه، أي ما يعجز عنه، وأما الكوني: فقد يكلف الله من علم أنه لن يفعل، لكن إطلاق ما لا يطاق عليه بدعة في الشرع (¬١).\rالثالث: أن الفرق ثابت بين ما لا يطاق وبين ما لم يطق، فالأول راجع إلى الاستطاعة الشرعية، والثاني راجع إلى الاستطاعة الكونية المقارنة، وحقيقة البحث هي في الاستطاعة الشرعية لا الكونية، لأنهم يتكلمون فيها بجواز ووجوب ومنع.\rوبهذا يتبين أن من وفق لمعرفة أن الاستطاعة متقدمة ومقارنة، وفق للصواب في التكليف بما لا يطاق.\rوأما الدليل الثالث؛ فلا ريب أن أفعال العباد مخلوقة للرب سبحانه، وأن من لم يقع منه الفعل؛ فإنما لم يقع لعدم مشيئة الله وخلقه له، لكن من لم يشأ الله إيمانه ممن خاطبه بالإيمان لم يكلفه ما لا يطاق من جهة الوسع والآلة، وإن كان مكلفًا بما لا يطاق من جهة الاشتغال بالضد، لكن إطلاق ما لا يطاق عليه بدعة كما تقدم.","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٥٧٨ - ٥٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050711,"book_id":1102,"shamela_page_id":554,"part":"2","page_num":594,"sequence_num":554,"body":"وأما الدليل الرابع؛ فجوابه ما تقدم من الفرق بين التكليف الراجع إلى الاستطاعة السابقة والمقارنة؛ فالقاعد المكلف بالقيام حال القعود لم يكلف ما لا يطيق بهذا الاعتبار، وإن كان كلف ما لا يطيق باعتبار عدم الاستطاعة المقارنة، لكن لا يطلق عليه أنه كلف ما لا يطيق.\rوأما الدليل الخامس؛ فهو خطأ؛ إذ أن أبا لهب لما نزلت فيه الآية كانت قد حقت عليه كلمة العذاب، كالكافر الذي عاين الملائكة في النزع، وكالأقوام المعذبة لما عاينت العذاب، فهؤلاء صاروا بعد استحقاق العذاب غير مخاطبين بأمر الرسل بالإيمان (¬١).\rولهذا فقد ضعف بعض الأشاعرة هذا الدليل، قال الإيجي: \"وبه يعلم أن كثيرًا من أدلة أصحابنا مثل ما قالوه في إيمان أبي لهب؛ نصب للدليل في غير محل النزاع\" (¬٢).\rوذهبت المعتزلة إلى عدم جواز تكليف ما لا يطاق.\rقال القاضي عبد الجبار: \"لو كانت القدرة مقارنة لمقدورها؛ لوجب أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفًا بما لا يطاق، إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما لم يقع منه دل على أنه غير قادر عليه، وتكليف ما لا يطاق قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢١) و (٨/ ٣٠٢).\r(¬٢) المواقف (٣٣١).\r(¬٣) شرح الأصول الخمسة (٣٩٦)، وانظر: المختصر في أصول الدين له (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٨ و ٢٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050712,"book_id":1102,"shamela_page_id":555,"part":"2","page_num":595,"sequence_num":555,"body":"وحكى الأشعري اتفاقهم على ذلك فقال: \"وأنكروا بأجمعهم أن يكلف الله عبدًا ما لا يقدر عليه\" (¬١).\rومن أدلتهم:\rالأول: ما جاء من نصوص تدل بمنطوقها على أن الله لا يكلف أحدًا ما لا يطاق، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (¬٢).\rالثاني: أن تكليف ما لا يطاق قبيح، والله سبحانه لا يفعل القبيح (¬٣).\rالثالث: أن القدرة سابقة على مقدورها صالحة للضدين، غير مقارنة له، فالكافر المكلف بالإيمان قادر عليه، فلم يكلف ما لا يطيق (¬٤).\rفالمعتزلة أصابوا في نفي تكليف ما لا يطاق في حق مَن عدِم الاستطاعة المتقدمة، وأخطؤوا فيما عدا ذلك.\rوالجواب عما استدلوا به:\rأما الدليل الأول؛ فدلالة ما ذكروه من الآيات على أن الله لا يكلف العباد ما لم يطيقوه صحيحة، إذ المراد بها عندهم الطاقة المتقدمة على الفعل - إذ لا معنى للقدرة عندهم غير المتقدمة -، لكن هذا القدر لا ينفي أن يكون التارك غير مطيق للفعل حال تركه لانشغاله بضده، وإن كان إطلاق تكليف ما لا","footnotes":"(¬١) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٠٠).\r(¬٢) انظر: المختصر في أصول الدين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (١/ ٢٤٩).\r(¬٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٩٦).\r(¬٤) انظر: المصدر السابق (٣٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050713,"book_id":1102,"shamela_page_id":556,"part":"2","page_num":596,"sequence_num":556,"body":"يطاق عليه بدعة، لكن المقصود أن الأدلة دلت كذلك على نفي الاستطاعة عمن اشتغل بضد ما أمر به وقت لزوم فعله (¬١)، فنفي المعتزلة لهذا بدعة وضلال.\rوأما الدليل الثاني؛ فهو جارٍ على سَنَن المعتزلة الأعوج في إيجابهم على الله \"رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه\" (¬٢).\rوهذا باطل، بل لا يوجب العباد على ربهم شيئًا، بل هو سبحانه أوجب على نفسه ما أوجب من العدل وغيره تفضُّلًا منه سبحانه.\rوقولهم: \"تكليف ما لا يطاق قبيح\" على الإطلاق غير صحيح، إذ منه ما هو واقع في حقيقة الأمر، كتكليف المشتغل بالضد بضده، فإنه غير مطيق لما كُلف به بمعنى غير مستطيع الاستطاعة المقارنة، على ما تقدم.\rوأما الدليل الثالث؛ فصحيح لا غبار عليه، فالكافر لم يكلف بما لا يطيق من جهة الوسع والتمكن، إلا أنه مكلف بما لم يطقه لاشتغاله بضده، على ما تقدم.\rوالواقع أن قول المعتزلة في أن المستطيع لم يكلف ما لا يطيق صحيح لأنهم لا يثبتون الاستطاعة المقارنة، ويبقى عليهم نفيهم للاستطاعة المقارنة التي يترتب عليها عدم المنع من تكليف ما لا يطاق بمعنى عدم الاستطاعة الكونية.\rومن هنا يعلم أن ما نُسب إلى الماتريدية من موافقة المعتزلة في هذه المسألة (¬٣)","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٥٥٢ - ٥٥٣).\r(¬٢) شفاء العليل (٢/ ٥٢٧).\r(¬٣) انظر: الماتريدية دراسة وتقويمًا (٤٤٨)، ونقض عقائد الأشاعرة والماتريدية (٤٤٤)، والحسن والقبح بين المعتزلة وأهل السنة (رسالة مطبوعة على الآلة الكاتبة) (١١٤ - ١١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050714,"book_id":1102,"shamela_page_id":557,"part":"2","page_num":597,"sequence_num":557,"body":"غير دقيق، فإنهم وإن وقع قي عباراتهم إطلاق نفي تكليف ما لا يطاق، فإنهم في حقيقة الأمر مُقرُّون بالأساس الذي بني عليه القول في مسألة تكليف ما لا يطاق، وهو تقسيم الاستطاعة إلى سابقة ومقارنة، بخاصة إذا علمنا أن إطلاق ما لا يطاق على المشتغل بضده بدعة في الشرع.\rبل في عبارة إمام المذهب أبي منصور الماتريدي التصريح بذلك، فإنه عرض لقول الكعبي في دعواه أن تكليف ما لا يطاق قبيح في العقل بالبديهة ورده، وهذا كلامه بنصه: \"ثم نذكر ما ذكره الكعبي مما يبين وهمه في قضاياه، زعم أن تكليف ما لا يطاق قبيح في العقل بالبديهة، وهذا إنما هو في العقل الذي لا يعرف الطاقة غير القوة الظاهرة وهي الصحة، وأما غيرها فليس كما يقول.\rبل كلف الله صاحب موسى بما يعلم أنه لا يستطيع وكذلك تكليف ما يجهل مثله في البديهة قسمته فمثله الأول، ثم يقال له وكذلك تكليف ما لا يطاق لوقت الفعل قبيح في العقل، والذي ادعيته من القبح إنما هو في عقول من يحيل وجود الفعل ولا قوة، وذلك وقت الفعل فصار قوله عند التحصيل هو القبيح في العقل إن صدق فيما ادعى ولا قوة إلا بالله.\rوأما الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل، وأما من ضيع القوة فهو حق أن يكلف مثله ولو كان لا يكلف مثله لكان لا يكلف إلا من يطيع وليس ذلك شرط المحنة، ولا قوة إلا بالله\" (¬١).\rوقال الكَمَال بن أبي شريف (¬٢): \" (والحل) الذي به يتضح محل النزاع (أن","footnotes":"(¬١) التوحيد له (٢٦٦).\r(¬٢) هو: أبو المعالي، محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي، كمال الدين، =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050715,"book_id":1102,"shamela_page_id":558,"part":"2","page_num":598,"sequence_num":558,"body":"المراد بما لا يطاق) في قولنا: يمتنع تكليف ما لا يطاق هو (المستحيل لذاته أو) المستحيل (في العادة)، ويتضح ذلك بأن تعلم أن المستحيل ثلاثة أنواع: مستحيل لذاته، وهو المحال عقلًا كجمع النقيضين والضدين، ومستحيل عادة لا عقلًا، كالطيران من الإنسان، و (كما ذكرنا في التكليف بحمل جبل)، ومستحيل لتعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه، أو إخبار الله تعالى بعدم وقوعه، كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، أو من أخبر الله تعالى أنه لا يؤمن.\rوالمراد بقولنا يمتنع التكليف بما لا يطاق: التكليف بالنوعين الأولين، (أما) الفعل (المستحيل) وقوعه (باعتبار سبق العلم الأزلي بعدم وقوعه) من المكلف (لعدم امتثاله) الأمر به حال كونه (مختارًا) عدم الامتثال، (وهو) أي ذلك الفعل (مما يدخل تحت قدرة العبد عادة فلا خلاف في وقوعه)، أي وقوع التكليف به، (كتكليف أبي جهل وغيره من الكفرة) كأبي لهب وأبي بن خلف (بالإيمان مع العلم بعدم إيمانه والإخبار به) \" (¬١).\rوممن قرره بمثل هذا التفصيل: الفرهاري في النبراس (¬٢).\rوفي هذا الكلام تصريح بالمقصود وهو كونهم موافقين بالجملة لأهل السنة في هذه المسألة، والله أعلم.","footnotes":"= ولد وتوفي ببيت المقدس، من كتبه: \"المسامرة بشرح المسايرة\"، و\"الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع\"، مات سنة (٦٠٩ هـ).\rانظر: الكواكب السائرة (١/ ٩)، وشذرات الذهب (١٠/ ٤٣).\r(¬١) المسامرة شرح المسايرة (١٧٠ - ١٧١)، وما بين قوسين هو كلام الكمال بن الهمام صاحب المسايرة.\r(¬٢) النبراس شرح العقائد (١٨٧ - ١٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050716,"book_id":1102,"shamela_page_id":559,"part":"2","page_num":599,"sequence_num":559,"body":"المبحث الرابع: \"الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050717,"book_id":1102,"shamela_page_id":560,"part":"2","page_num":601,"sequence_num":560,"body":"المبحث الرابع: \"الله سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والله سبحانه خلق الأسباب ومسبَّباتها وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها والله عزيز حكيم\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \" [الله] سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا وجعل الأسباب محل حكمته، في أمره الديني والشرعي وأمره الكوني القدري\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩١).\r(¬٢) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).\r(¬٣) مدارج السالكين (٢/ ١٢٠)، وانظر: (١/ ٩٦) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050718,"book_id":1102,"shamela_page_id":561,"part":"2","page_num":602,"sequence_num":561,"body":"وقال ﵀: \"فرب الدنيا والآخرة واحد، وهو الخالق بالأسباب والحكم ما يجعله في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته\" (¬١).\rوقال مرعي الكرمي ﵀: \"فإن الله تعالى أجرى عادته الإلهية في هذا العالم على أسباب ومسبَّبات تناط بتلك الأسباب\" (¬٢).\rوقال القرطبي ﵀: \"وربْطُ الأسباب بالمسبَّبات حِكمتُه وحُكمُه على ما سبق به علمه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) حادي الأرواح (١/ ٤٠٩).\r(¬٢) رفع الشبهة والغرر (٢٢).\r(¬٣) المفهم (٥/ ٥٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050719,"book_id":1102,"shamela_page_id":562,"part":"2","page_num":603,"sequence_num":562,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل الكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس والفطرة على إثبات الأسباب.\rأما الكتاب والسنة، فأدلتهما أكثر من أن تحصى، فهما مملوءان من إثبات الأسباب.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"و [القرآن] مملوء بأنه يخلق الأشياء بالأسباب\" (¬١).\rوقال الإمام المتبحر ابن القيم ﵀: \"ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة، بل حقيقة\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"والله سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها وبين ذلك خبرًا وحسًّا وفطرةً وعقلًا، ولو ذكرنا ذلك على التفصيل لقام منه عدة أسفار\" (¬٣).\rويمكن تقسيم أدلة الكتاب والسنة إلى أنواع (¬٤):\rالأول: أن يرتب الحكم على ما قبله بحرف يفيد التسبب، كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٦).\r(¬٢) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).\r(¬٣) المصدر السابق (٢/ ٥٣٤)، وانظر: الداء والدواء (٣١).\r(¬٤) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٢) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050720,"book_id":1102,"shamela_page_id":563,"part":"2","page_num":604,"sequence_num":563,"body":"الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].\rالثاني: أن يرتب الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].\rالثالث: أن يرتب الجزاء على شرطه، وهو أكثر من أن يُستوعب، كقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\rالرابع: أن يذكر الشيء جزاءً لشيء آخر، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤].\rالخامس: الأدلة الدالة على التعليل - وقد سبقت -، وذلك لأن مضمون التعليل هو إثبات أن هذا سبب لهذا، لذلك كان من نفى التعليل نفى الأسباب (¬١)، فمن هنا تتبين العلاقة القوية بين مسألتي الحكمة والأسباب.\r\"وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٥١ - ٥٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050721,"book_id":1102,"shamela_page_id":564,"part":"2","page_num":605,"sequence_num":564,"body":"والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال\" (¬١).\rوأما السنة، فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ﷿ ينورها لهم بصلاتي عليهم) (¬٢).\rفأخبر ﷺ أن صلاته سبب لهذا المسبب وهو تنوير قبورهم.\rوقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁ في قصة مرضه: (ثم لعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون) (¬٣).\rفأخبر أن النفع لقوم والضرر لآخرين سيحصل بسببه.\rوأما الإجماع، فممن حكاه: شيخ الإسلام، قال ﵀: \"وإلا فالسلف والأئمة متفقون على إثبات الأسباب والحكم، خلقًا وأمرًا\" (¬٤).\rوقال أيضًا: \"والعلماء متفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره، وإثبات الأسباب والقوى\" (¬٥).\rوقال ﵀ في نفاة الأسباب: \"وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة وصرائح العقول\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) الداء والدواء (٣٤).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر (٢/ ٦٥٩) ح (٩٥٦).\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب الجنائز، باب رثى النبيُّ ﷺ سعدَ بن خَولة (٢/ ٨١) ح (١٢٩٥).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٥)، وانظر: (٨/ ٤٨٧) منه.\r(¬٥) الرد على المنطقيين (٣١٥).\r(¬٦) المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050722,"book_id":1102,"shamela_page_id":565,"part":"2","page_num":606,"sequence_num":565,"body":"وأما العقل، فدلالته من وجهين:\rالأول: أن الأسباب هي شروط للمسبَّبات، ووجود المشروط بدون شرطه ممتنع (¬١)؛ فوجود المسبَّبات بدون أسبابها ممتنع (¬٢).\rالثاني: أنه لا بد للمخلوق من فعل ما ينفعه ودفع ما يضره، وهذان في حقيقة الأمر جماع الأسباب، فلا بد له عقلًا من الإتيان بالأسباب.\rوأما الحس، فلأننا نشاهد في الوجود ترتب المسبَّبات على أسبابها، ونشاهد عدم استغناء الناس عن الأسباب، ونشاهد كذلك تخلف المسبَّبات عند تخلف أسبابها، فهذا كله يجعل في النفوس ضرورة تقتضي ثبوت الأسباب وأن إنكارها سفَهٌ في العقول، وجحد للمسلَّمات.\rوأما الفطرة، فلأن المخلوقات - بخلقتها التي خلقها الله عليها - تسعى لتحصيل منافعها ببذل أسبابها، وتسعى كذلك لدفع الشرور بدفع أسبابها من غير أن تتلقى علم ذلك من أحد، فالرضيع يلتقم الثدي ليحصل على اللبن، ويبعد يده عن النار لئلا يحترق.\rوهذا موجود ملاحظ حتى في غير بني البشر.\rوبالجملة، \"فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: الصفدية (٢/ ١٤٤)، والموافقات (١/ ٤١٥).\r(¬٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٧).\r(¬٣) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050723,"book_id":1102,"shamela_page_id":566,"part":"2","page_num":607,"sequence_num":566,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالبحث في هذه القاعدة والتي بعدها هو في مسألة الأسباب، وهي مسألة عظيمة، وتأتي أهميتها من أمور:\rالأول: أن القيام بها محض العبودية (¬١).\rفإن عبودية الله ﷾ تكون بفعل أوامره، وترك نواهيه، وكلاهما في حقيقة الأمر أسباب يأتي بها العبد وأسباب يتجنبها؛ إذ أنهما أعمال، والأعمال أسبابٌ شرعية يقوم بها العبد لنيل رضوان ربه. فهما محل العبودية من العبد لله ﷿، هذا وجه.\rووجه آخر: وهو أن القيام بهذه الأسباب أمرًا ونهيًا - وهذه هي العبودية - لا يكون إلا بالقيام بأسبابها، فالصلاة التي هي أعظم واجبات العبودية بعد التوحيد، - مع كونها سببًا - تحتاج إلى أسباب حتى يتأتى القيام بها.\rووجه ثالث: وهو أن هذه الأوامر والنواهي التي يأتي بها العبد بالأسباب هي أسباب للفلاح أو عدمه، فعاد الأمر للأسباب عبودية وجزاءً.\rالثاني: أنه لا بد للخلق منها، والتجرد منها ممتنع عقلًا وشرعًا وحسًّا (¬٢).\rفاتخاذ الأسباب أمر معلوم من الدين بالضرورة؛ لما استفاض وتواتر في النصوص من ترتب النجاة على التقوى والعبادة والطاعة لله ﷿، وهذا ممتنع بدون إثبات الأسباب، لأنها محل العبودية - كما تقدم -.\rوقد تقدم في الأدلة أن العقل والحس والفطرة مع الشرع قد دل على","footnotes":"(¬١) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٣٠).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٥٣٧)، وطريق الهجرتين (٢/ ٥٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050724,"book_id":1102,"shamela_page_id":567,"part":"2","page_num":608,"sequence_num":567,"body":"إثبات الأسباب، وأن حصول مسبَّباتها بدونها ممتنع، ومعلوم أن تجرد المخلوق عن المسبَّبات ممتنع، فتجرده عن أسبابها ممتنع أيضًا.\rالثالث: تعلقها بعموم مسائل القدر كالحكمة وخلق الأفعال، والإرادة والاستطاعة وغير ذلك، وكذا تعلقها بمسائل الشرع، بل تعلقها بكل موجود، فـ \"الموجودات كلها أسباب ومسبَّبات، والشرع كله أسباب ومسبَّبات، والمقادير أسباب ومسبَّبات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر\" (¬١).\rوقبل البدء بشرح هذه القاعدة لا بد من الكلام على ثلاث مقدمات:\r\rالمقدمة الأولى: تعريف الأسباب والمسبَّبات.\rالسَّبَبُ لغة: هو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شيء (¬٢).\rوأما المسبَّب فهو: الأمر الحاصل عن السبب، فالولد مسبَّب والنكاح سبب، والشبع مسبَّب والأكل سبب، وهكذا.\r\rالمقدمة الثانية: أقسام الأسباب.\rتنقسم الأسباب بعدة اعتبارات:\rباعتبار العادة وخلافها، فتنقسم إلى:\r- أسباب مألوفة: وهي الأسباب التي يعرفها عامة الناس ويعهدونها، كالبذر للزرع، والجماع للولد ونحو ذلك.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة (١٢/ ٣١٢)، والنهاية في غريب الأثر (٢/ ٣٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050725,"book_id":1102,"shamela_page_id":568,"part":"2","page_num":609,"sequence_num":568,"body":"- أسباب غير مألوفة: وهي الأسباب التي لا تعهد عند أكثر الناس أو كلهم، مثال الأول: إيقاد النار من غصني المَرْخ والعَفَار (¬١)، ومثال الثاني: خلق عيسى من أم ولا أب.\rباعتبار الشرعية وغيرها، فتنقسم إلى:\r- أسباب شرعية: وهي الأسباب التي ثبتت سببيتها بالشرع سواء ترتب عليها مسبَّبات شرعية أو دنيوية.\rفمثال الأول: الحج المبرور سبب لغفران الذنوب، كما قال ﷺ: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه) (¬٢).\rومثال الثاني: قول النبي ﷺ: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين) (¬٣).\rومن الأشياء ما ثبتت سببيته بغير الشرع، ثم أكد الشرع هذه السببية، كالحجامة لصحة الجسم؛ فقد ثبتت سببيتها قبل الشرع، ثم أكد النبي ﷺ على سببيتها وأمر بها، كما في قوله ﷺ: (الحجامة على","footnotes":"(¬١) المَرْخ والعَفَار: هما شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر، ويسوى من أغصانهما الزناد فيقتدح بها، والعَفَار: الزند وهو الأعلى، والمَرْخ: الزَّنْدَة وهي الأسفل. انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٣٥١)، والصحاح (١/ ٤٣١).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (٢/ ١٣٣) ح (١٥٢١)، ومسلم: كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (٢/ ٩٨٣) ح (١٣٥٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب الطب، باب المن شفاء للعين (٧/ ١٢٦) ح (٥٧٠٨)، ومسلم: كتاب الأطعمة، باب فضل الكمأة ومداواة العين بها (٣/ ١٦١٩) ح (٢٠٤٩)، من حديث سعيد بن زيد ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050726,"book_id":1102,"shamela_page_id":569,"part":"2","page_num":610,"sequence_num":569,"body":"الريق أمثل، وفيه شفاء وبركة، وتزيد في العقل وفي الحفظ، فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس. . .) (¬١).\r- أسباب كونية: وهي الأسباب التي ثبتت سببيتها بالتجربة والحس ونحو ذلك من الأمور الكونية.\rفمثال ما ثبت بالتجربة: استفراغ المؤذي سبب لصحة البدن، ومثال ما ثبت بالحس: الماء سبب لنمو النبات.\rباعتبار الدنيا والآخرة، فتنقسم إلى:\r- أسباب دنيوية: وهي التي يتوصل بها إلى مسبَّبات دنيوية، كالماء سبب للري، والأكل سبب للشبع.\r- أسباب أخروية: وهي التي يتوصل بها إلى مسبَّبات أخروية، كبناء مسجد سبب في بناء بيت في الجنة، قال النبي ﷺ: (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة لبيضها؛ بنى الله له بيتًا في الجنة) (¬٢).\rومن هذا الباب سائر الأعمال التي هي أسباب لدخول الجنة.\rباعتبار الحكم الشرعي، فتنقسم إلى:\r- أسباب واجبة: وهي الأسباب التي أمر الشارع بها العباد على وجه اللزوم، في دينهم ودنياهم من صلاة وزكاة وصوم وصدقة وأمر","footnotes":"(¬١) رواه ابن ماجه: كتاب الطب، باب في أي الأيام يحتجم (٥/ ١٤٧) ح (٣٤٨٧)، وحسنه الألباني في الصحيحة (٧٦٦)، من حديث ابن عمر ﵄.\r(¬٢) رواه أحمد (٤/ ٥٤) ح (٢١٥٧)، من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٦١٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050727,"book_id":1102,"shamela_page_id":570,"part":"2","page_num":611,"sequence_num":570,"body":"بالمعروف ونهي عن المنكر، وكذا الأسباب التي تحفظ الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال.\r- أسباب مستحبة: وهي الأسباب التي أمر الشارع بها العباد من غير إلزام، في دينهم ودنياهم، فالأول مثل نوافل الصلاة والصدقات والصوم والحج وسائر المستحبات الشرعية، والثاني: مثل الوضوء بين الجماعين المتتابعين.\r- أسباب مباحة: وهي الأسباب التي أباحها الشارع للعباد فلم يوجبها ولم يستحبها، وكذا لم يحرمها ولم يكرهها، مثل ما يكون من أسباب المعاش من طعام وشراب ولباس وما شابه.\rوهذه الإباحة هي بالنظر إلى ذات السبب، وتلتحق بأحد الأحكام الأربعة بالنية.\r- أسباب مكروهة: وهي الأسباب التي نهى عنها الشارع لا على سبيل اللزوم، كالشرب قائمًا وكفضول الطعام والشراب واللباس والنوم.\r- أسباب محرمة: وهي الأسباب التي نهى عنها الشارع جزمًا، إما لضررها على الدين أو على الدنيا فيما يتعلق بالضرورات الأربع بعد الدين، وهذا التحريم أنواع:\rأولها: تحريم الشرك، وهو على ضربين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وكل منهما على أنواع، وهذان أعظم أنواع المحرمات.\rثانيها: تحريم البدعة، سواء بدع العبادات أو العقائد، وهي أكثر من أن تحصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050728,"book_id":1102,"shamela_page_id":571,"part":"2","page_num":612,"sequence_num":571,"body":"ثالثها: تحريم المعصية، سواء الكبائر منها أو الصغائر، وسواء كانت عن فعل أو ترك.\rالمقدمة الثالثة: أحكام الأسباب.\rللأسباب أحكام لا تنفك عنها، منها:\rأولًا: أن ثبوتها متوقف على الدليل؛ الشرعي فيما مسبَّبه شرعي، والكوني فيما مسبَّبه كوني، على ما تقدم.\rوجعل الشيء سببًا بدون دليل أمر محرم، قال شيخ الإسلام ﵀: \"لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم، أو يخالف الشرع؛ كان مبطلًا\" (¬١).\rثانيًا: أنه يمتنع التجرد منها عقلًا وشرعًا وحسًّا، على ما تقدم؛ إذ لا يمكن قيام شيء من أمر الدنيا والآخرة إلا بالأسباب، فالله ﷾ الخالق لكل شيء خلق هذه المسبَّبات مقرونة ومربوطة بأسبابها، فيمتنع وجودها بدونها عادةً، بل لا يتصور الفصل بينهما إلا كما يتصور الفصل بين المشروط وشرطه، وبطلان هذا معلوم بداهةً، إذ يمتنع وجود الشيء مع فقد بعض شروطه الوجودية كما تقدم (¬٢).\rثالثًا: أن لها تأثيرًا في وجود مسبَّباتها، وليست علامة محضة عليها.\rرابعًا: أنها لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من وجود المعاون ودفع المانع.\rهذان الحكمان محلهما القاعدة الآتية.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١/ ١٣٧).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٥٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050729,"book_id":1102,"shamela_page_id":572,"part":"2","page_num":613,"sequence_num":572,"body":"وهذه القاعدة تتضمن مسألتين:\r\rالمسألة الأولى: معنى ربط الأسباب بالمسبَّبات.\rمعنى ذلك أن الله ﷿ جعل كل شيء من أمر الدنيا والآخرة، ومن أمور الشرع والقدر قائمًا على الأسباب متعلقًا بها، يتوقف وجوده على وجودها.\rفالوصولى إلى أي مسبَّب شرعي أو كوني موقوف على تحصيل سببه، كما يتوقف حصول المشروط على تحقق شرطه.\rقالى ابن القيم ﵀: \"فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة، كل ذلك مرتبطًا بالأسباب قائمًا بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسبَّبات، والشرع كله أسباب ومسبَّبات، والمقادير أسباب ومسبَّبات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر\" (¬١).\rوقال ﵀: \"فالأسباب هي مجاري الشرع والقدر، فعليها يجري أمر الله الكوني والديني\" (¬٢).\rوارتباط الأسباب بمسبَّباتها يكون على وجهين:\rالأول: ارتباط حسي مشاهد، وهذا في الأسباب الدنيوية، سواء كانت كونية أو شرعية، فمثال الأول: ارتباط الري بالشرب، والولد بالنكاح، ومثال الثاني: ارتباط النصر والتمكين بإقامة الدين.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٢/ ٥٣٢).\r(¬٢) التبيان في أيمان القرآن (٥١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050730,"book_id":1102,"shamela_page_id":573,"part":"2","page_num":614,"sequence_num":573,"body":"الثاني: ارتباط غيبي، وهذا في الأسباب الأخروية، كارتباط صحبة النبي ﷺ في الجنة بكفالة اليتيم، وكارتباط دخول الدرك الأسفل بالنفاق.\rوالمقصود بالغيب هنا الغيب المطلق، وإلا فكثير من الأسباب الدنيوية يدخلها الغيب النسبي.\rفنيل أي شيء شرعي أو كوني موقوف على تحصيل سببه.\rوافتقار المسبَّب إلى سببه لا يعني انتفاء قدرة الله على خلقه بدون سببه، بل هو سبحانه قادر على ذلك، كما خلق آدم ﵇ بلا أبوين بل بـ (كن)، وكما خلق عيسى ﵇ كذلك بدون أب، فالله ﷿ خالق للسبب والمسبَّب، وهو خالق كل شيء، وما من شيء إلا وهو مخلوق مربوب له سبحانه.\rقال ابن القيم ﵀: \"بل الأسباب محل حكم الله ورسوله، وهي في اقتضائها لمسبَّباتها شرعًا على وزان الأسباب الحسية في اقتضائها لمسبَّباتها قدرًا، فهذا شرع الرب تعالى وذلك قدره، وهما خلقه وأمره، والله له الخلق والأمر، ولا تبديل لخلق الله ولا تغيير لحكمه، فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامها، بل يجريها على أسبابها وما خلقت له؛ فهكذا الأسباب الشرعية لا يخرجها عن سببها وما شرعت له، بل هذه سنته شرعا وأمرًا وتلك سنته قضاء وقدرًا\" (¬١).\r\rالمسألة الثانية: الأسباب هي محل الحكمة.\rخلق الله ﷾ المخلوقات كلها على أتم ما يكون من التناسق والانتظام، فلا خلل ولا تفاوت، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾","footnotes":"(¬١) إعلام الموقعين (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050731,"book_id":1102,"shamela_page_id":574,"part":"2","page_num":615,"sequence_num":574,"body":"[السجدة: ٧]، قال مجاهد ﵀: \"أتقن كل شيء خلقه\" (¬١).\rوقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]. قال الطبري ﵀: \"الذي خلق الأشياء فسوى خلقها وعدلها، والتسوية التعديل\" (¬٢).\rوقال ابن كثير ﵀: \"أي خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات\" (¬٣).\rوكذلك شرعه ﷾، فإنه على أحسن ما يكون من الائتلاف والانسجام، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، قال قتادة: \"أي قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وأن قول الناس يختلف\" (¬٤).\rوقال الطبري ﵀: \"أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض\" (¬٥).\rوهذا التناسق والائتلاف مرجعه إلى صدوره عن الله ﷿، بكونه منوطًا","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير (١٨/ ٥٩٨).\r(¬٢) تفسير الطبري (٢٤/ ٣١١).\r(¬٣) تفسير ابن كثير (١٤/ ٣٢٢).\r(¬٤) رواه ابن جرير (٧/ ٢٥١).\r(¬٥) تفسير الطبري (٧/ ٢٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050732,"book_id":1102,"shamela_page_id":575,"part":"2","page_num":616,"sequence_num":575,"body":"بالحكم مبنيًا على الأسباب.\rوإناطته بالحكم سببها بناؤه على الأسباب؛ إذ لو قدر خلو المسبَّب عن الأسباب وإمكان وجوده بدونها؛ لفاتت الحكم والغايات التي قرنها الله به.\rفالحكمة غاية الفعل، والأسباب طريقها ومجراها، لأن حقيقة الحكمة أن هذا الأمر سبب لهذا الأمر، فلولا الأسباب لما صح التعليل، ولانتفت الحكمة (¬١).\rوالحاصل أن الله ﷿ خلق المسبَّبات وخلق أسبابها مرتبطةً بها لا انفكاك لها عنها، وجعل هذه الأسباب مظاهر حكمته، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050733,"book_id":1102,"shamela_page_id":576,"part":"2","page_num":617,"sequence_num":576,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعد، والرد عليهم.\rارتباط الأسباب بمسبباتها لم يخالف فيه أحد من المنتسبين للإسلام من حيث الأصل، لكن وجد منهم من عارض بينها وبين التوكل، وهم المتصوفة، فجعلوا التوكل ترك الأسباب.\rقال سَهْل بن عبد الله التسْتري (¬١): \"المتوكل إذا رأى السبب فهو مدع\" (¬٢)، أي غير صادق فيما ادعاه من توكل.\rونحوه كذلك عن أبي يعقوب السُّوسِي (¬٣).\rوروى القشيري عن ذي النون المصري أنه سئل عن التوكل فقال: \"خلع الأرباب وقطع الأسباب\" (¬٤).\rوسئل أبو عبد الله القُرَشي عن التوكل فقال: \"ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك\" (¬٥).\rوللمتصوفة في ذلك من الأقوال والقصص الشيء الكثير.\rوالحق أن التوكل من جملة الأسباب المؤدية إلى المراد، بل هو من أعظم","footnotes":"(¬١) هو: أبو محمد، سهل بن عبد الله بن يونس التستري الصوفي، له كلمات نافعة ومواعظ حسنة، مات سنة (٢٨٣ هـ).\rانظر: صفة الصفوة (٤/ ٦٤)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).\r(¬٢) قوت القلوب (٢/ ٨).\r(¬٣) المصدر السابق (٢/ ٧).\r(¬٤) الرسالة القشيرية (٢٩٧).\r(¬٥) انظر: المصدر السابق (٢٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050734,"book_id":1102,"shamela_page_id":577,"part":"2","page_num":618,"sequence_num":577,"body":"الأسباب، والتوكل الصحيح لا ينافي اتخاذ الأسباب المشروعة.\rقال ابن القيم: \"فإن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد ودفع المكروه، بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق\" (¬١).\rوهؤلاء لا يمكنهم طرد قولهم، إذ لا بد لهم من الإتيان بالأسباب من طعام وشراب ونوم ونكاح وغيرها (¬٢).","footnotes":"(¬١) الفوائد (١٢٥)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨١ - ١٨٣).\r(¬٢) انظر: شرح الطحاوية (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050735,"book_id":1102,"shamela_page_id":578,"part":"2","page_num":619,"sequence_num":578,"body":"المبحث الخامس: \"للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050736,"book_id":1102,"shamela_page_id":579,"part":"2","page_num":621,"sequence_num":579,"body":"المبحث الخامس: \"للسبب تأثير في مسبَّبه، وليس علامة محضة، ولا علة تامة\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ومذهب الفقهاء أن السبب له تأثير في مسبَّبه؛ ليس علامة محضة\" (¬١).\rوقال ﵀: \"بل جمهور أهل السنة المثبتة للقدر من جميع الطوائف يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة. . . وهم لا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية؛ بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب وينبت النبات بالماء، ولا يقولون إن القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون أن لها تأثيرًا، لفظًا ومعنًى\" (¬٢).\rوقال ابن القيم ﵀: \"وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الرب سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له وهو أثر","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٥).\r(¬٢) منهاج السنة (٣/ ١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050737,"book_id":1102,"shamela_page_id":580,"part":"2","page_num":622,"sequence_num":580,"body":"قدرته ومشيئته\" (¬١)\rوقال مرعي الكرمي ﵀: \"والحاصل أن الأسباب وتأثيرها بمشيئة الله مما لا ينكر وإن كان الله تعالى هو خالق السبب والمسبب\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ٤٢٩).\r(¬٢) رفع الشبهة والغرر (٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050738,"book_id":1102,"shamela_page_id":581,"part":"2","page_num":623,"sequence_num":581,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rتضمنت هذه القاعدة جزئيتين:\rالأولى: تأثير السبب.\rالثانية: أنه غير مستقل بالتأثير.\rأما الجزئية الأولى، فيدل على هذه القاعدة ما يدل على القاعدة السابقة من أدلة، وهي الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والحس والعقل، إذ هذه القاعدة متممة ومكملة لها.\rووجه الدلالة منها أن إثبات سببيتها يقتضي إثبات أنها مؤثرة، إذ لا معنى لكونها سببًا لا في اللغة ولا في الشرع ولا في العقل ولا في الحس ولا في الفطرة؛ إلا أنها مؤثرة.\rأما في اللغة، فلما تقدم من أن السبب هو ما يتوصل به إلى الشيء، كالدلو لماء البئر، والسُّلَّم للسطح، ومعلوم أنه لولا الدلو والسُّلَّم لما تمكن الفاعل من أخذ الماء وارتقاء السطح، فدل على أنهما مؤثرين في ذلك.\rوأما في الشرع، فلأن الشارع رتب الأحكام على أسبابها في الدنيا والآخرة؛ فرتب القصاص على القتل، والضمان على الإتلاف، واستحقاق الغنائم على القتال، ولو لم تكن هذه الأسباب مؤثرة في مسبَّباتها مقتضية لها لما كان لهذا الترتيب معنى، وللزم منه الطعن في حكمة الله ﷾ وعدله، وأنه ﷿ يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة، ولذلك كان من نفى الأسباب نافيًا للحكمة، وواصفًا الله ﷿ بما ينافي عدله (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: مفتاح دار السعادة (٣/ ٣٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050739,"book_id":1102,"shamela_page_id":582,"part":"2","page_num":624,"sequence_num":582,"body":"قال ابن الجوزي ﵀: \"فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب، كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة\" (¬١).\rوأما في العقل، فلأن السبب مع مسبَّبه كالشرط مع مشروطه، لا يمكن أن يتأخر الشرط عنه، كما لا يمكن أن يوجد المشروط بدونه.\rفكذلك السبب؛ لا يمكن أن يتأخر عن المسبَّب فيوجد المسبَّب ولمَّا يوجد السبب بعد، كما لا يمكن أن يوجد المسبَّب بدون سببه أصلًا.\rوهذا يدل ضرورةً على أنه مؤثر، إذ لو كان مجرد علامة على المسبَّب غير مؤثر فيه لأمكن وجود المسبَّب مع تأخره عنه، لأن علامة الشيء يصح تأخرها وتقدمها عليه، كما يصح وجوده من دونها، وهذا ظاهر البطلان.\rوأما في الحس، فلأننا نشاهد أسبابًا سلبت قواها المؤثرة فلم توجد مسبَّباتها - مع عدم خروجها عن مطلق السببية -، كماء الرجل العقيم، فهو باق على سببيته، لكنه سلب خاصية الإخصاب، فلم يعد مؤثرًا في الحمل، فلذلك لا يحصل الحمل حتى مع وجوده.\rولو كان الماء غير مؤثر أصلًا في حصول الحمل، بل هو علامة عليه لما تخلف الحمل، ولما كان لسلب خاصيته أثر في ذلك.\rوأوضح منه ما قصه الله سبحانه علينا من قصة إبراهيم وإلقائه في النار، وانقلابها عليه بردًا وسلامًا، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨، ٦٩].\rفلم تخرج النار عن كونها نارًا، ولكن سلبت خاصيتها وقوتها فلم تؤثر","footnotes":"(¬١) صيد الخاطر (٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050740,"book_id":1102,"shamela_page_id":583,"part":"2","page_num":625,"sequence_num":583,"body":"بالإحراق، بل وانقلبت إلى ضده من البرد (¬١).\rوأما في الفطرة، فلأن المؤاخذة بالذنب أمر مستقر في فطر الخلق، فلا ينفع المسيءَ اعتذارُه بكون فعله مجرد أمارة على حصول الإساءة، وليس له تأثير فيها، بل يزيده ذلك جرمًا ويكون سببًا لمزيد العقوبة عليه، لكونه استخف بفطر الناس وعقولهم، ولو كان صادقًا في كونه غير مؤثر في الإساءة لعُذر ولم يعاقَب.\rوأما الجزئية الثانية، فيدل عليها الكتاب والسنة والإجماع والحس.\rأما الكتاب: ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٥، ٥٦].\rفذكرهم لا يمكن وجوده - مع إتيانهم بأسبابه - إلا أن يشاء الله، ولو كان سببًا تامًا لما توقف على المشيئة.\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠، ٣١].\rفأخبر سبحانه أن مشيئة العبد - التي هي سبب من أسباب الفعل - متوقفة في حصولها على مشيئة الله ﷿، وأنها لا يمكن أن تحصل بدونها.\rوهذا من أظهر ما يكون من الدلالة، لأنه إذا كان السبب متوقفًا في وجوده على مشيئة الله، فتوقف تأثيره على المشيئة من باب أولى.\rوأما السنة، فمثل حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت","footnotes":"(¬١) انظر: مفتاح دار السعادة (٣/ ١٢٠)، شفاء العليل (٢/ ٥٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050741,"book_id":1102,"shamela_page_id":584,"part":"2","page_num":626,"sequence_num":584,"body":"دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا) (¬١).\rفقيد النبي ﷺ نيل الموحدين لشفاعته في الآخرة - التي هي سبب لمغفرة الذنوب ونيل الخيرات - بمشيئة الله ﷿، فدل على أنها سبب غير تام، وهذا مع كونها من أقوى الأسباب في تحقيق مسبَّبها - كما لا يخفى - والله المستعان.\rبل قيد النبي ﷺ وجود السبب نفسه الذي هو تخبئة الشفاعة إلى يوم القيامة بمشيئة الله - كما في لفظ آخر للحديث - بقوله: (فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) (¬٢).\rفإذا كان السبب لا قيام له بنفسه، ولا وجود بغير مشيئة الله، فكيف يكون له تأثير تام في مسبَّبه إلا بمشيئته ﷿؟\rوأما الإجماع، فممن حكاه شيخ الإسلام، قال ﵀: \". . . وليس شيء من الأسباب مستقلًا بالفعل، بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه، وإلى دفع موانع تعارضه، ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى. . . وهذا الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهورها\" (¬٣).\rوأما الحس: فلأننا نشاهد تخلف المسبَّبات مع انعقاد أسبابها، ولو كانت أسبابها موجبة لها بمجردها لما تخلفت.","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة (٨/ ٦٧) ح (٦٣٠٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته (١/ ١٨٩) ح (١٩٩).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٩/ ١٣٩) ح (٧٤٧٤).\r(¬٣) درء التعارض (١٠/ ١١٥)، وانظر: الصفدية (١/ ١٥٤ - ١٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050742,"book_id":1102,"shamela_page_id":585,"part":"2","page_num":627,"sequence_num":585,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة السابقة ومتممة لها، إذ من مقتضى إثبات سببية الشيء إثبات أنه مؤثر؛ إذ لا معنى للسبب إلا أن يكون مؤثرًا في مسبَّبه - كما تقدم -.\rوقبل الشروع في بيانها لا بد من بيان معنى التأثير.\rالتأثير لغةً: مصدر أثر، وهو: إبقاء الأثر في الشيء. يقال: أثَّر في الشيء: أي ترك فيه أثرًا، والأثر هو بقية الشيء والجمع آثار وأُثُور (¬١).\rوهذه القاعدة متضمنة لمسائل أربع:\r\rالمسألة الأولى: ثبوت تأثير الأسباب.\rوالكلام فيها في مقامين، عام وخاص.\rأما المقام العام: فهو في ثبوت تأثير الأسباب على وجه العموم.\rفقد خلق الله المخلوقات وأودع فيها قوى وطبائع؛ فجعل في الماء قوة التبريد، وفي النار قوة الإحراق، وفي الطعام قوة الإشباع وهكذا، ولهذه القوى خصيصة وهي أنها ذاتية في الشيء؛ فالإبصار في العين وصف ذاتي لها؛ فهي مبصرة بخلقتها التي خلقها الله عليها.\rفالتأثير المراد هنا هو التأثير الكامن في الأسباب، قبل أن تلاقي مسبَّباتها؛ وهذا هو التأثير بالقوة، فإذا لاقتها، أثرت فيها تأثيرًا خاصًّا، وهو:\rالمقام الخاص: التأثير بالفعل، وهو تأثير السبب في المسبَّب المعين على","footnotes":"(¬١) انظر: الصحاح (٢/ ٥٧٦)، ولسان العرب (٥/ ٦٠)، مادة: (أثر).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050743,"book_id":1102,"shamela_page_id":586,"part":"2","page_num":628,"sequence_num":586,"body":"وجه الخصوص.\rفإن النار مثلًا إن لاقت محلًّا يصلح لأثرها أثرت فيه بالإحراق، والإحراق قوة فيها، وكذا الطعام؛ فيه قوة الإشباع، فإذا أكل أثَّر في الآكل بالإشباع.\rوإثبات تأثير الأسباب هو معنى كونها ليست علامة محضة، وسيأتي في المطلب القادم حكاية هذا القول عن طائفة من أهل الأهواء.\r\rالمسألة الثانية: مقدار التأثير.\rإذا ثبت أن للأسباب تأثيرًا في المسبَّبات، فما مقدار هذا التأثير؟\rوقبل الجواب على هذا السؤال لا بد من معرفة أن التأثير لفظ مشترك بين معنيين (¬١):\rالأول: التأثير التام في المسبَّب، بحيث يلزم من وجودِه وجودُ المسبَّب ومن عدَمِه عدَمُه، وهذا معنى كونه علة تامة.\rالثاني: التأثير الناقص أو الجزئي، بحيث لا يلزم منه وجود المسبَّب، بل قد يعدم مع وجوده.\rوالذي يثبت للأسباب من ذلك الثاني دون الأول، إذ لا مؤثر تام إلا مشيئة الله ﷿، وما عداها فلا يعدو أن يكون مجرد سبب أو جزء سبب من أسباب كثيرة يكون بها الفعل، وهذا السبب لا بد له مع المعاونة من صرف الموانع.\rفالأسباب لا تستقل بإيجاد الفعل، بل لا بد من وجود المعاون ودفع المانع.\rفالماء سبب للزرع، وهو جزء من مجموعة أسباب كصلاح التراب","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٣ - ١٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050744,"book_id":1102,"shamela_page_id":587,"part":"2","page_num":629,"sequence_num":587,"body":"واعتدال الهواء ووجود نور الشمس وغير ذلك، وله موانع كفساد البذر، وشدة الحرارة وغير ذلك مما لا يحصى.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له، وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"قاعدة: ليس في الوجود الممكن سبب واحد مستقل بالتأثير، بل لا يؤثر سبب البتة إلا بانضمام سبب آخر إليه، وانتفاء مانع يمنع تأثيره\" (¬٢).\rبل السبب نفسه من نعم الله ﷾، وهو المتفضل به، كما أن المسبَّب من نعمه، وهو ﷿ قادر على الإنعام بالمسبَّب بدون هذا السبب، أو بدون غيره من الأسباب، وهو قادر كذلك على سلب سببيته، وكذا معارضته بمانع، بل قادر على أن يرتب عليه ضد مقتضاه (¬٣).\rوهنا مسألة مهمة، وهي إن كان المقدور قد سبق فما فائدة الإتيان بالسبب؟\rوالجواب أن هذا المقدور قد قدر بأسبابه ولم يقدر مجردًا عنها، فكل من الأسباب والمسببات قد سبق بها القدر، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع بالأكل، والري بالشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر دخول الجنة بالأعمال، وقدر دخول","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٥٦)، وانظر: جامع الرسائل (١/ ١٤٦).\r(¬٢) الفوائد (٧١).\r(¬٣) انظر: شفاء العليل (١/ ١٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050745,"book_id":1102,"shamela_page_id":588,"part":"2","page_num":630,"sequence_num":588,"body":"النار بالأعمال (¬١).\r\rالمسألة الثالثة: ثبوت تأثير الأسباب لا ينافي التوحيد، بل يقرره ويؤيده.\rأما كون ذلك لا ينافي التوحيد فلأمور:\rالأول: أن هذه الأسباب إنما وجدت بإيجاد الله سبحانه لها ولولا مشيئته لها لما وجدت.\rالثاني: أنه سبحانه هو الذي نصبها طرقًا موصلة إلى مسبباتها، وهو سبحانه الذي أودع فيها القوة التي بها تؤثر في مقدورها، فالكل منه سبحانه.\rالثالث: أن تأثيرها ليس تامًّا، بل ناقصٌ جزئيٌّ، وهو محتاج مع ذلك إلى أسباب أخرى معينة، ومحتاج إلى دفع الموانع، وما كان كذلك امتنع أن يكون له من نفسه شيء.