{"page_id":204154,"book_id":111,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"ابْن رَجَب الحَنبلي\rوَأثرهُ في توضِيْح عَقيِدة السَّلفْ\r\rتَأليفْ\rالدّكتور عَبْد الله بن سُلَيمان الغُفيلي\rالأستاذ المشارك بكلية الدّعوة وأصول الديْن\rبالجامعة الإسْلاميّة بالمدينة المنورّة\r\rتقْديم\rالشيْخ صَالِح بنُ فوزان الفَوزانْ\rوالشيْخ حمّادُ بن محمَّد الأنصَاري\r\rدار المسير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204155,"book_id":111,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"ابْن رَجَبْ الحَنْبلي\rوَأثرهُ في توضِيْح عَقِيْدة السَّلفْ\r\rتَأليفْ\rالدّكتور عَبْد الله بن سُليمَان الغفْيلي\rالأستاذ المشارك بكلية الدعْوة وأصول الديْن\rبالجامعة الإسْلاميّة بالمدينة المنوّرة\r\rتقْديم\rالشيْخ صَالِح بنْ فوزان الَفوزانْ\rوالشيْخ حَمادْ بن محمَّد الأنَصاريْ\r\rالمجَلّد الأوّل\r\rدار المسير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204156,"book_id":111,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"جَميْع الحقُوق محْفوظة\rالطّبعَة الأولي\r١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م\r\rدار المسير\rالممْلكة العَربيّة السّعُوديّة\rالريَاضْ: ١١٤٧٨ - صَ بْ: ٣٤٨٥٣\rهَاتفْ وفاكسْ: ٤٣٠٠٥٠٠","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204157,"book_id":111,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"﷽","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204158,"book_id":111,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"تقريظ فضيلة الشيخ: صالح بن فوزان الفوزان\r﷽\rالحمد لله وحده. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد: فقد قرأت الكتاب الذي ألفه فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الله بن سليمان الغفيلي بعنوان: \"ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف\" فوجدته كتابًا وافيًا في موضوعه مفيدًا في محتواه حيث تناول شخصية علمية من أعظم الشخصيات في الإسلام، ألا وهي شخصية الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي وما قدمه ذلك الإمام من آثار علمية في مجالات مختلفة مما أثرى المكتبة الإسلامية ونقل علم السلف النقي الخالص إلى أتباعهم من الخلف الذين اتبعوهم بإحسان ورفضوا السير خلف غيرهم فكان هذا الكتاب الذي أعده أخونا الشيخ: عبد الله الغفيلي بمثابة المنظار الصافي الذي يطلع من قرأه على مكانة الإمام ابن رجب ﵀ وقيمة مؤلفاته العلمية في أعظم أبواب العلم وهو باب العقيدة. وتبقى آثاره الحديثية، وآثاره الأصولية، وآثاره الفقهية مجالات أخرى لمن يريد إبرازها من الباحثين وإنها لمفخرة عظيمة أن يقوم الباحثون منا بتجلية مواقف أئمتنا وبيان آثارهم العلمية حتى يحذو حذوهم ويقتدي بهم كل من أراد أن يدعو إلى الله على بصيرة. ومن أراد أن يبين الطريق الصحيح الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها في وقت كثر فيه أدعياء العلم ومن ينتحلون الدعوة وهم على غير بصيرة وإنما ينتهجون مناهج من هنا وهناك مخالفة لمنهج الكتاب والسنة في الدعوة إلى الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204159,"book_id":111,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"ومخالفة لمنهج السلف حتى أصبحت في الغالب دعوة إلى الفتنة والاختلاف. ورحم الله الإمام مالك حيث قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، -وأخيرًا نقول للشيخ عبد الله الغفيلي ولإخوانه المتبصرين من شباب هذه الأمة مزيدا من البحث عن مواقف الأئمة المصلحين وآثارهم المفيدة. ليتضح الطريق الصحيح أمام من يريد الحق. ولكم من الله المعونة وجزيل المثوبة ودعوات المخلصين- وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\r\rوكتبه: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان\rعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\rوعضو هيئة كبار العلماء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204160,"book_id":111,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"تقريظ فضيلة الشيخ: حماد بن محمد الأنصاري\rبسم الله الرحمن الرحيم. وبه ثقتي.\rالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.\rهذا فرسالة الدكتور عبد الله بن سليمان الغفيلي التي تحمل العنوان التالي: \"ابن رجب الحنبلي وأثره في العقيدة السلفية\" قد بذل فيها الباحث جهدًا مشكورًا على أن هذه الرسالة تعد أول دراسة من نوعها لعقيدة الحافظ عبد الرحمن بن أحمد أبي الفرج الدمشقي الحنبلي السلفية.\rوكانت هذه الرسالة قد شملت في دراستها لعقيدة أبي الفرج وجوهًا عديدة:\r١ - حصر مؤلفات الحافظ ابن رجب في العقيدة وغيرها مطبوعة ومخطوطة.\r٢ - تركيزه على ما يتعلق بالعقيدة السلفية من مؤلفات ابن رجب إضافة إلى البحوث التي أخذها الباحث من مختلف كتب ابن رجب.\rوقد توج الرسالة بفهارس فنية شاملة تساعد القارئ على ما يريد في هذه الرسالة القيمة الفريدة في موضوعها بيسر وسهولة وأسأل الله العلي القدير أن يجزي جامعها خير الجزاء وأن ينفع بها قارئها وكاتبها والله ولي التوفيق.\r\rكتبه أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204161,"book_id":111,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"﷽\r\rالمقدمة\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (¬١) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (¬٢) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (¬٣) (¬٤).\rأما بعد: فإن علم التوحيد أشرف العلوم وأجلها قدرًا، وأوجبها","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران آية (١٠٢).\r(¬٢) سورة النساء آية (١).\r(¬٣) سورة الأحزاب الآيتان (٧٠ - ٧١).\r(¬٤) هذه الخطبة تسمى خطبة الحاجة، وهي تشرع بين يدي كل حاجة وهي مأثورة عن رسول الله ﷺ. أخرجها مسلم (٢/ ٥٩٣) وأبو داود (١/ ٦٥٩) والنسائي (١/ ٢٠٨) وابن ماجه (١/ ٦٠٩) وغيرهم. وانظر تخريجها للشيخ ناصر الدين الألباني بعنوان \"خطبة الحاجة التي كان الرسول ﷺ يعلمها أصحابه\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204162,"book_id":111,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"مطلبًا لأنه العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وحقوقه على عباده، ولأنه مفتاح الطريق إلى الله تعالى، وأساس شرائعه، ولذا أجمعت الرسل على الدعوة إليه قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (¬١).\rوشهد الله لنفسه تعالى بألوهيته وحده وشهد بها له ملائكته وأهل العلم قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (¬٢).\rولما كان هذا شأن التوحيد كان واجبًا على كل مسلم أن يعتني به تعلمًا وتعليمًا واعتقادًا وعملًا ليبني دينه على أساس سليم وطريق قويم يسعد بثمراته ونتائجه في الدنيا والآخرة، فالعقيدة الإسلامية هي قوام المجتمع المسلم الذي لا يمكن أن يكون له بناء بدونها.\rوأنا أعتقد اعتقادا جازما أن منهج أهل السنة والجماعة في فهم العقيدة الإسلامية هو المنهج الصحيح الذي يجب السير عليه والعمل بمقتضاه في كل زمان ومكان لمن أراد أن يسلك سبيل النجاة والفلاح، لأن أعداء الإسلام والمسلمين قد بذلوا كل ما يستطيعون لإبعاد المسلمين عن دينهم الحق وعقيدتهم السليمة كي يستطيعوا تحقيق أغراضهم الفاسدة، فابن سبأ (¬٣) اليهودي الذي أدخل على المسلمين عقائد تشوه جمال دينهم وتحطم بنيانه، كان من أول أعداء المسلمين الذين بثوا","footnotes":"(¬١) سورة الأنبياء آية (٢٥).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (١٨).\r(¬٣) هو عبد الله بن سبأ رأس الطائفة السبئية، وكانت تقول بألوهية علي، أصله من اليمن، كان يهوديًا، وأظهر الإسلام لتفريق كلمة المسلمين، وكان من غلاة الزنادقة، وكان يقال له \"ابن السوداء\" لسواد أمه. قال الذهبي: ضال مضل أحسب أن عليًا حرّقه بالنار، هلك سنة ٤٠ هـ.\rميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٦) ولسان الميزان (٣/ ٢٨٩) والأعلام للزركلي (٤/ ٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204163,"book_id":111,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"العقائد الفاسدة في صفوف المسلمين، الأمر الذي أصبح له الأثر الكبير على ما أصاب المسلمين فيما بعد من محن.\rوقد تبع ابن سبأ أناس آخرون ساروا على نهجه في تحطيم كيان الأمة الإسلامية بما يقومون به من أعمال فاسدة أمثال بشر المريسي (¬١) والجعد بن درهم (¬٢) والجهم بن صفوان (¬٣) وغيرهم.\rوقد حاول هؤلاء جميعًا القضاء على الإسلام والمسلمين، ولكن الله ﷾ قد تكفل بحفظ هذا الدين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) هو بشر بن غياث المريسي العدوي، معتزلي، عارف بالفلسفة، وإليه تنتسب الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء، وكان أبوه يهوديًا وهو من أهل بغداد ينسب إلى درب المريس، قالوا في وصفه: كان قصيرًا دميم المنظر، وسخ الثياب، وافر الشعر، وقد رد عليه الدارمي ﵀ في كتاب \"النقض على بشر المريسي\" هلك سنة ٢١٨ هـ.\rميزان الاعتدال (١/ ٣٢٢) والأعلام للزركلي (٢/ ٥٥).\r(¬٢) هو الجعد بن درهم أصله من خراسان، مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى، وقال بخلق القرآن ونفى القدر، قتله خالد بن عبد الله القسري سنة ١١٨ هـ يوم النحر.\rميزان الاعتدال (١/ ٣٩٩) والرد على الجهمية للدارمي (١١٣) والأعلام (٢/ ١٢٠).\r(¬٣) هو الجهم بن صفوان السمرقندي، أبو محرز، رأس الجهمية وإليه ينتسبون لأنه أول من نشر المذهب.\rقال الذهبي: الضال المبتدع، رأس الجهمية، هلك في زمان أصغر التابعين وما علمته روى شيئًا، ولكنه زرع شرًا عظيمًا، قتله سلم بن أحوز سنة ١٢٨ هـ.\rميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦) والكامل لابن الأثير (٥/ ٣٤٣) والخطط للمقريزي (٢/ ٢٤٩).\r(¬٤) سورة الحجر آية (٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204164,"book_id":111,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"فقد هيأ ﵎ من يرد كيد هؤلاء الحاقدين المفسدين في نحورهم إذ تصدى لهم علماء السنة وردوا كيدهم ودحضوا باطلهم بالحجج القوية القاطعة من كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما، وأمثال الدارقطني وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهم ﵏ جميعًا.\rوكان من جملة هؤلاء الأئمة المهتدين والدعاة المصلحين الذين عاشوا في القرن الثامن الهجري العلامة الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي طيب الله ثراه وأكرم في الجنة مثواه، فقد عرف عنه رحمه الله تعالى الورع والعبادة والزهد، وقد ابتدأ في طلب العلم والحديث بصفة خاصة منذ نعومة أظفاره، فقضى حياته رحمه الله تعالى كلها في علم وعمل ودعوة وعبادة وتهجد ووعظ وإرشاد، وقد بارك الله له في أوقاته وعمله، فقد استفاد منه خلق كثير في حياته، ولا زال طلاب العلم ينتفعون بمؤلفاته القيمة حيث أن له رحمه الله تعالى ما يربو على ستين مؤلفًا في فنون مختلفة.\rوقد استفاد رحمه الله تعالى كثيرًا من كتب من سبقه من علماء الإسلام وخاصة شيخه ابن قيم الجوزية وشيخ شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.\rفقد تتلمذ على الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وسمع عليه بعض مؤلفاته وقرأ عليه النونية في السنة الأخيرة ولازمه حتى الممات مما كان له الأثر الكبير في علمه وثقافته.\rولما كان نظام الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية يطلب من طلاب الدراسات العليا الذين يريدون الحصول على شهادة العالمية العالية \"الدكتوراه\" أن يكتبوا بحثًا علميًا في مجال تخصصهم رأيت أن أقوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204165,"book_id":111,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"بدراسة علمية لمنهج هذا العالم الجليل وجهوده في توضيح عقيدة السلف، فاستخرت الله ﷾ وشاورت في ذلك أهل العلم من مشايخنا الأفاضل في هذه الجامعة المباركة فوجدت منهم استحسانًا وتأييدًا لهذا الموضوع فعزمت عليه وجعلت عنوانه \"ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف\" للحصول على درجة \"الدكتوراه\" في العقيدة وكان سبب اختياري لهذا الموضوع الأمور التالية:\r١ - أنه لم يسبق أن كتب أحد عن الحافظ ابن رجب في مجال العقيدة وجهوده فيها حسب علمي.\r٢ - إن إبراز عقيدة هذا الإمام وغيره من أئمة السلف فيها إبراز لعقيدة السلف الصالح.\r٣ - بيان أن عقيدة ابن رجب رحمه الله تعالى هي عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى.\r٤ - الحرص على بيان عقيدة السلف الصالح ونشرها بين الناس وذلك بإبراز علماء السلف مما يجلي عقيدتهم ويوضحها لدحض ما عداها من عقائد أهل البدع والضلال، فإن العمل في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ومحاربة البدع وأهلها وإبراز علماء السلف من الأعمال الواجبة على أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية ليكون ذلك نورًا يهتدي به من أراد أن يسلك الطريق المستقيم طريق الكتاب والسنة. وسلاحًا بأيدي الدعاة والمصلحين يدحضون به كيد أهل الباطل ويدمغون به شبههم الذين نراهم الآن جادين في إخراج تراثهم الباطل ونشر كتبهم الفاسدة وترويج أفكارهم الضالة وكل هذا وراءه أعداء الإسلام والمسلمين الذين يدعمون كل رذيلة وينشرون الكفر والإلحاد، والله ﷾ لهم بالمرصاد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204166,"book_id":111,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"والعاقبة للمتقين ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (¬١).\rوقد سرت في الموضوع على الخطة التالية:\rقسمت البحث إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة:\rأما المقدمة فقد اشتملت على ما يأتي:\r١ - أسباب اختيار الموضوع.\r٢ - خطة البحث.\r٣ - عملي الذي سرت عليه في هذا البحث.\rوأما الباب الأول: فقد خصصته للحديث عن العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى وعن حياته الشخصية والعلمية علمًا أنه قد كتب عن تاريخ ابن رجب وحياته ومؤلفاته وأقوال الناس فيه بعض الدراسات السابقة (¬٢) من قبل بعض الباحثين، وقد استفدت من ذلك كثيرًا.\rولكن أردت بهذا الباب أولا أن أدلي بدلوي مع الدلاء وأسهم بسهم مع الفضلاء وإني وإن لم أكن في مقامهم وسبقهم لأن اللاحق يتبع السابق.\rثانيًا أردت أن أبرز بعض الجوانب التي رأيت أنها بحاجة إلى اهتمام أكثر وهي:","footnotes":"(¬١) سورة الصف آية (٨).\r(¬٢) كتب الأستاذ الدكتور محمد بن حمود الوائلي رسالة دكتوراه بعنوان (ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه) سنة ١٣٩٦ هـ، وكذلك كتبت الدكتورة أمينة الجابر رسالة دكتوراه بعنوان (ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية) سنة ١٤٠٤ هـ، وكلاهما من الأزهر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204167,"book_id":111,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"١ - زيادة التحقيق في تاريخ ولادة ابن رجب رحمه الله تعالى خصوصًا وأن الدكتورة أمينة الجابر قد جعلت ذلك موضوع شك ووهمت الدكتور الوائلي في ترجيح تاريخ معين في ولادة ابن رجب رحمه الله تعالى.\r٢ - تتبع شيوخ وتلاميذ ابن رجب رحمه الله تعالى من كتب التراجم المختلفة وحصرهم، وهذا لم يحصل منه شيء في الدراسات السابقة.\r٣ - حصر كتب ومؤلفات ابن رجب رحمه الله تعالى مع بيان المطبوع منها والمخطوط مع الإشارة إلى أماكن المخطوط منها بقدر المستطاع.\r٤ - الإشارة إلى الكتب التي تنسب إلى ابن رجب وهي ليست له أو هي مأخوذة من بعض كتبه ولم يؤلفها هو استقلالًا.\rوقد اشتمل هذا الباب على ثلاثة فصول:\rالفصل الأول: العصر الذي عاش فيه، وفيه ثلاثة مباحث.\rالمبحث الأول: الحالة السياسية.\rالمبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.\rالمبحث الثالث: الحالة العلمية.\rالفصل الثاني: حياة ابن رجب الشخصية وفيه المباحث التالية:\rالمبحث الأول: اسمه ونسبه.\rالمبحث الثاني: كنيته ولقبه.\rالمبحث الثالث: مولده.\rالمبحث الرابع: شهرته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204168,"book_id":111,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"المبحث الخامس: أسرته.\rالمبحث السادس: أخلاقه وصفاته.\rالمبحث السابع: ابن رجب والتصوف.\rالمبحث الثامن: وفاته.\rالفصل الثالث: حياته العلمية ويشتمل على المباحث التالية:\rالمبحث الأول: طلبه للعلم.\rالمبحث الثاني: رحلاته في طلب العلم.\rالمبحث الثالث: شيوخه.\rالمبحث الرابع: تدريسه.\rالمبحث الخامس: تلاميذه.\rالمبحث السادس: ثقافته ومؤلفاته.\rالمبحث السابع: عقيدته ومذهبه.\rالمبحث الثامن: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.\rالباب الثاني: أثره في توضيح عقيدة السلف في التوحيد وأنواعه ونواقضه ويشتمل على خمسة فصول:\rالفصل الأول: تعريف التوحيد وبيان أقسامه والعلاقة بينها وفيه عدة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف التوحيد لغة.\rالمبحث الثاني: تعريف التوحيد شرعًا.\rالمبحث الثالث: أنواع التوحيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204169,"book_id":111,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"المبحث الرابع: العلاقة بين أنواع التوحيد.\rالفصل الثاني: توحيد الربوبية وفيه عدة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريفه لغة.\rالمبحث الثاني: تعريفه شرعًا.\rالمبحث الثالث: دلائل توحيد الربوبية:\r١ - دلالة الفطرة.\r٢ - دلالة النعم.\r٣ - دلالة خلق السموات والأرض.\r٤ - دلالة خلق النبات.\rالفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات وفيه عدة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.\rالمبحث الثاني: مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وترجيح ابن رجب له.\rالمبحث الثالث: أدلة توحيد الأسماء والصفات.\rالمبحث الرابع: بيانه أن مذهب السلف أعلم وأسلم وأحكم.\rالمبحث الخامس: بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن.\rالمبحث السادس: بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى.\rالمبحث السابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204170,"book_id":111,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"١ - صفة العلم.\r٢ - صفة الغنى.\r٣ - صفة المعية.\r٤ - صفة المجيء والإتيان.\r٥ - صفة النزول.\rالمبحث الثامن: شبهة حول صفة النزول والرد عليها.\rالمبحث التاسع: رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة.\rالمبحث العاشر: تنزيه الله ﷾ من نسبة الولد إليه.\rالمبحث الحادي عشر: علم الكلام وكلام ابن رجب عليه.\rالفصل الرابع: توحيد الألوهية. ويشتمل على تمهيد وعدة مباحث:\rتمهيد.\rالمبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية.\rالمبحث الثاني: بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها. وفيه عدة مطالب:\rالمطلب الأول: بيان معنى كلمة \"إله\".\rالمطلب الثاني: معنى لا إله إلا الله.\rالمطلب الثالث: فضل لا إله إلا الله.\rالمطلب الرابع: الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204171,"book_id":111,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"المطلب الخامس: شروط الانتفاع بـ\"لا إله إلا الله\".\rالمبحث الثالث: تعريف العبادة، وذكر بعض أنواعها.\rالمبحث الرابع: بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين.\rالفصل الخامس: نواقض التوحيد، وما يلحق بها من المسائل. ويشتمل على المباحث الآتية:\rالمبحث الأول: الشرك وكلام ابن رجب عليه. ويشتمل على عدة مطالب:\rالمطلب الأول: تعريف الشرك لغة.\rالمطلب الثاني: تعريف الشرك شرعا وبيان أقسامه.\rأمثلة للشرك الأصغر.\rكلامه في حكم عمل المرائي.\rحمد الناس العبد على الخير لا يعد من الرياء.\rالمبحث الثاني: النفاق وكلام ابن رجب عليه، وفيه عدة أمور:\r١ - تعريف النفاق.\r٢ - أقسام النفاق.\r٣ - خوف السلف من النفاق لخطورته وخفائه.\rالمبحث الثالث: البدع وكلام ابن رجب عليها وفيه عدة مطالب:\rالمطلب الأول: معنى البدعة في اللغة والشرع والأدلة على التحذير من البدع والبعد عنها.\rالمطلب الثاني: أنواع البدع.\rالمطلب الثالث: الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب على ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204172,"book_id":111,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"المطلب الرابع: نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها.\rالمطلب الخامس: حكم البدع وأهلها.\rالمبحث الرابع: الغلو وكلام ابن رجب عليه.\rالمبحث الخامس: مسائل متفرقة متعلقة بهذا الفصل.\r١ - التنجيم.\r٢ - التطير والتشاؤم.\r٣ - الجمع بين قوله ﷺ: \"لا عدوى ولا طيرة\" وقوله: \"فر من المجذوم فرارك من الأسد\"، وقوله: \"لا يورد ممرض على مصح\".\r٤ - معنى قوله ﷺ: \"لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث\".\r٥ - النهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد.\r٦ - النهي عن سب الدهر.\rالباب الثالث: أثره في توضيح عقيدة السلف في مباحث الإيمان وما يتعلق بها من مسائل:\rالفصل الأول: معنى الإيمان وبيان أهميته وما يتعلق به من مسائل ويشتمل على عدة مباحث:\rالمبحث الأول: أهمية الإيمان.\rالمبحث الثاني: تعريف الإيمان لغة.\rالمبحث الثالث: تعريف الإيمان شرعًا.\rالمبحث الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه.\rالمبحث الخامس: العلاقة بين مسمى الإيمان والإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204173,"book_id":111,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"المبحث السادس: حكم مرتكب الكبيرة.\rالمبحث السابع: مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة.\rالفصل الثاني: الإيمان بالرسل والملائكة والكتب. ويشتمل على عدة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف النبي والرسول لغة وشرعًا.\rالمبحث الثاني: معنى الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.\rالمبحث الثالث: الغرض من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام.\rالمبحث الرابع: التفاضل بين الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rالمبحث الخامس: بعض خصائص الرسل عليهم الصلاة والسلام.\rالمبحث السادس: الإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ.\rالمبحث السابع: كلامه في دعوة نبينا محمد ﷺ.\rالمبحث الثامن: بيانه فضل إرسال النبي ﷺ.\rالمبحث التاسع: النجاة والسعادة في طاعة الرسول ﷺ.\rالمبحث العاشر: الإيمان بالملائكة والكتب.\rالفصل الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر. ويشتمل على عدة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف القضاء والقدر.\rالمبحث الثاني: معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلة على ذلك.\rالمبحث الثالث: مراتب الإيمان بالقضاء والقدر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204174,"book_id":111,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"المبحث الرابع: النهي عن الخوض في القدر.\rالمبحث الخامس: الرضا بالقضاء والقدر.\rالمبحث السادس: حكم تمني الموت وعلاقته بالقضاء والقدر.\rالمبحث السابع: القضاء والقدر وفعل الأسباب.\rالمبحث الثامن: الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث \"فحج آدم موسى\".\rالفصل الرابع: الإيمان باليوم الآخر، وفيه عدة مباحث:\rالمبحث الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر.\rالمبحث الثاني: الإيمان بأشراط الساعة.\rأولا: العلامات الصغرى: ومنها:\r١ - بعثة النبي ﷺ.\r٢ - ظهور الفتن.\r٣ - انشقاق القمر.\r٤ - ظهور نار بالحجاز.\r٥ - ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة في البنيان.\r٦ - خراب البيت ورفع القرآن وبعث ريح طيبة لقبض أرواح المؤمنين.\rثانيًا: العلامات الكبرى: ومنها:\r١ - طلوع الشمس من مغربها.\r٢ - فتنة المسيح الدجال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204175,"book_id":111,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"٣ - نزول عيسى بن مريم ﵇.\r٤ - خروج نار تحشر الناس.\rالمبحث الثالث: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته: أنواع من عذاب القبر.\rالمبحث الرابع: الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر.\rالمبحث الخامس: مستقر الأرواح.\rالمبحث السادس: الصراط.\rالمبحث السابع: بيان المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.\rالمبحث الثامن: الشفاعة.\rالمبحث التاسع: الجنة ونعيمها.\rالمبحث العاشر: رؤية الله ﷾ في الجنة.\rالمبحث الحادي عشر: النار وعذابها.\rالمبحث الثاثي عشر: خلق الجنة والنار.\rالمبحث الثالث عشر: الجنة والنار باقيتان لا تفنيان أبدًا.\rالخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث.\rهذا وقد كان منهجي الذي اتبعته في إعداد رسالتي هذه ما يأتي:\r١ - قمت بجمع مؤلفات ابن رجب رحمه الله تعالى وذلك عن طريق البحث والسفر والسؤال والمراسلة لأهل الخبرة والشأن حتى استطعت بحمد الله وتوفيقه أن أحصل تقريبًا على جميع مؤلفات ابن رجب المطبوع منها والمخطوط الذي لم يفقد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204176,"book_id":111,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"٢ - حصرت مباحث العقيدة التي اشتملت عليها كتب ابن رجب وذلك بعد قراءة جميع ما تيسر لي من كتبه المطبوعة والمخطوطة، ثم جمعت الأقوال التي تتعلق بكل مبحث على حده في بطاقات، وجعلت لها عنوانًا يتناسب مع ما تدل عليه، ثم بينت ما تدل عليه من مسألة اعتقادية حسب جهدي -وهو جهد مقل- مستعينًا في ذلك بأقوال أهل العلم الذين لهم جهود في توضيح العقيدة الإسلامية من علماء سلفنا الصالح.\r٣ - أحيانًا أكرر الكلام الواحد لابن رجب في أكثر من موضع وذلك لاشتماله على أكثر من مسألة من مسائل العقيدة، فاضطر إلى إعادة الكلام وتكراره في عدة مواضع من مباحث الرسالة.\r٤ - التزمت عند النقل من أي مرجع أو الاستفادة منه الإشارة إلى رقم جزئه وصفحته بالإضافة إلى ذكر طبعات هذه المراجع في فهرست المصادر والمراجع في آخر الرسالة.\r٥ - بينت مواضع الآيات التي وردت في الرسالة بذكر اسم السورة ورقم الآية.\r٦ - عزوت الأحاديث التي وردت في هذه الرسالة إلى مصادرها من كتب السنة المعتمدة بذكر الجزء والصفحة مع الإشارة في الغالب إلى درجة الحديث من خلال أقوال المحدثين إذا كان الحديث في غير الصحيحين أو أحدهما، لأن مجرد العزو إلى الصحيحين أو أحدهما معلم بالصحة.\r٧ - ترجمت للأعلام الذين ورد ذكرهم في الرسالة ما عدا المشهورين، فإني لم أترجم لهم لعدم خفاء أحوالهم وذلك ككبار الصحابة والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة وغيرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204177,"book_id":111,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"٨ - عرفت بالفرق والطوائف التي ورد ذكرها في الرسالة تعريفًا موجزًا.\r٩ - شرحت المفردات الغريبة التي وردت في الرسالة مستعينًا في ذلك بكتب الغريب والمعاجم اللغوية.\r١٠ - إذا تكرر الحديث في أكثر من موضع فإني أخرجه أول مرة ثم أحيل عليه في المرات التي تليه.\r١١ - ضبطت الكلمات التي قد يشكل على القارئ ضبطها، وقد حاولت أن أضبط كل كلمة مرت عليّ في هذا البحث وأرى أن قراءتها تشكل على القارئ.\r١٢ - وضعت فهارس علمية عامة للرسالة تعين على الرجوع إلى المراد منها بيسر وسهولة، وقد اشتملت على ما يلي:\rأ - فهرس الآيات القرآنية حسب ترتيب سور القرآن.\rب - فهرس الأحاديث الشريفة ورتبتها على الحروف الهجائية.\rجـ - فهرس الآثار ورتبتها على الحروف الهجائية.\rد - فهرس الأعلام المترجم لهم ورتبتهم حسب الحروف الهجائية.\rهـ - فهرس الفرق والطوائف والمصطلحات.\rو- فهرس المصادر والمراجع وقد رتبتها على الحروف الهجائية.\rز - فهرس الموضوعات وقد بينت فيه أبواب الرسالة وفصولها ومباحثها وما تتضمنه من فروع وجزئيات.\rوبعد فإني أحمد الله تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد والشكر كله حيث وفقني لاختيار هذا الموضوع الذي شعرت بفائدته الكبيرة منذ أن بدأت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204178,"book_id":111,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"فيه، ذلك لأنني قرأت وعرفت كثيرًا من كتب العقيدة المفيدة النافعة.\rوبعد حمد الله وشكره أتقدم بجزيل شكري وعظيم امتناني إلى فضيلة شيخي العلامة حماد بن محمد الأنصاري حفظه الله المشرف على هذه الرسالة فقد قرأت عليه هذه الرسالة من أولها إلى آخرها، فاستفدت كثيرًا من توجيهاته العلمية الهادفة وإرشاداته القيمة، وآرائه السديدة، وأعطاني من علمه ووقته الشيء الكثير بدون تقييد بزمن الإشراف المحدد، ووجدت منه كل الإخلاص والنصح والمحبة فجزاه الله عني وعن العلم وأهله خير الجزاء، وتقبل منه جهده وإخلاصه ووهب له مزيدًا من التوفيق وأمده بالصحة والعافية، وبارك له في عمره إنه القادر على ذلك وهو حسبنا ونعم الوكيل.\rكما لا يفوتني أن أتوجه بالشكر الجزيل والثناء الحسن لفضيلة الدكتور محمد بن حمود الوائلي الذي وجدت منه تشجيعًا كبيرًا لهذا الموضوع والذي أعطاني كل ما عنده من كتب ومخطوطات تتعلق بهذا الموضوع فأسأل الله ﷿ أن يجزيه خير الجزاء كما لا يفوتني أن أشكر كل من له سمات بارزة في النهوض بهذه الجامعة وأخص منهم معالي رئيس الجامعة الإسلامية.\rكما أشكر المسؤولين في الدراسات العليا على ما قدموه لي من تسهيلات وعلى رأسهم فضيلة رئيس الدراسات العليا الشيخ: عبد الله بن محمد الغنيمان كما أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذين الفاضلين فضيلة الدكتور: محمد بن حمود الوائلي الأستاذ بكلية الشريعة ورئيس قسم الفقه فيها، وفضيلة الدكتور: أحمد بن سعد الغامدي الأستاذ المشارك بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين اللذين قاما بقراءة الرسالة وتقويمها.\rوأخيرًا أتوجه بالشكر وفائق الاحترام والتقدير إلى جميع الإخوة الذين ساعدوني وتعاونوا معي على إنجاز هذه الرسالة، والله أسأل أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204179,"book_id":111,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"يتقبل من الجميع تعاونهم وأن يوفقنا وإياهم إلى العمل المستمر في التعاون على البر والتقوى، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم.\rوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204180,"book_id":111,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"الباب الأول حياة ابن رجب وآثاره العلمية\rويشتمل على الفصول التالية:\r١ - الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه ابن رجب الحنبلي.\r٢ - الفصل الثاني: حياة ابن رجب الشخصية.\r٣ - الفصل الثالث: حياة ابن رجب العلمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204181,"book_id":111,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":28,"body":"الفصل الأول العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى\rويشتمل على المباحث التالية:\rتمهيد.\rالمبحث الأول: الحالة السياسية.\rالمبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.\rالمبحث الثالث: الحالة العلمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204182,"book_id":111,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":29,"body":"تمهيد\rمن المعلوم أنه من أراد أن يعطي فكرة عن شخصية من الشخصيات وبيانًا لأثرها في المجتمع لاسيما إذا كان لتلك الشخصية آثار وأعمال يتوارد ذكرها متناثرًا في كتب العلماء أن يدرس الظروف المحيطة بها والبيئة التي عاشت فيها حتى يتمكن الباحث من الوقوف على العوامل والمؤثرات التي أدت إلى ظهور تلك الشخصية ونبوغها واتجاهها وذلك أن الشخص عادة يتأثر بالأحوال المحيطة به كما يتأثر بالبيئة وبمن حوله من شيوخه ومعلميه كما يؤثر هو في تلاميذه وطلابه ومن يحيطون به ويعاشرونه، وللأحوال السياسية والاجتماعية والعلمية وغيرها أثر كبير في تكييف اتجاهه ومنهجه الذي يسلكه، من أجل ذلك كله كان لابد ونحن ندرس شخصية ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى من أن نعطي فكرة موجزة عن العصر الذي عاش فيه من النواحي التالية:\r١ - الناحية السياسية.\r٢ - الناحية الاجتماعية.\r٣ - الناحية العلمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204183,"book_id":111,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":30,"body":"المبحث الأول الناحية السياسية\rوقع في العالم الإسلامي قبيل مولد ابن رجب رحمه الله تعالى -حادثان رهيبان تحطمت على إثرهما دولة الإسلام وزالت معالمها وكان لها أكبر الأثر في تنبيه المسلمين من رقدتهم وغفلتهم- وهذان الحادثان هما:\r١ - استيلاء التتار الذين جاءوا من شمال الصين إلى بغداد، وقتلهم للخليفة والعلماء، وتدميرهم الشام وتهديد مصر، وكان سقوط بغداد في أيدي التتار سنة ٦٥٦ هـ (¬١).\r٢ - الحروب الصليبية التي استمرت نحو قرنين من الزمن من سنة ٤٩٠ هـ - ٦٩٠ هـ وراح ضحيتها أعداد هائلة من الأرواح.\rيقول ابن الأثير (¬٢) رحمه الله تعالى في أحداث ذلك العصر: \"لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بعصائب لم يبتل بها أحد من الأمم منها ظهور هؤلاء التتر قبحهم الله، أقبلوا من المشرق ففعلوا","footnotes":"(¬١) انظر: النجوم الزاهرة (٧/ ٥٠) والذيل على الروضتين (ص ١٩٨، ١٩٩).\r(¬٢) عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري الشيباني الإمام المحدث الأديب، كان إمامًا في التاريخ، له مؤلفات مفيدة منها: الكامل في التاريخ، ومعرفة الصحابة، توفي سنة ٦٣٠ هـ.\rوفيات الأعيان (٣/ ٣٤٨) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204184,"book_id":111,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":31,"body":"الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها. . . ومنها خروج الفرنج لعنهم الله من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم\" (¬١).\rوقد استمر زحف التتار على بلاد المسلمين وتخريبهم لها فأثاروا الرعب في قلوب الناس بما قاموا به من أعمال التخريب والتدمير والقتل يقول ابن كثير وهو يصف الحال: \"ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشباب ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقُنِي الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب ففتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك المساجد والجوامع، والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضى (¬٢) وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالًا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم، وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها","footnotes":"(¬١) الكامل في التاريخ (١٢/ ٣٦٠).\r(¬٢) هو محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن العلقمي البغدادي الرافضي وزير المستعصم، كان رافضيًا خبيثًا رديء الطوية على الإسلام وأهله، كان ذا حقد وغل على أهل السنة وقد فعل ما فعل بالإسلام وأهله ليحقق أهدافه ويبلغ غايته ولكن لقي جزاءه في الدنيا حيث أن التتار الذين ساعدهم أهانوه ثم مرض ومات غمًا وغبنًا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، وكان هلاكه سنة ٦٥٦ هـ. العبر (٣/ ٢٨٤) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٠١، ٢٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204185,"book_id":111,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":32,"body":"خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. . . \" اهـ (¬١).\rوقد هيأ الله ﷾ للمسلمين رجلًا صالحًا هو الملك قطز (¬٢) الذي خاض المعركة ضد التتار وانتصر عليهم في معركة عين جالوت (¬٣) ودخل قطز دمشق ورفرفت راية الإسلام فحكم مصر والشام معًا.\rوقد وصف ابن كثير رحمه الله تعالى ذلك فقال في حوادث سنة ٦٥٨ هـ: \"إن الملك المظفر قطز صاحب مصر لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة، وقد عزموا على الدخول إلى مصر وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر -وليته فعل- وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه وخلق من الأمراء وأبناء الملوك. . . والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد ملكهم بالشام، بادرهم قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج في عساكره وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول وعليهم كتبغانوين، وكان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرف صاحب حمص والمجير ابن الزكي، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى","footnotes":"(¬١) البداية والنهاية (١٣/ ١٩١، ١٩٢).\r(¬٢) هو: قطز بن عبد الله العزي، سيف الدين ثالث ملوك الترك المماليك بمصر والشام، قتل وهو في طويق عودته من الشام إلى مصر سنة ٦٥٨ هـ.\rالبداية والنهاية (١٣/ ٢١٤) والنجوم الزاهرة (٧/ ٧٢) وذيل الروضتين (ص ٢١٠).\r(¬٣) عين جالوت: هي بليدة لطيفة بين بيسان ونابلس من أعمال فلسطين. معجم البلدان (٤/ ١٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204186,"book_id":111,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":33,"body":"يستمد هولاكو (¬١) فأبى إلا أن يناجزه سريعًا، فساروا إليه وسار المظفر إليهم، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان فاقتتلوا قتالا عظيمًا، فكانت النصرة ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته. . . . وهرب من بدمشق منهم. . . فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفكون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه، فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحًا شديدًا، وأيد الله الإسلام وأهله تأييدًا، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون\" (¬٢).\rوقد تولى خلافة المسلمين بعد سقوط بغداد بثلاث سنين أبو القاسم أحمد (¬٣) بن الخليفة الظاهر وذلك سنة ٦٥٩ هـ (¬٤) غير أن حالة الضعف التي تعانيها البلاد الإسلامية نتيجة الصراع على السلطة قد شجعت التتار على العودة إلى بلاد المسلمين ومهاجمتها وفعلا عادوا وكان آخر موقعة","footnotes":"(¬١) هولاكو خان بن تولي خان بن جنكيز خان، كان ملكًا جبارًا قتل من المسلمين ما لا يعلم عددهم إلا الله، وكان لا يتقيد بدين من الأديان، وإنما كانت همته في تدبير مملكته حتى أباده الله سنة ٦٦٤ هـ.\rالبداية والنهاية (١٣/ ٢٣٥) وجامع التواريخ (٢١٩ - ٣٤١).\r(¬٢) البداية والنهاية (١٣/ ٢٠٩، ٢١٠).\r(¬٣) أحمد ابن الخليفة الظاهر بن الناصر المستضيء أبو القاسم العباسي يعتبر أول الخلفاء العباسيين بمصر، ولقب بالمستنصر، قتل سنة ٦٦٠ هـ في معركة ضد التتار.\rالبداية والنهاية (١٣/ ٢١٩) والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٠٦) والسلوك للمقريزي (١/ ٤٤٨).\r(¬٤) انظر: الذيل على الروضتين (ص ٢١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204187,"book_id":111,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":34,"body":"منهم حين التقت جيوشهم بقيادة غازان مع جيوش المسلمين بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون (¬١) ومعه الخليفة في موقعة مرج الصفراء سنة ٧٠٢ هـ على مقربة من حمص فهزم التتار فيها شر هزيمة ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك (¬٢). وأما الصليبيون فقد استمرت غاراتهم وهجماتهم على المسلمين نحو قرنين من الزمن، فهم في حملتهم الأولى سنة ٤٩١ هـ استولوا على القدس والرُها وقتلوا فيها آلاف المسلمين واستمروا على هذه الحال يعيثون في الأرض فسادا بحملاتهم المتتالية على بلاد المسلمين حتى هيأ الله ﷾ للمسلمين حكامًا أقوياء تمكنوا من استرداد ما استولى عليه الصليبيون أمثال زنكي (¬٣) الذي استرد الرها سنة ٥٣٩ هـ (¬٤) وصلاح الدين الأيوبى (¬٥) الذي طهر بيت المقدس منهم سنة ٥٨٣ هـ (¬٦) وكانت نهايتهم وانقضاء دولتهم على يد الملك","footnotes":"(¬١) محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي أبو الفتح، من كبار ملوك الدولة القلاوونية، توفي سنة ٧٤١ هـ.\rالأعلام (٧/ ١١).\r(¬٢) انظر: النجوم الزاهرة (٨/ ١٦٠) والسلوك للمقريزي (١/ ٩٢٨).\r(¬٣) زنكي بن الحاجب الملك عماد الدين قال الذهبي: استولى على البلاد وعظم أمره، وافتتح الرها، وكان بطلا، شجاعا مقدامًا كأبيه، عظيم الهيبة، توفي سنة ٥٤١ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٨٩) والنجوم الزاهرة (٥/ ٢٧٨) وشذرات الذهب (٤/ ١٢٨).\r(¬٤) انظر: البداية والنهاية (١٢/ ٢٣٤).\r(¬٥) السلطان الكبير الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذى الدويني. قال الذهبي: محاسن صلاح الدين جمة لاسيما الجهاد، فله فيه اليد البيضاء ببذل الأموال والخيل، وله عقل جيد، وفهم وحزم وعزم، توفي سنة ٥٨٩ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٧٨) والبداية والنهاية (١٣/ ٣).\r(¬٦) انظر: الكامل لابن الأثير (١١/ ٥٤٦) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204188,"book_id":111,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":35,"body":"الأشرف (¬١) بن المنصور قلاوون جزيرة الروضة الواقعة في نهر النيل، وأسكنهم فيها وقد دامت مملكتهم قرنًا وثلثًا (¬٢) وقد أدرك الحافظ ابن رجب طرفًا كبيرًا من عهدهم سنة ٦٩٠ هـ (¬٣).\rهذه الحوادث غيرت مجرى التاريخ وأيقظت العالم الإسلامي من سباته العميق.\rولا شك أن تلك الحوادث وإن كانت سابقة من حيث الزمن على ميلاد ابن رجب رحمه الله تعالى إلا أنها تركت أثرًا كبيرًا في نفسه، فالصراعات المذهبية العنيفة بين أهل السنة والرافضة من جهة، وما صنعه النصارى واليهود والرافضة من مساعدة للتتار للقضاء على الإسلام وأهله من جهة أخرى كان لها أثر في الناحية الاجتماعية والعلمية كما سيأتي.\rولقد عاش ابن رجب رحمه الله تعالى كما يظهر من تاريخ حياته خلال القرن الثامن الهجري وهو القرن الذي كان يحكم فيه المماليك الذين قامت دولتهم على أنقاض الدولة الأيوبية الذين كانت دولتهم من أعظم مراكز القوى في العالم الإسلامي بسبب قدرتها على إيقاف التقدم المغولي المدمر الذي قضى على الخلافة الإسلامية ببغداد.\rوتبدأ فترة حكم المماليك من سنة ٦٤٨ هـ وتنتهي في سنة ٩٢٣ هـ.","footnotes":"(¬١) خليل بن قلاوون الصالحي الملك الأشرف، ولي بعد وفاة أبيه، واستفتح الملك بالجهاد وقاتل الإفرنج، وكان شجاعًا مهيبًا عالي الهمة، قتله بعض المماليك سنة ٦٩٣ هـ.\rالنجوم الزاهرة (٨/ ٣) والأعلام (٢/ ٣٢١).\r(¬٢) انظر: النجوم الزاهرة (٦/ ٣١٩) وحسن المحاضرة (٢/ ٣٤) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص ٥).\r(¬٣) انظر البداية والنهاية (١٣/ ٣٠٤ وما بعدها)، والنجوم الزاهرة، من ص ٦ إلى ص ٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204189,"book_id":111,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":36,"body":"وهم ينقسمون إلى قسمين:\rالقسم الأول: المماليك البحرية وحكموا من سنة ٦٤٨ هـ إلى سنة ٧٨٤ هـ. وسموا بذلك لأن الملك الصالح نجم الدين أيوب (¬١) اختار لهم بحر النيل الذي أحاط بثكناتهم في جزيرة الروضة.\rالقسم الثاني: المماليك البرجية أو الجراكسة وحكموا من سنة ٧٨٤ هـ إلى سنة ٩٢٣ هـ. وسموا بالبرجية نسبة إلى أبراج القلعة التي أنزلهم بها قلاوون، يقول ابن العماد في حوادث سنة ٧٨٤ هـ: \"فيها كان ابتداء دولة الجراكسة فإنه خلع الصالح القلاووني وتسلطن برقوق (¬٢) ولقب الظاهر وهو أول من تسلطن من الجراكسة\" (¬٣).\rوقد أدرك ابن رجب من هذا العهد ١١ سنة من سنة ٧٨٤ هـ وهي السنة التي حكموا فيها إلى سنة ٧٩٥ هـ وهي السنة التي توفي فيها ابن رجب رحمه الله تعالى.\rوقد كانت بلاد الشام تابعة في إدارتها إلى نظام الحكم في مصر ويطبق فيها نفس نظام مصر في تقسيم البلاد إلى ولايات، ولكن دمشق كانت هي الولاية الرئيسية بين تلك الولايات، لأن واليها هو الذي يوقع عن السلطان في أكثر الأمور. إلا أنه في هذا العصر كان يسود العالم عدم استقرار في الأوضاع السياسية التي يعد سمة بارزة في هذا العصر","footnotes":"(¬١) هو أيوب بن محمد بن عادل بن أيوب أبو الفتوح نجم الدين من كبار ملوك الأيوبيين بمصر توفي سنة ٦٤٧ هـ.\rانظر شذرات الذهب (٥/ ٢٣٧) والأعلام (٢/ ٣٨).\r(¬٢) برقوق بن أنص العثماني أبو سعيد، الملك الظاهر، أول من ملك مصر من الجراكسة، توفي سنة ٨٠١ هـ.\rالضوء اللامع (٣/ ١٠) والأعلام (٢/ ٤٨).\r(¬٣) شذرات الذهب (٦/ ٢٨٢) وانظر موسوعة التاريخ الإسلامي (٥/ ١٩٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204190,"book_id":111,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":37,"body":"لكثرة الفتن والاقتتال على السلطة حتى أصبح ذلك أمرًا مألوفًا (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: النجوم الزاهرة (٧/ ٥٥، ٨٣) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (٣٢٣) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204191,"book_id":111,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":38,"body":"المبحث الثاني الحالة الاجتماعية\rلقد اتضح لنا فيما سبق أن الحالة السياسية في ذلك العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى مليئة بالفتن والصراع على السلطة وعدم الاستقرار، ولذا لا يتصور أن تكون هناك حالة اجتماعية ثابتة مستقرة، لأن الحالة السياسية كان لها تأثير بالغ على الحالة الاجتماعية، وإن من أبرز الأمور التي تتضح فيها الحالة الاجتماعية في هذه الحقبة من الزمن أمرين:\r١ - فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية.\r٢ - الأوبئة والمجاعات التي كان يتعرض لها المجتمع.\r١ - فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية:\rكان المجتمع في العصر المملوكي يتكون من طبقات ثلاث لها وزنها وتأثيرها فهناك طبقة الحكام وهي الطبقة التي لها سلطان القوة والنفوذ، وكانت هذه الطبقة لها عدة أصول فمنهم التركي، ومنهم المغولي، ومنهم الجركسي، ومنهم الصيني وغير ذلك من الجنسيات العديدة التي حملها تجار الرقيق إلى مصر (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر العصر المماليكي في مصر والشام (ص ٣٠٨) وموسوعة التاريخ الإسلامي (٥/ ١٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204192,"book_id":111,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":39,"body":"وكانت هذه الفئات لا تشعر بالازدراء لحسن المعاملة التي كانوا يلقونها عند الأسياد لأن سلاطين المماليك قد حرصوا على العناية بمماليكهم وأتاحت الفرص لهم فقد كانوا يتعلمون القرآن وغيره من العلوم الشرعية وإذا كبر أحدهم تعلم الفروسية وفنونها، وكانوا يدخلون في مناصب الدولة ويترقون حتى يصلوا إلى رتبة الأمراء، والسلاطين (¬١).\rوقد كان الأمراء حريصين على أن يبقى المماليك منفصلين عن باقي المجتمع، وكانوا يؤيدون ذلك بالتحذيرات وإيقاع العقوبات بمن يخالفها (¬٢).\rوكان هؤلاء المماليك يتقلبون في رغد من العيش لأنهم استغلوا نفوذهم وانتصاراتهم على التتار والصليبيين فتمتعوا بخيرات البلاد وعاشوا عيشة الترف (¬٣).\rالطبقة الثانية: طبقة العلماء: وهذه الطبقة تستمد قوتها من الدين نفسه، وقد حاول كثير من سلاطين المماليك أن يكرم العلماء ويحوز على رضاهم لأن هؤلاء السلاطين يشعرون بأنهم غرباء على البلاد وأهلها، ولذا فهم في حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم ويستعينون بها على إرضاء الشعب، ولم يكن أمامهم إلا العلماء لأن هؤلاء السلاطين عندما كانوا يقدمون على عمل كبير كالحروب مثلا فإنهم يحتاجون إلى من يستندون إليه لفرض أمور على الناس وهم العلماء ولذلك كانوا يحترمونهم ويسمعون كلامهم إضافة إلى أن غالب العلماء كانوا يعتمدون في حياتهم على الله تعالى ثم على الوظائف التي تسند","footnotes":"(¬١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام (ص ٣٠٩، ٣١٠).\r(¬٢) انظر: النجوم الزاهرة (٩/ ٩٢) وموسوعة التاريخ الإسلامي (٥/ ١٩٨).\r(¬٣) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام (ص ٣٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204193,"book_id":111,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":40,"body":"إليهم، ومع ذلك فقد كان العلماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصدعون بالحق بل كانت لهم مواقف في وجوه السلاطين جعلت هؤلاء السلاطين يخشون العلماء ويرهبون جانبهم، ومن ذلك موقف الظاهر بيبرس (¬١) من العز بن عبد السلام (¬٢) فقد كان يرهبه ويخضع لنصيحته ولذا لما مات العز بن عبد السلام ﵀ قال الظاهر بيبرس: \"ما استقر ملكي إلا الآن\" (¬٣).\rكما كان للإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى وغيرهم من العلماء مواقف مشرفة تدل على الجرأة والثبات في قول الحق.\rوكان إلى جانب هؤلاء العلماء الأبطال الذين وقفوا في وجه الباطل غير عابئين بما يلاقونه في سبيل كلمة الحق نجد آخرين لهم مواقف مغايرة سببها الحاجة أو حب الدنيا، ومن ذلك ما ذكره السيوطي عن بعض هؤلاء العلماء حيث قال: \"من غريب ما رأيت على كراريس من تسهيل الفوائد بخط الشيخ جمال الدين بن مالك صورة قصة رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك يقبل الأرض ويهنئ السلطان أيد الله","footnotes":"(¬١) هو بيبرس العلائي البندقداري الصالحي، الملك الظاهر، كان شجاعًا يباشر الحروب بنفسه، وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج وله فتوحات عظيمة، توفي في دمشق سنة ٦٧٦ هـ.\rالبداية والنهاية (١٣/ ٢٦٠) والأعلام (٢/ ٧٩).\r(¬٢) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي، الدمشقي عز الدين الملقب بسلطان العلماء. قال الذهبي: برع في الفقه والأصول والعربية ودرس وأفتى وصنف وبلغ رتبة الاجتهاد، توفي سنة ٦٦٠ هـ.\rالعبر (٣/ ٢٩٩) وطبقات الشافعية لابن هداية (٢٢٢).\r(¬٣) انظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (٢/ ٩٥) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص ٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204194,"book_id":111,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":41,"body":"جنوده، أنه أعرف أهل زمانه بعلوم القراءات والنحو واللغة، وفنون الأدب، وأمله أن يعينه سلطان السلاطين، ومبيد الشياطين خلَّد الله ملكه، وجعل المشارق والمغارب -على ما هو بصدده من إفادة المستفيدين والمسترشدين- بصدقة تكفيه هم عياله، وتغنيه عن التسبب في صلاح حاله، وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية خصوصًا وعمومًا وكشف بها عن الناس أجمعين غمومًا ولمّ بها شعث الدين ما لم يكن ملمومًا، فمن العجائب أن يكون المملوك من مرتدي خياراتها، وعن يمين عنايتها غائبًا محرومًا مع أنه من ألزم المخلصين للدعاء بدوامها، وأقوم المواليد بمراعاة زمامها لا برحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وأياديها مبذولة موفورة وأعاديها مخذولة مقهورة\" (¬١).\rوقد كان ابن رجب ﵀ من العلماء العاملين الذين لم يتزلفوا إلى الحكام ويقفوا بأبوابهم، وإنما كان منقطعًا عنهم لا يتردد إليهم ولا يقبل هباتهم منشغلًا بالعلم والتعليم ودفع الأمة إلى ما كان عليه سلفها الصالح ولا غرو في ذلك فهو تلميذ ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يعد بحق علمًا شامخًا في تاريخ الأمة الإسلامية ومفخرة عظيمة للمسلمين وموسوعة علمية نهل منها كل طالب ما يريد.\rالطبقة الثالثة: طبقة عامة الناس من زراع وتجار وصناع فهذه الطبقة كانت مغلوبة على أمرها يعيشون في الفقر، وكانت الحالة الاقتصادية من أسوأ ما يكون حيث مرت على البلاد الإسلامية في تلك الأيام نوبات من القحط والمجاعة حتى أن الناس أكلوا ما وجدوا من الجمادات والحيوانات والميتات وباعوا أولادهم وأهليهم (¬٢)، وكانت تقع عليهم","footnotes":"(¬١) حسن المحاضرة (٢/ ٩٦) وما بعدها.\r(¬٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ٢٩٠) وحسن المحاضرة (٢/ ٢٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204195,"book_id":111,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":42,"body":"معظم المظالم من ضرائب ومكوس، وهؤلاء هم الذين عصفت بهم التيارات المنحرفة ونشطت بهم الطرق الصوفية.\rالأمر الثاني: الأوبئة والأمراض التي تعرض لها المجتمع:\rلم تسلم البلاد في عهد المماليك من الأوبئة والأمراض الفتاكة التي كان لها أثر بالغ على النفوس، أدى ذلك إلى موت الآلاف من الناس وقلة الأيدي العاملة لأن عدم التحكم في مياه النيل كان يترتب عليه فساد الزراعة وقلة المحاصيل وبالتالي انتشار المجاعات المصحوبة بالأمراض والأوبئة ومن تلك الأوبئة والمجاعات: الطاعون الذي وقع سنة ٧٤٩ هـ وما أصاب الناس في تلك السنة من أثره منقطع النظير حتى أنه إذا ما حل في أهل بيت من البيوت لا يكاد يخرج منه حتى يقضي عليهم بل إن هذا الوباء قد عم أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصفه: \"وتواترت الأخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد فذكر عن بلاد القرم أمر هائل وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل أن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزة أمر عظيم، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفًا. . . . . . وفي هذا الشهر أيضًا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين وزاد الأموات كل يوم إلى مئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم. . . . . وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير وجم غفير، ولاسيما من النساء، فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع وتضرع وإنابة، وكثرت الأموات في هذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204196,"book_id":111,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":43,"body":"الشهر جدًا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون (¬١).\rوزاد الأمر أنه في يوم الاثنين ثاني عشر من شهر رجب جاءهم ريح شديدة أظلمت الدنيا منه ولقي الناس منه تعبًا شديدًا وهرعوا إلى المساجد يدعون الله ويستغفرونه يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصف هذه الريح: \"وفي يوم الاثنين ثاني عشرة بعد أذان الظهر حصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غبارًا شديدًا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون الله ويستغفرون ويبكون مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، وبالله المستعان، وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة والخمسين، وأكثر من ذلك، خارجًا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد وممن يموت من أهل الذمة، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير، يقال إنه بلغ ألفًا في كثير من الأيام، فإنا لله وانا إليه راجعون\" (¬٢).\rكما أنه في سنة ٧٦٢ هـ كثرت المستنقعات من فيض النيل في الديار المصرية فانتشرت الأمراض والأوجاع وغلت الأسعار لقلة من يتعاطى الأشغال (¬٣).\rوفي سنة ٧٦٥ هـ حلت بالبلاد موجة من الجراد أتلفت المحاصيل الزراعية فغلت الأسعار واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وحل بهم الهم والغم (¬٤).","footnotes":"(¬١) البداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ٢٣٧).\r(¬٢) المصدر السابق (١٤/ ٢٣٩).\r(¬٣) انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٢٩٠).\r(¬٤) المصدر السابق (١٤/ ٢٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204197,"book_id":111,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":44,"body":"وقد انتشرت الأمراض والأوبئة في جميع أرجاء البلاد فما أن يتنفس الناس الصعداء مما هم فيه من بلاء إلا ويحل بهم أمر آخر، والله غالب على أمره وله في أفعاله حكم لا يعلمها إلا هو ﷿، وهو ﷾ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (¬١).","footnotes":"(¬١) سورة الرعد آية (١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204198,"book_id":111,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":45,"body":"المبحث الثالث الحالة العلمية\rخالفت الحالة العلمية كلًّا من الحالة السياسية والاجتماعية فقد كان هذا القرن تقريبًا من القرون الذهبية من الناحية العلمية، ذلك أن العصر المماليكي بشكل عام شهد حركة علمية نشطة ويرجع هذا النشاط إلى عدة عوامل هي:\r١ - وفود العلماء إلى مصر والشام حيث أن كثيرًا منهم يمم إلى هذه البلاد فرارًا من الزحف التتري المغولي الذي أوقع بالناس الكثير من البلاء والأذى وصنوف التعذيب والتقتيل، وليس بأدل على ذلك ما حدث ببغداد على أيدي التتار، فرأى كثير من العلماء أن مصر والشام خير حمّى لهم، إليها يفرون وإلى رحابها يلجأون.\r٢ - تعظيم السلاطين والأمراء لأهل العلم والعلماء وتشجيعهم للنشاط العلمي حيث أن المماليك عرفوا أن العلم سياج الدولة فقربوا العلماء وأجزلوا لهم العطاء وأنزلوهم من أنفسهم المكانة اللائقة بهم وبمراكزهم، وهذه الحفاوة التي لقيها العلماء من الحكام رغبت الكثير من أبناء الشعب على طلب العلم والسعي في تحصيله عن حب وإخلاص لكي يصل الأواخر منهم إلى ما وصل إليه الأوائل.\r٣ - شعور العلماء بواجبهم وتنافسهم في أدائه لأنه لما حطم التتار بغداد وأبادوا العلماء وكتبهم، رأى العلماء في مصر والشام أنهم أمام مسؤولية ضخمة تقتضي منهم القيام بواجبهم في نشر الدين وتجديد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204199,"book_id":111,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":46,"body":"العلم، وإحياء ما أبادته أيدي الغزاة الغاشمين فقاموا بذلك قيامًا مشكورًا وسعوا إليه سعيًا حميدًا، فكانت حركة إحياء علمية جليلة وكان بينهم في هذا المجال تنافس شديد في ميدان العلم والتعليم.\rهذه الأسباب أدت إلى حركة علمية نشطة فانتشرت المدارس العلمية وملئت المساجد بحلقات التدريس بشكل عام.\rومن أبرز هذه المدارس في مصر: المدرسة الناصرية التي أمر بإنشائها السلطان زين الدين كتبغا (¬١) ولكنه خلع قبل إتمامها وعاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى ملك مصر فأمر بإتمامها فتمت سنة ٧٠٣ هـ (¬٢).\rومن أبرز المدارس في الشام: المدرسة الشريفية الحنبلية وقفها شيخ الحنابلة بدمشق شرف الإسلام عبد الوهاب (¬٣) بن أبي الفوج الحنبلي الفقيه، وممن درس بهذه المدرسة الحافظ زين الدين بن رجب رحمه الله تعالى (¬٤).\rأما المساجد التي كانت فيها حلقات العلم والتعليم فمن أبرزها:\r١ - جامع عمرو بن العاص في مصر وهو أول مسجد أسس بديار","footnotes":"(¬١) هو كتبغا بن عبد الله المنصوري زين الدين، الملقب بالملك العادل من ملوك المماليك البحرية في مصر والشام، توفي سنة ٧٠٢ هـ. الأعلام (٥/ ٢١٩).\r(¬٢) انظر: حسن المحاضرة (٢/ ٢٦٥) وخطط المقريزي (٣/ ٣٤٦).\r(¬٣) العلامة الواعظ شرف الإسلام أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ورئيسهم، وهو واقف المدرسة الحنبلية بدمشق، توفي سنة ٥٣٦ هـ.\rالعبر (٢/ ٤٥١) وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ٣٦٨).\r(¬٤) انظر: الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٦٤) ومنادمة الأطلال (٢٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204200,"book_id":111,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":47,"body":"مصر بعد الفتح بمدينة الفسطاط سنة ٢١ هـ وكان هذا الجامع بمثابة الجامعة التي يتلقى فيها طلاب العلم جميع فنون العلم وقد ذكر المقريزي (¬١) في الخطط أن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ (¬٢) أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر قبل الوباء الكائن في سنة ٧٤٩ هـ بضعًا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه (¬٣).\r٢ - الجامع الأموي بدمشق الذي بناه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (¬٤) وهو أعظم جوامع دمشق.\rقال النعيمي (¬٥): وذكر إبراهيم بن الليث الكاتب في رسالة: وقد أفضيت إلى جامعها فشاهدت ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ولا الرائي أن يعرفه، وجملة ذلك أنه بكر الدهر ووحيد الدهر، ونادرة الأوان وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات وعجيبة الساعات، ولقد أبقت أمية ذكرًا","footnotes":"(¬١) أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم المقريزي، الإمام المحدث المؤرخ، له عدة مؤلفات منها: الخطط وتجريد التوحيد، توفي سنة ٨٤٥ هـ.\rالضوء اللامع (٢/ ٢١) والبدر الطالع (١/ ٧٩).\r(¬٢) شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الصائغ، برع في الفقه والعربية والأدب، وله تصانيف في فنون مختلفة، توفي سنة ٧٧٧ هـ.\rحسن المحاضرة (١/ ٤٧١).\r(¬٣) الخطط للمقريزي (٣/ ١٢٥).\r(¬٤) الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، أحد خلفاء بني أمية، تولى الخلافة بعد أبيه سنة ٨٦ هـ، كثرت في عهده الفتوحات، وكان يكرم طلاب العلم، توفي سنة ٩٧ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٧).\r(¬٥) عبد القادر بن محمد بن عمر أبو المفاخر النعيمي، مؤرخ دمشق وأحد محدثيها، ألف كتبًا كثيرة منها: الدارس في تاريخ المدارس، توفي سنة ٩٢٧ هـ.\rشذرات الذهب (٨/ ١٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204201,"book_id":111,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":48,"body":"ما يدرس، وخلفت أثرًا لا يخفى ولا يدرس (¬١).\rوكانت تدرس في هذه المدارس والمساجد مختلف أنواع المعارف في مقدمتها التفسير والفقه والحديث والنحو والصرف وغير ذلك من علوم الدين واللغة، وقد تخرج من هذه المراكز علماء وفقهاء كانت لهم مؤلفات قيمة، وذخيرة علمية عظيمة تعتبر موسوعات علمية في مختلف العلوم والفنون.\rومن أعلام ذلك العصر البارزين على سبيل المثال لا الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨ هـ) ومؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي المتوفى سنة (٧٤٨ هـ) وابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١ هـ) والحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) وغيرهم ممن عرفوا بسعة انتاجهم وأصالته وأثروا التراث الإسلامي بكثير من مؤلفاتهم وعلومهم، إلا أننا رغم هذه النهضة العلمية الواسعة يجب أن لا نغفل أنه في هذا العصر استولت فيه عدة أوهام، وأحاطت به جملة معتقدات لا تتفق ومذهب السلف، وذلك بسبب البطش والجبروت والقلاقل التي سبقت حياة ابن رجب، فالصوفية قد انتشرت بطرقها بل وأصبحت لها مكانة في المجتمع ودليل ذلك اعتبار الخوانق (¬٢) والربط من دور التعليم، وكذلك المؤولة قد انتشروا من جهمية ومعتزلة وأشاعرة ورافضة وغيرهم من الفرق المخالفة لأهل السنة.","footnotes":"(¬١) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٣٧١، ٤١٣) ومنادمة الأطلال (٣٥٧).\r(¬٢) الخوانق مفردها خانقاه: وهي كلمة فارسية معناها المعبد أو البيت الذي ينقطع فيه الصوفية للذكر والعبادة وتجري عليهم الأرزاق فيها وهي حدثت في الإسلام حوالي سنة ٤٠٠ هـ.\rانظر: الخطط للمقريزي (٣/ ٣٩٩، ٤٠٠) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص ٤١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204202,"book_id":111,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":49,"body":"وقد عاش الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في غمرة هذه الأحداث السياسية والاجتماعية والعلمية، وكان لكل ذلك أثره المباشر في تكوين شخصيته حيث نجده بعيدًا عن التقلبات السياسية الكثيرة مؤثرًا الانصراف إلى تلقي العلوم ومجالسة العلماء ومن ثم التدريس والتأليف.\rوكان للحياة الثقافية الزاهرة في دمشق ما يدعوه إلى الاهتمام بعلوم الشريعة والعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ حيث نشأ وتعلم -كما سيأتي فيما بعد- على شيوخ وعلماء عصره البارزين في علوم الشريعة المختلفة، فاستطاع أن يأخذ من كل هؤلاء ويبرز علمًا من أعلام المسلمين في ذلك العصر في علوم مختلفة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204203,"book_id":111,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":50,"body":"الفصل الثاني حياة ابن رجب الشخصية\rويشتمل على المباحث التالية:\rالمبحث الأول: اسمه ونسبه.\rالمبحث الثاني: كنيته ولقبه.\rالمبحث الثالث: مولده.\rالمبحث الرابع: شهرته.\rالمبحث الخامس: أسرته.\rالمبحث السادس: أخلاقه وصفاته.\rالمبحث السابع: وفاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204204,"book_id":111,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":51,"body":"المبحث الأول اسمه ونسبه (¬١)\rهو الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام المقرئ","footnotes":"(¬١) مصادر ومراجع ترجمته:\rيمكن تقسيم ما وقفت عليه من المصادر والمراجع التي ترجمت للحافظ ابن رجب الحنبلي إلى قسمين، مطبوعة، ومخطوطة:\rالقسم الأول: المصادر والمراجع المطبوعة:\r١ - الرد الوافر لابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ): ١٠٦.\r٢ - إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): (٣/ ١٧٦).\r٣ - الدرر الكامنة لابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): (٢/ ٤٢٧، ٤٢٨).\r٤ - لحظ الألحاظ لابن فهد المكي (ت ٨٧١ هـ): ١٨٠.\r٥ - الدليل الشافي على المنهل الصافي لابن تغري (٨٧٤ هـ): (١/ ٣٩٨).\r٦ - المقصد الأرشد لابن مفلح (ت ٨٨٤ هـ): (٢/ ٨١).\r٧ - الجوهر المنضد لابن عبد الهادي (ت ٩٠٩ هـ): ٤٦.\r٨ - ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي (ت ٩١١ هـ): ٣٦٧.\r٩ - طبقات الحفاظ للسيوطي (ت ٩١١ هـ): ٥٣٦.\r١٠ - الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (ت ٩٢٧ هـ): (٢/ ٧٦).\r١١ - الشهادة الزكية لمرعي الكرمي (ت ١٠٣٣ هـ): ٤٩.\r١٢ - كشف الظنون لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ): (١/ ٥٩، ٧٩) (٢/ ١٠٩٧، ١٤٠٠).\r١٣ - شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩ هـ): (٦/ ٣٣٩).\r١٤ - صلة الخلف بموصول السلف للروداني (ت ١٠٩٤ هـ): ٢٧٦.\r١٥ - البدر الطالع للشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): (١/ ٣٢٨).\r١٦ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد (ت ١٢٩٥ هـ): (١٩٧). =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204205,"book_id":111,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":52,"body":"المحدث شهاب الدين أحمد ابن الشيخ الإمام المحدث أبي أحمد رجب (¬١) عبد الرحمن بن الحسن (¬٢) بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي (¬٣)","footnotes":"= ١٧ - التاج المكلل لصديق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ): ٣٢٥.\r١٨ - إيضاح المكنون لإسماعيل باشا (ت ١٣٣٩ هـ): (١/ ١٢٢، ٣٥٥).\r١٩ - هدية العارفين لإسماعيل باشا (ت ١٣٣٩ هـ): (١/ ٥٢٧).\r٢٠ - الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني (ت ١٣٤٥ هـ): ١٤٧.\r٢١ - منادمة الأطلال لابن بدران (ت ١٣٤٦ هـ): ٢٣٦.\r٢٢ - مختصر طبقات الحنابلة للشطي (ت ١٣٧٩ هـ): ٧١، ٧٢.\r٢٣ - الأعلام للزركلي (ت ١٣٩٥ هـ): (٤/ ٦٧).\r٢٤ - فهرس الفهارس لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني: (٢/ ٦٣٦).\r٢٥ - معجم المؤلفين لعمر كحالة: (٥/ ١١٨).\r٢٦ - معجم المؤرخين الدمشقيين لصلاح الدين المنجد: ٢١٨.\r٢٧ - المستدرك على معجم المؤلفين لعمر كحالة: ٣٤٥.\rالقسم الثاني: المصادر والمراجع المخطوطة:\r١ - التبيان شرح بديعية البيان لابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ): ورقة ١٥٩.\r٢ - تاريخ ابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ): (١٤٠/ أ).\r٣ - المنهل الصافي لابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ): (٢/ ١٩٧/ أ).\r٤ - المنهج الأحمد للعليمي (ت ٩٢٨ هـ): ورقة ٤٧٠، ٤٧١.\r(¬١) وهم ابن فهد رحمه الله تعالى في لحظ الألحاظ (ص ١٨٠) حيث جعل الاسم الواحد اسمين فقال: رجب بن عبد الرحمن، والصواب أن رجب لقب عبد الرحمن، وقد تبعه على هذا الوهم الدكتورة أمينة الجابر في رسالتها للدكتوراه \"ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية\" (ص ٣٧).\r(¬٢) جميع المصادر تذكر الحسن إلا المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد لابن مفلح (٢/ ٨١) والدارس في تاريخ المدارس للعليمي (٢/ ٧٦) والرسالة المستطرفة للكتاني (ص ١٤٧). فإنها تذكر الحسين بدل الحسن.\r(¬٣) قال السمعاني رحمه الله تعالى: السلامي بفتح السين المهملة واللام ألف المخففة وفي آخرها الميم. هذه النسبة إلى رجل وموضع.\rأما الرجل فهو منسوب إلى بني سلامان وهو بطن من قضاعة، وفيهم كثرة من الصحابة فمن بعدهم. . . =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204206,"book_id":111,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":53,"body":"البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي (¬١).","footnotes":"= وأما المنسوب إلى موضع فهو مدينة السلام بغداد. . . الأنساب (٧/ ٢٠٨).\r(¬١) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨) والرد الوافر (ص ١٠٦) والتبيان لشرح بديعية البيان (ص ١٥٩) ولحظ الألحاظ (ص ١٨٠) وذيل تذكرة الحفاظ (ص ٣٦٧) والمقصد الأرشد (٢/ ٨١) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦) والرسالة المستطرفة (ص ١٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204207,"book_id":111,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":54,"body":"المبحث الثاني كنيته ولقبه\rكنيته المشهور بها: \"أبو الفرج\".\rوقد كناه ابن تغري بردي (¬١) بأبي العباس (¬٢) ولكن المشهور أن هذه كنية أبيه وليس كنية له.\rوأما لقبه المشهور به فهو: \"زين الدين\".\rولقبه ابن العماد الحنبلي: \"زين الدين وجمال الدين\" (¬٣) ولقبه ابن فهد (¬٤) (¬٥) وابن تغري بردي (¬٦) بشهاب الدين، والمشهور أن هذا لقب أبيه.","footnotes":"(¬١) جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الظاهري الحنفي، العلامة المؤرخ، له عدة مؤلفات منها: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الدليل الشافي على المنهل الصافي، توفي سنة ٨٧٤ هـ.\rالضوء اللامع (١٠/ ٣٠٥) وشذرات الذهب (٧/ ٣١٧).\r(¬٢) المنهل الصافي (٢/ ١٩٧).\r(¬٣) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).\r(¬٤) محمد بن محمد بن محمد المكي تقي الدين المعروف بابن فهد العلامة المحدث، قال السخاوي: \"أكثر من المسموع والشيوخ وجد في ذلك\"، توفي سنة ٨٧١ هـ.\rالضوء اللامع (٩/ ٢٨١) والبدر الطالع (٢/ ٢٥٩).\r(¬٥) لحظ الألحاظ (ص ١٨٠).\r(¬٦) المنهل الصافي (٢/ ١٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204208,"book_id":111,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":55,"body":"المبحث الثالث مولده\rولد ابن رجب رحمه الله تعالى في بغداد سنة ٧٣٦ هـ وهذا ما ذكرته أغلب مصادر ترجمته.\rوذكر ابن حجر في الدرر الكامنة (¬١) أنه ولد في سنة ٧٠٦ هـ، وتبعه على ذلك السيوطي في طبقات الحفاظ (¬٢) وإسماعيل باشا في هدية العارفين (¬٣).\rوقد ذهب الدكتور: محمد بن حمود الوائلي في رسالته (ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه) إلى أن القول الأول هو القول الصحيح وذلك للأمور التالية:\r١ - ما ذكره ابن العماد في شذرات الذهب فيه \"قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤ هـ\" (¬٤).\rوهذا يكشف لنا تاريخ ولادته وأن سنه حين قدم دمشق ثماني سنوات، وهذا يؤيد ما ذكره ابن حجر في إنباء الغمر وهو خلاف ما ذكره في الدرر الكامنة، ولعل سبب اختلاف التاريخين يعود إلى أن ناسخ الدرر","footnotes":"(¬١) الدرر الكامنة (٢/ ٣٢٩).\r(¬٢) طبقات الحفاظ (ص ٥٤٠).\r(¬٣) هدية العارفين (١/ ٥٢٧).\r(¬٤) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204209,"book_id":111,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":56,"body":"أسقط كلمة \"الثلاثين\" لأنه ليس من المعقول أن يضع ابن حجر لولادة ابن رجب تاريخين متغايرين في كتابيه دون أن يذكر سببًا لذلك.\r٢ - ما ذكره ابن رجب في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة فقد أزال اللبس وكفانا عناء البحث من أنه حضر درس الشيخ شرف الدين أبي محمد فقال: \"حضرت درسه وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا\" (¬١) وكان ذلك سنة ٧٤١ هـ وبذلك نستطيع القطع بأن مولده كان عام ٧٣٦ هـ (¬٢).\rأقول: ويضاف إلى ما ذكره الدكتور الوائلي للدلالة على صحة أن ولادة ابن رجب ﵀ سنة ٧٣٦ هـ الأمور التالية:\r١ - أن سنة ٧٠٦ هـ هو تاريخ ولادة والده أحمد كما جاء ذلك في الرد الوافر (¬٣) والمنهج الأحمد (¬٤).\r٢ - أن ما ذكره ابن العماد في الشذرات من أنه قدم مع والده من بغداد إلى دمشق سنة ٧٤٤ هـ وهو صغير، قد ذكره قبله ابن مفلح (¬٥).","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٦).\r(¬٢) ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه رسالة دكتوراه على الآلة الكاتبة (ص ١١٢، ١١٣).\r(¬٣) الرد الوافر (ص ٧٩).\r(¬٤) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١).\r(¬٥) برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي الشيخ الإمام الأصولي المؤرخ المعروف بابن مفلح، له عدة مصنفات منها: المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، الآداب الشرعية، توفي سنة ٨٨٤ هـ.\rالدارس (٢/ ٥٩) والضوء اللامع (١/ ١٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204210,"book_id":111,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":57,"body":"في المقصد الأرشد (¬١) والعليمي (¬٢) في المنهج الأحمد (¬٣) والنعيمي في الدارس في تاريخ المدارس (¬٤) وهذا يدل على أن صحة ولادته كانت ٧٣٦ هـ إذ لو كانت ولادته سنة ست وسبعمائة لكان عمره ثمانيًا وثلاثين سنة ٧٤٤ هـ ومن كان هذا عمره لا يسمى صغيرًا.\r٣ - أن ابن حجر رحمه الله تعالى ذكر في إنباء الغمر تاريخ ولادته بالحروف وفي الدرر الكامنة بالأرقام، وما كتب بالأرقام عرضة للسقط والسهو من النساخ وغيرهم بخلاف الكتابة بالحروف فالخطأ فيها بعيد مما يدل على صحة ما في إنباء الغمر.\rوهذه الأمور كلها تقطع لنا بأن ولادة ابن رجب كانت سنة ٧٣٦ هـ، وفيها رد على من توقف في تعيين تاريخ لولادة ابن رجب رحمه الله تعالى أو جعل تعيين تاريخ معين لولادته من الأمور العسيرة.\rومنهم الدكتورة أمينة محمد الجابر حيث قالت في مقدمة رسالتها \"ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية\": فإن بحثي العلمي المتواضع يثبت عدم القطع بتاريخ مولد ابن رجب لعدم وجود مصدر أو قرينة ترجح أي التاريخين أنسب لذكر مولد ابن رجب، وعلى هذا فمن قطع وجزم بتاريخ المولد فهي شبهة علمية ليس عليها دليل (¬٥).","footnotes":"(¬١) المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (٢/ ٨١).\r(¬٢) عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي العلامة القاضي المؤرخ، له عدة مصنفات منها: المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، الأنس والجليل بتاريخ القدس والخليل، توفي سنة ٩٢٨ هـ.\rالسحب الوابلة (ص ٣١٢) ومختصر طبقات الحنابلة للشطي (ص ٨١).\r(¬٣) المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (٤٧١).\r(¬٤) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦).\r(¬٥) ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية (ص ٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204211,"book_id":111,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":58,"body":"بل الأعجب من ذلك أنها وهمت الدكتور الوائلي في قطعه بصحة مولد ابن رجب وجعلت ذلك من الأمور العسيرة حيث قالت: \"وعلى هذا فمن العسير عقليًا أمام هذا التعكير القطع بتاريخ مولد ابن رجب وهو الوهن الذي وقع فيه الدكتور الوائلي حيث أنه جعل من رواية ابن رجب \"وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا\" دليلًا على ترجيح أنه ولد سنة ٧٣٦ هـ، ولو قارنها بمقالة ابن رجب عن شيخه صفي الدين أنه أجازه غير مرة لأدرك أن القطع هنا قطع وهمي لا يسعفه علم ولا يسانده مصدر\" (¬١).\rوهذا الكلام في الحقيقة من قلب الحقائق والنظر إلى الأمور بخلاف ما هي عليه، لأن ما قاله الدكتور الوائلي هو الحق والصواب الذي يتعين الأخذ به وعدم الالتفات إلى غيره في تاريخ ولادة ابن رجب لوجود القرائن والدلائل التي سبق ذكرها والتي من خلالها نقطع ونجزم بصحة تاريخ ولادة ابن رجب وأنه سنة ٧٣٦ هـ.","footnotes":"(¬١) ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية (ص ٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204212,"book_id":111,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":59,"body":"المبحث الرابع شهرته\rاشتهر زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بـ (ابن رجب الحنبلي)، ورجب هو اسم جده عبد الرحمن، وقيل له رجب لأنه ولد في شهر رجب ونسب إليه الحفيد ﵀.\rوقد كان هناك من يسمى بابن رجب غيره ومنهم:\r١ - والده شهاب الدين بن رجب ويقال له ابن رجب المقرئ، وستأتي ترجمته (¬١).\r٢ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن رجب الطوخي الشافعي يعرف بابن رجب ولد سنة ٨٤٧ هـ وتوفي سنة ٨٩٣ هـ (¬٢).\rولكن غلبت هذه الشهرة عليه رحمه الله تعالى فإذا قيل ابن رجب أو ابن رجب الحنبلي يتبادر إلى الذهن عند العلماء وطلاب العلم أن المراد ابن رجب الحنبلي زين الدين ما لم يكن دليل أو قرينة تدل على أن المراد غيره وهذا يدل على فضله وسمو مكانته التي جعلته يشتهر على من سواه.","footnotes":"(¬١) ترجمته في (ص ٦٥).\r(¬٢) الضوء اللامع (٢/ ١٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204213,"book_id":111,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":60,"body":"المبحث الخامس أسرته\rنشأ ابن رجب رحمه الله تعالى في أسرة علمية عريقة كان لها أثر واضح في تنمية مواهبه ومن ثم أصبح عالمًا تمت شهرته الآفاق، وتجمع المصادر على أن أسرة ابن رجب بغدادية وأنها أسرة علم وطهر وفضل وصلاح، بل عريقة في الإمامة العلمية ومنهم:\rأولًا: جده أبو أحمد رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي، واسمه عبد الرحمن ورجب لقبه، وقيل له رجب لأنه ولد في شهر رجب كان فقيهًا عالمًا له حلقة علمية في بغداد يفد إليها طلاب العلم من كل مكان، وقد ولد سنة ٦٧٧ هـ وسمع ثلاثيات البخاري وحدث بها وسمع من المعيد ابن المجلح وابن غزال وغيرهما (¬١).\rوصفه ابن العماد بقوله: \"الشيخ الإمام المحدث\" (¬٢).\rوقد أدرك ابن رجب رحمه الله تعالى جده وحضر مجلسه وهو يقرأ عليه قال في الذيل على الطبقات: قرأ على جدي أبي أحمد رجب بن الحسن غير مرة ببغداد وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة: أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز سنة ست وثمانين وستمائة أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي أخبرنا أبو","footnotes":"(¬١) انظر: الدرر الكامنة (٢/ ١٩٩).\r(¬٢) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204214,"book_id":111,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":61,"body":"الوقت عبد الأول بن عيسى أخبرنا أبو الحسن الداوودي أخبرنا أبو محمد السرخسي أخبرنا أبو عبد الله الفربري حدثنا البخاري حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار\" (¬١) (¬٢).\rوهذا يدل على أن جده أبا أحمد كان عالمًا ويقرأ الناس عليه وقد توفي في صفر سنة ٧٤٢ هـ (¬٣).\rثانيًا: أبوه أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات السلامي البغدادي الحنبلي، نزيل دمشق ولد في بغداد صبيحة يوم السبت الخامس عشر ربيع الأول سنة ٧٠٦ هـ (¬٤) ونشأ بها، وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، وطلب الحديث، وخرج لنفسه معجمًا مفيدًا.\rقال ابن ناصر الدين (¬٥) في وصفه: \"الإمام العالم الصالح المقرئ المجود المحدث المفيد. . . قرأ القرآن بالروايات وأخذ عن جماعة من الشيوخ كثيرًا من المرويات وخرج لنفسه مشيخة مفيدة بتراجم ملخصة فريدة، وذكر ابن تيمية بشيخ الإسلام، وأثنى عليه وكان يحبه ويميل بالمودة إليه\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب العلم -باب إثم من كذب على النبي ﷺ (١/ ٣٥).\r(¬٢) الذيل على الطبقات (٢/ ٢١٣).\r(¬٣) الدرر الكامنة (٢/ ١٩٩).\r(¬٤) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١) والرد الوافر (ص ٧٩).\r(¬٥) شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين، الحافظ المحدث كان عارفًا بالنسب والرجال، له مؤلفات كثيرة منها: الرد الوافر، وبديعة البيان وشرحها، توفي سنة ٨٤٢ هـ.\rالضوء اللامع (٨/ ١٠٣) وشذرات الذهب (٧/ ٢٤٣).\r(¬٦) الرد الوافر (ص ٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204215,"book_id":111,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":62,"body":"وقال ابن حجر: \"ولد في بغداد ونشأ بها، وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق بأولاده فأسمعهم بها وبالقدس وجلس للقراء بدمشق وكان ذا خير ودين وعفاف. . . \" (¬١).\rوقال العليمي: \"العالم الصالح المقرئ المحدث شهاب الدين .. \" (¬٢) مات سنة ٧٧٤ هـ ﵀ (¬٣).\rوقد أقبل ابن رجب يتتلمذ على أبيه، وينتفع منه، وينهل من معينه وكان أبوه حريصًا على تزويده من مناهل العلوم والمعارف المختلفة فكان يصطحبه معه في السماع على الشيوخ وذكر العليمي أنه قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤ هـ فاشتغل بسماع الحديث باعتناء والده (¬٤) فلا ريب أن ابن رجب استفاد من جده المحدث (رجب) ثم من والده الإمام المقرئ لأنه ما دامت أن هذه هي أسرته التي عاش فيها وتلك مكانتها العلمية فلا عجب حين نرى ابن رجب ينشأ وهو محاط بجو علمي ديني تعبدي.\rولا شك أن نشأة ابن رجب في مثل هذه الأسرة قد هيأ له مناخًا مناسبًا لطلب العلم والجد في تحصيله.\rتلك هي أسرة ابن رجب رحمه الله تعالى أسرة علم وتقًى وطهارة نالت من العلم حظًا وافرًا.","footnotes":"(¬١) إنباء الغمر (١/ ٤٢).\r(¬٢) المنهج الأحمد (٤٧١).\r(¬٣) شذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).\r(¬٤) انظر: المنهج الأحمد ورقة (٤٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204216,"book_id":111,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":63,"body":"المبحث السادس أخلاقه وصفاته\rإن علماء السلف كانوا أحرص الناس على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق السيئة.\rولقد كان الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى من أحرص الناس على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق الرذيلة من الحسد والإيذاء والحقد وغير ذلك.\rوكان رحمه الله تعالى زاهدًا ورعًا تقيًا، متعففًا، تعرضت له الدنيا بمفاتنها مرات عديدة فرفضها ولم يقبلها، واكتفى منها بما يصلح حاله ويسد رمقه، فلم يقبل من حاكم صلة أو عطية، وكان ينهى دائمًا عن مخالطة أبناء الدنيا والنظر إليهم والاجتماع بهم، ويأمر بمخالطة الصالحين والاشتغال بالعلم، وكان له رحمه الله تعالى من الصفات والسلوك ما كان له أثر كبير في ظفره بلقب الإمام والحافظ وزين الدين وغير ذلك من النعوت التي وصفه بها كل من ترجم له، فهو حافظ لكتاب الله، وعالم بما أثر عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين، وذو بصر تام بمذهب الإمام أحمد ﵀، وهو من أئمة الحديث وحفاظه، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله، وهو ذو أفق واسع، لا يتعصب لمذهب، ولا يندد بغيره، وهو حريص على معرفة الكتاب والسنة والرجوع إلى الطريقة التي جرى عليها الصحابة والتابعون ومن جاؤوا بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم من السلف الصالح لا يشغله عن العبادة وطلب العلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204217,"book_id":111,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":64,"body":"شيء من مطالب الدنيا وهو رضي الخلق، عذب الشمائل، حسن النية، وقد ظهر آثار ذلك كله فيما خلفه من تآليف متنوعة أثنى عليها العلماء، وتلقوها بالقبول.\rوكان رحمه الله تعالى صاحب عبادة وتأله وتهجد وطول صلاة.\rقال ابن ناصر الدين عمه: \"أحد الأئمة الزهاد، والعلماء العباد\" (¬١).\rوقال ابن فهد: \"كان ﵀ إمامًا ورعًا زاهدًا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه\" (¬٢).\rوقال الحافظ ابن حجر: \"وكان صاحب عبادة وتهجد\" (¬٣).\rوكان مائلًا إلى اعتزال الناس والابتعاد عن مخالطتهم لاسيما في أواخر أيام حياته قال ابن حجي: \"كان لا يخالط أحدًا ولا يتردد إلى أحد\" (¬٤).\rوقال ابن قاضي شهبة (¬٥): \"وكان منجمعًا عن الناس لا يخالطهم ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ويسكن بالمدرسة العسكرية بالقصاعين، وكان لا يعرف شيئًا من أمور الدنيا، فارغًا عن الرياسة وأسبابها، ليس له شغل إلا اشتغال بالعلم. . . وكان فقيرًا متعففا غني","footnotes":"(¬١) الرد الوافر (ص ١٠٦).\r(¬٢) لحظ الألحاظ (ص ١٨١).\r(¬٣) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).\r(¬٤) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).\r(¬٥) أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الدمشقي الشافعي الشهير بابن قاضي شهبة، الفقيه، العالم المؤرخ، سمع من أكابر عصره ودرس وجمع وصنف مصنفات كثيرة منها: ذيل على تاريخ الإسلام للذهبي واسمه: \"تاريخ ابن قاضي شهبة\" \"شرح منهاج الطالبين للنووي\"، توفي سنة ٨٥١ هـ.\rالضوء اللامع (١١/ ٢١) وشذرات الذهب (٧/ ٢٦٩) والبدر الطالع (١/ ١٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204218,"book_id":111,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":65,"body":"النفس، وبالجملة لم يخلف بعده مثله\" (¬١).\rوكانت مجالس تذكيره ووعظه الناس للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة ونافعة، قال ابن العماد: \"وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة ومباركة نافعة\" (¬٢).\rتلك الصفات التي وصف بها تدل على ما وصل إليه ابن رجب رحمه الله تعالى من مكانة عالية خلقًا وزهدًا وورعًا وعلمًا فهو المحدث الذي أتقن فنون الحديث وطرقه، وصار قدوة وعلمًا تخرج على يديه كثير من أهل العلم في زمانه، وبخاصة الحنابلة، وهو المصنف الذي ترك لنا آثارًا منوعة في العقيدة والفقه والحديث والتاريخ تدل على غزارة علمه وحضور حافظته واجتماع النصوص بين يديه ويجعلها أداة طيعة فيما يريده من شرح وتبسيط للأفكار، بحيث يقترب من العامة، ولا يبعد عن الخاصة من أهل العلم. وهو الواعظ المحبب إلى القلوب تجد الإخلاص والصدق في حديثه ووعظه، وهو الزاهد فيما به الناس مشغولون، المنقطع للعبادة والتصنيف.","footnotes":"(¬١) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (١٤٠/ أ).\r(¬٢) شذرات الذهب (٦/ ٣٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204219,"book_id":111,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":66,"body":"المبحث السابع ابن رجب والتصوف\rإن المطلع على كتب ابن رجب رحمه الله تعالى وكثرة نقوله عن السابقين وخصوصًا من اشتهر بالتصوف يظن أن ابن رجب رحمه الله تعالى علم من أعلام المتصوفة البارزين الذين يشار إليهم بالبنان، وهذا يدل على عدم معرفة هذا الإمام، بل الحقيقة أن ابن رجب رحمه الله تعالى ليس كما ظن هؤلاء وإن نقل بعض أقوال المتصوفة وحكاياتهم لأنه رحمه الله تعالى عنده من العقيدة السليمة الصافية عقيدة أهل السنة والجماعة المستمدة من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ مع السلوك الحسن ما عصمه من الوقوع فيما وقع فيه أولئك القوم من زلات فضلّا عن الأمور التي وصلوا فيها إلى حد الشرك والحلول وغيرها من الأمور البعيدة عن دين الله ﷿ التي سببها الجهل بالكتاب والسنة ويكفيه فخرًا في ذلك أنه تلميذ من تلاميذ العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى أبرز تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.\rإضافة إلى ذلك أنه انتقد القوم ورد عليهم في عدة مسائل بل ذكر بعض بدعهم وبين أن ما هم عليه في هذه المسائل بعيد كل البُعد عن دين الله ﷾.\rولا يعني هذا أني أقول بعصمة ابن رجب رحمه الله تعالى من الأخطاء والزلات، حاشا وكلا إنما هو بشر يصيب ويخطئ.\rولا أريد بهذا طرح جميع ما عند القوم بل لا بأس بالاستشهاد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204220,"book_id":111,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":67,"body":"ببعض أقوالهم ما دامت موافقة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكم من الكتب التي ألفها علماء بارزون من أهل السنة والجماعة فيها شيء من أقوال بعض الصوفية، وأقرب مثال على ذلك شيخه العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى. وهذا منهج سليم وصحيح لأن المسلم الحق الذي يسير على نهج الكتاب والسنة يجب عليه أن يقبل الحق لأنه هو بغيته ومراده بغض النظر عمن قال به. روى البيهقي بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: خذ الحكمة ممن سمعت، فإن الرجل يتكلم بالحكمة، وليس بحكيم فتكون كالرمية خرجت من غير رام (¬١).\rإلا أن الإنسان المؤمن الحق يجد في أقوال أهل السنة والجماعة ما يغني عن أقوال غيرهم من الذين يوهم النقل عنهم الرضا بسيرتهم وما هم عليه.\rفابن رجب رحمه الله تعالى يعد من علماء السلف الذين كان لهم فضل في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين جعلوا ابن رجب رحمه الله تعالى من الصوفية إنما هو بسبب خلطهم بين الزهد والتصوف، فالصوفية ومن سار على نهجهم حتى يكثروا سوادهم ويدللوا على صحة منهجهم ضموا إليهم كل من كان من العلماء زاهدًا متعففًا ومنقطعًا للعبادة وسموه صوفيًا.\rوالحقيقة أن هذا من قلب الموازين والمفاهيم السليمة لأن قلة الرغبة في الدنيا مع العبادة في ديننا دين الإسلام زهد وورع وتقوى، أما تسميته بذلك صوفيًا فهذا غلط لأن لفظة صوفي لفظة محدثة كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وذكر أنها نسبة إلى الصوف ولبسه (¬٢).","footnotes":"(¬١) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص ٤٤٧).\r(¬٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (١١/ ٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204221,"book_id":111,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":68,"body":"والحقيقة أن ابن رجب رحمه الله تعالى بريء من المتصوفة ومن مناهجهم التي خالفوا فيها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\rومع ذلك فهو ليس بمعصوم فقد يوجد في بعض كلامه أو بعض ما ينقله ما لا يسلم من الهفوات والأخطاء التي وقع فيها أولئك القوم، وهذا لا يقدح في علمه وفضله لأنه كما يقال: \"لكل جواد كبوة\".\rوالإنسان مهما تعلم وقرأ لا يسلم من الخطأ، والأخطاء منها ما هو فاحش لا يمكن السكوت عنه، ومنها ما هو خطأ غير فاحش لا يلام صاحبه.\rوقد تتبعت كتب ابن رجب رحمه الله تعالى التي بين يدي صغيرها وكبيرها فلم أجد ولله الحمد كلمة أو مقالة فيها رد لما ورد في كتاب الله ﷾ أو سنة رسوله ﷺ أو مخالفة لما كان عليه سلف هذه الأمة من أهل السنة والجماعة سوى ما ذكرت من كثرة نقوله من أقوال الصوفية خصوصًا في أنواع العبادة كالمحبة والتوكل.\rوالخلاصة في هذا أن الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى من علماء السلف الأفاضل المشهود لهم بالخير والصلاح وسلامة المعتقد كما سيتضح ذلك فيما أنقله من ثناء العلماء عليه وشهادتهم له بالإمامة والفضل إن شاء الله تعالى.\rوما أحسن مقولة للحافظ الذهبي قال فيها: إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم لا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٧١)، ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204222,"book_id":111,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":69,"body":"المبحث الثامن وفاته\rظل ابن رجب رحمه الله تعالى يعمل ويجد في ورع وزهد ويدعو إلى الله ﷾ بصدق وإخلاص حتى أدركته المنية بعد هذه الحياة الجهادية سنة خمس وتسعين وسبعمائة للهجرة، وهذا التاريخ قد اتفقت عليه جميع المصادر التي ترجمت لابن رجب، وشذ عن هذا الاتفاق ابن تغري بردي في المنهل الصافي إذ قيد وفاته سنة خمس وسبعين وسبعمائة (¬١) وهو غلط وتصحيف ظاهر.\rوقد اختلفت المصادر في تحديد الشهر الذي توفي فيه رحمه الله تعالى.\rفذكر ابن حجي (¬٢) (¬٣) وابن مفلح (¬٤) والنعيمي في الدارس (¬٥) وابن","footnotes":"(¬١) المنهل الصافي لابن تغري (٢/ ١٩٧ / ب).\r(¬٢) أحمد بن حجي بن موسى الدمشقي الشافعي شهاب الدين الشهير بابن حجي، كان فقيهًا ومؤرخًا له عدة مصنفات منها: شرح المحرر لابن عبد الهادي، توفي سنة ٨١٦ هـ.\rالضوء اللامع (١/ ٢٦٩) وشذرات الذهب (٧/ ١١٦).\r(¬٣) ذكر قوله ابن حجر في إنباء الغمر (٢/ ١٧٦).\r(¬٤) المقصد الأرشد (٢/ ٨٢).\r(¬٥) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204223,"book_id":111,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":70,"body":"قاضي شهبة (¬١) والعليمي (¬٢) وابن العماد (¬٣) أن وفاته ليلة الاثنين رابع رمضان.\rوذهب ابن حجر في الدرر الكامنة (¬٤) وابن ناصر الدين (¬٥) والسيوطي (¬٦) والشوكاني (¬٧) إلى أنه توفي في شهر رجب.\rويبدو لي أن القول الأول أرجح لأن القائلين به أكثر ولزيادة الوصف فيما ذكروا حيث حددوا تاريخ يوم وفاته، ولأن القائلين به أكثرهم من الحنابلة وهم أعرف وأعلم بشيوخ وعلماء مذهبهم من غيرهم، علمًا أن الاختلاف في تحديد الشهر فائدته ليست كبيرة ما داموا يتفقون على تحديد السنة، وقد توفي ﵀ بأرض الحميرية ببستان كان استأجره، وصلي عليه من الغد، ودفن بمقبرة الباب الصغير بجوار قبر الشيخ أبي الفقيه الزاهد أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي ثم المقدسي الدمشقي المتوفى سنة ست وثمانين وأربعمائة (¬٨) والذي يرجع الفضل إليه في نشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل بالقدس ودمشق رحمه الله تعالى.\rوفي قصة وفاته ودفنه ما يشير إلى زهده وانتظاره للموت، قال ابن ناصر الدين: ولقد حدثني من حضر لحد ابن رجب أن الشيخ زين الدين ابن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام فقال له: احفر لي هاهنا لحدًا،","footnotes":"(¬١) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (١٤٠/ أ).\r(¬٢) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١).\r(¬٣) شذرات الذهب (٦/ ٣٤٠).\r(¬٤) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨).\r(¬٥) الرد الوافر (ص ١٠٧).\r(¬٦) ذيل تذكرة الحفاظ (ص ٣٦٨).\r(¬٧) البدر الطالع (١/ ٣٢٨).\r(¬٨) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٥١ - ٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204224,"book_id":111,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":71,"body":"وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، قال: فحفرت له، فلما فرغ نزل في القبر، واضطجع فيه فأعجبه، وقال: هذا جيد ثم خرج. قال: فوالله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتًا محمولًا في نعشه، فوضعته في ذلك اللحد، وواريته فيه - رحمه الله تعالى (¬١).\rرحم الله ابن رجب ورضي عنه ونفعنا والمسلمين بعلمه وهديه آمين.","footnotes":"(¬١) الرد الوافر (ص ١٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204225,"book_id":111,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":72,"body":"الفصل الثالث حياته العلمية\rالمباحث التي يشتمل عليها هذا الفصل:\rالمبحث الأول: طلبه للعلم.\rالمبحث الثاني: رحلاته في طلب العلم.\rالمبحث الثالث: شيوخه.\rالمبحث الرابع: تدريسه.\rالمبحث الخامس: تلاميذه.\rالمبحث السادس: ثقافته ومؤلفاته.\rالمبحث السابع: عقيدته ومذهبه.\rالمبحث الثامن: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204226,"book_id":111,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":73,"body":"المبحث الأول طلبه للعلم\rتعلم مبادئ القراءة في الكتاتيب كغيره من أبناء عصره، ثم عكف على طلب العلم فقرأ القرآن العظيم على أبيه وعلى جماعة من شيوخ عصره.\rثم أقبل على العلم وأجهد نفسه في تحصيله ورحل إليه مرارًا وقرأ الفقه والحديث وغيرهما فحفظ أصولهما وقرأهما على مشاهير علماء عصره.\rوقد قرأ على كثير من العلماء حتى برز في كثير من العلوم كالتفسير والحديث وأصول الدين وعلم السلوك والفقه وغير ذلك.\rوقد قيض الله لابن رجب عوامل كثيرة أسهمت في تكوين شخصيته العلمية الفذة منها: أسرته الكريمة التي توارثت العلم أبًا عن جد، ومنها أن مدينة بغداد التي ولد فيها كانت عاصمة الخلافة الإسلامية، ومركز العلم والثقافة آنذاك، وكان أهلها يتمتعون بفوائد الرحلة وهم في بلدهم لكثرة علمائها في مختلف العلوم والفنون، ولترداد أهل العلم وطلبته من كل حدب وصوب إلى بغداد، شأن كل مركز حيوي للعلم والثقافة في كل زمان ومكان.\rومنها عصره المزدحم بالثقافة الموسوعية والمعرفة المتنوعة ونوابغ العلماء في كل مضمار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204227,"book_id":111,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":74,"body":"هذه العوامل وجهت ابن رجب في مرحلة مبكرة نحو طلب العلم وقبل سن التمييز، فحضر مجالس العلم والعلماء، ولقد أشار هو رحمه الله تعالى إلى هذا فقال في أثناء ترجمة شيخه عبد الرحيم بن عبد الله الزريراتي: درس بالمجاهدية ببغداد، وحضرت درسه، وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا (¬١) ويبدو أن هذا كان قبل الثالثة من عمره لأنه يصرح بالتمييز في الثالثة وما بعدها فيقول: قرئ على جدي أبي أحمد وأنا حاضر في الثالثة، وفي الرابعة، وفي الخامسة (¬٢).\rوقد حصل له في الخامسة سماعات كثيرة ذكرها بكل دقة ووعي فنجده يقول: أخبرنا أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي قراءة عليه وأنا في الخامسة (¬٣).\rبل أحيانًا يحدد السنة التي سمع فيها فيقول: قرئ على أبي الربيع علي بن عبد الصمد وأنا أسمع سنة ٧٤١ هـ ببغداد (¬٤).\rوهذه السماعات في هذا السن المبكر تدل على مكانة أسرته العلمية.\rهذه بدايات الطلب للحافظ ابن رجب كما ذكرها المترجمون له وكما ذكرها هو في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة، وسيكون الكلام في المبحث القادم إن شاء الله تعالى عن رحلاته العلمية التي رحلها في كثير من البلاد.","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٦).\r(¬٢) المصدر السابق (٢/ ٢١٣).\r(¬٣) المصدر السابق (١/ ٦٧).\r(¬٤) المصدر السابق (٢/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204228,"book_id":111,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":75,"body":"المبحث الثاني رحلاته في طلب العلم\rكان الصحابة ﵃ حريصين على عدم مغادرة المدينة في حياة النبي ﷺ، لأن حبهم العظيم له جعلهم لا يقوون على الابتعاد عنه لذلك نجد المكثرين من رواية الحديث عن الرسول ﷺ لم يخرجوا منها حتى توفي ﵊.\rولما بدأ عهد الفتوحات الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم بدأت رحلاتهم وخروجهم من المدينة، فانتشروا في الأمصار يحملون معهم حديث نبينا محمد ﷺ كلٌّ بحسبه فمنهم المكثر ومنهم المقل وقد يسمع أحدهم ما لم يسمعه الآخر، ويحفظ ما نسيه غيره.\rولذلك كانوا ﵃ هم أنفسهم يرحلون إلى بعضهم لسماع حديث من أحاديث المصطفى ﷺ اختص بسماعه واحد منهم دون سواه فهذا الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵄ يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه بالشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد- عراة غرلًا بهمًا قال: قلنا وما بهمًا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204229,"book_id":111,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":76,"body":"قال: ليس معه شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهمًا؟ قال: الحسنات والسيئات\" (¬١).\rفالرحلة في طلب الحديث سنة متبعة منذ ذلك العهد لأن الرحلات العلمية لها فوائد جمة في كسب العلم.\rوقد كانت الرحلة لتلقي العلم ورواية الأحاديث من محدثيها في عهد التابعين أوسع منها في عهد الصحابة حتى أصبحت سمة بارزة لكثير من العلماء النابغين حيث هاجروا طلبًا في اللقاء بالمشاهير والاستفادة منهم.\rوالحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عالم شهد له أهل زمانه بالنبوغ في أنواع عديدة من المعرفة لم يقتصر في طلب العلم على مدينة بغداد ولكنه رحل إلى مدن أخرى.\rفقد كان والده يصطحبه معه في رحلات علمية يسمع ويسمعه من أفاضل العلماء في عصره قال ابن عبد الهادي (¬٢): \"واشتغل بسماع","footnotes":"(¬١) أخرجه احمد (٣/ ٤٩٥) والحاكم (٢/ ٤٣٧) وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه أيضًا البخاري في الأدب المفرد (٣٢٦) وذكره معلقًا في الصحيح (١/ ٢٧) وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ١٧٤) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٤٠٤) رواه أحمد بإسناد حسن.\r(¬٢) يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي المعروف بابن المبرد الشيخ العالم المصنف المحدث، له مؤلفات كثيرة منها: الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد، توفي سنة ٩٠٩ هـ.\rالضوء اللامع (١٠/ ٣٠٨) وشذرات الذهب (٨/ ٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204230,"book_id":111,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":77,"body":"الحديث ورحل فيه\" (¬١).\rفقد رحل مع والده من بلدة بغداد إلى دمشق وسمع مع أبيه عن جماعة من أكابر العلماء فيها قال ابن عبد الهادي: \"قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير، سنة أربع وأربعين وسبعمائة وفيها ابن النقيب قال لي: قد أجزتك وولدك عبد الرحمن\" (¬٢).\rوقال ابن حجر: قدم دمشق مع والده فسمع معه من محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الخباز، وإبراهيم بن داود العطار وغيرهما (¬٣).\rوقد صرح ابن رجب رحمه الله تعالى بسماعه من بعض العلماء في دمشق فقال: وقرأت سنن ابن ماجه بدمشق على الشيخ جمال الدين يوسف بن عبد الله بن محمد النابلسي (¬٤).\rثم رحل مع والده إلى مصر وسمع فيها على أكابر علمائها.\rقال الحافظ ابن حجر: \"وسمع بمصر من الميدومي وبالقاهرة من ابن الملوك\" (¬٥).\rوقال ابن العماد: وسمع بمصر من صدر الدين أبي الفتح الميدومي ومن جماعة من أصحاب ابن البخاري ومن خلق من رواة الآثار (¬٦).\rورحل إلى نابلس وسمع بها من جماعة الحافظ عبد الحافظ بن","footnotes":"(¬١) الجوهر المنضد (٤٨).\r(¬٢) المصدر السابق (ص ٤٨).\r(¬٣) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤١).\r(¬٥) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩).\r(¬٦) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204231,"book_id":111,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":78,"body":"بدران (¬١) حيث قال في ترجمته: حدثنا عنه جماعة من أصحابه بدمشق ونابلس (¬٢).\rورحل إلى القدس وسمع بها من أبي سعيد العلائي وقد أشار إلى رحلته هذه بقوله: وسمعت شيخنا الحافظ أبي سعيد العلائي ببيت المقدس (¬٣).\rثم عاد بعد ذلك مع والده إلى بغداد مسقط رأسه وذلك سنة ٤٤٨ هـ وقد أشار إلى عودته إلى بغداد في ترجمة سليمان بن عبد الرحمن النهرماري حيث قال: وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وصلى عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرت الصلاة عليه، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب (¬٤).\rوفي بغداد قرأ على الشيخ أبي المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني وفي ذلك يقول: أخبرنا أبو المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني الزاهد بقراءتي عليه ببغداد سنة تسع وأربعين وسبعمائة (¬٥).\rثم رافق والده إلى مكة للحج سنة تسع وأربعين وسبعمائة وسمع فيها ثلاثيات البخاري من الشيخ أبي حفص عمر بن علي بن الخليل","footnotes":"(¬١) هو أبو محمد العماد عبد الحافظ بن بدران بن شبل المقدسي النابلسي إمام فقيه عابد، وكان مواظبًا على التلاوة، من تلاميذه الحافظ الذهبي، توفي سنة ٦٩٨ هـ. المعين في طبقات المحدثين للذهبي (٢٢٣) والعبر للذهبي (٣/ ٣٩٢) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤١) وشذرات الذهب (٥/ ٤٤٢).\r(¬٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤١).\r(¬٣) المصدر السابق (٢/ ٣٦٥).\r(¬٤) المصدر السابق (٢/ ٤٤١).\r(¬٥) المصدر السابق (١/ ٢٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204232,"book_id":111,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":79,"body":"البغدادي، وقد ذكر هذا أثناء ترجمته له فقال: وقدم في آخر عمره إلى بغداد، فأقام بها يسيرًا ثم توجه إلى الحج سنة تسع وأربعين وحججت أنا تلك السنة أيضًا مع والدي، فقرأت على شيخنا أبي حفص عمر ثلاثيات البخاري بالحلة اليزيدية (¬١).\rوسمع كذلك بمكة من الفخر عثمان بن يوسف وغيره، قال النعيمي: وسمع بنفسه بمكة المشرفة على الفخر عثمان بن يوسف، واشتغل بسماع الحديث باعتناء والده (¬٢).\rثم عاد بعد ذلك إلى دمشق ولازم شيخه ابن القيم رحمه الله تعالى ملازمة أفادته كثيرًا حتى مات سنة ٧٥١ هـ، وفي ذلك يقول: ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة وأشياء من تصانيفه وغيرها (¬٣).\rوفي سنة ٧٦٣ هـ سافر للحج مرة أخرى والتقى بالمشاهير من العلماء هناك وقد أشار إلى رحلته هذه أثناء ترجمته للشيخ محمد بن أحمد السقا حيث قال: وقد جمعت بينه وبين قاضي قضاة مصر الموفق وابن جماعة بمنى عام ثلاث وستين وسبعمائة (¬٤).\rثم عاد إلى دمشق حيث كانت هي مسكنه ومستقره في أثناء ذلك منها يرتحل وإليها يعود.\rوقد اهتم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بالتلقي عن أهل","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٤).\r(¬٢) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦).\r(¬٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٨).\r(¬٤) المصدر السابق (٢/ ٤٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204233,"book_id":111,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":80,"body":"الحديث، والسماع من كثير من رواة الآثار، وقد رافق في السماع الإمام المحدث زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (¬١)، قال الحافظ ابن حجر: ورافق شيخنا زين الدين العراقي في السماع كثيرًا (¬٢).\rوظل ابن رجب يخرج الطلبة النجباء والعلماء الأكفاء حتى تخرج به غالب فقهاء الحنابلة بدمشق قال ابن العماد: وتخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق (¬٣).\rفهو رحمه الله تعالى استوطن بدمشق عاصمة العلم ومهد الحضارة آنذاك وكرس جهده حتى برع ونبغ، وكان إمامًا في فنون كثيرة قال عنه ابن حجر: أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق (¬٤).","footnotes":"(¬١) الإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن زين الدين العراقي كان عالمًا محدثًا فقيهًا، له عدة مصنفات منها: تخريج أحاديث الإحياء، وألفية في علوم الحديث، توفي سنة ٨٠٦ هـ.\rالضوء اللامع (٤/ ١٧١) وحسن المحاضرة (١/ ٢٠٤) وشذرات الذهب (٧/ ٥٥).\r(¬٢) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨).\r(¬٣) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).\r(¬٤) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204234,"book_id":111,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":81,"body":"المبحث الثالث شيوخه\rإن مما تدرك به مكانة الرجل، وتعرف به منزلته هو معرفة شيوخه وأساتذته الذين تلقى عنهم، وتأثر بهم، فإن للشيخ في نفس التلميذ من الأثر ما ليس لأحد غيره من الناس حتى والده.\rوإن لقوة شخصية الأستاذ وقدرته العلمية لأكبر الأثر في بناء التلميذ ونضوج عقليته.\rونحن إذا عرفنا أساتذة الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وشيوخه عرفنا أنه تلقى علومه جميعًا على أيدي كبار العلماء والأئمة في عصره.\rولقد كان لاشتغال ابن رجب رحمه الله تعالى في طلب العلم في سن مبكرة من عمره ورحلاته المتعددة إلى كثير من البلاد والأقطار التي أتاحت له الالتقاء بكثير من العلماء والأخذ عنهم أثرًا في كثرة أساتذته وشيوخه.\rولقد حاولت في هذه الدراسة استقاء جميع شيوخ ابن رجب ﵀ الذين أخذ منهم وذلك بتتبع كتب التراجم التي تناولت عصر ابن رجب أو شخصيته بالإضافة إلى كتب ابن رجب التي يشير فيها إلى بعض أساتذته وشيوخه مثل كتاب الذيل على طبقات الحنابلة.\rوهذا التتبع والاستقراء الذي استطعت فيه أن أحصر هذا العدد من شيوخ ابن رجب لم أسبق إليه فيما أعلم حسب علمي واطلاعي على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204235,"book_id":111,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":82,"body":"الكتب التي ترجمت لابن رجب أو تناولته بالبحث والدراسة.\rوسأذكر أسماء شيوخ وأساتذة ابن رجب رحمه الله تعالى الذين صار لهم الأثر في تكوينه الفكري ونضوجه العلمي مرتبة على حروف المعجم، ثم أترجم للمشاهير منهم بشيء من التفصيل: وهم على ما يلي:\r١ - أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة الفقيه النحوي، شيخ الحنابلة المشهور بابن قاضي الجبل المتوفى سنة ٧٧١ هـ (¬١).\r٢ - والده شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (¬٢).\r٣ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الحريري المقدسي المرداوي الصالحي، المتوفى سنة ٧٥٨ هـ (¬٣).\r٤ - شهاب الدين أحمد بن عبد الكريم البعلي المتوفى سنة ٧٧٧ هـ (¬٤).\r٥ - أبو العباس أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٥٣) والمقصد الأرشد (١/ ٩٣) والدرر الكامنة (١/ ١٢٩) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٤٤) وشذرات الذهب (٦/ ٢١٩).\r(¬٢) إنباء الغمر (١/ ٤٢) والرد الوافر (ص ٧٩) وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٥٣) وشذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).\r(¬٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٦) والمقصد الأرشد (١/ ١٢٩) والمنهج الأحمد ورقة (٤٥٣) وذيل العبر للحسيني (ص ١٧٥) والدرر الكامنة (١/ ١٨١) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤١٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٥).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٥) والدرر الكامنة (١/ ١٨٨) والمنهج الأحمد ورقة (٤٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204236,"book_id":111,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":83,"body":"الهادي المقدسي الصالحي المتوفى سنة ٧٥٢ هـ (¬١).\r٦ - علاء الدين أحمد بن عبد المؤمن النووي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ (¬٢).\r٧ - أحمد بن علي بن عبد القاهر بن الغوطي، سمع منه ببغداد (¬٣).\r٨ - جمال الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمد البابصري البغدادي الفقيه الفرضي الأديب، توفي سنة ٧٥٠ هـ (¬٤).\r٩ - كمال الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد المهدي المصري الشافعي المتوفى سنة ٧٥٧ هـ (¬٥).\r١٠ - أبو العباس أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (¬٦).\r١١ - شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر بن حسين الشيرازي الدمشقي المعروف بـ\"زغنش\" بزاء معجمة مضمومة ثم غين ساكنة ثم نون مضمومة ثم شين، توفي سنة ٧٧١ هـ (¬٧).","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٩) والمنهج الأحمد ورقة (٤٥٢) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤١٩).\r(¬٢) لحظ الألحاظ (ص ١١٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٥٨).\r(¬٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٦٥).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٥) والمقصد الأرشد (١/ ١٤٧) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٦).\r(¬٥) النجوم الزاهرة (١٠/ ٣٢٤) وحسن المحاضرة (١/ ٢٣٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٢).\r(¬٦) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٣٠١) والمنهج الأحمد ورقة (٤٥٧).\r(¬٧) الدارس (٢/ ١٢٥) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤١٩) والمقصد الأرشد (١/ ١٨١) وشذرات الذهب (٦/ ٢٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204237,"book_id":111,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":84,"body":"١٢ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي الزهر بن عطية الصالحي الغسولي الهكاري الحنبلي، المتوفى سنة ٧٦٠ هـ (¬١).\r١٣ - بشر بن إبراهيم بن محمود بن بشر البعلي الحنبلي الشيخ الصالح المتوفى سنة ٧٦١ هـ سمع منه بالشام (¬٢).\r١٤ - صفي الدين أبو عبد الله الحسين بن بدران البابصري البغدادي، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ سمع منه ببغداد (¬٣).\r١٥ - أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الشافعي المتوفى سنة ٧٦١ هـ سمعه في القدس (¬٤).\r١٦ - عز الدين أبو علي حمزة بن موسى بن أحمد الإمام الحنبلي المعروف بابن شيخ السلامية المتوفى سنة ٧٦٩ هـ (¬٥).\r١٧ - جمال الدين أبو سليمان داود بن إبراهيم بن داود بن يوسف بن سليمان العطار الدمشقي، توفي سنة ٧٥٢ هـ (¬٦).","footnotes":"(¬١) الذيل على العبر للحسيني (١٨٣) والمقصد الأرشد (١/ ١٧٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٨).\r(¬٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٠) والدرر الكامنة (٢/ ١٢) وشذرات الذهب (٦/ ١٩٠).\r(¬٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٣) والمقصد الأرشد (١/ ٣٤٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٢).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٥) ودرة الحجال في أسماء الرجال (١/ ٢٥٨) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٠٤) وشذرات الذهب (٦/ ١٩٠).\r(¬٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٣) والدرر الكامنة (٢/ ١٦٥) وشذرات الذهب (٦/ ٢١٤).\r(¬٦) الدرر الكامنة (٢/ ١٨٥) والدارس في تاريخ المدارس (١/ ٤٣٥) وذيل العبر للحسيني (ص ١٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204238,"book_id":111,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":85,"body":"١٨ - زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية المعروفة ببنت الكمال، توفيت سنة ٧٤٠ هـ سمع منها إجازة، وهو في بغداد (¬١).\r١٩ - نجم الدين أبو المحاسن سليمان بن عبد الرحمن الشيباني النهرماري البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٤٨ هـ (¬٢).\r٢٠ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب بن سعد أخو شمس الدين ابن قيم الجوزية، توفي سنة ٧٦٩ هـ (¬٣).\r٢١ - جده أبي أحمد عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي الملقب رجب، توفي سنة ٧٤٢ هـ (¬٤)، سمع منه إجازة.\r٢٢ - شرف الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد الزريراتي البغدادي الحنبلي، توفي سنة ٧٤١ هـ سمع منه ببغداد إجازة (¬٥).\r٢٣ - عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الشافعي، توفي سنة ٧٦٧ هـ لقيه في مصر ومكة (¬٦).","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٥٣، ١٥٥) والدرر الكامنة (٢/ ٢٠٩) ودرة الحجال في معرفة الرجال (١/ ٢٧٨).\r(¬٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤١) والدرر الكامنة (٢/ ٢٤٨) والمقصد الأرشد (١/ ٤٢٤).\r(¬٣) الدرر الكامنة (٢/ ٤٣٤) وشذرات الذهب (٦/ ٢١٦) والمقصد الأرشد (٢/ ٨٣).\r(¬٤) الدرر الكامنة (٢/ ١٠٧).\r(¬٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٥) والدرر الكامنة (٢/ ٤٦٦).\r(¬٦) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٨٥) والعقد الثمين (٥/ ٤٥٧) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٢٣) وحسن المحاضرة (١/ ٣٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204239,"book_id":111,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":86,"body":"٢٤ - تاج الدين عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه بن عبد الله الواسطي، الدمشقي المقرئ، توفي سنة ٧٤١ هـ، سمع منه ببغداد إجازة (¬١).\r٢٥ - عبد الله بن إسماعيل الأنصاري أبو محمد (¬٢).\r٢٦ - تقي الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر بن فهد الصالحي الدمشقي الحنبلي المعروف بابن قيم الضيائية، توفي سنة ٧٦١ هـ، سمع منه بدمشق (¬٣).\r٢٧ - عفيف الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الخزرجي العبادي المدني المعروف بابن المطري المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (¬٤).\r٢٨ - صفي الدين أبو الفضائل عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله القطيعي البغدادي، توفي سنة ٧٣٩ هـ سمع منه إجازة في بغداد (¬٥).\r٢٩ - فخر الدين عثمان بن يوسف بن أبي بكر النويري المالكي المتوفى سنة ٧٥٧ هـ، سمعه بمكة (¬٦).","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٤) والدرر الكامنة (٢/ ٣٧٦).\r(¬٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٦١).\r(¬٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٢١) والدرر الكامنة (٢/ ٣٨٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٩١).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٧٠) وطبقات الحفاظ للسيوطى (ص ٥٣٤) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٠٣) والوفيات لابن رافع (٢/ ٢٨٢).\r(¬٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٢٨، ٤٣٠) والدرر الكامنة (٣/ ٣٢) وذيل تذكرة الحفاظ (٢١).\r(¬٦) الدرر الكامنة (٣/ ٦٧) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦) والوفيات لابن رافع (٢/ ١٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204240,"book_id":111,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":87,"body":"٣٠ - محب الدين أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الحسن الحنبلي البغدادي، توفي سنة ٧٤٢ هـ سمع منه في بغداد إجازة (¬١).\r٣١ - نجيب الدين علي بن محمد الرفاعي، روى عنه بالإجازة (¬٢).\r٣٢ - علاء الدين أبو الحسن علي بن زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي المعروف بابن المنجا، توفي سنة ٧٥٠ هـ سمعه بدمشق (¬٣).\r٣٣ - أبو حفص عمر بن حسن بن مزيد بن أميلة المراغي الحلبي المزي الدمشقي توفي سنة ٧٧٨ هـ، سمعه في دمشق (¬٤).\r٣٤ - سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن عمر القزويني البغدادي، توفي سنة ٧٥٠ هـ (¬٥).\r٣٥ - سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى بن الخليل الأزجي البغدادي توفي سنة ٧٤٩ هـ سمعه بدمشق (¬٦).","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٢١، ٢٩٣) والدرر الكامنة (٣/ ١٣٢) والذيل على العبر للحسيني (١٢٧).\r(¬٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٨٥).\r(¬٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧) وذيل العبر للحسيني (١٥٥) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤٩٧).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٩٨) والدرر الكامنة (٣/ ٢٣٥) وشذرات الذهب (٦/ ٢٥٨).\r(¬٥) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٦٧) والدرر الكامنة (٣/ ٢٥٦).\r(¬٦) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٤) والدرر الكامنة (٣/ ٢٥٦) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204241,"book_id":111,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":88,"body":"٣٦ - علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي، مؤرخ الشام المتوفى سنة ٧٣٩ هـ سمع منه إجازة بدمشق (¬١).\r٣٧ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الصالحي الحنبلي المعروف بالحفة، وقد يقال الحفيفة، توفي سنة ٧٥٩ هـ (¬٢).\r٣٨ - عز الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ (¬٣).\r٣٩ - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن نجدة بن حمدان الدمشقي شمس الدين ابن النقيب الشافعي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (¬٤).\r٤٠ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ (¬٥).\r٤١ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن تمام بن حسان التلي ثم","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ١٨٤) والدارس في تاريخ المدارس (١/ ١١٢) والنجوم الزاهرة (٩/ ٣١٩).\r(¬٢) الدرر الكامنة (٣/ ٣٨٠) والوفيات لابن رافع (٢/ ٢٠٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٧).\r(¬٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤١) والبداية والنهاية (١٤/ ١٩٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٥٧).\r(¬٤) الدرر الكامنة (٤/ ١٩) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ٤٤) والمختصر في أخبار البشر (٤/ ١٤٣).\r(¬٥) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧) والبداية والنهاية (١٤/ ٢٣٤) والنجوم الزاهرة (١٠/ ٢٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204242,"book_id":111,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":89,"body":"الصالحي، توفي سنة ٧٤١ هـ سمع منه إجازة بدمشق (¬١).\r٤٢ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن بن عبد الله الصالحي المقدسي الحنبلي، توفي سنة ٧٥٩ هـ (¬٢).\r٤٣ - تاج الدين محمد بن أحمد بن رمضان بن عبد الله الحريري ثم الدمشقي الحنبلي، توفي سنة ٧٥٨ هـ (¬٣).\r٤٤ - نجم الدين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن بركات بن سعد الدمشقي العبادي المعروف بابن الجباز، توفي سنة ٧٥٦ هـ (¬٤).\r٤٥ - ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر العادل الأيوبي المعروف بابن الملوك، توفي سنة ٧٥٦ هـ (¬٥).\r٤٦ - أبو المعالي محمد بن عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الشيباني، سمعه ببغداد (¬٦).","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٣) والمقصد الأرشد (٢/ ٣٥٩) ولحظ الألحاظ (١١١) والوافي بالوفيات (٢/ ١٥٤) وفوات الوفيات (٢/ ٣٧٠) والمختصر في أخبار البشر (٤/ ١٣٣).\r(¬٢) القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية (٢/ ٤٢٨) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ١٢٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٧).\r(¬٣) القلائد الجوهرية (٢/ ٤٢٨) والدرر الكامنة (٣/ ٤٠٥) والمقصد الأرشد (٢/ ٣٦١) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٦).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١٩٦، ٢٤٧) والدرر الكامنة (٤/ ٤) والوفيات (٢/ ١٨٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٨١).\r(¬٥) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤١) والدرر الكامنة (٤/ ٧) وذيل العبر للحسيني (١٧٠).\r(¬٦) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٨٩، ٣٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204243,"book_id":111,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":90,"body":"٤٧ - محمد بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الحسن الحنبلي سمع منه ببغداد سنة ٧٤١ هـ إجازة (¬١).\r٤٨ - محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب الدمشقي الأسدي، توفي سنة ٧٨٢ هـ (¬٢).\r٤٩ - صدر الدين أبو القاسم محمد بن علي بن أبي الفتح بن أسعد بن المنجا الحنبلي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (¬٣).\r٥٠ - صدر الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم الميدومي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (¬٤).\r٥١ - بدر الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الغني بن عبد الله بن أبي نصر الدمشقي المعروف بابن البطائني، توفي سنة ٧٥٦ هـ (¬٥).\r٥٢ - محمد بن محمد بن الكوفي الهاشمي الواعظ، روى عنه بالإجازة (¬٦).\r٥٣ - فتح الدين أبو الحرم محمد بن محمد بن محمد القلانسي","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٧٦).\r(¬٢) إنباء الغمر (٢/ ٣٧) والدرر الكامنة (٤/ ٢٢٨) والنجوم الزاهرة (١١/ ٢٠٦).\r(¬٣) الدرر الكامنة (٤/ ١٧٦) والوفيات (٢/ ١٥٨) والمقصد الأرشد (٢/ ٤٧٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٧٦).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١١٨) والدرر الكامنة (٤/ ٢٧٤) ولحظ الألحاظ (ص ١٨٠).\r(¬٥) الدرر الكامنة (٤/ ٣٠٦) والقلائد الجوهرية (٢/ ٥٧٠) وشذرات الذهب (٦/ ١٨١).\r(¬٦) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204244,"book_id":111,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":91,"body":"الحنبلي، توفي سنة ٧٦٥ هـ (¬١).\r٥٤ - شمس الدين أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن المَنْبِجِي الدمشقي توفي سنة ٧٦٧ هـ (¬٢).\r٥٥ - ابن النباش: لم يذكر له ابن رجب لا اسمًا ولا تاريخ مولد ولا تاريخ وفاة مع أنه أقر بأنه قرأ عليه مختصر الخرقي من حفظه، وسمع عليه أجزاء كثيرة من مصنفاته وصحبه إلى الممات (¬٣).\r٥٦ - شمس الدين أبو المحاسن يوسف بن يحيى بن عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلي الصالحي، توفي سنة ٧٥١ هـ سمعه بدمشق (¬٤).\r٥٧ - جمال الدين يوسف بن عبد الله بن العفيف المقدسي النابلسي، توفي سنة ٧٥٤ هـ سمعه بدمشق (¬٥).\rوفيما يلي ترجمة لأشهر شيوخ ابن رجب رحمه الله تعالى وهم:\r١ - ابن القيم:\rهو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي الحنبلي الإمام الحافظ المفسر المحدث الأصولي الفقيه النحوي المشهور بابن قيم الجوزية، ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.","footnotes":"(¬١) الدرر الكامنة (٤/ ٣٥٣) ولحظ الألحاظ (ص ١٤٧) وشذرات الذهب (٦/ ٢٠٦).\r(¬٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٦) والدرر الكامنة (٥/ ٩١) والنجوم الزاهرة (١١/ ٩٢) والوفيات (٢/ ٣١٠).\r(¬٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٢) والمنهج الأحمد ورقة (٤٤٣).\r(¬٤) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٦٨) والدرر الكامنة (٥/ ٢٥٦) والبداية والنهاية (١٤/ ٢٣٥).\r(¬٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤١) والدرر الكامنة (٥/ ٢٣٩) والمقصد الأرشد (٣/ ١٤١) والشذرات (٦/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204245,"book_id":111,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":92,"body":"وأسرته أسرة علم وفضل، سمع من أبيه وغيره ومن شيخ الإسلام ابن تيمية بل لازمه وأخذ عنه وأعجب به كثيرًا (¬١).\rوقد برع رحمه الله تعالى في جميع العلوم يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: تفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين وإليه فيهما المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك وكان عالمًا بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى (¬٢).\rله مؤلفات كثيرة جدًا، وكلها مفيدة ونفيسة منها: \"زاد المعاد في هدي خير العباد\"، \"وأعلام الموقعين عن رب العالمين\"، \"والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\"، وكلها مطبوعة ما عدا الأخير منها فالمطبوع جزء منه، توفي ﵀ سنة ٧٥١ هـ وله من العمر ستون سنة.\rقال ابن كثير ﵀: \"وفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبنا الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي إمام الجوزية وابن قيمها وصلي عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الأموي، ودفن عند والدته بمقابر الباب الصغير ﵀. إلى أن قال: وكانت جنازته حافلة ﵀، شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧) وذيل العبر للحسيني (١٥٥) والنجوم الزاهرة (١٠/ ٢٤٩) والدرر الكامنة (٣/ ٤٠٠) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٨).\r(¬٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٨).\r(¬٣) البداية والنهاية (١٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204246,"book_id":111,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":93,"body":"٢ - ابن الخباز:\rمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن بركات الدمشقي الأنصاري العبادي، المعروف بابن الخباز.\rولد في شهر رجب سنة ٦٦٧ هـ (¬١).\rرحل به والده فسمع من أحمد بن عبد الدائم (¬٢) وعبد الرحمن بن نجم الحنبلي (¬٣) وغيرهم، وقد سمع منه الأئمة والحفاظ ومنهم الذهبي والمزي وابن كثير والبرزالي والعراقي وغيرهم.\rوقد خرج البرزالي له مشيخة، وذكر له أكثر من مائة وخمسين شيخًا (¬٤).\rقال العراقي عنه: \"كان مسند الآفاق في زمانه، وتفرد برواية مسلم بالسماع المتصل، وكان صدوقًا مأمونًا محبًا للحديث وأهله\" (¬٥). توفي ﵀ في ثالث شهر رمضان سنة ٧٥٦ هـ (¬٦).","footnotes":"(¬١) الدرر الكامنة (٤/ ٤) ومعجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ١٧١).\r(¬٢) أحمد بن عبد الدائم بن نعمة زين الدين أبو العباس المقدسي الحنبلي، قال الذهبي: \"كان فيه دين وتواضع ونباهة، انتهى إليه علو الإسناد\"، توفي سنة ٦٦٨ هـ.\rالعبر للذهبي (٣/ ٣١٧) والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٢٣٠) وشذرات الذهب (٥/ ٣٢٥).\r(¬٣) أبو الفرج عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الشيرازي الأنصاري الحنبلي الفقيه الواعظ، قال ابن رجب: \"انتهت إليه رئاسة المذهب بعد وفاة الشيخ موفق الدين\"، توفي سنة ٦٣٤ هـ.\rالعبر للذهبي (٣/ ٢١٩) والذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٨٢) وشذرات الذهب (٥/ ١٦٤).\r(¬٤) ذيل العبر للحسيني (١٦٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٨١).\r(¬٥) الدرر الكامنة (٤/ ٤) وطرح التثريب للعراقي (١/ ٩٩).\r(¬٦) الوفيات لابن رافع (٢/ ١٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204247,"book_id":111,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":94,"body":"٣ - أبو سعيد العلائي:\rهو صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي الشافعي الإمام العلامة الفقيه المحدث الأصولي ولد بدمشق سنة أربع وتسعين وستمائة (¬١). وسمع الكثير ورحل في طلب العلم، قال الحسيني (¬٢): \"حدث عن القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي، وطبقته فأكثر، وكان إمامًا في الفقه والنحو، والأصول، متفننًا في علوم الحديث ومعرفة الرجال، علامة في معرفة المتون والأسانيد، فمصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن\" (¬٣).\rله تصانيف كثيرة مفيدة منها: كتاب القواعد المشهورة، وتنقيح الفهوم في صيغ العموم، والمراسيل، وغيرها (¬٤).\rتوفي ﵀ في ليلة الاثنين، الثالث من شهر المحرم سنة ٧٦١ هـ (¬٥).","footnotes":"(¬١) ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني (٤٣) وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (٣٦٠).\r(¬٢) أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسين بن حمزة الحسيني، فقيه، محدث حافظ إمام مؤرخ، له عدة مصنفات منها: ذيل على العبر للذهبي، وذيل تذكرة الحفاظ، توفي سنة ٧٦٥ هـ.\r(¬٣) ذيل العبر للحسيني (١٨٦).\rالدر الكامنة (٤/ ٦١) والبدر الطالع (٢/ ٢٠٩).\r(¬٤) طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٦٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٩٠).\r(¬٥) البداية والنهاية (١٤/ ٢٢٩) والوفيات لابن رافع (٢/ ٢٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204248,"book_id":111,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":95,"body":"المبحث الرابع تدريسه\rلم يقتصر ابن رجب رحمه الله تعالى على التعلم وحده دون نشره وتعليم الناس له بل حرص على تدريس الناس وتوعيتهم بأمور دينهم، وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.\rفهو رحمه الله تعالى بعد رحلاته العلمية استقر بدمشق يدرس بمدارسها ويعقد المواعيد الوعظية، والحلقات العلمية وينهض بمسؤوليته نحو الدين والعلم والمجتمع.\rفقد كان له حلقات من الدروس يجتمع فيها حوله عدد غفير من الطلاب يرتشفون من علومه ويسألونه ويناقشونه ويستمعون إلى محاضراته ويسمع لهم قراءاتهم عليه ليجيزهم أو يدقق عليهم.\rفقد ولي ابن رجب رحمه الله تعالى حلقة الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل (¬١) سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، ودرس بالمدرسة الحنبلية بعد وفاة ابن التقي (¬٢) سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، قال العليمي: \"درس","footnotes":"(¬١) تقدمت ترجمته (ص ٨٨).\r(¬٢) شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود بن أحمد المرداوي الحنبلي المعروف بابن التقي، اشتغل بالعلم وتميز فيه، ودرس وأفتى، وكان عالمًا زاهدًا تقيًا ورعًا، توفي سنة ٧٨٨ هـ.\rالجوهر المنضد (١٤١) وشذرات الذهب (٦/ ٣٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204249,"book_id":111,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":96,"body":"بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية\" (¬١).\rوقال ابن عبد الهادي: \"ولي حلقة الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل في رجب إحدى وسبعين، ودرس بالحنبلية بعد وفاة ابن التقي، ثم أخذ منه\" (¬٢).\rكما أن الشيخ عز الدين ابن شيخ السلامية وقف درسًا وعين له الحافظ ابن رجب، قال النعيمي في معرض كلامه عن ابن شيخ السلامية: \"ووقف درسًا بتربته بالصالحية وكتبًا، عين لذلك الشيخ زين الدين بن رجب رحمه الله تعالى\" (¬٣).\rومعنى هذا أنه اشتغل بالتدريس وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وقد تتلمذ على يديه خلق كثير من الحنابلة في وقته.\rقال ابن حجي: \"وتخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق\" (¬٤).\rوكان ﵀ واعظًا بليغًا مفوهًا، فكانت مواعظه مؤثرة في النفوس موقظة للقلوب، قال ابن ناصر الدين: كانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة (¬٥).\rوهو يقتدي في مسلكه الوعظي بأسلوب الإمام ابن الجوزي الذي كانت مواعظه تضم إلى جانب الآيات والأحاديث الأشعار الرقيقة التي تقع من النفس أحسن موقع ويخلطها بعبارات مسجوعة، فتكون مواعظه محببة","footnotes":"(¬١) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١).\r(¬٢) الجوهر المنضد (ص ٤٩).\r(¬٣) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦).\r(¬٤) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).\r(¬٥) التبيان لبديعة البيان (ص ١٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204250,"book_id":111,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":97,"body":"للنفوس لا يمل من تكرارها ولا يسأم من تردادها، فلو قارنا بين أسلوبه وأسلوب ابن رجب لوجدنا بينهما توافقًا. كما كانت له معرفة بمواعظ السلف وأخبارهم، قال ابن قاضي شهبة: \"وكان يحفظ كثيرًا من كلام السلف\" (¬١).","footnotes":"(¬١) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (١٤٠/ أ).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204251,"book_id":111,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":98,"body":"المبحث الخامس تلاميذه\rارتفعت منزلة الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في البلاد الشامية وأصبح من علمائها البارزين، ونال بذلك شهرة واسعة، وذاع صيته بين الأنام فصار محط أنظار طلبة العلم يرحلون إليه، ويأخذون منه، ويسمعون عليه، ويحضرون دروسه ومجالس وعظه.\rوقد توافد عليه الطلبة من كل حدب وصوب، وقد استطعت بتوفيق من الله أن أتوصل إلى عدد من أسماء تلاميذه لم تذكر أكثرهم مصادر ترجمته ولا الدراسات السابقة لابن رجب، وقد رتبتهم على حروف المعجم وأشرت إلى المصادر التي ذكرت سماع هؤلاء الطلبة عليه أو تخرجهم به وهم:\r١ - أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي الحموي الحلبي الحنبلي المعروف بابن الرسام، توفي سنة ٨٤٤ هـ (¬١).\r٢ - محب الدين أبو الفضل أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي المعروف بابن نصر الله، توفي سنة ٨٤٤ هـ (¬٢).\r٣ - داود بن سليمان بن عبد الله الموصلي، ثم الدمشقي الحنبلي","footnotes":"(¬١) الضوء اللامع (١/ ٢٤٩) ومعجم الشيوخ لابن فهد (٥٤) وشذرات الذهب (٧/ ٢٥٢).\r(¬٢) القلائد الجوهرية (٢/ ٥٠٥) والضوء اللامع (٢/ ٢٣٣) والمقصد الأرشد (١/ ٢٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204252,"book_id":111,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":99,"body":"المتوفى سنة ٨٤٤ هـ (¬١).\r٤ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن محمد المقرئ الشهير بابن عياش، توفي سنة ٨٥٣ هـ (¬٢).\r٥ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الصالحي الدمشقي الحنبلي المعروف بأبي شعر، توفي سنة ٨٤٤ هـ (¬٣).\r٦ - زين الدين أبو ذر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد المصري الحنبلي المعروف بالزركشي، توفي سنة ٨٤٦ هـ (¬٤).\r٧ - تاج الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن صديق الطرابلسي ثم القاهري الشهير بابن الطرابلسي، المتوفى سنة ٨٤١ هـ (¬٥).\r٨ - علاء الدين علي بن محمد بن عباس البعلي ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن اللحام، توفي ٨٠٣ هـ (¬٦).\r٩ - علاء الدين علي بن محمد بن علي العلاء الطرسوسي المزي (¬٧).","footnotes":"(¬١) الضوء اللامع (٣/ ٢١٢) والجوهر المنضد (ص ٣٩) ومعجم الشيوخ لابن فهد (٣٥٦).\r(¬٢) الضوء اللامع (٤/ ٥٩) وشذرات الذهب (٧/ ٢٧) ومعجم الشيوخ لابن فهد (١٢٢).\r(¬٣) الجوهر المنضد (ص ٥٩) والضوء اللامع (٤/ ٨٢) وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٦٦) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤٣٣).\r(¬٤) الضوء اللامع (٤/ ١٣٦) وشذرات الذهب (٧/ ٢٥٦).\r(¬٥) معجم الشيوخ لابن فهد (١٣٨) والضوء اللامع (٤/ ١٨٣) وشذرات الذهب (٧/ ٢٤٠).\r(¬٦) الجوهر المنضد (ص ٨١) والضوء اللامع (٥/ ٣٢٠) وإنباء الغمر (٤/ ٣٠١) وشذرات الذهب (٧/ ٣١).\r(¬٧) الضوء اللامع (٥/ ٣٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204253,"book_id":111,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":100,"body":"١٠ - القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن أبي بكر الحنبلي المعروف بابن المغلي، توفي سنة ٨٢٨ هـ (¬١).\r١١ - سراج الدين أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري، المعروف بابن الملقن توفي سنة ٨٠٤ هـ (¬٢).\r١٢ - أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد السراج الشافعي الدمشقي المعروف بابن المزلق بضم الميم وفتح الزاي وكسر اللام المشددة، توفي سنة ٨٤١ هـ (¬٣).\r١٣ - سراج الدين عمر بن موسى بن الحسن بن عيسى بن محمد القرشي المخزومي الحمصي الشافعي، توفي سنة ٨٦١ هـ (¬٤).\r١٤ - فاطمة ابنة المحدث محمد بن علي بن محمد البكري، توفيت سنة ٨٥١ هـ (¬٥).\r١٥ - شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٨٥٥ هـ (¬٦).\r١٦ - شمس الدين أبو المعالي محمد بن أحمد بن معالي الحبتي الحنبلي المتوفى سنة ٨٢٥ هـ (¬٧).","footnotes":"(¬١) إنباء الغمر (٨/ ٨٦) والضوء اللامع (٦/ ٣٤) وشذرات الذهب (٧/ ١٨٥).\r(¬٢) إنباء الغمر (٥/ ٤١) والضوء اللامع (٦/ ١٠٠) وشذرات الذهب (٧/ ٤٤).\r(¬٣) الضوء اللامع (٦/ ١٢٠) ومعجم الشيوخ لابن فهد (١٩١).\r(¬٤) معجم الشيوخ لابن فهد (١٩٤) والضوء اللامع (٦/ ١٣٩).\r(¬٥) الضوء اللامع (١٢/ ١٢٨).\r(¬٦) الضوء اللامع (٦/ ٣٠٩) ومعجم الشيوخ لابن فهد (٢٠٤) وشذرات الذهب (٧/ ٢٨٦).\r(¬٧) إنباء الغمر (٧/ ٤٨٠) والضوء اللامع (٧/ ١٠٧) وشذرات الذهب (٧/ ١٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204254,"book_id":111,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":101,"body":"١٧ - عز الدين محمد بن بهاء الدين علي بن عز الدين عبد الرحمن بن محمد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٨٢٠ هـ (¬١).\r١٨ - محمد بن خالد بن موسى الحمصي القاضي شمس الدين المعروف بابن زهرة توفي سنة ٨٣٠ هـ (¬٢).\r١٩ - محمد بن خليل بن محمد بن طوغان أبو عبد الله شمس الدين الدمشقي الحريري الحنبلي المعروف بابن المنصفي، توفي سنة ٨٠٣ هـ (¬٣).\r٢٠ - محمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المقدسي الصالحي الخطيب، توفي سنة ٨٢٠ هـ (¬٤).\r٢١ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبادة السعدي الأنصاري الحنبلي، توفي سنة ٨٢٠ هـ (¬٥).\r٢٢ - أبو بكر بن علي بن عمر بن عبد الخالق التلعفري بفتح التاء وتشديد اللام وإسكان العين وفتح الفاء، الدمشقي (¬٦).\rوبعد أن ذكرت أسماء من حصلت عليهم من تلاميذ ابن رجب أذكر هنا تراجم لثلاثة من المشاهير منهم وهم:","footnotes":"(¬١) إنباء الغمر (٧/ ٢٩٠) وشذرات الذهب (٧/ ١٤٧).\r(¬٢) إنباء الغمر (٨/ ١٣٤) وشذرات الذهب (٧/ ١٩٥).\r(¬٣) الجوهر المنضد (ص ١٦٤) وإنباء الغمر (٤/ ٣٢٣) وشذرات الذهب (٧/ ٣٥).\r(¬٤) الجوهر المنضد (ص ١١٤) والضوء اللامع (٨/ ١٨٧).\r(¬٥) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٤٩) والمقصد الأرشد (٢/ ٤٩١) وإنباء الغمر (٧/ ٢٩١) والضوء اللامع (٩/ ٨٨) وشذرات الذهب (٧/ ١٤٨).\r(¬٦) معجم الشيوخ لابن فهد (٣٥٠) والضوء اللامع (١١/ ٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204255,"book_id":111,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":102,"body":"١ - ابن الرسام:\rهو أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي الحموي الحنبلي أبو العباس المعروف بابن الرسام. ولد سنة ٧٧٣ هـ (¬١).\rولد بحماه ونشأ بها وسمع على قاضيها أحمد بن عبد الرحمن المرداوي وغيره من الشيوخ، وقد ولي القضاء في حماه.\rورحل مرارًا إلى كل من الشام والقاهرة.\rوأجاز له ابن رجب وغيره -وله مصنفات كثيرة منها: عقد الدرر واللآلي في فضل الشهور والأيام والليالي على نمط كتاب شيخه ابن رجب المعروف بـ\"لطائف المعارف\" ومنها: كتاب في المتباينات.\rتوفي ﵀ في شهر المحرم سنة ٨٤٢ هـ (¬٢).\r٢ - ابن اللحام:\rعلاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس بن فتيان البعلي ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن اللحام، وهي نسبة إلى حرفة أبيه. ولد بعد الخمسين وسبعمائة ببعلبك ونشأ بها في كفالة خاله لكون أبيه مات وهو صغير (¬٣).\rحبب إليه طلب العلم فرحل إلى دمشق وتتلمذ على ابن رجب وغيره، ودرس وأفتى، ووعظ بالجامع الأموي في حلقة ابن رجب بعده.\rألف مصنفات مفيدة منها: القواعد الأصولية.\rتوفي ﵀ في سنة ٨٠٣ هـ بمصر، وقد جاوز الخمسين (¬٤).","footnotes":"(¬١) الضوء اللامع (١/ ٢٤٩) وشذرات الذهب (٧/ ٢٥٢).\r(¬٢) المنهج الأحمد ورقة (٤٩١) والسحب الوابلة (٥٠، ٥١).\r(¬٣) إنباء الغمر (٢/ ١٧٤) والرد الوافر (١٨٥) والضوء اللامع (٥/ ٣٢٠).\r(¬٤) المنهج الأحمد ورقة (٤٧٧) والجوهر المنضد (٨١ - ٨٣) وشذرات الذهب (٧/ ٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204256,"book_id":111,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":103,"body":"٣ - ابن سعيد الحنبلي:\rشمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد بن العز المقدسي الدمشقي الحنبلي، قاضي مكة. ولد سنة إحدى وسبعين وسبعمائة بكفر لبد من جبل نابلس، ونشأ بها وحفظ القرآن ثم انتقل إلى دمشق وقرأ فيها على ابن رجب وابن اللحام وغيرهم (¬١).\rقال السخاوي ﵀: كان إمامًا عالمًا كثير الاستحضار لفروع مذهبه، مليح الخط، دينًا ساكنًا منجمعًا عن الناس مديمًا للمطالعة مع كبر سنه، متواضعًا حسن الخلق عفيفًا نزهًا محمود السيرة في قضائه، وله تصانيف منها: الشافي والكافي في مجلد، وكشف الغمة بتيسير الخلع لهذه الأمة في مجلد لطيف، والمسائل المهمة فيما يحتاج إليه العاقد في الخطوب المدلهمة، وسفينة الأبرار الجامعة للآثار والأخبار في المواعظ والآداب في ثلاث مجلدات (¬٢).\rتوفي ﵀ بمكة ليلة الخميس رابع عشر صفر سنة ٨٥٥ هـ (¬٣).","footnotes":"(¬١) الضوء اللامع (٦/ ٣٠٩) والجوهر المنضد (١٤٥) والمنهج الأحمد ورقة (٤٩٤).\r(¬٢) الضوء اللامع (٦/ ٣٠٩).\r(¬٣) شذرات الذهب (٧/ ٣٨٦) والسحب الوابلة (٣٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204257,"book_id":111,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":104,"body":"المبحث السادس ثقافته ومؤلفاته\rتنوعت مؤلفات الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وآثاره العلمية فهو إضافة إلى ما ذكرنا من الأفذاذ الذين درسوا عليه وأسهم في بناء علومهم وثقافتهم، قد خلف العديد من المؤلفات التي شملت كثيرًا من العلوم الإسلامية في التفسير والفقه والحديث والتاريخ والعقيدة والوعظ وغيرها، وهي تشير إلى علو همته وترفع من مكانته.\rوقد أجمع المترجمون له على أنها مؤلفات نفيسة ومفيدة.\rقال ابن فهد ﵀: له المؤلفات السديدة والمصنفات المفيدة (¬١).\rوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: صنف شرح الترمذي فأجاد فيه في نحو عشرة أسفار، وشرح قطعة كبيرة من البخاري. . . واللطائف في وظائف الأيام بطريق الوعظ وفيه فوائد، والقواعد الفقهية أجاد فيها وقرأ القرآن بالروايات. . . . (¬٢).\rوقال النعيمي رحمه الله تعالى: له تصانيف شتى مفيدة (¬٣).","footnotes":"(¬١) لحظ الألحاظ لابن فهد (ص ١٨١).\r(¬٢) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩) وإنباء الغمر (٣/ ١٧٦).\r(¬٣) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204258,"book_id":111,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":105,"body":"وقال ابن العماد الحنبلي: له مصنفات مفيدة ومؤلفات عديدة (¬١).\rوقد كان لابن رجب رحمه الله تعالى أسلوب متميز في كتاباته فهو يجمع بين وضوح العبارة وسهولة الأسلوب.\rيقول الدكتور محمد بن حمود الوائلي في وصف أسلوب ابن رجب في كتبه ورسائله: \"تميزت كتابات ابن رجب بوضوح الأسلوب وطلاوة العبارة وحسن استقامة اللفظ كل ذلك مع عمق التفكير والغوص في المعاني، وابن رجب متأثر بثقافة عصره لذا رأيناه يذهب إلى السجع حينًا ويدعه حينًا متمسكًا بعبارات الفقهاء والمحدثين، يستوي في ذلك كتبه الكبيرة وكتبه الصغيرة\" (¬٢).