{"page_id":1076520,"book_id":1139,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":1,"body":"المقدمة\rإنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيّه من خلقِه وخليلُه، اللهم صل وسلم على نبي الرحمة، ومَن كشفَ اللهُ بِهِ الغمة، الذي نسخت شريعتُه كلَّ شريعة، وشملت دعوتُه كلَّ أمّة، لا نجاةَ إلّا في اتباع دعوته، ولا فلاح إلّا في الاستقامة على أمره، ولا جَنّة إلّا في الدخول في دينه، أما بعد:\rفإنَّ أكثر انحرافٍ هوتْ لأجله الأمّةُ وذلّت، هو انحرافُ بعض أتباعها في العقيدة والتوحيد، وإنّ أوّل خطوة تُطلب من أتباع الأمّة للتصحيح، والعودة للعزّة والأمن في الدنيا والآخرة، أن يتنادى أهلُها لتصحيحِ التوحيد، وتعبيد الناس لربِّ العالمين، وتطهيرِ القلوبِ من شوائب الشرك كبيرِه وصغيره.\rولقد أخبر النبيّ ﷺ أنَّ الأمّة سيقعُ بعضُ أتباعِها في كدر الشرك، بعد صفاء المنبع، ولقد وقع ما أخبر عنه النبيّ ﷺ.\rولئن تباين العلماءُ تجاه موجات الانحرافِ العقدي الذي وقع فيه كثير من فئام المسلمين، ما بين مُقَصِّرٍ في بيان الحقّ، وما بين واقعٍ فيما وقع فيه الناس، نسأل الله السلامة، إلّا أنَّ ثمة علماء كان لهم دورٌ في التصحيح كبير، وجُهدٌ في إعادة الناس للحقّ عظيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076552,"book_id":1139,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":1,"body":"١ - كتاب التوحيد\rوقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، الآية (٥٦)].\rوقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]. وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)].\rوقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء، الآية (٣٦)].\rوقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام، الآيات (١٥١)].\rقال ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ اَلَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمِهِ، فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا … ﴾ [الأنعام، الآية (١٥١ - ١٥٣)]».\rوعن معاذ بن جبل ﵁، قال: «كُنْتُ رَدِيفَ اَلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ لِي: يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟ قُلْتُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَفَلَا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076556,"book_id":1139,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":1,"body":"وفيه- أيضًا- عظم حق الوالدين، حيث قرنه مع الأمر بعبادته وحده سبحانه، ونظيرها قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان، الآية (١٤)].\rالمسألة الرابعة: ذكر المصنف قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء، الآية (٣٦)]، وهذه الآية تسمّى آية الحقوق العشرة؛ لأنَّ فيها أمرٌ بعشر وصايا ابتدأت بالأمر بالعبادة والنهي عن الشرك، ثم حق الوالدين، وذي القربى، وهكذا.\rفتقديم حق الله دليل على: أنَّه أعظم الحقوق وآكدها، فالعبد مأمور بأن يعبد الله، والعبادة إنّما تصح إذا توافر فيها الإخلاص والمتابعة، ثم زاد ذلك تأكيدًا بالنهي عن أي شيء من الشرك.\rالمسألة الخامسة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا … ﴾ [النساء، الآية (١٥١ - ١٥٣)].\rثم ذكر كلام ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ اَلَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُه، فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [النساء، الآية (١٥١ - ١٥٣)]».\rوهذه الآيات تدل على أهمية التوحيد، من وجهين:\r١. أنَّ الله تعالى ذكر في الآيات أمورًا، ذكر ابن مسعود بأنَّها وصيّة النبيّ ﷺ التي عليها خاتمه، والعادةُ: أنَّ الإنسان لا يوصي إلّا بأهم الأشياء، وختمُ الوصية دليلٌ على أنَّها لا تتغيّر، ولذلك قال ابن عباس: «هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء، وهن محرمات على بني آدم كلهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076521,"book_id":1139,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":2,"body":"وممن وفَّقه الله لكشف كثيرٍ من غشاوة الشرك، وتصحيحِ مسار التوحيد، ونبذِ معالم الباطل الحسية والمعنوية: الإمامُ المجدّد محمد بن عبد الوهاب التميمي -رحمه الله تعالى-.\rومِن جهودِ الشيخ في قلمه، هذا الكتاب الذي سطَّره للناس، وكانوا وما زالوا ينتفعون به (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، وسيأتي الكلام عن الشيخ وكتابِه في المقدمات بحول الله.\rوقد يسر الله لي كتابة شرحٍ موجز على هذا الكتاب المبارك، فأشار عليَّ بعض الأحبة بإخراجه؛ لعل الله أن ينفع به.\rفعزمت على إجابة طلبهم، مع علمي يقينًا أنَّ في غيره من الشروح غنيةً عن هذه البُغية، لكن ذلك ليس يعني: أنَّ الباب قد أُغلِق، بل المجالُ يسع، وربّما كان في الأنهارِ ما ليس في البحار، ولئن لم يكن فيما كتبتُه فضلُ معلومة -فلن آتي بجديدٍ لم يذكره الأولون-، إلّا أنَّه ربما كان في ما كتبته فضلُ ترتيب، وإضافة في الطرح والتبويب، فاجتمع هذا مع رغبة في المساهمة في تصحيح اعتقاد الأمة، فاستعنت بالله ونشرته.\rوكانت طريقتي فيه تتلخص فيما يلي:\r١. أورد نصوص الباب بتمامه، ثم أتبعها بالتعليق.\r٢. جعلت الشرح يقوم على مسائل، وأوردت في هذه المسائل جُلَّ ما يذكره الشراح في هذه الأبواب، من مناسبة ومسائل وتقاسيم وغير ذلك، وتوخيت فيها الاختصار، ووضوح الفكرة قدر الإمكان.\r٣. في أغلب الأحيان لا أتطرق لما قد يُستَنْبطُ من النصوص من معانٍ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076557,"book_id":1139,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":2,"body":"وهنّ أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار» (¬١).\r٢. أنَّ الله ابتدأ في الآيات بذكر النهي عن الشرك، والتقديم يفيد التأكيد، فكأنَّه قال: أوّل ما أتلو عليكم أن لا تشركوا بالله شيئًا.\rالمسألة السادسة: ذكر المصنّف حديث معاذ بن جبل ﵁، وفيه أنَّ رسول الله ﷺ قال لي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟ قُلْتُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا».\rوالحديث يدلّ على أهمية التوحيد من وجوه:\r١ - أنَّ النبيّ ﷺ جعله حقًا لله على العباد، وهو الحقّ الذي لأجله خلق الله الخلق.\r٢ - أنَّ النبيّ ﷺ جعل جزاء من قام به أنَّ الله لا يعذبه، وهذا تفضل من الله، وإلّا فليس للعباد على الله حقّ واجب، وإنّما هو تفضّل منه سبحانه.\r٣ - أنَّ النبيّ ﷺ ساق هذا الأمر بصيغة الاستفهام لتتشوّف النفس لما سيذكر، وهو أسلوب متّبع عند إرادة توكيد الكلام.\r* الخلاصة: أنَّ هذه النصوص تدل بمجموعها على أهمية التوحيد وآكديته والاحتفاء به.","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ٢٢٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨٠٥٧) مختصرًا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076558,"book_id":1139,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":2,"body":"٢ - بابُ فضلِ التوحيدِ وما يكفِّر من الذنوب\rوقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام، الآية (٨٢)].\rعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (¬١).\rولهما في حديث عتبان: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إله إلّا الله، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ» (¬٢).\rوعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لا إله إلّا الله، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا؟ قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَ (لا إله إلّا الله) فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لا إله إلّا الله» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).\r(¬٢) جزء من حديث أخرجه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).\r(¬٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٦٠٢ - ١٠٩١٣)، وأبو يعلى في المسند (١٣٩٣)، والطبراني في الدعاء (١٤٨٠)، وابن حبان في صحيحه (٦٢١٨)، والحاكم في المستدرك (١٩٣٦)، وجميعهم من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد به مرفوعًا.\rوإسناده ضعيف: لضعف دراج، لا سيما في روايته عن أبي الهيثم، قال أبو داود في «سؤالاته» (٢٥٩): سمعت أحمد بن حنبل، سئل عن دراج أبي السمح، قال: هذا روى مناكير كثيرة. «سؤالاته» (٢٥٩). وانظر: «الضعفاء» للعقيلي (٢/ ٢٩٩).\rوقال أبو داود: دراج، أحاديثه مستقيمة، إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. «سؤالات الآجري» لأبي داود (١٤٩٢)، قلت: وهذا منها، لكن الحديث له شواهد يرتقي بها للاحتجاج، والله أعلم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076562,"book_id":1139,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":2,"body":"٢) ظلم العباد في أموالهم وأنفسهم وأعراضهم.\r٣) ظلم النفس بما دون الشرك، كالمعاصي.\rثاني الفضائل: أنَّ الله يُدْخِل الموحِّدَ الجنّة وإنْ عمل ما عمل، فيدخل الجنة وإن عُذِب على بعض ذنوبه، إما أن يدخل الجنة دخولًا أوليًا من أوّل وهلة، أو يدخلها بعدما يمحص، فمآل الموحد إلى الجنة.\r* واستدل على هذا: بحديث عبادة بن الصامت، وفي آخره: «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (¬١).\r* وقوله: «عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ»: أي وإن كان عنده ذنوبٌ وتقصير، ما لم يكن الشركَ الأكبر، فهذا أخرجته النصوص الأخرى، كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر، الآية (٦٥)].\rثالث الفضائل: أنَّ الله يُحَرِّمُ الموحّدين على النار، واستدل بحديث عتبان ﵁: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إله إلّا الله يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ».\rوهذا الحديث له تتمة، وهو في خبر عتبان بن مالك ﵁: «حين سأل النبيّ ﷺ أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى، فعلم مَنْ حول عتبان بقدوم النبيّ ﷺ عنده فاجتمعوا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ: قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَبْتَغِى بِذَلِكَ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٤٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076563,"book_id":1139,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":2,"body":"وَجْهَ اللَّهِ» (¬١).\rتنبيه: واعلم أنَّ التحريم على النار لأهل التوحيد، يقال فيه أمران:\r١. مَنْ كان من أهل التوحيد وهو تائب من خطاياه، فيحرم على النار مطلقًا، وقد يلحق به من قالها ولم يُصِرَّ على معصيةٍ، فيُرجى أن يغفر الله ذنوبه.\r٢. مَنْ كان من أهل التوحيد وهو مُصِرٌّ على الكبائر، فيحرم على النار حُرمةَ تأبيد، فلا يخلد فيها، وأما مجرد الدخول للنار فهو تحت المشيئة، وقد دلّت النصوص الأخرى على أنَّ الله قد يُعَذِّب الموحّد ببعض ذنوبه، لكن تعذيبه لا يدوم، بخلاف المشرك والكافر بالله تعالى.\rوحينها يمكن القول بأن من يعذَّب ممن يقول: لا إله إلا الله، إما أنه لم يقلها بصدق ويقين تامّ، وإما أنه قالها واكتسب بعد ذلك سيئاتٍ رجحت على حسناته، وأضعفت صدقه ويقينه (¬٢).\rرابع الفضائل: أنَّ الموحِّدَ يثقُل توحيده في الميزان، ويرجح بما عنده من سيئات إذا قوي توحيده.\r* واستدل المصنف على هذا: بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لا إله إلّا الله، قَالَ: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَ (لا إله إلّا الله) فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لا إله إلّا الله»، وهذا يدلّ على عظم شأن هذه الكلمة.","footnotes":"(¬١) جزء من حديث أخرجه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).\r(¬٢) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٣٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076522,"book_id":1139,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":3,"body":"ومسائل غير مرتبطة بالتوحيد، وإنما أورد ما يتعلق بالباب وبالتوحيد؛ وذلك طلبًا للإيجاز، وتوحيد القصد للقارئ.\r٤. أختم الباب غالبًا بخلاصةٍ تلخص فكرة الباب في سطر أو سطرين، إلّا الأبواب الموجزة، فقد أتركها بدون خلاصة.\r٥. لم أتكلم عن المسائل التي يختم بها الشيخ الأبواب؛ لأنَّ ما كان متعلقًا منها بالباب فقد ورد الكلام عليه في الباب، وما ليس متعلقًا بالباب فليس من مقصودي، على أنَّها استنباطات نافعة وُفِّقَ لها الشيخُ ﵀، ولذا أوردتها في الحاشية، ومن أراد الكلام عنها فليراجع كتاب الشيخ عبد الله الدويش ﵀: (التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد)، حيث أفرده لشرح المسائل.\rوقد قدمت الكتاب بمقدماتٍ أربعٍ، أرى أنَّها مهمةٌ قبل الدخول في الشرح، وهي كما يلي:\rالمقدمة الأولى: في شرف علم التوحيد.\rالمقدمة الثانية: لمحة موجزة عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\rالمقدمة الثالثة: التعريف بكتاب التوحيد.\rالمقدمة الرابعة: في معنى التوحيد.\rوتحت هذه المقدمات عدة نقاط.\rوأسميت الكتاب: [بغية المستفيد في شرح كتاب التوحيد].\rوبعد؛ فهذه بضاعتي المزجاة، وبنات أفكاري، وجهد جمعي، أسوقه لك،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076566,"book_id":1139,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":3,"body":"٣ - باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب\rوقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل، الآية (١٢٠)]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون، الآية (٥٩)].\rعن حصين بن عبد الرحمن قال: «كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى اَلْكَوْكَبَ اَلَّذِي اِنْقَضَّ اَلْبَارِحَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اِرْتَقَيْتُ، قَالَ: فَمَا حَمَلكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ اَلشَّعْبِيُّ، قَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ، قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ اِنْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا اِبْنُ عَبَّاسٍ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ اَلْأُمَمُ فَرَأَيْتُ اَلنَّبِيَّ وَمَعَهُ اَلرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ اَلرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ اَلنَّاسُ فِي أُولَئِكَ- فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمْ اَلَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمْ اَلَّذِينَ وُلِدُوا فِي اَلْإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: هُمُ اَلَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076573,"book_id":1139,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":3,"body":"وفيه إثبات العين، وفي حديث ابن عباس: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ، سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» (¬١)، ولا يلزم أن يكون العائن حاسدًا، فقد يعين الإنسان نفسه وأولاده، وقد قال الله تعالى في شأن صاحب الجنتين: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف، الآية (٣٩)]. مع أنَّه يدخل جنته، ولذا قال بعض السلف: «من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله» (¬٢) وروي عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة: «أنَّه كان إذا رأى شيئًا يعجبه أو دخل حائطًا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله» (¬٣) (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢١٨٨).\r(¬٢) انظر: تفسير ابن كثير (٥/ ١٥٨)، وقال ابن كثير: هذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة، وقد روي فيه حديث مرفوع، أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده.\r(¬٣) أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، كما في الدر المنثور (٥/ ٣٩١).\r(¬٤) قرر العلماء أن دفع شرّ العائن له حالتان: أ- قبل وقوعه والإصابة بالعين، يكون بأمور:\r١ - التعوذ بالله من شرّه. ٢ - الصبر عليه.\r٣ - فراغ القلب من الاشتغال به. ٤ - الإحسان إليه ما أمكن.\r٥ - الصدقة.\r٦ - تقوى الله، والتوكل عليه، ومعرفة أنَّ الأسباب كلها بيد الله.\rب- بعد الاصابة بالعين، يكون:\r١. بالرقية.\r٢. الاستغسال: لحديث ابن عباس ﵁: «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» أخرجه مسلم (٢١٨٨)\rوطريقته: أن يتوضأ العائن، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه ويصب على المصاب ويشرب منه، وهكذا صُنِع في عهد النبيّ ﷺ لسهل بن حنيف ﵁ (أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٣٩)، وعبد الرزاق في المصنف (١٩٧٦٦)، وأحمد (٣/ ٤٨٦)، وابن ماجه (٣٥٠٩)، والنسائي في الكبرى (٧٦١٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٨٩٥)، والطبراني في الكبير (٦/ ٧٨).\r٣. أن يأخذ شيئًا مما يلي بشرته من ثيابه كاللباس على نصفه الأعلى، أو طاقيته ونحوها، ويصبّ عليها ماءً ويرش به المصاب أو يشربه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076523,"book_id":1139,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":4,"body":"وهو جهد المقل وقُدرة المفلس، فما كان في الكتاب من صواب فمن الله وحده، فهو المحمود والمستعان، وما كان فيه من خطأ فمن مصنفه ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله، فإن وجدتَ ما يُحمد فلله وحده الحمد، وإن وجدتَ ما يستدعي التنبيه والتقويم، فأخوك يفرح بالتوجيه والتسديد والتقويم.\rأسأل الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يجزي خيرًا من تفضل عليَّ بمراجعته، ومن تولى طباعته، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والسداد في القول والعمل؛ إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\r\rكتبه/\rد. منصور بن محمد الصقعوب\rM0505148411@hotmail.com","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076580,"book_id":1139,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":4,"body":"٤ - باب الخوف من الشرك\rوقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء الآية (٤٨، ١١٦)].\rوقال الخليل ﵈: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم الآية: (٣٥)].\rوفي الحديث: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ: الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، فسئل عنه، فقال: الرِّيَاءُ» (¬١).\rوعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، والبيهقي في الشعب (٦٤١٢)، والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥)، من حديث محمود بن لبيد، وجوّد إسناده المنذري، وحسنه ابن حجر، وصححه الألباني في الصحيحة (٩٥١).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٤٤٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076585,"book_id":1139,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":4,"body":"الله فيما لا يقدر عليه إلّا الله (¬١).\rب) الشرك الأصغر: وحدّه بعض العلماء بأنه كل ما كان ذريعةً إلى الأكبرِ","footnotes":"(¬١) ومن أمثلة الشرك الأكبر وصوره:\r١) شرك الدعوة -الدعاء-: قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\r٢) شرك النية والإرادة والقصد: وذلك أن ينوي بأعماله الدنيا أو الرياء أو السمعة، إرادة كلية كأهل النفاق الخُلَّص، ولم يقصد بها وجه الله والدار الآخرة، فهو مشركٌ الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦].\r٣) شرك الطاعة: وهو مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم، فالتشريع والحكم حق جعله الله لنفسه قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يُوسُف: ٤٠]، وقال سبحانه في هذا النوع من الشرك: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشّورى: ٢١]، فمن ادعى أن لأحدٍ من الناس سواءً -علماء أو حكامًا أو غيرهم- حق التشريع من دون الله أو مع الله، فقد أشرك مع الله إلهًا آخر في حق الله وحده، وكفر بما أنزل من عند الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].\rوروى ابن جرير في «تفسيره» من طريق أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟ قَالَ: «لَا، كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شيئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شيئًا حَرَّمُوهُ» وقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابن عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمَا فِي تَفْسيرِها: «إِنَّهُمُ اتَّبَعُوهُمْ فِيمَا حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا».\r٤) شرك المحبة: والمراد محبة العبودية المستلزمة للإجلال والتعظيم والذل والخضوع، التي لا تنبغي إلا لله وحده لا شريك له، ومتى صرف العبد هذه المحبة لغير الله فقد أشرك به الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ويأتي ذكر ما يتعلق بالمحبة في بابٍ خاص.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076524,"book_id":1139,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":5,"body":"المقدمة الأولى: في شرف علم التوحيد\rاعلم -وفقك الله- أنَّ من العلم ما هو من علوم الغايات، ومنه ما هو من علوم الوسائل، وإنّما يَشرُف العلم بشرف ثمرته.\rوأشرفُ علومِ الغاياتِ علمُ التوحيد والاعتقاد، فهو أساسُ الدين، وأسنى المطالب، وأشرفُ المكاسب، مَنْ ناله فهو أربحُ الناسِ صفقةً، ومَن خسِره فهو المغبون حقًّا، فبالتوحيد تطمئنُّ القلوب، وتنشرحُ الصدور، ويتميز أولياء الرحمن من أولياء الشيطان، وعلى حسب كماله تُنال ولاية الله، ويكون انشراح الصدر، وبفقده تحلّ الهموم والغموم.\rقال ابن القيم متحدثًا عن شرفِ هذا العلم، وشرفِ تعلمه:» فإنّ أولى ما يتنافسُ به المتنافسون، وأحرى ما يتسابقُ في حلبة سباقه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق هذه السعادة دليلا، وذلك العلم النافع، والعمل الصالح، اللذان لا سعادة للعبد إلّا بهما، ولا نجاة له إلّا بالتعلق بسببهما … ولمّا كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها علم أحكام أفعال العبيد» (¬١).","footnotes":"(¬١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076591,"book_id":1139,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":5,"body":"٥ - باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله\rوقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف، الآية (١٠٨)].\rعن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ لما بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ له: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنَّ لا إله إلّا الله». وفي رواية: «إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ على فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإنَّه لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (¬١).\rولهما عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يُفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاها، فَلَمَّا أَصْبَحوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ». فقيل: هو يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأْتي بِهِ، فبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076525,"book_id":1139,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":6,"body":"وتتجلى أهمية تعلم التوحيد في جوانب عديدة، منها:\r١ - أنَّه أول أمرٍ فرضه الله على نبيه ﷺ، فقد فرضه الله قبل الصلاة والصوم وبقيّة الأركان، ولا يصح إسلام عبد حتى ينطق به، ويعتقده، وهذا يجعل له مزيّة عن غيره من الأوامر.