\rقال ابن القيم ﵀: \"ويا لله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبب، وهو الذي جعل هذا سببًا لهذا، والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته، منقادة لحكمه، إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها، كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم، وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلَّى بينها وبين اقتضائها لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا؛ فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد، وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟ \" (¬٢).\rوأما كونه مقررًا للتوحيد، فلأمور كذلك:","footnotes":"(¬١) انظر: الداء والدواء (٢٨ - ٢٩)، ومدارج السالكين (٣/ ٥٠٠).\r(¬٢) شفاء العليل (٢/ ٥٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050746,"book_id":1102,"shamela_page_id":589,"part":"2","page_num":631,"sequence_num":589,"body":"الأول: أن الأسباب هي دلائل التوحيد، فبها عرف الله سبحانه، فعرفت ربوبيته، وعرفت أسماؤه وصفاته، وعرف استحقاقه للعبادة.\rالثاني: أن الأسباب هي محل التوحيد، فبها يُعبد الله سبحانه ويُوحد، وبها يجازي على التوحيد.\rفعاد أمر التوحيد إلى الأسباب، ولذلك كان القرآن - الذي أنزل لتقرير التوحيد، وكل آية فيه متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه (¬١) - مملوءًا بذكر الأسباب، بل هو من أعظم الكتب إثباتًا للأسباب (¬٢).\rقال ابن القيم ﵀: \"وبالأسباب عرف الله، وبها عُبد الله، وبها أطيع الله، وبها تقرب إليه المتقربون، وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنته، وبها نصر حزبه ودينه وأقاموا دعوته، وبها أرسل رسله وشرع شرائعه، وبها انقسم الناس إلى سعيد وشقي، ومهتد وغوي\" (¬٣).\r\rالمسألة الرابعة: ثبوت تأثير الأسباب لا يعني الاعتماد عليها.\rإذا ثبت أن للأسباب تأثيرًا في مسبباتها، وأنه لا بد من الأخذ بها، وأن الاستغناء عنها ممتنع؛ فيجب أن يعلم أنه لا يجوز الركون إليها والاعتماد عليها في تحصيل المسببات دون الله سبحانه، فلا يطمئن إليها ولا يثق بها ولا يرجوها ولا يخافها، بل يأتي بها، مع اعتماد القلب على خالقها وهو الله ﷿.\rوذلك لأن هذه الأسباب لا تعدو كونها جزءًا من أسباب الفعل، والسبب","footnotes":"(¬١) انظر: مدارج السالكين (٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٤).\r(¬٣) مدارج السالكين (٣/ ٤٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050747,"book_id":1102,"shamela_page_id":590,"part":"2","page_num":632,"sequence_num":590,"body":"التام والعلة الحقيقية هي مشيئة الله سبحانه، وإذا شاء الله أوجد المسبب بدون هذا السبب، بل إذا شاء سبحانه جعله على ضد مقتضاه - كما تقدم - (¬١).\rفها هنا أربع مراتب:\rالأولى: الاعتماد على الأسباب، والالتفات بالقلب إليها.\rالثانية: محوها من أن تكون أسبابًا وإنكارها.\rالثالثة: الإعراض عنها وإهمالها.\rالرابعة: الإتيان بها، وتنزيلها منازلها، ومدافعة بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، مع تعلق القلب بخالقها سبحانه دونها.\rفالأولى: شرك في التوحيد، والثانية: نقص في العقل، والثالثة: مخالفة للشرع وقدح فيه، والرابعة هي مقتضى التوحيد والشرع والعقل.\rوهذا معنى قول بعض أهل العلم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع (¬٢).\rوالحاصل أن الأسباب مؤثرة على الحقيقة في إيجاد مسبباتها تأثيرًا ناقصًا","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٥/ ٣٦٦).\r(¬٢) انظر: منهاج السنة (٥/ ٣٦٦)، ومدارج السالكين (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، ومفتاح دار السعادة (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨).\rوممن قال ذلك: أبو حامد الغزالي، انظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٢٣٨)، وابن الجوزي كما نقله عنه شيخ الإسلام في مواضع منها: منهاج السنة (٥/ ٣٦٦)، وبغية المرتاد (٢٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050748,"book_id":1102,"shamela_page_id":591,"part":"2","page_num":633,"sequence_num":591,"body":"غير تام، وأن إثباتها غير قادح في التوحيد بل مقررٌ له، وأن الواجب تنزيلها منزلتها بلا وكس ولا شطط، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050749,"book_id":1102,"shamela_page_id":592,"part":"2","page_num":634,"sequence_num":592,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة والرد عليهم.\rخالف أهل السنة في هذه القاعدة: الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة.\rأما الفلاسفة؛ فمذهبهم أن السبب مقتض ضرورةً لمسببه، وأنه يصدر عنه بلا اختيار ولا إرادة.\rوهم يبنون مذهبهم في الأسباب على نظرية الفَيْض أو الصُّدُور الأفلوطينية، والصدور والفيض مصطلحان مترادفان (¬١)، فالفيض هو: القول بأن العالم يفيض عن الله كما يفيض النور عن الشمس، أو الحرارة عن النار فيضًا متدرجًا (¬٢)، والصدور هو: فيض الموجودات عن الواحد أو الخير، لأن الواحد عندهم يحدث العقل، ثم يحدث النفس، والعالم، والموجودات الفردية، على سبيل التتابع، مرتّبة بعضها فوق بعض (¬٣).\rفنظرية الفيض عند الفلاسفة مقابلة لعقيدة الخلق عند أهل الأديان (¬٤)، فعند هؤلاء أن الله سبحانه خلق العالم، وعند الفلاسفة أن العالم فاض عنه بلا إرادة ولا مشيئة منه لذلك.\rقال الفَارَابي (¬٥): \"القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه: والأول","footnotes":"(¬١) انظر: المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بمصر (١٠٦)، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا (٢/ ١٧٣).\r(¬٢) انظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا (٢/ ١٧٣).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٧٢٤).\r(¬٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٧٢).\r(¬٥) هو: أبو نصر، محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي الفيلسوف، ويعرف بالمعلم الثاني، قال الذهبي: \"له تصانيف مشهورة، من ابتغى الهدى منها ضل وحار، منها تخرج ابن سينا، نسأل الله =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050750,"book_id":1102,"shamela_page_id":593,"part":"2","page_num":635,"sequence_num":593,"body":"هو الذي عنه وُجد، ومتى وُجد للأول الوجود الذي هو له؛ لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات التي وجودها لا بإرادة الإنسان واختياره، على ما هي عليه من الوجود، الذي بعضه مشاهد بالحس، وبعضه معلوم بالبرهان، ووجود ما يوجد عنه إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض عن وجوده هو\" (¬١).\rوقد حكى ابن رشد اتفاق الفلاسفة فقال: \"وأما كون المبادئ المفارقة وغير المفارقة فائضة عن المبدأ الأول، وأن بفيضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحدًا، وبها ارتبطت جميع أجزائه حتى صار الكل يؤم فعلًا واحدًا، كالحال في بدن الحيوان المختلف القوى والأعضاء والأفعال، فإنه إنما صار عند العلماء واحدًا وموجودًا بقوة واحدة فيه فاضت عن الأول؛ فأمر أجمعوا عليه، لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزلة حيوان واحد\" (¬٢).\rوكون الوجود يفيض عن الباري سبحانه بالطبع لا بقصد منه لا ينافي معرفته به ورضاه، قال ابن سينا: \"وليس كون الكل عنه على سبيل الطبع، بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة ولا رضًا منه، وكيف يصح هذا وهو عقل محض يعقل ذاته؛ فيجب أن يعقل أنه يلزم وجود الكل عنه، لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلًا محضًا ومبدأ أولَ، وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدؤه وليس في","footnotes":"= التوفيق\"، من كتبه: \"الفصوص\"، و\"آراء أهل المدينة الفاضلة\"، مات بدمشق سنة (٣٣٩ هـ).\rانظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء (١٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤١٦).\r(¬١) آراء أهل المدينة الفاضلة (٥٥).\r(¬٢) تهافت التهافت (٣٧٢ - ٣٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050751,"book_id":1102,"shamela_page_id":594,"part":"2","page_num":636,"sequence_num":594,"body":"ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه. . . فالأول راض بفيضان الكل عنه\" (¬١).\rفالفلاسفة يرون أن علم الله سبحانه سبب الموجودات، ويرون أن علمه سبحانه بالأشياء كُلِّيٌّ لا يتغير، قال ابن سينا: \"العلم في الأول غير مستفاد من الموجودات، بل من ذاته، فعلمه سبب لوجود الموجودات، فلا يجوز على علمه التغيير\" (¬٢).\rفبناء على علمه صدر عن ذاته العقل الأول، ثم عن العقل الأول العقل الثاني وهكذا، إلى أن وصلت السلسلة إلى العقل العاشر الذي هو الفعال (¬٣)، فصدور الأشياء كان على حسب نظام الكون الصادر عن ذاته، على حسب علمه بواسطة العقول إلى أن ينتهي إلى العقل العاشر الذي يدبر المخلوقات، فبناء على ذلك كان اقتضاء السبب لمسببه ضروري وإلا لزم القدح في علمه تعالى.\rقال ابن سينا: \"وقد بان لنا فيما سلف أن العقول المفارقة كثيرة العدد، فليست إذن موجودة معًا عن الأول، بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود الأول عنه، ثم يتلوه عقل وعقل. . . وكذلك الحال في عقل عقل وفلك فلك، حتى ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا\" (¬٤).\rفعند الفلاسفة أن مدبرنا هو العقل الفعال لا الرب سبحانه، بل يزيد الفارابي على ذلك بأن يزعم أن العقل الفعال هو جبريل ﵇ فيقول:","footnotes":"(¬١) النجاة (٢/ ١٣٢).\r(¬٢) التعليقات (١١٦).\r(¬٣) انظر: آراء أهل المدينة الفاضلة (٦١ - ٦٢).\r(¬٤) النجاة (١٣٦ - ١٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050752,"book_id":1102,"shamela_page_id":595,"part":"2","page_num":637,"sequence_num":595,"body":"\"والعقل الفعال فِعله العناية بالحيوان الناطق والتماس تبليغه أقصى مراتب الكمال الذي للإنسان أن يبلغه، وهو السعادة القصوى. . . والعقل الفعال هو الذي ينبغي أن يقال إنه الروح الأمين وروح القدس، ويسمى بأشباه هذين من الأسماء ورتبته تسمى الملكوت وأشباه ذلك من الأسماء\" (¬١).\rفأصل شبهتهم في ذلك قولهم بالفيض وصدوركل شيء عن الشيء الذي قبله دون إرادة واختيار، فالنار تحرق بطبعها والماء يروي بطبعه والإحراق والإرواء ضروريان لازمان لا يمكن تخلفهما، وقولهم بالاقتضاء الضروري كان نتيجة لنفيهم علم الله سبحانه بالجزئيات، وزعمهم بأن علمه كلي لا يتغير - كما تقدم -.\rوقد فرق الفلاسفة بين الإنسان وسائر الموجودات في ذلك، قال ابن رشد: \"جميع الموجودات تطلب غايتها بالحركة ونحوه، وهي الحركة التي تطلب بها غايتها التي من أجلها خلقت، وذلك بيِّن؛ أما جميع الموجودات فبالطبع، وأما الإنسان فبالإرادة\" (¬٢).\rولا يعكر على هذا التقرير ما قاله الفارابي في \"مقالة فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم\" (¬٣): \"قد يظن بالأفعال والآثار الطبيعية أنها ضرورية كالإحراق في النار والترطيب في الماء والتبريد في الثلج، وليس الأمر كذلك، لكنها ممكنة على الأكثر؛ لأجل أن الفعل إنما يحصل باجتماع","footnotes":"(¬١) كتاب السياسة المدنية (٣٢).\r(¬٢) تهافت التهافت (١١٥).\r(¬٣) ضمن: رسالتان فلسفيتان (٥٢ - ٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050753,"book_id":1102,"shamela_page_id":596,"part":"2","page_num":638,"sequence_num":596,"body":"معنيين: أحدهما: تهيؤ الفاعل للتأثير، والآخر تهيؤ المنفعل للقبول، فحيثما لم يجتمع المعنيان؛ لم يحصل فعل ولا أثر البتة، كما أن النار وإن كانت محرقة؛ فإنها متى ما لم تجد قابلًا متهيأً للاحتراق لم يحصل الاحتراق، وكذلك الأمر في سائر ما أشبههما، وكلما كان التهيؤ في الفاعل والقابل جميعًا أتم؛ كان الفعل أكمل، ولولا ما يعرض من التمنع في المنفعل لكانت الأفعال والآثار الطبيعية ضرورية\".\rوذلك لأن الخصومة مع الفلاسفة ليست في تأثير الأسباب بما أودعه الله سبحانه فيها من قوى وطبائع، فهذا شيء وافقوا فيه أهل السنة، وإنما في كون هذا التأثير من نفسها، وليس لمشيئة الله سبحانه فيها أثر، ومن هنا فارق قولُ المعتزلة قولَ الفلاسفة، فالمعتزلة يثبتون مشيئة الله سبحانه وخلقه - لما سوى أفعال العباد - كما سيأتي.\rووجه آخر وهو أن كون السبب مقتض لمسببه ضرورة لا ينافي في حقيقة الأمر اشتراط وجود المحل، فالقول إن الإحراق في النار ضروري لا ينافي أنه يلزم وجود ما تحرقه النار من خشب أو قطن ونحوه، وإنما ينافي تخلفَ الإحراق عند وجود المحل وانتفاء المانع كما تخلف الإحراق في قصة إبراهيم ﵇، فعلى تقريرهم أنه يجب أن تحرق النارُ إبراهيم، لأنهم لا يثبتون مشيئة الله سبحانه ولا إرادته ولا خلقه للإحراق، وعند أهل السنة جاز ذلك لتخلف الشرط الأصلي والسبب التام وهو مشيئة الله سبحانه.\rوالقول بالفيض وما بني عليه من الاقتضاء الضروري بين الأسباب والمسببات كلاهما باطل من كل وجه وهو مناف لأصل الدين ومضاد لربوبية الله سبحانه وشمول علمه وكونه الخالق لكل شيء وأنه لا شيء إلا بإرادته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050754,"book_id":1102,"shamela_page_id":597,"part":"2","page_num":639,"sequence_num":597,"body":"وأما المعتزلة؛ فمذهبهم في الأسباب وتأثيرها موافق - فيما ظهر لي - في الجملة لمذهب أهل السنة، فإنهم يقرون بما أودع الله من قوى وطبائع في الأشياء، فيقرُّون أن في النار قوة تحرق بها ما تلاقيه مما يصلح للإحراق، وأن في الطعام قوة الإشباع، وهكذا، وأن ذلك بمشيئة الله سبحانه وخلقه.\rقال القاضي عبد الجبار: \"السبب يوجب المسبب إذا احتمله المحل، ولا يوجب إذا لم يحتمله\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"إن الأصل في السبب أن يوجب المسبب إذا كان المحل محتملًا له، وإنما نعدل عن ذلك بدلالة\" (¬٢).\rففي كلام القاضي أن للسبب شروطًا وموانع، وهذا - مع ما هو معروف من مذهبهم من إثبات مشيئة الله سبحانه وخلقه - يثبت تأثير السبب وينفي كونه علة تامة.\rإلا أن مخالفة المعتزلة لأهل السنة في باب الأسباب إنما هي في جعلهم قدرة العبد ومشيئته علة تامة لفعله، وأنه لا مدخل لمشيئة الرب وخلقه في ذلك، ولم يجعلوا قدرة العبد ومشيئته أسبابًا من جملة أسباب تؤثر بمشيئة الله في إيجاد المسبب.\rفمذهبهم في هذا مبني على مذهبهم في خلق الأفعال، وقد تقدم إبطاله","footnotes":"(¬١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٨/ ١٦٩).\r(¬٢) المصدر السابق (٦/ ٨٥)، والإيجاب في كلامه هذا والذي سبقه، وكذا ما سيأتي في كلام الأشعري عنهم: المقصود به إثبات تأثير السبب في مقابل قول الأشاعرة النافين لذلك، وإلا فلا يوجد من المعتزلة من قال بأن السبب بمجرده موجب لحصول المسبب - فيما أعلم - والله أعلم، وقد سبقت الإشارة إلى مخالفة مذهبهم لمذهب الفلاسفة قريبًا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050755,"book_id":1102,"shamela_page_id":598,"part":"2","page_num":640,"sequence_num":598,"body":"وبيان أن قدرة العبد ومشيئته لا تعدو كونها جزءًا من أجزاء السبب الذي يخلق الرب سبحانه به فعل العبد.\rإلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في الفعل المتولد، بناء على اختلافهم في فاعله، فمن أثبت التوليد وهم جمهور المعتزلة؛ ألحقه بالفعل المباشر، وجعل مشيئة العبد وقدرته موجبة له وعلة تامة فيه، ومن نفى التوليد نفى ذلك.\rقال الأشعري ﵀: \"واختلفوا [أي المعتزلة] في السبب، هل هو موجب للمسبب أم لا على مقالتين: فقال أكثر المعتزلة المثبتين للتولد: الأسباب موجبة لمسبباتها.\rوقال الجبائي: السبب لا يجوز أن يكون موجبًا للمسبب، وليس الموجب للشيء إلا من فعله وأوجده\" (¬١).\rوذهب الأشاعرة إلى إنكار تأثير الأسباب، ونفوا أن يكون للأشياء في نفسها قوى وطبائع تؤثر في مسبباتها، وقالوا بأن العلاقة بين السبب والمسبب علاقة اقتران عادي، أي أن الله سبحانه أجرى العادة أن يوجد المسبب عند وجود سببه لا به.\rوقد قرر هذا الباقلاني ومما قاله: \"فأما ما يهذون به كثيرًا من أنهم يعلمون حسًّا واضطرارًا أن الإحراق والإسكار الحادثين واقعان عن حرارة النار وشدة الشراب؛ فإنه جهل عظيم\" (¬٢).\rوقال الغزالي في مناقشة قول الفلاسفة بالطبع: \"فما الدليل على أنها [أي","footnotes":"(¬١) مقالات الإسلاميين (٢/ ٩٧).\r(¬٢) التمهيد (٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050756,"book_id":1102,"shamela_page_id":599,"part":"2","page_num":641,"sequence_num":599,"body":"الأسباب] الفاعل؟! وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق منذ ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على الحصول عندها ولا تدل على الحصول بها، وأنه لا علة له سواها. . . فقد تبين أن الوجود عند الشيء لا يدل على أنه موجود به\" (¬١).\rوقال الجرجاني في تعريف السبب في الشرع: \"عبارة عما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم غير مؤثر فيه\" (¬٢).\rكما نقل اتفاق الأشاعرة على هذا، فقال: \"فإن كثيرًا من الأسباب العادية كذلك مع الاتفاق على أنها غير مؤثرة أصلًا، ألا ترى أنا إذا علمنا ملاقاة النار للقطن؛ علمنا احتراقه وإن لم نعلم شيئا آخر غير الملاقاة، وإذا علمنا أن البدن الصحيح يتناول الغذاء الجيد؛ علمنا حصول الشبع وإن لم نعلم غير التناول، مع اتفاقنا على أن الاحتراق والشبع إنما يحصلان بفعل الله تعالى ابتداءً من أن يكون (¬٣) للملاقاة والتناول مدخل فيهما بالتأثير، وأنت خبير بأن هذا الاتفاق إنما هو بين الأشاعرة\" (¬٤).\rوقال السنوسي: \"ومنها تعلم أن اختياره ﷾ لإيجاده ممكنًا مع ممكن آخر كاختياره جل وعلا إيجاد الشبع مع الأكل، والري مع الشرب، والإحراق مع النار، وتفريق الأجزاء مثلًا مع حد السيف وحز العضو، والمقدور مع القدرة الحادثة ونحو ذلك مما لا ينحصر؛ لا يدل جميع ذلك على أن لتلك الأمور المقارنة تأثيرًا فيما اقترنت به لا استقلالًا ولا معاونة، بل","footnotes":"(¬١) تهافت الفلاسفة (٢٤٠ - ٢٤١).\r(¬٢) التعريفات (١٢١).\r(¬٣) كذا في المطبوع، ولعل الصواب: \"من غير أن يكون\".\r(¬٤) شرح المواقف (٢/ ٣٠ - ٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050757,"book_id":1102,"shamela_page_id":600,"part":"2","page_num":642,"sequence_num":600,"body":"وجودها وعدمها بالنسبة للتأثير سواء، وإيجاده جل وعلا الممكن مع ممكن يقارنه كإيجاده له تعالى منفردًا بدون مقارنة ممكن آخر\" (¬١).\rوقال البيجوري: \"ومنها يعلم بطلان دعوى أن شيئًا يؤثر بطبعه أو بقوة فيه، فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو بقوة خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع. . . ومن اعتقد أن المؤثر هو الله، لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًّا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل، وربما جره ذلك إلى الكفر. . . ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًّا بحيث يصح تخلفها فهو المؤمن الناجي إن شاء الله تعالى\" (¬٢).\rوهذا عندهم شامل للأسباب القدرية والشرعية، قال الجرجاني: \"وأما الثواب والعقاب المترتبان على الأفعال الاختيارية؛ فكسائر العاديات المترتبة على أسبابها بطريق العادة من غير لزوم عقلي واتجاه سؤال\" (¬٣).\rوقد ترتب على إنكار الأشاعرة لتأثير الأسباب مسائل منها:\rالأولى: نفيهم تأثير قدرة العبد ومشيئته في الفعل، وقد تقدم ذلك.\rالثانية: نفيهم للحكمة، وزعمهم أن الله يفعل لمحض الإرداة وصرف المشيئة، يعني نفي السببية في أفعال الله سبحانه.","footnotes":"(¬١) شرح السنوسية (١٣٧).\r(¬٢) تحفة المريد (١٦٧).\r(¬٣) شرح المواقف (٨/ ١٥٤ - ١٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050758,"book_id":1102,"shamela_page_id":601,"part":"2","page_num":643,"sequence_num":601,"body":"وقد تقدم الكلام على هاتين المسألتين.\rالثالثة: نفيهم لصفات الأفعال من حسن وقبح، وزعمهم أن ذلك إنما يكون بالشرع فقط، وسيأتي ذلك في موضعه بعون الله.\rوقد استدل الأشاعرة على قولهم بشبه منها:\rأولًا: أن إثبات تأثير الأسباب قدح في القدرة الإلهية، إذ لا مؤثر غيرها (¬١).\rثانيًا: أن إثبات الأسباب يعارض دليل الجواهر الفردة (¬٢)، ويفتح الباب أمام زندقة الفلاسفة القائلين بالطبع (¬٣).\rأما شبهتهم الأولى، فمردودة من وجهين:\rالأول: أن التأثير لفظ مشترك، يراد به التأثير التام الذي لا يتخلف، ويراد به التأثير الناقص الجزئي، والمراد بتأثير السبب الثاني لا الأول، إذ المؤثر","footnotes":"(¬١) انظر: موقف أهل السنة والجماعة من الأسباب وآراء المخالفين (٢/ ٤٦٢).\r(¬٢) الجوهر الفرد هو: الجوهر الذي لا يقبل التجزي لا بالفعل ولا بالقوة. انظر: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين (١١٠)، ودليل الجوهر الفرد أو الجواهر الفردة من الأدلة التي اعتمد عليها المتكلمون في إثبات أن الله سبحانه يفعل بالاختيار، في مقابلة قول الفلاسفة بالفيض، ويقوم هذا الدليل على إثبات تماثل الأجسام في الجواهر واختلافها في الأعراض، قال التفتازاني: \"الأجسام متماثلة، أي متحدة الحقيقة، وإنما الاختلاف بالعوارض، وهذا أصل يبتنى عليه كثير من قواعد الإسلام كإثبات القادر المختار وكثير من أحوال النبوة والمعاد؛ فإن اختصاص كل جسم بصفاته المعينة لا بد أن يكون بمرجح مختار؛ إذ نسبة الموجب إلى الكل على السواء، ولما جاز على كل جسم ما يجوز على الآخر كالبرد على النار والحرق على الماء ثبت جواز ما نقل من المعجزات وأحوال القيامة، ومبني هذا الأصل عند المتكلمين على أن أجزاء الجسم ليست إلا الجواهر الفردة، وأنها متماثلة لا يتصور فيها اختلاف حقيقة\" شرح المقاصد (٣/ ٨٣).\r(¬٣) انظر: السببية عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم (٢/ ٧٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050759,"book_id":1102,"shamela_page_id":602,"part":"2","page_num":644,"sequence_num":602,"body":"التام هو مشيئة الرب سبحانه وقدرته؛ فإثبات هذا التأثير للسبب لا يقدح في القدرة الإلهية، ولا يترتب عليه محذور.\rالثاني: أن القوى والطبائع التي تؤثر في المسببات هي خلق للرب سبحانه وبقدرته ومشيئته وجدت، فكيف تكون مضادة لقدرته ومشيئته؟!\rوأما شبهتهم الثانية؛ فردها من وجوه:\rالأول: أن دليل الجواهر المفردة دليلٌ متعقَّب منتقد، قد أنكره بعض المتكلمين وتوقف فيه آخرون (¬١)، وهو منقوض من وجوه كثيرة، منها:\r- أنه طريق مبتدع في الدين لم يكن عليه سلف الأمة، وهو عريٌّ عن الدليل الصحيح (¬٢).\r- أنه - كغيره من طرق أهل الكلام والفلسفة - طريق شائك طويل وعر، ومقدماته تدور بين الاشتباه والخفاء بحيث لا يدركها إلا الأذكياء، وما كان كذلك لا يصح أن يجعل دليلًا لما هو فرض عيني على كل مسلم (¬٣).\r- أنه مع ذلك غير موصل إلى عين المقصود، بل غايته إثبات محدث لا على التعيين، وهذا ما لا يفي بالمقصود، ولو سلم إيصاله إلى أن المحدث الله سبحانه؛ فإنه لا يوصل إلى المقصود من ذلك، وهو إفراده سبحانه بالعبادة التي هي مقصود الخلق (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: بيان التلبيس (٢/ ٢٥١ - ٢٥٣).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٥٠)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٤٣)، ودرء التعارض (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٢).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢ - ١٣)، وانظر: السببية عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم (٢/ ٧٧٦ - ٧٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050760,"book_id":1102,"shamela_page_id":603,"part":"2","page_num":645,"sequence_num":603,"body":"الثاني: أنه لا يلزم من إثبات تأثير الأسباب قول الفلاسفة القائلين بالطبع؛ إذ بينهما وسط حق، وهو إثبات السبب سببًا، أي أنه مؤثر تأثيرًا ناقصًا.\rالثالث: أنه لو سلم أن إثبات تأثير السبب يبطل هذا الدليل، فليس في ذلك ما يقدح في ربوبية الله سبحانه، إذ ذلك مما تضافرت عليه أدلة المنقول والمعقول والفطر والحس، وعدم الدليل المعين لا يعني عدم المدلول، لكن الأشاعرة لما اعتمدوا في إثبات وحدانية الرب على هذا الدليل؛ كان في إبطاله سدًّا لباب إثبات الصانع عندهم، وفتحًا لباب الشرك والإلحاد.\rثم إن إنكار تأثير الأسباب يفضي إلى التسوية بينها وبين أضدادها، فلا يجعل للعين ميزة في نفسها عن الخد ولا للطعام ميزة في نفسه عن التراب، وهذا من أوضح الباطل (¬١).\rوفي الحقيقة أنه لا دليل معتبر للأشاعرة في إنكارهم تأثير الأسباب، بل هم مخالفون بذلك لأدلة العقل والنقل والفطرة والحس، وقد قال ابن حزم ﵀: \"ما نعلم لهم حجة شغبوا بها في هذا الهوس أصلًا\" (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام: \"قال بعض الفضلاء: تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع؛ فأضحكوا العقلاء على عقولهم\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٧).\r(¬٢) الفصل (٥/ ١١٥).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٧)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٥٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050761,"book_id":1102,"shamela_page_id":604,"part":"2","page_num":647,"sequence_num":604,"body":"المبحث السادس: \"الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050762,"book_id":1102,"shamela_page_id":605,"part":"2","page_num":649,"sequence_num":605,"body":"المبحث السادس: \"الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وكل ذلك عن علم وحكمة\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rعن عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: \"إن الله هو الهادي والفاتن\" (¬١).\rقال الطحاوي ﵀: \"يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا\" (¬٢).\rوقال ابن القيم ﵀: \"وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد\" (¬٣).\rوقال ابن كثير ﵀: \"الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء،","footnotes":"(¬١) رواه مالك في الموطأ: كتاب الجامع، باب النهي عن القول بالقدر (٢/ ٤٨١) ح (٢٦٢٠).\r(¬٢) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (١/ ١٣٧).\r(¬٣) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050763,"book_id":1102,"shamela_page_id":606,"part":"2","page_num":650,"sequence_num":606,"body":"المضل لمن يشاء لعلمه وحكمته وعدله\" (¬١).\rوقال الشيخ السعدي: \"يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله\" (¬٢).\rوقال السَّفَّاريني ﵀: \"الله تعالى إذا شاء هداية عبده يهتدي، وإذا أراد ضلاله وهلاكه يعتدي، فهو سبحانه الموفق لمن أراد له السعادة، والخاذل من شاء إبعاده، فالتوفيق والخذلان من الحكيم المنان\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٠٥).\r(¬٢) تفسير السعدي (٣/ ١٢٩١).\r(¬٣) لوامع الأنوار (١/ ٣٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050764,"book_id":1102,"shamela_page_id":607,"part":"2","page_num":651,"sequence_num":607,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع.\rأما أدلة الكتاب فكثيرة جدًّا، ومنها قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].\rوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨].\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧].\rوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧].\rوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].\rوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].\rوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٦، ٣٧].\rومنها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥].\rوقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050765,"book_id":1102,"shamela_page_id":608,"part":"2","page_num":652,"sequence_num":608,"body":"ومنها قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨].\rوقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣].\rوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦].\rوالآيات في هذا كثيرة جدًّا.\rوأما أدلة السنة، فمنها حديث جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: (مَن يهدِه الله فَلا مُضلَّ لَه، ومن يضلل فلا هادي له. . .) (¬١).\rوحديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وكان يقول يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن ﷿ يخفضه ويرفعه) (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢) ح (٨٦٧).\r(¬٢) رواه أحمد (٢٩/ ١٧٨) ح (١٧٦٣٠)، وابن ماجه: المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١/ ١٩٦) ح (١٩٩)، وإسناده صحيح، وله شاهدين:\rالأول: من حديث أم سلمة ﵂، رواه أحمد (٤٤/ ٢٠٠) ح (٢٦٥٧٦) و (٤٤/ ٢٧٨) ح (٢٦٦٧٩)، والترمذي: أبواب الدعوات، باب (٥/ ٤٩٥) ح (٣٥٢٢). =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050766,"book_id":1102,"shamela_page_id":609,"part":"2","page_num":653,"sequence_num":609,"body":"حديث علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: (قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى: هدايتك الطريق، والسداد: سداد السهم) (¬١).\rوحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كلانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (¬٢).\rوقوله ﷺ يوم أحد لما انكفأ المشركون: (استووا حتى أثني على ربي)، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرِّب لما باعدت. . .) الحديث (¬٣).\rوحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أنا مبلغ والله يهدي، وقاسم والله يعطي. . .) (¬٤).","footnotes":"= الثاني: من حديث عائشة ﵂، رواه أحمد (٤١/ ١٥١) ح (٢٤٦٠٤)، وانظر الصحيحة ح (٢٠٩١).\r(¬١) رواه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (٤/ ٢٠٩٠) ح (٢٧٢٥).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ٥٣٤) ح (٧٧٠).\r(¬٣) رواه أحمد (٢٤/ ٢٤٦) ح (١٥٤٩٢)، والنسائي في الكبرى (٩/ ٢٢٥) ح (١٠٣٧٠)، من حديث عبيد بن رفاعة الزرقي ﵁، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٣٨١).\r(¬٤) رواه أحمد (٢٨/ ١٣٣) ح (١٦٩٣٦)، وصححه الألباني في الصحيحة ح (١٦٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050767,"book_id":1102,"shamela_page_id":610,"part":"2","page_num":654,"sequence_num":610,"body":"وحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون) (¬١).\rوكل نص في القرآن والسنة في الختم والطبع ونحوهما فهو دليل على أن الله يضل من يشاء، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله.\rوأما الإجماع، فممن حكاه:\r- ابن القيم، قال ﵀: \"وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم على أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده لا بيد العبد\" (¬٢).\r- ابن الوزير، قال ﵀: \"فالهداية من الله تعالى، وهو الهادي بإجماع المسلمين\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (٤/ ٢٠٨٦) ح (٢٧١٧).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).\r(¬٣) إيثار الحق (١٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050768,"book_id":1102,"shamela_page_id":611,"part":"2","page_num":655,"sequence_num":611,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه المسألة من أجل مسائل الدين بالنسبة للمكلفين، وعليها مدار نجاتهم في أولاهم وأخراهم، فهداية الله للعبد هي أعظم نعمه عليه، فحاجة العبد إليها فوق كل حاجة، وضرورته إليها فوق كل ضرورة (¬١).\rوالإضلال هو أعظم نقم الله على العبد، وكل شر يلحقه فبإضلال الله ﷾ له.\rقال ابن القيم ﵀: \"هذا المذهب هو قلب أبواب القدر ومسائله؛ فإن أفضل ما يقدر الله لعبده وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال\" (¬٢).\rوالهِدَايَة في اللغة: مصدر هدى يَهدي، وهي التقدم للإرشاد، ومنه: هادي الخيل: أول رعيل منها، لأنه المتقدم. والهادية: العصا، لأنها تتقدم ممسكها كأنها ترشده، وهي المتقدمة من الإبل، وهي من كل شيء أوله (¬٣).\rوالإِضْلَال: مصدر أضل يُضِلُّ: جعله ضالًّا، وأصل الضلال غيبوبة الشيء وضياعه وذهابه في غير حقه، يقال: ضلَّ الماءُ في اللبن: إذا غَاب، وضلَّ الكافِرُ: إذا غابت عنه الحُجَّة، وضلَّ الناسِي: إذا غابَ عنه حِفْظُه، ومنه ضالة الإبل: أي ضائعتها، وضللت المسجد والدار: إذا لم تعرف موضعهما (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: جامع الرسائل (١/ ٩٩)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٢٢٩).\r(¬٣) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ٣٧٨)، ولسان العرب (٢٠/ ٢٢٨) مادة: (هدى).\r(¬٤) انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٤٦٤)، ومقاييس اللغة (٣/ ٣٥٦) مادة: (ضل).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050769,"book_id":1102,"shamela_page_id":612,"part":"2","page_num":656,"sequence_num":612,"body":"قال الأزهري ﵀: \"والإضلال في كلام العرب ضدّ الهِدَاية والإرشاد، يقال: أَضللْتُ فلانًا، إذا وجهتَه للضلال عن الطريق\" (¬١).\rوقد تضمنت هذه القاعدة مسائل عديدة:\rالأولى: في الهداية وما يتعلق بها.\rالثانية: في الإضلال وما يتعلق به.\rالثالثة: معنى هداية الله وإضلاله للخلق.\r\rالمسألة الأولى: في الهداية وما يتعلق بها.\rتتعلق بالهداية جزئيات عدة:\rالأولى: تعريفها.\rالهداية من حيث العموم هي: \"العلم بالحق مع قصده وإيثاره على غيره\" (¬٢).\rالثانية: مراتبها.\rباستقراء نصوص الكتاب والسنة يتبين أن للهداية أربع مراتب (¬٣):\rالمرتبة الأولى: الهداية العامة.\rوهي: هداية كل مخلوق إلى ما يصلح له ويناسبه من أمور حياته ومعاشه.\rوهذه الهداية مبنية على أمرين:","footnotes":"(¬١) تهذيب اللغة (١١/ ٤٦٤).\r(¬٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٥).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٧١ - ١٧٧)، والجواب الصحيح (٦/ ٥)، وبدائع الفوائد (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٨)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٧ - ٣٠٩)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050770,"book_id":1102,"shamela_page_id":613,"part":"2","page_num":657,"sequence_num":613,"body":"١) معرفة ما ينفع وما يضر.\r٢) إيثار ما ينفع ومحبته، وترك ما يضر وبغضه.\rفالله ﷾ خلق خلقه وأودع فيهم معرفة ما تقوم به أمور معايشهم، وأودع فيهم محبة ما ينفعهم وقصده وإيثاره، وبغض ما يضرهم وتركه والابتعاد عنه، كما هدى الحيوان لجلب ما ينفعه بالأكل والشرب، ودفع ما يضره باللباس والكِنِّ.\rوهذه الهداية مراتب لا يحصيها إلا هو سبحانه، فتبارك الله رب العالمين.\rومن خصائص هذه المرتبة:\r١) أنها أسبق مراتب الهداية.\rفالهداية العامة توجد مع المخلوق بوجوده، ولهذا كثيرًا ما يجمع الله ﷾ بينها وبين الخلق في الذكر، كما في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].\rفالخلق: الإيجاد، والهداية: التعليم، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، وسيأتي في أدلة هذه المرتبة آيات أخرى.\r٢) أنها عامة في كل مخلوق من حي أو جماد، لا تختص ببني آدم ولا بغيرهم.\rفكل ما خلقه الله فهو مَهديٌّ هذه الهداية، وميسَّرٌ لها وموفق لها، لا فرق في ذلك بين حي وجماد، ولا بين جن وإنس وحيوان، ولا بين مؤمن وكافر، بل ولا بين عاقل ومجنون، فكلٌّ مهدي هذه الهداية، وإن اختلفت صورها وأشكالها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050771,"book_id":1102,"shamela_page_id":614,"part":"2","page_num":658,"sequence_num":614,"body":"ولكل منها ما يليق به؛ فللحيوان المتحرك بإرادته ما يليق به، وللجماد المسخر لما خلق له هداية تليق به، كما أن لكل عضو له هداية تليق به؛ فللرجلين المشي، ولليدين البطش والعمل، وللِّسان الكلام، وللأذن الاستماع، وللعين كشف المرئيات، ولكل عضو ما خلق له (¬١).\r٣) أنها فطرية، لا يتوقف حصولها على مؤثِّر خارجي.\rأي أنها لا تحتاج إلى تعليم ولا إلى تلقٍّ، بل توجد شيئًا فشيئًا بوجود المخلوق.\rوكونها فطرية لا يعني أنها ملازمة للإنسان لا تنفك عنه ولا يضل عنها، بل قد يطرأ عليها ما يغيرها، بل ما يقلبها على عقبها، وإذا كانت معرفة الله ومحبته ومحبة دين الإسلام وإرادته - وهي أعظم ما فُطر عليه المكلفون - قد تتغير وتفسد؛ فتغير هذه وفسادها من باب أولى.\rولا يعني أيضًا أنها تحصل للمخلوق بمجرد وجوده، بل تحصل له رويدًا رويدًا بحسب حاجته لها.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديًا إلى طلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا بحسب حاجته، ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما وُلد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة\" (¬٢).\r٤) أنها متعلقة بأمور الدنيا لا بأمور الدين.\rأي ليس حصولها يزيد في الدين، وليس نقصها - إن قدر أنها نقصت -","footnotes":"(¬١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٤٤٧).\r(¬٢) درء التعارض (٨/ ٣٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050772,"book_id":1102,"shamela_page_id":615,"part":"2","page_num":659,"sequence_num":615,"body":"نقص في الدين، كما أن الدين ليس شرطًا لحصولها.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وذلك أن المغفرةَ مشروطة بالإيمان، فلا تكون إلا لأهل الإيمان، بخلاف العافية والرزق والهداية العامة؛ فإنها تحصلُ بدون الإيمان\" (¬١).\rومن أدلتها:\rقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣].\rقال عطاء ﵀: \"جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه\" (¬٢).\rوقال ابن جزي ﵀: \"قدّر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به\" (¬٣).\rوقال السعدي ﵀: \"وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته\" (¬٤).\rوقد فسرت هذه الآية ببعض أمثلتها، كقول بعضهم: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها، وقول آخرين: هدى الأنعام لمراتعها، والصواب أنها عامة (¬٥).\rوقد ذكر الله ﷾ في هاتين الآيتين أربعة أمور عامة: الخلق","footnotes":"(¬١) جامع المسائل (٦/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\r(¬٢) زاد المسير (٩/ ٨٨).\r(¬٣) التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٥٦٣).\r(¬٤) تفسير السعدي (٤/ ١٩٥٩).\r(¬٥) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٣١٢)، التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٥٦٣)، شفاء العليل (١/ ٢٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050773,"book_id":1102,"shamela_page_id":616,"part":"2","page_num":660,"sequence_num":616,"body":"والتسوية والتقدير والهداية، وجعل التسوية -التي هي إتمام الخلق وإتقانه وإحسانه بحيث لا يكون فيه خلل ولا تفاوت - من تمام الخلق الذي هو الإيجاد، والهداية من تمام التقدير (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠].\rقال قتادة ﵀: \"أعطى كل شيء ما يصلحه، ثم هداه له\" (¬٢)، ومثله عن الحسن (¬٣).\rوقال مجاهد ﵀: \"سوى خلق كل دابة، ثم هداها لما يصلحها، فعلمها إياه\" (¬٤).\rوعلى هذا تكون هذه الآية نظيرة الآية السابقة، والمعنى أن الله ﷿ أعطى كل شيء من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له، وهداه لما يصلحه في معيشته من مطعم ومشرب ومنكح وغير ذلك، وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين (¬٥).\rوفي هذه الآية ما في سابقتها من تفاسير بالمثال، إلا أن العموم هو المراد منها، والله أعلم (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٣٠).\r(¬٢) رواه الطبري (١٦/ ٨١).\r(¬٣) انظر: الدر المنثور (١٠/ ٢١٠).\r(¬٤) رواه الطبري (١٦/ ٨١).\r(¬٥) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦١).\r(¬٦) انظر: تفسير الطبري (١٦/ ٧٩ - ٨١)، الدر المنثور (١٠/ ٢١٠ - ٢١٢)، شفاء العليل (١/ ٢٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050774,"book_id":1102,"shamela_page_id":617,"part":"2","page_num":661,"sequence_num":617,"body":"المرتبة الثانية: هداية الدلالة والإرشاد للمكلفين.\rوهي: \"هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر، وطريقي النجاة والهلاك\" (¬١).\rومن خصائصها:\r١) أنها أخص من المرتبة الأولى.\rوذلك من وجهين:\rالأول: أنها خاصة بالمكلفين من إنس وجن، فلا يدخل فيها من سواهم ممن لا تكليف عليهم منهم كالصبيان والمجانين، ولا يدخل فيها كذلك من عداهم من المخلوقات، لا العاقلة كالملائكة، ولا غير العاقلة من حيوان وجماد.\rالثاني: أنها خاصة بالهداية إلى الخير والشر دون ما سواهما من أنواع الهدايات.\r٢) أنها حجة الله على عباده، فلا يعذب الله من لم تبلغه.\rفالبيان والدلالة على طريق الخير والشر شرط لقيام الحجة على المكلف، وبدونها لا تقوم عليه حجة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (¬٢).\rإذ أن مناط قيام الحجة على العبد أمور ثلاثة: هي العقل، والبلوغ، ووصول الدعوة.\rدل على ذلك حديث الأسود بن سريع ﵁ أن نبي الله ﷺ","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (٢/ ٢٧٣).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050775,"book_id":1102,"shamela_page_id":618,"part":"2","page_num":662,"sequence_num":618,"body":"قال: (أربعة يوم القيامة: رجلٌ أصم لا يسمع شيئًا، ورجلٌ أحمق، ورجلٌ هرم، ورجلٌ مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (¬١).\r٣) أنه تحصل على أيدي الرسل وأتباعهم.\rوذلك أن الله سبحانه أرسل رسله من الملائكة والبشر لإقامة العبودية لله سبحانه، وحده لا شريك له، وهذه العبودية لا بد لحصولها من شيئين:\r٣) معرفة هذا المعبود وما له من صفات بها استحق أن يعبد.\r٤) معرفة ما يريده من العبادات، صفةً، وأداءً، وعددًا ونحوه.\rوهذان الأمران يتوقف حصولهما على الوحي ولا يمكن معرفتهما بمجرد العقل، والوحي إنما يؤخذ عن الرسل وعن أتباعهم المبلغين عنهم ما أُوحي إليهم.\rومن معنى حصولها على أيدي الرسل وأتباعهم أنه لا يتوقف حصولها على قبول المدعو لها واهتدائه - بهداية الله له -، بل يحصل بمجرد وصولها له وفهمها.\rقال ابن القيم ﵀: \"ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٣١٩).\r(¬٢) مدارج السالكين (١/ ٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050776,"book_id":1102,"shamela_page_id":619,"part":"2","page_num":663,"sequence_num":619,"body":"٤) أنها غير مستلزمة للاهتداء التام، بل هي شرط فيه أو جزء سبب.\rفالهداية التامة التي هي هداية التوفيق لا يمكن حصولها إلا بعد حصول هداية الدلالة والبيان، فهي بمنزلة الشرط للمشروط، والسبب للمسبب، وإذا كانت كذلك؛ فهي غير مستلزمة للاهتداء، لأن السبب والشرط لا يستقلان بحصول المسبب والمشروط بل لا بد من أسباب وشروط أخرى، ولا بد مع ذلك من انتفاء الموانع (¬١).\rقال ابن القيم ﵀: \"فالهداية هي البيان والدلالة ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة. . . فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق\" (¬٢).\rومن أدلتها:\rقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].\rوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\rوقوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢].\rوقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦].\rوقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١].\rوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٤).\r(¬٢) مدارج السالكين (١/ ٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050777,"book_id":1102,"shamela_page_id":620,"part":"2","page_num":664,"sequence_num":620,"body":"يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].\rوحيث أضيفت الهداية في القرآن أو السنة إلى القرآن أو إلى الرسل أو إلى أتباعهم؛ فهي هداية دلالة وبيان.\rوحيث وُصف بها الكفار فهي هداية دلالة، إذ لو كانت توفيقًا لما كانوا كافرين، هذا إذا لم يكن المقصود بها الهداية إلى الجنة والنار.\rالمرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام.\rوهي: \"مشيئة الله لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى وإرادته والقدرة عليه للعبد\" (¬١).\rومن خصائصها:\r١) أنها ملك لله سبحانه، فلا يقدر عليها إلا هو سبحانه.\rوذلك لأن هذه الهداية هي هداية للقلوب، والله سبحانه هو المالك للقلوب المتصرف فيها، كما قال ﷺ: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) (¬٢).\rولأن الهداية والإضلال من مقتضى الربوبية، فالرب سبحانه هو الذي يهدي ويضل لا غيره.\rولأن حقيقة هذه الهداية لا يقدر عليها إلا الله؛ فلا يقدر على خلق الهدى في القلب وجعل العبد قادرًا عليه، مريدًا له مؤثرًا له على غيره إلا هو سبحانه.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ٢٢٩)، وانظر: (١/ ٢٦٦) منه.