\rويقول الأستاذ بشير عيون في وصف أسلوب ابن رجب أيضًا: \"ولابن رجب أسلوب سهل طيع سلس، تراه يتناول موضوعه عادة بالتحليل والتقصي والإسهاب، وقد يستطرد أحيانًا ولكن استطراده ممتع لا يمل منه، وتراه أحيانًا يعمد إلى السجع وبعض المحسنات اللفظية، ويظهر أن ذلك كان شائعًا في عصره، ولكنه لا يلتزم ذلك، بل نراه أحيانًا أخرى يتحلل من قيود السجع لينطلق متحدثًا بأسلوب الفقهاء أو المحدثين أو الباحثين وهو كثير الاستشهاد بالآيات والأحاديث والحكم والأبيات الشعرية في كتاباته\" (¬٣).\rوقد قمت بتتبع وحصر لمصنفاته فبلغت (٦٧) مصنفًا بين كتاب كبير ورسالة صغيرة فألفيتها ذات قيمة كبيرة، ولم تقتصر على ميدان","footnotes":"(¬١) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).\r(¬٢) ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه رسالة دكتوراه مكتوبة على الآلة الكاتبة (ص ١٣٣).\r(¬٣) انظر: مقدمة كتاب اختيار الأولى لابن رجب تحقيق بشير محمد عيون.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204259,"book_id":111,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":106,"body":"واحد، بل وجدتها تنتظم مساحة واسعة من العلوم المختلفة.\rوقد قسمت الكلام على مؤلفات ابن رجب وآثاره العلمية إلى قسمين:\rالقسم الأول: فيه بيان أسماء مؤلفات ابن رجب رحمه الله تعالى التي ذكرها هو في كتبه أو نسبها إليه المترجمون له.\rالقسم الثاني: فيه بيان بأسماء مؤلفات نسبت إلى ابن رجب وهي إما ليست له أو أنها أفردت من بعض كتبه ونسبت إليه ولم يؤلفها هو استقلالًا.\rالقسم الأول: مؤلفات ابن رجب التي ذكرها في كتبه أو نسبها إليه المترجمون له، وقد رتبتها على حروف المعجم مع بيان المطبوع منها والمخطوط (¬١) والإشارة إلى مكان النسخة الخطية حسب الإمكان لما لم يطبع منها وهي كالتالي:\r١ - الأحاديث والآثار المتزائدة في أن طلاق الثلاث واحدة ذكرها ابن عبد الهادي (¬٢).\rوقد استفاد من هذا الكتاب ابن عبد الهادي في كتابه: سير الحارث في الطلاق الثلاث، وهو كتاب مطبوع بمطبعة السنة المحمدية بمصر سنة ١٩٥٣ م.\r٢ - أحكام الخواتيم وما يتعلق بها.\rطبع مرتين آخرها طبعة مطابع الرحاب بالمدينة المنورة سنة ١٤٠٧ هـ بتحقيق الدكتور محمد بن حمود الوائلي.","footnotes":"(¬١) يلاحظ أن بعض هذه المخطوطات قد حققت أثناء طبع الرسالة. والله الموفق.\r(¬٢) الجوهو المنضد (ص ٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204260,"book_id":111,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":107,"body":"٣ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى: طبع مرارًا وآخرها طبعة مكتبة دار الأقصى بالكويت سنة ١٤٠٦ هـ بتحقيق جاسم فهيد الدوسري.\r٤ - اختيار الأبرر سيرة أبي بكر وعمر: ويوجد مختصر له مخطوط في برلين برقم ٩٦٩٠.\r٥ - إزالة الشنعة عن الصلاة بعد النداء يوم الجمعة: ذكره ابن عبد الهادي (¬١).\r٦ - الاستخراج لأحكام الخراج: طبع عدة طبعات آخرها طبعة مكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤٠٩ هـ بتحقيق جندي محمود شلاش الهيتي.\r٧ - الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان: ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في نزهة الأسماع في السماع (¬٢) وفي الخشوع في الصلاة (¬٣). وذكره ابن عبد الهادي (¬٤) وحاجي خليفة (¬٥) وصاحب كتاب هدية العارفين (¬٦) وهو أصل كتاب ابن عبد الهادي \"هداية الإنسان إلى الاستغناء بالقرآن\" وهو مخطوط، وتوجد له صورة بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ٢٢٠٦.\r٨ - استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس: وهو مطبوع بمطبعة الإمام بمصر سنة ١٣٦٣ هـ.","footnotes":"(¬١) الجوهر المنضد (٥٠).\r(¬٢) نزهة الأسماع في السماع (ص ٨٤).\r(¬٣) الخشوع في الصلاة (ص ٢٩).\r(¬٤) الجوهر المنضد (ص ٥١).\r(¬٥) كشف الظنون (١/ ٧٩).\r(¬٦) هدية العارفين (٥/ ٥٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204261,"book_id":111,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":108,"body":"٩ - الاستيطان فيما يعتصم به العبد من الشيطان ذكره ابن حميد (¬١).\r١٠ - إعراب أم الكتاب: ذكره ابن عبد الهادي (¬٢).\r١١ - إعراب البسملة: ذكره ابن عبد الهادي (¬٣).\r١٢ - الإلمام في فضائل بيت الله الحرام: ذكره إسماعيل باشا في إيضاح المكنون (¬٤).\r١٣ - أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور: طبع مرتين آخرها بتحقيق أبو هاجر محمد السعيد زغلول - دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥ هـ.\r١٤ - أهوال القيامة: ذكره ابن العماد (¬٥) وابن عبد الهادي (¬٦).\r١٥ - الإيضاح والبيان في طلاق الغضبان: ذكره ابن عبد الهادي (¬٧).\r١٦ - البشارة العظمى في أن حظ المؤمن من النار الحمى: مخطوط ويوجد له نسخة في مكتبة جامعة الملك سعود المركزية تحت رقم ١٨١٧/ ٩.\r١٧ - التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار: وقد طبع عدة مرات منها طبعة بتحقيق محمد حسن الحمصي - دار الرشيد - دمشق سنة ١٤٠٣ هـ.","footnotes":"(¬١) السحب الوابلة (١٩٨).\r(¬٢) الجوهر المنضد (ص ٥٠).\r(¬٣) المصدر السابق (ص ٥٠).\r(¬٤) إيضاح المكنون (١/ ١٢٢).\r(¬٥) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).\r(¬٦) الجوهر المنضد (ص ٥٠).\r(¬٧) المصدر السابق (ص ٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204262,"book_id":111,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":109,"body":"١٨ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال: طبع بتحقيق وليد الفريان في مجلة الإفتاء عدد ٢٣ بتاريخ ١٤٠٩ هـ.\r١٩ - تعليق الطلاق بالولادة: مخطوط باستانبول برقم ٥٣١٨.\r٢٠ - تفسير سورة الإخلاص: طبع مرتين منها طبعة بتحقيق محمد بن ناصر العجمي - الدار السلفية - الكويت سنة ١٤٠٧ هـ.\r٢١ - تفسير سورة الفاتحة: ذكره ابن عبد الهادي (¬١).\r٢٢ - تفسير سورة النصر: طبع مرتين آخرها بتحقيق: محمد بن ناصر العجمي - الدار السلفية - الكويت سنة ١٤٠٧ هـ.\r٢٣ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: وقد طبع مرارًا، وقد قام الدكتور محمد الأحمدي أبو النور بتحقيقه ولكنه لم يتمه وهو كتاب عظيم النفع جدير بالعناية والاهتمام من قبل الباحثين وطلاب العلم.\r٢٤ - الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ: \"بعثت بالسيف بين يدي الساعة\"، طبع سنة ١٣٤٩ هـ بمطبعة المنار.\r٢٥ - حماية الشام بمن فيها من الأعلام: ذكره ابن حميد (¬٢).\r٢٦ - الخشوع في الصلاة: وهو كتاب الذل والإنكسار للعزيز الجبار وقد طبع مرارًا آخرها بتحقيق علي حسن علي عبد الحميد -دار عمّار- وقد وهم بعض من ترجموا لابن رجب حيث جعلوا هذا الكتاب كتابين لاختلاف العنوان وعند التحقيق تبين أنهما كتاب واحد.\r٢٧ - ذم الخمر وشاربها: طبع بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض سنة ١٤٠٨ هـ بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان.","footnotes":"(¬١) الجوهر المنضد (ص ٥٠).\r(¬٢) السحب الوابلة (١٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204263,"book_id":111,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":110,"body":"٢٨ - ذم قسوة القلب: مخطوط، وتوجد نسخة له في مكتبة جامعة الملك سعود المركزية برقم (١٨١٧/ ٨).\r٢٩ - الذيل على طبقات الحنابلة: طبع مرارًا منها طبعة دار المعرفة - بيروت - لبنان.\r٣٠ - الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة: ذكره ابن عبد الهادي (¬١).\r٣١ - كتاب السليب: ذكره ابن عبد الهادي (¬٢).\r٣٢ - سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: طبع بالرياض سنة ١٣٧٨ هـ.\r٣٣ - شرح حديث \"إن أغبط أوليائي عندي\": مخطوط، وتوجد نسخة منه بمكتبة فاتح باستانبول برقم ٥٣١٨.\r٣٤ - شرح حديث أبي الدرداء \"من سلك طريقا يلتمس فيه علما\": طبع مرارًا، منها طبعة مكتبة الخافقين - دمشق سنة ١٤٠٢ هـ، تحقيق محمد الخيمي.\r٣٥ - شرح حديث شداد بن أوس \"إذا كنز الناس الذهب والفضة\" يوجد له نسخة خطية بمكتبة جامعة الملك سعود المركزية بالرياض تحت رقم (١٨١٧/ ٨).\r٣٦ - شرح حديث عمّار بن ياسر \"اللهم بعلمك الغيب\": طبع بتحقيق إبراهيم بن محمد العرف - مكتبة السوادي - جدة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ.","footnotes":"(¬١) الجوهر المنضد (ص ٥٠).\r(¬٢) المصدر السابق (ص ٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204264,"book_id":111,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":111,"body":"٣٧ - شرح حديث \"لبيك اللهم لبيك\": طبع بتحقيق الوليد آل فريان مكة المكرمة - دار عالم الفوائد - ١٤١٧ هـ.\r٣٨ - شرح حديث \"ما ذئبان جائعان\" ويسمى أيضًا \"ذم الجاه والمال\" طبع مرارًا آخرها بالكويت - الدار السلفية - سنة ١٤٠١ هـ، بتحقيق بدر البدر.\r٣٩ - شرح حديث \"مثل الإسلام\": مخطوط، وتوجد نسخة له في المكتبة السليمانية بتركيا برقم ٥٣١٨.\r٤٠ - شرح حديث \"يتبع الميت ثلاث\" طبع بدار طيبة بالرياض سنة ١٤٠٨ هـ بتحقيق سعد بن عبد الرحمن الحمدان.\r٤١ - شرح جامع الترمذي: وهو يقع في نحو عشرين مجلدًا كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (¬١) وهو من الكتب المهمة ولعله احترق في الفتنة التي وقعت في الشام عندما دخل التتار دمشق سنة (٨٠٣ هـ) وما وقع فيها من الفساد على يد تيمورلنك كما ذكر ذلك ابن قاضي شهبة (¬٢).\rولم يوجد من هذا الكتاب إلا شرح علل الترمذي وقد طبع عدة مرات أحدها بتحقيق نور الدين عتر سنة ١٣٩٨ هـ - دار الملاح دمشق، ويوجد أيضًا عشر ورقات مخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق وهي من كتاب اللباس.\r٤٢ - شرح المحرر: ذكره ابن عبد الهادي (¬٣).\r٤٣ - شرح مولدات ابن الحداد: ذكره حاجي خليفة (¬٤).","footnotes":"(¬١) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩) وإنباء الغمر (٣/ ١٧٦).\r(¬٢) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٨٨/ أ).\r(¬٣) الجوهر المنضد (ص ٥١).\r(¬٤) كشف الظنون (٢/ ١٩١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204265,"book_id":111,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":112,"body":"٤٤ - صدقة السر وبيان فضلها: طبع بتحقيق الوليد بن محمد الفريان بمجلة عالم الكتب، المجلد السابع، العدد الأول.\r٤٥ - صفة النار وصفة الجنة: ذكره ابن عبد الهادي (¬١).\r٤٦ - غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع: طبع مرارًا آخرها طبعة مكتبة السوادي - جدة سنة ١٤٠٨ هـ، بتحقيق: إبراهيم بن محمد العرف.\r٤٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري: قال عنه ابن ناصر الدين الدمشقي: \"وشرح من أول صحيح البخاري إلى الجنائز شرحًا نفيسًا\" (¬٢).\rطبع بتحقيق مجموعة من المحققين مكتبة الغرباء المدينة المنورة ١٤١٦ هـ، وطبع عام ١٤١٧ هـ بتحقيق طارق بن عوض الله محمد، دار ابن الجوزي الطبعة الأولى.\r٤٨ - الفرق بين النصيحة والتعبير: طبع بتحقيق نجم عبد الرحمن خلف - دار ابن القيم - الدمام.\r٤٩ - فضائل الشام: مخطوط، وتوجد نسخة منه في المكتبة البلدية بالإسكندرية برقم ١٠٨ تاريخ، ويقوم الآن بتحقيقه الأخ محمد بن ناصر العجمي كما أفادني بذلك شخصيًا.\r٥٠ - فضل علم السلف على علم الخلف: طبع مرارًا منها طبعة الدار السلفية بالكويت سنة ١٤٠٧ هـ بتحقيق محمد بن ناصر العجمي. ويذكره بعض من ترجموا لابن رجب بعنوان \"العلم النافع وفضله\" ويجعلون هذا كتاب وهذا كتاب وهذا وهم لأنهما في الحقيقة كتاب واحد والاختلاف في العنوان فقط.","footnotes":"(¬١) الجوهر المنضد (ص ٤٩).\r(¬٢) الرد الوافر (ص ١٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204266,"book_id":111,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":113,"body":"٥١ - قاعدة غم هلال ذي الحجة: وقد طبعت هذه الرسالة في سنة ١٣٧٥ هـ بتصحيح الشيخ سليمان الصنيع رحمه الله تعالى.\r٥٢ - القواعد الكبرى في الفروع: وهو ما يسمى بالقواعد الفقهية، وهو كتاب عظيم، وقد استكثره عليه من لا يعرف قدره قال ابن عبد الهادي: \"وكتاب القواعد الفقهية مجلد كبير، وهو كتاب نافع من عجائب الدهر حتى أنه استكثر عليه، حتى زعم بعضهم أنه وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان رحمه الله تعالى فوق ذلك\" (¬١).\rوقد طبع عدة مرات منها طبعة بالقاهرة سنة ١٣٥٢ هـ - المطبعة الخيرية - ولكن جميع الطبعات لا تخلو من السقط والتحريف والتصحيف، وهو جدير بأن يعنى به ويطبع طبعة علمية محررة ومحققة.\r٥٣ - القول الصواب في تزويج أمهات أولاد الغياب: وقد طبع بتحقيق د. عبد الله الطريقي في سنة ١٤١٠ هـ - الطبعة الأولى - مكتبة المعارف بالرياض.\r٥٤ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة: وهو شرح حديث \"بدأ الإسلام غريبًا. . . \" طبع مرارًا منها طبعة بتحقيق بدر البدر - دار الأرقم - الكويت سنة ١٤٠٤ هـ.\r٥٥ - الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأيمان: ذكره ابن رجب (¬٢) وابن حميد (¬٣).\r٥٦ - كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: طبع مرارًا، آخرها في دمشق","footnotes":"(¬١) الجوهر المنضد (ص ٤٩).\r(¬٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٧١).\r(¬٣) السحب الوابلة (١٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204267,"book_id":111,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":114,"body":"سنة ١٣٩٧ هـ بتحقيق زهير الشاويش. ويعرف هذا الكتاب في بعض المكتبات بعنوان \"التوحيد\" ولذلك غلط بعض من ترجم لابن رجب رحمه الله تعالى في ذلك وجعلوهما كتابين وهما في الحقيقة كتاب واحد والاختلاف في العنوان فقط.\r٥٧ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: طبع مرارًا منها طبعة دار الجيل - بيروت.\r٥٨ - المحجة في سير الدلجة: طبع بتحقيق يحيى مختار غزاوي دار البشائر الإسلامية - بيروت.\r٥٩ - مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز: طبع بالرياض سنة ١٣٧٨ هـ.\r٦٠ - مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معالم الظالم السارق حققه الوليد بن عبد الرحمن الفريان ونشره في مجلة البحوث الإسلامية، العدد السادس عشر.\r٦١ - مسألة الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة: ذكره ابن حميد (¬١).\r٦٢ - مشيخة ابن رجب: قال ابن حجر: وخرج لنفسه مشيخة مفيدة (¬٢).\r٦٣ - منافع (¬٣) الإمام أحمد: ذكره ابن عبد الهادي (¬٤).","footnotes":"(¬١) السحب الوابلة (ص ١٩٨).\r(¬٢) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩).\r(¬٣) لعله مناقب الإمام أحمد.\r(¬٤) الجوهر المنضد (ص ٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204268,"book_id":111,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":115,"body":"٦٤ - نزهة الأسماع في مسألة السماع: طبع مرتين منها طبعة بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان سنة ١٤٧٠ هـ - الناشر: دار طيبة بالرياض.\r٦٥ - نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس وهو شرح حديث \"احفظ الله يحفظك\": طبع مرارًا ولكن أحسن الطبعات وأكملها، طبعة مكتبة دار الأقصى بالكويت سنة ١٤٠٦ هـ بتحقيق محمد بن ناصر العجمي.\r٦٦ - وجوب إخراج الزكاة على الفور: وقد حققه الأخ عادل الجهني وقدمه موضوعا لمادة البحث في السنة الرابعة من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سنة ١٤٠٩ هـ.\r٦٧ - وقعة بدر: ذكره ابن حميد (¬١).\rالقسم الثاني: ويشتمل على الكتب التي تنسب لابن رجب وهي إما ليست له أو هي مأخوذة من بعض كتبه ولم يؤلفها هو استقلالًا.\r١ - كتاب مختصر شعب الإيمان: ينسب لابن رجب وممن نسبه لابن رجب، جندي محمود شلاش الهيتي في مقدمة كتاب الاستخراج لابن رجب حينما قام بتحقيقه، والحقيقة أن هذا وهم لأن الكتاب هو مختصر شعب الإيمان للقزويني وقد قارنت بينهما فوجدت أنهما شيء واحد، إضافة إلى أنني لم أجد أحدًا ممن ترجم لابن رجب نسب هذا الكتاب إليه، وهذا الكتاب المنسوب لابن رجب توجد صورة له في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ٦٦٦.","footnotes":"(¬١) السحب الوابلة (١٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204269,"book_id":111,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":116,"body":"٢ - أسباب المغفرة: وهو مطبوع بتحقيق أشرف بن عبد المقصود وهو مأخوذ من كتاب جامع العلوم والحكم.\r٣ - بغية الإنسان في وظائف رمضان: المكتب الإسلامي سنة ١٤٠٥ هـ وهو مأخوذ من كتاب لطائف المعارف.\r٤ - مجالس في سيرة النبي ﷺ: دار ابن كثير - دمشق الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ تحقيق ياسين السواس ومحمود الأرناؤوط وهو مأخوذ من كتاب لطائف المعارف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204270,"book_id":111,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":117,"body":"المبحث السابع عقيدته ومذهبه\r١ - عقيدته:\rتتضح عقيدة ابن رجب رحمه الله تعالى من خلال هذا الموضوع بشكل عام إلا أنني رأيت أن أعطي صورة إجمالية عن عقيدته فهو ﵀ سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث يقول بما قال به الصحابة ﵃ والتابعون والأئمة المشهورون من أئمة السلف الصالح رحمهم الله تعالى الذين كانوا لا يألون جهدًا في نشر عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين يؤمنون بأسماء الله وصفاته التي ثبتت بكتاب الله ﷾، وشهد بها له رسوله ﵊ كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل.\rوالحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى كباقي أئمة السلف رحمهم الله تعالى لم يشغل نفسه بحشو المتفلسفة والمتكلمين من أمثال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن ماثلهم وسار على نهجهم، وإنما كان رحمه الله تعالى حريصًا كل الحرص على اعتماد منهج السلف الصالح في جميع أبواب العقيدة، وكلامه في ثنايا مؤلفاته أكبر شاهد على هذا.\rولم يكن ابن رجب رحمه الله تعالى على معتقد السلف فحسب بل كان من الدعاة إليه.\rوسوف أشير إلى نبذة من أقواله التي تدل على معتقده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204271,"book_id":111,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":118,"body":"١ - يقول رحمه الله تعالى: . . . والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة (¬١).\r٢ - ويقول رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث اختصام الملأ الأعلى \". . . وأما وصف النبي ﷺ لربه ﷿ بما وصفه به فكل ما وصف النبي ﷺ به ربه ﷿ فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله ﷿ به نفسه مع نفي التمثيل عنه. . . \" (¬٢).\rومما يدل على عقيدته السلفية أيضًا نقده لبعض علماء الحنابلة الذين كان لهم شهرة كبيرة ومع ذلك كان عندهم ميل إلى التأويل في بعض كلامهم كابن الجوزي، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يذكر الوجوه التي تؤخذ على ابن الجوزي ومنها -أي من الوجوه التي تؤخذ عليه-: \"وهو الذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم من ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكرهم عليه في ذلك.\rولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو وإن كان متطلعًا على الأحاديث والآثار في هذا الباب، فلم يكن خبيرًا بحل شبهة المتكلمين وبيان فسادها.\rوكان معظمًا لأبى الوفاء بن عقيل (¬٣) يتابعه في أكثر ما يجد في","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٣٣).\r(¬٢) اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص ٤٠، ٤١).\r(¬٣) أبو الوفاء علي بن عقيل بن عبد الله البغدادي الحنبلي، من أئمة الحنابلة، له مؤلفات عديدة منها: الفنون في شتى العلوم في أربعمائة جزء، اتهم ببعض آراء المبتدعة، ويقال: إنه رجع وتاب، توفي سنة ٥١٣ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣) والذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204272,"book_id":111,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":119,"body":"كلامه وإن كان قد رد عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون\" (¬١).\rومراد ابن رجب أن ابن الجوزي يتبع ابن عقيل في آرائه، لأن ابن عقيل ليس هو شيخه المباشر، فابن الجوزي ولد قبل وفاة ابن عقيل بسنة.\r٢ - مذهبه:\rوأما مذهبه فهو على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لأن البيئة التي عاش فيها والعلماء الذين تلقى العلم عنهم من علماء الحنابلة.\rوقد كانت له يد مشكورة في المذهب الحنبلي حيث ألف فيه كتابه \"القواعد الفقهية\" سلك فيه مسلك أهل الترجيح والاختيار في المذهب وقد كان هذا الكتاب مرجعا لمن جاء بعده من العلماء، إضافة إلى أنه ألف كتابًا ترجم فيه لعلماء الحنابلة وهو ذيل على طبقات الحنابلة الذي ألفه العلامة ابن أبي يعلى (¬٢) رحمه الله تعالى، ومع ذلك فكون ابن رجب رحمه الله تعالى درس المذهب الحنبلي وتعلم المسائل منه إلا أن ذلك لم يحمله على التعصب المذموم الذي حدا ببعض من ينتسب إلى العلم إلى تقديم المذهب على سنة الرسول ﷺ، ولم يكن رحمه الله تعالى يندد بغيره على حين أنه حين استوت له المعرفة، وبلغ مرحلة النضج كان","footnotes":"(¬١) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤١٤).\r(¬٢) الإمام العلامة أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين الفراء القاضي أبو يعلى البغدادي الحنبلي له ردود على الأشعرية والكرامية وغيرهم، ومن مؤلفاته: \"طبقات الحنابلة\" توفي سنة ٥٢٦ هـ.\rذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٧٦) والمنهج الأحمد (٢/ ٢٧٥)، وشذرات الذهب (٤/ ٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204273,"book_id":111,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":120,"body":"يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة اللذين هما أصل الدين وملاكه، وإليهما المرجع في المسائل الشرعية.\rبل إنه رحمه الله تعالى ذكر في بعض مؤلفاته أن الأصل الجامع والمرجع والحكم هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهما مقدمان على قول كل أحد كائن من كان إذا تبين مخالفة القول لهما، وأقواله الدالة على هذه المعاني كلها كثيرة منها قوله رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ: \". . . وإن أفتاك المفتون. . . \" (¬١) يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضًا إثمًا وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد الظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا لا عبرة به.\rوقد كان النبي ﷺ أحيانًا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون من قبوله، فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مفاوضته قريشًا على أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم.","footnotes":"(¬١) هذا جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد (٤/ ١٩٤) عن أبي ثعلبة الخشني ﵁، وقال ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: وهذا إسناد جيد.\rجامع العلوم والحكم (٢/ ٢٥٠) وقد تكلم ﵀ عن روايات وطرق هذا الحديث في الموضع المذكور.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204274,"book_id":111,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":121,"body":"وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (¬١).\rوينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (¬٢).\rوأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله، ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء، وحاك في صدره بشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون (¬٣).\rويقول رحمه الله تعالى أيضًا مبينا أن المقصود هو إظهار الحق مهما خالف أقوال الرجال، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، يقول: فرد المقالات الضعيفة، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية، ليس هو مما يكرهه العلماء، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله، ويثنون عليه فلا يكون داخلًا في باب الغيبة بالكلية، فلو فرض أن أحدًا يكره إظهار خطئه المخالف للحق، فلا عبرة بكراهته لذلك، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق","footnotes":"(¬١) سورة الأحزاب آية (٣٦).\r(¬٢) سورة النساء آية (٦٥).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204275,"book_id":111,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":122,"body":"ومعرفة المسلمين له سواء كان ذلك في موافقته أو مخالفته، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك هو الدين كما أخبر به النبي ﷺ، وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب وأحسن الرد والجواب فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه. . . وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردها أبلغ الرد كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور (¬١) وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم، هذا كله حكم الظاهر، وأما في باطن الأمر، فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم. . . وأما مراد الراد بذلك إظهار عيب من رد عليه وتنقصه وتبيين جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك كان محرمًا سواء كان رده لذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمه الله تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز ودخل أيضًا في قول النبي ﷺ: \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الإمام الحافظ، قال الخطيب: كان أبو ثور يتفقه أولا بالرأي ويذهب إلى قول العراقيين، حتى قدم الشافعي فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث، توفي سنة ٢٤٠ هـ.\rالجرح والتعديل (٢/ ٩٧) وتاريخ بغداد (٦/ ٦٥).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٤) وأبو داود: كتاب الأدب - باب في الغيبة (٥/ ١٩٤) والترمذى: كتاب الأدب - باب ما جاء في تعظيم المؤمن (٤/ ٣٧٨).\rوقال: هذا حديث حسن غريب، والطبراني في الكبير (١١/ ١٨٦) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٩٤) رواه الطبراني ورجاله ثقات.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204276,"book_id":111,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":123,"body":"وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء، وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيرا من الاقتداء بهم، ومن عرف منه أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين. . . ومن تبعهم بإحسان، ومن عرف أنه أراد برده عليهم التنقيص والذم، وإظهار العيب، فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة (¬١).\rوهذا كله يدل على حرصه رحمه الله تعالى على التمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بهما.","footnotes":"(¬١) الفرق بين النصيحة والتعسر (ص ٣٢ - ٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204277,"book_id":111,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":124,"body":"المبحث الثامن مكانته العلمية وثناء العلماء عليه\rلقد أثنى على ابن رجب رحمه الله تعالى كثير من العلماء وأشادوا بفضله ومكانته العلمية، وشهدوا له بالحفظ وسعة العلم والمعرفة والانصراف عن الدنيا والإقبال على العلم وذلك لتمكنه في علوم كثيرة، فاستحق بذلك ثناء العلماء عليه، وتقديرهم له، وأقوال العلماء التي سأذكر تبين مكانته العلمية بين علماء عصره:\rوصفه تلميذه علاء الدين ابن اللحام فقال: شيخنا الإمام العلامة الأوحد الحافظ شيخ الإسلام، مجلي المشكلات، وموضح المبهمات. . . (¬١).\rوقال أيضًا: شيخنا الإمام العالم الحافظ بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره شيخ الإسلام زين الدين. . . (¬٢).\rوقال ابن حجي: أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق، وكان لا يخالط أحدا ولا يتردد إلى أحد. . . تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق (¬٣).\rوقال ابن فهد المكي: الإمام الحافظ الحجة، والفقيه العمدة، أحد العلماء الزهاد، والأئمة العباد، مفيد المحدثين، واعظ المسلمين. . . وكان رحمه الله تعالى إمامًا ورعًا زاهدًا مالت القلوب بالمحبة إليه،","footnotes":"(¬١) و (¬٢) الجوهر المنضد (ص ٤٩).\r(¬٣) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204278,"book_id":111,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":125,"body":"وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره الناس عامة نافعة وللقلوب صادعة (¬١).\rوقال ابن ناصر الدين: كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار (¬٢).\rوقال أيضًا: الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة، واعظ المسلمين ومفيد المحدثين. . . (¬٣).\rوقال الحافظ ابن حجر: مهر في فنون الحديث أسماءً ورجالًا وعللًا وطرقًا واطلاعًا على معانيه. . . (¬٤).\rوقال أيضًا: الشيخ المحدث الحافظ. . . أكثر من المسموع وأكثر من الاشتغال حتى مهر. . . (¬٥).\rوقال ابن عبد الهادي: الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوة الحفاظ جامع الشتات والفضائل. . . الفقيه الزاهد البارع الأصولي المفيد المحدث (¬٦).\rوقال برهان الدين بن مفلح: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة (¬٧).\rوقال ابن قاضي شهبة: الشيخ الإمام العلامة الحافظ شيخ الحنابلة","footnotes":"(¬١) لحظ الألحاظ (ص ١٨٠، ١٨١).\r(¬٢) التبيان لبديعة البيان ورقة (١٥٩).\r(¬٣) الرد الوافر (ص ١٠٦).\r(¬٤) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).\r(¬٥) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩).\r(¬٦) الجوهر المنضد (ص ٤٦، ٤٧).\r(¬٧) المقصد الأرشد (٢/ ٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204279,"book_id":111,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":126,"body":"وفاضلهم، أوحد المحدثين. . . (¬١).\rوقال العليمي: الشيخ الإمام العالم العامل العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة زين الملة والشريعة والدنيا والدين شيخ الإسلام وأحد الأعلام واعظ المسلمين مفيد المحدثين جمال المصنفين كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار (¬٢).\rوقال السيوطي: الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ (¬٣).\rوقال النعيمي: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة (¬٤).\rوقال ابن العماد الحنبلي: الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة الحنبلي المذهب (¬٥).\rوقال مرعي بن يوسف الكرمي: الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة الحافظ العمدة الثقة الحجة واعظ المسلمين، مفيد المحدثين. . . أحد الأئمة الزهاد والعلماء العباد. . . (¬٦).\rونختم ذلك بقول صاحب الروضة الغناء في تاريخ دمشق الفيحاء: هو الإمام الأصولي المحدث الفقيه الواعظ الشهير كان إمامًا في العلوم له مصنفات كثيرة (¬٧).\rوهكذا تظهر لنا هذه الأقوال والتي نقلناها من علماء كبار عاصروا ابن رجب أو تتلمذوا عليه أو قرأوا مؤلفاته، تظهر المنزلة الرفيعة التي تبوأها ابن رجب رحمه الله تعالى بين علماء عصره.","footnotes":"(¬١) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (١٤٠/ أ) وانظر الجوهر المنضد (٤٧).\r(¬٢) المنهج الأحمد ورقة (٤٧٠).\r(¬٣) طبقات الحفاظ (ص ٥٤٠).\r(¬٤) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦).\r(¬٥) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).\r(¬٦) الشهادة الزكية (ص ٤٩).\r(¬٧) التاج المكلل (ص ٣٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204280,"book_id":111,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":127,"body":"الباب الثاني أثر ابن رجب في توضيح عقيدة السلف في التوحيد وأنواعه ونواقضه\rويشتمل على الفصول التالية:\rالفصل الأول: تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها.\rالفصل الثاني: توحيد الربوبية.\rالفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.\rالفصل الرابع: توحيد الألوهية.\rالفصل الخامس: نواقض التوحيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204281,"book_id":111,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":128,"body":"الفصل الأول تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها\rويشتمل على المباحث الآتية:\rالمبحث الأول: تعريف التوحيد لغة.\rالمبحث الثاني: تعريف التوحيد شرعًا.\rالمبحث الثالث: أنواع التوحيد.\rالمبحث الرابع: العلاقة بين أنواع التوحيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204282,"book_id":111,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":129,"body":"المبحث الأول تعريف التوحيد لغة\rالتوحيد مصدر وحد يوحد توحيدًا أي جعله واحدًا، وكلمة التوحيد مصدر الفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه وهي تعني الوحدة والانفراد.\rقال ابن فارس (¬١): الواو والحاء والدال أصل واحد، يدل على الانفراد من ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله (¬٢).\rوقال الجوهري (¬٣): الوحدة الانفراد، تقول رأيته وحده (¬٤).\rوقال الراغب (¬٥) الأصفهاني: الوحدة الانفراد، والوحدة في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود حتى أنه ما","footnotes":"(¬١) هو أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي اللغوي الأديب. من تصانيفه: مقاييس اللغة، والمجمل، توفي سنة ٣٩٥ هـ.\rمعجم الأدباء (٤/ ٨٠) ووفيات الأعيان (١/ ١١٨).\r(¬٢) معجم مقاييس اللغة (٦/ ٥٨).\r(¬٣) هو إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب كتاب \"الصحاح\" في اللغة، توفي سنة ٣٩٦ هـ.\rمعجم الأدباء (٦/ ١٥١) وبغية الوعاة (١/ ٤٤٦).\r(¬٤) الصحاح (٢/ ٥٤٧).\r(¬٥) هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصبهاني، المعروف بالراغب، اشتهر في عصره وكان من المتكلمين، له كتب في الاعتقاد والتفسير منها: المفردات في غريب القرآن، توفي سنة ٥٠٢ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٢٠) وبغية الوعاة (٢/ ٢٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204283,"book_id":111,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":130,"body":"من عدد إلا ويصح أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة، ومائة واحدة، وألف واحد.\rوقال: وأحد مطلقًا لا يوصف به غير الله تعالى (¬١).\rوقال ابن الأثير (¬٢): في أسماء الله تعالى: الواحد هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر (¬٣).\rوقال أبو هلال العسكري (¬٤): . . . والواحد يفيد الانفراد في الذات أو الصفة. . . وتقول: الله واحد تريد أن ذاته منفردة عن المثل والشبه (¬٥).\rوقال أيضًا: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد يفيد أنه فارق غيره ممن شاركه في فن من الفنون، ومعنى من المعاني كقولك: فارق فلان أوحد دهره في الجود والعلم تريد أنه فوق أهله في ذلك.\rوقال أيضًا: . . . والوحدانية تفيد نفي الأشكال والنظراء ولا يستعمل في غير الله. . . (¬٥).\rوقال الزجاج (¬٦): وقال بعض أصحاب المعاني: الفرق بين الواحد","footnotes":"(¬١) المفردات (ص ٥١٤).\r(¬٢) أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري قرأ الحديث والعلم والأدب، وكان ورعًا ذا بر وإحسان، له مؤلفات كثيرة مفيدة ومنها: النهاية في غريب الحديث، وجامع الأصول، توفي سنة ٦٠٦ هـ.\rمعجم الأدباء (٦/ ٢٣٨) والعبر (٣/ ١٤٣) وبغية الوعاة (٢/ ٢٧٤).\r(¬٣) النهاية لابن الأثير (٥/ ١٥٩).\r(¬٤) هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد أبو هلال العسكري، عالم بالأدب له مؤلفات منها: الفروق اللغوية، توفي سنة ٣٨٢ هـ.\rمعجم الأدباء (٨/ ٢٥٨).\r(¬٥) الفروق اللغوية (ص ١١٤، ١١٥).\r(¬٦) هو إبراهيم بن محمد بن سري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة له كتب منها: تفسير أسماء الله الحسنى، توفي سنة ٣١١ هـ.\rمعجم الأدباء (١/ ٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204284,"book_id":111,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":131,"body":"والأحد أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد: يفيده بالذات والمعاني على هذا جاء في التنزيل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (¬١).\rأراد: المنفرد بوحدانيته في ذاته وصفاته تعالى الله علوًا كبيرًا (¬٢).\rفالله ﷾ هو الواحد الأحد الذي انفرد بذاته وصفاته مع عدم المثيل والنظير.\rوقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا في تفسيره لسورة الإخلاص حيث قال: وأحد اسم من أسماء الله يسمى الله به، ولا يسمى به غيره من الأعيان به، فلا يسمى شيء من الأشياء أحدًا في الإثبات إلا في الأعداد المطلقة، وإنما يسمى به في النفي، وما أشبهه من الاستفهام، والنهي، والشرط، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (¬٣) وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (¬٤) وقوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (¬٥) وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (¬٦) ونحوه.\rوالأحد: هو الواحد في إلهيته وربوبيته (¬٧).\rثم طرح ابن رجب رحمه الله تعالى استفسارًا، وأجاب عليه حيث قال سؤال: قوله: \"الله أحد\" ولم يقل: الأحد كما قال الصمد؟","footnotes":"(¬١) سورة الإخلاص آية (١).\r(¬٢) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص ٥٧).\r(¬٣) سورة الإخلاص من آية (٤).\r(¬٤) سورة مريم آية (٩٨).\r(¬٥) سورة الجن آية (١٨).\r(¬٦) سورة التوبة آية (٦).\r(¬٧) تفسير سورة الإخلاص (٨٧ - ٨٩) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204285,"book_id":111,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":132,"body":"جوابه: أن الصمد يسمى به غير الله. . . فأتى فيه بالألف واللام ليدل على أنه سبحانه هو المستحق لكمال الصمدية، فإن الألف واللام تأتي لاستغراق الجنس تارة، ولاستغراق خصائص أخرى كقوله: زيد هو الرجل أي الكامل في صفات الرجولة، فكذلك قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ (¬١) أي الكامل في صفات الصمدية، وأما الأحد فلم يتسم به غير الله، فلم يحتج فيه إلى الألف واللام (¬٢).\rهذه هي أقوال أهل اللغة التي تبين المعنى اللغوي لكلمة التوحيد ونخلص منها إلى أن المعنى اللغوي لكلمة التوحيد يدور حول شيء واحد ألا وهو الوحدة والانفراد بالشيء، والله ﷾ واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك ولا مثيل ولا نظير له في ذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة الإخلاص آية (٢).\r(¬٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٨٩).\r(¬٣) سورة الإخلاص.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204286,"book_id":111,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":133,"body":"المبحث الثاني تعريف التوحيد شرعًا\rمما سبق في التعريف اللغوي يتبين لنا أن الله ﵎ واحد في ذاته، وأسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته.\rفعلى هذا فالتوحيد هو: إفراد الله تعالى بالعبادة مع علم العبد واعترافه واعتقاده بتفرد الرب ﵎ بصفات الكمال وأنه لا شريك له واعتقاد أنه هو وحده الخالق المدبر المتصرف في هذا الكون، وله الكمال المطلق، وأنه ذو الألوهية على خلقه أجمعين، فهو المستحق للعبادة دون سواه.\rقال السفاريني (¬١) ﵀ في تعريف التوحيد: وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا، فلا تقبل ذاته الانقسام بوجه، ولا تشبه صفاته الصفات، ولا تنفك عن الذات، ولا يدخل أفعاله الاشتراك فهو الخالق دون سواه (¬٢).","footnotes":"(¬١) محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الحنبلي، محدث، أصولي، له تصانيف كثيرة منها: البحور الزاهرة في أمور الآخرة، ومنها: لوامع الأنوار، توفي سنة ١١٨٨ هـ.\rمختصر طبقات الحنابلة للشطي (١٤٠) ومعجم المؤلفين لكحالة (٨/ ٢٦٢).\r(¬٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204287,"book_id":111,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":134,"body":"وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (¬١) ﵀: سمي دين الإسلام توحيدًا، لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا ند له (¬٢).\rوقد دلت الآيات الكثيرة في كتاب الله ﷾ على هذه المعاني كلها.\rفقد دل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ. . .﴾ (¬٣) الآية، على أن الله ﷾ هو المتفرد بالخلق والرزق والإماتة والإحياء دون سواه فلا يتوجه إلى أحد سواه في جلب نفع أو دفع ضر لأن من سواه عاجزون عن فعل شيء من ذلك، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: أي لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك بل الله ﷾ هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة ثم يبعث الخلائق يوم القيامة ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو أو ولد أو والد بل هو الأحد الفرد الصمد الذي","footnotes":"(¬١) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الفقيه المحدث، من أئمة الدعوة المجاهدين، وكان آية في العلم، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، له مؤلفات مفيدة نافعة منها: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، قتل سنة ١٢٣٣ هـ رحمه الله تعالى.\rهدية العارفين (١/ ٤٠٨) وعلماء نجد خلال ستة قرون (١/ ٢٩٣) وعنوان المجد في تاريخ نجد (١/ ٢١٢).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٢، ٣٣).\r(¬٣) سورة الروم آية (٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204288,"book_id":111,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":135,"body":"لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد (¬١).\rودل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (¬٢) على إفراد الله ﷿ بالعبادة وحده دون سواه فلا يصرف شيء من العبادات لغيره ﷿.\rقال ابن جرير الطبري (¬٣) رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: \"قل يا محمد لأهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل، تعالوا: هلموا إلى كلمة سواء، يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئًا. . . \" (¬٤).\rودل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٣٥).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (٦٤).\r(¬٣) الإمام العلم أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري. قال الذهبي: \"كان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علَّامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة وغير ذلك\"، له مصنفات مفيدة منها: جامع البيان في تفسير القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وغيرهما، توفي سنة ٣١٠ هـ.\rتاريخ بغداد (٢/ ١٦٢) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٢٦٤) وغاية النهاية (٢/ ١٠٦).\r(¬٤) تفسير ابن جرير الطبري (٣/ ٣٠١، ٣٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204289,"book_id":111,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":136,"body":"يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (¬١) على تفرد الرب ﷿ بذاته وأسمائه وصفاته التي لا نظير ولا مثيل له فيها، فذاته لا تشبه ذوات المخلوقين وكذلك أسماؤه وصفاته كما قال ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬٢).\rوالآيات الدالة على هذه المعاني كثيرة جدًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد من إيضاح ذلك في الفصول القادمة.","footnotes":"(¬١) سورة الحشر الآيات (٢٢، ٢٣، ٢٤).\r(¬٢) سورة الشورى آية (١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204290,"book_id":111,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":137,"body":"المبحث الثالث أنواع التوحيد\rإن المتتبع للقرآن الكريم يجده من أوله إلى آخره يقرر العقيدة الصحيحة ويبينها ويوضحها خير بيان وإيضاح.\rفسور القرآن الكريم متضمنة لجميع أنواع التوحيد.\rوعلماء الإسلام رحمهم الله تعالى قسموا التوحيد إلى أقسام، وذلك استنباط منهم من نصوص الكتاب والسنة.\rوهذه الأقسام منهم من يجعلها قسمين كالحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى ومنهم من يجعلها ثلاثة أقسام وعلى هذا درج أكثر العلماء، ومنهم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، ومنهم من يجعلها أربعة أقسام (¬١).\rوالحقيقة أن نصوص الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، لم يرد فيها تصربح بتقسيم التوحيد إلى أقسام، لكن هذه النصوص تضمنت هذا التقسيم الذي قسم العلماء التوحيد إليه، لأن المتتبع لهذه النصوص يجد قسمًا منها يتحدث عن أفعال الله ﵎ من الإحياء والإماتة والخلق والرزق وإنزال المطر وجلب النفع ودفع الضر، وغيرها، وهو ما يسميه العلماء توحيد الربوبية.","footnotes":"(¬١) انظر مقدمة كتاب التوحيد لابن منده، تحقيق الدكتور علي ناصر فقيهي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204291,"book_id":111,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":138,"body":"وقسم آخر من النصوص يتحدث عن بيان أسماء الله الحسنى وصفاته العلى التي اتصف بها الله ﵎ التي لا مثيل ولا نظير ولا شبيه له فيها وهو ما يسميه العلماء توحيد الأسماء والصفات.\rوقسم آخر من النصوص يبين وجوب إخلاص العمل لله ﷿، وإفراده بالعبادة دون سواه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهو ما يسميه العلماء توحيد الإلهية أو توحيد العبادة.\rيقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.\rفإن القرآن: إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه (¬١).\rوالخلاصة أن أنواع التوحيد لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة:\r١ - توحيد الله بأفعاله كالرزق والإحياء والإماتة وغيرها من أفعاله ﵎ وهو ما يسمى بتوحيد الربوبية.\r٢ - توحيد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي ليس له فيها نظير ولا","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204292,"book_id":111,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":139,"body":"شبيه ولا مثيل ﷿، وهو ما يسمى بتوحيد الأسماء والصفات.\r٣ - توحيد الله بأفعال العباد وهو صرف جميع أنواع العبادة له وحده دون سواه، وهو ما يسمى بتوحيد الألوهية.\rوالحقيقة أن تقسيم العلماء رحمهم الله تعالى لتوحيد إلى هذه الأقسام إنما هو عبارة عن تفسير وتوضيح وشرح لنصوص كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ، والخلاف الذي بينهم في تقسيم التوحيد وبيان أنواعه خلاف لفظي، لأنهم جميعا يتفقون على أن أنواع التوحيد لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة السابقة إلا أن الذين جعلوه نوعين جعلوا توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، نوعًا واحدًا، وسموه توحيد المعرفة والإثبات، وجعلوا توحيد الألوهية نوعًا مستقلًا والذين قسموه إلى أربعة أنواع جعلوا التوحيد في الأسماء نوعًا والتوحيد في الصفات نوعًا منفردًا بالإضافة إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.\rوهناك من يجعل النوع الرابع: هو توحيد المتابعة (¬١) للنبي ﷺ بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المشهورة.\rوقد تحدث ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته عن أنواع التوحيد وبينها وأوضحها، وهو ما سأتحدث عنه إن شاء الله تعالى في الفصول القادمة لأبين ما لابن رجب رحمه الله تعالى من أثر في توضيح هذه الأنواع.","footnotes":"(¬١) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢١٧) وكتاب القول المفيد في أدلة التوحيد للعبدلي (ص ٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204293,"book_id":111,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":140,"body":"المبحث الرابع العلاقة بين أنواع التوحيد\rبعد أن عرفنا فيما سبق حقيقة التوحيد وأنواعه التي هي توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، يحسن بنا أن نعرف العلاقة بين هذه الأنواع، وصلتها ببعضها، وهل هي متلازمة في الوجود بمعنى أن بعضها لا يوجد بدون الآخر؟ أم أنها غير متلازمة، وهل يغني اعتقاد بعضها فقط أم لابد من اعتقاد جميعها.\rوالحقيقة أن بينها علاقة متينة، وصلة قوية.\rفتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، لأنه من اعترف بأن الله ﷿ هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وأنه رب كل شيء ومليكه يحتم عليه ذلك أن يخلص العبادة له ﷿ بجميع أنواعها لأنه ﵎ ذو الألوهية المستحق للعبادة وحده دون سواه، لأن جميع الأمور بيده، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا هادي لمن أضل، ولا ضال لمن هدى سواه ﷿، ولهذا نجد الآيات الواردة في القرآن الكريم في توحيد الربوبية تحث وترشد إلى عبادة الله وحده، ونبذ عبادة ما سواه، وعدم صرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره ﷿، كما قال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204294,"book_id":111,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":141,"body":"أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (¬١).\rيقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة بأن جعل لهم الأرض فراشًا أي مهدًا كالفراش مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناءً، وهو السقف كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ (¬٢).\r﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والمراد به السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد رزقًا لهم، ولأنعامهم كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية بهذه آية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ (¬٣) ومضمونه أنه الخالق الرزاق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفي الصحيحين (¬٤) عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعل لله ندا وهو خلقك. . . \" الحديث (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة الآيتان (٢١ - ٢٢).\r(¬٢) سورة الأنبياء آية (٣٢).\r(¬٣) سورة غافر آية (٦٤).\r(¬٤) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥/ ١٤٨).\rوصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمهما بعده (١/ ٩٠).\r(¬٥) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204295,"book_id":111,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":142,"body":"وقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى حيث قال: . . . فإن من تفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحق أن يفرد بالألوهية والعبادة والسؤال والتضرع والاستكانة. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ (¬١). . . (¬٢).\rوقال أيضًا رحمه الله تعالى: . . . وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة أيضًا. . . وأن تقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا. . . (¬٣).\rوقال أيضًا رحمه الله تعالى: . . . فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعا، كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه. . . . (¬٤).\rفمن أقر بتوحيد الربوبية ولم يقر بتوحيد الألوهية، فإن ذلك لا ينفعه شيئًا، لأن المشركين كانوا مقرين بهذا النوع من التوحيد كما ذكر الله ﵎ ذلك في القرآن الكريم في آيات كثيرة.\rمنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ","footnotes":"(¬١) سورة الروم آية (١٢، ٢٢).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٨٤).\r(¬٣) نور الاقتباس (ص ٨٠).\r(¬٤) المصدر السابق (ص ٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204296,"book_id":111,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":143,"body":"وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ (¬١).\rومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (¬٢) وغيرها من الآيات ومع هذا لم ينفعه هذا الاعتراف، لأنهم لم يوحدوا الله ﵎ بالعبادة كما قال ﷿: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ (¬٣) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (¬٤).\rإذًا من اعترف بتوحيد الربوبية يلزمه أن يخلص العبادة لله وحده دون سواه، ومن لم يفعل ذلك فإن إقراره بتوحيد الربوبية لا ينفعه شيئًا كما لم ينفع المشركين من قبل.\rوأما توحيد الألوهية الذي يسمى توحيد العبادة، ويسمى أيضًا بتوحيد القصد والطلب، فإنه متضمن لتوحيد الربوبية، ومعنى كونه متضمنًا له أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الألوهية لأن من عبد الله وحده لا شريك له، وأخلص العبادة له لابد أن يكون قد اعتقد بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه لا رب سواه ولا مالك غيره، فهو يعبده لأنه يعلم أنه مستحق للعبادة دون سواه.","footnotes":"(¬١) سورة يونس آية (٣١).\r(¬٢) سورة المؤمنون من آية (٨٤ إلى ٨٩).\r(¬٣) سورة يوسف آية (١٠٦).\r(¬٤) سورة الزمر آية (٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204297,"book_id":111,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":144,"body":"ولذلك نجد الآيات الكثيرة تبين أن الآلهة التي عبدها المشركون من دون الله ليس بيدها شيء، وأنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا فهي لا تملك ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.\rومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ (¬٢).\rفهذه الآيات تبين للمشركين أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله غير مستحقة للعبادة، لأن الذي يستحق للعبادة هو من بيده الخلق والرزق والإحياء والإماتة، والضر، والنفع، وهو الله ﷾ وحده.\rفتوحيد الألوهية لا يصح بدون توحيد الربوبية لأن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا في عبادته لكنه مع ذلك اعتقد أن لغير الله تأثير في شيء من دفع ضر أو جلب نفع أو تصرف فعبادته لا تغني عنه شيئًا. يقول ابن أبي العز (¬٣) رحمه الله تعالى: التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة النحل الآيتان (٢٠ - ٢١).\r(¬٢) سورة النحل آية (٧٣).\r(¬٣) هو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي، عالم فقيه تولى القضاء بدمشق ثم بالديار المصرية، واستفاد من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم كثيرًا، له كتب مفيدة نافعة منها: شرح العقيدة الطحاوية، والإتباع، توفي سنة ٧٩٢ هـ رحمه الله تعالى.\rالدرر الكامنة (٣/ ٨٧) وشذرات الذهب (٦/ ٣٢٦).\r(¬٤) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204298,"book_id":111,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":145,"body":"وأما توحيد الأسماء والصفات فإنه مستلزم للنوعين الماضيين لأن من اعترف بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأنه لا نظير ولا شبيه ولا مثيل له في ذلك، يلزمه أن يعترف بأنه رب واحد لا شريك له ويلزمه أيضًا أن يخلص العبادة له وحده دون سواه.\rكما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الأسماء والصفات، لأن من أخلص العبادة لله وحده يعتقد أن الله واحد في أسمائه وصفاته مع عدم المثيل والنظير والشبيه له في ذلك، وإلا فلا معنى لعبادته بدون ذلك.\rوبهذا يتبين أن التوحيد الصحيح هو الإتيان بأنواع التوحيد كلها لأنها مرتبطة بعضها ببعض، ولا يتحقق التوحيد الصحيح إلا بها جميعًا. وهو ما جاءت به الآيات الكثيرة في كتاب الله ﵎ وجاءت به السنة النبوية.\rوهذا ما قرره علماء السلف رحمهم الله تعالى.\rيقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وملاك السعادة والنجاة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتاب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله ﷾ رسوله ﷺ، وإليهما دعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم من أولهم إلى آخرهم. . . (¬١).\rويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معرض كلامه من أنواع التوحيد: . . . وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب. . . (¬٢).","footnotes":"(¬١) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (ص ٢٧).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204299,"book_id":111,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":146,"body":"الفصل الثاني توحيد الربوبية\rويشتمل على المباحث الآتية:\rالمبحث الأول: تعريفه لغة.\rالمبحث الثاني: تعريفه شرعًا.\rالمبحث الثالث: دلائل توحيد الربوبية:\r١ - دلالة الفطرة.\r٢ - دلالة النعم.\r٣ - دلالة خلق السموات والأرض.\r٤ - دلالة خلق النبات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204300,"book_id":111,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":147,"body":"المبحث الأول تعريف توحيد الربوبية لغة\rالربوبية مصدر من رب يرب ربابة وربوبية.\rقال الراغب الأصفهاني: الربوبية مصدر يقال في الله ﷿، والربابة تقال في غيره (¬١).\rقال الجوهري: رب كل شيء: مالكه.\rوالرب: اسم من أسماء الله ﷿، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك.\rقال الحارث بن حلزة (¬٢):\rوهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء\rوالرباني: المتأله العارف بالله تعالى، وقد قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (¬٣) ورببت القوم: سستهم، أي كنت فوقهم.\rقال أبو نصر: وهو من الربوبية، ومنه قول صفوان: لأن يربني","footnotes":"(¬١) المفردات في غريب القرآن (ص ١٨٤).\r(¬٢) الحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد اليشكري الوائلي، شاعر جاهلي، من أهل بادية العراق، وهو أحد أصحاب المعلقات.\rطبقات فحول الشعراء لابن سلام (١/ ١٥١) والشعر والشعراء لابن قتيبة (١/ ٢٠٣).\r(¬٣) سورة آل عمران آية (٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204301,"book_id":111,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":148,"body":"رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.\rورب الضيعة، أي أصلحها وأتمها.\rورب فلان ولده يربه ربًا، وترببه، بمعنى أي رباه (¬١).\rوقال الراغب الأصفهاني أيضًا: الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام، ويقال: ربه ورباه ورببه .... ولا يقال: الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (¬٢) وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ (¬٣) وبالإضافة يقال له ولغيره نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (¬٤) و ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (¬٥).\rويقال: رب الدار ورب الفرس لصاحبهما ... (¬٦).\rوقال ابن منظور (¬٧): رب كل شيء مالكه ومستحقه.\rوقيل: صاحبه.","footnotes":"(¬١) الصحاح (١/ ١٣٠).\r(¬٢) سورة سبأ آية (١٥).\r(¬٣) سورة آل عمران آية (٨٠).\r(¬٤) سورة الفاتحة (٢).\r(¬٥) سورة الدخان آية (٨).\r(¬٦) المفردات في غريب القرآن (ص ١٨٤).\r(¬٧) جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد بن أبي القاسم الأنصاري الإفريقي المعروف بابن منظور، أديب لغوي، شارك في علوم كثيرة، له مصنفات كثيرة منها: لسان العرب، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، توفي سنة ٧١١ هـ.\rبغية الوعاة (١/ ٢٤٨) وحسن المحاضرة (١/ ٢١٩) وشذرات الذهب (٦/ ٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204302,"book_id":111,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":149,"body":"ويقال: فلان رب هذا الشيء أي ملكه له.\rوكل من ملك شيئًا، فهو ربه، يقال هو رب الدابة، ورب الدار وفلان رب البيت ... (¬١).\rويطلق الرب في اللغة على معان عدة، قال ابن الأثير: الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال: رب كذا، وقد جاء في الشعر مطلقًا على غير الله تعالى، وليس بالكثير (¬٢).\rوقد ورد في الحديث لفظ الرب مضافًا إلى غير الله تعالى كما في صحيح مسلم عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ أمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها (¬٣).\rوأما قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (¬٤) فكما قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: \" ... فإنه خاطبه على المتعارف عندهم، وعلى ما كانوا يسمونهم به، ومثله قول موسى ﵇ للسامري ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ (¬٥) أي الذي اتخذته إلهًا.\rفأما الحديث في ضالة الإبل: (حتى يلقاها ربها) (¬٦) فإن البهائم غير","footnotes":"(¬١) لسان العرب (١/ ٣٩٩).\r(¬٢) النهاية لابن الأثير (٢/ ١٧٩).\r(¬٣) صحيح مسلم كتاب البيوع، باب كراء الأرض بالطعام (٣/ ١١٨١).\r(¬٤) سورة يوسف آية (٤٢).\r(¬٥) سورة طه آية (٩٧).\r(¬٦) جزء من حديث أخرجه البخاري (٣/ ٧٩) ومسلم (٣/ ١٣٤٨) من حديث خالد الجهني أنه سأل الرسول ﷺ عن ضالة الإبل فقال: \"ما لك وما لها؟ ، معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204303,"book_id":111,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":150,"body":"متعبدة ولا مخاطبة، فهى بمنزلة الأموال التى يجوز إضافة مالكيها إليها وجعلهم أربابًا لها\" (¬١).\rوخلاصة القول: أن الله ﷾ هو مالكنا، وهو سيدنا ومصلحنا وهو المطاع ﷿، والعباد كلهم له مملوكون ﵎.\rيقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته، وتحت قهره (¬٢).","footnotes":"(¬١) النهاية لابن الأثير (٢/ ١٧٩).\r(¬٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204304,"book_id":111,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":151,"body":"المبحث الثاني تعريف توحيد الربوبية شرعًا\rيقصد بتوحيد الربوبية الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى وحده هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق الرزاق المحيي المميت الضار النافع المعطي المانع المتصرف في هذا الكون بمشيئته المطلقة، وليس له شريك في شيء من تلك الخصائص والصفات.\rوربوبية الله على خلقه تعني تفرده سبحانه في خلقهم وملكهم، وتدبير شؤونهم، فلا شريك له في الخلق، ولا شريك له في تصريف الأمور ولا يتم شيء في هذا الوجود صغير أو كبير إلا بإذنه تعالى وبمشيئته.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ... فتوحيد الربوبية أنه لا خالق إلا الله فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (¬١).\rوقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا المعنى فقال في معرض شرحه لحديث (¬٢) وصية ابن عباس: ... ثم ذكر بعد هذا كله","footnotes":"(¬١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٠/ ٣٣١).\r(¬٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٩٣) وقال أحمد: إسناده صحيح، حديث رقم (٢٦٦٩) وأخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة (٤/ ٦٦٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وانظر طرق هذا الحديث والكلام عليها في مقدمة كتاب نور الاقتباس تحقيق محمد العجمي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204305,"book_id":111,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":152,"body":"الأصل الجامع الذي يبنى عليه هذه المطالب، وهو تفرد الله ﷾ بالضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كله إلا ما سبق تقديره وقضاءه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو دفع ضر غير مقدر في الكتاب السابق، وتحقيق هذا يقتضي انقطاع العبد عن التعلق بالخلق، وعن سؤالهم واستعانتهم ورجائهم بجلب نفع أو دفع ضر، وخوفهم من إيصال ضر أو منع نفع، وذلك يستلزم إفراد الله سبحانه بالطاعة والعبادة ... (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وإن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار النافع والمعطي والمانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﷿، وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار ولهذا ذم الله سبحانه من يعبد ما لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا.\rوأيضًا فكثير ممن لا يحقق الإيمان في قلبه يقدم طاعة مخلوق على طاعة الله رجاء نفعه أو دفعًا لضره، فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم جميعًا كما يوجب ذلك أيضًا إفراده سبحانه بالاستعانة به، والطلب منه ... (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ: \"ما شئت كان وما لم تشأ لم","footnotes":"(¬١) نور الاقتباس (ص ٨٠).\r(¬٢) المصدر السابق (ص ٧٨، ٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204306,"book_id":111,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":153,"body":"يكن ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير\" (¬١). قال: فتبرأ من حوله وقوته ومشيئته بدون مشيئة الله وحوله وقوته وإقراره بقدرته على كل شيء، فإن العبد عاجز عن كل شيء إلا ما قواه عليه ربه، ففي هذا الكلام إفراد الرب بالحول والقوة والقدرة والمشيئة، فإن العبد غير قادر على ذلك كله إلا ما يقدره عليه مولاه وهذا نهاية توحيد الربوبية (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلم عن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله: ... فإن تحقيق هذه الكلمة يقتضي تفويض الأمور إلى الله، وأنه لا يكون إلا ما شاء، والإيمان بذلك يذهب الهم والغم ... (¬٣).\rوقد أوضح الله ﵎ هذا النوع من التوحيد أوضح بيان، ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن من ذكره أو الإشارة إليه.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد دل القرآن على هذا الأصل وهو تفرد الله سبحانه بالعطاء والمنع في مواضع كثيرة جدًا كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ (¬٤).\rوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ... ﴾ الآية (¬٥).\rوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ","footnotes":"(¬١) هذا جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (٥/ ١٩١) والحاكم (١/ ١٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\r(¬٢) شرح حديث زيد بن ثابت \"لبيك اللهم لبيك\" ورقة (٥).\r(¬٣) نور الاقتباس (ص ٨٣، ٨٤).\r(¬٤) سورة فاطر آية (٢).\r(¬٥) سورة يونس آية (١٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204307,"book_id":111,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":154,"body":"هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (¬١).\rوقوله تعالى حاكيًا عن نبيه نوح ﵇ لقومه: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى حاكيًا عن نبيه هود ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ... ﴾ (¬٣) (¬٤).\rومن الآيات التي دلت على هذا النوع من التوحيد مما لم يذكره ابن رجب رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ (¬٥).\rوقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا","footnotes":"(¬١) سورة الزمر آية (٣٨).\r(¬٢) سورة يونس آية (٧١).\r(¬٣) سورة هود من آية (٥٤ إلى ٥٦).\r(¬٤) نور الاقتباس (ص ٨١).\r(¬٥) سورة يس الآيتان (٨٢، ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204308,"book_id":111,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":155,"body":"يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ (¬٣).\rوهكذا نجد الآيات الكثيرة التي تبين تفرد الرب ﵎ بتوحيد الربوبية، سواء كان على وجه الإجمال أو على وجه التفصيل فكلها تبين أن الأمور كلها بيد الله ﷿، وأن كل ما يحدث في الكون من صغير وكبير إنما هو بقدرته ومشيئته ﷿.\rوهذا يقتضي من العبد التعرف على ربه ﷿ وخشيته ومحبته وخوفه ورجائه إذ لا صلاح له ولا سعادة إلا بذلك لأن معرفة العبد ربه من أهم المهمات وأعظم الواجبات التي يجب على العبد معرفتها، ولا تنفع الطاعة ما لم تكن معها معرفة وتقوى.\rوقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى فقال: فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه (¬٤).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالعلم النافع وهو ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب من","footnotes":"(¬١) سورة النمل من آية (٦٠ إلى ٦٤).\r(¬٢) سورة السجدة آية (٢٧).\r(¬٣) سورة الحديد آية (١٧).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (١/ ١٨١، ١٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204309,"book_id":111,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":156,"body":"عند الله ﵎ فقال: ... فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة، إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يهتدى في ظلمات الجهل والشبه والشكوك، ولهذا سمى الله كتابه نورا يهتدى به في الظلمات. قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ (¬١) ... (¬٢).\rكما بين أيضًا رحمه الله تعالى أن معرفة الله ﵎ وخشيته ومحبته والأنس به جنة معجلة في الدنيا، وهذه الجنة لا تحصل إلا لمن دله علمه عليها وهو العلم النافع الذي تكون نهايته دخول الجنة، وأما من لم يتعلم العلم النافع الذي هو معرفة الله وخشيته فإنه يحرم جنة الدنيا المعجلة ونهايته في الآخرة والعياذ بالله العذاب الأليم وما ذلك إلا بسبب عدم الانتفاع بالعلم الذي تعلمه فقال رحمه الله تعالى: اعلم أن في الدنيا جنة معجلة وهي معرفة الله ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك، فمن دله علمه على دخول الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة، ولهذا كان أشد الناس عذابًا في الآخرة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة، حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخس الأمور وأدناها وأحقرها فهو كمن معه جواهر نفيسة لها قيمة فباعها ببعرة أو شيء","footnotes":"(¬١) سورة المائدة الآيتان (١٥، ١٦).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204310,"book_id":111,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":157,"body":"مستقذر، ولا ينتفع به، فهذا حال من يطلب الدنيا بعلمه بل أقبح ... (¬١).\rوقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى في حديث وصية ابن عباس عن معرفة العبد لربه، وذكر أن معرفة العبد لربه على نوعين حيث قال رحمه الله تعالى: ... فمعرفة العبد لربه نوعان:\rأحدهما: المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرار به، والتصديق والإيمان، وهي عامة للمؤمنين.\rوالثاني: معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه، والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون كما قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها، وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: \"معرفة الله ﷿\" (¬٢).\rكما ذكر رحمه الله تعالى أن معرفة الله لعبده نوعان فقال: ومعرفة الله أيضًا لعبده نوعان:\rمعرفة عامة: وهي علمه تعالى بعباده، واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) كتاب لطائف المعارف (ص ١٩١).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٩٠، ٩١).\r(¬٣) سورة ق آية (١٦).\r(¬٤) سورة النجم آية (٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204311,"book_id":111,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":158,"body":"والثاني: معرفة خاصة: وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه: \" ... ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه\" (¬١) إلى أن قال: \"وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته\" (¬٢).\rوقال أيضًا رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ: \"تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة\".\rيعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه إليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه المعرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه ومحبته له وإجابته لدعائه (¬٣).\rوقد بيّن الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى مراتب معرفة الله تعالى فقال: من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة، ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء، ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر والملك، ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته، وإغاثة لهفته وقضاء حاجته.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (٧/ ١٩٠).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٩١، ٩٢، ٩٣).\r(¬٣) المصدر السابق (٢/ ٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204312,"book_id":111,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":159,"body":"وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه، فإنه يعرف ربًا قد اجتمعت له صفات الكمال، ونعوت الجلال، منزّه عن المثال، بريء من النقائص والعيوب له كل اسم حسن وكل وصف كمال، فعال لما يريد، فوق كل شيء، ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيم لكل شيء، آمر، ناه، متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيء، أرحم الراحمين وأقدر القادرين وأحكم الحاكمين، فالقرآن أنزل لتعريف عباده به وبصراطه الموصل إليه، وبحال السالكين بعد الوصول إليه (¬١).\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى أن أفضل العلم وأحسنه هو العلم بالله ﷿ وبأسمائه وصفاته التي تجعل العبد يزداد خشية ومحبة وإجلالًا لله ﷿، فقال: ... فأفضل العلم العلم بالله وهو العلم بأسمائه وصفاته وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته والتبتل إليه والتوكل عليه والصبر والرضا عنه والاشتغال به دون خلقه.\rوتبع ذلك العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.\rومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله العلماء بأمره وهم أكمل ممن قصر علمه على العلم بالله دون العلم بأمره، وبالعكس (¬٢).","footnotes":"(¬١) الفوائد (ص ٢٣٣).\r(¬٢) شرح حديث أبي الدرداء (ص ٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204313,"book_id":111,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":160,"body":"المبحث الثالث دلائل توحيد الربوبية\rذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن كل ما في الكون من مخلوقات دليل على تفرد الرب ﵎ بالربوبية على خلقه أجمعين حيث قال: كل ما في الدنيا يدل على صانعه، ويذكر به، ويدل على صفاته، فما فيها من نعيم وراحة يدل على كرم خالقه، وفضله وإحسانه، وجوده، ولطفه.\rوما فيها من نقمة وشدة وعذاب يدل على شدة بأسه وبطشه وقهره وانتقامه.\rواختلاف أحوال الدنيا من حر وبرد وليل ونهار وغير ذلك يدل على انقضائها، وزوالها ... (¬١).\rوقال أيضًا رحمه الله تعالى: وفي القرآن شىء كثير من التذكير بآيات الله الدالة على عظمته، وقدرته، وجلاله، وكماله، وكبريائه، ورأفته، ورحمته وبطشه، وقهره، وانتقامه إلى غير ذلك من صفاته العلى وأسمائه الحسنى، والندب إلى التفكر في مصنوعاته الدالة على كماله، فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال، ولا كمال في الحقيقة إلا له ﷾ (¬٢).","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٣٣٣).\r(¬٢) استنشاق نسيم الأنس (ص ٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204314,"book_id":111,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":161,"body":"فالتفكر والتأمل في الكون الكبير بسماواته وأرضه وإنسانه وحيوانه ونباته وجماده بكل ما فيها من عجائب فيه دلالة تهدي الإنسان إلى ربه وتسوقه إلى الحق والخير ولذلك يقول القائل:\rوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد (¬١)\rوالقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث على النظر والتدبر والتأمل في آيات الله ﵎ المحسوسة المشاهدة التي يراها كل أحد صغيرًا وكبيرًا وذكرًا أو أنثى بل جميع الناس على مختلف مستوياتهم لتكون دليلًا لهم على وحدانية الله ﵎ وأنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة دون سواه.\rيقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى التفكر فيه أوقعك على العلم به، ﷾ وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره ولطفه، وعدله ورضاه، وغضبه وعقابه فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته (¬٢).\rومن تلك الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ (¬٣).\rومن ذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ (¬٤) وغيرها من الآيات التي ترشد","footnotes":"(¬١) البيت من شعر أبي العتاهية.\rانظر: أبو العتاهية أشعاره وأخباره (ص ١٠٤).\r(¬٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٣٧).\r(¬٣) سورة الغاشية الآيات (١٧ - ٢٠).\r(¬٤) سورة لقمان الآيتان (١٠، ١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204315,"book_id":111,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":162,"body":"وتلفت الأنظار إلى التفكر إلى هذا الكون وما فيه من مخلوقات عظيمة تدل على عظم خالقها، وأنه المستحق للعبادة دون سواه.\rوالأدلة والبراهين الدالة على عظمة الله ﵎ لا تعد ولا تحصى ولذلك يقول الله ﵎: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ (¬١).\rوسأقتصر على بيان وإيضاح بعض الدلائل التي تدل على توحيد الربوبية وهي الدلائل التي تعرض لها وذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته وهي الدلائل الآتية:\r١ - دلالة الفطرة.\r٢ - دلالة النعم.\r٣ - دلالة خلق السموات والأرض.\r٤ - دلالة خلق النبات.\r١ - دلالة الفطرة:\rفطر الله ﵎ الخلق على توحيده وعبادته، فما من مولود يولد وإلا ويولد على توحيد الله ﷿ كما جاءت بذلك النصوص الكثيرة في كتاب الله ﵎ وسنة رسوله ﷺ.\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه الدلالة فقال عند شرحه لحديث: \"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) سورة فصلت آية (٥٣).\r(¬٢) جزء من حديث أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة، باب تفسير البر والإثم (٤/ ١٩٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204316,"book_id":111,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":163,"body":"قال: ... وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور من ضده ويدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حمار: \"إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا\" (¬١).\rوقوله: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء قال أبو هريرة ﵁: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (¬٢) ... \" (¬٣).\rولهذا سمى الله ما أمر به معروفًا، وما نهى عنه منكرًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (¬٤).\rوقال تعالى في صفة الرسول ﷺ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (¬٥).\rوأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره، فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح سكن للحق، واطمأن به، ويقبله وينفر من الباطل ويكرهه ولا يقبله (¬٦).","footnotes":"(¬١) مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٧).\r(¬٢) سورة الروم آية (٣٠).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٠).\rومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (٤/ ٢٠٤٧).\r(¬٤) سورة النحل آية (٩٠).\r(¬٥) سورة الأعراف آية (١٥٧).\r(¬٦) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204317,"book_id":111,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":164,"body":"وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى أهمية التربية والتعليم، فبيّن أن الله ﷾ فطر خلقه على معرفته والإيمان به، ولكن البيئة التي يعيش الإنسان فيها، والتربية التي يتربى عليها والتعليم الذي يتعلمه، كلها لها دور كبير في استمرار المولود على ما فطر عليه وهو دين الإسلام أو الانحراف عنه لأن شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض في تزيين الشبهات والشهوات التي تبعد العبد عن هذه الفطرة السليمة.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى عند شرحه للحديث القدسي: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ... \" (¬١) وقوله: \"كلكم ضال إلا من هديته\" قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ يقول الله ﷿: (خلقت عبادي حنفاء) وفي رواية: \"مسلمين فاجتالتهم الشياطين\" (¬٢) وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، ولكن لابد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعلم جاهل لا يعلم شيئًا كما قال ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (¬٣).\rوقال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ (¬٤) والمراد وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ (¬٥).","footnotes":"(¬١) هذا جزء من حديث قدسي طويل أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) من حديث أبي ذر.\r(¬٢) سبق تخريجه (ص ١٧٣).\r(¬٣) سورة النحل آية (٧٨).\r(¬٤) سورة الضحى آية (٧).\r(¬٥) سورة الشورى آية (٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204318,"book_id":111,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":165,"body":"فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق، فإن هداه الله تعالى سبب له من يعلمه الهدى، فصار مهديًا بالفعل بعد أن كان بالقوة، وإن خذله الله قيض له من يعلمه ما يغير فطرته كما قال ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (¬١) ... \" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا عند قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (¬٣) قال: \"فأمره بإقامة وجهه وهو إخلاص قصده وعزمه وهمِّه للدين الحنيف وهو الدين القيم وهو فطرة الله التي فطر العباد عليها، فإن الله ركب في قلوب عباده كلهم قبول توحيده والإخلاص له، وإنما يغيرهم عن ذلك تعليم من علمهم الخروج عنه\" (¬٤).\r٢ - دلالة نعم الله ﵎:\rأنعم الله ﵎ على عباده بنعم كثيرة ظاهرة وباطنه لا تعد ولا تحصى منها نعمة السمع والبصر، ونعمة الخلق والإيجاد وغيرها من النعم كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ (¬٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ (¬٦).\rومن نعم الله ﵎ علينا إنزال الأمطار من السماء لتنبت","footnotes":"(¬١) سبق تخريجه (ص ١٧٣).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٨٥، ١٨٦).\r(¬٣) سورة الروم آية (٣٠).\r(¬٤) فتح الباري (٣/ ٢٧).\r(¬٥) سورة المؤمنون آية (٧٨).\r(¬٦) سورة النحل آية (٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204319,"book_id":111,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":166,"body":"الأشجار وتخرج الثمار كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (¬١).\rفالنعم الكثيرة التي أنعم الله بها علينا ﵎ تدل على تفرده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والضر والنفع، وأنه ﷾ هو المستحق للعبادة دون سواه.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل سلامى من الناس عليه صدقة ... \" (¬٢) الحديث.\rقال: ومعنى الحديث أن تركب هذه العظام، وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه ليكون ذلك شكرًا لهذه النعمة.\rقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ (¬٣).\rوقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ (¬٤).\rوقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ","footnotes":"(¬١) سورة ق الآيات (٩ - ١١).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب فضل الإصلاح بين الناس (٣/ ١٧١) ومسلم: كتاب الزكاة - باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (٢/ ٦٩٩).\r(¬٣) سورة الانفطار الآيات (٦ - ٨).\r(¬٤) سورة الملك آية (٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204320,"book_id":111,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":167,"body":"السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ (¬١).\rوقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)﴾ (¬٢).\rقال مجاهد (¬٣): هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر (¬٤) إلى أن قال رحمه الله تعالى: والمقصود أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (¬٥) وطلب منهم الشكر، والرضا به منهم (¬٦).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: فإذا وفّق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر، كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النعم وأحبّ إلى الله ﷿، فإن الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها، والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحبّ إليهم من أموالهم فهم يبذلونها طلبًا للثناء، والله ﷿ أكرم الأكرمين وأجود الأجودين فهو يبذل نعمه لعباده ويطلب منهم الثناء بها، وذكرها منهم، والحمد عليها ويرضى منهم بذلك شكرا عليها، وإن كان ذلك كله من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده حيث كان صلاح العبد وفلاحه، وكماله فيه، ومن فضله سبحانه أنه نسب","footnotes":"(¬١) سورة النحل آية (٧٨).\r(¬٢) سورة البلد الآيتان (٨، ٩).\r(¬٣) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي شيخ القراء والمفسرين قال ابن سعد: \"مجاهد ثقة فقيه عالم كثير الحديث\"، توفي سنة ١٠٢ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩) والبداية والنهاية (٩/ ٢٣٢).\r(¬٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ١٩٩) من قول قتادة، وكذا عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٢١) لقتادة.\r(¬٥) سورة إبراهيم آية (٣٤).\r(¬٦) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٢٧ - ٢٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204321,"book_id":111,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":168,"body":"الحمد والشكر إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، واستقرض منهم بعضه، ومدحهم بإعطائه، والكل ملكه، ومن فضله ولكن كرمه اقتضى ذلك (¬١).\r٣ - دلالة خلق السموات والأرض:\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: وإنما يعبد الله سبحانه بعد العلم به ومعرفته، ولذلك خلق السموات والأرض، وما فيها للاستدلال بهما على توحيده وعظمته كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (¬٢) (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: ... وأخبر ﷾ أنه إنما خلق السموات والأرض، ونزل الأمر لنعلم بذلك قدرته وعلمه فيكون دليلا على معرفته، ومعرفة صفاته كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٢) (¬٤).\rفخلق السموات والأرض من أعظم الآيات الواضحة الدالة على ربوبية الله ﵎، لأن السموات جعلها الله سقفًا محفوظًا تتألف من سبع سموات، وفيها من مخلوقات الله العجيبة ما لا يعلمه إلا الله، فهي تسير بنظام دقيق بلا اختلاف، ولا خلل لأن الله ﵎ هو الذي يسيرها بقدرته وحكمته كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦).\r(¬٢) سورة الطلاق آية (١٢).\r(¬٣) استنشاق نسيم الأنس (ص ٤٥).\r(¬٤) شرح حديث أبي الدرداء (ص ١١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204322,"book_id":111,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":169,"body":"مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ (¬١).\rكما أن الذي أقامها وأمسكها بلا عمد نراها وهي بعيدة المدى إنما هو الخالق القادر على كل شيء المستحق للعبادة وحده دون سواه يقول المولى ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ (¬٢).\rويقول ﷿: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (¬٣).\rولهذا لفت الله ﷾ عباده إلى النظر في السموات والتفكر في خلقها فقال ﷿: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ (¬٤).\rوخلق الأرض وما فيها من جبال وأحجار وأشجار وأنهار وبحار وغيرها من مخلوقات الله تعالى الظاهرة والباطنة التي ينتفع بها الإنسان في حياته، فإنها لأدلة واضحة على عظم خلق الله ﷿ وإبداع صنعه وقد نبه الله ﵎ عباده على ذلك فقال ﷿: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ (¬٥).\rفخلق السموات والأرض من أعظم دلائل الربوبية كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا","footnotes":"(¬١) سورة الملك الآيتان (٣، ٤).\r(¬٢) سورة فاطر آية (٤١).\r(¬٣) سورة لقمان آية (١٠).\r(¬٤) سورة الغاشية الآيتان (١٧، ١٨).\r(¬٥) سورة الذاريات آية (٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204323,"book_id":111,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":170,"body":"يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ (¬١) وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (¬٢).\rوقد ذم الله ﷾ المعرضين عن التفكر في خلق السموات والأرض وما أودعه ﷿ فيهما من مخلوقات فقال ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ (¬٣).\rوقال ﷿: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ (¬٤).\rيقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: يخبر الله تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق، وجنات وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات المتفرد بالدوام والبقاء، والصمدية للأسماء والصفات وغير ذلك (¬٥).\rوقال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا عظم خلق السموات والأرض وما فيهما من مخلوقات عظيمة عجيبة تدل دلالة واضحة على عظم خالقها ومبدعها وهو الله ﵎ الذي أحكم وأحسن كل شيء خلقه ﷿.","footnotes":"(¬١) سورة غافر آية (٥٧).\r(¬٢) سورة يونس آية (١٠١).\r(¬٣) سورة الأنبياء آية (٣٢).\r(¬٤) سورة يوسف آية (١٠٥).\r(¬٥) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204324,"book_id":111,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":171,"body":"فقال عن السماء: \"فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوًا كالنار، ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة ولا عمد تحتها ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ثم تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها، ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له\" (¬١).\rوقال عن الأرض: \"وإذا نظرت إلى الأرض وكيف خلقت، رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشًا ومهادًا وذللها لعباده وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها بالجبال، فجعلها أوتادًا تحفظها لئلا تميد بهم، ووسع أكنافها ودحاها فمدها وبسطها، وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتًا للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتًا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرها وطن للأحياء، وبطنها وطن للأموات، وقد أكثر تعالى من ذكر الأرض في كتابه ودعا عباده إلى النظر إليها والتفكر في خلقها ... \" (¬٢).\r٤ - دلالة خلق النبات:\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: تدقيق النظر والفكر في حال النبات يستدل به المؤمن على عظمة خالقه وكمال قدرته ورحمته فتزداد القلوب هيمانًا في محبته، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ","footnotes":"(¬١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٦٠).\r(¬٢) المصدر السابق (١/ ٢٥١، ٢٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204325,"book_id":111,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":172,"body":"حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ (¬١).\rزمان الربيع كله واعظ يذكر بعظمة موجده وكمال قدرته ويشوق إلى طيب مجاورته في دار كرامته ...\rسبحان من سبحت المخلوقات بحمده، فملأ الأكوان تحميده وأفصحت الكائنات، والشهادة بوحدانيته، فوضح توحيده يسبحه النبات جمعه وفريده، والشجر عتيقه وجديده ... (¬٢).\rفلو نظر الإنسان إلى عالم النبات وما فيه من عجائب مخلوقات الله لأدرك عظمة الخالق ﵎، ولقاده ذلك إلى إفراده بالعبادة دون سواه.\rفلو نظرنا إلى الحبة تكون في باطن الأرض فتنمو ويخرج ساقها شاقًا لنفسه طريقًا بين التراب ثم تكبر شيئًا فشيئًا حتى تكون شجرة ثم تخرج الثمرة تؤتي أكلها في حينها بإذن الله ﷿.\rولو نظرنا إلى البساتين، وما تخرجه بإذن الله تعالى من ثمار مختلفة لرأينا العجب العجاب في صنع الله فتبارك الله أحسن الخالقين.\rوقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك وأوضحه وبيّنه، فقال: هذا عود شجر الكرم يكون يابسًا طول الشتاء ثم إذا جاء الربيع دب فمه الماء واخضرّ ... ، ثم يخرج الحصرم (¬٣) فينتفع الناس به","footnotes":"(¬١) سورة الأنعام آية (٩٩).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٣٣٠، ٣٣١).\r(¬٣) الحصرم: أول العنب، ولا يزال العنب ما دام أخضر حصرمًا، وهو حامض. الصحاح (٥/ ١٩٠٠) ولسان العرب (١٢/ ١٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204326,"book_id":111,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":173,"body":"حامضًا، ويتناولون منه طبخًا واعتصارًا ثم ينقلب حلوًا فينتفع الناس به حلوًا رطبًا ويابسًا، ويستخرجون منه ما ينتفعون بحلاوته طول العام، وما يأتدمون بحمضه، وهو نعم الإدام.\rفهذه التنقلات توجب للعاقل الدهش والتعجب من صنع صانعه وقدرة خالقه، فينبغي أن يفرغ عقله للتفكر في هذه النعم والشكر عليها.\rوأما الجاهل فيأخذ العنب فيجعله خمرًا فيغطي به العقل الذي ينبغي أن يستعمل في الفكر والشكر حتى ينسى خالقه المنعم عليه بهذه النعم كلها، فلا يستطيع بعد الشكر أن يذكره ويشكره بل ينسى من خلقه ورزقه، فلا يعرفه في شكره بالكلية، وهذه نهاية كفران النعم (¬١).\rفالنبات وما فيه من عجائب من الآيات الكبيرة والدلائل العظيمة على عظم خالقه وموجده وأنه المستحق للعبادة دون سواه وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على أن المقصود الأول من هذه النباتات إنما هو للدلالة على معرفة عظمة خالقه وكمال قدرة موجده.\rومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ (¬٢).\rومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٣٣١).\r(¬٢) سورة الأنعام آية (٩٥).\r(¬٣) سورة النحل الآيتان (١٠، ١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204327,"book_id":111,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":174,"body":"ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ (¬١).\rوقد بيّن الله ﷾ في القرآن الكريم أن اختلاف النباتات في الطعم رغم الاتحاد في التربة والماء من العلامات الكبرى لمن تأمل وعقل وتدبر، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ (¬٢).\rقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها أفضل من بعض مع اجتماعها على شراب واحد ... (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ (¬٤).\rوقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ (¬٥).\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله ﷻ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي","footnotes":"(¬١) سورة الحج آية (٦٣).\r(¬٢) سورة الرعد آية (٤).\r(¬٣) تفسير الطبري (١٣/ ٩٨).\r(¬٤) سورة الزمر آية (٢١).\r(¬٥) سورة غافر آية (١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204328,"book_id":111,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":175,"body":"من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء ﴿وَمَا يَتَذَكَّر﴾ أي يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ أي من هو بصير منيب إلى الله ﵎ (¬١).\rوقال محمد الأمين الشنقيطي (¬٢) رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: \"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه آياته، أي الكونية القدرية ليجعلها علامات لهم على ربوبيته، واستحقاقه العبادة وحده، ومن تلك الآيات الليل والنهار والشمس والقمر كما قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (¬٣) الآية.\rومنها السموات والأرض، وما فيها، والنجوم، والرياح، والسحاب والبحار والأنهار، والعيون والجبال والأشجار، وآثار قوم هلكوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٣).\r(¬٢) محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي الجكني، العلامة الأصولي المفسر اللغوي، طلب العلم وحفظ القرآن وهو صغير، ودرس مختلف علوم الشريعة، وكان من كبار العلماء، توفي سنة ١٣٩٣ هـ.\rمقدمة أضواء البيان (١/ ٣ - ٦٤) حيث ترجم له تلميذه عطية محمد سالم.\rعلماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب (١٦١ - ١٨١) والمستدرك على معجم المؤلفين لكحالة (ص ٦٠٧).\r(¬٣) سورة فصلت آية (٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204329,"book_id":111,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":176,"body":"بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ (¬٤).\rوما ذكره جل وعلا في آية المؤمن، من أنه هو الذي يري خلقه آياته بينة وزاده إيضاحًا في غير هذا الموضع، فبيّن أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد ﷺ حق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (¬٥) \" (¬٦).\rوالذي نخلص إليه مما تقدم أن هذه الدلالات والآيات دليل واضح على أن لهذا الكون إلهًا قادرًا حكيمًا يتصرف فيه كيف شاء بيده الخلق والأمر وهو الله ﷾ المستحق للعبادة دون سواه.","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (١٦٤).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (١٩٠).\r(¬٣) سورة الجاثية الآيتان (٣ - ٥).\r(¬٤) سورة يونس آية (٦).\r(¬٥) سورة فصلت آية (٥٣).\r(¬٦) أضواء البيان (٧/ ٧٤، ٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204330,"book_id":111,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":177,"body":"الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات\rويشتمل على المباحث الآتية:\rالمبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.\rالمبحث الثاني: مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وترجيح ابن رجب له.\rالمبحث الثالث: أدلة توحيد الأسماء والصفات.\rالمبحث الرابع: بيانه أن السلف أعلم ومذهبهم أسلم وأحكم.\rالمبحث الخامس: بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن.\rالمبحث السادس: بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى.\rالمبحث السابع: ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب ﵀ نعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204331,"book_id":111,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":178,"body":"١ - صفة العلم.\r٢ - صفة الغنى.\r٣ - صفة المعية.\r٤ - صفة المجيء والإتيان.\r٥ - صفة النزول.\rالمبحث الثامن: شبه حول صفة النزول والرد عليها.\rالمبحث التاسع: رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة.\rالمبحث العاشر: تنزيه الله ﷾ من نسبة الولد إليه.\rالمبحث الحادي عشر: علم الكلام وكلام ابن رجب عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204332,"book_id":111,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":179,"body":"المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات\rهو إفراد الله ﷾ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى التي وردت في الكتاب والسنة وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من غير تحريف (¬١) لألفاظها أو معانيها ولا تعطيلها (¬٢) بنفيها أو نفي بعضها عن الله ﷿، ولا تكييفها (¬٣) بتحديد كنهها أو إثبات كيفية معينة لها ولا تمثيلها (¬٤) أو تشبيهها (¬٥) بصفات المخلوقين وإنما إثبات يليق بجلاله وعظمته وكبريائه ﷿","footnotes":"(¬١) التحريف هو: تغيير ألفاظ أسماء الله الحسنى وصفاته العلى أو تغيير معانيها إلى معان باطلة لا يدل عليها الكتاب والسنة.\rفالتحريف اللفظي مثل نصب لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ليكون التكلم من موسى.\rوالتحريف المعنوي كتحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله ﷿ إلى القوة والنعمة ونحو ذلك.\r(¬٢) التعطيل هو: إنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات أو إنكار بعضها.\r(¬٣) التكييف هو أن يقال بأن الصفة على هيئة كذا وكيفية معينة.\r(¬٤) التمثيل هو إثبات مثيل للشيء.\r(¬٥) التشبيه هو إثبات مشابه للشيء.\rوالفرق بين التمثيل والتشبيه أن التمثيل يقتضي المماثلة والمساواة من كل وجه والتشبيه يقتضي المشابهة في أكثر الصفات.\rاستقيت هذه التعاريف من: التحفة المهدية لابن مهدي (ص ٢٥٩) وفتح رب البرية بتلخيص الحموية لابن عثيمين (ص ٥٤، ٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204333,"book_id":111,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":180,"body":"كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬١).\rوقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى هذا المعنى في مواضع مختلفة من مؤلفاته من ذلك قوله رحمه الله تعالى: \"واعلم أن التسبيح والتحميد فيه إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص والعيوب\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث اختصام الملأ الأعلى (¬٣): \" ... وأما وصف النبي ﷺ لربه ﷿ بما وصفه به فكل ما وصف النبي ﷺ ربه ﷿ به فهو حق وصدق، ويجب الإيمان والتصديق به، كما وصف الله ﷿ به نفسه مع نفي التمثيل عنه ... \" (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا في تفسيره لسورة الإخلاص: ... وحقيقة الكفؤ هو المساوي والمقاوم، فلا كفوء له تعالى في ذاته، ولا","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٢) تفسير سورة النصر (ص ٤٧).\r(¬٣) حديث طويل أخرجه أحمد (١/ ٣٦٨، ٥/ ٢٤٣) والترمذي (٣٢٣٥) من حديث معاذ بن جبل وحديث عبد الله بن عباس أوله: \"احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة في صلاة الصبح\" وفيه يقول الرسول ﷺ: \"فإذا أنا بربي ﷿ في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب قال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب، فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلى لي كل شيء وعرفت\".\rقال الترمذي عقب حديث معاذ: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وقد أفرده ابن رجب رحمه الله تعالى بشرح مستقل في كتاب اسمه \"اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى\".\r(¬٤) اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص ١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204334,"book_id":111,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":181,"body":"في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا في ربوبيته ولا في آلهيته (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا في تفسيره لسورة الإخلاص: ... فقد تضمنت هذه السورة العظيمة إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص والعيوب من خصائص المخلوقين من التولد والمماثلة (¬٢).\rوقال أيضًا: ... وتضمنت إثبات جميع صفات الكمال بإثبات الأحدية فالصمدية تثبت الكمال النافي للنقائص، والأحدية تثبت الانفراد بذلك، فإن الأحدية تقتضي انفراده بصفاته وامتيازه عن خلقه بذاته وصفاته، والصمدية إثبات جميع صفات الكمال ودوامها وقدمها فإن السيد الذي يصمد إليه لا يكون إلا متصفًا بجميع صفات الكمال التي استحق لأجلها أن يكون صمدًا وأنه لم يزل كذلك ولا يزال، فإن صمديته من لوازم ذاته لا تنفك عنه بحال (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"إن الله تعالى هو السلام، لأنه القدوس المبرأ من الآفات والنقائص كلها، وذلك واجب له لذاته، ومنه تطلب السلامة لعباده، فإنهم محتاجون إلى السلامة من عقابه وسخطه وعذابه ... \" (¬٤).\rفتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله تعالى بأسمائه وصفاته دون تشبيه أو تحريف أو تعطيل.\rيقول السفاريني رحمه الله تعالى: \"توحيد الصفات أن يوصف الله","footnotes":"(¬١) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٢).\r(¬٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٩٧).\r(¬٣) تفسير سورة الإخلاص (ص ٩٥، ٩٦).\r(¬٤) فتح الباري (٥/ ١٧٣ - ١٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204335,"book_id":111,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":182,"body":"تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ نفيا وإثباتًا فيثبت له ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه\" (¬١).\rوقال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: \"توحيد الأسماء والصفات وهو الإقرار بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، وأنه سميع بصير، رؤوف رحيم، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلى\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) لوامع الأنوار البهية (١/ ١٢٩).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد (ص ١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204336,"book_id":111,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":183,"body":"المبحث الثاني مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وموقف ابن رجب منه\rإن مذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو مذهب وسط بين الجافية والغالية، بين المعطلة من الجهمية (¬١) والمعتزلة (¬٢) ومن سلك مسلكهم من الخوارج (¬٣)،","footnotes":"(¬١) هي إحدى الفرق المنحرفة عن المنهج القويم، نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به، وزعم أيضًا أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان ونفى أسماء الله تعالى وصفاته.\rالملل والنحل (١/ ٨٦) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص ٦٨) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٣٤) والفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢١١).\r(¬٢) هي إحدى الفرق المنحرفة عن الطريق المستقيم مؤسسها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، سموا معتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن البصري، وقيل لاعتزالهم منهج أهل السنه والجماعة، وقيل غير ذلك، من عقائدهم إثبات الأسماء وإنكار جميع الصفات، ومنها أن صاحب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا وفي الآخرة خالد مخلد في النار.\rالفرق بين الفرق للبغدادي (ص ١١٤) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٤٩).\r(¬٣) الخوارج: سموا بهذا الاسم لخروجهم على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ ونزلوا بأرض يقال لها حروراء فسموا بالحرورية، من عقائدهم تكفير أصحاب الكبائر في الدنيا والآخرة، كما يقولون بالخروج على أئمة الجور، وهم يكفرون عثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة ﵃ جميعًا.\rالفصل في الملل والنحل (٢/ ١١٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١١٤) والمقالات (١/ ٥٦) والفتاوى (٣/ ٢٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204337,"book_id":111,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":184,"body":"والأشاعرة (¬١) وغيرهم من الذين يلحدون في أسماء الله وصفاته، ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه ﷿، حتى شبهوه ﷾ بالعدم والموات، وبين الممثلة من الكرامية وغلاة الرافضة (¬٢) الذين يضربون لله ﷿ الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات، وكلا المذهبين مجانب للصواب والمذهب الصحيح الذي لا معدل عنه لكل من يريد السير على الصراط المستقيم هو مذهب السلف الذين يؤمنون بأسماء الله وبما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الجلال والكمال حقيقة على الوجه الذي يليق بكمال الله تعالى، وجلاله وعزته وعظمته.\rوكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ من صفات لا يجوز ولا يليق أن يوصف بها ﷾.","footnotes":"(¬١) الأشاعرة: هم المنتسبون لأبي الحسن الأشعري الذين هم على مذهبه قبل أن يرجع إلى معتقد أهل السنة والجماعة، وهم في الجملة لا يثبتون من الصفات إلا سبعا لأن العقل دل على إثباتها، ويؤولون بقية الصفات بتأويلات عقلية رغم ورود النصوص فيها من الكتاب والسنة ولو اتبعوا الحق وأنصفوا لرجعوا إلى منهج أهل السنة والجماعة كما رجع إليه من ينتسبون إليه وهو أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى.\rالملل والنحل (١/ ١٣٨) والفتاوى (٦/ ٥١) ودعوة التوحيد للعلامة محمد خليل هراس ﵀ (٢٣٠).\r(¬٢) الرافضة: هم جماعة غلاة الشيعة، سموا بذلك لرفضهم إمامة زيد بن علي حينما توجه إلى قتال هشام بن عبد الملك فقال أصحابه: تبرأ من الشيخين حتى نكون معك فقال: لا بل أتولاهما وأتبرأ ممن تبرأ منهما فقالوا: إذا نرفضك، وهم فرق متعددة، والغلاة منهم هم المجسمة الذين يشبهون الله ﷿ بخلقه وهم الهشامية الذين ينقسمون إلى فرقتين: فرقة تنسب إلى هشام بن الحكم الرافضي، والفرقة الأخرى تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي.\rاعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٦٤) والمقالات (١/ ٨٩) رسالة في الرد على الرافضة لأبي حامد المقدسي (ص ٦٥ - ٦٨) الفرق بين الفرق (ص ٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204338,"book_id":111,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":185,"body":"وهم في ذلك يعتمدون على الأدلة الواردة في كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬١) وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (¬٢).\rوقد سلك ابن رجب رحمه الله تعالى المنهج الحق منهج أهل السنة والجماعة وأوضحه وبيّنه، ومما قاله في تقرير هذا المسلك قوله: وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، قال أبو هلال (¬٣): سأل رجل الحسن (¬٤) عن شيء من صفة الله ﷿ فقال: أمروها بلا مثال. وقال وكيع (¬٥): أدركت إسماعيل بن أبي خالد (¬٦)","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٢) سورة الإخلاص آية (٤).\r(¬٣) محمد بن سليم أبو هلال الراسبي البصري، مولى بني أسامة بن لؤي. قال أبو داود: أبو هلال ثقة، أخرج له البخاري تعليقًا والأربعة، توفي سنة ١٦٧ هـ.\rالجرح والتعديل (٧/ ٢٧٣) وتهذيب التهذيب (٩/ ١٩٥).\r(¬٤) الحسن بن أبي الحسن يسار أبو سعيد -مولى زيد بن ثابت- كان سيد أهل زمانه علمًا وعملًا، وكان من أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد عرف بالزهد والشجاعة، توفي سنة ١١٠ هـ.\rأخبار القضاة (٢/ ٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٣).\r(¬٥) وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي الإمام الحافظ، محدث العراق، قال الإمام أحمد فيه: كان وكيع بن الجراح إمام المسلمين في وقته، توفي سنة ١٩٧ هـ.\rتاريخ بغداد (١٣/ ٤٦٦) وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٤٠) وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٥٧).\r(¬٦) إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، مولاهم، البجلي، تابعي كوفي ثقة ثبت، قال العجلي: كوفي تابعي، ثقة وكان رجلًا صالحًا، سمع من خمسة من أصحاب النبي ﷺ، توفي سنة ١٤٦ هـ.\rالثقات للعجلي (٦٤) وتهذيب الكمال للمزي (٣/ ٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204339,"book_id":111,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":186,"body":"وسفيان (¬١) ومسعر (¬٢) يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا. وقال الأوزاعي (¬٣): سئل مكحول (¬٤) والزهري (¬٥) عن تفسير هذه الأحاديث؟ فقالا: أمروها كما جاءت. وقال الوليد بن مسلم (¬٦): سألت الأوزاعي","footnotes":"(¬١) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أمير المؤمنين في الحديث، من أئمة المسلمين وأعلام الدين مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد، توفي سنة ١٦١ هـ.\rالتاريخ الكبير (٤/ ٩٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ١١١).\r(¬٢) مسعر بن كدام -بكسر أوله وتخفيف ثانيه- بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، قال يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدًا أثبت من مسعر، توفي سنة ١٥٥ هـ.\rالثقات للعجلي (٤٢٦) والجرح والتعديل (٨/ ٣٦٨) ومشاهير علماء الأمصار (١٦٩) وسير أعلام النبلاء (٧/ ١٦٣).\r(¬٣) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي، عالم أهل زمانه، كان صاحب سنة واتباع، وله مذهب مستقل في الفقه عمل به فقهاء الشام والأندلس مدة، وقد عرف بالزهد والخشوع، توفي سنة ١٥٧ هـ.\rالجرح والتعديل (١/ ١٨٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٨) وسير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧).\r(¬٤) مكحول بن عبد الله الدمشقي يكنى أبا عبد الله، من سبي كابل عالم أهل الشام، قال أبو حاتم: ما بالشام أحد أفقه من مكحول، توفي سنة ١١٣ هـ، وقيل غير ذلك.\rوفيات الأعيان (٥/ ٢٨٠) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٢٥).\r(¬٥) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر الإمام العلم الحافظ، كان فقيهًا محدثًا، كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق \"عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه\"، توفي سنة ١٢٤ هـ.\rوفيات الأعيان (٣/ ٣١٧) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦) وشذرات الذهب (١/ ١٦٢).\r(¬٦) الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية، الإمام الحافظ، عالم أهل الشام، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث والعلم، توفي سنة ١٩٥ هـ.\rالتاريخ الكبير (٨/ ١٥٢) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٢١١) وشذرات الذهب (١/ ٣٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204340,"book_id":111,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":187,"body":"ومالكًا وسفيان وليثًا (¬١) عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن؟ فقالوا: أمروها بلا كيف. وقال ابن عيينة (¬٢): ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ﷿، وكلام السلف في مثل هذا كثير جدًا (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وأما السلف وأئمة أهل الحديث فعلى الطريقة الأولى وهي الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو صح عن رسول الله ﷺ أنه أثبته له مع نفي التمثيل والكيفية عنه كما قاله ربيعة (¬٤) ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء، وقد روي عن أم سلمة أم المؤمنين (¬٥) وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول،","footnotes":"(¬١) الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث، الإمام الحافظ، عالم الديار المصرية، كان فقيهًا كثير العلم صحيح الحديث مع الورع والفضل، توفى سنة ١٧٥ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٦) وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٩).\r(¬٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي، المحدث كان من الحفاظ المتقنين، قال الشافعي: ما رأيت أحدًا أحسن تفسيرًا للحديث منه، توفي سنة ١٩٨ هـ.\rالجرح والتعديل (١/ ٣٢) وسير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤) وتهذيب التهذيب (٤/ ١١٧).\r(¬٣) فتح الباري ورقة (١٧٣).\r(¬٤) ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ القرشي، أبو عثمان المشهور بربيعة الرأي، الإمام الفقيه، مفتي المدينة وعالم زمانه، كان ذا فطنة وسنة، قال ابن معين: ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٣٦ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٦/ ٨٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٥٨) وشذرات الذهب (١/ ١٩٤).\r(¬٥) قول أم سلمة في الاستواء الذي أشار إليه ابن رجب أخرجه اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٧) وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف (ص ٨١) والذهبي في العلو (ص ٦٥) من طريق الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204341,"book_id":111,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":188,"body":"وكذلك القول في سائر الصفات، والله ﷾ الموفق\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة فهي إقرار النصوص وإمرارها كما جاءت، ونفي الكيفية عنها والتمثيل ... ومن قال الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران ظاهر يليق بالمخلوقين ويختص بهم فهو غير مراد، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام فهو مراد، ونفيه تعطيل، ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية الذين يحسن بهم المتكلمون الظن: إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام فوقعوا في تشبيهه بالمعاني، والمعاني محدثة كالأجسام، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات.\rوهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يوجد من أدلة العقول ولا يوجد مما جاء به الرسول ﷺ، وأما أهل العلم والإيمان فيعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول ﷺ، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل إلى تلقي الهدى إلا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ فإنه حق وصدق","footnotes":"= تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ سورة طه آية (٥). قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود له كفر. قال الذهبي: \"هذا القول محفوظ عن جماعة كربيعة الرأي ومالك الإمام وأبي جعفر الترمذي، فأما عن أم سلمة فلا يصح\".\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر قول الإمام مالك في الاستواء: وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه.\rمجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥).\r(¬١) فتح الباري ورقة (٥/ ١٠٥ - ١٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204342,"book_id":111,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":189,"body":"يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته وما أشكل فهمه من ذلك فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم إنهم يقولونه عند المتشابهات: آمنا به كل من عند ربنا، وما أمر به رسول الله ﷺ في متشابه الكتاب أنه يرد إلى عالمه، والله يقول الحق ويهدي السبيل (¬١).\rهكذا كان السلف الصالح ﵃ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ومن سلك سبيلهم كانوا متفقين على هذا المنهج، كلمتهم واحدة، لم يقابلوا الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية بالتأويل والتحريف ولم يعارضوها بعقولهم بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإجلال والتعظيم، ولم يتكلم أحد منهم في شيء من أمور الدين إلا تبعًا لما قاله الله ﷿، ولما نطق به رسوله ﷺ.\rيقول محمد بن الحسن (¬٢) رحمه الله تعالى: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿ من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ، وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا (¬٣).","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٥/ ١٠٠).\r(¬٢) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، فقيه العراق وصاحب أبي حنيفة، صنف الجامع الكبير والجامع الصغير وغيرهما، توفي سنة ١٨٩ هـ.\rوفيات الأعيان (٤/ ١٨٤) وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤).\r(¬٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤٣٢) وإثبات صفة العلو لابن قدامة (ص ١١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204343,"book_id":111,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":190,"body":"ويقول شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني (¬١) رحمه الله تعالى مبينًا عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله تبارك وصفاته: \"أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله بالوحدانية، وللرسول ﵌ بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون لله ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده كما نص سبحانه عليه في قوله ﷿: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (¬٢) ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنّ عليهم بالتعريف، والتفهيم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬٣).\rوكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة، والقدرة والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا","footnotes":"(¬١) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو عثمان الصابوني مقدم أهل الحديث في بلاده، كان على منهج أهل السنة ويلقب بشيخ الإسلام، توفي سنة ٤٤٩ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠) وتهذيب تاريخ دمشق (١/ ٣١٤)، وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٠٧) وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٢).\r(¬٢) سورة ص آية (٧٥).\r(¬٣) سورة الشورى آية (١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204344,"book_id":111,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":191,"body":"والسخط والحياة واليقظة (¬١) والفرح والضحك وغيرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى .. \" (¬٢).\rوقال حافظ المغرب ابن عبد البر (¬٣) رحمه الله تعالى: \"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وهم أئمة الجماعة والحمد لله\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) هذه اللفظة لم ترد في نصوص الكتاب والسنة، والسلف دائمًا يتقيدون بما ورد في الكتاب والسنة.\r(¬٢) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ٧٥ , ٧٦) ضمن مجموعة الرسائل الكمالية في التوحيد.\r(¬٣) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي أبو عمر، من كبار حفاظ الحديث، يقال له حافظ المغرب، ولد بقرطبة سنة ٣٦٨ هـ، له مؤلفات عظيمة منها \"التمهيد\"، والاستيعاب، قال الذهبي: كان في أصول الديانة على مذهب السلف، ولم يدخل في علم الكلام، توفي سنة ٤٦٣ هـ.\rوفيات الأعيان (٧/ ٦٦) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣) وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٤٣١).\r(¬٤) التمهيد (٧/ ١٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204345,"book_id":111,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":192,"body":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فأما الأول وهو التوحيد في الصفات، فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (¬٢) الآية .. فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬٣) ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل (¬٤).\rهذا هو منهج السلف في معرفتهم لربهم عن طريق معرفة أسمائه وصفاته التي اتصف بها كما جاءت به الأدلة في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ.","footnotes":"(¬١) سورة الأعراف آية (١٨٠).\r(¬٢) سورة فصلت آية (٤٠).\r(¬٣) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٤) الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام (ص ٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204346,"book_id":111,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":193,"body":"وقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن هذا هو المنهج القويم وهو الصواب الذي يجب على كل مسلم اتباعه والأخذ به، ولا يجوز العدول عنه والأخذ بما سواه.\rفقال رحمه الله تعالى: والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات، وأحاديثها، كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصًا الإمام أحمد، ولا خوضًا في معانيها، ولا ضرب مثل من الأمثال لها، وإن كان بعض من كان قريبًا من زمن أحمد فيهم من فعل شيئًا من ذلك اتباعًا لطريقة مقاتل (¬١) فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك (¬٢) ومالك والثوري والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (¬٣)","footnotes":"(¬١) مقاتل بن سليمان بن بشر البلخي، اشتهر بالتفسير. قال ابن المبارك \"ما أحسن تفسيره لو كان ثقة\". وذكر كل من ترجم له أنه اشتهر عنه القول بالتجسيم، وذهب ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أن ما رمي به من التشبيه والتجسيم ليس بصحيح، وإنما هذا قاله أعداؤه من النفاة كالجهمية وغيرهم، فنسب القول إليه بالتشبيه، وهو منه بريء، والله أعلم بالصواب، توفي بالعراق سنة ١٥٠ هـ.\rتاريخ بغداد (١٣/ ١٦٠) ومنهاج السنة (٢/ ٦١٨) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠١).\r(¬٢) عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم المروزي، الحافظ شيخ الإسلام، عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، قال ابن معين: ذاك أمير المؤمنين في الحديث، توفي سنة ١٨١ هـ.\rحلية الأولياء (٨/ ١٦٢) وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٧٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٨٢).\r(¬٣) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي ثم الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، نزيل نيسابور، سيد الحفاظ وشيخ المشرق في زمانه. قال الإمام أحمد عنه: لا أعرف لإسحاق في الدنيا نظيرا، وقال النسائي فيه: أحد الأئمة، ثقة مأمون، توفي سنة ٢٣٨ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١١/ ٢٥٨) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204347,"book_id":111,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":194,"body":"وأبي عبيد (¬١) ونحوهم (¬٢) ..\rفابن رجب رحمه الله تعالى كما اتضح من قوله هذا يرى أن منهج السلف هو المنهج الذي يجب الأخذ به وعدم العدول عنه لأنه منهج يعتمد على الكتاب والسنة، وهو يتركز على الأسس الآتية:\r١ - الإثبات.\r٢ - التنزيه.\r٣ - عدم إدراك الكيفية.\rالأول: الإثبات:\rأما الإثبات فإن السلف يعتقدون ما دل عليه صريح الكتاب وصحيح السنة من أسماء الله تعالى وصفاته، ويثبتونها على ما يليق بجلاله مع اعتقادهم أنها دالة على معان ثابتة كاملة في نفس الأمر، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.\rوقد روي عن كثير من السلف ما يدل على أن مذهبهم هو الإثبات وقد ذكرت جملة من أقوالهم في أول هذا المبحث وهي تدل على أن السلف يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن ذاته وأسمائه وصفاته ولا يفرقون بين الذات والصفات كما فعلت الجهمية والمعتزلة، كما أنهم لا يفرقون بينها، فيثبتون البعض، وينكرون الآخر كما فعلت الأشاعرة ومن نحا نحوهم.","footnotes":"(¬١) القاسم بن سلام بن عبد الله أبو عبيد الإمام الحافظ، اشتغل بالحديث والأدب والفقه، وكان ذا دين وسيرة جميلة ومذهب حسن. له تصانيف كثيرة منها غريب الحديث والأمئال والأموال، توفي سنة ٢٢٤ هـ.\rطبقات الحنابلة لأبي يعلى (١/ ٢٥٩) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢٤١) وبغية الوعاة (٢/ ٢٥٣).\r(¬٢) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٣٩، ١٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204348,"book_id":111,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":195,"body":"وكلامهم في الإثبات يرتكز على أمرين:\r١ - القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات.\rفإن قيل: كيف استوى على عرشه؟\rيقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، كما أجاب ربيعة ومالك وغيرهم رحمهم الله تعالى وإن قيل: كيف ينزل ربنا؟\rيقال: كيف هو في ذاته؟\rفإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته.\rوإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه، ونزوله، واستواءه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابههه فيها سمع المخلوقين، وبصرهم، وكلامهم، واستواؤهم ونزولهم.\rوهذا كلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا، ونفى شيئًا بالعقل، ألزم إذًا فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته.\rولو طولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204349,"book_id":111,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":196,"body":"٢ - القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإن من أثبت بعض الصفات كالحياة والقدرة، والإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينكر المحبة والرضا والغضب ويجعل ذلك مجازًا.\rيقال له: ما الفرق بين ما أثبته وما نفيته؟\rبل القول في أحدهما كالقول في الآخر.\rفإن قال: إن إرادة الله مثل إرادة الخلق قيل: فكذلك رضاؤه ومحبته وهذا هو التمثيل.\rوان قال: إن له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل له: فكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تناسب حاله وكذلك سائر الصفات كالرضا والغضب.\rفإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، يقال له والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة فإن قال: هذه إرادة المخلوق، قيل: هذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم القول في بقية الصفات، فيجب أن يؤخذ الكل، أو يقال في الكل بما يقال في البعض (¬١).\rوقد جمع بين هذين الأصلين الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله: إنما التشبيه أن تقول يد كيد أو وجه كوجه، فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو إثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار، وليس إلا هذا المسلك، أو مسلك التعطيل المحض، أو التناقض الذي لا يثبت لصاحبه قدم في النفي، ولا في الإثبات (¬٢).","footnotes":"(¬١) الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام مع تصرف يسير (ص ١٥ - ٢١).\r(¬٢) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (١/ ١١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204350,"book_id":111,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":197,"body":"الثاني: التنزيه:\rأما التنزيه فإن السلف يعتقدون أن الله لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فمن شبه الله بخلقه، وألحد في أسمائه وصفاته، وجحد ما وصف الله به نفسه، فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو ما وصفه به رسوله ﷺ تشبيهًا أو تمثيلًا كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬١) كما أنهم ينفون عنه سبحانه -كل ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ اعتقادًا بأن المراد من النفي هو إثبات كمال ضده، وليس النفي المحض، لأن النفي المحض لا يقصد به المدح إلا إذا تضمن إثبات كمال ضد ذلك المنفي، فكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا، فإن الله منزه عنه حقيقة.\rقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: \"لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) \" (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام ابن خزيمة (¬٣) رحمه الله تعالى عند كلامه على صفة الوجه لله ﷿: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة،","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٣) حيث ساقه المؤلف بإسناده إلى الشافعي وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٠٧).\r(¬٣) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري الإمام الحافظ الحجة، كان سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث. له مصنفات مفيدة منها: كتاب التوحيد، كتاب صحيح ابن خزيمة، توفي سنة ٣١١ هـ.\rالجرح والتعديل (٧/ ١٩٦) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٥) وشذرات الذهب (٢/","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204351,"book_id":111,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":198,"body":"واليمن، والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجل ربنا عن مقالة المعطلين وعز أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون، لأن ما لا صفة له عدم تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ (¬١).\rوعمدة السلف رحمهم الله تعالى في هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (¬٣).\rوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (¬٤).\rوغيرها من الآيات التي أخبر الله فيها بأنه منزه عن الكفء والمثل والند والشبيه، لأنه ﵎ موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه منزه عن صفات النقص مطلقًا، ومنزه عن أن يماثله عيره في صفات كماله.\rالثالث: قطع الأطماع عن إدراك الكيفية والكنه:\rلأن إدراك الكيفية مستحيل وليس في إمكان البشر الإحاطة بذاته ﷾ لقوله ﷿: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (¬٥).\rفمعرفة الكيفية لا سبيل بالوقوف عليه، فلابد من اليأس من","footnotes":"(¬١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٦).\r(¬٢) سورة مريم آية (٦٥).\r(¬٣) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٤) سورة النحل آية (٧٤).\r(¬٥) سورة طه آية (١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204352,"book_id":111,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":199,"body":"إدراكها لأن الله ﷾ أخبرنا أنهم لا يحيطون به علمًا، لأن هذا أمر غيبي والأمور الغيبية لا تدرك كيفياتها بالعقل.\rوالواجب الذي كلفنا به وأمرنا باعتقاده هو الالتزام بما جاءت به الأدلة الشرعية، ونهينا عن تجاوز ذلك والخوض فيما لا علم لنا به، ولا يمكننا إدراكه والوقوف على حقيقته وكيفيته، وهذا أصل معروف عند السلف رحمهم الله تعالى، فإنهم يقرون بكل ما جاء في كتاب الله أو على لسان نبيه ﷺ بلا كيف ولا مثيل.\rقال ابن قتيبة (¬١) رحمه الله تعالى: وعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية والتجلي، وأنه يعجب وينزل من السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس واليدين من غير أن نقول بكيفية أو بحد، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت (¬٢).\rوقال ابن قدامة المقدسي (¬٣) رحمه الله تعالى: ... وعلى هذا درج","footnotes":"(¬١) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ولد في بغداد سنة ٢١٣ هـ، كان على مذهب السلف رحمهم الله تعالى، له مؤلفات مفيدة منها: مشكل الحديث، ومنها الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية، قال الخطيب: كان ثقة دينًا فاضلًا. وقال الذهبي: كان رأسًا في علم اللسان العربي، والأخبار وأيام الناس، مات سنة ٢٧٦ هـ.\rتاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٩٦) وبغية الوعاة (٢/ ٦٣).\r(¬٢) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (ص ٢٤٣).\r(¬٣) أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ولد سنة ٥٤١ هـ كان عالم الشام في زمانه قال ابن النجار: كان إمام الحنابلة بجامع دمشق وكان ثقة حجة نبيلًا، غزير الفضل، نزهًا، ورعًا عابدًا، على قانون السلف، عليه النور والوقار. من مؤلفاته في العقيدة: لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، وذم التأويل، مات سنة ٦٢٠ هـ بدمشق.\rالتكملة في وفيات النقلة للمنذري (٣/ ١٠٧) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ١٣٣) وشذرات الذهب (٥/ ٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204353,"book_id":111,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":200,"body":"السلف وأئمة الخلف، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من غير تعرض لتأويله (¬١).\rوقال الخطيب البغدادي (¬٢) رحمه الله تعالى: أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن والصحاح مذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. . . ونقول إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (¬٣) وقوله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (¬٤) (¬٥) فلا طريق للعلم بذاته وصفاته وأسمائه ﷿ إلا بالخبر عنه سبحانه لما بلغنا ذلك رسول الهدى ﷺ وعلى ذلك فإننا لا نعلم عن ذاته وأسمائه وصفاته إلا ما جاء به الخبر، فعلينا أن نقف عند الحد الذي جاء به الخبر من غير سؤال عن كيفية ذلك، ولا بحث عن كنهها لأنه ليس بوسعنا ولا من حقنا أن نتكلم فيما لا نعلم، ولذلك أثر عن كثير من السلف أنهم قالوا عندما سئلوا عن كيفية استواء الله","footnotes":"(¬١) لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد (ص ١٠).\r(¬٢) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي الحافظ المحدث المؤرخ، ولد سنة ٣٩٢ هـ، قال الذهبي: أحد الأئمة الأعلام وصاحب التواليف المنتشرة في الإسلام. له مصنفات كثيرة من أشهرها: تاريخ بغداد، مات سنة ٤٦٣ هـ.\rالعبر للذهبي (٢/ ٣١٤) ووفيات الأعيان (١/ ٩٢) وشذرات الذهب (٣/ ٣١١).\r(¬٣) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٤) سورة الإخلاص آية (٤).\r(¬٥) ذم التأويل لابن قدامة (ص ١٥) وذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204354,"book_id":111,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":201,"body":"عز وجل: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (¬١).\rفاتفق هؤلاء السلف على أن الكيف غير معلوم لنا وأن السؤال عنه بدعة.\rولذلك كان اعتقاد السلف في هذا الباب إثباتا بريئًا من التمثيل وتنزيهًا خاليًا من التعطيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (¬٢).\rوالله الهادي إلى سواء السبيل.","footnotes":"(¬١) تقدم (ص ١٩٧).\r(¬٢) سورة الشورى آية (١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204355,"book_id":111,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":202,"body":"المبحث الثالث أدلة توحيد الأسماء والصفات\rبينت فيما سبق من مباحث هذا الفصل تعريف توحيد الأسماء والصفات ومنهج السلف الصالح فيه وما قاله ابن رجب رحمه الله تعالى فيه والتي ملخصها: وجوب الإيمان بما ثبت لله ﷿ من الأسماء الحسنى والصفات العلى إثباتًا يليق بجلاله وعظمته وكبريائه، ونفي جميع النقائص والعيوب عنه ﷿.\rوقد وردت أدلة كثيرة في كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ تدل على ذلك كله.\rفمن الآيات قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ (¬١).\rومنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ (¬٢).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (٢٥٥).\r(¬٢) سورة البروج الآيات (١٤ - ١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204356,"book_id":111,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":203,"body":"ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (¬١).\rومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (¬٢).\rومنها قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾ (¬٣).\rومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ (¬٤).\rومنها قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ","footnotes":"(¬١) سورة يس آية (٨٢).\r(¬٢) سورة الحشر الآيات (٢٢ - ٢٤).\r(¬٣) سورة الحديد الآيات (١ - ٦).\r(¬٤) سورة آل عمران الآيات (١ - ٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204357,"book_id":111,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":204,"body":"فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (¬١).\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له ولي أو وزير أو مشير بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يحالف أحدًا ولم يبتغ نصر أحد ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي عظمه وأجله عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا (¬٢).\rوالآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها دالة على أن الله ﷾ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له.\rوأما الأحاديث التي وردت في إثبات أسماء الرب الحسنى وصفاته العلى فهي كثيرة جدًا لا تقل عن أحاديث الصلاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك من مسائل الأحكام.\rومنها: حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو من الليل: اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض، ومن فيهن، لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، قولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق،","footnotes":"(¬١) سورة الإسراء آية (١١١).\r(¬٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204358,"book_id":111,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":205,"body":"والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك (¬١).\rوحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يد الله ملأى لا يغيضُها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغضْ ما في يده، وقال: عرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع (¬٢).\rوحديث عبد الله بن مسعود أن يهوديًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (¬٣) قال عبد الله: فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا له (¬٤).\rقال البغوي (¬٥) رحمه الله تعالى: والأصبع المذكورة في الحديث","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (٨/ ١٦٧).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٨/ ١٧٣).\r(¬٣) سورة الزمر آية (٦٧).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٨/ ١٧٤).\r(¬٥) أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي الفقيه المحدث المفسر، قال الذهبي: كان على منهاج السلف، وله القدم الراسخ في التفسير، والباع المديد في الفقه، له مصنفات مفيدة منها: شرح السنة، توفي سنة ٥١٦ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩) وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204359,"book_id":111,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":206,"body":"صفة من صفات الله ﷿، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح ... فهذه ونظائرها صفات الله تعالى ورد بها السمع يجب الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها معرضًا فيها عن التأويل مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيئًا من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬١) (¬٢).\rوعن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: \"إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور (وفي رواية أبي بكر: النار) لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (¬٣).\rوعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٢) شرح السنة (١/ ١٦٨ - ١٧٠).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب قوله ﵇: \"إن الله لا ينام ... \" (١/ ١٦١).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٨/ ٢٠٢) ومسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (٢/ ٧٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204360,"book_id":111,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":207,"body":"وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: \"ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر\" (¬١).\rوعن جرير قال: كنا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة -يعني البدر- فقال: \"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون (¬٢) في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (¬٣) \".\rقال إسماعيل (¬٤): افعلوا لا تفوتنكم (¬٥).\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (٢/ ٤٧) ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (١/ ٥٢٢).\r(¬٢) لا تضامون: يروى بالتشديد والتخفيف للميم، فالتشديد معناه لا ينضم بعضكم إلى بعض، وتزدحمون وقت النظر إليه -ويجوز فتح التاء وضمها- ومعنى التخفيف لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض، والضم الظلم. النهاية لابن الأثير (٣/ ١٠١).\r(¬٣) سورة ق آية (٣٩).\r(¬٤) هو إسماعيل بن أبي خالد، تقدمت ترجمته.\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر (١/ ١٣٨) ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما (١/ ٤٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204361,"book_id":111,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":208,"body":"إليّ بشبر تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) (¬١).\rوقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن ما جاء في هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث التي تثبت صفات الله ﵎ أنها تثبت من غير تحريف ولا تشبيه ولا تمثيل بل على الوجه الذي يليق بجلال الله وعظمته، ومن فهم من هذه الأحاديث تشبيهًا أو حلولًا فإنما فهمه بسبب جهله وعدم معرفته بربه، والله ورسوله بريئان من ذلك.\rقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعضًا من هذه الأحاديث التي ذكرتها: ... ومن فهم شيئًا من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أتي من جهله، وسوء فهمه عن الله ﷿ وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه للحديث القدسي: وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ... (¬٣) \" ... فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به وإن بطش بطش به، فهذا هو المراد بقوله: (كنت","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٨/ ١٧١) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى (٤/ ٢٠٦١).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٩).