\rوتوحيد الله هو الأمر الذي خلق الله الخليقة لأجله، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، الآية (٥٦)].\rقال ابن كثير: «ومعنى الآية: أنَّه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنَّه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم» (¬١).\r٢ - وهو الأمر الذي تضافر الأنبياء على الأمرِ به، فما مِنْ نبيّ إلّا وأمر به ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]. وهم وإن اختلفت شرائعهم إلّا أنَّهم يتفقون في الأمر بتوحيد الله تعالى، قال ﷺ: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (¬٢).\r٣ - تتجلى أهمية التوحيد؛ من حيث إنَّه بتحقيقه ينال الفرد والمجتمع الأمن، أمن الدنيا، وأمن الآخرة.\r* أما أمنُ الدنيا: فإنَّ سببه الحقيقي ليس كثرة الجيوش والقوى والعتاد، وإنما توحيد الله تعالى، وفي الواقع خير شاهد على هذا.","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٥).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة، وهذا لفظ مسلم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076598,"book_id":1139,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":6,"body":"٦ - باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله\rوقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ … ﴾ [الإسراء، الآية (٥٧)].\rوقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي … ﴾ [الزخرف الآيات (٢٦ - ٢٧)].\rوقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ … ﴾ [التوبة، الآية (٣١)].\rوقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ … ﴾ [البقرة، الآية (١٦٥)].\rوفي الصحيح، عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ قَالَ: لا إله إلّا الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ﷿» (¬١).\rوشرح هذا الترجمة: ما بعدها من الأبواب (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٣) من حديث طارق بن أشيم الأشجعي.\r(¬٢) فيه أكبر المسائل، وأهمها، وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبيَّنها بأمورٍ واضحة:\r* منها: آية الإسراء بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.\r* ومنها: آية براءة بين فيها أن أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية (٣١)]. وبين أنهم لم يؤمروا إلا أن يعبدوا إلهًا واحدًا، مع أنّ تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعُباد في المعصية لا دعاؤهم إياهم.\r* ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي … ﴾ [الزخرف الآية (٢٦ - ٢٧)]. فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة، وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف، الآية (٢٨)].\r* ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة، الآية (١٦٧)]. ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبًّا عظيمًا ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكثر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!\r* ومنها قوله ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله». وهذا من أعظم ما يبين معنى «لا إله إلاّ الله»، فإنه لم يجعل التلفّظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يُعبد من دون الله، فإن شك أو توقّف لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع!","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076526,"book_id":1139,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":7,"body":"* وأما أمنُ الآخرة: فإنَّه يُنال بالدين، وأكملُ الناسِ في الآخرة أمنًا هم الموحّدون، وأقلُّهم أمنًا هم المشركون، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام الآية (٨١، ٨٢)]، وقد ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بِشركٍ، أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تُشركْ بِاللَّهِ إِنَّ الشركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟» (¬١).\rوحين تصلح عقائد الناس، ويستقيم توحيدهم، فإنَّ الله ينزل عليهم من خيراته، وعند فساد الاعتقاد يحلّ بالعباد مقتُ الله، ففي حديث عياض بن حمار ﵁، أنَّه ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ … » (¬٢)، وذلك المقت حين أطبق الشرك في الأرض.\rقال ابن تيمية: «ومن تدبّر أحوال العالم، وجد كل صلاح في الأرض، فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله ﷺ، وكل شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدوّ وغير ذلك، فسببه مخالفة الرسول ﷺ والدعوة إلى غير الله، ومن تدبّر هذا حق التدبّر، وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي غيره، عمومًا وخصوصًا، ولا حول ولا قوة إلّا بالله!» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٣٦٠)، ومسلم (١٢٤).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٥).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076609,"book_id":1139,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":7,"body":"٧ - باب من الشرك لبس الحلقة والخيط؛ لرفع البلاء أو دفعه\rوقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر، الآية (٣٨)].\rوعن عمران بن حصين ﵁: أَنَّ النبيّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: هَذِهِ مِنَ الْوَاهِنَةِ، فقَالَ: «انْزِعْهَا؛ فَإنَّها لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا؛ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» (¬١).\rوله عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ» (¬٢)، وفي رواية: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن ماجه (٣٠٣١)، وابن حبان (٦٠٨٥)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٧٢) وإسناده ضعيف، وانظر: الضعيفة (١٠٢٩).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٤)، وابن حبان (٦٠٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢٥)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٦٠)، والحاكم (٤/ ٢١٦ و ٤١٧)، من طريق مشرح بن عاهان، عن عقبة بن عامر به، وفيه مشرح ضعيف، وانظر: الضعيفة (١٢٦٦).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٦)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٨٨٥)، والحاكم (٤/ ٣٨٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٠٣): ورجال أحمد ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076527,"book_id":1139,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":8,"body":"٤ - أن ترك التوحيد يترتب عليه الوقوع في الشرك، وهنا تكمن أهميته، بخلاف غيره من العلوم كالفقه ونحوه.\r٥ - أن هذا الباب مِنْ أشد الأبواب التي سعى الشيطانُ لإغواءِ العباد فيه، وصرفِهم عن حقيقته، فما زال الشيطانُ بالناس يسعى لإيقاعهم في الشرك، حتى وقع فيه فئامٌ من الناس كثير، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن- حين ذكر وقوع الشرك في دولة بني بويه، وانتشار بعض أمور الشرك-: «فلما كان بعد زمن البخاري من عهد بني بويه الديلمي، فشا في الرافضة التجهم، وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورًا كثيرًا، وجرت حوادث عظيمة، وعُبدت الأموات في هذا المصر وغيره، حتى ادّعوا فيهم التصرف في الكون من دون الله تعالى؛ فما زال هذا الشرك يزداد حتى ملأ الأرض قاصيها ودانيها، وما زال الغرباء ينكرونه، لكنهم أقلُّ القليل لا يُسمع لهم، ولا يطاع» (¬١).\rوجوانب أهمية التوحيد كثيرة جدًا، وما ذكرته إنّما هو إشارةٌ يسيرةٌ جدًا، ولأجل هذا كان لزامًا على طالب العلم أن يعتني بتعلم التوحيد، وأن يعلِّمه غيره من عامة الناس وخاصتهم، لا سيّما في هذه الأزمان المتأخرة التي كثرت فيها الشبهات، وتعددت أسباب الانحراف والزيغ، ورأينا من وقع في خوارم التوحيد أو مبطلاته، برغم أنَّ البعض ربما يظن أنَّه عرف التوحيد فلا يحتاج لدراسته، ولكن حينما تأتي المحكّات تتبين الحقائق.\rوحين نقول: «علم الاعتقاد» فإن المراد أمران:\rالأول: علم توحيدِ العبادة، وهو ما يُعرَف باسم التوحيد، ويتناول توحيد الألوهية، والربوبية.","footnotes":"(¬١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٥١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076620,"book_id":1139,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":8,"body":"٨ - باب ما جاء في الرقى والتمائم\rفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁: «أنَّه كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ» (¬١).\rوعن ابن مسعود ﵁، قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (¬٢).\rوعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» (¬٣).\rالتمائم: شيء يُعَلّق على الأولادِ يتّقون به العين، ولكن إذا كان المعلّق","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥).\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، وأحمد (١/ ٣٨١)، وأبو يعلى (٥٢٠٨)، وابن حبان (١٤١٢)، والبغوي (٣٢٤٠)، والحاكم (٤/ ٤١٧)، وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصواب: وقفه، فهي رواية الأكثر، ومع هذا فثبوته عن الصحابي مع كونه مما لا مجال للرأي فيه يجعلنا نحتج به، وله حكم الرفع، والله أعلم، والحديث صححه الألباني في الصحيحة (٣٣١).\r(¬٣) أخرجه الترمذي (٢٠٧٢)، وأحمد (٤/ ٣١٠ - ٣١١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٣)، والحاكم (٧٥٠٣)، والبيهقي (٩/ ٣٥١)، وحسنه الألباني في غاية المرام (٢٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076528,"book_id":1139,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":9,"body":"وهذا العلم ألّف فيه كثيرًا، ومما ألف فيه: هذا الكتاب.\rالثاني: علمُ الاعتقاد العام، ويشمل جُلَّ مسائلِ الاعتقاد مما يجب على المسلم اعتقاده: الأسماء والصفات، والإيمان، والقضاء والقدر، والكرامات، ونحوها من مسائل الاعتقاد التي يذكرها العلماء في عقائدهم.\r* وقد صنَّف العلماء في هذا وأكثروا، ولم يكن ذلك حكرًا على مذهب معين، بل لكل المذاهب الأربعة عناية في هذا، ولعل من أشهر ما يتدوال من المتون في هذا:\r١. عقيدة الإمام الطحاوي، وشرحها، لابن أبي العز الحنفي.\r٢. مقدمة ابن أبي زيد القيرواني في الاعتقاد، لابن أبي زيد المالكي.\r٣. العقيدة الواسطية، لابن تيمية الحنبلي.\r٤. عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للصابوني الشافعي.\rوقد صنف العلماء كتبًا سموها باسم [التوحيد] كالتوحيد لابن خزيمة، ولابن منده، وغيرها، وهي في إثبات الأسماء والصفات، حيث يذكرون فيها صفات الله تعالى والرد على من نفاها، ووجه تسمية السلف كتبهم المؤلفة في إثبات الصفات كتب التوحيد؛ لأنَّ نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع وجحد له، وإنما توحيده إثبات صفات كماله وتنزيهه عن التشبيه والنقائص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076635,"book_id":1139,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":9,"body":"٩ - باب من تبّرك بشجر أو حجر أو نحوهما\rوقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم، الآية (١٩)].\rعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ أَكْبَرُ، إنَّها السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)]. لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ «(¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٤/ ٢١٨)، والطيالسي (١٣٤٦)، والحميدي (٨٤٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٥/ ١٠١)، والطبري في التفسير (٩/ ٤٥)، وابن حبان (٦٧٠٢)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في ظلال الجنة (٧٦).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية النجم. الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوه. الثالثة: كونهم لم يفعلوا.\rالرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك؛ لظنهم أنه يحبه. الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل.\rالسادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.\rالسابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: «الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم» فغلَّظ الأمر بهذه الثلاث.\rالثامنة: الأمر الكبير، وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)].\rالتاسعة: أنّ نفي هذا معنى (لا إله إلا الله)، مع دقته وخفائه على أولئك. العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.\rالحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا.\rالثانية عشرة: قولهم: «ونحن حدثاء عهد بكفر» فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافًا لمن كرهه. الرابعة عشرة: سد الذرائع. الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية. السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.\rالسابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: «إنها السنن». الثامنة عشرة: أن هذا عَلم من أعلام النّبوة؛ لكونه وقع كما أخبر.\rالتاسعة عشرة: أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.\rالعشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما «من ربك»؟ فواضح، وأما «من نبيك»؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما «ما دينك»؟ فمن قولهم: «اجعل لنا … » إلخ.\rالحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.\rالثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يُؤمَن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة؛ لقوله: «ونحن حدثاء عهد بكفر».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076529,"book_id":1139,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":10,"body":"المقدمة الثانية: لمحةٌ موجزةٌ عن حياة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب\rحينما يتحدث أحدٌ عن أحدٍ، فإنَّ ثمة سلسلةً طويلة من التعريفات بالشخصية، كالاسم والنشأة، والشيوخ، وطلبه للعلم، ونحو ذلك.\rوأما أنا فسأُعرض عن كثير من هذه المقدمات المعتادة؛ لشهرتها، وإذا طلبها المرء وجدها مبثوثه في ترجمة الشيخ، وسأذكر بعض الأمور والمعالم، مما أرى أنَّ لها أثرًا في حياة الشيخ ينبغي أن تُجلَّى.\rأولًا: ولد الشيخ عام (١١١٥ هـ)، أي: أنَّه عاش في القرن الثاني عشر الهجري، وهذا القرنُ كان وقتَ تفرّقٍ وضعفٍ للدولة العثمانية، وتشتت للمسلمين، حتى عبّر الجبرتي في تاريخه عن حال الدولة آنذاك بقوله: «يضيقُ صدري ولا ينطلق لساني، وليس الحالُ بمجهولٍ حتى يُفصِحَ عنه اللسان بالقول، وقد أخرسني العجزُ أن أفتح فمًا، أفغير الله أبتغي حَكمًا» (¬١).\rوقال الصنعاني في مقدمة كتابه: [تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد] متحدثًا عن ذلك الزمان، وذاكرًا سبب تأليفه للكتاب: «وجب عليَّ تأليفُه، وتعيَّن عليَّ ترصيفه؛ لما رأيته وعلمته يقينًا من اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار","footnotes":"(¬١) عجائب الآثار في التراجم والأخبار، للجبرتي (١/ ٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076650,"book_id":1139,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":10,"body":"١٠ - باب ما جاء في الذبح لغير الله\rوقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ … ﴾ [الأنعام، الآيات (١٦٢ - ١٦٣)]. وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر، الآية (٢)].\rعن علي ﵁ قال: «حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» (¬١).\rوعن طارق بن شهاب (¬٢)، أن رسول الله ﷺ قال: «دَخَلَ اَلْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ وَدَخَلَ اَلنَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُهُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ اَلنَّارَ، وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اَللَّهِ ﷿، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ؛ فَدَخَلَ اَلْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (¬٣) (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٩٧٨).\r(¬٢) في كل مصادر التخريج: طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَلْمَانَ. به. وانظر: الضعيفة (١٢/ ٧٢٣).\r(¬٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٠٣٨)، وأحمد في الزهد (ص: ١٥)، والبيهقي في الشعب (٦٩٦٢)، والخطيب في الكفاية (ص: ١٨٥)، والصحيح وقفه على سلمان. انظر: العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (١/ ٢٤٠)، الضعيفة (٥٨٢٩).\r(¬٤) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي … ﴾. الثانية: تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.\rالثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله. الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك.\rالخامسة: لعن من آوى محدِثًا، وهو الرّجل يحدث شيئًا يجب فيه حق الله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك.\rالسادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تُفرِّق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير.\rالسابعة: الفرق بين لعن المعيّن، ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم. الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.\rالتاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلُّصًا من شرهم.\rالعاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل، ولم يوافقهم على طلبهم، مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر؟\rالحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرًا لم يقل: «دَخَلَ اَلنَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ».\rالثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ». (البخاري ٦٤٨٨ من حديث ابن مسعود).\rالثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076530,"book_id":1139,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":11,"body":"الإسلام» (¬١).\r* وقد كان التصوف والوقوع في الشركيات بالغًا مبلغه في الناس في ذلك الوقت، وقد أفاض المؤرخون في ذكر أحوال الناس في هذا الواقع.\r* كل هذا يؤكد أن الناس في ذلك الزمن قد ابتعد فئامٌ منهم عن التوحيد، ووقعوا في خوارمه، والشركيات، من تعظيم القبور، والتقرب لها، والتبرك بها، والسحر، وغير ذلك.\r* ولم تكن الجزيرة خالية من هذه الشرور، بل كانت كغيرها فيها القبور والأضرحة وغير ذلك، وقد ذكر ابن بشر: «أنَّ انتقال البدع والشرك لنجد كان على يد طائفة من الأعراب، كانوا ينزلون حول القرى في فصل الصيف، ويتطببون لأهلها بالذبح للجن ونحوه، فشاع الأمر بين الناس، ساعد على ذلك الجهل، وانصراف الحكام إلى الصراع على السلطة، والله المستعان» (¬٢).\rقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «وقد عمّت في زمنه البلوى بعبادة الأولياء والصالحين وغيرهم، وأطبق على ترك الإسلام جمهور أهل البسيطة؛ وفي كل مصرٍ من الأمصار، وبلدٍ من البلدان، وجهة من الجهات، من الآلهة والأنداد لرب العالمين، ما لا يحصيه إلا الله، على اختلاف معبوداتهم، وتباين اعتقاداتهم: فمنهم من يعبد الكواكب، ويخاطبها بالحوائج، ويبخر لها التبخيرات، ويرى أنها تفيض عليه، أو على العالم، وتقضي لهم الحاجات، وتدفع عنهم البليات.","footnotes":"(¬١) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، للصنعاني (ص: ٤٨).\r(¬٢) عنوان المجد في تاريخ نجد (١/ ٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076663,"book_id":1139,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":11,"body":"١١ - باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله\rوقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة، الآية (١٠٨)].\rعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: «نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانٍ اَلْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، ومن طريقه: البيهقي في الكبرى (١٠/ ٧٧)\rقال ابن عبد الهادي: حسن صحيح. الصارم المنكي (٣٠٩)، وقال ابن تيمية في الاقتضاء (١/ ٤٩٠): أصلُ هذا الحديث في الصحيحين، وهذا إسناد على شرطهما ورجال إسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٥١٨) والحافظ في التلخيص (٢/ ٣٣١)، وفي البلوغ (١/ ٢٨٧)، والألباني في تحقيق المشكاة (٣٤٣٧)\rوله شاهد من حديث ابن عباس عند ابن ماجه (٢١٣٠) بسند حسن، ومن حديث ميمونة بنت كردم عن أبيها، عند أحمد (٣/ ٤١٩) وابن ماجه (٢١٣١).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة، الآية (١٠٨)]. الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذا الطاعة.\rالثالثة: رد المسألة المُشْكلة إلى المسألة البيِّنة ليزول الإشكال. الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.\rالخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله.\rالسابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله. الثّامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية.\rالتاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده. العاشرة: لا نذر في معصية. الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076531,"book_id":1139,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":12,"body":"ومنهم من لا يرى ذلك، ويكفِّرُ أهله، ويتبرأ منهم، لكنه قد وقع في عبادة الأنبياء، والصالحين؛ فاعتقد أنه يستغاث بهم في الشدائد والملمات، وأنهم هم الواسطة في إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فتراه يصرف وجهه إليهم، ويسوي بينهم وبين الله في الحب والتعظيم، والتوكل والاعتماد، والدعاء والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادات، وهذا هو: دين جاهلية العرب الأميين، كما أن الأول هو دين الصابئة الكنعانيين» (¬١).\r* كل هذا مما جعل الشيخ ﵀ يجتهد في الدعوة إلى التوحيد.\rقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وقد أخبرنا شيخنا ﵀ يعني: محمد بن عبد الوهاب- أنَّه كان في ابتداء طلبه للعلم وتحصيله في فنّ الفقه وغيره، لم يتبيّن له الضلال الذي كان الناس عليه من عبادة غير الله من جِنّ أو غائب، أو طاغوت، أو شجر أو حجر، أو غير ذلك، ثم إنَّ الله جعل له نَهمةً في مُطالعة كتب التفسير والحديث، وتبيَّن له من معاني الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة أنَّ هذا الذي وقع فيه الناس من هذا الشرك، أنَّه الشرك الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه، وأنَّه الشرك الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه، فبحث في هذا الأمر مع أهله وغيرهم من طلبة العلم، فاستنار قلبه بتوحيد الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، فأعلن بالدعوة وبذل نفسه لذلك على كثرة المخالفين، وصبر على ما ناله من الأذى العظيم في ابتداء دعوته، فلما اشتهر أمره، أجلبوا عليه بالعداوة، خصوصًا العلماء والرؤساء، وحرصوا على قتله، فأتاح الله له من ينصره، على قِلَّةٍ منهم وحاجةٍ، وتصدى لحربهم القريب والبعيد، واستجلبوا على","footnotes":"(¬١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٤٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076670,"book_id":1139,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":12,"body":"١٢ - بابٌ من الشرك النذر لغير الله\rوقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان، الآية (٠٧)]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة، الآية (٢٧٠)].