\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (٤/ ٢٠٤٥) ح (٢٦٥٤)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050778,"book_id":1102,"shamela_page_id":621,"part":"2","page_num":665,"sequence_num":621,"body":"ولأنه سبحانه هو الذي يعلم من يستحق الهداية ومن يستحق خلافها.\rولأن الله سبحانه أخبر بأن رسوله لا يملكها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، فإذا كان أعلم الخلق بالله وبدينه لا يملك لأحد الهداية؛ فغيره من باب أولى.\rفهداية التوفيق ملك لله سبحانه وحده، والمطلوب من العبد الإتيان باسبابها فإنها مقدورة له (¬١).\rقال ابن القيم ﵀: \"فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها، وهي جعل العبد مريدًا للهدى محبًّا له مؤثرًا له عاملًا به، فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل\" (¬٢).\r٢) أنها أخص أنواع الهداية.\rفهي خاصة بمن منَّ الله عليهم بالإيمان ووفقهم له، دون من سواهم.\r٣) أنها موجبة للاهتداء وسبب تام له.\rفمن هداه الله هداية التوفيق فهو المهتدي، بخلاف من هُدي هداية الدلالة؛ فإنه قد يهتدي وقد لا يهتدي.\rقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨].\rقال الطبري ﵀: \"يقول تعالى ذكره: الهداية والإضلال بيد الله، والمهتدي - وهو السالك سبيل الحق، الراكب قصد المحجة في دينه - من","footnotes":"(¬١) انظر: الرد على البكري (٢١٤ - ٢٠٥).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٢٠٢)، وانظر: جامع الرسائل (٢/ ٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050779,"book_id":1102,"shamela_page_id":622,"part":"2","page_num":666,"sequence_num":622,"body":"هداه الله لذلك فوفقه لإصابته، والضال من خذله الله فلم يوفقه لطاعته، ومن فعل الله ذلك به فهو الخاسر: يعني الهالك\" (¬١).\rوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧].\rقال الشيخ السعدي ﵀: \"يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، فمن يهده فييسره لليسرى ويجنبه العسرى؛ فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله فيخذله ويكله إلى نفسه؛ فلا هادي له من دون الله، وليس له وليٌّ ينصره من عذاب الله\" (¬٢).\r٤) أنها سبب الهداية إلى طريق الجنة، وخلافها سبب الهداية إلى طريق النار.\rفالله سبحانه جعل الجنة مثوى أوليائه، والنار مثوى أعدائه، وأولياؤه هم المهديون الذين وفقهم الله للإيمان، وأعداؤه هم الذين خذلوا ولم يوفقوا، فمن آمن واهتدى في الدنيا، هداه إلى طريق الجنة في الآخرة، ومن لا؛ هداه إلى طريق النار.\rومن أدلتها:\rقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].\rوقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري (١٠/ ٥٩٠).\r(¬٢) تفسير السعدي (٢/ ٩٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050780,"book_id":1102,"shamela_page_id":623,"part":"2","page_num":667,"sequence_num":623,"body":"وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].\rوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧].\rوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].\rوقد يقتصر كثير من أهل العلم في ذكر معاني الهداية على هداية الإرشاد وهداية التوفيق دون ما سواهما، وذلك لأن الخصومة مع أهل البدع فيهما، ومثال ذلك قول ابن كثير ﵀: \"ويطلق الهدى ويراد به ما يقر في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿. . . ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه\" (¬١).\rالمرتبة الرابعة: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة، وذلك حين يساق أهلهما إليهما.\rومن خصائصها:\r١) أنها ثمرة الهداية الدنيوية وغايتها وجزاؤها.\rفمن هُدي هداية التوفيق؛ هدي إلى طريق الجنة، ومن لا؛ هُدي إلى طريق النار.\r٢) أنها لا تكون إلا بعد الموت لا قبله.\rلأنها هداية مخصوصة إلى طريق الجنة والنار، وهما من أمور الآخرة.","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١/ ٢٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050781,"book_id":1102,"shamela_page_id":624,"part":"2","page_num":668,"sequence_num":624,"body":"ومن أدلتها:\rقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤، ٥].\rفهذه هداية بعد قتلهم، والهدايات السابقة هي قبل الموت، وهي هداية للمؤمنين إلى الجنة (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣].\rوهذه هداية بعد حشرهم، فهي هداية بعد الهدايات السابقة، وهي هداية لأهل النار إليها.\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، أي: يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة (¬٢).\rقال مجاهد ﵀: \"يكون لهم نورًا يمشون به\" (¬٣).\rوكل من هذه الهدايات مراتب كثيرة، لا يحصيها إلا الله وحده، وليست شيئًا واحدًا.\rأما الهداية العامة؛ فالخلق فيها متفاوتون، فمنهم من هدي الهداية العظيمة التي لا يغيب عنه بها تفاصيل أموره ومعاشه، ومنهم من تغيب عنه كثير من تفاصيل ذلك، ومن هنا كان فيهم الكيس وفيهم العاجز، وفيهم الذكي وفيهم","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (١٣/ ٦٤).\r(¬٢) انظر: تفسير الطبري (١٢/ ١٢٣)، وتفسير البغوي (٤/ ١٢٢).\r(¬٣) تفسير الطبري (١٢/ ١٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050782,"book_id":1102,"shamela_page_id":625,"part":"2","page_num":669,"sequence_num":625,"body":"الغبي، وهكذا.\rوأما هداية الدلالة؛ فمن المكلفين من يبين له الحق وأدلته على أكمل صورة بحيث لا يكون إلا معاندًا إذا لم يؤمن، كما هو حاصل في هداية الأنبياء لأقوامهم، وبخاصة نبينا ﷺ، ومنهم من تبلغه على وجه أضعف، حتى يصل إلى درجة يصعب معها الحكم بقيام الحجة عليه.\rوأما هداية التوفيق؛ فمن المؤمنين من يهدى للصراط ويهدى لتفاصيل الصراط، ومنهم من يهتدي للصراط، لكن لا يهتدي لتفاصيله، إذ هذه الهداية هدايتان: هداية إلى الصراط، وهداية فيه (¬١)، ومن هنا يعلم خطأ من فسر قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] بالتثبيت على الهداية، إذ أن الإنسان بحاجة إلى معرفة تفاصيل الهداية في جميع ما يأتيه ويذره، من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التوبة منها، وأمور هدي إلى أصلها دون تفصيلها، أو هدي إليها من وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى، وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية فيها، وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية، إلى غير ذلك من أنواع الحاجات إلى أنواع الهدايات، فمن كملت له هذه الأمور فسؤاله حينئذ سؤال تثبيت، لكن من الذي كملت له؟ (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٨).\r(¬٢) انظر: الفتاوى الكبرى (٦/ ٦)، وجامع الرسائل (٩٩ - ١٠٠)، وبدائع الفوائد (٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠)، ومدارج السالكين (١/ ٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050783,"book_id":1102,"shamela_page_id":626,"part":"2","page_num":670,"sequence_num":626,"body":"وأما هداية الجنة والنار؛ فالمؤمنون منهم من تكمل له الهداية، فيمر على الصراط كالطرف وكالبرق، ومنهم دون ذلك حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، كما جاء في الحديث (¬١).\r\rالمسألة الثانية: في الإضلال وما يتعلق به.\rتعريفه:\rالإضلال في الشرع: هو ضد الهداية، وهو خذلان الله سبحانه للعبد، وعدم تمكينه من الهداية للصراط المستقيم.\rوهو في الحقيقة ضدٌّ لهداية التوفيق، إذ لا بد للمخلوق من هداية عامة، وكذلك هو مهدي يوم القيامة حتمًا؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار، ومن لم يهتدِ هداية الدلالة فهو معذور لعدم قيام الحجة عليه.\rوالإضلال إفعال من الضلال، وهو: \"الذهاب عن طريق الصواب\" (¬٢).\rمراتبه:\rالإضلال ليس على درجة واحدة بل هو مراتب مختلفة، ترجع إلى مرتبتين أساسيتين:\rالأولى: الإضلال الأكبر، وهو التام الحقيقي الذي يُحال بين صاحبه وبين أصل الهداية، وهو إضلال الكفر المخرج من الملة.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٩/ ١٢٩) ح (٧٤٣٩)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٧) (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\r(¬٢) تفسير البغوي (٤/ ٢٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050784,"book_id":1102,"shamela_page_id":627,"part":"2","page_num":671,"sequence_num":627,"body":"الثانية: الإضلال الأصغر، وهو ما دون ذلك، مما هو من شعب الكفر دون أصله، ويتنوع كذلك إلى: كبائر، وصغائر.\rوقد جاء في النصوص التعبير عن الإضلال بمعان كثيرة، ذكر الإمام ابن القيم ﵀ منها: الختم، والطبع، والأكنة، والغطاء، والغلاف، والحجاب، والوقر، والغشاوة، والران، والغل، والسد، والقفل، والصمم، والبكم، والعمي، والصد، والصرف، والشد على القلب، والإغفال، والمرض، وتقليب الأفئدة، والحول بين المرء وقلبه، وإزاغة القلوب، والخذلان، والإركاس، والتثبيط، والتزيين، وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم، وإماتة قلوبهم، وإمساك النور عنها، وجعل القلب قاسيًا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته، وجعل الصدر ضيقًا حرجًا لا يقبل الإيمان.\rوذكر ﵀ أن هذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب كالختم والطبع والقفل والأكنة والإغفال والمرض ونحوها، ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر، ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشاوة، ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي.\rوقد تعرض ﵀ لبيان كل واحد منها، وذكر أدلته (¬١).\rوحاصل الأمر أن هذه الأمور هي محاملُ للإضلال وصورٌ له، فالله سبحانه يضل من شاء من عباده إما بالختم على قلوبهم، أو بالطبع عليها، أو بإركاسها، أو بصرفها عن الهدى. . . وهكذا.","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٧٧ وما بعدها)، وانظر كذلك (١/ ٢٦٩) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050785,"book_id":1102,"shamela_page_id":628,"part":"2","page_num":672,"sequence_num":628,"body":"المسألة الثالثة: معنى هداية الله وإضلاله للخلق.\rهذه المسألة هي لبُّ هذا المبحث، وبيانها من وجهين، عام وخاص.\rأما العام: فهو أن الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم.\rوالمراد أنه سبحانه يمن على من شاء من عباده فيوفقهم للصراط المستقيم المتضمن فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، محبةً له سبحانه وتعظيمًا.\rويخذل من يشاء ويَكِله إلى نفسه فلا يعينه، فيزيغ عن الصراط المستقيم، فيقع في المحرمات ويترك الواجبات.\rومَنُّه بالهداية فضل منه ﷿ وحكمة، وإضلاله عدل وحكمة كذلك.\rوأما الخاص: فيكون ببيان كل واحد على حدة.\rأما الهدى؛ فيحصل من اجتماع أمرين:\r١) هداية الله سبحانه للعبد، وهذا فعل له سبحانه، وهو خلق الهدى ومحبة ما أمر به وبغض ما نهى عنه، اعتقادًا وقولًا وعملًا في قلب العبد، وهذه نعمة دينية من الله للعبد أعانه بها على الهداية.\r٢) اهتداء العبد وهذا فعل له هو، وهو أثر فعل الله سبحانه.\rوهذا الاهتداء يحصل على وفق هذا الترتيب:\rأولًا: معرفة الحق على وجه صحيح.\rثانيًا: جعله مريدًا له مؤثرًا له على ضده.\rثالثًا: خلق القدرة على القيام بموجب هذا الهدى، قولًا وعملًا ونيَّةً.\rرابعًا: إدامة ذلك والتثبيت عليه حتى الممات.\rقال ابن القيم ﵀: \"وهما [أي: هداية الإرشاد وهداية التوفيق]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050786,"book_id":1102,"shamela_page_id":629,"part":"2","page_num":673,"sequence_num":629,"body":"هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلًا وإجمالًا، وإلهامنا له وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة\" (¬١).\rوأما الإضلال؛ فيحصل كذلك بأمرين:\r١) إضلال الله سبحانه للعبد، وهو فعله سبحانه، وهو خلق الضلال وبغض ما أمر به الله وحب ما نهى عنه.\r٢) ضلال العبد وهو فعله، وهو كذلك أثر فعل الله سبحانه.\rوهذا الإضلال منه ما يكون ابتداءً، ومنه ما يكون طارئًا بعد هدى.\rقال ابن القيم ﵀: \"وهذه المرتبة [أي: هداية التوفيق] تستلزم أمرين: أحدهما: فعل الرب تعالى وهو الهدى، والثاني: فعل العبد وهو الاهتداء، وهو أثر فعله سبحانه؛ فهو الهادي والعبد المهتدي. . . ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد\" (¬٢).\rوإضلال الله سبحانه لمن شاء من عباده وهدايته من شاء منهم من صفاته سبحانه الفعلية التي تتعلق بمشيئته سبحانه، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء.\rوالله سبحانه إنما يهدي من يعلم أنه أهل للهداية، وإنما يضل من يعلم أنه ليس أهلًا لها، فهو ﷿ حكيم يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٢٢).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٢٦٦)، وانظر: (١/ ٢١٥) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050787,"book_id":1102,"shamela_page_id":630,"part":"2","page_num":674,"sequence_num":630,"body":"أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥].\rوإضلال الله سبحانه لمن شاء من عباده - سواء الابتدائي أو ما كان بعد هدى - محض الحكمة والعدل، ليس فيه ظلم، وذلك من وجوه:\rالأول: أن هذا فعله سبحانه، والله ﷿ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].\rالثاني: أن هذا الإضلال منه سبحانه مبني على علمه بهذا العبد بأنه لا يصلح للهداية، ولو علم أنه يصلح للهداية لما أضله.\rالثالث: أن الإضلال هو ترك الفضل منه سبحانه، وترك الفضل لا ظلم فيه، يوضحه:\rالرابع: أن من أضله الله سبحانه لم يَحُل بينه وبين الهدى وبيان الرسل، بل أقام له أسباب الهداية ظاهرًا وباطنًا ولم يحل بينه وبينها، وأراه الصراط المستقيم حتى كأنه يشاهده عيانًا، وإنما قطع عنه توفيقه ولم يرد من نفسه إعانته والإقبال بقلبه إليه.\rفلم يَحُل بينه وبين ما هو مقدور له، وإن حال بينه وبين ما لا يقدر عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه (¬١).\rوالحاصل أن الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم، وأنه من يهده فلا مضل له، ومن يضله فلا هادي له، والهداية فضله سبحانه، والإضلال عدله، وكلاهما صادر عن حكمته سبحانه.","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، وانظر: (١/ ١٣٩) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050788,"book_id":1102,"shamela_page_id":631,"part":"2","page_num":675,"sequence_num":631,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف أهل السنة في هذه القاعدة: الأشاعرة والمعتزلة.\rأما الأشاعرة؛ فبعد إقرارهم بأن الله سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن الهدى والإضلال بيده سبحانه؛ أنكروا أن يكون للعبد أثر في الاهتداء والضلال، ففسروا الهداية بخلق الله سبحانه الهدى في قلب العبد، والإضلال بخلق الضلال في قلب العبد، وهذا القدر صحيح بلا ريب، وهو مما وافقوا فيه أهل السنة، إلا أنه غير كاف في بيان الأمر، فالهدى والضلال كما تقدم كل منهما مرتبتان: أولاهما فعل الرب سبحانه، وهو الهدى والإضلال، وثانيهما فعل العبد وهو الاهتداء والضلال، فالله الهادي والمضل، والعبد المهتدي والضال.\rفللعبد فعل وأثر في ذلك؛ أما الهداية فهي في أصلها محض منة الله سبحانه وفضله وكرمه، لكن العبد يتسبب في أنواع الهداية، ففعله الحسنة الأولى سبب لمنِّ الله عليه بالحسنة الثانية، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، فذكر تيسيره لليسرى جزاء على إعطائه وتقواه وتصديقه، ولا شك أن هذا نوع من أنواع الهداية.\rوأما الإضلال فهو عدل من الله سبحانه بسبب من العبد، كما أخبر سبحانه عن قوم ثمود بقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]، فأضلهم الله سبحانه بتركهم الهدى وبيان الرسول وإعراضهم.\rفالأشاعرة أنكروا أثر العبد وتسببه في هداية أو ضلال، فأرجعوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050789,"book_id":1102,"shamela_page_id":632,"part":"2","page_num":676,"sequence_num":632,"body":"القول في الهداية والإضلال إلى أصلهم في الجبر ونفي تأثير الأسباب، ونفي الحكمة والتعليل.\rوأما كون الله سبحانه يهدي ويضل فهم يثبتونه كما سبق، بل نصوا كذلك على مراتب الهداية الثلاث بعد الهداية العامة.\rقال الباقلاني: \"فإن قال قائل: فهل تقولون إن الله يهدي المؤمنين ويضل الكافرين؟ قيل له: أجل، فإن قال: وما معنى هدايته للمؤمنين؟ قيل له: قد يهديهم بأن يخلق هداهم وينور بالإيمان قلوبهم، وقد يهديهم أيضًا بأن يشرح صدورهم ويتولى توفيقهم له وإعانتهم عليه وتسهيله لهم السبيل إليه، كل ذلك هداية منه لهم، وقد يهديهم أيضًا في الآخرة إلى الثواب وطريق الجنة، وذلك هدى لهم من فعله، فإن قال: فما معنى إضلاله الكافرين؟ قيل له قد أضلهم بأن يخلق ضلالهم قبيحًا. . . وقد يضلهم بترك توفيقهم وتضييق صدورهم وإعدام قدرهم على الاهتداء، وقد يضلهم عن الثواب وطريق الجنة في الآخرة، كل ذلك إضلال لهم\" (¬١).\rوقال الجويني - بعد إيراده آيات في الهداية والإضلال -: \"واعلم أن الهدى في هذه الآي لا يتجه حمله إلا على خلق الإيمان، وكذلك لا يتجه حمل الإضلال على غير خلق الضلال، ولسنا ننكر ورود الهداية في كتاب الله ﷿ على غير المعنى الذي رُمناه، فقد يرد والمراد به الدعوة .. وقد ترد الهداية ويراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها يوم القيامة\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) التمهيد (٢٧٦ - ٢٧٨).\r(¬٢) الإرشاد (٢١١)، وانظر: أبكار الأفكار (٢/ ١٩٣) وما بعدها، ونهاية الإقدام (٤١٢ - ٤١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050790,"book_id":1102,"shamela_page_id":633,"part":"2","page_num":677,"sequence_num":633,"body":"وقال الشهرستاني: \"قالت الأشعرية: التوفيق والخذلان ينسبان إلى الله تعالى نسبة واحدة على جهة واحدة، فالتوفيق من الله تعالى خلق القدرة الخاصة على الطاعة. . . والخذلان خلق قدرة المعصية\" (¬١).\rوقال ابن المنيِّر: \"الهدى من الله تعالى عند أهل السنة حقيقة هو خلق الهدى في قلوب المؤمنين، والإضلال: خلق الضلال في قلوب الكافرين، ثم ورد الهدى على غير ذلك من الوجوه مجازًا واتساعًا\" (¬٢).\rوقول الأشاعرة: خلق القدرة على الطاعة، وخلق القدرة على المعصية: المراد به خلق الطاعة والمعصية نفسها، إذ لا قدرة عندهم متقدمة على الفعل، وليس ثَمَّ إلا القدرة المقارنة.\rقال الشهرستاني في سياق كلامه المتقدم: \"والاستطاعة إذا كانت عنده مع الفعل، وهي تتجدد ساعة فساعة؛ فلكل فعل قدرة خاصة، والقدرة على الطاعة صالحة لها دون ضدها من المعصية فالتوفيق خلق تلك القدرة المتفقة مع الفعل والخذلان خلق قدرة المعصية. . . والقدرة الصالحة للضدين أعني الخير والشر إن كانت توفيقًا بالإضافة إلى الخير، فهي خذلان بالإضافة إلى الشر\" (¬٣).\rوقد تقدم إبطال قولهم في نفي قدرة العبد ومشيئته، وقولهم في نفي الحكمة والأسباب، وهذا يرد قولهم هنا.\rويرده كذلك أن الله سبحانه أثبت للعبد اهتداءً وضلالًا، كما في قوله","footnotes":"(¬١) نهاية الإقدام (٤١٢).\r(¬٢) الانتصاف بهامش الكشاف (٥/ ٣٧٧).\r(¬٣) نهاية الإقدام (٤١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050791,"book_id":1102,"shamela_page_id":634,"part":"2","page_num":678,"sequence_num":634,"body":"تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، فذكر أنه زاد هدايتهم جزاءً لهم على اهتدائهم، ولا يمكن حمل الاهتداء هنا على الدلالة والبيان، لأنه حاصل للكافر أيضًا، فلا تكون للمؤمن مزية عليه، وهذا باطل، فدل على أن للعبد فعلًا في الاهتداء بعد منَّة الله سبحانه عليه بالهداية الأولى.\rوكما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فذكر هداية الدلالة وأنها حاصلة لهم، ثم ذكر أنهم عمَوا بفعلهم وقصدهم، فدل على أن العمى هنا ليس العمى عن هداية الدلالة، وإنما عن هداية التوفيق.\rويجمع بين الأمرين آيات كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر: ٤١]، فذكر أولًا حصول هداية الدلالة ببلوغ الرسالة وإنزال الكتاب، ثم ذكر الاهتداء والضلال، فدل على أن العبد يهتدي ويضل، إذ لا يمكن حمل الهداية والضلال على الدلالة وعدمها.\rوالخلاف الأشد في هذه القاعدة مع المعتزلة.\rفقد ذهبت المعتزلة إلى إنكار هداية الله سبحانه لخلقه وإضلاله لهم، وجعلوا الهدى من الله سبحانه على وجوه:\rالأول: البيان والدلالة.\rالثاني: زيادة التثبيت والتسديد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050792,"book_id":1102,"shamela_page_id":635,"part":"2","page_num":679,"sequence_num":635,"body":"الثالث: الثواب في الجنة (¬١).\rوجعلوا الإضلال من الله تعالى على وجوه:\rالأول: العقاب والصرف عن طريق الجنة.\rالثاني: ترك التوفيق والتسديد ومنع الألطاف.\rالثالث: إيقاع اسم الضلال والتسمية به والدعوة به (¬٢).\rوأنكروا أن يخلق الله سبحانه الهدى أو الضلال في قلوبهم، والإضلال عندهم من الله - على ما زعموه من معان - لا يكون إلا بعد استحقاق العقوبة.\rقال القاضي عبد الجبار: \"فنقول: إنه تعالى هدى الخلق بالأدلة والبيان، ويهدي من آمن بالثواب خاصة، ويهديهم أيضًا بالألطاف، ونقول: إنه يضل من استحق العقاب بالمعاقبة، وبأن يعدلهم عن طريق الجنة، وبأن لا يفعل بهم من الألطاف ما ينفعهم، ولا نقول: إنه يضل عن الدين بأن يخلق الضلال فيهم، ولا أنه يريده ولا أنه يدعوهم إليه لأن ذلك هو الذي يليق بالشيطان والفراعنة\" (¬٣).\rقال يحيَى بن الحُسين (¬٤): \"الهدى من الله ﷿ هديان: هدي مبتدأ، وهدي","footnotes":"(¬١) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\r(¬٢) ويذكرون عند تفسيرهم للضلال معاني أخرى لا ارتباط لها بالمراد هنا، كالجهل بالعاقبة والنسيان وإبطال العمل، انظر مثلًا: كتاب في معرفة الله (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٨٣).\r(¬٣) تنزيه القرآن عن المطاعن (٢٠).\r(¬٤) هو: يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسني العلوي الرسي المعتزلي، الملقب بالهادي إلى الحق، من أئمة الزيدية، ولد بالمدينة سنة (٢٢٠ هـ)، من كتبه: \"الجامع\"، و\"الأمالي\"، مات بصعدة (٢٩٨ هـ).\rانظر: الأعلام للزركلي (٨/ ١٤١)، ومعجم المؤلفين (٤/ ٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050793,"book_id":1102,"shamela_page_id":636,"part":"2","page_num":680,"sequence_num":636,"body":"مكافأة، فأما الهدي المبتدَأ؛ فقد هدى الله به البر والفاجر، وهو العقل والرسول والكتاب، فمن أنصف عقله وصدق رسوله وآمن بكتابه، وحلل حلاله وحرم حرامه؛ استوجب من الله الزيادة، والهدي الثاني: جزاء على عمله ومكافأة على فعله، كما قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].\rومن كابر عقله وكذب رسوله ورد كتابه؛ استوجب من الله الخذلان، وتركه من التوفيق والتسديد، وأضله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، وذلك قوله ﵎: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ عنى الهدى الثاني، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ يقول: ومن يرد أن يوقع اسم الضلال عليه - بعد أن استوجب بفعله القبيح -: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] \" (¬١).\rوقال مفسِّرًا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]: \"كما اتخذ إلهه هواه؛ أوقع عليه اسم الضلال وسماه به ودعاه - بعد أن اتخذ إلهه هواه - وختم على سمعه، وتركه من التوفيق والتسديد، وخذله ولم يؤيده ولم يسدده\" (¬٢).\rوقال بعد أن ذكر معاني الضلال: \"والوجه السادس: قوله سبحانه: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾","footnotes":"(¬١) كتاب في معرفة الله (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٨١).\r(¬٢) المصدر السابق (٢/ ٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050794,"book_id":1102,"shamela_page_id":637,"part":"2","page_num":681,"sequence_num":637,"body":"[النحل: ٩٣]، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، و ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].\rونحو هذا في القرآن كثير، يعني في جميع ذلك: أنه يوقع عليه اسم الضلال، ويدعوه به بعد العصيان والطغيان، لا أنه يغويهم عن الصراط المستقيم كما أغوى وأضل فرعونُ قومَه\" (¬١).\rوعندهم أن الله سبحانه إنما قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] \"خبرًا عن نفسه وإثباتًا له القدرة على كل شيء، لكي لا يظن جاهل أن الله عاجز عن أن يمنع الضُّلَّال من الضلالة، لأن في الناس متجاهلين كثيرًا. . . فأراد سبحانه أن يثبت الحجة لنفسه على الجهال الذين يقولون مثل هذه المقالة فيه\" (¬٢).\rوضلال المعتزلة في هذه المسألة مرتبط بضلالهم في مسائل أخرى، منها:\r- مسألة النعمة الدينية؛ فعندهم أنه ليس لله سبحانه على الطائع نعمة خاصة أعانه بها على الطاعة.\r- مسألة خلق الأفعال، فأفعال العباد غير مخلوقة لله عندهم، شرها ابتداءً وخيرها طردًا للباب، فما وقع من اهتداء من العبد أو ضلال فالله لم يخلقه، لأن كل خير في أفعال العباد فهو اهتداء، وكل شر فهو ضلال.\r- مسألة الحكمة، فالمعتزلة يثبتون حكمة منفصلة عنه سبحانه، وخلق الضلال عندهم مناف للحكمة؛ فهو لم يخلقه ولم يخلق نظيره من الهدى.","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (٢/ ٨٣ - ٨٤).\r(¬٢) الرد على المجبرة ليحيى بن الحسين (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050795,"book_id":1102,"shamela_page_id":638,"part":"2","page_num":682,"sequence_num":638,"body":"- مسألة الإرادة وانقسامها إلى شرعية وكونية؛ لذلك فإنهم جعلوا من أدلة نفي الإضلال من الله للعبد كونه لا يريد ما وقع من الضلال ولا يأمر به.\r- مسألة الحسن والقبح، وما تفرع عنها من مسائل الإيجاب على الله والصلاح والأصلح، وسيأتي الكلام عليها بعون الله.\rوقد استدلوا لمذهبهم بأدلة من القرآن والعقل.\rأولًا: أدلة القرآن:\rالأول: إضافته سبحانه الهدى والضلال إلى العبد نفسه، ومن ذلك:\rقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر: ٤١] (¬١).\rالثاني: الآيات في أن الضلال غير مأمور به، وإذا كان غير مأمور به فكيف يكون مخلوقًا، وما أعقب ذلك من إنكار الله سبحانه على الضُّلال من احتجاجهم بمشيئة الله لذلك، ومن ذلك:\rقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا","footnotes":"(¬١) انظر: متشابه القرآن (٢/ ٤٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050796,"book_id":1102,"shamela_page_id":639,"part":"2","page_num":683,"sequence_num":639,"body":"آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].\rالثالث: نفيه سبحانه أن يكون منه إضلال للعبد ابتداءً قبل بيان الحجة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]، فإذا فعل العبد القبيح استحق به الإضلال لا على معنى الخلق، لكن على ما تقدم من معنى.\rالرابع: إخباره سبحانه عن الضُّلال أنهم هم من بدل نعمته كفرًا وفعلوا الضلال ودعوا إليه، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧].\rالخامس: إخباره سبحانه أن الضلال والفحشاء والمنكر من الشيطان لا منه، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١].\rالسادس: إخباره سبحانه بقدرة العباد على المعاصي وفعلهم لها، وأن ذلك ليس منه ولا يريده، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٩، ٩٠].\rالسابع: إخباره سبحانه أن الشيطان وأهل الشر من الإنس والجن هم من يزين الضلال والمعاصي للعباد ويضلهم، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050797,"book_id":1102,"shamela_page_id":640,"part":"2","page_num":684,"sequence_num":640,"body":"لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤] (¬١).\rثانيًا: دليل العقل: أنه يلزم على القول بأن الله يهدي ويضل لوازم باطلة، منها:\r- أنه يلزم أن يستوي المطيع والعاصي، والطاعة والمعصية، إذ كلها من الله وبتقديره وشاءه وأحبه.\r- أنه يلزم إبطال الرسالة، إذ المهدي لا يقدر على الخروج من الهدى إذ خلقه الله فيه، والكافر كذلك لا يقدر على الخروج من الكفر، فيكون إرسال الرسل حينئذ عبثًا وظلمًا، إذ فيه إقامة الحجة عليهم مع كونهم غير قادرين على الهدى.\r- أنه يلزم أن يكون إبليس وليًّا لله؛ إذ جميع الفواحش التي يدعو إليها شاءها الله وخلقها (¬٢).\rوالجواب عما استدلوا به من القرآن:\rأما الدليل الأول؛ فلا ريب أن الله سبحانه أضاف الضلال إلى العبد، وأنه هو الفاعل له، لكن هذا لا ينفي أن يكون الله سبحانه خالقه، فهو من الله خلقًا ومن العبد فعلًا واكتسابًا وتسبُّبًا.","footnotes":"(¬١) الأدلة من الثاني إلى السابع استدل بها يحيى بن الحسين في كتابه الرد على المجبرة (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٣٩ - ٥٣)، وهي أبرز ما استدل به.\r(¬٢) انظر: الرد على المجبرة (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٥٤ - ٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050798,"book_id":1102,"shamela_page_id":641,"part":"2","page_num":685,"sequence_num":641,"body":"وأما الدليل الثاني؛ فهو مبني على التسوية بين المشيئة والمحبة، وهذا باطل كما تقدم (¬١)، فالضلال لم يأمر به الله سبحانه ولم يحبه، لكنه شاءه وخلقه، فهو مخلوق لله سبحانه مراد إرادة كونية غير مراد الإرادة الشرعية.\rوأما الدليل الثالث؛ فلا حجة لهم فيه؛ إذ أن انتفاء ابتداء الله سبحانه للعبد بالضلال لا يعني أن لا يضله، بل إنما يدل على أن الإضلال من الله سبحانه لا يكون إلا بعد فعل العبد لموجب الإضلال.\rوما ذكروه من قول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] يدل على هذا، فإنه تضمن إثبات إضلال الله سبحانه للعبد؛ فإن \"حتى\" للغاية، فإذا وجدت الغاية حصل الإضلال.\rوأما ما ذكروه من كون الإضلال لا على معنى الخلق؛ فدعوى باطلة، ثم هو استدلال بموضع النزاع.\rوأما الدليل الرابع؛ فالضلال والدعوة إليه فعل العبد واكتسابه لا شك في ذلك، لكن هذا لا ينفي أن يكون مخلوقًا لله سبحانه كما تقدم.\rوأما الدليل الخامس؛ فصحيح الدلالة على أن الضلال والفحشاء والمنكر من الشيطان دعوةً ومحبةً لا منه سبحانه، فالله سبحانه لا يحب الضلال ولا يدعو إليه، لكن هذا لا يعارض أنه من الله خلقًا وتقديرًا لما اقتضته حكمته سبحانه.\rوأما الدليل السادس؛ فهو يدل على أن العبد فاعل للضلال كاسب له، وهذا صحيح، لكن لا يدل على أنه غير مخلوق له سبحانه، فجميع أفعال العباد خلق لله سبحانه وفعل للعباد واكتساب.","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٥٣٧) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050799,"book_id":1102,"shamela_page_id":642,"part":"2","page_num":686,"sequence_num":642,"body":"وأما الدليل السابع؛ فيدل على ما ذكروه، لكن لا يدل على أن الله سبحانه لا يهدي ولا يضل، فتزيين الضلال والدعوة إليه وفعله واكتسابه شيء، وخلقه شيء آخر.\rوأما الدليل العقلي، فهو إلزامات تدور على لزوم الجبر من إثبات هداية الله وإضلاله، وهذا إنما يلزم الجبرية النافين لقدرة العبد ومشيئته، وأما من يثبت للعبد قدرة ومشيئة يفعل بهما - وهما سببان من أسباب وجود الفعل -؛ فلا يتوجه عليه هذا الإلزام، فالله سبحانه يهدي فضلًا منه سبحانه، ثم العبد يتسبب في الهداية بعد ذلك إلى أنواع الطاعات، وهو سبحانه يضل عبده لاستحقاقه الإضلال، والعبد يضل بسبب تركه الهدى.\rثم إن إضلال الله سبحانه للعبد ليس ظلمًا بل هو عدل وحكمة - كما تقدم - (¬١).\rوأما ما زعموه من أن الإضلال هو الخذلان وترك التسديد والإعانة ومنع الألطاف؛ فهو معنى صحيح، فمن أضله الله سبحانه فإنه قد خذله ومنع عنه الإعانة ولم يسدده، لكن الإضلال مشتمل - مع هذا - على معنى زائد، وهو خلقه سبحانه الضلال في القلب.\rوأما دعواهم أن معنى إضلال الله سبحانه لعبده: تسميته ضالًّا أو دعوته بالضلال ونحو ذلك فباطل مخالف للشرع واللغة.\rأما الشرع فتقدم، وأما اللغة فليس فيها أضله بمعنى وجده ضالًّا أو سماه ضالًّا ونحوه.","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٦٧٣ - ٦٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050800,"book_id":1102,"shamela_page_id":643,"part":"2","page_num":687,"sequence_num":643,"body":"قال ابن القيم ﵀: \"والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه، وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على غير تأويله، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه وعدم إرادة المتكلم له، كقول بعضهم: المراد من ذلك تسمية الله العبد مهتديًا وضالًّا، فجعلوا هداه وإضلاله مجرد تسمية العبد بذلك، وهذا مما يعلم قطعًا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه، وأنت إذا تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة، وليس في لغة أمة من الأمم - فضلًا عن أفصح اللغات وأكملها - هداه بمعنى سماه مهتديًا، وأضله سماه ضالًّا، وهل يصح أن يقال: علَّمه إذا سماه عالمًا وفهَّمه إذا سماه فهمًا. . . وهذا من جناية القدرية على القرآن ومعناه\" (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050801,"book_id":1102,"shamela_page_id":644,"part":"2","page_num":689,"sequence_num":644,"body":"المبحث السابع: \"لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050802,"book_id":1102,"shamela_page_id":645,"part":"2","page_num":691,"sequence_num":645,"body":"المبحث السابع: \"لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصَّه بها دون غيره، أعانه بها على الطاعة\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال الإمام ابن قتيبة ﵀: \"وعدل القول في القدر أن تعلم. . . وأن لله لطيفة يبتدئ بها من أراد، ويتفضل بها على من أحب، ويوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقت عليه كلمته\" (¬١).\rوقال الأشعري ﵀ في \"الإبانة\": \"الله ﷿ اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد بما لم يعط الكافرين وفضل عليهم المؤمنين\" (¬٢).\rوقال الآجري ﵀: \"أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فلن يهتدوا إذا أبدًا\" (¬٣).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"فإنهم [أي: أهل السنة] متفقون على أن لله","footnotes":"(¬١) الاختلاف في اللفظ (٣٥ - ٣٦).\r(¬٢) الإبانة (٥٣).\r(¬٣) الشريعة (٢/ ٧٠٠ - ٧٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050803,"book_id":1102,"shamela_page_id":646,"part":"2","page_num":692,"sequence_num":646,"body":"على عبده المطيع المؤمن نعمة دينية خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر\" (¬١).\rوقال ﵀: \"ولأجل هذا اتفق أهل السنة المثبتون للقدر على أن الله خص المؤمنين بنعمة دون الكافرين، بأن هداهم للإيمان\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"والله سبحانه قد أنعم على المؤمنين بالإعانة والهداية؛ فإنه بيَّن لهم هداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وأعانهم على اتباع ذلك علمًا وعملًا\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) منهاج السنة (٣/ ٤٣ - ٤٤).\r(¬٢) المصدر السابق (٣/ ١١٨).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050804,"book_id":1102,"shamela_page_id":647,"part":"2","page_num":693,"sequence_num":647,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل.\rفمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧، ٨].\rوقوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].\rوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١].\rوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].\rوقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].\rوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\rوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].\rوقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].\rوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050805,"book_id":1102,"shamela_page_id":648,"part":"2","page_num":694,"sequence_num":648,"body":"ومن أدلة السنة: حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كان النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى الترابُ بياضَ بطنه يقول: (لولا أنت ما اهتدينا، نحن ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزِلن سكينةً علينا، إن الأُلى - وربما قال: المَلَا - قد بَغوا علينا، إذا أرادوا فتنةً أبَيْنا أبَيْنا) - يرفع بها صوته - (¬١).\rوحديث أبي هريرة ﵁ قال: دعا رجلٌ من الأنصار من أهل قُباء النبيَّ ﷺ فانطلقنا معه، فلما طَعِم وغسل يديه - أو قال: يده - قال: (الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطعَم، مَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودع ولا مكافي ولا مكفور ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكَسَا من العُريِّ، وهدى من الضلالة، وبصر من العماية، وفضَّل على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين) (¬٢).\rوقول كعب بن مالك ﵁ كما في حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا: \"فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب التمني، باب قول الرجل: لولا الله ما اهتدينا (٩/ ٨٤) ح (٧٢٣٦).\r(¬٢) رواه النسائي في الكبرى (٩/ ١٢٠) ح (١٠٠٦٠)، وابن حبان: كتاب الأطعمة، باب آداب الأكل (١٢/ ٢٣) ح (٥٢١٩)، والحاكم (١/ ٥٤٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، وحسنه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان (٥١٩٦).\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك (٦/ ٣) ح (٤٤١٨)، ومسلم: كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (٤/ ٢١٢٠) ح (٢٧٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050806,"book_id":1102,"shamela_page_id":649,"part":"2","page_num":695,"sequence_num":649,"body":"والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، وبالجملة؛ فكل آية تدل على هداية التوفيق فهي دليل على هذه المسألة.\rقال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن ذكر أصول عدة في القدر منها هذه المسألة -: \"ونصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة - المبينة لهذه الأصول - كثيرة\" (¬١).\rوأما الإجماع؛ فحكاه شيخ الإسلام ﵀ كما تقدم النقل عنه (¬٢).\rوأما العقل؛ فلأنه إذا لم يكن لله سبحانه على المطيع نعمة اختصه بها وأعانه؛ للزم ترجيح أحد المثلين على الآخر بغير مرجح، وحدوث الحوادث بلا سبب حادث، إذ لو كان حال العبد قبل أن يفعل كحاله حين الفعل سواء لا مزية لأحد الحالين على الآخر؛ فما الذي رجح وجود الفعل منه على عدمه؟ فتخصيص هذه الحال بكونه فاعلًا فيها دون الأخرى ترجيحًا لأحد المتماثلين بدون مرجح، فلا بد إذن من مرجح يرجح الفعل، وهو إعانة الله سبحانه (¬٣).\rقال ابن القيم ﵀ في رده على من ينكر هذه المسألة: \"وكفى بالوحي، وصريح المعقول، وفطرة الله، والاعتبار الصحيح، وإجماع الأمة ردًّا لهذا القول وتكذيبًا له\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥١ - ٤٥٢)، وانظر: (٣/ ٢٦٤) منه.\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٦٩١ - ٦٩٢).\r(¬٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ١١٧ - ١١٨).\r(¬٤) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050807,"book_id":1102,"shamela_page_id":650,"part":"2","page_num":696,"sequence_num":650,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rهذه القاعدة هي توضيح وتفصيل للقاعدة السابقة، وتختص ببيان كون الهداية حصلت بإعانة الله سبحانه للمطيع وإنعامه عليه، وببيان كون الضلال حصل لعدم الإنعام.\rوالنعمة نعمتان: نعمة عامة، يشترك فيها المؤمن وغيره، وهي نعمة الرزق والمسكن ونحوها من النعم الدنيوية.\rونعمة الفطرة السليمة المقتضية للحق، ونعمة الهداية العامة وهداية البيان (¬١).\rوثمة نعمة خاصة، وهي نعمته سبحانه على المؤمنين بالعلوم النافعة والإرادات الصالحة، وهي نعمة دينية، ينال خيرها المؤمن في الدنيا والآخرة.\rوفي هذه القاعدة مسألتان:\rالأولى: معنى النعمة الدينية وحقيقتها وخصائصها.\rالثانية: الفرق بينها وبين هداية التوفيق.\r\rالمسألة الأولى: معنى النعمة الدينية وحقيقتها وخصائصها.\rالنعمة الدينية هي فضلٌ يتفضل الله سبحانه به على من شاء من عباده يهتدي به إلى الأعمال الصالحة، حكمةً منه سبحانه وعلمًا، وهي من التوفيق الذي يوفق الله به عبده للقيام بالمأمور وترك المحظور.\rوحقيقتها: أن الله سبحانه يخلق في قلوب العباد محبة الخير وإرادته وإيثاره على ضده، ويزيل الموانع التي تحول دون حصوله.","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050808,"book_id":1102,"shamela_page_id":651,"part":"2","page_num":697,"sequence_num":651,"body":"وذلك أنه ليس للعبد من نفسه قدرة على الهداية إلا أن يقدره الله سبحانه، هو قادر عليها القدرة المصححة التي هي مناط تكليفه بها، لكنه غير قادر عليها القدرة الموجبة، فلا يتمكن من فعلها إلا بمعونة من الله ﷾، فإن أعانه وفق للهدى ووجد منه، وإلا فإنه يبقى على الضلال.\rخصائصها:\rلهذه النعمة الدينية خصائص تميزها عن غيرها من النعم، ومنها:\rأولًا: أنها خاصة بالمؤمن دون غيره، فلا يوفق لها من ليس من أهل الإيمان.\rوهذه النعمة تكون بالتوفيق للقيام بالمأمور، وبالتوفيق لترك المحظور، وهذا شامل لأصل الإيمان وشعبه؛ فقد يجتمع في الرجل الواحد توفيق من جهة، وخذلان من جهة أخرى؛ فالفاسق الملِّي منعم عليه بأصل الإيمان وبما قام به من أعمال صالحة، وغير منعم عليه فيما تركه من مأمور أو فعله من محظور، والطائع منعم عليه بما هو أكثر من ذلك.\rوهذا التقرير على أصل أهل السنة أنه قد يجتمع في الرجل الواحد موجب الثواب وموجب العقاب (¬١)، إذ النعمة بالتوفيق للعمل هي التي أوجبت الثواب، وخلافها أوجب العقاب.\rبل المؤمن الطائع نفسه يوفق لشيء من البر ويعان عليه، ولا يوفق لشيء آخر ولا يعان عليه، بل لا يمكن أن يوفق لكل خير إذ هذا ليس في مقدور العباد، كما قال ﷺ: (استقيموا ولن تحصوا) (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٩).\r(¬٢) رواه أحمد (٣٧/ ٦٠ و ١١٠) ح (٢٢٣٧٨ و ٢٢٤٣٦)، وابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050809,"book_id":1102,"shamela_page_id":652,"part":"2","page_num":698,"sequence_num":652,"body":"وقال ابن عبد البر ﵀: \"فإنكم لن تطيقوا الإحاطة في أعمال البر كلها، ولا بد للمخلوقين من ملال وتقصير في الأعمال\" (¬١).\rقال ابن رجب ﵀: \"لن تقدروا على الاستقامة كلها\" (¬٢).\rومما يدل على خصوصيتها بالمؤمن أنه لو كان هو والكافر في وجودها سواء لكانا جميعًا مؤمنين (¬٣)، ولو كانا في عدمها سواء لكانا جميعًا كافرين، إذ لا مزية حينئذ ترجح الطاعة على سواها عند المؤمن، وقد عُلم أنها وقعت منه؛ فيلزم حينئذ أنها ترجحت على مثيلتها بغير مرجح، وهذا ممتنع كما تقدم (¬٤)، ويتضح هذا أكثر بما يأتي:\rثانيًا: أن هذه النعمة الدينية هي التي أوجبت القيام بالأمر وترك النهي، إذ أن العبد ليس له من نفسه - كما تقدم - قدرةٌ موجبةٌ للقيام بذلك، بل لا يستطيعه إلا بإعانة وتسديد، وهذه الإعانة هي حقيقة هذه النعمة لله على العبد، فإذا كان حصولها شرطًا في الطاعة لزم أن لا تحصل إلا بوجودها، إذ حصول المشروط متوقف على حصول شرطه (¬٥)، فإذا وجدت الإعانة وجدت الطاعة، وإذا عدمت عدمت.","footnotes":"= باب المحافظة على الوضوء (١/ ٢٥٢) ح (٢٧٧) من حديث ثوبان ﵁، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (١٩٧)، وانظر: وإرواء الغليل (٣/ ١٣٥).\r(¬١) الاستذكار (٢/ ٢١٤).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (١٨١).\r(¬٣) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٤٠٤)، ومنهاج السنة (٥/ ٣٠٦).\r(¬٤) انظر ما تقدم ص (٦٩٥).\r(¬٥) انظر: الموافقات للشاطبي (١/ ٤١٥ - ٤١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050810,"book_id":1102,"shamela_page_id":653,"part":"2","page_num":699,"sequence_num":653,"body":"وهذا كما تقدم تقريره آنفًا؛ فإن النعمة لو عدمت في المؤمن لَلَزِم أن الطاعة ترجحت على المعصية بغير مرجح، وهذا ممتنع.\rثالثًا: أن هذه النعمة محض فضل الله سبحانه على العبد ولطفه به؛ فليس للعبد عند الله عهد أو حق بأن ينعم عليه بها، بل هو سبحانه يختص بها من شاء فضلًا وجودًا وتكرُّمًا منه ﷿.\rوهذا الاختصاص مبني على علمه سبحانه بمن يصلح لهذا الفضل ممن لا يصلح، وحكمته سبحانه التي تقتضي وضع الشيء في موضعه اللائق به.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"بل إعانته على الطاعة لمن أمره بها فضلٌ منه كسائر النعم، وهو يختص برحمته من يشاء\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين: حبه وحسنه الداعي إلى حبه، وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان، وأن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم، بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده، فجاد عليهم به فضلًا منه ونعمةً، والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح، حكيم بجعله في مواضعه\" (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) منهاج السنة (٥/ ٣١٢).