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ١٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204362,"book_id":111,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":209,"body":"سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، والاتحاد، والله ورسوله بريئان منه ... \" (¬١).","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٦٧، ١٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204363,"book_id":111,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":210,"body":"المبحث الرابع بيانه أن السلف أعلم وأن مذهبهم أسلم وأحكم\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: ... وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من نطق في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة، ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.\rومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى، كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم.\rوهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة الظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة ﵃: \"أنهم أبر الأمة قلوبًا وأعمقها علومًا وأقلها تكلفًا ... \" (¬١).\rوفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا. وقال","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص ٣٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204364,"book_id":111,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":211,"body":"ابن مسعود أيضًا: \"إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه\" (¬١).\rفمن كثر علمه وقلّ قوله فهو ممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم (¬٢).\rوقال أيضًا رحمه الله تعالى: ... فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدال، والخصام، والزيادة والبيان، على مقدار الحاجة، لم يكن عيًا ولا جهلًا، ولا قصورًا، وإنما كان ورعا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع.\rوسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين، وفروعه، وفي تفسير القرآن والحديث، وفي الزهد، والرقائق، والحكم، والمواعظ، وغير ذلك مما تكلموا فيه.\rفمن سلك سبيلهم، فقد اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم، ودخل في كثرة السؤال، والبحث، والجدال، والقيل والقال، فإن اعترف لهم بالفضل، وعلى نفسه بالنقص، كان حاله قريبًا ...\rوإن ادَّعَى لنفسه الفضل، ولمن سبقه النقص والجهل، فقد ضلّ ضلالًا مبينًا، وخسر خسرانًا عظيمًا ... (¬٣).\rفقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن السلف ﵃ كانوا أهل نظر ودراية، وأنهم كانوا أسلم وأحكم وأعلم في أصول الدين وفروعه بل في كل قضية من قضايا هذا الدين الحنيف.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو خيثمة في العلم (ص ١٣٥) والبخاري في الأدب المفرد (ص ٢٦٧) وصححه الحافظ في الفتح (١٠/ ٥١٠).\r(¬٢) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٦).\r(¬٣) المصدر السابق (ص ١٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204365,"book_id":111,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":212,"body":"وهو بهذا يرد رحمه الله تعالى على قول بعض المتأخرين الذين يقولون: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.\rيقول البيجوري (¬١): وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى (¬٢).\rولا شك أن هذا فهم سقيم من هؤلاء المتكلمين لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بالألفاظ في القرآن والحديث من غير فقه لذلك.\rوأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بقوله هذا بين الجهل بطريقة السلف، وتنقيصهم، وبين تفضيل طريقة الخلف ورفع مكانتهم.\rوالحقيقة أن الأمر ليس كما حكاه البيجوري وغيره لأن السلف رحمهم الله تعالى في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع والتسليم لأمره، وهم أعلم الأمة بنصوص الكتاب والسنة وأبلغهم في فهم معانيها على حسب مراد الله ورسوله ﷺ.\rفكيف يكون الخلف أعلم وأحكم بأسماء الله وصفاته من هؤلاء الذين هم ورثة الأنبياء والمرسلين، وهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلًا عن بقية الأمم الذين لم يكن لهم كتاب.","footnotes":"(¬١) هو إبراهيم بن محمد بن أحمد البيجوري، شيخ الجامع الأزهر في وقته، كان على المذهب الشافعي في الفقه، والمذهب الأشعري في العقيدة، له عدة مؤلفات منها: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، توفي سنة ١٢٧٧ هـ.\rالأعلام (١/ ٧١) ومعجم المؤلفين (١/ ٨٤).\r(¬٢) تحفة المريد (ص ٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204366,"book_id":111,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":213,"body":"فالحق ما ساروا عليه، والعلم ما بينوه وأوضحوه، وما عدا ذلك فهو علم لا منفعة فيه، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا فقال: فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابيعهم، إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم، مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحًا بكلام يتعلق بكلامهم.\rوأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله.\rويوجد في كلامهم من المعاني البديعة، والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم، ولا يلم به.\rفمن لم يأخذ العلم من كلامهم فإنه ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم (¬١).\rوبهذا يتبين لنا صحة الموقف الذي اتخذه ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان حال السلف وصحة منهجهم في أمور الدين كلها.","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٧، ١٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204367,"book_id":111,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":214,"body":"المبحث الخامس بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: فهذه السورة هي نسب الرحمن وصفته، وهي التي أنزلها الله في نفي ما أضاف إليه المبطلون من تمثيل، وتجسيم، وإثبات أصل وفرع، فدخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين، والصابئة (¬١) وأهل الكتاب ومن دخل فيهم من منافقي هذه الأمة من تولد الملائكة أو العقول، أو النفوس أو بعض الأنبياء، أو غير الأنبياء ودخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين وأهل الكتاب من تولده عن غيره كالذين قالوا في المسيح أنه الله، والذين يقولون في الدجال: أنه الله، والذين يقولون ذلك في علي وغيره.\rودخل ما يقوله من يقول من المشركين وأهل الكتاب من إثبات كفو له في شيء من الأشياء، مثل من يجعل له بتشبيهه، أو تجسيمه كفوًا له، أو يجعل له بعبادة غيره كفوًا، أو يجعل له بإضافة بعض خلقه إلى غيره","footnotes":"(¬١) الصابئة: الصابئ في اللغة هو التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره. والصابئة: أمة كبيرة، وهم القوم الذين بعث فيهم إبراهيم ﵇، هم أهل دعوته، وكانوا بحران، فهي دار الصابئة وهم على قسمين: صابئة حنفاء، وصابئة مشركين والمشركون منهم هم الذين يعبدون الكواكب والبروج ويعظمونها ويصورونها في هياكلهم.\rاعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٩٠) والملل والنحل (٢/ ٥) وإغاثة اللهفان (٢/ ٢٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204368,"book_id":111,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":215,"body":"كفوًا، فلا كفو له في شيء من صفاته، ولا في ربوبيته ولا في آلهيته.\rفتضمنت هذه السورة تنزيهه، وتقدسيه، عن الأصول والفروع، والنظراء، والأمثال (¬١).\rويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فقد تضمنت هذه السورة العظيمة إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص، والعيوب من خصائص المخلوقين من التولد والمماثلة (¬٢).\rويقول أيضًا رحمه الله تعالى: فهذه السورة تتضمن انفراده ووحدانيته وأنه منقطع النظير، وأنه إنما نزه عن أن يكون من أجناس المخلوقات، لأن أفراد كل جنس من هذه الأجناس متكافئة متماثلة، فالذهب يكافىء الذهب والإنسان يكافىء الإنسان ويزاوجه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (¬٣).\rفما من مخلوق إلا وله كفو، هو زوجه، ونظيره، وعدله، ومثيله فلو كان الحق من جنس شيء من هذه الأجناس، لكان له كفو وعدل، وقد علم انتفاؤه بالشرع والعقل (¬٤).\rوقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى معنى قوله ﷺ: \"قل هو الله أحد\" تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها (¬٥) فقال: ويستدل به على أن المراد بكونها تعدل ثلث القرآن أجره وثوابه، كما يستدل بحديث أبي الدرداء (¬٦)","footnotes":"(¬١) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٠، ١٠١).\r(¬٢) المصدر السابق (ص ٩٧).\r(¬٣) سورة الذاريات آية (٤٩).\r(¬٤) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٠).\r(¬٥) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٤٢٨).\r(¬٦) سيأتي لفظه وتخريجه (ص ٢٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204369,"book_id":111,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":216,"body":"على أنها جزء التوحيد من القرآن، وأنه ثلاثة أجزاء: توحيد وتشريع وقصص (¬١).\rفهذه السورة العظيمة هي صفة الرحمن ﷾ وكل سور القرآن هي صفة الرحمن ﷾ لأنها كلامه ﷿، وكلامه من صفاته ﵎ ولكن هذه السورة تميزت بأنها خالصة لذكر أوصاف الرحمن ﷻ (¬٢).\rوقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى فضائل هذه السورة العظيمة فقال: أما فضائلها فكثيرة جدًا:\rمنها: أنها صفة الرحمن، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ (قل هو الله أحد) فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: \"سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ: أخبروه أن الله يحبه\" (¬٣).\rومنها: أن حبها يوجب محبة الله، لهذا الحديث المذكور آنفًا، ومنه قول ابن مسعود: \"من كان يحب القرآن فهو يحب الله\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) تفسير سورة الإخلاص (ص ٨٠).\r(¬٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان (ص ٦١).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٣) ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١/ ٥٥٧).\r(¬٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204370,"book_id":111,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":217,"body":"ومنها: أن حبها يوجب دخول الجنة ... روى مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن (¬١) عن عبيد بن حنين (¬٢) قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي ﷺ، فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"وجبت، قلت: وما وجبت؟ قال: الجنة\". وأخرجه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث مالك (¬٣).\rومنها: أنها تعدل ثلث القرآن ففي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له -وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن\" (¬٤).\rوفي صحيح مسلم ... عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: \"أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟ قالوا: نعم، قال: إن الله جزأ","footnotes":"(¬١) عبيد الله بن عبد الرحمن، يقال اسم جده السائب بن عمير، صدوق من السادسة، رواه له الترمذي والنسائي ومالك.\rالجرح والتعديل (٥/ ٣٢٣) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٠) وتقريب التهذيب (٢٢٦).\r(¬٢) عبيد بن حنين المدني أبو عبد الله، ثقة فاضل، قليل الحديث، مات سنة ١٠٥ هـ.\rتهذيب التهذيب (٧/ ٦٣) وتقريب التهذيب (٢٢٨).\r(¬٣) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٠٨) وأحمد في المسند (٢/ ٣٠٢) والترمذي: كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص (٥/ ١٦٨) والنسائي: كتاب الافتتاح، باب الفضل في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢/ ١٧١) والحاكم في المستدرك: كتاب فضائل القرآن (١/ ٥٦٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.\rوقال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على المسند (١٥/ ١٦٥): إسناده حسن.\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204371,"book_id":111,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":218,"body":"القرآن ثلاثة أجزاء. فقل هو الله أحد ثلث القرآن\" (¬١).\rومنها: أن قراءتها تكفي من الشر، وتمنعه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قرأها مع المعوذتين، ومسح ما استطاع من جسده (¬٢).\rوروى أبو داود (¬٣) والترمذي (¬٤) والنسائي (¬٥) من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيب (¬٦) عن أبيه (¬٧) عن النبي ﷺ قال له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حين تمسى وحين تصبح ثلاثًا تكفيك كل يوم\" وصححه الترمذي ...\rومنها: أن الدعاء بها مستجاب، ففي السنن الأربعة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ سمع رجلًا يصلي يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١/ ٥٥٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري: فضائل القرآن، باب فضل المعوذات (٦/ ١٠٦).\r(¬٣) سنن أبو داود: كتاب الأدب، باب ماذا يقول إذا أصبح (٥/ ٣٢١).\r(¬٤) سنن الترمذي: كتاب الدعوات (٥/ ٥٦٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\r(¬٥) سنن النسائي: كتاب الاستعاذة (٨/ ٢٥٠).\r(¬٦) معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني المدني، صدوق، ربما وهم، من الرابعة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة. تقريب التهذيب (٣٤٠).\r(¬٧) هو عبد الله بن خبيب الجهني، مدني له صحبة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.\rأسد الغابة (٣/ ١٥٠) والإصابة (٢/ ٢٩٤) وتقريب التهذيب (١٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204372,"book_id":111,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":219,"body":"يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، قال: \"والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب\" (¬١) (¬٢).\rهذه بعض فضائل هذه السورة العظيمة، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عظم هذه السورة وعظم ما اشتملت عليه، فهي سورة خالصة لذكر أوصاف الرحمن ﵎.","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٦٠) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦٧) والترمذي: كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات (٥/ ٥١٥) وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم (٢/ ١٢٦٧) والحاكم: كتاب الدعاء (١/ ٥٠٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\r(¬٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٧١ - ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204373,"book_id":111,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":220,"body":"المبحث السادس بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: \" ... وحرم التسمي بأسمائه المختصة به كالله والرحمن والرب\".\rوإنما يجوز التسمية به مضافًا إلى غير من يعقل، وكذلك الجبار والمتكبر والقهار، ونحو ذلك كالخلاق والرزاق والدائم، ومنه ملك الملوك.\rوقد جعل ابن عقيل التسمية بهذا مكروهة.\rقال ابن عقيل: \"كل ما انفرد به الله كالله والرحمن والخالق لا يجوز التسمي به، وكلما وجد معناه في الآدمي، فإن كان يوجد تكبرًا، كالملك العظيم والأعظم، وملك الملوك والجبار فمكروه\".\rوالصواب الجزم بتحريمه، فأما ما يتسمى به المخلوقون من أسمائه كالسميع والبصير والقدير والعليم والرحيم، فإن الإضافة قاطعة الشركة، وكذلك الوصفية، فقولنا: زيد سميع بصير لا يفيد إلا صفة المخلوق.\rوقولنا: الله سميع بصير يفيد صفته اللائقة به، فانقطعت المشابهة بوجه من الوجوه.\rولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (¬١) وفيه قولان:","footnotes":"(¬١) سورة مريم آية (٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204374,"book_id":111,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":221,"body":"أحدهما: نفي التسمية.\rوالثاني: نفي المساواة، وقد نفى سبحانه عن نفسه المثلية بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (¬١) ونفى عنه العدل والتسوية بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (¬٢) وقوله: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ (¬٣) ونفى عنه الند بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (¬٤) وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ (¬٥).\rوفي الحديث: \"أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\" (¬٦).\rوقال للذي قال له: \"ما شاء الله وشئت\": \"أجعلتني لله ندًا\"؟ وفي رواية \"أجعلتني لله عدلًا؟ \" (¬٧) (¬٨).\rفقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه المشابهة والاتفاق في المسمى لأن لله ﷾ أسماء تليق بجلاله وكماله، وللعبد منها ما يناسب ضعفه وعجزه وذلك","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٢) سورة الأنعام آية (١).\r(¬٣) سورة الشعراء آية (٩٦ - ٩٨).\r(¬٤) سورة البقرة آية (٢٢).\r(¬٥) سورة فصلت آية (٩).\r(¬٦) تقدم تخريجه (ص ١٤٩).\r(¬٧) أخرجه أحمد (٣/ ٢٥٣) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه ابن ماجه: كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشئت (١/ ٦٨٤) والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٤٤).\r(¬٨) تفسير سورة الإخلاص (ص ١٠٢، ١٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204375,"book_id":111,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":222,"body":"مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع، والبصر والكلام وغيرها والإضافة توضح المقصود وتبينه.\rفإذا قلنا: حياة الله، وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك فهذا كله يوصف به الله ﵎ كما يليق بجلاله وكماله، ولا يماثل صفات المخلوقين.\rوإذا قلنا: علم العبد، وقدرة العبد، وكلام العبد، فهذا كله مخلوق يناسب ضعف العبد وعجزه.\rوهذا كله قد أوضحه ابن رجب رحمه الله تعالى وبينه في كلامه السابق، وهو ما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى.\rيقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى مبينًا ذلك: وأسماء الله تعالى لا تشبه أسماء العباد، لأن أفعال الله تعالى مشتقة من أسمائه، وأسماء العباد مشتقة من أفعالهم، قال النبي ﷺ: \"يقول الله ﷾: أنا الرحمن، خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي\" (¬١).\rفبيّن أن أفعاله مشتقة من أسمائه، فلا يجوز أن يحدث له اسم بحدوث فعله، ولا يعتقد في صفات الله تعالى أنها هو ولا غيره، بل هي صفات له أزلية، لم يزل جلّ ذكره، ولا يزال موصوفًا بما وصف به نفسه، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وإذا كان من","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٣/ ١٣٩) وقال أحمد شاكر إسناده صحيح، وأبو داود: كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم (٢/ ٣٢٢)، والترمذي: كتاب البر، باب في قطيعة الرحم (٤/ ٣١٥) وقال: حديث صحيح.\r(¬٢) شرح السنة (١/ ١٧٩، ١٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204376,"book_id":111,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":223,"body":"المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب لنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص، والتقييد ولا في غيره فلا يقول عاقل إذا قيل أن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود أن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذهن يأخذ معنى مشتركًا كليًا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود، وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده -عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص وقد سمى الله نفسه حيًا فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (¬١).\rوسمى بعض عباده حيًا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (¬٢) وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله: \"الحي\" اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (٢٥٥).\r(¬٢) سورة يونس آية (٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204377,"book_id":111,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":224,"body":"مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولابدّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾ (¬١).","footnotes":"(¬١) الرسالة التدمرية (ص ٨، ٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204378,"book_id":111,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":225,"body":"المبحث السابع ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى\rصفات الله ﵎ التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وسنة المصطفى ﷺ كثيرة، ولكن سأقتصر على ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى وتعرض لها في مؤلفاته، لأن في بيان البعض إيضاحًا للمقصود إذ هي تعتبر بمثابة الأمثلة ويقاس عليها غيرها من الصفات من حيث إثباتها على الوجه اللائق بالله ﷾.\rوقد نهج ابن رجب رحمه الله تعالى وسار في إثبات الصفات على منهج السلف الصالح عليهم رحمة الله تعالى، لأن منهجهم هو المنهج القويم والصراط المستقيم والطريق السليم.\rوقبل أن أبين الصفات التي تكلم عنها ابن رجب ﵀ في مؤلفاته أرى من المناسب أن أذكر المنهج الذي سار عليه السلف في تقسيم صفات الله تعالى وهو أنهم يقسمون الصفات التي وردت في الكتاب والسنة إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.\rفأما الصفات الذاتية: وهي الصفات المتعلقة بذاته التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وهي لا تنفك عنه سبحانه بل هي لازمة لذاته أزلًا وأبدًا كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، وهي لا تتعلق بها مشيئته وقدرته.\rوأما الصفات الفعلية: فهي الصفات المتعلقة بمشيئته وقدرته إن شاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204379,"book_id":111,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":226,"body":"فعلها وإن شاء لم يفعلها ﷿ كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول والضحك، والرضى والعجب والسخط ...\rوقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كصفة الكلام، فإنه باعتبار أصل الصفة صفة ذاتية لأنه ﵎ لم يزل ولا يزال متكلمًا.\rوباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام متعلق بمشيئته ﷿ يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (¬١).\rيقول العلامة الأستاذ محمد خليل هراس رحمه الله تعالى بعد أن ذكر جملة من النصوص المشتملة على هذين القسمين. قال: \"دلت هذه النصوص القرآنية على أن صفات الباري قسمان\":\rأ - صفات ذاتية لا تنفك عن الذات، بل هي لازمة لها أزلًا وأبدًا ولا تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته، وذلك كصفات الحياة، والعلم والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال .... الخ.\rب - صفات فعلية تتعلق بها مشيئته وقدرته كل وقت وآن وتحدث بمشيئته وقدرته، آحاد تلك الصفات من الأفعال وإن كان هو لم يزل موصوفًا بها بمعنى أن نوعها قديم وأفرادها حادثة، فهو سبحانه لم يزل فعالًا لما يريد ولم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور وأفعاله تقع شيئًا فشيئًا تبعًا لحكمته وإرادته، فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك والرضى والغضب والكراهية","footnotes":"(¬١) سورة يس آية (٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204380,"book_id":111,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":227,"body":"والمحبة المتعلقة بخلقه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وأنواع التدبير المختلفة (¬١).\rوفيما يلي سأذكر جملة من صفات الله ﷿ مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليها:\rأولًا: صفة العلم:\rوهي صفة من صفات الله الذاتية، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: لا ريب أن علم الله ﷿ قديم أزلي، لم يزل عالمًا بما يحدثه من مخلوقاته (¬٢).\rفالعلم صفة من صفات ذاته تعالى فهو عالم بعلم قائم بذاته قديم أزلي لازم لنفسه المقدسة، وهو سبحانه العليم المحيط بكل شيء، يعلم الكليات والجزئيات ولا تخفى عليه خافية، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.\rومن الأدلة على اتصافه تعالى بالعلم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) شرح العقيدة الواسطية (ص ٩٨، ٩٩) وانظر: شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ١١).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٧٩، ٨٠).\r(¬٣) سورة التغابن آية (١١).\r(¬٤) سورة الأنعام آية (٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204381,"book_id":111,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":228,"body":"وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾ (¬١).\rوقوله تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (¬٤).\rوالآيات الواردة في كتاب الله الدالة على أن الله ﵎ متصف بصفة العلم مما لا يكاد أن يحصى إلا بعد جهد لكثرتها.\rكما دلّ على إثبات هذه الصفة لله ﵎ أحاديث المصطفى ﷺ.\rمنهما: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير. قال: الله أعلم بما كانوا عاملين\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة التغابن آية (٤).\r(¬٢) سورة الحديد آية (٤).\r(¬٣) سورة النساء آية (١٦٦).\r(¬٤) سورة الطلاق آية (١٢).\r(¬٥) تقدم تخريجه (ص ١٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204382,"book_id":111,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":229,"body":"ومعنى الحديث كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا (¬١).\rومنها: ما رواه البخاري ومسلم في قصة الخضر مع موسى ﵇ التي ورد فيها قول الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه إلى أن قال: \"فركبا في السفينة قال: ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره\" (¬٢).\rومنها: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تفيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله\" (¬٣).\rإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على إثبات صفة العلم لله ﷿، وأنه ﵎ قد علم في الأزل جميع ما هو خالق كما علم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هم منهم من أهل النار، وعلم ﷾ عدد أنفاسهم وجميع حركاتهم وسكناتهم أين تقع،","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (ص ٦٧).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (٥/ ٢٣٠) ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر (٤/ ١٨٤٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله (٢/ ٢٣) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ٤٠) من حديث أبي هريرة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204383,"book_id":111,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":230,"body":"ومتى تقع وكيف تقع كل ذلك بعلمه ﵎ الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فله ﷿ العلم المطلق بجميع الأشياء جملة وتفصيلًا، سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\rثانيًا: صفة الغنى:\rصفة الغنى من صفات الله تعالى الذاتية، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقوله: \"يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ... \" (¬١) يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعًا ولا ضرًا، فإن الله تعالى في نفسه غني حميد، لا حاجة له بطاعة العباد، ولا يعود نفعها إليه، إنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها.\rقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ (¬٣).\rوكان النبي ﷺ يقول في خطبته: \"ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا\" (¬٤).\rوقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ (¬٥).","footnotes":"(¬١) هذا جزء من حديث قدسي طويل تقدم تخريجه (ص ١٧٤).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (١٧٦).\r(¬٣) سورة آل عمران آية (١٤٤).\r(¬٤) هذا جزء من حديث ما يسمى بخطبة الحاجة، وقد تقدم تخريجه (ص ٨).\r(¬٥) سورة النساء آية (١٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204384,"book_id":111,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":231,"body":"وقال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ (¬١).\rوقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (¬٢).\rوقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (¬٣).\rوالمعنى أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين ...\rهذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وأنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم، ودفع الضر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا عند قوله ﷺ: \"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا\" (¬٥).\rقال: هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية","footnotes":"(¬١) سورة إبراهيم آية (٨).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (٩٧).\r(¬٣) سورة الحج آية (٣٧).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٨٩، ١٩٠).\r(¬٥) تقدم تخريجه (ص ١٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204385,"book_id":111,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":232,"body":"العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم.\rفإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله فملكه ملك كامل، لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان ... إلى أن قال: \"إن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئًا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا. فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان، لا يزاد ولا يكمل بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي ولا تؤثر فيه شيئًا\" (¬١).\rفقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن من صفات الله ﵎ صفة الغنى المطلق من جميع الوجوه، وأنه ﷾ هو الغني الحميد الذي بيده خزائن السموات والأرض وأنه سبحانه هو الذي يغني جميع خلقه لأنهم جميعًا مفتقرون إليه في كل شيء في وجودهم وقيامهم وقعودهم وحركاتهم، وسكناتهم، وفي كل شأن من شؤون حياتهم.\rكما أوضح رحمه الله تعالى أن الله ﵎ قيوم السموات والأرض بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فلا تزيده طاعة مطيع، ولا تنقصه معصية عاص لأنه غني عن خلقه أجمعين، فهو ﷾ له الغنى المطلق الكامل، وهو متصف بصفة الغنى المطلق من جميع الوجوه فلا يتطرق إليه نقص بوجه من الوجوه، لأن غناه ﵎ من لوازم ذاته فلا يحتاج إلى أحد بحال من الأحوال، بل العباد كلهم محتاجون إليه مفتقرون إليه ليس لهم غنا عنه بأية حال من الأحوال.","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٩٤، ١٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204386,"book_id":111,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":233,"body":"وهذا كله مما دلت عليه الآيات في كتاب الله تعالى ومما جاءت به الأحاديث في سنة المصطفى ﷺ.\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه بعضًا من الآيات الدالة على ذلك.\rومن الآيات التي تدل على إثبات هذه الصفة لله تعالى مما لم يذكره ابن رجب رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ (¬١).\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: يخبر تعالى بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو تعالى الغني عنهم بالذات، ولهذا قال ﷿: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: \"هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه\" (¬٢).\rوأما الأحاديث الدالة على هذه الصفة فكثيرة جدًا:\rمنها ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه السابق.\rومنها حديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فقالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدأ حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبّر ﷺ وحمد الله ﷿، ثم قال: \"إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان (¬٣) زمانه","footnotes":"(¬١) سورة فاطر آية (١٥).\r(¬٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٧٧).\r(¬٣) إبان زمانه: وقت زمانه، وإبان كل شيء بالكسر والتشديد: وقته وحينه الذي يكون فيه. لسان العرب (١٣/ ٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204387,"book_id":111,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":234,"body":"عنكم، وقد أمركم الله ﷿ أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين\" (¬١).\rثالثًا: صفة المعية:\rمعية الله تعالى لخلقه ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف وهي معية تليق بالله تعالى ولا تشبه معية أي مخلوق لمخلوق لقوله تعالى عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬٢) وهي تنقسم إلى قسمين:\r١ - معية عامة: وهي معية تقتضي علمه ﷾ بجميع خلقه وإحاطته بهم مؤمنهم وفاجرهم، فلا تخفى عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء، لأنه ﵎ قد أحاط بكل شيء علمًا.\rومن الأدلة التي تدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (¬٣).\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو في القفار (¬٤) الجميع في علمه على السواء وتحت","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء (١/ ٦٩٣) وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد، أهل المدينة يقرؤون (ملك يوم الدين) وإن هذا الحديث حجة لهم.\r(¬٢) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٣) سورة الحديد آية (٤).\r(¬٤) القفار بكسر القاف: مفردها قفر وهي الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات. الصحاح (٢/ ٧٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204388,"book_id":111,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":235,"body":"بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم ويعلم سركم ونجواكم (¬١). ومن نصوص الكتاب أيضًا التي تدل على هذا النوع من المعية قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (¬٢).\rومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ .... ﴾ (¬٣) وقوله تعالى: ﴿ ......... وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (¬٤).\rإلى غير ذلك من الآيات الدالة على قربه ﷾ من عباده وأنه ﷿ على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط.\r٢ - المعية الخاصة: وهي المعية التي تقتضي النصر والتوفيق والتأييد والحفظ من الله ﷿ لعباده المؤمنين المتقين وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.\rومن النصوص الدالة على هذا النوع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ (¬٥).\rومنها: قوله تعالى في قصة نبينا محمد ﷺ مع الصديق ﵁: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (¬٦).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٤).\r(¬٢) سورة المجادلة آية (٧).\r(¬٣) سورة يونس آية (٦١).\r(¬٤) سورة النساء آية (١٠٨).\r(¬٥) سورة النحل آية (١٢٨).\r(¬٦) سورة التوبة آية (٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204389,"book_id":111,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":236,"body":"ومنها: قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (¬١) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أنه ﷾ مع عباده المتقين الطائعين يحفظهم وينصرهم ويدافع عنهم.\rكما دلّ على هذا النوع أحاديث المصطفى ﷺ:\rمنها: حديث أبي موسى قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال النبي ﷺ: \"أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم\" وفي لفظ: \"والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم\" (¬٢).\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى صفة المعية وأقسامها، وعرف كل قسم منها وذكر ما يدل عليه من نصوص الكتاب والسنة.\rومن ذلك قوله رحمه الله تعالى: وقوله ﷺ: \"احفظ الله تجده أمامك\" (¬٣) معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه في جميع الأحوال يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده، فإنه قائم على كل نفس بما كسبت، وهو تعالى مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون ...\rوهذه هي المعية الخاصة بالمتقين غير المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ......... ﴾ (¬٤).\rفإن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة ...","footnotes":"(¬١) سورة طه آية (٤٦).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (٤/ ٢٠٧٦).\r(¬٣) سبق تخريجه (ص ١٦١).\r(¬٤) سورة الحديد آية (٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204390,"book_id":111,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":237,"body":"وكان ﷺ قد قال لأبي بكر وهما في تلك الحال: \"ما ظنك باثنين الله ثالثهما\" (¬١).\rفهذا غير المعنى المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (¬٢) فإن ذلك عام: لكل جماعة.\rومن هذا المعنى الخاص الحديث الإلهي وقوله فيه: \"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي به\" (¬٣).\rإلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة على قرب الرب سبحانه ممن أطاعه واتقاه، وحفظ حدوده وراعاه (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلم عن المعية في مرتبة الإحسان \"وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (¬٥) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (¬٦) إلى أن قال رحمه الله تعالى: \"ومن فهم شيئًا من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أتى من جهله وسوء فهمه عن الله ﷿ وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير\" (¬٧).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (٥/ ٢٠٤).\r(¬٢) سورة المجادلة آية (٧).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ١٦٨).\r(¬٤) نور الاقتباس (ص ٥٢، ٥٣).\r(¬٥) سورة الحديد آية (٤).\r(¬٦) سورة البقرة آية (١٨٦).\r(¬٧) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٨، ٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204391,"book_id":111,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":238,"body":"وقال رحمه الله تعالى أيضا بعد أن ذكر بعض النصوص التي تدل على المعية \"فهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (¬١).\rومعيته مع أهل طاعته خاصة فهو سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ...\rفالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه.\rوالمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته فكذلك القرب، وليس هذا القرب تقرب الخلق المعهود منهم كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين كما أن الموصوف به ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ... (¬٢).\rفقد بيّن رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن نصوص المعية بنوعيها لا تفيد مخالطة ولا ممازجة ولا حلولًا ولا تشبيهًا، بل هي معية اطلاع وعلم وإحاطة في المعية العامة وتزيد المعية الخاصة بأنها معية نصر وموالاة وحفظ وتأييد وتسديد.\rومن فهم من هذه النصوص معاني أخرى لا تليق بكمال الله وجلاله فإنما ذلك بسبب جهله وسوء فهمه لأن معية الله ﷾ وقربه ليست كقرب الأجسام بعضها ببعض، فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.","footnotes":"(¬١) سورة النساء آية (١٠٨).\r(¬٢) فتح الباري (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204392,"book_id":111,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":239,"body":"وقد ردّ ابن رجب رحمه الله تعالى على الذين فسروا المعية بتفسير لا يليق بالله ﷿ وهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، وهم الحلولية (¬١) من الجهمية ومن نحا نحوهم.\rفقال رحمه الله تعالى: ولم يكن أصحاب النبي ﷺ يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله واطلاعه على عباده وإحاطته بهم وقربه من عابديه وإجابته لدعائهم فيزدادون به خشية لله وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة ومراقبة واستحياء ويعبدونه كأنهم يرونه، ثم حدث بعدهم من قل ورعه وانتكس فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره وأراد أن يرى الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان كما يحكى ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبير.\rوهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة ﵃ وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي ﷺ منهم في حديث عائشة (¬٢) المتفق عليه.","footnotes":"(¬١) الحلولية: هم الذين يعتقدون أن الله تعالى بذاته حل في مخلوقاته كما يحل الماء في الإناء، وأنه تعالى بذاته في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وأول من أظهر ذلك في الإسلام الروافض، فإنهم ادعوا الحلول في حق أئمتهم والقول بالحلول هي عقيدة غلاة الصوفية والفلاسفة كابن عربي وابن سبعين والحلاج والتلمساني وغيرهم.\rاعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٧٣) ومجموع الفتاوي (٢/ ١١٢).\r(¬٢) حديث عائشة هو ما رواه البخاري ومسلم وغيرهم عنها ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204393,"book_id":111,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":240,"body":"وتعلقوا أيضًا بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (¬١) وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (¬٢).\rفقال من قال من علماء السلف حينئذ إنما أراد أنه معهم بعلمه وقصدوا بذلك إبطال ما قال أولئك مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن ...\rوحكى ابن عبد البر (¬٣) وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) أن المراد علمه، وكل هذا قصدوا به رد قول من قال أنه تعالى بذاته في كل مكان.\rوزعم بعض من تحذلق (¬٤) أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام، فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها،","footnotes":"= أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ سورة آل عمران آية (٧).\rقالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سمى الله، فاحذروهم\".\rالبخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ (٥/ ١٦٦) ومسلم: كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه (٤/ ٢٠٥٣).\r(¬١) سورة الحديد آية (٤).\r(¬٢) سورة المجادلة آية (٧).\r(¬٣) انظر: التمهيد (٧/ ١٣٨، ١٣٩).\r(¬٤) يقال: حذلق الرجل وتحذلق إذا أظهر الحذق وادعى أكثر مما عنده. لسان العرب (١٠/ ٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204394,"book_id":111,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":241,"body":"ففيها معلوماته لا صفة ذاته كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (¬١) وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (¬٢) وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ... ﴾ (¬٣) ... (¬٤).\rفقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن معية الله تعالى لا تقتضي المخالطة والممازجة كما يزعم أهل الضلال لأن السلف رحمهم الله تعالى أجمعوا على أن المراد هو معهم بعلمه، وهذا هو المأثور عن الصحابة والتابعين وهو ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.\rوبهذا يتبين أن موقف ابن رجب رحمه الله تعالى من إثبات معية الله تعالى موافق لما جاءت به نصوص الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.\rومعية الله ﷿ لا تنافي ما ثبت لله تعالى من علوه على خلقه واستوائه على عرشه لأن الله تعالى قد ثبت له العلو المطلق.\rصفة العلو وأدلة ثبوتها من السمع والعقل والفطرة:\rفالعلو صفة من صفات الله تعالى الذاتية التي لا تنفك عنه، وقد دل على ثبوتها: السمع والعقل والفطرة.\rوقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الله تعالى عال على كل شيء.","footnotes":"(¬١) سورة الأعراف آية (٨٩).\r(¬٢) سورة غافر آية (٧).\r(¬٣) سورة الحديد آية (٤).\r(¬٤) فتح الباري (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204395,"book_id":111,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":242,"body":"أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (¬١) وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ (¬٢) وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (¬٣) وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ (¬٤) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على علو الله تعالى.\rوأما الأحاديث فكثيرة أيضًا وقد بلغت مبلغ التواتر (¬٥) ومنها:\rحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم فيقول كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون\" (¬٦).\rومنها حديث أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: \"إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام،","footnotes":"(¬١) سورة غافر آية (١٢).\r(¬٢) سورة الرعد آية (٩).\r(¬٣) سورة الأعلى آية (١).\r(¬٤) سورة الملك آية (١٦).\r(¬٥) انظر: حكاية التواتر في كتاب إثبات صفة العلو لابن قدامة (ص ٤١) والعلو للذهبي (ص ١٦) واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (٩٨) وقد ذكر ابن أبي العز رحمه الله تعالى في شرح الطحاوية (ص ٣٢٢) عشرين نوعًا من الأدلة على إثبات صفة العلو لله ﷿ ثم قال: \"وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله، هيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك\".\r(¬٦) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٨/ ١٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204396,"book_id":111,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":243,"body":"يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (¬١).\rومنها حديث الجارية التي سألها رسول الله ﷺ: \"أين الله\"؟ قالت: في السماء، قال من أنا؟ قالت: رسول الله قال: \"أعتقها، فإنها مؤمنة\" (¬٢).\rومنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قسمة الذهب الذي بعث به علي بن أبي طالب من اليمن إلى المدينة قال النبي ﷺ: \"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا\" (¬٣).\rفهذه الأحاديث وغيرها مما هو بمعناها تدل دلالة واضحة على علو الله ﷾.\rوأما من الإجماع: فقد أجمع سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان على أن الله تعالى فوق سمواته على عرشه.\rوقد ذكر هذا الإجماع غير واحد منهم.\rمن ذلك ما قاله أبو عمرو الطلمنكي (¬٤) رحمه الله تعالى \"وأجمع","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٢١٦).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب المساجد (١/ ٣٨١).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب في بعث علي بن أبي طالب (٥/ ١١٠) ومسلم: كتاب الزكاة (٢/ ٧٤٢).\r(¬٤) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى المعافري الأندلسي الطلمنكي الحافظ عالم أهل قرطبة، وصاحب التصانيف، كان خبيرًا بعلوم القرآن، وكان على منهج أهل السنة والجماعة، يقول الذهبي: رأيت له كتابًا في السنة في مجلدين عامته جيد، توفي سنة ٤٢٩ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٦٦) وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ١٢٠) وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204397,"book_id":111,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":244,"body":"المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (¬١) ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه وان الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء\" (¬٢).\rوأما من العقل:\rفإن كل عقل صحيح صريح يدل على علو الله ﷾ على خلقه، لأن العلو صفة كمال، والسفل صفة نقص، والله تعالى موصوف بالكمال المطلق من جميع الوجوه، ومنزه عن جميع صفات النقص، فدلّ العقل على اتصاف الله ﷿ بصفة العلو من وجوه:\r١ - العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات، وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر.\r٢ - أنه لما خلق العالم، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجًا عن ذاته والأول باطل.\rأما أولًا: فبالاتفاق.\rوأما ثانيًا: فلأنه يلزم أن يكون محلًا للخسائس والقاذورات، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\rوالثاني يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته، فيكون منفصلًا فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم، وغير منفصل عنه غير معقول.","footnotes":"(¬١) سورة الحديد آية (٤).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٩) واجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204398,"book_id":111,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":245,"body":"٣ - أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول، فيكون موجودًا إما داخله وإما خارجه، والأول باطل فتعين الثاني فلزمت المباينة (¬١).\rوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ثلاثين دليلًا عقليًا على إثبات صفة العلو لله ﷿ (¬٢).\rوأما ثبوته بالفطرة:\rفإن الله تعالى فطر الخلق كلهم على الإيمان به وعلى علوه لأنه ما من داع يدعو ربه إلا ويجد في نفسه ضرورة بالإتجاه إلى العلو من غير تعليم معلم.\rولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: \"ومن الحجة في أنه ﷾ على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته لأنه اضطراري لم يخالفهم فيه أحد ولا أنكره عليهم مسلم\" (¬٣).\rوهناك حكاية مشهورة تبين الاستدلال بالفطرة على علو الله على خلقه وهي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني (¬٤) حضر مجلس أبي المعالي","footnotes":"(¬١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٢٥).\r(¬٢) انظر: الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة (٤/ ١٢٧٩).\r(¬٣) التمهيد (٧/ ١٣٤).\r(¬٤) هو الشيخ الإمام الحافظ الزاهد أبو جعفر محمد بن الحسين بن محمد الهمداني، من أئمة أهل الأثر، توفي سنة ٥٣١ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠١) شذرات الذهب (٤/ ٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204399,"book_id":111,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":246,"body":"الجويني (¬١) فذكر العرش وقال: كان الله ولا عرش ونحو ذلك، وقام إليه الشيخ أبو جعفر فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش -يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع- وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة لطلب العلو لا يتلفت يمنة ولا يسرة، قال: فضرب أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني.\rفأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله تعالى أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال يا الله.\rوهذا يقتضي أن في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق (¬٢).\rهذه بعض الأدلة (¬٣) التي تدل على إثبات هذه الصفة العظيمة لله ﵎ وهي صفة العلو ذكرتها بمناسبة الجمع بين صفة المعية","footnotes":"(¬١) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، إمام الحرمين أبو المعالي، أحد الأعلام، شافعي المذهب، له مؤلفات كثيرة منها: الإرشاد في أصول الدين، والشامل في أصول الدين.\rكان من أئمة الأشاعرة، ولكنه رجع إلى مذهب السلف في آخر حياته، توفي سنة ٤٧٨ هـ.\rتبيين كذب المفتري (ص ٢٧٨) وطبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٦٥) والعبر (٢/ ٣٣٩) وشذرات الذهب (٣/ ٣٥٨).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٦١) والعلو للذهبي (ص ١٨٨) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٢٥).\r(¬٣) من أراد مزيدًا من الأدلة والإيضاح في هذه الصفة فليراجع:\rأ - مجموع الفتاوى (٥/ ١٣٦) وما بعدها.\rب - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم.\rجـ - إثبات صفة العلو لابن قدامة.\rد - العلو للعلي الغفار للذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204400,"book_id":111,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":247,"body":"وصفة العلو وأنه لا تناقض ولا تنافي بين علو الله تعالى واستوائه على عرشه وبين معيته ﷾ للوجوه التالية:\r١ - أن الله تعالى قد جمع بينهما لنفسه في كتابه العظيم في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ (¬١). فدلّ ذلك على عدم التناقض بينهما إذ لو كانا متناقضين لم يجمع القرآن بينهما لأنه منزه عن التناقض.\r٢ - أن اجتماع المعية والعلو ممكن في حق المخلوق الضعيف كما يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا.\rومن المعلوم أن المخلوق في الأرض والقمر في السماء ولا يعد ذلك تناقضًا، فإذا أمكن اجتماع ذلك في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء أولى.\r٣ - أنه لو فرض أن اجتماع العلو والمعية ممتنع في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق العظيم لأنه ﷿ ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.\rوبهذا يتضح أن الله ﵎ عال على خلقه مستو على عرشه وهو مع ذلك مع عباده وقريب منهم ﷾ لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه (¬٢).","footnotes":"(¬١) سورة الحديد آية (٤).\r(¬٢) شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس (ص ١٢٣ - ١٢٥) وفتح البرية بتلخيص الحموية للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ٧٧، ٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204401,"book_id":111,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":248,"body":"رابعًا: صفة المجيء والإتيان:\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها وتمر كما جاءت عندهم قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (¬١) ونحو ذلك مما دلّ على إتيانه ومجيئه يوم القيامة، وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما، وعندهما أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره ... وقد ذكر حرب الكرماني (¬٢) أنه أدرك على هذا كل من أخذ عنه العلم في البلدان، وسمى منهم أحمد وإسحاق والحميدي (¬٣) وسعيد بن منصور (¬٤) وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بالإبانة (¬٥)، وهو من أجل كتبه، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه كالبيهقي (¬٦) وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن","footnotes":"(¬١) سورة الفجر آية (٢٢).\r(¬٢) حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، رجل جليل، نقل عن الإمام أحمد مسائل كتبها بخطه، وكان السلطان قد جعله على أمر الحكم وغيره في البلد، توفي سنة ٢٨٠ هـ.\rالجرح والتعديل (٣/ ٢٥٣) وطبقات الحنابلة (١/ ١٤٥) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٤).\r(¬٣) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، الإمام الحافظ الفقيه، المحدث، صاحب المسند، قال عنه الإمام أحمد: الحميدي عندنا إمام، توفي سنة ٢١٩ هـ.\rالجرح والتعديل (٥/ ٥٦) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٦١٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢١٥).\r(¬٤) سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني المروزي، أبو عثمان الحافظ الإمام، شيخ الحرم صاحب السنن، كان ثقة صادقًا ومن أوعية العلم وأئمة الحديث، توفي سنة ٢٢٧ هـ.\rالتاريخ الكبير (٣/ ٥١٦) والجرح والتعديل (٤/ ٦٨) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦).\r(¬٥) انظر: الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٦٠).\r(¬٦) أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الحافظ العلامة، كتب الحديث وحفظه من صباه، وصنف تصانيف كثيرة منها: شعب الإيمان، توفي سنة ٤٥٨ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣) وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204402,"book_id":111,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":249,"body":"عساكر (¬١) وغيرهم ... (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث الرؤية الذي فيه يقول الرسول ﷺ: \"فيأتيهم الله ﷿ فيقول: أنا ربكم ... \" الحديث (¬٣).\rيقول: وقد دلّ القرآن على ما دلّ عليه الحديث في مواضع كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (¬٤).\rوقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (¬٥) وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (¬٦) ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئًا من ذلك ولا أخرجوه من مدلوله، بل روى عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء.\rوقد روي عن الإمام أنه قال في مجيئه: هو مجئ أمره، وهذا مما تفرد به حنبل (¬٧) عنه، فمن أصحابنا من قال: وهم حنبل فيما روى، وهو خلاف مذهبه المعروف والمتواتر عنه، وكان أبو بكر الخلال (¬٨)","footnotes":"(¬١) أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، الإمام الحافظ المتقن، له مصنفات عظيمة منها: تاريخ دمشق الكبير، توفي سنة ٥٧١ هـ.\rالبداية والنهاية (١٢/ ٣١٢).\r(¬٢) فتح الباري (٥/ ١٠٢).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٢١٧).\r(¬٤) سورة البقرة آية (٢١٠).\r(¬٥) سورة الأنعام آية (١٥٨).\r(¬٦) سورة الفجر آية (٢٢).\r(¬٧) حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني، أبو علي ابن عم الإمام أحمد حافظ محدث، له مسائل عن الإمام أحمد، توفي سنة ٢٧٣ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥١) وشذرات الذهب (٢/ ١٦٣).\r(¬٨) هو أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال، من كبار الحنابلة مفسر عالم بالحديث واللغة له كتب مفيدة منها: كتاب السنة، توفي سنة ٣١١ هـ.\rطبقات الحنابلة (٢/ ١٢) والبداية والنهاية (١١/ ١٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204403,"book_id":111,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":250,"body":"وصاحبه لا يثبتان ما تفرد به عن أحمد رواية. ومن متأخريهم من قال: هو رواية عنه بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما، ومنهم من قال: إنما قال ذلك إلزامًا لمن ناظره في القرآن، فإنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن فقال: إنما يجئ ثوابه لقوله: (وجاء ربك) أي كما تقولون أنتم في مجيء الله أنه مجئ أمره، وهذا أصح المسالك في هذا المروي، وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق: فمنهم من يثبت المجىء والإتيان ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه، ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره، ومنهم من يقر ذلك ويمره كما جاء ولا يفسره ويقول هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه، وهذا هو الصحيح عن أحمد ومن قبله من السلف وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة، وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية، لأن جهمًا وأصحابه أول من اشتهر عنهم أن الله ﷾ منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلّت على ثبوته بزعمهم، وردوا ما دلّت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي افتراء على الله ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله، وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك مع كثرته وانتشاره من باب التوسع والتجوز وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة وهو من جنس حمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204404,"book_id":111,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":251,"body":"الباطنية (¬١) نصوص الأخبار من الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز (¬٢) دون الحقيقة، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك،","footnotes":"(¬١) الباطنية: سموا بذلك لأنهم يقولون: أن للنصوص ظاهرًا وباطنًا ولكل تنزيل تأويلًا، ولهم ألقاب كثيرة منها: القرامطة والحزمية والإسماعيلية والمزدكية والنصيرية، وهم يعتقدون أن الإله لا يوصف بوجود ولا عدم ولا هو معلوم ولا مجهول، ويقولون: إنه لابد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق، يرجع إليه في تأويل الظواهر، واتفقوا على إنكار القيامة، وهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم.\rاعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٧٦) والفرق بين الفرق (ص ٢٨١) والرد على الرافضة للمقدسي (ص ١٤١).\r(¬٢) يطلق لفظ المجاز في اصطلاح كثير من المتأخرين على ما هو قسيم الحقيقة، فإنهم قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز.\rفالحقيقة عندهم هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له.\rوالمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة. وقيل غير ذلك من التعاريف.\rانظر المستصفى في علم الأصول للغزالي (ص ٢٦٨) والأحكام للآمدي (١/ ٢٦).\rوهذه المسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء بين مثبت وناف.\rوالحقيقة أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز اصطلاح حادث قصد به التوصل إلى نفي صفات الكمال عن الله ﷿، وإلا فالأئمة رحمهم الله تعالى وأهل القرون الثلاثة المفضلة لم يتكلموا بهذا الاصطلاح بالمعنى الذي قصده المبتدعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين بالعلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية ... والغالب أنه -أي المجاز- كان من جهة =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204405,"book_id":111,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":252,"body":"وهذا كله مروق عن دين الإسلام، ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه إلا خوفًا من الوقوع في مثل ذلك، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك، وتحذير الأمة منه، فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين، فكيف ينصحون الأمة فيما يتعلق بالأحكام العملية ويدعون نصيحتهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات، هذا من أبطل الباطل (¬١).\rفقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن من صفات الله الفعلية صفة المجيء والإتيان، وهي من الصفات التي ثبتت في كتاب الله العزيز وبأحاديث المصطفى ﷺ ودرج علماء السلف على نقلها والإيمان بها وإقرارها وإمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه.\rوقد ساق ابن رجب رحمه الله تعالى الآيات التي دلّت على هذه الصفة.\rكما بيّن رحمه الله تعالى أيضًا في كلامه السابق أن تعطيل الصفات","footnotes":"= المعتزلة ونحوهم من المتكلمين ... وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا غيره كأبي إسحاق الإسفرائيني ... إلى أن قال ﵀: \"فلا مجاز في القرآن بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف، والخلف فيه على قولين، وليس النزاع فيه لفظيًا، بل يقال نفس هذا التقسيم باطل لا يتميز هذا عن هذا ... \".\rالإيمان (ص ٨٤) وما بعدها، وانظر: رسالة في الحقيقة والمجاز لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠٠ - ٤٩٩) ورسالة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز للعلامة محمد الأمين الشنقيطي.\r(¬١) فتح الباري (٥/ ٩٦ - ٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204406,"book_id":111,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":253,"body":"وتشبيهًا بصفات المخلوقين من فعل أهل الضلال والزيغ الذين ضلوا عن الطريق المستقيم، نسأل الله السلامة والعافية.\rخامسًا: صفة النزول إلى السماء الدنيا:\rالمقصود بصفة النزول هو إثبات أن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، كما ورد ذلك في الأخبار، فالواجب إثبات ذلك على حقيقته من غير تحريف ولا تكييف.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن قرب الله ﷾ من عباده \"وليس هذا القرب تقرب الخلق المعهود منهم كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين كما أن الموصوف به ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه نوع من قرب الرب من داعيه وسائليه، ومستغفريه وقد سئل عنه حمّاد بن زيد (¬١) فقال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين وقال حنبل: سألت أبا عبد الله ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا مالك ولهذا، امض الحديث على ما روى بلا كيف ولا حدّ إلا ما جاءت به الآثار وجاء به الكتاب قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (¬٢) ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته أحاط بكل شيء","footnotes":"(¬١) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الحافظ الثبت، قال يحيى بن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد، وقال الإمام أحمد فيه: حماد بن زيد من أئمة المسلمين، توفي سنة ١٧٩ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٧/ ٤٥٦) والبداية والنهاية (١٠/ ١٩٨).\r(¬٢) سورة النحل آية (٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204407,"book_id":111,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":254,"body":"علمًا، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب ﷿.\rومراده أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علمًا، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله، فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه\" (¬١).\rفقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الكلام أن صفة النزول من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته وحكمته والتي يجب إثباتها لله ﵎ وأن نزوله ﷾ نزولًا يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تعطيل كما هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.\rوقد وردت أحاديث كثيرة في إثبات صفة النزول لله تعالى منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ويقول: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) \" رواه البخاري ومسلم (¬٢).\rومنها: حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول (ما أراد هؤلاء) \" رواه مسلم (¬٣).","footnotes":"(¬١) فتح الباري شرح البخاري ورقة (٢/ ٣٣٤).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٢١٦).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (٢/ ٩٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204408,"book_id":111,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":255,"body":"قال الآجري (¬١) رحمه الله تعالى: باب الإيمان والتصديق بأن الله ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، ثم قال: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله ﷺ أن الله ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار، هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك، كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث يحذرونه ويحذرون منه (¬٢).\rوقال ابن خزيمة رحمه الله تعالى عند ذكره لأحاديث النزول نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا وأعلمنا أنه ينزل، والله جلّ وعلّا لم يترك، ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف كيفية النزول، وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جلّ وعلّا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل (¬٣).","footnotes":"(¬١) أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري، قال الذهبي: كان عالمًا عاملًا صاحب سنة واتباع، له مصنفات كثيرة منها: كتاب الشريعة وأخلاق العلماء، توفي سنة ٣٦٠ هـ.\rتاريخ بغداد (٢/ ٢٤٣) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٣٦).\r(¬٢) الشريعة للآجري (ص ٣٠٦).\r(¬٣) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٨٩، ٢٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204409,"book_id":111,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":256,"body":"فالسلف يؤمنون بنزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا ويثبتونه إثباتًا يليق بجلاله ﷿ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ويصدقون الأحاديث التي وردت في ذلك، والتي بلغت حدّ التواتر كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن نزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله ﷺ، رواه عنه نحو ثمانية وعشرين نفسًا من الصحابة، وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع، فكيف تكون حقيقته محالًا وباطلًا، وهو ﷺ يتكلم بها دائمًا ويعيدها ويبديها مرة بعد مرة (¬١).\rوهنا سؤال: وهو أنه إذا أثبتنا لله تعالى نزوله حقيقة فهل يخلو منه العوش أو لا يخلو؟ .\rالصواب ما عليه السلف الصالح ﵏ في هذا من أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو منه العرش مع نزوله إلى السماء الدنيا، لأن نزوله ﷾ ليس كنزول المخلوقين بل هو منزه عن ذلك ﵎.\rوهذا هو جواب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذا السؤال حيث ذكر الأقوال في هذه المسألة ورجح الثالث منها فقال: والقول الثالث -وهو الصواب- وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة (¬٢).","footnotes":"(¬١) مختصر الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة (٢/ ٢٢١).\r(¬٢) شرح حديث النزول (٦٦) ومجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٦، ٤١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204410,"book_id":111,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":257,"body":"المبحث الثامن شبهة والرد عليها\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه على التنجيم وما يجره على أهله من البلاء والمصائب قال: وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا إلى عقوبته، وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين ... (¬١).\rفابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الكلام على الذين يؤولون أحاديث النزول وينكرونها محتجين بشبهة واهية وهي قولهم: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد مما يلزم منه أن يكون الله ﵎ دائمًا نازلًا، لأن الثلث مستمر طيلة أربع وعشرين ساعة نظرًا لاختلاف المطالع والمغارب.\rولا شك أن هذا الاعتراض اعتراض قبيح يدل على جهل من قال به بنصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.\rلأن أهل السنة والجماعة يثبتون لله ﷿ نزولًا يليق بجلاله وعظمته لا نزولًا كنزول الخلق، لأن الخلق إذا فعلوا ذلك يلزم منه هذا","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204411,"book_id":111,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":258,"body":"الاعتراض لأن ذلك من لوازمهم إذا فعلوا شيئًا من ذلك أما الرب ﵎ فهو ممتنع في حقه لأنه منزه عما يكون من صفات المخلوقين الضعفاء، فنزول الله ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته كما جاءت بذلك الأدلة.\rومن أول النزول، وحرف نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذه الصفة بمثل هذه الحجة الواهية فقد أخطأ حيث ظن أن أفعال الله ﵎ وصفاته كأفعال الخلق وصفاتهم فشبه الله ﷿ بخلقه ووقع فيما فر منه وجمع بين التعطيل والتشبيه.\rوقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذه الشبهة فقال: \"وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته\" (¬١).\rويقول أيضًا رحمه الله تعالى رادًا على هذه الشبهة: \"وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله ما يتخيلونه من نزول أحدهم، وهذا عين التمثيل، ثم إنهم بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم الذي لا يمكنه أن يجمع من الأفعال ما يعجز غيره عن جمعه، وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم القيامة كل منهم يراه مخليًا به ويناجيه لا يرى أنه متخل لغيره ولا مخاطب لغيره\".\rوقد قال النبي ﷺ: \"إذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) يقول الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى عليّ عبدي\" (¬٢) فكل من الناس يناجيه والله تعالى يقول لكل منهم ذلك، ولا يشغله شأن عن شأن ...","footnotes":"(¬١) شرح حديث النزول لابن تيمية (ص ١٠٦).\r(¬٢) هذا جزء من حديث قدسي أخرجه مسلم: كتاب الصلاة (١/ ٢٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204412,"book_id":111,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":259,"body":"ومن مثل مفعولاته التي خلقها بمفعولات غيره فقد وقع في تمثيل المجوس (¬١) القدرية فكيف بمن مثل أفعاله بنفسه أو صفاته بفعل غيره وصفته يقال لهؤلاء: أنتم تعلمون أن الشمس جسم واحد، وهي متحركة حركة واحدة متناسبة لا تختلف، ثم إنه بهذه الحركة الواحدة تكون طالعة على قوم وغاربة عن آخرين، وقريبة من قوم وبعيدة من آخرين فيكون","footnotes":"(¬١) المجوس: هم الذين يعبدون النار، لأنهم يعتقدون أنها أعظم شيء في الدنيا ويسجدون للشمس إذا طلعت وينكرون نبوة آدم، ونوح ﵉، وقالوا: لم يرسل الله ﷿ إلا رسولًا واحدًا، لا ندري من هو، ويقولون بإثبات أصلين النور والظلمة. وقد نشأت المجوسية في بلاد الفرس.\rاعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٨٦) والرد على الرافضة (ص ١٣٤) والملل والنحل (١/ ٢٣٣) والبرهان في عقائد أهل الأديان (ص ٩٠).\rوالقدرية: سموا بذلك لقولهم في القدر، وهم يزعمون أن العبد يخلق فعله، وأن أفعال العباد مقدرة لهم على جهة الاستقلال، والمتقدمون منهم ينكرون علم الله بالأشياء قبل وجودها، ومنهم معبد الجهني وهم الذين كفرهم السلف.\rوأما المتأخرون منهم فهم يثبتون العلم وينازعون في مرتبة الخلق، ومن أشهر فرقهم المعتزلة.\rوالقدرية هم مجوس هذه الأمة كما أطلق ذلك عليهم السلف، وقد وردت آثار بتسمية القدرية مجوس هذه الأمة، وبعض هذه الآثار مرفوع إلى النبي ﷺ، ومنها ما أخرجه أحمد (٢/ ١٢٥) وأبو داود في سننه: كتاب السنة، باب القدر (٥/ ٦٦) وابن ماجه في سننه: المقدمة (١/ ٣٥) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٤٤، ١٤٥).\rوجميع هذه الروايات ضعفها أئمة الحديث ولكن يعضد بعضها بعضًا. ووجه تسمية القدرية بمجوس هذه الأمة أنهم حين قالوا بأن الله تعالى لم يخلق الشر ولم يقدره اضطروا إلى القول بأن الإنسان هو خالق أفعاله كما تزعم المعتزلة فهم بهذا أشبهوا المجوس بقولهم أن الله إله الخير والنور، والشر والظلمة لها خالق آخر غيره بزعمهم تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\rالفرق بين الفرق (١١٤) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (٥٠) ومجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٨، ٤٣٠) ولوامع الأنوار البهية (١/ ٣٠٢ - ٣٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204413,"book_id":111,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":260,"body":"عند قوم عنها ليل، وعند قوم نهار، وعند قوم شتاء، وعند قوم صيف، وعند قوم حر، وعند قوم برد، فإذا كانت حركة واحدة يكون عنها ليل ونهار في وقت واحد لطائفتين، وشتاء وصيف في وقت واحد لطائفتين فكيف يمتنع على خالق كل شيء الواحد القهار أن يكون نزوله إلى عباده ونداه إياهم في ثلث ليلهم وإن كان مختلفا بالنسبة إليهم وهو سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحتاج أن ينزل على هؤلاء، ثم ينزل على هؤلاء، بل في الوقت الواحد الذي يكون ثلثًا عند هؤلاء وفجرًا عند هؤلاء يكون نزوله إلى سماء هؤلاء الدنيا وصعوده عن سماء هؤلاء الدنيا، فسبحان الله الواحد القهار ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (¬١).\rوبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة وقبحها، وهذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأنه لا يصدر إلا من المخالفين المكذبين ومن سار على طريقهم كما بين ذلك ابن رجب رحمه الله تعالى وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٢٢٨، ٢٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204414,"book_id":111,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":261,"body":"المبحث التاسع رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة\rبينت فيما سبق مذهب السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهو ما درج عليه الصحابة ﵃ والتابعون من بعدهم إلا أن هناك طوائف وفرقًا نبتت ونشأت على خلاف هذا المنهج القويم والطريق السليم وهو منهج أهل السنة والجماعة، وهذه الفرق منها من أفرط في النفي حتى شبهوه ﷾ بالعدم وهم المعطلة، والبعض الآخر منها بالغوا في الإثبات حتى شبهوه ﷿ بالمخلوقات وهم المشبهة.\rقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: \"أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه\" (¬١).\rوهذان المذهبان -أعني مذهب المعطلة والمشبهة- كل مذهب منهما يضم فرقًا وطوائف.\rفأما المعطلة فإنهم انقسموا إلى ثلاثة أقسام:\rفمنهم من جحد الأسماء وأنكر الصفات وهم الجهمية.\rومنهم من أثبت الأسماء وأنكر الصفات، وهم المعتزلة.\rومنهم من أثبت الأسماء، وفرق بين الصفات، فأثبت البعض، وأنكر الآخر، وهم الأشاعرة ومن نحا نحوهم.","footnotes":"(¬١) تاريخ بغداد (١٣/ ١٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204415,"book_id":111,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":262,"body":"وكل واحد من هؤلاء يعطلون حقائق مانعت الله به نفسه، ويشتركون في تأويل نصوص الكتاب والسنة، ويجعلون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (¬١). مستندًا لهم في رد الأحاديث الصحيحة الثابتة، فكلما جاءتهم آية أو حديث تخالف قواعدهم وآراءهم، وما وضعته عقولهم وأفكارهم، فإن كانت هذه النصوص قابلة للتأويل والتحريف أولوها وحرفوها، وإن لم تكن قابلة ردوها وأنكروها ورموها وراء ظهورهم، وهم ما بين مقل ومكثر في التأويل والتعطيل وهم مع ذلك يستدلون على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (¬٢) تلبيسًا منهم وتشكيكًا لمن هو أعمى قلبًا منهم، وتحريفًا لمعنى نصوص الكتاب والسنة عن مواضعه.\rوقد بنوا مذهبهم على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم فقالوا: إن إثباتها يقتضي التشبيه والتمثيل بالمخلوقين، ولذلك أولوها وحرفوا معانيها زاعمين أن ذلك لأجل التنزيه فوقعوا في شر مما فروا منه وهو تشبيه المولى ﵎ بالمعدومات والجمادات فشبهوا الله ﷾ في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فهم شبهوا أولًا وعطلوا ثانيًا.\rوأما المشبهة فهم الذين أثبتوا أسماء الله تعالى وصفاته وغلوا في الإثبات إلى حد أن شبهوه بالمخلوقات وجعلوا صفاته ﷾ من جنس صفاتهم لأنهم يظنون أن لا حقيقة لها إلا هذا.\rوالشبهة التي أدت بالمشبهة إلى التشبيه والتمثيل هي أنهم يقولون","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٢) سورة الشورى آية (١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204416,"book_id":111,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":263,"body":"كما ذكر ذلك ابن القيم الجوزية ﵀ عنه: \"محال أن يخاطبنا الله بما لا نعقله، ثم يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (¬١) ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (¬٢) ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (¬٣) (¬٤).\rويقولون أيضًا أنه لا يوجد شيء معقول في الموجودات سوى الجسم والعرض ويستحيل أن يكون الله ﷾ عرضًا فيجب أن يكون جسمًا.\rواحتجوا على قولهم هذا بآيات من كتاب الله تعالى فيها ذكر العين والوجه واليد وغيرها (¬٥).\rيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: المشبهة الذين يقولون بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي (¬٦).\rومن هؤلاء المشبهة الكرامية (¬٧) ومن سار على منهجهم من طوائف الرافضة وغيرهم (¬٨).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (٧٣).\r(¬٢) سورة البقرة آية (٢١٩).\r(¬٣) سورة ص آية (٢٩).\r(¬٤) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٢/ ٤٢٥).\r(¬٥) الفصل في الملل والنحل (٢/ ٢٧٧).\r(¬٦) رسالة الفرقان بين الحق والباطل لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٧٧).\r(¬٧) الكرامية: هي إحدى فرق المرجئة وسموا بذلك نسبة إلى محمد بن كرام من أهل سجستان، وهم يثبتون صفات الله تعالى إلا أنهم ينتهون فيها إلى التجسيم والتشبيه، ولهم في الإيمان قول منكر حيث زعموا أن الإيمان هو الإقرار والتصديق دون القلب، والمنافقون عندهم مؤمنون.\rانظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٦٧) والفرق بين الفرق (٢٠٢) ورسالة في الرد على الرافضة لابن حامد المقدسي (١٦٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٣).\r(¬٨) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٨٣) ومجموع الفتاوى (٦/ ٥١) والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٥) والفرق بين الفرق (٢١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204417,"book_id":111,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":264,"body":"وأصحاب هذا المنهج لا شك أنهم منحرفون عن المنهج السليم، وضالون عن الصراط المستقيم، لأنهم جمعوا في قولهم بين التشبيه والتعطيل أما تشبيههم فظاهر وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، وأما التعطيل فمن وجوه ثلاثة:\r١ - أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.\r٢ - أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب حيث شبه الرب الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الناقص.\r٣ - أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬١) وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (¬٢) (¬٣) ...\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذين المذهبين وبين أنهما من البدع التي اتفق السلف على تضليل قائليها فقال: \"ومن ذلك أعني محدثات الأمور ما أحدثه المعتزلة، ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته بأدلة العقول ... وانقسم هؤلاء إلى قسمين:\rأحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده التشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة: لو رؤي لكان جسمًا، لأنه لا يرى إلا في جهة.","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٢) سورة الإخلاص آية (٤).\r(¬٣) انظر: التحفة المهدية لابن مهدي (ص ١٨٥) وفتح رب البرية بتلخيص الحموية لابن عثيمين (ص ٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204418,"book_id":111,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":265,"body":"وقولهم: لو كان له كلام يسمع لكان جسمًا، ووافقهم من نفي الاستواء فنفوه لهذه الشبهة، وهذا طريق المعتزلة والجهمية.\rوقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم، وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.\rوالثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك كما هي طريقة مقاتل بن سليمان، ومن تبعه كنوح بن أبي مريم (¬١) وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا، وهو مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظًا وإما معنى، ومنهم من أثبت لله صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن الخوارج وتكفيرهم للأمة واستباحة دمائهم وأموالهم:\r\"وأصعب من ذلك ما حدث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت عنه النبي ﷺ والصحابة والتابعون لهم بإحسان:\r١ - فقوم نفوا كثيرًا مما أورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوا تنزيهًا لله عما تقتضيه العقول بتنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك لمستحيل على الله ﷿.\r٢ - وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما يظن أنه لازم له بالنسبة","footnotes":"(¬١) نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي، يعرف بالجامع لجمعه العلوم، ولكن كُذب في الحديث، قال ابن المبارك: كان يضع، توفي سنة ١٧٣ هـ.\rميزان الاعتدال (٤/ ٢٨٠) وتقريب التهذيب (ص ٣٦٠).\r(¬٢) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٣٨، ١٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204419,"book_id":111,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":266,"body":"إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة على السكوت عنها\" (¬١).\rوالسلف رحمهم الله تعالى منزهون في اعتقادهم عن التشبيه والتمثيل وقولهم في أسماء الله تعالى وصفاته هو الصحيح من الأقوال لأنه إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، عمدتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬٢).\rيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل فلا يمثلون صفات الله خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته (¬٣).\rويقول ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى: وهدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى، فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنها مماثلة المخلوقات، وكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالين خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين (¬٤) والمجهلين والمشبهين .... وقالوا","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٦).\r(¬٢) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٣) الفتوى الحموية (ص ١٧).\r(¬٤) أهل التخييل: هم الفلاسفة والباطنية ومن سلك سبيلهم من المتكلمين والمتصوفة وغيرهم، وحقيقة مذهبهم: أن ما جاءت به الأنبياء مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر إنما هو تخييل وتمثيل لا حقيقة لها وليس هو حقًا ولا هدىً، وإنما المراد منها تخويف العامة وجمهور الناس وانتفاعهم بها ليستقيموا على الصراط المستقيم. وهم ينقسمون إلى قسمين: غلاة وغير غلاة. =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204420,"book_id":111,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":267,"body":"نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات (¬١).","footnotes":"= ومن أهل التخييل من يجعل الأعمال من صلاة وزكاة وصوم وغيرها تخييلات ورموز يأمر بها العامة دون الخاصة.\rوقولهم فساد يدل على فساده الشرع والعقل والحس.\rالفتوى الحموية الكبرى لابن تيمية (ص ٢٠) والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (١/ ٤١٨).\r(¬١) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204421,"book_id":111,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":268,"body":"المبحث العاشر تنزيه الله ﷾ من نسبة الولد إليه\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وإذا كان منزهًا عن أن يخرج منه مادة الولد التي هي أشرف المواد فلأن ينزه عن خروج مادة غير الولد أولى، فمن أثبت لله ولدًا فقد شتمه، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله ﷿: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد\" (¬١).\rوفي صحيح البخاري أيضًا عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: \"قال الله ﷿: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا\" (¬٢).\rوقد رد الله على من زعم أنه لا يعيد الخلق، وعلى من زعم أن له ولدًا كما تضمنه هذا الحديث في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، (٦/ ٩٥).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٦/ ٩٥).\r(¬٣) سورة مريم من آية (٦٦ إلى ٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204422,"book_id":111,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":269,"body":"وفي صحيح البخاري أيضًا عن النبي ﷺ قال: \"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم\" ... (¬١) (¬٢).\rفنسبة الولد إلى الله ﷾ فرية عظيمة قال بها اليهود والنصارى والمشركون من العرب، ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وغيرهم فاليهود المغضوب عليهم زعموا أن عزيرًا ابن الله، والنصارى الضالون زعموا أن المسيح ابن الله، ومشركوا العرب زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\rوقد رد الله ﵎ هذه المزاعم كلها في القرآن الكريم، وبيّن بطلانها بنفي الولد وتنزهه عن ذلك ﵎.\rوقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى فى كلامه السابق بطلان هذه الفرية، وذكر بعض الأدلة التي وردت في الرد على هذا الزعم الباطل لأن هذا القول قول عظيم في القبح والبشاعة والنكارة، فالله ﷾ الواحد الأحد الفرد الصمد المستغني عن جميع خلقه وهم محتاجون إليه، قهر الأشياء كلها فدانت له وذلت وخضعت.\rوقد أنذر الله ﵎ جميع الطوائف التي تنسب إليه الولد بالوعيد الشديد والتهديد الأكيد قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٨/ ١٦٥) وأخرجه مسلم أيضًا: كتاب صفات المنافقين، باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿ (٤/ ٢١٦٠).\rكلهم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\r(¬٢) تفسير سورة الإخلاص (ص ٥٨، ٥٩).\r(¬٣) سورة الكهف آية (٤، ٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204423,"book_id":111,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":270,"body":"قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: \"يقول تعالى ذكره ويحذر أيضًا محمد القوم ﴿الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ من مشركي قومه وغيرهم، بأس الله وعاجل نقمته، وآجل عذابه على قيلهم ذلك\" (¬١).\rونفي الولد عن الله ﷾ يجب اعتقاد ثبوت ضده لله على الوجه اللائق بجلاله لأن النفي المحض عدم محض فهو ليس بشيء وليس في النفي المجرد إثبات صفة كمال، ولهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات المدح والكمال، والمدح الذي تضمنه نفي الولد عن الله إثبات إنه الأحد سبحانه المنفرد بذاته يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (¬٢) فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يكرثه ولا يثقله وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها (¬٣).\rوأرى من المناسب أن أذكر هنا فائدة لها صلة بهذا المبحث ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في تفسيره لسورة الإخلاص حيث قال:","footnotes":"(¬١) تفسير ابن جرير الطبري (١٥/ ١٩٣).\r(¬٢) سورة البقرة آية (٢٥٥).\r(¬٣) الرسالة التدمرية (ص ٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204424,"book_id":111,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":271,"body":"سؤال: نفى سبحانه الولادة قبل التولد، والتولد أسبق وقوعًا من الولادة في حق من هو متولد؟\rوجوابه: أن الولادة لم يدعها أحد في حقه سبحانه، وإنما ادعوا أنه ولد، فلذلك قدم نفيه لأن المهم المحتاج إلى نفيه.\rسؤال آخر: كيف نفى أن يكون مولودا ولم يعتقده أحد؟\rجوابه: من وجهين.\rأحدهما: أنهم سألوا عمن ورث الدنيا. ولمن يورثها، وهذا يشعر بأن منهم من اعتقد ذلك.\rوالثاني: أنه نفى عن نفسه سبحانه خصائص آلهة المشركين فإن منهم من عبد المسيح، ومنهم من عبد العزيز وهما مولودان، ومنهم من عبد الملائكة والعجل وهي متولدات، وقد تقدم أن نفي الولادة تدل على نفي المتولد بطريق الأولى (¬١).","footnotes":"(¬١) تفسير سورة الإخلاص (ص ٦١، ٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204425,"book_id":111,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":272,"body":"المبحث الحادي عشر علم الكلام وكلام ابن رجب عليه\rأنزل الله ﵎ القرآن الكريم هدي وشفاء للناس كما قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (¬١) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ (¬٣).\rفبين الله ﷾ أن هذا الكتاب المنزل على نبينا محمد ﷺ هدى للناس يهتدون به إلى الطريق القويم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (¬٤) ويخرجون به من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (¬٥).\rفمن تمسك بهذا الكتاب وسنة المصطفى ﷺ المفسرة المبينة له فهو غني عن كل فكر ومنهج، لأن الله ﷾ قد أكمل الدين كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (¬٦).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (١، ٢).\r(¬٢) سورة فصلت آية (٤٤).\r(¬٣) سورة النحل آية (٦٤).\r(¬٤) سورة الإسراء آية (٩).\r(¬٥) سورة البقرة آية (٢٥٧).\r(¬٦) سورة المائدة آية (٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204426,"book_id":111,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":273,"body":"وقد علم الصحابة ﵃ قدر هذا الكتاب العظيم فتمسكوا به وانكبوا عليه علمًا وعملًا وتعليمًا، وهكذا التابعون لهم بإحسان ولم يعرف عن أحد منهم أنه تكلم بشيء من الطرق الكلامية ولا المسائل الفلسفية (¬١).\rوبعد انتهاء عصر الصحابة ﵃ ظهر ما يسمى بعلم الكلام وهو الجدال في الأمور الاعتقادية بالعقل بسبب الابتعاد عن الكتاب والسنة والتأثر بالأفكار والديانات القديمة، وازداد الأمر سوءًا في عهد المأمون (¬٢) بعد أن عربت كثير من الكتب اليونانية والرومانية إلى العربية (¬٣).\rوقد قام أئمة الدين وأعلام الهدى بذم علم الكلام وبالغوا في ذمه وذم أهله وتضليلهم، ومنعوا من مجالستهم ومحادثتهم ومجادلتهم، وأمروا بهجرهم، والبعد عنهم، وأجمعوا على أنه من العلوم المحدثة المبتدعة التي كان لها أكبر الأثر في تفريق المسلمين وتشتيت وحدتهم.\rيقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: \"روى ... ذم الكلام","footnotes":"(¬١) انظر: الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٦) وصون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام (ص ١٤).\r(¬٢) المأمون أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي أحد خلفاء بني العباس، قرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، ودعا إلى القول بخلق القرآن وحمل الناس عليه، وكان يجل أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه، توفي سنة ٢١٨ هـ.\rتاريخ بغداد (١٠/ ١٨٣) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٢) وشذرات الذهب (٢/ ٣٩).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٣٦) والتعريفات للجرجاني (١٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204427,"book_id":111,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":274,"body":"وأهله عن مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف (¬١) ومحمد وابن مهدي (¬٢) وأبي عبيد والشافعي والمزني (¬٣) وابن خزيمة، وذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى (¬٤) ومحمد بن يحيى الذهلي (¬٥) وروى","footnotes":"(¬١) هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي تلميذ أبي حنيفة، عالم، فقيه، محدث، قال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصح رواية من أبي يوسف، توفي رحمه الله تعالى سنة ١٨٢ هـ.\rتاريخ جرجان للسهمي (٤٨٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢) والجواهر المضيئة (٢/ ٢٢٠).\r(¬٢) هو الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري، وقيل الأزدي، من أعلم الناس بالحديث وعلومه.\rقال علي بن المديني: لو أخذت، فحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي، توفي رحمه الله تعالى سنة ١٩٨ هـ.\rحلية الأولياء (٩/ ٣ - ٦٣) وتاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٧٩) وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥).\r(¬٣) أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني المصري، تلميذ الشافعي، الإمام الزاهد، العابد، قال الذهبي: كان مجاب الدعوة، ذا زهد وتأله، أخذ عنه خلق من العلماء، توفي سنة ٢٦٤ هـ.\rطبقات الشافعية للسبكي (٢/ ٩٣) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٩٢) وطبقات الشافعية لابن هداية (٢٠).\r(¬٤) يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، أبو محمد، رحل إلى المشرق، وسمع من مالك بن أنس وغيره، وكان من أكابر الصحابة، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس، وإليه انتهت رئاسة الفقه في الأندلس، توفي سنة ٢٣٤ هـ رحمه الله تعالى.\rجذوة المقتبس (٣٨٢) وترتيب المدارك (٣/ ٣٧٩) ووفيات الأعيان (٥/ ١٩٤).\r(¬٥) محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الإمام الحافظ. =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204428,"book_id":111,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":275,"body":"السلمي (¬١) أيضًا النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد (¬٢) وإبراهيم الخواص (¬٣) فتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث، والصوفية، وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين ... \" (¬٤).\rكما بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن علم الكلام الذي اعتمد عليه المتكلمون من العلوم المذمومة التي فتحت باب شر عظيم على المسلمين في دينهم لأن المتكلمين جاءوا بقضايا منطقية وفلسفية زعموا أنها حجج قطعية وقضايا مسلمة لا تغير ولا تبدل.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا: \" ... فأما الدخول","footnotes":"= قال ابن أبي حاتم: إمام من أئمة المسلمين، وثّقه أبي، وسمعته يقول: هو إمام أهل زمانه. توفي سنة ٢٥٨ هـ.\rالجرح والتعديل (٨/ ١٢٥) وطبقات الحنابلة (١/ ٣٢٧) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٠).\r(¬١) محمد بن الحسين بن محمد أبو عبد الرحمن السلمي نسبة إلى قبيلة سليم، شيخ خراسان وكبير الصوفية، قال الذهبي: وللسلمي سؤالات للدارقطني عن أحوال المشايخ الرواة سؤال عارف، وفي الجملة، ففي تصانيفه أحاديث وحكايات موضوعة، توفي سنة ٤١٢ هـ.\rتاريخ بغداد (٢/ ٢٤٨) وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٨).\r(¬٢) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي، شيخ الصوفية، لم يرَ في زمانه مثله في العفة والعزوف عن الدنيا، توفي سنة ٢٩٨ هـ.\rتاريخ بغداد (٧/ ٢٤١) وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٨).\r(¬٣) إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص، من أهل سر من رأى، قال الخطيب: أحد شيوخ الصوفية، وممن يذكر بالتوكل وكثرة الأسفار إلى مكة وغيرها، توفي سنة ٢٩١ هـ.\rتاريخ بغداد (٦/ ٧ - ١٠).\r(¬٤) فتح الباري (٥/ ١٠١ - ١٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204429,"book_id":111,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":276,"body":"مع ذلك في كلام المتكلمين أو الفلاسفة فشر محض وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم، كما قال أحمد: لا يخلو من نظر في الكلام إلا تجهم.\rوكان هو وغيره من أئمة السلف يحذرون من أهل الكلام، وإن ذبوا عن السنة.\rوأما ما يوجد في كلام من أحب الكلام المحدث، واتبع أهله من ذم من لا يتوسع في الخصومات والجدال ونسبته إلى الجهل أو إلى الحشو، وإلى أنه غير عارف بالله أو غير عارف بدينه، فكل ذلك من خطوات الشيطان نعوذ بالله منه (¬١).\rكما بين رحمه الله تعالى أن سكوت السلف رحمهم الله تعالى عن الكلام والجدال ليس جهلًا وعجزًا منهم ولكنهم سكتوا عن علم ومعرفة ودراية وتعظيم وخشية لله تعالى. فقال: \"فما سكت من سكت عن كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلًا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية لله وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم باختصاصه بعلم دونهم، ولكن حبا للكلام وقلة ورع ... إلى أن قال رحمه الله تعالى: \"وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض.\rوانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، زيد بن ثابت كيف كانوا ... وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، فليس العلم بكثرة الرواية","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204430,"book_id":111,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":277,"body":"ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل (¬١).\rوقد تنوعت عبارات السلف في التحذير عن الكلام وأهله من ذلك قول الإمام مالك رحمه الله تعالى: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله وفي الله ﷿، فالسكوت أحب إليّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل (¬٢).\rوقال أيضًا رحمه الله تعالى: \"لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل (¬٣).\rوقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: \"رأيي ومذهبي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويجلسوا على الجمال ويطاف بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء، والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه الله بالكلام\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٣، ١٤٤).\r(¬٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص ٣٦٤).\r(¬٣) شرح السنة للبغوي (١/ ٢١٧).\r(¬٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٦).\r(¬٥) أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٥٣) وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٣٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204431,"book_id":111,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":278,"body":"وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"إنه لا يفلح صاحب كلام أبدًا ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"لا يفلح صاحب كلام أبدًا علماء الكلام زنادقة\" (¬٢).\rفهذه بعض أقوال أئمة الإسلام، الذين شهد لهم بالفضل والعلم في علم الكلام، وهم أدرى به من غيرهم لأنهم اطلعوا على حقيقته، وعلموا نتيجته، وعاصروا أصحابه وعرفوهم عن قرب، بل أن السلف لم يكتفوا بالتحذير من علم الكلام وأصحابه بالقول. بل ألفوا فيهم مؤلفات تبين ما هم عليه من الضلال، وتحذرهم منه، وممن ألف في ذلك الخطابي (¬٣) ألف كتاب الغنية عن الكلام وأهله، وأبو إسماعيل الهروي (¬٤) ألف كتابه المشهور بذم الكلام (¬٥).","footnotes":"(¬١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ص ٣٦٥).\r(¬٢) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٣).\r(¬٣) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي الإمام الحافظ اللغوي الفقيه المحدث، له تصانيف مفيدة منها: معالم السنن، وغريب الحديث، توفي سنة ٣٨٨ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣) وشذرات الذهب (٣/ ١٢٧).\r(¬٤) شيخ الإسلام الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن محمد الأنصاري الهروي، كان مظهرًا للسنة داعيًا إليها صنف ذم الكلام والأربعين في دلائل التوحيد وغيرها من الكتب المفيدة النافعة، توفي رحمه الله تعالى سنة ٤٨١ هـ.\rطبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٧) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٠٣) والبداية والنهاية (١٢/ ١٤٥).\r(¬٥) توجد له نسخة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية، وقد قام أخونا عبد الرحمن الشبل بتحقيق جزء منه في مرحلة الماجستير، ويقوم الآن بتحقيق الجزء الآخر في مرحلة الدكتوراه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204432,"book_id":111,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":279,"body":"كما اتبعوا القول بالعمل فقد أمر الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح (¬١) بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي (¬٢) وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا (¬٣).\rولا يفهم من موقف السلف من علم الكلام أنهم ينهون عن الأدلة العقلية فلا يعطونها أي وزن أو قيمة: بل إن من طالع كتبهم ونظر في أقوالهم، تبين له أنهم لم ينكروا الاستدلال بالأدلة العقلية على المطالب الآلهية إذا كانت صحيحة، وإنما نهوا وذموا ما خالف الكتاب والسنة (¬٤).\rكما أنهم لم يذموا علم الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ العرض (¬٥) وغير ذلك، ولكن لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات (¬٦).","footnotes":"(¬١) أبو عمرو الإمام الحافظ عثمان بن صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكردي الشافعي، كان من كبار الأئمة، وقد أفتى وجمع وألف كتبًا كثيرة في علوم الحديث والفقه ومن أشهرها ما يعرف بمقدمة ابن الصلاح، توفي سنة ٦٤٣ هـ.\rتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠) والبداية والنهاية (١٣/ ١٦٠) والنجوم الزاهرة (٦/ ٣٥٤).\r(¬٢) أبو الحسن علي بن محمد بن سالم الثعلبي سيف الدين الآمدي، أصولي متكلم، كان حنبليًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، اشتغل بفنون المعقول، صنف كتاب الأحكام في أصول الأحكام، ولباب الألباب وغيرها، توفي سنة ٦٣١ هـ.\rطبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٠٦) والبداية والنهاية (١٣/ ١٣٤) وشذرات الذهب (٥/ ١٤٤).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٥٢).\r(¬٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٥٣، ١٥٥، ١٦٦).\r(¬٥) العرض: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم به.\rالتعريفات للجرجاني (ص ١٤٨).\r(¬٦) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204433,"book_id":111,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":280,"body":"وهكذا كان علماء السلف كلهم ملتزمين بما أنزل الله ﷾ على نبينا محمد ﷺ يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يتجاوزونه إلى غيره، ويرون أن فيه الصلاح والهدى والخير والسعادة في الدنيا والآخرة، لأنه ﷺ لم ينتقل إلى ربه ﷿ حتى كمل هذا الدين، فكل ما تحتاج إليه أمته من أمور الدين قد بينه ﵊ بيانًا شافيًا، ولم يترك لأحد مقالًا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، ولم يرو عنه ﷺ في علم الكلام شيء مما يدل دلالة واضحة على أنه بدعة وضلالة.\rيقول ابن عقيل ﵀: \"وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم رائحة الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين\" (¬١).\rهذا مع أن بطون الكتب حفظت لنا نصوصًا كثيرة في تراجع من اشتغل بعلم الكلام رغم أنهم أمضوا السنوات الطوال بحثًا وتفكيرًا وتأملًا فيه، رغم ذلك عادوا في آخر حياتهم إلى ما عليه السلف، وأوصوا بالبعد عن علم الكلام مما يدل دلالة واضحة على بطلان هذا العلم وما يؤدي إليه من الحيرة والاضطراب، ورجوع من اشتغلوا بعلم الكلام عنه ووصاياهم بالبعد عنه والتمسك بما عليه السلف أمر لا ينكره إلا من هو مكابر ومعاند وغير مريد للحق لأن اعترافاتهم وأقوالهم مسطرة ومنثورة في كتبهم التي ألفوها في آخر حياتهم، وتناقلها العلماء من بعدهم مستدلين بها على صحة منهج السلف وفساد مذهب المتكلمين.\rأخرج الخطيب البغدادي بسنده أن الوليد بن أبان الكرابيسي (¬٢) لما","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٥).\r(¬٢) الوليد بن أبان الكرابيسي، معتزلي، من علماء الكلام، من أهل البصرة، له مقالات في الاعتزال، مات سنة (٢١٤ هـ).\rتاريخ بغداد (١٣/ ٤٤١) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٨) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204434,"book_id":111,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":281,"body":"حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهمونني، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم\" (¬١).\rوكان أبو المعالي الجويني إمام الحرمين يقول: \"لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبةً أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني (¬٢).\rوكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.\rوممن اشتهر عنه الرجوع إلى مذهب السلف، وذم علم الكلام أبو الفتح الشهرستاني (¬٣) حيث أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:\rلعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم\rفلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على ذقن أوقار عاسن نادم (¬٤)","footnotes":"(¬١) تاريح بغداد (١٣/ ٤٤١) وتلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٤) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢١٠).\r(¬٢) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص ٨٤، ٨٥) ومجموع الفتاوى (٤/ ٧٣) والروض الباسم لابن الوزير (٢/ ١٤).\r(¬٣) أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني من كبار أئمة الأشاعرة، له مؤلفات كثيرة منها: الملل والنحل، نهاية الأقدام في علم الكلام، توفي سنة ٥٤٨ هـ.\rوفيات الأعيان (٤/ ٢٧٣) والعبر (٣/ ٧) وشذرات الذهب (٤/ ١٤٩).\r(¬٤) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٥٩) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٢٨) والروض الباسم لابن الوزير (٢/ ١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204435,"book_id":111,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":282,"body":"وهؤلاء الذين ذكرت مقالاتهم أتيت بهم للمثال وإلا فهناك غيرهم الكثير والكثير من علماء الكلام الذين تبين لهم أن علم الكلام نهايته الحيرة والاضطراب، وأن الخير كل الخير فيما عليه سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.\rوأخيرًا فإن رجوع هؤلاء الأئمة إلى مذهب السلف الصالح واعترافهم بالحيرة والاضطراب بسبب البعد عن منهج القرآن والسنة لعبرة لطالب الحق، فإن هؤلاء العلماء كلهم قد درسوا علم الكلام، وأفنوا فيه سنوات، وخدعوا ببريقه حينًا من الزمن، ولكنهم رجعوا في النهاية إلى عقيدة السلف الصالح، العقيدة الصافية التي مصدرها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ.\rوفي هذا عبرة وعظة لمن لا يزال يسلك مسلك الخلف وهو مسلك أهل الكلام على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم عله يتوب ويرجع عما هو عليه كما رجع هؤلاء لينال بذلك رضى الله تعالى عليه، وليتختم عمره بالحسنى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204436,"book_id":111,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":283,"body":"الفصل الرابع توحيد الألوهية\rويشتمل على تمهيد وعدة مباحث:\rتمهيد.\rالمبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية.\rالمبحث الثاني: بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها، وفيه عدة مطالب.\rالمطلب الأول: بيان معنى كلمة إله.\rالمطلب الثاني: معنى لا إله إلا الله.\rالمطلب الثالث: فضل لا إله إلا الله.\rالمطلب الرابع: الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله.\rالمطلب الخامس: شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204437,"book_id":111,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":284,"body":"المبحث الثالث: ذكر بعض أنواع العبادة.\rتعريف العبادة.\rمن أنواع العبادة:\rالدعاء.\rالخوف.\rالتوكل.\rالاستعانة.\rالخشوع.\rالمحبة.\rالمبحث الرابع: بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204438,"book_id":111,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":285,"body":"تمهيد\rخلق الله ﷾ آدم بيده ثم أنزله إلى هذه المعمورة وأسبغ عليه نعمًا كثيرة لا تعد ولا تحصى وزوده بالعقل والسمع والإرادة حتى يتمكن بواسطتها إدراك ما يلقى إليه من أوامر الله ﷿ ونواهيه، ثم أرسل الله ﷾ إلى ذريته من بعده رسلًا من جنسهم يبلغون دين الله، وأنزل عليهم كتبًا تعرفهم بخالقهم وموجودهم وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، وقد شاء الله ﷾ بحكمته وإرادته أن تكون أمة محمد ﷺ آخر الأمم ورسولهم خاتم الأنبياء والرسل وهو محمد ﷺ وأنزل عليه كتابًا تبيانًا لكل شيء، وناسخًا لما قبله من الكتب ومهيمنًا عليها وهو القرآن الكريم، وقد ضمنه الله ﷾ بيان الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلقهم وأوجدهم في هذه الأرض واستخلفهم فيها ألا وهو عبادته ﷾ وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه وهو ما يسمى بتوحيد العبادة فهو أول واجب على العباد، وهو أصل الدين وأساس شرائع الإسلام، وهو من الدين بمثابة الروح من الجسد، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، فكان كل رسول يفتتح دعوته لقومه بتوحيد الألوهية كما قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (¬١).","footnotes":"(¬١) سورة الأعراف آية (٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204439,"book_id":111,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":286,"body":"وقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة توجب على العباد أن يفردوا الله بتوحيد العبادة، ويخصوه بها وحده دون سواه.\rولهذا اهتم علماء الإسلام من السلف الصالح رحمهم الله تعالى بهذا النوع من التوحيد وبينوه وأوضحوه لما له من أهمية كبيرة وعاقبة حميدة ومنهم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى حيث اعتنى بهذا النوع من التوحيد وبينه وأوضحه واهتم به اهتمامًا كبيرًا، وسوف يتبين هذا كله إن شاء الله تعالى في المباحث القادمة التي تشمل على أقواله في ذلك، ولا ريب أن هذا النوع من التوحيد جدير بالعناية والاهتمام بل هو أهم الأمور التي يجب العناية والاهتمام بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204440,"book_id":111,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":287,"body":"المبحث الأول تعريف توحيد الألوهية\rتوحيد الألوهية هو ما يعبر عنه بتوحيد العبادة أو توحيد الطلب والقصد أسماء لمسمى واحد وهو إفراد الله ﷾ بأفعال عباده التي تعبدهم بها بجميع أنواعها باطنها وظاهرها من الصلاة والزكاة والصيام والحج والنحر والنذر والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والدعاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي تعبد الله بها خلقه وشرعها لهم.\rوبمعنى آخر أي صرف جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، فلا يدعى من دونه أحد من خلقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فهو كافر مشرك كما قال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (¬١).\rوهذا النوع من التوحيد هو غاية توحيد الربوبية والأسماء والصفات فإنهما وسيلة إليه وهو الذي من أجله خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب وحصل الجدال وشرع الجهاد، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وهو معنى قول لا إله إلا الله.\rوقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله ﷾ توجب على","footnotes":"(¬١) سورة الأنعام آية (١٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204441,"book_id":111,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":288,"body":"العباد أن يفردوا الله ﷾ بتوحيد العبادة ويخصوه بها وحده دون سواه.\rبل إن الأمر بالعبادة هو أول أمر في كتاب الله ﷾ وهو قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (¬١).\rومن الآيات الدالة على وجوب عبادة الله تعالى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (¬٤).\rوقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ (¬٥).\rفهذه الآيات الكريمة تقرر أن الله ﷾ هو المستحق للعبادة بجميع أنواعها الاعتقادية والقولية والعملية، وليس لأحد سواه كائنًا من كان أي شيء من أنواع العبادة.","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (٢١ - ٢٢).\r(¬٢) سورة الزمر آية (١١ - ١٥).\r(¬٣) سورة الإسراء آية (٢٣).\r(¬٤) سورة النساء آية (٣٦).\r(¬٥) سورة الزمر آية (٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204442,"book_id":111,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":289,"body":"وكما جاءت آيات الكتاب الكريم مبينة لهذا النوع من التوحيد وآمرة به كذلك جاءت السنة المشرفة موضحة ومبينة له وآمرة به.\rومن ذلك ما رواه ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: \"إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم\" (¬١).\rومنها حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا. وحق العباد على الله ﷿ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\" (¬٢).\rفهذه الأحايث تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.\rوقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا النوع من التوحيد وبين أن الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلق الله الخلق وأوجدهم في هذه الأرض هو عبادته ﷾ وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٤).\rومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١/ ٥١).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب .. ، باب ما جاء فى دعاء النبى ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ (٨/ ١٦٤).\rومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة (١/ ٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204443,"book_id":111,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":290,"body":"يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: إن الله ﷾ خلق الخلق ليعبدوه، ويعرفوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه، ويخافوه خوف إجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه، ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر ﷾ في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال والأغلال. . . وغير ذلك مما فيها من الأهوال والفظائع والعظائم ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما نهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السنة الصحيحة التي هي مفسرة ومبينة لمعاني الكتاب، وكذلك سير السلف الصالح أهل العلم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات وأن ذلك هو الذي رقاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيات، من شدة الاجتهاد في الطاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال المكروهات فضلًا عن المحرمات (¬١).\rويقول أيضًا رحمه الله تعالى: \"\"فإن الله تعالى خلق الخلق وأوجدهم لعبادته الجامعة لخشيته ورجائه ومحبته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (¬٢) (¬٣).\rويقول رحمه الله تعالى أيضًا: فإن الله تعالى خلق الخلق كلهم لعبادته كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٢) وأرسل الرسل كلهم للدعوة إلى توحيده وطاعته كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (ص ٦، ٧).\r(¬٢) سورة الذاريات آية (٥٦).\r(¬٣) استنشاق نسيم الأنس (ص ٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204444,"book_id":111,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":291,"body":"قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (¬١) ولما أهبط آدم وزوجته وأسكنهما في الأرض أخذ عليهما أن من أطاعه من ذريتهما واتبع رسله كان من السعداء، ومن أعرض عن ذلك كان من الأشقياء كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (¬٣) (¬٤).\rفقد أوضح ابن رجب ﵀ في كلامه السابق أن الحكمة التي من أجلها خلق الله ﵎ الجن والإنس هي عبادته ﷾ وحده دون سواه.\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (¬٥) قال: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم ... ومعنى الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم (¬٦).","footnotes":"(¬١) سورة الأنبياء آية (٢٥).\r(¬٢) سورة البقرة الآيتان (٣٨، ٣٩).\r(¬٣) سورة طه الآيتان (١٢٣، ١٢٤).\r(¬٤) الاستخراج لأحكام الخراج (ص ١٤٩ - ١٥٠).\r(¬٥) سورة الذاريات آية (٥٦).\r(¬٦) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204445,"book_id":111,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":292,"body":"المبحث الثاني بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها\rوفيه عدة مطالب:\r\rالمطلب الأول بيان معنى كلمة إله\rأله في اللغة معناه: عبد.\rوالإله: هو المعبود.\rيقال أله يأله بالفتح فيهما بمعنى عبد يعبد.\rقال ابن فارس: الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال: تأله الرجل إذا تعبد (¬١).\rوقال الزجاج: معنى قولنا: \"إله\" إنما هو الذي يستحق العبادة وهو المستحق لها دون سواه (¬٢).\rوقال ابن جرير الطبري: أله بمعنى عبد، والإله مصدره من قول القائل: آله الله فلان إلاهة كما يقال: عبد الله فلان عبادة (¬٣).","footnotes":"(¬١) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧).\r(¬٢) تفسير أسماء الله الحسنى (ص ٢٦).\r(¬٣) تفسير ابن جرير الطبري (١/ ٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204446,"book_id":111,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":293,"body":"وقال الفيروزأبادي: (¬١) أله يأله ألهة وتالهًا كعبد يعبد عبادة وتعبدًا (¬٢).\rبهذا يتضح لنا أن لفظة (إله) مأخوذة من التأله وهو التعبد ومعناه المعبود المطاع سواء كان بحق أو بغير حق، فكل ما عبد بأي نوع من أنواع العبادات ولو كان المعبود جمادًا فهو إله عند عابده كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (¬٣).\rولكن هذا اللفظ غلب على المعبود بحق وهو الله ﷾ يقول الزمخشري (¬٤): والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق ... (¬٥).\rوأما لفظ الجلالة (الله) فلا يطلق إلا على المعبود بحق وهو الله ﷾، فهو مختص به ﷿ ولا يطلق على غيره (¬٦).","footnotes":"(¬١) هو مجد الدين أبو الطاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الفيروزأبادي اللغوي، الأديب، ولي قضاء اليمن، وكان من العلماء الفضلاء، له مصنفات كثيرة منها \"القاموس المحيط، وبصائر ذوي التمييز\"، توفي سنة ٨١٧ هـ. بغية الوعاة (١/ ٢٧٣) وشذرات الذهب (٧/ ١٢٦) والبدر الطالع (٢/ ٢٨٠).\r(¬٢) بصائر ذوي التمييز (٢/ ١٤).\r(¬٣) سورة هود آية (١٠١).\r(¬٤) محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، أبو القاسم، كبير المعتزلة، وهو رأس في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، وهو داعية إلى الاعتزال، له مؤلفات أظهر فيها هذا المذهب منها: الكشاف في التفسير، توفي سنة ٥٣٨ هـ.\rالأنساب (٦/ ٢٩٧) ووفيات الأعيان (٥/ ١٦٨) وبغية الوعاة (٢/ ٢٧٩).\r(¬٥) الكشاف (١/ ٣٦).\r(¬٦) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204447,"book_id":111,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":294,"body":"وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن الإله الحق الذي يجب أن يطاع فلا يعصى هو الله ﷾ فقال: \"الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاءًا له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله ﷿\" (¬١).\rوقال أيضا رحمه الله تعالى: فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء، والمعاصي قادحة كلها في هذا التوحيد، لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (¬٢).\rكما أشار رحمه الله تعالى إلى أن الإله قد يطلق على الهوى المتبع فقال: وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع (¬٣).\rقال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٢) قال: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه.\rوقال قتادة (¬٤): هو الذي كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه. لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى (¬٥) ... ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: \"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد","footnotes":"(¬١) كلمة الإخلاص (ص ٢٣).\r(¬٢) سورة الجاثية آية (٢٣).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٩).\r(¬٤) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي أبو الخطاب البصري الحافظ، المحدث المفسر، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، توفي سنة ١١٨ هـ رحمه الله تعالى.\rالجرح والتعديل (٧/ ١٣٣) ووفيات الأعيان (٤/ ٨٥) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩).\r(¬٥) أخرجه بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٥/ ١٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204448,"book_id":111,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":295,"body":"القطيفة (¬١) تعس عبد الخميصة (¬٢) تعس وانتكس وإذا شيك (¬٣) فلا انتقش\" (¬٤) فدل هذا على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.\rويدل عليه أيضًا أن الله تعالى سمى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (¬٥) وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ (¬٦) فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن (¬٧).\rفالتفسير الصحيح لكلمة الإله هو المألوه والمعبود المطاع، ولا معبود بحق إلا الله ﷾.\rوبهذا يتبين لنا خطأ المتكلمين ومن سار على نهجهم الذين يفسرون","footnotes":"(¬١) القطيفة: هي كساء له خمل: أي الذي يعمل لها ويهتم بتحصيلها. النهاية لابن الأثير (٤/ ٨٤).\r(¬٢) الخميصة: هي ثوب خز أو صوف معلم، وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص. النهاية لابن الأثير (٢/ ٨٠، ٨١).\r(¬٣) شيك: أي إذا أصابته شوكة لا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش. النهاية لابن الأثير (٢/ ٥١٠).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله (٤/ ٢٢٢).\r(¬٥) سورة يس آية (٦٠).\r(¬٦) سورة مريم آية (٤٤).\r(¬٧) كلمة الإخلاص (ص ٢٥ - ٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204449,"book_id":111,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":296,"body":"الإله بأنه الخالق والقادر على الاختراع، أو شبه ذلك من معاني الربوبية فجعلوا الألوهية بمعنى الربوبية.\rوهذا التفسير لا شك أنه تفسير خاطىء مخالف للغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ويؤدي إلى إغفال حقيقة التوحيد الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وخلق الله الخلق ألا وهو توحيد العبادة الذي ضل فيه كثير من الناس خصوصًا في هذا العصر.\rيقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن معنى الإله هو المعبود المطاع فيقول: وهذا كثير جدًا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود خلافًا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات، ويظنون أنهم إذا قالوها بهذا المعنى، فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى، ولو فعلوا ما فعلوا من عبادة غير الله ... وما شعروا أن إخوانهم من كفار العرب يشاركونهم في هذا الإقرار، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويعبدونه بأنواع من العبادات ... فإن قيل: فما الجواب عن قول من قال: بأن معنى الإله القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة؟ قيل الجواب من وجهين:\rأحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة، وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا القول باطلًا.\rالثاني: على تقدير تسليمه، فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقا قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك، فليس بإله حتى وإن سمي إلهًا، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204450,"book_id":111,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":297,"body":"دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أراد ذالك فهو مخطىء يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية (¬١).","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص ٧٦ - ٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204451,"book_id":111,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":298,"body":"المطلب الثاني معنى لا إله إلا الله\rبعد ما تبين لنا في المبحث الأول معنى الإله وأن المعنى الحق (للإله) هو المعبود والمطاع اذكر ما قاله ابن رجب ﵀ في معنى لا إله إلا الله حيث قد بين معناها بيانًا شافيًا.\rفقال رحمه الله تعالى: معنى لا إله إلا الله لا يؤله غيره حبًا ورجاءً وخوفًا وطاعة، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله (¬١).\rوقال أيضًا رحمه الله تعالى: فإن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيمًا وتوكلًا ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفى بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها ووسواس الشيطان (¬٢).\rويقول أيضًا: لا يصح تحقيق معنى قول لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٦٨).\r(¬٢) المصدر السابق (٢/ ١٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204452,"book_id":111,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":299,"body":"يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك كان ذلك نقصًا في التوحيد (¬١).\rفـ (لا إله إلا الله) تعني إفراد الله ﷾ بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فهي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد ولا يتم إيمان أي عبد بدون تحقيق معناها والعمل بمدلولها.","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204453,"book_id":111,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":300,"body":"المطلب الثالث فضل لا إله إلا الله\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها:\r١ - فهي كلمة التقوى كما قال عمر ﵁ من الصحابة، وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك. . . ولأجلها خلق الحلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (¬١) ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ (¬٣).\r٢ - . . . وهي ثمن الجنة. . . وجاء مرفوعًا: ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة (¬٤).\r٣ - وهي نجاة من النار: سمع النبي ﷺ مؤذنًا يقول: \"أشهد أن لا","footnotes":"(¬١) سورة الذاريات آية (٥٦).\r(¬٢) سورة الأنبياء آية (٢٥).\r(¬٣) سورة النحل آية (٢).\r(¬٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣) وأبو داود: كتاب الجنائز، باب التلقين (٣/ ٤٨٦) والحاكم (١/ ٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204454,"book_id":111,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":301,"body":"إله إلا الله\" فقال: \"خرج من النار\" أخرجه مسلم (¬١).\r٤ - وهي توجب المغفرة: وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومًا: \"ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني بها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم\" (¬٢).\r٥ - وهي أحسن الحسنات: قال أبو ذر: قلت يا رسول الله علمني بعمل يقربني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: \"إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها، قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات\" (¬٣).\r٦ - ... وكذلك ترجح بصحائف الذنوب كما في حديث السجلات والبطاقة (¬٤) وقد خرجه أحمد، والنسائي، والترمذي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ.","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان (١/ ٢٨٨).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨١) رواه أحمد وفيه راشد بن داود وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.\r(¬٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٩) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٣٣) وقد صححه السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٣١) والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٣٦١).\r(¬٤) حديث البطاقة هو حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: \"إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204455,"book_id":111,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":302,"body":"٧ - وهي التي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله ﷿: وفي الترمذي ... عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصًا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر\" (¬١).\r٨ - وهي التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاءه، خرج النسائي (¬٢) في كتاب \"اليوم والليلة\" من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ قال: \"ما قال عبد قط لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مخلصا بها روحه مصدقا بها قلبه لسانه، إلا فتق له (أبواب) السماء، حتى ينظر الله إلى قائلها، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤاله\".\r٩ - وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها: كما أخرج النسائي","footnotes":"= ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء\".\rأخرجه أحمد (٢/ ٢١٣) وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٢/ ١٤٣٧) والترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (٥/ ٢٤) وقال: هذا حديث حسن غريب. والحاكم (١/ ٥٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\r(¬١) سنن الترمذي كتاب الدعوات (٥/ ٥٧٥) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\rوصححه السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ١٤٧) والألباني كما في صحيح الجامع (٢/ ٩٨٧).\r(¬٢) عمل اليوم والليلة (ص ١٥٥)، ورجال إسناده ثقات إلا محمد بن عبد الله بن ميمون، ويعقوب بن عاصم، قال ابن حجر في كل منهما \"مقبول\".\rانظر: تقريب التهذيب (ص ٣٠٦)، (٣٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204456,"book_id":111,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":303,"body":"والترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ قال: \"إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه، وقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد قال الله: لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذ قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي وكان يقول: \"من قالها في مرضه، ثم مات لم تطعمه النار\" (¬١).\r١٠ - وهي أفضل ما قاله النبيون كما ورد في دعاء يوم عرفة (¬٢).\r١١ - وهي أفضل الذكر كما في حديث جابر المرفوع: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله\" (¬٣) ....","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما يقول العبد إذا مرض (٥/ ٤٩٢) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله (٢/ ١٢٤٦) وابن حبان كما في موارد الظمآن (٥٧٨) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٥١) والحاكم (١/ ٥) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.\r(¬٢) وهو قوله ﷺ: \"أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\" أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٤٢٢) والترمذي: كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (٥/ ٥٧٢) والبغوي في شرح السنة (٧/ ١٥٧) وقال الألباني بعد أن ذكر هذا الحديث وما له من شواهد: وجملة القول: أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد.\rسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٨).\r(¬٣) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة (٥/ ٤٦٢) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل الحامدين (٢/ ١٢٤٩) والحاكم (١/ ٤٩٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204457,"book_id":111,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":304,"body":"١٢ - وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان: كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مئة حسنة، ومحي عنه مئة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك\" (¬١).\rوفيهما أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل\" (¬٢). . .\r١٣ - ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة، ويدخل من أيها شاء كما في حديث عمر عن النبي ﷺ فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء، وقد خرجه مسلم (¬٣).\rوفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء\" (¬٤). . .","footnotes":"(¬١) و (¬٢) صحيح البخاري: كتاب الدعوات، باب فضل التهليل (٧/ ١٦٧) وصحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٤/ ٢٠٧١).\r(¬٣) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (١/ ٢١٠) ولفظه: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ويدخل من أيها شاء\".\r(¬٤) صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب قوله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٤/ ١٣٩) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204458,"book_id":111,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":305,"body":"١٤ - ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لابد أن يخرجوا منها: وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله ﷿: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: \"لا إله إلا الله\" (¬١) (¬٢) ... وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ... فأما كلمة التوحيد فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محوًا، ولا تبقي ذنبًا ولا يسبقها عمل وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار ... ومن قالها مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار\" (¬٣).\rهذه بعض فضائل لا إله إلا الله التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى، ولو تتبعنا فضائل هذه الكلمة لصارت في مجلد كبير، فهي سند متين ومستمسك قوي لمن جاء يوم القيامة بها مستكملًا لشروطها وعاملًا بمقتضاها.","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٨/ ٢٠٢) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٤).\r(¬٢) كلمة الإخلاص (ص ٥٢) وما بعدها بتصرف يسير.\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٢٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204459,"book_id":111,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":306,"body":"المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله\rسبق في المبحث السابق بيان فضائل كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتي دلت عليها الأحاديث الكثيرة الواردة عن المصطفى ﷺ إلا أن بعض هذه الأحاديث ظاهرها التعارض في مدلولاتها وهي كما يلي:\r١ - أحاديث تدل على أن من أتى بالشهادتين يحرم على النار ومنها حديث عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال عند موته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار\" (¬١).\rفيؤخذ من هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث أن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله\".\r٢ - أحاديث تدل على أنه من قال: لا إله إلا الله يخرج من النار ومنها حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204460,"book_id":111,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":307,"body":"من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير ... \" (¬١) الحديث.\rفظاهر هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث يدل على أن من يقول لا إله إلا الله يدخل النار بسبب ذنوبه ثم يخرج منها ويدخل الجنة وهو يتعارض مع ظاهر أحاديث القسم الأول التي تدل على أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله.\rوقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال ﵀ بعد أن ذكر جملة من هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض \"وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. وأحاديث هذا الباب نوعان:\rأحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها.\rالثاني: ما فيه أنه يحرم على النار (¬٢).\rثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أجوبة (¬٣) أهل العلم في هذه الأحاديث وهي تتلخص في الأقوال التالية:\r١ - منهم من حمل الأحاديث التي فيها أنه يحرم على النار، على أن المراد بالتحريم تحريم الخلود فيها أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول بعد أن ذكر النوع الثاني","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (١/ ١٦) ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٢).\r(¬٢) كلمة الإخلاص (ص ١٢).\r(¬٣) انظر هذه الأجوبة في كلمة الإخلاص (١٢ - ٢١) وفي جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٢ - ١٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204461,"book_id":111,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":308,"body":"من أنواع هذه الأحاديث وهو: ما فيه أنه يحرم على النار قال: وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين أن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله\" (¬١) .... ا. هـ.\r٢ - قول الذين قالوا أن هذه الأحاديث وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود وممن قال بهذا الزهري والثوري وغيرهما وهؤلاء منهم من يقول أن هذه الأحاديث منسوخة، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا وبين أنه قول بعيد فقال: \"وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود ومنهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبي ﷺ.\rوهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث إنها منسوخة ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود\" ا. هـ.\rقلت: وقد ضعف ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى القولين السابقين ووصفها بأنها تأويلات مستكرهة مخالفة لما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204462,"book_id":111,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":309,"body":"الشهادتين: \"وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة، فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار\" (¬١) اهـ.\r٣ - قول من قال أن ذلك خاص بمن قال: لا إله إلا الله وتاب توبة نصوحًا، فلم يأت بذنوب تنقص توحيده وتذهب بكماله ومات على ذلك فإنه يدخل الجنة ابتداء، ومن كان خلاف ذلك فهو تحت المشيئة وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل العلم، فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث أبي ذر (¬٢): \"هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله ... ويؤكد ذلك ما قاله في كتاب الجنائز حيث قال: باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله (¬٣) ... قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قيل أشار بهذا -أي البخاري- إلى ما رواه أبو داود والحاكم ... عن معاذ بن جبل","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٣٣٠).\r(¬٢) حديث أبي ذر في الصحيحين ولفظه عن النبي ﷺ قال: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (قالها ثلاثًا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر\".\rأخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب الثياب البيض (٧/ ٤٣) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ٩٥).\r(¬٣) صحيح البخاري (٢/ ٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204463,"book_id":111,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":310,"body":"قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة\" (¬١) (¬٢) ....\rوقال في موضع آخر: وحاصل ما أشار إليه -أي البخاري- أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث (¬٣) فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء ... وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت في كتاب الإيمان فإن فيه: \"ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه\" (¬٤) وهذا المفسر مقدم على المبهم (¬٥).\rولم يشر ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول في معرض ذكره لأجوبة أهل العلم في هذه المسألة.\r٤ - ومنهم من قال أن الشهادتين سبب لدخول الجنة ولكن لابد من العمل لأن لا إله إلا الله هي المفتاح والأعمال هي الأسنان، ولا فائدة من مفتاح لا أسنان له، وكذلك لا تفيد لا إله إلا الله إلا مع","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣١٠).\r(¬٢) فتح الباري لابن حجر (٣/ ١٠٩).\r(¬٣) تقدم الحديث بالصفحة السابقة.\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان (١/ ١٠) ومسلم: كتاب الحدود (٣/ ١٣٣٣) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: \"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا ... \" الحديث.\r(¬٥) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204464,"book_id":111,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":311,"body":"الأعمال الصالحة، وممن قال بهذا القول الحسن البصري ووهب بن منبه (¬١) رحمهم الله تعالى.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا القول: \"وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه، وهو الأظهر.\rقيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك\" ا. هـ (¬٢).\rوقد رجح ابن رجب رحمه الله تعالى هذ القول ويدل على ترجيحه لذلك قوله السابق: \"وهو الأظهر\" كما يدل على ذلك قوله عقب هذا القول أيضا: \"ويدل على صحة هذا القول أن النبي ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص كما في الصحيحين عن أبي","footnotes":"(¬١) وهب بن منبه بن كامل بن سيج الأنباري الصنعاني، أبو عبد الله التابعي، الثقة، له معرفة بأخبار الأوائل وخاصة الإسرائيليات ولي قضاء صنعاء وكان ذا عبادة وزهد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيه: \"كان ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، توفي سنة ١١٤ هـ.