\rوفي الصحيح عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالنذر لغة: الإيجاب والإلزام.\rوشرعًا: إلزامُ المكلّفِ نفسه لله شيئًا لم يجب عليه بأصل الشرع.\rوالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مرادُ المصنف بالباب، ومناسبة الباب لكتاب التوحيد:\rبيَّن المصنف في الباب الأدلة على أنَّ النذر عبادة، وإذا كان كذلك فصرفُه لغير الله شركٌ أكبر ينافي التوحيد، ومعلوم أنَّ ضابط الشرك الأكبر: أن يصرف","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٦٦٩٦).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: وجوب الوفاء بالنذر. الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غيره شرك. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076532,"book_id":1139,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":13,"body":"حربهم الدول» (¬١).\r* وقد استمر الشيخ داعيًا إلى التوحيد ونبذ الشرك، ولقي في ذلك العنت والحرب والعداء، حتى توفاه الله على ذلك.\rثانيًا: لم يكن الشيخ وحده عالم ذلك الزمان، بل كان في بلاد المسلمين علماء كثر في كل صقعٍ من بلاد المسلمين، عن بعضهم أخذ الشيخُ الاعتقاد، لكن هؤلاء العلماء انقسموا إلى قسمين:\r١. قسمٌ صمت عن الواقع، مؤثرًا السلامة، مقصّرًا في واجب النصح للأمة، وأسبابُ الصمت عن بيان الحق للناس عديدة، وليس بنا أن نتكلم عن المقاصد والأسباب؛ فالله أعلم بحال عباده.\r٢. قسمٌ دعوا للحق، وأمروا الناس بنبذ مظاهر الشرك بالله، وهؤلاء منهم من نُقِلت مواقفه، ومنهم من لم تُذكر، لكنَّ حُسْنَ الظنِّ بالعلماء أنَّ منهم من كان ينكر، ولكن القبول والشيوع والثبات على الحقّ يتفاوت فيه الناس.\r* ومِن هؤلاء العلماء الذين نصحوا ودعوا للتوحيد: أحدُ علماء الأزهر، ذكره الجبرتي في تاريخه، حيث ذكر عن هذا العالِم الواعظ أنَّه جلس بجامع المؤيد، فكثر عليه الجمع وازدحم المسجد وأكثرهم أتراك، ثم انتقل من الوعظ وذكر ما يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء، وإيقادِ الشموع والقناديل على قبور الأولياء، وتقبيل أعتابهم، وفِعل ذلك كفرٌ يجب على الناس تركه، وعلى ولاةِ الأمور السعيُ في إبطال ذلك، وحصل اضطراب عند العامة كبير، وتبعه العامة، فسعى في إيقافه شيخان، وحصلت أمورٌ كثيرة، حتى أمر الأمير","footnotes":"(¬١) المطلب الحميد في بيان مقاصد التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن (ص: ١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076677,"book_id":1139,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":13,"body":"١٣ - باب من الشرك الاستعاذة بغير الله\rوقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن، الآية (٦)].\rوعن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتحلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على هذا الباب في عدة مسائل:\rالمسألة الأولى: معنى الترجمة والمراد بها:\rالاستعاذة لغة: الالتجاءُ والاعتصامُ والتحرّز، وحقيقتها: الهربُ من شيء تخافه","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٧٠٨).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية الجن. الثانية: كونه من الشرك.\rالثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأنّ العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأنّ الاستعاذة بالمخلوق شرك.\rالرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.\rالخامسة: أن كون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية -من كف شر أو جلب نفع- لا يدل على أنه ليس من الشرك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076533,"book_id":1139,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":14,"body":"بنفي الواعظ من البلد، والله المستعان (¬١).\r* ولأنَّ بعض الحكومات آنذاك قد تولت الحرب على الدعوة الوهابية، فلقد توارى كثير من العلماء عن الصدع بالحقّ، ولكن كان منهم من صدع بالحقّ، ودعا إلى التوحيد ونبذ الشرك، وهم كثير، ومنهم:\r* مُلاّ أحمد بن الكولة، وهو في الموصل، وكان مؤيدًا لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأوذي في ذلك حتى مات سنة (١١٧٠ هـ).\r* وأما بعد ذلك، فقد كثر العلماءُ الصادعونَ بالتوحيد في جميع الأقطار، ومنهم:\r* أحمد بن عرفان الشهيد في الهند، توفي سنة (١٢٤٦ هـ)، وهو صاحب الحركة المعروفة للجهاد ونبذ الخرافات، قال الشيخ عبد الحي الحسيني عنه: «فأحيا كثيرًا من السنن المماتة، وأمات عظيمًا من الأشراك والمحدثات، فتعصّب أعداء الله ورسوله في شأنه وشأن أتباعه، حتى نسبوا طريقته إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولقبوهم بالوهابية» (¬٢).\r* محمود شكري الآلوسي في العراق، توفي سنة (١٣٤٢ هـ)، وقد عاداه أهل البدع حينها، وكتبوا به إلى والي بغداد، فكتب به إلى السلطان عبد الحميد الثاني، فصدر الأمر بنفيه إلى بلاد الأناضول، وحين وصل إلى الموصل سعى أهلها لإعادته إلى بغداد، فأذن له (¬٣).","footnotes":"(¬١) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (١/ ٨٣)، وقد ساق الجبرتي القصة بتمامها.\r(¬٢) الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام، المسمى: نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر (٧/ ٩٠١).\r(¬٣) أعلام العراق (ص: ١٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076685,"book_id":1139,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":14,"body":"١٤ - باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره.\rوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس، الآيات (١٠٦ - ١٠٧)]. وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت، الآية (١٧)].\rوقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف، الآيات (٥ - ٦)]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل، الآية (٦٢)].\rوروى الطبراني بإسناده: «أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ اَلنَّبِيّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ من هذا المنافق، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَلله ﷿» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧)، والطبراني -كما في جامع المسانيد لابن كثير (٥٧٨٠) -، واللفظ للطبراني، والحديث سنده ضعيف، مدار الحديث على ابن لهيعة، وهو ضعيف.\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.\rالثانية: تفسير قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس، الآية (١٠٦)]. الثالثة: أنّ هذا هو الشرك الأكبر.\rالرابعة: أن أصلح الناس لو فعله إرضاءً لغيره صار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.\rالسادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا، مع كونه كفرًا. السابعة: تفسير الآية الثالثة.\rالثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه. التاسعة: تفسير الآية الرابعة.\rالعاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه.\rالثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.\rالرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة. الخامسة عشرة: أن هذه الأمور سبب كونه أضل الناس.\rالسادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.\rالسابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان بأنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.\rالثامنة عشرة: حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد، والتأدب مع الله ﷿.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076534,"book_id":1139,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":15,"body":"* الشيخ عبد القادر بن بدران في الشام، وكان داعية إلى الحقّ والتوحيد، وقد أوذي في ذلك كثيرًا، حتى توفي سنة (١٣٤٦ هـ)، ومما يبين عداءَ أهل البدع له ولدعوته قول الشيخ علي الطنطاوي ﵀: «ولقد عوقبتُ مرةً في المدرسة؛ لأنَّهم أمسكوني بالجُرمِ المشهود في حلقة الشيخ عبد القادر بدران» (¬١).\r* أبو بكر محمد خوقير مفتي الحنابلة في مكة، وسجن لذلك سنوات طوال، توفي سنة (١٣٤٩ هـ).\r* الشيخ حسن الرزق في حماة، توفي سنة (١٣٣٠ هـ)، وغيرهم كثير (¬٢).\rثالثًا: قد أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ جماعة من المثقفين، منهم مستشرقون، ومنهم علماء مسلمون، ومن ذلك ما كتبه المستشرق الأمريكي ستودارد، مؤلف: [حاضر العالم الإسلامي] الذي علّق عليه الأمير شكيب أرسلان، حيث قال في الفصل الأول من الكتاب في اليقظة الإسلامية في القرن الثامن عشر: «كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدلي والانحطاط أعمق درك، فاربدّ جوّه، وطبقت الظلمة كُلَّ صقع من أصقاعه، ورجًا من أرجائه، وانتشر فيه فسادُ الأخلاق والآداب … إلى أن قال: وأما الدين، فقد غشيته غاشية سوداء، فأُلبِسَت الوحدانية التي علّمها صاحبُ الرسالة الناس سخفًا من الخرافات، وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين،","footnotes":"(¬١) ذكريات الطنطاوي (١/ ٧٨).\r(¬٢) انظر: الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، للدكتور علي الزهراني (١/ ٢٠٩ وما بعدها).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076700,"book_id":1139,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":15,"body":"١٥ - باب قول الله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف، الآيات (١٩١ - ١٩٢)]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر، الآية (١٣)].\rوفي الصحيح، عن أنس ﵁ قال: «شُجَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهِمْ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران، الآية (١٢٨)]» (¬١).\rوفيه عن ابن عمر ﵄: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ فِي اَلرَّكْعَةِ اَلْأَخِيرَةِ مِنَ اَلْفَجْرِ: «اَللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا، بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اَلله لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اَللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾».\rوَفِي رِوَايَةٍ: «يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾» (¬٢).\rوفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً","footnotes":"(¬١) علقه البخاري (٥/ ٩٩) بصيغة الجزم، ووصله مسلم (١٧٩١).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٤٠٦٩)، وأخرجه مسلم (١٧٩١) من حديث أنس بسياق آخر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076535,"book_id":1139,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":16,"body":"يخرجون من مكان إلى مكان، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.\rوغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يُشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهُتِكت سُتُر الحُرمات على غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، وعلى الجملة: فقد بُدِّل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطًا بعيد القرار.\rفلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدعي الإسلام، لغضب، وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يعلن المرتدون، وعبدة الأوثان.\rوفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومُدلج في ظلمته، إذا بصوت يدوّي من قلب صحراء شبه الجزيرة مَهد الإسلام، يوقظ المؤمنين، ويدعوهم إلى الإصلاح، والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، فكان الصارخ: هذا الصوت، إنما هو المصلح المشهور الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، الذي أشعل نار الوهابية، فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها، إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي.\rثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس، واستعادة المجد الإسلامي القديم، والعز التليد تبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام» (¬١).","footnotes":"(¬١) محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه، للشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي (ص: ١٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076710,"book_id":1139,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":16,"body":"١٦ - باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ، الآية (٢٣)].\rفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كأنَّه سلْسِلَة عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضه فَوْقَ بَعْضٍ - وصفه سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَه الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعت مِنَ السَّمَاءِ» (¬١).\rوعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اَللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ اَلسَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ -أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ- خَوْفًا مِنْ اَللَّهِ ﷿، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ اَلسَّمَوَاتِ، صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ اَللَّهُ مِنْ وَحَيِّهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى اَلْمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ، سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٤٨٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076536,"book_id":1139,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":17,"body":"بل إنَّ طه حسين الكاتب المعروف بتوجهه، كتب عن الشيخ بقوله: «إنَّ الباحث عن الحياة العقلية والأدبية في جزيرة العرب، لا يستطيع أن يهمل حركة عنيفة، نشأت فيها أثناء القرن الثامن عشر، فلفتت إليها العالم الحديث في الشرق والغرب، واضطرته أن يهتم بأمرها، وأحدثت فيها آثارًا خطيرة، هان شأنها بعض الشيء ولكنها عادت، فاشتدت في هذه الأيام، وأخذت تؤثر لا في الجزيرة وحدها، بل في علاقاتها بالأمم الأوربية، هذه الحركة هي: حركة الوهابيين، التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب، شيخ من شيوخ نجد».\rثم ذكر نزرًا يسيرًا عن نشأة الشيخ، ورحلاته العلمية ودعوته إلى أن قال: «قلت: إنَّ هذا المذهب الجديد قديم معنى، والواقع أنَّه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر؛ لأنَّه ليس إلّا الدعوةَ القوية إلى الإسلام الخالص، النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام، كما جاء به النبيّ ﷺ خالصًا لله، مُلغيًا كل واسطة بين الله وبين الناس، هو إحياء للإسلام العربي (¬١)، وتطهير له، مما أصابه من نتائج الجهل، ومن نتائج الاختلاط بغير العرب».\rهذا طرفٌ مما كتبه الخصوم، فأمّا ما كبته العلماء والمصلحون فكثير وهو الأصل.\rوسأكتفي بنقل موجز واحد في الشيخ المجدد، لعالم من علماء الشام آنذاك، وهو العلامة عبد القادر بن بدران، حيث قال عنه: «العالم الأثري والإمام الكبير محمد بن عبد الوهاب ﵀».","footnotes":"(¬١) كذا قال، ولا يوافق على هذا؛ فالإسلام دين أهل الأرض جميعًا، ولا يختص بجنس أو بلد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076718,"book_id":1139,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":17,"body":"١٧ - باب الشفاعة\rوقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام، الآية (٥١)]. وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر، الآية (٤٤)].\rوقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة، الآية (٢٥٥)].\rوقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم، الآية (٢٦)].\rوقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ … ﴾ [سبأ، الآيات (٢٢ - ٢٣)].\rقال أبو العباس: «نفى الله عما سواه كلَّ ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره مُلك أو قسط منه، أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيَّن أنَّها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء، الآية (٢٨)]، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون أنَّها لهم، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبيّ ﷺ «أنَّه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تُشفع» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس، وأخرجه البخاري عن غيره أيضًا.\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076537,"book_id":1139,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":18,"body":"ثم تكلم عن طلبه للعلم، ثم قال: «ولما امتلأ وِطابهُ من الآثار وعلم السنة، وبرع في مذهب أحمد، أخذ ينصر الحق، ويحارب البدع، ويقاوم ما أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنفي والشريعة السمحاء، وأعانه قوم أخلصوا العبادة لله وحده، على طريقته التي هي إقامة التوحيد الخالص والدعاية إليه، وإخلاص الوحدانية والعبادة كلها بسائر أنواعها لخالق الخلق وحده، فحبا إلى معارضته أقوامٌ أَلِفوا الجمودَ على ما كان عليه الآباء، وتدرعوا بالكسل عن طلب الحق، وهم لا يزالون إلى اليوم يضربون على ذلك الوتر، وجنودُ الحقِّ تُكافحهم، فلا تبقي منهم ولا تذر، وما أحقهم بقول القائل (¬١):\rكناطحٍ صخرة يومًا ليوهنها … فلم يضرها، وأعيا قرنه الوعل\rولم يزل مثابرًا على الدعوة إلى دين الله تعالى حتى توفاه الله تعالى» (¬٢).\r-رحم الله الشيخ رحمة واسعة، وجميع علماء المسلمين-.\rرابعًا: مما تميزت به دعوة الشيخ ﵀: ارتباطها الوثيق بالكتاب والسنة، فلا يذكر أمرًا إلّا ويسوق عليه الدليل، ومن نظر في كتبه أدرك ذلك بجلاء.\rفأشهر كتبه، مثلًا وهو كتاب التوحيد -الذي يدور حديثنا عليه- كله نصوص من آيات وأحاديث، وهذا يبين أنَّه لم يأتِ بجديد.\rلكن المُشَغِّبينَ على الشيخ ودعوته من بعض الصوفية والخرافية وأضرابهم، يشيعون أنَّه مخالفٌ لما عليه العلماء، وكل هذا محضُ افتراء، وما زالوا ينسجون عنه الأكاذيب تلو الأكاذيب؛ ليشوهو سمعته، ويصرفوا الناس عن","footnotes":"(¬١) القائل هو الأعشى. انظر: جامع بيان العلم (٢/ ١١١٣)، محاضرات الأدباء (١/ ٣١١).\r(¬٢) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، لابن بدران (ص: ٤٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076727,"book_id":1139,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":18,"body":"١٨ - باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص الآية (٥٦)].\rفي الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ اَلْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ الله ﷺ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ أَبِي أُمِّيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ، قُلْ: لا إله إلّا الله، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اَللَّهِ، فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ اَلنَّبِيُّ ﷺ، فَأَعَادَا، فَكَانَ آخَرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لا إله إلّا الله فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة، الآية (١١٣)]».\rوأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص، الآية (٥٦)] (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٨٨٤)، ومسلم (٢٤).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص، الآية (٥٦)].\rالثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة، الآية (١١٣)].\rالثالثة وهي المسألة الكبرى: تفسير قوله ﷺ: «قل: لا إله إلا الله» بخلاف ما عليه من يدعي العلم.\rالرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ، إذا قال للرجل: «قل: لا إله إلا الله». فقبَّح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.\rالخامسة: جِدُّه ﷺ ومبالغته في إسلام عمه. السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.\rالسابعة: كونه ﷺ استغفر له فلم يُغفر له، بل نُهي عن ذلك. الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.\rالتاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر. العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك؛ لاستدلال أبي جهل بذلك.\rالحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها لنفعته.\rالثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهما لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته هـ وتكريره، فلأجل عظمها ووضوحها عندهم، اقتصروا عليها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076538,"book_id":1139,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":19,"body":"دعوته، ومن طالع بعض كتبهم وما ذكروا عنه من كذبٍ، علم أن القوم قد فجروا في الخصومة، وافتروا في الدعوى، فاتهموه بأبشع الأمور، حتى اتهموه بالعظائم، ورموه بالكبائر، ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076734,"book_id":1139,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":19,"body":"١٩ - باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهِم دينَهم هو الغلو في الصالحين\rوقول الله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة، الآية (٧٧)].\rفي الصحيح، عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح، الآية (٢٣)]. قال: «هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى اَلشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصُبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ اَلَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ اَلْعِلْمُ عُبِدَتْ» (¬١).\rوقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: «لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم» (¬٢).\rوعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْد، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» (¬٣).\rوقال: قال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٤٩٢٠).\r(¬٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٨٤).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٣٤٤٥)، وأخرج مسلم أصله وليس فيه هذا اللفظ. انظر رقم (١٦٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076539,"book_id":1139,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":20,"body":"المقدمة الثالثة:\rالتعريف بكتاب التوحيد\rكتابُ التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب لقي حظوةً واسعة عند العلماء مِنْ يوم أن صُنِّفَ، فقد شُرِحَ كثيرًا، وعُنِيَ الناسُ بحفظه، ومُدارسته، وقد ألّفه الشيخ ﵀ حين كان بالبصرة مرتحلًا لطلب العلم (¬١).\rقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «فموضوعه -أي: كتاب التوحيد- في بيان ما بعث به الله رسله، من توحيد العبادة، وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه» (¬٢).\rوقال أيضًا: «وقد ابتدأ المصنِّف ﵀ هذا المصنَّف العظيم ببيان توحيد الإلهية؛ لأن أكثر الأمة ممن تأخر قد جهلوا هذا التوحيد، وأتوا بما ينافيه من الشرك والتنديد، فقام ببيان التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونهوهم عما كانوا عليه من الشرك المنافي لهذا التوحيد» (¬٣).","footnotes":"(¬١) ذكر ذلك حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن. الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٢/ ٧).\r(¬٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص: ٥).