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٢١٢).\r(¬٣) وهنا تذكر مسألة لها نوع تعلق بهذه القاعدة، وهي هل لله سبحانه على الكافر نعمة دنيوية، أم ليس له على اعتبار أن هذه النعم في حقه نقم؛ لأنه سيحاسب عليها وستكون سببًا في عذابه؟ والصواب أنها نعم في حقه كما دل عليه النصوص، ولأنها لو لم تكن نعمًا لما وجب عليهم شكر الله، وهذا باطل ضرورةً. انظر هذه المسألة في: جامع الرسائل (٢/ ٣٤٣ وما بعدها). =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050811,"book_id":1102,"shamela_page_id":654,"part":"2","page_num":700,"sequence_num":654,"body":"المسألة الثانية: الفرق بينها وبين هداية التوفيق.\rإذا تبين معنى النعمة الدينية على المؤمن؛ فما الفرق بينها وبين هداية التوفيق؟\rوالجواب أن هذه النعمة هي من هداية التوفيق، وهي سبب لهداية التوفيق.\rفالله سبحانه إذا أراد هداية عبد فإنه يعينه؛ فيحبَّب إليه الهدى والإيمان، ويكرِّه إليه خلافه من الضلال والكفر، وهذه هي النعمة الدينية، ثم يجعل سبحانه هذا منه سببًا يخلق به في قلبه القدرة والإرادة والهدى، ويزال عنه موانع الهداية، ويقام له موانع الضلال، فيهتدي العبد إلى الحق والصواب.\rفبنعمة الله سبحانه أحب الحق وأراده وكره خلافه، وبنعمته سبحانه هدي إلى الحق هداية التوفيق.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وإلهامهم الإيمان وهدايتهم إليه، وتخصيصهم بمزيد نعمة حصل لهم بها الإيمان دون الكافرين؛ هو من نعمته\" (¬١).\rوإذا كانت هذه النعمة الدينية هي سبب الهداية للمؤمن؛ فعدمها هو سبب ضلال الكافر، إذ لو أنعم الله عليه بهذه النعمة لاهتدى.\rومنعه سبحانه الكافر هذه النعمة ليس ظلمًا للكافر، لأنه لم يمنعه ما هو حق له، بل منعه فضله، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].","footnotes":"= وكونها نعمةً في حقه لا ينافي كونها نقمة، فهي نعمة باعتبار أصلها وحصول الالتذاذ العاجل بها، وهي نقمة باعتبار عاقبتها ومآلها، والله أعلم.\r(¬١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٠ - ٢٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050812,"book_id":1102,"shamela_page_id":655,"part":"2","page_num":701,"sequence_num":655,"body":"وهذا السؤال يتكرر في كل مسألة تتعلق بالهدى والضلال، وقد سبق الكلام عليه فيما مضى (¬١).\rوالحاصل أن الله سبحانه اختص العبد المطيع دون غيره بنعمة أعانه بها على الطاعة والهداية إعانة لم يعن بها غيره، وهذه الإعانة هي محض فضله سبحانه لا استحقاق للعبد فيها، راجعة إلى علمه وحكمته، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٦٧٣ - ٦٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050813,"book_id":1102,"shamela_page_id":656,"part":"2","page_num":702,"sequence_num":656,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rيخالف أهلَ السنة في هذه القاعدة القدريةُ المعتزلة، فإنهم ذهبوا - بناءً على أصلهم في الهدى والضلال - إلى أن المؤمن والكافر سواء في إنعام الله سبحانه عليهما النعمة الدينية، وهي ما بينه من أدلة الشرع والعقل وما خلقه من القدرة والألطاف، والمؤمن اهتدى بنفسه بغير نعمة أخرى خاصة من الله، والكافر ضل بنفسه من غير خذلان يخصه من الله سبحانه (¬١).\rقال يحيى بن الحسين: \"أما معنى تحبيب الله ﷿ إلى العباد الإيمان وتكريهه للكفر والفسوق والعصيان؛ فهو بما جعل وحكم لمن آمن واتقى من الجنان والنعيم والجزاء والإحسان، وبما كان يريهم ويشرعه لديهم من نصر المؤمنين والإظهار لحجتهم والإعزاز لدينهم، والتكريه منه لما ذكر، فهو بما أوجب على فاعل ذلك من العقوبات في الآخرة بالنيران، وفي الدنيا بالقتل والسبي والذل والخذلان، فلما جعل ما جعل من الثواب للمؤمنين، وما أعد وحكم بما حكم به من العقاب على الكافرين؛ رغب الراغبون في الثواب وأوجبوا له الإيمان وآمنوا، وهاب واتقى وخاف العقاب الخائفون، فاتقوا الله وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان لخوف العقاب فاهتدوا، وزهد أهل الكفر في كفرهم لما يرون من ذلهم وصغارهم وظهور الحق والمحقين واعتلائهم، فتركوا الفسق ودخلوا في الحق، فهذا إن شاء الله معنى ما ذَكر من ذلك العليُّ الأعلى\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: جامع الرسائل (٢/ ٣٤٣).\r(¬٢) كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية (ضمن رسائل العدل والتوحيد) (٢/ ٢٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050814,"book_id":1102,"shamela_page_id":657,"part":"2","page_num":703,"sequence_num":657,"body":"وقال القاضي عبد الجبار في تفسيرها: \"لأن ذلك يدل على أن الإيمان من نعمة الله تعالى، من حيث ألطف لنا وسهل سبيلنا إلى فعله\" (¬١).\rوقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]: \"التوفيق من فعل الله في الحقيقة، وهو ما يفعله مما يدعو العبد إلى العبادة، كخلق الولد والغنى وما شاكله\" (¬٢).\rوقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]: \"ومعنى تحبيب الله وتكريهه: اللطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكناية كما سبق، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله، وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثني عليهم بفعل الله\" (¬٣).\rفيتضح من هذه النقول أن المعتزلة يرون أن الله سبحانه أقدر المؤمن والعاصي على الفعل والترك على السوية، ولم يجعل للمؤمن مزية في ذلك على العاصي، وتأولوا ما ورد من تحبيب الإيمان وتزيينه بالدعوة إليه، أو الإقدار عليه، أو بالثواب عليه.\rوقولهم هنا مبني على ما ذهبوا إليه من أن الله سبحانه لا يهدي ولا يضل، وشبههم هناك هي شبههم هنا، والله أعلم.\rومما يبين بطلان إنكار المعتزلة للنعمة الخاصة بالطائع ما تقدم من أنه يلزم","footnotes":"(¬١) تنزيه القرآن عن المطاعن (٣٩٦).\r(¬٢) تنزيه القرآن عن المطاعن (١٨٤).\r(¬٣) الكشاف (٥/ ٥٦٨ - ٥٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050815,"book_id":1102,"shamela_page_id":658,"part":"2","page_num":704,"sequence_num":658,"body":"من ذلك الترجيح بغير مرجح، لأنه لو كان حال العبد قبل الفعل كحاله حين الفعل سواء؛ فلا مرجح إذن رجح وجود الفعل منه على عدمه.\rفلا بد إذن من مرجح يرجح الفعل على ضده، وهو إعانة الله سبحانه (¬١).\rويقال لهم أيضًا: قد أثبت الله سبحانه في آيات كثيرة أنه لولا نعمته ورحمته وفضله لما وقعت الطاعة من العبد، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]، فإما أن يقولوا بمقتضى هذه الآيات، وأن الله سبحانه ابتدأ المؤمنين بنعمة خصهم بها عن الكافرين، فيخرجوا من قولهم ويوافقوا أهل السنة، وإما أن يقولوا بشمول هذه النعمة للكفار، وهذا باطل إذ يلزم عليه أن يكونوا مؤمنين طائعين، وهذا غير واقع (¬٢).\rوإثبات المعتزلة للألطاف ليس فيه موافقة لأهل السنة في هذه المسألة، ويتضح ذلك ببيان الفرق بينهما.\rإذ اللطف عند المعتزلة هو: \"كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار أو إلى ترك القبيح\" (¬٣)، فهو: \"زيادة في تمكين المكلف أو إزاحة علته\" (¬٤).\rفاللطف عندهم راجع إلى الإقدار والتمكين فحسب، بل عندهم أنه","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٦٩٥).\r(¬٢) انظر: الإبانة للأشعري (٥٢ - ٥٣).\r(¬٣) شرح الأصول الخمسة (٥١٩).\r(¬٤) المصدر السابق (٥٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050816,"book_id":1102,"shamela_page_id":659,"part":"2","page_num":705,"sequence_num":659,"body":"يجب على الله سبحانه أن يلطف لكل من كلفه، ولا مزية في هذا لأحد على أحد، وبعد هذا اللطف؛ من المكلفين من يؤمن، ومنهم من يكفر، وأما النعمة الدينية فهي أمر زائد عن ذلك، فهي خلق اختيار الطاعة في قلب العبد ومحبتها وإيثارها على ضدها، وهي التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].\rواللطف الخاص بالمؤمنين عندهم من قبيل الثواب على الطاعة لا أنه الحامل عليها، إذ هو بعد الطاعة، وهو التسديد والتثبيت ونحو ذلك من المعاني، ويتضح هذا في قول القاضي عبد الجبار: \"فنقول: إنه تعالى هدى الخلق بالأدلة والبيان، ويهدي من آمن بالثواب خاصة، ويهديهم أيضًا بالألطاف، ونقول: إنه يضل من استحق العقاب بالمعاقبة، وبأن يعدلهم عن طريق الجنة، وبأن لا يفعل بهم من الألطاف ما ينفعهم\" (¬١).\rوأما النعمة الدينية فهي الحامل على الطاعة، وليست هي ثوابها، ولكن قد تكون الطاعة الأولى سببًا في نعمة تحمل على طاعة أخرى، وهكذا.\rومما يبطل قولهم كذلك: ما تقدم من أدلة على ثبوت نعمة دينية خاصة بالمؤمن، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) تنزيه القرآن عن المطاعن (٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050817,"book_id":1102,"shamela_page_id":660,"part":"2","page_num":707,"sequence_num":660,"body":"المبحث الثامن: \"لا حجة للعبد في القدر على معاصيه\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050818,"book_id":1102,"shamela_page_id":661,"part":"2","page_num":709,"sequence_num":661,"body":"المبحث الثامن: \"لا حجة للعبد في القدر على معاصيه\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال الربيع بن أنس ﵀: \"لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده\" (¬١).\rومثله عن الضحاك ﵀ (¬٢).\rوقال الآجري ﵀: \"وليس لأحد على الله ﷿ حجة، بل لله الحجة على خلقه\" (¬٣).\rوقال ابن بطة ﵀: \"فمن هداه بطَول منه اهتدى، ومن خذله ضل بلا حجة له ولا عذر\" (¬٤).\rوقال الصابوني ﵀: \"ويشهدون [أي: أهل السنة والجماعة] أن الله تعالى","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير (٩/ ٦٥٣).\r(¬٢) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٥).\r(¬٣) الشريعة (٢/ ٦٩٩).\r(¬٤) الإبانة (١/ ٢٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050819,"book_id":1102,"shamela_page_id":662,"part":"2","page_num":710,"sequence_num":662,"body":"يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"فإن القدر ليس حجة لأحد لا على الله ولا على خلقه\" (¬٢).\rوقال ﵀: \"لا عذر لأحد بالقدر، بل القدر يؤمن به وليس لأحد أن يحتج على الله بالقدر، بل لله الحجة البالغة، ومن احتج بالقدر على ركوب المعاصي فحجته داحضة ومن اعتذر به فعذره غير مقبول\" (¬٣).\rوقال ابن القيم ﵀: \"والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) عقيدة السلف أصحاب الحديث (٨٦).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١١٤).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٤٣)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٨٩)، ومنهاج السنة (٣/ ٢٦).\r(¬٤) شفاء العليل (١/ ٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050820,"book_id":1102,"shamela_page_id":663,"part":"2","page_num":711,"sequence_num":663,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.\rأما الكتاب، فمنه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَاقُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].\rوقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].\rوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧].\rوأما السنة؛ فمنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة؟ قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدر الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى ثلاثًا) (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب تحاج آدم وموسى عند الله (٨/ ١٢٦) ح (٦٦١٤)، ومسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٢) ح (٢٦٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050821,"book_id":1102,"shamela_page_id":664,"part":"2","page_num":712,"sequence_num":664,"body":"وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) (¬١).\rوأما الإجماع؛ فممن حكاه:\r- ابن عبد البر، قال ﵀: \"وقد أجمع العلماء على أنه غير جائز لأحد أن يجعله [أي القدر] حجة إذا أتى ما نهاه الله عنه، وحرمه عليه\" (¬٢).\r- شيخ الإسلام، قال ﵀: \"وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين وسائر أهل الملل وسائر العقلاء\" (¬٣).\rوقال ﵀: \"وسلف الأمة وأئمتها متفقون أيضًا على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به منهيون عما نهاهم الله عنه. . . ومتفقون أنه لا حجة لأحد على الله في واجب تركه ولا محرم فعله بل لله الحجة البالغة على عباده\" (¬٤).\rوأما العقل؛ فإنه لو كان القدر عذرًا للخلق في فعل المحظور وترك المأمور؛ للزم أن لا يُلام أحدٌ على إساءة، ولا يذم ولا يعاقب لا في الدنيا ولا في الآخرة، وللزم أن يمكن الناس من فعل ما يشتهون مطلقًا، وهذا معلوم الفساد ببدائه العقول، ولا يتصور أن تقوم عليه مصلحة أحد لا في الدنيا ولا","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله (٤/ ٢٠٥٢) ح (٢٦٦٤).\r(¬٢) الاستذكار (٢٦/ ٨٨).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩).\r(¬٤) المصدر السابق (٨/ ٤٥٢)، وانظر: (٨/ ٤٦٦) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050822,"book_id":1102,"shamela_page_id":665,"part":"2","page_num":713,"sequence_num":665,"body":"في الآخرة، بل هو موجب الفساد العام (¬١).\rوالأمة مجمعة على جواز لوم من أتى ما يلام عليه من المعاصي وذمه على ذلك، كما أنهم مجمعون على حمد من أتى من الأمور المحمودة ما يحمد عليه (¬٢).\rقال شيخ الإسلام ﵀: - مدَلِّلًا بالإجماع والعقل على بطلان الاحتجاج بالقدر -:\r\"والاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين\" (¬٣).\rومثله قول مرعي الكرمي ﵀: \"والاحتجاج بالقدر على فعل الذنوب والمعاصي باطلٌ باتفاق أهل الملل وذوي العقول، وهو مما يعلم بطلانه بضرورة العقل\" (¬٤).\rوأما الفطرة؛ فلأن الناس مفطورون على جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولا بد لهم من التآمر على تحصيل منافعهم ودفع مضارهم، ولا يتأتى هذا إذا مُكِّن كل واحد من أن يفعل ما يشاء من المفاسد ويحتج بالقدر، لأن قبول هذه الحجة من المفسد يوجب الفساد الذي لا صلاح معه، وهذا مردود في فطر جميع الناس (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٤).\r(¬٢) انظر: الاستذكار (٢٦/ ٨٨).\r(¬٣) منهاج السنة (٣/ ٥٥).\r(¬٤) رفع الشبهة والغرر (٣٢).\r(¬٥) انظر: منهاج السنة (٣/ ٨٣ - ٨٤)، رفع الشبهة والغرر (٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050823,"book_id":1102,"shamela_page_id":666,"part":"2","page_num":714,"sequence_num":666,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rتضمنت هذه القاعدة أصلًا عظيمًا من أصول الإيمان، وهو أنه لا حجة لأحد على الله ﷾، بل لله سبحانه الحجة البالغة على عباده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].\rوالاحتجاج في اللغة: مصدر احتج يحتج، وهو استفعال من الحجّ، والحجُّ في الأصل القصد، وله معان منها الحجة: الدليل والبرهان، وما دُوفع به الخصم، أو الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، سميت بذلك لأنها تحج، أي تقصد إذ القصد لها وإليها (¬١).\rوالمراد بالاحتجاج بالقدر: جعله حجة لفعل أو ترك.\rوالاحتجاج هنا ليس مقصورًا على الخصم الخارجي، بل حتى على النفس، فإن النفس اللوامة، تلوم صاحبها على فعل المعصية، فهي مخاصمة له في ذلك.\rوالاحتجاج بالقدر إما أن يكون على معصية، أو على طاعة، أو على مصيبة، والاحتجاج به على المعاصي هو محل البحث هنا.\rودخول المعاصي في جملة ما قدَّره الله ﷿ على العباد أمر مجمع عليه عند مثبتة القدر، وقد دل على ذلك جملة كبيرة من الأدلة الشرعية والعقلية.\rودل على ذلك أيضًا جملة صالحة من كلام أئمة السلف رضوان الله عليهم، من ذلك:","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٣٩٠)، ولسان العرب (٣/ ٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050824,"book_id":1102,"shamela_page_id":667,"part":"2","page_num":715,"sequence_num":667,"body":"قال عبد الرحمن بن مهدي: \"المعاصي بقدر\" (¬١).\rوقال الإمام أحمد ﵀: \"الخير والشر بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وأفاعيل العباد كلها بقدر\" (١).\rوالاحتجاج بالقدر على المعاصي يتناول معنيين:\rالأول: الاحتجاج به عليها بما يضاد الشرع.\rالثاني: الاحتجاج به عليها بما لا ينافي الشرع.\rأما الاحتجاج به عليها بما يضاد الشرع، فهو المتبادر من المعنى، سواء عند أهل السنة أو عند خصومهم.\rوصورة هذا الاحتجاج هي أن يرتكب العبد المخالفة، ثم يعتذر ويحتج على من ينكر ذلك عليه بسبق المقادير، وأنه لا حيلة في دفع القدر، قصدًا منه لرفع اللوم والعقوبة عن نفسه.\rوهذا النوع من الاحتجاج محرم لا يجوز، وهو باطل بالشرع والعقل من وجوه كثيرة:\rأما الشرع، فقد ردَّ اللهُ سبحانه هذه الشبهة على أصحابها، من ذلك قوله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩].\rوهذه الآية أصل عظيم في الاستدلال على بطلان الاحتجاج بالقدر على","footnotes":"(¬١) السنة للخلال (٣/ ٥٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050825,"book_id":1102,"shamela_page_id":668,"part":"2","page_num":716,"sequence_num":668,"body":"المعاصي، وهي فيصل بين أهل السنة والقدرية.\rقال ابن عباس ﵄: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ حتى بلغ: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، والعجز والكيس من القدر\" (¬١).\rوقال علي بن زيد ﵀: \"انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (¬٢).\rأخبر سبحانه في هذه الآية أولًا أنها حجة المشركين، وكفى بها قبحًا ودحضًا أنها حجة المشركين، ثم ساق هذه الشبهة، ومفادها: \"أن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك\" (¬٣).\rفما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى، وكل ما تعلقت به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عنده ﷿؛ فينتج أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم مشروع ومرضي عند الله تعالى (¬٤).\rثم شرع في ردها بأن هذه الحجة هي عين حجة الأقوام السابقة من الكفار التي ضلوا بسببها، وهي لم تنفعهم لأنهم عوقبوا، إذ لو نفعتهم لما عوقبوا.","footnotes":"(¬١) رواه عبد الرزاق (١١/ ١١٤) رقم (٢٠٠٧٣)، والحاكم (٢/ ٣١٧) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\r(¬٢) انظر: الدر المنثور (٦/ ٢٥٠).\r(¬٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٤).\r(¬٤) انظر: روح المعاني (٨/ ٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050826,"book_id":1102,"shamela_page_id":669,"part":"2","page_num":717,"sequence_num":669,"body":"ثم أخبر سبحانه أنه ليس لهم علم بنَوا مقالتهم عليه، بل كانت ثمرة اتباع الظن والخرص والكذب على الله، النابع عن اتباع الهوى.\rثم أعقب سبحانه ذلك بالحجة الدامغة عليهم، التي لا مناص لهم عنها، وهي أن هداية من هَدى، وإضلال من أضل إنما هو عن حكمة بالغة، إليها ترجع مشيئته في ذلك (¬١).\rوتسويتهم بين رضا الله سبحانه ومشيئته باطل، إذ قد يشاء الله سبحانه ما لا يحبه ويرضاه، كما شاء خلق الكفر والفسوق وهو لا يرضاهما ولا يحبهما، وقد يرضى ويحب ما لا يشاء وجوده كإيمان أبي جهل وسجود إبليس، كما قد تقدم في الكلام على الإرادة (¬٢).\rوهذه الآية حجة على كل من المعتزلة والجبرية، فصدرها دافع بصدور الجبرية؛ بإثبات أن للعبد اختيارًا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، وعجزها معجز للقدرية؛ بإثبات نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية (¬٣).\rومثله قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].\rفقد جعلهم الله سبحانه متبعين في هذه الشبهة الفاسدة لمن سبقهم","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٥٣٧) وما بعدها.\r(¬٣) انظر: روح المعاني (٨/ ٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050827,"book_id":1102,"shamela_page_id":670,"part":"2","page_num":718,"sequence_num":670,"body":"من المشركين.\rوقوله سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يتضمن معنى التهديد والوعيد لهم، قال السعدي ﵀: \"أي: البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة، فإذا بلَّغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه واحتجوا عليهم بالقدر؛ فليس للرسل من الأمر شيء، وإنما حسابهم على الله ﷿\" (¬١).\rوأما العقل، فمن وجوه كثيرة، منها:\rأولها: أن العباد مأمورون منهيون، وقد علم بالضرورة أن الأمر والنهي إنما يتوجه لمن هو قادر على الضدين، ولولا هذا الإقدار لما خوطب بالتكليف، وإذا ثبت ذلك؛ فلا حجة في القدر على المعصية، لأنها والطاعة سواء في قدرة العبد، بل فالاحتجاج به بعد هذا ظلم محض، وعناد صرف (¬٢).\rثانيها: أن العبد قبل ركوب المعصية لا يعلم ما الذي سبق به القدر، فاحتمال سبق القدر بالمعصية حينئذ ليس أولى باحتمال سبْقه بالطاعة، والعكس بالعكس.\rثالثها: أنه يستلزم لوازم باطلة، منها:\r١) أنه يستلزم طي بساط الشرع وإسقاط الأمر والنهي، إذ القدر حجة، وترك امتثال الأمر والنهي سبق به القدر، فيكون تركهما لا لوم فيه، وهذا من أبطل الباطل (¬٣).","footnotes":"(¬١) تفسير السعدي (٢/ ٨٨١).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٥٢١).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٤٥ - ٤٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050828,"book_id":1102,"shamela_page_id":671,"part":"2","page_num":719,"sequence_num":671,"body":"٢) أنه يستلزم إبطال الثواب والعقاب والجنة والنار، إذ لا لوم على فعل المعصية لسبق القدر بها، والطاعة قرينتها في ذلك، فعلى ماذا يكون الثواب والعقاب؟\r٣) أنه يستلزم إبطال الرسالة وإفحام الأنبياء، وإسقاط حجة الله ﷾ على عباده، لأن الرسل إذا أمروا أقوامهم بشرائع الإيمان إقامةً لحجة الله ﷿؛ حاججهم أقوامهم بهذه الحجة، فتصحيح هذه الحجة يستلزم إفحام الرسل بداهةً، بل يستلزم ما هو أعظم من ذلك وهو كون الرسالة عبثًا وسفهًا تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\r٤) أنه يستلزم الفساد العام، إذ لو كان القدر حجة؛ لكان حجة للجميع، وليس لأحد دون أحد، وعليه يلزم تمكين كل أحد من فعل ما يريد ومعلوم ضرورةً أن في هذا فساد معايش العباد وأديانهم.\rومن هنا كان من يحتج بالقدر متناقضًا متبعًا لهواه، لأنه لو ظلمه أحد في مال أو عرض أو أي متاع حقير واحتج عليه بالقدر؛ لما قبل منه بل لشنع عليه وأبطل احتجاجه.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"وهؤلاء لا يحتجون بالقدر إلا إذا كانوا متبعين لأهوائهم بغير علم، ولا يطردون حجتهم، فإن القدر لو كان عذرا للخلق للزم أن لا يلام أحد ولا يذم ولا يعاقب لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا يقتص من ظالم أصلًا، بل يُمكن الناس أن يفعلوا ما يشتهون مطلقًا، ومعلوم أن هذا لا يتصور أن يقوم عليه مصلحة أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو موجب الفساد العام وصاحب هذا لا يكون إلا ظالمًا متناقضًا، فإذا آذاه غيره أو ظلمه طلب معاقبته وجزاه ولم يعذره بالقدر، وإذا كان هو الظالم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050829,"book_id":1102,"shamela_page_id":672,"part":"2","page_num":720,"sequence_num":672,"body":"احتج لنفسه بالقدر، فلا يحتج أحد بالقدر إلا لاتباع هواه بغير علم، ولا يكون إلا مبطلًا لا حق معه\" (¬١).\rومن هذه اللوازم الباطلة يُعلم أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي هو عين القول بأن العبد مجبور عليها، إلا أن الجبرية الخُلَّص يفضُلون هؤلاء بأنهم يجعلون العبد مجبورًا على كلا الأمرين: الطاعة والمعصية، وأما هؤلاء فيجعلون العبد مجبورًا على المعصية، وأما الطاعة فهو غير مجبور عليها، بل فعلها بقدرته وإرادته.\rوفي هؤلاء يصدق قول من قال من أهل العلم: \"أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به؟! \" (¬٢)، وإنما الواجب عكس القضية، فالمطلوب أن يشهد العبد سبق القدر ونفوذ المشيئة عند فعله الطاعة، وأن يشهد ذنوبه وتقصيره إذا وقع في معصية (¬٣).\rومن هنا يُعلم أن هؤلاء متبعون لأهوائهم، وأنهم لم يقصدوا إقامة الحجة في واقع الأمر، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنه لا حجة لهم.\rقال السعدي ﵀: \"ومنها [أي من وجوه بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي]: أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودًا، ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل، فهم","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٤ - ٤٥٥)، وانظر: (٢/ ٣٠١) منه.\r(¬٢) نسبه شيخ الإسلام إلى أبي الفرج ابن الجوزي في بعض المواطن، انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٤٨) و (١٨/ ٢٠٤ و ٤٤٦) منه، ولم أقف عليه فيما تيسر لي الاطلاع عليه من كتبه.\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، و (٨/ ٢٤١) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050830,"book_id":1102,"shamela_page_id":673,"part":"2","page_num":721,"sequence_num":673,"body":"يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام وإن كانوا يعتقدونه خطأ\" (¬١).\rوالمحتجون بالقدر على المعاصي عكسوا الأمر؛ إذ أن سبق المقادير في الحقيقة باعث على تجنب المعاصي والمنكرات وفعل القربات والطاعات، ولذلك لما سمع سراقة ﵁ قول النبي ﷺ: (اعملوا فكل ميسر)؛ قال: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن (¬٢)، وقد تقدم الكلام على ذلك في ثمرات الإيمان بالقدر (¬٣).\rوأما الاحتجاج به عليها بما لا ينافي الشرع، فصورته أن يقع العبد في المعصية، ثم يتوب منها توبة نصوحًا، ويعلم أنه مقصر، وأنه مذنب باغ لا حجة له ولا عذر، ثم يحتج عليها بسبق القدر، وهذا إنما يكون عقب المعصية بعد التوبة منها، لا حال المعصية ولا قبلها.\rوهذا النوع من الاحتجاج جائز ولا ينافي الشرع من وجهين:\rالأول: أنه لا يؤدي إلى تعطيل الأمر والنهي، إذ تعظيم الشرع قائم في نفس هذا المحتج، وهو مقرٌّ بأن سبق القدر بالمصيبة ليس حجة له، وإلا لم ير نفسه مقصرا باغيًا.\rالثاني: أن حقيقة هذا الاحتجاج ترجع إلى الاحتجاج بالقدر على المصيبة، لأن المعاصي هي من جملة المصائب، بل هي أعظم المصائب وشرها، وإنما لم يصح الاحتجاج بالقدر عليها في الحالة الأولى لأن في ذلك تعطيلًا لشرع الله، وإسقاطًا","footnotes":"(¬١) تفسير السعدي (١/ ٥٢١).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (٤٤).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٤٣ - ٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050831,"book_id":1102,"shamela_page_id":674,"part":"2","page_num":722,"sequence_num":674,"body":"للأمر والنهي، وطيًّا لبساط الشرع، واستقام الاستدلال هنا إذ لا تعطيل للشرع، وهذا هو الفرق الجوهري بين ما ينافي الشرع من ذلك وما لا ينافيه.\rولذلك كان قول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] صحيحًا في ذاته، ولم ينكره الله عليهم، وإنما أنكر الله عليهم جعله حجة وذريعة لكفرهم وشركهم، ومعارضتهم أمره ونهيه سبحانه بقضائه وقدره (¬١).\rوقد لخص ابن القيم ﵀ ما يجوز من الاحتجاج بالقدر على الذنوب وما لا يجوز بعبارة مختصرة بديعة، فقال: \"ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا؛ فالاحتجاج بالقدر باطل\" (¬٢).\rوالناس في هذا المقام حيال الشرع والقدر على ثلاثة أقسام (¬٣):\rالأول: من يحتج بالقدر على المعاصي لنفسه ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه في الذنوب والمعائب، ولا يطمئن إليه في المصائب، ولا يحتج به على الطاعة، فهو عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري كما سبق، وهذا ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم وإنما هو حال شرار الجاهلين الظالمين الذين لا لحدود الأمر والنهي حفظوا، ولا لحقيقة القضاء والقدر شهدوا، وهذا القسم شر الأقسام.\rالثاني: خلافه، وهم من يحتج بالقدر على الطاعة، ولا يحتج به على المعصية، فيقيم شرع الله ويجتهد في ذلك، وينسب ما يوفق إليه من ذلك الخير","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير البغوي (٣/ ٢٠١)، وشفاء العليل (١/ ٨٦ - ٨٧)، وروح المعاني (٨/ ٥٠).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٩٤).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٠٤ - ٢٠٩)، و (٨/ ١٠٧ وما بعدها) و (٨/ ٤٤٤ - ٤٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050832,"book_id":1102,"shamela_page_id":675,"part":"2","page_num":723,"sequence_num":675,"body":"إلى القدر والمشيئة، ويمتنع عن المعاصي ويجتهد في ذلك، وينسب ما يقع فيه من ذلك الشر إلى نفسه وإلى الشيطان، وهذا القسم خير الأقسام.\rالثالث: وهم قسم بين هذين القسمين، وهم الخائضون في القدر بالباطل، وهم صنفان:\r- صنف ينكر القدر من أصله، ولا يجعله القدر حجة لا على طاعة ولا على معصية، ولا ينظر إليه في مصيبة، بل يرى أنه هو من يهدي نفسه ومن يضلها، ولا ثم إعانة من الله ولا توفيق ولا خذلان. هذا مع قيامهم بالشرع والأمر والنهي.\r- وصنف يغلون في إثبات القدر ولا يرون لأنفسهم فعلًا ولا تركًا، بل يرون أنهم مجبورون على أفعالهم، ولا اختيار لهم فيها. ويحتجون بالقدر على ما يقع منهم من ذنوب أو عدوان على الخلق، وفي هؤلاء من انحلَّ عن الدين وأسقط الأمر والنهي بالكلية.\rهذه هي مجمل أقسام الناس، وها هنا كلمة عظيمة لشيخ الإسلام - طيَّب الله ثراه -، جمعت ما يجب على العبد حيال القدر والشرع، قال ﵀: \"العبد عليه:\r- أن يصبر، وينبغي له أن يرضى بما قدر من المصائب.\r- ويستغفر من الذنوب والمعائب، ولا يحتج لها بالقدر.\r- ويشكر ما قدر الله له من النعم والمواهب.\rفيجمع بين الشكر، والصبر، والاستغفار، والإيمان بالقدر والشرع\" (¬١).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050833,"book_id":1102,"shamela_page_id":676,"part":"2","page_num":724,"sequence_num":676,"body":"وللاحتجاج بالقدر صورتان أخرتان، وهما:\r- الاحتجاج به على المصائب.\r- الاحتجاج بالقدر على الطاعات.\rوفيما يأتي بيان لكل واحدة منهما على حدة:\r\rأولًا: الاحتجاج بالقدر على المصائب وحكمه.\rخلق الله سبحانه الخلق وقدَّر عليهم النعم والمصائب وهو الحكيم العليم، فهم صائرون إلى ما قدر لهم، وقد أمر سبحانه بالصبر على المصائب وعدم التشكي منها، وجعل أعظم سبل ذلك: النظر إلى سابق القدر، وأن لله سبحانه في تقديرها أعظم الحِكَم.\rفشرع سبحانه لعباده حيال المصيبة أن يلاحظوا سبق المقادير، بل أمرهم أن يحتجوا بذلك عليها.\rقال ﷺ: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) (¬١)، فأرشد النبي- ﷺ من أصابه مكروه إلى اللجوء إلى القدر، وعدم التحسر واللوم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي، بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٧١٢).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050834,"book_id":1102,"shamela_page_id":677,"part":"2","page_num":725,"sequence_num":677,"body":"وحديث أنس ﵁ قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين، وخدمته عشر سنين، فما لامني لائم من أهله إلا قال: (دعوه، فإنه لو قضي شيء كان) (¬١).\rوحديث محاجة آدم وموسى وفيه قول النبي ﷺ لما احتج آدم على موسى بالقدر -: (فحج آدم موسى) (¬٢)، إقرارًا لصحة الاحتجاج بالقدر على المصيبة.\rفالاحتجاج بالقدر على المصيبة مشروع لأمور:\rالأول: أن هذا ما دلت عليه النصوص، كما تقدم.\rالثاني: أنه لا ينافي ما شرعه الله سبحانه من امتثال للمأمور وترك للمحظور، بل يؤيده؛ لأن علم العبد بأن الله سبحانه قدر عليه المصيبة، ورده لها إلى القدر مأمورٌ به، وخلافه منهيٌّ عنه، فالرد إلى القدر عند المصيبة إعمالٌ للشرع، وإعمال الشرع بملاحظة القدر حال الكُمَّل من الخلق كما سيأتي، وهذا يظهر الترابط بين ما شرعه الله وما قدَّره.\rالثالث: أنه يدل على رضا صاحبه بالقدر، ولا يمكن تحقيق هذا الرضا إلا بالرجوع إلى القدر.","footnotes":"= فائدة: قال ابن القيم ﵀ في شفاء العليل (١/ ٩٧): \"هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار، والقيام بالعبودية ظاهرًا وباطنًا في حالتي حصول المطلوب وعدمه\".\r(¬١) رواه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه (٤٥) ح (٤)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤٣) ح (٧١)، من طريق أبي المليح، قال: حدثنا فرات بن سليمان، عن أنس ﵁ به.\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050835,"book_id":1102,"shamela_page_id":678,"part":"2","page_num":726,"sequence_num":678,"body":"وفيه إلزام كذلك للخصم بالحجة، لأن عليه أن يرضى بالقدر؛ إذ أن هذه النازلة هي من جملة المقدور الذي يجب التسليم له، وهذا في الحقيقة مكمن الحجة.\rالرابع: أنه يتضمن الإرشاد إلى شهود ربوبية الله سبحانه وقدرته ومشيئته ونفوذ تصرفه في خلقه وسبق قدره؛ فلا حركة لهم ولا سكنة، ولا حياة ولا موت، ولا أي شيء إلا بمشيئته سبحانه.\rالخامس: أنه لو لم يكن الاحتجاج بالقدر على المصيبة صحيحًا للزم أحد محذورين:\r- أن الرضا بالقدر غير واجب.\r- أن يكون شيء من الحوادث خارجًا عن القدر، وكل منهما باطل.\rولا فرق في ذلك بين المصائب التي تكون بفعل من العباد، أو التي تكون بغير فعل منهم، إذ كلٌّ مقدر، وأسبابٌ ومسبَّبات.\rوللاحتجاج بالقدر على المصيبة فوائد جليلة، منها طمأنينة القلب وسكونه وترك التحسر والندم، وترك لوم الخلق والتظلم منهم.\rوسيأتي - بحول الله تعالى - الكلام على يتعلق بما يشرع للعبد في القدر عند المصائب وما لا يشرع في مباحث الرضى بالقدر.\r\rثانيًا: الاحتجاج بالقدر على الطاعات وحكمه.\rوكما أمر سبحانه بالصبر على المصائب؛ فقد أمر بشكر النعم، وحمده عليها، وجعل زيادتها مرهونةً بتحقيق ذلك، وجعل نقصها وزوالها بسبب ضده، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050836,"book_id":1102,"shamela_page_id":679,"part":"2","page_num":727,"sequence_num":679,"body":"عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\rولشكر النعمة ثلاثة أركان (¬١):\r- الاعتراف بها لله سبحانه في القلب، فيوقن بقلبه أن الله سبحانه هو الذي تفضل عليه بها، من غير استحقاق منه لها.\r- الثناء بها على الله باللسان، ونسبتها إليه سبحانه وحده، لا إلى علمه هو ولا إلى قدرته ولا إلى غير ذلك من الأسباب.\r- استخدامها فيما يرضي المنعم ﷾.\rوالطاعات من جملة نعم الله سبحانه على العبد بل هي أجل النعم، وكلما عظمت الطاعة كانت النعمة بها أعظم، والمعاصي على الضد من ذلك؛ كلما عظمت كانت المصيبة بها أعظم، ولذلك كان التوحيد أعظم الحسنات، والشرك أعظم المصائب.\rلذلك كان الشكر على الطاعة أوجب من الشكر على غيرها من النعم.\rفيجب على العبد أن يعتقد بقلبه أن الله سبحانه هو الذي امتن عليه بالطاعة، ووفقه إليها، ولولا ذلك لما كانت، ويجب عليه كذلك أن ينسبها إلى من تفضل بها لا إلى حرصه هو وجهده وأحقيته.\rوهذان الأمران لا يتحققان إلا بملاحظة كون هذه النعمة مقدرة من الله.\rفإذا تصدق العبد مثلًا، لحظ إلى القدر، وأيقن أن الله ﷿ هو الذي تفضل ووفق لهذه الطاعة، فانطلق لسانه بالثناء عليه؛ انسلخ من شهود قدرته","footnotes":"(¬١) انظر: عدة الصابرين (٢٩٠)، والوابل الصيب (٥ - ٦)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٠/ ٨٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050837,"book_id":1102,"shamela_page_id":680,"part":"2","page_num":728,"sequence_num":680,"body":"وعمله، فلم يُدْل بها عليه سبحانه، ولم يتكبر ويعجب بها.\rفمن هنا يتبين أن الاحتجاج بالقدر على الطاعة خصوصًا وعلى النعم عمومًا أمر مشروع محبوب لله سبحانه، وهو مقتضى شكر النعم.\rفخلاصة القول أن سبق المقادير لا حجة فيه على ركوب الآثام والخطايا، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050838,"book_id":1102,"shamela_page_id":681,"part":"2","page_num":729,"sequence_num":681,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rمنْع الاحتجاج بالقدر على الذنوب مما اتفق عليه أهل الإسلام - كما تقدم نقل إجماعهم - ولم يخالف في ذلك إلا شُذَّاذٌ من الخلق، وهو ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على موقف الناس حيال الشرع والقدر.\rوجملة المخالفين في الشرع والقدر من وجهة أخرى ثلاثة أصناف (¬١):\rالأول: القدرية المجوسية: وهم الذين يجعلون لله شركاء في خلقه؛ فيقولون: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وقال أسلافهم: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرة الرب سبحانه ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة؛ ويزعمون أن هذا هو العدل، وهذا يقع كثيرًا إما اعتقادًا وإما حالًا في كثير من المتفقهة والمتكلمة، وقد يبتلى به - حالًا لا اعتقادًا - بعضُ من يغلب عليه تعظيم الأمر والنهي من غير ملاحظة للقضاء والقدر.\rالثاني: القدرية المشركية: وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، وقالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]. فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٦ - ٢٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050839,"book_id":1102,"shamela_page_id":682,"part":"2","page_num":730,"sequence_num":682,"body":"مخلوق، وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يُبتلى به كثيرًا - إما اعتقادًا وإما حالًا - طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات وإسقاط الواجبات ورفع العقوبات وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب.\rالثالث: القدرية الإبليسية: وهم الذين صدقوا بشرع الله وقدره، ولكنهم جعلوا هذا تناقضًا، وهؤلاء كثير في أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة كقول أبب العلاء المعَرِّي (¬١):\rصرف الزمان مُفَرِّقُ الإلفَين … فاحكم إلهى بين ذاك وبيني\rأنهيت عن قتل النفوس تعمدًا … وبعثت أنت لقتلها ملكين\rوزعمت أن لها معادًا ثانيًا … ما كان أغناها عن الحالين\rومما يتعلق به أصحاب هذا القول من شُبه:\rالشبهة الأولى: أنه ما ذنب المذنب إذا كان الله سبحانه قد كتب عليه الذنب وخلقه فيه؟ ولماذا يعاقب على ذنبه والحال هذه؟\rالشبهة الثانية: أن العاصي إنما عصى لأن الله لم يرد منه الطاعة، إذ لو أرادها لوقعت، إذ لا راد لمشيئته سبحانه، فكيف يلام ويعاقب على عدم إرادة الله لطاعته؟","footnotes":"(¬١) انظر: معجم الأدباء لياقوت (١/ ٣٣٨)، وهو: أبو العلاء، أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري الزنديق، ولد في معرة النعمان سنة (٣٦٣ هـ)، ومات فيها، من كتبه: \"رسالة الغفران\"، و\"رسالة الملائكة\"، له كلام وأشعار في الزندقة، هلك سنة (٤٤٩ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٣)، وبغية الوعاة (١/ ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050840,"book_id":1102,"shamela_page_id":683,"part":"2","page_num":731,"sequence_num":683,"body":"الشبهة الثالثة: حديث محاجة آدم وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد تقدم لفظه.\rوهذه الشبه الثلاث مرتبطة بشكل مباشر بموضوع الاحتجاج، وثمة شبهتان غيرهما غير مرتبطتين بالاحتجاج أصالة، ويحتج بها هؤلاء وهما:\rالشبهة الرابعة: لماذا هدى الله سبحانه الطائع ووفقه للخير، وخذل العاصي ولم يوفقه؟ فلو وفقه لما عصى.\rالشبهة الخامسة: أن الذنوب بقضاء الله، فيجب الرضا بها، وعدم الرضا بها يعني عدم الرضا بقضاء الله، وهذا محرم.\rهذه أهم شبههم، والجواب عنها من وجهين، مجمل ومفصل.\rأما الجواب المجمل، فمن وجوه:\rأولها: أن هذا القول مضاد لدين الرسول ﷺ، بل لسائر الأديان، بل لكل فضيلة وخلة كريمة، إذ مضمونه تجويز فعل كل قبيح والانحلال عن كل فضيلة، ومواقعة كل رذيلة - وعلى رأسها الشرك والكفر - وهذا ما يضاد مقصود الرسالات، هذا وجه.\rووجه آخر: - وهو أعظم من الأول - وهو جعل الدين الداعي إلى الفضائل - الذي عموده ولبه ومقصوده تقوى الرب سبحانه وطاعته - جعله داعيًا إلى الرذائل مُحلًّا لها مسقطًا للَّوم عليها.\rووجه ثالث: أنه مضاد لما اتصف الله سبحانه به من عدل ورحمة، وكونه لا يفعل إلا الخير.\rثانيها: أن هذا القول لا تنتحله طائفة معروفة طوائف المسلمين، وإنما هو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050841,"book_id":1102,"shamela_page_id":684,"part":"2","page_num":732,"sequence_num":684,"body":"قول زنادقة الشعراء وجهال البشر وحثالة المجتمعات، الذين رأوا في الدين وتعاليمه مانعًا لهم وحاجزًا ورقيبًا عليهم، فأرادوا سد نور الشمس بغربال، فقلبوا الأمر وعكسوا القضية، وجعلوا الدين دليلًا لهم على فجورهم.\rثالثها: أن في هذا القول إسفافًا للعقول وإزراءً عليها، ومناقضة للفطر السليمة، إذ كيف يجوز عقل أو فطرة أن يباشر كل أحد كل قبيح ويقارف كل شنيعة، بلا لوم ولا عقوبة؟!\rرابعها: أن هذا المذهب ممتنع التطبيق على أرض الواقع، حتى من جهة هؤلاء أنفسهم، إذ مضمونه أن يمكَّن الناس مما يريدون بدون رقيب أو حسيب وهذا مما لا يمكن وقوعه، لذلك تجد الواحد من هؤلاء إذا اعتدى عليه معتد في أمر يسير واحتج عليه بالقدر لم يقبل منه وطلب القصاص والحكم عليه.\rخامسها: أن الاحتجاج بالقدر كما هو ممنوع شرعًا؛ فهو ممتنع قدرًا كذلك، لأن سبق القدر بالمعصية ليس بأولى من سبقه بالطاعة، فالمرء قبل الفعل لا يدري ما سبق به القدر، أسبق بالطاعة أو بالمعصية، فكيف يجعل المجهول دليلًا؟ وكيف يجعل المحتمل حجة، والاحتمال يسقط الاستدلال.\rسادسها: أن ثبوت القدر لا ينافي قدرة العبد على الفعل ومشيئته له، بل يؤيده ويؤازره - كما تقدم -.\rسابعها: أن زعم التنافي بين الشرع والقدر غير صحيح، لأن الله سبحانه قدر المقادير بناء على ما سبق به علمه أنه سيكون، فالله سبحانه علم من أبي بكر ﵁ أنه سيسلم ويتبع النبي ﷺ، وعلم من أبي جهل أنه سيعاند ويعادي النبي ﷺ، وإيمان أبي بكر وكفر أبي جهل كان باختيارهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050842,"book_id":1102,"shamela_page_id":685,"part":"2","page_num":733,"sequence_num":685,"body":"وقد تقدم الكلام على هذه المعاني في غضون المطلب الأول.\rوفي حقيقة الأمر أنه ليس لهؤلاء حجة من نص ولا عقل ولا فطرة، لا صحيحة ولا ضعيفة، لا ظاهرة ولا خفية، إذ أن أصحاب هذا المذهب لم يبنوه على ما أخطؤوا في فهمه من كتاب أو سنة أو عقل أو لغة، بل حقيقة حالهم أنهم لما ركبوا الذنوب والآثام، ورأوا مضادة فعلهم للدين والعقل والفطر - وحالهم أنهم لا يستطيعون إنكار الشرع ولا إنكار القدر - أرادوا مخرجًا ينجيهم من ورطتهم، فعارضوا بين الشرع والقدر، وقالوا: إن القدر حجة على مخالفة الشرع.\rوأما الجواب المفصل؛ فبتتبع كل شبهة على حدة.\rأما الشبهة الأولى؛ فجوابها ما سبق في الرد المجمل، إذ هي أم الشبه وأعمها.\rوأما الشبهة الثانية؛ فجوابها من وجهين:\rالأول: أن الله سبحانه لا يُسأل عما يفعل، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فالله سبحانه بمقتضى ربوبيته يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه، وليس للعبد المخلوق من عدم أن يعترض على ربه الجبار؛ لم فعل كذا ولم لم يفعل كذا، فالسؤال فاسد من أصله.\rالثاني: أن الله سبحانه أراد الطاعة من العاصي، وأحبها ورضيها، لكنه سبحانه لم يشأ وقوعها منه، حكمة منه سبحانه وعدلًا، وعلمًا بأن هذا المحل لا يصلح للخير - كما سيأتي قريبًا -، فعدم إرادته سبحانه للطاعة من العاصي لا ينافي أن له اختيارًا وقدرة على الطاعة كما له اختيار وقدرة على المعصية.\rوأما الشبهة الثالثة؛ فحديث المحاجة حديث صحيح، لكن لا دلالة لهم فيه من وجهين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050843,"book_id":1102,"shamela_page_id":686,"part":"2","page_num":734,"sequence_num":686,"body":"الوجه الأول: أن موسى ﵇ لم يلم آدم على المعصية، بل على المصيبة، وآدم ﵇ لم يحتج بالقدر على المعصية بل على المصيبة، فاللوم والاحتجاج كانا على المصيبة، يدل عليه أمور:\rأولًا: أن سياق المحاجة يدل على أن المقصود هو المصيبة التي سببها الذنب، فموسى ﵇ قال: \"خيبتنا وأخرجتنا من الجنة\" ولم يقل: عصيت وأذنبت، وآدم ﵇ احتج عليه بسبق القدر بالمصيبة، ولهذا حجه.\rثانيًا: أن آدم كان أعلم بربه وأتقى له من أن يحتج بالقدر على ذنبه إسقاطًا للَّوم، بل آحاد بنيه لا يفعل ذلك، إذ هو باطل شرعًا وعقلًا وفطرةً.\rثالثًا: أنه كيف يظن بموسى كليم الله أن يلوم أباه على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه، ومعلوم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وموسى نفسه قد أذنب وتاب الله عليه؟ (¬١).\rالوجه الثاني: أن الاحتجاج بالقدر على الذنب يجوز إذا ارتفع اللوم، ولم يقصد به إسقاط الأمر والنهي - كما تقدم بيانه - (¬٢).\rفمن احتج بالقدر على الذنب على هذا النحو فاحتجاجه مقبول صحيح، وأما من احتج به رفعًا للوم وإسقاطًا للأمر والنهي فهو باطل.\rوقد تنوعت أجوبة الطوائف على هذا الحديث، فمن مكذب به، إلى زاعم أن آدم إنما حج موسى لأنه أبوه، إلى زاعم أنه إنما حجه لأن الذنب وقع في","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٩) و (٨/ ٤٥٣ - ٤٥٤) و (١١/ ٢٥٩)، وشفاء العليل (١/ ٩٣ - ٩٤).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٧٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050844,"book_id":1102,"shamela_page_id":687,"part":"2","page_num":735,"sequence_num":687,"body":"شريعة واللوم في شريعة، إلى زاعم أنه إنما حجه لأن الاحتجاج وقع في الدار الآخرة، إلى آخر يزعم أنه إنما حجه لأنه شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته، وكلها أقوال ضعيفة (¬١)، والمعتمد ما ذُكر في الوجهين السابقين.\rوأما الشبهة الرابعة؛ فهي قريبة من الشبهة الثانية، وهي مبنية على السؤال الفاسد لماذا فعل الله كذا ولم يفعل كذا، وهو سؤال باطل كما تقدم.\rثم إن هداية الله سبحانه لمن هدى وخذلانه لمن خذل لا ظلم فيه، بل هو عدل وحكمة، وقد سبق بيان ذلك (¬٢)، فالهداية فضله سبحانه، وليس من منع فضلَه ظالمًا، لا سيما إذا منعه من لا يليق به ولا يزكو به.\rوأما الشبهة الخامسة؛ فجوابها: أنه ليس كل رضًا بالقضاء واجب، بل منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو حرام، والرضا بالمعاصي من قسم الحرام، فلا يجوز الرضا بها (¬٣).\rثم ليعلم بعد هذا مَن احتج بالقدر أنه مع كون الاحتجاج بالقدر على الذنوب لم يدل عليه دليل من شرع ولا عقل ولا لغة، - بل هو مناف لكل دليل -؛ ليعلم أنه لا ثمرة محمودة من الاحتجاج بالقدر على الذنب، لأن العبد حين يحتج بالقدر على الذنب يعارض بين ما شرعه الله وما قدَّره، ومعارضة الشرع والقدر كفر وزندقة، السلف الأول فيها إبليس أخزاه الله","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، وشفاء العليل (١/ ٨٣ - ٨٤).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٦٧٣ - ٦٧٤).\r(¬٣) سيأتي تفصيل أحكام الرضا بالقضاء في المبحث الآتي بعون الله تعالى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050845,"book_id":1102,"shamela_page_id":688,"part":"2","page_num":736,"sequence_num":688,"body":"والمشركون من بعده وزنادقة الشعراء والجهال، فلربما أخرجه هذا الاحتجاج عن دائرة أهل الإسلام، إذ المذنب بعد الذنب أحد رجلين:\r- مسلم مفرط مضيع، ابتلاه الله بالذنوب والآثام، يرى ثقل ذلك على نفسه، ويخاف ذنبه.\r- زنديق مفتون أراد الهروب من تبعات ذنبه وعقوبته فرمى بذنبه على القدر ولامه وحمله التبعة.\rفالعاقل يربأ بنفسه أن يكون زنديقًا مرتدًا، ويختار لنفسه أن تكون عاصيًا مفرِّطا، فإن العاصي إذا وافى الله سبحانه بمعصيته الكبيرة إما أن يغفر له تفضُّلًا، وإما أن يعذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة، فإن المسلم الذي مات على التوحيد صائر إلى الجنة لا محالة، لكن إما أن يدخلها ابتداءً، وإما أن يدخلها بعد أن يدخل النار على مقدار ذنبه.\rثم ليذكر أن الله سبحانه الذي قدَّر عليه الذنب حكمة منه وعلمًا؛ قد فتح له بابًا يوصله إليه إذا أراد العودة إليه بصدق في وقت المهلة، إنه باب التوبة النصوح التي لا تبقي للذنب أثرًا، بل لربما كانت سببًا في رفعة الدرجة وعلو المنزلة.\rقال ربُّنا ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\rوقال نبيُّنا ﷺ: (إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050846,"book_id":1102,"shamela_page_id":689,"part":"2","page_num":737,"sequence_num":689,"body":"ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) (¬١).\rفالحري بالعاقل إذا وقع في الذنب أن يبادر ويتوب إلى ربه، بدلًا من أن يلقي بتبعته على ربه سبحانه ويلحق بزمرة أعدائه، والله الموفق والهادي.","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة (٤/ ٢١١٣) ح (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050847,"book_id":1102,"shamela_page_id":690,"part":"2","page_num":739,"sequence_num":690,"body":"المبحث التاسع: \"الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050848,"book_id":1102,"shamela_page_id":691,"part":"2","page_num":741,"sequence_num":691,"body":"المبحث التاسع: \"الرضا بالقضاء منه ما يجب ومنه ما لا يجب\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والرضا بالقضاء ثلاثة أنواع: أحدها الرضا بالطاعات، فهذا طاعة مأمور بها. والثاني: الرضا بالمصائب، فهذا مأمور به: إما مستحب وإما واجب. . . والرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا\" (¬١).\rوقال ابن القيم ﵀: \"والحكم والقضاء نوعان ديني وكوني، فالديني يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان.\rهذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابته وتقديره ومشيئته؛ فالرضا به من تمام","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050849,"book_id":1102,"shamela_page_id":692,"part":"2","page_num":742,"sequence_num":692,"body":"الرضا بالله ربًّا وإلهًا ومالكًا ومدبرًا\" (¬١).\rوقال ﵀: \"ها هنا أمران: قضاء وهو فعل قائم بذات الرب تعالى، ومقضي وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء خير كله وعدل وحكمة فيرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به\" (¬٢).\rقال الحافظ ابن عَبْد الهَادي ﵀ (¬٣): \"القضاء يراد به ثلاثة أشياء: أحدهما: الأمر والنهي، فهذا الرضا به واجب، والثاني: الكفر والمعاصي، فهذا الرضا به ليس بواجب، والثالث: المصائب التي تصيب العبد، فهذا الرضا بها واجب أو مستحب؟\rقال: ثم يقال: القضاء الذي هو صفة الله الرضا به واجب، وأما المقضي وهو الكفر والمعاصي التي هي أفعال العباد، فالرضا بها ليس بواجب\" (¬٤).\rوقال العز بن عبد السلام ﵀: \"فإن كان المقضي به طاعة؛ فليرض بالقضاء والمقضي به جميعًا، وإن كان معصية؛ فليرض بالقضاء ولا يرضى بالمقضي به بل يكرهه، وإن لم يكن طاعة ولا معصية؛ فليرض بالقضاء ولا","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣).\r(¬٢) مدارج السالكين (١/ ٢٥٦).\r(¬٣) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي، الجماعيلي الأصل، ثم الصالحي، المقرئ الفقيه المحدث، الحافظ الناقد، النحوي المتفنن، ولد سنة (٧٠٤ هـ)، صنف ما يزيد على سبعين كتابًا، منها: \"العقود الدرية\" و\"المحرر في الحديث\"، مات سنة (٧٤٤ هـ).\rانظر: ذيل طبقات الحنابلة (٥/ ١١٥)، والدرر الكامنة (٣/ ٣٣١).\r(¬٤) انظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050850,"book_id":1102,"shamela_page_id":693,"part":"2","page_num":743,"sequence_num":693,"body":"يتسخط بالمقضي به، وإن رضي به كان أفضل\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"ولا يشترط أن يرضى بالمقضي به إلا إذا كان المقضي به خيرًا، فإن كان المقضى به معصية فليرض بالقضاء وليكره المقضي به؛ لأن القضاء حكم الله والمقضي هو المحكوم به\" (¬٢).\rوقال السفاريني ﵀ (¬٣):\rوليس واجبًا على العبد الرضا … بكل مقضي ولكن بالقضا\rلأنه من فعله تعالى … وذاك من فعل الذي تقالى","footnotes":"(¬١) قواعد الأحكام (١/ ٣٢٩).\r(¬٢) المصدر السابق (٢/ ٣٦١).\r(¬٣) العقيدة السفارينية مع شرحها: لوامع الأنوار (١/ ٣٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050851,"book_id":1102,"shamela_page_id":694,"part":"2","page_num":744,"sequence_num":694,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rلما كان لا بد من التفصيل في مسألة الرضا بالقدر، وأن القدر الذي هو فعل الله يجب الرضا به، وأن المقدور من المصائب يشرع الرضا به، وأن الذنوب يحرم الرضا بها؛ فسيكون سياق الأدلة مبنيًّا على هذا الأساس.\rفأما وجوب الرضا بالقدر الذي هو فعل الله سبحانه ووصفه؛ فيدل عليه:\rحديث العباس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (¬١).\rوحديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا وجبت له الجنة) (¬٢).\rووجه الدلالة منهما أن الرضا بالقدر من الرضا بالله ربًّا، والرضا بالله ربًّا واجب، فيكون الرضا بالقدر واجب كذلك.\rوأما مشروعية الرضا بالأقدار المؤلمة؛ فيدل عليها:\rقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وآيتي المجادلة","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا فهو مؤمن. . . (١/ ٦٢) ح (٣٤).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات (٣/ ١٥٠١) ح (١٨٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050852,"book_id":1102,"shamela_page_id":695,"part":"2","page_num":745,"sequence_num":695,"body":"والبينة (¬١).\rوأما حرمة الرضا بالمعاصي والذنوب؛ فيدل عليها:\rقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].\rوقوله سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨].\rوقوله ﷿: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].\rوالواجب رضا ما يرضاه الله سبحانه وبغض ما يبغضه، وقد أخبر سبحانه بأنه يبغض ولا يرضى عن الكفر والفسق والقول السيء، فالواجب بغضها كما أبغضها ربنا ﷿.","footnotes":"(¬١) المجادلة آية (٢٢)، والبينة آية (٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050853,"book_id":1102,"shamela_page_id":696,"part":"2","page_num":746,"sequence_num":696,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rمسألة الرضا بالقدر من مسائل الدين العظام، وهي من تمام الإيمان بالقضاء والقدر (¬١).\rعن العباس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (¬٢).\rوقال أبو الدرداء ﵁: \"ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب ﷿\" (¬٣).\rوهذه الأربعة مرجعها عند التأمل إلى الرضا والتسليم للقضاء.\rوالرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين وباب الله الأعظم (¬٤)، وهو من أسباب سعادة العبد، وضده من أسباب شقاوته (¬٥)، وهو عمل جليل من أعمال القلوب، والثمرة اليانعة لاستشعار ربوبية الله سبحانه وإلهيته وحكمته، وهو من مقامات الصديقين (¬٦).\rولفظ \"الرضا بالقضاء\" لفظ محمود مأمور به (¬٧).","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٧٦١).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (٧٤٤).\r(¬٣) رواه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه ص (٨٥) رقم (٥٨).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٧).\r(¬٥) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٠٨).\r(¬٦) انظر: جامع المسائل (٣/ ٢١٣)، ومدارج السالكين (٢/ ١٨٩).\r(¬٧) انظر: جامع المسائل (٣/ ٢١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050854,"book_id":1102,"shamela_page_id":697,"part":"2","page_num":747,"sequence_num":697,"body":"ولا بد قبل الشروع في بيانه من معرفة معنى الرضا بالقضاء.\rفالرضا في اللغة مصدر رضي، يرضى رِضًا ورُضًا ورِضْوانًا ورُضْوانًا، ومادته: الراء والضاد والحرف المعتل أصل واحد يدل على خلاف السخط (¬١).\rوأما الرضا بالقضاء فعُرف بتعريفات كثيرة:\rفقال ابن مسعود ﵁: \"الرضا: أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تلُم أحدًا على ما لم يؤتك الله\" (¬٢).\rوقيل: \"نظر القلب إلى قديم اختيار الله ﷿ للعبد أنه يختار له الأفضل فيرضى به\" (¬٣).\rوقيل: \"معنى الرضا فيه ثلاثة أقوال: ترك الاختيار، وسرور القلب بمُرِّ القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم لها عليها\" (¬٤).\rوقيل: \"الرضا سكون القلب بما قسم الله له\" (¬٥).\rوقيل: \"سرور القلب بمُر القضاء\" (¬٦).\rوقيل في تعريفه غير ذلك، وجماع القول: أن الرضا بالقضاء هو: \"الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (١٢/ ٦٤)، ومقاييس اللغة (٢/ ٤٠٢)، مادة: (رضي).\r(¬٢) رواه البيهقي في الشعب شعب الإيمان (١/ ٣٨٤) رقم (٢٠٥).\r(¬٣) انظر: الترغيب والترهيب لقوام السنة (٢/ ٢٠٠)، وقد ذكره عن أحمد بن عطاء ﵀.\r(¬٤) رواه البيهقي في الشعب شعب الإيمان (١/ ٣٩٦) رقم (٢٣١) عن ابن الفرجي ﵀.\r(¬٥) انظر: التوكل على الله لابن أبي الدنيا ص (٧١).\r(¬٦) رواه البيهقي في الزهد (٣٤١) رقم (٩٣٣) عن المزين ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050855,"book_id":1102,"shamela_page_id":698,"part":"2","page_num":748,"sequence_num":698,"body":"والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به\" (¬١).\rوالرضا بالقضاء رضًا بالله ربًّا، كما أن إخلاص العبادة له رضاه بما يأمره به هو الرضا به سبحانه إلهًا ومعبودًا (¬٢).\rوالرضا بالقضاء يتناول معنيين:\rالأول: الرضا بالقضاء الشرعي.\rأي أوامره سبحانه وشرائعه التي خاطب بها عباده، ويتضمن ذلك تعظيمها وتلقيها بالقبول والتسليم والإذعان، والمسارعة في امتثالها، وعدم معارضتها بذوق أو وجد أو سياسة أو قياس أو أي شيء.\rوهذا الرضا واجب، لم يتنازع العلماء في وجوبه (¬٣)، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فقد جعله سبحانه شرطًا في صحة الإيمان، فقال لنبيه ﷺ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\rفأمرهم بعد تحكيمه بأن يرتفع الحرج من نفوسهم فيما يحكم به، وأن يسلموا لحكمه وهذا حقيقة الرضا بحكمه (¬٤).\rالثاني: الرضا بالقضاء الكوني.\rأي ما يقدره الله سبحانه على العباد، مما وقع أو يقع أو سيقع لاحقًا.","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (٢/ ١٧٢).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق.\r(¬٣) انظر: جامع الرسائل (٢/ ٣٧٩).\r(¬٤) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050856,"book_id":1102,"shamela_page_id":699,"part":"2","page_num":749,"sequence_num":699,"body":"وفي هذا النوع من الرضا سيكون البحث دون الأول، فإنه لا تعلق للكوني بباب القدر.\rوبين القضاء الشرعي والقضاء الكوني ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية من فروق، وقد تقدم ذكرها فلا داعي لإعادتها هنا (¬١).\rوقد ذكر أهل العلم مسائل تتعلق بالرضا، أذكر هنا منها مسألة مهمة، وهي:\r\rعلاقة الرضا بالقضاء بالتوكل:\rالتوكل من منازل الدين العظيمة التي من قام بها فقد فاز وأنجح، ومن حققها فقد اجتمع له الخير كله، قال سعيد بن جبير ﵀: \"التوكل على الله جماع الإيمان\" (¬٢).\rويكفي في فضله قول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].\rوالحسب الكافي، فبين أنه كاف من توكل عليه (¬٣)، وأي خير أعظم من هذا؟ ولذلك قال ابن مسعود أن هذه الآية هي \"أكبر آية في القرآن تفويضًا\" (¬٤).\rوالتوكل هو صدق الاعتماد على الله مع الثقة به وفعل الأسباب، وهو كالرضا عمل قلبي (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٥٣٠ - ٥٣١).\r(¬٢) رواه ابن أبي الدنيا في التوكل على الله ص (٤٨) رقم (٥).\r(¬٣) انظر: جامع الرسائل (١/ ٨٨).\r(¬٤) رواه ابن جرير (٢٣/ ٤٨).\r(¬٥) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050857,"book_id":1102,"shamela_page_id":700,"part":"2","page_num":750,"sequence_num":700,"body":"والتوكل مبني على أصلين: الاعتماد والثقة، قال ابن القيم ﵀: \"والتوكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة والاعتماد، وهو حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين\" (¬١).\rوقد تنوعت أقوال أهل العلم في بيان العلاقة بين الرضا والتوكل، فقيل الرضا هو التوكل (¬٢).\rسئل الحسن ﵀ عن التوكل فقال: \"الرضا عن الله\" (¬٣).\rوقال بشر الحافي ﵀ (¬٤): \"يقول أحدهم: توكلت على الله، يكذب على الله؛ لو توكل على الله رضي بما يفعل الله\" (¬٥).\rوسئل يَحيى بن مُعاذ ﵀ (¬٦): متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: \"إذا رضي بالله وكيلًا\" (¬٧).","footnotes":"(¬١) المصدر السابق (١/ ٧٥).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ١١٥).\r(¬٣) رواه ابن أبي الدنيا في التوكل على الله (٥٤) رقم (١٧).\r(¬٤) هو: أبو نصر، بشر بن الحارث بن علي بن المروزي ثم البغدادي، الزاهد، المعروف بالحافي، ولد سنة (١٥٢ هـ)، كان رأسًا في الورع والإخلاص، قال الدارقطني: \"زاهد جبل ثقة، ليس يروي إلا حديثًا صحيحًا\"، مات سنة (٢٢٧ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (٧/ ٥٤٥)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٦٩).\r(¬٥) مدارج السالكين (٢/ ١١٥).\r(¬٦) هو: أبو زكريا، يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي الواعظ، له كلام جيد، ومواعظ مشهورة، من كلماته: \"لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالذنوب\"، مات بنيسابور سنة (٢٥٨ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (١٦/ ٣٠٦)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٥).\r(¬٧) انظر: المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050858,"book_id":1102,"shamela_page_id":701,"part":"2","page_num":751,"sequence_num":701,"body":"ومنهم من جعله من مراتب التوكل، قال أبو بكر الواسطي ﵀ وسئل عن ماهية التوكل -: \"الصبر على طوارق المحن، ثم التفويض، ثم التسليم، ثم الرضا، ثم الثقة\" (¬١).\rوالصواب أن الرضا هو ثمرة التوكل، فالتوكل يكون قبل الفعل، ثم بعد الفعل يكون الرضا (¬٢).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والرضا والتوكل يكتنفان المقدور؛ فالتوكل قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه\" (¬٣).\rومما يدل عليه قول النبي ﷺ: (أسألك اللهم الرضا بعد القضاء) (¬٤)، فجعل النبي ﷺ الرضا بعد وقوع المقضي.\rويدل عليه أيضًا حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن: (إذا هم بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني","footnotes":"(¬١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٤٧٢).\r(¬٢) انظر: جامع العلوم والحكم (٨٢٢).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧).\r(¬٤) رواه النسائي: كتاب السهو، (٣/ ٦٢) ح (١٣٠٤) من حديث عمار بن ياسر ﵁، ورواه أحمد (٣٥/ ٥٢٠) ح (٢١٦٦٦) من حديث زيد بن ثابت ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050859,"book_id":1102,"shamela_page_id":702,"part":"2","page_num":752,"sequence_num":702,"body":"واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)، ويسمي حاجته (¬١).\rفذكر طلب الرضا بعد وقوع المقدور، مع ما في الدعاء نفسه قبل وقوع المقدور من توكل على الله.\rقال ابن القيم ﵁: \"تأمل كيف وقع المقدور مكتنفًا بأمرين: التوكل الذي هو مضمونُ الاستخارة قبله، والرِّضا بما يقضى الله له بعده، وهما عنوانُ السعادة\" (¬٢).\rوأما ما يكون من العبد قبل وقوع المقدور فهو عزم على الرضا لا الرضا نفسه، ولهذا يوجد في الناس من يعزم على الرضا فإذا وقع المقدر انفسخ عزمه ولم يرضَ (¬٣).\rوهذه المسألة - مسألة الرضا بالقدر - مما اختلف فيه الناس اختلافًا كثيرًا، وتنوعت فيه مذاهبهم تنوعًا عظيمًا.\rوتحقيق الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة أصلين:\rالأصل الأول: التفريق بين الفعل والمفعول.\rالأصل الثاني: التفريق بين أنواع القضاء الكوني.\rأما الأصل الأول؛ فسبق بيانه، وأن مذهب أهل السنة جميعًا هو التفريق بين الفعل والمفعول (¬٤)، وتطبيق هذا الأصل الجليل هنا هو التفريق بين القضاء","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (١٤٢).\r(¬٢) زاد المعاد (٢/ ٤٤٤).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧).\r(¬٤) انظر ما تقدم ص (٣٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050860,"book_id":1102,"shamela_page_id":703,"part":"2","page_num":753,"sequence_num":703,"body":"الذي هو فعل الله سبحانه ووصفه، وبين المقضي المفعول المخلوق.\rفالأول: الرضا به واجب، وهو من الإيمان بالله ربًّا خالقًا إلهًا مدبِّرًا متَّصفًا بكل كمال ومنزَّهًا عن كل نقص.\rوالثاني: لا يطلق القول فيه بنفي ولا إثبات، بل يفصل الكلام في أقسامه، ويعطى كل قسم ما يليق به من حكم، وتفصيله في:\rالأصل الثاني: وهو أن القضاء الكوني الذي هو المفعول المنفصل نوعان (¬١):\rالنوع الأول: ما يقضيه الله سبحانه مما يوافق إرادة العبد ومحبته ورضاه من صحة وعافية وغنى ولذة، ونحوها، فهذا الرضا به لازم للعبد بمقتضى الطبيعة التي جبله الله عليها من محبة ما ينفعه ويلتذ به، وإذ كان لازمًا له؛ فليس في الرضا به عبودية في ذات الأمر، بل العبودية فيه بالقيام بشكره، بالاعتراف به في القلب والثناء به على الله ﷿ واستخدامه فيما يرضي الله سبحانه وعدم الاستعانة به على مساخطه.\rالنوع الثاني: ما يقضيه الله سبحانه مما لا يوافق إرادة العبد ومحبته، وهذا على قسمين:\rالقسم الأول: ما ليس للعبد فيه اختيار، وهو المصائب والمحن التي يقدرها الله سبحانه على العبد، سواء كانت بلاءً مجردًا، أو عقوبة على ذنب سابق.\rوهذا الرضا به مشروع، وهو مستحب على الصحيح وليس بواجب، إذ الواجب هو الصبر، فإذا انضاف إليه الرضا فنور على نور، وإلا فقد أدى العبد بالصبر ما وجب عليه.","footnotes":"(¬١) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050861,"book_id":1102,"shamela_page_id":704,"part":"2","page_num":754,"sequence_num":704,"body":"وكلا القولين: وجوب الرضا وعدمه قولان لأهل السنة، وهما قولان لأصحاب أحمد وغيرهما (¬١).\rومما يدل على عدم وجوبه:\rأولًا: أن الإيجاب حكم شرعي، والأحكام الشرعية مبناها على الأدلة لا على الرأي المحض، ولا دليل على الوجوب، إذ لم يأت في كتاب ولا سنة وجوب الرضا، وإنما ذلك في الصبر (¬٢).\rثانيًا: أن النصوص دلت على أن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات، وما كان كذلك فليس بواجب، ولذلك كان الرضا بالقدر على حسب معرفة العبد بالله وأسمائه وصفاته، فتمامه تمامها، ونقصه بحسبها.\rومن هذه النصوص قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال علقمة ﵀: \"هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم\" (¬٣).\rوقال عمر بن عبد العزيز ﵀: \"لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر مُعوَّل المؤمن\" (¬٤).\rوقال سُليمان الخوَّاص ﵀ (¬٥): \"الصبر دون الرضا؛ الرضا أن يكون","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٣٠٤)، ومدارج السالكين (١/ ١١٠ - ١١١).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٩)، ومدارج السالكين (١/ ٢٥٦).\r(¬٣) رواه البيهقي: كتاب الجنائز، باب الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى به من الصبر والاسترجاع (٤/ ٦٦).\r(¬٤) رواه ابن أبي الدنيا في الاعتبار (٤٢) رقم (١٩).\r(¬٥) هو: أبو أيوب، سليمان الخواص، زاهد أهل الشام في زمانه، قال سعيد بن عبد العزيز: =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050862,"book_id":1102,"shamela_page_id":705,"part":"2","page_num":755,"sequence_num":705,"body":"الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذلك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر\" (¬١).\rوقد روي في ذلك حديث مرفوع لكنه ضعيف (¬٢).\rواحتج من رأى الوجوب بأمور:\rأولهما: أن الرضا من لوازم الإيمان بالله ربًّا وإلهًا؛ فهو واجب.\rوجوابه: أن الرضا بالله ربا وإلهًا واجب، وهذا هو الرضا الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأما الرضا بكل ما يخلقه الله ويقدره؛ فلم يدل عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا قال به أحد من السلف، بل جاء في النصوص الإخبار عن عدم رضا الله بأشياء مع كونها مخلوقة له سبحانه، كقوله ﷾: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقوله ﷿: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] (¬٣).\rثانيهما: حديث أبي هند الداري أن النبي ﷺ قال: (قال الله تبارك","footnotes":"= \"سليمان الخواص؛ ما رأيت أزهد منه\"، قال الذهبي: \"لم يرو الخواص شيئًا، ولا ظفرت له بوفاة، ولكن وفاته قريبة من وفاة إبراهيم بن أدهم - رحمهما الله -\".\rانظر: حلية الأولياء (٨/ ٢٧٦)، وتاريخ الإسلام (٤/ ٤٠٢).\r(¬١) رواه ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه ص (٧٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٢٧٧).\r(¬٢) ولفظه: (إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، وإن لم تستطع؛ فإن في الصبر على ما يكره خيرًا كثيرًا)، أخرجه الحاكم (٣/ ٥٤١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٤) من حديث ابن عباس ﵄، انظر الكلام على تضعيفه في الضعيفة ح (٥١٠٧).\r(¬٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050863,"book_id":1102,"shamela_page_id":706,"part":"2","page_num":756,"sequence_num":706,"body":"وتعالى: من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي؛ فليلتمس ربًّا سواي) (¬١).\rوجوابه: أنه ضعيف جدًّا؛ في إسناده سعيد بن زياد: متروك (¬٢)، ثم هو مخالف لما دلت عليه النصوص مما تقدم آنفًا.\rثالثها: أن من لم يرض بقضاء الله فقد سخطه، إذ لا واسطة بينهما.\rوجوابه: أن هذه الدعوى غير مسلَّمة، لأن الفرق ثابت - كما تقدم - بين قضاء الله الذي هو فعله، والمقضي المفعول، ففعل الله يُرضى ولا يُسخط، والمفعول يسخط من وجه ويرضى من وجه، فيجتمع فيه الأمران لاختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء المر؛ يكون مبغوضًا من جهة مرارته وسوء طعمه، لكنه مرضي من جهة كونه سببًا في الشفاء (¬٣).\rومن هنا يتضح الجواب على السؤال المشهور، وهو كيف يجتمع الرضا بالقدر مما لا يلائم العبد من محن ومصائب مع كراهيتها؟\rفهذا القضاء المكروه هو مكروه من جهة تألمه به، ومرضي من جهة إفضائه إلى ما يحبه ويلتذ به، وسواء كان هذا في أمور الدنيا، كالمثال المتقدم آنفًا، أو في أمور الآخرة، كالجهاد؛ فإنه مكروه لما يقتضيه من جهد وبلاء وخسائر في الأنفس والأموال، وغير ذلك، ومحبوب من جهة إفضائه إلى رضوان الله والجنة، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا","footnotes":"(¬١) رواه الطبراني (٢٢/ ٣٢٠).\r(¬٢) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٣٨)، وقد ضعفه العراقي في المغني (٢/ ١١٥٨) ح (٤٢٠٠).\r(¬٣) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050864,"book_id":1102,"shamela_page_id":707,"part":"2","page_num":757,"sequence_num":707,"body":"تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].\rومن أجل هذا كان كل قضاء يقضى للمؤمن فهو خير لما يفضي إليه، إذ لا يخلو هذا القضاء عن أن يكون سراء أو ضراء، فالسراء يشكر عليها، والضراء يصبر عليها، ولهذا قال النبي ﷺ: (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير - وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن - إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (¬١).\rالقسم الثاني: ما للعبد فيه اختيار، وهو ما يُقدَّر على العبد مما يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه كأنواع الظلم والفسوق والعصيان.\rفهذا لا يجوز الرضا به، بل يجب كراهيته وسخطه، لأنه مبغوض لله سبحانه مكروه، والواجب بغض ما يبغضه الله كما يجب حب ما يحبه.\rوقد ذم الله سبحانه من رضي بما أسخطه فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وقال سبحانه: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه وينهى عنه ويعاقب أصحابه؛ فهو عدو لله لا ولي لله، وهو يصد عن سبيل الله وطريقه، ليس بسالك لطريقه وسبيله\" (¬٢).\rوبهذا التفصيل يزول اللبس في هذه المسألة العظيمة، وسر الصواب فيها","footnotes":"(¬١) رواه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير (٤/ ٢٢٩٥) ح (٢٩٩٩).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050865,"book_id":1102,"shamela_page_id":708,"part":"2","page_num":758,"sequence_num":708,"body":"ونُكتته أن للرضا بالقدر تعلقين:\r- تعلق بالرب تقديرًا؛ علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا، فكل قضاء من هذه الجهة مرضي وجوبًا، إذ هو من الرضا بالله ربًّا وإلهًا.\r- تعلق بالعبد، فلا يطلق الرضا فيه ولا ينفى، بل يفصل في أقسامه ويعطى كل قسم ما يليق به نفيًا أو إثباتًا (¬١).\rومما ينبغي أن يعلم أن ثمة أمور - مما صورته الشكوى من القدر - فعلها جائز ولا ينافي الرضا بالقدر ما لم يقترن به شيء مِمَّا يحرم أو يكره، ومنها: الإخبار المجرد بالمصيبة، أو التألم منها، أو حكايتها لمن يرجى منه المعونة في دفعها ونحو ذلك.\rومن الأدلة على ذلك: قوله ﷿ عن موسى ﵇: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢].\rوقوله سبحانه عن لوط ﵇: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧].\rوقوله ﷺ لعائشة: (بل أنا وارأساه) (¬٢).\rوقوله ﷺ لعبد الله ﵁ لما سأله: إنك لتوعك وعكًا شديدًا: (أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم) (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٠٨)، ومدارج السالكين (١/ ٢٥٦).\r(¬٢) رواه البخاري: كتاب الأحكام، باب الاستخلاف (٩/ ٨٠) ح (٧٢١٧).\r(¬٣) رواه البخاري: كتاب المرضى، باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول (٧/ ١١٥) ح (٥٦٤٨)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن. . . (٤/ ١٩٩١) ح (٢٥٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050866,"book_id":1102,"shamela_page_id":709,"part":"2","page_num":759,"sequence_num":709,"body":"فهذا كله يدل على جواز ذلك بشرطه، وأما إذا اقترن به شيء من التظلم أو التبرم أو نحو ذلك فيكون محرمًا.\rولعدم الرضا بالقدر صور كثيرة منها: النياحة على الميت، والحلق ونحوهما مما يكون عند موت أحد، وكذا الجزع والقنوط، والحسد، وتمني الموت لضر دنيوي، وغير ذلك، وجماعها وأسُّها: تسخُّط القلب على ما قدَّره الله وقضاه، إذ كل من الرضا والسخط من عمل القلب.\rوالحاصل أن الرضا بالقدر فيه تفصيل: فما تعلق منه بالرب، علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا؛ فالرضا به واجب، وما تعلق بالعبد؛ فإن كان من قبيل المصائب؛ فالرضا به مشروع وهو مستحب على الصحيح، وما كان من قبيل المعاصي؛ فالرضا به حرام، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050867,"book_id":1102,"shamela_page_id":710,"part":"2","page_num":760,"sequence_num":710,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rالرضا بقضاء الله الذي هو فعله، وكذا الرضا بالمصائب والبلاء مما اتُّفق عليه، وإنما الخلاف في الرضا بالمعاصي والآثام، فقد غلط في ذلك طائفتان (¬١):\rالقدرية المعتزلة؛ فقد قالوا: إن الرضا بالقدر من أعظم المقامات، فلو كانت المعاصي بقضائه لكان ينبغي أن يُرضى بها، والرضا بالكفر والفسوق والعصيان لا يجوز باتفاق المسلمين، فعُلِم أن هذه ليست بقضائه.\rفحملهم قولهم بعدم الرضا بالمعاصي على إخراجها عن أن تكون من قضائه.\rومما يبين ذلك من كتبهم أنهم جعلوا من أدلتهم على نفي خلق الله سبحانه لأفعال العباد أن الرضا بالقضاء واجب، وأفعال العباد فيها الظلم والقبيح، فوجب ألا تكون مرادة ولا مخلوقة له سبحانه.\rقال القاضي عبد الجبار: \"وأحد ما يدل على أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي؛ هو أنه لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبة والرضا والإرادة من باب واحد، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت، حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُد متناقضًا\" (¬٢)، فالإرادة والمحبة والرضا - عندهم - متفقة في المعنى حقيقة (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: جامع المسائل (٣/ ٢١٣ - ٢١٤)، وشفاء العليل (٢/ ٧٦٣ - ٧٦٦).\r(¬٢) شرح الأصول الخمسة (٤٦٤)، وانظر: المغني (٦/ ٢٤١ - ٢٤٢ و ٣٤٦).\r(¬٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050868,"book_id":1102,"shamela_page_id":711,"part":"2","page_num":761,"sequence_num":711,"body":"وقال أيضًا: \"فصل في أن المحبة والرضا والاختيار والولاية ترجع إلى الإرادة\" (¬١).\rفهؤلاء وقعوا في شبهة تلازم القضاء والرضا، فما وافق القدر فهو مرضي، وما خالفه فهو غير مرضيٍّ.\rولا تلازم في حقيقة الأمر فقد يقضي الله سبحانه ما لا يرضاه كالكفر والفسوق والعصيان، وقد يرضى بما لم يقضه كإيمان أبي جهل.\rوضلال المعتزلة في هذا مركب من انحرافهم في ثلاث مسائل:\rالأولى: نفي انقسام الإرادة إلى شرعية وكونية.\rالثانية: نفي التفريق بين الفعل والمفعول.\rالثالثة: نفي انقسام القضاء إلى كوني وشرعي.\rأما المسألة الأولى؛ فقد تقدم بيان الصواب فيها والرد على مخالفة المعتزلة فيما سبق، وأنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة، وأن الله سبحانه قد يريد كونًا ما لم يأمر به شرعًا، وقد يريد شرعًا ما لم يرده كونًا، وكذا المسألة الثانية؛ مضى تفصيل القول فيها.\rوأما المسألة الثالثة: فإن النصوص قد دلت بالاستقراء على التفريق بين القضاء الشرعي والكوني، وإذا ثبت ذلك لم يعد هناك ما يشكل في إثبات كون المعاصي بقدر الله وخلقه.\rوهذه هي حقيقة مخالفة المعتزلة هنا؛ فإنهم أصابوا في أنه لا يجوز الرضا","footnotes":"(¬١) المغني في أبواب التوحيد والعدل (٦/ ٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050869,"book_id":1102,"shamela_page_id":712,"part":"2","page_num":762,"sequence_num":712,"body":"بالمعاصي، لكنهم أخطؤوا في جعل ذلك دليلًا على عدم إرادة الله سبحانه وخلقه لها، وقد تقدم في مبحث خلق الأفعال ما يبطل مذهبهم.\rوذهب غلاة الجهمية إلى أن الرضا بالقضاء قربة وطاعة؛ والمعاصي بقضاء الله؛ فيجب الرضا بها، وهو قول الصوفية الذين طووا بساط الأمر والنهي بالقضاء والقدر.\rفقد اجتمع لهم أربع شبه حادت بهم عن طريق الحق في هذه المسألة هي:\rأولًا: عدم تفريقهم بين المشيئة والمحبة وظنهم أن كل ما شاءه الله سبحانه فقد أحبه، فعندهم أن المعاصي محبوبة للرب سبحانه.\rثانيًا: اعتقادهم أن الله سبحانه أمر بالرضا بها.\rثالثًا: نفيهم للحسن والقبح العقليين.\rرابعًا: قولهم بالجبر ونفي فعل العبد.\rفتركب لهم من اجتماع هذه البلايا رفع الأمر والنهي وطي بساط الشرع والاستسلام للقدر والذهاب معه حيث كان (¬١)، حتى جعلوا الرضا: \"ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار\" كما نقل عن أبي سُليمان الدَّاراني (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٥٢).\r(¬٢) انظر: الرسالة القشيرية (٣٤١)، وهو: أبو سليمان، عبد الرحمن بن أحمد، وقيل: عبد الرحمن بن عطية، وقيل: ابن عسكر العنسي الداراني، الزاهد المشهور، ولد في حدود (١٤٠ هـ)، مما قاله: \"ليس لمن أُلهم شيئًا من الخيرات أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر\"، مات سنة (٢١٥ هـ).\rانظر: صفة الصفوة (٤/ ٢٢٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٢)، وطبقات الصوفية (٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050870,"book_id":1102,"shamela_page_id":713,"part":"2","page_num":763,"sequence_num":713,"body":"والرضا عند الصوفية ثلاث درجات:\rالأول: رضا العامة وهو الرضا بالله ربًّا وتسخط عبادة ما دونه، وهذا قطب رحى الإسلام وهو يطهر من الشرك الأكبر ويصح بثلاثة شروط:\r- أن يكون الله ﷿ أحب الأشياء إلى العبد.\r- وأولى الأشياء بالتعظيم.\r- وأحق الأشياء بالطاعة.\rالثاني: الرضا عن الله وبهذا نطقت آيات التنزيل وهو الرضا عنه في كل ما قضى وقدر، وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص، ويصح كذلك بثلاثة شروط:\r- استواء الحالات عند العبد.\r- سقوط الخصومة مع الخلق.\r- الإخلاص في المسألة والإلحاح.\rالثالثة: الرضا برضا الله تعالى؛ فلا يرى العبد لنفسه سخطًا ولا رضا، فيبعثه على ترك الحكم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز، ولو أُدخل النار (¬١)، وهذا هو الفناء عن شهود السوى.\rفكمال الرضا عندهم بترك الحكم وإسقاط التمييز، وقد صدَّر الهروي هذا الباب بتعريف للرضا مشتمل على هذا، فقال: \"والرضا اسم للوقوف الصادق حيثما وقف العبد، لا يلتمس متقدمًا ولا متأخرًا ولا يستزيد مزيدًا ولا يستبدل حالًا، وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص","footnotes":"(¬١) انظر: منازل السائرين (١٩ - ٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050871,"book_id":1102,"shamela_page_id":714,"part":"2","page_num":764,"sequence_num":714,"body":"وأشقها على العامة\" (¬١).\rومذهب هؤلاء باطل ببطلان ما بنوه عليه، ويزيده بطلانًا أمور:\rالأول: أن حقيقة الرضا فعل ما يرضي الله سبحانه، ورضا ما يرضاه وسخط ما يسخطه، كما قال النَّصرابَاذي: (¬٢) \"من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه\" (¬٣).\rوقال القشيري ﵀: \"واعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بالقضاء الذي أُمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا؛ كالمعاصي، وفنون محن المسلمين\" (¬٤).\rالثاني: أن الأدلة الصحيحة الصريحة دلت على أن الله سبحانه لا يحب الفسوق والكفر ولا يرضاه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].\rفكيف يؤمر العبد بالرضا بما سخطه الله سبحانه؟!\rالثالث: أن الأدلة قد دلت على التفريق بين قضاء الله سبحانه الذي هو فعله وبين المقضي المفعول، فالرضا المطلق إنما هو في فعل الله سبحانه، وأما المفعول المنفصل ففيه تفصيل تقدم.","footnotes":"(¬١) منازل السائرين (١٩).\r(¬٢) هو: أبو القاسم، إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه الخراساني النصراباذي النيسابوري الزاهد شيخ الصوفية، صحب الشبلي وأبا علي الروذباري والمرتعش، مات بمكة سنة (٣٦٧ هـ).\rانظر: تاريخ بغداد (٧/ ١٠٧)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٦٣).\r(¬٣) الرسالة القشيرية (٣٤٠).\r(¬٤) الرسالة القشيرية (٣٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050872,"book_id":1102,"shamela_page_id":715,"part":"2","page_num":765,"sequence_num":715,"body":"الرابع: أن غاية العبادة التي يفعلها العبد الزحزحة عن النار ودخول الجنة بما فيها من نعيم وأعلاه رؤية الجبار ﷻ، وهذا مطلوب جميع المؤمنين وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون، كما في حديث أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ لرجل: (كيف تقول في الصلاة؟) قال: \"أتشهد وأقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دَنْدَنتك ولا دَنْدَنَة معاذ\" فقال النبي ﷺ: (حولها ندندن) (¬١).\rالخامس: أن الله سبحانه أمرنا بالعمل بمقتضى ما أمر وترك ما نهى عنه، فالواجب هذا، وما وقع في قدر الله سبحانه مما لا يوافق إرادة العبد من مصائب وذنوب فالواجب مدافعته بما أمكن، قال شيخ الإسلام ﵀: \"والمقصود من ذلك أن كثيرًا من أهل السلوك والإرادة يشهدون ربوبية الرب وما قدره من الأمور التي ينهى عنها، فيقفون عند شهود هذه الحقيقة الكونية ويظنون أن هذا من باب الرضا بالقضاء والتسليم، وهذا جهل وضلال قد يؤدي إلى الكفر والانسلاخ من الدين؛ فإن الله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق والعصيان، بل أمرنا أن نكره ذلك وندفعه بحسب الإمكان\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٥/ ٢٣٤) ح (١٥٨٩٨)، وأبو داوود: كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة (١/ ٣٥٢) ح (٧٩٢)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقال في التشهد والصلاة على النبي ﷺ (٢/ ١٧٤) ح (٩١٠)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (٧٩٢)، والدَّنْدَنة: أن يتكلّم الرجلُ بالكلام تَسمَع نَغْمَته ولا تفهمه عنه لأنّه يُخفيه. انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٧٠).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050873,"book_id":1102,"shamela_page_id":716,"part":"2","page_num":766,"sequence_num":716,"body":"وهذا القول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، وما ذكروه في تعريف الرضا وفي درجاته متعقب من وجوه، منها:\rأولًا: جعلهم الرضا بالله ربًّا وتسخط عبادة ما دونه، رضا العامة، وأدنى درجات الرضا غير صحيح، إذ الرضا بالله ربًّا هو أصل الرضا بالقضاء، ومشتمل عليه، فمن الرضا بالله ربًّا: الرضا بما يقدره من مصائب، وهكذا.\rوالرضا بالله ربًّا من المقامات العالية في الإيمان، كما سبق في الحديث: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) (¬١).\rثانيًا: جعلهم الرضا ترك الدعاء والسؤال بالنجاة من النار، وهذا باطل؛ فإن الرضا الشرعي الصحيح لا يتضمن ترك مشروع من واجب أو مستحب، ولا فعل محرم، فالدعاء الذي هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا، وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن سؤال الله سبحانه الجنة والاستعاذة به من النار من أعظم الأدعية المشروعة لجميع المرسلين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٧٤٤).\r(¬٢) انظر: الاستقامة (٤٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050874,"book_id":1102,"shamela_page_id":717,"part":"2","page_num":767,"sequence_num":717,"body":"المبحث العاشر: \"من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك\"\rوتحته مطلبان:\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة، وتحته ثلاث مسائل:\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rالمسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rالمطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050875,"book_id":1102,"shamela_page_id":718,"part":"2","page_num":769,"sequence_num":718,"body":"المبحث العاشر: \"من الأفعال ما يكون حسنه وقبحه مدرَكًا بالعقل، ومنها ما لا يكون كذلك\"\r\rالمطلب الأول: تفصيل القول في هذه القاعدة:\rوتحته ثلاث مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تقرير كونها قاعدةً من كلام أهل العلم.\rقال ابن قتيبة ﵀: \"وإنما يقبح كل قبيح بنهي الله تعالى عنه، ويحسن الحسن بأمر الله ﷿ به، خلا أشياء جعل الله في الفطر استقباحها كالكذب والسعاية والغيبة والبخل والظلم وأشباه ذلك\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام ﵀: \"والقرآن دل على ثبوت حسن وقبح قد يعلم بالعقول ويعلم أن هذا الفعل محمود ومذموم، ودل على أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال رسول\" (¬٢).\rوقال ابن القيم ﵀: \"وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) تأويل مختلف الحديث (٢٤٤).\r(¬٢) درء التعارض (٨/ ٤٩٣ - ٤٩٤).\r(¬٣) مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050876,"book_id":1102,"shamela_page_id":719,"part":"2","page_num":770,"sequence_num":719,"body":"المسألة الثانية: الأدلة على القاعدة.\rيمكن تقسيم الأدلة على هذه القاعدة إلى قسمين:\rالقسم الأول: الأدلة على أن العقل يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها، وهي أنواع:\rالأول: إخباره سبحانه عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٠، ١١]، وقال في فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤]، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١]، فأخبر أنه ظالم وطاغ ومفسد هو وقومه وهذه أسماء ذم الأفعال، والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة، فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الشرع بحسنها وقبحها.\rوكذلك قول لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، فدل على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم عنها (¬١).\rالثاني: أمره سبحانه المشركين بالتوبة والاستغفار مما هم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].\rوقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٠ - ٥٢].","footnotes":"(¬١) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٩٣)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٦٧٨ - ٦٨١) و (٢٠/ ٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050877,"book_id":1102,"shamela_page_id":720,"part":"2","page_num":771,"sequence_num":720,"body":"فلو لم تكن هذه الأفعال قبيحة إذ ذاك؛ لما كان للأمر بالاستغفار والتوبة منها معنى (¬١).\rالثالث: أمره سبحانه المشركين بالتعقل والتفكر والتذكر ونحوها للانتباه من غفلة ما هم عليه من الشرك والكفر.\rكما قال ﷿: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠]، و ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، و ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩].\rفلولا أن قبح ما هم عليه من الكفر يدرك بالعقل لما كان لأمرهم بالرجوع إلى عقولهم معنىً (¬٢).\rالرابع: إخباره سبحانه بأنه أرسل النبي ﷺ بالأمر بما هو طيب وحسن والنهي عما هو خبيث وقبيح.\rقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\rفأخبر سبحانه بأن رسوله يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر، ويحل كل طيب ويحرم كل خبيث، ولو كان هذا المعروف والمنكر والطيب والخبيث إنما اكتسب هذه الصفات بأمره الشرع ونهيه؛ لكان معنى الآية: يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم، ويحل لهم ما أحله، ويحرم عليهم ما حرمه، وهذا","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٧٩).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (١١/ ٦٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050878,"book_id":1102,"shamela_page_id":721,"part":"2","page_num":772,"sequence_num":721,"body":"باطل ينزه عنه كلام الله وكلام رسوله ﷺ (¬١).\rومثله قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].\rفالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى أفعال حسنة في ذاتها، لم تكتسب الحسن من أمر الشرع بها، والفحشاء والمنكر والبغي أفعال قبيحة قبل نهي الشرع عنها، ولو لم تكن كذلك للزم أن يكون المعنى: يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ينهاهم عنه، وهو باطل كما تقدم.\rومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٨، ٢٩].\rإذ لو كان حسن القسط، وقبح الفاحشة مستفادًا من الأمر والنهي فحسب لكان المعنى: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وإنما يأمر بما أمر به، وهذا لغو ينزه الرب ﷿ عنه.\rالخامس: إخباره سبحانه بأنه لا يسوي بين البصر والعمى، والحياة والموت، والظلمات والنور، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].\rفلو لم يكن في البصر صفة تقتضي حسنه ولا في العمى صفة تقتضي","footnotes":"(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٧٩)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ١٧٨)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050879,"book_id":1102,"shamela_page_id":722,"part":"2","page_num":773,"sequence_num":722,"body":"قبحه؛ لما كان لنفي التسوية بينهما معنى، وقس على ذلك فيما ذُكر (¬١).\rالسادس: ضربه سبحانه الأمثال لعباده على حسن توحيده وقبح الشرك به بأشياء يعلمون حسنها وقبحها بعقولهم، كما قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩].\rوقال ﷿: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، وقال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣] (¬٢).\rفلو كان ما ضرب به المثل من الحسن والقبح متوقفًا على تحسين الشرع وتقبيحه لكان هذا استدلالًا بموضع النزاع، فكأنه قال لهم: أضرب لكم مثلًا على حسن التوحيد بما حسنته من سلم العبد لسيده، وعلى قبح الشرك بما قبحته من تشارك الجمع في عبد، وهذا باطل.\rالسابع: تعليله سبحانه نهيه عن أشياء لكونها فاحشة في نفسها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فذكر وصف الفحش عند ذكر الحكم وهو الحرمة، فدل على أنه علة له.\rوأصرح منه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٩).\r(¬٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050880,"book_id":1102,"shamela_page_id":723,"part":"2","page_num":774,"sequence_num":723,"body":"إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].\rفعلل التحريم بكون ذلك فاحشة في نفسه، ولو لم يكن في نفسه فاحشة لم يصح تعليل الحكم به، لأن الوصف عندئذ يستفاد من الحكم الذي هو أمر الشرع، فيكون متأخرًا عنه فلا يصح أن يكون علة له.\rثم يقال أيضًا: العلة يجب أن تغاير المعلول، فلو كان معنى كونها فاحشة هو معنى كونها منهيًّا عنها؛ للزم أن تكون العلة عين المعلول وهذا محال (¬١).\rومن هنا كان من نفى التحسين والتقبيح العقليين ناف للحكمة، إذ لا وصف حينئذ يكون به الفعل حسنًا أو قبيحًا، والحكمة منشؤها من صفة الشيء؛ فلا حكمة حينئذ (¬٢).\rوأما ما أثبته نفاة التحسين والتقبيح من حسن الشرائع فمعزول عن الحكمة، إذ منشؤه عندهم ذات الأمر والنهي، لا صفة في المأمور اقتضت ذلك، فلو أمر بالشرك ونهى عن التوحيد لحَسُن ذلك عندهم، ومعلوم أن هذا لا يمكن وقوعه لما في وقوعه من منافاة لحكمة الله سبحانه ووحدانيته، ولكن هؤلاء جوزوا فرض وقوعه لأنهم سدوا على أنفسهم باب التعليل.\rولذلك فإن إثبات الحكمة من أعظم الأدلة الشرعية العقلية على ثبوت الحسن والقبح العقليين.\rالقسم الثاني: الأدلة على أن من الأشياء ما لا يعلم قبحه بالعقل بل","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٢٩).\r(¬٢) انظر: إيثار الحق (٣٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050881,"book_id":1102,"shamela_page_id":724,"part":"2","page_num":775,"sequence_num":724,"body":"بالشرع، وهي نوعان:\rالأول: ما جاء من تحسين وتقبيح في الشارع لما لا صفة فيه تقتضي للعقل تحسينه أو تقبيحه.\rكحسن كون صلاة الظهر أربعًا والمغرب ثلاثًا وقبح كونهما على خلاف ذلك.\rالثاني: ما جاء من نصوص في تحسين ما قبح في العقل، أو تقبيح ما حسن في العقل لحالة أو شخص معين.\rكإباحة أو استحباب أو إيجاب الشرع لما قبح في العقل للضرورة، كالميتة للمضطر، أو الكذب لحفظ الدم ونحوه، أو للحاجة كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وكذا في معاشرة النساء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050882,"book_id":1102,"shamela_page_id":725,"part":"2","page_num":776,"sequence_num":725,"body":"المسألة الثالثة: شرح القاعدة.\rمسألة التحسين والتقبيح من مسائل الدين العظام، التي من خالف الحقَّ فيها؛ خالفه الحقُّ في مسائل أخرى جليلة.\rالحُسْن لغةً: ضد القبح، يقال حسَن الشيء وحسُن، يحسُن حسنًا، فهو حاسَنٌ وحَسَنٌ وحُسَانٌ وحَسَّانٌ.\rوالتحسين مصدر الفعل المضعف: حسَّن، يقال: حسَّن الشيء تحسينًا، إذا زينه (¬١).\rوالقبح نقيضه، يقال: قبح فلان يَقْبُح قَبَاحَةً وَقُبْحًا وقبوحًا وقباحًا وقبوحةً، فهو قبيح.\rوالتقبيح كالتحسين مصدر المضعَّف: قبَّح الشيء تقبيحًا، أي: أبعده ونحَّاه عن الخير (¬٢).\rوالكلام على هذه القاعدة في مسائل:\rالأولى: تحقيق المراد بالحسن والقبح.\rالثانية: بيان أنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع، وبين الثواب والعقاب عليها.\rالثالثة: أن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان. . .","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣١٤)، ولسان العرب (١٦/ ٢٦٩)، مادة: (حسن).\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٧٥)، والصحاح (١/ ٣٩٣)، مادة: (قبح).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050883,"book_id":1102,"shamela_page_id":726,"part":"2","page_num":777,"sequence_num":726,"body":"المسألة الأولى: تحقيق المراد بالحسن والقبح.\rمراد أهل السنة بالتحسين والتقبيح أن الأفعال مشتملة على أوصاف تكون بها حسنة أو قبيحة، وهذه الأوصاف ذاتية لهذه الأفعال، ولكونها ذاتية؛ فإن العقل يدركها، ويحكم بها، ولا يتوقف إدراكها على ورود الشرع بحسنها وقبحها.\rوذلك أن الحسن والقبح عندهم يرجعان إلى كون الشيء نافعًا وضارًّا، أو ملائمًا ومنافرًا؛ فالحسن هو النافع أو الملائم، والقبيح هو الضار أو المنافر.\rوالحسن والقبح بهذا المعنى لم يختلف في كونه يعلم بالعقل حتى عند نفاة التحسين والتقبيح، وإنما الخلاف في كون هذا الحسن والقبح سببًا للذم والعقاب أو المدح والعقاب بذاته، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع به.\rفها هنا معنيان ذُكرا للحسن والقبح:\rالأول: الموافقة والمخالفة، فالموافق هو الملائم النافع الحسن، والمخالف هو المنافر الضار القبيح.\rالثاني: كون الشيء سببًا للمدح والذم والثواب والعقاب، فالحسن: ما تعلق به المدح والثواب في العاجل والآجل، والقبيح ما تعلق به الذم والعقاب في العاجل والآجل.\rوقد ذكر بعضهم معنى ثالثًا، وهو كون الشيء صفة كمال وصفة نقص، وليس بصواب، لأمرين:\r١) أن هذا المعنى لم يذكره عامة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، وإنما ذكره الرازي (¬١)، وسلفه فيه الفلاسفة.","footnotes":"(¬١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (١/ ١٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050884,"book_id":1102,"shamela_page_id":727,"part":"2","page_num":778,"sequence_num":727,"body":"٢) أنه راجع إلى المعنى الأول في حقيقة الأمر، لأن الكمال موافق نافع ملائم، والنقص مخالف منافر ضار (¬١).\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"والحسن والقبح من أفعال العباد يرجع إلى كون الأفعال نافعة لهم وضارة لهم، وهذا مما لا ريب فيه أنه يعرف بالعقل\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"والعقلاء متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائمًا للإنسان وبعضها منافيًا له إذا قيل: هذا حسن وهذا قبيح، فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء.\rوتنازعوا في الحسن والقبح بمعنى كون الفعل سببًا للذم والعقاب هل يعلم بالعقل أم لا يعلم إلا بالشرع؟ وكان من أسباب النزاع أنهم ظنوا أن هذا القسم مغاير للأول وليس هذا خارجا عنه؛ فليس في الوجود حسن إلا بمعنى الملائم، ولا قبيح إلا بمعنى المنافي، والمدح والثواب ملائم والذم والعقاب مناف، فهذا نوع من الملائم والمنافي.\rيبقى الكلام في بعض أنواع الحسن والقبيح لا في جميعه، ولا ريب أن من أنواعه ما لا يعلم إلا بالشرع، ولكن النزاع فيما قبحه معلوم لعموم الخلق كالظلم والكذب ونحو ذلك\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٨ - ٣١٠)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٢ - ٤١٣)، والعواصم والقواصم (٥/ ٢٥٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، وإرشاد الفحول (١/ ٧٨ - ٧٩).\rوإطلاق ابن النجار في (١/ ٣٠٢) عن شيخ الإسلام - رحمهما الله - أن العقل \"يوجب ويحرم\" خطأ.\r(¬٢) الرد على المنطقيين (٤٦٦).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050885,"book_id":1102,"shamela_page_id":728,"part":"2","page_num":779,"sequence_num":728,"body":"وأما الحسن والقبيح الشرعيان: فهما المأمور والمنهي، فما أمر به فهو حسن، وهو متضمن للمدح والثواب، وما نهي عنه فهو قبيح، وهو متضمن للذم والعقاب (¬١).\rوالحسن والقبح في الأشياء أمران وجوديان، وليسا عدميين، لأنهما صفتان ثبوتيتان، فالحسَن حسُن لصفة أوجبت حسنه، والقبيح قبُح لصفات أوجبت قبحه، وهذه أمور وجودية، وكل منهما إنما حصل لعدم نقيضه، فلما كان نقيضه عدميًّا وجب أن يكون هو وجوديًّا (¬٢).\rومن هنا كانت الأفعال عند أهل السنة ثلاثة أقسام:\rالأول: ما علم حسنه أو قبحه بالعقل قبل ورود الشرع، وهو ما كان مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة للعالم والظلم مشتمل على مفسدة لهم، فحسن العدل وقبح الظلم يعرف بالعقل لكن لا يلزم من هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة أو مذمومًا إلا إن يرد بذلك الشرع.\rالثاني: ما توقفت معرفة حسنه وقبحه على الشرع، فصفة الحسن والقبح هنا استفيدت من الشرع ولا مدخل للعقل فيها.\rالثالث: ما كان من قبيل الامتحان، وهذا مرجعه إلى الشرع، والحسن فيه عائد إلى نفس الأمر لا إلى المأمور به؛ إذ المأمور به غير مراد، فالأمر لما اشتمل عليه من مصلحة وحكمة حسن من الشارع، وما اشتمل عليه المأمور به من","footnotes":"(¬١) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٢).\r(¬٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050886,"book_id":1102,"shamela_page_id":729,"part":"2","page_num":780,"sequence_num":729,"body":"قبح فإنه غير مراد ولا مطلوب له، كأمر الله سبحانه إبراهيم بذبح ولده (¬١).\rومسألة التحسين والتقبيح قائمة على أصول ثلاثة، من لم يحكمها لم يستقر له فيها قدم، وهي (¬٢):\rالأول: أن أفعال الله سبحانه معللة بالحكم والغايات الحميدة.\rالثاني: أن هذه الحكمة هي وصفه سبحانه، ويشتق له منها اسم.\rالثالث: أن الإرادة الإلهية نوعان: إرادة كونية مرادفة للمشيئة، وإرادة شرعية مرادفة للمحبة.\rوقد سبق الكلام على هذه الأصول الثلاثة في مبحثين سابقين (¬٣)، والمقصود بيان علاقة هذه الأصول بمسألة التحسين والتقبيح وكيف انبنت عليها.\rأما الأصل الأول: فحاصله أن إثبات التعليل في أفعاله تعالى يتضمن إثبات أوصاف تكون مناطًا للعلة، ومرجع هذه الأوصاف إلى الحسن والقبح، فالرب سبحانه يفعل الحسن لأنه يحبه، ويترك القبيح لأنه يبغضه، إذ المحبة هي الغاية الأولى والعلة الكلية التي يفعل ﷾ لأجلها (¬٤).\rوأيضًا فإن التفصيل في أنواع الأفعال من حيث الحسن والقبح مبني على التفصيل في مسألة الحكمة؛ فما كان فيه حكمة في نفسه؛ فحسنه عقلي، ثم قد","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤٤٥).\r(¬٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٩).\r(¬٣) انظر ما تقدم ص (٤١١) وما بعدها، و (٥٢٣) وما بعدها.\r(¬٤) انظر ما تقدم ص (٤٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050887,"book_id":1102,"shamela_page_id":730,"part":"2","page_num":781,"sequence_num":730,"body":"ينضاف إلى ذلك الأمر به فيكون حسنه مع ذلك شرعي، وما لم يكن فيه حكمة ثم أمر به فحسنه شرعي، وما كان فيه منافاة للحكمة وأُمر به فهو من قبيل الامتحان، والحسن فيه في الأمر فيه لا في المأمور؛ إذ نفس الفعل ليس مقصودًا للآمر.\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"إن حسن الفعل يحصل من نفسه تارة، ومن الآمر تارة، ومن مجموعهما تارة\" (¬١).\rوأما الأصل الثاني: فلأن الله سبحانه له الكمال كله؛ كمال الذات وكمال الصفات والأسماء وكمال الأفعال، وهو منزه سبحانه عن كل ما يضاد هذا الكمال.\rومن صفات الكمال له سبحانه: الحكمة، فهو الحكيم والحكمة وصفه، فليس له فعل خارج عن الحكمة، بل الحكمة وصف لازم لأفعاله ﷿.\rومما ينزه عنه سبحانه: ما يضاد هذه الصفة، وهو خلو الفعل عن حكمة يحسن لأجلها فعله، إذ ما خلا عن الحكمة أحد فعلين:\r- ما اشتمل على خلافها.\r- ما خلا منها ومن خلافها.\rفما اشتمل على الحكمة هو الحسن، وما اشتمل على خلافها هو القبيح، وما خلا من الحكمة وخلافها هو العبث، والله موصوف بالحكمة، ومنزه عن القبيح والعبث.\rفإثبات حكمة ترجع إليه سبحانه اسمًا ووصفًا يتضمن إثبات حسن وقبح تنشأ عنهما الحكمة في الفعل والترك، لأن الله لا يتصف إلا بالكمال.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050888,"book_id":1102,"shamela_page_id":731,"part":"2","page_num":782,"sequence_num":731,"body":"وأما الأصل الثالث: فلأن الأفعال الحسنة التي هي منشأ المصالح يحبها الله سبحانه ويرضاها، ثم قد تتعلق بها مشيئته سبحانه فتوجد، وقد لا تتعلق بها مشيئته سبحانه لكون حصولها يفوت مصلحة أكبر منها فتعدم.\rوالأفعال القبيحة التي هي منشأ القبائح يبغضها الله سبحانه ولا يرضاها، لكن قد تتعلق بها مشيئته لاستلزامها لحكمة أعظم منها فتوجد.\rفمشيئته سبحانه مقرونة بالحكمة، فما اقتضت الحكمة وجوده وجد وإن كان في أصله قبيحًا، وهو بوجوده لم يخرج عن كونه كذلك في نفسه، وإنما الحسن بما اشتمل عليه وجوده من وجوه الحكمة.\rوما اقتضت الحكمة عدمه عدم، وإن كان في أصله حسنًا، ولم يخرجه عدمه عن كونه حسنًا في ذاته، والحسن في عدمه بما استلزمه عدمه من حكمة أعظم من وجوده.\rوبهذا التفصيل في الإرادة يتضح المذهب الحق في هذه المسألة.\rولم يثبت هذه الأصول مجتمعة إلا أهل السنة، ولذلك لم يجد التناقض إلى مذهبهم من سبيل، وأما مخالفوهم؛ فمنهم من نفاها جميعًا، ومنهم من أثبت الأول فقط.\r\rالمسألة الثانية: بيان أنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها.\rمن المتقرر أن الوجوب والحرمة والثواب والعقاب وما جرى مجراهما إنما يتلقى من الشرع، إذ لا سبيل للعقل إلى ذلك، وإلا لاستغنى الناس بعقولهم عن الشرع، وهذا باطل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050889,"book_id":1102,"shamela_page_id":732,"part":"2","page_num":783,"sequence_num":732,"body":"فها هنا أمران:\rأحدهما: أن الأحكام والأوصاف الشرعية إنما تتلقى من الشارع دون غيره.\rالثاني: أن الذم والعقاب متوقف على بلوغ حجة الله سبحانه للعباد.\rأما الأمر الأول: فهو مقتضى شهادة التوحيد، وهو أصل من أصلين يقوم عليهما توحيد العبادة، وهما: أن لا يُعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وقد دل عليه جملة عظيمة من النصوص، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].\rوقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\rوقوله ﷺ: (عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًّا، وسترون من بعدي اختلافًا شديدًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات؛ فان كل بدعة ضلالة) (¬١).","footnotes":"(¬١) رواه أحمد (٢٨/ ٣٧٥) ح (١٧١٤٥)، ومن طريقه أبو داود: كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٥/ ١٢) ح (٤٦٠٧)، ورواه الترمذي: أبواب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٤/ ٤٠٨) ح (٢٦٧٦)، وابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ٧١) ح (٤٢) من حديث العرباض بن سارية ﵁، وصححه الألباني في الإرواء ح (٢٤٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050890,"book_id":1102,"shamela_page_id":733,"part":"2","page_num":784,"sequence_num":733,"body":"وقال ابن مسعود ﵁: \"اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتكم؛ كل بدعة ضلالة\" (¬١).\rوقال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]: \"أخلصه وأصوبه\"، قال: \"إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة\" (¬٢).\rوقال أبو البركات نعمان الألوسي ﵀: \"وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله تعالى بما سنح له وأحبه، بل لا يعبده إلا بما كان عبادة لله عند الله تعالى\" (¬٣).\rوأما الأمر الثاني: فقد تقدم الكلام عن شيء منه فيما مضى (¬٤)، وحاصله أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد وصول الحجة الرسالية إليه.\rومن الأدلة عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\rقال قتادة ﵀: \"إن الله ﵎ ليس يعذب أحدًا حتى يسبق إليه من الله خبرٌ، أو يأتيه من الله بينة، وليس معذبًا أحدًا إلا بذنبه\" (¬٥).\rوقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ","footnotes":"(¬١) رواه الدارمي (١/ ٢٨٨) ح (٢١١)، والطبراني (٩/ ١٦٨) ح (٨٧٧٠).\r(¬٢) رواه ابن أبي الدنيا في الإخلاص والنية (٥٠) رقم (٢٢).\r(¬٣) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (٤٦١).\r(¬٤) انظر ما تقدم ص (٦٦١ - ٥٧٢).\r(¬٥) رواه ابن جرير (١٤/ ٥٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050891,"book_id":1102,"shamela_page_id":734,"part":"2","page_num":785,"sequence_num":734,"body":"الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\rوحديث الأسود بن سريع ﵁: أن نبي الله ﷺ قال: (أربعة يوم القيامة؛ رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا) (¬١).\rإذا تبين هذا؛ عُلم أنه لا تلازم بين كون الشيء قبيحًا في نفسه، وبين المؤاخذة به، لأن المؤاخذة حكم يتلقى من الشرع، فقبل وروده لا مؤاخذة عليه، وإذا كانت المؤاخذة على ما قبح في الشرع متوقفة على وصول الحجة؛ فمن باب أولى ألا تكون المؤاخذة على ما قبح عقلًا قبل ورود الشرع.\rوهذه المسألة هي التي خفيت على مخالفي أهل السنة فظنوا أن ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع مستلزم لأن يحاسبوا عليها، فأنكره بعضهم والتزمه آخرون، ولو وفَّوا هذه المسألة حقها لما كان ثَمَّ خلاف ولعادت مسألة التحسين والتقبيح اتفاقية وفاقية لا خلافية (¬٢).\rفإن قيل: ما فائدة كون الشيء في نفسه قبيحًا إذا لم يكن ثم عقاب عليه؟","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٣١٩).\r(¬٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٢ - ٤١٤)، وإيثار الحق (٣٤٢ - ٣٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050892,"book_id":1102,"shamela_page_id":735,"part":"2","page_num":786,"sequence_num":735,"body":"فالجواب من وجوه:\rالأول: أن الله فطر عباده على استحسان الحسن وبغض القبيح، فلو لم تكن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة لما أمكنهم التفريق بينها حبًّا وبغضًا، وهذا مما لا تقوم معه معايشهم، إذ الحسن والقبح ضدان في اللغة والعقل، فإذا لم يعرف حسن الأفعال من قبحها لم يتوجه الحب والبغض إلى شيء منها، فلا تتوجه حركاتهم إلى أحدهما - إذ الحركات مرجعها إلى المحبة وخلافها كما تقدم - مع ضرورة الناس إلى أحد هذين الضدين الموصوفين بالحسن والقبح.\rالثاني: أن فاعل القبيح قبل ورود الشرع معيب منقوص، ليست حاله كحال من لم يفعله، وإن قدر أنه لن يعاقب عليه، فقد عاب الله سبحانه على المشركين أفعالهم القبيحة في جاهليتهم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، فذم آباءهم لفعلهم الشرك قبل البعثة، ولم يكتف بذم الفعل نفسه (¬١).\rالثالث: أن فعل القبيح - على الصواب - سبب للعقوبة، وإن لم يعاقب به لانتفاء شرط الحجة، وذلك أن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الحسن وقبح القبيح، فهم بمخالفتهم لما أودع الله في فطرهم من ذلك متسببون في العقوبة مستحقون لها، لكن انتفاء الشرط الذي هو الحجة منع من وجوبها (¬٢).\rومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨٦).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050893,"book_id":1102,"shamela_page_id":736,"part":"2","page_num":787,"sequence_num":736,"body":"ووجه الدلالة: أنه سبحانه جعل ما قدمته أيديهم من الكفر والذنوب سببًا لإصابتهم بالمصيبة، وجعل إرسال الرسول حجة قاطعة لعذرهم في عدم بلوغهم مراده سبحانه، فالمعصية سبب والحجة شرط، فإذا وجد السبب وتحقق الشرط؛ وجد مقتضاهما من العقوبة.\rوفي هذه الآية حجة كذلك على ثبوت الحسن والقبح قبل الشرع؛ لأن أفعالهم لو لم تكن حسنة وقبيحة لما كانت سببًا للعقوبة (¬١).\rقال ابن القيم ﵀: \"والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة، ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله، لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطًا وهو بعثة الرسل، وانتفاء التعذيب قبل البعثة، هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه، وهذا هو فصل الخطاب في هذا المقام\" (¬٢).\r\rالمسألة الثالثة: أن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان. . .\rمراد أهل السنة بكون الفعل حسنًا أو قبيحًا في ذاته: أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة، فالحسن سبب للمصلحة، والقبيح سبب للمفسدة، فترتب المصلحة والمفسدة في الفعل عليهما كترتب سائر المسبَّبات على أسبابها، كالرِّي على الشرب، والشبع على الأكل، لكن قد تختلف المصلحة والمفسدة - كسائر المسببات الأخرى - باختلاف الأحوال والأشخاص والأماكن، فالدواء قد يكون نافعًا في حق شخص ضارًّا في حق آخر، ترياقًا في حال، وسمًّا في حال","footnotes":"(¬١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\r(¬٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050894,"book_id":1102,"shamela_page_id":737,"part":"2","page_num":788,"sequence_num":737,"body":"أخرى، فتخلف المسبب لا يستلزم منه خروج السبب عن اقتضائه لأثره.\rوأيضًا فكونه ذاتيًّا المراد به أنه وصف للفعل ناشئ عن معنى تضمنه، فالقبح وصف ذاتي للكذب، لأنه متضمن لهدر الحقوق وضياع الأمانات، وفساد معيشة الناس، والحسن وصف ذاتي للعفاف لأنه متضمن حفظ أعراض الناس وأنسابهم، وهكذا. . . (¬١).\rولهذه العلاقة بين المصلحة والمفسدة والحسن والقبح قسم أهل العلم الأفعال من حيث لزوم الحسن والقبح لها من عدمه إلى قسمين (¬٢):\r- ما لا يتغير حسنه وقبحه بحال ولا شخص، كالشرك بالله سبحانه؛ فإنه يقبح من كل أحد وفي كل حال، وكشكر المنعم فإنه حسن من كل أحد وفي كل حال.\rوضابط هذا القسم أن يكون الفعل واجبًا لنفسه أو محظورًا لنفسه، فالحسن والقبح وصفان لازمان عندئذ، فلا يتغير حكمه ولا يرد الشرع بخلافه.\r- ما يتغير حسنه وقبحه تبعًا للمصلحة والمفسدة، بتغير الأحوال والأشخاص، فالكذب قبيح في أصله لكنه يحسن إذا كان لدفع شر أكبر منه، كالكذب لدفع القتل عن نبي، وبالمقابل؛ فالصدق حسن في نفسه لكنه يقبح في هذه الحالة.\rوضابط هذا القسم أن يكون الفعل منوطًا بالمصلحة، فالحسن والقبح فيه عندئذ تابع للمصلحة، حالًا وشخصًا ومكانًا وزمانًا. . . وليس وصفًا لازمًا.","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٧٥ - ٣٩٣).\r(¬٢) انظر: المسودة في أصول الفقه (٢/ ٨٧٧ - ٨٧٨)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٦ - ٣٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050895,"book_id":1102,"shamela_page_id":738,"part":"2","page_num":789,"sequence_num":738,"body":"وهذا التغير المنوط بالمصلحة إما أن يرجع إلى صفة الفعل التي بها حسن أو قبح، وإما أن يرجع إلى أمر خارج عنه وهو اختلاف الحال أو الشخص أو الزمان أو المكان. . . (¬١)\rقال شيخ الإسلام ﵀: \"ومن الناس من يظن أن الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف، وأن معنى كون الحسن صفة ذاتية له هذا معناه وليس الأمر كذلك بل قد يكون الشيء حسنًا في حال قبيحًا في حال\" (¬٢).\rوالحاصل أن الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل قبل ورود الشرع، ومنه ما لا يعرف إلا بالشرع، وأنه لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها، وأن من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: الرد على المنطقيين (٤٦٥ - ٤٦٦).\r(¬٢) المصدر السابق (٤٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050896,"book_id":1102,"shamela_page_id":739,"part":"2","page_num":790,"sequence_num":739,"body":"المطلب الثاني: المخالفون لأهل السنة في هذه القاعدة، والرد عليهم.\rخالف أهل السنة في هذه القاعدة الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية.\rأما الأشاعرة؛ فذهبوا إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وأن العقل لا مدخل له في تحسين شيء ولا تقبيحه، وأنه ليس للفعل صفة في نفسه بها يحسن ويقبح، وأن ذلك إنما يعرف بالشرع، فما أمر به الشرع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح، وما حسنه فهو حسن وما قبحه فهو قبيح.\rوعند هؤلاء أن الحسن والقبح مستفاد من الشرع لا غير، فلو أمر بالظلم لكان حسنًا، ولو نهى عن البِر لكان قبيحًا.\rقال الأشعري: \"فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه، قيل له: أجل، ولو حسَّنه لكان حسنًا، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"وأجمعوا على أن القبيح من أفعال خلقه ما نهاهم عنه وزجرهم عن فعله، وأن الحسن ما أمرهم به أو ندبهم إلى فعله أو أباحه لهم\" (¬٢).\rوقال الباقلاني: \"واعلموا أنه ليس تحت وصف فعل المكلف بأنه حسن أو قبيح صفة هو في نفسه عليها يستحقها لذاته وجنسه، أو لمعنى يقوم به، أو لوجه هو في العقل عليه. . . وإنما يجب وصف فعل المكلف بأنه حسن وقبيح: إنه مما حكم الله بحسنه أو قبحه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) اللمع (١١٧).\r(¬٢) رسالة إلى أهل الثغر (٢٤٣).\r(¬٣) التقريب والإرشاد للباقلاني (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050897,"book_id":1102,"shamela_page_id":740,"part":"2","page_num":791,"sequence_num":740,"body":"وقال أبو الوَليد البَاجي (¬١): \"ليس في العقل حسنُ حسنٍ ولا حظرُ محظورٍ، ولا إباحة مباح ولا وجوب واجب\" (¬٢).\rوقال الجويني: \"لا يدرك بمجرد العقل حسن ولا قبح على مذهب أهل الحق، وكيف يتحقق درك الحسن والقبح قبل ورود الشرائع مع ما قدمناه من أنه لا معنى للحسن والقبح سوى ورود الشرائع بالذم والمدح، فالحسن إذن على التحقيق هو التحسين، وذلك نفس الشرائع، وكذلك القبح يرجع إلى التقبيح، وهو عين الشرع\" (¬٣).\rوقال: \"ثم من أحكام الشرع: التقبيح والتحسين، وهما راجعان إلى الأمر والنهي، فلا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه، كما لا يحسن شيء لعينه\" (¬٤).\rوقال الغزالي: \"فإنه لا معنى للحسن والقبح بالإضافة إلى ذوات الأشياء، بل الحسن ما أمر به والقبيح ما نهى عنه، فيكون الحسن والقبح تابعًا للأمر والنهي؛ لا علة ولا متبوعًا\" (¬٥).\rوقال الآمدي: \"مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الأفعال لا توصف","footnotes":"(¬١) هو: أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي الباجي المالكي، ولد في باجة بالأندلس (٤٠٣ هـ)، من كتبه: \"المنتقى\"، و\"إحكام الفصول في أحكام الأصول\"، مات سنة (٤٧٤ هـ).\rانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٧٧).\r(¬٢) إحكام الفصول في أحكام الأصول (٢/ ٦٨٧).\r(¬٣) التلخيص في أصول الفقه (١/ ١٥٧).\r(¬٤) البرهان في أصول الفقه (١/ ٨٧)\r(¬٥) المستصفى (٣/ ١٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050898,"book_id":1102,"shamela_page_id":741,"part":"2","page_num":792,"sequence_num":741,"body":"بالحسن والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح\" (¬١).\rوقال الإيجي: \"القبيح ما نُهي عنه شرعًا، والحسن بخلافه، ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها، وليس ذلك عائدًا إلى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبين، ولو عكس القضية فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه؛ لم يكن ممتنعًا وانقلب الأمر\" (¬٢).\rواستدل الأشاعرة على مذهبهم بأدلة شرعية وشبه عقلية.\rأما الأدلة الشرعية؛ فمنها:\r- قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\r- قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\r- قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠].\rوجه الدلالة من هذه الآيات أن الله سبحانه لا يعذب إلا بعد قيام الحجة على الناس بإرسال الرسل وبيان الشرع، فلو كانت الأحكام مدركها العقل للزم أن تقوم الحجة على الخلق بذلك، وللزم أن يستحقوا الثواب والعقاب بدون بعثة الرسل (¬٣).","footnotes":"(¬١) الإحكام (١/ ١١٢).\r(¬٢) المواقف (٣٢٣).\r(¬٣) هذه الأدلة مع أدلة أخرى نحوها استدل بها السمعاني في قواطع الأدلة (٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050899,"book_id":1102,"shamela_page_id":742,"part":"2","page_num":793,"sequence_num":742,"body":"وأما الأدلة العقلية؛ فمنها:\rأولًا: أن العبد مجبور في أفعاله، وإذا كان كذلك؛ لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح، لأن ما ليس فعلًا اختياريًّا لا يتصف بهذه الصفات بالاتفاق.\rوهذا الدليل هو الذي اعتمده الرازي (¬١).\rثانيًا: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين في الفعل للزم قيام العرَض بالعرَض، وهو باطل، بيان ذلك: أن الحسن أو القبح صفتان للفعل، وهما زائدتان عليه، إذ قد يعقل الفعل ولا يعقل كونه حسنًا أو قبيحًا، وهما وجوديان لأن نقيضيهما عدميان، فإذا كانا ذاتيين للفعل، وهما مع ذلك وصفان وجوديان زائدان ليسا من ماهية الفعل؛ بل قائمان به؛ فيلزم من ذلك قيام العرَض بالعَرض، وهو باطل، فثبت بهذا أن ليس للفعل من ذاته صفة حسن ولا قبح.\rوهذا الدليل هو الذي اعتمده الآمدي (¬٢).\rثالثًا: أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين في الأفعال لما كان الفعل حسنًا في حال وقبيحًا في حال والفعل هو هو، مثال ذلك: الكذب لدفع القتل عن نبي، فالكذب حسن في هذه الحال، بينما هو في حاله الأصلي: قبيح، وكذا القتل؛ يحسن إذا كان قصاصًا، ويقبح إذا كان اعتداءً، والكذب والقتل هما هما، فإذا كان الفعل يقبح في حال ويحسن في حال؛ فليس له من نفسه حسن ولا قبح.\rوأيضًا لو كانا ذاتيين لَلَزم اجتماع النقيضين في شيء واحد، مثال ذلك:","footnotes":"(¬١) انظر: المحصل للرازي (٢٠٣)، والمطالب العالية له (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، وانظر كذلك: المواقف (٣٢٤)، والإحكام للآمدي (١/ ١١٥).\r(¬٢) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ١١٧ - ١١٨)، وانظر كذلك: المواقف (٣٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050900,"book_id":1102,"shamela_page_id":743,"part":"2","page_num":794,"sequence_num":743,"body":"أنه إذا قال واحد: لأكذبن غدًا، فإذا حضر الغد، فإما أن يكذب أو لا.\rفإن كذب لزم حسن ذلك لكونه مستلزمًا لصدق الخبر، والمستلزم للحسن حسن، وهو قبيح لكونه كذبًا، فاجتمع فيه الحسن والقبح.\rوإن لم يكذب؛ فهو حسن لأن الكذب قبيح وتركه حسن، وهو قبيح من جهة كذبه فيما أخبر به، فاجتمع فيه كذلك الحسن والقبح، فاجتماع النقيضين موجب لنفي ذاتية الحسن والقبح.\rوهذا الدليل هو الذي اعتمده أبو المعالي الجويني (¬١).\rوالجواب عما استدلوا به:\rأما الآيات؛ فلا دليل لهم فيها على نفي الحسن والقبح في الأفعال، إذ فيها أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا بسوء صنعه إلا بعد إرسال الرسل وإقامة الحجة، وهذا غير ناف لكون الأفعال المعذَّب عليها قبل البعثة قبيحة في نفسها، ففرق بين ثبوت قبح الشيء واستحقاق العقوبة عليه، بل هذه الآيات دليل عليهم؛ إذ مضمونها أنها قبائح في نفسها، لأنها لو لم تكن قبائح لما كانت سببًا للعقوبة التي حال دونها عدم قيام الحجة، فالآيات دالة على الأصلين:\r- ثبوت القبح في ذات الأفعال.\r- أنه لا عقوبة على القبائح إلا بعد إرسال الرسل وإقامة الحجة (¬٢).\rثم قد تقدم في المطلب الأول من الآيات ما يدل على ثبوت الحسن","footnotes":"(¬١) انظر: التلخيص للجويني (١/ ١٦٠)، وانظر: الإحكام للآمدي (١/ ١١٤ - ١١٥)، والمواقف (٣٢٥).\r(¬٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050901,"book_id":1102,"shamela_page_id":744,"part":"2","page_num":795,"sequence_num":744,"body":"والقبح في الأفعال قبل ورود الشرع، فآيات القرآن دالة على المذهب الحق لا على ما ذهب إليه الأشاعرة.\rوأما الأدلة العقلية:\rأما الدليل الأول؛ فجوابه من وجوه:\rالأول: أن هذا يتضمن التسوية بين الأفعال الاضطرارية والأفعال الاختيارية، وهذا باطل بالضرورة، وإذا كان كذلك لم يصح الاستدلال به.\rالثاني: أنه لو صح الدليل المذكور لَلَزم منه أن يكون الرب تعالى غير مختار في فعله، لأن التقسيم الوارد في أفعال العبد يرد في أفعال الله، وهذا باطل.\rالثالث: أنه لو كان فعل العبد ضروريًّا أو اتفاقيًّا لَلَزم بطلان الحسن والقبح الشرعيين لأن الفعل الضروري أو الاتفاقي لا يحسنه الشرع ولا يقبحه، لأنه لا يرد بالتكليف به فضلًا عن أن يجعله متعلق الحسن والقبح.\rالرابع: أن هذا الدليل لو صح لَلَزم بطلان الشرائع والتكاليف جملة، لأن التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية، وإذا كانت الأفعال اضطرارية غير اختيارية لم يتصور تعلق التكليف والأمر والنهي بها (¬١).\rوأما الدليل الثاني؛ فبطلانه كذلك من وجوه:\rالأول: أن قيام العرَض بالعرَض أمر واقع غير مدفوع، وهو منقوض بما لا يحصى من المعاني التي توصف بالمعاني، كما يقال علم ضروري وعلم كسبي وإرادة جازمة وحركة سريعة وحر شديد ونحو ذلك.","footnotes":"(¬١) انظر هذه الوجوه الأربعة في مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٢)، وقد أبطل ابن القيم هذا الدليل من اثني عشر وجهًا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050902,"book_id":1102,"shamela_page_id":745,"part":"2","page_num":796,"sequence_num":745,"body":"الثاني: أن قيام العرض بالعرض تبعًا لقيامه بالجوهر الذي هو المحل غير ممتنع، لأن الحال حينئذ أن العرضين جميعًا قائمان بالمحل؛ أحدهما تابع للآخر، وكلاهما تابعان للمحل.\rالثالث: أنه لو صح قولكم بأن العرض لا يقوم بالعرض للزم منه بطلان الحسن والقبح الشرعيين، لأنهما كذلك وصفان وجوديان زائدان على الفعل، فالقول فيهما كالقول في الحسن والقبح العقليين (¬١).\rوأما الدليل الثالث؛ فمن أفسد الأدلة، وهو منقوض من وجوه:\rالأول: أننا لا نعني بكون الفعل حسنًا أو قبيحًا لذاته أو لصفته أن ذلك يقوم بحقيقة لا ينفك عنها بحال، مثل كون الحركة حركة والسواد لونًا، وإنما نعني بذلك أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة وترتبهما عليه كترتيب المسببات على أسبابها المقتضية لها، كترتب الري على الشرب والشبع على الأكل وترتب منافع الأغذية والأدوية ومضارها عليها، فإن ترتب آثار هذه المسببات على أسبابها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأماكن والمحل القابل ووجود المعارض، فتخلف الشبع والري عن الخبز واللحم والماء في حق المريض ومن به علة تمنعه من قبول الغذاء لا تخرجه عن كونه مقتضيًا لذلك حتى يقال لو كان كذلك لذاته لم يتخلف (¬٢).\rالثاني: أن اقتضاء الذات الواحدة لأمرين متنافيين بحسب شرطين متنافيين جائز، كاللحم يقتضي الصحة بشرط سلامة البدن، ويقتضي","footnotes":"(¬١) انظر هذه الوجوه الثلاثة في مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣).\r(¬٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050903,"book_id":1102,"shamela_page_id":746,"part":"2","page_num":797,"sequence_num":746,"body":"المرض بشرط كون الجسم محمومًا ونحوه، ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى، فالحسن ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط معين، والقبح ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط آخر (¬١).\rوأما ما مثَّلوا به من حسن الكذب لعصمة دم نبي فهو تمثيل باطل لأمرين:\rأولًا: أن الكذب في ذاته قبيح لم يخرج عن كونه قبيحًا، وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية (¬٢).\rثانيًا: أن تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجعة على الصدق لا يخرجه عن كونه قبيحًا لذاته - كما تقدم تقريره - كلحم الخنزير؛ فإن تحريمه ناشئ من ذاته، وتخلف هذا التحريم عند الضرورة لا يوجب عدم اقتضائها للمفسدة التي حرِّم بسببها (¬٣).\rوأما ما مثَّلوا به من حسن القتل للحد وقبحه للاعتداء؛ فمردود بكون القتل واحدًا بالنوع، فما كان منه ظلمًا كان قبيحًا، وما كان عدلًا كان حسنًا، فلم يرجع الحسن والقبح فيه إلى واحد بالعين، ونظير هذا: السجود؛ فإنه حسن إن كان لله سبحانه، وقبيح إذا كان لغيره (¬٤).\rوأما ما مثَّلوا به من قول القائل: لأكذبن غدًا. . .؛ فمردود باختلاف جهتي الحسن والقبح، فإن القائل إذا كذب كان كذبه قبيحًا بالنظر إلى ذاته","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٤).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٦).\r(¬٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050904,"book_id":1102,"shamela_page_id":747,"part":"2","page_num":798,"sequence_num":747,"body":"وحسنًا بالنظر إلى تضمنه صدق الخبر الأول، وإذا لم يكذب كان صدقه حسنًا بالنظر إلى ذاته قبيحًا بالنظر إلى تضمنه كذب الخبر الأول، فجهة الحسن فيه مختلفة عن جهة القبح فيه (¬١).\rوأما المعتزلة؛ فمذهبهم مقابل لمذهب الأشاعرة، فقد ذهبوا إلى أن التحسين والتقبيح مرجعه إلى العقل.\rوالأفعال عندهم بحسب معرفة طريق حسنها وقبحها ثلاثة أقسام:\rالأول: ما طريق معرفته ضروري يعلمه العاقل بالاضطرار، ولا يفتقر فيه إلى السمع، وهو أصول المقبحات والمحسنات والواجبات، وهو من جملة كمال العقل، إذ أنه لو لم يكن معلومًا بالعقل لصار غير معلوم أبدًا، لأن النظر والاستدلال لا يتأتى إلا ممن هو كامل العقل، ولا يكون كذلك إلا وهو عالم ضرورة بهذه الأشياء ليتوجه عليه التكليف.\rويدخل فيه كل ما تمحض فيه وجه المصلحة أو وجه المفسدة.\rمثال ذلك: العلم بقبح الظلم وقبح كفر النعمة وقبح الجهل، وحسن أضدادها.\rوهذا القسم غير محتاج في معرفة حسنه وقبحه إلى السمع، لأن عليه دليلًا معلومًا من جهة العقل، إذ يمكنه أن ينظر فيه فيعرف المدلول.\rالثاني: ما طريق معرفته مكتسب، ويعرف بالنظر والاستدلال، وهو ما لم تتمحض فيه جهة المصلحة أو جهة المفسدة.\rومثاله: الكذب النافع، أو الصدق الضار.","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050905,"book_id":1102,"shamela_page_id":748,"part":"2","page_num":799,"sequence_num":748,"body":"الثالث: ما طريق معرفته السمع ولا مدخل للضرورة في شيء منه.\rمثاله: حسن الصلاة والصيام، وقبح الزنا والخمر.\rوقد أشار إلى هذا التقسيم: القاضي عبد الجبار (¬١)، وذكر نحوًا منه أبو الحسين البصري المعتزلي فقال: \"اعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل: إما أن يصح أن تعلم بالعقل فقط، وإما بالشرع فقط، وإما بالشرع وبالعقل.\r- وأما المعلومة بالعقل فقط: فكل ما كان في العقل دليل عليه، وكان العلم بصحة الشرع موقوفًا على العلم به، كالمعرفة بالله وبصفاته وأنه غني لا يفعل القبيح. . .\r- فأما ما يصح أن يعرف بالشرع وبالعقل: فهو كل ما كان في العقل دليل عليه ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به، كالعلم بأن الله واحد لا ثاني له في حكمته. . . وكذلك وجوب رد الوديعة والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد.\r- فأما ما يعلم بالشرع وحده: فهو ما في السمع دليل عليه دون العقل، كالمصالح والمفاسد الشرعية وما له تعلق بهما.\rأما المصالح والمفاسد الشرعية فهي كالأفعال التي تعبدنا بفعلها أو تركها بالشريعة نحو كون الصلاة واجبة وشرب الخمر حرامًا وغير ذلك. . .\rوأما ما له تعلق بالمصالح والمفاسد الشرعية؛ فهي طرق الأحكام الشرعية كالأدلة والأمارات وأسباب هذه الأحكام وعللها وشروطها\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر المحيط بالتكليف (١/ ٢٣٢ - ٢٣٤)، والمغني (٦/ ٧٤).\r(¬٢) المعتمد في أصول الفقه (٢/ ٨٨٦ - ٨٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050906,"book_id":1102,"shamela_page_id":749,"part":"2","page_num":800,"sequence_num":749,"body":"والأمور المعروفة حسنًا وقبحًا بالشرع تعرف بالعقل إذا عُرف اشتمالها على مصلحة أو مفسدة.\rقال القاضي عبد الجبار: \"فإذا عرفنا في شيء من الأشياء أنه مفسدة بالشرع عرفنا قبحه بالعقل، كما إذا عرفنا أن في شيء من الأشياء دفعًا للضرر عرفنا وجوبه عقلًا\" (¬١).\rفالشرع عندهم كاشف عن الحسن والقبح فيما أُمر به ونُهي عنه، فلم يعطِ ما كشف عن حسنه حسنًا ليس فيه، كما لم يعطِ ما كشف عن قبحه قبحًا ليس فيه.\rوأما ما عرف حسنه وقبحه بالضرورة أو الاستدلال فالشرع مؤيد لما عُلم بالعقل من حسنه وقبحه.\rقال القاضي عبد الجبار: \"وإنما يكشف السمع من حال هذه الأفعال عما لو عرفناه بالعقل لعلمنا قبحه أو حسنه. . . ولذلك نقول: إن السمع لا يوجب قبح شيء ولا حسنه، وإنما يكشف عن حال الفعل على طريق الدلالة كالعقل\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"واعلم أن النهي الوارد عن الله ﷿ يكشف عن قبح القبيح لا أنه يوجب قبحه، وكذلك الأمر يكشف عن حسنه لا أنه يوجبه\" (¬٣).\rبل جعلوا أمر الشارع ونهيه مقتضى الحسن والقبح، فالفعل حسن فأمر به، وقبح فنهى عنه، فالأمر والنهي كاشفان عن حسن وقبح حاصلين قبل الفعل.\rوبناءً على إدراك العقل عندهم للحسن والقبح في الأفعال؛ فإنهم قالوا","footnotes":"(¬١) المحيط بالتكليف (١/ ٢٣٤).\r(¬٢) المغني (٦/ ٦٤).\r(¬٣) المحيط بالتكليف (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050907,"book_id":1102,"shamela_page_id":750,"part":"2","page_num":801,"sequence_num":750,"body":"بأنه يدرك الحكم المترتب عليهما من غير توقف على الشرع، وقالوا باستحقاق الثواب والعقاب والمدح والذم على ذلك، ومن هنا قالوا بأن من لم تبلغه الدعوة؛ فهو مكلف من الله تعالى بما ركَّب فيه من عقل يدرك الحسن والقبح.\rقال القاضي عبد الجبار: \"فصل في بيان كيفية ما يستحق بالقبيح من الأحكام: أما الذم فإنه يستحق به إذا كان قبيحًا، وفاعله يعلمه كذلك أو يتمكن من كونه عالمًا به، وأن يكون مخلّى بينه وبينه، فمتى فعله والحال هذه استحق الذم، وإنما شرطنا كونه قبيحًا لأن العقل يشهد بأن الفعل إذا لم يكن كذلك لم يحسن ذم فاعله عليه، بل يقبح ذلك، فلا بد من اعتبار قبحه\" (¬١).\rوقال في أثناء كلامه على النبوات من \"شرح الأصول الخمسة\" - بعد أن بيَّن أن ما أتت به الرسل إنما هو تفصيل لما تقرر جملته في العقل -: \"يبين ما ذكرناه أن اختلاف الطريق لا يقدح في حصول ما كان طريقًا إليه، فسواء علمنا عقلًا أن هذا الفعل مصلحة وذلك مفسدة، أو علمناه سمعًا؛ فإنه في الحالين جميعًا نعلم وجوب هذا وقبح ذلك\" (¬٢).\rوقد اختلف المعتزلة فيما بينهم في الجهة المحسنة والمقبحة على أقوال (¬٣):\rالأول: أن الحسن إنما يحسن لوجه، ككونه نفعًا مفعولًا بالنفس أو بالغير، أو كونه مستحقًّا، أو كون الكلام صدقًا، أو أمرًا بالحسن ونهيًا عن القبيح، ونحو هذه الوجوه.","footnotes":"(¬١) المغني (١٤/ ١٧٣).\r(¬٢) شرح الأصول الخمسة (٥٦٥).\r(¬٣) انظر: المغني (٦/ ٦١ - ٧٣)، والمحيط بالتكليف (٢/ ٢٣٢ - ٢٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050908,"book_id":1102,"shamela_page_id":751,"part":"2","page_num":802,"sequence_num":751,"body":"كما أن القبيح إنما يقبح لوقوعه على وجه، ككونه ضررًا على النفس، أو عبثًا، أو أمرًا بقبيح ونهيًا عن حسن، ونحو ذلك.