\rتذكرة الحفاظ (١/ ٥٣) والبداية والنهاية (٩/ ٢٧٦) ومجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤٥) وتهذيب التهذيب (١١/ ١٦٦).\r(¬٢) ذكره البخاري في صحيحه معلقًا (٢/ ٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204465,"book_id":111,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":312,"body":"أيوب أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال: \"تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم\" (¬١).\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: \"تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان\"، فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه، فقال النبي ﷺ: \"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا\" (¬٢).\r... فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة (¬٣).\r٥ - وهو قول الذين قالوا: إن هذه الأحاديث المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى والتي تفيد بأن ذلك لمن يقولها بصدق ويقين وإخلاص.\rقال ابن رجب ﵀: وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته\" ا. هـ (¬٤).\rوابن رجب رحمه الله تعالى قد شرح هذا القول مما يدل على أنه","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم (٧/ ٧٢) ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة (١/ ٤٣).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل الجنة (١/ ٤٤).\r(¬٣) كلمة الإخلاص (ص ١٥، ١٩).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204466,"book_id":111,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":313,"body":"يرجحه أيضًا بل أنه يعتبره قولًا موافقًا للذي قبله حيث يقول: ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن تحقق القلب بمعنى: لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلًا. ويمتلىء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس، وإرادتها ووسواس الشيطان ... إلى أن قال ﵀: \"فتبين بهذا معنى قوله ﷺ: \"من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار\" (¬١) وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صدق في قول: لا إله إلا الله لم يجب سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها\" (¬٢).\rوالقولان الأخيران هما أحسن ما قيل في معنى هذه الأحاديث وهما في الحقيقة متفقان لا اختلاف بينهما، وهما اللذان مال إليهما ابن رجب ورجحهما لأن من قال: لا إله إلا الله بصدق وإخلاص ويقين يقتضي ذلك منه فعل الطاعات واجتناب المحرمات.\rوهذا ما رجحه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك: \"وأحسن ما قيل في معناها ما قاله شيخ","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣١٦).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٥ - ١٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204467,"book_id":111,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":314,"body":"الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين. فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك ... وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين لا يتركون ذنبًا إلا يمحى كما يمحو الليل النهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجع بها ميزان الحسنات كما في حديث البطاقة فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرًا على ذلك، فإنه يستوجب النار وإن قال: لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده فإنه في حال قولها كان مخلصًا لكنه أتى بذنوب أوهنت التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرًا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة تضعف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204468,"book_id":111,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":315,"body":"إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات (¬١).\rفقول لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ولكن لابد للسبب من وجود شروطه وانتفاء موانعه وهو ما سيتضح في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص ٨٦ - ٨٩) ولمزيد من التفاصيل عن هذه الأحاديث وأقوال العلماء فيها. انظر شرح مسلم للنووي (١/ ٢١٧) وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204469,"book_id":111,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":316,"body":"المطلب الخامس شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله)\rرأيت من المناسب أن أذكر في هذا المبحث الشروط (¬١) التي ذكرها العلماء ﵏ للانتفاع بقول لا إله إلا الله، والحصول على ثوابها والفضل الذي ورد فيها والتي تبين أن هذا الفضل لا يحصل بمجرد اللفظ بهذه الكلمة بدون هذه الشروط التي استنبطها العلماء رحمهم الله تعالى من الكتاب والسنة وهي:\r١ - العلم بمعنى هذه الكلمة المراد منها نفيًا وإثباتًا، المنافي للجهل كما قال الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (¬٣).\rوعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) لخصت هذه الشروط من: معارج القبول (١/ ٣٧٨) والجامع الفريد (ص ٣٥٦) والكواشف الجلية عن معاني الواسطية (ص ٢٩).\r(¬٢) سورة محمد آية (١٩).\r(¬٣) سورة آل عمران آية (١٨).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204470,"book_id":111,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":317,"body":"٢ - اليقين المنافي للشك أي باستيقان القلب بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، وانتفاء الشك المعارض له، لأن الإيمان لابد أن يكون عن علم يقين لا علم الظن كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (¬١) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (¬٢) فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يشكوا كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة\" (¬٣). وقال رسول الله ﷺ لأبي هريرة: \"من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة\" (¬٤) فمن نطق بالشهادة موقنًا بأنه لا يستحق العبادة سوى الله ﷾ وأن محمدًا ﷺ رسول من عند الله إلى الناس كافة، وأن ما جاء به حق لا شك فيه، كان من أهل الجنة عاجلًا أو آجلا.\rثالثًا: القبول لما اقتضته هذه الكلمة (لا إله إلا الله) من إفراد الله بالعبادة، ونفيها عمن سواه، فلا يرد شيئا مما دلت عليه لميل في نفسه أو مجاملة لغيره، وقد ذكر الله ﵎ لنا من أنباء ما قد سبق من انجائه لمن قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا","footnotes":"(¬١) سورة الزخرف آية (٨٦).\r(¬٢) سورة الحجرات آية (١٥).\r(¬٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٦).\r(¬٤) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204471,"book_id":111,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":318,"body":"مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ (¬٢).\rوعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\" (¬٣).\rالرابع: الانقياد لما تضمنته هذه الكلمة ظاهرًا وباطنًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (¬٤) وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (¬٥).\rقال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في","footnotes":"(¬١) سورة الروم آية (٤٧).\r(¬٢) سورة يونس آية (١٠٣).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب فضل من علم وعمل (١/ ٢٨) ومسلم: كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم (٢٢٨٢).\r(¬٤) سورة لقمان آية (٢٢).\r(¬٥) سورة النساء آية (٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204472,"book_id":111,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":319,"body":"جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: \"ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا\" أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، ويناقدون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد في الحديث: \"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\" (¬١) (¬٢).\rفتمام الانقياد وغايته أن تكون رغبة العبد وفق ما تضمنته كلمة (لا إله إلا الله) وتبعا لما جاء به رسول الله ﷺ.\rخامسًا: الصدق بقولها وبما دلت عليه، صدقًا ينبع من قلب منافيا للكذب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (¬٣).\rجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ أي: يقول: من جاء بـ لا إله إلا الله وصدق به\" يعني رسوله (¬٤).","footnotes":"(¬١) هذا الحديث ذكره النووي رحمه الله تعالى في الأربعين النووية وهو الحديث الحادي والأربعون وقال: حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، وعقب ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا القول بقوله: قلت: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه، ثم قال بعد ذكر هذه الوجوه: وأما معنى الحديث من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، وقد ورد في القرآن بمثل هذا في غير موضع.\rجامع العلوم والحكم (٣/ ٢٢٠).\r(¬٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٢٠).\r(¬٣) سورة الزمر آية (٣٣).\r(¬٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٣) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204473,"book_id":111,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":320,"body":"وقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله ﷺ من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال الصدق: هو القرآن وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنًا من كان من نبي الله وأتباعه (¬١).\rفمن شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه فقد أبعد نفسه عن النار كما جاء عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار\" (¬٢).\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن المؤمنين فهم الذين حققوا قول: لا إله إلا الله وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلًا، وهم الذين صدقوا في قول: لا إله إلا الله، وهم عباد الله حقًا، فأما من قال: (لا إله إلا الله) بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (¬٣).\r﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (¬٤) (¬٥) ....","footnotes":"(¬١) تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٤).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا (١/ ٤١).\r(¬٣) سورة القصص آية (٥٠).\r(¬٤) سورة ص آية (٢٦).\r(¬٥) كلمة الإخلاص (ص ٢٧، ٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204474,"book_id":111,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":321,"body":"سادسًا: الإخلاص لله تعالى في قولها، والسلامة مما ينافي مضمونها من الشرك وغيره قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (¬١) وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (¬٢).\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ: \" ... أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه\" (¬٣).\rوعن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿\" (¬٤).\rفالإخلاص أساس في الأعمال والأقوال فعلية كانت أو تركية لأن له أثر كبير في عاجل أمر المؤمن وآجله.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: والإخلاص هو أساس الأعمال التي لا تثبت الأعمال إلا عليه (¬٥).\rسابعًا: المحبة لهذه الكلمة وما دلت عليه واقتضته محبة سالمة من المعارضة، ومن لوازم ذلك محبة أهلها العاملين بها، وبغض ومعاداة من لم يكن من أهلها من المشركين وغيرهم والبراءة منهم قال تعالى:","footnotes":"(¬١) سورة البينة آية (٥).\r(¬٢) سورة الزمر آية (٣).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب الحرص على الحديث (١/ ٣٣).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (١/ ٤٥٦).\r(¬٥) اختيار الأولى (ص ٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204475,"book_id":111,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":322,"body":"﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ... الآية (¬٢).\rوعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار (¬٣).\rوعن أنس رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين\" (¬٤).\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات، وبغض المكروهات (¬٥).\rفمن حقق معنى لا إله إلا الله بهذه الشروط السابقة فقد نجا وسلك الطريق المستقيم واستحق ثوابها وما ورد فيها من فضل.","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (١٦٥).\r(¬٢) سورة المجادلة آية (٢٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان (١/ ١٠) ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الايمان (١/ ٦٦).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان (١/ ٩) ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين.\r(¬٥) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204476,"book_id":111,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":323,"body":"وقد نظم حافظ الحكمي (¬١) رحمه الله تعالى هذه الشروط في أبيات فقال:\rولشروط سبعة قد قيدت ... وفي نصوص الوحي حقا وردت\rفإنه لم ينتفع قائلها ... بالنطق إلا حيث يستكملها\rالعلم واليقين والقبول ... والانقياد قادر ما أقول\rوالصدق والإخلاص والمحبة ... وفقك الله لما أحبه (¬٢)","footnotes":"(¬١) هو الشيخ العلامة حافظ أحمد الحكمي، عالم سلفي، من منطقة تهامة، ولد سنة ١٣٤٢ هـ بقرية السلام بالقرب من جيزان، كان آية في الذكاء وسرعة الحفظ والفهم، له مؤلفات مفيدة منها: معارج القبول، توفي سنة ١٣٧٧ هـ وعمره ٣٥ سنة رحمه الله تعالى.\rالأعلام (٢/ ١٥٩) والمستدرك على معجم المؤلفين (ص ١٨٣).\r(¬٢) معارج القبول (١/ ٣٧٧، ٣٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204477,"book_id":111,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":324,"body":"المبحث الثالث ذكر بعض أنواع العبادة\rتنوعت عبارات السلف رحمهم الله تعالى في تعريف العبادة ولكن أشمل تعريف لها هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: \"العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادات لله\" (¬١).\rومن هذا التعريف الجامع لمعنى العبادة التي هي حق الله على عباده يتبين لنا أن جميع الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله ﷾ ويرضاها داخلة في مسمى العبادة، وفي هذا رد على الفهم الخاطىء الذي يتصوره بعض الناس من أن العبادة محصورة في أركان الإسلام الخمسة مما جعلهم يذكرون الله تعالى، ويعرفونه في الصلوات","footnotes":"(¬١) العبودية (ص ٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204478,"book_id":111,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":325,"body":"الخمس وبقية أركان الإسلام، وينسونه فيما عدا ذلك من شؤون حياتهم الأمر الذي جعلهم يصرفون كثيرا من أنواع العبادة لغيره، ويتهاونون بأمره ونهيه.\rولا شك أن هذا فهم خاطىء مخالف لما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أن كل أمر يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فهو داخل تحت مسمى العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده دون سواه كما هو واضح في تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية السابق رحمه الله تعالى.\rولكثرة أنواع العبادة فإني سأقتصر على ذكر جملة من أنواع العبادة.\rوكلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليها. وسأبدأ بذكر الدعاء لأن الدعاء هو العبادة (¬١) كما قال ذلك رسول الله ﷺ.\r١ - من أنواع العبادة: الدعاء:\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: \"ومن أنواع العبادات التي يظهر فيها الذل والخضوع لله ﷿ الدعاء قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٧١) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦١) والترمذي: كتاب الدعوات، باب الدعاء مخ العبادة (٥/ ٤٥٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء (٢/ ١٢٥٨) والحاكم (١/ ٤٩٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\r(¬٢) سورة الأعراف آية (٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204479,"book_id":111,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":326,"body":"وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (¬١) (¬٢).\rفالدعاء نوع من أنواع العبادة بل هو أعظمها ولبها ومخها.\rوقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تحث على الدعاء وتأمر به وترغب فيه: منها قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (¬٣).\rومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (¬٤).\rومنها قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] (¬٥) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أهمية الدعاء وتجعله من أعظم أنواع العبادات.\rوقد حذر الله ﵎ من دعاء غيره فقال ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ (¬٦).\rوقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (¬٧).\rوأما الأحاديث التي تحث على الدعاء وترغب فيه فمنها حديث أبي","footnotes":"(¬١) سورة الأنبياء آية (٩٠).\r(¬٢) الخشوع في الصلاة (ص ٣٠).\r(¬٣) سورة غافر آية (٦٠).\r(¬٤) سورة البقرة آية (١٨٦).\r(¬٥) سورة الأعراف آية (٥٦).\r(¬٦) سورة الأحقاف آية (٥، ٦).\r(¬٧) سورة فاطر آية (١٣، ١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204480,"book_id":111,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":327,"body":"هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ثم يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له ... \" الحديث (¬١).\rومنها حديثه الآخر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس شيء أكرم على الله من الدعاء\" (¬٢).\rإلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تحث على الدعاء وتأمر به وترغب فيه.\rوالدعاء الذي أمر الله به عباده في كتابه الكريم نوعان، وكل أمر في القرآن والسنة بالدعاء لا يخرج عن هذين النوعين وهما:\r١ - دعاء العبادة: وهو التقرب إلى الله تعالى بأنواع العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج ونذر وذبح وغيرها من أنواع العبادات وذلك طمعًا في رحمته وخوفًا من عقابه ﷿.\r٢ - دعاء المسألة: وهو طلب الداعي من الله ﷿ حصول ما ينفعه ودفع ما يضره، ومن يملك الضر والنفع هو المعبود حقًا وهو الله ﷾ لأنه بيده الضر والنفع وهو على كل شيء قدير ولذلك يقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٢١٦).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٦٢) والترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (٥/ ٤٥٥) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء (٢/ ١٢٥٨) والطبراني في الصغير (٢/ ٤٧) والحاكم (١/ ٤٩٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\r(¬٣) سورة يونس آية (١٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204481,"book_id":111,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":328,"body":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (¬١) هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان: فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه، وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر.\rولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ (¬٢) وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (¬٣) فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدي، فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم وهذا كثير في القرآن يبين تعالى أن المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاء دعاء العبادة، فاعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.\rوعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (¬٤) يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية قيل: أعطيه إذا سألني.\rوقيل: أثيبه إذا عبدني.","footnotes":"(¬١) سورة الأعراف آية (٥٥، ٥٦).\r(¬٢) سورة يونس آية (١٠٦).\r(¬٣) سورة يونس آية (١٨).\r(¬٤) سورة البقرة آية (١٨٦)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204482,"book_id":111,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":329,"body":"والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا، فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع، وقل من يفطن له، وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدًا، فهي من هذا القبيل\" (¬١).\rفالدعاء هو روح العبادة ومخها كما ورد بذلك قول المصطفى ﷺ: \"الدعاء هو العبادة\" (¬٢).\rوهو أعظم أنواع العبادة وأجلها ولذلك كان أقوى وسائل القرب إلى الله تعالى، وأفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى مبينا ذلك: \"واعلم أن سؤال الله ﷿ دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة\" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضا: \"وقوله ﷺ \"إذا سألت فاسأل الله\" (¬٤) أمر بإفراد الله ﷿ بالسؤال ونهى عن سؤال غيره من الخلق، وقد أمر الله تعالى بسؤاله فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ... (¬٥).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٠، ١١).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٣٥).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (١٨١).\r(¬٤) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٨) والترمذي: أبواب صفة القيامة (٥/ ٣١٩) وقال: حديث صحيح.\r(¬٥) سورة النساء آية (٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204483,"book_id":111,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":330,"body":"واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلًا وشرعًا، وذلك من وجوه متعددة:\rمنها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، فلا يصلح الذل إلا له بالعبادة والمسألة، وذلك من علامات المحبة الصادقة ...\rوهذا الذل وهذه المحبة لا تصلح إلا لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة التي يختص بها الإله الحق ...\rولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، كما ثبت ذلك في الصحيحين (¬١) لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدنيا فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي فيصير عظمًا بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي فلا يبقى له عند الله وجاهه.\rومنها: أن في سؤال الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه، ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره، وسؤاله إقامة له مقام من يقدر، وليس هو بقادر ويشهد بهذا المعنى الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: \"قال الله تعالى: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص من ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر .. .) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا (٢/ ١٣٠) ومسلم: كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس (٢/ ٧٢٠) ولفظه عندهما: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم\".\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ١٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204484,"book_id":111,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":331,"body":"فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر؟ إن هذا لأعجب العجب.\rومنها أن الله يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالبًا يكره أن يسأل لفقره وعجزه ...\rومنها: أن الله تعالى يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ (¬١) وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾. (¬٢)\rفأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق فإنه يمتنع بالحجاب والأبواب ويعسر الوصول إليه في أغلب الأوقات (¬٣) ...\rفقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن الالتجاء إلى الله ﵎ وسؤاله وحده لا شريك له هو المتعين على كل إنسان لأنه هو الضار النافع الذي بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير.\rأما المخلوق الضعيف فإنه محتاج إلى من يسأله ويعينه فكيف يسأل ويطلب مما يدل دلالة واضحة على أن الدعاء عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) كما جاء ذلك في حديث النزول، وقد سبق تخريجه (ص ٢١٦).\r(¬٢) سورة البقرة آية (١٨٦).\r(¬٣) نور الاقتباس (ص ٦٠) وما بعدها.\r(¬٤) سورة غافر آية (٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204485,"book_id":111,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":332,"body":"فالله ﷾ يدعو عباده إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة وهو أن يدعوه وحده دون سواه ووعدهم بأن يستجيب لهم كما توعد من استكبر عن دعائه وسؤاله بأن يكون من أهل العذاب الذين سيدخلون جهنم لهم ذليلون حقيرون.\rقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني، يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك\" استجب لكم، يقول: أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم.\rوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يقول: إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة وإفراد الألوهية لي (سيدخلون جهنم داخرين) بمعنى: صاغرين (¬١).\rفالله ﷾ يحب من عباده أن يدعوه ويتقوه ويطيعوه وقد فتح بابه للطالبين، وحث على دعائه في كتابه المبين كما في الآية السابقة وكما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ (¬٢) لأن دعاء العبد لربه ﷾ من مقتضيات العبودية لما في الدعاء من الذل والافتقار الذي لا ينبغي أن يكون إلا لله تعالى.\rوقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن ما يطلبه العبد من ربه ﷿ من الحاجات على نوعين:\rفقال رحمه الله تعالى: \"اعلم أن الحاجات التي يطلبها العبد من الله نوعان:","footnotes":"(¬١) تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٧٨، ٧٩).\r(¬٢) سورة الأعراف آية (١٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204486,"book_id":111,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":333,"body":"أحدهما: ما علم أنه خير محض كسؤاله خشيته من الله ﷿ وطاعته وتقواه وسؤاله الخير والاستعاذة به من النار فهذا يطلب من الله تعالى بغير تردد، ولا تعليق بالعلم والمصلحة لأنه خير محض، ومصلحة حاصلة فلا وجه لتعليقه بشرط وهو معلوم الحصول، وكذلك لا يعلق بمشيئة الله ﷿ لأن الله يفعل ما يشاء ولا مكره له ولا فائدة لتعليقه بمشيئته ولكن يجزم المسألة كما قال النبي ﷺ: \"لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له\" أخرجاه (¬١) من حديث أنس وأبي هريرة بمعناه.\rوفي رواية مسلم \"ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء\" (¬٢).\rوفي رواية للبخاري: \"إن الله لا يتعاظمه شيء ويفعل ما يشاء ولا مكره له\" (¬٣).\rالنوع الثاني: ما لا يعلم أنه خيرة للعبد أم لا كالموت والحياة والغنى والفقر والولد والأجل وكسائر حوائج الدنيا التي تجهل عواقبها فهذه لا ينبغي أن يسأل الله منها إلا ما يعلم منه الخيرة للعبد، فإن العبد جاهل بعواقب الأمور وهو مع هذا عاجز عن تحصيل مصالحه ودفع مضاره، فينبغي له أن يسأل حوائجه ممن هو عالم قادر، ولهذا شرعت الاستخارة في الأمور الدنيوية كلها وشرع أن يقول الداعي في استخارته: \"اللهم أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له (٧/ ١٥٣) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب العزم بالدعاء ولا يقل إن شئت (٤/ ٢٠٦٣).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب العزم بالدعاء ولا يقل إن شئت (٤/ ٢٠٦٣).\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٨/ ١٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204487,"book_id":111,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":334,"body":"فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ثم يقول: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه خير لي في ديني ودنياي ... \" (¬١).\rوكذلك في هذا الدعاء يسأل الله بعلمه الغيب وقدرته على الخلق ومما يعلم الخيرة من موت أو حياة.\rوقد تضمن الدعاء الذي في هذا الحديث (¬٢) النوعين معًا فإنه لما سأل الموت والحياة قيد ذلك بما يعلم الله أن فيه الخيرة لعبده، ولما سأل الخشية وما بعدها مما هو خير صرف جزم به ولم يقيده بشيء (¬٣).\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن للدعاء آدابًا يجب على العبد أن يتحلى به لأنها سبب في استجابة الدعاء فقال: \"وقوله\" ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك\" (¬٤) قال:","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى (٢/ ٥١).\r(¬٢) يقصد به حديث عمار بن ياسر ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الدعوات: \"اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين\".\rأخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤) والنسائي (٣/ ٥٥) والحاكم (١/ ٥٢٤).\r(¬٣) شرح حديث عمار بن ياسر (ص ١٣ - ١٥).\r(¬٤) هذا جزء من حديث أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (٢/ ٧٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204488,"book_id":111,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":335,"body":"\"هذا الكلام أشار فيه ﷺ إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي الإجابة وما يمنع الإجابة (¬١) ...\rوقد ذكر أسباب إجابة الدعاء ومنها:\r١ - حضور القلب وإخلاصه لله ﷿ يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: \"ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاهي\" (¬٢) (¬٣).\r٢ - رفع اليدين إلى السماء قال رحمه الله تعالى في بيان ذلك قوله: \"يمد يديه إلى السماء\" وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته. وفي حديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ: \"إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين\" خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (¬٤) ...","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٥٢).\r(¬٢) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات (٥/ ٥١٦) وقال: حديث غريب، والحاكم (١/ ٤٩٣) وقال: هذا حديث مستقيم الإسناد، ورواه أحمد (٢/ ١٧٧) من حديث عبد الله بن عمرو قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٤٩٢) رواه أحمد وإسناده حسن، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٤٨) رواه أحمد وإسناده حسن.\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٣٢).\r(¬٤) أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٨) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء (١/ ٣٤٢) والترمذي: كتاب الدعوات (٥/ ٥٥٦) وقال: حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء (٢/ ١٢٧١) والحاكم (١/ ٤٩٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\rوقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/ ١٤٣): وسنده جيد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204489,"book_id":111,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":336,"body":"وكان النبي ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه (¬١) ورفع يديه يوم بدر يستنصر الله على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه (¬٢) (¬٣) ...\r٣ - الإلحاح في الدعاء يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: \"الإلحاح على الله ﷿ بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء (¬٤).\rكما ذكر رحمه الله تعالى موانع إجابة الدعاء فقال: \"أما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار ﷺ إلى أنه التوسع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية وقد سبق حديث ابن عباس ... أن النبي ﷺ قال لسعد: \"أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة\" (¬٥) فأكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء.","footnotes":"(¬١) يدل عليه حديث أنس ﵁ قال: \"أن النبي ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه\" أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب رفع الأيدي في الدعاء (٧/ ١٥٤).\r(¬٢) يشير إلى حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلائمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض \"فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ... \" الحديث. أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (٣/ ١٣٨٤).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٣، ٢٥٤).\r(¬٤) المصدر السابق (١/ ٢٥٣) وما بعدها.\r(¬٥) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٣١) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٩١) وفيه من لم أعرفهم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204490,"book_id":111,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":337,"body":"وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا وكذلك ترك الواجبات (¬١).\rوكذلك من الموانع ترك الدعاء استبطاء للإجابة لأنه مخالف للرجاء وحسن الظن بالله لما في ذلك من قطع الرجاء في الله واليأس من إجابته للدعاء، وهذا خلاف المأمور به من حسن الظن بالله وبسعة رحمته وجوده وقد دل على هذا ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من مؤمن ينصب وجهه لله، يسأله مسألة إلا أعطاه إياها إما عجلها له في الدنيا، وإما ادخرها له في الآخرة، ما لم يعجل بقول قد دعوت، ودعوت فلا يستجاب لي\" (¬٢).\rيقول ابن رجب ﵀ في بيان هذا: ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له، ونهى أن يستعجل، ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة الدعاء -ولو طالت المدة- فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء (¬٣).\rوهناك آداب وموانع أخرى سبب في إجابة الدعاء ولكني اقتصرت على ما ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى خشية الإطالة ولذلك يجب على الداعي أن يستكمل آداب الدعاء ويبتعد عن موانعه فإنه أحرى أن يستجاب له.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: والدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه.","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٨).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل (٧/ ١٥٣) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب بيانه أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل (٤/ ٢٠٩٥).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204491,"book_id":111,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":338,"body":"وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه (¬١).\rوالدعاء له فوائد عظيمة على العبد منها أنه يدفع البلاء كما ثبت ذلك بالأدلة الصحيحة.\rقال ابن رجب: فالصدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه، وكذلك الدعاء، وفي الحديث \"إن البلاء والدعاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان إلى يوم القيامة\" خرّجه البزار والحاكم (¬٢).\rوخرج الترمذي من حديث سلمان مرفوعًا: \"لا يرد القضاء إلا الدعاء\" (¬٣).\rوقال ابن عباس: \"لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر\".\rوعنه قال: الدعاء يدفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر، وهذا كقول النبي ﷺ لما سئل عن الأدوية والرقى هل ترد من قدر الله شيئًا قال: \"هي من قدر الله تعالى\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٣٢).\r(¬٢) أخرجه البزار: كتاب الأدعية، باب إن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان كما في كشف الأستار (٤/ ٣٧) والحاكم: كتاب الدعاء (١/ ٤٩٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\r(¬٣) أخرجه الترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء (٤/ ٤٤٨) وقال: هذا حديث حسن غريب.\r(¬٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢١) والترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء لا ترد الرقى ولا الدواء من قدر الله شيئًا (٤/ ٤٠٠) وابن ماجه: كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (٢/ ١١٣٧) والحاكم (٤/ ١٩٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204492,"book_id":111,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":339,"body":"وكذلك قال عمر ﵁ لما رجع من الطاعون فقال له أبو عبيدة أفرارًا من قدر الله فقال عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله تعالى\" (¬١).\rفإن الله تعالى قدر المقادير ويقدر ما يدفع بعضها قبل وقوعه، وكذلك الأذكار المشروعة تدفع البلاء.\rوفي حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ: \"من قال حين يصبح ويمسي بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يصبه بلاء\" (¬٢) (¬٣) ...\rفدعاء العبد المؤمن إن كان وفق الآداب السابقة لا يرد إن شاء الله تعالى، وقد يحصل للداعي تأخيرًا للإجابة، وقد يعوض بما هو خير.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجة من الدنيا، فيصرفها عنه يعوضه خيرًا منها، إما أن يصرف عنه بذلك سوءًا أو يدخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبًا كما في المسند والترمذي من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: \"ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الطب، باب ما ذكر في الطاعون (٧/ ٢١) ومسلم: كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (٤/ ١٧٤٠).\r(¬٢) أخرجه أحمد (١/ ٦٢) وأبو داود: كتاب الأدب، باب ماذا يقول إذا أصبح (٥/ ٣٢٤) والترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى (٥/ ٤٦٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى (٢/ ١٢٧٢) والحاكم (١/ ٥١٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٧٦).\r(¬٤) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة (٥/ ٤٦٢) وقال الألباني: حديث حسن. صحيح الجامع (٢/ ٩٩١) ولم أجده في المسند من حديث جابر ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204493,"book_id":111,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":340,"body":"وفي المسند وصحيح الحاكم (¬١) عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها، قالوا إذًا نكثر، قال: الله أكثر\" (¬٢).\rفالعبد إذا دعا الله ﷾ ولم يكن في دعوته اعتداء حصل له المطلوب أو مثله.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالدعوة التي ليس فيها اعتداء، يحصل بها المطلوب أو مثله، وهذا غاية الإجابة، فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعًا، أو مفسدا للداعي أو لغيره، والداعي جاهل لا يعلم ما فيه من المفسدة عليه والرب قريب مجيب، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والكريم الرحيم إذا سئل شيئًا بعينه وعلم أنه لا يصلح للعبد أعطاه نظيره كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له، فإنه يعطيه من ماله نظيره، ولله المثل الأعلى\" (¬٣).\rوالذي نخلص إليه مما سبق أن دعاء الله ﷾ والالتجاء إليه من أعظم أنواع العبادة، فلا يجوز أن يصرف لغيره ﷿ لأنه حق من حقوق الله ﵎ على عباده، لأنه بالدعاء يظهر ذل العبودية ويعرف العبد به ربه، وهذا هو المقصود من جميع العبادات، وذلك أن العبد حينما يدعو ربه ﷿ فإنه يدعوه وهو يعلم من نفسه","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٣/ ١٨) والترمذي: كتاب الدعوات، باب في انتظار الفرج وغير ذلك (٥/ ٥٦٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، والحاكم (١/ ٤٩٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، ومالك في الموطأ: كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء (١/ ٢١٧).\r(¬٢) يعني المستدرك.\r(¬٣) الحسنة والسيئة (ص ١١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204494,"book_id":111,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":341,"body":"أنه محتاج إلى ما يطلبه من ربه ﷿، ويعلم من نفسه أنه لا يحصل على مراده إلا بعون الله ﵎ له على ذلك، لأن الله ﷿ يسمع دعاءه، ويعلم حاجته وهو القادر ﵎ على تحقيق حاجته فهو الرب الرحيم الذي طلب من عباده أن يدعوه ووعدهم بالإجابة، ومن هنا كان المقصود من جميع التكاليف الشرعية معرفة ذل العبودية وعزة الربوبية والدعاء يتحقق فيه الأمران. ولهذا لا يجوز أن يدعى غيره من المخلوقين أيا من أنواع الدعاء، ومن فعل ذلك فهو مشرك بالله العظيم.\r٢ - الخوف\rالخوف عبادة لا يستحقها إلا الله ﵎ لأنه وحده القادر على جلب النفع للعبد، ودفع الضر عنه، وقد تعبد الله به جميع عباده من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر عباده المؤمنين كما ورد ذلك في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ (¬٣).\rفالخوف عبادة من أجل العبادات لا يجوز صرفها إلا لله تبارك","footnotes":"(¬١) سورة النحل آية (٥٠).\r(¬٢) سورة الأحزاب آية (٣٩).\r(¬٣) سورة المؤمنون آية (٥٧ - ٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204495,"book_id":111,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":342,"body":"وتعالى وقد أمر الله ﵎ بإخلاصه له في آيات كثيرة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (¬٣).\rوكما دل القرآن على أن الخوف عبادة يجب إخلاصها لله تعالى كذلك دلت السنة على أن الخوف لا يكون إلا من الله، ولا يصرف لأحد سواه، فلا خوف ولا خشية إلا منه جل وعلا ومن تلك الأحاديث حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: صنع النبي ﷺ شيئًا فرخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب فحمد الله ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية (¬٤).\rوفي رواية أخرى عنها ﵂ النبي ﷺ أنه قال: \"والله أني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أَتَّقي\" (¬٥).\rوعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر رجلًا","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران آية (١٧٥).\r(¬٢) سورة المائدة آية (٤٤).\r(¬٣) سورة الأعراف آية (٥٦).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام بالسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع (٨/ ١٤٥) ومسلم: كتاب الفضائل، باب علمه ﷺ (٤/ ١٨٢٩).\r(¬٥) أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (٢/ ٧٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204496,"book_id":111,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":343,"body":"فيمن سلف، أو قبلكم آتاه الله مالًا وولدًا -يعني أعطاه- قال: فلما حضر قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب قال: فإنه لم يبتئر (¬١) عند الله خيرًا -فسرها قتادة لم يدخر- وإن يقدم على الله يعذبه فانظروا فإذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحمًا فاسحقوني، أو قال: فاسهكوني، ثم إذا كان ريح عاصف فأذروني فيها فأخذ مواثيقهم على ذلك وربى ففعلوا فقال الله ﷿ كن فإذا رجل قائم، ثم قال أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك أو فرق (¬٢) منك، فما تلافاه أن ﵀ (¬٣).\rوعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (¬٤) أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق، قال: لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه (¬٥) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الخوف عبادة جليلة لا يستحقها إلا الله ﷿.\rوقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذا النوع من العبادة وأشار إلى بعض جوانبه فقال رحمه الله تعالى في بيان القدر المطلوب من","footnotes":"(¬١) يبتئر من بأرت الشيء وابتأرته إذا خبأته وادخرته ومعنى لم يبتئر خيرًا: أي لم يقدم لنفسه خبيئة خير ولم يدخر.\rالنهاية لابن الأثير (١/ ٨٩).\r(¬٢) الفرق: الخوف والفزع، يقال: فرق يفرق فرقًا أي خاف يخاف خوفًا. النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٣٨).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب الخوف من الله (٧/ ١٨٥).\r(¬٤) سورة المؤمنون آية (٦٠).\r(¬٥) أخرجه أحمد (٦/ ٢٠٥) والترمذي: كتاب التفسير، باب ومن سورة المؤمنون (٥/ ٣٢٧) وابن ماجه: كتاب الزهد، باب التوقي في العمل (٢/ ١٤٠٤) والحاكم (١/ ٣٩٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204497,"book_id":111,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":344,"body":"الخوف بحيث يكون باعثًا على الالتزام بالأوامر والانتهاء عن النواهي مقترنًا بالرجاء وحسن الظن بالله تعالى: القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو هما لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ﷿ لم يكن محمودًا، ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السليمي (¬١) من شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش وهذا لأن الخوف ليس مقصودًا لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه.\rولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن.\rوقال سفيان بن عيينة: \"خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا\" أخرجه أبو نعيم (¬٢).\rوالمقصود الأصلي هو طاعة الله ﷿ وفعل مراضيه ومحبوباته، وترك مناهيه ومكروهاته.","footnotes":"(¬١) عطاء السليمي بفتح السين وكسر اللام وسكون الياء، البصري الزاهد العابد، قال الذهبي: من صغار التابعين، أدرك أنس بن مالك، وكان قد أرعبه الخوف من الله، مات بعد الأربعين ومئة.\rاللباب في تهذيب الأنساب (٢/ ١٣٣، ١٣٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٨٦) وتبصير المنتبه (٢/ ٧٤٦).\r(¬٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204498,"book_id":111,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":345,"body":"ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعًا من ذلك وقاطعًا عنه فقد انعكس المقصود منه، ولكن إذا حصل ذلك عن رغبة كان صاحبه معذورًا\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى مبينًا أسباب قوة خوف الله تعالى وخشيته: \"والموجب لخشية الله أمور:\r١ - منها قوة الإيمان بوعده ووعيده على المعاصي.\r٢ - ومنها النظر في شدة بطشه وانتقامه وسطوته وقهره وذلك يوجب للعبد ترك التعرض لمخالفته كما قال الحسن: ابن آدم هل لك طاقة بمحاربة الله، فإن من عصاه فقد حاربه (¬٢) وقال بعضهم: عجبت من ضعيف يعصي قويًا.\r٣ - ومنها قوة المراقبة له والعلم بأنه شاهد رقيب على قلوب عباده وأعمالهم وأنه مع عباده حيث كانوا كما دل القرآن على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (¬٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ (¬٤) (¬٥) ...\rوينبغي للمؤمن أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (ص ٢١).\r(¬٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٣٤) وعلقمة بن مرثد في زهد الثمانية (ص ٦٢).\r(¬٣) سورة الحديد آية (٤).\r(¬٤) سورة يونس آية (٦١).\r(¬٥) شرح حديث عمار بن ياسر (ص ٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204499,"book_id":111,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":346,"body":"فإنه إذا رجح الخوف حمله على القنوط من رحمة الله، وإذا رجح الرجاء حمله على الأمن من مكر الله، وكلاهما مخالف للصواب.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى ذلك: \"فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر\" (¬١).\rويقول أيضًا: كان بعض السلف يقول: \"من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن\".\rوسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة المحبة والخوف والرجاء، ولابد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان (¬٢).\rفالخوف من الله ﷿ يجب أن لا يصل إلى حد القنوط لأن القنوط يجعل العبد يقنط من رحمة الله ﷿ ومن عفوه ومغفرته بل لابد من الخوف من الله ﷿ مع رجاء ثوابه والطمع فيما عنده وقد جمع الله ﷾ بينهما في غير ما آية وجعل ذلك من صفات المؤمنين فقال ﷿: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (¬٣).\rوقال جل وعلا: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (¬٤) فالخوف والرجاء لابد أن يكونا في قلب المؤمن فهما متفقان لا ينفك","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (ص ٢٥).\r(¬٢) المصدر السابق (ص ٢٥).\r(¬٣) سورة الأعراف آية (٥٦).\r(¬٤) سورة الأنبياء آية (٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204500,"book_id":111,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":347,"body":"أحدهما عن الآخر، لأن انفراد الخوف يخاف منه القنوط واليأس، وانفراد الرجاء قد يؤدي إلى الجرأة على اقتراف المعاصي وترك الفرائض ولذلك يقول النبي ﷺ: \"لو يعلم المؤمن بما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد\" (¬١).\rوالواجب على المسلم الذي يريد النجاة وسلوك الطريق المستقيم أن يكون بين الخوف والرجاء، لأن خوفه من الله ﷿ يمنعه من معصيته ورجائه من الله يورث الطمأنينة في قلبه، فهو يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه، ولا يفرط في الرجاء فيكون حاله مثل حال المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان معصية، ولا يغلو في الخوف فيقنط من رحمة الله ومغفرته وعفوه حاله مثل حال الخوارج والمعتزلة الذين يقولون أن صاحب الكبيرة خالد مخلد في نار جهنم إذا مات ولم يتب، وخير الأمور الوسط وهو ما دلت عليه النصوص الكثيرة على حد قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (¬٢).\r٣ - التوكل\rالتوكل على الله ﵎ عبادة عظيمة تعبد الله به عباده وأمرهم بأن يعتمدوا عليه وحده دون سواه، لأنه من أفضل العبادات ومن أجل مقامات الدين، ولا يوفق للقيام به على وجه الكمال إلا أولياء الله وحزبه المؤمنين وقد فرضه الله ﷿ على عباده حيث أمر به في مواضع كثيرة من كتابه المنزل على رسوله ﷺ فقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب الرجاء والخوف (١١/ ٣٠١) ومسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٩).\r(¬٢) سورة الإسراء آية (٥٧).\r(¬٣) سورة آل عمران آية (١٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204501,"book_id":111,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":348,"body":"وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (¬٤).\rكما دلت أحاديث المصطفى ﷺ على فضل التوكل وأنه من العبادات التي يجب إخلاصها لله وحده لا شريك له عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بلا حساب ولا عذاب فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون\" (¬٥).\rوعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا\" (¬٦).\rفهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على فضل التوكل على الله ووجوب إخلاصه له وحده لا شريك له.","footnotes":"(¬١) سورة المائدة آية (٢٣).\r(¬٢) سورة النمل آية (٧٩).\r(¬٣) سورة الفرقان آية (٥٨).\r(¬٤) سورة هود آية (١٢٣).\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير (٧/ ١٩٨) ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (١/ ١٩٧).\r(¬٦) أخرجه أحمد (١/ ٣٠) والترمذي: كتاب الزهد، باب في التوكل على الله (٤/ ٥٧٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب التوكل واليقين (٢/ ١٣٩٤) والحاكم (٤/ ٣١٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204502,"book_id":111,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":349,"body":"وقد اهتم ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذه العبادة العظيمة فقال رحمه الله تعالى في بيان حقيقة التوكل: وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله ﷿ في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها ووكلت الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: والتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (¬٢) (¬٣) ...\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: ... فمن حقق التوكل على الله لم يكله إلى غيره، وتولاه بنفسه وحقيقة التوكل: مكيلة الأمور كلها إلى من هي بيده، فمن توكل على الله في هدايته وحراسته وتوفيقه وتأييده ونصره ورزقه وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولى الله مصالحه كلها، فإن الله تعالى هو ولي الذين آمنوا، وهذا هو حقيقة الوثوق برحمة الله فمن وثق برحمة ربه ولم يثق بغير رحمته فقد حقق التوكل على ربه في توفيقه، وتسديده، فهو جدير أن يتكفل الله بحفظه ولا يكله إلى نفسه (¬٤) ...\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... وإنما المتوكل حقيقة من يعلم أن الله قد ضمن لعبده برزقه، وكفايته، فيصدق الله فيما ضمنه وثيق بقلبه ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق، من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به والرزق مقسوم لكل أحد، من بر","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤٦).\r(¬٢) سورة الطلاق آية (٣).\r(¬٣) نور الاقتباس (ص ١١٠).\r(¬٤) شرح حديث زيد \"لبيك اللهم لبيك\" ورقة (٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204503,"book_id":111,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":350,"body":"وفاجر، ومؤمن وكافر كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (¬١) هذا مع ضعف كثير من الدواب، وعجزها عن السعي في طلب الرزق قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (¬٢) فمادام العبد حيًا، فرزقه على الله وقد ييسره الله له بكسب وبغير كسب فمن توكل على الله لطلب الرزق، فقد جعل التوكل سببًا وكسبًا، ومن توكل عليه لثقته بضمانه فقد توكل عليه ثقة به وتصديقًا بوعده\" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى في بيان ثمرة التوكل على الله ﷿ \"واعلم أن ثمرة التوكل: الرضا بالقضاء، فمن وكل أموره إلى الله، ورضي بما يقضيه له ويختاره، فقد حقق التوكل\" (¬٤).\rكما بين رحمه الله تعالى أن مباشرة الأسباب والأخذ بها لا تنافي التوكل بل لا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد يقول ﵀ في بيان هذا: \"واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله ﷾ المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (¬٥).\rوقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (¬٦).","footnotes":"(¬١) سورة هود آية (٦).\r(¬٢) سورة العنكبوت آية (٦٠).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٦٠).\r(¬٤) المصدر السابق (٣/ ٣٦١).\r(¬٥) سورة النساء آية (٧١).\r(¬٦) سورة الأنفال آية (٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204504,"book_id":111,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":351,"body":"وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (¬١).\rوقال سهل التستري: (¬٢) من طعن في الحركة \"يعني في السعي والكسب\"، فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي ﵌، والكسب سنته، من عمل على حاله فلا يتركن سنته.\rثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:\rأحدهما: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء مما وجب عليه من ذلك، استحق العقوبة في الدنيا والآخرة، شرعًا وقدرًا\" (¬٣).\rوقال أيضًا رحمه الله تعالى: \" ... وكذلك من ضيع بتركه الأسباب حقًا له، ولم يكن راضيًا بفوات حقه، فإن هذا عاجز مفرط، وفي مثل هذا جاء قول النبي ﷺ: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان ... \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة الجمعة آية (١٠).\r(¬٢) سهل بن عبد الله بن يونس أبو محمد التستري الزاهد، قال الذهبي: له كلمات نافعة، ومواعظ حسنة، توفي سنة ٢٨٣ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٨٢).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤٧).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله (٤/ ٢٠٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204505,"book_id":111,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":352,"body":"وخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل\" (¬١).\rوهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضل\" (¬٢).\rفقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن التوكل على الله ﷿ لا يقتضي ترك الأخذ بالأسباب لأن التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها جلب المنافع، ودفع المضار، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وتعلق القلوب بها، والاعتماد عليها، لأن ذلك نقص في التوحيد يفضي بالعبد إلى الشرك، كما أن ترك الأسباب وعدم الأخذ بها وتعطيلها نقص في التوحيد وضعف في التوكل كما يدعيه الجهلة من المتصوفة وغيرهم من أن الأخذ بالأسباب ينافي التوكل، وأن حقيقة التوكل هي القعود وترك العمل.\rهذا في الحقيقة عجز وتواكل لا توكل لأنه ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه.\rفمن ترك العمل وقعد عن البحث عن مصادر الرزق التي أحلها الله ﷿ بحجة التوكل فقد جهل معنى التوكل بل جهل جانبًا من مفهوم","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة (٤/ ٦٦٨) وابن حبان كما في موارد الظمآن (٦٣٣) من حديث عمرو بن أمية الضمري ﵁.\rقال العراقي: رواه ابن خزيمة في التوكل، والطبراني من حديث عمرو بن أمية الضمري بإسناد جيد. تخريج الإحياء (٤/ ٢٧٩) وقال المناوي في فيض القدير (٢/ ٨) إسناده صحيح. وقال الألباني: حديث حسن.\rصحيح الجامع (٢/ ٢٤١).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٥٨، ٣٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204506,"book_id":111,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":353,"body":"هذا الدين العظيم، فالعجز والتواكل والتكاسل له آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، ومن بعض هذه الآثار تفشي الفقر والبطالة في المجتمعات الإسلامية، وهذا يناقض أهداف الإسلام.\rفترك العمل سبيل للتخلف والضعف والهوان، والإسلام دين العزة والمنعة.\r٤ - الاستعانة\rالاستعانة: طلب العون على قضاء الحاجات، ودفع المكروهات، وهي نوع من أنواع العبادة التي لا تصح إلا لله ﷾.\rوقد تعبد الله ﷾ بها عباده، وأرشدهم إلى الاستعانة به وحده دون سواه كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (¬١).\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكره لهذه الآية: \"هذه الكلمة تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة ... وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك، فالعبادة حق الله على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده لأن العبادة حق الله على عبده والإعانة من الله فضل من الله على عبده (¬٢).\rوأوصى نبينا محمد ﷺ عبد الله بن عباس ﵄ بها في قوله في الحديث \" ... وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... \" (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة الفاتحة آية (٥).\r(¬٢) فتح الباري ورقة (٤/ ٤٤٩ - ٥٠٠).\r(¬٣) هذا جزء من حديث وصية النبي ﷺ لابن عباس تقدم تخريجه (ص ١٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204507,"book_id":111,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":354,"body":"وهذه العبادة من العبادات التي تناولها ابن رجب رحمه الله تعالى وبين معناها وأدلتها.\rفقال رحمه الله تعالى: \"وأما الاستعانة بالله ﷿ دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على ذلك إلا بالله وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البررخ يوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ﷿، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.\rوفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: \"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز\" (¬١) ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى ما استعان به، فصار مخذولًا (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، وفي الصبر على المقدورات كما قال يعقوب ﵇ لنبيه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (¬٣) ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوه.","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣٦١).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٠٠، ١٠١).\r(¬٣) سورة يوسف آية (١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204508,"book_id":111,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":355,"body":"وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (¬١).\rوقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ (¬٢).\rولما بشر عثمان بالجنة على بلوى تصيبه قال: \"الله المستعان\" (¬٣) ...\rفالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في مصالح دينه، وفي مصالح دنياه (¬٤) ...\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا في بيان أهمية الاستعانة بالله: \"وفي الاستعانة بالله وحده فائدتان:\rإحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.\rوالثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿ فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.\rوفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ \"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز\" (¬٥) وكان النبي ﷺ يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: \"الحمد لله نستعينه ونستهديه\" (¬٦).\rوأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: \"اللهم","footnotes":"(¬١) سورة الأعراف آية (١٢٨).\r(¬٢) سورة الأنبياء آية (١١٢).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان ﵁ (٤/ ١٨٦٧).\r(¬٤) نور الاقتباس (ص ٧٣، ٧٤).\r(¬٥) سبق تخريجه (ص ٣٦١).\r(¬٦) هذا جزء من الحديث المسمى بخطبة الحاجة وقد تقدم تخريجه (ص ٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204509,"book_id":111,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":356,"body":"أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\" (¬١) وكان من دعائه ﷺ \"يا رب أعني ولا تعن علي (¬٢) (¬٣) ... \".\r٥ - الخشوع\rالخشوع لله ﷾ هو التذلل والخضوع له ﷿.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى في تعريف الخشوع: \"أصل الخشوع هو لين القلب ورقته أو سكونه وخضوعه وانكساره، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، لأنها تابعة له كما قال ﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\" (¬٤).\rفإذا خشع القلب، خشع السمع والبصر والرأس، والوجه وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في ركوعه في الصلاة: \"خشع لك سمعي وبصري ومخطي وعظمي\" (¬٥) وفي","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (٢/ ١٨١) والنسائي: كتاب الذكر بعد الدعاء (٣/ ٥٣) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٠) والحاكم (١/ ٢٧٣) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.\r(¬٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٧) والبخاري في الأدب المفرد (ص ٢٢٦) وأبو داود: كتاب الصلاة، باب ماذا يقول الرجل إذا سلم (٢/ ١٧٥) وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله ﷺ (٢/ ١٢٥٩) والترمذي: كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي ﷺ (٥/ ٥٥٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم (١/ ٥٢٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\r(¬٣) نور الاقتباس (ص ٧٢، ٧٣).\r(¬٤) هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (١/ ١٩) ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (٣/ ١٢٢٠).\r(¬٥) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ٥٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204510,"book_id":111,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":357,"body":"رواية \"وما استقل به قدمي\" (¬١).\rوقد وصف الله تعالى في كتابه الأرض بالخشوع فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (¬٢) فاهتزازها وربوها -وهو ارتفاعها- مزيل لخشوعها، فدل على أن الخشوع الذي كانت عليه هو سكونها وانخفاضها فكذلك القلب إذا، فإنه تسكن خواطره وإراداته الرديئة التي تنشأ من إتباع الهوى وينكسر وينخضع لله، فيزول بذلك ما كان فيه من التعاظم والترفع والتكبر ومتى سكن ذلك في القلب خشعت الأعضاء والجوارح والحركات كلها حتى الصوت، وقد وصف الله تعالى الأصوات بالخشوع في قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (¬٣) فخشوع الأصوات هو سكونها وانخفاضها بعد ارتفاعها.\rوكذلك وصف وجوه الكفار وأبصارهم يوم القيامة بالخشوع فدل ذلك على دخول الخشوع في هذه الأعضاء كلها (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وأصل الخشوع الحاصل في القلب إنما هو من معرفة الله، ومعرفة عظمته وجلاله. وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع\" (¬٥).\rكما بين رحمه الله تعالى أن الخشوع لله ﷿ من صفات المؤمنين وأن الله ﷾ تعبدهم به فقال: \"إن الله ﷾","footnotes":"(¬١) بهذه الزيادة أخرجه أحمد، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، المسند تحقيق أحمد شاكر (٢/ ١٩٩).\r(¬٢) سورة فصلت آية (٣٩).\r(¬٣) سورة طه آية (١٠٨).\r(¬٤) الخشوع في الصلاة (ص ١١ - ١٣).\r(¬٥) المصدر السابق (ص ١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204511,"book_id":111,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":358,"body":"مدح في كتابه المخبتين له، والمنكسرين لعظمته، الخاضعين والخاشعين له، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (¬١).\rوقال: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (¬٢).\rووصف المؤمنين بالخشوع له في أشرف عباداتهم التي عليها يحافظون فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (¬٣).\rووصف الذين أوتوا العلم بالخشوع حيث يكون كلامه مسموعًا، فقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (¬٤) ... ووصف الله سبحانه في كتابه العلماء بالخشية كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (¬٥) وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (¬٦) ووصف العلماء من أهل الكتاب قبلنا بالخشوع كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (¬٧) وقوله تعالى في وصف هؤلاء","footnotes":"(¬١) سورة الأنبياء آية (٩٠).\r(¬٢) سورة الأحزاب آية (٣٥).\r(¬٣) سورة المؤمنون آية (١، ٢).\r(¬٤) سورة الإسراء آية (١٠٧ - ١٠٩).\r(¬٥) سورة فاطر آية (٢٨).\r(¬٦) سورة الزمر آية (٩).\r(¬٧) سورة الإسراء آية (١٠٧ - ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204512,"book_id":111,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":359,"body":"الذين أوتوا العلم ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا مدح لمن أوجب له سماع كتاب الله الخشوع في قلبه، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (¬١).\rوليس القلوب هو زوال قساوتها لحديث الخشوع، وقد قبح الله من لا يخشع قلبه لسماع كتاب الله وتدبره، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا﴾ ... (¬٢) الآية.\rقال ابن مسعود ﵁: \"ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين\" خرجه مسلم (¬٣) وخرجه النسائي (¬٤) وزاد فيه: \"فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضًا\"\rوخرج ابن ماجه (¬٥) من حديث الزبير ﵁ قال: \"لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين ... \" (¬٦).\rكما أشار رحمه الله تعالى إلى أن الإنسان إذا تصنع الخشوع وتكلفه فإن ذلك خشوع نفاق وليس خشوعًا لله ﵎، يقول في بيان ذلك: \"ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخلوه منه كان ذلك خشوع نفاق، وهو الذي كان السلف يستعيذون منه كما قال بعضهم: \"استعيذوا بالله من خشوع النفاق،","footnotes":"(¬١) سورة الزمر آية (٢٢، ٢٣).\r(¬٢) سورة الحديد آية (١٦).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤/ ٢٣١٩).\r(¬٤) السنن الكبرى: كتاب التفسير كما في تحفة الأشراف للمزي (٧/ ٧٠).\r(¬٥) السنن: كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء (٤١٩٢).\r(¬٦) الخشوع في الصلاة (ص ١١، ١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204513,"book_id":111,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":360,"body":"قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع ... \" (¬١) فمن أظهر خشوعًا غير ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق\" (¬٢).\rفابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق يبين أن خشوع المؤمن خشوع صادر عن قلب مؤمن مخلص ملتزم بأوامر الله مجتنب نواهيه، قلب ملئ بنور الإيمان والتعظيم لله ﷾، والحياء والخوف منه ﷿، قلب خاضع متذلل بين يدي الله ﵎ يرجوه عفوه ويخاف عقابه، بأنه قلب حي بذكر الله وتسبيحه وتحميده، أما خشوع المنافق فهو خشوع صادر عن قلب مظلم لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، قلب يظهر على جوارح صاحبه التصنع والتكلف حتى يستر سواد قلبه، لأنه قلب لم يستضئ بنور الإيمان، ولم يذق حلاوته وطعمه.\rيقول ابن القيم رحمه الله تعالى: \"الفرق بين خشوع الإيمان","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٦) وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٩٥) وأحمد في الزهد (١٧٦) والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦٤) كلهم ذكروه من قول أبي الدرداء ﵁.\rوذكره البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٢٧) من قول أبي هريرة ﵁، كما ورد مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث أبي بكر الصديق ﵁ بلفظ: \"تعوذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: يا رسول الله وما خشوع النفاق؟ قال: خشوع البدن ونفاق القلب\" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦٤) قال العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ٣٣١) وفيه الحارث بن عبيد الأيادي ضعفه أحمد وابن معين.\rوأخرجه أيضًا ابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٩٣) في ترجمة سوار بن مصعب الهمذاني، وقال: ولسوار غير ما ذكرت من الحديث وعامة ما يرويه ليست محفوظة وهو ضعيف كما ذكروه.\r(¬٢) الخشوع في الصلاة (ص ١٣، ١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204514,"book_id":111,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":361,"body":"وخشوع النفاق أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلب لله ... أما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعًا وتكلفًا والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوة النفس للخوف والوقار الذي خشي به، وخمدت الجوارح وتوقر القلب وأطمئن إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتًا له، وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعًا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة\" (¬١).\r٦ - المحبة\rدلت الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة على وجوب محبة الله ﷾ وتقديم محبته ﷾ على سائر المحاب.\rقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ (¬٣).\rوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث","footnotes":"(¬١) الروح لابن القيم (٢/ ٦٩٤، ٦٩٥).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (٣١).\r(¬٣) سورة التوبة آية (٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204515,"book_id":111,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":362,"body":"من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار\" (¬١).\rوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده والناس أجمعين\" (¬٢).\rوفيهما أيضًا عنه ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ \"متى الساعة؟ فقال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله فقال رسول الله ﷺ: \"أنت مع من أحببت\" (¬٣).\rإلى غير ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الدالة على أن المحبة نوع من أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله وحده دون سواه وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا النوع من العبادة وبين أهميته وما يتعلق به من المسائل.\rفقال رحمه الله تعالى في أهمية هذا النوع من العبادة: \"فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام، لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله، وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله تعالى وخشيته، وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب فيقع العبد بسبب ذلك في التفريط في بعض","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣٣٢).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٣٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله (٧/ ١١٣) ومسلم: كتاب البر والصلة، باب المرء مع من يحب (٤/ ٢٠٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204516,"book_id":111,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":363,"body":"الواجبات وارتكاب بعض المحظورات، فإن من تحقق قلبه بتوحيد الله فلا يبقى له هم إلا في الله، وفيما يرضيه به\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات، فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"فإذا كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد، نشأت عنه حركات الجوارح، فكانت تحب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحب ما يحبه الله ﷿ من الأعمال والأقوال كلها (¬٣).\rكما بين رحمه الله تعالى درجات محبة الله ﷿ فقال: \"ومحبة الله تعالى على درجتين:\rإحداهما: فرض لازم وهي أن يحب الله سبحانه محبة توجب له محبة ما فرضه الله عليه وبغض ما حرمه عليه، ومحبة لرسوله المبلغ عنه أمره ونهيه وتقديم محبته على النفوس والأهلين ... والرضا بما بلغه","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٦٨، ١٦٩).\r(¬٢) المصدر السابق (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٥).\r(¬٣) اختيار الأولى (ص ١٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204517,"book_id":111,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":364,"body":"عن الله من الدين، وتلقي ذلك بالرضا والتسليم، ومحبة الأنبياء والرسل والمتبعين لهم بإحسان جملة وعمومًا لله ﷿، وبغض الكفار والفجار جملة وعمومًا لله ﷿، وهذا القدر لابد منه في تمام الإيمان الواجب، ومن أخل بشيء منه فقد نقص من إيمانه الواجب بحسب ذلك، قال الله ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (¬١).\rوكذلك ينقص من محبته الواجبة بحسب ما أخل به من ذلك، فإن المحبة الواجبة تقتضي فعل الواجبات وترك المحرمات ...\rالدرجة الثانية: درجة السابقين المقربين وهي أن ترتقي المحبة إلى محبة ما يحبه الله من نوافل الطاعات، وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات وإلى الرضا بما يقدره ويقتضيه مما يؤلم النفوس من المصائب، وهذا فضل ...\rوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: يقول الله ﷿: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته (¬٢) (¬٣) ...","footnotes":"(¬١) سورة النساء آية (٦٥).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ١٦٨).\r(¬٣) استنشاق نسيم الأنس (ص ٤) وما بعدها، وانظر: اختيار الأولى (ص ١١٥ - ١١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204518,"book_id":111,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":365,"body":"كما أوضح رحمه الله تعالى أن من لوازم محبة الله تعالى محبة أوليائه، ، ومحبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال، فقال في شرح قوله ﷺ في الدعاء \"وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك ... \" (¬١).\rقال: \"ولما كانت محبة الله ﷿ لها لوازم، وهي محبة ما يحبه الله ﷿ من الأشخاص والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، سأل النبي ﷺ الله تعالى مع محبته محبة شيئين آخرين:\rإحداهما: محبة من يحب ما يحب الله تعالى، فإن من أحب الله أحب أحباءه فيه، ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم، وأعظم من تجب محبته في الله تعالى أنبياؤه ورسله، وأعظمهم نبيه محمد ﷺ الذي افترض الله على الخلق كلهم متابعته، وجعل متابعته علامة لصحة محبته كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (¬٢).\rوتوعد من قدم محبة شيء من المخلوقين على محبته ومحبة رسوله ﷺ، ومحبة الجهاد في سبيله في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ ... (¬٣) الآية.\rووصف المحبين له باللين للمؤمنين والرأفة والرحمة والمحبة لهم، والشدة على الكافرين والبغض لهم، والجهاد في سبيله فقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ﴾ ... (¬٤) الآية.","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ١٩٠) وهو حديث اختصام الملأ الأعلى.\r(¬٢) سورة آل عمران آية (٣١).\r(¬٣) سورة التوبة آية (٢٤).\r(¬٤) سورة المائدة آية (٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204519,"book_id":111,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":366,"body":"والثاني: محبة ما يحبه الله تعالى من الأعمال، وبها تبلغ إلى حبه، وفي هذا إشارة إلى أن درجة المحبة لله تعالى إنما تنال بطاعة الله وبفعل ما يحبه، فإذا امتثل العبد أوامر مولاه وفعل ما يحبه أحبه الله تعالى ورقاه إلى درجة محبته كما في الحديث الإلهي الذي خرجه البخاري (¬١): \"وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ... \" (¬٢).\rكما أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الأعمال التي توصل إلى محبة الله تعالى لعبده فقال: \"أفضل ما تستجلب به محبة الله ﷿ فعل الواجبات وترك المحرمات، ولهذا جعل النبي ﷺ من علامات وجدان حلاوة الإيمان أن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار ... ثم بعد ذلك الاجتهاد في نوافل الطاعات وترك دقائق المكروهات والمشتبهات ... ومن أعظم ما يحصل به محبة الله تعالى من النوافل تلاوة القرآن خصوصًا مع التدبر ... ولهذا قال النبي ﷺ: \"لمن قال: إني أحب سورة (قل هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن، فقال: \"أخبروه أن الله يحبه ... \" (¬٣).\rومن الأعمال التي توصل إلى محبة الله تعالى -وهي أعظم علامات المحبين كثرة ذكر الله ﷿ بالقلب واللسان ... ومن علامات المحبين لله وهو ما يحصل به المحبة أيضًا حب الخلوة بمناجات الله تعالى وخصوصًا في ظلمة الليل (¬٤).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ١٦٨).\r(¬٢) اختيار الأولى (ص ١١٩) وما بعدها.\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٢٢٦).\r(¬٤) اختيار الأولى (ص ١٢١) وما بعدها، وانظر: جامع العلوم والحكم (٣/ ١٦٢، ١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204520,"book_id":111,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":367,"body":"كما أوضح الله تعالى أن المحبة وحدها لا تكفي بل لابد معها من الخوف والرجاء وهذه هي أصول العبادة التي تبنى عليها قال رحمه الله تعالى في بيان ذلك: \"إن العبادة إنما تبنى على ثلاثة أصول: الخوف والرجاء والمحبة، وكل منها فرض لازم، والجمع بين الثلاثة حتم واجب، فلهذا كان السلف يذمون من تعبد بواحد منها وأهمل الآخرين، فإن بدع الخوارج، ومن أشبههم إنما حدثت من التشديد في الخوف والإعراض عن المحبة والرجاء، وبدع المرجئة (¬١) نشأت من التعلق بالرجاء وحده، والإعراض عن الخوف، وبدع كثير من أهل الإباحة والحلول ممن ينسبون إلى التعبد نشأت من إفراد المحبة والإعراض عن الخوف والرجاء (¬٢).\rكما رد رحمه الله تعالى على من انحرف بالمحبة عن معناها الصحيح إلى معان أخرى بعيدة عن دلالات الكتاب والسنة فقال: \"وقد كثر في المتأخرين المنتسبين إلى السلوك تجريد الكلام في المحبة وتوسيع القول فيها بما لا يساوي على الحقيقة مثقال حبة إذ هو عار عن الاستدلال بالكتاب والسنة، وخال من ذكر كلام من سلف من سلف الأمة وأعيان الأئمة وإنما هو مجرد دعاوي قد تشرف بأصحابها على مهاوي، وربما أستشهد وبأشعار عشاق الصور، وفي ذلك ما فيه من عظيم","footnotes":"(¬١) الإرجاء له معنيان أحدهما: بمعنى التأخير، وسمي المرجئة بهذا المعنى لأنهم يؤخرون الأعمال عن النية والعقد في الإيمان، والمعنى الثاني: الإرجاء بمعنى إعطاء الرجاء وسموا مرجئة بهذا المعنى لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. والمرجئة أصناف وفرق كثيرة منهم الغلاة كالجهمية، ومنهم دون ذلك ويجمعهم القول بأن الأعمال ليست من الإيمان.\rمقالات الإسلاميين (٢/ ٢١٣) والفصل في الملل والنحل (٥/ ٧٣) ... الملل والنحل (١/ ١٣٩).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204521,"book_id":111,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":368,"body":"الخطر، وقد يحكمون حكايات العشاق ويشيرون إلى التأدب بما سلكوه من الآداب والأخلاق، وكل هذا ضرر عظيم، وخطره جسيم وقد يكثر ذكر المحبة ويعيدها ويبديها من هو بعيد عن التلبس بمقدماتها ومبادئها (¬١).\rويقول رحمه الله تعالى: ومن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والاشتغال بذكره وخدمته، فأوجب له ذلك القرب منه، والزلفى لديه، والحظ عنده كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (¬٢).\rففي هذه الآية إشارة إلى أن من أعرض عن حبنا، وتولى عن قربنا ولم يبال، استبدلنا به عن هو أولى بهذه المنحة منه وأحق فمن أعرض عن الله فما له عن الله بدل، ولله منه أبدال ... ثم ذكر وصف الذين يحبهم الله ويحبونه فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني أنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح، ويعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم والغلظة لهم، فلما أحبوا الله أحبوا أولياءه الذين يحبونه، فعاملوهم بالمحبة والرأفة والرحمة، وبغضوا أعداءه الذين يعادونه، فعاملوهم بالشدة والغلظة كما قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (¬٣).\rفإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"حذر طوائف من العلماء ممن يكثر","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٤).\r(¬٢) سورة المائدة آية (٥٤).\r(¬٣) سورة الفتح آية (٢٩).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٥٧ - ١٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204522,"book_id":111,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":369,"body":"دعوى الشوق والمحبة لما ظهر منهم من الشطح والدعاوي، بل والإباحة والحلول وغير ذلك من المفاسد ... وكان بعض هؤلاء يقول: إذا لم أجن بك يا حبيبي فبمن؟ ومن هؤلاء من كان يسمى مجنونًا ... ويسمون عقلاء المجانين، وكانت أقوالهم وأفعالهم محفوظة غالبًا، ويصدر منهم من الكلام الحسن شيء كثير، وقد غلط طوائف من المتأخرين في أمرهم فظنوا أن حالهم هو غاية الكمال ... وهذا خطأ قبيح جدًا، ثم أدخلوا في طبقتهم من ليس منهم من المجانين الذين لا حكمة لديهم، ولا ظهر شيء من الأحوال الصحيحة عليهم وإنما يظهر منهم مخالفة الشريعة بالأَعمال والأقوال الشنيعة، ولكن أحسنوا الظن بهم لما يظهر من بعضهم من الأخبار بالمغيبات في بعض الأحيان مما قد أكثر منه من الرهبان والكهان، ونشأ بهذا السبب اعتقاد أن الأولياء لهم طريقة غير طريقة الأنبياء، وأنهم واقفون مع الحقيقة ولا يتقيدون بالشريعة، إلى غير ذلك من أنواع الضلال والبدع الفظيعة (¬١).\rكما بين رحمه الله تعالى أن محبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله ﷿ لأن الله ﷾ أمرنا بمحبته وطاعته وأنه لا تتم محبة الله ﷾ إلا بمحبة الرسول ﷺ وأتباعه وطاعته فقال: إن محبة الرسول إنما هي تابعة لمحبة الله جل وعلا، فإن الرسول إنما يحب موافقة لمحبة الله له، ولأمر الله بمحبته وطاعته واتباعه ... \" (¬٢).\rوقال: \"وقد قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (¬٣) وكذلك ورد في السنة في أحاديث كثيرة جدًا ... والمراد","footnotes":"(¬١) استنشاق نسيم الأنس (ص ٩٧) وما بعدها.\r(¬٢) المصدر السابق (ص ٨).\r(¬٣) سورة التوبة آية (٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204523,"book_id":111,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":370,"body":"أن الله تعالى لا يوصل إليها إلا عن طريق رسوله ﷺ باتباعه وطاعته ... ومحبة الرسول ﷺ على درجتين:\rإحداهما: فرض وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الإتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر به، وطاعته فيما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لابد منه ولا يتم الإيمان بدون.\rوالدرجة الثانية: فضل وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به وتحقيق الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، وكثرة الصلاة عليه وتعظيمه وتوقيره ومحبة استماع كلامه وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين، ومن أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا والاجتزاء باليسير منها ورغبته في الآخرة\" (¬١).","footnotes":"(¬١) استنشاق نسيم الأنس (ص ٣٤، ٣٥) وانظر فتح الباري (١/ ٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204524,"book_id":111,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":371,"body":"المبحث الرابع بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين\rذكرت فيما سبق أن عبادة الله وحده لا شريك له هي الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، ولا تعرف العبادة إلا عن طريق الشرع فليس لأحد أن يعبد الله ﵎ إلا بما جاء في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ مع حسن النية وصلاح القصد في العبادة وبهذا يتبين لنا أنه لابد لصحة أي عمل نريد أن نتقرب به إلى الله ﷿ من شرطين أساسين مجتمعين، إذا فقد شرط منهما فإن العمل يكون مردودًا على عامله وهذان الشرطان هما:\r١ - أن يكون العمل خالصًا لوجه الله ﷾ وحده دون سواه.\r٢ - أن يكون العمل موافقًا لما شرعه الله تعالى في كتابه أو بينه رسولنا ﷺ في سنته.\rوقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذين الشرطين في مواضع مختلفة من مؤلفاته، وبين أهميتها في كل عمل يتقرب به العبد إلى الله ﷿.\rمن ذلك قوله رحمه الله تعالى: \"الدين يرجع إلى فعل المأمورات وترك المحظورات والتوقف على الشبهات ... ، وإنما يتم ذلك بأمرين:\rأحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة وهذا هو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204525,"book_id":111,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":372,"body":"الذي يتضمنه حديث عائشة: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" (¬١).\rالثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ﷿ كما تضمنه حديث عمر \"الأعمال بالنيات\" (¬٢).\rوقال الفضيل (¬٣) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (¬٤) قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، قال: والخالص إذا كان لله ﷿، والصواب إذا كان على السنة.\rوقد دل على هذا الذي قال الفضيل قوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ... (¬٥) (¬٦).\rوقال رحمه الله تعالى: \"فكما أن كل عمل لا يراد به الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود (٣/ ١٦٧) ومسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور (٣/ ١٣٤٣).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي، باب كيف بدأ الوحي (١/ ٢) ومسلم: كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنية\" (٣/ ١٥١٥).\r(¬٣) الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الخراساني الإمام القدوة الثبت، قال النسائي وغيره: ثقة مأمون رجل صالح، توفي سنة (١٨٧). وفيات الأعيان (٤/ ٤٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٥) وشذرات الذهب (١/ ٣٦١).\r(¬٤) سورة الملك آية (٢).\r(¬٥) سورة الكهف آية (١١٠).\r(¬٦) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٦، ٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204526,"book_id":111,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":373,"body":"ورسوله فليس من الدين في شيء (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: وليس الفضائل بكثرة الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصة لله ﷿، صوابًا على متابعة السنة وبكثرة معارف القلوب وأعمالها، فمن كان بالله أعلم وبدينه وأحكامه وشرائعه، وله أخوف وأحب وأرجى فهو أفضل ممن ليس كذلك، وإن كان أكثر منه عملًا بالجوارح\" (¬٢).\rهذه هي الشروط التي قررها ابن رجب رحمه الله تعالى لقبول العمل، وقد قررها العلماء أيضًا قبل وبعد ابن رجب رحمه الله تعالى وهي شروط استنبطها العلماء رحمهم الله تعالى من كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ، وهذان الشرطان هما حقيقة قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\rوتخلف هذين الشرطين ينتح عنه إما الشرك بالله ﷿ وهو الذنب الذي لا يغفره الله ﷿ إلا التوبة.\rوإما الابتداع في دين الله ﷿، والتقرب إليه بما لم يشرعه وفي هذا تنقيص للدين ولمن جاء به وهو رسول الله ﷺ.\rوسيأتي الكلام عن الشرك والبدع مفصلًا في الفصل القادم إن شاء الله تعالى.\rوينقسم الناس بالنسبة لهذين الشرطين حسب وجودها وعدمها إلى أربعة أقسام هي:\rالقسم الأول: وهم المخلصون لله ﵎ في جميع أعمالهم","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤١).\r(¬٢) المحجة في سير الدلجة (ص ٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204527,"book_id":111,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":374,"body":"السائرون على هدى المصطفى ﷺ، فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورًا، وكذلك جميع أعمالهم وعبادتهم موافقة لما جاء في كتاب الله تعالى وسنة المصطفى ﷺ، وهؤلاء هم أهل الإخلاص والمتابعة للمعبود.\rالقسم الثاني: وهم من لا إخلاص لهم ولا متابعة، فأعمالهم ليست خالصة لله وليست موافقة لشرعه، كالذين يزينون أعمالهم للناس بما لم يشرعه الله ورسوله، وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله ﷿.\rالقسم الثالث: وهم الذين يخلصون أعمالهم لله ﵎، لكنها على غير موافقة شرع الله ﵎ وهؤلاء كجهال العباد والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر كالذين يرون أن مواصلة صوم النهار بالليل قربة، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة، فهؤلاء أعمالهم خالصة ولكنها غير موافقة لشرع الله، فهي مردودة عليهم لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه وموافقًا لشرعه.\rالقسم الرابع: وهم الذين أعمالهم موافقة لشرع الله ﵎ لكنها لغيره كالذي يصلي ليقال، وكالذي يقاتل رياء وحمية وشجاعة فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير صالحة لأنها غير خالصة لوجه الله ﵎ فلا تقبل.\rهذه الأقسام الأربعة لخصتها من كتاب مدارج السالكين (¬١) لابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.\rوالخلاصة في هذا كله أن العبادات كلها مدارها على الإخلاص والمتابعة، ومن لم يحقق هذا فليس عابدًا لله على الحقيقة وإن فعل ما فعل وقال ما قال.","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204528,"book_id":111,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":375,"body":"الفصل الخامس نواقض التوحيد\rويشتمل على المباحث الآتية:\rالمبحث الأول: الشرك وكلام ابن رجب عليه. ويشتمل على عدة مطالب:\rالمطلب الأول: تعريف الشرك لغة.\rالمطلب الثاني: تعريف الشرك شرعًا وبيان أقسامه.\rأمثلة للشرك الأصغر.\rكلامه في حكم عمل المرائي.\rحمد الناس العبد على الخير لا يعد من الرياء.\rالمبحث الثاني: النفاق وكلام ابن رجب عليه. وفيه عدة أمور:\r١ - تعريف النفاق.\r٢ - أقسام النفاق.\r٣ - خوف السلف من النفاق لخطورته وخفائه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204529,"book_id":111,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":376,"body":"المبحث الثالث: البدع وكلام ابن رجب عليها وفيه عدة مطالب:\rالمطلب الأول: معنى البدعة في اللغة والشرع والأدلة على التحذير من البدع والبُعد عنها.\rالمطلب الثاني: أنواع البدع.\rالمطلب الثالث: الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب على ذلك.\rالمطلب الرابع: نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها.\rالمطلب الخامس: حكم البدع وأهلها.\rالمبحث الرابع: الغلو وكلام ابن رجب عليه.\rالمبحث الخامس: مسائل متفرفة متعلقة بهذا الفصل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204530,"book_id":111,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":377,"body":"المبحث الأول الشرك وكلام ابن رجب عليه\rسوف يكون الحديث في هذا المبحث عن الشرك ومعناه اللغوي والإصطلاحي وبيان أقسامه باختصار مع بيان الأدلة على ذلك، مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الموضوع الذي لا يمكن للإنسان أن يحذر منه ومن الوقوع فيه إلا إذا عرفه وعرف خطره، ولذا يجب على كل مسلم معرفته ليسلم منه وليكون على بينة من أمره حتى لا يقع فيه لأنه إذا لم يعرفه ربما يقع فيه وهو لا يدري ولذلك كان حذيفة ﵁ يسأل رسول الله ﷺ عن الشر مخافة أن يقع فيه كما جاء في الصحيحين عنه ﵁ أنه قال: \"كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني\" (¬١).\rوبسبب الجهل بالشرك وأنواعه نرى كثيرًا من المسلمين اليوم قد وقع فيه، فلا تكاد تجد بلدًا من بلاد المسلمين إلا وترى فيها تقديس القبور والنذر لها والذبح عندها والإستغاثة بأهلها وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات إلى غير ذلك من الأمور التي لا يجوز صرفها لغير الله ﷿ ولا حول ولا قوة إلا بالله.\rوقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا سلامة للإنسان من عذاب الله تعالى إلا بالبُعد عن الشرك بأنواعه فقال: \"فالقلب السليم هو","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الفتن (٨/ ٩٣) ومسلم: كتاب الإمارة (٣/ ١٤٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204531,"book_id":111,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":378,"body":"الذي ليس فيه شيء من محبة ما يكرهه الله، فدخل في ذلك سلامته من الشرك الجلي والخفي ومن الأهواء والبدع، ومن الفسوق والمعاصي كبائرها وصغائرها الظاهرة والباطنة كالرياء والعجب والغل والغش والحقد والحسد وغير ذلك.\rوهذا القلب السليم هو الذي لا ينفع يوم القيامة سواه قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ (¬١) ... (¬٢).","footnotes":"(¬١) سورة الشعراء آية (٨٨، ٨٩).\r(¬٢) شرح حديث شداد بن أوس: ورقة (١١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204532,"book_id":111,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":379,"body":"المطلب الأول تعريف الشرك لغة\rجاء في تهذيب اللغة: \"الشرك بمعنى الشريك وهو بمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار\" (¬١).\rوذكر صاحب مقاييس اللغة أن مادة \"الشرك\" المكونة من حرف \"الشين والراء والكاف\" لها أصلان:\rأحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة، فالأول: الشركة وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ (¬٢) ويقال في الدعاء: \"اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين\" أي اجعلنا لهم شركاء في ذلك.\rوأما الثاني: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شراك الصائد سمى ذلك لامتداده (¬٣).\rوقال صاحب اللسان: \"الشِّرْكة والشَّرِكة سواء مخالطة الشريكين يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا وشارك","footnotes":"(¬١) تهذيب اللغة (١٠/ ١٧).\r(¬٢) سورة طه آية (٣٢).\r(¬٣) مقاييس اللغة (٣/ ٣٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204533,"book_id":111,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":380,"body":"أحدهما الآخر، والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء\" (¬١).\rفمدلول كلمة الشرك في اللغة تطلق على النصيب والتسوية والمخالطة والمصاحبة.","footnotes":"(¬١) لسان العرب (١٠/ ٤٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204534,"book_id":111,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":381,"body":"المطلب الثاني الشرك في الشرع وبيان أقسامه\rالشرك هو أن يجعل الإنسان لله تعالى شريكًا وندًا فيما يجب أن يكون حقًا خالصًا لله تعالى بمعنى أن يصرف شيئًا من خصائص الربوبية والألوهية لغير الله ﵎ وهو ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر.\rوقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأقسام فقال: \"وأما توحيد الإلهية فالشرك فيه تارة يوجب الكفر والخروج من الملة، والخلود في النار، ومنه ما هو أصغر كالحلف بغير الله والنذر له، وخشية غير الله ورجائه والتوكل عليه والذل له، وقول القائل: ما شاء الله وشئت (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى عن الشرك الأكبر: \"ظلم النفس وأعظمه الشرك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (¬٢) فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق فعبده وتألهه، فهو وضع الأشياء في غير مواضعها وأكثر ما ذكر في القرآن وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون كما قال الله ﷿: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (¬٣) ... \" (¬٤).\rوقال عن الشرك الأصغر: \" ... وإنما زاد عذاب أهل الرياء على","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٠٢).\r(¬٢) سورة لقمان آية (١٣).\r(¬٣) سورة البقرة آية (٢٥٤).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204535,"book_id":111,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":382,"body":"سائر العصاة، لأن الرياء هو الشرك الأصغر، والذنوب المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى عن النوعين جميعًا: \"فإن جميع النعم من الله وفضله ... فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاد أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة، ومع اعتقاد أنه من الله فهو شرك خفي\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى في بيان النوعين وأمثلتهما بعد أن تكلم عن أنواع العبادة \"فمن أشرك مخلوقًا في شيء من الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشأها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه والعمل لأجله كما ورد إطلاق الشرك على الرياء وعلى الحلف بغير الله والتوكل على غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة، والرقي المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون، وكدلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادح في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرك على كثير من الذنوب التي منشأها من هوى النفس أنها كفر وشرك كقتال المسلم، ومن أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمرة، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملة بالكلية، ولهذا قال السلف: كفر دون كفر، وشرك دون شرك\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (٢٢٣).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٧٠).\r(¬٣) كلمة الإخلاص (ص ٢٣ - ٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204536,"book_id":111,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":383,"body":"وخلاصة كلام ابن رجب رحمه الله تعالى أن الشرك ينقسم إلى قسمين:\r١ - شرك أكبر:\rوهو أن يتخذ العبد ندًا لله تعالى في العبادة يدعوه أو ينذر له أو يذبح له أو يخافه أو يصرف له أي نوع من أنواع العبادة، وهذا النوع من الشرك يخرج من الملة الإسلامية، وقد توعد الله صاحبه بالخلود في النار وحرّم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (¬١) لأن الله ﷾ لا يغفر لمن مات عليه أبدًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ (¬٢) كما أن الله ﷾ لا يقبل من مشرك عملًا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (¬٣) وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (¬٤).\rوقد حذر النبي ﷺ من الشرك وبيّن عاقبته السيئة التي تلحق بالمشرك إذا رجع إلى الله تعالى وهو لم يتب منه.\rمن ذلك قوله ﷺ: \"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار\" (¬٥).\rومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت","footnotes":"(¬١) سورة المائدة آية (٧٢).\r(¬٢) سورة النساء آية (١١٦).\r(¬٣) سورة الكهف آية (١١٠).\r(¬٤) سورة الفرقان آية (٢٣).\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب التفسير (٥/ ١٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204537,"book_id":111,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":384,"body":"رسول الله ﷺ يقول: \"من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار\" (¬١).\rومنها حديث جابر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار\" (¬٢).\rومنها حديثه الآخر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار\" (¬٣).\rفهذه النصوص من الكتاب والسنة تبيّن أن الشرك أكبر الكبائر وأعظم المعاصي، وأظلم الظلم، وأعظم المحرمات وأنه لا يغفر لصاحبه إلا إذا تاب في وقت التوبة وإلا فهو إن مات مصرًا عليه صار من أهل النار.\rقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"إن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له، وأشد مقتًا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على، ذنب سواه وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس ومنعهم من قربان حرمه، وحرّم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له ﷾، ولملائكته ورسله وللمؤمنين وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم ... وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية،","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز (٢/ ٦٩) ومسلم: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار (١/ ٩٤).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار (١/ ٩٤).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار (١/ ٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204538,"book_id":111,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":385,"body":"وتنقص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين\" (¬١).\r٢ - الشرك الأصغر:\rوهو كل وسيلة يتوصل بها إلى الشرك ما لم يبلغ درجة العبادة، وهو غير مخرج من الملة إلا إذا بلغ درجة الشرك الأكبر، وهو من أكبر الكبائر، وصاحبه لا يخلد في النار بل هو تحت مشيئة الله تعالى كسائر الذنوب والمعاصي التي دون الشرك الأكبر إن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (¬٢) وهو معتقد أهل السنة والجماعة.\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق (¬٣) أمثلة لهذا النوع من الشرك وهي:\r١ - الحلف بغير الله كأن يحلف بالنبي أو الكعبة أو الأمانة أو الحياة أو بولي من الأولياء أو بالشرف أو بغير ذلك من المخلوقات، فكل ذلك من الشرك الذي يدخل في قوله ﷺ: \"من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك\" (¬٤) وذلك لأن الحلف تعظيم، والتعظيم لا يكون إلا لمن يستحقه وهو الله ﷾.\r٢ - قول: \"ما شاء الله وشاء فلان\"، وما شابهها من العبارات التي","footnotes":"(¬١) إغاثة اللهفان (١/ ٦٠).\r(¬٢) سورة النساء آية (٤٨، ١١٦).\r(¬٣) (ص ٣٧٧).\r(¬٤) أخرجه أحمد (١/ ١٢٥) وأبو داود: كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالأباء (٣/ ٥٧٠) والترمذي: كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (٤/ ١١٠) وقال: حديث حسن. والحاكم (١/ ٥٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204539,"book_id":111,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":386,"body":"تكون وسيلة إلى الشرك كقول: \"مالي إلا الله وأنت\" وقول \"هذا من الله ومنك\" وغيره، والواجب أن يقول \"ما شاء الله ثم شاء فلان\" أو \"مالي إلا الله ثم أنت\" \"وهذا من الله ثم منك\" وهكذا لأن الواو تقتضي التشريك والتسوية، وثم تفيد الترتيب والتعقيب، وكل هذه الألفاظ داخلة تحت نهيه ﷺ عن ذلك، كما جاء عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان\" (¬١).\rوعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ: \"ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله عدلًا، لا بل ما شاء الله وحده\" (¬٢).\rوعن قُتَيْلَة بنت صيفي الأنصارية ﵂: أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: \"إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت\" (¬٣).\rوجاء في الأثر عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (¬٤) قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول: \"والله وحياتك يا فلانة وحياتي\" ويقول: \"لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ولولا","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٤) وأبو داود: كتاب الأدب، باب لا يقال خبثت نفسي (٥/ ٢٥٩)، والحديث صححه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٥٤) حديث رقم (١٣٧).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٢٣١).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٧١) والنسائى: كتاب الأيمان والنذور (٧/ ٦).\r(¬٤) سورة البقرة آية (٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204540,"book_id":111,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":387,"body":"البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك\" (¬١).\rفقد بيّن ابن عباس ﵄ أن هذه الألفاظ ونحوها من الألفاظ الشركية الخفية التي يجب على كل مسلم أن يبتعد عنها كما دلّت على ذلك الأحاديث السابقة.\r٣ - الرياء:\rوهو أن يعمل الإنسان عملًا يرائي به الناس فيحسنه ويزيد في تحسينه من أجل أن يراه الناس فيحمدونه عليه ويثنون عليه بالصلاح، وهو من أخطر الذنوب، لأنه من الأعمال القلبية التي لا يطلع عليها إلا الله ﷿، فمن صلى يرائي أو زين صلاته رياء أو صام أو حج يرائي أو تصدق يرائي أو جاهد في سبيل الله يرائي، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر يرائي أو قال أي قول أو عمل أي عمل يرائي فيه فقد أشرك الشرك الأصغر.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: \"أول من تسعر به النار من الموحدين العباد المراءون بأعمالهم، أولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء لأن يسير الرياء شرك\" (¬٢).\rوقد حذر النبي ﷺ منه وسماه شركًا أصغر، وخاف على الصحابة ﵃ منه وهم أبر الأمة أعمالًا وأقواها إيمانًا، وأحسنها أخلاقًا، وأصدقها أقوالًا، عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال:","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٨١) وقال صاحب تيسير العزيز الحميد (ص ٥٢٣) سنده جيد.\r(¬٢) كلمة الإخلاص (ص ٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204541,"book_id":111,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":388,"body":"\"إن اخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، إن الله يقول يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء أو خيرًا\" (¬١).\rوعن شداد بن أوس ﵁ قال: \"كنا على عهد رسول الله ﷺ نعد الشرك الأصغر الرياء\" (¬٢).\rوعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به\" (¬٣).\rوعن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك\" (¬٤).\rكلامه في حكم عمل المرائي:\rفصل ابن رجب رحمه الله تعالى القول في حكم عمل المرائي وما يترتب على ذلك من قبول للعمل أو رده، وقسم ذلك إلى أقسام هي:","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨) والطبراني في الكبير (٤/ ٢٩٩) والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥) قال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٦٩) رواه أحمد بإسناد جيد، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٢) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\r(¬٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ٢١٧) والطبراني في الكبير (٧/ ٣٤٦) والحاكم (٤/ ٣٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢٢) رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجالهما رجال الصحيح غير يعلى بن شداد وهو ثقة.\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٤/ ٢٢٨٩).\r(¬٤) أخرجهما أحمد (٤/ ١٢٦) والطبراني في الكبير (٧/ ٣٣٧) والحاكم (٤/ ٣٢٩) وصححه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204542,"book_id":111,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":389,"body":"أولًا: إذا كان العمل لله، وشاركه الرياء من أصله فإن هذا العمل باطل ومردود على صاحبه، ودلّت على بطلانه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تبيّن وجوب إخلاص العمل لله ﵎ وترك الرياء، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا: وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله ﵎: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) ... (¬١).\rوخرّج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: \"من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله ﷿ يقول: (أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئًا، فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني).\rوخرّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة -وكان من الصحابة- قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ﷿، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك\" (¬٢).\rوخرّج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا غزًا يلتمس الأجر","footnotes":"(¬١) مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٤/ ٢٢٨٩).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٦) والترمذي: كتاب التفسير، باب ومن سورة الكهف (٥/ ٣١٤) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة (٢/ ١٤٠٦) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٠٧) والحديث صححه الألباني كما في صحيح الجامع (١/ ١٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204543,"book_id":111,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":390,"body":"والذكر؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا شيء له\" ثم قال: \"إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغى به وجهه\" (¬١).\rوخرّج الحاكم من حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رجل يا رسول الله: إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا حتى نرلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ... ﴾ (¬٢) (¬٣).\rوممن يروى عنه هذا المعنى -أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا- طائفة من السلف، منهم: \"عبادة بن الصامت\" و\"أبو الدرداء\" و\"الحسن\" و\"سعيد بن المسيب\" (¬٤) وغيرهم ... ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا ... إلى أن قال: \"فإن خالط نية الجهاد مثل نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده، ولم يبطل بالكلية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجّلوا ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه النسائي: كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر (٦/ ٢٥) وقال الحافظ العراقي: إسناده حسن، وتخريج الإحياء (٤/ ٣٧٤).\r(¬٢) سورة الكهف آية (١١٠).\r(¬٣) أخرجه الحاكم (٢/ ١١١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\r(¬٤) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار، اتفق العلماء على أن مرسلاته أصح المراسيل، قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، توفي رحمه الله تعالى سنة ٩٤ هـ. طبقات ابن سعد (٥/ ١١٩) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ٨٤).\r(¬٥) صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم (٣/ ١٥١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204544,"book_id":111,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":391,"body":"وقد ذكرت فيما مضى أحاديث (¬١) تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا ... (¬٢).\rثانيًا: إذا كان العمل لله ﷿ وشاركه الرياء في أثنائه هل يبطل العمل أم لا؟ يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، ويستدل لهذا القول بما خرّجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني (¬٣) أن رجلًا قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: \"كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا\" (¬٤).\rوذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق","footnotes":"(¬١) كحديث أبي أمامة الذي سبق (ص ٣٩٩).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤ - ٣٧).\r(¬٣) عطاء بن أبي مسلم الخراساني في المحدث الواعظ، أرسل عن عدد من الصحابة، وقد وثقه ابن معين وغيره، قال الدارقطني: هو في نفسه ثقة لكن لم يلق ابن عباس، يعني أنه يدلس، توفي سنة ١٣٥ هـ.\rالجرح والتعديل (٦/ ٣٣٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ١٤٠) وتهذيب التهذيب (٧/ ٢١٢).\r(¬٤) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204545,"book_id":111,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":392,"body":"المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء لطارئه عليه، ويحتاج إلى تجديد نية (¬١).\rوهذا كله في الحقيقة يدل على خطر الشرك كبيره وصغيره، وأنه بقدر ما تكون نسبته في العمل يكون الإحباط فيه أشمل وأعم، وهذا مما يوجب على المسلم الحذر من الشرك والابتعاد عنه، وعدم الإستهانة به، وقد حذر النبي ﷺ أمته منه، وخاف عليهم منه أشد من خوفه عليهم من المسيح الدجال الذي هو شر غائب ينتظر فمع خطورة المسيح الدجال، فالرياء أشد خطرًا وأعظم منه أثرا على المسلمين لما جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل\" (¬٢).\rفهذا يدل على حرصه ﷺ وشفقته على أمته ونصحه لهم وتحذيره مما يخاف عليهم منه يقول صاحب فتح المجيد تعليقًا على هذا الحديث: \"هذا من شفقته ﷺ بأمته ورحمته ورأفته بهم، فلا خير إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه ... فإذا كان الشرك الأصغر مخوفًا على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم وقوة إيمانهم، فكيف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصًا إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨، ٣٩).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠) وابن ماجه: كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة (٢/ ١٤٠٦) والحاكم (٤/ ٣٢٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204546,"book_id":111,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":393,"body":"الإخلاص عن كل ما سوى الله\" (¬١).\rوالرياء الذي يعتبر شركًا أصغر إنما هو يسير الرياء وليس كثيره لأن الكثير منه قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر وذلك بحسب قصده ونيته، وهذا لا يصدر إلا من المنافقين الذين توعدهم الله ﷿ بالدرك الأسفل من النار كما أنه يصدر عن من لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: فتارة يكون -أي العمل- رياء محضًا، بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) ... ﴾ (¬٣).\rوكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (¬٤)، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة (¬٥).\rبيانه أن حمد الناس للعبد على عمل الخير دون قصد منه لا يعد من الرياء:\rبيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن حمد الناس لمن عمل الخير","footnotes":"(¬١) فتح المجيد (ص ٨١).\r(¬٢) سورة النساء آية (١٤٢).\r(¬٣) سورة الماعون آية (٤، ٥).\r(¬٤) سورة الأنفال آية (٤٧).\r(¬٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204547,"book_id":111,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":394,"body":"بإخلاص وسروره بذلك لا يعد رياء، لأنه لم يعمل العمل رياء ولا سمعة وإنما عمله لله ﷿ وهو لا يحب إطلاع الناس عليه، وفرحه وسروره بذلك إنما هو فرح وسرور بطاعة الله تعالى وبفضله عليه. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، بفضل ورحمة، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: \"تلك عاجل بشرى المؤمن\" (¬١) خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه (¬٢) وعنده \"الرجل يعمل العمل فيحبه الناس عليه ... \" (¬٣).\rوهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن كون هذا النوع من الشرك أصغر لا يعني ذلك احتقاره والتقليل من شأنه، فهو وإن كان أصغر بالنسبة للأكبر إلا أنه معدود من أقسام الشرك وهو من الكبائر بالنسبة لسائر الذنوب، بل قد يكون شركًا أكبر بما يصحبه من قصد ونية والواجب على المسلم أن يحذره وأن يبتعد عنه وأن يتوب منه عند الوقوع فيه حفاظًا على توحيده وأعماله، ومنعًا لاستدراج الشيطان له ووقوعه في أخطر شرك نصبه للبشرية على الإطلاق، أعاذنا الله من الشرك كبيره وصغيره جليه وخفيه.","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة، باب إذا أثنى على الصالح فهو بشرى لا تضر (٤/ ٢٠٣٤).\r(¬٢) سنن ابن ماجه: كتاب الزهد، باب الثناء الحسن (٢/ ١٤١٢).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩، ٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204548,"book_id":111,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":395,"body":"المبحث الثاني النفاق وكلام ابن رجب عليه\r١ - تعريف النفاق:\rالنفاق مشتق من نافقاء اليربوع، لأن اليربوع له جحران: أحدهما يقال له النَافِقاء، والثاني القَاصِعاء.\rفالنافقاء موضع يرققه بحيث إذا ضرب رأسه عليه ينشق، وهو يكتمه ويظهر غيره فإذا جاءه من قبل القاصعاء الظاهرة ضرب النافقاء برأسه ثم خرج، فهو يظهر القاصعاء ويخفي النافقاء (¬١).\rوقيل النفاق مأخوذ من النفق وهو السرب في الأرض.\rيقول الجوهري: النَّفَق: سرب في الأرض له مَخْلَص إلى مكان، والنَافِقاء: إحدى جُحَرة اليربوع، يكتمها ويظهر غيرها، وهو موضع يرققه، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي خرج، والنُفقَة أيضًا مثال الهُمزَة: النافقاء. تقول منه نفق اليربوع تَنْفيقًا نافق أي أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين (¬٢).\rوقال ابن الأثير: قد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسمًا وفعلًا، وهو اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى","footnotes":"(¬١) انظر: لسان العرب (١٠/ ٣٥٩).\r(¬٢) الصحاح (٤/ ١٥٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204549,"book_id":111,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":396,"body":"المخصوص به وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا، يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقًا، وهو مأخوذ من النَافِقاء: أحد جُحَرة اليربوع، إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر، وخرج منه. وقيل: هو من النفق: وهو السرب الذي يستتر فيه، لستره كفره (¬١).\rوقال الراغب الأصفهاني: النفق: الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (¬٢) ومنه نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع ونفق، ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من باب، والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (¬٣) أي الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين شرًا من الكافرين فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (¬٤) ... (¬٥).\rفكلمة النفاق تدل على إظهار الإنسان خلاف ما يبطن في شتى الأمور وهو بذلك يتضمن الدخول في الإسلام ظاهرًا وهو لا يؤمن به باطنًا كما يتضمن غير ذلك مما يكون فيه الظاهر مخالفًا للباطن ولذلك يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى: \"سمي المنافق منافقًا لأنه يستر كفره، ويغيبه، فشُبِه بالذي يدخل النفق، وهو السرب فيستتر به ... \" (¬٦).","footnotes":"(¬١) النهاية في غريب الحديث (٥/ ٩٨).\r(¬٢) سورة الأنعام آية (٣٥).\r(¬٣) سورة التوبة آية (٦٧).\r(¬٤) سورة النساء آية (١٤٥).\r(¬٥) المفردات في غريب القرآن (ص ٥٠٢).\r(¬٦) شرح السنة (١/ ٧١، ٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204550,"book_id":111,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":397,"body":"والخلاصة أن النفاق في اللغة هو إظهار شيء وإبطان خلافه وفي الشرع: هو إبطان الكفر وإظهار الإيمان.\rوقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن النفاق وبيّن أقسامه فقال رحمه الله تعالى في تعريفه وبيان أقسامه: النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:\rأحدهما: النفاق الأكبر: وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.\rوالثاني: النفاق الأصغر: وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك، وأصول هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في الأحاديث وهي خمس:\rأحدها: أن يحدث بحديث لم يصدق به، وهو كاذب له.\rوالثاني: إذا واعد أخلف، وهو على نوعين:\rأحدهما: أن يعد، ومن نيته أن لا يوفي بوعده، وهذا شر الخلق، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل، كان كاذبًا وخلفًا.\rالثاني: أن يعد، ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف.\rوالثالث: إذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا، والباطل حقًا، وهذا مما يدعو إليه الكذب كما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204551,"book_id":111,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":398,"body":"قال النبي ﷺ: \"إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار\" (¬١).\rوفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: \"إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم\" (¬٢).\rوقال ﷺ: \"إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار\" (¬٣).\rوقال ﷺ: \"إن من البيان لسحرًا\" (¬٤).\rفإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة -سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا- على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك من أقبح المحرمات، وأخبث خصال النفاق، وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"من خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٧/ ٩٥) ومسلم: كتاب البر والصلة، باب قبح الكذب، وحسن الصدق وفضله (٤/ ٢٠١٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٣/ ١٠١) ومسلم: كتاب العلم، باب في الألد الخصم (٤/ ٢٠٥٤).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم (٨/ ١١٢) ومسلم؛ كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (٣/ ١٣٣٧).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الطب، باب إن من البيان لسحرًا (٧/ ٣٠).\r(¬٥) أخرجه أحمد وقال أحمد شاكر: إسناد صحيح. المسند تحقيق أحمد شاكر (٧/ ٢٠٥) وأبو داود: كتاب الأقضية، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها (٤/ ٢٣) والحاكم (٢/ ٢٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٩٨) رواه أبو داود والطبراني بإسناد جيد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204552,"book_id":111,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":399,"body":"الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يف بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (¬١).\rوقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ (¬٢).\rوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (¬٣).\rوفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به\" (¬٤). والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: \"من قتل نفسًا معاهدة بغير حقها، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا\" خرّجه البخاري (¬٥).\rوقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين، إذا أقاموا على عهودهم، ولم ينقضوا منها شيئًا.\rوأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا، ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها، من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب","footnotes":"(¬١) سورة الإسراء آية (٣٤).\r(¬٢) سورة النحل آية (٩١).\r(¬٣) سورة آل عمران آية (٧٧).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الحيل، باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت (٨/ ٦٢) ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر (٣/ ١٣٦١).\r(¬٥) صحيح البخاري: كتاب الديات، باب من قتل ذميًا بغير جرم (٨/ ٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204553,"book_id":111,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":400,"body":"الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله ﷿، مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه.\rالخامس: الخيانة في الأمانة، فإذا أؤتمن الرجل أمانة، فالواجب عليه أن يردها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (¬١).\rوقال النبي ﷺ: \"أد الأمانة إلى من ائتمنك\" (¬٢).\rقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ (¬٣).\rفالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.\rوخاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن ...\rوالنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقًا خالصًا ...\rومن أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملًا، ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيء فيتم له","footnotes":"(¬١) سورة النساء آية (٥٨).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٤) وأبو داود: كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (٣/ ٨٠٥) والترمذي: كتاب البيوع (٣/ ٥٦٤) وقال: هذا حديث حسن غريب. والدارمي: كتاب البيوع، باب في أداء الأمانة واجتناب الخيانة (٢/ ١٧٨) والحاكم (٢/ ٤٦) وقال: حديث صحيح ووافقه الذهبي.\r(¬٣) سورة الأنفال آية (٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204554,"book_id":111,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":401,"body":"ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وحمد الناس له على ما أظهره، ويتوصل به إلى غرضه السيء الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ (¬١).\rوأنزل في اليهود ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ (¬٢).\rوهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، وما سئلوا عنه قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في الصحيحين (¬٣).\rوفيهما أيضًا عن أبي سعيد: أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافه، فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا (¬٤).\rوفي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: \"من غشنا فليس منا،","footnotes":"(¬١) سورة التوبة آية (١٠٧).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (١٨٨).\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ (٥/ ١٧٤) صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ١٣٤٣).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ (٥/ ١٧٤) ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ٢١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204555,"book_id":111,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":402,"body":"والمكر والخديعة في النار\" (¬١) (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وقد ورد في القرآن تشبيه المنافقين بالخشب المسندة في نظرهم فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (¬٣) فوصفهم بحسن الأجسام وتمامها، وحسن المقام والفصاحة حتى أنهم يعجب منظرهم لمن يراهم، ويسمع قولهم من سمعه سماع إصغاء وإعجاب به، ومع هذا فبواطنهم خراب ومعائبهم مهلكة فلهذا مثلهم بالخشب المسندة التي لا دفع لها ولا إحساس وقلوبهم مع هذا ضعيفة في غاية الضعف ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (¬٤) لأنهم لما أضمروا خلاف ما أظهروا خافوا من الاطلاع عليهم، فكلما سمعوا صيحة ظنوا أنها عليهم وهكذا كل مريب يظهر خلاف ما يضمر يخاف من أدنى شيء ويتحسر عليه (¬٥).\rفالنفاق داء عضال، ومرض خطير، ولذلك كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة يخافون منه خوفًا شديدًا لعلمهم بدقة وجله، وما يترتب عليه من الآثار السيئة وقد أشار ابن رجب","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٩) وفي الصغير (١/ ٢٦١) وابن حبان في صحيحه (١/ ٤٧٣) والقضاعي في مسنده (١/ ١٧٥) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٨٩) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥٧٢) رواه الطبراني في الكبير والصغير بإسناد جيد، وابن حبان في صحيحه. وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٦) وأخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن مسعود، والحاكم في المستدرك من حديث أنس، وإسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي هريرة وفي إسناد كل منهما مقال: لكن مجموعها يدل على أن للمتن أصلًا.\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٣٠ - ٣٤٢).\r(¬٣) سورة المنافقون آية (٤).\r(¬٤) سورة المنافقون آية (٤).\r(¬٥) غاية النفع (ص ٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204556,"book_id":111,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":403,"body":"رحمه الله تعالى إلى ذلك وبين أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يخافون من النفاق أشد الخوف.\rفقال: \"ومن هنا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد جزعهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر، لأن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة وقد كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في دعائه: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقيل له: يا نبي الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿ يقلبها كيف شاء\" (¬١). خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس ... (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر، برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي أنه مر به أبو بكر ﵁ وهو يبكي فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين، فإذا رجعنا عافسنا (¬٣) الأزواج والصبية فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله أنا لكذلك،","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٣/ ١١٢) والترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن (٤/ ٤٤٨) وقال: هذا حديث حسن.\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٣٩).\r(¬٣) عافسنا: المعافسة هي الملاعبة والممارسة، والمعنى اشتغلنا بمعايشنا وأزواجنا وأولادنا.\rالنهاية لابن الأثير (٣/ ٢٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204557,"book_id":111,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":404,"body":"فانطلق إلى رسول الله ﷺ، فقال: مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله ﷺ: \"لو تدومون على الحال التي تكونون بها عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة\" (¬١) (¬٢) ...\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أثارًا كثيرة عن السلف من الصحابة ﵃ وغيرهم تدل على خوفهم من النفاق فقال: \"ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه\" (¬٣).\rوسئل أبو رجاء العطاردي (¬٤): هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ يخشون النفاق؟ فقال: نعم، إني أدركت منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا\" (¬٥).\rوقال البخاري في صحيحه: وقال ابن أبي مليكة (¬٦): \"أدركت","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة (٤/ ٢١٠٧).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٤٣).\r(¬٣) أخرجه وكيع في الزهد (٣/ ٧٩١) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١/ ٢٧/ ب).\r(¬٤) هو الإمام الكبير عمران بن ملحان التميمي البصري، من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي ﷺ، وكان خيرًا تلاءً لكتاب الله، وكان ثقة نبيلًا عالمًا عاملًا، توفي سنة ١٠٥ هـ.\rأسد الغابة (٤/ ١٣٦) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٥٣) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٤٠).\r(¬٥) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (ص ٧١) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠٧).\r(¬٦) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله القرشي التيمي أبو محمد الإمام الحافظ الحجة، كان عالمًا مفتيًا صاحب حديث وإتقان، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما، توفي سنة ١١٧ هـ رحمه الله تعالى.\rالجرح والتعديل (٥/ ٩٩) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٨٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204558,"book_id":111,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":405,"body":"ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه (¬١).\rويذكر عن الحسن أنه قال: \"ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق\" (¬٢).\rوروي عن الحسن: \"أنه حلف ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق غير آمن، وما مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن\" (¬٣).\rوكان يقول: \"من لم يخف النفاق فهو منافق\" (¬٤).\rوسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: \"اللهم اغفر لي ثلاثًا، لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه\" (¬٥).\rوالآثار عن السلف في هذا كثيرة جدًا (¬٦).\rوهذا كله يدل على عظم النفاق، وشدة خطره، فإذا كان الصحابة ﵃ الذين اختارهم الله لصحبة رسوله ﷺ والذين رباهم","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (١/ ١٧) وأخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠٧).\r(¬٢) ذكره البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (١/ ١٧).\r(¬٣) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (٧٣) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٣٤).\r(¬٤) أخرجه الفريابي فى صفة المنافق (٧٣).\r(¬٥) أخرجه الفريابي في صفة المنافق (٦٩) والذهبي في السير (٦/ ٣٨٢) وقال: إسناده صحيح.\r(¬٦) جامع العلوم والحكم (٣/ ٣٣٩، ٣٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204559,"book_id":111,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":406,"body":"الرسول ﷺ كانوا يخافون من النفاق، فما الحال في زمننا هذا الذي قل فيه الإخلاص، والإيمان بالله ﷿، مما لا شك فيه أن خلقًا كثيرًا قد وقعوا في النفاق سواءًا شعروا بذلك أم لم يشعروا، نسأل الله السلامة منه ومن كل ما يحبط الأعمال ويفسدها، ونسأله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204560,"book_id":111,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":407,"body":"المبحث الثالث البدع وكلام ابن رجب عليها\rالمطلب الأول معنى البدعة في اللغة والشرع\rالبدعة نقيض السنة مشتقة من بَدَع الشيء يبدعه بَدْعًا إذا أوجده على غير مثال سابق، وابتدعه وأبدعه بمعنى واحد، واسم الفاعل من أبدع المبدع، ومن ابتدع المبتدع، ومن أسماء الله تعالى الحسنى البديع فهو سبحانه بديع السموات والأرض لأنه أبدعها وأحدثها على غير مثال سابق كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (¬١) والبديع أيضًا الذي ليس قبله شيء، والله ﷾ هو الأول الذي ليس قبله الشيء، والبدع: ما كان أولًا ولم يسبقه شيء كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (¬٢) أي ما كنت أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بل أرسل قبلي رسل كثيرون.\rويقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد أتى ببدعة ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (¬٣) ... \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (١١٧).\r(¬٢) سورة الأحقاف آية (٩).\r(¬٣) سورة الحديد آية (٢٧).\r(¬٤) انظر: الصحاح للجوهري (٣/ ١١٨٣) ولسان العرب (٨/ ٧) والقاموس المحيط (٣/ ٤) والمفردات للراغب (ص ٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204561,"book_id":111,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":408,"body":"فالبدعة اسم هيئة من الابتداع وهي كل ما أحدث واخترع على غير مثال سابق، وهي بهذا المعنى تقال في المدح والذم لأن المراد أنه أتى بشيء مخترع على غير مثال سبق سواءًا كان خيرًا أو شرًا ولكن لفظ البدعة غلب على الحدث المكروه في الدين، قال ابن الأثير: \"وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم\" (¬١).\rوأما البدعة في الشرع فقد عرفها ابن رجب رحمه الله تعالى فقال: \"المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى: \"فقوله ﷺ: \"كل بدعة ضلالة\" (¬٣) من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" (¬٤) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة (¬٥).\rفالبدعة إذًا هي كل ما لم يشرعه الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ ولم يكن على عهد الصحابة دينًا يعبد الله به أو يتقرب به إليه سواء كان ذلك في الاعتقاد أو الأقوال أو الأعمال.\rوقد جاءت الأدلة الكثيرة في كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ التي تدل على وجوب الاتباع والنهي عن البدع ومحدثات الأمور.","footnotes":"(¬١) النهاية لابن الأثير (١/ ١٠٧).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٠).\r(¬٣) انظر تخريجه في الورقة التي تليها (ص ٤١٩).\r(¬٤) تقدم تخريجه (ص ٣٨٢).\r(¬٥) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204562,"book_id":111,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":409,"body":"منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (¬١).\rومنها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (¬٢).\rومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (¬٣).\rومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (¬٤).\rوأما الأحاديث فكثيرة جدًا:\rمنها حديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: \"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران آية (٣١).\r(¬٢) سورة النور آية (٦٣).\r(¬٣) سورة الحشر آية (٧).\r(¬٤) سورة الأنعام آية (١٥٣).\r(¬٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود: كتاب السنة، باب لزوم السنة (٥/ ١٥) والترمذي: كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ في السنة واجتناب البدع (٥/ ٤٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٥) والحاكم (١/ ٩٧) وقال: هذا حديث صحيح لا علة له ووافقه الذهبي، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢٠٥) وقال: هذا حديث حسن، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني (٢/ ٦٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204563,"book_id":111,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":410,"body":"ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: \"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\" (¬١).\rومنها حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (¬٢).\rومنها حديث أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ، فقال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي، فليس مني\" (¬٣).\rفهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على وجوب الاتباع والابتعاد عن البدع ومحدثات الأمور.\rكما أن السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٨٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (٦/ ١١٦) ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح (٢/ ١٠١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204564,"book_id":111,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":411,"body":"وتابعيهم كانوا يحثون على التمسك بالسنن التي جاءت عن الله على لسان رسوله ﷺ، ويحذرون من البدع وينفرون منها، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا.\rفمن أقوال الصحابة ﵃: قول عمر ﵁: \"ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أزلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله\" (¬١).\rوقال حذيفة ﵁: \"اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، اتبعوا أثارنا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخطاتم فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا\" (¬٢).\rوقال عبد الله بن عمر ﵄: \"كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة\" (¬٣).\rوقال عبد الله بن مسعود ﵁: \"اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة\" (¬٤).\rوقال عثمان بن حاضر (¬٥) الأزدي: دخلت على ابن عباس فقلت:","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص ٢٢٥).\r(¬٢) أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣٣٦).\r(¬٣) أخرجه المروزي في السنة (ص ٢٤) والبيهقي في المدخل (ص ١٨٠) واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (١/ ٩٢) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣٣٩).\r(¬٤) أخرجه وكيع في الزهد (٢/ ٥٩٠) وابن خيثمة في كتاب العلم (ص ١٢٢) والطبراني في الكبير (٩/ ١٦٨) والدارمي في السنن (١/ ٦١) والبيهقي في المدخل (ص ١٨٦) وابن وضاح في البدع (ص ١٠) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢٨).\r(¬٥) عثمان بن حاضر الحميري ويقال الأزدي أبو حاضر القاص، روى عن ابن عباس وغيره، قال أبو زرعة: يماني، حميري، ثقة.\rالجرح والتعديل (٦/ ١٤٧) وتهذيب التهذيب (٧/ ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204565,"book_id":111,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":412,"body":"أوصني، فقال: نعم عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع\" (¬١).\rومن الآثار الواردة عن التابعين ومن بعدهم في التحذير من البدع ولزوم السنة:\rقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: \"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (¬٢) فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا\" (¬٣).\rوقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة\" (¬٤).\rوقال حسان بن عطية (¬٥) رحمه الله تعالى: \"ما ابتدع قوم بدعة في","footnotes":"(¬١) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٥٠) وابن وضاح في البدع (ص ٢٥) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣١٩).\r(¬٢) سورة المائدة آية (٣).\r(¬٣) الاعتصام للشاطبي (١/ ٤٩).\r(¬٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥٦) وذكرها أبو يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٤١).\r(¬٥) حسان بن عطية المحاربي أبو بكر الدمشقي، الإمام الحجة، وثقه أحمد ويحيى بن معين وغيرهم.\rقال الأوزاعي: ما أدركت أشد اجتهادًا ولا أعمل منه، قال الذهبي: بقي حسان إلى حدود سنة ثلاثين ومئة.\rتهذيب الكمال للمزي (٦/ ٣٤) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٤٦) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204566,"book_id":111,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":413,"body":"دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة\" (¬١).\rوقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: \"من جالس صاحب بدعة لم يسلم من أحد ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وأني واثق بنفسي، فمن آمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه\" (¬٢).\rويقول الأوزاعي رحمه الله تعالى: \"عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول\" (¬٣).\rفهذه الآثار الواردة عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كلها تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة وتحذر من البدع والمحدثات صغيرها وكبيرها يقول الإمام أبو محمد البربهاري (¬٤) رحمه الله تعالى: \"واحذر صغار المحدثات، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في الأمة كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل","footnotes":"(¬١) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٤٤) وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (١/ ٣٥١) وابن وضاح في البدع (ص ٣٧).