\r(¬٣) قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين (ص: ٢٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076744,"book_id":1139,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":20,"body":"٢٠ - باب ما جاء من التغليظ فيمن\rعبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟\rفي الصحيح عن عائشة: «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اَلله ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ اَلْحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنْ اَلصُّوَرِ، فَقَالَ: أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمْ اَلرَّجُلُ اَلصَّالِحُ أَوْ اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ اَلصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ اَلْخَلْقِ عِنْدَ اَلله» (¬١)، فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.\rولهما، عنها، قالت: «لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اِغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اَللَّهُ عَلَى اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا». أخرجاه (¬٢).\rولمسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اَلله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ اِتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).\r(¬٢) أخرجه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076540,"book_id":1139,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":21,"body":"وثمة أمورٌ أشير إليها مما يتعلق بالكتاب.\r\rأولًا: مِنْ أشهر ما تميز به الكتاب:\r١. اعتماده على النص من القرآن والسنة، وهما محلُّ اتفاق بين المسلمين، فليس في الكتاب كلام للشيخ إطلاقًا، إلّا إن كان التبويب أو المسائل.\r٢. أنَّه حوى أهم المسائل التي وقع فيها الخلل عند طوائف من المسلمين آنذاك وإلى الآن، وهي: (خوارم التوحيد من خصال الشرك الأكبر، ومنقصاتُه من خصال الشرك الأصغر).\r٣. اختصاره بالنسبة لغيره من الكتب التي صُنِّفت في الاعتقاد.\r٤. ليس في الكتاب حديثٌ موضوع، وإنّما فيه الصحيح والحسن، وفيه الضعيف الذي تشهد له الشواهد من الكتاب أو السنة.\r٥. أنَّ الشيخ اعتنى بتحريره غاية العناية، وجعله أصلًا يتداوله العلماء في البلدان، ويتدارسه الناس في المساجد، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «فيلزم الأمير أن يأمر على جميع المدرسين، وأئمة المساجد بالحضور عند من يعلمهم دينهم، ويلزمهم القراءة فيما جمعه شيخنا ﵀ في [كتاب التوحيد] من أدلة الكتاب والسنة، التي فيها الفرقان بين الحق والباطل، فقد جمع على اختصاره خيرًا كثيرًا، وضمنه من أدلة التوحيد ما يكفي من وفقه الله، وبين فيه الأدلة في بيان الشرك الذي لا يغفره الله» (¬١).\r\rثانيًا: موضوع كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب:\rهذا الكتاب ضمّنه مؤلفه أنواع التوحيد الثلاثة، إلّا أنَّ جُلّ أبوابِ الكتاب","footnotes":"(¬١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٤/ ٣٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076756,"book_id":1139,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":21,"body":"٢١ - باب ما جاء أن الغلو في قبور\rالصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله\rروى مالكٌ في الموطأ، أن رسول الله ﷺ قال: «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اَللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اِتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (¬١).\rولابن جرير بسنده، عن سفيان، عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم، الآية (١٩)]. قال: «كَانَ يَلُتُّ لَهُمْ اَلسَّوِيقَ، فَمَاتَ، فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ» (¬٢).\rوكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: «كَانَ يَلُتُّ اَلسَّوِيقَ لِلْحَاجِّ» (¬٣).\rوعن ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ اَلْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ","footnotes":"(¬١) أخرجه مالك في الموطأ (٨٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧٥٤٤ - ١١٨١٩)، وعبد الرزاق في المصنف (١٥٨٧) من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ، مرسلًا.\rوله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٤٦)، الحميدي (١٠٢٥)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٤١)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٤٣)، وسنده حسن.\r(¬٢) أخرجه الطبري في التفسير (٢٢/ ٤٨).\r(¬٣) أخرجه الطبري في التفسير (٢٢/ ٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076541,"book_id":1139,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":22,"body":"تدور حول توحيد الألوهية، وإنما اعتنى الشيخ بهذا لأمور:\rأ) أنَّ هذا النوع من التوحيد هو مدار الخلاف بين النبيّ ﷺ وبين المشركين في أول عهد الإسلام.\rب) أنَّ هذا النوع هو الذي وقعت فيه المخالفة من الناس في عهد الشيخ ﵀.\rج) أنَّه أهمُ أنواعِ التوحيد، إذ يخرج المرءُ بمخالفته من الإسلام.\r* ولأجل كل هذا اعتنى الشيخ بهذا النوع، وأكثر من ذكر فروعه ومسائله.\r\rثالثًا: طريقته فيه:\r١. أنَّه ابتدأ ببيان التوحيد، وفضله، ومعناه، والدعوة إليه، والتحذير من نقيضه وهو الشرك.\r٢. ذكر بعد ذلك جملة من الأبواب في الردِّ على من تعلّق بغيرِ الله من تمائم ورقى وشفعاء، وغير ذلك.\r٣. ذكر بعد ذلك جملة من الأبواب عن أمور مناقضة للتوحيد من أصله، أو لكماله كالسحر والكهانة والاستسقاء بالأنواء والتطير، ونحو ذلك.\r٤. ذكر بعد ذلك جملة من الأبواب المكملة للتوحيد، إما من باب الألفاظ، كباب سَبِّ الدهرِ، وبابِ ما شاء الله وشئت، ونحوه.\rأو من باب تعظيم الله، كباب التسمّي بقاضي القضاة، وباب لا يقال: السلام على الله، ونحوه.\rأو من باب وسائل الشرك وذرائعه، كباب ما جاء في المصورين، أو ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076761,"book_id":1139,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":22,"body":"٢٢ - باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ-\rجناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك\rوقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة، الآية (١٢٨)].\rعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي، عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» (¬١).\rوعن علي بن الحسين: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةً كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ لَيَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢)، والطبراني في الأوسط (٨٠٢٦)، والبيهقي في الشعب (٣٨٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٨٣)، وصححه النووي في الأذكار (ص: ٩٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٢٢٦).\r(¬٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٥٤٢)، والبزار (٥٠٩)، وأبو يعلى في المسند (٤٦٩)، والضياء في المختارة (٤٢٨).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية براءة. الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد. الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.\rالرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أنَّ زيارته من أفضل الأعمال. الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.\rالسادسة: حثه على النافلة في البيت. السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يُصلى في المقبرة.\rالثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.\rالتاسعة: كونه ﷺ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076542,"book_id":1139,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":23,"body":"يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات.\r\rرابعًا: منهجه في الكتاب.\r١ - التبويب بقضية من قضايا التوحيد.\r٢ - ذكر الأدلة عليها من القرآن والسنة، وفي أحيان يسيرة يضيف لذلك آثارًا عن السلف، أو نقولًا عن ابن تيمية وابن القيم.\r٣ - يختم الباب بمسائل مستنبطة من أدلّة الباب ونصوصه، فيها دليل على فهم الشيخ، وهذه المسائل غالبها مرتبط بالتوحيد، وبعضها بالدعوة، وبعضها في فوائد عامة.\r٤ - ليس في الباب كلام للشيخ إلّا التبويب والمسائل، وهذا من حسن صنيعه، فإن الآيات والأحاديث محل اتفاق بين الناس.\r\rخامسًا: أهم شروح كتاب التوحيد:\rشُرِحَ الكتابُ بشروح كثيرة؛ لعل من أجودها ما يلي:\r١. [تيسير العزيز الحميد] للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وهو أول شروح الكتاب، وقد توسع فيه وأسهب، وأتى فيه بما لا يستغني عنه طالب العلم.\r٢. [فتح المجيد] للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، وهو من أجود الشروح، وقد عني به العلماء تدريسًا وقراءة في حلقات العلم.\r٣. [القول السديد] للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وهو عبارة عن تعليقات على الأبواب، وعلى اختصاره إلّا أنَّه نافع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076765,"book_id":1139,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":23,"body":"٢٣ - باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان\rوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076543,"book_id":1139,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":24,"body":"٤. [حاشية كتاب التوحيد] للشيخ عبد الرحمن بن قاسم، وهي من أجود الحواشي على الكتاب، وقد طبعت في مجلد واحد.\r٥. [التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد] للشيخ عبد الله بن محمد الدويش (ت ١٤٠٨ هـ)، وقد أفرده للكلام على مسائل الأبواب.\r٦. [القول المفيد] للشيخ محمد بن عثيمين، وهو عبارة عن دروس ألقاها في جامعه بعنيزة، وقد طبع في مجلدين، وفيه فوائد غاية في النفاسة.\r٧. [التمهيد شرح كتاب التوحيد] للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وهو عبارة عن دروس ألقاها في الجامع بالرياض، وقد طبع في مجلد واحد، وفيه فوائد قيمة، وتحريرات نفيسة.\rهذا باختصار شديد، وإلا فمن أحب التوسع فليراجع كتاب [عناية العلماء بكتاب التوحيد] لعبد الإله الشايع.\r\rسادسًا: كان للكتاب أثرٌ في تغيير نظرة البعض عن الشيخ ﵀، فقد ذكر الشيخ محمد المجذوب حكاية لطيفة، عن الشيخ عبد الله القرعاوي داعية الجنوب ﵀، وهي: «أنَّه حين ذهب للهند لطلب العلم، كان أحد شيوخه لا يمر به ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلّا صب عليه سياط غضبه، ثم يختم ذلك بالتضرع إلى الله أن ينقذ الإسلام من شرّ دعوته إلى يوم الدين، حتى إنَّه ليكاد يجعل ذلك وردًا ملزمًا في أعقاب كل درس، فجاء الشيخ عبد الله ووضع على منضدة الشيخ الهندي كتاب التوحيد، ونزع منه غلافه الذي يحوي اسم الشيخ، وشاء الله أن يقرأ الشيخ الكتاب ويستوعبه، فراح يبدي إعجابه به، ويسأل عن مؤلفه، فأخبره الشيخ عبد الله باسمه، فقال الشيخ الهندي: لقد ظلمنا هذا المصلح كثيرًا، ولا نجد كفارةً لما أسلفنا،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076774,"book_id":1139,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":24,"body":"٢٤ - باب ما جاء في السحر\rوقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة، الآية (١٠٢)]، وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)].\rقال عمر ﵁: «اَلْجِبْتُ: اَلسِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: اَلشَّيْطَانُ» (¬١).\rوقال جابر ﵁: «اَلطَّوَاغِيتُ: كُهَّانٌ، كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ اَلشَّيْطَانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ» (¬٢).\rوعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «اِجْتَنِبُوا اَلسَّبْعَ اَلْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: اَلشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ اَلنَّفْسِ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ اَلرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اَلْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ اَلزَّحْفِ، وَقَذْفُ اَلْمُحْصَنَاتِ اَلْغَافِلَاتِ اَلْمُؤْمِنَاتِ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٤/ ١٢٨٣)، والطبري في التفسير (٧/ ١٣٥)، وابن المنذر في التفسير (١٨٧٠)، وابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ٩٧٤)، وعلّقه البخاري في الصحيح (٦/ ٤٥) بصيغة الجزم، وانظر: تغليق التعليق لابن حجر (٤/ ١٩٥).\r(¬٢) أخرجه الطبري في التفسير (٤/ ٥٥٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ٩٧٦)، وعلقه البخاري في الصحيح (٦/ ٤٥) بصيغة الجزم، وانظر: تغليق التعليق للحافظ ابن حجر (٤/ ١٩٥).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076544,"book_id":1139,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":25,"body":"إلا أن ندعو له بمقدار ما دعونا عليه» (¬١).\rوقريبٌ من هذا: قصة الشيخ علي باصبرين، وقد نقلها الشيخ عبدالله البسام في ترجمة الشيخ مبارك آل مبارك ﵀، فقال: «حدثني الشيخ محمد نصيف ﵀ قال: كان الشيخ علي باصبرين يُدرِّس طلابه ما بين المغرب والعشاء في جامع الشافعي بجدة، ففي إحدى الليالي جاء البحث في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعها، فنال الشيخ باصبرين منها نيلًا فاحشًا، وكان من الطلبة: الشيخ صالح العبد الله البسام، والشيخ مبارك آل مساعد، فلما فرغ الدرس قاما إليه، وقالا له: هل اطلعت يا شيخ على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما نِلت منه ومن دعوته؟ فقال لهما: لا، إنني لم أطلع عليها، ولكني قلتُ هذا نقلًا عن مشايخي، فقالا له: ألا ترغب في الاطلاع على كتبه؟ قال: بلى، فأتياه بنسخ من كتبه، فدرسها نحو أسبوع، وهو لا يأتي للشيخ محمد بن عبد الوهاب بذكر؛ لا بمدح ولا قدح.\rوبعد ذلك قال للطلبة: إنني في إحدى الليالي السابقة نلتُ من الشيخ محمد بن عبدالوهاب ودعوته، والحقُّ أن كلامي لم يكن عن اطلاع على كتبه، وإنما هو تقليدٌ وحُسن ظنٍّ في مشايخنا، وقد أطلعني بعض إخواننا النجديين على بعض كتبه ورسائله، فرأيت فيها الحق والصواب، وأنا أستغفر الله تعالى عما قلت، ثم صنّف رسالة سمّاها [هداية كُمَّل العبيد إلى خالص التوحيد]» (¬٢).\rوقريب من هاتين أيضًا: قصة الشيخ محمد السناني المتوفى سنة (١٢٦٩ هـ) ﵀،","footnotes":"(¬١) علماء ومفكرون عرفتهم، لمحمد المجذوب (١/ ١٠٨)، المسيرة لداعية جنوب الجزيرة، لبندر الأيداء (١٦٨).\r(¬٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٤٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076781,"book_id":1139,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":25,"body":"٢٥ - باب بيان شيء من أنواع السحر\rقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنَّه سمع النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ الْعِيَافَةَ، وَالطَّرْقَ، وَالطِّيَرَةَ مِنَ الْجِبْتِ» (¬١).\rقال عوف: «الْعِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الْخَطُّ يُخَطُّ بِالْأَرْضِ».\rوالجبت: قال الحسن: «رَنَّةُ الشَّيْطَانِ» إسناده جيد، ولأبي داود والنسائي وابن حبان في \"صحيحه\" المسند منه.\rوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ؛ فَقَدِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ» رواه أبو داود، وإسناده صحيح (¬٢).\rوللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا، فَقَدْ","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٣٩٠٧)، وأحمد (٥/ ٦٠)، والنسائي في الكبرى (١١١٠٨)، وابن حبان (٦١٣١)، من طريق حيان، عن قطن بن قبيصة، عن أبيه، وحيان هذا فيه جهالة، وصحح إسناده ابن حبان، وحسنه النووي وابن تيمية، وجوّد إسناده ابن مفلح.\r(¬٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٧، ٣١١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٦٠٢)، وأبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥١٩٧)، وصحح إسناده النووي، والعراقي، ومحمد بن عبد الوهاب، والألباني. انظر: الصحيحة (٧٩٣)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076545,"book_id":1139,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":26,"body":"فقد نقل البسام في كتابه [علماء نجد] قائلًا: لم يقرأ كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكان بعض الناس يحذره منها، فسافر إلى الأقطار الشامية والعراقية ورأى من البدع والشرك الأمور الفظيعة، فعلم ما لفضل دعوة الشيخ محمد في نجد من الأثر الطيب، ورجع إلى كتبه، وقرأها، فأولع بها وشغف باتباعها، وقال كلمة وقصيدة في هذه الحال التي مرت به، وهذا نص كلامه: «كنتُ في أول أمري مع أناس نسمي [كشف الشبه] ب (جمع الشبه)! ولم أرها ولم أطالع فيها تقليدًا لمن غروني، فلما سافرت إلى بعض الآفاق ورأيت كثرة من أعرض عن الهدى، دعوت الله أن يهديني لما اختُلف فيه إلى الحق، فأزال الله عني الهوى والتعصب، وأبدله بالإنصاف، وصار عندي الحق أحق أن يُتبع، فعنَّ لي أن أطالع [كشف الشبه] فوجدتها كاسمها، مشتملة على أجل المطالب وأوجب الواجبات، فكانت جديرة أن تُكتب بماء الذهب، ثم قلتُ نظمًا:\rلقد ضل قوم سمو الكشف بالجمع … وقالوا مقالًا واجب الدفع والرد\rفجمع الشبه ما لفقوه ببغيهم … وتضليلهم من هد ما شيد من ند\rوقام بنصر الدين لله وحده … وتجريده التوحيد للواحد الفرد\rوجاهد فيما قام فيه لربه … بماله والأهلين حقًا وباليد\rإلى أن قال:\rفيا طالب الإنصاف بالعلم والهدى … ألا تنظر كشف الشبه درة العقد\rفقد حل فيها كشف ما كان مشكلًا … بأوضح تبيان ينوف على العد\rفجازاه رب الخلق خير جزائه … لما قام في التوحيد يهدي ويهتدي (¬١)","footnotes":"(¬١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076787,"book_id":1139,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":26,"body":"٢٦ - باب ما جاء في الكهان ونحوهم\rروى مسلمٌ في صحيحه عن بعض أزواج النبيّ ﷺ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَصَدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (¬١).\rوعن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (¬٢).\rوَلِلْأَرْبَعَةِ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا عن أبي هريرة ﵁: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» (¬٣).\rولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مثله موقوفًا (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٢٣٠) بدون لفظة (فصدقة) فهي لفظة شاذة، والحديث صحيح بدونها.\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، وأحمد (٢/ ٤٢٩)، والنسائي في الكبرى (٨٩٦٧ - ٨٩٦٨)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٧)، والحاكم في المستدرك (١٥)، والحديث في إسناده ضعف، وقد صححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع (٥٩٤٢).\r(¬٣) انظر سابقه.\r(¬٤) أخرجه ابن وهب في الجامع (٦٨٧)، والطيالسي (٣٨٢)، والبغوي في الجعديات (٤٢٥)، والبزار (١٨٧٣ - ١٩٣١)، وأبو يعلى (٥٤٠٨) والطبراني في الكبير (١٠/ ٧٦)، وفي الأوسط (١٤٥٣).\rقال البغوي: وقد روى هذا الحديث، من وجوه عن عبد الله بن مسعود، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٦): إسناده جيد، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076546,"book_id":1139,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":27,"body":"المقدمة الرابعة:\rمعنى التوحيد.\rوالكلام على هذه المقدمة في مسائل:\r\rالمسألة الأولى: تعريف التوحيد.\rالتوحيد: مصدر وحّدَ يوحد توحيدًا، أي: جعله واحدًا، قال ابن فارس: الواو والحاء والدال أصلٌ واحد يدل على الانفراد (¬١).\rوقال الجوهري: فلانٌ واحِدُ دهرِهِ، أي: لا نظير له (¬٢).\rوشرعًا: هو اعتقاد أن الله تعالى واحد في ذاته، وواحد في ربوبيته، وواحد في صفاته، لا مثيل له، وواحد في ألوهيته وعبادته، لا شريك له.\rوهذا التعريف تضمن اعتقاد وحدانية الله ﷿ من جميع الوجوه، فهو واحدٌ في ذاته لا ولد له ولا والد، وهو سبحانه واحدٌ في ربوبيته لا معاون له ولا ظهير ولا مساند ولا معين، لا في الخلق ولا في التدبير، وهو سبحانه واحد في صفاته، لا مثيل له في شيء من صفاته.\rكما تضمن التعريفُ وجوبَ إخلاصِ العبادة له وحده لا شريك له؛ إذ لا","footnotes":"(¬١) مقاييس اللغة (٦/ ٩٠)، وانظر: العين، للخليل (٣/ ٢٨٠)، تهذيب اللغة (٥/ ١٩٢).\r(¬٢) الصحاح، للجوهري (٢/ ٥٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076794,"book_id":1139,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":27,"body":"٢٧ - باب ما جاء في النُّشرة\rعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» (¬١)، وقال: «سئل أحمد عنها، فقال: ابن مسعود يكره هذا كله».\rوفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيب: «رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ، أَوْ: يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ»» (¬٢) ا. هـ.\rوروي عن الحسن أنَّه قال: «لَا يَحِلُّ السِّحَرَ إِلَّا سَاحِرٌ».\rقال ابن القيم: النُشرة: حلّ السحر عن المسحور، وهي نوعان:\rإحداهما: حلٌ بسحرٍ مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمل قول الحسن، فيتقرب الناشرُ والمنتشر إلى الشيطان بما يحبّ، ويبطل عمله عن المسحور.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٣٨٦٨)، وعبد الرزاق في المصنف (١٩٧٦٢)، وأحمد في المسند (٣/ ٢٩٤)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٣١٥)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٥١)، وحسنه ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٣٣).\r(¬٢) علقه البخاري في الصحيح (٧/ ١٣٧)، ووصله أبو بكر الأثرم في كتاب السنن، والطبري في تهذيب الآثار. انظر: تغليق التعليق (٥/ ٤٩)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076547,"book_id":1139,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":28,"body":"معبود بحقٍ سواه.\rوسمي دينُ الإسلام توحيدًا؛ لأن مبناه على أن الله واحدٌ في مُلكِهِ وأفعالِه لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته، لا ندّ له (¬١).\r\rالمسألة الثانية: أقسام التوحيد.\rلأهل العلم في تقسيم التوحيد طريقتان:\rالطريقة الأولى: تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:\r\r١) توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله، وذلك بالإقرار والاعتراف بأن الله هو: الخالق، الرازق، المدبر، وهو لا يكفي في إدخال الإسلام، حتى يقرّ العبد بتوحيد الألوهية، قال الشيخ عبد الله أبا بطين: «وأما الإقرار بتوحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه خالق كل شيء ومليكه ومدبره، فهذا يقر به المسلم والكافر، ولابد منه، لكن لا يصير به الإنسان مسلمًا، حتى يأتي بتوحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وبه يتميز المسلم عن الشرك وأهل الجنة من أهل النار» (¬٢).\r* ولهذا النوع أسماء أخرى: فيسمّى توحيد المعرفة والإثبات، والتوحيد العلمي، وغير ذلك.\r* وهذا النوعُ أقرّ به كثيرٌ من المشركين، وإن كانوا قد يشركون في بعض","footnotes":"(¬١) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص: ١٧)، أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة للخلف (١/ ٧٤).\r(¬٢) الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين (ص: ٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076798,"book_id":1139,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":28,"body":"٢٨ - باب ما جاء في التطير\rوقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣١)].\rوقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس، الآية (١٩)].\rوعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ» (¬١)، زاد مسلم: «وَلَا نَوْءَ وَلَا غُولَ».\rولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» (¬٢).\rولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر (¬٣) قال: «ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٧٥٧)، ومسلم (٢٢٢٠).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٥٧٧٦)، ومسلم (٢٢٢٤).\r(¬٣) صوابه: عن عروة بن عامر، وهو تابعي ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٩٥) في التابعين.\rوقال ابن قانع: عروة بن عامر عندي ليس له لقي، وقال قوم: له! وليس بصحيح.\rوقال أبو أحمد العسكري: عروة بن عامر الجهني؛ روى عن النبي ﷺ مرسلًا، ذكرناه ليعرف. ا. هـ.\rوقال العراقي: من حديث عروة بن عامر مرسلًا، ورجاله ثقات.\rوقال المزي في تهذيب الكمال (٢٠/ ٢٦): روى عن النبي ﷺ مرسلًا في الطيرة. ا. هـ.\rوقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٧٩/ ٤٠٧١)؛ تابعي أرسل. ا. هـ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076548,"book_id":1139,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":29,"body":"أموره، وقد وقع الإشراك به حتى في الأزمان المتأخرة، ومن الأمثلة على ذلك: ما حكاه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، عن الشيخ مصطفى البولاقي «أن بعض رؤساء الجامع الأزهر عاده لما اشتكى عينيه، وقال له: هلا ذهبت إلى مولد الشيخ أحمد البدوي، فقد حكي أن إنسانًا شكا إليه ذهاب بصره، فسمع قائلًا يقول من الضريح: أعطوه عين كذا وكذا.\rوقال أيضًا: وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يُدَقُّ وتدٌ في القاهرة إلا بإذن أحمد البدوي، قال: فقلت له: هذا لا يكون إلا لله، أو كلامًا نحو هذا … فقال: حُبّي في سيدي أحمد اقتضى هذا» (¬١).\rوهذا كما لا يخفى إشراك في الربوبية، حيث اعتقد مدبرًا مع الله.\rوعلى كل حالٍ فقد أقرّ بالربوبية كثير من الناس، إلّا من عاند وكابر، كفرعون وأضرابه، ممن نفوا بألسنتهم وجود الرب، وإن كانت قلوبهم تخالف ذلك، ولذا قال الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل، الآية (١٤)].\r* وممن ينكره: الشيوعيون، بناء على عقيدتهم الفاسدة التي تقوم على الكفر بالغيب، والإيمان بالمادة وحدها.\r\r٢) توحيد الإلهية: وهو إفراد الله بالعبادة، فلا يصرف أي عبادةٍ قولية أو فعلية أو قلبية، إلّا للمستحق وهو الله، ولا يشرك مع الله أحد في عبادته.\r* ولهذا النوع أسماء: فيسمّى: توحيد الألوهية، ويسمّى: توحيد العبادة، ويسمى: توحيد الإرادة؛ لتضمنه الإخلاص، ويسمّى: توحيد القصد؛ لأنَّه","footnotes":"(¬١) منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص: ٥٠ - ٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076808,"book_id":1139,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":29,"body":"٢٩ - باب ما جاء في التنجيم\rقال البخاري في صحيحه: قال قتادة: «خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ; أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ» (¬١).\r«وكره قتادةُ تعلُّم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه» (¬٢) ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.\rوعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» (¬٣) (¬٤).","footnotes":"(¬١) علقه البخاري في (٦/ ٢١١)، ووصله الطبري في التفسير (١٤/ ١٩٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٩/ ٢٩١٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٢٢٦). وانظر: تغليق التعليق (٣/ ٤٨٩).\r(¬٢) فتح الباري، لابن رجب (٢/ ٢٩٦).\r(¬٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٩)، وأبو يعلى (٧٢٤٨)، وابن حبان (٥٣٤٦)، والحاكم في المستدرك (٧٢٣٤) من طريق أبي حريز أن أبا بردة حدثه عن أبي موسى، وفي سنده ضعف، أبو حريز عبد الله بن الحسين الأزدي، أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: قال أبو داود: ليس حديثه بشيء، وقال جماعة: ضعيف. وانظر الضعيفة (١٤٦٣).\r(¬٤) فيه مسائل:\rالأولى: الحكمة في خلق النجوم. الثانية: الرد على من زعم غير ذلك. الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل.\rالرابعة: الوعيد فيمن صدَّق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076549,"book_id":1139,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":30,"body":"مبنيٌّ على إخلاص القصد المستلزم لإخلاص العبادة لله وحده، ويسمّى: توحيد العمل؛ لأنَّه مبني على إخلاص العمل لله وحده.\r* وهذا النوع هو أهمُّ أنواعِ التوحيد، فمن أجل تحقيقه أُرسِلَت الرسل وأُنزلت الكتب، وسُلَّتْ سيوفُ الجهاد، وفُرِّقَ بين المؤمنين والكافرين، وإذا أخلّ العبد به لم ينفعه توحيد الربوبية، ولا الأسماء والصفات، قال ابن تيمية: «وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزّهه عن كل ما ينزه عنه، وأقرّ بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له» (¬١).\r\r٣) توحيد الأسماء والصفات: وهو أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل.\r* وهذا التوحيد- أيضًا- شرط لتمام الإيمان، فلا يصح إيمان العبد حتى يعتقده، قال ابن القيم ﵀: «لا يستقر للعبد قدَمٌ في المعرفة، بل ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات الرب ﷻ، ويعرفها معرفةً تخرجه عن حدّ الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرّفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان، فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان» (¬٢).\rالطريقة الثانية: تقسيم التوحيد إلى قسمين:\r١. توحيد المعرفة والإثبات: ويتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات.","footnotes":"(¬١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٦).\r(¬٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076813,"book_id":1139,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":30,"body":"٣٠ - باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء\rوقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة، الآية (٨٢)].\rوعن أبي مالك الأشعري ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ».\rوقال: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (¬١).\rولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقَبْلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمَ، قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (¬٢).\rولهما، من حديث ابن عباس ﵁ بمعناه، وفيه: «قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٩٣٤).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076550,"book_id":1139,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":31,"body":"٢. توحيد الطلب والقصد: ويتضمن توحيد الإلهية والعبادة.\rوهذا ما يذكره ابن تيمية وابن القيم في كتبهما، والمؤدَّى واحد.\rقال ابن القيم: «التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي؛ لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني- أيضًا- نوعان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية، فهذه ثلاثة أنواع» (¬١).\r\rالمسألة الثالثة: التوحيدُ يكون بالقلبِ، وباللسانِ، وبالجوارحِ.\rأما القلب: فبإقراره بوحدانية الله.\rوأما اللسان: فبالنطق بكلمة التوحيد.\rوأما الجوارح: فبأن يعمل بمقتضاها، قال المجدد ﵀: «لا خلاف بين الأمة، أن التوحيد: لا بد أن يكون بالقلب الذي هو العلم، واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي، فإن أخلّ بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلمًا، فإن أقرّ بالتوحيد ولم يعمل به، فهو كافرٌ، معاندٌ، كفرعون وإبليس، وإن عمل بالتوحيد ظاهرًا، وهو لا يعتقده باطنًا، فهو: منافق خالصًا، أشرّ من الكافر» (¬٢).\r\rالمسألة الرابعة: التوحيد هو مدارُ رسالة الرسل، وهو وصية الله لعباده، وهي الفارقة بين الكفر، والإسلام، قال ابن القيم: «وغالبُ سورِ القرآن، بل كل سورة في القرآن، فهي متضمنة لنوعي التوحيد.","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٤٨).\r(¬٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076818,"book_id":1139,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":31,"body":"٣١ - باب قول الله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة، الآية (١٦٥)].\rوقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٢٤)].\rعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (¬١).\rولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (¬٢). وفي رواية: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى … » إلى آخره (¬٣).\rوعن ابن عباس ﵄ قال: «مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَوَالَى فِي اللَّهِ، وَعَادَى فِي اللَّهِ، فَإِنَّمَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ - وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ - حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ،","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).\r(¬٢) أخرجه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩).\r(¬٣) أخرجها البخاري (٦٠٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076551,"book_id":1139,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":32,"body":"بل نقول قولًا كليًا: إن كلّ آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدةٌ به، داعيةٌ إليه، فإن القرآن: إما خبرٌ عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلعِ كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيدُ الإرادي الطلبي، وإما أمرٌ ونهيٌ، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبرٌ عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبرٌ عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد.\rفالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم» (¬١).\rومعلومٌ أن التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الآلهية لله وحده، ونفي الشرك، وهذا أمرٌ قد يخطيء فيه البعض، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ غريب في الناس جدًا، وأكثرهم لا يعرف حقيقته، ولا يعرف الشرك الأكبر المنافي له، وغاية ما عندهم هو أن يعرف أن الله تعالى ربه وخالقه وخالق جميع المخلوقات ورازقها، والمتصرف فيهم» (¬٢).\rقال المؤلف ﵀:","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (٣/ ٤١٧).\r(¬٢) المطلب الحميد في بيان مقاصد التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن (ص: ١١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076824,"book_id":1139,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":32,"body":"٣٢ - باب قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران، الآية (١٧٥)].\rوقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة، الآية (١٨)].\rوقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت، الآية (١٠)].\rعن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ، إِنَّ رِزْقَ اللَّهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ» (¬١).\rوعن عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٠٦)، (١٠/ ٤١)، والبيهقي في الشعب (٢٠٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٠٩).\r(¬٢) أخرجه الترمذي (٢٤١٤)، وابن المبارك في الزهد (١٩٩)، وابن حبان في الصحيح (٢٧٦)، والبغوي في شرح السنة (٤٢١٣)، وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣١١).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: تفسير آية العنكبوت.\rالرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى. الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث.\rالسادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض. السابعة: ذكر ثواب من فعله. الثامنة: ذكر عقاب من تركه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076831,"book_id":1139,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":33,"body":"٣٣ - باب قول الله تعالى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة، الآية (٢٣)]، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال، الآية (٢)]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال، الآية (٦٤)]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق، الآية (٣)].\rوعن ابن عباس ﵂ قال: «﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵈ حِينَ أُلْقِيَ فِي اَلنَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران، الآية (١٧٣)]» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على هذا الباب في عدة مسائل:\rالمسألة الأولى: أورد المصنف هذا الباب للكلام على عبادةٍ من العبادات","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٤٥٦٣).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: أن التوكل من الفرائض. الثانية: أنه من شروط الإيمان. الثالثة: تفسير آية الأنفال.\rالرابعة: تفسير الآية في آخرها. الخامسة: تفسير آية الطلاق.\rالسادسة: عِظَمُ شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم ومحمد ﷺ في الشدائد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076553,"book_id":1139,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":34,"body":"أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس. الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.\rالثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.\rالرابعة: الحكمة في إرسال الرسل. الخامسة: أن الرسالة عمّت كل أمة. السادسة: أن دين الأنبياء واحد.\rالسابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، ففيه معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾.\rالثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله.\rالتاسعة: عظم شأن الآيات الثلاث المحكمات في سورة الأنعام عند السلف.\rالعاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وختمها بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾، ونبهنا اللهُ على شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾.\rالحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.\rالثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته. الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا.\rالرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه. الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.\rالسادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.\rالثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: «الله ورسوله أعلم».\rالعشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ؛ لركوب الحمار مع الإرداف عليه.\rالثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة. الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل. الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076837,"book_id":1139,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":34,"body":"٣٤ - باب قول الله تعالى ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف، الآية (٩٩)]. وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر، الآية (٥٦)].\rوعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: «اَلشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اَللَّهُ» (¬١).\rوعن ابن مسعود ﵁ قال: «أَكْبَرُ اَلْكَبَائِرِ: اَلْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اَللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ» (¬٢) (¬٣).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:","footnotes":"(¬١) أخرجه البزار (كما في كشف الأستار ١٠٦)، وعزاه الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٤) إلى الطبراني في الأوسط، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١٧)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٧٩).\r(¬٢) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (ص: ٤٥٩)، والطبري في التفسير (٦/ ٦٤٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٦)، وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٨٤)، وهو صحيح بلا شك، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٤): «إسناده صحيح».\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية الأعراف. الثانية: تفسير آية الحجر. الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله. الرابعة: شدة الوعيد في القنوط.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076554,"book_id":1139,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":35,"body":"(الشرح)\rهذا أوّل أبواب الكتاب، وذكر فيه المصنّف خمس آياتٍ، وحديثًا، وأثرًا في تبيين معنى التوحيد، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: ذكر المصنّف قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية (٥٦)]. وفيها بيّن الله وظيفة الأمّة التي لأجلها خلقهم، وأنَّ ذلك لأجل أن يتوجهوا له بالعبادة جِنّهم وإنسِهم، فلم يُرد الله منهم تكثرًا ولا استغناءً، وإنما أراد أن يصرفوا له العبادة، ولذلك قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون، الآية (١١٥)]. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة، الآية (٣٦)]. قال الشافعي: «لا يؤمر ولا ينهى» (¬١).\rوالعبادة: (اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (¬٢)، فيدخل في العبادة أمران:\rالأول: أداء كل أمرٍ يحبه الله، ويأمر به، سواء كان قولًا كقراءة القرآن،","footnotes":"(¬١) انظر: أحكام القرآن (٢/ ١٢٣). قلت: وهو أيضًا قول مجاهد. انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٨٣)، ولكنه من رواية ابن أبي نجيح، عنه، وهو منقطع، وقول أبي جعفر الترمذي انظر جزئه في تفسير القرآن (ص ٦٥).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076843,"book_id":1139,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":35,"body":"٣٥ - باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله\rوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن، الآية (١١)]. قال علقمة: «هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ» (¬١).\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اِثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (¬٢).\rولهما عن ابن مسعود مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (¬٣).\rوعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ، عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَة فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٣/ ١٢)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٦٦)، وفي الشعب (٩٥٠٣).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٦٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣).\r(¬٤) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦)، وأبو يعلى في المسند (٤٢٥٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٠٥٠)، والحاكم في المستدرك (٨٧٩٩)، والبغوي في شرح السنة (١٤٣٥)، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.\rوللحديث شاهد من حديث عبد الله بن مغفل نحوه، أخرجه أحمد (٤/ ٨٧)، ابن حبان (٢٩١١)، والحاكم (١٢٩١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076555,"book_id":1139,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":36,"body":"والذكر، أو فعلًا كالصلاة والصوم، والبر، أو عملًا قلبيًا كالحبّ لله، والتوكل عليه، وهكذا.\rالثاني: ترك كل معصيةٍ نهى الله عنها، سواء كانت شركًا أكبر، أو أصغر، أو معصية كبيرة، كالزنا والربا، أو صغيرة.\rوتأمل كيف ذكر الله الآية بصيغة الحصر، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية (٥٦)]. واللام في ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ هي لامُ التعليل؛ ليبيّن أنَّه ليس ثمة هدف آخر لخلقهم غير ذلك، فيا خسارة من أمضى حياته في غير عبادة الله.\rوفي الآية بيان أنَّ ذلك للإنس والجنّ على حدٍّ سواء.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]، وفيها يبين سبحانه أنَّه أرسل الرسل في الأمم، وكان الأمر المشترك في دعوتهم هو دعوتهم للتوحيد، فكلّ من أُرسِل منهم دعى قومه للتوحيد، وهذا يبيّن لك أهمية التوحيد، وأنَّه آكد الأمور، حيث تضافر عليه الأنبياء والرسل، الذين قد تختلف تفاصيل شرائعهم، ولكنهم يتفقون على التوحيد، وقد قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية (٢٥)].\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)]. فحينما ذكر الواجبات بدأ بالتوحيد، ولا شكّ أنَّ هذا يبين أنَّه أهم الأمور، فتقديمه للاحتفاء به والعناية به.\r* فقوله: ﴿وَقَضَى﴾، أي: وصى وأمر، وقبلها قوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076850,"book_id":1139,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":36,"body":"٣٦ - باب ما جاء في الرياء\rوقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف، الآية (١١٠)].\rوعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «قَالَ تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»، رواه مسلم (¬١).\rوعن أبي سعيد ﵁ مرفوعا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ مَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ» رواه أحمد (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠)، وابن ماجه (٤٢٠٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٧٨١)، والحاكم (٤/ ٣٢٩)، والبيهقي في الشعب (٦٨٣٢)، وفي إسناده ضعف، تفرد به من تُكُلِّمَ فيه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٠٧).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية الكهف. الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.\rالثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء.\rالخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء. السادسة: أنه فسر ذلك بأن المرء يصلِّي لله، لكن يزينها لما يرى من نظر الرجل إليه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076859,"book_id":1139,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":37,"body":"٣٧ - باب من الشرك: إرادة الإنسان بعمله الدنيا\rوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود، الآيات (١٥ - ١٦)].\rفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِي، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنْ اِسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٢٨٨٧).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود.\rالثالثة: تسمية الإنسان المسلم: عبد الدينار والدرهم والخميصة.\rالرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط سخط.\rالخامسة: قوله: «تعس وانتكس». السادسة: قوله: «وإذا شيك فلا انتقش». السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076866,"book_id":1139,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":38,"body":"٣٨ - باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله\rوقال ابن عباس ﵄: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!».