\rوهذا قول أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم (¬١).\rالثاني: أن القبيح إنما يقبح لوقوعه على وجه من الوجوه المعقولة التي متى ثبتت اقتضت قبحه، وأما الحسن فإنه يحسن إذا انتفت عنه وجوه القبح، لذلك لا يصح أن تعلم الحسن حسنًا إلا مع العلم بانتفاء وجوه القبح عنه.\rوهو اختيار كثير من المتأخرين، ومنهم القاضي عبد الجبار (¬٢).\rالثالث: أن القبيح يقبح لوقوعه على وجه، وأما الحسن فيحسن للأمرين: وقوعه على وجه، وانتفاء وجوه القبح عنه.\rوهو اختيار أبي هاشم في بعض المواضع (¬٣).\rوبناءً على ما ذهبوا إليه من تحسين العقل وتقبيحه، وكونه يوجب الحسن ويحرم القبيح، وبناءً على كونهم مشبهة في الأفعال؛ فقد ذهب المعتزلة إلى أن أوجبوا على الرب سبحانه \"رعاية مصالح شبهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها وحرموا وحجروا عليه\" (¬٤).\rقال القاضي عبد الجبار: \"ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم؛ فالمراد به أنه لا يفعل القبيح أو لا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه،","footnotes":"(¬١) انظر: المغني (٦/ ٧٠)، والمحيط بالتكليف (٢/ ٢٣٩).\r(¬٢) انظر: المغني (٦/ ٧٣).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٧١).\r(¬٤) شفاء العليل (٢/ ٥٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050909,"book_id":1102,"shamela_page_id":752,"part":"2","page_num":803,"sequence_num":752,"body":"وأن أفعاله كلها حسنة\" (¬١).\rومعنى الوجوب عندهم: \"ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم، أو للإخلال به تأثير في استحقاق الذم\" (¬٢).\rومن ذلك:\r\rأولًا: وجوب اللطف:\rالمراد باللطف عندهم: هو: \"كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار أو إلى ترك القبيح\" (¬٣).\rوقيل: \"ما يدعو إلى فعل الطاعة على وجه يقع اختيارها عنده، أو يكون أولى أن يقع عنده\" (¬٤).\rوقيل: \"هو كل حادث جنس يختار عنده ما تناوله التكليف من واجب أو ندب، أو يكون المكلف عنده إلى اختياره أقرب\" (¬٥).\rواللطف عند المعتزلة باعتبار فاعله ثلاثة أقسام (¬٦):\rالأول: ما يكون من فعل الله تعالى، فالله سبحانه لطيف بعباده بإجماع المسلمين.","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٣٠١).\r(¬٢) المصدر السابق (٤١)، وانظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٤/ ٧).\r(¬٣) شرح الأصول الخمسة (٥١٩).\r(¬٤) المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٣/ ٩).\r(¬٥) المصدر السابق (١٣/ ١١).\r(¬٦) انظر: المصدر السابق (١٣/ ٢٧ - ٢٩)، وتنزيه الله عما أوجبه عليه المعتزلة لأحمد بناني (١٦٠ - ١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050910,"book_id":1102,"shamela_page_id":753,"part":"2","page_num":804,"sequence_num":753,"body":"وللفعل حتى يكون لطفًا من الله سبحانه شروط هي:\r١) أن يكون هذا الفعل بعد التكليف وقبل حصول الفعل المكلَّف به من العبد، فلا يسمى فعله تعالى قبل التكليف لطفًا وإن دعا إلى الطاعة لأنها لم تجب بعد، وكذلك فعله بعد قيام العبد بما كلف به لا يسمى لطفًا.\r٢) أن يكون معلومًا للمكلف بحيث يدفعه إلى الطاعة ويقربه إليها، أو ممكن العلم له وإن لم يعلمه لانشغاله أو إعراضه.\r٣) أن يكون بينه وبين التكليف تعلق ومناسبة ليكون أدعى للتأثر به.\r٤) أن لا يكون متقدمًا على فعل العبد بكثير حتى يلاحظ ارتباطهما وتعلقهما ببعض.\r٥) أن لا يشتبه بالتمكين، لأن التمكين لا يحدث الفعل بدونه إطلاقًا، أما اللطف فهو لا يعدو أن يكون داعيًا إلى الفعل.\rالثاني: ما يكون من فعل المكلَّف نفسه، فإن المكلَّف يمكن أن يلطف لنفسه فيما هو مكلف به من الله سبحانه، فإذا أراد فعل طاعة كالصلاة فإنه يمكنه أن يفعل أفعالًا تقربه من فعلها، كالذهاب إلى المسجد ومصاحبة الأتقياء ونحو ذلك.\rالثالث: ما يكون من غير فعل الله تعالى وغير فعل المكلف.\rواللطف الواجب عند المعتزلة هو اللطف المتأخر عن التكليف، أما اللطف المتقدم والمقارن للتكليف فليس بواجب، أما المتقدم فلا يجب لأنه إنما يصدر لإزاحة علة التكليف، وإذا كان متقدمًا فلا تكليف حتى يحتاج لإزاحة علة باللطف، وأما المقارن فلأنَّ أصل التكليف لا يجب فكذلك ما هو تابع له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050911,"book_id":1102,"shamela_page_id":754,"part":"2","page_num":805,"sequence_num":754,"body":"قال القاضي عبد الجبار: \"فاعلم أن شيوخنا المتقدمين كانوا يطلقون القول بوجوب الألطاف إطلاقًا، ولا وجه لذلك، بل يجب أن يقسم الكلام ويفصل، فنقول: إن اللطف إما أن يكون متقدمًا للتكليف، أو مقارنًا له، أو متأخرًا عنه، ولا رابع.\rفإن كان متقدمًا فلا شك في أنه لا يجب، لأنه إذا كان لا يجب إلا لتضمنه إزاحة علة المكلف، ولا تكليف هناك حتى يجب هذا اللطف لمكانه، وأيضًا فإنه إذا جرى مجرى التمكين، ومعلوم أن التمكين قبل التكليف لا يجب، فكذلك اللطف، وإذا كان مقارنًا له فلا شبهة أيضًا في أنه لا يجب، لأن أصل التكليف إذا كان لا يجب - بل القديم تعالى متفضل به مبتدأ - فلأن لا يجب ما هو تابع له أولى، فصح أن مراد المشايخ بذلك الإطلاق ما ذكرناه\" (¬١).\rواستدل المعتزلة على إيجابهم اللطف على الله سبحانه بأدلة منها:\rأولًا: أن المكلِّف وهو الله تعالى يلزمه أن يلطف بالمكلَّف وهو العبد حتى يعرضه للمنفعة، وليتم للمكلِّف قصده وغرضه.\rقال القاضي عبد الجبار: \"إن المكلِّف يلزمه للتكليف السابق أن يلطف للمكلَّف، كما يلزمه أن يقدره ويمكنه\" (¬٢).\rثانيًا: أن منع اللطف نقض لغرض المكلِّف الذي هو الإتيان بالمأمور، ونقض الغرض قبيح.\rقال القاضي عبد الجبار: \"فالذي يدل على صحة ما اخترناه من المذهب","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٥٢٠ - ٥٢١).\r(¬٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٣/ ٣٨)، وانظر: (١٣/ ١٧) منه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050912,"book_id":1102,"shamela_page_id":755,"part":"2","page_num":806,"sequence_num":755,"body":"هو أنه تعالى إذا كلف المكلف وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب، وعلم أن في مقدوره ما لو فعل به لاختار عنده الواجب واجتنب القبيح؛ فلا بد من أن يفعل به ذلك الفعل، وإلا عاد بالنقض على غرضه\" (¬١).\rوالرد على هذين الدليلين من وجوه:\rالأول: أن الإيجاب من العباد على الله سبحانه لا يصح مطلقًا، وهو مناف لكمال الرب سبحانه وتفرده بالربوبية والملك.\rالثاني: أن الأدلة قد دلت على ثبوت الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية كما تقدم سابقًا (¬٢)، فليس كل ما أمر الله سبحانه به يريد كونه ووجوده، بل قد يأمر الله سبحانه بما لم يرده كونًا، وقد يريد كونًا ما لم يأمر به شرعًا، فلا يلزم من أمر الله سبحانه عبده بالطاعة أن يكون مريدًا لوقوعها حتى يجب عليه أن يلطف به، وحتى يكون منعه نقضًا لغرضه - على التنزل بوجوب اللطف عليه -.\rالثالث: أن أصل التكليف عندهم فضل من الله سبحانه - كما تقدم آنفًا - وعندهم أن اللطف المقارن لا يجب لأنه من توابع أصل التكليف، فكذلك اللطف المتأخر عن التكليف ينبغي أن يكون على تأصيلهم غير واجب لأنه تابع لأصل التكليف إذ هو كما قال عبد الجبار: \"زيادة في تمكين المكلف أو إزاحة علته\" (¬٣).\rكما استدلوا بأدلة شرعية (¬٤) غاية ما تدل عليه إثبات لطف الرب سبحانه","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٥٢١).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٥٢٣) وما بعدها.\r(¬٣) شرح الأصول الخمسة (٥٢٠).\r(¬٤) انظرها في المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٣/ ١٩٠ - ١٩٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050913,"book_id":1102,"shamela_page_id":756,"part":"2","page_num":807,"sequence_num":756,"body":"بعباده، لكنها لا تتضمن ما أرادوا الاستدلال بها عليه وهو وجوب اللطف على الله سبحانه.\r\rثانيًا: وجوب الصلاح والأصلح.\rالمعتزلة متفقون على وجوب الصلاح على الله سبحانه، لكنهم تنازعوا في وجوب الأصلح عليه سبحانه، هل يجب في الدين فقط، أم في الدين والدنيا؟\rقال الشهرستاني: \"واتفقوا [أي المعتزلة] على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف، وسموا هذا النمط: عدلًا\" (¬١).\rفذهب معتزلة بغداد إلى أنه يجب على الله سبحانه فعل الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم، وأنه لا يجوز في حكمته تبقية وجه ممكن في الصلاح في العاجل والآجل، بل عليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده، وقالوا: بأنه يجب على الله سبحانه خلق الخلق، وتكميل عقول المكلَّفين وإزاحة عللهم، وقالوا: كل ما ينال العبد في الحال والمآل فهو الأصلح له، حتى جعلوا خلود الكفار في النار أصلح من خروجهم منها.\rوذهب معتزلة البصرة إلى وجوبه في الدين فقط، وقالوا: لا يجب على الله سبحانه ابتداء الخلق، لكنه إذا خلق العقلاء وكلفهم؛ وجب عليه إزاحة عللهم من كل وجه، ورعاية الصلاح والأصلح في حقهم بأتم وجه وأبلغ غاية (¬٢).","footnotes":"(¬١) الملل والنحل (١/ ٥٧).\r(¬٢) انظر: نهاية الإقدام (٤٠٤ - ٤٠٥)، والإرشاد (٢٨٧ - ٢٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050914,"book_id":1102,"shamela_page_id":757,"part":"2","page_num":808,"sequence_num":757,"body":"ثالثًا: وجوب إرسال الرسل.\rهذه المسألة تتفرع عن المسألتين السابقتين، فقد أوجب المعتزلة على ربهم سبحانه إرسال الرسل لأنه لطف للمبعوث والمبعوث إليهم (¬١).\rقال القاضي عبد الجبار: \"إنه قد قرر في عقل كل عاقل وجوب دفع الضرر عن النفس، وثبت أيضًا أن ما يدعو إلى الواجب ويصرف عن القبيح فإنه واجب لا محالة، وما يصرف عن الواجب ويدعو إلى القبيح فهو قبيح لا محالة، إذا صح هذا، وكنا نجوز أن يكون في الأفعال ما إذا فعلناه كنا عند ذلك أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب المقبحات، وفيها ما إذا فعلناه كنا بالعكس من ذلك، ولم يكن في قوة العقل ما يعرف به ذلك، ويفصل بين ما هو مصلحة ولطف وبين ما لا يكون كذلك؛ فلا بد أن يعرفنا الله تعالى حال هذه الأفعال كي لا يكون عائدًا بالنقص على غرضه بالتكليف، وإذا كان لا يمكن تعريفنا ذلك إلا بأن يبعث إلينا رسولًا مؤيَّدًا بعلم معجز دال على صدقة؛ فلا بد أن يفعل ذلك، ولا يجوز له الإخلال به\" (¬٢).\rبل عندهم أن الله سبحانه إذا علم أن صلاح المكلفين في بعثة شخص واحد بعينه؛ فإنه يجب عليه أن يبعثه بعينه ولا يعدل عنه إلى الغير، وإذا علم أن صلاحهم في بعثة رجلين وجب بعثهما جميعًا، وكذا إذا علم أن صلاحهم في بعث جماعة وجب عليه أن يبعث الكل (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٥٧٥).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٥٦٤).\r(¬٣) انظر: شرح الأصول الخمسة (٥٧٥ - ٥٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050915,"book_id":1102,"shamela_page_id":758,"part":"2","page_num":809,"sequence_num":758,"body":"والرد على المعتزلة في هذه المسألة متضمن في الرد عليهم في مسألة اللطف والصلاح والأصلح، لأنها منهما، وقد تقدم ذلك.\r\rرابعًا: وجوب العوض عن الآلام.\rيوجب المعتزلة على الرب سبحانه العوض عن الآلام.\rوالعوض عندهم: \"كل منفعة مستحقة لا على طريق التعظيم والإجلال\" (¬١).\rووجوب هذا العوض عندهم يكون في حالتين:\rالأولى: إذا كان الألم من الله تعالى لا لذنب أو إخلال بواجب من العبد، بأن يكون الألم ابتداء من الله تعالى، أما إذا استحقه العبد بشيء من ذلك فلا يجب على الله تعالى.\rالثانية: إذا كان الإيلام من مكلف لم يصرفه الله تعالى عن إلحاق الألم بالمجني عليه، وكذلك لم يكن له حسنات يعوض بها الذي لحقه الألم.\rولهم تفصيل في الكلام على الآلام الحاصلة من جهة العباد، وكذلك تفصيل في المستحق للعوض، وفي المستحَقِّ عليه (¬٢).\rولهم شبه يتعلقون بها في ذلك منها:\rأولًا: أن ترك العوض قبيح لكونه ظلمًا، والله سبحانه منزه عن القبيح (¬٣).\rثانيًا: أنه لا يحسن في الشاهد إيلام الإنسان بدون تعويضه بمنفعة أكبر،","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٤٩٤).\r(¬٢) انظر: المصدر السابق (٥٠١ - ٥٠٥).\r(¬٣) انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٣/ ٢٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050916,"book_id":1102,"shamela_page_id":759,"part":"2","page_num":810,"sequence_num":759,"body":"أو دفع ضرر أعظم، فكذلك في الغائب (¬١).\rثالثًا: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) (¬٢).\rوالجواب عن هذه الشبه من وجوه:\rالأول: ما تقدم من بطلان الإيجاب على الرب عز شأنه، إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه.\rالثاني: إجماع أهل الأديان - كما تقدم قبل - منعقد على أن الرب سبحانه منزه عن الظلم، وهذا الظلم مقدور له سبحانه، لكنه لا يفعله، فما يفعله سبحانه لا يمكن أن يكون ظلمًا، لما اتصف به من العدل والحكمة والرحمة، حتى إنه سبحانه لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم كما جاء في الحديث (¬٣).\rالثالث: أن لله سبحانه من الحكم في هذه الآلام ما أطلعنا على شيء منه، وما أخفاه عنا كثير مقارنة بما أطلعنا عليه، فلو قدر خلو المتألم نفسه من عوض لما كان هذا قادحًا في حسن أفعال الله سبحانه وحكمته، إذ له سبحانه في الفعل حكم أخرى يحسن لأجلها.\rالرابع: أن قياس الغائب على الشاهد باطل، وكذا قياس الخالق على المخلوق.","footnotes":"(¬١) انظر: شرح الأصول الخمسة (٤٩٤ و ٥٠٥).\r(¬٢) رواه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٧) ح (٢٥٨٢)، والجلحاء: هي التي لا قرن لها، انظر: النهاية (١/ ٢٨٤).\r(¬٣) تقدم تخريجه ص (٣٨)، وهو صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050917,"book_id":1102,"shamela_page_id":760,"part":"2","page_num":811,"sequence_num":760,"body":"الخامس: أن غاية ما في حديث أبي هريرة ﵁ أنه يدل على عظم عدل الرب سبحانه وسعة رحمته وحكمته، وأن ذلك شامل حتى للبهائم، وليس فيه ما يدل على وجوب العوض على الرب سبحانه.\r\rخامسًّا: الثواب والعقاب.\rالثواب عند المعتزلة: \"هو النفع المستحق على سبيل الإجلال والتعظيم\" (¬١).\rواتفق المعتزلة على وجوب الثواب عليه سبحانه، لكنهم اختلفوا في وجه الوجوب.\rفأوجبه البصريون في مقابل التكليف؛ فهو مختص بالمكلفين.\rقال القاضي عبد الجبار: \"فاعلم أنه تعالى إذا كلفَنا الأفعال الشاقة فلا بد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله، بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدًّا لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به، وإلا كان لا يحسن التكليف لأجله\" (¬٢).\rبينما أوجبه البغداديون منهم من حيث الجود (¬٣).\rقال أبو القاسم البلخي منهم: \"إنه إنما يثيب المطيعين لا لأنهم استحقوا ذلك بل للجود\" (¬٤).\rوهذا قول متناقض، إذ كيف يكون جودًا وتفضلًا مع كونه واجبًا؟ (¬٥).","footnotes":"(¬١) شرح الأصول الخمسة (٨٥).\r(¬٢) المصدر السابق (٦١٤).\r(¬٣) انظر: المصدر السابق (٦٤٥)، وانظر كذلك: (٦١٧ - ٦١٨) منه.\r(¬٤) انظر: المصدر السابق (٦١٨).\r(¬٥) انظر: المصدر السابق (٦١٨ - ٦١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050918,"book_id":1102,"shamela_page_id":761,"part":"2","page_num":812,"sequence_num":761,"body":"وأما إيجابهم الثواب على الله على جهة الاستحقاق؛ فغير صحيح، إذ الله سبحانه هو الذي تفضل بإثابة المطيع، وتفضل قبل ذلك بأن وفقه للعمل وصرف عنه الموانع، ثم حفظه له من الحبوط، فله الفضل كله، بل لو عذب الله سبحانه أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، وليس شيء من أعمال بني آدم - حتى الرسل - ثمنًا لجنة الله سبحانه، وإنما المعول في ذلك كله على فضل الله سبحانه وجوده وكرمه.\rوأما العقاب؛ فالقول بإيجابه قول معتزلة بغداد، قالوا يجب على الله سبحانه أن يعذب من ارتكب كبيرة ومات غير تائب منها، ولا يجوز لله تعالى أن يعفو عنه.\rقال القاضي عبد الجبار: \"اعلم أن البغدادية من أصحابنا أوجبت على الله تعالى أن يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محالة، وقالت: لا يجوز أن يعفو عنهم، فصار العقاب عندهم أعلى حالًا في الوجوب من الثواب، فإن الثواب عندهم لا يجب إلا من حيث الجود، وليس هذا قولهم في العقاب، فإنه يجب فعله بكل حال\" (¬١).\rومما تعلقوا به من شبه في هذا: قولهم إن عدم عقوبة العاصي يؤول إلى التسوية بين المطيع والعاصي وهذا ظاهر القبح، وقولهم إن ترك العقوبة على المعصية يغري بارتكابها والإقامة عليها.\rوما ذهبوا إليه باطل من وجوه:\rالأول: ما تقدم من بطلان الإيجاب عليه سبحانه.","footnotes":"(¬١) انظر: المصدر السابق (٦٤٤ - ٦٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050919,"book_id":1102,"shamela_page_id":762,"part":"2","page_num":813,"sequence_num":762,"body":"الثاني: أن العقاب على المعصية حق له سبحانه، فله أن يسقطه تفضُّلًا منه سبحانه.\rالثالث: أنه العفو عن المعصية لا يستلزم التسوية بين العاصي والطائع، لأن درجة الطائع أعلى، ولو قدِّر أن يتساويا في الدرجة بتفضل الله على العاصي فلا يقبح هذا، وإنما يقبح إذا تضمن هضمًا لحق الطائع، وهو ما يتنزه الله عنه.\rوفي الختام أنقل كلمة فذَّة لشيخ الإسلام في نفي الإيجاب على الله سبحانه، يقول ﵀: \"وأما الإيجاب عليه ﷾ والتحريم بالقياس على خلقه؛ فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه وحرم على نفسه، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره؛ فهو جاهل في ذلك\" (¬١).\rوأما الماتريدية؛ فقد ذهبوا إلى إثبات الحسن والقبح العقليين، وأن العقل قد يستقل بإدراك الحسن والقبح الذاتيين أو لصفة، فيدرك القبح المناسب لترتب حكم الله سبحانه بالمنع من الفعل على وجه ينتهض مع الإتيان به سببًا","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣١٠ - ٣١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050920,"book_id":1102,"shamela_page_id":763,"part":"2","page_num":814,"sequence_num":763,"body":"للعقاب، ويدرك الحسن المناسب لترتب حكمه تعالى فيه بالإيجاب والثواب بفعله والعقاب بتركه، وهذا مما اتفقت عليه الماتريدية (¬١).\rإلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في إدراك العقل لحكم الله سبحانه في الفعل تبعًا لإدراكه الحسن والقبح فيه، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع بعد اتفاقهم على نفي ما بنته المعتزلة على إثبات الحسن والقبح من القول بالوجوب على الله ﷾، واتفاقهم على أن ما ورد به السمع من وعد الرزق والثواب على الطاعة ونحوه ذلك محض فضل وتطوُّل منه سبحانه.\rفذهب أبو منصور الماتريدي وعامة مشايخ سمرقند ومشايخ العراق إلى أن من الأفعال ما يدرك العقل حكم الله سبحانه فيه، ومنها ما لا يدرك فيه ذلك، فما يدرك العقل حكمه: وجوب الإيمان بالله ووجوب تعظيمه وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه كالكذب والسفه، ووجوب تصديق النبي ﷺ، وما يدرك العقل حكمه هو القليل بالنسبة إلى ما لا يدركه.\rواستدلوا بما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: \"لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من خلق السموات والأرض\" (¬٢)، وقوله: \"لو لم يبعث الله رسولًا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم\" (¬٣).\rوذهب ماتريدية بخارى إلى أن إدراك أحكام الأفعال موقوف على ورود الشرع، وأن العقل لا يستقل بدرك شيء من ذلك، بل لا يمتنع عندهم عقلًا","footnotes":"(¬١) انظر: المسامرة (١٥٤).\r(¬٢) انظر: تقويم الأدلة للدبوسي (٤٤٣)، والمسايرة مع شرحها المسامرة (١٥٧).\r(¬٣) انظر: المسايرة مع شرحها المسامرة (١٥٧)، وعزاه للحاكم الشهيد في المنتقى عن أبي حنيفة ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050921,"book_id":1102,"shamela_page_id":764,"part":"2","page_num":815,"sequence_num":764,"body":"أن لا يأمر الله سبحانه بالإيمان ولا يثيب عليه وإن كان حسنًا، كما لا يمتنع أن لا ينهى عن الكفر ولا يعاقب عليه وإن كان قبيحًا، ومناط ذلك عندهم أن الله سبحانه لا ينتفع بالطاعة كما لا يتضرر بالمعصية، وإذا كان كذلك؛ فلا يمتنع أن لا يكلف الله سبحانه عبادَه بمقتضى ما تدركه عقولهم من حسن وقبح.\rوالفرق بين قول أبي منصور ومن تبعه وبين قول المعتزلة من وجهين:\rالأول: أن هؤلاء يقولون إن الموجب لمقتضى الحسن والقبح اللذين يدركهما العقل هو الله سبحانه، والعقل عندهم لا يعدو كونه آلة وسببًا عاديًّا، بينما الموجب لذلك عند المعتزلة العقل.\rالثاني: أن ما يوجب العقل حكمه عندهم قليل بالنسبة لما لا يوجبه، بخلاف المعتزلة.\rوالفرق بين قول ماتريدية بخارى وقول الأشاعرة من وجهين كذلك:\rالأول: أن هؤلاء يثبتون الحسن والقبح الذاتيين، بينما ينفيهما الأشاعرة.\rالثاني: أن هؤلاء يقولون: إن الله سبحانه قد لا يأمر بمقتضى الحسن، لكنه لا يأمر بمقتضى القبح (¬١)، وأما الأشاعرة فيجوزون عقلًا الأمر بالقبح.\rفتحصل من هذا أن قول الماتريدية مباين لقولي الأشاعرة والمعتزلة.\rوقول الماتريدية أقرب إلى قول أهل السنة من قول غيرهم.\rأما ماتريدية بخارى فيخالفون أهل السنة في قولهم بأن العقل لا يدرك مقتضى الحسن والقبح في الأفعال مطلقًا، وبقولهم إنه يجوز عقلًا أن لا يأمر بالله سبحانه بالإيمان ونحوه.","footnotes":"(¬١) انظر سياق هذه الأقوال في المسامرة بشرح المسايرة (١٥٤ - ١٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050922,"book_id":1102,"shamela_page_id":765,"part":"2","page_num":816,"sequence_num":765,"body":"أما مخالفتهم الأولى فمردودة من وجهين:\rالأول: ما تقدم من أدلة في إثبات الحسن والقبح العقليين، ومن ذلك:\r- إخباره سبحانه عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم.\r- أمره سبحانه المشركين بالتوبة والاستغفار مما هم عليه (¬١).\rفهذان النوعان من الأدلة يدلان على أن العقل يدرك مقتضى ما أدركه من الحسن والقبح على وجه الإجمال، فالعقل يدرك أن الشرك بالله قبيح ويدرك كذلك حكم هذا القبيح أنه ممنوع حرام.\rالثاني: ما تقدم من أدلة على أن الذم والعقاب متوقف على بلوغ حجة الله سبحانه للعباد.\rكقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\rوقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\rوحديث الأسود بن سريع ﵁ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].\rفبين سبحانه أن ما قدمته أيديهم من الكفر والذنوب سبب لإصابتهم بالمصيبة، وبين أن ذلك مشروط بقيام الحجة، فالمعصية سبب والحجة شرط.","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٧٧٠ - ٧٧١).\r(¬٢) انظر ما تقدم ص (٣١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050923,"book_id":1102,"shamela_page_id":766,"part":"2","page_num":817,"sequence_num":766,"body":"فجعله سبحانه القبيح سببًا للعقوبة دليل على أن العقل يدرك حرمته، وإلا لما كان سببًا، إذ إدراك العقل شرط في العقوبة بعد ورود الشرع، فمن باب أولى أن يكون شرطًا لذلك قبل وروده (¬١).\rفالصواب أن العقل قد يدرك مقتضى ما أدركه من حسن وقبح على سبيل الإجمال.\rوأما مخالفتهم الثانية، وهي قولهم: إنه يجوز عقلًا أن لا يأمر بالله سبحانه بالإيمان ونحوه، فمردودة من وجوه:\rالأول: امتناعها شرعًا وواقعًا، والشرع لا يأتي بما يخالف مقتضى العقل الصريح.\rالثاني: أن تعليلهم بأن الله لا تضره معصية كما لا تنفعه طاعة لا يصح، بل هو حجة عليهم، لأن الله ﷾ لم يأمر عباده بالإيمان لينتفع هو بذلك، بل هو غني حميد، فانتفاعه بالطاعة وتضرره بالمعصية ليس مناطًا وعلة لأمره بالعبادة حتى يجوَّز نفيه لانتفاء النفع والضرر - مع كونه منتف أصلًا -.\rوأما أبو منصور ومن تابعه، فيخالفون أهل السنة في القول بوجوب ذلك قبل البعثة، وأن من لم يأت بذلك قبل البعثة فهو غير معذور.\rوهذا لا يصح؛ فإن مرتكب القبيح وإن كان ناقصًا معيبًا كما تقدم ومستحقًّا للعقوبة بقيام سببها؛ فإنه لا يتحقق ذلك إلا بوجود شرطه وهو بلوغ الحجة، فمن لم تبلغه الحجة لا يعذب لفعله القبيح.\rوأما ما ذكروه عن أبي حنيفة فيحتاج إلى إثباته، فإن ثبت فلا يخلو: إما أن","footnotes":"(¬١) انظر ما تقدم ص (٧٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050924,"book_id":1102,"shamela_page_id":767,"part":"2","page_num":818,"sequence_num":767,"body":"يكون له محمل حسن يحمل عليه، أو لا؛ فلا يُعارض ما ثبت بالكتاب والسنة برأي أحد كائنًا من كان.\rوقد جاء عن أبي حنيفة نفسه ما يدل على موافقته ﵀ لما ذهب إليه أبو منصور وأتباعه؛ ففي أحد الألفاظ عنه: \"لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه، أما في الشرائع فمعذور حتى تقوم عليه الحجة\" (¬١)، ففرق ﵀ بين الإيمان بالله وبين سائر الشرائع، فجعل العبد معذورًا في الشرائع دون الإيمان بالله سبحانه.\rوقد فهم هذا من كلام أبي حنيفة جمع من أهل العلم من أتباعه ممن ذهب إلى هذا وعلى رأسهم أبو منصور إمام المذهب - كما سبق - والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: كشف الأسرار للبخاري (٤/ ٣٣٠)، وعزاه للحاكم الشهيد في المنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050925,"book_id":1102,"shamela_page_id":768,"part":"2","page_num":819,"sequence_num":768,"body":"الخاتمة\rفي ختام هذا البحث؛ أحمد الله سبحانه وأشكره على ما منَّ به من نعم، وما وفَّق إليه من خير، ثم إني أجمل أهم ما توصلت إليه من نتائج في نوعين: عام وخاص.\rأما النتائج العامة، فهي على النحو الآتي:\r* أهمية باب القدر ووجوب العناية به وضبطه، إذ هو باب دقيق، وفي ضبطه فوائد عظيمة على العبد في دينه ودنياه.\r* باب القدر وثيق الصلة بأبواب الاعتقاد الأخرى، وهو مرتبط ارتباطًا مباشرا بأقسام التوحيد الثلاثة.\r* مباحث باب القدر مترابطة ومتداخلة فيما بينها بحيث يصعب الفصل بينها، وهي منسجمة متآلفة غاية التآلف.\r* وسطية أهل السنة والجماعة في باب القدر بين الطوائف المخالفة؛ فهم وسط بين الجبرية والقدرية.\r* قول أهل السنة في باب القدر قول منضبط جارٍ على أصول مستقيمة غير منخرمة، وذلك من توفيق الله سبحانه لهم لسلوك طريق الكتاب والسنة وطريق السلف، وتوفيقه لهم للعدول عما سوى ذلك.\r* وبالمقابل؛ فإن مذهب أهل البدع كلهم في باب القدر منخرم لا يطرد، وهو بجملته مردود بالنص وبالعقل وبالفطرة.\rوأما النتائج الخاصة؛ ففي النقاط الآتية:\r* حرمة الخوض الباطل في القدر، وهو ما كان على سبيل التعمق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050926,"book_id":1102,"shamela_page_id":769,"part":"2","page_num":820,"sequence_num":769,"body":"والتقعر، أو السؤال عن العلل في أفعال الله سبحانه، ونحو ذلك، خلافًا لما عليه سائر أهل البدع.\r* باب القدر توقيفي لا يخرج فيه عما جاء في الكتاب والسنة، خلافًا لأهل البدع.\r* للقدر أربع مراتب يقوم عليها وهي: الإيمان بعلم الله سبحانه الشامل، وكتابته سبحانه للمقادير، ومشيئته جل وعلا، وخلقه لكل شيء.\rوذهب القدرية الأوائل إلى إنكار مراتب القدر كاملة، وأثبت المعتزلة مرتبتي العلم والكتابة، ونفوا مرتبتي المشيئة والخلق.\r* شمول علم الله سبحانه لكل شيء، لما كان، ولما سيكون، ولما لم يكن لو كان كيف يكون.\rوخالف في ذلك القدرية الأوائل الذين أنكروا علمه بالمستقبل، ومن تبعهم كالرافضة الذين قالوا بالبداء، والفلاسفة الذين أنكروا علمه بالجزئيات.\r* ما ثبت في النصوص من علم الله سبحانه بالأشياء بعد وجودها لا ينافي علمه السابق بها.\rوخالف في ذلك: القدرية الغلاة والفلاسفة الذين ينفون علمه بالمحدَثات إلا بعد حدوثها، والجهم بن صفوان الذي ذهب إلى إثبات علوم حادثة لله سبحانه، والأشاعرة والماتريدية الذين ذهبوا إلى أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم.\r* من علم الله سبحانه ما هو سبب في وجود المعلوم، ومنه ما ليس كذلك.\rوخالف في ذلك المتكلمون الذين ذهبوا إلى أن العلم ليس سببًا لوجود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050927,"book_id":1102,"shamela_page_id":770,"part":"2","page_num":821,"sequence_num":770,"body":"المعلوم، بل هو تابع له على ما هو عليه ولا تأثير له فيه، والفلاسفة الذين ذهبوا إلى أن علم الله سبحانه سبب في وجود المعلوم، وأن هذا العلم بمجرده هو الموجب لوجود المخلوقات، وليس للمشيئة والقدرة في ذلك مدخل.\r* المحو والإثبات يقعان في صحف الملائكة، ولا يقعان في علم الله سبحانه ولا في اللوح المحفوظ، وهما خاصان بالكلمات الثلاث: السعادة والشقاوة والآجال، والأرزاق دون غيرها من المقادير.\rوخالف في ذلك الصوفية الذين أنكروا المحو والإثبات، وأولوا ما جاء في النصوص من أدلة عليه، والرافضة الذين قالوا بوقوع المحو والإثبات في علم الله سبحانه.\r* قدرة الله ﷾ شاملة لكل شيء، ومشيئته كذلك شاملة لكل شيء؛ وجوبًا فيما وقع، وجوازًا فيما لم يقع، وجواز شمول كل منهما دليل على جواز شمول الأخرى.\rوخالف في هذا المعتزلة، فذهبوا إلى أن كلًّا من القدرة والمشيئة غير شامل لكل شيء، بل من الأشياء ما لا يقدر عليه الرب سبحانه ولا يشاؤه.\r* لا تعارض بين سبق القدر بالشقاوة والضلال على عبد مع كونه مفطورًا على الإسلام.\rوخالف المعتزلة في ذلك فذهبوا إلى أن المراد بالفطرة أن الله سبحانه يخلق العبد قابلًا للأمرين، من غير أن يكون فيه ميل لأحدهما، وأنه هو الذي يختار الكفر أو الإيمان فيضل أو يهتدي، وأن الله لا يضله ولا يهديه.\r* الله ﷾ طبع خلقه على ما شاء، وجعل في قلوبهم إرادة ما يشاؤه منهم، وذلك لكمال عزته وقهره ونفوذ مشيئته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050928,"book_id":1102,"shamela_page_id":771,"part":"2","page_num":822,"sequence_num":771,"body":"وخالف في ذلك عموم القدرية والجبرية.\r* الله سبحانه هو الميسر عباده لما شاء من يسر أو عسر، وذلك بإلهامهم هذا وهذا، وتهيئة أسباب هذا وهذا، هدى منه وإضلالًا، بناء على ما اقتضته حكمته سبحانه.\rوخالفهم في ذلك القدرية المعتزلة؛ فإنهم يجعلون التيسير هو البيان من الله وإزالة الموانع، والتمكين من الأمرين.\r* الظلم مقدور للرب سبحانه، لكنه لكمال عدله وحكمته ورحمته لا يفعله.\rوذهبت الجبرية من جهمية وأشاعرة إلى أن الظلم ليس بممكن الوجود، بل هو الممتنع، وكل ممكن إذا قدر وجوده من الرب سبحانه فإنه عدل، فالعدل هو الممكن، وذهبت القدرية المعتزلة إلى الظلم مقدور لله تعالى، إلا أنهم جعلوا الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، إذ هم مشبهة في الأفعال.\r* الشر لا يضاف إلى الله ﷾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإنما يقع في مفعولاته المنفصلة، وهو مع ذلك شر جزئي إضافي، وأما الشر الكلي فلا وجود له أصلًا.\rوخالف في ذلك المعتزلة، فقد أخرجوا الشرور المتعلقة بأفعال العباد عن قضائه وخلقه، وجعلوا الشرور التي لا تعلق لها بأفعال العباد كالأمراض والآلام حسنة لما فيها من اللطف المصلحة العاجلة والآجلة، وإنما يقال فيها أنها سيئات وشرور مجازًا.\r* لا يخلو فعل من أفعاله سبحانه من الحكمة، وله في كل ما قدره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050929,"book_id":1102,"shamela_page_id":772,"part":"2","page_num":823,"sequence_num":772,"body":"وقضاه حكم عظيمة.\rوخالف في ذلك المعتزلة، فأنكروا أن يعود لله سبحانه من الحكمة وصف، وجعلوا الحكمة حاملًا لقولهم بالإيجاب على الله سبحانه، وخالف الأشاعرة فذهبوا إلى إنكار الحكمة في أفعاله سبحانه، وزعموا أنه سبحانه يفعل لمحض المشيئة وصرف الإرادة.\r* للعباد قدرة على أفعالهم ولهم مشيئة، وهما تابعتان لقدرة الله سبحانه ومشيئته.\rوخالف في ذلك القدرية المعتزلة فذهبوا إلى أن العبد مستقل بقدرته ومشيئته، وأنه يشاء ما لم يشأ الله سبحانه، وخالف الجبرية، فذهب جهميتهم إلى إنكار قدرة العبد ومشيئته على أفعاله بالكلية، وزعموا أنه مجبور على أفعاله، وذهب الأشاعرة إلى أن للعبد كسبًا في فعله، وأن له قدرة على فعله ومشيئة لكنها غير مؤثرة في وجود الفعل.\r* الله ﷾ خالق أفعال العباد، وخالق ما كان سببًا فيها من قدرة لهم ومشيئة.\rوخالف في ذلك الجبرية والقدرية على نحو ما تقدم آنفًا.\r* كل ما أراده الله سبحانه شرعًا فهو يحبه، وليس كل ما أراده كونًا يحبه، وأمر الله الشرعي يستلزم محبته ورضاه، ولا يستلزم خلقه وتكوينه.\rوذهب المعتزلة إلى أن الأمر يستلزم الإرادة، بل الإرادة هي نفس الرضا والمحبة، فكل ما أمر الله به فقد أراده، وكل ما أراده فقد أمر به وأحبه، وقابلهم الأشاعرة، فذهبوا إلى أن الأمر لا يستلزم الإرادة، وأن الله قد يأمر بما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050930,"book_id":1102,"shamela_page_id":773,"part":"2","page_num":824,"sequence_num":773,"body":"لا يحبه، وقد يحب ما لا يأمر به، وهذا بعد اتفاقهم على أمرين: على نفي القسمة في الإرادة إلى كونية وشرعية، وعلى أن المراد بالإرادة المحبة.\r* الاستطاعة نوعان، سابقة للفعل، وهي التمكن وسلامة الآلات التي يكون بها الفعل، ومقارنة للفعل، وهي حقيقة القدرة.\rوذهبت الجهمية إلى إنكار الاستطاعة من أصلها بناءً على قولهم بأن العبد مجبور على فعله، وذهبت القدرية المعتزلة إلى إنكار الاستطاعة المقارنة، وأن الاستطاعة سابقة لا غير، وذهب الأشاعرة إلى أن نفي الاستطاعة المتقدمة، وأنها مقارنة لفعل لا غير، لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه.\r* إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق بدعة وضلال، ولا بد فيه من التفصيل؛ فما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز التكليف به، وأما ما لا يطاق للاشتغال بضده فالتكليف به واقع اتفاقًا، لكن تسميته تكليفًا بما لا يطاق بدعة في اللغة والشرع.\rوذهبت الجهمية إلى جواز تكليف ما لا يطاق مطلقًا من غير تفصيل، وذهب الأشاعرة إلى جواز التكليف بما لا يطاق بالجملة، إذ لا يجب على الله سبحانه عندهم شيء ولا يقبح منه شيء، وذهبت المعتزلة إلى أن عدم جواز تكليف ما لا يطاق.\r* الله ﷿ خلق المسبَّبات وجعل أسبابها مرتبطةً بها لا انفكاك لها عنها، وجعل هذه الأسباب مظاهر حكمته.\rولم يخالف فيه أحد من المنتسبين للإسلام من حيث الأصل، لكن وجد منهم من عارض بينها وبين التوكل، وهم المتصوفة، فجعلوا التوكل ترك الأسباب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050931,"book_id":1102,"shamela_page_id":774,"part":"2","page_num":825,"sequence_num":774,"body":"* الأسباب مؤثرة على الحقيقة في إيجاد مسبباتها لكن تأثيرها ناقص غير تام، وإثباتها غير قادح في التوحيد بل مقررٌ له.\rوذهب الفلاسفة إلى أن السبب مقتض ضرورةً لمسببه، وذهب الأشاعرة إلى إنكار تأثير الأسباب، ونفوا أن يكون للأشياء في نفسها قوى وطبائع تؤثر في مسبباتها، وأما المعتزلة فأقروا في الجملة بالصواب، لكنهم خالفوا في جعلهم قدرة العبد ومشيئته علة تامة لفعله، وأنه لا مدخل لمشيئة الرب وخلقه في ذلك.\r* الله سبحانه هو المتفرد بهداية الخلق وإضلالهم، والهداية فضله سبحانه، والإضلال عدله، وكلاهما صادر عن حكمته سبحانه.\rوخالف في ذلك الأشاعرة فأنكروا أن يكون للعبد أثر في الاهتداء بعد هداية الفضل من الله سبحانه أو في الضلال، وخالف المعتزلة فذهبوا إلى إنكار هداية الله سبحانه لخلقه وإضلاله لهم، وجعلوا الهدى والإضلال من الله سبحانه على وجوه تصرفهما عن المعنى المراد.\r* الله سبحانه اختص العبد المطيع دون غيره بنعمة دينية أعانه بها على الطاعة والهداية إعانة لم يعن بها غيره، فضلًا منه سبحانه وحكمة ورحمة وعلمًا.\rوخالف في ذلك القدريةُ المعتزلة، فإنهم ذهبوا - بناءً على أصلهم في الهدى والضلال - إلى أن المؤمن والكافر سواء في إنعام الله سبحانه عليهما النعمة الدينية.\r* لا حجة للعبد في سبق المقادير على اقتراف الآثام وركوب الخطايا.\rوهذا مما اتفق عليه أهل الإسلام، ولم يخالف في ذلك إلا شُذَّاذٌ من الخلق، وهو ليس مذهبًا لطائفة من بني آدم.\r* الرضا بالقدر ليس شيئًا واحدًا، بل فيه تفصيل: فما تعلق منه بالرب، علمًا وكتابةً ومشيئةً وخلقًا؛ فالرضا به واجب، وما تعلق بالعبد؛ فإن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050932,"book_id":1102,"shamela_page_id":775,"part":"2","page_num":826,"sequence_num":775,"body":"كان من قبيل المصائب؛ فالرضا به مشروع وهو مستحب على الصحيح، وما كان من قبيل المعاصي؛ فالرضا به حرام.\rوخالف في ذلك المعتزلة فجعلوا الرضا بالقضاء محملًا لإخراج المعاصي عن قضائه، إذ لو كان قدرها للزم الرضا بها، وقابلهم غلاة الجهمية فذهبوا إلى وجوب الرضا بالمعاصي لكونها من قدر الله، وهو قول الصوفية الذين طووا بساط الأمر والنهي بالقضاء والقدر.\r* الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل قبل ورود الشرع، ومنه ما لا يعرف إلا بالشرع، لكن لا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح في الأشياء قبل ورود الشرع وبين الثواب والعقاب عليها، ثم من الحسن والقبح ما هو لازم للفعل لا ينفك عنه، ومنه ما ليس بلازم له، بل يتغير بتغير الأحوال والأشخاص والأزمان.\rوذهب الأشاعرة إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وأنه ليس للفعل صفة في نفسه بها يحسن ويقبح، وأن ذلك إنما يعرف بالشرع، وذهب المعتزلة إلى أن التحسين والتقبيح مرجعه إلى العقل لا غير، وفرعوا على ذلك وجوب اللطف والصلاح والأصلح ووجوب إرسال الرسل ووجوب العوض عن الآلام، ووجوب الثواب والعقاب، وذهب الماتريدية إلى إثبات الحسن والقبح العقليين، لكن اختلفوا بعد ذلك في إدراك العقل لحكم الله سبحانه في الفعل تبعًا لإدراكه الحسن والقبح فيه، أم أن ذلك متوقف على ورود الشرع.\rوالحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد\rوعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050933,"book_id":1102,"shamela_page_id":776,"part":"2","page_num":877,"sequence_num":776,"body":"فهرس المصادر والمراجع\r* الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، دار ابن زيدون، بيروت، ط ١.\r* الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة المذمومة، لأبي عبد الله، عبيد الله بن بطة العكبري، تحقيق: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي، دار الراية، الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ.\r* أبجد العلوم، لصديق حسن خان القنوجي، أعده للطبع عبد الجبار زكار، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ١٩٧٨ م.\r* أبكار الأفكار في أصول الدين، لسيف الدين الآمدي، تحقيق: أحمد محمد المهدي، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، ط ٢، ١٤٢٤ هـ.\r* إتحاف ذوي الألباب في قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، مخطوط.\r* إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد الباجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤١٥ هـ.\r* أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي، دار الكتب العلمية، بيروت.\r* أحكام أهل الذمة، لأبي عبد الله، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف البكر وشاكر العاروري، دار رمادي للنشر، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم، تحقيق: أحمد شاكر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050934,"book_id":1102,"shamela_page_id":777,"part":"2","page_num":878,"sequence_num":777,"body":"* الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن محمد الآمدي، علق عليه الشيخ عبد الرزاق عفيفي، دار الصميعي، الرياض، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\r* إحياء علوم الدين، للغزالي، الطبعة الأندونيسية.\r* إخبار العلماء بأخبار الحكماء، لجمال الدين علي بن القاضي يوسف القفطي، مطبعة السعادة، مصر، ١٣٢٦ هـ.\r* أخبار عمرو بن عبيد بن باب المعتزلي، للحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، تحقيق: محمد عبد الله آل عامر، دار التوحيد، الرياض، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\r* الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، للإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: عمر محمود أبو عمر، دار الراية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\r* الإخلاص والنية، للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، تحقيق: إياد الطباع، دار البشائر، دمشق، ط ١.\r* الأدب المفرد، للحافظ محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: سمير الزهيري، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\r* آراء المعتزلة الأصولية دراسةً وتقويمًا، للدكتور علي بن سعد الضويحي، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ.\r* آراء أهل المدينة الفاضلة، لأبي نصر الفارابي، قدم له: د. ألبير نادر، دار المشرق، بيروت، ط ٢.\r* الأربعين في أصول الدين، لفخر الدين الرازي، مكتبة الكليات الأزهري، مصر، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\r* إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للإمام محمد بن علي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050935,"book_id":1102,"shamela_page_id":778,"part":"2","page_num":879,"sequence_num":778,"body":"الشوكاني، تحقيق: سامي العربي، دار الفضيلة، الرياض، ط ١، ١٤٢١ هـ.\r* إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٢، ١٤٠٥ هـ.\r* أساس التقديس، للفخر الرازي، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، ١٤٠٦ هـ.\r* الاستغاثة في الرد على البكري، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\r* الاستقامة، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار الفضيلة، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\r* الأسماء والصفات، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي.\r* الإشارات والتنبيهات، لأبي علي بن سينا مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق: د. سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، ط ٣.\r* أصول الدين، لأبي اليسر محمد البزدوي، تحقيق: د. هانز بيتر لنس، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر، ١٤٢٤ هـ.\r* أصول الدين، لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، استانبول، مطبعة الدولة، ١٣٤٦ هـ.\r* أصول الدين، للفخر الرازي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، المكتبة الأزهرية للتراث.\r* أصول الكافي، لمحمد بن يعقوب الكليني الرافضي، تحقيق: محمد شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ١٤١١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050936,"book_id":1102,"shamela_page_id":779,"part":"2","page_num":880,"sequence_num":779,"body":"* أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للعلامة محمد الأمين الشنقيطي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\r* الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان لأبي بكر عبد الله محمد بن أبي الدنيا، تحقيق: د. نجم عبد الرحمن خلف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ودار البشير، عمان، ط ١، ١٤١٣ هـ.\r* إعلام الموقعين عن رب العالمين، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\r* الأعلام، لخير الدين بن محمود الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط ١٥، ٢٠٠٢ م.\r* إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: علي حسن الحلبي، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ٢، ١٤٢٧ هـ.\r* الاقتصاد في الاعتقاد، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: د. إبراهيم جوبوقجي ود. حسين آناي، كلية الإلهيات، جامعة أنقرة، ١٩٦٢ م.\r* اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: ناصر العقل، مكتبة الرشد الرياض، ط ٨، ١٤٢١ هـ.\r* إكمال المعلم بفوائد مسلم، لأبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي، تحقيق: د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط ١، ١٤١٩ هـ.\r* الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، ليحيى بن أبي الخير العمراني، تحقيق: د. سعود الخلف، عمادة البحث العلمي بالجامعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050937,"book_id":1102,"shamela_page_id":780,"part":"2","page_num":881,"sequence_num":780,"body":"الإسلامية، المدينة المنورة، ط ٣، ١٤٢٩ هـ.\r* الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، للقاضي أبي بكر الباقلاني، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر، ط ٢، ١٤٢١ هـ.\r* أوائل المقالات، للشيخ المفيد الرافضي، تحقيق: إبراهيم الأنصاري، دار المفيد، بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ.\r* إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى المعروف بابن الوزير، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤٠٧ هـ.\r* البحر المحيط في أصول الفقه، لمحمد بن بهادر الزركشي، قام بتحريره الشيخ عبد القادر العاني، وزارة الأوقاف الكويتية، ط ٢، ١٤١٣ هـ.