\r(¬٢) أخرجه ابن وضاح في البدع (ص ٤٧).\r(¬٣) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ٥٨) والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص ٧) والبيهقي في المدخل (ص ١٩٩).\r(¬٤) الإمام الحافظ أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، كان قوالًا بالحق داعية إلى الأثر والسنة، لا يخاف في الله لومة لائم، توفي سنة ٣٢٩ هـ رحمه الله تعالى.\rطبقات الحنابلة (٢/ ١٨) والبداية والنهاية (١١/ ٢٢٥) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204567,"book_id":111,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":414,"body":"فيها، ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت، وصارت دينًا يدان به فخالف الصراط المستقيم.\rفانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي ﷺ أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثرًا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النار\".\rواعلم رحمك الله -أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وهو التصديق بآثار رسول الله ﷺ بلا كيف، ولا شرح، ولا يقال: لم؟ ولا كيف، فالكلام والجدال والمراء محدث يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة\" (¬١).","footnotes":"(¬١) شرح السنة للبربهاري (ص ٢٣ - ٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204568,"book_id":111,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":415,"body":"المطلب الثاني أنواع البدع\rللبدع أنواع مختلفة باعتبارات مختلفة فهي ليست على درجة واحدة ولكن هذه الأنواع كلها لا تخرج عن هذين النوعين:\rالنوع الأول: بدعة قولية اعتقادية كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.\rالنوع الثاني: بدعة في العبادات كالتعبد لله ﷾ بعبادة لم يشرعها وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:\r١ - بدعة في أصل العبادة وذلك بأن يحدث عبادة ليس لها أصل مشروع كأن يحدث صلاة غير مشروعة كصلاة الرغائب، أو صيامًا كصيام رجب وحده أو أعيادًا كأعياد الموالد وغيرها، وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذا النوع فقال: \"فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (¬١) فمن تقرّب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي أو الرقص","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204569,"book_id":111,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":416,"body":"أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله بالتقرب بها بالكلية، وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا (¬١).\r٢ - بدعة الزيادة في العبادة المشروعة كزيادة الشيعة \"أشهد أن عليًا ولي الله\" في الآذان أو النقص من المشروع كذكر الله بالاسم المفرد كما يفعله الصوفية أو الإتيان بصفة معينة للعبادة غير مشروعة كالاتيان بالأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة أو تخصيص وقت معين لعبادة مشروعة لم يخصصه الشرع كمن خصّ يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا النوع بقوله: \"وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع، فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به أو إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودًا عليه أم لا، فهذا لا يطلق القول فيه برد ولا قبول، بل ينظر فيه، فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبًا لبطلانه في الشريعة كمن أخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود مع الطمأنينة فيهما، فهذا عمل مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضًا. وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله بل هو ناقص، وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله، فيكون مردودًا كمن زاد ركعة عمدًا في صلاته مثلًا، وتارة لا يبطله ولا يرده من أصله كمن توضأ أربعًا","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤٢، ١٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204570,"book_id":111,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":417,"body":"أربعًا، أو صام الليل مع النهار وواصل في صيامه، وقد يبدل بعض ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب أو صلى في بقعة غصب، فهذا قد اختلف العلماء فيه، هل عمله مردود من أصله أم أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟ وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله (¬١).","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤٤، ١٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204571,"book_id":111,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":418,"body":"المطلب الثالث الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب في ذلك\rهناك فريق من الناس يقسمون البدع إلى بدع حسنة وسيئة وإلى بدع مذمومة ومحمودة، وهذا تقسيم لا أصل له، وإنما هو من تلبيس إبليس جاءوا به من عند أنفسهم ليسوغوا الأحداث في الدين، والذي دعاهم إلى هذا التقسيم هو تمسكهم ببعض النصوص التي ليس لهم في الحقيقة دلالة فيها لأن تقسيم البدع إلى هذا التقسيم لا دليل عليه من الشرع بل إن فيه مخالفة صريحة لأقوال الرسول ﷺ ومنها قوله ﷺ: \" ... وكل بدعة ضلالة\" (¬١) وهم يقولون: لا، بل البدعة منها ما هو بدعة حسنة ومنها ما هو بدعة سيئة، وقد رد ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا التقسيم وبين أن البدع جميعها مذمومة سواء في الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات فقال رحمه الله تعالى: \"فقوله ﷺ: \"كل بدعة ضلالة\" من جوامع الكلم لا يخرج منه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" (¬٢) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٤١٩).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٨٢).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204572,"book_id":111,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":419,"body":"وهؤلاء الذين قسموا البدع إلى حسنة وسيئة احتجوا بنصوص لا دليل لهم فيها وإنما هي شبهات تعلقوا بها، واغتر بها من لا علم عنده من المتصوفة والجهال والعوام مما دعاهم إلى أن يتعبدوا الله ﷾ بعبادات لم ترد عن الله ولا عن رسوله ﷺ، فإذا نهاهم عالم أو أحد طلبة العلم عن ذلك قالوا: أن ما نفعله بدعة حسنة وليس بدعة سيئة.\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى النصوص والأمور التي تعلقوا بها ورد عليهم فيها، وبيّن أنه لا حجة لهم فيها فقال: \"وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك من البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: \"نعمت البدعة هذه\" (¬١) وروي عنه أنه قال: \"إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة\" (¬٢).\rوروي عن أبي بن كعب قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر: قد علمت، ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه:\rفمنها: أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا وهو ﷺ، صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك، معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده ﷺ.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب صلاة التراويح (٢/ ٢٥٢).\r(¬٢) بهذه الرواية أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٤٢) وانظر: صلاة التراويح للألباني (ص ٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204573,"book_id":111,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":420,"body":"ومنها: أنه ﷺ أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي ﵃.\rومن ذلك آذان الجمعة الأول، زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره علي، واستمر عمل المسلمين عليه ...\rومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت وقال لأبي بكر وعمر ﵄: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ﷺ؟ ثم علم أنه مصلحة، فوافق على جمعه، وقد كان النبي ﷺ يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح.\rوكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف، وإعدامه لما خالفه، خشية تفرق الأمة، وقد استحسنه علي وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عين المصلحة ...\rوقد روى الحافظ أبو نعيم (¬١) بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد (¬٢) قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة فما","footnotes":"(¬١) أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق المهراني أبو نعيم الأصبهاني الإمام الحافظ الثقة، له مؤلفات كثيرة منها: \"ذكر أخبار أصبهان، وصفة الجنة\" توفي سنة ٤٣٠ هـ.\rوفيات الأعيان (١/ ٩١) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٩٢) وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٥).\r(¬٢) أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، له كتب في الزهد والرقائق، قال الخطيب: ثقة، وقال الذهبي: لم أظفر له بوفاة، وكأنها في حدود الستين ومائتين.\rتاريخ بغداد (٦/ ١٢٠) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204574,"book_id":111,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":421,"body":"وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم واحتج بقول عمر ﵁: نعمت البدعة هي (¬١). ومراد الشافعي ﵀ ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع. وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة: يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا، وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، وما أحدث فيه من الخير وكثير من الأمور التي أحدثت لم يكن قد اختلف العلماء في أنها بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا (¬٢).\rفمنها: كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء ورخص فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه، وفي توسعة الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين، وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك، وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم، وما أحدث في ذلك بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة، وقد صح عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: \"إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول\" (¬٣) وابن مسعود قال: \"هذا في زمن الخلفاء الراشدين\" (¬٤).\rفقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق الحجج","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٣).\r(¬٢) أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٦٩) وفي المدخل (ص ٢٠٦).\r(¬٣) أخرجه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (٢/ ٣٣٠).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩١ - ٢٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204575,"book_id":111,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":422,"body":"التي استدل بها من قال أن هناك بدعة حسنة وسيئة، وبين أنه لا حجة لهم فيها.\rوبهذا يتبين أن البدع كلها ضلال، وكلها أحداث في دين الله ﷿ بما لم يشرعه، وتقسيمها إلى حسنة وسيئة تقسيم باطل مردود بنصوص الكتاب والسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204576,"book_id":111,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":423,"body":"المطلب الرابع نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها\rهناك كثير من البدع التي عمت وطمت في أرجاء العالم الإسلامي حتى أصبحت عند الكثير من الناس سنة متبعة في الوقت الذي تركوا فيه تعاليم الإسلام وهجروا سنن المصطفى ﷺ وسأذكر بعضًا منها على سبيل التمثيل لا الحصر، وخصوصًا البدع التي تعرّض لها ابن رجب ﵀ في كتبه وبيّنها وأوضحها وهي:\r١ - بدعة تخصيص رجب بعبادات معينة:\rخص أهل البدع والأهواء والجهلة من الناس شهر رجب بعبادات لم يشرعها الله ﵎، ولم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه من بعده، ولكن هؤلاء خصوا هذا الشهر بصلوات وصيام وغيرهما من العبادات التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة، ولا زالت هذه البدع تفعل إلى يومنا هذا.\rوقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه البدع، وبيّن أن شهر رجب لم يخص بأي نوع من أنواع العبادات لا صدقة ولا زكاة ولا صلاة ولا صيام ولا غيرها من أنواع العبادة، وقد تكلم رحمه الله تعالى عن كل عبادة بعينها وسأورد كلامه رحمه الله تعالى على كل عبادة خصّ بها شهر رجب دون غيره:\rأ - الصلاة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"فأما الصلاة فلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204577,"book_id":111,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":424,"body":"يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب (¬١) في أول ليلة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني (¬٢) وأبو الفضل بن ناصر (¬٣) وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها (¬٤).\rب - الزكاة والصدقة: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السنة، ولا عرف عن أحد من السلف، ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال: إن هذا شهر زكاتكم، فمن","footnotes":"(¬١) الرغائب: جمع رغيبة وهي العطاء الكثير. الصحاح للجوهري (١/ ١٣٨) والمراد بصلاة الرغائب: هي صلاة بين صلاة المغرب والعشاء في ليلة أول جمعة من شهر رجب ويسبقها صيام الخميس، وعددها على حد زعمهم اثنتي عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة.\rانظر: الباعث على إنكار البدع لأبي شامة (ص ٤١) وتنبيه الغافلين لابن النحاس (ص ٣٠٤) والأمر بالاتباع للسيوطي (ص ٧٧).\r(¬٢) محمد بن منصور بن محمد السمعاني أبو بكر، حافظ، محدث، فقيه، أديب، توفي بمرو سنة ٥١٠ هـ.\rوفيات الأعيان (٣/ ٢١٠) واللباب لابن الأثير (٢/ ١٣٩) والعبر (٢/ ٣٩٦).\r(¬٣) أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي البغدادي، قال الذهبي فيه: الإمام المحدث الحافظ، مفيد العراق، توفي سنة ٥٥٠ هـ.\rالمستفاد من ذيل تاريخ بغداد (٣٨ - ٤٠) وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٦٥) وشذرات الذهب (٤/ ١٥٥).\r(¬٤) لطائف المعارف (ص ١٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204578,"book_id":111,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":425,"body":"كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي\" خرجه مالك في الموطأ (¬١). وقد قيل أن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي، ولم يعرف، وقيل بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول، وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الإمام يبعث سعاته لأخذ الزكاة في المحرم، وقيل بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه، وبكل حال، فإنما تجب الزكاة إذا تمّ الحول على النصاب فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تمّ حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان، فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة فيكون التفريق في طول الحول أرفق به\" (¬٢).\rجـ - الصيام: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولكن روي عن أبي قلابة (¬٣) أنه قال: \"في الجنة قصر لصوام رجب\" قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاع، وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة (¬٤)","footnotes":"(¬١) الموطأ: كتاب الزكاة، باب الزكاة في الدين (٢/ ٢٥٣).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ١٢٥).\r(¬٣) أبو قلابة: عبد الله بن زيد بن عمرو البصري أبو قلابة الحرمي، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، توفي سنة ١٠٤ هـ.\rطبقات ابن سعد (٧/ ١٨٣) تذكرة الحفاظ (١/ ٨٨) تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٤).\r(¬٤) مجيبة: بضم أوله وكسر الجيم بعدها تحتانية ثم موحدة، اختلف فيه فقيل رجل من باهلة وقيل امرأة من الصحابة بحديث الصوم.\rتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٩) تقريب التهذيب (٣٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204579,"book_id":111,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":426,"body":"الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبي ﷺ قال: \"صم من الحرم واترك قالها ثلاثًا\" وخرجه أبو داود (¬١) وغيره، وخرجه ابن ماجه (¬١) وعنده: \"صم أشهر الحرم\". وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها. . . وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم بأن يصوم معه شهر آخر تطوعًا (¬٢).\rد - اتخاذه عيدًا: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيدًا\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) سنن أبي داود: كتاب الصيام، باب في صوم أشهر الحرم (٢/ ٨١٠) وابن ماجه: كتاب الصيام، باب صيام أشهر الحرم (١/ ٥٥٤). وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده (٥/ ٢٨) والنسائي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٩) والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٣٥٠) وقد وقع اختلاف في هذا الحديث ففي رواية أبي داود وأحمد والبيهقي عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها. وفي رواية النسائي وابن ماجه عن مجيبة الباهلي عن عمه. قال المنذري رحمه الله تعالى: \"ذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة، وقال فيه: عن مجيبة -يعني الباهلية- قالت: حدثني أبي أو عمي. وسمي أباها: عبد الله بن الحرث، وقال: سكن البصرة، روى عن النبي ﷺ حديثًا. وقال في موضع آخر: أبو مجيبة الباهلية، أو عمها: سكن البصرة، وروى عن النبي ﷺ ولم يسمه وذكر هذا الحديث. وذكره ابن قانع في معجم الصحابة، وقال فيه: عن مجيبة عن أبيها أو عمها، وسماه أيضًا: عبد الله بن الحرث. ا. هـ. وقد وقع فيه هذا الاختلاف كما تراه وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك. وهو متوجه\". مختصر سنن أبي داود (٣/ ٣٠٦).\rوقد ضعف الشيخ الألباني هذا الحديث للاختلاف الذي وقع والجهالة. انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة (ص ٤١٣).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ١٢٣).\r(¬٣) أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٢٩٢) عن عطاء قال: \"كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب لئلا يتخذ عيدًا\" قال ابن حجر في تبيين العجب (٤٨): إسناده صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204580,"book_id":111,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":427,"body":"وروى عبد الرزاق (¬١) عن ابن جريج (¬٢) عن عطاء قال: كان النبي ﷺ ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدًا (¬٣) وعن معمر (¬٤)، عن ابن طاووس (¬٥) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تتخذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا\" (¬٦) وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدًا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد العام، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدًا وموسمًا بدعة لا أصل له في الشريعة (¬٧).","footnotes":"(¬١) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري أبو بكر الصنعاني، عالم اليمن، كان من حفاظ الحديث الثقات، كان يحفظ نحوًا من سبعة عشر ألف حديث، ومن كتبه: \"المصنف\"، وتفسير القرآن، توفي سنة ٢١١ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٩/ ٥٦٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣١٠).\r(¬٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي صاحب التصانيف وشيخ الحرم، وهو أول من دون العلم بمكة، وكان ذا عبادة وزهد، توفي سنة ١٥٠ هـ. الجرح والتعديل (٥/ ٣٥٦) ووفيات الأعيان (٣/ ١٦٣) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٣٢٥).\r(¬٣) لم أجده في مصنف عبد الرزاق، ولم أجد من أخرجه غيره.\r(¬٤) معمر بن راشد الأزدي أبو عروة البصري، الإمام الحافظ، كان من أوعية العلم مع الصدق، والتحري، والورع وحسن التصنيف، توفي سنة ١٥٣ هـ.\rالجرح والتعديل (٨/ ٢٥٥) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٦) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢٤٣).\r(¬٥) عبد الله بن طاووس أبو محمد اليماني الإمام المحدث، وثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهم، قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقًا، ما رأينا ابن فقيه مثله، توفي سنة ١٢٣ هـ.\rالجرح والتعديل (٥/ ٨٨) وسير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٧).\r(¬٦) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٢٩١)، وهو ضعيف بهذا الإسناد لأن فيه انقطاع.\r(¬٧) لطائف المعارف (ص ١٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204581,"book_id":111,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":428,"body":"وقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة مرة من غير تكرر في السنة.\rفأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع ... وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.\rأما العيدان اللذان يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة، فأحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم ... شرع الله تعالى لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدًا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفى الصائمون فيه أجر صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة والعيد الثاني عيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه (¬١).\rهـ - أمور أخرى تعتقد في رجب: قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل في الخامس والعشرين. ولا يصح شيء من ذلك ...","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٢٨٦، ٢٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204582,"book_id":111,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":429,"body":"وروى زائدة بن أبي الرقاد (¬١) عن زياد التميمي (¬٢) عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل رجب قال: \"اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان\" (¬٣).\rوروي عن إسماعيل الأنصاري (¬٤) أنه قال: لا يصح في فضل رجب غير هذا الحديث، وفي قوله نظر، فإن هذا الإسناد فيه ضعف (¬٥).\r٢ - بدعة اتخاذ عاشوراء مأتمًا أو عيدًا:\rيوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم وهو من الأيام الفاضلة التي حثّ النبي ﷺ على صيامها ومن ذلك قوله ﷺ: \" ... وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ... \" (¬٦).","footnotes":"(¬١) زائدة بن أبي الرقاد أبو معاذ، قال البخاري: منكر الحديث، منكر الحديث وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير لا يحتج بخبره ولا يكتب إلا للاعتبار.\rالمجروحين لابن حبان (١/ ٣٠٨) ميزان الاعتدال (٢/ ٦٥) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٠٥).\r(¬٢) زياد بن عبد الله النميري البصري، يروي عن أنس قال أبو حاتم: لا يحتج به.\rالجرح والتعديل (٣/ ٥٣٦) وميزان الاعتدال (٢/ ٩٠).\r(¬٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١/ ٤٥٧) قال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٦٥) رواه البزار وفيه زائدة بن أبي الرقاد.\rقال البخاري: منكر الحديث وجهله جماعة.\rوقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٦١٣) عن زائدة: يحدث عن زياد النميري عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة.\r(¬٤) إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير أبو إسحاق الأنصاري مولاهم المدني الإمام الحافظ، قال يحيى بن معين: ثقة مأمون، قليل الخطأ، توفي سنة ١٨٠ هـ. الجرح والتعديل (٢/ ١٦٢) وتاريخ بغداد (٦/ ٢١٨).\r(¬٥) لطائف المعارف (١٢٦).\r(¬٦) أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة ويوم عاشوراء (٢/ ٨١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204583,"book_id":111,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":430,"body":"ولكن الرافضة ابتدعوا فيه بدعًا منكرة فهم يتخذون يوم عاشوراء من كل عام مأتمًا ونياحة وحزنًا منهم على قتل الحسين بن علي ﵁ قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان ذلك: \"وأما اتخاذه مأتمًا كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه، فهو عمل من ضلّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ولم يأمر الله ولا رسوله ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتمًا فكيف بمن هو دونهم (¬١).\rولا زال الرافضة إلى يومنا هذا يتخذون يوم عاشوراء مأتمًا يظهرون فيه الحزن والنياحة ويندبون الحسين ﵁ فيلطمون الخدود ويضربون الصدور والظهور حتى تسيل الدماء، ورتبوا على هذه المنكرات الأجر والثواب وتكفير السيئات، وهذه البدعة قد نصّ على جوازها والترغيب فيها علماؤهم قديمًا وحديثًا (¬٢).\rوفي مقابل هؤلاء الرافضة واتخاذهم يوم عاشوراء مأتمًا وحزنًا من يتخذ يوم عاشوراء عيدًا ويوم فرح وسرور وهم النواصب (¬٣) والجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر فوضعوا الآثار التي ترغب في الفرح والسرور وما يتبعها من مظاهر في يوم عاشوراء، فصاروا يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح وقد سئل","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٥٣) وانظر الكلام على هذه البدعة في مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٠٧) ومنهاج السنة (٤/ ٥٥٤) وكتاب تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين لأحمد آل طامي (ص ٢٨٠).\r(¬٢) انظر: العقائد الشيعية لناصر الدين شاه (ص ١٣٥) ومقتل الحسين وفتاوى العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر لمرتضى عياد (ص ١٢ - ٤٠).\r(¬٣) النواصب: هم الذين يبغضون عليًا ﵁ وأصحابه.\rلسان العرب (١/ ٧٦٢) ومجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204584,"book_id":111,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":431,"body":"شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عما يفعله الناس في عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع، هل ورد فيه حديث صحيح عن النبي ﷺ أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى: \"الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا صحيحًا ولا ضعيفًا، ولا في كتب الصحيح ولا السنن ولا في المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة ... إلى أن قال: وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان: طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة وإما جهال وأصحاب هوى.\rوطائفة ناصبة تبغض عليًا وأصحابه لما جرى في القتال في الفتنة ما جرى ... فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية ...\rوعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر والبدعة بالبدعة فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب ... ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح وأولئك يتخذونه مأتمًا يقيمون فيه الأحزان والأفراح وكلًا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204585,"book_id":111,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":432,"body":"الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة، وإن كان أولئك -يعني الرافضة- أسوأ قصدًا وأعظم جهلًا\" (¬١).\rوالسنة في هذا اليوم أن يصام فحسب كما صامه رسول الله ﷺ وحثّ على صيامه وهذا هو الحق في تعظيم هذا اليوم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة ولا يكون بالفرح والسرور ولا اتخاذه مأتمًا ويوم حزن وإنما تمسك بسنة المصطفى ﷺ وامتثال لأمره ورجاء لثواب الله تعالى.\rومسألة صيام يوم عاشوراء من المسائل التي تكلم فيها العلماء ﵏ وبينوا أن صوم يوم عاشوراء على ثلاث مراتب:\r١ - أن يصام معه التاسع والحادي عشر لحديث \"صوموا قبله يومًا وبعده يومًا\" (¬٢).\r٢ - أن يصام معه التاسع فقط لحديث \"إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع\" (¬٣).\r٣ - إفراد يوم عاشوراء بالصوم وحده للأحاديث الدالة على تأكيد صومه منها حديث ابن عباس ﵁ قال: \"أمر رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء يوم العاشر\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) مجموعة الفتاوى (٢٥/ ٢٩٩) وما بعدها، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٢٢).\r(¬٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصيام (٤/ ٢٨٧).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الصيام (٢/ ٧٩٧).\r(¬٤) أخرجه الترمذي: كتاب الصوم، باب إذا جاء في عاشوراء (٢/ ١٢٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204586,"book_id":111,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":433,"body":"وفي المسألة تفاصيل أخرى ليس هذا محلها (¬١) والمراد بيان أن السنة صيام هذا اليوم.\r٣ - التبرك بالآثار والأشخاص أحياء وأمواتًا:\rالتبرك: طلب البركة، وهي النماء والزيادة.\rقال الجوهري: \"البركة النماء والزيادة، والتبريك الدعاء بالبركة ... وتبارك الله أي بارك مثل قاتل وتقاتل إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى وتبركت به أي تيمنت به\" (¬٢).\rوالتبرك بآثار الصالحين هو التيمن وطلب خيرهم من آثارهم وطلب الخير وزيادته وثبوته في شيء إنما يكون ممن يملك ذلك ويقدر عليه وهو الله ﷾، وإذا تدبرنا كتاب الله ﷾ وجدنا الآيات الكثيرة تدل على أن البركة من الله، فهي تطلب منه ﷾ وحده، وهو يضعها فيمن شاء من خلقه وفي ما شاء من بريته قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (¬٣) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (¬٤) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ (¬٥) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر الكلام على هذه المسألة في زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٧٦) ولطائف المعارف لابن رجب (ص ٤٥ - ٥٤) وفتح الباري لابن حجر (٤/ ٢٤٦) وغيرها.\r(¬٢) الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٧٥).\r(¬٣) سورة الأعراف آية (٥٤).\r(¬٤) سورة الرحمن آية (٧٨).\r(¬٥) سورة الفرقان آية (٦١).\r(¬٦) سورة الفرقان آية (١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204587,"book_id":111,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":434,"body":"فلفظ تبارك لم يرد في كتاب الله إلا مسندًا إلى الله، وهي صيغة مفيدة أعظم أنواع معنى البركة وأكثرها نفعًا، وأعمها متعلقًا وأثرًا، فالبركة لله وحده والله ﷾ يضعها فيمن شاء، فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك (¬١).\rوأما التبرك بذوات الأشخاص أو بآثارهم المنفصلة عنهم كشعرهم وفضل وضوئهم ونحو ذلك فهذا يجوز في حق النبي ﷺ وقد ورد في عدة أحاديث ما يدل على جواز ذلك:\rمنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها\" (¬٢).\rومنها حديث خروج النبي ﷺ في الحديبية وفيه: \"وما تنخم النبي ﷺ إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده\" (¬٣).\rوفي رواية \"وإذا توضأ النبي ﷺ كادوا يقتتلون على وضوئه\" (¬٤).\rوقد سأل أحد الصحابة الرسول ﷺ بردة أهديها فأعطاها إياه فلامه الصحابة على سؤاله البردة فقال: \"رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها\" (¬٥).\rفهذه الأدلة ونحوها تدل على شرعية التبرك بآثار النبي ﷺ كشعره وملابسه وفضل وضوءه ونحو ذلك، وهذا خاص به ﷺ في حياته.","footnotes":"(¬١) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (٢/ ١٨٥ - ١٨٧).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الفضائل (٤/ ١٨١٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء (١/ ٦٦).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء (١/ ٥٥).\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب الأدب (٧/ ٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204588,"book_id":111,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":435,"body":"وأما في غير حق النبي ﷺ فإن ذلك لا يجوز لأنه إما شرك وذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص أو المكان يمنح البركة، وإما وسيلة إلى الشرك إذا اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله، والدليل على عدم جواز ذلك أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يتبركون بحجرته أو قبوه بعد موته ﷺ، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلوا فيه أو يدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولم يكن أحد من السلف يذهب إلى المكان الذي يصلي فيه رسول الله ﷺ ليستلمه ويقبله، ولا المواضع التي كان يطؤها بقدميه الكريمتين، فإذا كان ذلك لم يشرع في حق النبي ﷺ فكيف بما يقال أن غير النبي ﷺ صلى فيه أو نام عليه، فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعة الرسول ﷺ (¬١).\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك فقال: \"التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي ﷺ مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه\" (¬٢).\rوأما ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يتحرى الأماكن","footnotes":"(¬١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٥).\r(¬٢) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٥٨، ٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204589,"book_id":111,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":436,"body":"التي صلى فيها رسول الله ﷺ فيصلي فيها كما روى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن موسى بن عقبة (¬١) قال: \"رأيت سالم بن عبد الله (¬٢) يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ في تلك الأمكنة\" (¬٣).\rفإن ذلك لم يفعله غيره من الصحابة ﵃، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ، فهم يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل من أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم.\rفتحري الصلاة في هذه المواضع ليس من سنة الخلفاء الراشدين بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة.\rوأيضًا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، والتشبه بأهل الكتاب ممن نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله.","footnotes":"(¬١) موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي، الإمام الثقة الكبير، كان بصير بالمغازي النبوية، وهو أول من صنف فيها، توفي سنة ١٤١ هـ.\rالجرح والتعديل (٨/ ١٥٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ١١٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٦٠).\r(¬٢) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، الإمام الزاهد الحافظ الثقة، مفتي المدينة، وكان من أفضل أهل زمانه وكان كثير الحديث، وكان أبوه يحبه ويجله كثيرًا، توفي سنة ١٠٦ هـ.\rالتاريخ الكبير (٤/ ١١٥) ووفيات الأعيان (٢/ ٢٥٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٥٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة (١/ ١٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204590,"book_id":111,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":437,"body":"وقد كان عمر ﵁ ينهى (¬١) عن تتبع الآثار المكانية. ولا شك أن الصواب والحق مع عمر ﵁ وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع (¬٢).\rوبهذا يتبين أن الدعوة إلى الاعتناء بتلك الآثار وتعظيمها خشية أن تندثر ويجهلها الناس ولاسيما في مكة والمدينة مثل غار حراء وغار ثور ودار مولده ﷺ وغيرها دعوة باطلة ومخالفة صريحة لسلف هذه الأمة إضافة إلى ما فيها من مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم واتخاذها معابد ومزارات.\rيقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأمد في عمره وبارك له فيه \"إن تعظيم الآثار يكون باتباع أهلها في أعمالهم المجيدة وأخلاقهم الحميدة وجهادهم الصالح قولًا وعملًا ودعوة وصبرًا، هكذا كان السلف الصالح يعظمون آثار سلفهم الصالحين، وأما تعظيم الآثار بالأبنية والزخارف والكتابة ونحو ذلك فهو خلاف هدي السلف الصالح، وإنما ذلك سنة اليهود والنصارى ومن تشبه بهم وهو من أعظم وسائل الشرك، وعبادة الأنبياء والأولياء كما يشهد به الواقع، وتدل عليه الأحاديث والآثار المعلومة في كتب السنة فتنبه واحذر (¬٣).\r٤ - بدعة التصوف:\rإن التصوف بدعة من شر البدع وأكثرها إضلالًا وأكبرها ضلالة إذ","footnotes":"(¬١) انظر: البدع لابن وضاح (ص ٤١ - ٤٢) فقد ذكر آثارًا تدل على نهي عمر ﵁ عن ذلك وقد صحح هذه الآثار ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (١/ ٢٨١) وابن حجر في الفتح (١/ ٥٦٩)، (٧/ ٤٤٨).\r(¬٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (٢/ ٧٤٦) وما بعدها.\r(¬٣) مجموع فتاوى ومقالات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله (١/ ٣٩٥، ٣٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204591,"book_id":111,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":438,"body":"لم يعرف التصوف من نزول الوحي ولا بعده إلى أن انقرض عهد القرون المفضلة.\rفلم يرد لفظ التصوف على لسان رسول الله ﷺ، ولم يؤثر عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم أنه عرف التصوف أو نطق به وكذا التابعون من أبناء الصحابة وأبناء أبنائهم وهم أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية والفضل ثم ظهر بعد ذلك طبقة يغلب عليهم جانب العبادة والبعد عن الناس مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الإسلام ولكن قد يغلب على أحدهم الخوف الشديد والبكاء المستمر، ثم جاء من بعدهم فعملوا أمورًا ودعوا إليها ولم تكن عند الزهاد السابقين ومنها ترك الزواج وإدامة الجوع ومواصلة الصوم وهكذا تدرج هؤلاء ومن بعدهم إلى أن شرعوا لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله.\rيقول ابن الجوزي: \"في عصر الرسول ﷺ كانت كلمة مؤمن ومسلم ثم نشأت كلمة زاهد وعابد ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا فيها هكذا كان أوائل القوم ولبّس عليهم إبليس أشياء ثم على من بعدهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن\" (¬١).\rوهكذا بدأ التصوف ينشأ ويقوى إلى أن أصبح فكرًا مستقلًا أخذ صبغة خالصة، وقد استغلت الباطنية هذا التصوف لنشر أفكارهم الإلحادية وأدخلوا في التصوف السماع والرقص بحجة أنه موصل إلى الله، وبلغوا فيه إلى حد الوقاحة حيث نشأ فيهم حب المرادن والغلمان.\rوأنا أعني بهذا المتأخرين منهم، أما المتقدمون منهم فكانوا على جانب من الورع والعبادة والاعتدال.","footnotes":"(¬١) تلبيس إبليس (ص ١٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204592,"book_id":111,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":439,"body":"وقد تسرب الفكر الصوفي إلى صفوف المسلمين منذ زمن قديم ولا زال يؤدي دوره في إفساد الأمة الإسلامية في كثير من البلدان، ولا يزال بعض الناس من المنتسبين للعلم وغيرهم مغترين بهذا الفكر، ومتحمسين في الدفاع عنه وعن أهله.\rأضف إلى ذلك أن المغرضين من أعداء الإسلام وجدوا لهم طريقًا لإفساد المسلمين عن طريق التصوف باسم الزهد ورياضة النفس ومجاهدة الشهوات وغير ذلك من الأمور التي استطاعوا عن طريقها نشر الزندقة والإلحاد بين المسلمين.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى مبينًا أن التصوف أصبح منهجًا من المناهج الفاسدة التي تقوم على الزندقة والإلحاد: \"ومما أحدث من العلوم، الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك بمجرد الرأي والذوق أو الكشف وفيه خطر عظيم، وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ... وقد اتسع الخرق في هذا الباب ودخل فيه قوم إلى أنواع الزندقة والنفاق، ودعوى أن أولياء الله أفضل من الأنبياء أو أنهم مستغنون عنهم، وإلى التنقص بما جاءت به الرسل من الشرائع، وإلى دعوى الحلول والإتحاد أو القول بوحدة الوجود وغير ذلك من أصول الكفر والفسوق والعصيان كدعوى الإباحة، وحل محظورات الشرائع، وأدخلوا في هذا الطريق أشياء كثيرة، ليست من الدين في شيء فبعضها زعموا أنه يحصل به ترقيق القلوب كالغناء والرقص، وبعضها زعموا أنه يراد لرياضة النفوس كعشق الصور المحرمة ونظرها، وبعضها زعموا أنه لكسر النفوس والتواضع كشهرة اللباس وغير ذلك مما لم تأت به الشريعة، وبعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالغناء والنظر المحرم، وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، والعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204593,"book_id":111,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":440,"body":"ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل (¬١).\rولا أريد هنا أن أتكلم عن التصوف والمتصوفة (¬٢) وما يتعلق بهم من بدع وانحرافات لأني لست في مقام الكلام على ذلك، وإنما أريد هنا أن أقتصر على ذكر بعض البدع التي وقعوا فيها وخصوصًا التي تكلم عليها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في مؤلفاته ومنها:\rأ - بدعة تقسيم الدين إلى حقيقة وشرعية:\rإن من أصول المتصوفة، وقواعد طرقهم البدعية تقسيم العلم إلى ظاهر وباطن، والدين الإسلامي إلى شريعة وحقيقة، والشرعية هي الظاهر من الدين وهي الباب الذي يدخل منه الجميع، والحقيقة هي الباطن الذي لا يصل إليه إلا المصطفون الأخيار في حد زعمهم، وهؤلاء هم الذين أسقطوا عنهم التكاليف الشرعية لأنهم وصلوا، وهذا كله من تلاعب الشيطان بهم، وتزيينه ذلك لهم، نعوذ بالله من الضلال والخذلان، وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه البدعة فقال: \"كثير ممن يدعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعن في أهله، ويقول هم محجوبون","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٤٩، ١٥٠).\r(¬٢) هناك الكثير من الكتب القديمة والحديثة التي تكلمت عن التصوف والمتصوفة ومنها: كتاب الاستقامة واقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، تنبيه الغبي لتكفير ابن عربي للبقاعي، هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، التصوف المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير وغيرها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204594,"book_id":111,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":441,"body":"وأصحاب القشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة المطهرة والأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والإعتناء بها، وربما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة، وأما من وصل فلا حاجة به إليها وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد وغيره: وصلوا ولكن إلى سقر. وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسنة، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات، فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام العيوب، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ في هذا الباب بالكلية، والتكلم فيه بمجرد الأراء والخواطر، فضلوا وأضلوا\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"ومما حدث بعد الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي والأقيسة العقلية\".\rومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال، وأنها حجاب أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين عن الوساوس والخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) شرح حديث أبي الدرداء (ص ٥٥، ٥٦).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٧).\r(¬٣) المصدر السابق (٢/ ٢٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204595,"book_id":111,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":442,"body":"ب - بدعة التقرب إلى الله ﷿ بالرقص وهز الرؤوس وسماع الأغاني:\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن الغناء وأقسامه: القسم الثاني: أن يقع استماع الغناء بآلات اللهو أو بدونها على وجه التقرب إلى الله تعالى، وتحريك القلوب إلى محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه، وهذا هو الذي يدعيه كثير من اهل السلوك، ومن يتشبه بهم ممن ليس منهم، وإنما يتستر بهم ويتوصل بذلك إلى بلوغ غرض نفسه، من نيل لذته، فهذا المتشبه بهم مخادع ملبس، وفساد حاله أظهر من أن يخفى على أحد.\rوأما الصادقون في دعواهم في ذلك وقليل ما هم، فإنهم ملبوس عليهم حيث تقربوا إلى الله ﷿ بما لم يشرعه الله تعالى، واتخذوا دينًا لم يأذن الله فيه، فلهم نصيب ممن قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (¬١) والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليد، كذلك قاله غير واحد من السلف.\rوقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (¬٢)، فإنه إنما يتقرب إلى الله ﷿ بما يشرع التقرب به إليه على لسان رسوله ﷺ، فأما ما نهى عنه، فالتقرب به إليه مضادة لله ﷿ في أمره، قال القاضي أبو الطيب الطبري (¬٣) ﵀ في كتابه السماع","footnotes":"(¬١) سورة الأنفال آية (٣٥).\r(¬٢) سورة الشورى آية (٢١).\r(¬٣) أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي، قال الخطيب: كان ثقة صادقًا دينًا ورعًا عارفًا بأصول الفقه وفروعه، صحيح المذهب، توفي سنة ٤٥٠ هـ.\rتاريخ بغداد (٩/ ٣٥٨) وطبقات الشافعية لابن هداية (١٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204596,"book_id":111,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":443,"body":"(اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع المسلمين فإنه ليس فيهم من جعل السماع دينًا وطاعة ولا أرى إعلانه في المساجد والجوامع، وحيث كان من البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وكان مذهب هذه الطائفة مخالفًا لما اجتمعت عليه العلماء ونعوذ بالله من سوء الفتن) انتهى ما ذكره.\rولا ريب أن التقرب إلى الله تعالى بسماع الغناء الملحن لاسيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، بل ومن سائر شرائع المسلمين أنه ليس مما يتقرب به إلى الله، ولا مما تزكى به النفوس وتطهر به، فإن الله تعالى شرع على ألسنة الرسل كل ما تزكوا به النفوس وتطهر به من أدناسها، وأوضارها، ولم يشرع على لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئًا من ذلك، وإنما يأمر بتزكية النفوس بذلك من لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة كما يأمرون بعشق الصور، وذلك كله مما تحيى به النفوس الأمارة، بالسوء لما لها فيه من الحظ، ويقوي به الهوى، وتموت به القلوب المتصلة بعلام الغيوب، وتبعد به عنه، فغلط هؤلاء واشتبه عليهم حظوظ النفوس وشهواتها، بأقوات القلوب الطاهرة، والأرواح الزكية المعلقة بالمحل الأعلى واشتبه الأمر في ذلك أيضًا على طوائف المسلمين ممن ينتسب إلى السلوك ولكن هذا مما حدث في الإسلام بعد انقراض القرون الفاضلة (¬١).\rوقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن السماع المشروع هو سماع ما يفيد وينفع من سماع القرآن والذكر والمواعظ النافعة وغيرها.\rفقال: \"إن الله تعالى أمر عباده في كتابه وعلى لسان رسوله بجميع ما يصلح قلوب عباده ويقربها منه ونهاهم عما ينافي ذلك ويضاده، ولما كانت الروح تقوى بما تسمعه من الحكمة والموعظة الحسنة وتحيى بذلك شرع الله","footnotes":"(¬١) نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص ٦٨ - ٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204597,"book_id":111,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":444,"body":"لعباده سماع ما تقوى به قلوبهم وتتغذى وتزداد إيمانًا، فتارة يكون ذلك فرضًا عليهم كسماع القرآن والذكر والموعظة يوم الجمعة في الخطبة والصلاة. وكسماع القرآن في الصلوات الجهرية من المكتوبات وتارة يكون ذلك مندوبًا إليه غير مفترض كمجالس الذكر المندوب إليها، فهذا السماع حاد يحد وقلب المؤمن إلى الوصول إلى ربه يسوقه ويشوقه إلى قربه، وقد مدح الله المؤمنين بوجود مزيد أحوالهم بهذا السماع، وذم من لا يجد منه ما يجدونه فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (¬١) وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (¬٢) وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (¬٣) ...\rفهذه الآية تتضمن توبيخًا وعتابًا لمن سمع هذا السماع، ولم يحدث له في قلبه صلاحًا ورقة وخشوعًا، فإن هذا الكتاب المسموع يشتمل على نهاية المطلوب وغاية ما تصلح به القلوب وتنجذب به الأرواح ... فيحيي بذلك القلب بعد مماته ويجتمع بعد شتاته وتزول قسوته بتدبر خطابه وسماع آياته، فإن القلوب إذا أيقنت بعظمة ما سمعت واستشعرت شرف نسبة هذا القول إلى قائله أذعنت وخضعت، فإذا تدبرت ما احتوى عليه من المراد ووعت اندكت من مهابة الله وجلاله وخشعت، فإذا هطل عليها وابل الإيمان من سحب القرآن أخذت ما وسعت فإذا بذر فيها القرآن من حقائق العرفان وسقاه ماء الإيمان أنبتت ما","footnotes":"(¬١) سورة الأنفال آية (٢).\r(¬٢) سورة الزمر آية (٢٢، ٢٣).\r(¬٣) سورة الحديد آية (١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204598,"book_id":111,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":445,"body":"زرعت، ومتى فقدت القلوب غذاءها وكانت جاهلة به طلبت العوض من غيره فتغذت به فازداد سقمها بفقدها ما ينفعها، والتعوض بما يضرها، فإذا سقمت مالت إلى ما فيه ضررها ولم تجد طعم غذائها الذي فيه نفعها فتعوضت عن سماع الآيات بسماع الأبيات، وعن تدبر معاني التنزيل بسماع الأصوات (¬١).\r٤ - بدعة قراءة القرآن بالألحان:\rإن قراءة القرآن بشكل مبتدع لم يكن معروفًا في عهد النبوة وما بعدها من القرون المفضلة كالتلحين والتشدق والقيام بحركات أثناء القراءة كالتمايل يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا لأن هذا كله إهانة لكتاب الله تعالى وابتذال له ومخالف لما حثّ عليه الرسول ﷺ من قراءة القرآن بتدبر وتمعن وفهم لمعانيه.\rوقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه البدعة فقال: \"قراءة القرآن بالألحان بأصوات الغناء وأوزانه وإيقاعاته على طريقة أصحاب الموسيقى، فرخص فيه بعض المتقدمين إذا قصد به الاستعانة على إيصال معاني القرآن إلى القلوب، للتحزين والتشويق والتخويف والترقيق، وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا. ولم يثبت فيه نزاعًا منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة.\rوفي الحقيقة: \"هذه الألحان المبتدعة المطربة، تهيج الطباع وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع، حتى يصير الإلتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد\" (¬٢).\rهذه أمثلة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولا","footnotes":"(¬١) نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص ٨٠ - ٨٣).\r(¬٢) المصدر السابق (ص ٧٠، ٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204599,"book_id":111,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":456,"sequence_num":446,"body":"زالت هذه البدع كلها موجودة إلى يومنا هذا بل أكثر منها، فكل البدع التي فعلت في الماضي في أزمان مختلفة فعلت في زماننا هذا نسأل الله السلامة والعافية. وتفشي البدع وانتشارها وخصوصًا في زماننا هذا له أسباب كثيرة منها:\r١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتدّ الزمن وبعد الناس عن كتاب ربهم وسنة نبيهم قلّ العلم وفشى الجهل كما أخبر بذلك النبي ﷺ: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا\" (¬١).\rفالجهل هو أخطر سبب يؤدي إلى انتشار البدع، ولا يقاوم ذلك إلا العلم والعلماء، فإذا فقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر.\r٢ - اتباع الهوى وذلك أن من أعرض عن الكتاب والسنة فإن الشيطان يزين له البدع ويحسنها، وقد ذم الله ﵎ من يتبعون الهوى ويعرضون عن الحق الذي جاء به الشرع فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (¬٣) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في ذم الهوى وأصحابه، والبدع إنما هي","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (١/ ١٧٤) ومسلم: كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه (٤/ ٢٠٥٨).\r(¬٢) سورة القصص آية (٥٠).\r(¬٣) سورة الجاثية آية (٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204600,"book_id":111,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":447,"body":"نسيج الهوى المتبع يقول الشاطبي (¬١) رحمه الله تعالى: \"سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة مأخذ الافتقار إليها أو التعويل عليها حتى يصدوا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها وراء ذلك\" (¬٢).\r٣ - التشبه بالكفار وتقليدهم من أشد ما يوقع في البدع كما في حديث ابن واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط (¬٣) فمررنا بسدرة فقلنا: \"يا رسول الله جعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: \"الله أكبر، إنها السَّنَن (¬٤) قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (¬٥) لتركبن سنن من كان قبلكم\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي، أبو إسحاق محدث، فقيه، أصولي، له مؤلفات كثيرة منها: الاعتصام و\"الموافقات\" توفي سنة ٧٩٠ هـ.\rشجرة النور الزكية (١/ ٢٣١) ودرة الحجال (١/ ١٨٢) والأعلام (١/ ٧٥).\r(¬٢) الاعتصام للشاطبي (٢/ ١٧٦).\r(¬٣) ذات أنواط: هي شجرة عظيمة قريبة من مكة كان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون لها ويعكفون عندها يومًا، وكانوا يعلقون أرديتهم عليها ويدخلون الحرم بغير أردية تعظيمًا لها، ولذلك سميت ذات أنواط يقال: ناط الشيء ينوطه نوطًا إذا علقه.\rالنهاية لابن الأثير (٥/ ١٢٨) ومعجم البلدان (١/ ٢٧٣) ولسان العرب (٧/ ٤٢٠).\r(¬٤) السنن بفتح السين والنون وهو الطريق ويجوز في السين الضم والكسر.\rالمصباح المنير (١/ ٢٩٢).\r(¬٥) سورة الأعراف آية (١٣٨).\r(¬٦) أخرجه أحمد (٥/ ٢١٨) والترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم (٤/ ٤٧٥) وقال: حديث حسن صحيح.\rوالطبراني في الكبير (٣/ ٢٤٣) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٧) وقال الألباني: إسناده حسن.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204601,"book_id":111,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":448,"body":"ففي هذا الحديث أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل وبعض أصحاب رسول الله ﷺ من الذين دخلوا حديثًا في الإسلام أن يطلبوا هذا الطلب القبيح وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها ويتبركون بها من دون الله.\rوقد صدق ﷺ حيث وقع ما أخبر به فإن غالب الناس ولاسيما في هذا العصر الذي أصبح التقليد والمشابهة للكفار سمة لأهله فنحن نرى الكثير من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات كأعياد الموالد وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات وإقامة التماثيل والنصب التذكارية، وإقامة المأتم وغير ذلك من الأمور التي لم ينج منها إلا من رحم الله وهم القليل.\r٤ - التعصب للآراء والتقليد الأعمى للشيوخ يحول بين المرء واتباع الحق ومعرفة الدليل، وهذا شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما احتجوا بمذاهبهم وأقوال مشائخهم وآبائهم وأجدادهم وأخذوها على أنها أقوال مسلمة لا يقبل غيرها.\rوقد ذم الله ﷾ التقليد باتباع الآباء والأجداد حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ (¬١). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ (¬٢).\rهذا كله من أسباب انتشار البدع بالإضافة إلى سكوت كثير من","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (١٧٠).\r(¬٢) سورة الأحزاب آية (٦٦، ٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204602,"book_id":111,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":449,"body":"العلماء وتركهم الدعوة إلى الله تعالى وتبصير الناس بدينهم وبهدي نبيهم ﷺ الأمر الذي جعل عامة الناس يعتقدون في البدع أنها سنن، وإذا أردت أن تبين لهم الحق في ذلك، ردوا عليك بقولهم من أنت؟ ومن تكون؟ فلو كان الأمر بدعة كما تدعي لبينها الشيخ فلان وفلان، فإنك لست بأعلم منهم بل لا تدانيهم في منزلتهم العلمية.\rوطريق الخلاص من هذه البدع كلها يكون بالتمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما وإلى كتب السلف الصالح لفهم العقيدة الصحيحة ومعرفة ما يضادها أو ينقصها من الشرك والبدع والخرافات ونبذ الكتب المخالفة للكتاب والسنة من كتب الصوفية والقبورية والمخرفين.\rوأسأل الله تعالى أن يجنبنا مضلات الفتن وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعدائه إنه على كل شيء قدير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204603,"book_id":111,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":450,"body":"المطلب الخامس حكم البدع وأهلها\rالبدع كلها مضادة للشارع ومراغمة له حيث أن المبتدع نصب نفسه منصب المستدرك على شرع الله ﷿، ولهذا كانت البدعة مذمومة بكل حال، لأن النصوص الواردة في البدع بينت أن كل بدعة ضلالة وأن عمل المبتدع مردود عليه، وعلى هذا فالإبتداع في الدين حرام سواء كان ذلك في العبادات أو الاعتقادات قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا فقوله ﷺ: \"كل بدعة ضلالة\" (¬١) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" (¬٢) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة (¬٣).\rأما المبتدعة الذين يحدثون البدع فهم مفترون على الله ﷿ لأن أحداثهم للبدع يفهم منه أن الله ﷾ لم يكمل هذا الدين وأن الرسول ﷺ لم يبلغ كل ما أوحي إليه حتى جاء هؤلاء المبتدعة","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٤١٩).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٨٢).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204604,"book_id":111,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":451,"body":"فأكملوا الشرع بما أحدثوه من ضلالات زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله ﷿، وهذا خطر عظيم واعتراض على رب العالمين ﷾، واتهام للدين بالنقص، وللرسول ﷺ بالخيانة والكتمان، وهذا كله باطل لا شك فيه، فالله ﷾ قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (¬١).\rوالرسول ﷺ قد بلغ ما أوحي إليه بلاغًا مبينًا لم يترك طريقًا للخير يقربنا إلى الله ﷿ إلا ودلنا عليه، ولا طريقًا يبعد عن الله ﷿ إلا وحذرنا منه ولذا تقول عائشة ﵂ لمسروق (¬٢) رحمه الله تعالى كما في صحيح مسلم (¬٣) \"ثلاث من تكلم بواحدة منها فقد أعظم على الله الفرية\" وذكرت منها: من زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (¬٤).\rفلو كانت البدع التي أحدثها المبتدعة من الدين الذي أتمه الله علينا ورضيه لنا دينًا لبينه الرسول ﷺ لأمته إما بقوله أو فعله، فلما لم يبين ذلك دلّ على أن ما أحدثه هؤلاء ليس من الدين في شيء، وقد تكلم","footnotes":"(¬١) سورة المائدة آية (٣).\r(¬٢) الإمام العلم أبو عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية الوادعي الهمداني، من كبار التابعين.\rقال يحيي بن معين: مسروق ثقة، لا يسأل عن مثله، توفي ﵀ سنة ٦٣ هـ.\rالجرح والتعديل (٨/ ٣٩٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٩) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٠٩).\r(¬٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب معنى قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١/ ١٥٩).\r(¬٤) سورة المائدة آية (٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204605,"book_id":111,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":452,"body":"ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا كله فقال: \"أهل الأهواء والبدع كلهم مفترون على الله، وبدعتهم تتغلظ بحسب كثرة افترائهم عليه، وقد جعل الله من حرم ما أحله الله، وحلل ما حرمه الله مفتريًا عليه الكذب، فمن قال على الله ما لا يعلم فقد افترى عليه الكذب ومن نسب إلى الله ما لا يجوز نسبته إليه من تمثيل أو تعطيل، أو كذب بأقداره فقد افترى على الله الكذب، وقد قال الله ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (¬١) \" قال سفيان: الفتنة أن يطبع الله على قلوبهم (¬٢).\rفلهذا تغلظت عقوبة المبتدع على عقوبة العاصي، لأن المبتدع مفتر على الله، مخالف لأمر رسوله لأجل هواه (¬٣).\rفالبدع كلها شر وضلالة، ومحادة لله ﷾ ولرسوله ﷺ ويخشى أن يكون أهل الأهواء والبدع ممن حيل بينهم وبين التوبة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: \"إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة النور آية (٦٣).\r(¬٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٣٢) وعزاه لعبد بن حميد.\r(¬٣) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٤٣، ٤٤).\r(¬٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢١) والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٤٤٩) والطبراني في الأوسط (٤٣٦٠) وابن وضاح في البدع والنهي عنها (٥٥) والهروي في ذم الكلام وأهله (٥/ ٩٩/ ب)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٨٦) رواه الطبراني وإسناده حسن. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٨٩) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة، وقد تكلم عن هذا الحديث وطرقه العلامة محمد بن ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (١٦٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204606,"book_id":111,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":453,"body":"فهذا الحديث يدل على أن الله ﷾ حجب التوبة أمام المبتدع، فلا يقبل له توبة، ذلك لأن المبتدع يرى أن عمله دين يتقرب به إلى الله ﷿ فلا يتوب منه ولا يرجع عنه وهذا بخلاف العاصي فإن العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها.\rوقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن معني حديث أنس السابق فقال: \"لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة\" (¬١).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب مادام يراه حسنًا، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فمادام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب، ولكن التوبة منه ممكنة واقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى ﷾ من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ (¬٣) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب للسفاريني (٢/ ٥٨٢).\r(¬٢) سورة محمد آية (١٧).\r(¬٣) سورة النساء آية (٦٦ - ٦٨).\r(¬٤) سورة الحديد آية (٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204607,"book_id":111,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":454,"body":"وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسنة (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه مادام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، فأما إذا أراه الله أنها قبيحة، فإنه يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/ ٩، ١٠).\r(¬٢) المصدر السابق (١١/ ٦٨٤، ٦٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204608,"book_id":111,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":455,"body":"المبحث الرابع الغلو وكلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليه\rالغلو في اللغة هو مجاوزة الحد والمبالغة في الشيء، يقول الراغب الأصبهاني: الغلو تجاوز الحد، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو (¬١).\rوفي الشرع هو الإفراط في التعظيم بالقول والعمل والاعتقاد ومجاوزة الحد المشروع في ذلك كالغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين من حيث اعتقاد أن لهم تصرفًا في الكون، أو تعظيمهم بالألفاظ والأفعال ورفعهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها (¬٢).\rوالغلو منهى عنه، وقد ذمه الله ﷾ وحرمه وتوعد الغالين ونهاهم عنه فقال تعالى في كتابه العظيم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (¬٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣٦٤).\r(¬٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٨٢) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (١/ ٧٦) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٦٥).\r(¬٣) سورة النساء آية (١٧١).\r(¬٤) سورة المائدة آية (٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204609,"book_id":111,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":456,"body":"قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: \"ينهى الله ﷾ أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه بل قد غلوا في اتباعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقًا أو باطلًا أو ضلالًا أو رشادًا أو صحيحًا أو كذبًا\" (¬١).\rكما ذم الغلو ونهى عنه النبي ﷺ كما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله\" (¬٢).\rفالغلو وباء قاتل ومرض مدمر، ولم يزل شره في ازدياد حتى وقع كثير من المسلمين في الشرك بسبب الغلو ومجاوزة الحد المشروع.\rوقد تناول ابن رجب ﵀ مسألة الغلو وبيّن أنه جهل وضلال كما بيّن بعض مظاهره فقال رحمه الله تعالى: وأما النصارى فذمهم الله بالجهل والضلالة، وبالغلو في الدين بغير الحق، ورفع المخلوق إلى درجة لا يستحقها حتى يدعى فيه الإلهية، واتباع الكبراء في التحليل والتحريم، وكل هذا يوجد جهالًا منتسبين إلى العبادة من هذه الأمة فمنهم من يعبد بالجهل بغير العلم بل يذم العلم وأهله، ومنهم من يغلو في بعض الشيوخ فيدعى فيه الحلول، ومن يدعي الحلول المطلق والاتحاد، ومنهم من يغلو فيمن يعتقده من الشيوخ كما يغلو النصارى في رهبانهم","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٨٩).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤/ ١٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204610,"book_id":111,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":457,"body":"ويعتقدون أن لهم أن يغلو في الدين ما شاؤا، وأن من رضي عنه غفر له، ولا يبالي بما عمل من عمل، وأن محبتهم لا يضر معها ذنب، وقد كان الشيوخ العارفون ينهون عن صحبة الأشرار وأن ينقطع العبد عن الله بصحبته الأخيار، فمن صحب الأخيار بمجرد التعظيم لهم والغلو فيهم غلوًا زائدًا عن الحد، وعلق قلبه بهم فقد انقطع عن الله بهم وإنما المراد من صحبة الأخيار أن يوصلوا من صحبهم إلى الله ويسلكوا طريقه ويعلموه دينه، وقد كان النبي ﷺ يحث أهله وأصحابه على التمسك بالطاعة ويقول: \"اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا\" (¬١)، وقال لأهله: \"إن أوليائي منكم المتقون يوم القيامة لا يأتي الناس بالأعمال، وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد، فأقول: قد بلغت\" (¬٢) ولما سأله ربيعة الأسلمي مرافقته في الجنة قال: \"فأعني على نفسك بكثرة السجود\" (¬٣) فإنما يراد من صحبة الأخيار إصلاح الأعمال والأحوال والإقتداء بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن البطالة إلى العمل، ومن التخليط إلى التكسب والقول والفعل إلى الورع، ومعرفة النفس آفاتها واحتقارها، فأما من صحبهم وأفتخر بصحبتهم وادعى بذلك الدعاوى العريضة، وهو مصر على غفلته وكسله وبطالته فهو منقطع عن الله من حيث ظن الوصول إليه كذلك المبالغة في تعظيم الشيوخ وتنزيلهم منزلة الأنبياء هو المنهي عنه وقد كان عمر وغيره من الصحابة والتابعين ﵃ يكرهون أن يطلب منهم الدعاء، ويقولون: \"أنبياء نحن؟ \" ... إلى أن قال رحمه الله تعالى:","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير (٦/ ١٧) ومسلم: الإيمان (١/ ١٩٢).\r(¬٢) أخرجه بنحوه البخاري في الأدب المفرد (ص ٤٢) والحاكم (٤/ ٧٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة (١/ ٣٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204611,"book_id":111,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":458,"body":"\"فالغلو من صفات النصارى، والجفاء من صفات اليهود والقصد هو المأمور به\" (¬١).\rفالغلو أصل من أصول الشرك في الأولين والآخرين، ووسيلة من الوسائل المؤدية إلي عبادة الأصنام، وقد أمرنا الله تعالى بمحبة الأنبياء والمرسلين والصالحين، وإنزالهم منازلهم من العبودية، ونهانا عن الإفراط ومجاوزة الحد في تعظيمهم، فلا نرفعهم فوق منزلتهم.\rوتعظيم الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ومحبتهم إنما هو باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والتقوى والعمل الصالح واقتفاء آثارهم في ذلك دون عبادتهم وعبادة قبورهم والعكوف عليها واتخاذها مساجد وأعيادًا ومجامع للزيارات وغير ذلك من البدع والضلالات.\rنسأل الله العافية من كل فتنة ... آمين.","footnotes":"(¬١) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٥٦) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204612,"book_id":111,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":459,"body":"المبحث الخامس مسائل متفرقة متعلقة بهذا الفصل\r١ - التنجيم\rالنجم الكوكب، والجمع أنجم ونجوم وهو أحد الأجرام السماوية المضيئة، والنجم علم على الثرياء خاصّة، والمنجم والمنتجم الذي ينظر في النجوم بحسب مواقيتها وسيرها يستطلع من ذلك أحوال الكون (¬١).\rوالله ﷾ خلق النجوم لمنافع عظيمة، فقد أخبر ﷾ في كتابه أنها يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر وأنها زينة السماء الدنيا وأنها رجوم للشياطين، قال تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (¬٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ (¬٣)، وقال تعالي: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (¬٤).\rقال قتادة ﵀ تعالي: \"خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأوّل فيها غير ذلك أخطأ","footnotes":"(¬١) انظر: لسان العرب (١٢/ ٥٦٩)، والمصباح المنير (٢/ ٥٩٤).\r(¬٢) سورة الأنعام، آية (٩٧).\r(¬٣) سورة النحل، آية (١٦).\r(¬٤) سورة الملك، آية (٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204613,"book_id":111,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":460,"body":"وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم به (¬١)، وإن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من غرس بنجم كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابّة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلّمه أسماء كل شيء\" (¬٢).\rفالله ﷾ خلق النجوم لهذه المنافع العظيمة، أما غير ذلك مما يدّعيه أهل هذا العلم من أنهم يستدلّون بحركات النجوم وطلوعها وغروبها على أحداث وأمور ستقع، فهذا كلّه من ادّعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ﷾، وهو الذي حذّر منه قتادة ﵀ تعالي في كلامه السابق، ولكن التعلّق بالكواكب وربط ذلك بما يحدث في الأرض بدأ يزداد في كل عصر حتى بلغ الغاية في عصرنا هذا، وأصبح ذلك من الأمور المسلّمة التي لا تقبل الجدل عند كثير من الناس، وهذا كلّه ضلال وشرك لأنه من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها، وبيّن أنها من الشرك لما فيها من التعلّق بغير الله تعالي، واعتقاد الضرّ والنفع في غيره وتصديق العرّافين والكهنة الذين يدّعون علم الغيب زورًا وبهتانًا، ويعبثون بعقول السذّج من الناس ليأخذوا أموالهم ويغيّروا عقائدهم.\rقال الخطابي رحمه الله تعالى: \"علم المنجوم المنهي عنه هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في","footnotes":"(¬١) أخرجه إلى هذا القدر الطبري في تفسيره (٢٩/ ٣، ٤)، وذكره البخاري معلقًا في صحيحه (٤/ ٧٤).\r(¬٢) أخرجه بهذه الزيادة الخطيب في كتاب النجوم ورقة (١٠)، وذكره ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٩٥)، وصاحب تيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٨) من قول قتادة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204614,"book_id":111,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":471,"sequence_num":461,"body":"مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحرّ والبرد وتغيّر الأسعار وما كان في معانيها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدّعون لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تتصرّف على أحكامها وتجرى على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكّم على الغيب وتعاط لعلم استأثر الله سبحانه به لا يعلم الغيب أحد سواه\" (¬١).\rوقال البغوي رحمه الله تعالى: \"والمنهي من علم النجوم ما يدّعيه أهلها من معرفة الحوادث التي لم تقع في مستقبل الزمان مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح ومجيء المطر ووقوع الثلج، وظهور الحرّ والبرد وتغيّر الأسعار ونحوها، يزعمون أنهم يستدركون معرفتها بسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله ﷿ به لا يعلمه أحد غيره\" (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالي: \"صناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية صناعة محرّمة بالكتاب والسنّة وإجماع الأمّة، بل هي محرّمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل\" (¬٣).\rفعلم التنجيم المحرّم هو ما يزعم أهله من أنهم يعرفون ما يكون في المستقبل من أمور عامّة وأحداث لم تقع أنها ستقع في زمن معيّن، وخاصة عن طريق النجوم والنظر فيها كأخبارهم عن أوقات مجيء المطر","footnotes":"(¬١) معالم السنن (٤/ ٢٢٩، ٢٣٠).\r(¬٢) شرح السنة (١٢/ ١٨٣).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204615,"book_id":111,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":472,"sequence_num":462,"body":"وهبوب الرياح، وتغيّر الأسعار، وما كان يماثلها من الأمور، حيث أنهم يدّعون أن للكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها تأثيرًا في الأمور السفلية والتنجيم بهذا يكون من ادّعاء علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ﷾؛ كما دلّت على ذلك النصوص الكثيرة في كتاب الله وسنّة الرسول ﷺ، وهو نوع من أنواع السحر، لأنه ضرب من التخييل والإيهام وهو شرك، لأن فيه استعانة بغير الله ﷾.\rوأمّا تعلّم منازل الشمس والقمر للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول، فهذا رخّص فيه كثير من العلماء لحصول المنفعة به، وهو وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات والاهتداء به إلى الجهات.\rقال الخطابي رحمه الله تعالى: \"فأمّا علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والحسّ الذي يعرف به الزوال ويعلم به جهة القبلة فإنه غير داخل فيها نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئًا بأكثر من أن الظل مادام متناقصًا، فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصحّ إدراكه من جهة المشاهدة، إلاّ أن أهل هذه الصناعة قد دبّروه بما اتّخذوا له من الآلة التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدّته ومراصدته. وأمّا ما يستدلّ به من جهة النجوم على جهة القبلة، فإنما هي كواكب رصدها أهل الخبرة بها من الأئمّة الذين لا نشكّ في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة ويشاهدوها في حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة وإدراكنا لذلك بقبولنا لخبرهم؛ إذ كانوا غير متهمين في دينهم ولا مقصّرين في معرفتهم (¬١).","footnotes":"(¬١) معالم السنن (٤/ ٢٣٠)، وانظر تيسير العزيز الحميد (ص ٣٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204616,"book_id":111,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":473,"sequence_num":463,"body":"وقد كره بعض العلماء تعلّم منازل القمر سدًا لباب الشرك وحسمًا لمادّته.\rوقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة التنجيم، وبيّن أن هذا النوع من العلم ينقسم إلى قسمين: علم تسيير وعلم تأثير، وقد نقل بعض أقوال أهل العلم في جواز علم التسيير الذي به تعرف القبلة وأوقات الصّلاة. أمّا علم التأثير فقد بيّن أنه باطل ومحرّم وقد ذكر الأدلّة التي تبيّن بطلانه وحرمته، فقال ﵀ تعالي: \"وكان النخعي (¬١) لا يرى بأسًا أن يتعلّم الرجل من النجوم ما يهتدي به ورخّص في تعلّم منازل القمر أحمد وإسحاق، ويتعلّم من أسماء النجوم ما يهتدى به، وكره قتادة تعلّم منازل القمر، ولم يرخّص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما، وقال طاووس (¬٢): ربّ ناظر في النجوم ومتعلّم حروف أبي جاد (¬٣) ليس له عند الله خلاق\"، خرّجه حرب، وخرّجه حميد بن","footnotes":"(¬١) أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني ثم الكوفي، الإمام الحافظ، فقيه العراق وأحد الأعلام، وكان واسع الرواية، كبير الشأن، توفي سنة ٩٦ هـ.\rطبقات ابن سعد (٦/ ٢٧٠)، ووفيات الأعيان (١/ ٢٥)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠).\r(¬٢) طاووس بن كيسان أبو عبد الرحمن الفارسي اليمني، الفقيه الحافظ عالم اليمن، كان ثقة عابدًا، توفي سنة ١٠٦ هـ.\rطبقات ابن سعد (٥/ ٥٣٧)، ووفيات الأعيان (٢/ ٥٠٩)، وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٣٤١).\r(¬٣) هي الحروف المرتبة في الكلمات التالية: أبْجَدْ هَوَّز حُطّي كَلَمُنْ سَعْفصْ قَرْشَتْ ثَخَذْ ضَظَعْ. وقد استعمل هذا الترتيب للعدد والحساب والتاريخ بجعل كل حرف دالًا على عدد.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الصواب أن هذه ليست أسماء لمسمّيات، وإنما ألّفت ليعرف تأليف الأسماء من حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم ... ثم كثير من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204617,"book_id":111,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":464,"body":"زنجويه (¬١) من رواية طاووس عن ابن عباس (¬٢).\rهذا محمول على علم التأثير لا علم التسيير، فإن علم التأثير باطل محرّم، وفيه ورد الحديث المرفوع: \"ومن اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر\"، خرّجه أبو داود (¬٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا.\rوخرّج أيضًا من حديث قبيصة مرفوعًا: \"العيافة والطيرة والطرق من الجبت\" (¬٤). والعيافة: زجر الطير، والطرق: الخط في الأرض.","footnotes":"= العدد، وآخرون من أهل الهندسة والمنطق يجعلونها علامات على الخطوط المكتوبة أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة. مجموع الفتاوى (١٢/ ٦٢)، وانظر المزهر للسيوطي (٢/ ٣٤٢)، وتاج العروس (٧/ ٤٠٢)، والفهرسة والترتيب المعجمي (ص ٥٨).\r(¬١) حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي أبو أحمد المشهور بابن زنجويه، الإمام الحافظ، وكان أحد الأئمّة المجودين، قال أبو حاتم البستي: هو الذي أظهر السنّة بنسا، له مؤلفات مفيدة منها: كتاب الأموال، توفي سنة ٢٥١ هـ.\rتاريخ بغداد (٨/ ١٦٠)، وطبقات الحنابلة (١/ ١٥٠)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٠).\r(¬٢) أثر ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٩).\r(¬٣) أبو داود: كتاب الطب، باب في النجوم (٤/ ٢٢٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (١/ ٢٢٧)، وابن ماجه: كتاب الأدب -باب تعلّم النجوم (٣٧٢٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٣٥)، والبيهقي في السنن (٨/ ١٣٨).\rوقال النووي في رياض الصالحين (٦٣٧): إسناده صحيح، وقال الذهبي في الكبائر (١٢٣): رواه أبو داود بسند صحيح، وقال العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١١٧): أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح.\r(¬٤) أخرجه أبو داود: كتاب الطب، باب في الخط وزجر الطير (٤/ ٢٢٩)، وأحمد (٣/ ٤٧٧)، والنسائي كما في تحفة الأشراف (٨/ ٢٧٥)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٦٩)، والبيهقي في السنن (٨/ ١٣٩)، وحسّنه النووي كما في فيض القدير للمناوي (٤/ ٣٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204618,"book_id":111,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":465,"body":"فعلم تأثير النجوم باطل محرّم، والعمل بمقتضاه كالتقرّب إلى النجوم وتقريب القرابين لها كفر.\rوأمّا علم التسيير، فإذا تعلّم منه ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطريق، كان جائزًا عند الجمهور، وما زاد عليه فلا حاجة إليه وهو يشغل عمّا هو أهمّ منه، وربما أدّى التدقيق فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم كما وقع ذلك كثيرًا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار وهو باطل\" (¬١).\r\r٢ - التطيّر والتشاؤم\rالطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطيّر (¬٢).\rيقول ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: \"أصل التطيّر واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار هو مأخوذ من زجر الطير ومروره سانحًا أو بارحًا، منه اشتقوا التطيّر، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغير الحيوان، فتطيّروا من الأعور والأعضب والأبتر ... \" (¬٣).\rوالتشاؤم مأخوذ من الشؤم وهو ضدّ اليمن، تقول: تشأمت بالشيء وتيّمنت به (¬٤).\rيقول ابن القيّم ﵀ تعالي: \"كانوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونها، فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سمّوه سانحًا، وما تياسر منها","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٩ - ١٢).\r(¬٢) النهاية لابن الأثير (٣/ ١٥٢)، وانظر الصحاح (٢/ ٧٢٨).\r(¬٣) التمهيد (٩/ ٢٨٢).\r(¬٤) انظر: الصحاح (٥/ ١٩٥٧)، والنهاية لابن الأثير (٢/ ٥١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204619,"book_id":111,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":466,"body":"سمّوه بارحًا، وما استقبلهم منها فهو الناطح، وما جاءهم من خلفهم سمّوه القعيد، فمن العرب من يتشاؤم بالبارح ويتبرّك بالسانح، ومنهم من يرى خلاف ذلك\" (¬١).\rوقد جاء الإسلام بتطهير القلوب من كل شوائب الشرك التي منها التطيّر بالأشخاص والأماكن والأزمان، واعتقاد أنها هي السبب في بعض ما يصيب الإنسان.\rولقد حرّم الإسلام الطيرة وعدّها من الشرك، لأن المتطيّر يعتقد أن شيئًا من المخلوقات ينفع أو يضرّ، ولأن في ذلك إغفالًا للخالق ﷾، وثلبًا لعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر.\rوفي الواقع أن التطيّر والطيرة لا تضرّ إلّا من اعتقدها، فإنك تجد معتقدها دائم الخوف قلق النفس مضطرب الفكر والرأي والتصرفات، وتجد عنده من التردّد وضعف اليقين وقلّة التوكّل وسوء الظن ما يعكّر عليه صفو حياته ويوهن عقيدته ويفتح للشيطان أبوابه (¬٢).\rوقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة التطيّر وبيّن أنها من الأعمال الشركية التي كان يفعلها أهل الجاهلية، وذكر الأدلّة التي تدلّ على تحريم الطيرة والنهي عنها، فقال: \"والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون (¬٣) وقوم صالح (¬٤)","footnotes":"(¬١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٢٩).\r(¬٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١).\r(¬٣) وهو في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، سورة الأعراف، آية (١٣١).\r(¬٤) وهو في قوله تعالي: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ سورة النمل، آية (٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204620,"book_id":111,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":467,"body":"وأصحاب القرية (¬١) التي جاءها المرسلون، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا طيرة\" (¬٢)، وفي حديث: \"من ردّته الطيرة فقد قارف الشرك\" (¬٣)، وفي حديث ابن مسعود المرفوع: \"الطيرة من الشرك وما منّا إلّا، ولكن الله يذهبه بالتوكّل\" (¬٤). والبحث عن أسباب الشر من النظر في النجوم ونحوها من الطيرة المنهي عنها، والباحثون عن ذلك غالبًا لا","footnotes":"(¬١) وهو قوله تعالي: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ سورة يس، آية (١٩، ١٨).\r(¬٢) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري: كتاب الطب -باب الطيرة (١٠/ ١٨١).\rومسلم: كتاب السلام، باب الطيرة والفأل (٢٢٢٣) كلاهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم\".\r(¬٣) أخرجه ابن وهب في الجامع (١١٠)، والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (٣/ ٤٠٢)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١١٧)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٥) رواه البزار، وفيه سعيد بن أسد، روى عنه أبو زرعة الرازي، ولم يضعفه أحد، وشيخ البزار إبراهيم غير منسوب وبقيّة رجاله ثقات، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠) بلفظ: \"من ردّته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله، ما كفّارة ذلك؟ قال: أن يقول أحدهم: اللهمّ لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك\".\rوقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. المسند تحقيق أحمد شاكر (١٢/ ١٠).\r(¬٤) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٩)، وأبو داود: كتاب الطب -باب الطيرة (٤/ ٢٣٠)، والترمذي: كتاب السير -باب ما جاء في الطيرة (٤/ ١٦٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الطب -باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة (٢/ ١١٧٠)، والحاكم (١/ ١٧) وقال: صحيح سنده، ثقات رواته، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي عقب تصحيحه لهذا الحديث: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: \"وما منا، ولكن الله يذهبه بالتوكّل\"، هذا عندي قول عبد الله بن مسعود: وما منّا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204621,"book_id":111,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":468,"body":"يشتغلون بما يدفع البلاء من الطاعات بل يأمرون بلزوم المنزل وترك الحركة، وهذا لا يمنع نفوذ القضاء والقدر ... وفي صحيح ابن حبان عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لا طيرة والطيرة على من تطيّر\" (¬١).\rوقال النخعي: \"قال عبد الله بن مسعود: \"لا تضرّ الطيرة إلا من تطير\"، ومعنى هذا أن من تطيّر تطيّرًا منهيًا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه ويراه مما يتطيّر به حتى يمنعه مما يريد من حاجته فإنه قد يصيبه ما يكرهه، فأمّا من توكّل على الله ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفًا ورجاءًا قطعه عن الالتفات إلى هذه الأسباب المخوّفة ... إلى أن قال ﵀ تعالي: \"وأمّا من اتّقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها، فإنه لا ينفعه ذلك غالبًا كمن ردّته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطيّر به، فإنه كثيرًا ما يصاب ما خشي منه، وكمن اتقى الطاعون الواقع في بلده بالفوار منه، فإنه قلّ أن ينجيه ذلك، وقد فرّ كثير من المتقدمين والمتأخّرين من الطاعون فأصابهم ولم ينفعهم الفرار، وقد قال الله تعالي: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (¬٢) ... \" (¬٣).\rفقد أوضح ابن رجب ﵀ تعالي في كلامه السابق أن الطيرة شرك لما فيها من تعلّق القلب بغير الله ﷿، حيث أنهم يعتقدون أن","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن حبان كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٧/ ٦٤٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٠٩)، قال ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٣): وفي صحته نظر لأنه من رواية عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس، وعتبة مختلف فيه.\r(¬٢) سورة البقرة، آية (٢٤٣).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٧١، ٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204622,"book_id":111,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":469,"body":"الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًّا من دون الله ﷿، وهذا عين الشرك المنهيّ عنه.\rكما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن من أمور الجاهلية التي نهى عنها الرسول ﷺ التشاؤم بالهامة وصفر وغيرها، فقال ﵀ تعالي: \"وأمّا قوله ﷺ: \"ولا هامة\"، فهي نفي لما كانت الجاهلية تعتقده أن الميّت إذا مات صارت روحه هامة وهو طائر يطير وهو شبيه باعتقاد أهل التناسخ أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور.\rوكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها، ولكن الذي جاءت به الشريعة أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنّة، وترد من أنهار الجنّة إلى أن يردّها الله إلى أجسادها (¬١)، وروي أيضًا: \"إن نسمة المؤمن (¬٢) طائر يعلق في شجر الجنّة حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة\" (¬٣).\rوأمّا قوله ﷺ: \"ولا صفر\"، فاختلف في تفسيره، فقال كثير من المتقدّمين الصفر: داء في البطن يقال إنه دود فيه كبار كالحيات وكانوا","footnotes":"(¬١) كما ورد ذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم: كتاب الإمارة -باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنّة (٣/ ١٥٠٢).\r(¬٢) نسمة المؤمن: النسمة بفتحتين الروح والنفس، وكل شيء في روح فهو نسمة. النهاية لابن الأثير (٥/ ٤٩)، ولسان العرب (١٢/ ٥٧٣).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٥)، والترمذي: كتاب فضل الجهاد -باب ما جاء في ثواب الشهداء (٤/ ١٧٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الزهد - باب ذكر القبر والبلى (٢/ ١٤٢٨).\rوالنسائي: كتاب الجنائز -باب أرواح المؤمنين (٤/ ١٠٨)، وقال الألباني في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٥٦): صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204623,"book_id":111,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":470,"body":"يعتقدون أنه يعدي، فنفى ذلك النبيّ ﷺ، وممّن قال هذا من العلماء ابن عيينة والإمام أحمد وغيرهما، ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلًا في قوله: \"لا عدوى\"، وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام وخصّه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى.\rوقالت طائفة: بل المراد بصفر شهر، ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:\rأحدهما: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلون في النسئ، فكانوا يحلّون المحرم ويحرّمون صفرًا مكانه، وهذا قول مالك ...\rوالثاني: أن المراد أن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر شؤم، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وهذا حكاه أبو داود عن محمد بن راشد المكحولي (¬١) عمّن سمعه يقول ذلك.\rولعلّ هذا القول أشبه الأقوال، وكثير من الجهّال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه، والتشاؤم بصفر من جنس الطيرة المنهي عنه، وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء ...\rوكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوّال في النكاح فيه خاصة، وقد قيل أن أصله أن طاعونًا وقع في شوّال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس، فتشاءم بذلك أهل الجاهلية، وقد ورد الشرع بإبطاله، قالت","footnotes":"(¬١) محمد بن راشد المكحولي الخزاعي أبو عبد الله الدمشقي، قال أبو حاتم: كان صدوقًا حسن الحديث، وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والنسك ولم يكن الحديث من صنعته وكثر المناكير في روايته فاستحق الترك، توفي قبل السبعين ومائة.\rالجرح والتعديل (٧/ ٢٥٣)، والمجروحين (٢/ ٢٥٣)، وميزان الاعتدال (٣/ ٥٤٣)، وتهذيب التهذيب (٩/ ١٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204624,"book_id":111,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":471,"body":"عائشة ﵂: \"تزوّجني رسول الله ﷺ في شوال وبنى بي في شوال، فأيّ نسائه كان أحظى عنده مني\" (¬١) ... \" (¬٢).\rفنخلص من هذا كلّه أن الطيرة شرك تنافي كمال التوحيد، وقد يكون التطيّر منافيًا للتوحيد بالكلية إذا اعتقد أنه هو الذي يجلب إليه النفع أو يدفع عنه الضرّ، والله أعلم.\r\r٣ - الجمع بين قوله ﷺ: \"لا عدوى\" وقوله: \"فرّ من المجذوم فرارك من الأسد\" وقوله: \"لا يورد ممرض على مصح\"\rأشكل على العلماء قوله ﷺ: \"لا عدوى ولا طيرة\" (¬٣)، مع قوله ﷺ: \"وفر من المجذوم فرارك من الأسد\" (¬٤)، وقوله: \"لا يورد ممرض على مصح\" (¬٥)، ونهيه ﷺ عن الدخول إلى أرض الطاعون أو الخروج منها (¬٦)، وقد أجابوا عن ذلك بأجوبة كثيرة:\r١ - فطائفة منهم ردّت حديث أبي هريرة: \"لا عدوى\"، وقالوا: إن أبا هريرة ﵁ رجع عن ذلك، والأحاديث الدالّة على الاجتناب أكثر، فالمصير إليها أولى.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب النكاح -باب استحباب التزوّج والتزويج في شوال (٢/ ١٠٣٩).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٧٤، ٧٥).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الطب -باب لا صفر (٧/ ١٩)، ومسلم: كتاب السلام - باب لا عدوى ولا طيرة (٤/ ١٧٤٣).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الجذام (٧/ ١٧).\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الجذام (٧/ ١٧)، ومسلم: كتاب السلام - باب لا عدوى ولا طيرة (٤/ ١٧٤٣).\r(¬٦) سبق إيراد هذا الحديث وتخريجه (ص ٣٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204625,"book_id":111,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":472,"body":"٢ - وطائفة أخرى عكست القول، وأخذوا بحديث: \"لا عدوى\"، وتركوا الأخذ بالأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالاجتناب، وأعلّوا بعضها بالشذوذ كحديث: \"فر من المجذوم فرارك من الأسد\"، وأن عائشة ﵂ أنكرته وقالت: \"ولكنه قال: \"لا عدوى\"، وقال: \"فمن أعدى الأوّل\".\rوهذان القولان لا يسلمان من المآخذ.\rأمّا الأول: فقولهم إن أبا هريرة راوي حديث \"لا عدوى\" رجع عنه ... فإن هذا لا يضرّ؛ لأن الحديث قد رواه جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن عمر وغيرهم، فنسيان أبي هريرة لا يضرّ.\rوأمّا القول الثاني: فقولهم بإعلال حديث \"فر من المجذوم\"، فان ذلك لا يضرّ لأن أحاديث الاجتناب الأخرى ثابتة.\r٣ - وقالت طائفة أخرى: إن أحاديث النفي مخاطب بها قوى الإيمان، وأحاديث الإثبات مخاطب بها ضعيف الإيمان.\rقال صاحب تيسير العزيز الحميد: \"وهذا القول فيه نظر\" (¬١).\r٤ - وقال طائفة: إن قوله ﷺ: \"لا عدوى\" نفي لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من إضافة الفعل لغير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تعدى بطبعها وإلا قد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح للمريض سببًا لحدوث المرض وانتقاله إلى الصحيح.\rولعلّ القول الأخير هو أرجح الأقوال وأحسنها، وقد رجّحه طائفة من العلماء (¬٢).","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٢).\r(¬٢) انظر: حكاية هذه الأقوال في فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٦٠ - ١٦٢)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٧١ - ٣٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204626,"book_id":111,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":473,"body":"وقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة، وذكر بعض أقوال العلماء فيها ورجح القول الأخير، فقال: \"وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا عدوى ولا هامة ولا صفر\"، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرحل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله ﷺ: \"فمن أعدى الأوّل\" (¬١).\rأمّا العدوى فمعناها أن المرض يتعدّى من صاحبه إلى من يقارنه من الأصحّاء، فيمرض بذلك، وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب، ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب، فقال النبي ﷺ: \"فمن أعدى الأول\"، ومراده أن الأوّل لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده.\rوقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس فهمها، حتى ظن بعضهم أنها ناسخة لقوله: \"لا عدوى\"، مثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لا يورد ممرض على مصح\" (¬٢)، والممرض صاحب الإبل المريضة، والمصح صاحب الإبل الصحيحة. والمراد النهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة، ومثل قوله ﷺ: \"فرّ من المجذوم فرارك من الأسد\" (¬٣)، وقوله ﷺ في الطاعون: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها\" (¬٤)، ودخول النسخ في هذا كما تخيّله بعضهم لا معنى له، فإن معنى قوله: \"لا عدوى\" خبر محض لا يمكن نسخه، إلا أن يقال هو نهي عن اعتقاد العدوى لا نفي لها،","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٤٨١).\r(¬٢) لقدم تخريجه (ص ٤٨١).\r(¬٣) تقدم تخريجه (٤٨١).\r(¬٤) تقدم تخريجه (ص ٣٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204627,"book_id":111,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":474,"body":"ولكن يمكن أن يكون ناسخًا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها.\rوالصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا نسخ في ذلك كلّه، ولكن اختلفوا في معنى قوله: \"لا عدوى\"، وأظهر ما قيل في ذلك أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدى بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على ذلك قوله: \"فمن أعدى الأول\"، يشير إلى أن الأوّل إنما جرب بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده، خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: \"لا يعدى شيء شيئًا\" (قالها ثلاثًا)، فقال أعرابي: يا رسول الله النُّقْبة (¬١) من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلّها، فقال رسول الله ﷺ: \"فما أجرب الأول، لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها\" (¬٢).\rفأخبر أن ذلك كلّه بقضاء الله وقدره؛ كما دلّ عليه قوله تعالي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (¬٣)، فأمّا نهيه ﷺ عن إيراد الممرض، وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب","footnotes":"(¬١) النقبة: بضم النون وسكون القاف، قال ابن الأثير: أوّل شيء يظهر من الجرب وجمعها نقب بسكون القاف، لأنها تنقب الجلد أي تخرقه. النهاية لابن الأثير (٥/ ١٠١).\r(¬٢) مسند أحمد (١/ ٤٤٠)، وسنن الترمذي: كتاب القدر -باب ما جاء لا عدوى ولا هامة ولا صفر (٤/ ٤٥٠).\rوقد سبق حديث أبي هريرة (ص ٤٨١)، وهو بمعناه.\r(¬٣) سورة الحديد، آية (٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204628,"book_id":111,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":475,"body":"التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتّقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذى، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلّها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبّباتها ولا خالق غيره ولا مقدّر غيره.\rوأمّا إذا قوي التوكّل على الله تعالى والإيمان بقضائه وقدره، فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادًا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر، ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لاسيما إذا كان فيه مصلحة عامّة أو خاصة.\rوعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرّجه أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: \"كل باسم الله ثقة بالله وتوكّلًا عليه\" (¬١)، وقد أخذ به الإمام أحمد، وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃، ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد ﵁ من أكل السم، ومنه مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني (¬٢) بالجيوش على متن البحر ... فهذا كلّه لا","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود: كتاب الطب - باب الطيرة (٤/ ٢٣٩)، والترمذي: كتاب الأطعمة - باب الأكل مع المجذوم (١٨١٨)، وقال: حديث غريب، وابن ماجه: كتاب الطب - باب الجذام (٣٥٤٢)، والحاكم (٤/ ١٣٦)، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\r(¬٢) أبو مسلم عبد الله بن ثوب الخولاني الداراني، قال العجلي: \"تابعي ثقة، من كبار التابعين وعبادهم\"، وقال ابن عبد البر: \"أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبيّ ﷺ ولم يرَ رسول الله ﷺ، وهو معدود من كبار التابعين، وكان ناسكًا عابدًا، له كرامات وفضائل\". توفي ﵀ تعالي سنة ٦٢ هـ. =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204629,"book_id":111,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":476,"body":"يصلح إلّا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكّلهم عليه وثقتهم به (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"فإن جميع النعم من الله وفضله؛ كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (¬٢)، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (¬٣)، ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسبّبها ومقدّرها؛ كما في الحديث عن النبيّ ﷺ أنه صلّى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: \"أتدرون ما قال ربكم الليلة\"؟ قال: \"أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا الكافر فقال: مطرنا بنوء (¬٤) كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب\" (¬٥).","footnotes":"= تاريخ الثقات للعجلي (ص ٥١١)، والاستيعاب لابن عبد البرّ (٤/ ١٧٥٧)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٧).\r(¬١) لطائف المعارف (ص ٦٧ - ٦٩).\r(¬٢) سورة النساء، آية (٧٩).\r(¬٣) سورة النحل، آية (٥٣).\r(¬٤) نوء: جمعها أنواء وهي منازل القمر وهي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، سورة يس، آية (٣٩).\rوكانت العرب في الجاهلية تقول: إذا سقط منها نجم، وطلع آخر لابدّ أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كل مطر يكون عند ذلك إلى النجم، ويقولون: مطرنا بنوء كذا.\rوإنّما سمّي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ينوء نوءًا أي نهض وطلع.\rالنهاية لابن الأثير (٥/ ١٢٢).\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية (٥/ ٦٢)، ومسلم: كتاب الإيمان - باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء (١/ ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204630,"book_id":111,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":477,"body":"وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر\" (¬١)، وهذا يدلّ على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه، فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاد أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة. ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع من الشرك الخفي (¬٢).\r\r٤ - معنى قوله ﷺ: \"لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث\"\rجاءت بعض الأحاديث التي ظنّ بعض الناس أنها تدلّ على جواز الطيرة، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدابّة والدار\" (¬٣)، وفي رواية عند مسلم: \"إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة\" (¬٤).\rوقد ورد هذا الحديث عن عدد من الصحابة وبألفاظ مختلفة، فقد رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة وسهل بن سعد وجابر وغيرهم.\rوقد تكلّم العلماء رحمهم الله تعالى على هذا الحديث وأجابوا عنه بعدّة أجوبة:\r١ - فقال بعضهم: هذا مستثنى من الطيرة المنهي عنها، فإذا كره","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٤٨٢).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٧٠، ٧١).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الطب - باب الطيرة (٧/ ٢٧)، ومسلم: كتاب السلام - باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم (٤/ ١٧٤٧).\r(¬٤) صحيح مسلم: كتاب السلام - باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم (٤/ ١٧٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204631,"book_id":111,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":478,"body":"الرجل دارًا سكنها أو امرأة صحبها أو فرسًا أو خادمًا، فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه فإنها مشؤومة (¬١).\r٢ - وقال آخرون: لم يجزم النبي ﷺ بالشؤم في هذه الثلاثة بل علّقه على الشرط ... وهو قوله: \"إن كان\"، وغلطوا الراوي في روايته بالجزم دون الشرط.\rقال في تيسير العزيز الحميد: \"ولا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا تدلّ على نفي رواية الجزم\" (¬٢).\r٣ - وقالت طائفة أخرى: إن الشؤم في هذه الأشياء إنما يلحق من تشاءم بها وتطيّر بها فيكون شؤمها عليه، أما من توكّل على الله ولم يتشاءم ولم يتطيّر لم تكن مشؤومة عليه، قالوا: ويدلّ عليه حديث أنس: \"لا طيرة والطيرة على من تطيّر\" (¬٣).\r٤ - وهناك قول لعائشة ﵂ وهو إنكارها لهذا الحديث، حيث قالت: \"والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبى الله ﷺ -كان يقول: \"كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة\"، ثم قرأت عائشة قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (¬٤) إلى آخر الآية (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٧٨، ١٧٩).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٦).\r(¬٣) تقدم تخريجه (٤٧٨).\r(¬٤) سورة الحديد، آية (٢٢).\r(¬٥) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٤): رجاله رجال الصحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204632,"book_id":111,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":479,"body":"قال ابن القيم رحمه الله تعالى: \" ... ولكن قول عائشة هذا مرجوح، ولها ﵂ اجتهاد في ردّ بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة، وهي ﵂ لما ظنت أن هذا الحديث يقتضي إثبات الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه وردّه، ولكن الذين رووه ممن لا يمكن ردّ روايتهم، ولم ينفرد بهذا أبو هريرة وحده، ولو انفرد به فهو حافظ الأمة\" (¬١).\rوقال ابن حجر رحمه الله تعالى: \"ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقته من ذكرنا من الصحابة في ذلك\" (¬٢).\rوقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعض هذه الأقوال (¬٣)، ثم قال: \"والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث ... أن هذه الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابّة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرّها وشرّ ما جبلت عليه كما في حديث عمرو (¬٤) ابن شعيب","footnotes":"(¬١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٤).\r(¬٢) فتح الباري ابن حجر (٦/ ٦١).\r(¬٣) انظر حكاية هذه الأقوال في مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٧)، وطرح التثريب (٨/ ١٢٠ - ١٢٣)، وفتح الباري (٦/ ٦١، ٦٢)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٧٦ - ٣٧٧).\r(¬٤) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم السهمي، اضطرب قول أئمّة الجرح والتعديل فيه، وغالبهم على توثيقه، وإنما أنكروا عليه بعض رواياته عن أبيه عن جدّه، وهو ثقة في نفسه، قال ابن حجر في التقريب: \"صدوق\"، أخرج له الأربعة. توفي سنة ١١٨ هـ.\rالجرح والتعديل (٦/ ٢٣٨)، وميزان الاعتدال (٣/ ٢٦٣)، وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٨)، وتقريب التهذيب (ص ٢٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204633,"book_id":111,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":480,"body":"عن أبيه (¬١) عن جدّه (¬٢) عن النبي ﷺ الذى أخرجه أبو داود (¬٣) وغيره، وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك، وقد أمر النبيّ ﷺ قومًا سكنوا دارًا فقلّ عددهم وقلّ مالهم أن يتركوها ذميمة\" (¬٤)، فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابّة غير منهي عنه، وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه ثلاث مرات فإنه يتحوّل عنه (¬٥).\rبهذا يتبيّن أن الشؤم موجود في بعض الأشياء لكن التشاؤم بهذه الأشياء هو الممنوع، فالواجب على المسلم أن يعتقد أن كل شيء من الله تعالى، ولا مانع من أن يبتعد عن الأعيان المشؤومة حقًا، لا ما يتوهمه أو يوسوس له الشيطان فيه، لأن الاسترسال في ذلك يفتح له أبوابًا من الشيطان تفسد عليه دينه وحياته.\rأمّا وجه تخصيص هذه الثلاثة بالذكر، فقيل: إن الحصر فيها بالنسبة","footnotes":"(¬١) أبوه هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عن جدّه الأعلى عبد الله بن عمرو بن العاص. قال ابن حجر: \"صدوق، ثبت سماعه من جدّه\".\rالجرح والتعديل (٤/ ٣٥١)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٨١)، وتقريب التهذيب (ص ١٤٦).\r(¬٢) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الصحابي الجليل.\r(¬٣) أخرجه أبو داود: كتاب النكاح - باب في جامع النكاح (٢/ ٦١٦)، وابن ماجه: كتاب النكاح - باب ما يقول الرجل إذا دخلت على أهله (١/ ٦١٧)، والحاكم (٢/ ١٨٥) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٤٨)، وقال العراقي: إسناده جيّد. تخريج الإحياء (١/ ٣٢٨).\r(¬٤) أخرجه أبو داود: كتاب الطب - باب في الطيرة (٤/ ٢٣٩)، والبخاري في الأدب المفرد - باب الشؤم في الفرس (ص ٣٠٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٧٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٤١١)، وقال ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٢): إن إسناد عبد الرزاق صحيح.\r(¬٥) لطائف المعارف (ص ١٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204634,"book_id":111,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":481,"body":"إلى العادة لا بالنسبة إلى الخلقة، وقيل: إنما خصّت بالذكر لطول ملازمتها.\rوقال المازري (¬١): مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًا فهذه الثلاثة أحقّ به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها (¬٢).\rوقال صاحب فيض القدير: وخصّ الثلاثة بالذكر لكونها أعمّ الأشياء التي يتداولها الناس (¬٣).\r\r٥ - النهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد\rلقد حذّر الرسول ﷺ أمّته عن اتّخاذ القبور مساجد ونهاهم عن ذلك نهيًا شديدًا، والأحاديث التي تدلّ على النهي عن ذلك كثيرة:\rمنها حديث جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: \" ... ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، الشيخ الإمام، كان بصيرًا بعلم الحديث، قال عنه القاضي عياض: \"لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه بمذهبهم\". توفي سنة ٥٣٦ هـ.\rوفيات الأعيان (٤/ ٣٨٥)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)، وشذرات الذهب (٤/ ١١٤).\r(¬٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٦١).\r(¬٣) فيض القدير (٣/ ٣٣).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204635,"book_id":111,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":482,"body":"ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قاتل الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (¬١).\rومنها حديث عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه، قال -وهو كذلك-: \"لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد\"، يحذر ما صنعوا (¬٢).\rومنها حديث عائشة أن أمّ حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبيّ ﷺ، فقال: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\" (¬٣).\rإلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على تحريم بناء المساجد على القبور، لأن ذلك يفضي إلى الغلوّ فيها وعبادة أهلها من دون الله تعالى.\rوقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة وأوضحها وبيّنها في فتح الباري عند شرحه للأحاديث الواردة في البخاري عنها، فقال رحمه الله تعالى عند شرحه لحديث عائشة السابق: \"هذا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب حدثنا أبو اليمان (١/ ١١٢)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور ... (١/ ٣٧٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب حدثنا أبو اليمان (١/ ١١٢)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتّخذ مكانها مساجد (١/ ١١٠)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي من بناء المساجد على القبور ... (١/ ٣٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204636,"book_id":111,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":483,"body":"الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرّم على انفراده، فتصوير صور الآدميين يحرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم، كما دلّت عليه نصوص أُخر، يأتي ذكر بعضها، وقد ذكر البخاري في تفسير سورة نوح من روى هذا من حديث ابن جريج. قال عطاء عن ابن عباس: \"صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد، أمّا ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن نصّبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت\" (¬١) ... فإن اجتمع بناء المساجد على القبور مع تصوير صورهم فلا شكّ في تحريمه سواء كانت صورًا متّخذة كالأصنام أو على حائط ونحوه كما تفعله النصارى في كنائسهم والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأمّ سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرّك بها والاستشفاع بها يحرّم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي ﷺ أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزّه بذلك، والتلهّي محرم، وهو من الكبائر، وفاعله من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله تعالى التي لا يقدر على فعلها غيره، وأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب التفسير - باب (ودا ولا سواعًا ولا يغوث ولا يعوق ونسرًا) (٦/ ٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204637,"book_id":111,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":484,"body":"صفاته ولا في أفعاله ﷾\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وكان رسول الله ﷺ يحذّر أصحابه وسائر أمّته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلّوا إلى قبور أنبيائهم واتّخذوها قبلة ومسجدًا كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظّمونها وذلك الشرك الأكبر، وكان رسول الله ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم، وكان رسول الله ﷺ يحبّ مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار وكان يخاف على أمّته اتّباعهم، ألا ترى إلى قوله ﷺ: \"لتتبعنّ سنن الذين كانوا من قبلكم حذو النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه\" (¬٢)، وكان يحذّر من ذلك في مرض موته كما في حديث جندب أن النبيّ ﷺ قال ذلك قبل موته بخمس، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلّم به رسول الله ﷺ: \"أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام - باب قول النبيّ ﷺ: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\" (٨/ ١٥١)، ومسلم: كتاب العلم - باب اتباع سنن اليهود والنصارى (٤/ ٢٠٥٤).\rكلهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضمط لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن\".\r(¬٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٦)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه أيضًا الدارمي في سننه (٢/ ٢٣٣)، والحميدي في مسنده (١/ ٤٦)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (ص ٢٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٠٨).\rقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٣٢٥): رواه أحمد بأسانيد ورجال الطريقين منها ثقات متّصل إسنادهما.\rوله شواهد سبقت في (ص ٤٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204638,"book_id":111,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":485,"body":"وقد روى هذا المعنى عن النبي ﷺ، وأنّه قال ذلك في مرض موته من حديث علي وأسامة بن زيد وكعب بن مالك وغيرهم.\rوخرّج الإمام أحمد حديث أسامة بن زيد ولفظه قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"أدخل عليّ أصحابي\"، فدخلوا فكشف القناع، ثم قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (¬١) ... \" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"اتّخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام بل هو من عمل اليهود وقد لعنهم النبي ﷺ على ذلك ... وقد دلّ القرآن على مثل ما دلّ عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (¬٣).\rفجعل اتّخاذ القبور مساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتّبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى\" (¬٤).\rولذلك يقول رحمه الله تعالى: \"فالعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصرّ عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي، ومن يحسن المعصية ويزيّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضرّ من شياطين الجن\" (¬٥).\rويقول رحمه الله تعالى أيضًا: \"وفي الجملة فلا شؤم إلّا المعاصي","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠٤).\r(¬٢) فتح الباري ورقة (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢).\r(¬٣) سورة الكهف، آية (٢١).\r(¬٤) فتح الباري ورقة (٢/ ٣٩٧).\r(¬٥) لطائف المعارف (ص ٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204639,"book_id":111,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":486,"body":"والذنوب، فإنها تسخط الله ﷿، فإذا سخط الله على عبده شقى في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة\" (¬١).\rوبهذا نعلم صحة ما ذهب إليه ابن رجب رحمه الله تعالى من حرمة البناء على القبور واتّخاذها مساجد، كما قال بذلك سلف الأمة رحمهم الله تعالى.\rوهذا كلّه من سدّ باب الشرك ووسائله، لأن الشارع الحكيم إذا حرّم شيئًا حرّم أسبابه ووسائله، وإذا نهى عن شيء نهى عن كل ما يوصل إليه ويقرب منه ومن ذلك أن الإسلام لما جاء بالنهي عن الشرك، نهى عن أسبابه وسدّ ذرائعه الموصلة إليه والمسبّبة له.\rولذلك كان البناء على القبور ووضع القباب لها واتّخاذها مساجد سببًا في وقوع الشرك، وهذه بلية مشاهدة في بلدان كثيرة وخصوصًا في زماننا هذا، أن هذه المشاهد أصبحت تقصد وتشدّ الرحال إليها ويطلب من أهلها قضاء الحوائج وتحقيق المطالب، ويقع عندها من الشرك والمنكرات ما لا يشكّ معه عاقل من وجوب اقتلاع تلك الأبنية والقباب والمشاهد الوثنية وعدم إبقاء أيّ أثر لها.\rوالله أسأل أن يبصّر المسلمين بأمور دينهم وأن يردّهم للعمل بكتابه وسنّة رسوله ﷺ إنه وليّ ذلك والقادر عليه.\r\r٦ - النهي عن سبّ الدهر\rكان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبّوا الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بهم من موت أو تلف مال وربما لعنوه، ويقولون: أبادهم الدهر وأصابتهم قوارع الدهر، ويكثرون من ذكر ذلك","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204640,"book_id":111,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":487,"body":"في أشعارهم، وكل ذلك في الحقيقة إنما يرجع إلى الله ﷾، لأنه هو المدبّر لهذا الكون والخالق له، والمصرف لهذا الدهر، والدهر ليس له إرادة وإنما هو ظرف مخلوق مسخّر ومدبّر بأمر الله تعالى، فالسبّ والشتم في الحقيقة والتسخّط يعود إلى الله ﷾، واعققاد أن الزمان هو الفاعل حقيقة من عقيدة الجاهلين الذين ينفون الإله ﷾ وينكرونه.\rوقد حكى الله ﷾ في القرآن الكريم عقيدتهم هذه وردّ عليهم، فقال ﷿: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ (¬١).\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: \"يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، أي ما ثم إلّا هذه الدار يموت قوم ويعيش آخرون وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة والإلهيون منهم ... وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرّر مرات لا تتناهى فكابروا المعقول وكذّبوا المنقول، ولهذا قالوا ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، أي يتوهمون ويتخيّلون\" (¬٢).\rوقد ورد النهي عن سبّ الدهر في أحاديث كثيرة، لأن في ذلك مشابهة للمشركين، ولأن السبّ في الحقيقة إنما ينصرف إلى من بيده الأمور كلّها، وهو الله ﷾.","footnotes":"(¬١) سورة الجاثية، آية (٢٤).\r(¬٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204641,"book_id":111,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":488,"body":"ومما ورد في النهي عن سب الدهر حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار\" (¬١).\rومنها حديثه الآخر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما\" (¬٢).\rومنها حديثه الآخر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبّوا الدهر، فإن الله هو الدهر\" (¬٣).\rومنها حديثه الآخر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبّوا الدهر، فإن الله ﷿ قال: أنا الدهر، الأيّام والليالي لي أجدّدها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك\" (¬٤).\rقال المنذري رحمه الله تعالى: \"ومعنى الحديث أن العرب كانت إذا نزلت بأحدهم نازلة، وأصابته مصيبة أو مكروه يسبّ الدهر اعتقادًا منهم أن الذي أصابه فعل الدهر كما كانت العرب تستمطر بالأنواء، وتقول: مطرنا بنوء كذا اعتقادًا أن فعل ذلك فعل الأنواء، فكان هذا كاللعن الفاعل، ولا فاعل لكل شيء إلّا الله تعالى، خالق كل شيء وفاعله،","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٨/ ١٩٧)، ومسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الدهر (٤/ ١٧٦٢).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الدهر (٤/ ١٧٦٢).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الأدب - باب النهي عن سبّ الريح (٤/ ١٧٦٣).\r(¬٤) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٧١): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\rوقال الألباني: وهذا إسناد جيد. سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204642,"book_id":111,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":489,"body":"فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك\" (¬١).\rوقد وقع بعض المسلمين في عصرنا الحاضر فيما وقع فيه هؤلاء المشركون الدهرية، فما نزال نسمع من الجهلة والمتعلّمين سبابًا للزمان والدهر كلما نزل بهم مكروه أو ضاقت بهم سبل الحياة، وهذا ناتج عن ضعف الإيمان والجهل بالدين، والواجب على السلم أن يرضى بقضاء الله وتدبيره حتى يتمّ له توحيده، ومن وقع في شيء من ذلك فليثب وليستغفر الله من ذلك.\rوقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة، فقال: \"واعلم أن الذمّ الوارد في الكتاب والسنّة ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو اللّيل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا ... وليس الذمّ راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا ومسكنًا، ولا إلى ما أنبته فيها من الزرع والشجر، ولا إلى ما بثّ فيها من الحيوانات وغير ذلك، فإن ذلك كلّه من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته، وإنما الذمّ راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا، لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته، بل يقع على ما تضرّ عاقبته أو لا تنفع؛ كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ (¬٢) ... \" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وأما تخصيص الشؤم بزمان دون زمان","footnotes":"(¬١) الترغيب والترهيب (٣/ ٤٨٢).\r(¬٢) سورة الحديد آية (٢٠).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٥٩ - ٣٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204643,"book_id":111,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":490,"body":"كشهر صفر أو غيره فغير صحيح، وإنما الزمان كلّه خلق الله تعالى وفيه أفعال بني آدم، فكل زمان شغله المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه، وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو شؤم عليه، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى\" (¬١).\rفسبّ الدهر وشتمه لا يجوز بأيّ حال من الأحوال سواء اعتقد السابّ أن الزمان والدهر فاعل حقيقة أو لم يعتقد ذلك، لأن الحديث صريح في النهي عن ذلك، قال صاحب تيسير العزيز الحميد: \"والحديث صريح في النهي عن سبّ الدهر مطلقًا سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام\" (¬٢).\rوقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أنّ من سبّ الدهر يقع في ثلاث مفاسد عظيمة، فقال: في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:\rإحداها: سبّه من ليس بأهل أن يسبّ، فإن الدهر خلق مسخّر من خلق الله، منقاد لأمره، مذلّل لتسخيره، فسابّه أولى بالذمّ والسبّ منه.\rالثانية: أن سبّه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضرّ وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضرّ من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وإشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًا، وكثير من الجهّال يصرح بلعنه وتقبيحه.\rالثالثة: أن السبّ منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتّبع الحقّ فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر، وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فربّ الدهر تعالى هو","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٧٦).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204644,"book_id":111,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":491,"body":"المعطي المانع الخافض الرافع، المعزّ المذلّ، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبّتهم للدهر مسبّة لله ﷿، ولهذا كانت مؤذية للربّ تعالى ...\rفسابّ الدهر دائر بين أمرين لابدّ له من أحدهما: إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسبّ من فعله، فقد سبّ الله (¬١).\rوقوله ﷺ: (أنا الدهر)، قال الخطابي: معناه أنا صاحب الدهر ومدبّر الأمور (¬٢).\rوقال القاضي عياض (¬٣) رحمه الله تعالى: \"زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط فإن الدهر مدّة زمان الدنيا\" (¬٤).\rوقال شيخنا فضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: وقوله: (أنا الدهر) لا يدلّ على أنه تعالى اسمه الدهر، لأنه فسّره بقوله: \"بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\"، فكونه تعالى بيده الأمر يقلب اللَّيل والنهار هو معنى قوله: (أنا الدهر) (¬٥).","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (٢/ ٣٥٤، ٣٥٥).\r(¬٢) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي (٣/ ١٩٠٤).\r(¬٣) عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي أبو الفضل الحافظ المحدّث الفقيه، وهو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، صنّف كتبًا كثيرة، منها: الشفا في شرف المصطفى، وترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك وغيرها، توفي سنة ٥٤٤ هـ.\rالصلة لابن بشكوال (٢/ ٤٥٣)، ووفيات الأعيان (٣/ ٤٨٣)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، ونفح الطيب (٧/ ٣٣٣).\r(¬٤) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٥٦٦).\r(¬٥) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (٢/ ٣٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204645,"book_id":111,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":503,"sequence_num":492,"body":"الباب الثالث أثره في توضيح عقيدة السلف في مباحث الإيمان وما يتعلق بها من مسائل\rوفيه عدة فصول:\rالفصل الأول: معنى الإيمان وبيان أهميته وما يتعلق به من مسائل.\rالفصل الثاني: الإيمان بالرسل والملائكة والكتب.\rالفصل الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.\rالفصل الرابع: الإيمان باليوم الآخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204646,"book_id":111,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":505,"sequence_num":493,"body":"الفصل الأول معنى الإيمان وبيان أهميّته وما يتعلق به من مسائل\rوفيه عدّة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف الإيمان لغة.\rالمبحث الثاني: تعريف الإيمان شرعًا.\rالمبحث الثالث: بيان أهمية الإيمان.\rالمبحث الرابع: زيادة الإيمان ونقصانه.\rالمبحث الخامس: العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام.\rالمبحث السادس: حكم مرتكب الكبيرة.\rالمبحث السابع: مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204647,"book_id":111,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":507,"sequence_num":494,"body":"المبحث الأول تعريف الإيمان لغة\rالإيمان مصدر من آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمن، وهو مشتق من الأمن.\rقال الجوهري: الإيمان: التصديق، والله تعالى المؤمن، لأنه أمّن عباده من أن يظلمهم، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية. . . والأمن ضدّ الخوف (¬١).\rوقال ابن منظور: الإيمان ضدّ الكفر، والإيمان بمعنى التصديق ضدّه التكذيب، يقال: آمن به قوم وكذَّب به قوم (¬٢).\rوقال الراغب الأصفهاني: آمن إنما يقال على وجهين:\rأحدهما: متعدّيًا بنفسه، يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن ومنه قيل لله مؤمن.\rوالثاني: غير متعدٍّ، ومعناه صار ذا أمن.\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (¬٣)، قيل: معناه بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن (¬٤).","footnotes":"(¬١) الصحاح (٥/ ٢٠٧١).\r(¬٢) لسان العرب (١٣/ ٢١).\r(¬٣) سورة يوسف، آية (١٧).\r(¬٤) المفردات (ص ٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204648,"book_id":111,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":508,"sequence_num":495,"body":"وقال الفيروز أبادي: \"الإيمان الثقة، وإظهار الخضوع\" (¬١).\rوخلاصة ما سبق أن الإيمان في اللغة معناه التصديق الذي معه آمن، وليس مجرّد التصديق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \" ... فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ... فاللفظ متضمّن مع التصديق معنى الائتمان أو الأمانة، كما يدلّ عليه الاشتقاق والاستعمال، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (¬٢)، أي لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنّا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممّن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم ... \" (¬٣).","footnotes":"(¬١) القاموس المحيط (ص ١٥١٨).\r(¬٢) سورة يوسف، آية (١٧).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204649,"book_id":111,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":509,"sequence_num":496,"body":"المبحث الثاني تعريف الإيمان شرعًا\rمن أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأركان.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلّها داخلة في مسمّى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا ... \".\rقال الثوري: هو رأي محدث أدركنا السلف على غيره (¬١).\rوقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرّقون بين العمل والإيمان.\rوكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أمّا بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ... (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٩٠٣).\r(¬٢) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان (١/ ٨)، وأخرجه موصولًا ابن أبي شيبة في الإيمان (٤٥)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر. انظر تغليق التعليق (٢/ ١٩ - ٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204650,"book_id":111,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":510,"sequence_num":497,"body":"وقد دلّ على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (¬١) الآية.\rوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ قال لوفد عبد قيس: \"آمركم بأربع: الإيمان بالله وحده، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس\" (¬٢).\rوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: \"الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (¬٣)، ولفظه لـ\"مسلم\".\rوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن\" (¬٤)، فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها، لأن الاسم لا ينتفي إلَّا بانتفاء بعض أركان المسمّى أو واجباته (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة الأنفال، آية (٢).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب أداء الخمس من الإيمان (١/ ٢١)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله (١/ ٣٥).\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب الحياء من الإيمان (١/ ١١)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب عدد شعب الإيمان (١/ ٤٦).\r(¬٤) صحيح البخاري: كتاب الحدود - باب الزنا وشرب الخمر (٨/ ١٣)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب نقصان الإيمان بالمعاصي (١/ ٧٦).\r(¬٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٦١ - ٦٣)، وانظر فتح الباري (١/ ٥، ٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204651,"book_id":111,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":511,"sequence_num":498,"body":"وقال رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ: \"اللَّهُمّ زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين\" (¬١)، قال: أما زينة الإيمان، فالإيمان قول وعمل ونيّة، فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان (¬٢).\rويقول رحمه الله تعالى: في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: \"أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله ثم جهاد في سبيل الله ثم حجّ مبرور\" (¬٣)، هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين:\rأحدهما: الإيمان بالله ورسوله وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما فسَّر النبيّ ﷺ الإيمان بذلك في سؤال جبريل وغيره من الأحاديث، وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه، كأول سورة البقرة ووسطها وأخرها.\rوالعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (¬٤) الآية.\rوقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا","footnotes":"(¬١) هذا جزء من حديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤)، والنسائي: باب الذكر بعد الدعاء (٣/ ٥٤)، والحاكم (١/ ٥٢٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\r(¬٢) شرح حديث عمار بن ياسر (ص ٤٨).\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب من قال أن الإيمان هو العمل (١/ ١٢)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (١/ ٨٨).\r(¬٤) سورة الصف، آية (١٠، ١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204652,"book_id":111,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":512,"sequence_num":499,"body":"بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (¬١)، وقد صحَّ عن النبيّ ﷺ من غير وجه: \"إن أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله\" (¬٢)، فالإيمان المجرَّد تدخل فيه الجوارح عند السلف وأهل الحديث، والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول، وخصوصًا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله كما في هذا الحديث، فالإيمان القائم بالقلوب أصل كل خير، وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة وبه يحصل له سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شقاوة الدنيا والآخرة، ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلّها بالأعمال الصالحة واللِّسان والكلام الطيب؛ كما قال النبيّ ﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\" (¬٣)، ولا صلاح للقلب بدون الإيمان بالله وما يدخل في مسماه من معرفة الله وتوحيده وخشيته ومحبّته ورجائه وإجابته والإنابة إليه والتوكّل عليه، قال الحسن: \"ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ولكنه بما وقر في الصدور، وصدّقته الأعمال\" (¬٤).\rويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (¬٥).\rفإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه، فاستحلى اللِّسان ذكر الله وما والاه، وأسرعت","footnotes":"(¬١) سورة الحجرات، آية (١٥).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٥١١).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٣٦٦).\r(¬٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ص ٣١).\r(¬٥) سورة الأنفال، آية (٢ - ٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204653,"book_id":111,"shamela_page_id":500,"part":null,"page_num":513,"sequence_num":500,"body":"الجوارح إلى طاعة الله فحينئذ يدخل حبّ الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حرّه للظمأن الشديد عطشه، ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمرّ عليها من الصبر ... فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللّسان ثم يتبعها عمل الجوارح وأفضلها الجهاد في سبيل الله (¬١).\rهذا ما قرّره ابن رجب رحمه الله تعالى في تعريف الإيمان عند أهل السنّة والجماعة، وهذا التعريف هو التعريف الذي تضافرت الأدلّة على صحته من الكتاب والسنّة، وهو ما أجمع عليه سلف هذه الأمّة عليهم رحمة الله تعالى.\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق بعض الأدلّة من الكتاب والسنّة التي تدل على صحة هذا التعريف، وذكر ما حكاه الشافعي من إجماع الأمّة على ذلك، وقد حكى هذا الإجماع البغوي رحمه الله تعالى، فقال: \"واتّفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنّة على أن الأعمال من الإيمان؛ لقوله ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (¬٢)، فجعل الأعمال كلّها إيمانًا\" (¬٣).\rفقول السلف في الإيمان هو القول الحق الذي دلّت عليه الأدلّة الكثيرة الواردة في كتاب الله ﷾ وسنّة رسوله ﷺ، وهناك أدلّة أخرى لم يذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٢٣٩ - ٢٤١). وانظر فتح الباري (١/ ٤١ - ٤٢).\r(¬٢) سورة الأنفال، آية (٢، ٣).\r(¬٣) شرح السنة للبغوي (١/ ٤١).\r(¬٤) سورة البقرة، آية (١٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204654,"book_id":111,"shamela_page_id":501,"part":null,"page_num":514,"sequence_num":501,"body":"ووجه الدلالة من الآية تسميته ﷾ الصلاة إيمانًا كما يدلّ عليه ما ورد في سبب نزولها، فقد أخرج البخاري في صحيحه أن هذه الآية نزلت في الذين ماتوا من الصحابة قبل تحويل القبلة وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله ﷺ عنهم، فنزلت هذه الآية (¬١).\rومنها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (¬٢).\rووجه الدلالة من الآية أن لفظ الإيمان إذا ورد في كلام الشارع مطلقًا يراد به ما يراد بلفظ البرّ والتقوى والدين، كما دلّ على ذلك سبب النزول حيث أن الصحابة ﵃ سألوا عن الإيمان، فأنزل الله هذه الآية (¬٣).\rومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب الصلاة من الإيمان (١/ ١٧).\r(¬٢) سورة البقرة، آية (١٧٧).\r(¬٣) انظر: كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٤٩)، وفتح الباري (١/ ٥١). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن سبب نزول هذه الآية، أخرجه عبد الرزاق وقال: رجاله ثقات.\r(¬٤) سوره العنكبوت، آية (١ - ١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204655,"book_id":111,"shamela_page_id":502,"part":null,"page_num":515,"sequence_num":502,"body":"ذكر هذه الآية أبو عبيد القاسم بن سلام دليلًا على أن الأعمال من الإيمان، وقال: أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار دون العمل حتى جعل أحدهما من الآخر، فأيّ شيء يتبع بعد كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة (¬١).\rفهذه الأدلّة من الآيات والأحاديث دالّة على أن أعمال الجوارح داخلة في مسمّى الإيمان، وأنه لا ينفع القول والتصديق بدون العمل، وهو القول الحق.\rوالمؤمن في الحقيقة يكفيه دليل واحد من كتاب الله أو سنّة رسوله ﷺ لكي يعتقد ذلك، فكيف وقد تضافرت الأدلّة الصريحة من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ على صحة مذهب السلف رحمهم الله تعالى.","footnotes":"(¬١) الإيمان لأبي عبيد (ص ٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204656,"book_id":111,"shamela_page_id":503,"part":null,"page_num":516,"sequence_num":503,"body":"المبحث الثالث أهمية الإيمان\rيجب على كل معلم أن يعرف أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، لأن الإيمان بهذه المغيبات أساس هذا الدين، لأن الله ﷾ لا يقبل إيمان أحد جحد بها أو بواحد منها حتى يقرّ ويؤمن بها جميعًا.\rفالإيمان بالله تعالى له أهمية قصوى لأن سعادة الإنسان في الدارين مبنيّة على قوة إيمانه بالله تعالى وقربه منه، فمن أطاع الله ﵎ وآمن به إيمانًا حقًا واجتنب ما نهي عنه فقد فاز فوزًا عظيمًا، كما أن نجاة الإنسان من عذاب الله ﵎ ومن عقابه الذي توعّد به الكافرين هو بالإيمان به ﷿.\rوقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تحثّ على الإيمان بالله وتبيّن أهميته.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (¬٢).","footnotes":"(¬١) سورة العصر.\r(¬٢) سورة النحل، آية (٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204657,"book_id":111,"shamela_page_id":504,"part":null,"page_num":517,"sequence_num":504,"body":"والإيمان سبب لحصول رغد العيش؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (¬١).\rوالإيمان سبب للأمن في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ (¬٢)، وهو سبب للتثبيت عند سؤال القبر والنجاة من عذابه؛ كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (¬٤)، وهو سبب لرضوان الله تعالى ولدخول جنّته وللنجاة من النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ (¬٥).\rوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ (¬٦).\rفالإيمان له أهمية بالغة، وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأهمية، فقال: \"والإيمان هو قوت القلوب وغذاء الأرواح وسبب حياتها، ومتى فقدته القلوب ماتت، وموت القلوب لا يرجى معه حياة أبدًا، بل هو هلاك الدنيا والآخرة؛ كما قيل:","footnotes":"(¬١) سورة الأعراف، آية (٩٦).\r(¬٢) سورة الأنعام، آية (٨٢).\r(¬٣) سورة إبراهيم، آية (٢٧).\r(¬٤) سورة الأنعام، آية (٤٨).\r(¬٥) سورة البينة، آية (٨).\r(¬٦) سورة الصف، آية (١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204658,"book_id":111,"shamela_page_id":505,"part":null,"page_num":518,"sequence_num":505,"body":"ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء (¬١)\rفلذلك شبّه المؤمن بالزرع حيث كان الزرع حياة الأجساد، والإيمان حياة الأرواج\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها، فبذلك تتمّ النعمة\" (¬٣)\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا مبينًّا أهمية مسائل الإيمان والإسلام لما يتعلق بها من الأمور الهامّة، فقال: \"وهذه المسائل: أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًا، فإن الله ﷿ علّق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنّة والنار\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) هذا البيت لعدي بن الرعلاء الغساني، نسبه إليه ابن منظور في لسان العرب (٢/ ٩١)، وكذا الزبيدي في تاج العروس (٥/ ١٠١)، وذكره بدون نسبه الأزهري في تهذيب اللغة (١٤/ ٣٤٣)، والجوهري في الصحاح (١/ ٢٦٧).\r(¬٢) غاية النفع شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع (ص ٣١، ٣٢).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٨٦، ٨٧).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204659,"book_id":111,"shamela_page_id":506,"part":null,"page_num":519,"sequence_num":506,"body":"المبحث الرابع زيادة الإيمان ونقصانه\rالإيمان الذي دلَّت عليه الأدلّة في كتاب الله ﵎ وسنَّة رسوله ﷺ إيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات والعبادات من ذكر الله والتفكر في الكون وما فيه من المخلوقات، وأداء النوافل، والمسارعة إلى كل عمل يقرّب من الله تعالى، وينقص بفعل المعاصي وإتيان المنكرات والفواحش، وكل عمل يبعد العبد عن الله ﷿.