\rوقال الإمام أحمد: «عجبتُ لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور، الآية (٦٣)]. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك».\rعن عدي بن حاتم: «أنَّه سمع النبيّ ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة، الآية (٣١)]، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُم» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والطبري في التفسير (١٤/ ٢٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١١٦) وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وحسنه ابن تيمية في الفتاوى (٧/ ٦٧)، والألباني في غاية المرام (ص: ٢٠).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية النور. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.\rالرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.\rالخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الأحوال إلى أن عُبِدَ من دون الله من ليس من الصالحين، وعُبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076872,"book_id":1139,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":39,"body":"٣٩ - باب قول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء، الآية (٦٠ - ٦٢)].\rوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة، الآية (١١)].\rوقال الشعبي: «كان بين رجلٍ من المنافقين، ورجلٍ من اليهود خصومةٌ، فقال اليهوديُ: نتحاكم إلى محمد؛ لأنَّه عرف أنَّه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنَّهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه، فنَزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾» (¬١).\rوقيل: «نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافعُ إلى النبيِّ ﷺ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في التفسير (٨/ ٥٠٨)، وابن المنذر في التفسير (١٩٤٢)، والواحدي في «أسباب النزول» (٣٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076559,"book_id":1139,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":40,"body":"وللترمذي وحسنه عن أنس ﵁، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ آتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤٣٠٥)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\rقلت: فيه كثير بن فائد ليس بالقوي، والحديث اختلف في رفعه ووقفه، ولكن له شاهد من حديث أبي ذر الغفاري، أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٨٧) بلفظ: «وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً».\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: سعة فضل الله. الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.\rالرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام. الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة.\rالسادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: «لا إله إلا الله»، وتبين لك خطأ المغرورين.\rالسابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان. الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل (لا إله إلا الله).\rالتاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه. العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسموات.\rالحادية عشرة: أن لهن عمارًا. الثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافًا للمعطلة.\rالثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» أن ترك الشرك، ليس قولها باللسان.\rالرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه.\rالخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.\rالسادسة عشرة: معرفة كونه روحًا منه. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.\rالثامنة عشرة: معرفة قوله: «على ما كان من العمل». لا\rالتاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان. العشرون: معرفة ذكر الوجه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076884,"book_id":1139,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":40,"body":"٤٠ - باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات\rوقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد، الآية (٣٠)].\rوفي صحيح البخاري قال علي ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» (¬١).\rوروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا اِنْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصِّفَاتِ اِسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ؟!» (¬٢).\r«ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر «الرحمن» أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾» [الرعد، الآية (٣٠)] (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (١٢٧).\r(¬٢) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (ص: ٤٢٢)، وعنه عبد الرزاق في التفسير (٢٩٦٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٨٥).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات. الثانية: تفسير آية الرعد.\rالثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع. الرابعة: ذكر العلة: أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، ولو لم يتعمد المنكر.\rالخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئًا من ذلك، وأنه أهلكه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076560,"book_id":1139,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":41,"body":"(الشرح)\rهذا هو الباب الثاني في الكتاب، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: ذِكرُ الفضائل التي تحصل لمن وحّد الله، ولذا قال: «فضل التوحيد».\rوقوله: «وما يكفر من الذنوب»: أي ماذا يُكفّر من الذنوب، وأنَّه يكفر الذنوب كلها، وبهذا تكون (ما) موصولة، أو يكون المعنى: بيان أن التوحيد يكفر الذنوب، فالمعنى: فضلُ التوحيد وتكفيرُه الذنوبَ، فيكون ذكر تكفير الذنوب مِنْ عطف الخاص على العام، لأهميته، وإلا فهو من الفضائل، وعليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076889,"book_id":1139,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":41,"body":"٤١ - باب قول الله تعالى ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل، الآية (٨٣)].\rقال مجاهد ما معناه: «هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي» (¬١).\rوقال عون بن عبد الله: «يقولون: لولا فلان لم يكن كذا» (¬٢).\rوقال ابن قتيبة: «يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا».\rوقال أبو العباس، بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: «إن الله تعالى قال: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» (¬٣) -الحديث وقد تقدم-: «وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: «هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير» (¬٤) (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في التفسير (١٧/ ٢٧٣).\r(¬٢) أخرجه الطبري في التفسير (١٧/ ٢٧٣).\r(¬٣) أخرجه البخاري (١٠٣٨)، ومسلم (٧١).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٣).\r(¬٥) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها. الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثير.\rالثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارًا للنعمة. الرابعة: اجتماع الضّدين في القلب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076561,"book_id":1139,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":42,"body":"فيجوز في (ما) وجهان:\rأ. أن تكون موصولة، ويكون العائدُ محذوفًا، أي: بابُ التوحيدِ والذي يكفِّرُه من الذنوب.\rب. ويجوز أن تكون مصدرية، أي: بابُ التوحيد، وتكفيره الذنوب.\rومناسبة الباب لما قبله: أنَّه لما ذكر معنى التوحيد، وكانت الأنفس لها تشوق وتشوف إلى معرفة المعاني، ونيلِ الفضائل وتحصيلها، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب؛ ترغيبًا فيه، وتحذيرًا من الشرك.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب آيةً وأربعة أحاديث، يتبيّن منها فضائل التوحيد.\rأوّل الفضائل: أنَّ الله يجعلُ الأمنَ التامَّ لمن وحّد الله التوحيد التام، ويكون نقصُ الأمنِ عليه بقدر نقص التوحيد عنده.\r* واستدل على هذا: بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام، الآية (٨٢)].\rفأفادت الآية: أنَّه كلما نقص التوحيد بوقوع المرء في شيء من الظلمِ، نقصَ الأمنُ في حقّه في الدنيا وفي الآخرة، والظلم له صورٌ يجمعها ثلاثة:\r١) ظلم العبد لنفسه بالشرك، وهو أعظمُ الظلم، وهو الذي ورد فيه حديث ابن مسعود ﵁: «أنَّ الصحابة استعظموا هذه الآية، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان، الآية (١٣)]» (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٦٩٣٧)، ومسلم (١٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076894,"book_id":1139,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":42,"body":"٤٢ - باب قول الله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، الآية (٢٢)].\rقال ابن عباس في الآية: «الْأَنْدَادُ هُوَ الشِّرْكُ، أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: وَاللَّهِ، وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ، وَحَيَاتِي، وَتَقُولَ: لَوْلَا كُلَيْبَةُ هَذَا؛ لَأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَوْلَا الْبَطُّ فِي الدَّارِ، لَأَتَى اللُّصُوصُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَقَوْل الرَّجُلِ: لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ، لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا، هَذَا كُلُّهُ بِهِ شِرْكٌ» (¬١).\rوعن عمر بن الخطاب ﵁ (¬٢) أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٢٢٩).\r(¬٢) الحديث مرويٌ عن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَحْلِفُ: وَأَبِي، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ … فذكره، وإن كان لعمر بن الخطاب ذكرٌ في الحديث، فإن هذا لا يخرج الحديث عن كونه من مسند ابن عمر، ومن ثمَّ رواه أحمد، وغيره، في مسند ابن عمر.\r(¬٣) أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٢/ ٦٩)، وابن حبان (٤٣٥٨) والحاكم في المستدرك (٢٩٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٩)، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076900,"book_id":1139,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":43,"body":"٤٣ - باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله\rعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ، فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rمراد المؤلف بالباب: أنَّ الإنسان إذا حُلف له بالله فليقنع وليرضَ؛ لأنَّ الحالف أكدَّ حلفه بالله، فمن تعظيم الله أن تقنع بمن حلف لك بالله، وسيأتي بيان هذا في الباب.\rوقد أورد المصنف حديث ابن عمر، وفي الحديث إشارةٌ إلى عدة مسائل:\rالأولى: النهي عن الحلف بالآباء، ويدخل فيه الحلف بغير الله مطلقًا، وقد وردت أحاديث عديدة فيها النهي عن الحلف بغير الله، ومنها:\r١. حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن ماجه (٢١٠١)، والبيهقي في الكبري (١٠/ ١٨١)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٣٣): إِسْنَاد صَحِيح رِجَاله ثِقَات، وقال ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٣٦): إسناده حسن، وصححه الألباني في الإرواء (٢٦٩٨).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: النهي عن الحلف بالآباء. الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. الثالثة: وعيد من لم يرضَ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076904,"book_id":1139,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":44,"body":"٤٤ - باب قول: ما شاء الله وشئت\rعن قُتيلة: «أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَأَنْ يَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ» (¬١).\rوله أيضا عن ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (¬٢).\rولابن ماجه عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال: «رَأَيْتُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، قُلْتُ: إِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قَالُوا: وَأَنْتُمْ لَأَنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنْ النَّصَارَى فَقُلْتُ: إِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، قَالُوا: وَإِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ","footnotes":"(¬١) أخرجه النسائي (٣٧٧٣)، وأحمد (٦/ ٣٧١)، والطبراني (٢٥/ ١٤)، والحاكم (٧٨١٥)، والبيهقي (٣/ ٢١٦)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٣٨ - ٢٣٩) قال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٦).\r(¬٢) أخرجه ابن ماجه (٢١١٧)، وأحمد (١/ ٢١٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٨٣)، والنسائي في الكبرى (٤٦٩٦)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٣٥)، والطبراني في الكبير (١٣٠٠٦)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076564,"book_id":1139,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":45,"body":"ونظير هذا الحديث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ اللَّهَ سيخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِى عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشر عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصر، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً؛ فَإنَّه لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُر وَزْنَكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شيءٌ» (¬١).\rوإذا كانت الأعمال تتفاضل، فإنَّ أشرفها كلمة التوحيد إذا قالها صاحبها صادقًا.\rوفي هذا يقول ابن القيم: «الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنّما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرَّجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وتأمّل حديثَ البطاقة التي توضع في كفّة ويقابلها تسعة وتسعون سجلًّا، كل سجل منها مدّ البصر، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات فلا يعذب، ومعلوم أنَّ كل موحِّدٍ له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السرّ الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣)، وابن حبان (٢٢٥)، والطبراني في الأوسط (٤٧٢٥)، والحاكم (٩)، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076909,"book_id":1139,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":45,"body":"٤٥ - باب من سب الدهر فقد آذى الله\rوقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية، الآية (٢٤)].\rفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (¬١).\rوفي رواية: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فِإنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢٢٤٦).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: النهي عن سب الدهر. الثانية: تسميته أذًى لله.\rالثالثة: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر». الرابعة: أنه قد يكون سابًّا ولو لم يقصده بقلبه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076565,"book_id":1139,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":46,"body":"انفردت بطاقته بالثقل والرزانة» (¬١).\rخامس الفضائل: أنَّ التوحيد سبب لغفران الذنوب، وأسعد الناس بشفاعة النبيّ ﷺ هم الموحدون.\r* واستدل المصنف لهذا: بحديث أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ آتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».\rولكنّ المغفرة هنا مشروطة بأن لا يكون مع الإنسان شيء من الشرك صغيره وكبيره، ولذا قال: «لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا»، قال ابن قاسم: «فمغفرة الذنوب مشروطة بالسلامة من الشرك قليله وكثيره، فالذي لا يسلم من الأكبر لا تنفعه أصلًا، والذي مات ومعه الأصغر تضعف معه، فلا يقوى قولها على تكفير السيئات، والذي معه البدع والمعاصي ينقص ثوابها» (¬٢).\r* الخلاصة: أن في توحيد الله ﷿ من الفضائل العظيمة، والمزايا الشريفة ما تبين ذكره في الباب، وكل هذا يدعو إلى العناية به، والحرص عليه، والحذر مما يناقضه.","footnotes":"(¬١) وقال كذلك: «وقريب من هذا ما قام بقلب البَغِيّ التي رأت ذلك الكلب، وقد اشتد به العطش يأكل الثرى، فقام بقلبها ذلك الوقت مع عدم الآلة وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها، ما حملها على أن غرّرت بنفسها في نزول البئر، وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحملها خفها بفيها وهو ملآن، حتى أمكنها الرقي من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذى جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب، من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورًا، فأحرقت أنوارُ هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها، فهكذا الأعمال والعمال عند الله». مدارج السالكين (١/ ٣٣٢).\r(¬٢) حاشية كتاب التوحيد (٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076914,"book_id":1139,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":46,"body":"٤٦ - باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه\rفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اِسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ: رَجُلٌ تَسَمَّى مَلَكَ الْأَمْلَاكِ؛ لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهَ» (¬١) قال سفيان مثل: «شاهان شاه».\rوفي رواية: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ» (¬٢) (¬٣).\rقوله: «أَخْنَعَ» يعني: أوضع.\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيان النهي عن التسمّي بالأسماء التي حوت أوصافًا لا تكون إلّا لله، كقاضي القضاة، أو سلطان السلاطين، وملك","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣).\r(¬٢) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١٥).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان.\rالثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه. الرابعة: التفطن أن هذا لإجلال الله تعالى سبحانه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076919,"book_id":1139,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":47,"body":"٤٧ - باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك\rعن أبي شريح ﵁ أنَّه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبيّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِي كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيان وجوب احترام أسماء الله والحذر من امتهانها أو احتقارها، أو تسمية غير الله بها، فهذه الأسماء مختصة بالله، ولذا شُرِع تغيير الاسم لاحترامها وتعظيمها.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٤٩٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٨١١)، والنسائي في الكبرى (٥٩٠٧)، وابن حبان في (٥٠٤)، والحاكم في المستدرك (٦٢)، وصححه الألباني في الإرواء (٢٦١٥).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: احترام صفات الله وأسماء الله ولو لم يقصد معناه. الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076567,"book_id":1139,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":48,"body":"يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ، فَقَالَ: اُدْعُ اَللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: اُدْعُ اَللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٦٥٤١ مختصرًا)، ومسلم (٢٢٠)، وأخرجه البخاري أيضًا (٥٧٠٥)، من طريق عامر الشعبي، فرواه عن عمران بن حصين، بدلًا من بريدة بن الحصيب، قال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٥٦): والتحقيق أنه عنده عن عمران وعن بريدة جميعًا.\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. الثانية: ما معنى تحقيقه؟\rالثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين.\rالرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.\rالخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.\rالسادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.\rالسابعة: عمق علم الصحابة بمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. الثامنة: حرصهم على الخير.\rالتاسعة: فضيلة هذه الأمّة بالكمية والكيفية. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.\rالحادية عشرة: عرض الأمم عليه ﵊. الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.\rالثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء. الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده.\rالخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة.\rالسادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة.\rالسابعة عشرة: عمق علم السلف؛ لقوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا». فعُلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.\rالثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.\rالتاسعة عشرة: قوله: «أنت منهم» علم من أعلام النبوة. العشرون: فضيلة عكاشة.\rالحادية والعشرون: استعمال المعاريض. الثانية والعشرون: حسن خلقه ﷺ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076922,"book_id":1139,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":48,"body":"٤٨ - باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول\rوقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة، الآية (٦٥)].\rعن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض- أنَّه: «قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ - يَعْنِي: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ الْقُرَّاءَ- فَقَالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَهَبَ عَوْفٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ الْقُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ اِرْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ، وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ، نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ.\rقَالَ اِبْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ الْحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٦٦)﴾ [التوبة، الآية (٦٥ - ٦٦)].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076568,"book_id":1139,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":49,"body":"(الشرح)\rهذا هو الباب الثالث في الكتاب، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب، ومناسبته للتوحيد ولما قبله.\rحينما تكلم المصنّف ﵀ في المقدمة عن التوحيد ومعناه، ثم تكلم في الباب الأوّل عن فضل التوحيد، ذكر هنا أمرًا له ارتباط بالباب قبله، وهو من فضائل التوحيد، يناله من حقق التوحيد، وهو أنَّه يدخل الجنة بغير حساب، وهذا فضلٌ يطمح إليه كل مسلم.