\r* بدائع الفوائد، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: علي العمران، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ٢، ١٤٢٧ هـ.\r* البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمد حسن حلاق، دار ابن كثير، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\r* البرهان في أصول الفقه، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: د. عبد العظيم الديب، توزيع دار الأنصار بالقاهرة.\r* بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: عبد الله الدرويش، دار الفكر، ١٤١٤ هـ.\r* بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية. . .، لشيخ الإسلام، تحقيق: د. موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، ط ٣، ١٤٢٢ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050938,"book_id":1102,"shamela_page_id":781,"part":"2","page_num":882,"sequence_num":781,"body":"* بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، ط ٢، ١٣٩٩ هـ.\r* بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، مجموعة رسائل علمية بإشراف الشيخ عبد العزيز الراجحي، طبعة مجمع الملك فهد، المدينة المنورة.\r* تاج العروس من جواهر القاموس، للسيّد مرتضى الحسني الزبيدي، تحقيق: علي هلال وآخرون، المجلس العلمي للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت.\r* تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للحافظ محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: بشار معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\r* التاريخ الكبير، للحافظ محمد بن إسماعيل البخاري، دائرة المعارف العثمانية، تصوير دار الكتب العلمية، بيروت.\r* تاريخ قضاة الأندلس، لأبي الحسن النبهاني الأندلسي، تحقيق: د. مريم الطويل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\r* تاريخ مدينة السلام (تاريخ بغداد)، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق: بشار معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\r* تأويلات أهل السنة، لأبي منصور محمد بن محمد الماتريدي، تحقيق: د. مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\r* التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الهالكين، لأبي المظفر الإسفراييني، تحقيق: كمال الحوت، دار عالم الكتب، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\r* التبيان في أيمان القرآن، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050939,"book_id":1102,"shamela_page_id":782,"part":"2","page_num":883,"sequence_num":782,"body":"تحقيق: عبد الله سالم البطاطي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\r* تحفة المريد على جوهرة التوحيد، لإبراهيم بن محمد البيجوري، تحقيق: علي جمعة، دار السلام، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\r* تحقيق المقام على كفاية العوام في علم الكلام، لإبراهيم بن محمد البيجوري، اعتنى به: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٨ هـ.\r* الترغيب والترهيب لأبي القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني قوام السنة، تحقيق: أيمن صالح شعبان، دار الحديث، القاهرة، ط ١، ١٤١٤ هـ.\r* التسهيل لعلوم التنزيل، لأبي القاسم، محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، تحقيق: محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\r* التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، دار باوزير، جدة، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\r* تغليق التعليق على صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر، تحقيق: سعيد القزقي، المكتب الإسلامي ودار عمار.\r* تفسير أسماء الله الحسنى، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، تحقيق أحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، دمشق، ط ٥، ١٤٠٦ هـ.\r* تفسير التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس ١٩٨٤ م.\r* تفسير الرازي المشهور بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، لمحمد بن عمر الرازي، دار الفكر، ط ١، ١٤٠١ هـ.\r* تفسير السلمي وهو حقائق التفسير، لأبب عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، تحقيق: سيد عمران، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050940,"book_id":1102,"shamela_page_id":783,"part":"2","page_num":884,"sequence_num":783,"body":"* تفسير القرآن العظيم للحافظ عبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: أسعد الطيب، مكتبة نزار الباز مكة، ط ١، ١٤١٧ هـ.\r* تفسير القرآن العظيم، للحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير، تحقيق: مصطفى السيّد محمد وآخرون، دار عالم الكتب، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\r* تفسير القرآن الكريم، الحجرات إلى الحديد، لمحمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\r* تفسير القرآن الكريم، سورة الكهف، لمحمد بن صالح العثيمين، دار الثريا، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\r* تفسير غريب القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\r* تفسير ما بعد الطبيعة، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد، دار المشرق ١٩٨٦ م.\r* تقريب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: أبي الأشبال صغير أحمد الباكستاني، دار العاصمة، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\r* التقريب والإرشاد الصغير، للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق: عبد الحميد أبو رنيد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* تقويم الأدلة في أصول الفقه، لأبي زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي، تحقيق: خليل الميس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\r* تلبيس إبليس، لأبي الفرج بن الجوزي، تحقيق: أحمد المزيد، دار الوطن للنشر، الرياض، ط ١، ١٤٣٢ هـ.\r* التمهيد في أصول الدين، لأبي المعين النسفي الماتريدي، تحقيق: محمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050941,"book_id":1102,"shamela_page_id":784,"part":"2","page_num":885,"sequence_num":784,"body":"الشاغول، المكتبة الأزهرية للتراث.\r* التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ليوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ولآخرون، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ١٣٨٧ هـ.\r* التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، لأبي عبد الرحمن الملطي، تحقيق: محمد عزب، مكتبة مدبولي القاهرة، ط ١، ١٤١٣ هـ.\r* تنزيه القرآن عن المطاعن، للقاضي عبد الجبار المعتزلي، دار النهضة الحديثة، بيروت.\r* تنزيه الله عما أوجبه عليه المعتزلة، لأحمد محمد بناني، رسالة دكتوراه في جامعة أم القرى، إشراف د. عبد العزيز عبيد، ١٤٠٣ - ١٤٠٤ هـ.\r* تهافت التهافت، لأبي الوليد محمد بن رشد، تحقيق: د. سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، ط ١، ١٩٦٤ م.\r* تهافت الفلاسفة، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: د. سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، ط ٦.\r* تهذيب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي بن حجر، اعتناء: إبراهيم الزيبق وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة.\r* تهذيب السنن، لأبي عبد الله، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: د. إسماعيل مرحبا، مكتبة النعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* تهذيب اللغة، لأبي منصور، محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق: عبد السلام هارون، الدار المصرية للتأليف والترجمة.\r* تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050942,"book_id":1102,"shamela_page_id":785,"part":"2","page_num":886,"sequence_num":785,"body":"السعدي، اعتنى به سعد الصميل، دار ابن الجوزي، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\r* جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر، محمد بن جرير الطبري، (٣١٠) هـ، تحقيق: د. عبد الله التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر، ط ١، ١٣٢٢ هـ.\r* جامع التحصيل في أحكام المراسيل، للحافظ أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، تحقيق: حمدي السلفي، عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية، ط ٢، ١٤٠٧ هـ.\r* جامع الرسائل لشيخ الإسلام، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار المدني.\r* جامع العلوم والحكم، لأبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين بن رجب، تحقيق: طارق عوض الله، دار ابن الجوزي، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.\r* الجامع الكبير للحافظ محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق: بشار عواد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٩٩٦ م.\r* جامع المسائل لابن تيمية، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\r* جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤١٤ هـ.\r* الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\r* الجامع لشعب الإيمان، أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عبد العلي حامد، مكتبة الرشد، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\r* الجرح والتعديل، للحافظ عبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050943,"book_id":1102,"shamela_page_id":786,"part":"2","page_num":887,"sequence_num":786,"body":"مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، ١٣٧٢ هـ.\r* جلاء الأفهام لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: زائد النشيري، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ٢، ١٤٢٧ هـ.\r* جلاء العينين بمحاكمة الأحمدين، للعلامة أبي البركات نعمان بن محمود الألوسي، تحقيق: الداني آل زهوي، المكتبة العصرية، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\r* الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، تحقيق: علي بن حسن بن ناصر، وعبد العزيز العسكر، وحمدان الحمدان، دار العاصمة، ط ٢، ١٤١٩ هـ.\r* الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، عبد القادر بن أبي الوفاء محمد القرشي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو.\r* حادي الأرواح، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: زائد النشيري، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٨ هـ.\r* حاشية الباجوري على كفاية العوام، لإبراهيم بن محمد الباجوري، ت: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٨ هـ.\r* حجة القراءات، لأبي زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، تحقيق: سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٥، ١٤١٨ هـ.\r* الحجة في القراءات السبع لابن خالويه، تحقيق: د. عبد العال مكرم، دار الشروق، ط ٣، ١٣٩٩ هـ.\r* الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، للحافظ قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني بتحقيق: د. محمد بن ربيع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050944,"book_id":1102,"shamela_page_id":787,"part":"2","page_num":888,"sequence_num":787,"body":"مدخلي ومحمد محمود أبو رحيم، دار الراية، ط: ١، ١٤١١ هـ.\r* الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة، لأبي محمد عبد الله بن محمد البطليوسي، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر.\r* حز الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر، شيث بن إبراهيم بن حيدرة، تحقيق: عبد الله عمر البارودي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\r* الحسن والقبح بين المعتزلة وأهل السنة، رسالة ماجستير في جامعة أم القرى، لعبد الله محمد جار النبي، إشراف كمال محمد هاشم نجا.\r* الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى عند أهل السنة والجماعة، رسالة ماجستير في جامعة أم القرى، لعبد الله بن ظافر الشهري، إشراف الشيخ عبد الله الدميجي.\r* حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\r* خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل، لمحمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: فهد الفهيد، دار أطلس الخضراء، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\r* الداء والدواء، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\r* الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: عبد الله التركي، بالتعاون مع مركز هجر، مصر، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\r* درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، ١٤١١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050945,"book_id":1102,"shamela_page_id":788,"part":"2","page_num":889,"sequence_num":788,"body":"* الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، للحافظ أحمد بن علي بن حجر، بدون تفاصيل.\r* الديباج المذهب في أعيان المذهب، لابن فرحون المالكي، تحقيق: محمد أبو النور، دار التراث، مصر.\r* ديوان أبي العتاهية، دار بيروت، ١٤٠٦ هـ.\r* ديوان جرير، لجرير بن عطية الخطفي، دار بيروت للطباعة والنشر، ١٤٠٦ هـ.\r* ذم الكلام وأهله، لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي الأنصاري، تحقيق: أبو جابر الأنصاري، مكتبة الغرباء الأثرية.\r* ذيل طبقات الحنابلة، لأبي الفرج عبد الرحمن بن رجب، تحقيق: د. عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان، ط ١، ١٤١٥ هـ.\r* الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، مؤسسة الريان، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\r* الرسالة القشيرية، لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، تحقيق: عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف، مطابع مؤسسة دار الشعب، مصر، ١٤٠٩ هـ.\r* رسالة إلى أهل الثغر، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: عبد الله شاكر الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط ٢، ١٤٢٢ هـ.\r* رسالتان فلسفيتان، لأبي نصر الفارابي، تحقيق: د. جعفر آل ياسين، دار المناهل، بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\r* رسائل العدل والتوحيد، تحقيق: د. محمد عمارة، دار الشروق، ط ٢، ١٤٠٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050946,"book_id":1102,"shamela_page_id":789,"part":"2","page_num":890,"sequence_num":789,"body":"* الرضا عن الله بقضائه لأبي بكر بن أبي الدنيا، تحقيق: ضياء الحسن السلفي، الدار السلفية بومباي، ط ١، ١٤١٠ هـ.\r* رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، لأبي النصر عبد الوهاب بن علي السبكي، عالم الكتب، بيروت، ١٤١٩ هـ.\r* رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، لعبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق: علي معوض وعادل عبد الموجود، عالم الكتب، ط ١، ١٤١٩ هـ.\r* رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، لمرعي بن يوسف الكرمي، تحقيق: أسعد محمد المغربي، دار حراء، مكة المكرمة، ط ١، ١٤١٠ هـ.\r* روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لأبي الفضل السيد محمود الألوسي، دار إحياء التراث العربي بيروت.\r* روضة المحبين ونزهة المشتاقين، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية.\r* زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣، ١٤٠٤ هـ.\r* زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ٤، ١٤١٥ هـ.\r* السببية عند أهل السنة والجماعة ونحالفيهم من خلال مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، رسالة دكتوراه في جامعة الإمام، لتوفيق بن إبراهيم المحيش، إشراف الشيخ عبد العزيز الراجحي، ١٤٢٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050947,"book_id":1102,"shamela_page_id":790,"part":"2","page_num":891,"sequence_num":790,"body":"* سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤١٥ هـ.\r* سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة، لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.\r* سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، لأبي الفضل محمد خليل بن علي المرادي، دار البشائر الإسلامية، ودار ابن حزم، ط ٣، ١٤٠٨ هـ.\r* السنة لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال، تحقيق: عطية الزهراني، دار الراية، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\r* السنّة لعبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، تحقيق: محمد بن سعيد القحطاني، دار عالم الكتب، ط ٤، ١٤١٦ هـ.\r* سنن ابن ماجه، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، تحقيق: بشار معروف، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* سنن ابن ماجه، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، اعتنى به: مشهور حسن آل سلمان، مكتبة المعارف، ط ١.\r* سنن أبي داود، للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، اعتنى به: مشهور حسن آل سلمان، مكتبة المعارف، ط ١.\r* سنن أبي داود، للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، دار ابن حزم، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* سنن الترمذي، للحافظ محمد بن عيسى الترمذي، اعتنى به: مشهور حسن آل سلمان، مكتبة المعارف، ط ١.\r* سنن الدارقطني، للحافظ علي بن عمر الدارقطني، تحقيق: شعيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050948,"book_id":1102,"shamela_page_id":791,"part":"2","page_num":892,"sequence_num":791,"body":"الأرنؤوط، طبع على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبد العزيز آل سعود.\r* السنن الكبرى، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، الطبعة الهندية، ط ١، ١٣٤٤ هـ.\r* سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي، دار المعرفة، بيروت.\r* سنن النسائي، للحافظ أحمد بن شعيب النسائي، اعتنى به: مشهور حسن آل سلمان، مكتبة المعارف، ط ١.\r* سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: مجموعة من الباحثين بإشراف: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣، ١٤٠٥ هـ.\r* الشامل في أصول الدين، لإمام الحرمين الجويني، تحقيق: علي سامي النشار وآخران، نشر المعارف، الإسكندرية، ١٩٦٩ هـ.\r* شأن الدعاء، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار الثقافة العربية، دمشق، ط ٣، ١٤١٢ هـ.\r* شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن أحمد العكري الحنبلي، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، محمود الأرنؤوط، دار بن كثير، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\r* شرح الأصبهانية، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد عودة السعوي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ودار جودة، ط ١، ١٤٣٠ هـ.\r* شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار المعتزلي، تحقيق: د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، مصر، ط ٣، ١٤١٦ هـ.\r* شرح الخريدة البهية في علم التوحيد، لأحمد العدوي المعروف بالدردير،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050949,"book_id":1102,"shamela_page_id":792,"part":"2","page_num":893,"sequence_num":792,"body":"تحقيق: عبد السلام شنار.\r* شرح السنة للإمام الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\r* شرح السنة، لأبي محمد الحسن بن علي البربهاري، تحقيق: عبد الرحمن الجميزي، مكتبة دار المنهاج الرياض، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\r* شرح السنة، لإسماعيل بن يحيى المزني، تحقيق: جمال عزون، بدون تفاصيل.\r* شرح السنوسية، لأبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي، مطبعة جريدة الإسلام بمصر، ١٣١٦ هـ.\r* شرح العقائد النسفية، لسعد الدين التفتازاني، تحقيق: أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\r* شرح العقيدة الطحاوية، للإمام علي بن علي بن محمد بن أبي العز، تحقيق: د. عبد الله التركي وشعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٩، ١٤١٧ هـ.\r* شرح الكوكب المنير، لابن النجار، أبو البقاء محمد بن أحمد الفتوحي، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، ط ٢، ١٤١٨ هـ.\r* شرح اللمع، لأبي إسحاق إبراهيم الشيرازي، تحقيق: عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\r* شرح المقاصد، لمسعود بن عمر التفتازاني، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، ط ٢، ١٤١٩ هـ.\r* شرح المواقف، للشريف علي بن محمد الجرجاني، عني بتصحيحه: محمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050950,"book_id":1102,"shamela_page_id":793,"part":"2","page_num":894,"sequence_num":793,"body":"بدر الدين النعساني، مطبعة السعادة، ط ١، ١٣٢٥ هـ.\r* شرح صحيح البخاري لابن بطال، لأبي الحسن علي بن خلف بن بطال، تحقيق: ياسر بن إبراهيم مكتبة الرشد، الرياض، ط ٢، ١٤٢٣ هـ.\r* شرح صحيح مسلم للإمام محي الدين النووي، تحقيق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، ط ١١، ١٤٢٦ هـ.\r* شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\r* شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، مكتبة العبيكان، تحقيق: عمر الحفيان، ١٤٢٠ هـ.\r* الصحاح، تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت.\r* صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ.\r* صحيح ابن خزيمة، للحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: محمد الأعظمي، المكتب الإسلامي.\r* صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله، محمد بن إسماعيل البخاري، اعتنى به: زهير الناصر، دار طوق النجاة، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\r* صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\r* صحيح وضعيف الجامع الصغير وزياداته، لشيخ محمد ناصر الدين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050951,"book_id":1102,"shamela_page_id":794,"part":"2","page_num":895,"sequence_num":794,"body":"الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: ٣، ١٤٠٨ هـ.\r* صفة الصفوة، لأبي الفرج بن الجوزي، تحقيق: محمود فاخوري، دار المعرفة، ط ٣، ١٤٠٥ هـ.\r* الصفدية، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، طبع على نفقة أحد المحسنين، ١٤٠٦ هـ.\r* الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، ط ٣، ١٤١٨ هـ.\r* صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، للعلامة محمد بشير السهسواني الهندي، على نفقة عبد العزيز ومحمد الجميح، ط ٥، ١٣٩٥ هـ.\r* صيد الخاطر، للإمام أبي الفرج بن الجوزي، هذبه: أسامة السيد، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ٥، ١٤١٧ هـ.\r* الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، دار الجيل بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\r* طبقات الأولياء، لأبي حفص عمر بن علي بن الملقن، تحقيق: نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي، ط ٢، ١٤١٥ هـ.\r* طبقات الحنابلة، للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى، تحقيق: د. عبد الرحمن العثيمين، الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام، ١٤١٩ هـ.\r* طبقات الشافعية الكبرى، لعبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، تحقيق: محمود الطناحي، وعبد الفتاح محمد الحلو، دار إحياء الكتب العربية.\r* طبقات الشافعية لأبي بكر بن أحمد بن محمد بن قاضي شهبة، اعتنى به عبد العليم خان، الطبعة الهندية، ط ١، ١٣٩٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050952,"book_id":1102,"shamela_page_id":795,"part":"2","page_num":896,"sequence_num":795,"body":"* طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.\r* طبقات المفسرين، للحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق: علي محمد عمير، مكتبة وهبة، ط ١، ١٣٩٦ هـ.\r* طريق الهجرتين، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\r* عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: إسماعيل مرحبا، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\r* عقيدة السلف وأصحاب الحديث، لأبي عثمان، إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، تحقيق: أبو اليمين المنصوري، دار المنهاج مصر، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\r* العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر، ١٤١٢ هـ.\r* العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ مع كتاب الأرواح النوافخ، لصالح بن المهدي المقبلي، مكتبة دار البيان، دمشق، ط ١.\r* العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣، ١٤١٥ هـ.\r* عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لأبي العباس أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة، تحقيق: د. نزار رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.\r* غاية المرام في علم الكلام، لسيف الدين الآمدي، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050953,"book_id":1102,"shamela_page_id":796,"part":"2","page_num":897,"sequence_num":796,"body":"* الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\r* فتاوى ومسائل ابن الصلاح، لعثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\r* فتح الباري، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة (مصور عن الطبعة السلفية).\r* فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الوفاء، ط ٣، ١٤٢٦ هـ.\r* الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم، لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق: محمد عثمان الخشت، مكتبة ابن سينا.\r* الفصل في الملل والأهواء والنحل، لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم، تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت.\r* فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، لأبي القاسم البلخي والقاضي عبد الجبار والحاكم الجشمي، تحقيق: فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، تونس.\r* فضل علم السلف على الخلف، لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، إدارة الطباعة المنيرية، ١٣٤٧ هـ.\r* الفوائد البهية في ترجم الحنفية، لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي، دار المعرفة، بيروت.\r* الفوائد، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050954,"book_id":1102,"shamela_page_id":797,"part":"2","page_num":898,"sequence_num":797,"body":"* فيض القدير شرح الجامع الصغير، لزين الدين عبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة، بيروت، ط ٢، ١٣٩١ هـ.\r* القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي، الطبعة الحجرية.\r* قانون التأويل، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمود بيجو، ط ١، ١٤١٣ هـ.\r* القضاء والقدر لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: صلاح الدين شكر، مكتبة الرشد، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\r* قطر الولي على حديث الولي، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: د. إبراهيم هلال، دار الكتب الحديثة مصر.\r* قواطع الأدلة في الأصول، لأبي المظفر، منصور بن محمد السمعاني التميمي تحقيق: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام تحقيق: نزيه كمال حماد، وعثمان ضميرية، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤٢١ هـ.\r* القواعد الحسان لتفسير القرآن، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة الرشد الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\r* القواعد الفقهية، للدكتور يعقوب بن عبد الله الباحسين، مكتبة الرشد وشركة الرياض، الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* القول السديد في مقاصد التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، اعتنى به: المرتضى الزين أحمد، مجموعة التحف النفائس الدولية، ط ١، ١٤١٦ هـ.\r* الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050955,"book_id":1102,"shamela_page_id":798,"part":"2","page_num":899,"sequence_num":798,"body":"* الكامل في ضعفاء الرجال، للإمام الحافظ أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، دار الفكر، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\r* كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق: د. محمد موسى وعلي عبد الحميد، مكتبة الخانجي، مصر، ١٣٦٩ هـ.\r* كتاب التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، مكتبة لبنان، ١٩٨٥ م.\r* التلخيص في أصول الفقه، لأبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، تحقيق عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، دار البشائر الإسلامية، ١٤١٧ هـ.\r* كتاب التوحيد، لأبي منصور محمد بن محمد الماتريدي، تحقيق: د. فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية، مصر.\r* كتاب التوكل على الله، للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١، ١٤١٣ هـ.\r* كتاب الزهد الكبير، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عامر أحمد حيدر، دار الجنان، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\r* كتاب السنة، للحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الشيباني، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠٠ هـ.\r* كتاب السنن الكبرى، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، بإشراف شعيب أرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\r* كتاب السياسة المدنية، لأبي نصر الفارابي، تحقيق: د. فوزي نجار، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ط ١، ١٩٦٤ م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050956,"book_id":1102,"shamela_page_id":799,"part":"2","page_num":900,"sequence_num":799,"body":"* كتاب الشريعة، لأبي بكر، محمد بن الحسين الآجري، تحقيق: د. عبد الله الدميجي، دار الوطن، الرياض، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.\r* كتاب الطبقات الكبير، للإمام محمد بن سعد بن منيع الزهري، تحقيق: د. علي محمد عمر، مكتبة الخانجي بالقاهرة.\r* كتاب القدر، للحافظ أبي بكر جعفر بن محمد الفريابي، تحقيق: عبد الله المنصور، أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* كتاب اللمع في الرد على أهل الأهواء والبدع، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: حمدة غرابة، مطبعة مصر، ١٩٥٥ م.\r* كتاب المجموع في المحيط بالتكليف، لأبي الحسين عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، تحقيق: جين يوسف اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية بيروت، ويان بترس، دار المشرق، لبنان، ط ١، ١٩٩٩ م.\r* كتاب المسامرة للكمال بن أبي شريف بشرح المسايرة للكمال بن الهمام، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، ١٣١٧ هـ.\r* الكتاب المعتبر في الحكمة، لهبة الله بن علي بن ملكا، دائرة المعرف العثمانية بحيدرآباد الدكن، ط ١، ١٣٥٧ هـ.\r* كتاب المنهاج في شعب الإيمان، لأبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي، تحقيق: حلمي محمد فوده، دار الفكر، ط ١، ١٣٩٩ هـ.\r* كتاب تأويل مختلف الحديث، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، مطبعة كردستان العلمية بمصر، ١٣٢٦ هـ.\r* كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني، تحقيق: عماد الدين حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، ط ١، ١٤٠٧ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050957,"book_id":1102,"shamela_page_id":800,"part":"2","page_num":901,"sequence_num":800,"body":"* كتاب طبقات المعتزلة، لأحمد بن يحيى بن المرتضى المعتزلي، تحقيق: سوسنه ديفلد - فلزر، بيروت، لبنان، ١٤٠٧ هـ.\r* كتاب غريب الحديث لأبي عبيد عبيد القاسم بن سلام الهروي، تحقيق: حسين محمد شرف، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، ١٤٠٤ هـ.\r* كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد، قدم له وعلق عليه: ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، ط ٢.\r* كتاب قوت القلوب، لأبي طالب الكي، تحقيق: د. عبد المنعم خفاجي، دار الرشد، ط ١، ١٤١٢ هـ.\r* كتاب لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول، لأبي الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي، تحقيق: د. فوقية محمود، توزيع دار الأنصار، مصر، ط ١، ١٩٧٧ م.\r* كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام، لعبد الكريم الشهرستاني، تحقيق: ألفرد جيوم.\r* الكشاف عن حقائق التأويل غوامض التأويل. . .، لمحمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوض، مكتبة العبيكان، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* كشف الأستار عن زوائد مسند البزار، للحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٣٩٩ هـ.\r* كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، لعبد العزيز بن أحمد، علاء الدين البخاري، تحقيق: عبد الله محمود عمر، دار الكتب العلمية،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050958,"book_id":1102,"shamela_page_id":801,"part":"2","page_num":902,"sequence_num":801,"body":"بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، لمحمد بن محمد الغزي، وضع حواشيه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\r* لسان العرب، للعلامة أبي الفضل، جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي. دار عالم الكتب، ١٤٢٤ هـ.\r* لسان الميزان، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\r* لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، لمحمد بن أحمد السفاريني، اعتنى به: عادل بن سعد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\r* الماتريدية دراسة وتقويمًا، لأحمد عوض الله الحربي، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٣ هـ.\r* المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين، لسيف الدين الآمدي، تحقيق: د. حسن الشافعي، مكتبة وهبة، مصر، ط ٢، ١٤١٣ هـ.\r* متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، تحقيق: د. عدنان محمد زرزور، دار التراث، القاهرة، ط ١، ١٩٦٩ م.\r* مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن محمد النيسابوري الميداني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السنة المحمدية، ١٣٧٤ هـ.\r* مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، طباعة ورثة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\r* مجموع فتاوى ورسائل محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب فهد بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050959,"book_id":1102,"shamela_page_id":802,"part":"2","page_num":903,"sequence_num":802,"body":"ناصر بن إبراهيم السلمان، دار الوطن، الرياض، ١٤١٣ هـ.\r* مجموعة الرسائل والمسائل، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دار الكتب العلمية لبنان، ط ١، ١٤١٢ هـ.\r* مجموعة رسائل الإمام الغزالي، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: إبراهيم محمد، المكتبة التوفيقية، مصر.\r* محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، لمحمد بن عمر الرازي، راجعه وقدم له: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، مصر.\r* المحصول في علم أصول الفقه، لمحمد بن عمر الرازي، تحقيق: طه العلواني، مؤسسة الرسالة، بيروت.\r* المحكم والمحيط الأعظم، لعلي بن إسماعيل بن سيده، تحقيق: عبد الستار فراج، ط ١، ١٣٧٧ هـ.\r* المحو والإثبات في المقادير، للدكتور عيسى السعدي، بدون تفاصيل.\r* مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، اختصار محمد بن الموصلي، تحقيق: د. الحسن العلوي، أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\r* مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، لأبي عبد الله محمد بن علي البعلي، أشرف على تصحيحه عبد المجيد سالم، دار الكتب العلمية، بيروت.\r* مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٣٩٣ هـ.\r* المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050960,"book_id":1102,"shamela_page_id":803,"part":"2","page_num":904,"sequence_num":803,"body":"النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.\r* المستصفى من علم الأصول، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، تحقيق: حمزة زهير حافظ، الجامعة الإسلامية، كلية الشريعة، المدينة المنورة.\r* مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\r* المسودة في أصول الفقه لآل تيمية، تحقيق: أحمد الذوري، دار الفضيلة، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\r* مشكاة المصابيح، لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٣٩٩ هـ.\r* مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، لشهاب الدين البوصيري، تحقيق: عوض الشهري، عمادة البحث العلمي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط ١، ١٤١٥ هـ.\r* المصنف، للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق: حمد الجمعة ومحمد اللحيدان، مكتبة الرشد، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\r* المطالب العالية من العلم الإلهي، لفخر الدين الرازي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\r* معالم التنزيل، الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمر وآخرون، دار طيبة، ط ٤، ١٤١٧ هـ.\r* معالم السنن، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، المطبعة العلمية، حلب، ط ١، ١٣٥١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050961,"book_id":1102,"shamela_page_id":804,"part":"2","page_num":905,"sequence_num":804,"body":"* معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، عالم الكتب، بيروت، ط ٣، ١٤٠٣ هـ.\r* المعتزلة وأصولهم الخمسة، للدكتور عواد المعتق، مكتبة الرشد الرياض، ط ٤، ١٤٣١ هـ.\r* المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي، تحقيق: محمد حميد الله، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، ١٣٨٥ هـ.\r* معجم الأدباء، لياقوت الحموي الرومي، تحقيق: إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي بيروت، ط ١، ١٩٩٣ م.\r* المعجم الأوسط، لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، تحقيق: طارق عوض الله وعبد المحسن الحسيني، دار الحرمين، ١٤١٥ هـ.\r* معجم البلدان، للإمام أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٣٩٩ هـ.\r* المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بمصر، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، ١٤٠٣ هـ.\r* المعجم الفلسفي، لجميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٩٨٢ م.\r* المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية القاهرة.\r* معجم المؤلفين تراجم مصنفي الكتب العربية، لعمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ.\r* مُعجم مقاييسُ اللغة، لأبي الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050962,"book_id":1102,"shamela_page_id":805,"part":"2","page_num":906,"sequence_num":805,"body":"السلام هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.\r* معيار العلم، لأبي حامد الغزالي، طبع على نفقة محيي الدين صبري الكردي، المطبعة العربية بمصر، ١٣٤٦ هـ.\r* المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار الهمذاني، تحقيق: توفيق الطويل وآخرون، طبعة المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة.\r* مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة، للإمام محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، دار ابن عفان، ط ١، ١٤١٦ هـ.\r* المفردات في غريب القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، دار العلم والدار الشامية، دمشق - بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\r* المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، تحقيق: محيي الدين مستو وأخرون، دار ابن كثير ودار الكلم الطيب، ط ١، ١٤١٧ هـ.\r* المفيد على كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ٢، ١٤٢٤ هـ.\r* مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، ١٤١١ هـ.\r* المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: أحمد قباني، دار الكتب العلمية، بيروت.\r* الملل والنحل لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق: أمير مهنا وعلي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050963,"book_id":1102,"shamela_page_id":806,"part":"2","page_num":907,"sequence_num":806,"body":"فاعور، دار المعرفة، ط ٣، ١٤١٤ هـ.\r* منازل السائرين إلى الحق عز شأنه، لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ١٣٨٦ هـ.\r* المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لعبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، محمد عطا ومصطفى عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\r* المنتقى شرح موطأ مالك، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا.\r* منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر، لعلي بن سلطان القاري، دار البشائر الإسلامية، ط ١، ١٤١٩ هـ.\r* منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\r* منهج التلقي والاستدلال بين أهل السنة والمبتدعة، أحمد عبد الرحمن الصويان، المنتدى الإسلامي.\r* الموافقات، لإبراهيم بن موسى بالشاطبي، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الخبر، ط ١، ١٤١٧ هـ.\r* المواقف في علم الكلام، لعبد الرحمن بن أحمد الإيجي، عالم الكتب بيروت.\r* الموطأ، للإمام مالك بن أنس، تحقيق: عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤١٧ هـ.\r* موقف ابن تيمية من الأشاعرة، للدكتور عبد الرّحمن بن صالح المحمود، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ.\r* موقف ابن تيمية من الصوفية، لمحمد بن عبد الرحمن العريفي، مكتبة دار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050964,"book_id":1102,"shamela_page_id":807,"part":"2","page_num":908,"sequence_num":807,"body":"المنهاج، الرياض، ط ١، ١٤٣٠ هـ.\r* موقف أهل السنة والجماعة من الأسباب وآراء المخالفين، لليلى نوري الحربي، رسالة ماجستير في جامعة أم القرى، إشراف: بركات دويدار، ١٤١٨ هـ.\r* ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: علي البجاوي، دار المعرفة بيروت.\r* ميزان العمل، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: د. سليمان دنيا، دار المعارف بمصر، ١٩٦٤ م.\r* النبراس شرح العقائد، لحمد عبد العزيز الفرهاري، مخطوط.\r* النبوات، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، دراسة وتحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\r* النجاة في المنطق والإلهيات، لأبي علي بن سينا، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\r* نقض عقائد الأشاعرة والماتريدية، لخالد الغامدي، دار أطلس الخضراء، ط ١، ١٤٣٠ هـ.\r* النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\r* الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه، وجمل من فنون علومه، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الشارقة، إشراف أ. د: الشاهد البوشيخي، نشر: مجموعة بحوث الكتاب والسنة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1050965,"book_id":1102,"shamela_page_id":808,"part":"2","page_num":909,"sequence_num":808,"body":"جامعة الشارقة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\r* الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الرحمن قائد، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٨ هـ.\r* الوجود والعدم بين المعتزلة والأشاعرة، للدكتور وجيه أحمد عبد الله، دار الوفاء، الإسكندرية.\r* وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}