\rوالقول بزيادة الإيمان ونقصانه أصل من أصول أهل السنّة والجماعة وقد أجمعوا عليه، ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل البدع والأهواء، لأن معتقد أهل السنّة والجماعة رحمهم الله تعالى هو المعتقد الذي دلّت عليه النصوص الواردة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ.\rفمن أدلّة الكتاب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران، آية (١٧٣).\r(¬٢) سورة الأنفال، آية (٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204660,"book_id":111,"shamela_page_id":507,"part":null,"page_num":520,"sequence_num":507,"body":"الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (¬٢).\rهذه بعض الآيات الدالّة على زيادة الإيمان، والآيات في معناها كثيرة جدًا.\rوأمّا الأدلّة من السنّة، فمنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من نبي بعثه الله في أمّة قبلي إلَّا كان له من أمّته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل\" (¬٣).\rومنها حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ، أنَّه قال: \"يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار\"، فقالت امرأة منهن جزلة (¬٤): وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: \"تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكنّ\"، قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: \"أمَّا نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان","footnotes":"(¬١) سورة التوبة آية (١٢٤، ١٢٥).\r(¬٢) سورة الفتح، آية (٤).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص (١/ ٧٠).\r(¬٤) جزلة: أي ذات عقل ورأي جيّد. لسان العرب (١١/ ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204661,"book_id":111,"shamela_page_id":508,"part":null,"page_num":521,"sequence_num":508,"body":"العقل، وتمكث الليالي ما تصلّي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدّين\" (¬١).\rومنها حديثة حنظلة الأسيدي ﵁، قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالنار والجنّة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات (¬٢)، فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \"وما ذاك\"؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنّة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة\" (¬٣)، ثلاث مرات.\rومنها حديث أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: \"يخرج من النار من قال لا إله إلَّا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلَّا الله وفي قلبه وزرة ذرة من خير\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الحيض - باب ترك الحائض الصوم (١/ ٧٨)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات (١/ ٨٦).\r(¬٢) الضيعات: مفردها ضيعة، وضيعة الرجل ما يكون عنده من معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك.\rالنهاية لابن الأثير (٣/ ١٠٨).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٤١٤).\r(¬٤) تقدم تخريجه (٣١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204662,"book_id":111,"shamela_page_id":509,"part":null,"page_num":522,"sequence_num":509,"body":"وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اقتنى كلبًا إلَّا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان\" (¬١).\rفهذه بعض أدلّة السلف من القرآن الكريم والسنّة المطهّرة تدلّ أن الإيمان يزيد وينقص، وإن كان بعضها فيه لفظ الزيادة فقط، فإنها تدل بطريق الالتزام على النقص، لأن الشيء الذي يقبل الزيادة يقبل النقص، وإلَّا فلا معنى للزيادة، إذ لا يمكن أن يتصوَّر شيء قابل للزيادة غير قابل للنقصان، روي الآجري بسنده أنه قيل لسفيان بن عيينة: \"الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرؤون القرآن ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ (¬٢) في غير موضع، قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلَّا وهو ينقص\" (¬٣).\rوروى أيضًا الآجري واللالكائي (¬٤) عن الحميدي، أنّه قال: سمعت ابن عيينة يقول: \"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة (¬٥): يا أبا محمد، لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الذبائح - باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية (٦/ ٢١٩)، ومسلم: كتاب المساقاة - باب الأمر بقتل الكلاب (٣/ ١٢٠١).\r(¬٢) سورة آل عمران، آية (١٧٣).\r(¬٣) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٧).\r(¬٤) الإمام الحافظ المجود أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي، مفيد بغداد في وقته، من مؤلفاته العظيمة: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، توفي سنة ٤١٨ هـ.\rتاريخ بغداد (١٤/ ٧٠)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩).\r(¬٥) إبراهيم بن عيينة أبو إسحاق أخو سفيان بن عيينة، كان إمامًا خيّرًا. قال ابن معين: كان مسلمًا صدوقًا، ولم يكن من أصحاب الحديث، توفي سنة ١٩٩ هـ.\rالجرح والتعديل (٢/ ١١٨)، وميزان الاعتدال (١/ ٥١)، وتهذيب التهذيب (١/ ١٤٩).\r(¬٦) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة (٥/ ٩٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204663,"book_id":111,"shamela_page_id":510,"part":null,"page_num":523,"sequence_num":510,"body":"وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان في الإيمان عن جمع غفير من الصحابة ومن بعدهم، فعن ابن عباس وأبي هريرة وأبي الدرداء ﵃ كلّهم قالوا: \"الإيمان يزيد وينقص\" (¬١).\rوعن عمير بن حبيب ﵁ -وهو من الصحابة- قال: \"الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ خشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيّعنا فذلك نقصانه\" (¬٢).\rوعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنّه كان يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانًا، فيذكرون الله ﷿ (¬٣).\rومن أقوال التابعين ومن بعدهم في ذلك:\rما روي عن مالك رحمه الله تعالى، أنه قال: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص (¬٤).\rوقال سهل بن المتوكّل (¬٥) رحمه الله تعالى: (أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلّهم يقولون: \"الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص\") (¬٦).","footnotes":"(¬١) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١١)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (١/ ٣١٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٤٤، ٩٤٥).\r(¬٢) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١١)، وابن أبي شيبة في الإيمان (ص ٧)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (١/ ٣١٥)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ٩٤٩).\r(¬٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (٣٦)، والآجري في الشريعة (١١٢)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة (٥/ ٩٤١).\r(¬٤) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣١٧).\r(¬٥) هو سهل بن المتوكل بن حجر أبو عصمة البخاري من بني شيبان، يروي عن أبي الوليد الطيالسي وأهل العراق، روى عنه أهل بلده.\rانظر الثقات لابن حبان (٨/ ٢٩٤).\r(¬٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة (٥/ ٩٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204664,"book_id":111,"shamela_page_id":511,"part":null,"page_num":524,"sequence_num":511,"body":"وعن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: \"الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع\" (¬١).\rوالآثار الواردة في هذا المعنى عن الصحابة والتابعين وأئمَّة السلف من بعدهم كثيرة جدًا، وكلّها تدلّ على أنهم مجمعون على القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة وبيّن أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بعمل الطاعات وخصال الخير، وينقص بترك الطاعات وفعل المعاصي.\rيقول رحمه الله تعالى: \"ومن أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. ومن كان حبّه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصًا في إيمانه، فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتّباع ما جاء به الرسول ﷺ من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلّها\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى وهو يتكلّم عن الحرص على المال، وأن من طلب المال من الوجوه المحرّمة ومنع به الحقوق الواجبة فقد نقص إيمانه بذلك، قال \"ومتى وصل الحرص على المال إلى هذه الدرجة نقص بذلك الدين والإيمان نقصًا بيّنًا، فإن منع الواجبات وتناول المحرمات ينقص بهما الدّين، والإيمان بلا ريب ينقص، حتى لا يبقى منه إلَّا القليل\" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وفي السنن عن النبيّ ﷺ قال: \"من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله فقد استكمل الإيمان\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ١١٧).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٢٦).\r(¬٣) جامع البيان شرح حديث \"ما ذئبان جائعان\" (ص ١٣).\r(¬٤) أخرجه أبو داود: كتاب السنة - باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٥/ ٦٠)، والترمذي: كتاب صفة القيامة - باب اعقلها وتوكّل (٤/ ٦٧٠)، وقال: هذا حديث حسن.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204665,"book_id":111,"shamela_page_id":512,"part":null,"page_num":525,"sequence_num":512,"body":"ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت لله فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنًا وظاهرًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلَّا إرادة الله وإرادة ما يريده، لم تنبعث الجوارح إلَّا فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهه، وعمّا يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقّن ذلك (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا وهو يتكلّم عن شارب الخمر: \"وكلّما أدمن الخمر وعكف عليها نقص إيمانه وضعف ونزع منه، فيخشى أن يسلبه بالكلية عند الموت\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"محاسبة النفس على ما سلف من أعمالها والندم، والتوبة من الذنوب السالفة، والحزن عليها، واحتقار النفس والازدراء بها، ومقتها في الله ﷿، والبكاء من خشية الله تعالى، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أمور الآخرة وما فيها من الوعد والوعيد ونحو ذلك يزيد الإيمان في القلب\" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"ويدخل في مسمّى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه، وزيادة الإيمان بذلك\" (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وقوله ﷺ: \"وذلك أضعف الإيمان\" (¬٥)، يدلّ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٨٤).\r(¬٢) رسالة في ذم الخمر وشاربها (ص ٣٤).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٤٦).\r(¬٤) المصدر السابق (١/ ٧٣).\r(¬٥) جزء من حديث أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204666,"book_id":111,"shamela_page_id":513,"part":null,"page_num":526,"sequence_num":513,"body":"الإيمان، ويدلّ على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان وفعلها كان أفضل من تركها عجزًا.\rويدلّ على صحة ذلك أيضًا: قوله ﷺ في حق النساء: \"أما نقصان دينها، فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلّي\" (¬١)، يشير إلى أيَّام الحيض، مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها، فدلّ على أن من قدر على واجب وفعله، فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورًا في تركه\" (¬٢).\rبهذا يتبيّن أن مذهب أهل السنّة والجماعة -ومنهم الحافظ ابن رجب- هو القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وهو الحق الذي دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة.\rأمَّا غيرهم من المبتدعة على اختلاف أسمائهم، فقالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وكل منهم استدلّ بأدلّة مختلفة، ولكل منهم وجهة، ولكن هدفهم واحد وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان.\rوالسلف يعدّون من أنكر زيادة الإيمان ونقصانه من المرجئة ذكر البيهقي بإسناده عن الثوري، أنَّه قال: \"خالفنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل؛ ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص؛ ونحن نقول: أهل القبلة عندنا مؤمنون، أما عند الله فالله أعلم، وهم يقولون: نحن عند الله مؤمنون\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) جزء من حديث تقدم تخريجه (ص ٥٢١).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٦١).\r(¬٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204667,"book_id":111,"shamela_page_id":514,"part":null,"page_num":527,"sequence_num":514,"body":"المبحث الخامس العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام\rإن المتتبّع لآيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله ﷺ يجد أن اسم الإيمان تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإسلام، وتارة يذكر مقرونًا به، وكذلك اسم الإسلام تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإيمان، وتارة يذكر مقرونًا به، وبالتالي فإنهما أحيانًا يكونان بمعنى واحد فهما مترادفان، وأحيانًا يراد من أحدهما معنى مغاير لمعنى الآخر، فهما متغايران.\rويمكن حصر ذلك في الأقسام التالية:\r١ - وردت آيات في القرآن الكريم وأحاديث في سنّة المصطفى ﷺ تدلّ على أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة.\rومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (¬١).\rومنها حديث عمر بن الخطاب ﵁ المشهور بحديث جبريل، وفيه قال جبريل للنبي ﷺ: \"أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه","footnotes":"(¬١) سورة الحجرات، آية (١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204668,"book_id":111,"shamela_page_id":515,"part":null,"page_num":528,"sequence_num":515,"body":"سبيلًا، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ... \" (¬١).\rوفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وسعد جالس فيهم، قال سعد: فترك رسول الله ﷺ منهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إليّ، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال رسول الله ﷺ: \"أو مسلما\"، قال: فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أو مسلمًا\"، قال: فسكت قليلًا، ثم غلبني ما علمت منه فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أو مسلمًا، إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه، خشية أن يكبّ في النار على وجهه\" (¬٢).\rفهذه الأدلّة تدلّ على أن الإسلام والإيمان متغايران.\r٢ - وردت آيات وأحاديث تفيد أن الأعمال الظاهرة داخلة في معنى الإيمان، وأن الأعمال الباطنة داخلة في معنى الإسلام. منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان (١/ ١٨)، ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ٣٦).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب الإيمان - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (١/ ١٢)، ومسلم: كتاب الإيمان - باب تألف من يخاف على إيمانه لضعفه (١/ ١٣٢).\r(¬٣) سورة الحجرات، آية (١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204669,"book_id":111,"shamela_page_id":516,"part":null,"page_num":529,"sequence_num":516,"body":"ومنها قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ (¬١).\rومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (¬٢).\rومنها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (¬٣).\rومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: \"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (¬٤).\rومنها حديث عمرو بن عنبسة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: \"أن يسلم قلبك لله ﷿ وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك\"، قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: \"الإيمان\"، قال: وما الإيمان؟ قال: \"تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت\"، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: \"الهجرة\"، قال: فما الهجرة؟ قال: \"تهجر السوء\"، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: \"الجهاد\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة، آية (١ - ٥).\r(¬٢) سورة آل عمران، آية (٨٥).\r(¬٣) سورة المائدة، آية (٣).\r(¬٤) تقدم تخريجه (ص ٥١٠).\r(¬٥) أخرجه أحمد (٤/ ١١٤)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٩): رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه ورجاله ثقات.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204670,"book_id":111,"shamela_page_id":517,"part":null,"page_num":530,"sequence_num":517,"body":"وعن ابن عباس ﵄ قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم بالإيمان بالله، قال: \"هل تدرون ما الإيمان بالله\"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم\" (¬١).\r٣ - وردت آيات وأحاديث تفيد أن الإسلام والإيمان مترادفان.\rمنها قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (¬٢).\rومنها حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة، فتقول: يا رب أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، فتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيى الصيام فيقول: أي يا رب، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول الله ﷿: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله ﷿: إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي، فقال الله ﷿ في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (¬٣) \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٥١٠).\r(¬٢) سورة الذاريات، آية (٣٥، ٣٦).\r(¬٣) سورة آل عمران، آية (٨٥).\r(¬٤) أخرجه أحمد (١٦/ ٣٠٢) حديث رقم (٨٧٢٧)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٤٥): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وفيه عباد بن راشد وثّقه أبو حاتم وغيره، وضعّفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204671,"book_id":111,"shamela_page_id":518,"part":null,"page_num":531,"sequence_num":518,"body":"وقد تكلّم السلف الصالح وأئمّة الإسلام رحمهم الله تعالى على هذه المسألة، وصنّفوا فيها الكتب والمقالات، وخلاصة كلامهم في هذه المسألة تنحصر في الأقوال (¬١) التالية:\r١ - ذهب الزهري وحماد بن زيد إلى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل، والمراد بالكلمة شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله.\r٢ - وذهب الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي (¬٢) وابن منده (¬٣) وابن عبد البرّ وغيرهم إلى أن الإسلام والإيمان مترادفان يراد بأحدهما ما يراد بالآخر.\r٣ - وذهب أكثر أهل العلم من السلف إلى القول بأن الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما شمل الدين كلّه أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة.","footnotes":"(¬١) انظر حكاية هذه الأقوال في: تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٥٠٦ - ٥٣١)، والإيمان لابن منده (١/ ٣٢١)، والتمهيد لابن عبد البر (٩/ ٣٤٩ - ٢٥٠)، والإيمان لابن تيمية (ص ٢١٦) وما بعدها، وجامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٦٣) وما بعدها، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص ٣٩٠ - ٣٩٤)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ١١٤).\r(¬٢) محمد بن نصر بن الحجاج المروزي أبو عبد الله الإمام الحافظ، كان إمام عصره في الحديث، وكان من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، وكان عابدًا زاهدًا، له مؤلّفات عظيمة منها \"تعظيم قدر الصلاة\"، توفي سنة ٢٩٤ هـ.\rتاريخ بغداد (٣/ ٣١٥)، والمنتظم (٦/ ٦٣)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٥٠).\r(¬٣) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، الإمام الحافظ أبو عبد الله، محدث الإِسلام، كان من أوسع العلماء رحلة وأكثرهم حديثًا وشيوخًا، وكان جبلًا من جبال العلم، وله مؤلّفات كثيرة منها: كتاب الإيمان، وكتاب التوحيد، توفي سنة ٣٩٥ هـ.\rذكر أخبار أصبهان (٢/ ٣٠٦)، وطبقات الحنابلة (٢/ ١٦٧)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204672,"book_id":111,"shamela_page_id":519,"part":null,"page_num":532,"sequence_num":519,"body":"وإذا قرن بينها وذكرا معًا، فعند ذلك يفترقان في المعنى فيراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة.\rوالقول الأخير هو القول الذي تجتمع عليه النصوص الواردة في هذه المسألة، وهو أرجح الأقوال.\rوقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذه المسألة وأوضحها وبيّنها بيانًا شافيًا، فقال رحمه الله تعالى بعد ذكره لبعض النصوص التي ذكرتها سابقًا: \"وأمَّا وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبيّ ﷺ بينهما وإدخاله الأعمال في مسمَّى الإسلام دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير آصل وهو أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسمّيات متعدِّدة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الإسم بغيره صار دالًّا على بعض تلك المسمَّيات، والإسم المقرون له دال على باقيها، وهذا كإسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دلَّ أحد الإسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودلَّ بانفراده على ما يدلَّ عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دلَّ أحدهما على بعض ما يدلَّ عليه بانفراده ودلّ الآخر على الباقي، وقد صرّح بهذا جماعة من الأئمة\".\rقال أبو بكر الإسماعيلي (¬١) في رسالته إلى أهل الجبل، قال كثير","footnotes":"(¬١) هو الإمام الحافظ الحجّة شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي، قال ابن كثير عنه: \"سمع الكثير وحدّث وخرّج وصنَّف فأفاد وأجاد، وأحسن الاعتقاد والانتقاد، صنَّف كتابًا على صحيح البخاري فيه فوائد كثيرة وعلوم غزيرة\"، توفي سنة ٣٧١ هـ، رحمه الله تعالى.\rالأنساب (١/ ٢٤٩)، والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٤)، وطبقات الشافعية لابن هداية (ص ٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204673,"book_id":111,"shamela_page_id":520,"part":null,"page_num":533,"sequence_num":520,"body":"من أهل السنّة والجماعة: \"إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله، إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر، فقيل المؤمنون والمسلمون جميعًا، مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمَّهم.\rوقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابي في كتابه معالم السنن (¬١)، وتبعه جماعة من العلماء من بعده، ويدلّ على صحة ذلك أن النبيّ ﷺ فسَّر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسَّر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسَّر في حديث الآخر الإسلام بما فسَّر به الإيمان كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو (¬٢) بن عنبسة ... \" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الإختلاف، فيقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الإسمين كان بينهما فرق، والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين، كما سمّى الله في كتابه الإسلام دينا، وفي حديث جبريل سمَّى النبيّ ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان دينًا، وهذا أيضًا مما يدلّ على أن أحد الإسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الإسمين بالآخر، فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل ... وكان النبيّ ﷺ يقول في دعائه إذا صلَّى على الميت: \"اللهمّ من أحييته منّا فأحيه على الإسلام، ومن توفّيته منا فتوفّه","footnotes":"(¬١) انظر: معالم السنن (٤/ ٣١٥).\r(¬٢) سبق ذكر حديث عمرو بن عنبسة (ص ٥٢٩).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٣ - ٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204674,"book_id":111,"shamela_page_id":521,"part":null,"page_num":534,"sequence_num":521,"body":"على الإيمان\" (¬١)، لأن الأعمال بالجوارح، وإنّما يتمكّن منه في الحياة، فأمّا عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب.\rومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم، فإن من حقّق الإيمان، ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام؛ كما قال ﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب\" (¬٢)، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلَّا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقّق القلب به تحقّقًا تامًّا مع عمل جوارحه أعمال الإسلام، فيكون مسلمًا وليس بمؤمن الإيمان التامّ؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (¬٣) الآية، فلم يكونوا منافقين بالكلية على أصحّ التفسيرين ... بل كان إيمانهم ضعيفًا، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ الآية، يعني: لا ينقصكم من أجورها، فدلّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم ...\rأما اسم الإسلام، فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرّماته، وإنّما ينفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية، ولا يعرف في شيء من السنّة الصحيحة نفي الإسلام عمّن ترك شيئًا من واجباته كما ينفي الإيمان","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٨)، وأبو داود: كتاب الجنائز - باب الدعاء للميت (٣/ ٥٣٩)، والترمذي: كتاب الجنائز - باب ما يقول في الصلاة على الميت (٣/ ٣٤٤)، وابن ماجه: كتاب الجنائز - باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة (١/ ٤٨٠)، والحاكم (١/ ٣٥٨)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٣٣): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٦٦).\r(¬٣) سورة الحجرات، آية (١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204675,"book_id":111,"shamela_page_id":522,"part":null,"page_num":535,"sequence_num":522,"body":"عمّن ترك شيئًا من واجباته وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرّمات وإطلاق النفاق أيضًا ... وإذا تبيّن أن اسم الإسلام لا ينتفي إلَّا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملّة بالكلية، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كلّه من التصديق وغيره (¬١).\rوبهذا يتبيّن لنا أن القول الثالث هو القول الصحيح الذي تفهم به النصوص، وتجتمع عليه أقوال السلف رحمهم الله تعالى.","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٦ - ٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204676,"book_id":111,"shamela_page_id":523,"part":null,"page_num":536,"sequence_num":523,"body":"المبحث السادس حكم مرتكب الكبيرة\rدلّت نصوص الكتاب والسنّة على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، وهو ما أجمع عليه السلف رحمهم الله تعالى.\rفمن الأدلّة التي وردت في الكتاب قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (¬٣).\rقال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: \"لما نهى الله تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر، وعدّ على اجتنابها التخفيف من الصغائر، دلّ هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر، وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللمسة والنظرة باجتناب الكبائر تكفر قطعًا بوعده الصدق، وقوله الحق لا أنه يجب عليه ذلك\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة النجم، آية (٣٢).\r(¬٢) سورة الشورى، آية (٣٧).\r(¬٣) سورة النساء، آية (٣١).\r(¬٤) تفسير القرطبي (٥/ ١٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204677,"book_id":111,"shamela_page_id":524,"part":null,"page_num":537,"sequence_num":524,"body":"ومن الأدلَّة في السنّة حديث أبي بكرة ﵁، قال: قال النبيّ ﷺ: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متّكئًا فقال: ألا وقول الزور، قال: فما زال يكرّرها حتى قلنا ليته سكت\" (¬١).\rوحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، فقال: \"الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو قال: شهادة الزور\" (¬١).\rوحديث عمير بن قتادة ﵁: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: ما الكبائر؟ فقال: \"هن تسع: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلَّا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا\" (¬٢).\rوحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر\" (¬٣).\rوالأحاديث التي ورد فيها لفظ الكبائر كثيرة جدًا.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب - باب عقوق الوالدين من الكبائر (٧/ ٧١)، ومسلم: كتاب الإيمان - باب بيان الكبائر وأكبرها (١/ ٩١).\r(¬٢) أخرجه أبو داود: كتاب الوصايا - باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم (٣/ ٢٩٥)، والحاكم (٤/ ٢٥٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٠٨)، وقال الذهبي في الكبائر (١٦٨): سنده صحيح.\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة - باب الصلوات الخمس (١/ ٢٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204678,"book_id":111,"shamela_page_id":525,"part":null,"page_num":538,"sequence_num":525,"body":"قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: \"وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنّة واستعمال سلف الأمّة وخلفها\" (¬١).\rوأرى من المناسب قبل الكلام عن حكم صاحب الكبيرة أن أذكر تعريفًا مختصرًا للكبيرة.\r١ - معنى الكبيرة لغة:\rقال ابن منظور رحمه الله تعالى: الكِبْر، الإثم الكبير، وما وعد الله عليه النار، والكِبَرَة كالكبر: التأنيث للمبالغة، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ .... ﴾ (¬٢)، وفي الأحاديث ذكر الكبائر في غير موضع واحدتها كبيرة: وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعًا لتعظيم أمرها (¬٣).\r٢ - تعريف الكبيرة شرعًا:\rاختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف الكبيرة على أقوال (¬٤) كثيرة تزيد على عشرين قولًا، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: \" ... وأمّا","footnotes":"(¬١) شرح مسلم للنووي (٢/ ٨٥).\r(¬٢) سورة الشورى، آية (٣٧).\r(¬٣) لسان العرب (٦/ ٤٤٣).\r(¬٤) انظر الأقوال في تعريف الكبير في شرح مسلم للنووي (٢/ ٨٥ - ٨٧)، ومجموع الفتاوى (١/ ٦٥٧)، ومدارج السالكين (١/ ٣٢١ - ٣٢٧)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٤١٧ - ٤١٨)، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي (١/ ٥ - ١٠)، وفتح الباري لابن حجر (١٠/ ٤١٠ - ٤١٢)، والدر المنثور للسيوطي (٢/ ٤٩٨ - ٥٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204679,"book_id":111,"shamela_page_id":526,"part":null,"page_num":539,"sequence_num":526,"body":"الكبائر فاختلف السلف فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة (¬١).\rفقيل: هي كل ما وعد الله عليه بالنار.\rوقيل: هي كل ما نهى الله عنه.\rوقيل: هي ما اتّفقت الشرائع على تحريمه.\rإلى غير ذلك من الأقوال التي قيلت في تعريف الكبيرة، وأولى الأقوال وأحسنها وأرجحها ما روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (¬٢)، قال: \"الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب\" (¬٣).\rوهذا القول هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث ذكر أن هذا التعريف هو أحسن التعاريف وأمثلها للوجوه التالية:\rمنها: أنه المأثور عن السلف بخلاف تلك الضوابط.\rومنها: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب.\rومنها: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأمَّا تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر (¬٤).","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٣٢٠).\r(¬٢) سورة النساء، آية (٣١).\r(¬٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٤١).\r(¬٤) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٤، ٦٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204680,"book_id":111,"shamela_page_id":527,"part":null,"page_num":540,"sequence_num":527,"body":"كما اختاره ابن حجر رحمه الله تعالى، حيث قال بعد ذكره لبعض الأقوال في تعريف الكبيرة، قال: ومن أحسن التعاريف قول القرطبي (¬١) في المفهم: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنّة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدّة عقاب أو علّق عليه حدّ أو شدّد النكير عليه فهو كبيرة، وعلى هذا فينبغي تتبّع ما ورد فيه الوعيد أو اللّعن أو الفسق من القرآن والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويضمّ إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عرف منه تحرير عدّها\" (¬٢).\rأمَّا حكم مرتكب الكبيرة، فإن عقيدة أهل السنّة والجماعة في ذلك أن من ارتكب كبيرة دون الشرك ولم يستحلّها فإنه لا يكفر بل يسمّى مؤمنًا ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وإذا مات مصرًّا عليها ولم يتب منها فإن أمره إلى الله تعالى إن شاء غفر له ذنبه وأدخله الجنّة ابتداءًا تفضّلًا منه سبحانه، وإن شاء عذّبه بقدر ذنبه عدلًا منه سبحانه، ثم يخرجه من النار ويدخله الجنَّة، لأنه لا يخلد في النار إلَّا المشرك.\rقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى مقرَّرًا عقيدة السلف في هذه المسألة: \"ويعتقد أهل السنّة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر","footnotes":"(¬١) أحمد بن عمر بن إبراهيم أبو العباس الأنصاري القرطبي، فقيه مالكي، من رجال الحديث، قال ابن كثير: \"سمع الكثير واختصر الصحيحين، وشرح صحيح مسلم المسمَّى بالمفهم، وفيه أشياء حسنة مفيدة محرّرة رحمه الله تعالى\". توفي سنة ٦٥٦ هـ.\rالبداية والنهاية (١٣/ ٢٠٢)، وحسن المحاضرة (١/ ٧٦٠)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٧٣).\r(¬٢) فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٨٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204681,"book_id":111,"shamela_page_id":528,"part":null,"page_num":541,"sequence_num":528,"body":"وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنّة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذّبه مدّة بعذاب النار، وإذا عذّبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار\" (¬١).\rوقد خالفت في ذلك فرق المعتزلة والخوارج والمرجئة ومن نحا نحوهم وخالفوا نصوص الكتاب والسنّة، حيث أن الخوارج كفّروا مرتكب الكبيرة وأخرجوه من الإيمان وحكموا عليه في الخلود في نار جهنّم، وقد وافقتهم المعتزلة على الخلود في نار جهنم في الآخرة. أما في الدنيا، فقالوا: إنه يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر وإنما هو في منزلة بين المنزلتين. وأمّا المرجئة فقد فتحوا باب شر عظيم وهونوا أمر المعاصي، حيث قالوا: إنه لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع من الكفر طاعة\"، وعلى هذا فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يدخل نار جهنم، وهذا مبنيّ على إخراجهم العمل من مسمّى الإيمان (¬٢).\rوالحقّ ما قاله أهل السنّة والجماعة وأجمعوا عليه، وقد حكى اتفاق أهل السنّة والجماعة على ذلك الإمام البغوي رحمه الله تعالى، فقال: \"اتّفق أهل السنّة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها فمات قبل التوبة لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله إن شاء عفا عنه","footnotes":"(¬١) عقيدة أصحاب الحديث للإمام الصابوني ضمن الرسائل الكمالية (ص ١٠٣، ١٠٤).\r(¬٢) انظر كتاب الإيمان لأبي عبيد (ص ٩٩ - ١٠٢)، والتمهيد لابن عبد البر (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، والإيمان لابن تيمية (ص ٢٠٢)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٤١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204682,"book_id":111,"shamela_page_id":529,"part":null,"page_num":542,"sequence_num":529,"body":"وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنّة برحمته\" (¬١).\rوقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة في عدّة مواضع من مؤلّفاته، فقال رحمه الله تعالى: \"من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (¬٢).\rفمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب ملؤها خطايا، لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله ﷿ فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنّة، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلَّها، ومنعه من دخول النار بالكلية\" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"أوَّل اختلاف وقع في هذه الأمَّة هو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحّدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر وعاملوهم معاملة الكفّار واستحلّوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم: المنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان، وقد صنَّف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعدّدة\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) شرح السنة للبغوي (١/ ١٠٣).\r(¬٢) سورة النساء، آية (٤٨).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٤٧).\r(¬٤) المصدر السابق (١/ ٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204683,"book_id":111,"shamela_page_id":530,"part":null,"page_num":543,"sequence_num":530,"body":"وقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر: هل يسمّى مؤمنا ناقص الإيمان أم لا يسمّى مؤمنًا، وإنما يقال هو مسلم، فليس بمؤمن؟ على قولين: وهما روايتان عن أحمد ﵀، فأمَّا من ارتكب الصغائر فلا يزول عنه إسم الإيمان بالكلية بل هو مؤمن ناقص الإيمان، ينقص إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك، والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن عبد الله، وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم.\rوالقول بأنه مسلم ليس بمؤمن مرويّ عن أبي جعفر محمد بن علي (¬١)، وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل السنّة\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وقوله ﷺ: ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له\" (¬٣)، صريح في أن الكبائر من لقي الله بها كانت تحت مشيئته، وهذا يدلّ على أن إقامة الفرائض لا تكفّرها ولا تمحوها، فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لاسيّما من بايعهم النبيّ ﷺ وخرج من ذلك من لقي الله وقد تاب منها بالنصوص الدالّة من الكتاب والسنّة على أن من تاب إلى الله تاب الله عليه وغفر له، فبقي من لم يتب داخلًا تحت المشيئة (¬٤).","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٨٩).\r(¬٢) أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، كان إمامًا مجتهدًا تاليًا لكتاب الله، كبير الشأن، عدّه النسائي وغيره من فقهاء التابعين، واتّفق الحفاظ على الاحتجاج به، توفي سنة ١١٤ هـ.\rطبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٠)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٢٤)، والبداية والنهاية (٩/ ٣٢٧)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٣٥٠).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٣٢٠).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204684,"book_id":111,"shamela_page_id":531,"part":null,"page_num":544,"sequence_num":531,"body":"وقد استدلّ السلف رحمهم الله تعالى على عدم تكفير مرتكب الكبيرة بأدلّة كثيرة من الكتاب والسنّة.\rأمّا من الكتاب، فقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ .... ﴾ (¬١).\rفهذه الآية نفت أن يغفر الله للمشرك، فدلّ ذلك على أن من مات مصرًّا على كبيرة دون الشرك فهو إلى الله تعالى إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه بقدر ذنبه. أمّا من مات وهو مشرك، فإن الله لا يغفر له بنصّ الآية.\rقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: \"وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرة شركًا بالله\" (¬٢).\rوبقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ... ﴾ (¬٣).\rقال البغوي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: \"وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرًا بالقتل، لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، وفي آخر الآية قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وأراد به أخوّة الإيمان، فلم يقطع الأخوّة بينهما بالقتل\" (¬٤).\rوبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... ﴾ (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة النساء، آية (٤٨).\r(¬٢) تفسير ابن جرير الطبري (٥/ ١٢٦).\r(¬٣) سورة البقرة، آية (١٧٨).\r(¬٤) تفسير البغوي (١/ ١٤٦).\r(¬٥) سورة الحجرات، آية (٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204685,"book_id":111,"shamela_page_id":532,"part":null,"page_num":545,"sequence_num":532,"body":"ذكر هذه الآية الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الإيمان (¬١)، مستدلًا بها على أن المؤمن لا يكفر إذا ارتكب معصية دون الشرك.\rقال ابن حجر رحمه الله تعالى: \"استدلّ المؤلف على أن المؤمن إذا ارتكب معصية لا يكفر بأن الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن، فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (¬٢)، ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ... ﴾ (¬٣) ... \" (¬٤).\rإلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن أن أهل المعاصي التي دون الشرك من أهل الإيمان.\rوأمَّا الأدلة من السنة، فمنها حديث أبي ذرّ ﵁ قال: \"أتيت النبيّ ﷺ وهو نائم عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه، فقال: \"ما من عبد قال لا إله إلَّا الله ثم مات على ذلك إلَّا دخل الجنَّة\"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق\"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق\" ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: \"على رغم أنف أبي ذر\"، قال: فخرج أبو ذرّ وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذرّ\" (¬٥).\rومنها حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ وحوله عصابة من أصحابه: \"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا","footnotes":"(¬١) كتاب الإيمان (١/ ١٣).\r(¬٢) سورة الحجرات، آية (٩).\r(¬٣) سورة الحجرات، آية (١٠).\r(¬٤) فتح الباري لابن حجر (١/ ٨٥).\r(¬٥) تقدم تخريجه (ص ٣١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204686,"book_id":111,"shamela_page_id":533,"part":null,"page_num":546,"sequence_num":533,"body":"ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه\"، فبايعناه (¬١).\rقال النووي رحمه الله تعالى بعد ذكره لحديث أبي ذرّ وحديث عبادة بن الصامت السابقين: \"فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (¬٢)، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرّين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنَّة أو لا، وإن شاء عذّبهم ثم أدخلهم الجنّة\" (¬٣).\rفهذه الأدلّة من الكتاب والسنّة وغيرها مما هو بمعناها تدلّ دلالة واضحة على ما ذهب إليه أهل السنّة والجماعة من أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرًّا عليها ليس بكافر، ولكنه معرّض نفسه لعقاب الله، وإن عوقب فإنه لا يخلد في النار بل يخرج منها، ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل البدع والأهواء، والله الهادي إلى سواء السبيل.","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣٢٠).\r(¬٢) سورة النساء، آية (٤٨).\r(¬٣) شرح مسلم للنووي (٢/ ٤١، ٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204687,"book_id":111,"shamela_page_id":534,"part":null,"page_num":547,"sequence_num":534,"body":"المبحث السابع مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة\rهناك مسألة تعرّض لها ابن رجب رحمه الله تعالى وهي مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة كالوضوء والصلاة وغيرها.\rفقد ذكر رحمه الله تعالى في هذه المسألة قولين لأهل العلم، القول الأول: أن الأعمال الصالحة لا تكفّر إلَّا الصغائر. أمّا الكبائر فلابدّ للعبد من التوبة منها. يقول ابن رجب في بيان هذا القول: \" ... فمنهم من قال لا تكفّر سوى الصغائر، وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفّر الصغائر ... أمّا الكبائر فلابدّ لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالمًا.\rواتّفقت الأمَّة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدّى إلَّا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفّرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان الإسلام لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع، وأيضًا لو كفّرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى الفرائض، وهذا يشبه قول المرجئة، وهو باطل.\rهذا ما ذكره ابن عبد البرّ في كتابه التمهيد (¬١)، وحكي إجماع المسلمين على ذلك، واستدلّ عليه بأحاديث:","footnotes":"(¬١) التمهيد (٤/ ٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204688,"book_id":111,"shamela_page_id":535,"part":null,"page_num":548,"sequence_num":535,"body":"منها: قوله ﷺ: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ، ما اجتنب الكبائر\"، وهو مخرّج في الصحيحين (¬١) من حديث أبي هريرة.\rوهذا يدلّ على أن الكبائر لا تكفّرها هذه الفرائض ...\rوفي صحيح مسلم عن عثمان عن النبيّ ﷺ قال: \"ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلَّا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأتِ كبيرة، وذلك الدهر كلّه\" (¬٢) ... (¬٣).\rوالقول الثاني: أن الأعمال الصالحة تكفّر الكبائر، وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذا القول وردّ عليه بقوله: \"وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفّر الكبائر، ومنهم ابن حزم الظاهري (¬٤) وإياه عنى ابن عبد البرّ في كتاب التمهيد (¬٥) بالردّ عليه، وقال: قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل، وخشيت أن يغترّ به جاهل فينهمك في الموبقات اتّكالًا على أنها تكفّرها الصلوات دون الندم والإستغفار والتوبة.","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٥٣٧).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة - باب فضل الوضوء والصلاة عقبه (١/ ٢٠٦).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٨ - ٤٠).\r(¬٤) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، الإمام المحدّث الفقيه، كان شافعيًا ثم تركه إلى القول بالظاهر، له مؤلّفات كثيرة منها: المحلى، الفصل في الملل والنحل، توفي سنة ٤٥٦ هـ.\rوفيات الأعيان (٣/ ٣٢٥)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٩٩).\r(¬٥) التمهيد (٤/ ٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204689,"book_id":111,"shamela_page_id":536,"part":null,"page_num":549,"sequence_num":536,"body":"قلت (¬١): وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه ... فإن كان مرادهم أن من أتى بفرائض الإسلام وهو مصرّ على الكبائر تغفر له الكبائر قطعًا فهذا باطل قطعًا، يعلم بالضرورة من الدين بطلانه، وقد سبق قوله ﷺ: \"من أساء في الإسلام أخذ بالأوّل والآخر\" (¬٢)، يعني بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان.\rوإن أراد هذا القائل أن من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه كفّرت ذنوبه كلّها بذلك، واستدلّ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (¬٣)، وقال: السيّئات تشمل الكبائر والصغائر، وكما أن الصغائر تكفّر باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نيّة فكذلك الكبائر، وقد يستدلّ لذلك بأن الله وعد المؤمنين والمتّقين بالمغفرة وتكفير السيئات وهذا مذكور في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتّقين فإنه فعل الفرائض واجتنب الكبائر، واجتناب الكبائر لا يحتاج إلى نيّة وقصد، فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة\" (¬٤).\rوقد رجّح ابن رجب رحمه الله تعالى القول الأوَّل، وبين أن الكبائر لا تكفّر بالأعمال الصالحة؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما كان للتوبة معنى، ولكان المصرّ على الكبائر مع محافظته على الصلاة مثلًا مكفّرة لكبائره، وليس عليه تبعة ولا يلزمه توبة لأنه بصلاته وأعماله الصالحة تمحى","footnotes":"(¬١) القائل ابن رجب رحمه الله تعالى.\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب استتابة المرتدين (٨/ ٤٩).\r(¬٣) سورة النساء، آية (٣١).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١ - ٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204690,"book_id":111,"shamela_page_id":537,"part":null,"page_num":550,"sequence_num":537,"body":"ذنوبه، يقول ابن رجب ﵀ في ذلك: \"والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفّر بدون التوبة، لأن التوبة فرض على العباد، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (¬١) ...\rوأما النصوص الكثيرة المتضمّنة مغفرة الذنوب وتكفير السيّئات للمتّقين؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (¬٣) ... فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك التوبة النصوح، فمن لم يتب فهو ظالم غير متقٍّ.\rوقد بيَّن في سورة آل عمران (¬٤) خصال التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنَّة، فذكر منها الإستغفار وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفير السيّئات ومغفرة الذنوب إلَّا لمن كانت هذه الصفة له.\rوممّا يستدلّ به على أن الكبائر لا تكفّر بدون التوبة منها أو العقوبة عليها حديث عبادة بن الصامت، قال: كنّا عند رسول الله ﷺ فقال: \"بايعوني على ألَّا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا (وقرأ عليهم الآية) (¬٥)، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا","footnotes":"(¬١) سورة الحجرات، آية (١١).\r(¬٢) سورة الأنفال، آية (٢٩).\r(¬٣) سورة التغابن، آية (٩).\r(¬٤) وهي من قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ... ، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ سورة آل عمران، آية (١٣٣ - ١٣٥).\r(¬٥) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ .... ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة الممتحنة، آية (١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204691,"book_id":111,"shamela_page_id":538,"part":null,"page_num":551,"sequence_num":538,"body":"فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له\"، خرّجاه في الصحيحين (¬١) ... إلى أن قال رحمه الله تعالى: \"والأظهر -والله أعلم- في هذه المسألة، أعني مسألة تكفير الكبائر بالأعمال:\rإن أريد أن الكبائر تمحى بمجرّد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفّرة بذلك كما تكفّر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل.\rوإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال، فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب فهذا قد يقع ...\rروي من حديث ابن عباس عن النبيّ ﷺ قال: \"يؤتى بحسنات العبد وسيّئاته يوم القيامة، فيقص أو يقضى بها بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنّة\" (¬٢) ... وظاهر هذا أنه يقع المقاصة بين الحسنات والسيئات ثم يسقط الحسنات المقابلة للسيّئات، وينظر إلى ما يفضل منها بعد المقاصّة (¬٣).\rهذه بالنسبة للكبائر، أمّا الصغائر فقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أنها تكفّر بالأعمال الصالحة كما سبق بيان ذلك في القول الأوّل من المسألة السابقة، وكما في قوله رحمه الله تعالى: \" ... أمّا الصغائر فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها؛ كما قال ﷺ: \"ألا","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣٢٠).\r(¬٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٥٢) وهو حديث قدسي، ولفظه: \"قال الرب ﷿: يؤتى بحسنات العبد وسيّئاته فيقضي بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسّع الله له في الجنة ...... \" الحديث، قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٣ - ٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204692,"book_id":111,"shamela_page_id":539,"part":null,"page_num":552,"sequence_num":539,"body":"أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة\" (¬١)، فأثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات.\rوكذلك قوله ﷺ: \"من قال لا إله إلّا الله وحده لا شريك له مائة مرة كتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر\" (¬٢).\rفهذا يدلّ على أن الذكر يمحو السيّئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفًا ... وعلى هذا فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيّئات ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافي بين تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال ﷺ: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر\" (¬٣)، فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها وكفّها عما تميل إليه ما يوجب تكفير الصغائر.\rوكذلك الشهادة في سبيل الله تكفّر الذنوب بما يحصل بها من الألم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن، فتبيّن بها أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات وتكفير السيّئات من وجهين، ولا يكون بينهما منافاة، وهذا ثابت في الذنوب الصغائر بلا ريب\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره (١/ ٢١٩).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣١٤).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٥٣٧).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٥، ٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204693,"book_id":111,"shamela_page_id":540,"part":null,"page_num":553,"sequence_num":540,"body":"وهل يقطع بتكفير الأعمال الصالحة للصغائر إذا اجتنبت الكبائر؟\rفيه قولان ذكرهما ابن عطية (¬١) في تفسيره، ورجح القول بعدم الجزم بشيء، وإنّما يحمل ذلك على غلبة الظن، وقوّة الرجاء، والمشيئة الثابتة، وعلّل ابن عطية ذلك بأنّه \"لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض بتكفير صغائره قطعًا، لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تبعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة (¬٢) \"، وقد أورد ابن رجب رحمه الله تعالى كلام ابن عطيّة السابق، وعقّب عليه بقوله: \"قد يقال لا يقطع بتكفيرها بها، لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيّدة بتحسين العمل كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة، وحينئذ يتحقّق حسن العمل الذي يوجب التكفير، وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر\" (¬٣) ... والله أعلم بالصّواب.","footnotes":"(¬١) أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الأندلسي المالكي، كان إمامًا في الفقه والتفسير والعربية، ذكيًا فطنًا، من أوعية العلم، من مؤلّفاته: المحرر والوجيز في تفسير الكتاب العزيز، توفي سنة ٥٤١ هـ.\rسير أعلام النبلاء (١٩/ ٥٩٦)، وطبقات المفسّرين للسيوطي (ص ٥٠)، وطبقات المفسّرين للداوودي (١/ ٢٦٥).\r(¬٢) المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٩٦).\r(¬٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٣، ٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204694,"book_id":111,"shamela_page_id":541,"part":null,"page_num":555,"sequence_num":541,"body":"الفصل الثاني الإيمان بالملائكة والكتب والرسل\rويشتمل على المباحث التالية:\rالمبحث الأوّل: الإيمان بالملائكة والكتب.\rالمبحث الثاني: تعريف النبيّ والرسول لغة وشرعًا.\rالمبحث الثالث: معنى الإيمان بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.\rالمبحث الرابع: الغرض من بعثه الرسل عليهم الصّلاة والسّلام.\rالمبحث الخامس: التفاضل بين الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.\rالمبحث السادس: بعض خصائص الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.\rالمبحث السابع: الإيمان بنبوّة محمد ﷺ.\rالمبحث الثامن: كلامه في دعوة نبيّنا محمّد ﷺ.\rالمبحث التاسع: بيانه فضل إرسال النبيّ ﷺ.\rالمبحث العاشر: النجاة والسعادة في طاعة الرسول ﷺ واتّباعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204695,"book_id":111,"shamela_page_id":542,"part":null,"page_num":557,"sequence_num":542,"body":"المبحث الأول الإيمان بالملائكة والكتب\rجعلت الكلام على الإيمان بالملائكة والكتب في مبحث واحد، ولم أفرد كلًّا منهما بفصل خاص به لأمرين:\r١ - أن الإيمان بالملائكة والكتب له صلة قوية بالإيمان بالأنبياء، إذ أن من لوازم الإيمان بالأنبياء الإيمان بجميع ما أخبروا به، ومن ذلك الإيمان بالملائكة والكتب.\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى ذلك بقوله: \"والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة والأنبياء والكتاب ... \" (¬١).\r٢ - إنني لم أجد لابن رجب رحمه الله تعالى في هذين الركنين إلّا كلامًا قليلًا لا يتحمّل إفراد كل منهما بفصل خاص به.\rوسيكون الكلام في هذا المبحث في مطلبين.","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204696,"book_id":111,"shamela_page_id":543,"part":null,"page_num":558,"sequence_num":543,"body":"المطلب الأول الإيمان بالملائكة\rلقد ذكر الله ﵎ أركان الإيمان في عدّة آيات من كتابه، وذكر من بينها الإيمان بالملائكة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (¬١)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (¬٢).\rكما ذكر رسول الله ﷺ في حديث عمر المعروف بحديث جبريل (¬٣) أركان الإيمان، وذكر من بينها الإيمان بالملائكة.\rوالملائكة خلق عظيم وعدد كثير لا يحصيهم إلّا الله ﷿، خلقهم من نور، وهم عبّاد مكرّمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، وقد وكل الله إليهم أعمالًا يقومون بها وأفضلهم جبريل ﵇ الموكل بتبليغ وحي الله إلى خلقه.\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى أفضليّة جبريل ﵇","footnotes":"(¬١) سورة البقرة، آية (١٧٧).\r(¬٢) سورة البقرة، آية (٢٨٥).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204697,"book_id":111,"shamela_page_id":544,"part":null,"page_num":559,"sequence_num":544,"body":"على بقية الملائكة بقوله: \"وجبريل ﵇ هو أفضل الملائكة وأكرمهم\" (¬١).\rكما أشار رحمه الله تعالى أيضًا إلى بعض أعمال الملائكة، ومنها:\rأنهم يستغفرون للذين آمنوا، فقال رحمه الله تعالى: \"وقد أخبر الله في كتابه باستغفار ملائكة السماء عمومًا، بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿. . . وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (¬٣)، فهذا للمؤمنين عمومًا\" (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى في شرح حيث اختصام الملأ الأعلى:\r\"وفيه دلالة على أن الملأ الأعلى وهم الملائكة أو المقرّبون منهم يختصمون فيما بينهم، ويتراجعون القول في الأعمال التي تقرّب بني آدم إلى الله ﷿ وتكفّر بها عنهم خطاياهم\" (¬٥).\rكما أشار رحمه الله تعالى إلى بعض أوصاف الملائكة، فقال: \"وقد وصف الله الملائكة الذين على النار بالغلظة والشدة، قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (¬٦). . . \" (¬٧).","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ١٧٥).\r(¬٢) سورة غافر، آية (٧).\r(¬٣) سورة الشورى، آية (٥).\r(¬٤) شرح حديث أبي الدرداء (ص ٢٨).\r(¬٥) اختيار الأَوْلى (ص ١٢).\r(¬٦) سورة التحريم، آية (٦).\r(¬٧) التخويف من النار (ص ١٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204698,"book_id":111,"shamela_page_id":545,"part":null,"page_num":560,"sequence_num":545,"body":"المطلب الثاني الإيمان بالكتب\rإن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله ﷿ على أنبيائه ورسله ركن من أركان الإيمان الستّة، وقد دلّت آيات كثيرة على أن الله ﷾ أنزل القرآن على نبيّنا محمد ﷺ، كما أشارت إلى إنزال الكتب السابقة قبله على من سبقه من الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى. . .﴾ (¬٣).\rهذه الآيات تدلّ على وجوب الإيمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله، ووجوب التصديق بها والعمل بمقتضى ما كلفنا به منها.\rوقد مدح الله ﷿ من آمن بها جميعًا، وجعل لهم الهداية","footnotes":"(¬١) سورة الزمر، آية (٢٣).\r(¬٢) سورة الزمر، آية (٤١).\r(¬٣) سورة الزمر، آية (٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204699,"book_id":111,"shamela_page_id":546,"part":null,"page_num":561,"sequence_num":546,"body":"والفلاح؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ (¬١)، والقرآن الكريم هو كلام الله ﷿ المعجز المنزل على النبيّ ﷺ.\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى وصف القرآن الكريم، وأنه أعظم الكتب السماوية، فقال: \"وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ (¬٢)، يعني يتلو عليهم ما أنزل الله عليه من آياته المتلوّه وهو القرآن وهو أعظم الكتب السماوية، وقد تضمّن من العلوم والحكم والمواعظ والقصص والترغيب والترهيب وذكر أخبار من سبق وأخبار ما يأتي من البعث والنشور والجنّة والنار ما لم يشتمل عليه كتاب غيره، حتى قال بعض الحكماء: لو أن هذا الكتاب وجد مكتوبًا في مصحف في فلاة من الأرض ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف ذلك، فكيف إذا جاء على يدي أصدق الخلق وأبرّهم وأتقاهم، وقال: إنه كلام الله وتحدّى الخلق كلّهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا فيه، فكيف يبقى مع هذا شك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (¬٤)، فلو لم يكن من المعجزات الدالّة على صدقه غير هذا الكتاب لكفاه، فكيف وله من المعجزات الأرضية والسماوية ما لا يحصى\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة، آية (٤، ٥).\r(¬٢) سورة الجمعة، آية (٢).\r(¬٣) سورة البقرة، آية (٢).\r(¬٤) سورة العنكبوت، آية (٥١).\r(¬٥) لطائف المعارف (ص ٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204700,"book_id":111,"shamela_page_id":547,"part":null,"page_num":562,"sequence_num":547,"body":"وقال رحمه الله تعالى أيضًا في شرح حديث: \"مثل الإسلام\" (¬١): \" ... لما كانت النفس والهوى داعيين إلى فتح أبواب المحارم وكشف ستورهما وارتكابها جعل الله ﷿ لها داعيين يزجران من يريد ارتكاب المحارم وكشف ستورهما، أحدهما: داعي القرآن وهو الدّاعي على رأس الصراط يدعو الناس كلهم إلى الدخول في الصّراط والاستقامة عليه وأن لا يعوجوا عنه يمنة ويسرة، ولا يفتحوا شيئًا من تلك الأبواب التي عليها الستور المرخاة، قال الله ﷿ حاكيًا عن عباده المؤمنين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ (¬٢) الآية، والمراد به القرآن عند أكثر السلف، وقال حاكيًا عن الجن الذين سمعوا القرآن أنّهم لما رجعوا إلى قومهم، قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (¬٣) ..... \" (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا عن القرآن: \"وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحثّ على الإحسان ومكارم الأخلاق، وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خلق (¬٥) يرضى لرضاه ويسخط لسخطه،","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢)، والحاكم (١/ ٧٣) من حديث النواس بن سمعان أن رسول الله ﷺ قال: \"ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، على جنبتي الصراط سوران فيها أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة ... \" الحديث. قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ٥٢)، وعزاه لأحمد والحاكم، ورمز له بالصحة.\r(¬٢) سورة آل عمران، آية (١٩٣).\r(¬٣) سورة الأحقاف، آية (٣٠، ٣١).\r(¬٤) شرح حديث مثل الإسلام ورقة (٩).\r(¬٥) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٥١٣) أن سعد بن هشام بن عامر سأل عائشة ﵂، فقال: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبيّ الله ﷺ كان القرآن\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204701,"book_id":111,"shamela_page_id":548,"part":null,"page_num":563,"sequence_num":548,"body":"ويسارع إلى ما حثّ عليه ويمتنع ممّا زجر عنه\" (¬١).\rوبهذا يتبيّن لنا أهميّة العناية بهذا القرآن والحرص على قراءته والعمل بما فيه لما يترتّب على ذلك من حصول الهداية والسعادة والنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة.","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ١٧٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204702,"book_id":111,"shamela_page_id":549,"part":null,"page_num":564,"sequence_num":549,"body":"المبحث الثاني تعريف النبيّ والرسول لغة وشرعًا\rأولًا: تعريف النبيّ والرسول لغة:\rالنبيّ لغة مشتق من النبأ وهو الخبر؛ كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ (¬١).\rوقيل: أن النبيّ مأخوذ من النبوّة وهو ما ارتفع من الأرض، وسمّي النبيّ بذلك لأنه مفضّل على سائر الخلق بمكانته ورتبته العالية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ (¬٢).\rوقيل: النبيّ هو الطريق الواضح؛ لأن العرب تطلق لفظ النبي على علم من أعلام الأرض التي يُهتدى بها، وسمّي النبيّ بذلك لأنه علم يهتدى به الخلق إلى الله ﵎ (¬٣).\rأمّا الرسول لغة، فهو مشتقّ من الإرسال ومعناه البعث والتوجيه، فإذا بعثت شخصًا في القيام بمهمة ما فهو رسولك، قال تعالى حكاية عن ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ (¬٤)،","footnotes":"(¬١) سورة النبأ، آية (١، ٢).\r(¬٢) سورة مريم، آية (٥٧).\r(¬٣) الصحاح للجوهري (١/ ٧٤ و ٦/ ٢٥٠٠)، والمفردات للراغب الأصفهاني (ص ٤٨١، ٤٨٢)، ولسان العرب (١/ ٣٠٢) و (٥/ ١٦٢، ١٦٣).\r(¬٤) سورة النمل، آية (٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204703,"book_id":111,"shamela_page_id":550,"part":null,"page_num":565,"sequence_num":550,"body":"ويجمع رسول على أرْسُل ورُسُل ورُسْل ورُسَلاء، وسمّوا الرسل بذلك لأنهم مبعوثون وموجّهون من قبل الله ﷿ لتبليغ الخلق أمر الله ووحيه (¬١).\rثانيًا: تعريف النبيّ والرسول شرعًا:\rتعدّدت الأقوال في تعريف النبيّ والرسول والقول المشهور في تعريف النبيّ والرسول.\rأن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبيّ من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه (¬٢).\rولكن بعض أهل العلم يرى أن هذا التعريف الشائع تعريف فيه بعد، يقول العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: \"وآية الحجّ تبيّن أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبيّ هو من أوحى إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (¬٣)، يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أن النبيّ الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقلّ مع المعجزة التي ثبتت بها نبوّته، وأن النبيّ المرسل الذي هو غير الرسول هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أُوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة؛ كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا","footnotes":"(¬١) الصحاح للجوهري (٤/ ١٧٠٩)، والمفردات للراغب الأصفهاني (ص ١٩٥)، ولسان العرب (١١/ ٢٨٣، ٢٨٤).\r(¬٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٩).\r(¬٣) سورة الحج، آية (٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204704,"book_id":111,"shamela_page_id":551,"part":null,"page_num":566,"sequence_num":551,"body":"النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (¬١) ... \" (¬٢).\rولعلّ الشنقيطي ﵀ يشير إلى ما قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال: \"فالنبيّ هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأمّا إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله فهو نبي وليس برسول\" ... إلى أن قال: \"فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (¬٣)، دليل على أن النبيّ مرسل، ولا يسمّى رسولًا عند الإطلاق، لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفون أنه حق\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة المائدة، آية (٤٤).\r(¬٢) أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).\r(¬٣) سورة الحج، آية (٥٢).\r(¬٤) النبوات (ص ٢٢٥، ٢٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204705,"book_id":111,"shamela_page_id":552,"part":null,"page_num":567,"sequence_num":552,"body":"المبحث الثالث معنى الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسّلام\rإن الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من الإيمان بالغيب الذي وصف الله المؤمنين بأنهم يؤمنون به؛ كما قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (¬١)، وهو ركن من أركان الإيمان التي يجب الإيمان بها، كما دلّت على ذلك الأدلّة الكثيرة في كتاب الله ﷾ وسنّة رسوله ﷺ.\rقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (¬٣).\rوفي حديث جبريل وسؤاله للنبيّ ﷺ عن الإيمان، فقال: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه\" (¬٤).\rومعنى الإيمان بالأنبياء والرسل هو التصديق الجازم بأن لله ﷿","footnotes":"(¬١) سورة البقرة، آية (١ - ٣).\r(¬٢) سورة البقرة، آية (٢٨٥).\r(¬٣) سورة البقرة، آية (١٧٧).\r(¬٤) تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204706,"book_id":111,"shamela_page_id":553,"part":null,"page_num":568,"sequence_num":553,"body":"رسلًا أرسلهم لإرشاد الخلق إلى ما فيه خيرهم في معاشهم ومعادهم، فيجب الإيمان بمن سمّى الله منهم في كتابه على التفصيل والإيمان جملة بأن لله رسلًا غيرهم وأنبياء لا يعلمهم إلّا هو ﷾، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (¬١).\rوالواجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى دون تفريق بينهم، فمن آمن بالبعض وكفر بالبعض الآخر فقد كفر بالجميع؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ (¬٢).\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: \"يتوعد ﵎ الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرّد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإن لا سبيل لهم إلى ذلك بل بمجرّد الهوى والعصبية، فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلّا عيسى ومحمّدًا عليهما الصّلاة والسّلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ ... والمقصود أن من كفر بنبيّ من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبيّ بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوّته للحسد أو العصبية أو التشهّي تبيّن أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة غافر، آية (٧٨).\r(¬٢) سورة النساء، آية (١٥٠، ١٥١).\r(¬٣) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204707,"book_id":111,"shamela_page_id":554,"part":null,"page_num":569,"sequence_num":554,"body":"وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى وجوب الإيمان بالرسل وبكل ما أخبروا به بقوله: \"والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة والأنبياء والكتاب والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به، وغير ذلك من صفات الله وصفات اليوم الآخر كالصراط والميزان، والجنّة والنار\" (¬١).","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204708,"book_id":111,"shamela_page_id":555,"part":null,"page_num":570,"sequence_num":555,"body":"المبحث الرابع الغرض من بعثة الرسل عليهم الصّلاة والسّلام\rبعث الله ﷾ الرسل عليهم الصّلاة والسّلام وكلّفهم بالدعوة إلى عبادته وإقامة دينه، وإفراده بجميع أنواع العبادة، والتحذير من الشرك والبدع ونبذ كل ما يعبد من دون الله، وعلى هذا اتّفق جميع الأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسلام، فما من نبيّ أرسله الله إلّا وكان أوّل ما يدعو قومه إليه هو عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (¬٣).\rوقال ﷺ: \"الأنبياء إخوة من علات، أمّهاتهم شتّى، ودينهم واحد\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة الأنبياء، آية (٢٥).\r(¬٢) سورة النحل، آية (٣٦).\r(¬٣) سورة الشورى، آية (١٣).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤/ ١٤٢)، ومسلم: كتاب الفضائل - فضائل عيسى ﵇ (٤/ ١٨٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204709,"book_id":111,"shamela_page_id":556,"part":null,"page_num":571,"sequence_num":556,"body":"وقد اهتمّ ابن رجب رحمه الله تعالى ببيان هذه المسألة، فقال رحمه الله تعالى: \"بعث الله الرسل مبشّرين ومنذرين مبشّرين بالجنّة من آمن وعمل صالحًا ومنذرين بالنار من كفر وعصى، وأقام أدلّة وبراهين دلّت على صدق رسله فيما أخبروا به عن ربهم\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وقوله ﷺ: \"حتى يعبد الله وحده لا شريك له\" (¬٢)، هذا هو المقصود الأعظم من بعثته ﷺ، بل من بعثة الرسل من قبله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (¬٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (¬٤).\rبل هذا هو المقصود من خلق الخلق وإيجادهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (¬٥)، فما خلقهم إلّا ليأمرهم بعبادته، وأخذ عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم على ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (¬٦) الآية.\rوقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة في تفسير (¬٧) هذه","footnotes":"(¬١) البشارة العظمى ورقة (٢).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٣/ ٥٠)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، المسند حديث رقم (٥١١٤).\r(¬٣) سورة الأنبياء، آية (٢٥).\r(¬٤) سورة النحل، آية (٣٦).\r(¬٥) سورة الذاريات، آية (٥٦).\r(¬٦) سورة الأعراف، آية (١٧٢).\r(¬٧) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٦٥)، وما بعدها فقد ذكر فيها الشارح رحمه الله تعالى أقوال العلماء في تفسير هذه الآية، والأحاديث الواردة في ذلك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204710,"book_id":111,"shamela_page_id":557,"part":null,"page_num":572,"sequence_num":557,"body":"الآية أنه تعالى استنطقهم حينئذ، فأقرّوا كلهم بوحدانيّته، وأشهدهم على أنفسهم وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة.\rثم أنه تعالى هداهم في كل زمان بإرسال رسله، وإنزال الكتب يذكّرهم بالعهد الأوّل، ويجدّد عليهم العهد والميثاق على أن يوحّدوه ويعبدون ولا يشركوا به شيئًا، وأشار في خطاب آدم وحوّاء عند هبوطهما من الجنّة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ (¬١)، وفي سورة طه (¬٢) نحو هذا، فما وفى بنو آدم كلهم بهذا العهد المأخوذ عليهم، بل نقضه أكثرهم وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، فبعث الله الرسل تجدّد ذلك العهد الأوّل وتدعوا إلى تجديد الإقرار بالوحدانيّة\" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"فالجهاد في سبيل الله دعاء الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله بالسيف واللّسان بعد دعائهم إليه بالحجّة والبرهان، وقد كان النبيّ ﷺ في أوّل الأمر لا يقاتل قومًا حتى يدعوهم، فالجهاد به تعلو كلمة الإيمان وتتّسع به رقعة الإسلام، ويكثر الداخلون فيه، وهو وظيفة الرسل وأتباعهم، وبه تصير كلمة الله هي العليا، والمقصود منه أن يكون الدين كلّه لله، والطاعة له؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (¬٤) ... \" (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة، آية (٣٨، ٣٩).\r(¬٢) وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ... ﴾ الآية، سورة طه، آية (١٢٣، ١٢٤).\r(¬٣) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٢١، ٢٢).\r(¬٤) سورة الأنفال، آية (٣٩).\r(¬٥) لطائف المعارف (ص ٢٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204711,"book_id":111,"shamela_page_id":558,"part":null,"page_num":573,"sequence_num":558,"body":"المبحث الخامس التفاضل بين الأنبياء\rورد في القرآن الكريم ما يدلّ على أن الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام متفاضلون، وأن بعضهم أفضل من بعض؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (¬٢).\rفهذه الآيات تدلّ على المفاضلة بين الرّسل والأنبياء، وأن بعضهم أفضل من بعض.\rوقد أجمعت الأمّة على أن الرسل أفضل من الأنبياء وأفضل الرّسل والأنبياء هم أُولو العزم، وقد ذكر كثير من العلماء أن أُولي العزم من الرسل عددهم خمسة، وهم: محمد ﷺ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصّلاة والسّلام، وهؤلاء الرسل خصّهم الله ﷾ بالذكر في آيتين من كتابه، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة الإسراء، آية (٥٥).\r(¬٢) سورة البقرة، آية (٢٥٣).\r(¬٣) سورة الشورى، آية (١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204712,"book_id":111,"shamela_page_id":559,"part":null,"page_num":574,"sequence_num":559,"body":"وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ (¬١).\rوقد أمر الله ﷾ نبيّنا محمدًا ﷺ أن يصبر ويتحمّل الأذى كما صبر أولو العزم من الرسل؛ فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (¬٢).\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"خواص الرسل أولو العزم وهم خمسة، وهم أفضل الرسل\" (¬٣).\rكما خصّ الله ﵎ نبيّنا محمدًا وإبراهيم عليهما الصّلاة والسّلام بالخلّة دون بقية الرسل والأنبياء، عليهم الصّلاة والسّلام.\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا، فقال: \"وقد أشار ﷺ إلى سبب براءته من خلّة المخلوقين وهو أن الله اتّخذه خليلًا لنفسه كما اتّخذ إبراهيم خليلًا، ومن كان خليلًا لله فلا ينبغي له أن يخالل بشرًا\" (¬٤).\rونبيّنا محمد ﷺ هو أفضل الرسل عليهم الصّلاة والسلام وهو خاتمهم، قال ابن رجب رحمه الله تعالى في ذلك: \" ... فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم وحقّه على الأمّة أوجب من سائر الخلق لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كانت على يديه بتعليمه وإرشاده ﷺ تسليمًا وجزاه عنّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمّته\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة الأحزاب، آية (٧).\r(¬٢) سورة الأحقاف، آية (٣٥).\r(¬٣) شرح حديث شداد بن أوس ورقة (٥).\r(¬٤) فتح الباري ورقة (٢/ ٥٥٣).\r(¬٥) المصدر السابق (٥/ ١٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204713,"book_id":111,"shamela_page_id":560,"part":null,"page_num":575,"sequence_num":560,"body":"المبحث السادس بعض خصائص الرسل عليهم الصّلاة والسّلام\rخصّ الله ﵎ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بأمور انفردوا بها دون بقية البشر، وسأقتصر على ذكر الأمور التي تكلّم فيها ابن رجب رحمه الله تعالى، ومنها:\r١ - أنهم يخيّرون عند الموت بين الدنيا والآخرة، يدلّ على ذلك حديث عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من نبي يمرض إلّا خيّر بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بُحة (¬١) شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (¬٢)، فعلمت أنه خيّر\" (¬٣).\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا: \"وأمّا الأنبياء فلا يقبضون حتى يخيّروا\" (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"لما كان الموت مكروهًا بالطبع لما فيه من الشدّة والمشقّة العظيمة لم يمت نبيّ من الأنبياء حتي يخيّر\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) البُحَّة: بالضم غلظة في الصوت، يقال بَحَّ يَبَحَّ بُحُوحًا، وإن كان من داء فهو البُحاح. النهاية لابن الأثير (١/ ٩٩).\r(¬٢) سورة النساء، آية (٦٩).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب التفسير - باب \"فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين\" (٥/ ١٨١).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٧٩).\r(¬٥) لطائف المعارف (ص ١٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204714,"book_id":111,"shamela_page_id":561,"part":null,"page_num":576,"sequence_num":561,"body":"٢ - أنهم لا يورثون، ودلّ على ثبوت ذلك جملة من الأحاديث الواردة عن النبيّ ﷺ، ومنها حديث عائشة ﵂ أنّها قالت: إن أزواج النبيّ ﷺ حين توفّي رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر، فيسألنه ميراثهن من النبيّ ﷺ، قالت عائشة لهن: أليس قد قال رسول الله ﷺ: \"لا نورث، ما تركنا صدقة\" (¬١).\rومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركت بعد مؤنة عاملي ونفقة نسائي صدقة\" (¬٢).\rومنها حديث أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر\" (¬٣).\rفهذه الأحاديث تدلّ على أن الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لا يورثون.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام بالسنة - باب ما يكره من التعمّق والتنازع في العلم والغلوّ في الدين (٨/ ١٤٦)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير - باب قول النبيّ ﷺ: \"لا نورث ما تركنا صدقة\" (٣/ ١٣٧٩).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٣).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦)، وأبو داود: كتاب العلم - باب الحثّ على العلم (٤/ ٥٨)، والترمذي: كتاب العلم - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٥/ ٤٨)، وابن ماجه: المقدمة - باب فضل العلماء والحثّ على طلب العلم (١/ ٨١)، والحاكم (١/ ٧٩) من حديث أبي هريرة.\rقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ١٦٠): أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء وحسّنه حمزة الكناني وضعف عندهم مسنده، لكن له شواهد يتقوّى بها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204715,"book_id":111,"shamela_page_id":562,"part":null,"page_num":577,"sequence_num":562,"body":"وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه المسألة عند شرحه لحديث أبي ذرّ السابق، فقال: \"فقوله ﷺ: \"إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر\".\rالمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن الذي خلف الأنبياء هو العلم النافع فمن أخذ العلم وحصل له فقد حصّل الحظ العظيم الوافر الذي يغبط به صاحبه، ورأى ابن مسعود قومًا في المسجد يتعلّمون، فقال رجل: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال: على ميراث محمد ﷺ يقتسمونه.\rوخرج أبو هريرة إلى السوق، فقال لأهله: \"تركتم ميراث محمد ﷺ يقتسم في المسجد وأنتم هاهنا؟ \" (¬١).\rفتركته ﷺ وميراثه هو هذا الكتاب الذي جاء به مع السنّة المفسّرة له المبيّنة لمعانيه، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه سئل: أترك النبيّ ﷺ من شيء؟ قال: \"ما ترك إلّا ما بين الدفتين\" (¬٢)، يعني المصحف\" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى: \"فقوله ﷺ: \"إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم\"، يريد أنهم لم يورث عنهم سوى العلم. وهذا يبيّن المراد بقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (¬٤)، وقوله عن زكريا:","footnotes":"(¬١) قال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٠٣): رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، وكذا قال الهيثمي أيضًا في المجمع (١/ ١٢٣).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن - باب من قال لم يترك النبيّ ﷺ إلّا ما بين الدفتين (٦/ ١٥٦).\r(¬٣) شرح حديث أبي الدرداء (ص ١٣٥ - ١٣٦).\r(¬٤) سورة النمل، آية (١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204716,"book_id":111,"shamela_page_id":563,"part":null,"page_num":578,"sequence_num":563,"body":"﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ﴾ (¬١)، إنما أريد به ميراث العلم والنبوّة لا المال، فإن الأنبياء لا يجمعون مالًا يتركونه.\rقال ﵇: \"ما تركت بعد مؤنة عاملي ونفقة عيالي، فهو صدقة\" (¬٢). وما ترك إلّا درعه وسلاحه وبغلته البيضاء وأرضًا جعلها صدقة (¬٣). فلم يخلف سوى آله بعده، والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله ردّها صدقة على المسلمين.\rوكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث بجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، وإنما بعثوا بالدّعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعلم النافع وتوريثه لأممهم، وفي مراسيل أبي مسلم الخولاني عن النبي ﷺ قال: \"ما أوحى الله إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إليّ أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين\"، خرّجه أبو نعيم (¬٤).\rوفي الترمذي وغيره أن النبيّ ﷺ قال: \"ما لي وللدنيا إنما مثلي","footnotes":"(¬١) سورة مريم، آية (٥، ٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب فرض الخمس - باب نفقة نساء النبيّ ﷺ بعد وفاته (٤/ ٤٤)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير باب قول النبيّ ﷺ: \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\" (٣/ ١٣٨٢).\r(¬٣) يدلّ على ذلك ما أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه (٤/ ٤٥) من حديث عمرو بن الحارث، قال: \"ما ترك النبيّ ﷺ إلّا سلاحه وبغلته البيضاء وأرضًا تركها صدقة\".\r(¬٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٣١) من طريق جبير بن نفير عن أبي مسلم مرسلًا، والبغوي في تفسيره (٣/ ٦٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٠٥)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر، والحاكم في التاريخ وابن مردويه والديلمى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204717,"book_id":111,"shamela_page_id":564,"part":null,"page_num":579,"sequence_num":564,"body":"ومثل الدنيا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها\" (¬١)، فقوله ﷺ: \"إن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم\"، إشارة إلى أمرين:\rأحدهما: أن العالم الذي هو وارث الرسول حقيقة، كما أنه ورث علمه ينبغي أن يورث العلم كما ورّث الرسول العلم، وتوريث العالم العلم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف، ونحو ذلك مما ينتفع به بعده، والعالم إذا علّم من يقوم به بعده فقد خلّف علمًا نافعًا وصدقة جارية، لأن تعليم العلم صدقة، والذين علّمهم بمنزلة أولاده الصالحين يدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه الخصال الثلاثة.\rوأمّا الأمر الثاني: فهو أن من كمال ميراث العالم للرسول أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرّسول، وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنّته في زهده في الدنيا، وتقلّله منها واجتزائه منها باليسير (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي: كتاب الزهد (٤/ ٥٨٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: كتاب الزهد - باب مثل الدنيا (٢/ ١٣٧٦)، وأحمد (١/ ٣٩١)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.\r(¬٢) شرح حديث أبي الدرداء (ص ١٣٧ - ١٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204718,"book_id":111,"shamela_page_id":565,"part":null,"page_num":580,"sequence_num":565,"body":"المبحث السابع الإيمان بنبوّة نبيّنا محمد ﷺ -\rالإيمان بنبوّة محمد ﷺ وأنّ الله أرسله إلى الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وأنه عبد الله وصفيّه من خلقه أصل عظيم من أصول الإيمان، إذ لا يحصل لأحد الإيمان الصحيح حتى يؤمن بمحمد ﷺ رسول ربّ العالمين وسيّد الأوّلين والآخرين وخاتم النبيّين.\rفيجب على كل عبد الاعتقاد الجازم بأنه ﵊ إمام المتّقين الذي يقتدى به في الخير كلّه، وأنه وحده الذي تجب طاعته والاقتداء به دون سواه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (¬١).\rويجب الإيمان بأنه خليل الرحمن، وأن له أعلا مراتب محبّة الله ﷿؛ كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: \"لو كنت متّخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي وقد اتّخذ الله ﷿ صاحبكم خليلًا\" (¬٢).\rوكما في حديثه الآخر ﵁ أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلّته، ولو كنت متّخذًا","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران، آية (٣١).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب أبي بكر الصديق ﵁ (١٣/ ٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204719,"book_id":111,"shamela_page_id":566,"part":null,"page_num":581,"sequence_num":566,"body":"خليلًا لاتّخذت أبا بكر خليلًا، إن صاحبكم خليل الله\" (¬١).\rويجب أن نعتقد أنه ﵊ مبعوث إلى عامّة الجن والإنس بالحق والهدى والنور.\rقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (¬٤).\rوقد حكى الله ﷾ عن الجنّ أنّهم قالوا: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ (¬٥).\rوقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ (¬٦).\rوقال ﷺ: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى الناس عامّة\" (¬٧).\rقال ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى: \"وكونه ﷺ مبعوثًا إلى الناس","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن ماجه: المقدمة - باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (١/ ٣٦).\r(¬٢) سورة الأعراف، آية (١٥٨).\r(¬٣) سورة الفرقان، آية (١).\r(¬٤) سورة سبأ، آية (٢٨).\r(¬٥) سورة الأحقاف آية (٣١).\r(¬٦) سورة الجن، آية (١، ٢).\r(¬٧) أخرجه البخاري: كتاب التيمّم (١/ ٨٦)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204720,"book_id":111,"shamela_page_id":567,"part":null,"page_num":582,"sequence_num":567,"body":"كافّة معلوم من دين الإسلام بالضرورة\" (¬١).\rويجب علينا أن نقدّم محبّته ﷺ على الوالد والولد والنفس والناس أجمعين؛ كما في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين\" (¬٢).\rويجب علينا أن نؤمن بأن الله ﷿ قد أيّده بالمعجزات الباهرات والآيات البيّنات الدالّة على صدقه في كل ما جاء به ﷺ، وهي كثيرة جدًا، وقد أُلّفت فيها مؤلّفات مستقلة، وذكر كثيرًا منها العلماء رحمهم الله تعالى في كتب التفسير والحديث والعقيدة ودلائل النبوّة والتاريخ وغيرها.\rوقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسائل كلّها.\rفقال عن وجوب الإيمان بما جاء به النبيّ ﷺ والتسليم له في ذلك: \"والرّضا بمحمد رسولًا يتضمّن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. . .﴾ (¬٣) الآية.\rوفي الصحيحين عن أنس عن النبيّ ﷺ قال: \"ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلّا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار\" (¬٤) ... \" (¬٥).\rوقال عن ما قام به النبيّ ﷺ من تبليغ رسالة ربّه والدعوة إليها: \"وقد بلّغ رسول الله ﷺ رسالات ربّه وعلّم أمّته مناسكهم وعباداتهم","footnotes":"(¬١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٧٨).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٧٢).\r(¬٣) سورة النساء، آية (٦٥).\r(¬٤) تقدم تخريجه (ص ٣٧٢).\r(¬٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٥، ٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204721,"book_id":111,"shamela_page_id":568,"part":null,"page_num":583,"sequence_num":568,"body":"وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها ... \" (¬١).\rوقال عن كمال ما جاء به من الهدى والخير مما يدلّ على وجوب محبّته وطاعته: \" ... ما أعطيت أمّة ما أعطيت هذه الأمة ببركة متابعة نبيّها ﷺ حيث كان أفضل الخلق، وهديه أكمل هدي مع ما يسّر الله على يديه من دينه ووضع به من الآصار والأغلال عن أمّته، فمن أطاعه فقد أطاع الله، وأحبّه الله، واهتدى بهدي الله\" (¬٢).\rوقال عن أوصاف النبيّ ﷺ: \"سمّاه الله مبشّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.\rفقيل سراجًا للمؤمنين ومنيرًا للمذنبين يوم القيامة بالشفاعة\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"وقد وصف الله نبيّه ﷺ بأنه يدعو الخلق بالكتاب إلى الصّراط المستقيم؛ كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (¬٤).\rوتال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ (¬٥).\rوقد كان النبيّ ﷺ يدعو الخلق بالقرآن إلى الدخول في الإسلام الذي هو الصّراط المستقيم، وبذلك استجاب له خواص المؤمنين كأكابر المهاجرين والأنصار، ولهذا المعنى قال مالك: \"فتحت المدينة بالقرآن\"، يعني أن أهلها إنما دخلوا الإسلام بسماع القرآن كما بعث النبيّ ﷺ مصعب بن عمير قبل أن يهاجر إلى المدينة، فدعا أهل المدينة إلى","footnotes":"(¬١) تفسير سورة النصر (ص ٧٦).\r(¬٢) المحجة في سير الدلجة (ص ٥٧).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ١٠).\r(¬٤) سورة إبراهيم، آية (١).\r(¬٥) سورة المؤمنون، آية (٧٣، ٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204722,"book_id":111,"shamela_page_id":569,"part":null,"page_num":584,"sequence_num":569,"body":"الإسلام بتلاوة القرآن عليهم فأسلم كثير منهم\" (¬١).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن المخالفين لأمر الرسول ﷺ ينقسمون إلى قسمين: قسم يردّون ما جاء به ولا يعتقدون وجوب طاعته، فهؤلاء خارجون عن الملّة.\rوقسم يعتقدون وجوب طاعته ولكنهم يخالفون أمره تهاونًا وكسلًا، فهؤلاء لهم نصيب من الهوان والذلّة بحسب ما هم عليه.\rفقال رحمه الله تعالى: \"ومخالفة الرسول على قسمين:\rأحدهما: مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره كمخالفة الكفار، وأهل الكتاب الذين لا يرون طاعة الرسول، فهم تحت الذلّة والصغار، ولهذا أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وعلى اليهود الذلّة والمسكنة لأن كفرهم بالرسول كفر عناد.\rوالثاني: من اعتقد طاعته ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية، فله نصيب من الذلّة والصغار.\rوقال الحسن: إنهم إن طقطقت (¬٢) بهم البغال، وهملجت (¬٣) بهم البراذين (¬٤)، فإن ذلّ المعصية في رقابهم، أبى الله أن يذلّ إلّا من عصاه.\rوكان الإمام أحمد يدعو: \"اللهمّ أعزّنا بالطاعة ولا تذلّنا بالمعصية\" .... (¬٥).","footnotes":"(¬١) شرح حديث مثل الإسلام ورقة (٩، ١٠).\r(¬٢) الطقطقة: هي صوت قوائم الخيل على الأرض الصلبة - لسان العرب (١٠/ ٢٢٥).\r(¬٣) الهملجة: هي مشية البراذين - لسان العرب (٢/ ٣٩٣).\r(¬٤) البراذين: جمع برذون، وهو يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، والأنثى منه يقال لها: برذونة، لسان العرب (١٣/ ٥١)، المعجم الوسيط (ص ٤٨).\r(¬٥) الحكم الجديرة بالإذاعة (٤٢، ٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204723,"book_id":111,"shamela_page_id":570,"part":null,"page_num":585,"sequence_num":570,"body":"المبحث الثامن كلامه في دعوة نبيّنا محمد ﷺ -\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"طبق الشرك الأرض بعد المسيح، فإن قومه الذين ادّعوا اتّباعه والإيمان به أشركوا غاية الشرك فجعلوا المسيح هو الله أو ابن الله، وجعلوا أمّة ثالث ثلاثة.\rأمّا اليهود، فإنهم وإن تبرّأوا من الشرك، فالشرك فيهم موجود، فإنه كان فيهم من عبد العجل في حياة موسى ﵇، وقال فيه: إنه الله، وأن موسى نسي ربّه وذهب يطلبه.\rولا شرك أعظم من هذا، وطائفة قالوا: العزير ابن الله، وهذا من أعظم الشّرك، وأكثرهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فأحلّوا لهم الحرام، وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إيّاهم، لأن من أطاع مخلوقًا في معصية الخالق واعتقد جواز طاعته أو وجوبها فقد أشرك بهذا الاعتبار حين جعل التحليل والتحريم لغير الله.\rوأما المجوس فشركهم ظاهر، فإنهم يقولون بإلهين قديمين أحدهما: نور، والآخر: ظلمة، فالنور خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وكانوا يعبدون النيران.\rوأمّا العرب والهند وغيرهم من الأُمم، فكانوا أظهر الناس شركًا يعبدون مع الله آلهة كثيرة، ويزعمون أنها تقرب إلى الله زلفى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204724,"book_id":111,"shamela_page_id":571,"part":null,"page_num":586,"sequence_num":571,"body":"فلما طبق الشرك أقطار الأرض، واستطار شرره من المشرق إلى المغرب بعث الله محمّدًا ﷺ بالحنيفية المحضة، والتوحيد الخالص دين إبراهيم ﵇، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فكان يدعو سرًّا إلى ذلك نحوًا من ثلاث سنين، فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمره بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (¬١)، فدعا إلى الله وإلى توحيده وعبادته وحده لا شريك له جهرًا وأعلن الدعوة، وذمّ الآلهة التي تعبد من دون الله، وذمّ من عبدها وأخبر أنه من أهل النار، فثار عليه المشركون واجتهدوا في إيصال الأذى إليه وإلى أتباعه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلّا إعلانًا بالدعوة وتصميمًا على إظهارها وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس ... \" (¬٢).\rثم استطرد ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان موقف الرسول ﷺ من هذه الدعوة، وكيف أنه ﵊ بذل كل ما يستطيع لنشر هذا الدين وتبليغه إلى الناس لتكون كلمة الله هي العليا، قال ﵀: \" ... وكان يخرج بنفسه في مواسم الحجّ إلى من يقدم إلى مكّة من قبائل العرب فيعرض نفسه عليهم ويدعوهم إلى التوحيد، وهم لا يستجيبون له، بل يردّون عليه ويسمعونه ما يكره، وربما نالوه بالأذى، وبقي عشر سنين على ذلك ... وكان يشقّ أسواقهم بالمواسم وهم مزدحمون بها كسوق ذي المجاز ينادى: \"يا أيها الناس قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا، ووراءه أبو لهب يؤذيه ويردّ عليه وينهى الناس عن اتباعه ... \" (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة الحجر، آية (٩٤).\r(¬٢) الحكم الجديرة بالإذاعة (٢٤ - ٢٦).\r(¬٣) المصدر السابق (ص ٢٦، ٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204725,"book_id":111,"shamela_page_id":572,"part":null,"page_num":587,"sequence_num":572,"body":"وقال رحمه الله تعالى يصف حال النبيّ ﷺ بعد وفاة زوجته خديجة ﵂ وعمّه أبي طالب، وما لاقاه من أذى قريش: \"ثم إن أبا طالب لما توفّي وتوفيت بعده خديجة اشتدّ المشركون على رسول الله ﷺ حتى اضطرّوه إلى أن خرج من مكّة إلى الطائف، فدعاهم إلى عباده الله وحده لا شريك له، فلم يجيبوه وقابلوه بغاية الأذى وأمروه بالخروج من أرضهم، وأغروا به سفهاءهم فاصطفوا له صفّين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أدموه، فخرج معه مولاه زيد بن حارثة فلم يمكنه دخول مكّة إلّا بجوار، وطلب من جماعة من رؤساء قريش أن يجيروه حتى يدخل مكّة، فلم يفعلوا حتى أجاره المطعم بن عدي فدخل إلى جواره، وعاد إلى ما كان عليه من الدعاء إلى توحيد الله وعبادته. . .\rوكان ﷺ ينادي من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلّغ رسالة ربّي وله الجنّة، فلا يجيبه أحد حتى بعث له الأنصار من المدينة فبايعوه، هذا كلّه وهو صابر على الدعوة إلى الله ﷿ على هذا الوجه راضٍ بما يحصل له فيها من الأذى، منشرح الصدر بذلك غير متضجّر منه، ولا جزع. . .\rوفي الصحيح عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، هل مرّ عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال: \"لقد لقيت من قومك ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثعالب (¬١)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا","footnotes":"(¬١) فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثعالب: أي لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي، وللموضع الذي أنا ذاهب إليه إلّا وأنا عند قرن الثعالب، وقرن الثعالب: هو قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكّة، وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير.\rلسان العرب (١٠/ ٣٢١)، ومعجم البلدان (٤/ ٣٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204726,"book_id":111,"shamela_page_id":573,"part":null,"page_num":588,"sequence_num":573,"body":"فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع كلام قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثم قال: إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك وما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (¬١)، فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا\" (¬٢).\rما مقصود الرسول ﷺ إلّا أن يعبد الله ولا يشرك به شيء، وما يبالي إذا حصل ذلك ما أصابه في الدعوة إليه إذا وحّد معبوده، حصل مقصوده ... ، إلى أن قال ﵀: \"فلم يزل ﷺ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له حتى ظهر دين الله وأعلن ذكره وتوحيده في المشارق والمغارب، وصارت كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وتوحيده هو الشائعٍ، وصار الدين كلّه لله، والطاعة كلها لله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فجعل ذلك علامة على اقتراب أجله وأُمر حينئذ بالتهيّؤ للقاء الله والنقلة إلى دار البقاء .... (¬٣).","footnotes":"(¬١) الأخشبان: تثنية الأخشب، والمراد بهما هنا جبلان بمكة هما جبل أبي قبيس وجبل قعيقعان.\rمعجم البلدان (١/ ١٢٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق (٤/ ٨٣)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير (٣/ ١٤٢٠).\r(¬٣) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ٢٨ - ٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204727,"book_id":111,"shamela_page_id":574,"part":null,"page_num":589,"sequence_num":574,"body":"المبحث التاسع بيانه فضل إرسال النبيّ ﷺ -\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: \"فليس لله نعمة أعظم من إرسال محمد ﷺ يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم\" (¬١).\rويقول أيضًا: \"وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (¬٢)، إشارة إلى ما كان الناس عليه قبل إنزال هذا الكتاب من الضلال، فإن الله نظر حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب تمسّكوا بدينهم الذي لم يبدّل ولم يغيّر، وكانوا قليلًا جدًا، فأمّا عامة أهل الكتاب فكانوا قد بدّلوا كتبهم وغيّروها وحرّفوها وأدخلوا في دينهم ما ليس منه فضلّوا وأضلّوا، وأمّا غير أهل الكتاب فكانوا على ضلال مبين، فالأمّيون أهل شرك يعبدون الأوثان، والمجوس يعبدون النيران ويقولون بإلهين اثنين، وكذلك غيرهم من أهل الأرض منهم من كان يعبد النجوم، ومنهم من كان يعبد الشمس أو القمر، فهدى الله المؤمنين بإرسال محمد ﷺ إلى ما جاء به من الهدى والدين الحق، وأظهر الله دينه حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فظهرت فيه كلمة التوحيد والعمل بالعدل بعد أن كانت الأرض كلّها ممتلئة من الشرك والظلم، فالأمّيون هم العرب والآخرون الذين لم يلحقوا بهم هم أهل","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٨٤).\r(¬٢) سورة الجمعة، آية (٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204728,"book_id":111,"shamela_page_id":575,"part":null,"page_num":590,"sequence_num":575,"body":"فارس والرّوم، فكانت فارس مجوسًا والروم نصارى، فهدى الله جميع هؤلاء برسالة محمد ﷺ إلى التوحيد ... لمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها ... \" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... فإن أعظم نعمة الله على هذه الأمّة إظهار محمد ﷺ لهم وبعثته وإرساله إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (¬٢)، فإن النعمة على الأمة بإرساله أعظم من النعمة بإيجاد السماء والأرض والشمس والقمر والرياح والليل والنهار وإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك، فإن هذه النعم كلها قد عمّت خلقًا من بني آدم كفروا بالله ورسله وبلقائه فبدّلوا نعمة الله كفرًا.\rفأمّا النعمة بإرسال محمد ﷺ فإن بها تمّت مصالح الدنيا والآخرة وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده، وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٨٦).\r(¬٢) سوره آل عمران، آية (١٦٤).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204729,"book_id":111,"shamela_page_id":576,"part":null,"page_num":591,"sequence_num":576,"body":"المبحث العاشر النجاة والسعادة في طاعة الرسول ﷺ واتباعه\rبيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أنه لا فلاح ولا سعادة ولا نجاة للعبد إلّا باتباع ما جاء به الرسول ﷺ، فمن أطاعه فيما جاء به من الحق المبين فقد نجا وزحزح نفسه عن النار، ومن أبى وتكبّر وعصى ولم يتبّع الرسول ﷺ فيما جاء به فقد خسر خسرانًا مبينًا، وعرض نفسه لعذاب الله ﷿، فإنه ما من خير يوصل إلى الجنّة إلّا ودلّنا عليه، وما من شرّ يوصل إلى النار إلّا وحذّرنا منه ﵊.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وفي الجملة: فمن امتثل ما أمر به النبيّ ﷺ في هذا الحديث (¬١) وانتهى عمّا نهى عنه، وكان مشتغلًا بذلك عن غيره حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع فيما حذّر منه النبيّ ﷺ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) هو حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم\".\rأخرجه مسلم: كتاب الفضائل - باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله عمّا لا ضرورة إليه (٤/ ١٨٣٠).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204730,"book_id":111,"shamela_page_id":577,"part":null,"page_num":593,"sequence_num":577,"body":"الفصل الثالث الإيمان بالقضاء والقدر\rويشتمل على المباحث التالية:\rالمبحث الأوّل: تعريف القضاء والقدر.\rالمبحث الثاني: معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك.\rالمبحث الثالث: مراتب الإيمان بالقضاء والقدر.\rالمبحث الرابع: النهي عن الخوض في القدر.\rالمبحث الخامس: الرضا بالقضاء والقدر.\rالمبحث السادس: حكم تمنّي الموت خشية الفتنة وعلاقته بالقضاء والقدر.\rالمبحث السابع: القضاء والقدر وفعل الأسباب.\rالمبحث الثامن: الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث: \"فحاج آدم موسى\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204731,"book_id":111,"shamela_page_id":578,"part":null,"page_num":595,"sequence_num":578,"body":"المبحث الأول تعريف القضاء والقدر\r١ - تعريف القضاء لغة:\rقال الجوهري: القضاء: الحكم، وأصله قضاي، لأنه من قضيت إلّا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع أقضية.\rوالقضية مثله، والجمع قضايا على فعالى وأصله فعائل.\rوقضى أي حكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (¬١)، وقد يكون بمعنى الفراغ، تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه، أي قتله كأنه فرغ منه.\rوسُمٌّ قاض، أي قاتل.\rوقضى نحبه قضاء أي مات، وقد يكون بمعنى الأداء والإنهاء، تقول: قضيت ديني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (¬٣)، أي أنهيناه وأبلغناه ذلك.","footnotes":"(¬١) سورة الإسراء، آية (٢٣).\r(¬٢) سورة الإسراء، آية (٤).\r(¬٣) سورة الحجر، آية (٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204732,"book_id":111,"shamela_page_id":579,"part":null,"page_num":596,"sequence_num":579,"body":"وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، يقال: قضاه أي صنعه وقدّره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (¬١)، ومنه القضاء والقدر (¬٢).\rوقال ابن الأثير: تكرّر ذلك القضاء، وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاض، إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق (¬٣).\rوقال الراغب الأصفهاني: القضاء فعل الأمر قولًا كان ذلك أو فعلًا، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي وبشري، فمن القول الإلهي قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (¬٤)، أي: أمر بذلك.\rوقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (¬٥)، فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا، وعلى هذا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ (¬٦).\rومن الفعل الإلهي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ (¬٧).\rوقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (¬٨).","footnotes":"(¬١) سورة فصلت، آية (١٢).\r(¬٢) الصحاح (٦/ ٢٤٦٣، ٢٤٦٤).\r(¬٣) النهاية لابن الأثير (٤/ ٧٨).\r(¬٤) سورة الإسراء، آية (٢٣).\r(¬٥) سورة الإسراء، آية (٤).\r(¬٦) سورة الحجر، آية (٦٦).\r(¬٧) سورة غافر، آية (٢٠).\r(¬٨) سورة فصلت، آية (١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204733,"book_id":111,"shamela_page_id":580,"part":null,"page_num":597,"sequence_num":580,"body":"إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (¬١)، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (¬٢)، أي الفصل.\rومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا، فإن حكم الحاكم يكون بالقول، ومن الفصل البشري: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (¬٣)، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (¬٤)، وقال تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (¬٥)، وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ (¬٦)، وقال: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (¬٧)، أي: أفرغوا من أمركم ..... (¬٨).\r٢ - تعريف القدر لغة:\rقال الراغب: القَدْرُ والتقدير تبيين كمية الشيء يقال قَدَرْته وقدرته، وقدّره بالتشديد أعطاه القدرة، يقال: قدّرني الله على كذا وقوّاني عليه ...\rوالقَدَر: وقت الشيء المقدّر له والمكان المقدّر له، قال تعالى: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ (¬٩)، وقال: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (¬١٠)، أي بقدر المكان المقدّر لأن يسعها (¬١١).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة، آية (١١٧).\r(¬٢) سورة الشورى، آية (١٤).\r(¬٣) سورة البقرة، آية (٢٠٠).\r(¬٤) سورة الحج، آية (٢٩).\r(¬٥) سورة القصص، آية (٢٨).\r(¬٦) سورة الأحزاب، آية (٣٧).\r(¬٧) سورة يونس، آية (٧١).\r(¬٨) المفردات للراغب الأصفهاني (ص ٤٠٦).\r(¬٩) سورة المرسلات، آية (٢٢).\r(¬١٠) سورة الرعد، آية (١٧).\r(¬١١) المفردات (ص ٣٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204734,"book_id":111,"shamela_page_id":581,"part":null,"page_num":598,"sequence_num":581,"body":"وقال الجوهري: قَدْرُ الشيء: مبلغه، وقدر الله وقَدْره بمعنىً، وهو في الأصل مصدر، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (¬١)، أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه ...\rوقَدَرْت الشيء أقْدُره وأقْدِره قَدْرًا من التقدير، وفي الحديث: \"إذا غمّ عليكم الهلال فاقدروا له\" (¬٢)، أي أتمّوا الثلاثين (¬٣).\r٣ - تعريف القضاء والقدر اصطلاحًا:\rاختلف عبارات العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف القضاء والقدر، فقال النووي رحمه الله تعالى: \"واعلم أن مذهب أهل الحقّ إثبات القدر، ومعناه: أن الله ﵎ قدّر الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدّرها ﷾\" (¬٤).\rوقال الجرجاني (¬٥): \"القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء ...\rوالقضاء: عبارة عن الحكم الإلهي في أعيان الموجودات على ما","footnotes":"(¬١) سورة الأنعام، آية (٩١).\r(¬٢) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الصوم (٢/ ٢٢٩)، ومسلم في كتاب الصيام (٢/ ٧٥٩) من حديث ابن عمر عن النبيّ ﷺ أنه ذكر رمضان، فقال: \"لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له\".\r(¬٣) الصحاح (٢/ ٧٨٦، ٧٨٧).\r(¬٤) شرح مسلم للنووي (١/ ١٥٤).\r(¬٥) علي بن محمد بن علي أبو الحسن الحسيني الحنفي المعروف بالشريف الجرجاني، من كبار العلماء بالعربية، له مؤلّفات كثيرة منها \"كتاب التعريفات\"، توفّي سنة ٨١٦ هـ.\rبغية الوعاة (٢/ ١٩٦)، والضوء اللامع (٥/ ٣٢٨)، والبدر الطالع (١/ ٤٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204735,"book_id":111,"shamela_page_id":582,"part":null,"page_num":599,"sequence_num":582,"body":"هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد (¬١).\rوذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى \"أن بعض العلماء عرّف القضاء: بأنه الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل\" (¬٢).\rوقال السفاريني: \"القضاء إرادة الله الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال\" (¬٣).\rوخلاصة القول في هذا ما قاله الإمام الخطابي رحمه الله تعالى، حيث قال: \"أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه\" (¬٤).\rويقول الراغب الأصفهاني: \"والقضاء من الله تعالى أخصّ من القدر لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر ﵄ لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: \"أتفرّ من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله\" (¬٥)، تنبيهًا أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجوّ أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له ... ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (¬٦)، وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (¬٧)، وقوله: ﴿وَقُضِيَ","footnotes":"(¬١) التعريفات (ص ١٧٤، ١٧٧).\r(¬٢) فتح الباري لابن حجر (١١/ ١٤٩).\r(¬٣) لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٤٧).\r(¬٤) معالم السنن (٤/ ٣٢٣).\r(¬٥) تقدم تخريجه (ص ٣٤٩).\r(¬٦) سورة مريم، آية (٢١).\r(¬٧) سورة مريم، آية (٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204736,"book_id":111,"shamela_page_id":583,"part":null,"page_num":600,"sequence_num":583,"body":"الْأَمْرُ﴾ (¬١)، أي فصل تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه\" (¬٢).\rوقد أجاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين سئل عن القدر، فقال: \"القدر قدرة الله على العباد\" (¬٣).\rوقد علّق العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى على تعريف الإمام أحمد، فقال: \"واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدلّ على دقّة علم أحمد وتبحّره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الله على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتّفق سلف الأمة على تكفيرهم\" (¬٤).\rوفي الحقيقة أن تعريف الإمام أحمد رحمه الله تعالى السابق تعريف جامع مانع، فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يبين أن القدر هو ما قرّره الله ﷾ في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (¬٥)، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (¬٦)، وقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (¬٧).\rإلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أن الأمور كلّها بيد الله ﷾، وأنه لا يحدث شيء في هذا الكون إلّا بإرادته ومشيئته تعالى.","footnotes":"(¬١) سورة البقرة، آية (٢١٠).\r(¬٢) المفردات (ص ٤٠٧).\r(¬٣) انظر: مسائل ابن هانئ (٢/ ١٥٥).\r(¬٤) شفاء العليل (ص ٢٨).\r(¬٥) سورة آل عمران، آية (١٥٤).\r(¬٦) سورة يونس، آية (٣).\r(¬٧) سورة يس، آية (٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204737,"book_id":111,"shamela_page_id":584,"part":null,"page_num":601,"sequence_num":584,"body":"المبحث الثاني معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك\rالإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول أهل السنة والجماعة وركن من أركان الإيمان الستة التي لا يتمّ الإيمان إلّا بها وهي الواردة في حديث جبريل الذي رواه مسلم وغيره، وفيه أن الإيمان هو: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه\" (¬١).\rومعنى الإيمان بالقدر هو التصديق الجازم بأن كل خير وشرّ فهو بقضاء الله وقدره، وأنه تعالى الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلّا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته، وإن كل أمر مخطوط في اللّوح المحفوظ، وأنه تعالى خالق أفعال العباد، وعالم بجميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، وأنه ﷾ يهدي من يشاء برحمته ويضلّ من يشاء بحكمته، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.\rوالإيمان بالقدر من الإيمان بالأمور الغيبية التي يجب على المسلم الإيمان بها.\rوالإيمان بالقدر سعادة في الدنيا والآخرة، لأن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه اطمأنّ قلبه وتعلّق بربه وصرف أمره إليه هذا مع ما في","footnotes":"(¬١) تقدّم تخريجه (ص ٥٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204738,"book_id":111,"shamela_page_id":585,"part":null,"page_num":602,"sequence_num":585,"body":"الإيمان بالقدر من تحقيق العبودية لله تعالى واستشعار عظمته وقدرته جلّ وعلا.\rوقد دلّ على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر أدلّة كثيرة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ؛ فمن الآيات قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ (¬١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (¬٢)، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (¬٣)، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (¬٤)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (¬٥).\rوأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جدًا، ومنها:\rحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه\" (¬٦).\rوحديث عليّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلّا الله وأني محمد رسول الله","footnotes":"(¬١) سورة الحجر، آية (٢١).\r(¬٢) سورة القمر، آية (٤٩).\r(¬٣) سورة الرعد، آية (٨).\r(¬٤) سورة الأحزاب، آية (٣٨).\r(¬٥) سورة التغابن، آية (١١).\r(¬٦) أخرجه الترمذي: كتاب القدر - باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشرّه (٤/ ٤٥١)، وأحمد حديث رقم (٦٧٠٣ و ٦٩٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه.\rوقال أحمد شاكر في كلٍّ منهما: إسناده صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204739,"book_id":111,"shamela_page_id":586,"part":null,"page_num":603,"sequence_num":586,"body":"بعثني بالحق، ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر\" (¬١).\rوحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس\" (¬٢).\rوحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان\" (¬٣).\rوحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قالت أم حبيبة: اللهمّ متّعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي، أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله ﷺ: \"إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يُعَجِّل شيئًا منها قبل حلّه، ولا يؤخّر منها شيئًا قبل حلّه، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرًا لك\" (¬٤).\rقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: \"وفي هذه الأحاديث كلّها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنّة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي: كتاب القدر باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره (٤/ ٤٥٢)، وابن ماجه: المقدمة - باب في القدر (١/ ٣٢)، والحاكم (١/ ٣٢)، وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي.\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٥).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٣٦١).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عمّا سبق به القدر (٤/ ٢٠٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204740,"book_id":111,"shamela_page_id":587,"part":null,"page_num":604,"sequence_num":587,"body":"بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرّها ونفعها وضرّها\" (¬١).\rوقد تكلّم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة القضاء والقدر، ووجوب الإيمان بذلك.\rفقال رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن حديث وصية النبيّ ﷺ لابن عباس، قال: \". . . ثم ذكر بعد هذا كلّه الأصل الجامع الذي يبنى عليه هذه المطالب وهو تفرّد الله ﷾ بالضرّ والنفع والعطاء والمنع، وأنه لا يصيب العبد من ذلك كلّه إلّا ما سبق تقديره وقضاه له، وأن الخلق كلهم عاجزون عن إيصال نفع أو دفع ضرّ غير مقدّر في الكتاب السابق\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى: وقوله ﷺ: \"جفّ القلم بما هو كائن\"، وفي الرواية الأخرى: \"رفعت الأقلام وجفّت الكتب\"، وفي الرواية الأخرى: \"وجفّت الصحف\" (¬٣)، كلّه كناية عن نفوذ المقادير وكتابتها جميعها في كتاب جامع من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا كتب وفرغ من كتابته وبَعُد عهده فقد رفعت الأقلام عنه التي كتبت بها من مدادها وجفّت الصحيفة المكتوبة فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دلّ الكتاب والسنن الصحيحة على مثل هذا المعنى، قال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) شرح مسلم للنووي (١٦/ ١٩٥، ١٩٦).\r(¬٢) نور الاقتباس (ص ٨٠).\r(¬٣) وردت هذه الروايات كلّها في حديث وصية النبيّ ﷺ لابن عباس، وقد سبق تخريجه (ص ١٤١).\r(¬٤) سورة الحديد، آية (٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204741,"book_id":111,"shamela_page_id":588,"part":null,"page_num":605,"sequence_num":588,"body":"وخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت، قال: \"إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة\" (¬١).\rوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ ﷺ قال: \"إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة\" (¬٢).\rوخرّج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: \"أتدرون ما هذان الكتابان\"؟ فقلنا: لا يا رسول الله، إلّا أن تخبرنا، فقال للّذي في يده اليمنى: \"هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا\"، ثم قال للّذي في شماله: \"هذا كتاب ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على أخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا\"، فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمره قد فرغ منه؟ فقال: \"سدّدوا وقاربوا فإن صاحب الجنّة يختم له بعمل أهل الجنّة وإن عمل أيّ عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل\"، ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما، ثم قال: \"فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنّة، وفريق في السعير\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٧). وأبو داود: كتاب السنة - باب في القدر (٥/ ٧٦)، والترمذي: كتاب القدر (٤/ ٤٥٨).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٤).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٧)، والترمذي: كتاب القدر (٤/ ٤٤٩) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف (٦/ ٢٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204742,"book_id":111,"shamela_page_id":589,"part":null,"page_num":606,"sequence_num":589,"body":"وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبيّ ﷺ قال: \"فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقيّ أو سعيد\" (¬١).\rوخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود عن النبيّ ﷺ، قال: \"خلق الله كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها\" (¬٢).\rوخرّج مسلم من حديث جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله، فيما العمل اليوم أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: \"لا، بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير\"، قال: ففيم العمل؟ قال: \"اعملوا فكل ميسّر\" (¬٣).\rوفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدًا، وكذلك الآثار الموقوفة\" (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وقوله ﷺ: \"فلو أن الخلق جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه\" (¬٥)، يريد بذلك أن ما يصيب العبد مما يضرّه أو ينفعه في دنياه فكلّه مقدّر عليه، ولا يمكن أن يصيبه ما لم يكتب له ولم يقدر عليه ولو اجتهد على ذلك الخلق كلّهم جميعًا، وقد دلّ القرآن أيضًا على مثل هذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (¬٦)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٠٤).\r(¬٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٤٠)، والترمذي: كتاب القدر (٤/ ٤٥١).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . (٤/ ٢٠٤٠).\r(¬٤) نور الاقتباس (ص ٧٥ - ٧٧).\r(¬٥) جزء من حديث وصية النبيّ ﷺ لابن عباس، وقد تقدم تخريجه (ص ١٤١).\r(¬٦) سورة التوبة، آية (٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204743,"book_id":111,"shamela_page_id":590,"part":null,"page_num":607,"sequence_num":590,"body":"الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (¬١)، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (¬٢).\rوخرّج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبيّ ﷺ قال: \"إن لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه\" (¬٣).\rواعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبيّ ﷺ لابن عباس على هذا الأصل وما بعده وما قبله متفرّع عليه وراجع إليه، فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأن اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتّة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضارّ النافع والمعطي المانع\" (¬٤).\rبهذا يتبيّن لنا أن قول ابن رجب رحمه الله تعالى في مسألة قضاء الله وقدره موافق لما دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة، وموافق لقول غيره من علماء السلف من أهل السنّة والجماعة؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مقرّرًا مذهب السلف: \"مذهب أهل السنّة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء وربّه ومليكه لا ربّ غيره، ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله، منهيّ عن معصية الله ومعصية رسوله، فإن أطاع كان ذلك نعمة، وإن عصى كان مستحقًا للذمّ والعقاب وكان لله عليه الحجّة البالغة، ولا حجّة لأحد","footnotes":"(¬١) سورة الحديد، آية (٢٢).\r(¬٢) سورة آل عمران، آية (١٥٤).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٥)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٧٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٧): رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.\r(¬٤) نور الاقتباس (ص ٧٨، ٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204744,"book_id":111,"shamela_page_id":591,"part":null,"page_num":608,"sequence_num":591,"body":"على الله تعالى، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته، ولكن يحبّ الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها على فعلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب عليها ويهينهم.\rوما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (¬١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (¬٢)، أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك، وما أصابك من حزن وذلّ وشرّ فبذنوبك وخطاياك، وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلابدّ أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره، وأن يوقن العبد بشرع الله وأمره\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة الشورى، آية (٣٠).\r(¬٢) سورة النساء، آية (٧٩).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٦٣، ٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204745,"book_id":111,"shamela_page_id":592,"part":null,"page_num":609,"sequence_num":592,"body":"المبحث الثالث مراتب الإيمان بالقضاء والقدر\rمراتب الإيمان بالقضاء والقدر تتلخص في أربعة أمور استنبطها العلماء (¬١) رحمهم الله تعالى من الكتاب والسنّة، وهي:\rالمرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله تعالى السابق المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، ويدخل في ذلك أفعال العباد وجميع أحوالهم من الأرزاق والآجال والطاعات والمعاصي، فهو ﷾ عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض، ومن الأدلّة على هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (¬٣)، وقوله ﷺ: \"ما منكم من نفس إلّا وقد علم منزلها من الجنّة والنار\" (¬٤).\rالمرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب مقادير كل شيء في اللّوح","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ٦٦) وما بعدها.\r(¬٢) سورة التوبة، آية (٧٨).\r(¬٣) سورة الحشر، آية (٢٢).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر (٤/ ٢٠٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204746,"book_id":111,"shamela_page_id":593,"part":null,"page_num":610,"sequence_num":593,"body":"المحفوظ الذي لم يفرّط فيه من شيء، ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ (¬٣)، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (¬٤).\rوقوله ﷺ: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة\" (¬٥).\rوقوله ﷺ: \"إن أوّل ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ربّ وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة\" (¬٦).\rالمرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله تعالى النافذة وقدرته الشاملة للكائنات وفق ما علمه وكتبه ﷾ في أوقاتها وأماكنها وعلى هيئاتها التي قدّرها لها، فكل ما شاءه الله كان وما لم يشأ لم يكن.","footnotes":"(¬١) سورة الحديد، آية (٢٢).\r(¬٢) سورة يونس، آية (٦١).\r(¬٣) سورة هود، آية (٦).\r(¬٤) سورة الأنعام، آية (٣٨).\r(¬٥) تقدم تخريجه (ص ٦٠٥).\r(¬٦) تقدم تخريجه (ص ٦٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204747,"book_id":111,"shamela_page_id":594,"part":null,"page_num":611,"sequence_num":594,"body":"ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (¬١)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (¬٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (¬٣).\rوقوله ﷺ: \"إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء\" (¬٤)، وقوله ﷺ: \"إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء وردّها حين شاء. . .\" (¬٥).\rوقد أثبت الله تعالى للعبد مشيئة ولكنها لا تستقلّ بل هي تابعة لمشيئة الله تعالى، قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (¬٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ (¬٧).\rالمرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء هو خالق العباد وخالق أفعالهم ومقدّر أرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم قضى ذلك تعالى وقدّره لحكم يعلمها، فما من ذرّة في السموات ولا في الأرض إلّا والله ﷾ خالقها وخالق حركتها وسكونها سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه.","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران، آية (٤٠).\r(¬٢) سورة الأنعام، آية (٣٩).\r(¬٣) سورة يس، آية (٨٢).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر - باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (٤/ ٢٠٤٥).\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد - باب في المشيئة والإرادة (٨/ ١٩٢).\r(¬٦) سورة التكوير، آية (٢٩).\r(¬٧) سورة الإنسان، آية (٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204748,"book_id":111,"shamela_page_id":595,"part":null,"page_num":612,"sequence_num":595,"body":"وهذه المرتبة، أي مرتبة الوجود والخلق هي وقوع الأشياء طبقًا لما علمه وطبقًا لما كتبه ولما شاءه ﷿، ومن أدلّة هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (¬١)، وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (¬٢)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (¬٣).\rوقوله ﷺ: \"يا عائشة، إن الله خلق للجنّة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم\" (¬٤).\rوقوله ﷺ: \"إن الله خلق كل صانع وصنعته\" (¬٥).\rقال البخاري رحمه الله تعالى عقب هذا الحديث: \"فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة\".\rهذه مراتب الإيمان بالقضاء والقدر، ومن لم يؤمن بها جميعًا لم يكن مؤمنًا بالقدر.\rوقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المراتب وبيّنها وجعلها","footnotes":"(¬١) سورة الزمر، آية (٦٢).\r(¬٢) سورة فاطر، آية (٣).\r(¬٣) سورة الفرقان، آية (٢).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب القدر (٤/ ٢٠٥٠).\r(¬٥) أخرجه البخاري: في خلق أفعال العباد (ص ٧٣)، وابن أبي عاصم في السنّة (١/ ١٥٨)، والحاكم (١/ ٣١)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أيضًا البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢٠٩) كلّهم أخرجوه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204749,"book_id":111,"shamela_page_id":596,"part":null,"page_num":613,"sequence_num":596,"body":"في درجتين كل درجة تتضمّن مرتبتين، فقال: \"والإيمان بالقدر على درجتين:\rإحداهما: الإيمان أن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشرّ وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنّة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعدّ لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.\rوالدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنّة والجماعة، وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد (¬١) وغيره.\rوقد قال كثير من أئمّة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقرّوا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ، فقد كذّب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقرّوا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا، لأن ما أقرّوا به حجّة عليهم فيما أنكروه (¬٢).","footnotes":"(¬١) عمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان البصري المعتزلي القدري، قال الخطيب: \"كان عمرو يسكن البصرة وجالس الحسن البصري، وحفظ عنه اشتهر بصحبته ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنّة، فقال بالقدر ودعا إليه واعتزل أصحاب الحسن، توفي سنة ١٤٤ هـ، وقيل غير ذلك\".\rتاريخ بغداد (١٢/ ١٦٢)، ووفيات الأعيان (٣/ ٤٦٠)، وميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٣).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٠، ٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204750,"book_id":111,"shamela_page_id":597,"part":null,"page_num":614,"sequence_num":597,"body":"المبحث الرابع النهي عن الخوض في القدر\rلقد نهى الإسلام عن التنطّع والتشدّد والبحث فيما غاب عن علم الإنسان ممّا استأثر الله بعلمه، ومن ذلك البحث في سرّ القدر والتعمّق في النظر في دقائقه، لأن ذلك من الأمور التي استأثر الله بعلمها فلم يطلع عليها أحدًا من الخلق لا ملكًا مقرّبًا ولا نبيًا مرسلًا، ولهذا فإن التعمّق والجدل في القضاء والقدر من الخذلان، لأن المجادل فيه لا يدرك مراده، وكلّما احتجّ بحجة كسرتها أخرى، وربما أفضى به ذلك إلى الإلحاد والزيغ عن الطريق المستقيم، والخوض في القدر أوّل ظاهرة للشرك في هذه الأمّة كما يدلّ عليه ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄، قال: قيل لابن عباس: إن رجلًا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلّوني عليه، وهو يومئذ قد عمي، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضنّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنّها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج، تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أوّل شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدّر خيرًا كما أخرجوه أن يكون قدّر شرًا\" (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (١/ ٣٣٠)، وقال أحمد شاكر: إسناده حسن على الأقل. المسند تحقيق/ أحمد شاكر (٥/ ٢٢)، حديث رقم (٣٠٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204751,"book_id":111,"shamela_page_id":598,"part":null,"page_num":615,"sequence_num":598,"body":"وقد جاء كفار قريش إلى النبيّ ﷺ يخاصمونه في القدر، فأنزل الله ﷾ في ذلك آية ترد عليهم كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش إلى النبيّ ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (¬١).\rوقد حصل بعض الخصام بين بعض الصحابة ﵃ في القدر، فنهاهم النبيّ ﷺ عن الخوض في ذلك والتعمّق فيه لما يؤدّي إليه من نتائج سيّئة.\rفعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلّمون في القدر، قال: \"وكأنما تَفَقَّأ في وجهه حب الرمان من الغضب، قال: فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم\"، وقال: \"فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس، أني لم أشهده\" (¬٢).\rوقد كان السلف من الصحابة ﵃ ومن بعدهم يكرهون الجدال في القدر ويذمّون من خاض فيه بل حذّروا من ذلك، فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ يقول: \"باب شرك فتح على أهل الصّلاة: التكذيب بالقدر فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة القمر، آية (٤٨، ٤٩).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨)، وقال أحمد شاكر، إسناده صحيح. المسند تحقيق أحمد شاكر (١٠/ ١٥٣)، حديث رقم (٦٦٦٨)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه: المقدمة - باب في القدر (١/ ٣٣)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\r(¬٣) أخرجه الآجري في الشريعة (ص ٢١٥)، واللالكائي في شرح أصول أهل السنّة (٤/ ٦٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204752,"book_id":111,"shamela_page_id":599,"part":null,"page_num":616,"sequence_num":599,"body":"ويقول أيضًا ﵁: ما غلا أحد في القدر إلّا خرج من الإسلام (¬١).\rفالسلف رحمهم الله تعالى كرهوا الكلام في القدر والخوض فيه، لكن لما خاضت المبتدعة في هذا الأمر وحادوا عن الصواب رأى السلف الصالح أنه يجب عليهم أن يبيّنوا للناس الحق والصواب فيما ضلّ فيه هؤلاء، ذلك لأنه لم يظهر القول في القدر إلّا بعد مضيّ نصف القرن الأول تقريبًا، حيث أن معبدًا الجهني (¬٢) هو أوّل من أثار القول في هذا الأمر.\rروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى يحيى بن يعمر (¬٣)، أنّه قال: \"كان أوّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري (¬٤) حاجّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا","footnotes":"(¬١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول أهل السنّة (٤/ ٦٣٢).\r(¬٢) معبد بن عبد الله الجهني نزيل البصرة، كان داعية إلى الضلال وهو أوّل من تكلّم بالقدر في زمن الصحابة، قال ابن أبي حاتم: كان صدوقًا في الحديث وكان رأسًا في القدر، قدم المدينة فأفسد بها ناسًا، وقد قتله عبد الملك سنة ٨٠ هـ.\rالجرح والتعديل (٨/ ٢٨٠)، وميزان الاعتدال (٤/ ١٤١)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢٢٥).\r(¬٣) الإمام الفقيه المقرئ أبو سليمان يحيى بن يعمر العدواني البصري، كان من أوعية العلم وحملة الحجّة. قال ابن سعد: كان نحويًّا صاحب علم بالعربية والقرآن، أتى خراسان فنزل مرو، وولي القضاء بها، وكان ثقة، توفي سنة ٨٩ هـ.\rطبقات ابن سعد (٧/ ٣٦٨)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٣٠٥)، وغاية النهاية (٢/ ٣٨١).\r(¬٤) حميد بن عبد الرحمن الحميري، شيخ بصري، ثقة عالم، قال العجلي: تابعي ثقة.\rتاريخ الثقات للعجلي (ص ١٣٤)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204753,"book_id":111,"shamela_page_id":600,"part":null,"page_num":617,"sequence_num":600,"body":"أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرأون القرآن ويَتَقَفَّرون العلم (¬١) وذكر من شأنهم أنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر\" (¬٢).\rولقد سلك هذا المسلك العلماء من بعدهم الذين ساروا على ما سار عليه الصحابة الكرام ﵃. يقول أبو محمد البربهاري رحمه الله تعالى: \"والكلام والجدل والخصومة في القدر خاصّة منهيّ عنه عند جميع الفرق، لأن القدر سرّ الله، ونهى الربّ جلّ اسمه الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى النبيّ ﷺ عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله ﷺ، والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك التسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله ﷺ في جملة الأشياء، واسكت عمّا سوى ذلك\" (¬٣).\rويقول البغوي رحمه الله تعالى: \"والقدر سرّ من أسرار الله لم يطلع عليه ملكًا مقرّبًا، ولا نبيًا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يعتقد أن الله ﷾ خلق الخلق، فجعلهم","footnotes":"(¬١) يتقفرون العلم: أي يطلبونه ويتتبعونه. النهاية لابن الأثير (٤/ ٩٠).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب الإيمان - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان. . . (١/ ٣٦).\r(¬٣) شرح السنة للبربهاري (ص ٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204754,"book_id":111,"shamela_page_id":601,"part":null,"page_num":618,"sequence_num":601,"body":"فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلًا، وأهل الشمال خلقهم للجحيم عدلًا\" (¬١).\rوقد تكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة، فقال: \"وقد ورد النهي عن الخوض في القدر، وفي صحيح ابن حبان والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: \"لا يزال أمر هذه الأمة موافيًا ومقاربًا ما لم يتكلّموا في الولدان والقدر\" (¬٢).\r. . . والنهي عن الخوض في القدر يكون على وجوه، منها: ضرب كتاب الله بعضه ببعض فينزع المثبت للقدر بآية والنافي له بأخرى ويقع التجادل في ذلك، وهذا قد روي أنه وقع في عهد النبيّ ﷺ، وأن النبيّ ﷺ غضب من ذلك ونهى عنه (¬٣).\rوهذا من جملة الاختلاف في القرآن والمراء فيه، وقد نُهي عن ذلك (¬٤).","footnotes":"(¬١) شرح السنة للبغوي (١/ ١٤٤).\r(¬٢) أخرجه ابن حبان كما في موارد الظمآن (ص ٤٥١)، والحاكم (١/ ٣٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا نعلم له علّة، ووافقه الذهبي.\rوأخرجه أيضًا البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٣٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٦٢)، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠٢): رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال البزار رجال الصحيح.\r(¬٣) يشير ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الكلام إلى حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: هجّرت إلى رسول الله ﷺ يومًا، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب\"، أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٥٣).\r(¬٤) كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: \"المراء في القرآن كفر\". =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204755,"book_id":111,"shamela_page_id":602,"part":null,"page_num":619,"sequence_num":602,"body":"ومنها: الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا بالأقيسة العقلية؛ كقول القدرية: لو قدّر وقضى ثم عذّب كان ظالمًا، وقول من خالفهم: إن الله جبر العباد على أفعالهم ونحو ذلك.\rومنها: الخوض في سرّ القدر، وقد ورد النهي عنه عن عليّ وغيره من السلف، فإن العباد لا يطلعون على حقيقة ذلك (¬١).","footnotes":"= أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٦)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وأبو داود: كتاب السنة - باب النهي عن الجدال في القرآن (٥/ ٩)، والحاكم (٢/ ٢٢٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\rوالطبراني في الكبير (١٩/ ٢٢٣)، وقال الهيثمي (١/ ١٥٧): رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.\r(¬١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ١٣٦، ١٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204756,"book_id":111,"shamela_page_id":603,"part":null,"page_num":620,"sequence_num":603,"body":"المبحث الخامس الرضا بالقضاء والقدر\rالرضا بالقضاء والقدر هو التسليم وسكون القلب وطمأنينته للقضاء الذي قضى الله ﷾ به وهو الحكيم العليم، وهذا جزء لا يتجزأ من الإيمان وركن من أركانه لا يصح الإيمان إلّا به، ولكن يجب على المؤمن ألّا يرضى بالذنوب والعيوب ومخالفة الإسلام؛ لأن الله تعالى أمره ألّا يرضى بها وأن يحاربها ويعمل على إزالتها، ويجب عليه طاعة الله تعالى والتوبة والاستغفار من الذنوب، ولا يحتجّ بأنها مقدّرة عليه لأن هذا احتجاج مردود.\rأمّا الرّضا بما قدّره الله ﷾ وقضاه من المصائب والنوائب والصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته وعلى أنواع المكاره والطمأنينة إلى حكم الله ﷿ فهذا مأمور به، وهذا أمر يخلط فيه بعض الناس فيظنّون أن العبد مأمور بالرضا بكل ما قدّره الله وقضاه سواء كانت المصائب أو الذنوب والمعاصي، ولا شكّ أن هذا غلط مجانب للصواب، لأن الحق في هذا أن العبد لا يلزمه الرضا بكل مقضيّ فضلًا عن أن يسر به، بل المعاصي والذنوب وإن كانت بقضاء الله وقدره إلّا أن العبد يكرهها ويسخطها وتجب عليه التوبة منها والندم على اقترافها.\rيقول ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى: \"فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204757,"book_id":111,"shamela_page_id":604,"part":null,"page_num":621,"sequence_num":604,"body":"فالجواب: أن يقال أوّلًا: نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدّره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنّة بل من المقضيّ ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذمّ.\rويقال ثانيًا: هنا أمران: قضاء الله وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضيّ وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كلّه خير وعدل وحكمة، نرضى به كلّه، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.\rويقال ثالثًا: القضاء له وجهان، أحدهما: تعلّقه بالربّ تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به.\rوالوجه الثاني: تعلّقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به، مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدّره الله وقضاه وكتبه وجعله أجلًا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به، ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا نرضى به (¬١).\rولذلك لا يلزم من الرّضا بقضاء الله وقدره ترك المطالبة بالحقوق والإنتصاف من الظلمة والمعتدين، ولا ينافي ذلك أيضًا نسبة الظلم والاعتداء إليهم؛ لأن حقيقة الظالم والمعتدي هو من فعل الظلم والاعتداء، وهذا وصف للعبد المكتسب بإرادته واختياره، فمعاقبته على هذا الفعل هو مقتضى العدل والحكمة.\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أسبابًا للرضا بالقضاء، فقال: \"وللرضا بالقضاء أسباب:","footnotes":"(¬١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204758,"book_id":111,"shamela_page_id":605,"part":null,"page_num":622,"sequence_num":605,"body":"منها: يقين العبد بالله وثقته به بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلّا وهو خير له، فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح، فإنه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنه لا يريد له إلّا الأصلح. . .\rومنها: النظر إلى وعد الله من ثواب الرّضا، وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألم المقضي به. . .\rومنها: وهو أعلى من ذلك كلّه الاستغراق في محبّة الله ودوام ملاحظة جلاله وجماله وعظمته وكماله الذي لا نهاية له، فإن قوّة ملاحظة ذلك يوجب الإستغراق فيه حتى لا يشعر بالألم. . .\" (¬١).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن الرّضا بالقضاء والقدر ليس بواجب، بل هو مستحب مندوب إليه. يقول في إيضاح ذلك في شرح حديث وصيّة النبيّ ﷺ لابن عباس: \"والمقصود أن النبيّ ﷺ أمر ابن عباس بالعمل بالرّضا إن استطاعه، ثم قال له: فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا\".\rوهذا يدلّ على أن الرّضا بالأقدار المؤلمة ليس بحتم واجب، وإنما هو فضل مندوب إليه، فمن لم يستطع الرّضا فليلزم الصبر، فإن الصبر واجب لابدّ منه، وفيه خير كثير، فإن الله تعالى أمر بالصبر ووعد عليه جزيل الأجر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) نور الاقتباس (ص ٨٦، ٨٧).\r(¬٢) سورة الزمر، آية (١٠).\r(¬٣) سورة البقرة، آية (١٥٥ - ١٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204759,"book_id":111,"shamela_page_id":606,"part":null,"page_num":623,"sequence_num":606,"body":"وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ (¬١).\rوحقيقة الفرق بين الصبر والرّضا أن الصبر كفّ النفس وحبسها عن التسخّط مع وجود الألم، والرّضا يوجب انشراح الصدر وسعته، وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرّضا يخفّف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وقد يزيل الإحساس به بالكلية (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وكما أن الصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى كما صحّ ذلك عن النبيّ ﷺ (¬٣)، فالرّضا إنما يكون بعد نزول البلاء، كما كان النبيّ ﷺ يقول في دعائه: \"وأسألك الرّضا بعد القضاء\" (¬٤)، لأن العبد قد يعزم على الرّضا بالقضاء قبل وقوعه، فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضى بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة.\rوفي الجملة فالصبر واجب لابدّ منه، وما بعده إلّا السخط، ومن سخط أقدار الله فله السخط مع ما يتعجّل له من الألم وشماتة الأعداء به أعظم من جزعه؛ كما قال بعضهم:\rلا تجزعن من كل خطب عرا ... ولا ترى الأعداء ما يشتموا\rيا قوم بالصبر تنال المنى ... إذا لقيتم فئة فاثبتوا","footnotes":"(¬١) سورة الحج، آية (٣٤، ٣٥).\r(¬٢) نور الاقتباس، (ص ٨٨، ٨٩).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٣/ ١٧١)، ومسلم (٢/ ٦٣٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.\r(¬٤) جزء من حديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٦٤)، والنسائي (٣/ ٥٤)، والحاكم (١/ ٥٢٤) وصححه ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204760,"book_id":111,"shamela_page_id":607,"part":null,"page_num":624,"sequence_num":607,"body":"وقال النبيّ ﷺ: \"من يتصبّر يصبّره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرًا ولا أوسع من الصبر. . .\" (¬١).\rوالصبر الجميل هو أن يكتم العبد المصيبة ولا يخبر بها، قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (¬٢)، قالوا: \"لا شكوى معه. . .\" (¬٣).\rكما بيّن ابن رجب ﵀ أن ما يصيب المسلم من المصائب والمحن والبلايا له فوائد وحكم كثيرة في الدنيا والآخرة، يقول في آخر كتاب نور الاقتباس: \"ولنختم الكتاب بذكر نبذة يسيرة من لطائف البلايا وفوائدها وحكمها:\rفمنها: تكفير الخطايا بها، والثواب على الصّبر عليها. . .\rومنها: تذكر العبد بذنوبه، فربما تاب ورجع منها إلى الله ﷿.\rومنها: زوال قسوة القلب وحدوث رقّتها.\rومنها: إنكسار العبد لله ﷿ وذلّه له، وذلك أحبّ إلى الله من كثير من طاعات الطائعين.\rومنها: أنها توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله، والوقوف ببابه والتضرّع له والاستكانة، وذلك من أعظم فوائد البلاء.\rوقد ذمّ الله من لا يستكين له عند الشدائد، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة - باب الاستعفاف في المسألة (٢/ ١٢٩)، ومسلم: كتاب الزكاة - باب فضل التعفّف والصبر (٢/ ٧٢٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\r(¬٢) سورة يوسف، آية (٨٣).\r(¬٣) نور الاقتباس (ص ٩٠، ٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204761,"book_id":111,"shamela_page_id":608,"part":null,"page_num":625,"sequence_num":608,"body":"أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ (¬١).\rوقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ (¬٢).\rومنها: أن البلاء يوصل إلى قلبه لذّة الصبر والرّضا به، وذلك مقام عظيم جدًا. . .\rومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن من الالتفات إلى المخلوق، ويوجب له الإقبال على الخالق وحده، وقد حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد، فكيف بالمؤمن!\rفالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه، وذلك أعلى المقامات وأشرف الدرجات. . .\rومنها: أن العبد إذا اشتدّ عليه الكرب، فإنه محتاج حينئذ إلى مجاهدة الشيطان لأنه يأتيه فيقنطه ويسخطه، فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه، فيكون في مجاهدة عدوّه ودفعه دفع البلاء عنه ورفعه.\rومنها: أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولاسيّما بعد كثرة الدعاء وتضرّعه، ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللّائمة، ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت (¬٣).\rكما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر، فقال: \"فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلّا ما كتب الله من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ، وأن اجتهاد الخلق كلّهم جميعًا على","footnotes":"(¬١) سورة المؤمنون، آية (٧٦).\r(¬٢) سورة الأنعام، آية (٤٢).\r(¬٣) نور الاقتباس (ص ١٠٨ - ١١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204762,"book_id":111,"shamela_page_id":609,"part":null,"page_num":626,"sequence_num":609,"body":"خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضارّ النافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربّه ﷿ وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرّع والابتهال وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة؛ لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار. . .\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"فإذا أنت أحكمت باب اليقين، فحصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يوجب رضا النفس بالقضاء والقدر وطمأنينتها به.\rوقد دلّ القرآن الكريم على هذا المعنى بعينه في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (¬٢).\rقال الضحاك (¬٣): \"عزاهم لئلّا تأسوا على ما فاتكم: لا تأسوا على شيء من أمر الدنيا فإنّا لم نقدّره لكم، ولا تفرحوا بما آتاكم: لا تفرحوا بشيء من أمر الدنيا أعطيناكموه فإنه لم يكن يزوى عنكم\" (¬٣).\rوقال سعيد بن جبير (¬٤) في هذه الآية: \"لكيلا تأسوا على ما فاتكم","footnotes":"(¬١) نور الاقتباس (ص ٧٩).\r(¬٢) سورة الحديد، آية (٢٣).\r(¬٣) الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو محمد صاحب التفسير، قال الذهبي: كان من أوعية العلم، وليس بالمجود لحديثه، وهو صدوق في نفسه، وله باع كبير في التفسير والقصص، توفي سنة ١٠٢ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٨)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٥٣).\r(¬٤) الإمام الحافظ المجود المقرئ المفسّر أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، من كبار التابعين، كان ذا عبادة، وزهد ودين، قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ. طبقات ابن سعد (٦/ ٢٥٦)، ذكر أخبار أصبهان (١/ ٣٢٤)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204763,"book_id":111,"shamela_page_id":610,"part":null,"page_num":627,"sequence_num":610,"body":"من العافية والخصب إذا علمتم أنه كان مكتوبًا عليكم قبل أن يخلقكم\".\rومن هذا المعنى قول بعض السلف: \"الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، وقد أشار النبيّ ﷺ إلى ذلك بقوله في الحديث الصحيح عنه: \"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان\" (¬١)، فأشار في هذا الحديث إلى أن تذكير النفس بالقدر السابق عند المصائب يذهب وسواس الشيطان الموجبة للهمّ والحزن والندم على تعاطي الأسباب الدافعة لوقوعها\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣٦١).\r(¬٢) نور الاقتباس (ص ٨٢، ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204764,"book_id":111,"shamela_page_id":611,"part":null,"page_num":628,"sequence_num":611,"body":"المبحث السادس حكم تمنّي الموت وعلاقته بالقضاء والقدر\rتكلّم ابن رجب رحمه الله تعالى عن حكم تمنّي الموت في عدة مواضع من كتبه، وبين أن تمنّي الموت خشية الفتنة جائز، وقد دعا به الصحابة ﵃ والصالحون من بعدهم.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: \"والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \". . .وأمّا تمنّي الموت خوف فتنة، فإنه يجوز بلا خلاف\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا في معرض ذكر وجوه تمنّي الموت: \"ومنها تمنّيه خوف الفتنة في الدين فيجوز حينئذ، وقد تمنّاه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمّة الإسلام\" (¬٣).\rفقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن تمنّي الموت خشية الفتنة جائز، وما قرّره ابن رجب رحمه الله تعالى في هذه المسألة قد ورد ما يدلّ عليه في كتاب الله ﷾ وسنّة رسوله ﷺ، فقد أخبر الله ﵎ في كتابه عن مريم أنها تمنّت","footnotes":"(¬١) اختيار الأَوْلى (ص ١٠٧).\r(¬٢) شرح حديث زيد: \"لبيك اللهمّ لبّيك\" ورقة (٧).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٣٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204765,"book_id":111,"shamela_page_id":612,"part":null,"page_num":629,"sequence_num":612,"body":"الموت؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ (¬١).\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: \"فيه دليل على جواز تمنّي الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدّقونها في خبرها وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾، أي قبل هذا الحال ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾، أي لم أخلق ولم أك شيئًا\" (¬٢).\rوقال أيضًا ﵀ في موضع آخر: \"وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت؛ كما قال الله تعالى أخبارًا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهدّدهم بالقتل، قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (¬٣)، وقالت مريم لما جاءها المخاض وهو الطلق إلى جذع النخلة: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (¬٤)، لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة، لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت\" (¬٥).\rوقال القرطبي في التذكرة -باب جواز تمنّي الموت والدعاء به خوف ذهاب الدين- قال الله ﷿ مخبرًا عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (¬٦)، وعن مريم ﵍ في قولها: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (٤).","footnotes":"(¬١) سورة مريم، آية (٢٣).\r(¬٢) تفسير ابن كثير (٣/ ١١٦، ١١٧).\r(¬٣) سورة الأعراف، آية (١٢٦).\r(¬٤) سورة مريم، آية (٢٣).\r(¬٥) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٩٢).\r(¬٦) سورة يوسف، آية (١٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204766,"book_id":111,"shamela_page_id":613,"part":null,"page_num":630,"sequence_num":613,"body":"عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه\" (¬١).\rقلت: لا تعارض بين هذه الترجمة والتي قبلها لما نبيّنه. أمّا يوسف ﵇، فقال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد نبيّ ولا غيره إلّا يوسف ﵇ حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربّه ﷿، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي﴾ (¬٢)، فاشتاق إلى لقاء ربّه ﷿، وقيل: إن يوسف ﵇ لم يتمنّ الموت وإنّما تمنّى الموافاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفّني مسلمًا، وهذا القول هو المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل، والله أعلم.\rوأمّا مريم ﵍، فإنما تمنّت الموت لوجهين:\rأحدهما: أنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها وتعيّر، فيفتنها ذلك.\rالثاني: لئلّا يقع قوم بسببها في البهتان والزور والنسبة إلى الزّنا، وذلك مهلك لهم. . . فعلى هذا الحد الذي ذكرناه. . . يكون تمنّي الموت في حقها جائزًا، والله أعلم.\rوأمّا الحديث، فإنما هو خبر أن ذلك سيكون لشدّة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين، وضعفه وخوف ذهابه، لا لضرّ ينزل بالمرء في جسمه أو غير ذلك من ذهاب ماله مما يحطّ به عنه خطاياه (¬٣).\rكما دلّ على جواز تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين أحاديث المصطفى ﷺ.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الفتن (٨/ ١٠٠)، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤/ ٢٢٣١).\r(¬٢) سورة يوسف، آية (١٠١).\r(¬٣) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ١٢، ١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204767,"book_id":111,"shamela_page_id":614,"part":null,"page_num":631,"sequence_num":614,"body":"منها: حديث معاذ بن جبل ﵁ الطويل، وفيه قوله ﷺ: \"وإذا أردت فتنة في قوم فتوفّني غير مفتون\" (¬١).\rومنها: قوله ﷺ: \"اللهمّ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرًا لي. . .\" (¬٢).\rبهذا يتبيّن أن تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين جائز.\rوعلاقة هذه المسألة بمبحث القضاء والقدر أن تمنّي الموت خشية الفتنة في الدين ليس فيه تسخط وتضجّر مما قضاه الله ﷾ وقدّره، وإنما هو طلب خير الأمرين. وأمّا تمنّي الموت خوف الضرر ونزول المكروه، فهذا فيه تسخط وتضجّر من قضاء الله وقدره الذي سبق به الكتاب، ولأجل هذا جاء النهي عن ذلك.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: \"ووجه كراهيته في هذه الحال -أي تمنّي الموت- أن المتمنّي للموت لضرّ نزل به إنما يتمنّاه تعجيلًا للإستراحة من ضرّه، وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت، فلعلّه يصير إلى أعظم من ضرّه، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، وفي الحديث عن النبيّ ﷺ، قال: \"إنما يستريح من غفر له\" (¬٣)، فلهذا لا ينبغي له أن يدعو بالموت إلّا أن يشترط أن يكون خيرًا له عند الله ﷿، فكذلك كل ما لا يعلم العبد فيه الخيرة له، كالغنى والفقر وغيرهما كما يشرع له استخارة الله تعالى فيما يريد أن يعمله مما لا يعلم وجه الخيرة فيه، وإنما يسأل الله ﷿ الجزم والقطع مما يعلم أنه خير محض\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ١٩٠).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٤٤).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٦/ ٦٩)، والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٣٧٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٣٠)، رواه البزار ورجاله ثقات.\r(¬٤) لطائف المعارف (ص ٣٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204768,"book_id":111,"shamela_page_id":615,"part":null,"page_num":632,"sequence_num":615,"body":"المبحث السابع القضاء والقدر وفعل الأسباب\rالإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من مباشرة الأسباب، لأن مباشرة الأسباب والأخذ بها مأمور به، وهي من قدر الله ولأن الله ﷾ جعل مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم والثواب والعقاب والحل والحرمة وغير ذلك مرتبطة بالأسباب قائمة عليها، فالله ﷾ قدر أن يكون الحرث سببًا في وجود الزرع، والنكاح سببًا في وجود الولد، وشرب الماء سببًا في الري، والدواء سببًا في الشفاء، والعمل الصالح سببًا في دخول الجنة، والعمل السيىء سببًا في دخول النار، مع الإيمان بأن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله ﷾، فالذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج والثمار، والأسباب والمسببات جميعها من أقدار الله تعالى، فلابد لنا من مباشرتها للحصول على ما ربط بها من نتائج ومسببات.\rوقد أمرنا الله ﷾ ببذل الأسباب فقال ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ (¬١) وبيّن الرسول ﷺ أن الأسباب المشروعة هي من القدر كما جاء في حديث أبي خزامة عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من","footnotes":"(¬١) سورة الملك آية (١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204769,"book_id":111,"shamela_page_id":616,"part":null,"page_num":633,"sequence_num":616,"body":"قدر الله شيئًا؟ قال: \"هي من قدر الله\" (¬١).\rوحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه\" (¬٢).\rولذا فإن دعوى أن الإيمان بقضاء الله وقدره مدعاة إلى الخمول والكسل والاتكالية كما يدعي ذلك الجهلة من أهل التصوف وغيرهم دعوى باطلة لأن قضاء الله ﷾ وقدره لا يتخذ سبيلًا إلى التواكل، ولا ذريعة إلى المعاصي، وإنما يتخذ سبيلًا إلى تحقيق الغايات الكبرى من جلائل الأعمال، ولهذا كان الإيمان بالقضاء والقدر سر عظمة المسلمين الأولين لأنهم أخذوا بالأسباب وبذلوا جهدهم إنفاذًا لأمر الله ﷾ وأمر رسوله ﷺ، وقد بيّن هذا رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فأعدوا العدة للحرب والقتال، وفكروا ودبروا وخططوا.\rفالرسول ﷺ استعان بالقدر على تحقيق رسالته الكبرى التي كلف بها ﵊ فقام بها خير قيام فقاوم الجهل بالعلم، وقاوم الكفر والمعاصي بالجهاد، وقاوم الفقر بالعمل، وقاوم المرض بالدواء، وكان ﷺ يستعيذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل.\rوما غزواته المظفرة ﷺ إلا دليل على أخذه بالأسباب ﵊.\rوهكذا أصحابه ﵃ حيث أنهم لما سمعوا أحاديث القدر اجتهدوا في العمل أشد مما كانوا عليه ولذا كان يقول أحدهم: ما كنت","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣٤٨).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب الاستعفاف.\rومسلم: كتاب الزكاة، باب كراهية مسألة الناس (٢/ ٧٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204770,"book_id":111,"shamela_page_id":617,"part":null,"page_num":634,"sequence_num":617,"body":"بأشد اجتهادًا مني الآن (¬١) ولهذا لما خرج عمر ﵁ إلى الشام لقيه أمراء الأمصار وأخبروه بانتشار الوباء فيها فاستشار المهاجرين والأنصار، ثم مهاجرة الفتح من مشايخ قريش، فاجتمع المهاجرة على الرجوع بعدًا عن الوباء فأمر عمر بذلك، فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديًا له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبًا في بعض حاجته- فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف\" (¬٢).\rفإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادًا في فعلها والقيام بها، وأعظم من قيامه في أسباب معاشه ومصالح دنياه.\rوبهذا يتبين أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح مع ملاحظة أن مباشرة الأسباب لا يعني تعلق القلب بها أو الاعتقاد بأنها مفضية إلى نتائجها قطعًا بل يجب أن يكون الاعتماد في حصول النتيجة على الله وحده لا على مباشرة السبب.\rيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \". . . فالالتفات إلى","footnotes":"(¬١) انظر: شفاء العليل (ص ٢٦).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٣٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204771,"book_id":111,"shamela_page_id":618,"part":null,"page_num":635,"sequence_num":618,"body":"الأسباب، واعتبارها مؤثرة في المسببات شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح، ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب المأمور بها، فهو عاجز مفرط مذموم (¬١).\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال مبينًا أن الله ﷾ هو خالق الأسباب والمسببات: \"والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \". . . لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون نعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. . .\r﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (¬٣). . . (¬٤).\rكما أشار رحمه الله تعالى إلى أنواع الأسباب فقال: \"والأسباب","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٢٨، ٥٢٩).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٨٣).\r(¬٣) سورة الليل آية (٥ - ١٠).\r(¬٤) لطائف المعارف (ص ٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204772,"book_id":111,"shamela_page_id":619,"part":null,"page_num":636,"sequence_num":619,"body":"نوعان: أحدهما: أسباب الخير فالمشروع أنه يفرح بها ويستبشر ولا يسكن إليها بل إلى خالقها ومسببها، وذلك هو تحقيق التوكل على الله والإيمان به كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (¬١).\rومن هذا الباب الاستبشار بالفأل وهو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة، وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبب لها، وقل من فعل ذلك إلا وكل إليها وخذل، فإن جميع النعم من الله وفضله كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (¬٢)، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (¬٣).\rولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسببها ومقدرها كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه صلى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: \"أتدرون ما قال ربكم الليلة، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب\" (¬٤).\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر\" (¬٥) وهذا مما يدل على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه،","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران (١٢٦).\r(¬٢) سورة النساء آية (٧٩).\r(¬٣) سورة النحل آية (٥٣).\r(¬٤) تقدم تخريجه (ص ٤٨٦).\r(¬٥) تقدم تخريجه (ص ٤٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204773,"book_id":111,"shamela_page_id":620,"part":null,"page_num":637,"sequence_num":620,"body":"فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاده أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة، ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع شرك خفي.\rوالنوع الثاني: أسباب الشر فلا تضاف إلا إلى الذنوب لأن جميع المصائب إنما هي بسبب الذنوب كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (¬١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (¬٢) فلا تضاف إلى شيء من الأسباب سوى الذنوب كالعدوى أو غيرها، والمشروع اجتناب ما ظهر منها واتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة مثل اتقاء المجذوم والمريض والقدوم على مكان الطاعون، وأما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه فإن ذلك من الطيرة المنهى عنها (¬٣).\rبهذا يتبين لنا غلط كثير من الناس حيث توهموا أن فعل الأسباب وتعاطيها ينافي التوكل والاعتماد على الله، وينافي الإيمان بالقضاء والقدر وفهموا أن الإيمان بالقضاء والقدر يعني الخمول والكسل وترك فعل الأسباب وهذا غلط بيّن وهو ناتج عن عدم فهم الإيمان بالقضاء والقدر على الوجه الصحيح، والحق في هذه المسألة ما سبق بيانه، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) سورة النساء آية (٧٩).\r(¬٢) سورة الشورى آية (٣٠).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٨٥، ٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204774,"book_id":111,"shamela_page_id":621,"part":null,"page_num":638,"sequence_num":621,"body":"المبحث الثامن الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث \"فحج آدم موسى\"\rلقد ضل كثير من الناس في هذه المسألة وأخذ كثير منهم ينغمس في فعل المعاصي والفواحش ثم يحتج على ذلك بالقدر وأنه لا حيلة له فيما قدر عليه، وهذا في غاية البطلان ولا يقوله إلا صاحب هوى، لأنه لا يجوز لمن عصى الله ورسوله أن يدفع عن نفسه اللوم بأن الله هو الذي قدر عليه الوقوع في المعصية وشاءها منه، فإن هذا الاحتجاج معارضة لشرع الله، وأمره، ومخاصمة له ﷾ في أمره وشرعه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وطعن في حكمته وعدله، ودفع له بقضائه وقدره وفي هذا إبطال للشرع وللدين كله (¬١).\rوقد زعم المشركون أن الله ﷾ قد رضي منهم الكفر لأنه في نظرهم يلزم من مشيئة الله لكفرهم رضاه به، فأبطل الله حجتهم ودحضها بقوله ﷿: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (¬٢).\rفهذا جواب رب العزة لمن يحتج بقدره سبحانه على معصيته، ولله","footnotes":"(¬١) انظر: رسالة في الاحتجاج بالقدر لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ١٤٠).\r(¬٢) سورة الأنعام آية (١٤٨، ١٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204775,"book_id":111,"shamela_page_id":622,"part":null,"page_num":639,"sequence_num":622,"body":"الحجة البالغة، فقد بيّن ﷾ كذبهم في الاحتجاج بالمشيئة على ما وقعوا فيه من الشرك ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص ثم بيّن أن الحجة له ﷾ على عباده بقوله ﵎: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (¬١) ولو صح الاحتجاج بالقدر على مثل هذا لما حُدَّت الحدود وفرضت الفرائض وخلقت الجنة والنار والله ﷾ يقول: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (¬٢) وهذا لا ينافي القول بأن الله ﷾ خلق أفعال العباد كلها وقدرها عليهم (¬٣).\rولو كان القدر حجة للعبد فيما يقترفه من المعاصي لكان حجة لجميع الناس في كل شيء لأنهم مشتركون في القدر.\rوالعجيب أن من يحتج بالقدر في المعاصي لا يحتج بالقدر إذا وقع عليه ظلم بل يغضب ويلجأ إلى كل وسيلة لرفع الظلم عن نفسه ولم نسمع أحدًا منهم يقول بأن الله قدر لي ذلك وكتبه علي، ولذلك لا حيلة لي، مما يدل على أن الشيطان أضلهم وزين لهم أعمالهم، وإلا فيلزم من احتج بالقدر في المعاصي أن لا يلوم من ظلمه ولا ينكر على من شتمه وأخذ ماله أو أهلك حرثه ونسله، وهو لا يقر بذلك ولذلك فإن الاحتجاج بقدر الله على معصيته مع ظهور عقابه سبحانه للعصاة، فيه نسبة الظلم إليه سبحانه وهو أمر يتنافى مع الإيمان بالله ﷿ (¬٤).\rإضافة إلى أن المحتج بالقدر على معصيته متقول على الله بغير علم","footnotes":"(¬١) سورة الأنعام آية (١٤٩).\r(¬٢) سورة النساء آية (١٦٥).\r(¬٣) انظر: شفاء العليل (ص ٣٧، ٣٨).\r(¬٤) انظر: رسالة في القضاء والقدر لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٩٠ - ٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204776,"book_id":111,"shamela_page_id":623,"part":null,"page_num":640,"sequence_num":623,"body":"إذ كيف يصح للعاصي أن يحتج بأن الله كتب عليه المعصية قبل صدور ذلك منه، وقدر الله قبل وقوعه غيب لا يعلمه إلا هو ﷿ مع أنه مخاطب قبل إقدامه على عصيان ربه بطاعته والتزام أمره، وبمثل هذه الحجة البالغة أجاب سبحانه على هؤلاء المتذرعين بقدر الله في مواضع أخرى من القرآن، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (¬١).\rفليس الإيمان بالقدر حجة للإنسان على فعل المعاصي أو التهاون بما أوجب الله عليه لأن الله ﷾ أعطى الإنسان عقلًا يتمكن به من الإرادة وأعطاه قدرة يتمكن بها من العمل، ولذلك إذا سلب عقل الإنسان لم يعاقب على معصية ولا ترك واجب وإذا سلب قدرته على الواجب لم يؤاخذ بتركه، وكذلك لا يؤاخذ الله العبد على ما فعله من محرم جاهلًا به أو ناسيًا لأنه ليس مختارًا لفعله لو علم بتحريمه، فالاحتجاج بالقدر على المعاصي أو ترك الواجبات حجة داحضة باطلة لا يفعلها إلا المبطلون المكابرون.\rكما أن هذه الحجة يبطلها العقل وذلك لأن المحتج بالقدر ليس عالمًا بالقدر فيبني عمله عليه فكيف يحتج بما ليس له تأثير في فعله إذ لا تأثير للشىء في فعل الفاعل حتى يكون عالمًا بهذا المؤثر، فالإنسان العاقل إذا تأمل الأمور بعقله ونظر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ علم علمًا يقينًا أنه لا حجة للإنسان بقضاء الله وقدره على فعله للمعاصي، والواجب على المسلم أن يجعل القضاء والقدر وسيلة إلى الاستعانة بالله وطلب الهداية منه لأنه ﷾ بيده مقاليد الأمور كلها، فالصحابة ﵃ لما قالوا للنبي ﷺ: أفلا ندع العمل ونتكل على القضاء","footnotes":"(¬١) سورة الأعراف آية (٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204777,"book_id":111,"shamela_page_id":624,"part":null,"page_num":641,"sequence_num":624,"body":"قال: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء\" (¬١) ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (¬٢). . . (¬٣).\rوالمحتجون بالقدر على المعاصي هم الجبرية (¬٤) من الجهمية ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم.\rومن أشهر الأدلة التي استدلوا بها على تسويغ تفريطهم وعصيانهم حديث احتجاج آدم وموسي، عليهما الصلاة والسلام وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة\" فقال النبي ﷺ: \"فحج آدم موسى، فحج آدم موسى\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٦٠٦).\r(¬٢) سورة الليل آية (٥ - ١٠).\r(¬٣) انظر: معارج القبول (٢/ ٣٦١).\r(¬٤) سموا بذلك نسبة إلى الجبر وهو نفي الفعل عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى، فهم يقولون: إن العبد مجبور على فعله فهو كالريشة في مهب الريح وكحركات المرتعش ليس له إرادة ولا قدرة على الفعل، وممن قال بهذا الجهم بن صفوان، وهم أصناف، فمنهم الجبرية الخالصة وهم الذين يقولون بقول جهم، ومنهم من يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة.\rاعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٦٨) ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨) والملل والنحل (١/ ٨٥).\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى (٧/ ٢١٤) ومسلم: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉ (٤/ ٢٠٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204778,"book_id":111,"shamela_page_id":625,"part":null,"page_num":642,"sequence_num":625,"body":"وقد اختلفت الأقوال (¬١) تجاه هذا الحديث ويمكن حصرها فيما يأتي:\r١ - هناك فريق كذبوا هذا الحديث وردوه وقالوا: لو صح هذا الحديث لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، وهذا هو قول القدرية من المعتزلة ومن نحا نحوهم.\r٢ - وهناك فريق آخر جعلوا هذا الحديث حجة على فعل المعاصي فكلما عملوا معصية احتجوا بالقدر واستدلوا بهذا الحديث وهم الجبرية ومن وافقهم.\r٣ - وهناك فريق ثالث فسروه بعدة تفسيرات فبعضهم قال: إنما حجه لأنه كان أباه، والابن لا يلوم الأب.\rوقال بعضهم: إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة أخرى.\rوقال بعضهم: إنما حجه لأن الاحتجاج به كان في الآخرة دون الدنيا.\rوقال بعضهم: إنما حجه لأن اللوم كان بعد التوبة.\rوهذه الأقوال كلها لا تسلم من ضعف أو اعتراض، فمن رد الحديث وكذبه فلا عبرة بقوله لأن الحديث ثابت.\rوأما من قال إنما حجه لأنه أبوه فهو قول فاسد، لأن الحق يجب المصير إليه سواء كان مع الأب أو الابن أو العبد أو السيد، وكذلك قول","footnotes":"(¬١) انظر: حكاية هذه الأقوال والردود والمناقشات فيها في مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٣ - ٣٠٥) ودرء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤١٨ - ٤٢٠) وشفاء العليل (ص ٢٨ - ٣١) وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٥٠٩ - ٥١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204779,"book_id":111,"shamela_page_id":626,"part":null,"page_num":643,"sequence_num":626,"body":"من قال لأن الذنب كان في شريعة والملام في أخرى فهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها، وإن كانت لم تجمعهم شريعة واحدة.\rوكذلك قول من قال إنه لامه في غير دار التكليف فهذا فاسد لوجهين:\r١ - أن آدم ﵇ إنما احتج بالقدر السابق، ولم يقل لموسى ﵇ لم تلومني وأنا لست في دار التكليف.\r٢ - أن هذه الحجة مبنية على أن اللوم لا يصح إلا في دار التكليف وهذا منقوض بوقوع اللوم في غير دار التكليف كما يلوم الله سبحانه بعض عباده المستحقين للذم بعد الموت في يوم القيامة كقوله تعالى للكفار يوم القيامة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ (¬١).\rوأما من قال إن آدم حج موسى لأن موسى لامه بعد التوبة من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.\rفقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا القول وإن كان أقرب إلى الصواب من غيره فإنه لا يصح لثلاثة وجوه:\rأحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه، ولا جعله حجة على موسى، ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه.\rالثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعد هداه، فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلًا عن كليم الرحمن.","footnotes":"(¬١) سورة المؤمنون آية (١٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204780,"book_id":111,"shamela_page_id":627,"part":null,"page_num":644,"sequence_num":627,"body":"الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة، واعتبار ما ألغاه، فلا يلتفت إليه (¬١).\rوأحسن جواب فسر به هذا الحديث هو أن موسى ﵇ إنما لام آدم على المصيبة التي أصابته وذريته وهي خروجه من الجنة ونزوله إلى الأرض، ولم يكن اللوم لأنه عصى أمر الله وأكل من الشجرة يدل على ذلك قوله في الحديث: \"أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة\" ولم يقل له: لماذا خالفت الأمر، ولماذا عصيت؟ . . . فاللوم واقع على المصيبة، وهي مقدرة فحج آدم موسى، والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بالتسليبم لقدر الله السابق كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ (¬٢).\rوهذا الجواب هو جواب شيخ الإسلام ابن تيمية (¬٣) وتلميذه ابن القيم (¬٤) رحمهما الله تعالى.\rوهو ما قال به ابن رجب رحمه الله تعالى حيث قال: \"لما التقى آدم وموسى ﵉ عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريته من الجنة فاحتج آدم بالقدر السابق، والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن كما قال ﷺ: \"إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل\" (¬٥). . . (¬٦) والله أعلم.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (ص ٣٠، ٣١).\r(¬٢) سورة التغابن آية (١١).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٩).\r(¬٤) انظر: شفاء العليل (ص ٣٨).\r(¬٥) تقدم تخريجه (ص ٣٦١).\r(¬٦) لطائف المعارف (ص ٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204781,"book_id":111,"shamela_page_id":628,"part":null,"page_num":645,"sequence_num":628,"body":"الفصل الرابع الإيمان باليوم الآخر\rويشتمل على المباحث الآتية:\rالمبحث الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر.\rالمبحث الثاني: الإيمان بأشراط الساعة.\rأولًا: العلامات الصغرى.\rثانيًا: العلامات الكبرى.\rالمبحث الثالث: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته.\rالمبحث الرابع: الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر.\rالمبحث الخامس: مستقر الأرواح.\rالمبحث السادس: الصراط.\rالمبحث السابع: بيان المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾.\rالمبحث الثامن: الشفاعة.\rالمبحث التاسع: الجنة ونعيمها.\rالمبحث العاشر: رؤية الله ﷾ في الجنة.\rالمبحث الحادي عشر: النار وعذابها.\rالمبحث الثاني عشر: خلق الجنة والنار.\rالمبحث الثالث عشر: الجنة والنار باقيتان لا تفنيان أبدًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204782,"book_id":111,"shamela_page_id":629,"part":null,"page_num":647,"sequence_num":629,"body":"المبحث الأول أهمية الإيمان باليوم الآخر\rالإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان الستة، وعقيدة من عقائد الإسلام الأساسية، وأصل عظيم من أصول الإيمان، إذ لا يصح إيمان أحد إلا بالإيمان به.\rويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور، وخروج الخلق من قبورهم، وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع، وتفاصيل الحشر ونشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض، والشفاعة لمن أذن الله له، وبالجنة ونعيمها، وبالنار وعذابها وغيرها من الأمور التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، والصحيح من سنة المصطفى ﷺ.\rوقد دل على وجوب الإيمان باليوم الآخر كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ كما يدل عليه العقل والفطرة السليمة، وقد أكثر الله ﷾ من ذكره في كتابه، وأقام عليه الأدلة، ورد شبه المنكرين للبعث في كثير من المواضع، كما فصل أمور ذلك اليوم وحوادثه تفصيلًا كثيرًا، مع أن كل رسول أرسله الله بشر قومه وأنذرهم بهذا اليوم العظيم، وكفر كل من ينكره أو يشك فيه.\rوالإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل ولا سبيل إلى معرفته إلا بالنص عن طريق الوحي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204783,"book_id":111,"shamela_page_id":630,"part":null,"page_num":648,"sequence_num":630,"body":"وقد مدح الله المؤمنين بالغيب وأثنى عليهم ونوه بذكرهم، وذكر تعالى ما لهم من الأجر العظيم والثواب الجزيل والنعيم المقيم.\rفيجب على المسلم التصديق الجازم بجميع ما جاء عن اليوم الآخر في كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ لأن هذا اليوم قد دل على وقوعه النقل والعقل والفطرة كما صرحت به جميع الكتب السماوية ونادى به جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم.\rفمن الآيات الدالة على وجوب الإيمان باليوم الآخر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ. . .﴾ (¬١) الآية.\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (¬٣).\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (¬٤).\rومن الأحاديث الدالة على وجوب الإيمان باليوم الآخر قوله ﷺ: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره شره\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (١٧٧).\r(¬٢) سورة البقرة آية (٦٢).\r(¬٣) سورة الطلاق آية (٢).\r(¬٤) سورة النساء آية (١٣٦).\r(¬٥) تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204784,"book_id":111,"shamela_page_id":631,"part":null,"page_num":649,"sequence_num":631,"body":"وقوله ﷺ: \"لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، بعثني بالحق، ويؤمن بالموت ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره\" (¬١).\rفهذه الآيات والأحاديث تدل على وجوب الإيمان باليوم الآخر وتبين أهميته.\rوقد اهتم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الركن من أركان الإيمان اهتمامًا كبيرًا وتعرض له في كثير من مؤلفاته بل إنه أفرد بعض جوانبه بمؤلفات خاصة، فقد تكلم في كتابه أهوال القبور عن عذاب القبر ونعيمه وما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث كما تكلم أيضًا في كتاب التخويف من النار عن النار وعذابها وصفات أهلها، كما أنه أشار في ثنايا كتبه الأخرى عن جوانب كثيرة مما يكون بعد الموت من البعث والنشور وما يكون في يوم القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار، وما يكون قبل ذلك كله من علامات وأشراط مما هو دليل على ذلك اليوم العظيم.\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى وجوب الإيمان بالغيب والتسليم بذلك بدون تكلف البحث عن الكيفيات التي ترد في الكتاب والسنة، لأن البحث في ذلك يؤدي إلى الحيرة والشك فقال رحمه الله تعالى مبينًا ذلك: \"ومما يدخل النهي عن التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمرنا بالإيمان بها ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يغني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك ويرتقي إلى التكذيب\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٦٠٢).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204785,"book_id":111,"shamela_page_id":632,"part":null,"page_num":650,"sequence_num":632,"body":"كما بيّن رحمه الله تعالى أن كل ما في الدنيا دليل على الآخرة ومذكر بها فقال: \"كل ما في الدنيا فهو مذكر بالآخرة ودليل عليها، فنبات الأرض واخضرارها في الربيع بعد محولها ويبسها في الشتاء وإيناع الأشجار واخضرارها بعد كونها خشبًا يابسًا يدل على بعث الموتى من الأرض وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضع كثيرة قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (¬١) \".\rوقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (¬٢).\rوقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ (¬٣).\rقال أبو رزين للنبي ﷺ: كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: \"هل مررت بواد أهلك محلًا ثم مررت به يهتز خضرًا؟ \" قال: نعم، قال: \"كذلك يخرج الله الموتى وذلك آيته في خلقه\" خرّجه الإمام أحمد (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة الحج آية (٥ - ٧).\r(¬٢) سورة ق آية (٩ - ١١).\r(¬٣) سورة الأعراف آية (٥٧).\r(¬٤) أخرجه أحمد (٤/ ١١)، ورجاله ثقات إلا وكيع بن حرس وقيل عُرُس، قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص ٣٦٩) مقبول.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204786,"book_id":111,"shamela_page_id":633,"part":null,"page_num":651,"sequence_num":633,"body":"وقصر مدة الزرع والثمار وعود الأرض بعد ذلك إلى يبسها والشجر إلى حالها الأول كعود ابن آدم بعد كونه حيًا إلى التراب الذي خلق منه، وفصول السنة تذكر بالآخرة، فشدة حر الصيف يذكر بحر جهنم، وهو من سمومها، وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم وهو من زمهريرها ..... وأما الربيع فهو أطيب فصول السنة وهو يذكر بنعيم الجنة وطيب عيشها، وينبغي أن يحث المؤمن على الاستعداد لطلب الجنة بالأعمال الصالحة (¬١).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى وجوب الاستعداد لما بعد الموت بالأعمال الصالحة فقال: \"فالواجب على العبد الاستعداد للموت قبل نزوله بالأعمال الصالحة والمبادرة إلى ذلك، فإنه لا يدري المرء متى تنزل به هذه الشدة من ليل أو نهار.\rوذكر الأعمال الصالحة عند الموت مما يحسن ظن المؤمن بربه، ويهون عليه شدة الموت ويقوي رجاءه (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت، وما بعده أشد منه إن لم يكن مصير العبد إلى خير، فالواجب على المؤمن الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ (¬٣).\rفمن ذكر الله في حال صحته ورخائه واستعد حينئذ للقاء الله","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٣٢٩).\r(¬٢) نور الاقتباس (ص ٥٨).\r(¬٣) سورة الحشر آية (١٨، ١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204787,"book_id":111,"shamela_page_id":634,"part":null,"page_num":652,"sequence_num":634,"body":"عز وجل بالموت وما بعده ذكره الله عند هذه الشدائد فكان معه فيها، ولطف به وأعانه وتولاه وثبته على التوحيد فلقيه وهو عنه راض.\rومن نسي الله في حال صحته ورخائه، ولم يستعد حينئذ للقائه نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض عنه فأهمله، فإذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له أحسن الظن بربه، وجاءته البشرى من الله، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، والفاجر بعكس ذلك.\rوحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط ويقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (¬١)) (¬٢).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أقسام الناس باليوم الآخر فمنهم المكذب والمنكر الذي لا يرجو لقاءه، ومنهم المصدق والمقر به وهؤلاء على درجات متفاوتة فقال: \"انقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين:\rأحدهما: من أنكر أن يكون للعباد دار بعد الدنيا للثواب والعقاب وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ (¬٣).\rوهؤلاء همهم التمتع في الدنيا واغتنام لذاتها قبل الموت كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (¬٤).\rالقسم الثاني: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.","footnotes":"(¬١) سورة الزمر آية (٥٦).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٩٤، ٩٥).\r(¬٣) سورة يونس آية (٧، ٨).\r(¬٤) سورة محمد آية (١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204788,"book_id":111,"shamela_page_id":635,"part":null,"page_num":653,"sequence_num":635,"body":"والظالم لنفسه هم الأكثرون منهم، وأكثرهم واقف مع زهرة الدنيا وزينتها، فأخذها من غير وجهها، واستعملها في غير وجهها، وصارت الدنيا أكبر همه، بها يرضى وبها يغضب، ولها يوالي وعليها يعادي، وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا، ولا أنها منزلة سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان أحدهم يؤمن بذلك إيمانًا مجملًا فهو لا يعرفه مفصلا، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا، مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة.\rوالمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة وأدى واجباتها وأمسك لنفسه الزائد على الواجب، يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهاد في الدنيا ... ولا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا.\rقال ابن عمر: \"لا يصيب عبد من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمًا\" (¬١) أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد، وروي مرفوعًا من حديث عائشة بإسناد فيه نظر، ويشهد لهذا أن الله حرم على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليها، وادخرها لهم عنده في الآخرة، وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله ﷿: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً","footnotes":"(¬١) أخرجه موقوفًا ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (ص ١١١) وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ٣٢٣) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٦).\rوأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢/ ٥٩٢) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٦٣): رواه ابن أبي الدنيا، وإسناده جيد، وروي عن عائشة مرفوعًا، والموقوف أصح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204789,"book_id":111,"shamela_page_id":636,"part":null,"page_num":654,"sequence_num":636,"body":"لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ (¬١) \".\rوصح عن النبيّ ﷺ أنه قال: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة\" (¬٢).\rوقال: \"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في إناء الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة\" (¬٣).\rوأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المراد من الدنيا، وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن إلله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملًا كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (¬٤).\rوقال بعض السلف أيهم أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة، وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنة، لينظر من يقف منهم معه ويركن إليه، ومن ليس كذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا","footnotes":"(¬١) سورة الزخرف آية (٣٣ - ٣٥).\r(¬٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١٤١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. والشطر الأول منه أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه (٧/ ٤٤).\rوالشطر الثاني: أخرجه مسلم: كتاب الأشربة (٤/ ١٥٨٨).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض (٦/ ٢٠٧) ومسلم: كتاب اللباس والزينة (٤/ ١٦٣٨).\r(¬٤) سورة هود آية (٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204790,"book_id":111,"shamela_page_id":637,"part":null,"page_num":655,"sequence_num":637,"body":"لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ (¬١) ثم بيّن انقطاعه وإنفاده فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ (¬٢).\rفلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا جعلوا همهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار، فاكتفوا من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره كما كان النبيّ ﷺ يقول: \"ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح عنها وتركها\" (¬٣) ...\rوأهل هذه الدرجة على قسمين:\rمنهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسد الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد.\rومنهم من يفسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض شهواتها المباحة لتقوى النفس بذلك وتنشط للعمل كما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: \"حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة\" (¬٤) ...\rومتى نوى من تناول شهواته المباحة التقوي على طاعة الله كانت شهواته له طاعة يثاب عليها (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة الكهف آية (٧).\r(¬٢) سورة الكهف آية (٨).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٥٧٩).\r(¬٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨) والنسائي: كتاب عشرة النساء (٧/ ٦١) والحاكم (٢/ ١٦٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\rقال العراقي: إسناده جيد. تخريج الإحياء (٢/ ٣٠).\rوقال ابن حجر: إسناده حسن. التلخيص الحبير (٣/ ١١٦).\r(¬٥) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦١ - ٣٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204791,"book_id":111,"shamela_page_id":638,"part":null,"page_num":656,"sequence_num":638,"body":"المبحث الثاني الإيمان بأشراط الساعة\rإن الله ﷾ قد أخفى عن عباده وقت وقوع الساعة فلا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا هو ﷾ كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فمن الآيات قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ (¬٢).\rفالله ﷾ يأمر نبينا محمدًا ﷺ أن يخبر الناس أن علم الساعة عند الله وحده فلا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا الله وحده.\rومن الأحاديث النبوية الدالة على أنه لا يعلم متى الساعة إلا الله وحده حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: \"تسألونني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة الأعراف آية (١٨٧).\r(¬٢) سورة الأحزاب آية (٦٣).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة ﵃، باب بيان معنى قوله ﷺ على رأس مائة سنة لا يبقى نفس منفوسة (٤/ ١٩٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204792,"book_id":111,"shamela_page_id":639,"part":null,"page_num":657,"sequence_num":639,"body":"وحديث جبريل المشهور وفيه سأل جبريل ﵇ النبيّ ﷺ عن وقت الساعة فقال ﵊: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" (¬١)، فجبريل ﵇ لا يعلم متى تقوم الساعة، وكذلك نبينا محمد ﷺ، ومن زعم أن النبيّ ﷺ يعلم متى قيام الساعة فهو جاهل لا علم عنده، لأن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة السابقة ترد عليه وعلى من قال بقوله، فعلم قيام الساعة مما استأثر الله ﷾ به فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا إلا أن هناك آيات وأحاديث تدل على قرب قيام الساعة ودنوها من ذلك قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ (¬٢) وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (¬٣).\rومن ذلك قوله ﷺ: \"بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى\" (¬٤) إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على قرب قيام الساعة.\rوإذا كان الله ﷾ قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده فإنه ﷾ قد جعل لها أمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها، وقد سمى الله ﷾ هذه الأمارات والعلامات بأشراط الساعة قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (¬٥).\rوأشراط الساعة هي العلامات الدالة على قربها قال ابن حجر","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).\r(¬٢) سورة الأنبياء آية (١).\r(¬٣) سورة القمر (١).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب قول النبيّ ﷺ: بعثت أنا والساعة كهاتين (٧/ ١٩١) ومسلم: كتاب الفتن، باب قرب الساعة (٤/ ٢٢٦٩).\r(¬٥) سورة محمد آية (١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204793,"book_id":111,"shamela_page_id":640,"part":null,"page_num":658,"sequence_num":640,"body":"رحمه الله تعالى: \"المراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام الساعة\" (¬١)\rوقد ورد في كتاب الله ﷾ وسنة المصطفى ﷺ كثير من أشراط الساعة وعلاماتها وقد قسمها العلماء رحمهم الله تعالى إلى قسمين:\r١ - علامات صغرى.\r٢ - علامات كبرى.\rوقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى جملة من أشراط الساعة وعلاماتها الصغرى والكبرى في ثنايا مؤلفاته، وسأذكر أمثلة لكل قسم مع ذكر كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في ذلك:\rأولًا: العلامات الصغرى:\r١ - بعثة النبيّ ﷺ:\rأخبر النبيّ ﷺ أن بعثته دليل على قرب قيام الساعة كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ قال: \"بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ... \" (¬٢) الحديث.\rوكما في حديث سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى\" (¬٣).\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى شارحًا للحديث الأول: قوله ﷺ: \"بين يدي الساعة\" يعني أمامها، ومراده أنه بعث قدام الساعة قريبًا منها،","footnotes":"(¬١) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٧٩).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٥٧١).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٦٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204794,"book_id":111,"shamela_page_id":641,"part":null,"page_num":659,"sequence_num":641,"body":"ومن أسمائه ﷺ الحاشر، والعاقب كما صح عنه ﷺ أنه قال: \"أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، والعاقب الذي ليس بعدي نبي \" (¬١) ...\rوخرج الإمام أحمد من حديث بريدة: \"بعثت أنا والساعة جميعًا إن كادت تسبقني\" (¬٢).\rوللترمذي: \"بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه -لأصبعيه السبابة والوسطى- ليس بينهما أصبع أخرى\" (¬٣).\rوالصحيح أنه يدلّ من ذلك على القرب من الساعة، ومما يدلّ على أن بعثة محمد ﷺ من علامات الساعة أنه أخبر عن خروج الدجال في حديث الجساسة\" (¬٤) ا. هـ (¬٥).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا شارحًا للحديث الثاني: وقد فسر قوله ﷺ: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" فقرن بين السبابة والوسطى بقرب زمانه من الساعة كقرب السبابة من الوسطى وبأن زمن بعثته يعقبه الساعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين الساعة كما قال في الحديث الصحيح:","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ (٤/ ١٦٢) ومسلم: كتاب الفضائل، باب في أسمائه ﷺ (٤/ ١٨٢٨).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٨).\r(¬٣) أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، باب قول النبيّ ﷺ: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" (٤/ ٤٩٦).\r(¬٤) حديث الجساسة حديث طويل أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسة (٤/ ٢٢٦١). والجساسة: هي دابة كثيرة الشعر حتى إنه لا يعرف قبلها من دبرها من كثرة شعرها كما جاء وصفها في هذا الحديث، وسميت بالجساسة لأنها تجس الأخبار للدجال.\rالنهاية لابن الأثير (١/ ٢٧٢).\r(¬٥) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ١٩ - ٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204795,"book_id":111,"shamela_page_id":642,"part":null,"page_num":660,"sequence_num":642,"body":"\"أنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، فالحاشر الذي يحشر الناس لبعثهم يوم القيامة على قدمه يعني أن بعثهم وحشرهم يكون عقب رسالته، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم، والعاقب الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم وليس بعده نبي، فكان إرساله ﷺ من علامات الساعة\" (¬١) ا. هـ.\r٢ - ظهور الفتن:\rأخبر الرسول ﷺ أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل حتى إنه من شدة الفتن يتزلزل الإيمان فيصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا\" (¬٢).\rومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا\" (¬٣).\rومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٣/ ١٤٧، ١٤٨).\r(¬٢) أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم (٤/ ٤٨٧) والحاكم (٤/ ٤٣٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن (١/ ١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204796,"book_id":111,"shamela_page_id":643,"part":null,"page_num":661,"sequence_num":643,"body":"الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فَكَسِّروا قِسيَّكم، وقطِّعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دُخل على أحدكم، فليكن كخير ابني آدم\" (¬١).\rإلى غير ذلك من الأحاديث التي تشير إلى وقوع الفتن العظيمة والتي من شدتها بأن المؤمن يمر بصاحب القبر ويتمنى أنه مكانه كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلا البلاء\" (¬٢).\rوقد حذر نبينا محمد ﷺ أمته من الفتن وأمر بالتعوذ منها فقال ﷺ: \"تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن\" (¬٣) نعوذ بالله العظيم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.\rوقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه لا عاصم من الفتن إلا الإيمان بالله ﷿ ولزوم جماعة المسلمين وهم أهل السنة والجماعة الذين يسيرون على نهج الكتاب والسنة وإن كانوا قلة ففي صحيح البخاري عن حذيفة قال: \"كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٨) وأبو داود: كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن (٤/ ٤٥٧) وابن ماجه: كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة (٢/ ١٣١٠) والحاكم (٤/ ٤٤٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (٤/ ٢٢٣١).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه (١٧/ ٢٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204797,"book_id":111,"shamela_page_id":644,"part":null,"page_num":662,"sequence_num":644,"body":"الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله: صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك\" (¬١).\rوقد تكلم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه العلامة من علامات الساعة وبين أن أول ما ظهر من الفتن بعد قتل عمر ثم عثمان ﵄ وما تلى ذلك من الفتن في الدين كظهور الخوارج على علي ﵁ وفتنة الروافض وفتنة القول بخلق القرآن وغيرها من الفتن العظيمة التي كانت سببًا في تفرق المسلمين وظهور الشر العظيم فقال رحمه الله تعالى: قوله ﷺ: \"وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون\" (¬٢) المقصود بهذا الدعاء سلامة العبد من فتن الدنيا مدة حياته فإن قدر الله ﷿ على عباده فتنة قبض عبده إليه قبل وقوعها، وهذا من أهم الأدعية، فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن ثم قبضه الله تعالى إليه قبل وقوعها وحصول الناس فيها كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وفي حديث آخر: \"وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن\" (¬٣)، وكان يخص","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣٨٧).\r(¬٢) هذا قطعة من حديث سبق تخريجه (ص ٣٤٤).\r(¬٣) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب التشهد (١/ ٥٩٢) والحاكم (١/ ٢٦٥) وقال: هذا حديث صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204798,"book_id":111,"shamela_page_id":645,"part":null,"page_num":663,"sequence_num":645,"body":"بعض الفتن العظيمة بالذكر، وكان يتعوذ بالله في صلاته من أربع ويأمر بالتعوذ منها: \"أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال\" (¬١) ففتنة المحيا تدخل فيها فتن الدين والدنيا كلها كالكفر والبدع والفسوق والعصيان، وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة، وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال، ثم خص فتنة الدجال بالذكر لعظيم موقعها، فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن.\rوفي حديث معاوية عن النبيّ ﷺ أنه قال: \"إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة\" (¬٢).\rوأخبر النبيّ ﷺ عن الفتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا.\rوكان أول هذه الفتن ما حدث بعد مقتل عمر ﵁، ونشأ من تلك الفتن مقتل عثمان ﵁، وما ترتب عليه من إراقة الدماء، وتفرق القلوب وظهور الفتن في الدين كبدع الخوارج المارقين، وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتنة التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة (¬٣)","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر (٣/ ١٩٢) ومسلم: كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (٤/ ٤١٢).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٤/ ٩٤) وابن ماجه: كتاب الفتن، باب شدة الزمان (٢/ ١٣٣٩). وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٩٥): إسناده صحيح ورجاله ثقات.\r(¬٣) يقصد ابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الحديث الذي أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة (١/ ١٣٣)، ومسلم: كتاب الفتن، باب في =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204799,"book_id":111,"shamela_page_id":646,"part":null,"page_num":664,"sequence_num":646,"body":"رضي الله عنه المشهور حين سأله عنها عمر ﵁، وكان حذيفة ﵁ من أكثر الناس سؤالًا للنبي ﷺ عن الفتن خوفًا من الوقوع فيها، ولما حضره الموت قال: \"حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، الحمد لله الذي سبقت بي الفتنة قادتها وعُلُوجها\" (¬١) وكان موته قبل قتل عثمان ﵁ بنحو أربعين يومًا، وقيل: بل مات بعد قتل عثمان وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائمًا فأتاه آت في منامه، فقال له: قم فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات بعد قليل.\rوقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال لرجل: \"إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان، فإن استطعت أن تموت فمت\" (¬٢) وهذه إشارة إلى هذه","footnotes":"= الفتنة التي تموج كموج البحر (٤/ ٢٢١٨) عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقلت: أنا أحفظه كما قال، قال: هات، إنك لجريء، وكيف قال؟ قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: فيكسر الباب أو يفتح؟ قال: قلت: لا بل يكسر، قال: ذاك أحرى أن لا يغلق أبدًا، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله فسأله فقال: عمر\".\r(¬١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٢) وذكره الحافظ الذهبي في ترجمة حذيفة في سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٦٨) وذكره أيضًا صاحب كنز العمال (١٣/ ٣٤٦) وعزاه لابن عساكر.\rوالعُلُوج: جمع عِلْج، وهو الرجل من كفار العجم وغيرهم.\rالنهاية لابن الأثير (٣/ ٢٨٦).\r(¬٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٤٥) وابن عدي في الكامل (٣/ ١١٧٥) =","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204800,"book_id":111,"shamela_page_id":647,"part":null,"page_num":665,"sequence_num":647,"body":"الفتن التي وقعت بمقتل عثمان ﵁. . . إلى أن قال ﵀: \"ثم إن المؤمن لابد أن يفتن بشيء من الفتن المؤلمة الشاقة عليه ليمتحن إيمانه كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ (¬١).\rولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتنة، ويصبرهم عليها ويثيبهم فيها، ولا يلقيهم في فتنة مضلة مهلكة، تذهب بدينهم، بل تمر عليهم وهم منها في عافية. . . والفتن الصغار التي يبتلى بها المرء في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة.\rكذا جاء في حديث حذيفة (¬٢) ﵁. . . وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهي التي يستعاذ منها ويسأل الموت قبلها،","footnotes":"= والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٦٥) كلهم في ترجمة سلم بن ميمون الخواص قال ابن حبان فيه: غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث واتقانه فربما ذكر الشيء بعد الشيء ويقلبه توهمًا لا تعمدًا فبطل الاحتجاج بما يروي إذا لم يوافق الثقات.\rوقال ابن عدي: ولسلم غير ما ذكرت أحاديث مقلوبة الإسناد والمتن وهو في عداد المتصوفة الكبار، وليس الحديث من عمله، ولعله كان يقصد أن يصيب، فيخطىء في الإسناد والمتن لأنه لم يكن عمله.\rوقال العقيلي: حديث بمناكير لا يتابع عليها.\rوقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٨٤): أدركته ولم أكتب عنه، روى عن أبي خالد الأحمر حديثًا منكرًا شبه الموضوع.\rقلت: ولعله هذا الحديث لأنه من روايته عن أبي خالد الأحمر.\rولمزيد من الإيضاح انظر: ترجمة سلم بن ميمون الخواص في ميزان الاعتدال (٢/ ١٨٩) ولسان الميزان (٣/ ٦٦).\r(¬١) سورة العنكبوت آية (١ - ٢).\r(¬٢) سبق ذكر هذا الحديث وتخريجه (ص ٣٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204801,"book_id":111,"shamela_page_id":648,"part":null,"page_num":666,"sequence_num":648,"body":"فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه الله تعالى وحماه (¬١).\r٣ - انشقاق القمر:\rجاء في أحاديث صحيحة أن القمر قد انشق في زمن النبيّ ﷺ منها حديث أنس ﵁: \"أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر\" (¬٢).\rومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم اشهد\" (¬٣).\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن انشقاق القمر من علامات الساعة حيث قال: \"وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (¬٤)، وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة (¬٥).\r٤ - ظهور نار بالحجاز:\rوردت أحاديث عن النبيّ ﷺ تذكر أن نارًا عظيمة تخرج في أرض الحجاز تشاهد أعناق الإبل ببُصرى (¬٦) في ضوئها.","footnotes":"(¬١) اختيار الأولى (ص ١٠٤ - ١١٢).\r(¬٢) و (¬٣) أخرجهما مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر (٤/ ٢١٥٩).\r(¬٤) سورة القمر آية (١).\r(¬٥) الحكم الجديرة بالإذاعة (ص ١٩).\r(¬٦) بُصرى: بضم الباء آخرها ألف مقصورة، مدينة معروفة بالشام ويقال لها: حوران وبينها وبين دمشق ثلاث مراحل، فتحها المسلمون سنة ١٣ هـ.\rمعجم البلدان (١/ ٤٤١) وشرح مسلم للنووي (١٨/ ٣٠) وفتح الباري (١٣/ ٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204802,"book_id":111,"shamela_page_id":649,"part":null,"page_num":667,"sequence_num":649,"body":"قال النووي رحمه الله تعالى: \"خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة وكانت نارًا عظيمة جدًا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة\" (¬١) ا. هـ.\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذه النار وإلى بعض ما ورد فيها من الأحاديث فقال: \"وقد ثبت في الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى\" (¬٢)، وقد خرجت هذه النار بالحجاز بقرب المدينة ورؤيت أعناق الإبل من ضوئها ببصرى في سنة أربع وخمسين وستمائة\" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... وأخبر النبيّ ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى.\rوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى\" (¬٤).\rوهذه النار خرجت من وادي بقرب مدينة النبيّ ﷺ سنة أربع وخمسين وستمائة، واشتهر أمرها، وشوهد من ضوئها بالليل أعناق الإبل ببصرى واستفاض (¬٥).","footnotes":"(¬١) شرح مسلم للنووي (١٨/ ٢٨).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب خروج النار (٨/ ١٠٠) ومسلم: كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج النار من أرض الحجاز (٤/ ٢٢٢٧).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٩٠).\r(¬٤) تقدم تخريجه.\r(¬٥) فضائل الشام ورقة (٢٨/ ب).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204803,"book_id":111,"shamela_page_id":650,"part":null,"page_num":668,"sequence_num":650,"body":"٥ - ولادة الأمة لربتها وتطاول الحفاة العراة في البنيان:\rجاء في حديث جبريل أن جبريل ﵇ سأل النبيّ ﷺ عن الساعة فقال ﵊: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان\" (¬١).\rوفي رواية عند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ \"فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ سبحان الله في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو ... ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك\" قال: أجل يا رسول الله فحدثني، قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيت الأمة ولدت ربتها أو ربها ورأيت أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس فذلك من معالم الساعة وأشراطها\" قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: \"العرب\" (¬٢).\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هاتين العلامتين في شرحه لحديث جبريل فقال: \"وقد ذكر النبيّ ﷺ للساعة علامتين:\rالأولى: \"أن تلد الأمة ربتها\" والمراد بربتها سيدتها ومالكتها وفي حديث (¬٣) أبي هريرة ﵁ \"ربها\" وهذه إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري وتكثر أولادهن، فتكون الأمة رقيقة","footnotes":"(¬١) حديث جبريل تقدم تخريجه (ص ٥٢٨).\r(¬٢) مسند أحمد (٤/ ٣٣٢) حديث رقم (٢٩٢٦) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.\r(¬٣) حديث أبي هريرة هو إحدى روايات الحديث المعروف بحديث جبريل وفيه يقول الرسول ﷺ: \"إذا رأيت الأمة تلد ربها فذاك من أشراطها، واذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها واذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها ... \" الحديث.\rأخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام والإيمان والإحسان ... (١/ ٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204804,"book_id":111,"shamela_page_id":651,"part":null,"page_num":669,"sequence_num":651,"body":"لسيدها، وأولاده منها بمنزلته، فإن ولد السيد بمنزلة السيد فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها وسيدها ...\rوالعلامة الثانية: \"أن ترى الحفاة العراة العالة\" والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (¬١).\rوقوله: \"رعاء الشاء يتطاولون في البنيان\" هكذا في حديث عمر ﵁، والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه.\rوفي حديث (¬٢) أبي هريرة ﵁ ذكر ثلاث علامات:\rمنها: أن تكون الحفاة العراء رؤساء الناس.\rومنها: أن يتطاول رعاة البهم في البنيان ... فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيرًا عائلًا فصار ملكًا على الناس سواء كان ملكه عامًا أو خاصًا في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال ... وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس، ولا تعليمهم بل همته في حيازة المال وإكثاره، ولا يبالي بما أفسد من دين الناس ولا بمن أضاع من أهل حاجاتهم ... وإذا كان ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب، وكذب الصادق، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وتكلم الجاهل، وسكت العالم أو عدم بالكلية كما صح عن النبيّ ﷺ أنه قال: \"إن من أشراط","footnotes":"(¬١) سورة الضحى آية (٧).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٦٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204805,"book_id":111,"shamela_page_id":652,"part":null,"page_num":670,"sequence_num":652,"body":"الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل\" (¬١).\rوأخبر \"أنه يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا\" (¬٢).\rوفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: \"إن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار\" (¬٣).\rوفي قوله: \"يتطاولون في البنيان\" دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان ولم يكن إطالة البناء معروفًا في زمن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ بل كان بنيانهم بقدر الحاجة.\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان\" خرجه البخاري (¬٤) ... (¬٥).\r٦ - خراب البيت ورفع القرآن وبعث ريح طيبة لقبض أرواح المؤمنين:\rروى الإمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان (¬٦) قال: سمعت أبا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل (١/ ٢٨) ومسلم: كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (٤/ ٢٠٥٦).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٤٥٦).\r(¬٣) مستدرك الحاكم (٤/ ٥٥٤) وفيه: \"أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار\" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\r(¬٤) صحيح البخاري: كتاب الفتن (٨/ ١٠١).\r(¬٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٩٤ - ٩٩).\r(¬٦) سعيد بن سمعان الأنصاري الزرقي، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.\rتاريخ الثقات (ص ١٨٥) والثقات لابن حبان (٤/ ٢٧٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204806,"book_id":111,"shamela_page_id":653,"part":null,"page_num":671,"sequence_num":653,"body":"هريرة يخبر أبا قتادة أن رسول الله ﷺ قال: \"يبايع لرجل ما بين الركن والمقام ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا يسأل عن هلكة العرب ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا وهم الذين يستخرجون كنزه\" (¬١).\rوعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرب الكعبة ذو السُّوَيْقَتين (¬٢) من الحبشة، ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها ولكأني أنظر إليه أصيلع (¬٣) أفيدع (¬٤) يضرب عليها بمسحاته (¬٥) ومعوله\" (¬٦) (¬٧).\rوعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى","footnotes":"(¬١) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.\rوقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٩٨): رواه أحمد ورجاله ثقات.\r(¬٢) ذو السُّوَيقتين قال ابن الأثير: السويقة تصغير ساق وهي مؤنثة فلذلك ظهرت التاء في تصغيرها، وإنما صغر الساق لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والحموشة. النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٢٣).\r(¬٣) أصيلع: هو تصغير الأصلع، وهو الذي انحسر الشعر عن رأسه. النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٧).\r(¬٤) أفيدع: تصغير أفدع والفدع بالتحريك زيغ بين القدم وبين عظم الساق، وكذلك يكون في اليد وهو أن تزول المفاصل عن أماكنها.\rالنهاية لابن الأثير (٣/ ٤٢٠).\r(¬٥) المسحاة هي المجرفة من الحديد.\rالنهاية لابن الأثير (٤/ ٤٢٨).\r(¬٦) المعول: الفأس العظيم التي ينقر بها الصخر.\rالنهاية لابن الأثير (٤/ ٣٤٤).\r(¬٧) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠) وقال ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٠٤): وهذا إسناد جيد قوي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204807,"book_id":111,"shamela_page_id":654,"part":null,"page_num":672,"sequence_num":654,"body":"في الأرض منه آية، وتبقى طوائف الناس الشيخ الكبير والعجوز ويقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة \"لا إله إلا الله\" فنحن نقولها (¬١).\rوعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يخرج الدجال فذكر الحديث وفيه: \"فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلَّا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه\" (¬٢).\rوعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج\" (¬٣).\rوعنه ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت\" (¬٤).\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى: \"ولا منافاة بين الروايتين لأن الكعبة يحجها الناس ويعتمرون بها بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم وطمأنينة الناس وكثرة أرزاقهم في زمان المسيح ﵇، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فيقبض بها روح كل مؤمن، ويتوفى نبي الله عيسى","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن ماجه: كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم (٢/ ١٣٤٥) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ١٩٥): إسناده صحيح، رجاله ثقات.\rوأخرجه الحاكم (٤/ ٤٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الفتن (٤/ ٢٢٥٩).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الحج (٢/ ١٥٩).\r(¬٤) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الألباني: حديث صحيح.\rصحيح الجامع (٢/ ١٢٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204808,"book_id":111,"shamela_page_id":655,"part":null,"page_num":673,"sequence_num":655,"body":"عليه السلام ويصلي عليه المسلمون ... ثم يكون خراب الكعبة على يدي ذي السُّوَيْقَتين بعد هذا\" (¬١) ا. هـ.\rوقد يقال إن الأحاديث التي فيها استحلال البيت وهدم الكعبة وخرابها تخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (¬٢).\rوقد حبس الله ﷾ عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة وهي لم تكن آنذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة المسلمين؟\rفالجواب على ذلك أن يقال: إن الله ﷾ جعل الكعبة البيت الحرام آمنًا إلى قرب قيام الساعة، وخراب الدنيا حينما لا يبقى في الأرض من يقول الله كما جاء في حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله\" (¬٣). وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، وقد حدث القتال في مكة مرات عديدة وأعظم قتال وقع ما حصل من القرامطة (¬٤) في القرن الرابع الهجري","footnotes":"(¬١) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٠٣، ٢٠٤).\r(¬٢) سورة العنكبوت آية (٦٧).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان (١/ ١٣١).\r(¬٤) القرامطة: هم طائفة من الباطنية أتباع حمدان القرمطي، رجل من أهل الكوفة دعا الناس إلى المذهب الباطني فضلّ بسببه خلق كثير وكان أول ظهورهم في عام ٢٨١ هـ في خلافة المعتضد، ولهم أعمال شنيعة مخزية، وأعظمها ما وقع منهم سنة ٣١٧ هـ حيث هاجموا الحجاج وقتلوا المسلمين في الحرم واستباحوا دماءهم وأموالهم وهدموا قبة زمزم وقلعوا باب الكعبة والحجر الأسود ونقلوه إلى بلادهم ومكث عندهم اثنتان وعشرون سنة حتى أعيد سنة ٣٣٩ هـ على يد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري رحمه الله تعالى.\rاعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٧٩) ومقالات الإسلاميين (١/ ١٠٠) والبداية والنهاية (١١/ ٢٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204809,"book_id":111,"shamela_page_id":656,"part":null,"page_num":674,"sequence_num":656,"body":"حيث قتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى وقلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى بلادهم، وفعلوا الأفاعيل المخزية في الحرم، وقد أعيد الحجر بعد ذلك، كل هذا لا يعارض الآية لأن ذلك إنما وقع بأيدي المنتسبين إلى الإسلام، فهو موافق لقوله ﷺ: \"لن يستحل هذا البيت إلا أهله\" (¬١) فوقع ما أخبر به النبيّ ﷺ، وهو من علامات نبوته ﵊ (¬٢).\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى العلامات الواردة في الأحاديث السابقة فقال: \"وقد أخبر النبيّ ﷺ أن هذا البيت يحج ويعتمر بعد خروج يأجوج ومأجوج، ولا يزال كذلك حتى تخربه الحبشة ويلقون حجارته في البحر، وذلك بعد أن يبعث الله ريحًا طيبة تقبض أرواح المؤمنين كلهم فلا يبقى على الأرض مؤمن، ويسري بالقرآن من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الأرض قرآن ولا إيمان ولا شيء من الخير فبعد ذلك تقوم الساعة ولا تقوم إلا على شرار الناس\" (¬٣) ا. هـ.\rثانيًا: العلامات الكبرى:\r١ - طلوع الشمس من مغربها:\rطلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما هو ثابت بالكتاب والسنة.\rوطلوع الشمس من مغربها من الآيات العظام التي تحدث على خلاف ما نعهده الآن من طلوعها من المشرق، وذلك بقدرة القدير الذي","footnotes":"(¬١) جزء من حديث تقدم تخريجه (ص ٦٧١).\r(¬٢) انظر: شرح مسلم للنووي (١٨/ ٣٥) وفتح الباري (٣/ ٤٦١، ٤٦٢) و (٤/ ٣٤١).\r(¬٣) لطائف المعارف (ص ٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204810,"book_id":111,"shamela_page_id":657,"part":null,"page_num":675,"sequence_num":657,"body":"يقول للشيء كن فيكون، فالذي أطلعها من المشرق قادر على تغيير مسارها وإخراجها من المغرب فهو خالقها ومدبر أمرها ﷾.\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى بعض نصوص الكتاب والسنة الواردة في طلوع الشمس من مغربها في معرض ذكره لأحاديث أشراط الساعة فقال: \"وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (¬١).\rوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﵌ قال: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا\" ... (¬٢).\rوفي صحيح مسلم عن النبيّ ﵌ قال: \"ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها والدجال، ودابة الأرض\" (¬٣).\rوفيه أيضًا عن النبيّ ﷺ قال: \"من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه\" (¬٤).\rوعن أبي موسى عن النبيّ ﵌ قال: \"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء","footnotes":"(¬١) سورة الأنعام آية (١٥٨).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب الرقاق (٧/ ١٩١) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٨).\r(¬٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١/ ١٣٩).\r(¬٤) صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والذكر (٤/ ٢٠٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204811,"book_id":111,"shamela_page_id":658,"part":null,"page_num":676,"sequence_num":658,"body":"الليل حتى تطلع الشمس من مغربها\" (¬١).\rوخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال عن النبيّ ﵌ قال: \"إن الله فتح بابًا قبل المغرب، عرضه سبعون عامًا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه\" (¬٢).\rوفي المسند عن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمر ومعاوية عن النبيّ ﵌ قال: \"لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل\" (¬٣).\rفالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها، ويحال بينها وبينه، إما بمرض أو موت أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة (٤/ ٢١١٣).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٠) والترمذي: كتاب الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده (٥/ ٥٤٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه: كتاب الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (٢/ ١٣٥٣) والطبراني في الكبير (٨/ ٦٧) وقال الألباني: حديث حسن.\rصحيح الجامع (١/ ٤٤٣).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٣٣) حديث رقم (١٦٧١) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وقال ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٢١): وهذا إسناد جيد قوي. وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٣٠٤) والطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٦٩) والكبير (١٩/ ٣٨١) وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٥٠): رواه أحمد والطبراني في الأوسط والصغير .. والبزار .. ورجال أحمد ثقات ولم أجده في المعجم الصغير للطبراني المطبوع.\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ٢١٥، ٢١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204812,"book_id":111,"shamela_page_id":659,"part":null,"page_num":677,"sequence_num":659,"body":"فقد دلت الأحاديث السابقة التي ساقها ابن رجب رحمه الله تعالى على أن طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى وأن المراد ببعض آيات الله في الآية هو طلوع الشمس من مغربها كما دلّ على ذلك حديث الصحيحين، ففي ذلك الوقت لا ينفع نفسًا إيمانها إن لم تكن آمنت قبل، لأن باب التوبة مغلق فلا يقبل توبة أحد، فمن أحدث توبة بعد هذا الوقت فتوبته مردودة عليه.\rقال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن ساق بعض الأحاديث السابقة: فهذه الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانًا أو توبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل منه، وإنما كذلك -والله أعلم- لأن ذلك من أكبر أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها، فعومل ذلك معاملة يوم القيامة (¬١).\r٢ - فتنة المسيح الدجال:\rفتنة المسيح الدجال إحدى أشراط الساعة الكبرى، وفتنته من أعظم الفتن والمحن التي تمر على الناس.\rوسمى مسيحًا لأن إحدى عينيه ممسوحة أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا (¬٢).\rوهو مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر وإحياء الأرض، وبما يظهر على يديه من عجائب وخوارق للعادات.\rأما مسيح الهدى فهو عيسى ﵇ حيث يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.","footnotes":"(¬١) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٢٢).\r(¬٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٢٦) ولسان العرب (٢/ ٥٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204813,"book_id":111,"shamela_page_id":660,"part":null,"page_num":678,"sequence_num":660,"body":"فالله ﷾ خلق مسيحين أحدهما ضد الآخر.\rوسمي الدجال دجالًا لأنه يغطي الحق بالباطل أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتلبيسه وتمويهه عليهم (¬١). ولفظة الدجال أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذاب، فإذا قيل الدجال فلا يتبادر إلى الذهن غيره.\rوقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبيّ ﷺ في ذكر خروج الدجال في آخر الزمان، والتحذير منه حيث أنه ﷺ وصفه لأمته وصفًا لا يخفى على ذي بصر كما حذر منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله أممهم وصفوه لهم أوصافًا ظاهرة.\rفعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما بعث نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ك. ف. ر\" (¬٢).\rوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: \"إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه إنه أعور وإن الله ليس بأعور\" (¬٣).\rوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم عن الدجال حديثًا ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنَّار، فالتي","footnotes":"(¬١) انظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٩١).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٨/ ١٠٣)، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٤٨).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (٨/ ١٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204814,"book_id":111,"shamela_page_id":661,"part":null,"page_num":679,"sequence_num":661,"body":"يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه\" (¬١).\rوعن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رُحْنا إليه عرف ذلك فينا فقال: \"ما شأنكم؟ \" قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: \"غير الدجال أَخْوَفُنِي عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قَطَط (¬٢) عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خَلَّةً بين الشام والعراق (¬٣)، فعاث يمينًا وعاث شمالًا يا عباد الله فاثبتوا\" قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يوما، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\" قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا، اقدروا له قدره\" قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (¬٤) أطول ما كانت","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥٠).\r(¬٢) قطط: أي شديد جعودة الشعر.\rالنهاية لابن الأثير (٤/ ٨١).\r(¬٣) خلة بين الشام، والعراق: أي في طريق بينهما، وقيل للطريق والسبيل خلة لأنه خل ما بين البلدين: أي أخذ مخيط ما بينهما ورواه بعضهم بالحاء المهملة من الحلول: أي سمت ذلك وقبالته.\rالنهاية لابن الأثير (٢/ ٧٣، ٧٤).\r(¬٤) \"فتروح عليهم سارحتهم\" تروح ترجع آخر النهار، والسارحة هي الماشية التي تسرح أي تذهب أول النهار إلى المرعى.\rالنهاية لابن الأثير (٢/ ٣٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204815,"book_id":111,"shamela_page_id":662,"part":null,"page_num":680,"sequence_num":662,"body":"ذُرًا (¬١) وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (¬٢) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (¬٣) ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جَزلتين (¬٤) رمية الغرض (¬٥) ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (¬٦)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين إذا طاطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان (¬٧) كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا","footnotes":"(¬١) ذرا: الذرى جمع ذروة بضم الذال وكسرها، وذروة الشيء أعلاه، والذرى الأعالي والأسنمة.\rلسان العرب (١٤/ ٢٨٤).\r(¬٢) ممحلين: المحل على وزن فحل: القحط والجدب، يقال: أمحل البلد إذا أجدب.\rالصحاح (٥/ ١٨١٧).\r(¬٣) كيعاسيب النحل: اليعاسيب جمع عيسوب، وهي ذكور النحل، والمراد أن كنوز الأرض تظهر وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها.\rالنهاية لابن الأثير (٣/ ٢٣٥).\r(¬٤) جزلتين: بفتح الجيم وقيل بكسرها، والجزل: القطع يقال: جزلت الشيء جزلتين أي قطعته قطعتين. الصحاح (٤/ ١٦٥٥).\r(¬٥) معنى رمية الغرض أي إنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية السهم إلى الهدف.\rالنهاية لابن الأثير (٤/ ٣٦٠).\r(¬٦) المهروتان: روى بالدال والذال، مفردها مهرود وهو الثوب الذي صبغ والمعنى أنه لابس ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران.\rلسان العرب (٣/ ٤٣٥).\r(¬٧) الجمان: حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمعنى أنه يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه.\rالنهاية لابن الأثير (١/ ٣٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204816,"book_id":111,"shamela_page_id":663,"part":null,"page_num":681,"sequence_num":663,"body":"مات، ونُفُسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه بباب لد (¬١) فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة\" (¬٢).\rوالأحاديث الواردة في الدجال كثيرة جدًا. قال النووي رحمه الله تعالى: \"قال القاضي: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة ... في أنه صحيح الوجود ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقًا لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه.","footnotes":"(¬١) باب لد: بضم اللام وتشديد الدال، وهو بلدة قريبة من بيت المقدس.\rمعجم البلدان (٥/ ١٥).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (٤/ ٢٢٥١، ٢٢٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204817,"book_id":111,"shamela_page_id":664,"part":null,"page_num":682,"sequence_num":664,"body":"ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفًا من أذاه لأن فتنته عظيمة جدًا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأمر فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة، ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله، وأما أهل التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون لما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله (¬١).\rوقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى فتنة الدجال فقال في معرض كلامه عنه: \"فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال، ثم خص فتنة الدجال بالذكر لعظم موقعها فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها\" (¬٢).\r٣ - نزول عيسى بن مريم ﵇:\rمن أمارات الساعة العظام وأشراطها نزول عيسى ﵊، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أنه ينزل قبل قيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويحكم بالقسط ويقضي بشريعة النبيّ ﷺ، ويحيي من شأنها ما تركه الناس، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يموت ويصلى عليه ويدفن.\rوقد ذكر الله ﷾ في القرآن الكريم آيتين تدلان على نزول عيسى ﵇.\rقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (¬٣)","footnotes":"(¬١) شرح مسلم للنووي (١٨/ ٥٨، ٥٩).\r(¬٢) اختيار الأولى (ص ١٠٥).\r(¬٣) سورة النساء آية (١٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204818,"book_id":111,"shamela_page_id":665,"part":null,"page_num":683,"sequence_num":665,"body":"أي قبل موت عيسى ﵇ وقد ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى أن هذا هو قول ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم ثم قال: \"هذا القول هو الحق\" (¬١).\rوقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (¬٢) أي أن نزول عيسى ﵇ قبل القيامة علامة على قرب الساعة ويدل على ذلك القراءة الأخرى (وإنه لعَلَم للساعة) بفتح العين واللام. أي علامة وأمارة على قيام الساعة.\rقال البغوي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية (وإنه) يعني عيسى ﵇ (لعلم للساعة) يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة: (وإنه لعَلَم للساعة) بفتح اللام والعين أي أمارة وعلامة\" (¬٣).\rوقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (وإنه لعلم للساعة) تقدم تفسير ابن إسحاق (¬٤) أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى ﵊ من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام وفي هذا نظر، وأبعد منه ما حكاه قتادة عن الحسن البصري","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٦).\r(¬٢) سورة الزخرف آية (٦١).\r(¬٣) معالم التنزيل (٤/ ١٤٣).\r(¬٤) أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار القرشي المطلبي العلامة الحافظ الأخباري صاحب السيرة النبوية، قال ابن سعد: كان ثقة، ومنهم من يتكلم فيه، وقال الشافعي: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، توفي سنة ١٥٠ هـ، وقيل غير ذلك.\rطبقات ابن سعد (٧/ ٣٢١) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٧٦) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204819,"book_id":111,"shamela_page_id":666,"part":null,"page_num":684,"sequence_num":666,"body":"وسعيد بن جبير أن الضمير في وإنه عائد إلى القرآن بل الصحيح أنه عائد على عيسى ﵊ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة ... ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى (وإنه لعَلَم للساعة) أي أمارة ودليل على وقوعها.\rقال مجاهد: (وإنه لعلم للساعة) أي آية للساعة خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة.\rوهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم (¬١).\rوأما الأدلة من السنة على نزول عيسى ﵇ فهي كثيرة جدًا منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها\" (¬٢) ثم يقول أبو هريرة واقرأوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (¬٣).\rومنها حديثه الآخر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉ (٤/ ١٤٣) ومسلم: كتاب الأيمان، باب نزول عيسى حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ (١/ ١٣٥).\r(¬٣) سورة النساء آية (١٥٩).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉ (٤/ ١٤٣) ومسلم: كتاب الإيمان، باب نزول عيسى حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ (١/ ١٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204820,"book_id":111,"shamela_page_id":667,"part":null,"page_num":685,"sequence_num":667,"body":"ومنها حديث جابر ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: \"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تِكرَمة الله لهذه الأمة\" (¬١).\rومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: \"الأنبياء أخوة لعلات (¬٢) أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأني أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن نبي بيني وبينه وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان مُمَصَّران (¬٣) كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمانة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون\" (¬٤) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ (١/ ١٣٧).\r(¬٢) العلات: جمع علة، والعلة هي الضرة، والمراد الأخوة من أمهات مختلفة وأبوهم واحد.\rلسان العرب (١١/ ٤٧٠).\r(¬٣) الممصران تثنية ممصر، والممصر من الثياب الذي فيه صفرة خفيفة.\rالنهاية لابن الأثير (٤/ ٣٣٦).\r(¬٤) أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٦) وقال أحمد شاكر: حديث صحيح عمدة التفسير (٤/ ٣٦) وأبو داود: كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (٤/ ٤٩٨) والحاكم (٢/ ٥٩٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\rوقال ابن كثير رحمه الله تعالى في النهاية في الفتن والملاحم (١/ ١٨٨): وهذا إسناد جيد قوي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204821,"book_id":111,"shamela_page_id":668,"part":null,"page_num":686,"sequence_num":668,"body":"وقد أجمعت الأمة على نزول عيسى ﵇ قبل قيام الساعة قال السفاريني رحمه الله تعالى: \"أجمعت الأمة على نزوله ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنّما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء وإن كانت قائمة به وهو متصف بها\" (¬١) ا. هـ.\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى نزول عيسى ﵇ وما يقدم به بعد نزوله فقال: \"وبالشام ينزل عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان وهو المبشر بمحمد ﷺ ويحكم به ولا يقبل من أحد غير دينه فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويصلي خلف إمام المسلمين ويقول: إن هذه الأمة أئمة بعضهم لبعض\" (¬٢) ا. هـ.\rكما أشار إلى نزول عيسى ﵇ وقتله للدجال في كتاب فضائل الشام فقد عقد فصلًا بعنوان: الفصل الرابع فيما ورد في نزول عيسى بن مريم ﵉ في آخر الزمان عند دمشق.\rوقد ذكر فيه جملة من الأحاديث الدالة على نزول عيسى ﵇ ومكان نزوله، وقد سبق ذكر بعضها.\rثم قال رحمه الله تعالى: \"وقد جاء من حديث أبي أمامة وغيره ما قد يشعر بأن عيسى ينزل ببيت المقدس، وليست أسانيدها بالقوية، ويتعين حملها على تقدير صحتها على أنه يأتي بمن معه من المؤمنين إلى بيت المقدس من دمشق كما قاله ابن عباس وكعب، جمعًا بينها وبين حديث النواس المخرج في الصحيح، وظاهر ما تقدم من الأحاديث والآثار يدلّ","footnotes":"(¬١) لوامع الأنوار البهية (١/ ٩٤، ٩٥).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204822,"book_id":111,"shamela_page_id":669,"part":null,"page_num":687,"sequence_num":669,"body":"على أن عيسى ﵇ ينزل عند باب مدينة دمشق الشرقي ... \". (¬١).\r٤ - خروج نار تحشر الناس:\rجاء في الأحاديث الصحيحة أن آخر الآيات خروجًا قبل قيام الساعة نار عظيمة تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم، وتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا.\rوقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه العلامة وذكر بعض الأحاديث الواردة في ذكرها فقال: \"وقد تكاثرت الأحاديث والآثار بذكر هذه النار\" ففي صحيح البخاري عن أنس أن النبيّ ﷺ قال: \"أول أشراط الساعة نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب\" (¬٢).\rوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: \"يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا\" (¬٣).\rفهذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث:\rأحدها: من يحشر راغبًا هو من يهاجر إلى الشام طوعًا.\rوالثاني: من يحشر رهبة وخوفًا على نفسه لظهور الفتن في أرضه.","footnotes":"(¬١) فضائل الشام ورقة (٥٠/ أ).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء (٤/ ١٠١).\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب كيف الحشر (٧/ ١٩٤)، وصحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (٤/ ٢١٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204823,"book_id":111,"shamela_page_id":670,"part":null,"page_num":688,"sequence_num":670,"body":"والثالث: من تحشره النار قسرًا وهو شر الثلاثة ...\rوفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبيّ ﷺ قال: \"إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ﵇ ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم\".\rوفي رواية له: \"ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس\" (¬١).\rوخرّجه الترمذي وعنده: \"ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس أو تحشر الناس فتبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا\" (¬٢).\rوخرّج الحاكم من حديث واثلة بن الأسقع عن النبيّ ﷺ نحوه قال: \"ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذرة والنمل\" وقال: صحيح الإسناد ... (¬٣).\rوخرّج أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ ﷺ قال: \"تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، فتسوقهم سوق الجمل الكبير\" (¬٤).\rإلى أن قال رحمه الله تعالى: \"فقد تضمنت هذه الأحاديث أمرين:","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب الفتن، باب الآيات التي تكون قبل الساعة (٤/ ٢٢٢٦).\r(¬٢) سنن الترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز (٤/ ٤٩٨) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\r(¬٣) المستدرك (٤/ ٤٢٨).\r(¬٤) المستدرك (٤/ ٥٤٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204824,"book_id":111,"shamela_page_id":671,"part":null,"page_num":689,"sequence_num":671,"body":"أحدهما: أن الناس تحشرهم النار إلى المحشر، وفي حديث أنس وعبد الله بن عمرو أنهم يحشرون إلى المغرب، والظاهر أنه أريد بالمغرب مغرب المدينة وهو الشام ...\rالثاني: أن في بعض الأحاديث خروج النار من اليمن، وفي بعضها من المشرق، وفي بعضها ما يدلّ على خروجها من قرب المدينة، وكله حق.\rوقد ذكرنا في هذه الآثار أنها تخرج من أماكن متعددة ... (¬١).\rوقال ابن رجب رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... فأما شرار الخلق فتخرج نار في آخر الزمان تسوقهم إلى الشام قهرًا حتى تجمع الناس كلهم بالشام قبل قيام الساعة\" (¬٢).\rوالجمع بين ما جاء في أن هذه النار هي آخر أشراط الساعة وما جاء في بعض الروايات أنها أول أشراط الساعة أن يقال أن المقصود أن هذه العلامة آخر أشراط الساعة باعتبار ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة.\rوهي أول أشراط الساعة باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلا بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا\" (¬٣).\rوهناك علامات أخرى للساعة ورد ذكر بعضها فيما سبق من الأحاديث كخروج الدابة ويأجوج ومأجوج والدخان وغيرها مما وردت به","footnotes":"(¬١) فضائل الشام من ورقة (٣٢/ أ) إلى ورقة (٣٥/ أ).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٩٠).\r(¬٣) انظر: فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204825,"book_id":111,"shamela_page_id":672,"part":null,"page_num":690,"sequence_num":672,"body":"الأحاديث الصحيحة عن النبيّ ﷺ وإنّما اقتصرت على ما ذكرت لأني وجدت فيها لابن رجب رحمه الله تعالى كلامًا، ومن أراد الاطلاع على علامات الساعة الكثيرة فليراجع الكتب المصنفة في ذلك مثل كتاب النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي، وكتاب الإشاعة للبرزنجي، وكتاب الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة لصديق حسن خان، وكتاب إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشواط الساعة لفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري، وغيرها من الكتب الأخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204826,"book_id":111,"shamela_page_id":673,"part":null,"page_num":691,"sequence_num":673,"body":"المبحث الثالث الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته\rمن أصول أهل السنة والجماعة التي يجب الإيمان بها الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، فمن نجا من عذاب القبر فما بعده أيسر منه، ومن لم ينج منه فما بعده أشر منه لقوله ﷺ: \"إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشر منه\" (¬١).\rأعاذنا الله من فتنة القبر وعذابه.\rوقد دلت الآيات في كتاب الله ﷾ والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ على إثبات عذاب القبر ونعيمه، وسيأتي ذكر هذه الأدلة في معرض كلام ابن رجب رحمه الله تعالى حيث أنه قد ذكر هذه المسألة وما يدلّ على ثبوتها من أدلة الكتاب والسنة.\rفقد جعل رحمه الله تعالى: الباب الأول من كتابه أهوال القبور في ذكر حال الميت عند نزوله القبر وسؤال الملائكة له، وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه، وما يرى من منزله في الجنة أو النار.\rوالباب الخامس في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيًا.","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي: كتاب الزهد (٤/ ٥٥٣) وقال: هذا حديث حسن غريب وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى (٢/ ١٤٢٦) والحاكم (٤/ ٣٣٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204827,"book_id":111,"shamela_page_id":674,"part":null,"page_num":692,"sequence_num":674,"body":"وأما الباب السادس فقد جعل عنوانه نصًا في المسألة فقال: الباب السادس في ذكر عذاب القبر ونعيمه.\rحيث قال رحمه الله تعالى: \"وقد دلّ القرآن على عذاب القبر في مواضع كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (¬١).\rثم ساق رحمه الله تعالى بعد ذلك بعض تفسيرات الصحابة ﵃ للآيات التي تدل على عذاب القبر منها قوله: \"وروى البراء في قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ (¬٢) قال: عذاب القبر\" (¬٣).\rوكذا روي عن ابن عباس في قوله ﷾: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ (¬٤).\rوكذا قال قتادة والربيع بن أنس (¬٥) في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (¬٦) أحدهما في الدنيا والأخرى هي عذاب القبر\" (¬٧) ... (¬٨).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وأما نعيم القبر فقد دلّ عليه قوله تعالى:","footnotes":"(¬١) سورة الأنعام آية (٩٣).\r(¬٢) سورة الطور آية (٤٧).\r(¬٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٧/ ٣٦) والآجري في الشريعة (ص ٣٥٨).\r(¬٤) سورة السجدة آية (٢١).\r(¬٥) الربيع بن أنس بن زياد البكري الخراساني، كان عالم مرو في زمانه، توفي سنة ١٣٩ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٦/ ١٦٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٣٨).\r(¬٦) سورة التوبة آية (١٠١).\r(¬٧) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ١١).\r(¬٨) أهوال القبور (ص ٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204828,"book_id":111,"shamela_page_id":675,"part":null,"page_num":693,"sequence_num":675,"body":"﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (¬١) ... \" (¬٢).\rكما أنه أورد رحمه الله تعالى تحت بقية الأبواب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة التي تدل على ثبوت عذاب القبر ونعيمه وفتنته، فمن الآيات التي أوردها قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (¬٣).\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى عقب هذه الآية تفسير النبيّ ﷺ للآية فقال: \"وخرجا في الصحيحين (¬٤) من حديث البراء بن عازب ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ نزلت في عذاب القبر ... زاد مسلم: \"يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبي محمد\"، فذلك قوله ﷾: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾.\rوفي رواية البخاري قال: \"إذا أقعد العبد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ... \" (¬٥).\rومنها قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (¬٦).","footnotes":"(¬١) سورة الواقعة رقم (٨٩).\r(¬٢) أهوال القبور (ص ٥٨).\r(¬٣) سورة إبراهيم آية (٢٧).\r(¬٤) صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (٢/ ١٠١) وصحيح مسلم: كتاب صفة الجنة، باب عرض مقعد الميت (٤/ ٢٢٠١).\r(¬٥) انظر: أهوال القبور (ص ٦) وما بعدها.\r(¬٦) سورة غافر آية (٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204829,"book_id":111,"shamela_page_id":676,"part":null,"page_num":694,"sequence_num":676,"body":"قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"قال قتادة في هذه الآية يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخًا وصغارًا ونقيصة\" (¬١).\rوقال ابن سيرين (¬٢): كان أبو هريرة يأتينا بعد صلاة العصر فيقول: عرجت الملائكة، وهبطت الملائكة، وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار\" (¬٣) ... (¬٤).\rوأما الأحاديث الدالة على عذاب القبر ونعيمه فهي كثيرة جدًا بلغت حد التواتر.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وقد تواترت الأحاديث عن النبيّ ﷺ في عذاب القبر والتعوذ منه\" (¬٥).\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى كثيرًا من الأحاديث الدالة على عذاب القبر ونعيمه.\rمنها حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم آتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - محمد ﷺ - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله ﷺ فيقال له: انظر إلى","footnotes":"(¬١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٩١) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(¬٢) أبو بكر محمد بن سيرين، أبوه مولى أنس بن مالك، كان من سبي عين التمر فاشتراه أنس وكاتبه، قال هشام بن حسان: \"هو أصدق من أدركت من البشر\" وقال ابن سعد: \"وكان ثقة مأمونًا عاليًا رفيعًا فقهيًا إمامًا كثير العلم ورعًا\"، توفي رحمه الله تعالى سنة ١١٠ هـ.\rطبقات ابن سعد (٧/ ١٩٣) والبداية والنهاية (٩/ ٢٦٧).\r(¬٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٩١).\r(¬٤) أهوال القبور (ص ٣٩).\r(¬٥) المصدر السابق (ص ٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204830,"book_id":111,"shamela_page_id":677,"part":null,"page_num":695,"sequence_num":677,"body":"مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، قال: فيراهما جميعًا، وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، فيضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين\" (¬١).\rومنها حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة\" (¬٢).\rومنها حديث عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر؟ قال: \"نعم عذاب القبر حق\" قالت عائشة: \"فما رأيت رسول الله ﷺ بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر\" (¬٣).\rومنها حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: \"اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (٢/ ١٠٢) ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه (٤/ ٢٢٠٠).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه بالغداة والعشي (٢/ ١٠٣) ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت عليه (٤/ ٢١٩٩).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (٢/ ١٠٢).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة (١/ ٤١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204831,"book_id":111,"shamela_page_id":678,"part":null,"page_num":696,"sequence_num":678,"body":"ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: \"إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال\" (¬١).\rومنها حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: بينما النبيّ ﷺ في حائط بني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به، فكادت تلقيه، واذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: \"من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل أنا: قال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: \"وإن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه\" ثم أقبل علينا بوجهه فقال: \"تعوذوا بالله من عذاب النار\" قالوا: نعوذ بالله من النار قال: \"تعوذوا بالله من عذاب القبر\" قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: \"تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن\" قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: \"تعوذوا بالله من فتنة الدجال\" قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال (¬٢).\rومنها حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: خرج النبيّ ﷺ وقد وجبت الشمس فسمع صوتا فقال: \"يهود تعذب في قبورها\" (¬٣).\rإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على أن إثبات عذاب القبر ونعيمه وفتنته كما هو قول أهل السنة والجماعة وخلافًا للخوارج","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر (٢/ ١٠٣) ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٤١٢).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب صفة الجنة، باب عرض مقعد الميت عليه (٤/ ٢٩٩).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب صفة الجنة، باب عرض مقعد الميت عليه (٤/ ٢٢٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204832,"book_id":111,"shamela_page_id":679,"part":null,"page_num":697,"sequence_num":679,"body":"ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة الذين نفوا ذلك وخالفوا بذلك دلائل الكتاب والسنة التي تظافرت على إثباته (¬١).\rوقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه وهو قول أهل السنة والجماعة فقال: \"ومما يدلّ على وقوع العذاب على الأجساد الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر حتى تختلف أضلاعه، ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة لم يختص العذاب بالقبر ولم ينسب إليه\" (¬٢).\rكما رد رحمه الله تعالى على الذين يقولون إن العذاب على الروح فقط فقال وهو يتكلم عن إعادة الروح للجسد \"وأنكر ذلك طائفة منهم ابن حزم وغيره، وذكر أن السؤال للروح خاصة، وكذلك سماع الخطاب وأنكر ألا تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره، وقالوا: لو كان ذلك حقًا للزم الإنسان أن يموت ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دلّ على أنهما موتتان وحياتان، وهذا ضعيف جدًا، فإن حياة الروح ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليس هو حياة تامة حتى يكون إنفصال الروح به موتًا تامًا وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتًا وحياة كما كان يقول رسول الله ﷺ إذا استيقظ: \"الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور\" (¬٣)","footnotes":"(¬١) انظر: شرح مسلم للنووي (١٧/ ٢٠١) ولوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٤، ٢٥).\r(¬٢) أهوال القبور (ص ٨١).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب ماذا يقول إذا نام (٧/ ١٤٧) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب ماذا يقول عند النوم وأخذ المضجع (٤/ ٢٠٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204833,"book_id":111,"shamela_page_id":680,"part":null,"page_num":698,"sequence_num":680,"body":"وسماه الله تعالى وفاة لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ (¬١) الآية. ومع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حيًا، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حيًا حياة مطلقة\" (¬٢).\rفما قاله ابن رجب رحمه الله تعالى في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة والجماعة وهو الحق والصواب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا فيحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها، وقاموا من قبورهم لرب العالمين\" (¬٣).\rوقد أشار ابن رجب ﵀ إلى أنواع عذاب القبر التي يعذب بها الميت في قبره فقال: \"وقد ورد في عذاب القبر أنواع منها الضرب بمطراق من حديد وغيره ... \".\rومنها تسليط الحيات والعقارب ...\rومنها تضييق القبر على الميت حتى تختلف أضلاعه ... (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة الزمر آية (٤٢).\r(¬٢) أهوال القبور (ص ٧٩، ٨٠).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤).\r(¬٤) أهوال القبور (ص ٥٠، ٥١، ٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204834,"book_id":111,"shamela_page_id":681,"part":null,"page_num":699,"sequence_num":681,"body":"المبحث الرابع الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر\rأشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى بعض الأعمال التي يعذب الميت بسببها في قبره وذكر على ذلك الأحاديث الدالة عليها فقال: \"وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ مر بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة\" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها باثنتين ثم غرز على كل قبر منهما واحدة، قالوا: لِمَ فعلت هذا يا رسول الله؟ قال: \"لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا\" (¬١).\rوقد روي هذا الحديث عن النبيّ ﷺ من وجوه متعددة خرّجه ابن ماجه (¬٢) من حديث أبي بكرة وفي حديثه: \"وأما الآخر فيعذب في الغيبة\" ...\rوقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والنميمة والغيبة بعذاب القبر وهو أن القبر أول منازل الآخرة وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان:","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول (١/ ٦٠) وصحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (١/ ٢٤٠).\r(¬٢) ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب التشديد في البول (١/ ١٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204835,"book_id":111,"shamela_page_id":682,"part":null,"page_num":700,"sequence_num":682,"body":"حق لله، وحق للعباد، وأول ما يقضي فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء، وأما البرزخ فيقضي فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما فمقدمة الصلاة: الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة والغيبة والوقيعة في الأعراض وهما أيسر أنواع الأذى فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما (¬١).\rكما أشار رحمه الله تعالى إلى بعض الأعمال التي تكون سببًا في النجاة من عذاب القبر فقال: \"إن الطهارة من الحدث تنجي من عذاب القبر، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينجي من عذاب القبر .... لأن فيه غاية النفع للناس في دينهم، وكذلك الجهاد والرباط فإن المجاهد والمرابط في سبيل الله كل منهما بذل نفسه وسمح بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر وليذب عن إخوانه المؤمنين عدوهم (¬٢).","footnotes":"(¬١) أهوال القبور (ص ٤٦، ٤٨).\r(¬٢) المصدر السابق (ص ٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204836,"book_id":111,"shamela_page_id":683,"part":null,"page_num":701,"sequence_num":683,"body":"المبحث الخامس مستقر الأرواح\rتكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة في كتاب أهوال القبور وعقد لذلك بابًا قال فيه: الباب التاسع في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ.\rثم بيّن أن الأرواح تتفاوت وقسّمها إلى الأقسام التالية:\r١ - أرواح الأنبياء قال فيها: أما الأنبياء ﵈ فليس فيهم شك أن أرواحهم عند الله في أعلى عليين.\rوقد ثبت في الصحيح أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ عند موته: \"اللهم الرفيق الأعلى\" (¬١) وكررها حتى قبض.\r٢ - أرواح الشهداء قال فيها: وأما الشهداء فأكثر العلماء على أنهم في الجنة وقد تكاثرت بذلك الأحاديث ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (¬٢). قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: \"أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (٧/ ١٩٢).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (١٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204837,"book_id":111,"shamela_page_id":684,"part":null,"page_num":702,"sequence_num":684,"body":"إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا\" (¬١).\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أنّا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد قال: فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (¬٢) ... (¬٣).\rوخرّج ابن منده من طريق يحيى بن صالح (¬٤) عن سعيد بن سويد (¬٥)","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٤٧٩).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (١٦٩).\r(¬٣) مسند أحمد (١/ ٢٦٦).\rوأبو داود: كتاب الجهاد، باب في فضل الشهادة (٣/ ٣٣) والحاكم (٢/ ٢٩٧) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.\r(¬٤) الإمام العالم الحافظ يحيى بن صالح الدمشقي أبو زكريا الحمصي وثقه يحيى بن معين وابن عدي وابن حبان، توفي سنة ٢٢٢ هـ.\rالجرح والتعديل (٩/ ١٥٨) وطبقات الحنابلة (١/ ٤٠٢) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٥٣).\r(¬٥) سعيد بن سويد الكلبي الشامي، ذكره ابن حبان في الثقات.\rالثقات لابن حبان (٦/ ٣٦١) والجرح والتعديل (٤/ ٢٩) وتعجيل المنفعة (ص ١٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204838,"book_id":111,"shamela_page_id":685,"part":null,"page_num":703,"sequence_num":685,"body":"أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين قال: \"بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدو ثم تروح إلى رياض الجنة تأتي ربها سبحانه كل يوم تسلم عليه\".\rوكذا قال الضحاك وإبراهيم التيمي (¬١) وغيرهما من السلف في أرواح الشهداء.\rوقد ذكر ابن رجب كثيرًا من الأحاديث الدالة على أن أرواح الشهداء في الجنة، ثم قسّم بقية الناس غير الأنبياء والشهداء إلى قسمين فقال: \"وأما بقية المؤمنين سوى الشهداء فينقسمون إلى أهل تكليف، وغير أهل تكليف فهذان قسمان:\rأحدهما: غير أهل التكليف كأطفال المؤمنين فالجمهور على أنهم في الجنة، وقد حكى الإمام أحمد على ذلك الإجماع ...\rوكذلك نص الشافعي على أن أطفال المسلمين في الجنة، وجاء صريحًا عن السلف على أن أرواحهم في الجنة\".\rثم ساق ابن رجب رحمه الله تعالى الأدلة على أن أرواح أطفال المسلمين في الجنة ومنها قوله: \"ومما يستدل لهذا أيضا ما خرّجه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه رأى في منامه جبرائيل وميكائيل أتيا به فانطلقا به وذكر حديثا طويلًا وفيه: \"فانطلقا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها فيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن","footnotes":"(¬١) إبراهيم بن يزيد التيمي أبو أسماء عابد الكوفة، قال الذهبي: كان شابًا صالحًا قانتًا لله عالمًا فقيهًا كبير القدر، واعظًا، توفي سنة ٩٢ هـ، وقيل غير ذلك.\rسير أعلام النبلاء (٥/ ٦٠) وتهذيب التهذيب (١/ ١٧٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204839,"book_id":111,"shamela_page_id":686,"part":null,"page_num":704,"sequence_num":686,"body":"وأفضل فيها شيوخ وشباب\" وذكر الحديث وفيه قالا: \"والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇، والصبيان حوله فأولاد الناس\" وفي رواية: \"فكل مولود مات على الفطرة\" وفي رواية: \"ولد على الفطرة\" والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء\" (¬١).\rثم ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى قولين في حكم أطفال المسلمين فوجه الأول منها، واستبعد الثاني فقال: \"وذهبت طائفة إلى أنه يشهد لأطفال المسلمين عمومًا أنهم في الجنة ولا يشهد لآحادهم وهو قول ابن راهويه نقله عنه إسحاق بن منصور (¬٢)، وحرب في مسائلهما. ولعل هذا يرجع إلى الطفل المعين لا يشهد لأبيه بالإيمان فلا يشهد له حينئذ أنه من أطفال المؤمنين فيكون الوقف في آحادهم كالوقف في إيمان آبائهم.\rوحكى ابن عبد البر (¬٣) عن طائفة من السلف القول بالوقف في أطفال المؤمنين وحماد بن زيد وحماد بن سلمة (¬٤) وابن المبارك وإسحاق، وهو بعيد جدًا، ولعله أخذ ذلك من عمومات كلام لهم وإنهم أرادوا بها أطفال المشركين.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز (٢/ ١٠٥).\r(¬٢) إسحاق بن منصور بن بهرام المروزي أبو يعقوب الكوسج، الإمام الفقيه الحافظ، وهو أحد الأئمة، من أصحاب الحديث الزهاد المتمسكين بالسنة، وهو صاحب المسائل عن أحمد بن حنبل، توفي سنة ٢٥١ هـ.\rتاريخ بغداد (٦/ ٣٦٢) وطبقات الحنابلة (١/ ١١٣) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٤٩).\r(¬٣) انظر: التمهيد (١٨/ ١١١، ١١٢).\r(¬٤) حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، الإمام الحافظ، كان عابدًا زاهدًا، وكان بحرًا من بحور العلم، قال أحمد بن حنبل: حماد بن سلمة عندنا من الثقات، ما تزداد فيه كل يوم إلا بصيرة، توفي سنة ١٦٧ هـ.\rمشاهير علماء الأمصار (ص ١٥٧) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٤٤٤) وتهذيب التهذيب (٣/ ١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204840,"book_id":111,"shamela_page_id":687,"part":null,"page_num":705,"sequence_num":687,"body":"وكذلك اختار القول بالوقف طائفة منهم الأثرم (¬١) والبيهقي.\rوذكر أن ابن عباس رجع إليه، والإمام أحمد ذكر أن ابن عباس إنما قال ذلك في أطفال المشركين، وإنما أخذه البيهقي من عموم لفظ روى عنه كما أنه روى في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل عن الأطفال فقال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" ولكن الحفاظ الثقات ذكروا أنه سئل عن أطفال المشركين. واستدل القائل بالموقف بما أخرجه مسلم (¬٢) من حديث عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: \"أوَ لا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا\". . . (¬٢).\rوعن أنس عن النبي ﷺ قال: \"ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم\" (¬٣).\rولهذا قال الإمام أحمد: هو يرجى لأبويه فكيف يشك فيه -يعني أن يرجى لأبويه دخول الجنة بسببه- ولعل النبي ﷺ نهى أولًا عن الشهادة لأطفال المسلمين بالجنة قبل أن يطلع على ذلك لأن الشهادة على ذلك تحتاج إلى علم به ثم أطلع على ذلك فأخبر به والله أعلم (¬٤).\rثم ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذلك القسم الثاني فقال:","footnotes":"(¬١) أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، صاحب الإمام أحمد، كان ﵀ جليل القدر، إمامًا حافظًا، تفقه على الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ونقل عنه مسائل كثيرة، توفي سنة ٢٦١ هـ.\rطبقات الحنابلة (١/ ٦٦) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٢٣) وتهذيب التهذيب (١/ ٧٨).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب القدر (٤/ ٢٠٥٠).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب (٢/ ٧٢).\r(¬٤) أهوال القبور (ص ١٠٤ - ١٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204841,"book_id":111,"shamela_page_id":688,"part":null,"page_num":706,"sequence_num":688,"body":"\"القسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين وغيرهم سوى الشهداء، وقد اختلف فيهم العلماء قديمًا وحديثًا ...\rثم ساق ابن رجب رحمه الله تعالى تلك الأقوال في هذه المسألة وأدلة كل قول ورد على بعضها وتتلخص الأقوال التي ذكرها فيما يلي:\r١ - القول الأول: أن أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار، وهذا يروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من العلماء.\r٢ - القول الثاني: أن الأرواح كلها في الأرض وهؤلاء اختلفوا:\rأ - فمنهم من قال: الأرواح تستقر على أفنية القبور.\rب - ومنهم من قال: تجتمع في موضع من الأرض، فأرواح المؤمنين تجتمع بالجابية (¬١) وأما أرواح الكفار فتجمع بسبخة (¬٢) بحضرموت يقال له بَرهُوْت (¬٣).\r٣ - القول الثالث: أن الأرواح عند الله ﷿.\r٤ - القول الرابع: أن أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله.","footnotes":"(¬١) الجابية: بكسر الباء وياء مخففة، وهي قرية من أعمال دمشق، وبالقرب منها تل يسمى تل الجابية، وباب الجابية بدمشق منسوب إلى هذا الموضع.\rمعجم البلدان (٢/ ٩١).\r(¬٢) السبخة: بفتح الباء هي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر.\rالنهاية لابن الأثير (٢/ ٣٣٣).\r(¬٣) برهوت: بضم الهاء وسكون الواو واد أو بئر بحضرموت، وقيل: اسم البلد الذي فيه هذه البئر.\rمعجم البلدان (١/ ٤٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204842,"book_id":111,"shamela_page_id":689,"part":null,"page_num":707,"sequence_num":689,"body":"٥ - القول الخامس: أن الله خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعلها في برزخ، وذلك البرزخ عند منقطع العناصر -يعني لا ماء ولا هواء ولا نار- وأنه إذا خلق الأجساد أدخل فيها تلك الأرواح ثم يعيدها عند قبضها إلى ذلك البرزخ وهذا قول ابن حزم.\rوقد رد ابن رجب على هذا القول واستبعد أن يكون ذلك من قول أهل الإسلام فقال: \"وليس هذا من جنس كلام المسلمين بل من جنس كلام المتفلسفة\".\r٦ - القول السادس: كما ساقه ابن رجب ورد عليه \"وقد ذهب طائفة من المتكلمين إلى أن الروح عرض لا تبقى بعد الموت وحملوا ما ورد من عذاب الأرواح ونعيمها بعد الموت على أحد أمرين: أما أن العرض الذي هو الحياة يعاد إلى جزء من البدن أو على أن يخلق في بدن آخر، وهذا الثاني باطل قطعًا لأنه يلزم منه أن يعذب بدن غير بدن الميت مع روح غير روحه فلا يعذب حينئذ بدن الميت ولا روحه ولا ينعمان أيضًا وهذا باطل قطعًا، والأول باطل أيضًا بالنصوص الدالة على بقاء الروح منفردة عن البدن بعد مفارقتها له، وهي كثيرة جدًا.\rوقد اتضح لي أن ابن رجب رحمه الله تعالى يميل إلى القول الأول وهو قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى حيث قال عنه:\r\"والمنصوص عن الإمام أحمد: أن أرواح المؤمنين في الجنة ذكره الخلال في كتاب السنة عن غير واحد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أرواح المؤمنين في الجنة، وقال حنبل في موضع آخر: هي أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم من يشاء ...","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204843,"book_id":111,"shamela_page_id":690,"part":null,"page_num":708,"sequence_num":690,"body":"وقد حكى القاضي أبو يعلى (¬١) في كتاب المعتمد ومن اتبعه من الأصحاب هذا الكلام عن عبد الله بن أحمد (¬٢) عن أبيه، ولم ينقله عبد الله إنما نقله حنبل، وأما ما نقله عبد الله عن أبيه فقال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن أرواح الموتى: أتكون في أفنية قبورهم أم في حواصل طير أم تموت كما تموت الأجساد؟ قال: روي عن النبي ﷺ قال: نسمة المؤمن إذا مات طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده فيبعثه الله\" .. (¬٣).\rوهذا الكلام أيضًا تدل على أن أرواح المؤمنين عند الله في الجنة إلا أنه ذكر في جوابه الأحاديث الدالة على ذلك المرفوعة والموقوفة ولم يذكر سوى ذلك، ففي رواية حنبل: جزم بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وفي رواية عبد الله ذكر الأدلة على ذلك ...","footnotes":"(¬١) الإمام القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الحنبلي ابن الفراء، شيخ الحنابلة وعالم العراق في زمانه، وكان ذا عبادة وتهجد وملازمة للتصنيف، مع الجلالة والورع، من مؤلفاته: العمدة في أصول الفقه، أحكام القرآن، وإبطال التأويل، توفي سنة ٤٥٨ هـ.\rطبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣) وتاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩) والبداية والنهاية (١٢/ ١٠٢).\r(¬٢) الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي، قال البغدادي: كان ثقة ثبتًا فهمًا، وقال الذهبي: الإمام الحافظ الناقد محدث بغداد، له مؤلفات مفيدة منها: كتاب السنة، توفي سنة ٢٩٠ هـ.\rتاريخ بغداد (٩/ ٣٧٥) وطبقات الحنابلة (١/ ١٨٠) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٦).\r(¬٣) تقدم تخريجه (ص ٤٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204844,"book_id":111,"shamela_page_id":691,"part":null,"page_num":709,"sequence_num":691,"body":"إلى أن قال رحمه الله تعالى: \"وقد يستدل للقول بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار من القرآن بأدلة منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾ ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ (¬١) هو دخول النار مع إحراقها وإنضاجها فجعل هذا كله متعقبًا للاحتضار والموت، وكذلك قوله تعالى في قصة المؤمن في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ (¬٢)، وإنما قال هذا بعد ما قتلوه ورأى ما أعد الله له: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ (¬٣) على تأويل من تأول ذلك عند الاحتضار، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ (¬٤) الآية. ونظير هذه الآية قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة الواقعة آية (٨٢ - ٩٥).\r(¬٢) سورة يس آية (٢٦، ٢٧).\r(¬٣) سورة الفجر آية (٢٧، ٢٨).\r(¬٤) سورة الأعراف آية (٣٧، ٣٨).\r(¬٥) سورة النحل آية (٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204845,"book_id":111,"shamela_page_id":692,"part":null,"page_num":710,"sequence_num":692,"body":"ومما يستدل به أيضًا لذلك ما رواه مجالد (¬١) عن الشعبي (¬٢) عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن خديجة قال: \"أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب\" (¬٣).\rوخرّج أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لما رجم الأسلمي الذي اعترف عنده بالزنا قال: \"والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها\" (¬٤) وإنما تدخل أرواح المؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستوجب العقوبة أو حقوق آدميين حتى يبرأ منها (¬٥).\rولعل القول بأن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار هو أرجح الأقوال في هذه المسألة لأن أدلته كثيرة وصحيحة وصريحة والله أعلم.","footnotes":"(¬١) مجالد بن سعيد بن بسطام الهمداني أبو عمرو الكوفي وهو من صغار التابعين، وفي حديثه لين، توفي سنة ١٤٤ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٦/ ٢٨٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٩).\r(¬٢) عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الإمام الحافظ، أبو عمرو الهمداني، حدث عن عدد من الصحابة، وكان فقيهًا محدثًا، أثر عنه قوله: \"ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي\"، توفي سنة ١٠٤ هـ.\rالجرح والتعديل (٦/ ٣٢٢) ووفيات الأعيان (٣/ ١٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤).\r(¬٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٨٨) والأوسط (٢/ ١٣١/ أ) قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٢٣): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجالهما رجال الصحيح غير مجالد بن سعيد، وقد وثق وخاصة في أحاديث جابر.\rوهذا الحديث أخرجه البخاري (٤/ ٢٣١) ومسلم (٤/ ١٨٨٦) من حديث أبي هريرة وغيره بنحوه.\r(¬٤) سنن أبي داود: كتاب الحدود (٤/ ٥٨١).\r(¬٥) أهوال القبور (ص ١١١ - ١١٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204846,"book_id":111,"shamela_page_id":693,"part":null,"page_num":711,"sequence_num":693,"body":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"وأرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار، تنعم أرواح المؤمنين وتعذب أرواح الكافرين إلى أن تعاد إلى الأبدان\" (¬١).\rوقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الفرق بين حياة الشهداء في الجنة وحياة غيرهم من المؤمنين فقال: \"والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين:\rأحدهما: أن أرواح الشهداء يخلق لها أجساد أو هي الطير التي تكون في حواصلها ليكمل بذلك نعيمها، ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد، فإن الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل الله فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ.\rوالثاني: أنهم يرزقون من الجنة وغيرهم لم يثبت له في حقه مثل ذلك فإنه جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة، وروي يعلقون بفتح اللام وضمها فقيل: إنهما بمعنى، وأن المراد الأكل من الشجر، قال ابن عبد البر وقيل: رواية الضم معناها الأكل، ورواية الفتح معناها التعلق، ذكره ابن الجوزي، وبكل حال فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعمهم في الأكل والله أعلم (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١١).\r(¬٢) أهوال القبور (ص ١٢٥، ١٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204847,"book_id":111,"shamela_page_id":694,"part":null,"page_num":712,"sequence_num":694,"body":"المبحث السادس الصراط\rالصراط جسر منصوب على متن جهنم ويمر الناس عليه إلى الجنة على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم، فمن مر على الصراط دخل الجنة.\rوقد وردت أحاديث كثيرة فيها ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في كتاب التخويف من النار حيث عقد بابًا قال فيه: الباب السادس والعشرون في ضرب الصراط على متن جهنم ومرور الموحدين عليه (¬١).\rثم شرع في ذكر الأحاديث الواردة في ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه.\rومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في حديث طويل قال فيه: \" ... ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون: اللهم سلم سلم\" قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: \"دحض","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (ص ٢٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204848,"book_id":111,"shamela_page_id":695,"part":null,"page_num":713,"sequence_num":695,"body":"مَزِلة\" (¬١) فيه خطاطيف وكلاليب وحسك (¬٢) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمن كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب (¬٣)، فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس (¬٤) على وجهه في النار\" (¬٥).\rومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فذكر الحديث وفيه قال: \"ويضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ \" قالوا: نعم يا رسول الله، قال: \"فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ﷿، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المُوْبَق (¬٦) بعمله، ومنهم المجازي حين يُنَجّى ... \" (¬٧).","footnotes":"(¬١) مَزِلة: بفتح الميم وكسر الزاي، والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو المكان الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر.\rالنهاية لابن الأثير (٢/ ٣١٠) والمصباح المنير (١/ ٢٥٤).\r(¬٢) حسك: جمع حسكة وهي شوكة صلبة.\rالنهاية لابن الأثير (١/ ٣٨٦).\r(¬٣) الأجاويد: جمع أجواد وهو جمع جواد، وهو الجيد الجري من المطي. والركاب: هي الإبل.\rالنهاية لابن الأثير (١/ ٣١٢).\r(¬٤) مكدوس: الكدس الدفع، وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط.\rالنهاية لابن الأثير (٤/ ١٥٥).\r(¬٥) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد (٨/ ١٨١) ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٧).\r(¬٦) الموبق: المهلك، يقال: وَبَق يَبِق، ووَبِق يَوْبَق فهو وَبِق إذا هلك.\rالنهاية لابن الأثير (٥/ ١٤٦).\r(¬٧) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم (٧/ ٢٠٥) ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة الرؤية (١/ ١٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204849,"book_id":111,"shamela_page_id":696,"part":null,"page_num":714,"sequence_num":696,"body":"ومنها حديث حذيفة عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه قال: \" ... فيأتون محمدًا ﵌ فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: \"ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم\" ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول: \"رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زخفًا\" قال: \"وفي حافتي الصراط كلاليب مُعَلَّقَةٌ مأمورة بأخذ من أُمِرت بأخذه، فمخدوش ناج ومكدوس في النار\" (¬١).\rومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ فذكر حديثًا طويلًا وفيه قال: \"والصراط كحد السيف دحض مَزِلة، قال: فيقولون: انجو على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأشد الرجال، ويرمل رملًا، فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه تخرّ يد وتتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل فتصيب جوانبه النار\" (¬٢).\rإلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه، وما ذكرته من الأحاديث هو طرف من الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى.\rوهذا هو منهج أهل السنة والجماعة فهم عندما يعرضون للكلام عن","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٧).\r(¬٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٦) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204850,"book_id":111,"shamela_page_id":697,"part":null,"page_num":715,"sequence_num":697,"body":"الصراط يذكرون هذه الأحاديث التي فيها ذكر الصراط وصفته وكيفية المرور عليه ويؤمنون بها.\rوصفة الصراط والمرور عليه لم يخالف فيها إلا أهل البدع والأهواء الذين فسروا هذه الأحاديث بتفسيرات باطلة تخالف دلالات هذه النصوص وما قرره علماء أهل السنة والجماعة.\rوقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أن المشركين يتبعون آلهتهم التي عبدوها من دون الله فتسير بهم تلك الآلهة حتى تهوى بهم في نار جهنم، ولا يمر على الصراط إلا المؤمنون وفيهم المنافقون وعصاة المؤمنين.\rقال رحمه الله تعالى: \"واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط، ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع الشمس من يعبدها، ويتبع القمر من يعبد القمر، ويتبع الطواغيت من يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقون\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه\" (¬١).\rوفيهما أيضًا عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب، فيدعى","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ١٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204851,"book_id":111,"shamela_page_id":698,"part":null,"page_num":716,"sequence_num":698,"body":"اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار ثم يدعي النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر آتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا -مرتين أو ثلاثًا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفون بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم ... \" (¬١).\rفهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح والعزير من أهل الكتاب فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ١٩٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204852,"book_id":111,"shamela_page_id":699,"part":null,"page_num":717,"sequence_num":699,"body":"من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولًا، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ (¬١) وأما من عبد المسيح والعزير من أهل الكتاب فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبين إلى الأنبياء ثم يردون النار بعد ذلك.\rوقد ورد في حديث آخر: أن من كان يعبد المسيح يمثل له شيطان المسيح فيتبعونه، وكذلك من كان يعبد العزير، وفي حديث الصور أنه يمثل لهم ملك على صورة المسيح وملك على صورة العزير، ولا يبقى بعد ذلك إلا من كان يعبد الله وحده في الظاهر سواء كان صادقًا أو منافقًا من هذه الأمة وغيرها، ثم يتميز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم من السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يقسم للمؤمنين\" (¬٢).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن من استقام على الطريق المستقيم سلم من النار واستقام سيره على الصراط المنصوب على متن جهنم قال ﵀: \"إن الإيمان والعمل الصالح في الدنيا هو الصراط المستقيم في الدنيا الذي أمر الله العباد بسلوكه والاستقامة عليه، وأمرهم بسؤال الهداية إليه، فمن استقام سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا ظاهرًا وباطنًا استقام مشيه على ذلك الصراط المنصوب على متن جهنم ومن لم يستقم سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا بل انحرف عنه إما إلى فتنة الشبهات أو إلى فتنة الشهوات كان اختطاف الكلاليب له على صراط جهنم بحسب اختطاف الشبهات والشهوات له عن هذا","footnotes":"(¬١) سورة هود آية (٩٨).\r(¬٢) التخويف من النار (ص ١٨٦) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204853,"book_id":111,"shamela_page_id":700,"part":null,"page_num":718,"sequence_num":700,"body":"الصراط المستقيم كما في حديث أبي هريرة: \"إنها تخطف الناس بأعمالهم\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وإذا طهر المؤمن من ذنوبه، لم يجد حر النار إذا مر عليها يوم القيامة لأن وجدان الناس لحرها عند المرور عليها بحسب ذنوبهم، فمن طهر من الذنوب ونقى منها في الدنيا جاز على الصراط كالبرق الخاطف والريح لم يجد شيئًا من حر النار ولم يحس بها ... \" (¬٢).","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (ص ٧٤).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٣٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204854,"book_id":111,"shamela_page_id":701,"part":null,"page_num":719,"sequence_num":701,"body":"المبحث السابع بيان المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾\rذكر ابن رجب رحمه الله تعالى الخلاف في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ (¬١) وعقد له فصلًا في كتاب التخويف من النار بعنوان \"الباب السابع والعشرون في ذكر ورود النار\" قال فيه:\rاختلف الصحابة ومن بعدهم في تفسير الورود ثم ذكر بعد ذلك أقوال العلماء في ذلك على النحو التالي:\r١ - قول الذين قالوا إن المراد بالورود المرور على الصراط، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"قالت طائفة: الورود هو المرور على الصراط وهذا قول ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وغيرهم .. \".\r٢ - القول الثاني: قول ابن عباس ﵄ ومن وافقه من الصحابة وغيرهم في أن المقصود من الورود في الآية هو الدخول في النار، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وقالت طائفة: الورود هو الدخول، وهذا هو المعروف عن ابن عباس، روي عنه من غير وجه، وكان يستدل لذلك بقول الله تعالى في فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (¬٢) وبقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (¬٣)","footnotes":"(¬١) سورة مريم آية (٧١).\r(¬٢) سورة هود آية (٩٨).\r(¬٣) سورة مريم آية (٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204855,"book_id":111,"shamela_page_id":702,"part":null,"page_num":720,"sequence_num":702,"body":"وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ (¬١) ... \" (¬٢).\r٣ - القول الثالث: قول الذين قالوا إن المراد بالورود هو ما يصيب المؤمن في الدنيا من حمى ومرض، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وقد فسر بعضهم الورود بالحمى في الدنيا\"، روي عن مجاهد وعثمان بن الأسود (¬٣)، وفيه حديث مرفوع: \"الحمى حظ المؤمن من النار\" (¬٤) وإسناده ضعيف.\r٤ - القول الرابع: قول الذين قالوا إن الورود ليس عامًا وإنما هو","footnotes":"(¬١) سورة الأنبياء آية (٩٩).\r(¬٢) التخويف من النار (ص ١٩٣).\r(¬٣) عثمان بن الأسود بن موسى المكي، وثقه يحيى القطان وابن أبي حاتم وابن سعد وغيرهم، توفي سنة ١٥٠ هـ، وقيل غير ذلك.\rالجرح والتعديل (٦/ ١٤٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٣٣٩) تهذيب التهذيب (٧/ ١٠٧).\r(¬٤) أخرجه بهذا اللفظ القضاعي في مسند الشهاب (١/ ٧١) من حديث عبد الله بن مسعود، وفي سنده صالح بن أحمد الهروي قال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر، وفي سنده أيضًا أحمد بن راشد الهلالي قال الذهبي: أتى بخبر باطل.\rميزان الاعتدال (٢/ ٢٨٨) و (١/ ٩٧) ولسان الميزان (٣/ ١٦٥)، (١/ ١٧١).\rوأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٤) والبزار كما في كشف الأستار (١/ ٣٦٤) والطبراني في الكبير (٨/ ٩٣).\rوهو عند أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة بلفظ: \"الحمى كير من جهنم، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار\".\rقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٥٥): رواه أحمد بإسناد لا بأس به، والبزار بإسناد حسن، وكذا قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠٦).\rوانظر: ألفاظ هذا الحديث وشواهده في الجامع الصغير للسيوطي (١/ ١٥٢) وشرحه فيض القدير (٣/ ٤١٩ - ٤٢١) وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة للألبانى (٤/ ٤٣٥) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204856,"book_id":111,"shamela_page_id":703,"part":null,"page_num":721,"sequence_num":703,"body":"خاص بالمحضرين حول جهنم، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"وقالت طائفة: الورود ليس عامًا وإنما هو خاص بالمحضرين حول جهنم المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (¬١) كأنه يقال لهؤلاء الموصوفين: \"وإن منكم إلا واردها\" روى هذا التأويل عن زيد بن أسلم (¬٢) وهو بعيد جدًا\" (¬٣).\rويبدو لي أن ابن رجب رحمه الله تعالى يرجح القول الأول الذي يقول أن المراد بالورود هو المرور على الصراط، ويدل على ذلك ما يأتي:\r١ - عند ذكره للقول الأول قال: \"ومما يستدل به على أن الورود ليس هو الدخول ما خرّجه مسلم من حديث جابر قال: أخبرتني أم بشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: \"لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها\" قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (¬٤) فقال النبي ﷺ: قد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ (¬٥) ...... (¬٦) \" (¬٧). فهذا يشعر برده للقول الثاني ...","footnotes":"(¬١) سورة مريم الآيات (٦٨ - ٧١).\r(¬٢) زيد بن أسلم أبو عبد الله العدوي العمري مولاهم الإمام الحافظ الفقيه، كان من العلماء العاملين وكان عالمًا بتفسير القرآن الكريم، توفي سنة ١٣٦ هـ.\rسير أعلام النبلاء (٥/ ٣١٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٥) وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٨٢).\r(¬٣) التخويف من النار (ص ٢٠٠).\r(¬٤) سورة مريم آية (٧١).\r(¬٥) سورة مريم آية (٧٢).\r(¬٦) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب الشجرة (٤/ ١٩٤٢).\r(¬٧) التخويف من النار (ص ١٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204857,"book_id":111,"shamela_page_id":704,"part":null,"page_num":722,"sequence_num":704,"body":"٢ - أنه بعد أن ذكر بعض الآثار التي تدل على القول الثاني رد عليها بقوله: \"ولكن هذا والذي قبله قد يدلان على أن الورود هو المرور على الصراط كالقول الأول\" (¬١).\r٣ - أنه صدر به الأقوال.\rوالقول بأن الورود في هذه الآية هو المرور على الصراط ذهب إليه كثير من المفسرين والعلماء.\rقال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: \"اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (¬٢) ما هو؟ والأظهر الأقوى أنه المرور على الصراط\" (¬٣).\rوقال الشوكاني: \"وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود وحمله على ظاهره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١). . .﴾ (¬٤) ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط ... فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة فينبغي حمل الآية على ذلك\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (ص ١٩٧).\r(¬٢) سورة مريم آية (٧١).\r(¬٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٧١).\r(¬٤) سورة الأنبياء آية (١٠١).\r(¬٥) فتح القدير (٣/ ٣٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204858,"book_id":111,"shamela_page_id":705,"part":null,"page_num":723,"sequence_num":705,"body":"المبحث الثامن الشفاعة\rقال ابن الأثير: تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: \"شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفِّع الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع الذي تقبل شفاعته\" (¬١).\rوقال الراغب الأصفهاني: \"الشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى ... \" (¬٢).\rوقال الحافظ ابن حجر: الاستشفاع طلب الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يرومه (¬٣).\rفالشفاعة هي طلب وسؤال الخير للغير.\rومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بكل ما جاءهم عن الله ﷿ وعن رسوله ﷺ في الشفاعة، ويثبتون جميع الشفاعات التي وردت الأدلة في الكتاب والسنة بإثباتها كشفاعته ﷺ لأهل الموقف وأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعاته ﷺ التي ستأتي،","footnotes":"(¬١) النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٥٨).\r(¬٢) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٣).\r(¬٣) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204859,"book_id":111,"shamela_page_id":706,"part":null,"page_num":724,"sequence_num":706,"body":"وشفاعات غيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين، وينفون الشفاعة التي نفتها الأدلة من الكتاب والسنة.\rوالشفاعة ملك لله وحده لا يشفع أحد لأحد إلا بعد إذنه ﷾ للشافع أن يشفع ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ (¬١) وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ (¬٣) وغير ذلك من الآيات الواردة في الشفاعة.\rومن الأدلة الواردة في السنة في الشفاعة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: \"لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا\" (¬٤).\rومنها حديثه الآخر ﵁ وهو حديث طويل وفيه ذكر الشفاعة العظمى حيث يقول الرسول ﷺ: \"أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بمَ ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفدهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم","footnotes":"(¬١) سورة الزمر آية (٤٤).\r(¬٢) سورة النجم آية (٢٦).\r(¬٣) سورة طه آية (١٠٩).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات (٧/ ١٤٥) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204860,"book_id":111,"shamela_page_id":707,"part":null,"page_num":725,"sequence_num":707,"body":"إلى ربكم ... \" فذكر في الحديث أنهم يأتون آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وكلهم يتبرأ ويقول: اذهبوا إلى غيري حتى يأتوا النبي ﷺ كما جاء في الحديث: \"فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع ... \" (¬١) الحديث.\rومنها حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: \"إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة\" (¬٢).\rومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا\" (¬٣).\rفالشفاعة حق، وهي ثابتة للرسول ﷺ ولمن يأذن الله له ﷿ من النبيين والملائكة والمؤمنين، والشفاعات (¬٤) الثابتة على سبيل البسط ثمانية أنواع هي:\r١ - الشفاعة العظمى وهي شفاعته ﷺ في الخلائق كلهم ليخلصوا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء (٤/ ١٠٦) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٥).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٧٨).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٨).\r(¬٤) انظر: ذكر هذه الأنواع في كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٥٨٨) وشرح مسلم للنووي (٣/ ٣٥) والتذكرة للقرطبي (ص ٣٠١) والنهاية في الفتن والملاحم (٢/ ٢٠٢ - ٢٤٨) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٣ - ٢٦٠) وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٢٧ - ٤٢٩) ولوامع الأنوار (٢/ ٢١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204861,"book_id":111,"shamela_page_id":708,"part":null,"page_num":726,"sequence_num":708,"body":"من هول الموقف يوم القيامة، وليعجل الله حسابهم بعد طول الموقف، ويقضي بينهم في اليوم الذي تقف فيه الخلائق خاضعين أمام خالقهم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا حيث تنتهي إليه ﷺ بعد مراجعتهم الأنبياء للقيام بها، فيقول ﵊: \"أنا لها\" وقد سبق ذكر دليل هذا النوع (¬١).\r٢ - شفاعته ﷺ لأهل الجنة في دخولها بعد الفراغ من حسابهم. وقد تقدم دليل هذا النوع (¬٢).\r٣ - شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه لأنه كان يحميه من أذى كفار قريش فيخفف عنه العذاب فيجعل في ضحضاح (¬٣) من النار بشفاعة النبي ﷺ لا بعمله الذي عمله لأن الله ﷾ أخبر أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وإنما الشفاعة لأهل التوحيد خاصة، ولكن شفاعته لعمه أبي طالب خاصة به، وخاصة لأبي طالب، ويدل على هذا النوع حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: \"لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه\" (¬٤).\rوهذه الأنواع الثلاثة السابقة من أنواع الشفاعة خاصة بنبينا محمد ﷺ.\r٤ - شفاعته ﷺ لقوم من عصاة الموحدين استحقوا دخول النار أن","footnotes":"(¬١) انظر (ص ٧٢٥).\r(¬٢) انظر (ص ٧٢٥).\r(¬٣) الضحضاح في الأصل: ما رق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين واستعاره هنا للنار.\rالنهاية لابن الأثير (٣/ ٧٥).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204862,"book_id":111,"shamela_page_id":709,"part":null,"page_num":727,"sequence_num":709,"body":"لا يدخلوها، وقد استدل ابن حجر (¬١) رحمه الله تعالى لهذا النوع بقوله ﷺ: \"ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد\" (¬٢).\r٥ - شفاعته ﷺ في العصاة من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بذنوبهم أن يخرجوا منها، وقد تقدم دليل هذا النوع (¬٣).\r٦ - شفاعته ﷺ في رفع درجات بعض أهل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم يدل على ذلك حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ دعا لأبي سلمة بعدما توفي فقال: \"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين ... \" (¬٤).\rوحديث أبي موسى الأشعري أنه لما أصيب عمه أبو عامر في غزوة أوطاس دعا له النبي ﷺ فقال: \"اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس\" (¬٥).\r٧ - شفاعته ﷺ في قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة، وقد استدل ابن حجر رحمه الله تعالى لهذا النوع بما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي ﷺ ثم ذكر الحافظ ابن حجر أن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٢٨).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٧).\r(¬٣) انظر (ص ٧٢٥).\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب الجنائز (٢/ ٦٣٤).\r(¬٥) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة (٤/ ١٩٤٤).\r(¬٦) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٢٨) وانظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٢١٦ - ٢١٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204863,"book_id":111,"shamela_page_id":710,"part":null,"page_num":728,"sequence_num":710,"body":"٨ - شفاعته ﷺ في دخول بعض المؤمنين الجنة بغير حساب ولا عذاب كشفاعته ﷺ في عكاشة بن محصن ﵁ حيث دعا له النبي ﷺ أن يكون من السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، فقال رجل: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة\" (¬١).\rوهذه الأنواع الخمسة الأخيرة يشارك النبي ﷺ فيها غيره من الأنبياء والملائكة والصديقين والشهداء. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الشفاعات كلها ويثبتونها لثبوتها في الكتاب والسنة مع إيمانهم أن هذه الشفاعات لا تتحقق إلا بعد تمام شروطها وهي:\r١ - إذن الله ﷾ للشافع أن يشفع، فإنه لا يشفع أحد حتى يأذن الله له كما قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (¬٣) وقال سبحانه: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (¬٤) وأمثال ذلك من الآيات التي تدل بوضوح على انتفاء الشفاعة قبل الإذن من المولى ﷿.\r٢ - رضي الله ﷾ عن المشفوع له كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه (ص ٣٥٨).\r(¬٢) سورة البقرة آية (٢٥٥).\r(¬٣) سورة سبأ آية (٢٣).\r(¬٤) سورة يونس آية (٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204864,"book_id":111,"shamela_page_id":711,"part":null,"page_num":729,"sequence_num":711,"body":"لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (¬١)، وقال ﷾: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (¬٢).\rففي هاتين الآيتين قيد الله ﷿ الشفاعة برضاه عن المشفوع له وهو لا يرضى إلا لأهل التوحيد الخاص.\rوقد خالفت الجهميةُ، والمعتزلةُ والخوارجُ أهلَ السنة والجماعة في الشفاعة فأنكروا (¬٣) بعض أنواع الشفاعات السابقة كشفاعته ﷺ وشفاعة غيره في أهل الكبائر واحتجوا على ذلك بالآيات التي فيها نفي الشفاعة كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (¬٤) وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (¬٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (¬٦).\rوأمثال ذلك من الآيات التي تتضمن نفي الشفاعة.\rوالحقيقة أن هذا استدلال غير صحيح لأن الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة في أهل الشرك، فهم الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وأما المؤمنون فهم الذين تنفعهم الشفاعة بشروطها لثبوت الأدلة عليها من الكتاب والسنة، وهي التي وفّق الله ﷾ أهل السنة والجماعة إلى القول بها، ولا عبرة بمخالفة أهل الزيغ والضلال.\rوقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن الشفاعة وبين أنواعها فقد","footnotes":"(¬١) سورة النجم آية (٢٦).\r(¬٢) سورة الأنبياء آية (٢٨).\r(¬٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٦٠).\r(¬٤) سورة المدثر آية (٤٨).\r(¬٥) سورة غافر آية (١٨).\r(¬٦) سورة البقرة آية (١٢٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204865,"book_id":111,"shamela_page_id":712,"part":null,"page_num":730,"sequence_num":712,"body":"ذكر في كتاب التخويف من النار في باب ضرب الصراط على متن جهنم الشفاعة العظمى الخاصة بنبينا محمد ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فقال: أخرج مسلم من حديث أبي هريرة وحذيفة كلاهما عن النبي ﷺ فذكر حديث الشفاعة وفيه قال: \"فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم ويؤذن له ... \" (¬١) الحديث.\rوفي الباب الثامن والعشرين في ذكر حال الموحدين وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين ذكر نوعا آخر من أنواع الشفاعة وهي شفاعته ﷺ في أهل الكبائر من أمته ممن يدخلون النار ويخرجون منها فيقول:\rوفي الصحيحين ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"يجمع الله الناس يوم القيامة\" فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر جواز الناس على الصراط ثم قال: \"حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل الكبائر من النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن دخل النار يعرفون بأثر السجود، تأكل النار ما من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا (¬٢) فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحِبَّة (¬٣) في حَمِيل السيل ... \" (¬٤) وذكر","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٧).\r(¬٢) امتحشوا: احترقوا، والمحش: احتراق الجلد وظهور العظم. النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٠٢).\r(¬٣) الحبة: بكسر الحاء هي بزر ما لا يقتات من البقول مثل بزور الرياحين. المصباح المنير (١/ ١١٧).\r(¬٤) حميل السيل: بفتح الحاء وكسر الميم وهو ما جاء به السيل من طين أو غثاء، ومعناه محمول السيل. النهاية لابن الأثير (١/ ٤٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204866,"book_id":111,"shamela_page_id":713,"part":null,"page_num":731,"sequence_num":713,"body":"بقية الحديث (¬١).\rوخرج مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ قال: \"إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات (¬٢) وجوههم حتى يدخلوا الجنة (¬٣).\rوخرج أيضًا .. عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: \"أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن في الشفاعة فجيء بهم ضَبائِر (¬٤) ضبائِر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل لأهل الجنة: أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبَّة في حَمِيل السيل\" (¬٥) ... (¬٦).\rوقال رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ: \"حلت له شفاعتي\" (¬٧) معناه","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب الرقاق (٧/ ٢٠٢) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٦٥).\r(¬٢) دارات: جمع دارة وهي ما يحيط بالوجه من جوانبه، ومعناه أن النار لا تأكل دارة الوجه لكونه محل السجود. النهاية لابن الأثير (٢/ ١٣٩).\r(¬٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٧٨).\r(¬٤) ضبائر: جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها، أشهرها الكسر، ومعنى ضبائر جماعات متفرقة. النهاية لابن الأثير (٣/ ٧١).\r(¬٥) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (١/ ١٧٢، ١٧٣).\r(¬٦) التخويف من النار (ص ٢٠٧، ٢٠٨).\r(¬٧) هذا جزء من حديث فضل إجابة المؤذن أخرجه البخاري: كتاب الآذان (١/ ١٥٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.\rومسلم: كتاب الصلاة (١/ ٢٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204867,"book_id":111,"shamela_page_id":714,"part":null,"page_num":732,"sequence_num":714,"body":"نالته وحصلت له ووجبت، وليس المراد بهذه الشفاعة الشفاعة في فصل القضاء فإن تلك عامة لكل أحد ولا الشفاعة في الخروج من النار ولابد، فإنه قد يقول ذلك ممن لا يدخل النار، وإنما المراد والله أعلم أنه يصير في عناية رسول الله ﷺ بحيث تتحتم له شفاعته، فإن كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له بإخراجه منها أو في منعه من دخولها وإن لم يكن من أهل النار فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب أو في رفع درجته في الجنة\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... وأما الشفاعة التي اختص بها النبي ﷺ من بين الأنبياء فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار، فإن هذه الشفاعة شاركه فيها الأنبياء والمؤمنون أيضًا كما تواترت بذلك النصوص، إنما الشفاعة التي يختص بها دون الأنبياء أربعة أنواع:\r١ - أحدها: شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم.\r٢ - والثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة.\r٣ - الثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل إن هذه يختص هو بها.\r٤ - الرابع: كثرة من يشفع له من أمته، فإنه وفر شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة، وقد ورد التصريح بهذه الشفاعة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة\" (¬٢).\rوفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: \"لكل نبي دعوة","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\r(¬٢) صحيح البخاري: الدعوات (٧/ ١٤٥) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204868,"book_id":111,"shamela_page_id":715,"part":null,"page_num":733,"sequence_num":715,"body":"قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة\" ... (¬١).\rوعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: \"إن الله تعالى أيقظني فقال: يا محمد إني لم أبعث نبيًا ولا رسولًا إلا وقد سألني مسألة أعطيتها إياه فاسأل يا محمد تعط، فقلت: مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، وما الشفاعة؟ قال: أقول يا رب شفاعتي التي اختبأت عندك، فيقول الرب ﵎: نعم فيخرج ربي ﵎ بقية أمتي من النار فينبذهم في الجنة\" (¬٢).\rوالمراد من هذه الأحاديث والله أعلم أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا، ومنهم من سأل في الدنيا ملكًا له كسليمان ﵇، واختص النبي ﷺ بأن أدخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة.\rوقد ذكر بعضهم شفاعة خامسة خاصة بالنبي ﷺ وهي شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها ﷺ.\rوزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي ﷺ وهي شفاعته في سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ... (¬٣).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن هناك أعمالًا تشفع لصاحبها يوم القيامة ومنها الصيام وقراءة القرآن فقال: \"الصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها، أو لا يختص به كشهوة فضول","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٩٠).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٦).\r(¬٣) فتح الباري (٢/ ٢٢ - ٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204869,"book_id":111,"shamela_page_id":716,"part":null,"page_num":734,"sequence_num":716,"body":"الكلام المحرم والسماع المحرم والنظر المحرم والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته، فأما من ضيع صيامه، ولم يمنعه عما حرمه الله عليه، فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه، ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني ... وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل فإن من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له ...\rكما في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: \"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان\" (¬١) ... (¬٢).","footnotes":"(¬١) مسند أحمد (٢/ ١٧٤) وأخرجه الحاكم (١/ ٥٥٤) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.\rوقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٨٤): رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيره بإسناد حسن.\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ١٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204870,"book_id":111,"shamela_page_id":717,"part":null,"page_num":735,"sequence_num":717,"body":"المبحث التاسع الجنة ونعيمها\rالجنة هي دار النعيم التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين الأبرار المشتملة على أصناف النعيم والبهجة والسرور، والحور، والقصور، وكل ما لذ وطاب.\rقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (¬٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ (¬٣).\rولقد رغب الله ﷾ في الجنة وحث المؤمنين على العمل","footnotes":"(¬١) سورة الدخان الآيات (٥١ - ٥٧).\r(¬٢) سورة محمد آية (١٥).\r(¬٣) سورة الحجر آية (٤٥ - ٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204871,"book_id":111,"shamela_page_id":718,"part":null,"page_num":736,"sequence_num":718,"body":"من أجلها فقال ﷿: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (¬٢).\rوأما الأحاديث الدالة على نعيم الجنة وما فيها من الفضل العظيم فكثيرة جدًا منها:\rحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) (¬٣) قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (¬٤).\rومنها حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأكل أهل الجنة فيها، ويشربون ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس\" (¬٥).\rوقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى الجنة وما أعد الله فيها","footnotes":"(¬١) سورة الحديد آية (٢١).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (١٣٣).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب التفسير (٦/ ٢١) ومسلم: كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٤/ ٢١٧٤).\r(¬٤) سورة السجدة آية (١٧).\r(¬٥) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب في صفات أهل الجنة (٤/ ٢١٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204872,"book_id":111,"shamela_page_id":719,"part":null,"page_num":737,"sequence_num":719,"body":"لأوليائه وذكر كثيرًا من الأحاديث الدالة على أوصاف نعيمها ومنها قوله: \"وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه سأل موسى ربه قال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: أدخل الجنة فيقول: يا رب كيف، وقد أخذ الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت يا رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة: رضيت يا رب فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم ترَ عين، ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر\" (¬١) ... (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"ومن عرف الآخرة وعظمتها رغب فيها، عباد الله هلموا إلى دار لا يموت سكانها ولا يخرب بنيانها ولا يهرم شبابها ولا يتغير حسنها وأحسانها هواؤها النسيم وماؤها التسنيم يتقلب أهلها في رحمة أرحم الراحمين ويتمتعون بالنظر إلى وجهه كل حين (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (¬٣) ... \" (¬٤).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (¬٥)، الجنة ضيافة الله أعدها","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٧٦).\r(¬٢) لطائف المعارف (ص ٢٢، ٢٣).\r(¬٣) سورة يونس آية (١٠).\r(¬٤) سورة يونس آية (٢٥).\r(¬٥) لطائف المعارف (ص ٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204873,"book_id":111,"shamela_page_id":720,"part":null,"page_num":738,"sequence_num":720,"body":"للمؤمنين نزلًا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فبعث رسول الله ﷺ يدعو إليها بالإيمان والإسلام والإحسان، فمن أجابه دخل الجنة، وأكل من تلك الضيافة ومن لم يجب حرم\" (¬١).\rنسأل الله العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا من أهل الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.\rوقد حث ابن رجب رحمه تعالى على سلوك الصراط المستقيم والاجتهاد في الأعمال والأسباب الموصلة إلى الجنة ونعيمها وإلى مرضاة الله ومغفرته ورحمته ﷾ فقال: \"يتعين على العبد المؤمن الطالب للنجاة من النار ولدخول الجنة، وللقرب من مولاه والنظر إليه في دار كرامته أن يطلب ذلك بالأسباب الموصلة إلى رحمة الله وعفوه ومغفرته ورضاه ومحبته، فبها ينال ما عند الله من الكرامة، إذ الله ﷾ قد جعل للوصول إلى ذلك أسبابًا من الأعمال التي جعلها موصلة إليه، وليس ذلك موجودًا إلا فيما شرعه الله لعباده على لسان رسوله، وأخبر عنه رسوله أنه يقرب إلى الله، ويوجب رضوانه ومغفرته، وأنه مما يحبه الله، أو أنه من أحب الأعمال إلى الله ﷿ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (¬٢)، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (¬٣)، فالواجب على العبد البحث عن خصال التقوى وخصال الإحسان التي شرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، والتقرب بذلك إلى الله ﷿، فإنه لا طريق للعبد يوصله إلى رضى مولاه وقربه ورحمته وعفوه ومغفرته سوى ذلك (¬٤).","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٣٠٦).\r(¬٢) سورة الأعراف آية (٥٦).\r(¬٣) سورة الأعراف آية (١٥٦).\r(¬٤) المحجة في سير الدلجة (ص ٤٤ - ٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204874,"book_id":111,"shamela_page_id":721,"part":null,"page_num":739,"sequence_num":721,"body":"كما بيّن رحمه الله تعالى بعض أوصاف أهل الجنة فقال رحمه الله تعالى: \"وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال في خطبته: \"وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال ... \" (¬١) ففي هذا الحديث جعل النبي ﷺ أهل الجنة ثلاثة أصناف:\rأحدهم: ذو السلطان المقسط المتصدق، وهو من كان له سلطان على الناس فسار في سلطانه بالعدل، ثم ارتقى درجة الفضل.\rوالثاني: الرحيم الرقيق القلب الذي لا يخص برحمته قرابته، بل يرحم المسلمين عمومًا، فتبين أن القسمين أهل الفضل والإحسان.\rوالثالث: العفيف المتعفف ذو العيال، وهو من يحتاج إلى ما عند الناس فيتعفف عنهم، وهذا أحد نوعي الجود، أعني العفة عما في أيدي الناس لاسيما مع الحاجة.\rوقد وصف الله في كتابه أهل الجنة ببذل الندى وكف الأذى ولو كان الأذى بحق فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ (¬٢).\rفهذا حال معاملتهم للخلق، ثم وصف قيامهم بحق الحق فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٤/ ٢١٩٨).\r(¬٢) سورة آل عمران آية (١٣٣، ١٣٤).\r(¬٣) سورة آل عمران آية (١٣٥ - ١٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204875,"book_id":111,"shamela_page_id":722,"part":null,"page_num":740,"sequence_num":722,"body":"فوصفهم الله عند الذنوب بالاستغفار، وعدم الإصرار وهو حقيقة التوبة النصوح.\rوقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ (¬١).\rوالعقبة قد فسرها ابن عباس بالنار، وفسرها ابن عمر بعقبة في النار، فأخبر سبحانه أن اقتحامها وهو قطعها ومجاوزتها يحصل بالإحسان إلى الخلق إما بعتق الرقبة وإما بالإطعام في المجاعة، والمطعم إما يتيم من ذوي القربى أو مسكين قد لصق بالتراب فلم يبق له شيء، ولابد مع الإحسان أن يكون من أهل الإيمان، والأمر لغيره بالعدل والإحسان وهو التواصي بالصبر والتواصي بالرحمة، وأخبر سبحانه أن هذه الأوصاف أوصاف أصحاب الميمنة\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) سورة البلد آية (١١ - ١٨).\r(¬٢) التخويف من النار (ص ٢٧٧، ٢٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204876,"book_id":111,"shamela_page_id":723,"part":null,"page_num":741,"sequence_num":723,"body":"المبحث العاشر رؤية الله ﷾ في الجنة\rإن رؤية المؤمنين لربهم ﷿ بأبصارهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة المتواترة، واتفق على القول بها جميع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام على تتابع القرون (¬١).\rورؤيته ﷾ يوم القيامة هي أعلى مراتب نعيم الجنة وغاية مطلوبهم.\rوقد قرر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة واستدل لها بعدة أدلة من الكتاب والسنة فقال رحمه الله تعالى عند شرحه لحديث: \"أنكم سترون ربكم ... \" (¬٢) هذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (¬٣)، ومفهوم قوله في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (¬٤) قال الشافعي وغيره: لما حجب أعداءه بالسخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا.\rوالأحاديث في ذلك كثيرة جدًا، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر الصحيح في كتاب التوحيد.","footnotes":"(¬١) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٤٨) ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٣٧).\r(¬٢) تقدم تخريجه (ص ٢١٧).\r(¬٣) سورة القيامة آية (٢٢، ٢٣).\r(¬٤) سورة المطففين آية (١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204877,"book_id":111,"shamela_page_id":724,"part":null,"page_num":742,"sequence_num":724,"body":"وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة واتباعهم (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق قال يزيد بن هارون (¬٢): من كذَّب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله\".\rوقال وكيع: \"من رد هذا الحديث فاحسبوه من الجهمية ... \" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله ﷿ وإبعادهم عنه وإعراضه عنهم وسخطه عليهم كما أن رضوان الله على أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (¬٤) فذكر الله تعالى ثلاثة أنواع من العذاب حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخه بتكذيبهم به في الدنيا، ووصفهم بالران على قلوبهم، وهو صدأ الذنوب الذي سود قلوبهم فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا، من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٣/ ١٣٣).\r(¬٢) يزيد بن هارون بن زاذي السلمي أبو خالد الواسطي الإمام الحافظ قال أحمد بن حنبل: كان يزيد حافظًا متقنًا.\rوقال ابن أبي حاتم: يزيد ثقة إمام، لا يسأل عن مثله، توفي سنة ٢٠٦ هـ.\rالجرح والتعديل (٩/ ٢٩٥) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٣٧) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٣٥٨).\r(¬٣) فتح الباري (٣/ ١٣٤).\r(¬٤) سورة المطففين آية (١٤ - ١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204878,"book_id":111,"shamela_page_id":725,"part":null,"page_num":743,"sequence_num":725,"body":"حجبوا في الآخرة عن رؤيته، وهذا بخلاف حال أهل الجنة قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ (¬١) والذين أحسنوا هم أهل الإحسان، والإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه كما فسره النبي ﷺ لما سأله جبريل ﵇، فجعل جزاء الإحسان الحسنى وهو الجنة والزيادة وهي النظر إلى وجه الله ﷿ كما فسره بذلك رسول الله ﷺ في حديث صهيب وغيره\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان، لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانًا في الآخرة، وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الله للكفار في الآخرة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (¬٣)، وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة\" (¬٤).\rكما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن أهل الجنة كلهم يشتركون في رؤية الله ﵎ إلا أنهم يتفاوتون في أوقات الرؤية ومقدارها حيث قال: \"كل أهل الجنة يشتركون في الرؤية لكن يتفاوتون في القرب في حال الرؤية، وفي أوقات الرؤية، عموم أهل الجنة يرون يوم المزيد","footnotes":"(¬١) سورة يونس آية (٢٦).\r(¬٢) التخويف من النار (ص ١٥٣).\r(¬٣) سورة المطففين آية (١٥).\r(¬٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204879,"book_id":111,"shamela_page_id":726,"part":null,"page_num":744,"sequence_num":726,"body":"وهو يوم الجمعة، وخواصهم ينظرون إلى وجه الله في كل يوم مرتين بكرة وعشيًا\" (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... أما المقصود الثاني فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها، ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب، والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانًا، فتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته وسماع كلامه، لاسيما في أوقات الصلاة في الدنيا كالجمع والأعياد، والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين بكرة وعشيًا في وقت صلاة الصبح، وصلاة العصر، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقب ذلك على المحافظة على صلاة العصر، وصلاة الفجر لأن وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم وزيارتهم له ... \" (¬٢).\rكما أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى أن رؤية الله ﵎ هو أعظم نعيم أهل الجنة، وأنهم يحقرون كل نعيم أمام نعيم رؤية ربهم وخالقهم ﷾ حيث قال: \"إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة واستدعاهم الرب سبحانه إلى زيارته ومشاهدته ومحاضرته يوم المزيد، فإنهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إلى وجهه ﷻ كما جاء في أحاديث يوم المزيد\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) المحجة في سير الدلجة (ص ٨٢).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٧٨).\r(¬٣) التخويف من النار (ص ١٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204880,"book_id":111,"shamela_page_id":727,"part":null,"page_num":745,"sequence_num":727,"body":"فقد أوضح ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن رؤية المؤمنين لربهم ﷿ عيانًا بأبصارهم يوم القيامة حق لا مرية فيه، وهو ما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى.\rوقد ذكر ابن رجب ﵀ في معرض كلامه السابق بعض الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على ثبوت رؤية الله ﵎ يوم القيامة.\rوهناك أدلة أخرى تدل على ثبوت الرؤية لم يتعرض لها ابن رجب رحمه الله تعالى.\rمنها قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (¬١) وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ (¬٢).\rقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"أجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع، اقتضى المعاينة والرؤية\" (¬٣).\rأما الأحاديث الدالة على رؤية الله ﵎ ولقائه فهي كثيرة جدًا تصل إلى حد التواتر.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"ثبت بالسنة المتواترة واتفاق سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام الذين ائتموا بهم في دينهم أن الله ﷾ يري في الدار الآخرة بالأبصار عيانًا، وقد دل على ذلك القرآن في مواضع كما ذلك مذكور في مواضعه، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة متواترة في","footnotes":"(¬١) سورة الأحزاب آية (٤٤).\r(¬٢) سورة البقرة آية (٢٢٣).\r(¬٣) حادي الأرواح (ص ٢٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204881,"book_id":111,"shamela_page_id":728,"part":null,"page_num":746,"sequence_num":728,"body":"الصحاح والسنن والمسانيد (¬١).\rومنها حديث أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون (¬٢) في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ قلنا: لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما\" (¬٣) متفق عليه.\rومنها حديث أبي هريرة ﵁: أن ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ \" قالوا: لا يا رسول الله، قال: \"هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ \" قالوا: لا يا رسول الله، قال: \"فإنكم ترونه كذلك ... \" الحديث (¬٤).\rوالمراد من التشبيه في الأحاديث السابقة كما فسره علماء السلف رحمهم الله تعالى هو تشبيه الرؤية بالرؤية من حيث الوضوح والحقيقة","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٤٨).\r(¬٢) تضارون: يروى بالتشديد والتخفيف للراء، فالتشديد بمعنى لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره، يقال: ضاره يضاره مثل ضره يضره.\rيقول الجوهري: \"يقال أضرَّني فلان إذا دنا مني دنوًا شديدًا\" فأراد بالمضارة الاجتماع والازدحام عند النظر إليه.\rوأما التخفيف فهو من الضير لغة في الضرة والمعنى فيه كالأول.\rالصحاح (٢/ ٧٢١) والنهاية لابن الأثير (٣/ ٨٢).\r(¬٣) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٨/ ١٨١) ومسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٦٧).\r(¬٤) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد (٨/ ١٧٩) ومسلم: كتاب الإيمان (١/ ١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204882,"book_id":111,"shamela_page_id":729,"part":null,"page_num":747,"sequence_num":729,"body":"وعدم التكلف والتزاحم حال الرؤية، لا تشبيه المرئى بالمرئي لأن الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (¬١).\rومنها حديث صهيب بن سنان ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتُنَجِّنَا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿\" (¬٢).\rهذه الآيات والأحاديث التي ذكرتها وغيرها مما لم أذكره فيها دلالة لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من ثبوت رؤية الله تعالى حقيقة يوم القيامة.\rولا عبرة بمن خالف ذلك من الفرق الأخرى ممن حادوا عن الصواب وخالفوا نصوص الكتاب والسنة.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض الرد على المخالفين: \"وإنما خالف فيه طوائف من أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن يرد النصوص الصحيحة لخيالات فاسدة، وشبهات باطلة، يخيلها لهم الشيطان فيسرعون إلى قبولها منه، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلًا، وتسميته تشبيهًا أو تجسيمًا فينفرون منه، كما خيل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الرب وإنه لا يتوصل إليه من غير وسائط تعبد فتقرب إليه زلفًا وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام، وقاسه لهم على ملوك بنى آدم فاستجابوا لذلك وقبلوه منه.","footnotes":"(¬١) سورة الشورى آية (١١).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204883,"book_id":111,"shamela_page_id":730,"part":null,"page_num":748,"sequence_num":730,"body":"وإنما بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإبطال ذلك كله، فمن اتبع ما جاءوا به فقد اهتدى، ومن أعرض عنه أو عن شيء منه واعترض فقد ضل ... وقد ظن المريسي ونحوه ممن ضل وافترى على الله أن هذا الحديث يرد لما يتضمن من التشبيه فضل وأضل\" (¬١).\rوالحقيقة أن المتأمل لكلام النفاة للرؤية واستدلالاتهم يجد أن ذلك منهم مبني على التعسف وتحريف الكلم عن مواضعه، لأنه لا يشهد لمذهبهم سمع ولا عقل بل كل ذلك يرد عليهم.\rوسأذكر أشهر أدلتهم التي استدلوا بها من القرآن والرد عليها:\rالدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (¬٢).\rقالوا: إن الله مدح نفسه بأنه لا يرى بالأبصار، وما كان نفيه تمدحًا راجعًا إلى ذاته كان إثباته نقصًا، والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال (¬٣).\rوالجواب عن ذلك أن يقال: إن الآية تدل على كمال عظمة الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء وأنه لكمال عظمته لا يدرك، وهذا ما مدح الله به ﷾ نفسه ولم يذكر أنه لا يرى، والإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ (¬٤) فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، وإنما نفى الإدراك ولا","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٣/ ١٣٤).\r(¬٢) سورة الأنعام آية (١٠٣).\r(¬٣) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٢٣٣) والإبانة في أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (ص ٧٩).\r(¬٤) سورة الشعراء آية (٦١، ٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204884,"book_id":111,"shamela_page_id":731,"part":null,"page_num":749,"sequence_num":731,"body":"يمكن أن يقال إن موسى ﵇ نفى الرؤية لأن الله تعالى ﷾ صرح بإثبات الرؤية بقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾.\rفالرؤية والإدراك كل منهما، يوجد مع الآخر وبدونه، والرب ﵎ يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به علمًا، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من هذه الآية (¬١).\rومما يدل على أن الإدراك قدر زائد على الرؤية أن هذه الشمس وهذه السماء المخلوقتان يتمكن كل إنسان من رؤيتهما ولا يتمكن أن يدركهما على ما هما عليه (¬٢).\rالدليل الثاني: استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الآية (¬٣).\rقالوا: إن \"لن\" كلمة تدل على التأبيد فقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ نفى فيه أن يكون مرئيًا البتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه (¬٤).\rوالجواب عن ذلك: أن هذه الآية كالآية السابقة لا حجة لهم بها، وادعاؤهم بأن لن تفيد النفي المؤبد غير صحيح لأن غاية ما تدل عليه \"لن\" النفي في المستقبل، ولا تفيد التأبيد حتى ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أطلقت. والدليل قوله تعالى عن الكفار: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (¬٥) ومع ذلك أخبر ﷾ أنهم يتمنونه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر: حادي الأرواح لابن القيم (ص ٢٠٧) وتفسير ابن كثير (٢/ ١٦٠).\r(¬٢) انظر: الشريعة للآجري (ص ٢٧٦) وحادي الأرواح (ص ٢١٠).\r(¬٣) سورة الأعراف آية (١٤٣).\r(¬٤) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص ٢٦٤).\r(¬٥) سورة البقرة آية (٩٥).\r(¬٦) سورة الزخرف آية (٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204885,"book_id":111,"shamela_page_id":732,"part":null,"page_num":750,"sequence_num":732,"body":"ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ (¬١).\rولأنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (¬٢).\rفثبت أن لن لا تقتضي النفي المؤبد (¬٣).\rإضافة إلى أن أئمة هذا الشأن وهم النحاة قالوا إن (لن) لا تفيد النفي المؤبد، قال ابن مالك (¬٤) في الكافية:\rومن رأى النفي بـ (لن) مؤبدًا ... فقوله أردد وخلافه أعضدا\rثم يقول في الشرح: ثم أشرت إلى ضعف قول من رأى تأبيد النفي بلن وهو الزمخشري في \"أنموذجه\" وحامله على ذلك اعتقاد أن الله تعالى لا يرى، وهو اعتقاد باطل بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ أعني ثبوت الرؤية -جعلنا الله من أهلها وأعاذنا من عدم الإيمان بها\" (¬٥).\rوما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ووافقهم عليه ابن رجب رحمه الله تعالى في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم كما أخبر الله ﷿ ورسوله ﷺ عنها هو الحق الذي لا يجوز اعتقاد غيره لوضوح الأدلة عليه من الكتاب والسنة، وإجماع السلف عليه.","footnotes":"(¬١) سورة يوسف آية (٨٠).\r(¬٢) سورة مريم آية (٢٦).\r(¬٣) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٠٥) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٠٨).\r(¬٤) جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك أبو عبد الله الطائي النحوي صاحب التصانيف المشهورة المفيدة، ومنها الكافية الشافية وشرحها، كان إمامًا في اللغة والنحو والقراءات، توفي سنة ٦٧٢ هـ.\rالبداية والنهاية (١٣/ ٢٥٤) وبغية الوعاة (١/ ١٣٠).\r(¬٥) شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥١٥، ١٥٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204886,"book_id":111,"shamela_page_id":733,"part":null,"page_num":751,"sequence_num":733,"body":"المبحث الحادي عشر النار وعذابها\rالنار دار أعدها الله ﷾ لأعدائه ولمن عصاه وخالف أمره، وهي دار العقوبة في الآخرة، ودار الذل والهوان والعذاب، دار أهلها أهل البؤس والشقاء، شرابهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود، ومأكلهم الزقوم كالمهل يغلي في البطون.\rوالآيات والأحاديث الواردة في النار ووصفها ووصف عذابها وصفات أهلها أكثر من أن تحصى، أعاذنا الله من النار ومن عذابها.\rقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) سورة التحريم آية (٦).\r(¬٢) سورة الحجر آية (٤٣، ٤٤).\r(¬٣) سورة النبأ، الآيات (٢١ - ٢٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204887,"book_id":111,"shamela_page_id":734,"part":null,"page_num":752,"sequence_num":734,"body":"وقال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ (¬١).\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\" (¬٢).\rوعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها\" (¬٣).\rوعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين\" (¬٤).\rوعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة الصافات الآيات (٦٢ - ٦٧).\r(¬٢) أخرجه مسلم: كتاب صفة النار، باب ذكر أزمة النار (٤/ ٢١٨٤).\r(¬٣) أخرجه مسلم: كتاب صفة النار، باب في بعد قعر جهنم (٤/ ٢١٨٤).\r(¬٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٦) والترمذي: كتاب صفة جهنم (٤/ ٧٠٢) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\r(¬٥) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون ... (٤/ ٢١٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204888,"book_id":111,"shamela_page_id":735,"part":null,"page_num":753,"sequence_num":735,"body":"وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى كلامًا كثيرًا عن النار وأهلها ووصف عذابها في كتاب التخويف من النار، وساق في هذا الكتاب أبوابًا عديدة يذكر في كل باب كثيرًا من الآيات والأحاديث المتعلقة بها.\rقال في مقدمته: \"وقد استخرت الله تعالى في جمع كتاب أذكر فيه صفة النار، وما أعد الله فيها لأعدائه من الخزي والنكال والبوار، ليكون بمشيئة الله قامعًا للنفوس عن غيها وفسادها، وباعثًا لها على المسارعة إلى فلاحها ورشادها ... \" (¬١).\rوقال في الباب السادس عشر في ذكر حجارة النار: ومن جملة أنواع عذاب أهل النار فيها تلاعنهم وتباغضهم، وتبرأ بعضهم من بعض، ودعاء بعضهم على بعض بمضاعفة العذاب كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (¬٢).\rوقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. . .﴾ (¬٣) الآية.\rوقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ (¬٤)، وحينئذ فلا يبعد أن يقرن كل كافر بشيطانه الذي أضله وبصورة من عبده من دون الله من الحجارة (¬٥).\rوفي الباب الثامن عشر في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها قال:","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (ص ٩).\r(¬٢) سورة الأعراف آية (٣٨).\r(¬٣) سورة غافر آية (٤٧).\r(¬٤) سورة ص آية (٥٩ - ٦٤).\r(¬٥) التخويف من النار (ص ١٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204889,"book_id":111,"shamela_page_id":736,"part":null,"page_num":754,"sequence_num":736,"body":"\"قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ (¬١) ... ثم قال: وقد دل القرآن على أنهم يأكلون منها حتى تمتلئ منها بطونهم فتغلي في بطونهم كما يغلي الحميم وهو الماء الذي قد انتهى حره ثم بعد أكلهم منها يشربون عليه من الحميم شرب الهيم\" (¬٢).\rوفي الباب الحادي والعشرين في ذكر أنواع عذاب أهل النار وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم قال: \"واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي دخلوا بها النار كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ (¬٤) قال ابن عباس: \"وافق أعمالهم\" (¬٥).\rفليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كمن ليس كذلك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ (¬٦).\rوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (¬٧).","footnotes":"(¬١) سورة الدخان آية (٤٣ - ٤٦).\r(¬٢) التخويف من النار (ص ١٤٢، ١٤٤).\r(¬٣) سورة الأنعام آية (١٣٢).\r(¬٤) سورة النبأ آية (٢٦).\r(¬٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ١٥).\r(¬٦) سورة النحل آية (٨٨).\r(¬٧) سورة غافر آية (٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204890,"book_id":111,"shamela_page_id":737,"part":null,"page_num":755,"sequence_num":737,"body":"وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم العذاب بحسنات أخر له أو بما شاء الله من الأسباب. . . \" (¬١).\rوقال في هذا الباب أيضًا عن أنواع عذابهم: \"ومن أنواع عذابهم الصهر قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ ... (¬٢).\rومن أنواع عذابهم سحبهم في النار على وجوههم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾. . . (¬٣).\rومنهم من يعذب بالصعود إلى أعلى النار ثم يهوي فيها كذلك أبدًا، ومنهم من يكلف صعود جبل في النار والتردي منه. . .\rومنهم من يدور في النار ويجر أمعاءه معه، وقد رأى النبي ﷺ عمرو بن لحي يجر قُصْبَه (¬٤) في النار. . . (¬٥).","footnotes":"(¬١) التخويف من النار (ص ١٨١، ١٨٢).\r(¬٢) سورة الحج آية (١٩ - ٢١).\r(¬٣) سورة القمر آية (٤٧، ٤٨).\r(¬٤) قُصْبَه: بضم القاف الأمعاء، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء. النهاية لابن الأثير (٤/ ٦٧).\r(¬٥) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٠) ومسلم (٤/ ٢١٩٢) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت عمرو بن عامر لحيي الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب\" والسوائب جمع سائبة وهي الناقة التي تترك فلا تحلب ولا تركب، ولا تمنع من ماء ولا مرعى، إما للآلهة وإما لأجل نذر أو شفاء من مرض. لسان العرب (١/ ٤٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204891,"book_id":111,"shamela_page_id":738,"part":null,"page_num":756,"sequence_num":738,"body":"ومنهم من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة الضيقة قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ (¬١).\rوربما يبتلى أهل النار بأنواع من الأمراض الحادثة عليهم ... ومن أهل النار من يتأذى أهل النار بعذابه إما من نتن ريحه أو غيره ... (¬٢).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى أن أعظم عذاب أهل النار هو حجابهم عن الله ﷿ وعدم تمكنهم من رؤيته ﵎ فقال: \"وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله ﷿ وإبعادهم عنه وإعراضه عنهم وسخطه عليهم كما أن رضوان الله على أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة\" قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (¬٣).\rفذكر الله تعالى لهم ثلاثة أنواع من العذاب: حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخهم بتكذيبهم به في الدنيا، ووصفهم بالران على قلوبهم، وهو صدأ الذنوب الذي سوّد قلوبهم، فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا شيء من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته، فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله حجبوا في الآخرة عن رؤيته\" (¬٤).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى بعض أهل النار الذين يدخلونها","footnotes":"(¬١) سورة الفرقان آية (١٣).\r(¬٢) التخويف من النار (ص ١٨٤) وما بعدها.\r(¬٣) سورة المطففين آية (١٤ - ١٧).\r(¬٤) التخويف من النار (ص ١٩٥ - ١٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204892,"book_id":111,"shamela_page_id":739,"part":null,"page_num":757,"sequence_num":739,"body":"فقال: \"وفي صحيح مسلم (¬١) عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال في خطبته: \" ... وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له (¬٢) الذين هم فيكم تبعًا لا يبغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك\" وذكر البخل أو الكذب والشِّنْظِير (¬٣): الفحاش ... أهل النار ... قسمهم النبي ﷺ في هذا الحديث إلى خمسة أصناف:\rالصنف الأول: الضعيف الذي لا زبر له، ويعني بالزبر القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح ولما حدث مطرف بن عبد الله (¬٤) بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ قوله: \"الضعيف الذي لا زبر له\" فقيل له: أوَ يكون هذا؟ قال: نعم، والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها.\rوهذا القسم شر أقسام الناس ونفوسهم ساقطة لأنهم ليس لهم همم في طلب الدنيا ولا الآخرة، وإنما همة أحدهم شهوة بطنه وفرجه كيف","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا وأهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٨).\r(¬٢) قال في النهاية: لا زَبْر له: أي لا عقل له يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي. النهاية لابن الأثير (٢/ ٢٩٣).\r(¬٣) الشِّنْظِير: فسره بالحديث بأنه الفحاش وهو السيئ الخلق. النهاية لابن الأثير (٢/ ٥٠٥).\r(¬٤) مطرف بن عبد الله الشخير العامري أبو عبد الله البصري الإمام الحافظ من كبار التابعين. قال ابن سعد: كان ثقة له فضل وورع وعقل وأدب، توفي سنة ٨٦ هـ، وقيل بعد ذلك.\rطبقات ابن سعد (٧/ ١٤١) وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٧) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204893,"book_id":111,"shamela_page_id":740,"part":null,"page_num":758,"sequence_num":740,"body":"اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم.\rوالصنف الثاني: الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه أي يعني لا يقدر على خيانة ولو كانت حقيرة يسيرة إلا بادر إليها واغتنمها، ويدخل في ذلك التطفيف في المكيال والميزان، وكذلك الخيانة في الأمانات القليلة كالودائع وأموال اليتامى وغير ذلك، وهو خصلة من خصال النفاق وربما يدخل الخيانة من خان الله ورسوله في ارتكاب المحارم سرًا مع إظهار اجتنابها.\rالصنف الثالث: المخادع الذي دأبه صباحًا ومساءً مخادعة الناس على أهليهم وأموالهم، والخداع من أوصاف المنافقين كما وصفهم الله تعالى بذلك، والخداع معناه إظهار الخير وإضمار الشر لقصد التوصل إلى أموال الناس وأهاليهم والانتفاع بذلك، وهو من جملة المكر والحيل المحرمة.\rالصنف الرابع: الكذب والبخل ... والكذب والبخل كلاهما ينشأ عن الشح كما جاء ذلك في الأحاديث، والشح هو شدة حرص الإنسان على ما ليس له من الوجوه المحرمة، وينشأ عنه البخل، وهو إمساك الإنسان ما في يده والامتناع من إخراجه في وجوهه التي أمر بها، فالمخادع الذي سبق ذكره هو الصحيح، وهذا الصنف هو البخيل، فالشحيح أخذ المال بغير حقه، والبخيل منعه من حقه.\rوينشأ عن الشح أيضًا الكذب والمخادعة والتحيل على ما لا يستحقه الإنسان بالطرق الباطلة المحرمة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: \"إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار\" (¬١).","footnotes":"(¬١) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٧/ ٢٠٠) ومسلم: كتاب البر والصلة، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (٤/ ٢٠١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204894,"book_id":111,"shamela_page_id":741,"part":null,"page_num":759,"sequence_num":741,"body":"الصنف الخامس: الشنظير وقد فسر بالسيىء الخلق، والفحاش هو الفاحش المتفحش، وفي الصحيحين (¬١) عن عائشة عن النبي ﷺ قال: \"إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه\".\rوفي الترمذي (¬٢) عن النبي ﷺ قال: \"إن الله يبغض الفاحش البذيء\" والبذيء الذي يجري لسانه بالسفه ونحوه من لغو الكلام ... والفاحش هو الذي يفحش في منطقه ويستقبل الرجال بقبيح الكلام من السب ونحوه، ويأتي في كلامه بالسخف وما يفحش ذكره (¬٣).\rكما بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى بعض الأعمال التي تنجي العبد من نار جهنم أعاذنا الله منها فقال: \"قد تكاثرت النصوص في أن البكاء من خشية الله يقتضي النجاة منها، والبكاء خوفًا من نار جهنم هو البكاء من خشية الله لأنه بكاء من خشية عقاب الله وسخطه والبعد عنه وعن رحمته وجواره ودار كرامته\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب الأدب، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب (٧/ ٨٦) وصحيح مسلم: كتاب البر والصلة، باب مدارة من يتقي فحشه (٤/ ٢٠٠٢).\r(¬٢) سنن الترمذي: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق (٤/ ٣٦٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\r(¬٣) التخويف من النار (ص ٢٧٧) وما بعدها.\r(¬٤) المصدر السابق (ص ٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204895,"book_id":111,"shamela_page_id":742,"part":null,"page_num":760,"sequence_num":742,"body":"المبحث الثاني عشر خلق الجنة والنار\rالجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن فالجنة معدة للمتقين والنار معدة للكافرين كما جاء ذلك في كتاب الله ﷿ وسنة رسولنا ﷺ، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة:\rفمن الأدلة في القرآن على خلقهما ووجودهما:\rقوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (¬١).\rوقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (¬٢).\rوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (¬٣).\rوقال تعالى عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (¬٤).\rوقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ (¬٥).","footnotes":"(¬١) سورة آل عمران آية (١٣٣).\r(¬٢) سورة الحديد آية (٢١).\r(¬٣) سورة النجم آية (١٣ - ١٥).\r(¬٤) سورة البقرة آية (٢٤) وسورة آل عمران آية (١٣١).\r(¬٥) سورة الفرقان آية (١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204896,"book_id":111,"shamela_page_id":743,"part":null,"page_num":761,"sequence_num":743,"body":"وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (¬٢).\rومن الأدلة التي وردت في السنة حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها بالمكاره، فقال: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: ولما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فلما رجع قال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها (¬٣).\rومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا وبكيتم كثيرًا\" قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: \"رأيت الجنة والنار\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة النبأ آية (٢١، ٢٢).\r(¬٢) سورة الفتح آية (٦).\r(¬٣) أخرجه أبو داود: كتاب السنة، باب في خلق الجنة والنار (٤٧٤٤) والترمذي: كتاب صفة الجنة، باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي: كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بعزة الله تعالى (٧/ ٣) والحاكم (١/ ٢٧) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\r(¬٤) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بالركوع أو سجود ونحوهما (١/ ٣٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204897,"book_id":111,"shamela_page_id":744,"part":null,"page_num":762,"sequence_num":744,"body":"ومنها حديث عمران بن الحصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء\" (¬١).\rومنها حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عليه يوم القيامة\" (¬٢).\rفهذه النصوص وغيرها من الآيات والأحاديث تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن.\rوقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن مسألة وجود الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن معدتان وقرر ذلك بما يوافق معتقد أهل السنة والجماعة فقال رحمه الله تعالى: \"إن الله تعالى خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء في الدارين مع غير موت، وخلق دارًا معجلة للأعمال وجعل فيها موتًا وحياة وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه وكلفهم فيها بالإيمان بالغيب ومنه الإيمان بالجزاء، والداران المخلوقتان له وأنزل بذلك الكتب وأرسل به الرسل وأقام الأدلة الواضحة على الغيب الذي أمر بالإيمان به وأقام علامات وأمارات تدل على وجود داري الجزاء فإن إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار (٧/ ١٧٩) ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء (٤/ ٢٠٩٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (٢/ ١٢٤) ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه (٨/ ١٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204898,"book_id":111,"shamela_page_id":745,"part":null,"page_num":763,"sequence_num":745,"body":"يشوبه ألم، والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة، وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم، فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة، وما فيها من الألم يذكر بألم النار، وجعل الله تعالى في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية فمنها ما يذكر بالجنة من زمان ومكان، أما الأماكن فخلق الله بعض البلدان كالشام وغيرها فيها من المطاعم والمشارب والملابس وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة، وأما الأزمان فكزمن الربيع فإنه يذكر طيبه بنعيم الجنة وطيبها، وكأوقات الأسحار فإن بردها يذكر ببرد الجنة ...\rومنها ما يذكر بالنار فإن الله تعالى جعل في الدنيا أشياء كثيرة تذكر بالنار المعدة لمن عصاه وما فيها من الآلام والعقوبات من أماكن وأزمان وأجسام وغير ذلك، أما الأماكن فكثير من البلدان مفرطة الحر أو البرد، فبردها يذكر بزمهرير جهنم، وحرها يذكر بحر جهنم وسمومها ... وأما الأزمان فشدة الحر والبرد يذكر بما في جهنم من الحر والزمهرير ...\rوأما الأجسام المشاهدة في الدنيا المذكرة بالنار فكثيرة منها الشمس عند اشتداد حرها (¬١).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \" ... وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما الله ﷿ وخلق الخلق لهما\" (¬٢).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: \"اعلم أن الله خلق الجنة والنار ثم خلق بني آدم وجعل لكل واحدة من الدارين أهلًا منهم ... وأشهد عباده في هذه الدار آثارًا من الجنة وآثارًا من النار\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف (ص ٣٣٣، ٣٣٤).\r(¬٢) أهوال القبور (١٩).\r(¬٣) البشارة العظمى ورقة (٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204899,"book_id":111,"shamela_page_id":746,"part":null,"page_num":764,"sequence_num":746,"body":"وقال رحمه الله تعالى وهو يذكر فوائد حديث الكسوف الذي رأى فيه النبي ﷺ الجنة والنار قال:\r\"ومنها أنه يدل على وجود الجنة والنار كما هو مذهب أهل السنة والجماعة\" (¬١).\rفخلق الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن من عقيدة أهل السنة والجماعة وهي من المسائل التي أجمعوا عليها، وقد حكى الإجماع غير واحد منهم، ومن ذلك قول الآجري رحمه الله تعالى في الشريعة: \"اعلموا رحمنا الله وإياكم أن القرآن شاهد أن الله خلق الجنة والنار قبل أن يخلق آدم ﵇، وخلق للجنة أهلًا وللنار أهلًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا لا يختلف في هذا من شمله الإسلام وذاق حلاوة طعم الإيمان، دل على ذلك القرآن والسنة فنعوذ بالله ممن كذب بهذا\" (¬٢).\rفأهل السنة والجماعة اتفقوا على القول بخلق الجنة والنار، وقالوا: إنهما موجودتان الآن، خلاف ما قالته المبتدعة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن خالفوا الأدلة الواردة في ذلك، وحادوا عن طريق الصواب وقالوا: إن الجنة والنار غير موجودتين الآن بل ينشئهما الله يوم القيامة وقالوا: إنهما لو كانتا مخلوقتين الآن لوجب أن تفنيا يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت لعموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ... ﴾ (¬٣).\rقال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: \"وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا ولا","footnotes":"(¬١) فتح الباري ورقة (١٣٦/ أ).\r(¬٢) الشريعة للآجري (ص ٢٢٥).\r(¬٣) سورة القصص آية (٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204900,"book_id":111,"shamela_page_id":747,"part":null,"page_num":765,"sequence_num":747,"body":"ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة، وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم (¬١).\rوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (¬١) فلا حجة لهم فيه.\rقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \". . . فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (¬١) وبنحو هذا من متشابه القرآن، قيل له: كل شيء مما كتب الله ﷿ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما في الآخرة لا من الدنيا\" (¬٢).\rوقال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: \". . . . وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (¬٣) فأتيتم من سوء فهمكم بمعنى الآية واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما، فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام، فمن كلامهم أن المراد ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء (¬٤).","footnotes":"(¬١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٧٦).\r(¬٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨).\r(¬٣) سورة القصص آية (٨٨).\r(¬٤) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٧٩ - ٤٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204901,"book_id":111,"shamela_page_id":748,"part":null,"page_num":766,"sequence_num":748,"body":"المبحث الثالث عشر الجنة والنار باقيتان لا تفنيان\rخلود الجنة والنار ودوامهما وبقاؤهما بإبقاء الله لهما وأنهما لا تفنيان أبدًا ولا يفنى ما فيهما ثابت بالكتاب والسنة والأدلة عليهما كثيرة جدًا.\rقال الله تعالى عن الجنة وأهلها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ (¬٢).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ (¬٣).\rوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ","footnotes":"(¬١) سورة النساء آية (٥٧).\r(¬٢) سورة التوبة آية (٢٠ - ٢٢).\r(¬٣) سورة النساء آية (١٦٨، ١٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204902,"book_id":111,"shamela_page_id":749,"part":null,"page_num":767,"sequence_num":749,"body":"فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (¬١).\rومن الأحاديث الدالة على أبدية الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما حديث ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: \"يدخل الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه\" (¬٢).\rفهذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سأذكرها في معرض كلام ابن رجب رحمه الله تعالى كلها تدل على أبدية الجنة والنار ودوامهما وخلود أهلهما فيهما لا إلى غاية ولا إلى أمد، فأهل الجنة ينعمون بما فيها تنعما دائمًا لا آخر له ولا انقطاع أبدًا، وأهل النار أعاذنا الله منها خالدين فيها من غير موت ولا حياة ولا نجاة من عذاب الله.\rوقد تكلم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا كله وذكر الأدلة عليه فقال عن النار وعذابها: \"وعذاب الكفار في النار لا يفتر عنهم ولا ينقطع ولا يخفف بل هو متواصل أبدًا قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ (¬٣)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ (¬٤).","footnotes":"(¬١) سورة الأحزاب آية (٦٤، ٦٥).\r(¬٢) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألف بغير حساب (٧/ ١٩٩) ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٩).\r(¬٣) سورة الزخرف آية (٧٤، ٧٥).\r(¬٤) سورة فاطر آية (٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204903,"book_id":111,"shamela_page_id":750,"part":null,"page_num":768,"sequence_num":750,"body":"وقال تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (¬١).\rوقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾ (¬٢) ... \" (¬٣).\rوقال رحمه الله تعالى أيضًا: ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم الإياس وتعظم عليهم الحسرة والحزن، وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: \"يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون (¬٤) وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت\" (¬٥) ثم قرأ رسول الله ﷺ: \" ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ (¬٦) ... \" (¬٧).\rوقال عن الجنة: قوله ﷺ: \"من يدخلها ينعم ولا يباس، ويخلد","footnotes":"(¬١) سورة البقرة آية (٨٦).\r(¬٢) سورة غافر آية (٤٩، ٥٠).\r(¬٣) التخويف من النار (ص ١٩٤).\r(¬٤) يشرئبون: أي يرفعون رؤوسهم لينظروا إليه، وكل رافع رأسه مشرئب. النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٥٥).\r(¬٥) صحيح البخاري: كتاب التفسير، تفسير سورة مريم، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٤/ ٣١٦) وصحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٤/ ٢١٨٨).\r(¬٦) سورة مريم آية (٣٩).\r(¬٧) التخويف من النار (ص ٢٠٨، ٢٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204904,"book_id":111,"shamela_page_id":751,"part":null,"page_num":769,"sequence_num":751,"body":"ولا يموت ولا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم\" إشارة إلى بقاء الجنة وبقاء جميع ما فيها من النعيم، وإن صفات أهلها كاملة من الشباب لا تتغير أبدًا، وملابسهم التي عليهم من الثياب لا تبلى أبدًا.\rوقد دل القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (¬١) وقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (¬٢) وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٢)﴾ (¬٣) في مواضع كثيرة.\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من يدخل الجنة ينعم لا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه\" (¬٤).\rوفيه أيضًا عن النبي ﷺ قال: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد أن لكم أن تنعموا ولا تبأسوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (¬٥) ... \" (¬٦).\rوفي رواية لغيره زيادة: \"وأن تحيوا فلا تموتوا أبدًا\" (¬٧) ... (¬٨).\rوهذه المسألة من المسائل التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل البدع والأهواء.","footnotes":"(¬١) سورة التوبة آية (٢١).\r(¬٢) سورة الرعد آية (٣٥).\r(¬٣) سورة التوبة آية (٢٢).\r(¬٤) صحيح مسلم: كتاب صفة الجنة، باب في دوام نعيم أهل الجنة (٤/ ٢١٨١).\r(¬٥) سورة الأعراف آية (٤٣).\r(¬٦) صحيح مسلم: كتاب صفة الجنة ونعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة (٤/ ٢١٨٢).\r(¬٧) وهي في مسلم أيضًا (٤/ ٢١٨٢).\r(¬٨) لطائف المعارف (ص ٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204905,"book_id":111,"shamela_page_id":752,"part":null,"page_num":770,"sequence_num":752,"body":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع سلف الأمة وأئمتها\" (¬١).\rوقد خالف أهلَ السنة والجماعة في هذه المسألة الجهميةُ ومن تبعهم من المعتزلة والخوارج وقالوا: الجنة والنار تفنيان وتبيدان ليس لهما بقاء ولا خلود، وقالوا: إن الجنة إذا دخلها أهلها ولبثوا فيها زمنًا طويلًا فتبيد الجنة وأهلها ويبيد نعيمها، وإن أهل النار إذا دخلوا النار ومكثوا فيها زمنًا طويلًا تهلك النار ويبيد عذابها ثم يبقى الله سبحانه آخرًا لا شيء معه كما كان أولًا لا شيء معه وهو قوله الأول والآخر (¬٢).\rوشبهتهم في ذلك أصلهم الفاسد الذي أصلوه وجعلوه أساسًا لرد النصوص الصحيحة هو امتناع وجود ما لا نهاية له من الحوادث واستدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يحل من الحوادث فقالوا: إن الجنة والنار تفنيان لأنهما كانتا معدومتين في الماضي، ويخلقهما الله يوم البعث والجزاء، فكل ما كان في الماضي معدومًا فهو حادث، وكل حادث لابد له من الفناء، فالجنة والنار تفنيان وليس لهما بقاء.\rوهذه شبهة باطلة تعارض الأدلة القطعية والنصوص الشرعية (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).\r(¬٢) انظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٤٨) والفصل في الملل والنحل (٢/ ٨٣) والفرق بين الفرق (ص ٣١٩) والملل والنحل (١/ ٨٧).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204906,"book_id":111,"shamela_page_id":753,"part":null,"page_num":771,"sequence_num":753,"body":"قال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"إن القول بفناء الجنة والنار قول مبتدع، لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة المسلمين، والذين قالوه إنما تلقوه عن قياس فاسد كما اشتبه أصله على كثير من الناس فاعتقدوه حقًا ... \" (¬١).\rوقال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: \"وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان أمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة وكفروه به، وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) حادي الأرواح (ص ٣٥٣).\r(¬٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204907,"book_id":111,"shamela_page_id":754,"part":null,"page_num":772,"sequence_num":754,"body":"الخاتمة\rالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\rأما بعد:\rفقد انتهيت بعون الله وتوفيقه من إتمام هذا البحث وإكماله وقد استفدت فوائد كثيرة وخرجت بنتائج طيبة، وذلك من خلال قراءتي لكثير من كتب العقيدة والسنة والتفسير والتراجم وغيرها من مختلف العلوم المتعلقة بهذا البحث، وخاصة كتب العقيدة فقد استفدت منها فائدة عظيمة لأن قراءتي لها لم تكن مقصورة على أبواب معينة منها، وإنما شملت جميع أبوابها فالحمد لله الذي وفقني إلى ذلك.\rهذا ويمكن أن أجمل أهم النتائج والفوائد التي توصلت إليها في النقاط التالية:\r١ - أن ابن رجب رحمه الله تعالى عاش في القرن الثامن الهجري وهو قرن كثر فيه العلم والعلماء خصوصا في بلاد الشام ومصر مما كان له الأثر البالغ في ثقافته وعلومه.\r٢ - أن الصواب في ولادة ابن رجب هو سنة ٧٣٦ هـ وما عداها فهو خطأ للأسباب التي ذكرتها في ترجمته.\r٣ - أن ابن رجب نشأ في بيت علم، وبدأ حياته العلمية منذ الصغر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204908,"book_id":111,"shamela_page_id":755,"part":null,"page_num":773,"sequence_num":755,"body":"وتتلمذ على عدد كبير من مشاهير علماء عصره، وكان أكثرهم تأثيرًا فيه شيخه الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى الذي لازمه حتى الممات.\r٤ - أن ابن رجب قد خلف عددًا كبيرًا من المؤلفات والرسائل القيمة في مختلف العلوم، ولم يزل بعض هذا التراث مخطوطًا أو في حكم المخطوط، وتجدر العناية بتحقيقه ودراسته.\r٥ - أن ابن رجب وافق السلف في التوحيد وما يتعلق به ولم يتبين لي من خلال هذا البحث أية مخالفة لهم في ذلك، بل هو أوضحه وبيّنه ودعا إليه.\r٦ - إن ابن رجب رحمه الله تعالى وافق السلف في أن الإيمان قول وعمل واعتقاد وأنه يزيد وينقص وأن هذا هو الحق الذي دلت عليه الأدلة كما وافق السلف في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والقضاء والقدر واليوم الآخر مما يدل دلالة واضحة على أن ابن رجب رحمه الله تعالى من أئمة أهل السنة والجماعة الذين كان لهم أثر واضح في توضيح العقيدة السلفية.\rوأخيرًا أحمد الله تعالى وأشكره الذي أعانني على إتمام هذا البحث وإخراجه بهذه الصورة التي أرجو أن أكون وفقت في عرضه وبيان أهم جوانبه على الوجه المطلوب، ولا شك أن الإنسان معرض للخطأ في عمله والكمال لله وحده.\rيقول ابن رجب رحمه الله تعالى: \"ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه\" (¬١).","footnotes":"(¬١) القواعد الفقهية (ص ٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204909,"book_id":111,"shamela_page_id":756,"part":null,"page_num":774,"sequence_num":756,"body":"وإنني معترف هنا بالتقصير، فإن كان ما ذكرته في بحثي هذا وما عرضته فيه حق وصواب، فهذا من فضل الله وحده فله الحمد والشكر أولًا وآخرًا، وما كان فيه من خطأ وزلل فهو مني ومن الشيطان، واستغفر الله من ذلك وأتوب إليه.\rوفي الختام أسأل الله ﵎ أن يرزقنا اتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ اتباعًا سليمًا نقيًا خاليًا من البدع والأهواء، كما كان عليه سلف هذه الأمة، وأن يجنبنا الزلل ومزالق الأهواء، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي ولجميع المسلمين أنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204910,"book_id":111,"shamela_page_id":757,"part":null,"page_num":829,"sequence_num":757,"body":"فهرس المصادر والمراجع\r١ - الإبانة عن أصول الديانة:\rلأبي الحسن الأشعري، تقديم الشيخ حمّاد الأنصاري، مطابع الجامعة الإسلامية، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٥ هـ.\r٢ - الإبانة عن شريعة الفرق الناجية:\rلابن بطة العكبري ت (٣٨٧ هـ) دار الراية، الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٩ هـ، تحقيق: رضا بن نعسان معطي.\r٣ - ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية:\rد. أمينة محمد الجابر، دار قطري بن الفجاءة، قطر الطبعة الأولى سنة ١٩٨٥ م.\r٤ - ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه:\rد. محمود بن حمود الوائلي، رسالة دكتوراه مطبوعة على الآلة الكاتبة.\r٥ - أبو العتاهية أشعاره وأخباره:\rتحقيق: د. شكري فيصل، دار الملاح، دمشق.\r٦ - إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة:\rللشيخ حمود بن عبد الله التويجري، طبع مطابع الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٤ هـ.\r٧ - إتحاف الورى بأخبار أم القرى:\rابن فهد المكي ت (٨٨٥ هـ) تحقيق: فهيم شلتوت من منشورات مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى ١٤٠٤ هـ.\r٨ - إثبات صفة العلو:\rلابن قدامة ت (٦٢٠ هـ) تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية الكويت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\r٩ - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية:\rابن قيم الجوزية ت (٧٥١ هـ) تحقيق: د. عواد عبد الله المعتق - مطابع الفرزدق - الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204911,"book_id":111,"shamela_page_id":758,"part":null,"page_num":830,"sequence_num":758,"body":"١٠ - الإحتجاج بالقدر:\rابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، دار الباز، مكة المكرمة، الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ.\r١١ - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان:\rترتيب، الأمير علاء الدين الفاسي، تقديم وضبط، كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧ هـ.\r١٢ - الأحكام في أصول الأحكام:\rالآمدي ت (٦٣١) تعليق، عبد الرزاق عفيفي، مؤسسة النور، الطبعة الأولى سنة ١٣٨٧ هـ.\r١٣ - إحياء علوم الدين:\rللغزالي ت (٥٠٥ هـ) مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني القاهرة.\r١٤ - أخبار القضاة:\rوكيع: القاضي محمد بن خلف (٣٠٦ هـ) عالم الكتب، بيروت.\r١٥ - أخبار مكة وما جاء فيها من الأثار:\rلأبي الوليد الأزرقي ت (٢٤٤ هـ) تحقيق: رشدي الصالح، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت.\r١٦ - الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية:\rلابن قتيبة ت (٢٧٦ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\r١٧ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى:\rابن رجب ت (٧٩٥ هـ) مكتبة دار الأقصى، الكويت، ١٤٠٦ هـ تحقيق: جاسم فهد الدوسري.\r١٨ - الأدب المفرد:\rللبخاري ت (٢٥٦ هـ) ترتيب، كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\r١٩ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل:\rللألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\r٢٠ - الاستخراج لأحكام الخراج:\rابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: محمود شلاش الهيتي، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٠٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204912,"book_id":111,"shamela_page_id":759,"part":null,"page_num":831,"sequence_num":759,"body":"٢١ - استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس:\rابن رجب ت (٧٩٥ هـ) مطبعة الإمام، مصر، ١٣٦٣ هـ.\r٢٢ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب:\rابن عبد البر ت (٤٦٣ هـ) تحقيق: علي محمد البجاوي، مكتبة نهضة مصر ومطبعتها، الفجالة، مصر.\r٢٣ - أسد الغابة في معرفة الصحابة:\rابن الأثير ت (٦٣٠ هـ) تحقيق: محمد إبراهيم البنا ومحمد عاشور - دار الشعب - القاهرة ١٣٩٠ هـ.\r٢٤ - الأسماء والصفات:\rللبيهقي ت (٤٥٨ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\r٢٥ - الإصابة في تمييز الصحابة:\rابن حجر ت (٨٥٢ هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٢٨ هـ.\r٢٦ - أصول الدين:\rلعبد القاهر البغدادي ت (٤٢٩ هـ) دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.\r٢٧ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:\rلمحمد الأمين الشنقيطي ت (١٣٩٢ هـ) طبعة دار الإفتاء الرياض ١٤٠٣ هـ.\r٢٨ - الاعتصام:\rللشاطبي ت (٧٩٧ هـ) دار المعرفة، بيروت ١٤٠٢ هـ.\r٢٩ - الاعتقاد:\rللبيهقي ت (٤٥٨ هـ) المطبعة العربية، باكستان.\r٣٠ - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين:\rللرازي ت (٦٠٦ هـ) مراجعة وتحرير، علي سامي النشار دار الكتب العلمية، بيروت سنة ١٤٠٢ هـ.\r٣١ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري:\rللخطابي ت (٣٨٨ هـ) من مطبوعات مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة تحقيق: د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود.\r٣٢ - الأعلام:\rللزركلي ت (١٢٩٥ هـ) دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة سنة ١٩٨٠ م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204913,"book_id":111,"shamela_page_id":760,"part":null,"page_num":832,"sequence_num":760,"body":"٣٣ - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان:\rابن القيم ت (٧٥١ هـ) تحقيق: محمد سيد كيلاني، طبعة الحلبي، القاهرة ١٣٨١ هـ.\r٣٤ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم:\rابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) تحقيق: د. ناصر بن عبد الكريم العقل، مطابع العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\r٣٥ - اقتضاء العلم العمل:\rالخطيب البغدادي ت (٤٦٣ هـ) تحقيق: الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت سنة ١٣٩٧ هـ.\r٣٦ - الإكمال:\rابن مأكولا ت (٤٧٥ هـ) تعليق وتصحيح، عبد الرحمن المعلمي مصور عن طبعة حيدر آباد، الهند، الطبعة الثانية.\r٣٧ - الأمر بالإتباع والنهي عن الإبتداع:\rللسيوطي ت (٩١١ هـ) مكتبة القرآن، القاهرة، تحقيق: مصطفى عاشور.\r٣٨ - أنباء الغمر بأبناء العمر:\rابن حجر ت (٨٥٢ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٦ هـ.\r٣٩ - الإنس الجليل بتاريخ القدس والخليل:\rالعليمي ت (٩٢٨ هـ) المطبعة الحيدرية بالنجف ١٣٨٨ هـ.\r٤٠ - الأنساب:\rالسمعاني ت (٥٦٢ هـ) الناشر: محمد أمين دمج، بيروت، سنة ١٤٠٠ هـ.\r٤١ - أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور:\rابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: أبي هاجر محمد السعيد زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\r٤٢ - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون:\rالبغدادي ت (١٣٣٩ هـ) طبع استانبول ١٩٥١ م.\r٤٣ - الإيمان:\rلابن أبي شيبة ت (٢٣٥ هـ) تحقيق: الألباني، نشر وتوزيع دار الأرقم، الكويت.\r٤٤ - الإيمان:\rلابن منده ت (٢٩٥ هـ) تحقيق: د. علي ناصر فقيهي، طبع المجلس العلمي، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204914,"book_id":111,"shamela_page_id":761,"part":null,"page_num":833,"sequence_num":761,"body":"٤٥ - الإيمان:\rأبو عبيد ت (٢٢٤ هـ) تحقيق: الألباني، نشر وتوزيع دار الأرقم، الكويت.\r٤٦ - الإيمان:\rابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٩ هـ.\r٤٧ - الباعث على إنكار البدع والحوادث:\rلأبي شامة ت (٦٦٥ هـ) مطبعة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، الطبعة الثانية سنة ١٤٠١ هـ.\r٤٨ - بدائع الفوائد:\rابن قيم الجوزية ت (٧٥١ هـ) تصحيح وتعليق، محمود غانم غيث، نشر مكتبة القاهرة، الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ.\r٤٩ - البداية والنهاية:\rابن كثير ت (٧٧٤ هـ) اعتناء، عبد العزيز النجار، مكتبة الأصمعي وغيرها، الرياض.\r٥٠ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع:\rالشوكاني ت (١٢٥٠ هـ) مطبعة السعادة، القاهرة الطبعة الأولى سنة ١٣٤٨ هـ.\r٥١ - البدع والنهي عنها:\rابن وضاح القرطبي ت (٢٨٦ هـ) تحقيق: محمد أحمد دهمان دار البصائر، دمشق، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.\r٥٢ - البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان:\rللسكسكي ت (٦٨٣ هـ) تحقيق: بسام علي العموش، مكتبة ودار المنار، الأردن، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\r٥٣ - البشارة العظمى في أن حظ المؤمن من النار الحمى:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) مخطوط ويوجد له نسخة في مكتبة جامعة الملك سعود المركزية تحت رقم ١٨١٧/ ٩.\r٥٤ - بصائر ذوي التمييز:\rللفيروز أبادي ت (٧١٨ هـ) المكتبة العلمية، بيروت.\r٥٥ - بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس:\rللضبي ت (٥٩٩ هـ) دار الكاتب العربي، بيروت ١٩٦٧ م.\r٥٦ - بغية الوعاة:\rللسيوطي ت (٩١١ هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204915,"book_id":111,"shamela_page_id":762,"part":null,"page_num":834,"sequence_num":762,"body":"٥٧ - بيان تلبيس الجهمية أو نقض التأسيس:\rلابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) تصحيح، محمد بن عبد الرحمن بن القاسم، مطبعة الحكومة بمكة ١٣٩٢ هـ.\r٥٨ - تاج العروس في جواهر القاموس:\rلمحمد مرتضى الزبيدي ت (١٢٠٥ هـ) تحقيق: مجموعة من المحققين، طبعة وزارة الإعلام الكويتية، صدر الجزء الأول عام ١٣٨٥ هـ.\r٥٩ - التاج المكلل من مآثر الطراز الآخر والأول:\rلصديق حسن خان ت (١٣٠٧ هـ) المطبعة الهندية العربية الطبعة الثانية سنة ١٣٨٢ هـ.\r٦٠ - تاريخ ابن قاضي شهبة:\rأبو بكر أحمد بن محمد ت (٨٥١ هـ) نسخه مصورة بمركز البحث العلمي بجامعة أم القرى برقم ١٦١٠.\r٦١ - تاريخ بغداد:\rالخطيب البغدادي ت (٤٦٣ هـ) دار الكتاب العربي، بيروت.\r٦٢ - تاريخ الثقات:\rالعجلي ت (٢٦١ هـ) تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥ هـ.\r٦٣ - تاريخ جرجان:\rللسهمي ت (٤٢٧ هـ) عالم الكتب بيروت سنة ١٤٠١ هـ.\r٦٤ - التاريخ الصغير:\rللبخاري ت (٢٥٦ هـ) طبعة مصورة عن الطبعة الهندية الناشر إحياء السنة باكستان.\r٦٥ - التاريخ الكبير:\rالبخاري ت (٢٥٦ هـ) دار الكتب العلمية، طبعة مصورة عن طبعة الهند.\r٦٦ - تأويل مختلف الحديث:\rابن قتيبة ت (٢٧٦ هـ) تحقيق: محمد زهري النجار، دار الجيل.\r٦٧ - تبصير المنتبه:\rابن حجر ت (٨٥٢ هـ) تحقيق: محمد علي البجاوي، الدار المصرية للتأليف والترجمة.\r٦٨ - التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية من الفرقة الهالكة:\rللإسفراييني ت (٤٧١ هـ) تحقيق: كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204916,"book_id":111,"shamela_page_id":763,"part":null,"page_num":835,"sequence_num":763,"body":"٦٩ - التبيان في شرح بديعة البيان:\rلابن ناصر الدين ت (٨٤٢ هـ) مخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة رقم ٥٦١/ ٩٠٠.\r٧٠ - تبيين العجب بما ورد في فضل رجب:\rلابن حجر ت (٨٥٢ هـ) دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ.\r٧١ - تبيين كذب المفتري:\rابن عساكر ت (٥٧١ هـ) دار الكتاب العربي، بيروت سنة ١٣٩٩ هـ.\r٧٢ - تحذير المسلمين من الإبتداع والبدع في الدين:\rلأحمد بن حجر آل طامي، مكتبة ابن تيمية، الكويت الطبعة الثانية سنة ١٤٠٣ هـ.\r٧٣ - تحفة الأشراف:\rللمزي ت (٧٤٢ هـ) تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، بومباي الهند ١٣٨٤ هـ.\r٧٤ - تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد:\rللبيجوري ت (١٢٧٧ هـ) دار الكتب العربية، بيروت سنة ١٤٠٣ هـ.\r٧٥ - التحفة المهدية شرح التدمرية:\rللشيخ فالح بن مهدي، نشر مكتبة الحرمين، الرياض، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٥ هـ.\r٧٦ - التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، دمشق. بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.\r٧٧ - تذكرة الحفاظ:\rللذهبي ت (٧٤٨ هـ) تصحيح، عبد الرحمن المعلمي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\r٧٨ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة:\rللقرطبي ت (٦٧١ هـ) تحقيق: أحمد حجازي، مكتبة الكليات الأزهرية سنة ١٤٠٠ هـ.\r٧٩ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك:\rللقاضي عياض ت (٥٤٤ هـ) تحقيق: سعيد أحمد أعرابي، طبعة وزارة الأوقاف بالمملكة المغربية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204917,"book_id":111,"shamela_page_id":764,"part":null,"page_num":836,"sequence_num":764,"body":"٨٠ - الترغيب والترهيب:\rلأبي القاسم الأصبهاني ت (٥٣٥ هـ) طبع بعناية، محمد السعيد بن بسيوني زغلول على نفقة أحد المحسنين، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\r٨١ - الترغيب والترهيب:\rللمنذري ت (٦٥٦ هـ) تحقيق: مصطفى محمد عمارة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٨ هـ.\r٨٢ - التصوف. المنشأ والمصادر:\rإحسان الهي ظهير ت (١٤٠٧ هـ) إدارة ترجمان السنة باكستان، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.\r٨٣ - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأربعة:\rلابن حجر ت (٨٥٢ هـ) دار الكتاب العربى، بيروت.\r٨٤ - التعريفات:\rللجرجاني ت (٨١٦ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ.\r٨٥ - تعظيم قدر الصلاة:\rلمحمد بن نصر المروزي ت (٢٩٤ هـ) تحقيق: عبد الرحمن الفريوائي، الناشر مكتبة الدار، بالمدينة المنورة الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.\r٨٦ - تفسير أسماء الله الحسنى:\rلأبي إسحاق الزجاج ت (٣١١ هـ) تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار المأمور للتراث، بيروت. دمشق، الطبعة الخامسة سنة ١٤٠٦ هـ.\r٨٧ - تفسير البغوي:\rالبغوي ت (٥١٦ هـ) تحقيق: خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.\r٨٨ - تفسير ابن أبي حاتم:\rت (٣٢٧ هـ) مكتبة الدار ودار طيبة وابن القيم الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ، الجزء الأول تحقيق: د. أحمد عبد الله الزهراني.\r٨٩ - تفسير سورة الإخلاص:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: محمد بن ناصر العجمي الدار السلفية، الكويت سنة ١٤٠٧ هـ.\r٩٠ - تفسير سورة النصر:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، الدار السلفية، الكويت سنة ١٤٠٧ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204918,"book_id":111,"shamela_page_id":765,"part":null,"page_num":837,"sequence_num":765,"body":"٩١ - تفسير القرآن العظيم:\rابن كثير ت (٧٧٤ هـ) دار المعرفة، بيروت سنة ١٤٠٣ هـ.\r٩٢ - تمام المنة في التعليق على فقه السنة للشيخ:\rمحمد بن ناصر الدين الألباني دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٨ هـ.\r٩٣ - تقريب التهذيب:\rابن حجر ت (٨٥٢ هـ) دار الكتب الإسلامية، باكستان، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٣ هـ.\r٩٤ - التكملة لوفيات النقلة:\rللمنذري ت (٦٥٦ هـ) تحقيق: بشار عوّاد معروف، مؤسسة الرسالة بيروت ١٤٠١ هـ.\r٩٥ - تلبيس إبليس:\rلابن الجوزي ت (٥٩٧ هـ) دار الطباعة المنيرية، مصر ١٣٩٦ هـ.\r٩٦ - التلخيص الحبير:\rابن حجر ت (٨٥٢ هـ) نشر دار الكتب الإسلامية، باكستان سنة ١٣٨٤ هـ.\r٩٧ - تلخيص المستدرك على الصحيحين:\rالذهبي ت (٧٤٨ هـ) بذيل المستدرك للحاكم، دار الكتاب العربي، بيروت.\r٩٨ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد:\rلابن عبد البر ت (٤٦٣ هـ) طبع وزارة الأوقاف بالمملكة المغربية تحقيق: جماعة من العلماء.\r٩٩ - تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين:\rلابن النحاس ت (٨١٤ هـ) مكتبة الحرمين الرياض الطبعة الثانية سنة ١٤٠٦ هـ.\r١٠٠ - تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي:\rالبقاعي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، طبع السنة المحمدية القاهرة ١٣٧٣ هـ.\r١٠١ - تهذيب تاريخ دمشق:\rابن بدران ت (١٣٤٦ هـ) دار المسيرة، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩ هـ.\r١٠٢ - تهذيب التهذيب:\rابن حجر ت (٨٥٢ هـ) مطبعة دائرة المعارف النظامية الهند، الطبعة الأولى سنة ١٣٢٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204919,"book_id":111,"shamela_page_id":766,"part":null,"page_num":838,"sequence_num":766,"body":"١٠٣ - تهذيب الكمال:\rالمزي ت (٧٤٢ هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ، تحقيق: بشار عوّاد معروف.\r١٠٤ - تهذيب اللغة:\rلأبي منصور الأزهري ت (٣٧٠ هـ) تحقيق: عبد السلام هارون طبع مطبعة الدار المصرية للتأليف والنشر والترجمة، سنة ١٩٦٦ م.\r١٠٥ - التوحيد:\rلابن منده ت (٣٩٥ هـ) تحقيق: د. علي ناصر فقيهي طبع مطابع الجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى.\r١٠٦ - تيسير العزيز الحميد:\rسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ت (١٢٣٣ هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٧ هـ.\r١٠٧ - تيسير الكريم الرحمن:\rابن سعدي ت (١٣٧٦ هـ) تحقيق: محمد زهري البخاري، طبع دار الإفتاء، الرياض سنة ١٤٠٤ هـ.\r١٠٨ - الثقات:\rلابن حبان ت (٣٥٤ هـ) دائرة المعارف العثمانية، الهند سنة ١٣٩٨ هـ.\r١٠٩ - الجامع لأحكام القرآن:\rالقرطبي ت (٦٧١ هـ) دار الكتاب العربي، القاهرة، سنة ١٣٨٧ هـ.\r١١٠ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع:\rالخطيب البغدادي ت (٤٦٣ هـ) تحقيق: محمود الطحان دار المعارف، الرياض.\r١١١ - جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله:\rلابن عبد البر ت (٤٦٣ هـ) راجعه وصححه، عبد الرحمن حسن، دار الكتب الحديثة، مصر.\r١١٢ - جامع البيان في تأويل القرآن:\rابن جرير الطبري ت (٣١٠ هـ) طبعة الحلبي، القاهرة الطبعة الثالثة، سنة ١٣٨٨ هـ.\r١١٣ - جامع التواريخ:\rلرشيد الدين فضل الله الهمذاني، نقله إلى العربية جماعة من العلماء، طبع دار إحياء الكتب العربية، مصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204920,"book_id":111,"shamela_page_id":767,"part":null,"page_num":839,"sequence_num":767,"body":"١١٤ - الجامع الصغير:\rللسيوطي ت (٩١١ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة.\r١١٥ - جامع العلوم والحكم:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) من منشورات المؤسسة السعيدية، الرياض.\r١١٦ - جذوة المقتبس:\rلابن فتوح الحميدي ت (٤٨٨ هـ) نشر مكتبة الثقافة الإسلامية مصر، سنة ١٣٧٥ هـ.\r١١٧ - الجرح والتعديل:\rلابن أبي حاتم ت (٣٢٧ هـ) دائرة المعارف العثمانية، الهند طبع سنة ١٣٧٢ هـ.\r١١٨ - الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية:\rلعبد القادر محمد القرشي ت (٧٧٥ هـ) حيدر آباد، الهند ١٣٣٢ هـ.\r١١٩ - الجوهر المنضد في طبقات متأخري الإمام أحمد:\rلابن عبد الهادي ت (٩٠٩ هـ) تحقيق: عبد الرحمن العثيمين مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\r١٢٠ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح:\rلابن القيم ت (٧٥١ هـ) مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٢ هـ.\r١٢١ - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة:\rللسيوطي ت (٩١١ هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الأولى سنة ١٣٨٧ هـ.\r١٢٢ - الحسنة والسيئة:\rلابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) دار المعرفة، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٨ هـ.\r١٢٣ - الحكم الجديرة بالإذاعة:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تقديم الألباني، دار مرجان للطباعة، مصر.\r١٢٤ - حلية الأولياء:\rلأبي نعيم الأصبهاني ت (٤٣٠ هـ) دار الفكر، بيروت.\r١٢٥ - الخشوع في الصلاة:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: علي حسن علي عبد الحميد دار عمّار، سنة ١٤٠٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204921,"book_id":111,"shamela_page_id":768,"part":null,"page_num":840,"sequence_num":768,"body":"١٢٦ - خطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه:\rللألباني، المكتب الإسلامي، بيروت. دمشق، الطبعة الرابعة سنة ١٤٠٠ هـ.\r١٢٧ - الخطط:\rللمقريزي ت (٨٤٥ هـ) الناشر: دار التحرير للطبع والنشر عن طبعة بولاق، سنة ١٢٧٠ هـ.\r١٢٨ - خلق أفعال العباد:\rللبخاري ت (٢٥٦ هـ) تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار عكاظ للطباعة والنشر، الرياض، الطبعة الثانية.\r١٢٩ - درء تعارض العقل والنقل:\rلشيخ الإسلام ابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) تحقيق: محمد رشاد سالم مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠١ هـ.\r١٣٠ - الدارس في تاريخ المدارس:\rللنعيمي ت (٩٢٧ هـ) عني بنشره، جعفر الحسيني، مطبعة الترقي، دمشق سنة ١٣٧٠ هـ.\r١٣١ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور:\rللسيوطي ت (٩١١ هـ) دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٣ هـ.\r١٣٢ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة:\rلابن حجر ت (٨٥٢ هـ) تحقيق: محمد جاد الحق، دار الكتب الحديثة، مصر، الطبعة الثانية سنة ١٣٨٥ هـ.\r١٣٣ - درة الحجال في أسماء الرجال:\rلابن القاضي ت (١٠٢٥ هـ) تحقيق: محمد أبو النور، دار التراث، مصر ١٩٧٠ م.\r١٣٤ - دعوة التوحيد:\rد. محمد خليل هراس، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\r١٣٥ - الدليل الشافي على المنهل الصافي:\rلابن تغري بردي ت (٨٧٤ هـ) تحقيق: فهيم شلتوت، نشر جامعة أم القرى، مكة المكرمة ١٣٩٩ هـ.\r١٣٦ - الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب:\rلابن فرحون ت (٧٩٩ هـ) القاهرة ١٣٥١ هـ، تحقيق: محمد الأحمدي أبو النور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204922,"book_id":111,"shamela_page_id":769,"part":null,"page_num":841,"sequence_num":769,"body":"١٣٧ - ذكر أخبار أصبهان:\rأبو نعيم الأصبهاني ت (٤٣٠ هـ) نشر الدار العلمية، الهند الطبعة الثانية سنة ١٤٠٥ هـ.\r١٣٨ - ذم التأويل:\rلابن قدامة ت (٦٢٠ هـ) تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية الكويت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.\r١٣٩ - ذم الخمر وشاربها:\rلابن رجب (٧٩٥ هـ) طبع المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض سنة ١٤٠٨ هـ، تحقيق: الوليد بن عبد الرحمن الفريان.\r١٤٠ - ذم الدنيا:\rلابن أبي الدنيا ت (٢٨١ هـ) تحقيق: مجدي إبراهيم، مكتبة ومطبعة القرآن، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\r١٤١ - ذم الكلام وأهله:\rشيخ الإسلام الأنصاري الهروي ت (٤٨١ هـ) مخطوط مصور بالمكتبة المركزية، بالجامعة الإسلامية.\r١٤٢ - ذيل تذكرة الحفاظ:\rللحسيني ت (٧٦٥ هـ) دمشق، ١٣٤٧ هـ.\r١٤٣ - ذيل الروضتين:\rلأبي شامة ت (٦٦٥ هـ) القاهرة، ١٣٦٦ هـ.\r١٤٤ - ذيل العبر:\rللحسيني ت (٧٦٤ هـ) تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥ هـ.\r١٤٥ - الذيل على طبقات الحنابلة:\rلابن رجب الحنبلي ت (٧٩٥ هـ) تصحيح، محمد حامد الفقي مطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٧٢ هـ.\r١٤٦ - الرحلة في طلب الحديث:\rالخطيب البغدادي ت (٤٦٣ هـ) تحقيق: نور الدين عتر بيروت.\r١٤٧ - الرد على الجهمية:\rالدارمي ت (٢٥٥ هـ) المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الرابعة سنة ١٤٠٢ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204923,"book_id":111,"shamela_page_id":770,"part":null,"page_num":842,"sequence_num":770,"body":"١٤٨ - الرد الوافر:\rلابن ناصر الدين الدمشقي ت (٨٤٢ هـ) طبعة المكتب الإسلامي دمشق، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ هـ.\r١٤٩ - الرسالة التدمرية:\rشيخ الإسلام ابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٧ هـ.\r١٥٠ - رسالة في الرد على الرافضة:\rلأبي حامد المقدسي ت (٨٨٨ هـ) تحقيق: عبد الوهاب خليل الدار السلفية، الهند، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ.\r١٥١ - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور السنة المشرفة:\rالكتاني ت (١٣٤٥ هـ) دار البشائر الإسلامية، الطبعة الرابعة سنة ١٤٠٦ هـ.\r١٥٢ - رسالة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز:\rللعلامة الشنقيطي ت (١٣٩٢ هـ) طبع في آخر أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للمؤلف نفسه.\r١٥٣ - الروح:\rابن قيم الجوزية ت (٧٥١ هـ) تحقيق: بسام علي سلامة العموشي دار ابن تيمية للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\r١٥٤ - الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم:\rلابن الوزير ت (٨٤٠ هـ) دار المعرفة، بيروت ١٣٩٩ هـ.\r١٥٥ - رياض الصالحين:\rللنووي ت (٦٧٦ هـ) دار المأمون، دمشق، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٠ هـ.\r١٥٦ - زاد المعاد في هدى خير العباد:\rلابن قيم الجوزية ت (٧٥١ هـ) تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩ هـ.\r١٥٧ - الزهد:\rابن المبارك ت (١٨١ هـ) تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي دار الكتب العلمية، بيروت.\r١٥٨ - الزهد:\rلوكيع بن الجراح ت (١٩٧ هـ) تحقيق: عبد الرحمن الفريوائي مكتبة الدار، المدينة النبوية، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204924,"book_id":111,"shamela_page_id":771,"part":null,"page_num":843,"sequence_num":771,"body":"١٥٩ - الزهد:\rأحمد بن حنبل ت (٢٤١ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\r١٦٠ - الزهد:\rهناد بن السري ت (٢٤٣ هـ) تحقيق: عبد الرحمن الفريوائي دار الخلفاء، الكويت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.\r١٦١ - الزواجر عن اقتراف الكبائر:\rابن حجر الهيثمي ت (٩٧٤ هـ) دار المعرفة، بيروت.\r١٦٢ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة:\rابن حميد ت (١٢٩٥ هـ) مكتبة الإمام أحمد، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\r١٦٣ - سلسلة الأحاديث الصحيحة:\rمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، دمشق بيروت، الدار السلفية، الكويت، المكتبة الإسلامية الأردن، الطبعة الأولى.\r١٦٤ - سلسلة الأحاديث الضعيفة:\rالألباني، المكتب الإسلامي، دمشق بيروت، الطبعة الأولى.\r١٦٥ - السلوك لمعرفة دول الملوك:\rالمقريزي ت (٨٤٥ هـ) مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٥٦ م.\r١٦٦ - سنن الدارمي:\rالدارمي ت (٢٥٥ هـ) طبعة مصورة في بيروت.\r١٦٧ - سنن ابن ماجه:\rابن ماجه ت (٢٧٣ هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت سنة ١٣٩٥ هـ.\r١٦٨ - سنن أبي داود:\rأبو داود السجستاني ت (٢٧٥ هـ) تحقيق: عزة عبيد الدعاس وعادل السيد، دار الحديث، حمص، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٣ هـ.\r١٦٩ - سنن الترمذي:\rالإمام الترمذي ت (٢٧٩ هـ) تحقيق: أحمد شاكر، محمد فؤاد عبد الباقي، إبراهيم عطوة عوض، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة ١٣٩٥ هـ.\r١٧٠ - سنن النسائي:\rالنسائي ت (٣٠٣ هـ) المكتبة السلفية، لاهور، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204925,"book_id":111,"shamela_page_id":772,"part":null,"page_num":844,"sequence_num":772,"body":"١٧١ - سنن الدارقطني:\rالدارقطني ت (٣٨٥ هـ) اعتناء عبد الله هاشم يماني المدينة ١٣٨٦ هـ.\r١٧٢ - السنن الكبرى:\rالنسائي (٣٠٣ هـ) تحقيق: د. عبد الغفار البنداري وسيد كسروي حسن دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤١١ هـ.\r١٧٣ - السنن الكبرى:\rالبيهقي ت (٤٥٨ هـ) دار الفكر، بيروت.\r١٧٤ - السنة:\rعبد الله بن أحمد بن حنبل ت (٢٩٠ هـ) تحقيق: د. محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.\r١٧٥ - السنة:\rابن أبي عاصم ت (٢٨٧ هـ) تخريج الألباني، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\r١٧٦ - السنة:\rلمحمد بن نصر المروزي ت (٢٩٤ هـ) دار الثقافة والنشر الرياض.\r١٧٧ - سير أعلام النبلاء:\rالذهبي ت (٧٤٨ هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠١ هـ، مجموعة من المحققين.\r١٧٨ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية:\rلمحمد مخلوف ت (١٣٦٠ هـ) المطبعة السلفية سنة ١٣٤٩ هـ.\r١٧٩ - شذرات الذهب:\rابن العماد الحنبلي ت (١٠٨٩ هـ) دار المسيرة، بيروت.\r١٨٠ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة:\rللإلكائي ت (٤١٨ هـ) تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض.\r١٨١ - شرح الأصول الخمسة:\rللقاضي عبد الجبار ت (٤١٥ هـ) تحقيق عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الأولى سنة ١٣٨٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204926,"book_id":111,"shamela_page_id":773,"part":null,"page_num":845,"sequence_num":773,"body":"١٨٢ - شرح حديث أبي الدرداء:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) طبع مكتبة التراث الإسلامي ١٩٨٧ م، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود.\r١٨٣ - شرح حديث زيد: لبيك اللهم لبيك:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) مخطوط توجد له نسخة خطية بمكتبة الملك سعود المركزية، بالرياض برقم ١٨١٧/ ١.\r١٨٤ - شرح حديث شداد بن أوس:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) يوجد له نسخة خطية بمكتبة جامعة الملك سعود المركزية، بالرياض تحت رقم ١٨١٧/ ٨.\r١٨٥ - شرح حديث عمّار بن ياسر:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) طبع بتحقيق: إبراهيم بن محمد العرف، مكتبة السوادي، جدة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ.\r١٨٦ - شرح حديث \"ما ذئبان جائعان\" ويسمى أيضًا \"ذم الجاه والمال\".\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) الدار السلفية، الكويت ١٤٠١ هـ تحقيق: بدر البدر.\r١٨٧ - شرح حديث \"مثل الإسلام\".\rابن رجب ت (٧٩٥ هـ) مخطوط، وتوجد له نسخة فى المكتبة السليمانية بتركيا برقم ٥٣١٨.\r١٨٨ - شرح حديث النزول:\rابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الخامسة ١٣٩٧ هـ.\r١٨٩ - شرح السنة:\rللبربهاري ت (٣٢٩ هـ) تحقيق: د. محمد سعيد بن سالم القحطاني، دار ابن القيم للنشر والتوزيع، الدمام، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\r١٩٠ - شرح السنة:\rللبغوي ت (٥١٦ هـ) تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وزهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت سنة ١٩٧١ م.\r١٩١ - شرح صحيح مسلم:\rالنووي ت (٦٧٦ هـ) القاهرة سنة ١٣٤٩ هـ.\r١٩٢ - شرح العقيدة الطحاوية:\rابن أبي العز الحنفي، حققها وراجعها جماعة من العلماء خرج أحاديثها الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة ١٣٩٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204927,"book_id":111,"shamela_page_id":774,"part":null,"page_num":846,"sequence_num":774,"body":"١٩٣ - شرح العقيدة الواسطية:\rمحمد خليل هراس، مراجعة، عبد الرزاق عفيفي، طبع مركز شؤون الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الطبعة السابعة.\r١٩٤ - شرح الكافية الشافعية:\rلابن مالك ت (٦٧٢ هـ) تحقيق: د. عبد المنعم أحمد هريدي دار المأمون للتراث.\r١٩٥ - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري:\rللشيخ عبد الله الغنيمان، توزيع مكتبة الدار بالمدينة المنورة، طبع مكتبة المدني، جدة، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\r١٩٦ - شرح لمعة الاعتقاد:\rللشيخ، محمد صالح العثيمين، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ.\r١٩٧ - شرح سنن أبي داود:\rللعلامة ابن القيم ت (٧٥١ هـ) مطبوع على حاشية عون المعبود الطبعة الثانية الناشر عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية.\r١٩٨ - الشريعة:\rللآجري ت (٣٦٠ هـ) تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\r١٩٩ - شعب الإيمان:\rللبيهقي ت (٤٥٨ هـ) تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى، سنة ١٤١٠ هـ.\r٢٠٠ - الشعر والشعراء:\rلابن قتيبة ت (٢٧٦ هـ) القاهرة، الطبعة الثالثة ١٩٧٧ م تحقيق: أحمد شاكر.\r٢٠١ - شفاء العليل:\rابن قيم الجوزية ت (٧٥١ هـ) تحرير الحساني حسن عبد الله مكتبة دار التراث، القاهرة، الطبعة الثانية سنة ١٩٧٥ م.\r٢٠٢ - الشهادة الزكية:\rلمرعي بن يوسف الكرمي ت (١٠٣٣ هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ، تحقيق: نجم عبد الرحمن خلف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204928,"book_id":111,"shamela_page_id":775,"part":null,"page_num":847,"sequence_num":775,"body":"٢٠٣ - الصحاح:\rللجوهري ت (٣٩٣ هـ) تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٢ هـ.\r٢٠٤ - صحيح البخاري:\rالبخاري ت (٢٥٦ هـ) المكتبة الإسلامية، تركيا سنة ١٩٨١ م.\r٢٠٥ - صحيح الجامع الصغير وزيادته:\rالألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.\r٢٠٦ - صحيح ابن خزيمة:\rابن خزيمة ت (٣١١ هـ) تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩ هـ.\r٢٠٧ - صحيح مسلم:\rمسلم بن الحجاج ت (٢٦١ هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقى دار إحياء التراث العربي، بيروت سنة ١٣٧٤ هـ.\r٢٠٨ - صفة المنافق:\rللفريابي ت (٣٠١ هـ) تحقيق: بدر البدر، دار الخلفاء للكتاب الإسلامى، الكويت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ هـ.\r٢٠٩ - صلة الخلف بموصول السلف:\rللروداني ت (١٠٩٤ هـ) دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ.\r٢١٠ - الصلة:\rلابن بشكوال ت (٥٧٨ هـ) الدار المصرية للتأليف والترجمة سنة ١٩٦٦ م.\r٢١١ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة:\rلابن القيم ت (٧٥١ هـ) تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ.\r٢١٢ - صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام:\rللسيوطي ت (٩١١ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، تعليق على سامي النشار.\r٢١٣ - الضعفاء الصغير:\rللبخاري ت (٢٥٦ هـ) تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، حلب، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204929,"book_id":111,"shamela_page_id":776,"part":null,"page_num":848,"sequence_num":776,"body":"٢١٤ - الضعفاء الكبير:\rللعقيلي ت (٣٢٢ هـ) تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ.\r٢١٥ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع:\rالسخاوي ت (٩٠٢ هـ) دار مكتبة الحياة، بيروت.\r٢١٦ - طبقات الحفاظ:\rالسيوطي ت (٩١١ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤٠٣ هـ.\r٢١٧ - طبقات الحنابلة:\rابن أبي يعلى ت (٥٢٥ هـ) دار المعرفة، بيروت.\r٢١٨ - طبقات الشافعية الكبرى:\rالسبكي ت (٧٧١ هـ) تحقيق: محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو، طبعة الحلبي، الطبعة الأولى سنة ١٣٨٣ هـ.\r٢١٩ - طبقات الشافعية:\rابن هداية الله ت (١٠١٤ هـ) تحقيق: عادل نويهض، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٩٧٩ م.\r٢٢٠ - طبقات فحول الشعراء:\rلابن سلام ت (٢٣١ هـ) تحقيق: محمود شاكر، مطبعة المدني.\r٢٢١ - الطبقات الكبرى:\rلابن سعد ت (٢٣٠ هـ) دار صادر، بيروت.\r٢٢٢ - طبقات المفسرين:\rالسيوطي ت (٩١١ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٣ هـ.\r٢٢٣ - طبقات المفسرين:\rالداودي ت (٩٤٥ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ.\r٢٢٤ - طرح التثريب في شرح التقريب:\rلعبد الرحيم العراقي ت (٨٠٦ هـ) مطبعة جمعية النشر والتأليف الأزهرية ١٣٥٣ هـ.\r٢٢٥ - العبر في خبر من غبر:\rالذهبي ت (٧٤٨ هـ) تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204930,"book_id":111,"shamela_page_id":777,"part":null,"page_num":849,"sequence_num":777,"body":"٢٢٦ - العبودية:\rلشيخ الإسلام ابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) طبع ونشر، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\r٢٢٧ - العصر المماليكي في مصر والشام:\rتأليف د. سعيد عبد الفتاح عاشور، الناشر دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية سنة ١٩٧٦ م.\r٢٢٨ - العقائد الشيعية:\rلناصر الدين شاه، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧ هـ.\r٢٢٩ - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين:\rالفاسي ت (٣٨٢ هـ) مطبعة السنة المحمدية، القاهرة سنة ١٣٧٩ هـ.\r٢٣٠ - عقيدة السلف وأصحاب الحديث:\rلأبي عثمان الصابوني ت (٤٤٩ هـ) ضمن مجموعة الرسائل الكمالية في التوحيد، نشر مكتبة المعارف، الطائف.\r٢٣١ - العلم:\rلأبي خيثمة ت (٢٣٧ هـ) تحقيق الألباني، نشر وتوزيع دار الأرقم، الكويت.\r٢٣٢ - علماء نجد خلال ستة قرون:\rلعبد الله البسام، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٨ هـ.\r٢٣٣ - علماء ومفكرون عرفتهم:\rمحمد المجذوب، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٧ هـ.\r٢٣٤ - العلو للعلي الغفار:\rالذهبي ت (٧٤٨ هـ) صححه، عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية سنة ١٣٨٨ هـ.\r٢٣٥ - عمل اليوم والليلة:\rلابن السني ت (٣٦٤ هـ) تحقيق: عبد القادر عطا، دار المعرفة، بيروت سنة ١٣٩٩ هـ.\r٢٣٦ - عمل اليوم والليلة:\rللنسائي ت (٣٠٣ هـ) تحقيق: فاروق حمادة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204931,"book_id":111,"shamela_page_id":778,"part":null,"page_num":850,"sequence_num":778,"body":"٢٣٧ - عنوان المجد في تاريخ نجد:\rلعثمان بن بشر ت (١٢٩٠ هـ) تحقيق: عبد الرحمن بن عبد اللطيف، الطبعة الثانية سنة ١٣٩١ هـ.\r٢٣٨ - غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: إبراهيم محمد العرف طبعة مكتبة السوادي، جدة سنة ١٤٠٨ هـ.\r٢٣٩ - غاية النهاية في طبقات القراء:\rللجزري ت (٨٨٣ هـ) تحقيق: ج، برحستراسر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٢ هـ.\r٢٤٠ - فتح الباري:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق/ طارق بن عوض الله بن محمد - دار ابن الجوزي - الطبعة الأولى.\r٢٤١ - فتح الباري شرح صحيح البخاري:\rابن حجر ت (٨٥٢ هـ) المكتبة السلفية ومطبعتها، القاهرة سنة ١٣٨٠ هـ.\r٢٤٢ - فتح رب البرية بتلخيص الحموية:\rلابن عثيمين، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ.\r٢٤٣ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير:\rللشوكاني ت (١٢٥٠ هـ) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة الثانية ١٣٨٣ هـ.\r٢٤٤ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد:\rلعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ت (١٢٨٥ هـ) تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة: دار البيان، دمشق الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢ هـ.\r٢٤٥ - فتوح البلدان:\rللبلاذري ت (٢٨٩ هـ) تعليق، رضوان محمد رضوان، دار الكتب العلمية، بيروت سنة ١٣٩٨ هـ.\r٢٤٦ - الفتوى الحموية:\rلشيخ الإسلام ابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة، الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٨ هـ.\r٢٤٧ - الفرق بين الفرق:\rلعبد القاهر البغدادي ت (٤٣٩ هـ) تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204932,"book_id":111,"shamela_page_id":779,"part":null,"page_num":851,"sequence_num":779,"body":"٢٤٨ - الفرق بين النصيحة والتعيير:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: نجم عبد الرحمن خلف دار ابن القيم الدمام.\r٢٤٩ - الفروق اللغوية:\rلأبي هلال العسكري ت (٣٨٢ هـ) دار الكتب العلمية بيروت سنة ١٤٠١ هـ.\r٢٥٠ - الفصل في الملل والأهواء والنحل:\rلابن حزم ت (٤٥٦ هـ) شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع جدة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢ هـ، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة ود. محمد إبراهيم نصر.\r٢٥١ - فضائل الشام:\rابن رجب ت (٧٩٥ هـ) مخطوط، وتوجد منه في المكتبة البلدية بالإسكندرية نسحة برقم ١٠٨.\r٢٥٢ - فضل علم السلف على علم الخلف:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) طبع الدار السلفية، الكويت، سنة ١٤٠٧ هـ تحقيق: محمد بن ناصر العجمي.\r٢٥٣ - فهرس الفهارس:\rلعبد الحي الكتاني، دار الكتب العلمية، بيروت.\r٢٥٤ - الفهرسة الأبجدية والترتيب المعجمي:\rد. محمد سليمان الأشقر، دار البحوث العلمية، الكويت الطبعة الأولى سنة ١٣٩٢ هـ.\r٢٥٥ - الفوائد:\rلابن القيم ت (٧٥١ هـ) دار الكتب العربية، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٣ هـ.\r٢٥٦ - فوات الوفيات:\rلابن شاكر الكتبي ت (٧٦٤ هـ) تحقيق: إحسان عباس دار صادر بيروت سنة ١٩٧٣ م.\r٢٥٧ - فيض القدير:\rللمناوي ت (١٠٣١ هـ) دار المعرفة، بيروت سنة ١٣٩١ هـ.\r٢٥٨ - القاموس المحيط:\rللفيروز أبادي ت (٨١٧ هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204933,"book_id":111,"shamela_page_id":780,"part":null,"page_num":852,"sequence_num":780,"body":"٢٥٩ - القضاء والقدر:\rلشيخ الإسلام ابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\r٢٦٠ - القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية:\rابن حولون الصالحي ت (٩٥٣ هـ) تحقيق: محمد أحمد دهمان، دمشق سنة ١٣٦٨ هـ.\r٢٦١ - القواعد الكبرى في الفروع:\rابن رجب ت (٧٩٥ هـ) المطبعة الخيرية، القاهرة سنة ١٣٥٢ هـ.\r٢٦٢ - القول المفيد في أدلة التوحيد:\rلأبي إبراهيم العبدلي، مكتبة الضياء، جدة، الطبعة الثالثة ١٤٠٧ هـ.\r٢٦٣ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة:\rالذهبي ت (٧٤٨ هـ) تحقيق: عزة عبيد عطية، موسى محمد الموشي، دار الكتب الحديثة، القاهرة، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٢ هـ.\r٢٦٤ - الكامل في التاريخ:\rابن الأثير ت (٦٣٠ هـ) دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة سنة ١٤٠٣ هـ.\r٢٦٥ - الكامل في ضعفاء الرجال:\rابن عدي ت (٣٦٥ هـ) دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٥ هـ.\r٢٦٦ - الكبائر وتبيين المحارم:\rالذهبي ت (٧٤٨ هـ) تحقيق: محي الدين مستر، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ.\r٢٦٧ - كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿:\rلابن خزيمة ت (٣١١ هـ) دار الرشد، الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ، تحقيق د. عبد العزيز الشهوان.\r٢٦٨ - كشف الأستار عن زوائد البزار:\rالهيثمي ت (٨٠٧ هـ) تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩ هـ.\r٢٦٩ - كشف الخفا ومزيل الألباس:\rالعجلوني ت (١١٦٢ هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت الطبعة الثالثة سنة ١٣٥١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204934,"book_id":111,"shamela_page_id":781,"part":null,"page_num":853,"sequence_num":781,"body":"٢٧٠ - كشف الظنون:\rحاجي خليفة ت (١٠٦٧ هـ) دار الفكر، بيروت سنة ١٤٠٢ هـ.\r٢٧١ - كشف الكربة وصف حال أهل الغربة:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: بدر البدر، دار الأرقم الكويت سنة ١٤٠٤ هـ.\r٢٧٢ - الكشاف:\rللزمخشري ت (٥٣٨ هـ) مطبعة الحلبي، القاهرة سنة ١٣٨٥ هـ.\r٢٧٣ - كنز العمال:\rالمتقي الهندي، عناية، بكري حياتي، صفوت السقا، مؤسسة الرسالة، بيروت سنة ١٣٩٩ هـ.\r٢٧٤ - اللباب في تهذيب الأنساب:\rابن الأثير ت (٦٣٠ هـ) دار صادر، بيروت سنة ١٤٠٠ هـ.\r٢٧٥ - لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ:\rابن فهد المكي ت (٨٧١ هـ) الناشر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\r٢٧٦ - لسان العرب:\rابن منظور ت (٧١١ هـ) دار صادر، بيروت، بدون تاريخ.\r٢٧٧ - لسان الميزان:\rابن حجر ت (٨٥٢ هـ) دار الفكر للنشر والتوزيع، بيروت، بدون تاريخ.\r٢٧٨ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) طبع دار الجيل، بيروت.\r٢٧٩ - لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد:\rلابن قدامة ت (٦٢٠ هـ) الدار السلفية، الكويت، الطبعة الأولى سنة. . . . . تحقيق: بدر البدر.\r٢٨٠ - لوامع الأنوار البهية:\rالسفاريني ت (١١٨٨ هـ) طبع المنار ١٣٢٥ هـ.\r٢٨١ - المجروحين:\rلابن حبان ت (٣٥٤ هـ) تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، حلب سنة ١٣٩٦ هـ.\r٢٨٢ - مجمع الزوائد:\rالهيثمي ت (٨٠٧ هـ) دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٢ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204935,"book_id":111,"shamela_page_id":782,"part":null,"page_num":854,"sequence_num":782,"body":"٢٨٣ - مجمل اللغة:\rأبو الحسين بن فارس ت (٣٩٥ هـ) تحقيق: زهير عبد المحسن مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ.\r٢٨٤ - مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية:\rابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد.\r٢٨٥ - مجموع فتاوي ومقالات متنوعة:\rللعلامة الشيخ، عبد العزيز بن باز جمع وترتيب، محمد بن سعد الشويعر، مطابع الفرزدق، الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.\r٢٨٦ - المحجة في سير الدلجة:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: مختار غراوي، دار البشائر الإسلامية، بيروت.\r٢٨٧ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:\rلابن عطية ت (٥٤٢ هـ) تحقيق: المجلس العلمي بفاس، طبع وزارة الأوقاف بالمغرب.\r٢٨٨ - مختصر سنن أبي داود:\rللحافظ المنذري ت (٦٥٦ هـ) تحقيق: أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\r٢٨٩ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة:\rاختصار، محمد الموصلي، مكتبة الرياض الحديثة، بالرياض.\r٢٩٠ - مختصر طبقات الحنابلة: للشطي:\rتأليف: محمد جميل بن عمر الشطي ت (١٣٧٩ هـ) مطبعة الترقي، دمشق ١٣٣٩ هـ.\r٢٩١ - المختصر في أخبار البشر:\rلعماد الدين أبي الفداء ت (٧٣٢ هـ) المطبعة الحسينية المصرية سنة ١٣٢٥ هـ.\r٢٩٢ - مدارج السالكين:\rابن القيم ت (٧٥١ هـ) عناية، محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت سنة ١٣٩٢ هـ.\r٢٩٣ - المدخل إلى السنن الكبرى:\rالبيهقي ت (٤٥٨ هـ) تحقيق: محمد ضياء الرحمن الأعظمي دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت سنة ١٤٠٥ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204936,"book_id":111,"shamela_page_id":783,"part":null,"page_num":855,"sequence_num":783,"body":"٢٩٤ - المراسيل:\rلأبي داود ت (٢٧٥ هـ) دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ تحقيق: يوسف المرعشلي.\r٢٩٥ - المزهر في علوم اللغة:\rللسيوطي ت (٩١١ هـ) القاهرة ١٩٥٨ م، تحقيق: أبو الفضل ابن إبراهيم.\r٢٩٦ - مسائل الإمام أحمد:\rلابن هانئ ت (٢٧٥ هـ) تحقيق: زهير الشاويش المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ هـ.\r٢٩٧ - مساوئ الأخلاق:\rللخرائطي ت (٣٢٧ هـ) مخطوط، نسخة مصورة بقسم المخطوطات بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية.\r٢٩٨ - المستدرك على الصحيحين:\rللحاكم ت (٤٠٥ هـ) دار الكتاب العربي، بيروت.\r٢٩٩ - المستدرك على معجم المؤلفين:\rلعمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ.\r٣٠٠ - المستصفى في علم الأصول:\rللغزالي ت (٥٠٥ هـ) المطبعة الأميرية، مصر، الطبعة الأولى سنة ١٣٢٤ هـ.\r٣٠١ - المستفاد من ذيل تاريخ بغداد:\rلابن النجار ت (٦٤٣ هـ) دار الكتاب العربي، بيروت، تحقيق: د. قيصر أبو فرح.\r٣٠٢ - المسند:\rأحمد بن حنبل ت (٢٤١ هـ) المكتب الإسلامي، بيروت، دار صادر وتحقيق: أحمد شاكر، دار المعارف، القاهرة سنة ١٩٥٤ م.\r٣٠٣ - المسند:\rللحميدي ت (٢١٩ هـ) تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي عالم الكتب، بيروت.\r٣٠٤ - المسند:\rلأبي عوانة ت (٣١٦ هـ) دار المعرفة بيروت.\r٣٠٥ - مسند أبي يعلى:\rلأبي يعلى الموصلي ت (٣٠٧ هـ) تحقيق: حسين سليم، دار المأمون، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204937,"book_id":111,"shamela_page_id":784,"part":null,"page_num":856,"sequence_num":784,"body":"٣٠٦ - مسند الشهاب:\rللشهاب القضاعي ت (٤٥٤ هـ) تحقيق: حمدي السلفى، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥ هـ.\r٣٠٧ - مشاهير علماء الأمصار:\rلابن حبان ت (٣٥٤ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت.\r٣٠٨ - المشتبه في أسماء الرجال:\rللذهبي ت (٧٤٨ هـ) تحقيق: علي البجاوي، القاهرة ١٩٦٢ م.\r٣٠٩ - مشكاة المصابيح:\rالتبريزي ت (. .) تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩ هـ.\r٣١٠ - مشكل الآثار:\rللطحاوي ت (٣٢١ هـ) مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند الطبعة الأولى ١٣٢٣ هـ.\r٣١١ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه:\rالبوصيري ت (٨٤٠ هـ) دار المعرفة، بيروت سنة ١٤٠٣ هـ.\r٣١٢ - المصباح المنير:\rالفيومي ت (٧٧٠ هـ) تصحيح، مصطفى السقا، المكتبة العلمية، بيروت.\r٣١٣ - مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك:\rتأليف الدكتور، سعيد عبد الفتاح عاشور، دار النهضة العربية بيروت، لبنان.\r٣١٤ - المصنف:\rعبد الرزاق الصنعاني ت (٢١١ هـ) تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\r٣١٥ - المصنف:\rابن أبي شيبة ت (٢٣٥ هـ) تحقيق: مختار أحمد الندوي، الدار السلفية، الهند، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\r٣١٦ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد:\rلحافظ حكمي ت (١٣٧٧ هـ) المطبحة السلفية ومكتبتها، القاهرة.\r٣١٧ - معالم السنن:\rللخطابي ت (٣٨٨ هـ) المكتبة العلمية، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204938,"book_id":111,"shamela_page_id":785,"part":null,"page_num":857,"sequence_num":785,"body":"٣١٨ - معجم الأدباء:\rياقوت الحموي ت (٦٢٦ هـ) دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٠ هـ.\r٣١٩ - المعجم الأوسط:\rللطبراني ت (٣٦٠ هـ) تحقيق: محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥ هـ. ومخطوط نسخه مصورة بقسم المخطوطات بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\r٣٢٠ - معجم البلدان:\rلياقوت الحموي ت (٦٢٦ هـ) دار الكتاب العربي، بيروت.\r٣٢١ - معجم الشيوخ:\rلابن فهد الهاشمي ت (٨٨٥ هـ) تحقيق: محمد الزاهي، طبع دار اليمامة بالرياض، سنة ١٤٠٢ هـ.\r٣٢٢ - معجم الشيوخ الكبير:\rللذهبي ت (٧٤٨ هـ) نشر مكتبة الصديق، الطائف الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ.\r٣٢٣ - المعجم الصغير:\rللطبراني ت (٣٦٠ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤٠٣ هـ.\r٣٢٤ - المعجم الكبير:\rللطبراني ت (٣٦٠ هـ) مطبعة الوطن، بغداد، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ هـ.\r٣٢٥ - معجم المؤرخين الدمشقيين:\rلصلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.\r٣٢٦ - معجم المؤلفين:\rعمر كحالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\r٣٢٧ - معجم مقاييس اللغة:\rلابن فارس ت (٣٩٥ هـ) تحقيق: عبد السلام هارون، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية ١٣٨٩ هـ.\r٣٢٨ - معرفة القراء الكبار:\rللذهبي ت (٧٤٨ هـ) تحقيق: بشار عوّاد معروف وشعيب الأرناؤوط، وصالح مهدي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ.\r٣٢٩ - المعين في طبقات المحدثين:\rللذهبي ت (٧٤٨ هـ) تحقيق: همّام عبد الرحيم سعيد، دار الفرقان، الأردن، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204939,"book_id":111,"shamela_page_id":786,"part":null,"page_num":858,"sequence_num":786,"body":"٣٣٠ - المغني:\rابن قدامة ت (٦٢٠ هـ) مكتبة الجمهورية العربية مصر.\r٣٣١ - المغني عن حمل الأسفار فى الأسفار:\rالعراقي ت (٨٠٦ هـ) مطبوع بهامش إحياء علوم الدين للغزالي، مطبعة المشهد الحسيني، القاهرة.\r٣٣٢ - المغني في ضعفاء الرجال:\rللذهبي ت (٧٤٨ هـ) تحقيق: نور الدين عتر، دار المعارف حلب، الطبعة الأولى سنة ١٣٩١ هـ.\r٣٣٣ - مفتاح دار السعادة:\rلابن القيم ت (٧٥١ هـ) نشر، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض.\r٣٣٤ - المفردات:\rللراغب الأصفهاني ت (٥٠٢ هـ) تحقيق: محمد سيد كيلاني طبعة الحلبي، القاهرة سنة ١٣٨١ هـ.\r٣٣٥ - المقاصد الحسنة:\rللسخاوي ت (٩٠٢ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٣٩٩ هـ.\r٣٣٦ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصليين:\rلأبي الحسن الأشعري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية سنة ١٣٨٩ هـ.\r٣٣٧ - مقتل الحسين وفتاوى العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر:\rلمرتضى عياد، دار الزهراء للطباعة والنشر، بيروت.\r٣٣٨ - المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد:\rابن مفلح الحنبلي ت (٨٨٤ هـ) تحقيق: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤١٠ هـ.\r٣٣٩ - مكارم الأخلاق:\rالخرائطى ت (٣٢٧ هـ) تحقيق: عبد الله حجاج، مكتبة السلام العالمية، القاهرة.\r٣٤٠ - الملل والنحل:\rللشهرستاني ت (٥٤٨ هـ) تحقيق: محمد سيد الكيلاني، دار المعرفة، بيروت سنة ١٤٠٢ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204940,"book_id":111,"shamela_page_id":787,"part":null,"page_num":859,"sequence_num":787,"body":"٣٤١ - منادمة الأطلال ومسامرة الخيال:\rابن بدران ت (١٣٤٦ هـ) المكتب الإسلامي، دمشق الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٢ هـ.\r٣٤٢ - مناقب الشافعي:\rللبيهقي ت (٤٥٨ هـ) تحقيق: أحمد صقر، مكتبة دار التراث القاهرة سنة ١٣٩١ هـ.\r٣٤٣ - المنتظم:\rابن الجوزي ت (٥٩٧ هـ) طبعة دائرة المعارف العثمانية الطبعة الأولى سنة ١٣٥٩ هـ.\r٣٤٤ - منهاج السنة النبوية:\rلابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) تحقيق: محمد رشاد سالم، طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، الطبعة الأولى سنة. . . . .\r٣٤٥ - المنهاج في شعب الإيمان:\rللحليمي ت (٤٠٣ هـ) تحقيق: حلمي محمد فوده، دار الفكر الطبعة الأولى سنة ١٣٩٩ هـ.\r٣٤٦ - المنهج الأحمد:\rللعليمي ت (٩٢٨ هـ) تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد عادل نويهض، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٤ هـ (مخطوط) نسخة مصورة بمركز البحث العلمي بجامعة أم القرى.\r٣٤٧ - المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي:\rلابن تغردي بردي ت (٨٧٤ هـ) مخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة.\r٣٤٨ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان:\rللهيثمي ت (٨٠٧ هـ) تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة دار الكتب العلمية، بيروت.\r٣٤٩ - موسوعة التاريخ الإسلامية والحضارة الإسلامية:\rد. أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الخامسة سنة ١٩٧٤ م.\r٣٥٠ - الموطأ:\rمالك بن أنس ت (١٧٩ هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء الكتب العربية، الحلبي، القاهرة، بدون تاريخ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204941,"book_id":111,"shamela_page_id":788,"part":null,"page_num":860,"sequence_num":788,"body":"٣٥١ - ميزان الإعتدال:\rللذهبي ت (٧٤٨ هـ) تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.\r٣٥٢ - النبوات:\rلابن تيمية ت (٧٢٨ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت سنة ١٤٠٢ هـ.\r٣٥٣ - النجوم للخطيب البغدادي ت (٤٦٣ هـ) (مخطوط) نسخة مصورة بمكتبة المخطوطات بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.\r٣٥٤ - النجوم الزاهرة:\rابن تغري بردي ت (٧٨٤ هـ) دار الكتب العربية، القاهرة الطبعة الأولى سنة ١٣٤٨ هـ.\r٣٥٥ - نزهة الأسماع في مسألة السماع:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: الوليد بن عبد الرحمن الفريان الناشر، دار طيبة بالرياض سنة ١٤٠٧ هـ.\r٣٥٦ - نصب الراية:\rالزيلعي ت (٧٦٢ هـ) مطبوعات المجلس العلمي، توزيع المكتب الإسلامي، بيروت سنة ١٣٩٣ هـ.\r٣٥٧ - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب:\rالمقري ت (١٠٤٢ هـ) تحقيق: إحسان عباس، بيروت ١٩٦٨ م.\r٣٥٨ - النهاية في غريب الحديث:\rابن الأثير ت (٦١٦ هـ) تحقيق: محمد أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، المكتبة الإسلامية، بيروت، بدون.\r٣٥٩ - النهاية في الفتن والملاحم:\rابن كثير ت (٧٧٤ هـ) تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز دار إحياء التراث الإسلامي بالأزهر.\r٣٦٠ - نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس:\rلابن رجب ت (٧٩٥ هـ) تحقيق: محمد ناصر العجمي، طبع مكتبة دار الأقصى، الكويت سنة ١٤٠٦ هـ.\r٣٦١ - هدية العارفين:\rللبغدادي ت (١٣٣٩ هـ) طبع استانبول سنة ١٩٥١ م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":204942,"book_id":111,"shamela_page_id":789,"part":null,"page_num":861,"sequence_num":789,"body":"٣٦٢ - هذه هي الصوفية:\rلعبد الرحمن الوكيل، الكتب العلمية، الطبعة الثالثة سنة ١٩٧٩ م.\r٣٦٣ - الوابل الصيب:\rلابن القيم ت (٧٥١ هـ) تحقيق: إسماعيل الأنصاري، طبعة دار الإفتاء، الرياض، بدون.\r٣٦٤ - الوافي بالوفيات:\rللصفدي ت (٧٦٤ هـ) عناية، س. ريد ـ رينغ، الطبعة الثانية.\r٣٦٥ - الوفيات:\rلابن رافع السلامي ت (٧٧٤ هـ) تحقيق: صالح مهدي عباس مؤسسة الرسالة سنة ١٤٠٢ هـ.\r٣٦٦ - وفيات الأعيان:\rلابن خلكان ت (٦٨١ هـ) تحقيق: إحسان عباس، دار صادر بيروت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}