\rوليس يخفى على الموحد الحقّ أنه إذا ما أراد تحقيق التوحيد، والقيام به على أتمّ فسيؤذى، ويبتلى من الناس، ولكنّ كلَّ هذا العناء يهون إذا استشعر المسلم الموحدُ ثمرة تحقيق التوحيد.\rفإن قيل: فما معنى تحقيق التوحيد، وبأي شيء يكون تحقيقه؟\r* المراد بتحقيقه: تنقيتهُ وتصفيتهُ وتخليصه من الشوائب والخوارم التي تؤثر فيه، وإذا عرفت أنَّ التوحيد هو الشهادتان، فإنَّ أهل العلم يقررون أنَّ تحقيق الشهادتين يكون بأمور ثلاثة:\rأولًا: تركُ الشركِ صغيره وكبيره، وهذا أهم الأمور التي يحقق بها المسلم توحيده.\rثانيًا: اجتنابُ البدع كلها.\rثالثًا: تركُ الذنوب والمعاصي؛ لأنَّ الوقوع في الذنب ينشأ من مرضٍ في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076927,"book_id":1139,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":49,"body":"٤٩ - باب قول الله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت، الآية (٥٠)]. قال مجاهد: «هذا بعملي، وأنا محقوق به»، وقال ابن عباس: «يريد من عندي».\rوقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص، الآية (٧٨)]. قال قتادة: «على علم مني بوجوه المكاسب».\rوقال آخرون: «على علمٍ من الله أني له أهل»، وهذا معنى قول مجاهد: «أوتيته على شرف».\rوعن أبي هريرة ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنَّ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرَهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ أَوْ الْبَقَرُ -شَكَّ إِسْحَاقُ- فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، وَقَالَ: بَارِكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذَرَنِي النَّاسُ بِهِ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076569,"book_id":1139,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":50,"body":"القلب كما قررّ ذلك ابن تيمية، وهذا ناشئ من ضعف تعظيم الله في القلب، إذ لو عظّم اللهَ لما عصاه، ولذا فبقدر تعظيم العبد لربّه تكون طاعته له، وقد أخبر الله أنَّ العلماء هم الذين يخشونه فقال (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، والمراد بهم العلماء به وبأوامره، حينما عرفوه عظموه فلم يعصوه.\rإذا عرفت هذا، فإنَّ من أتى بهذه الأمور، فهو محققٌ للتوحيد.\rوبعض أهل العلم يزيد أمرًا في تحقيق التوحيد، وهو أمرٌ يتفاضل فيه الناس، وهو أن يكون القلب متوجهًا إلى الله بكُلِّيته، ليس فيه التفاتٌ إلى غير الله، وهذه منزلةٌ يصل لها من كان عَمله وقوله، ونطقه وسكوته، وسائر أعماله يبغي بها الله سبحانه، وليس في قلبه التفاتٌ طرفةَ عينٍ إلى غيره ﷻ.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنّفُ في البابِ مُستدلًا على ما بوبّ عليه قولَه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل، الآية (١٢٠)]. وهي في الثناء على إبراهيم ﵈، حيث وُصِف بأنَّه كان أمّة، وأنَّه قانت، وأنَّه حنيف، وأنَّه لم يكن من المشركين.\r* فأما كونه أمّةً: فالمعنى أنَّه كان قدوةً وإمامًا معلمًا للخير، فهو إمامٌ متبوع، وهو أمّةٌ في رجلٍ؛ لأنَّه حقق التوحيد.\r* وأما كونه قانتًا: فالقانت هو الخاشع المطيع المداوم على الطاعة لا يفتر عنها.\r* وأما كونه حنيفًا: فالحنيفُ قيل هو المائل عن الشرك.\rوقال ابن القيم: «هو المقبل إلى الله المعرض عما سواه، ومَن فسره بالمائل (¬١)","footnotes":"(¬١) كالزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٢٢)، وابن فورك في تفسيره (٣/ ٢٥٥)، والقشيري في لطائف الإشارات (٥١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076931,"book_id":1139,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":50,"body":"٥٠ - باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٩٠)].\rقال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم كل اسمٍ معبّدٍ لغير الله كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب».\rوعن ابن عباس في الآية قال: «لِمَا تَغَشَّاهَا آدَمُ؛ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيْسُ، فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا اَلَّذِي أَخْرَجَكُمَا مِنَ اَلْجَنَّةِ، لَتُطِيعُنَّنِي أَوْ لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ إِيِّلٍ، فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكَ، فَيَشُقُّهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ؛ يُخَوِّفُهُمَا، سَمِّيَاهُ عَبْدَ اَلْحَارِثِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيْعَاهُ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا، فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ اَلْوَلَدِ، فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ اَلْحَارِثِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾» رواه ابن أبي حاتم (¬١).\rوله بسند صحيح عن قتادة، قال: «شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته».\rوله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: «أشفقا","footnotes":"(¬١) رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٨٦٥٤)، والحديث اختلف في صحته، وقد ضعفه ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٧٤)، والألباني في الضعيفة (٣٤٢)، وراجع تعليق الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري (١٣/ ٢٠٩)، والإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة (٢٠٩)، وسيأتي زيادة كلام في المسألة الثالثة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076570,"book_id":1139,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":51,"body":"فلم يفسره بنفس موضوع اللفظ، وإنما فسّره بلازم المعنى، فإنّ الحَنف: هو الإقبال، ومن أقبل على شيء مال عن غيره» (¬١).\rوإبراهيم ﵈ هو إمام الحنفاء، ودينه الحنيفيّة؛ لأنَّه حنف ومال عن الأديان وعبادة الأوثان إلى دين الله وحده، وحكى الله في القرآن قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام، الآية (٧٩)].\rوأما كونه لم يكن من المشركين: فهي توكيد لما سبق قبلها، فإبراهيم لم يكن من المشركين، بل هو موحّدٌ خالصٌ من شوائب الشرك، وقد خالف المشركينَ وفارقهم بقوله وفعله وبدنه، حيث إنَّه أنكر على قومه شِركَهُم، وحين أبوا اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، وقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف، الآية (٢٦)]، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وهذه حقيقة التوحيد: (أن تتبرأ من كل معبود دون الله، وكلِ من عبد مع الله غيره) وإبراهيم ﵈ حين بعثه الله كان الناسُ على الشرك والوثنية بعيدين عن عبادة الله وإفراده بالعبادة، فاجتهد في دعوتهم بكل الوسائل، ومع ذلك اجتمعوا على حربه وأذيته، فصبر على ذلك، فضاقوا به ذرعًا، فألقوه في النار، فنجَّاه الله من كيدهم، ثم هاجر عن بلادهم، فهيأ الله له من يستجيب لدعوته.\rوالمقصود من الآية: أنَّ الله تعالى وصف إبراهيمَ خليله بهذه الصفات الجليلة، التي هي أعلى درجاتِ تحقيق التوحيد، وقد رغبنا في الاقتداء والتأسي به، كما قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة، الآية (٤)]. فمن اقتدى به وحققّ التوحيد، فإنَّه يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.","footnotes":"(¬١) جلاء الأفهام (ص ٢٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076936,"book_id":1139,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":51,"body":"٥١ - باب قول الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف، الآية (١٨٠)].\rذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: «﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يُشْرِكُونَ» (¬١).\rوَعَنْهُ: «سَمُّوا اَللَّاتَ مِنَ اَلْإِلَهِ، وَالْعُزَّى مِنَ اَلْعَزِيزِ» (¬٢).\rوعن الأعمش: «يُدخلون فيها ما ليس منها» (¬٣).\r\r(الشرح)\rهذا الباب مرتبط بالأسماء والصفات لله تعالى، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: بيان أنَّ المشروع هو التوسل بالله بأسمائه","footnotes":"(¬١) الذي أخرجه الطبري (١٣/ ٢٨٢)، وابن أبي حاتم (٨٥٨٣) عن ابن عباس أنه قال: الإلحاد: التكذيب، وأما الذي فسرها ب «يشركون» فهو قتادة، انظر: تفسير الطبري (١٣/ ٢٨٢)، وابن أبي حاتم (٨٥٨٦).\r(¬٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٨٢).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها حسنى. الثالثة: الأمر بدعائه بها.\rالرابعة: ترك مَنْ عارض من الجاهلين الملحدين. الخامسة: تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076571,"book_id":1139,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":52,"body":"ومعلومٌ أنَّه حينَ يُثني الله على عبدٍ من عباده، فإنَّ المقصود من ذلك أمران:\r١ - محبةُ الذي أثنى الله عليه.\r٢ - الندب إلى الاقتداء بالصفات التي أثنى عليه بها.\rالمسألة الثالثة: استدل المصنّف للباب أيضًا بآية ثانية، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون، الآية (٥٩)] وهي قد جاءت في مَعرِضِ آياتٍ وصفَ اللهُ فيها عباده الذين يسارعون إلى الخيرات وهم لها سابقون، فمن صفاتهم أنَّهم بربهم لا يشركون، فهم سالمون من الشرك صغيره وكبيره، وهذا هو تحقيق التوحيد.\rالمسألة الرابعة: استدل المصنّف للباب بحديث ابن عباس ﵄، وهو ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ له، من طريق حصين بن عبد الله بن عبد الرحمن قال: «كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى اَلْكَوْكَبَ اَلَّذِي اِنْقَضَّ اَلْبَارِحَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ … الحديث، إلى قوله ﷺ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».\r* وقوله: «أَيُّكُمْ رَأَى اَلْكَوْكَبَ اَلَّذِي اِنْقَضَّ اَلْبَارِحَةَ؟»: الكوكبُ هو الشهابُ الذي يُرمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وانقضاض الكوكب: سقوطه، وهو أمرٌ مشاهدٌ.\r* وقوله: «اَلْبَارِحَةَ»: هي أقربُ ليلةٍ مَضت، قال ثعلب، وغيره من أهل اللغة: يقال قبل الزوال: رأيتُ الليلة، ويقال بعد الزوال: رأيتُ البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: المغرب لأبي الفتح المُطَرِّزِىّ (ص ٣٩)، والمصباح المنير (١/ ٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076939,"book_id":1139,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":52,"body":"٥٢ - بابٌ: لا يقال السلام على الله في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: «كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فِي اَلصَّلَاةِ، قُلْنَا: اَلسَّلَامُ عَلَى اَللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، اَلسَّلَام عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: لَا تَقُولُوا: اَلسَّلَام عَلَى اَللَّهِ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلسَّلَامُ» (¬١) (¬٢).\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: أراد المصنف بالباب: النهي عن قول: السلام على الله.\r* ووجه ذلك: أنَّ «السلام» من أسماء الله، وله معنيان:\r١ - السالم من كل نقص وعيب: فله الكمال المطلق من جميع الوجوه.\r٢ - المسلِّم لعباده من كل الآفات: أي: منه السلام، ولذا قال: «ومنه السلام».\rوعلى هذا: فلا يقال: (السلامُ على الله)؛ لأنَّ هذه صيغةُ دعاءٍ، وهذا فيه تنقصٌ له سبحانه، فهو غنيّ عن كل أحد، وهو الذي يُدعى، وليس بحاجة","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله.\rالرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمُهم التحيةَ التي تصلح لله.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076572,"book_id":1139,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":53,"body":"* وقوله: «فَقُلْتُ: أَنَا»: القائل حُصين، لأنه كان مستيقظًا في الليل.\r* وقوله: «أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ»: خاف أن يَظُنّ الحاضرون -وقد أخبر عن رؤيته للكوكب- أنَّه كان يصلي من الليل، فدفع ذلك بقوله: لم أكن إذ سهرت أتهجد، وفيه بُعد السلف عن الرياء وأن يثنى عليهم بما لم يعملوا.\r* وقوله: «وَلَكِنِّي لُدِغْتُ»: ذكر السبب في كونه كان مستيقظًا أنَّه لدغته عقرب أو نحوها.\r* وقوله: «قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ»: أي طلبت من يرقيني.\r* وقوله: «فَمَا حَمَلكَ عَلَى ذَلِكَ؟»: أي ما دليلك وما مستندك في هذا الفعل، وفيه عنايتهم بالدليل في كل أمورهم.\r* وقوله: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (¬١): العين: هي إصابة العائن غيرَه بعينه، والحُمة: بالضمّ لدغةُ إحدى ذواتِ السموم، كالعقرب ونحوها.\r@ومعنى الحديث، كما ذكر الخطابي: «أنَّه لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة». ا. هـ (¬٢)، وتجوز في غيرهما، لكنها فيهما أنفع.","footnotes":"(¬١) لفظة «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» موقوفة على بريدة كما في الصحيحين، وقد رواه ابن ماجه (٣٥١٣) عنه مرفوعًا، ورواه أحمد (٤/ ٤٣٨)، وأبو داود (٣٨٨٤) والترمذي (٢٠٥٧)، عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا، قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١١١): «رجال أحمد ثقات»، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٤٩٦).\rوللحديث شواهد أخرى بلفظه عن أنس. علل الحديث لابن أبي حاتم (٦/ ٣٢٩) -، وميمونة -علل الحديث لابن أبي حاتم (٦/ ١٩٩) -، بمجموعها يرتقي للاحتجاج به.\r(¬٢) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٣/ ١١١٢)، ونقله عنه: القاضي عياض في إكمال المعلم (١/ ٦٠٦)، والنووي في شرح مسلم (٣/ ٩٣)، وابن قرقول في مطالع الأنوار (٣/ ٤٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076941,"book_id":1139,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":53,"body":"٥٣ - باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اَللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ اَلْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ» (¬١).\rولمسلم: «وَلْيُعَظِّمْ اَلرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (¬٢) (¬٣).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ المرء ينبغي له إذا أراد تحقيق التوحيد أن يتضرع لله بتمام الذلّ والخضوع والتعظيم لله، ومن ذلك أن لا يقول في دعائه: اغفر لي إن شئت، وعِلّةُ النهي مِنْ وجهين:\r١. أنَّ العبد لا غنى له عن الله، وتعليقهُ الدعاءَ بالمشيئةِ فيه إيهامٌ بالاستغناءِ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢٦٧٩).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك.\rالثالثة: قوله: «ليعزم المسألة». الرابعة: إعظام الرغبة. الخامسة: التعليل لهذا الأمر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076945,"book_id":1139,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":54,"body":"٥٤ - باب لا يقول: عبدي وأمتي\rفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: معلومٌ أنَّ الإنسان ينبغي أن يوحِّدَ الربوبية لله بقلبه، وأن يتحرز من الألفاظ التي توهم جعل شيء من الربوبية بلسانه.\rفالمراد بالباب: النهي عن هذه الألفاظ، وبيانُ أنَّ تحقيق التوحيد وكمالَه يكون بالتحرز منها، وتركُ قولها هو أدبٌ مع الله، وحمايةٌ لجناب التوحيد.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: النهي عن قول: «عبدي وأمتي».\rالثانية: لا يقول العبد لسيده: «ربي»، ولا يُقال له: «أطعم ربك».\rالثالثة: تعليم الأول قول: «فتاي وفتاتي وغلامي».\rالرابعة: تعليم الثاني قول: «سيدي ومولاي».\rالخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076574,"book_id":1139,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":55,"body":"* وقوله: «قَدْ أَحْسَنَ مَنِ اِنْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ»: لأنَّه أخذ بما بلغه من العلم، فهو محسن.\r* وقوله: «عُرِضَتْ عَلَيَّ اَلْأُمَمُ»: في رواية الترمذي والنسائي أنَّ العرض كان ليلة الإسراء والمعراج، وقيل: «كان في المنام» (¬١).\r* وقوله: «اَلرَّهْطُ»: الجماعة دون العشرة، والمراد: أن بعض الأنبياء لا يتبعه إلا الرهط، وبعض الأنبياء وليس معه إلّا رجلٌ أو اثنان، وبعضهم ليس معه أحدٌ، فالأنبياء متفاوتون في الأتباع كثرةً وقِلّةً، وليست هي القياس في إصابة الحقّ.\r* وقوله: «وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»: في هذا أعظم عزاء للدعاة إلى الله، حين لا يستجب لهم الناس أو يقلّ المستجيبون، فلهم أسوة بالأنبياء ما دام منهجهم سليمًا.\r* وقوله: «سَوَادٌ عَظِيمٌ»: رُفِع لي أشخاصٌ كثيرةٌ لا أدري من هم، ولم أميزهم لبعدهم.\r* وقوله: «فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي»: إنما ظنّ ذلك لِما أوحي إليه، واطّلع عليه من كثرة أمّته.","footnotes":"(¬١) الفتح (٤٠٧/ ١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076952,"book_id":1139,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":55,"body":"٥٥ - بابٌ لا يرد من سأل بالله\rعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ، فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ، فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: أنّ من تعظيم الله وإجلاله أنَّ السائل إذا","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٥١٠٩)، والطيالسي (١٨٩٥)، وأحمد (٢/ ١٢٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١٦)،، والنسائي في الكبرى (٢٣٥٩)، وابن حبان (٣٤٠٨)، والحديث مروي من طريق الأعمش وليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ مرفوعًا.\rوقد ذكر في بعض طرقه إبراهيم التيمي بين مجاهد والأعمش، لكن صوب الدارقطني-في علله (١٢/ ٣٧٤) - الحديث بإسقاط التيمي، والحديث صححه ابن حبان، والألباني في الصحيحة (٢٥٤).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: إعاذة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله. الثالثة: إجابة الدعوة.\rالرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أنّ الدّعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: «حتى تُرَوا أنكم قد كافأتموه».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076575,"book_id":1139,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":56,"body":"وكون النبي ﷺ لم يعرف أمّته، وقد أخبر بأنَّه يعرفهم من أثار الوضوء: لأنَّ الذين رآهم كانوا من بُعد، فلم يميز أعيانَهم، فلو قربوا عرفهم.\r* وقوله: «وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ»: من ضمن هذه الأمّة سبعون ألفًا يدخلون الجنّة بلا حساب ولا عذاب؛ لتحقيقهم التوحيد، وهؤلاء من أمّة محمد ﷺ، وقد ورد زيادة على السبعين ألفًا، فقد ورد من حديث أبي هريرة ﵁: «فَاسْتَزَدْتُ، فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا» (¬١).\r* وقوله: «فَخَاضَ اَلنَّاسُ فِي أُولَئِكَ»: أي تباحثوا وتناقشوا في هؤلاء السبعين ألفًا، بأي شيء وصفةٍ نالوا هذه الدرجة والمنزلة.\rوفيه: إباحة المناظرة في أمور العلم، ولو كان بغير علم مادام لم يجزم فيه بيقين.\r* وقوله: «هُمُ اَلَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ»: أي لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيهم، وهذا من تمام توكّلهم على الله، واستسلامِهم لقضائه، وصبرهم بل وتلذذهم بالبلاء.\rوقد ورد عند مسلم في صحيحة لفظة: «لا يرقون» وهي خطأ من وجهين:\r١ - من جهة الإسناد: حيث إنَّها شاذة، تفرد بها سعيد بن منصور عن هشيم،","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٩)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٠٤): رجاله رجال الصحيح.\rوقال ابن حجر: إسناده جيد، والحديث في إسناده ضعف، لكن له شواهد، وورد في المسند أيضًا «مع كل واحد سبعين ألفًا»، لكنه ضعيف، فيه راويان، أحدهما ضعيف، والآخر لم يسم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076955,"book_id":1139,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":56,"body":"٥٦ - باب لا يُسأل بوجه الله إلا الجنةُ\rعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ، إِلَّا الْجَنَّةُ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: أراد المصنف بالباب: أن يبين أن مِنْ كمال التوحيد، وتعظيم الله، ألا يُسأل بوجه الله العظيم إلا عظيم، وهي الجنةُ وما يُقرِّبُ لها، فلا يُسأل بوجهه سبحانه أمرٌ دنيويٌ ونحو ذلك، بل يُنزَّهُ اللهُ عن ذلك.\rالمسألة الثانية: أورد المصنف حديث جابر بن عبد الله، وهو من طريق سليمان ابن قرم بن معاذ، حدثنا ابن المنكدر، عن جابر ﵁ مرفوعًا.\rوالحديث إسناده ضعيف؛ لأن مداره على سليمان بن قرم بن معاذ التميمي، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين، والنسائي، وقال أبوحاتم: «ليس بالمتين»، وقال أبوزرعة: «ليس بذاك»، وقد تفرد به، قال ابن عدي: «وهذا الحديثُ لا","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (١٦٧١)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ١٩٩)، والبيهقي في الشعب (٣٢٥٩)، وفي الأسماء والصفات (٦٦١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٥١).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: النهي عن أن يُسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076576,"book_id":1139,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":57,"body":"ورواه عن هشيمٍ جماعة غير سعيد، ولم يذكروا هذه اللفظة (¬١).\r٢ - من جهة المتن والمعنى: فإنّ معناها أنَّهم لا يرقون أنفسهم ولا غيرهم، وهذا خلاف ما ثبت عن النبيّ ﷺ من فعله، فإنَّه كان يرقي نفسه، ومن قوله، حيث قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (¬٢)، «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (¬٣)، وقد رقى النبيُّ ﷺ بعضَ أصحابه، ورقاه جبريل، بدون طلب منه (¬٤).\r*فإن قيل: هل الرقية ممنوعة إذن؟ وهل يخرج صاحبها من السبعين ألفًا؟\rأ- إن كانت بغير طلبٍ فجائزة، وقد رقى جبريلُ النبيَّ ﷺ، ولا تنافي كمال التوكل.\rب- إن كانت بطلبٍ فجائزةٌ، وهي تنافي كمال التوكل؛ لأنَّه غالبًا يلتفت القلب إلى الرقية مع أنَّها سبب، وهذا مُخِلٌّ بكمال التوكل.\rوقد قيل: إنَّ النبيّ ﷺ نبَّه على الاسترقاء وكذا الاكتواء؛ لأنَّ القلوب غالبًا تتعلق بهما، ولكن إذا استرقى أو اكتوى وقلبه معلق بالله فإنَّه لا يخرج","footnotes":"(¬١) انظر: كلام الألباني في الضعيفة (٨/ ١٦٩).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢١٩٩) من حديث أَبي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ، وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرْقِي؟ فقَالَ ﷺ: فذكر.\r(¬٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.\r(¬٤) أخرجه مسلم (٢١٨٦) من حديث أبي سعيد، أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد، اشتكيت؟ فقال: «نعم» قال: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076957,"book_id":1139,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":57,"body":"٥٧ - باب ما جاء في ال\"لو\"\rوقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)]. وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران، الآية (١٦٨)].\rفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ اَلشَّيْطَانِ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: أراد المصنّف بالباب: أن يبين ما جاء في قول: «لو» عند","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير الآيتين في آل عمران. الثانية: النهي الصريح عن قول: «لو» إذا أصابك شيء.\rالثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.\rالخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076577,"book_id":1139,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":58,"body":"من السبعين ألفًا؛ لأنَّ الحديث معللٌ بِعلّةٍ وهي: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».\rلكن عقّب على هذا بعض أفاضل أهل العلم بقوله: «هذا من مضائق الأمور، التي لا تكاد تحصل لأحدٍ إلّا للنبي ﷺ، فإنَّه قلّما يُرقى شخصٌ أو يُكوى إلّا ويلتفتُ المرقي والمكوي لهذا الأمر».\r• أما ما يتعلق بالراقي نفسه: فإنه محسنٌ لغيره برقيته، وليس هو كالمسترقي الذي طلب من غيره والتفت قلبه لذلك، وعلى هذا فلا يخرج الراقي من السبعين ألفًا، وقد سبق التنبيهُ على شذوذ لفظة: «لا يرقون».\r* وقوله: «وَلَا يَكْتَوُونَ»: أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، وكذا لا يكوون أنفسهم، وهذا من تمام توكلهم واستسلامهم لقضائه ﷿.\rوقد ورد في الاكتواء عدةُ أحاديثَ، منها: حديثُ جابر ﵁: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ» (¬١).\rوحديث جابر بن عبد الله ﵁: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي .. أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (¬٢).\rقال ابن القيم ﵀: «تضمنت أحاديث الكيِّ أربعةَ أنواع: فعله - عدم محبته له - الثناء على من تركه - النهي عنه، ولا تعارض فيها بحمد الله؛ فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، أما الثناءُ على تركه فيدل على أن تركَه أفضلُ وأولى، وأما النهيُ عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهية» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٢٠٧).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٥٧٠٢)، ومسلم (٢٢٠٥).\r(¬٣) زاد المعاد (٤/ ٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076963,"book_id":1139,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":58,"body":"٥٨ - باب النهي عن سب الريح\rعن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: بيان ما ورد من النهي عن سبِّ الريح، ويدخل فيها سبّ غيرها مما يقدّره الله، ومن جنود الله.\rومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ سبّ الريح وغيرها من المخلوقات نقصٌ","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢٢٥٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٠٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٩١٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٩٨) وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في الصحيحة (٢٧٥٦).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: النهي عن سب الريح. الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره.\rالثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076578,"book_id":1139,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":59,"body":"* وقوله: «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»: أي لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، وسيأتي الكلام على الطيرة في باب مستقل، وأصله من التشاؤم بالطير ولكنه أعمّ، فهو التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، أو الزمان أو المكان المعين، أو الطيور ونحوها، والطيرة كانت موجودة عند العرب، ويأتي بيانها في بابها.\r* وقوله: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»: هذا الأصلُ الجامع الذي تفرّعتْ عنه هذه الأعمال والخصال، وهو التوكلُ على الله وصدق الالتجاء إليه.\rوليس معنى الحديث أن الأخذَ بالأسبابِ يُنافي التوكل، بل إنَّ الأخذ بالأسباب أمَرَ اللهُ به، وقد أمر النبيُّ ﷺ بالتداوي، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً» (¬١)، ولذلك فالتوكّل صدق اللجأ إلى الله بدفع الضرّ وجلب النفع مع فعل السبب.\rفإن قيل: فكيف نجمع بين كون الأخذ بالأسباب مطلوب، وبين: أن ترك طلب الرقية والاكتواء من التوكل، وفعلهما ينافي كمال التوكل؟\r* أما الاسترقاء: فإنْ سببه خفي، فيؤدي ذلك إلى التفات القلب إلى الراقي.\r* وأما التداوي: فإنَّه يختلف عنه من وجهين.\r١. أنَّ التداوي سببه ظاهر، وهو الدواء المشاهَد، بخلاف الرقية.\r٢. أنَّ النبيّ ﷺ تداوى وأمر بالتداوي، ولو كان قادحًا في التوكّل لما أمر به ﷺ.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٢٠١٥ - ٣٨٥٥)، والترمذي (٢١٥٩)، وأحمد (٤/ ٢٧٨)، والنسائي في الكبرى (٧٥١١ - ٧٥١٢)، وابن حبان (٦٠٦١)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076967,"book_id":1139,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":59,"body":"٥٩ - باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)].\rوقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح، الآية (٦)].\rقال ابن القيم في الآية الأولى: «فُسِّر هذا الظنُّ بأنَّه سبحانه لا ينصر رسوله، وأنَّ أمره سيضمحل، وفُسِّرَ بأنَّ ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتمّ أمرُ رسوله، وأن يُظهِره الله على الدين كله، وهذا هو ظنّ السوء الذي ظنّ المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا الظنّ السوء؛ لأنَّه ظنّ غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.\rفمن ظنّ أنَّه يُدِيلُ الباطل على الحق إدالةً مستقرةً يضمحل معها الحقُّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.\rوأكثرُ الناسِ يظنّون بالله ظنّ السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076579,"book_id":1139,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":60,"body":"* وأما الكيّ: فسببه ظاهر كذلك، لكن لم يلحق بالتداوي؛ لأنَّ الشرع نهى عنه وكرهه، والنبيّ ﷺ أثنى على من تركه، وقال: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ».\r* وقوله: «فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ، فَقَالَ: اُدْعُ اَللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتَ مِنْهُمْ»، وفي رواية البخاري: «اللهم اجعله منهم» ويجمع بين الروايتين بأنَّه سأل الدعاء أولًا فدعا له، ثم استفهم هل أجيب؟ فأخبر.\r* وقوله: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»: قال بعضهم: كأنَّ الرسول ﷺ علم أنَّ هذا الرجلَ لا يصل إلى هذه المرتبة فعرّض له بالكلام، ولم يقل له: لست منهم، وقال ذلك أيضًا: سدًّا للذريعة؛ لئلا يتتابع الناس، فيسأل من ليس أهلًا فَيُرَدّ، فيعرفه الحاضرون.\rولا يصح القول بأنَّه منافق؛ لأنَّه قلَّ أن يصدُرَ هذا السؤال إلّا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق الرسول ﷺ، فكيف يصدر ذلك من منافق؟\r* والخلاصة: أنَّ من صفة هؤلاء الذين يدخلون الجنّة بلا حساب أنَّهم أهل توكل وتوحيد، ولذا فهم لا يسترقون ولا يكتوون، ولو كان قد وقع لهم شيء فإنَّهم يتوبون إلى الله من طلب مثل هذه الأمور، وقد أخبر سعيدُ بن جبير حصينًا بهذا الحديث -وقد كان يسترقي- ليتوب منه، فدل على أن من تاب من هذه الأمور يرجى له أن يدخل في زمرة السبعين ألفًا، والله أعلم.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076972,"book_id":1139,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":60,"body":"٦٠ - باب ما جاء في منكري القدر\rوقال ابن عمر ﵁: «وَاَلَّذِي نَفْسُ اِبْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ».\rثم استدل بقول النبيّ ﷺ: «اَلْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (¬١).\rوعن عبادة بن الصامت أنَّه قال لابنه: «يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ اَلْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ اَلْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، فَقَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ اَلسَّاعَةُ\" يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي» (¬٢).\rوفي رواية لأحمد: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ تَعَالَى اَلْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ اَلسَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٨).\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥ - ٣٣١٩، وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ١١٤)، وأحمد (٥/ ٣١٧) والفريابي في القدر (٧٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٧)، والآجري في الشريعة (١٨٠)، والبيهقي في القضاء والقدر (٢٠٩).\r(¬٣) مسند أحمد (٥/ ٣١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076982,"book_id":1139,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":61,"body":"٦١ - باب ما جاء في المصورين\rعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؛ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيْرَةً» (¬١).\rولهما عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» (¬٢).\rولهما عن ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (¬٣).\rولهما عنه مرفوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا، كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» (¬٤).\rولمسلم عن أبي الهياج قال: «قال لي علي ﵁: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا؛","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٥٩٥٤)، ومسلم (٢١٠٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٢٢٢٥)، ومسلم (٢١١٠) واللفظ لمسلم.\r(¬٤) أخرجه البخاري (٥٩٦٣)، ومسلم (٢١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076581,"book_id":1139,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":62,"body":"ولمسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rهذا الباب الذي عقده المصنّف هو بعنوان الخوف من الشرك، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب، ومناسبته لما قبله.\rأراد المصنّفُ بالبابِ أن يذكر النصوصَ التي تُبيِّنُ وجوبَ الخوفِ من الشرك والتحذيرَ منه، وما يترتب على الوقوع فيه من الخسران الأبدي، والعذاب السرمدي؛ لأنَّه أعظم ذنبٍ عُصِيَ اللهُ به، فينبغي للمؤمن أن يخاف منه ويحذره، ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه؛ لئلا يقع فيه، فما خاف الشركَ إلا مؤمنٌ، وما أَمِنَهُ إلّا جاهل.\rومناسبة الباب للتوحيد ولما قبله: أنَّه لما ذكر المؤلف التوحيد ومعناه وفضله وثواب من حققه، ناسب أن يذكر الخوف من ضدّه وهو الشرك، وقد قال المتنبي:","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٩٣)، وله شاهد من حديث أنس أخرجه البخاري (١٢٩).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: الخوف من الشرك. الثانية: أن الرياء من الشرك. الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.\rالرابعة: أنه أخوف ما يُخاف منه على الصالحين. الخامسة: قرب الجنة والنار.\rالسادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.\rالسابعة: أن من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار ولو كان من أعبد الناس.\rالثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.\rالتاسعة: اعتباره بحال الأكثر؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم، الآية (٣٦)].\rالعاشرة: فيه تفسير (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري.\rالحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076989,"book_id":1139,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":472,"sequence_num":62,"body":"٦٢ - باب ما جاء في كثرة الحلف\rوقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة، الآية (٨٩)].\rعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اَلْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (¬١).\rوعن سلمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اَللَّهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشَيمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اَللَّهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ» (¬٢).\rوفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَنُ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٢٠٨٧)، ومسلم (١٦٠٦).\r(¬٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٤٦)، وفي الأوسط (٥٥٧٧)، والصغير (٨٢١)، والبيهقي في الشعب (٤٥١١)، وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ٧٨)، وقال: «رواته محتج بهم في الصحيح»، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٦٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076582,"book_id":1139,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":63,"body":"وبضدها تتميز الأشياء (¬١)\rالمسألة الثانية: الشركُ لغةً: بمعنى: الحصّةِ والنصيب، وكونِ أحد الشيئين فأكثر خليطًا مع آخرَ في أمرٍ ما، حسّيًا كان أو معنويًا.\rوالشركُ جمعه أشراك، كشبر وأشبار، والإشراك إفعالٌ، وهو جعل الشيء خليطًا مع آخر في حصة ونصيب (¬٢).\rوأما في الشرع فله معنيان: عامٌ وخاصٌ.\r١ - المعنى العام: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه، وبعبارة أخرى: هو تشبيه المخلوق بالخالق ﷿ (¬٣).","footnotes":"(¬١) هذا عجز بيت، وصدره: ونذَيمهم وبهم عرفنا فضله. انظر: الحماسة المغربية (١/ ٤٧٣)، والوساطة بين المتنبي وخصومه (ص: ٢٧٨).\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٧ - ١٨)، لسان العرب (١٠/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، القاموس المحيط (٣/ ٣٠٨).\r(¬٣) ووجه هذا يتضح بما ذكره الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، حيث قال: من خصائص الألوهية: التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعلق الدّعاء والخوف والرّجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وجعل من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورا، فضلًا عن غيره شبيهًا لمن الأمر كله له.\rومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب- كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.\rومن خصائص الألوهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به في خالص حقه. منهاج التأسيس والتقديس، لعبد اللطيف بن عبد الرحمن (ص: ٢٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076995,"book_id":1139,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":63,"body":"٦٣ - باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه\rوقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل، الآية (٩١)].\rوعن بريدة ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سريَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تمثلوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشركِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلَالٍ- فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أنَّهمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أنَّهمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِى يَجْرِى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شيءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ.\rوَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076583,"book_id":1139,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":64,"body":"ويندرج تحته ثلاثة أنواع:\rالأول: الشرك في الربوبية: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الربوبية، أو نسبةُ شيءٍ منها إلى غيره، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير لهذا الكون ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر الآية: (٣)] (¬١).","footnotes":"(¬١) وللشرك في الربوبية نوعان، ذكرهما ابن القيم، الأول: شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وما رب العالمين؟ وقال لهامان: ابن لي صرحًا، لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين، والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًّا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد.\rومن هذا: شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق.\rومن هذا: شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.\rالنوع الثاني: شرك من جعل معه إلهًا اخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا، ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.\rومن هذا: شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا أشباه المجوس. الداء والدواء (١/ ٢٩٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076999,"book_id":1139,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":64,"body":"٦٤ - باب ما جاء في الإقسام على الله\rعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿ مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (¬١)، وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: «تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ، أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ» (¬٢) (¬٣).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: الإقسام على الله: هو الحلف على الله أن يفعل كذا، كأن يقول: أقسمتُ عليك يا ربِّ أن تفعل لي كذا، ونحو ذلك، والمصنّف ذكر في","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٦٢١).\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٤٩٠١)، وأحمد (٢/ ٣٢٣)، والبزار (٩٤١٨)، وابن حبان (٥٧١٢)، والبيهقي في الشعب (٦٦٨٩)، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة (٢٣٤٧).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: التّحذير من التألي على الله. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. الثالثة: أن الجنة مثل ذلك.\rالرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» إلى آخره. الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076584,"book_id":1139,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":65,"body":"الثاني: الشرك في الأسماء والصفات: وهو تسوية غير الله بالله في شيء منها، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: (١١)] (¬١).\rالثالث: الشرك في الألوهية: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الألوهية، كالصلاة والدعاء والاستغاثة والذبح ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة الآية: (١٦٥)].\r٢ - المعنى الخاص: وهو أن يتخذ للهِ ندًا يدعوه كما يدعو الله، ويسأله الشفاعة كما يسأل الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويحبّه كما يحب الله، وهذا هو المعنى المتبادر من كلمة «الشرك» إذا أُطلِقت في القرآن أو السنة.\r* وينقسم الشرك إلى قسمين: أكبر، وأصغر.\rأ) الشرك الأكبر: وهو اتخاذ ندٍّ مع الله، يُعبد كما يُعبد الله، وهو ناقلٌ من ملة الإسلام محبطٌ للأعمال، فمثاله في الاعتقادات: اعتقاد أنَّ غير الله يستحق العبادة، ومثاله في الأعمال: الذبح لغير الله، ومثاله في الأقوال: دعاءُ غيرِ","footnotes":"(¬١) وللشرك في الأسماء والصفات نوعان:\rالأول: شرك مَنْ شبّه الله بخلقه، كمن يقول: له يدٌ كيدي، أو استواء كاستوائي، أو سمعٌ كسمعي أو نحو ذلك، وهذا هو شرك المشبهة.\rوثانيهما: تسمية الآلهة بأسماء الله تعالى، كتسمية المشركين آلهتهم بأسماء مشتقة من أسماء الله تعالى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077003,"book_id":1139,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":65,"body":"٦٥ - باب لا يستشفع بالله على خلقه\rعن جبير بن مطعم ﵁ قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! نُهِكَتِ اَلْأَنْفُسُ وَجَاعَ اَلْعِيَالُ، وَهَلَكَتِ اَلْأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْكَ، وَبِكَ عَلَى اَللَّهِ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: سُبْحَانَ اَللَّهِ! سُبْحَانَ اَللَّهِ! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اَللَّهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ»، وذكر الحديث (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٦)، وابن خزيمة في التوحيد (١٠٣)، والبزار (٣٤٣٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٢٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٤١٧)، والآجري في الشريعة (٦٦٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، وإسناده ضعيف.\rقال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، ولم يقل فيه محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة.\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليك. الثانية: تَغَيُّره تغيرًا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة.\rالثالثة: أنه لم يُنْكِر عليه قوله: «نستشفع بك على الله».\rالرابعة: التنبيه على تفسير سبحان الله. الخامسة: أنَّ المسلمين يسألونه الاستسقاء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077007,"book_id":1139,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":66,"body":"٦٦ - باب ما جاء في حماية النبيّ ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك\rعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «اِنْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: اَلسَّيِّدُ اَللَّهُ ﵎، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ» (¬١).\rوعن أنس ﵁: «أَنَّ نَاسًا قَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ! يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ! قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اَللَّهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي اَلَّتِي أَنْزَلَنِي اَللَّهُ ﷿» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١١)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤٨٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٨٩)، وإسناده صحيح.\r(¬٢) أخرجه عبد بن حميد (١٣٠٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٠٦)، وابن حبان (٦٢٤٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٤٩٨)، والضياء (١٦٢٦)، وإسناده صحيح.\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: تحذير الناس من الغلو. الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: «أنت سيدنا».\rالثالثة: قوله: «لا يستجرينكم الشيطان»، مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. الرابعة: «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076586,"book_id":1139,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":67,"body":"ووسيلةً للوقوع فيه، ونهى عنه الشرع وسمّاه شركًا، ولا يُخرِجُ من المِلّة (¬١).\rوقد يكون في الأعمال، ومن ذلك يسير الرياء كما قال ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ: الشركُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشركُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ».\rوقد يكون في الأقوال: ومنه الحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي ﷺ قوله: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشركَ» (¬٢).\rوقد يصيرُ الشركُ الأصغرُ شركًا أكبر، بحسب ما يقوم بقلب صاحبه (¬٣) (¬٤).\rالمسألة الثالثة: يجب على كل مسلمٍ أن يخافَ من الوقوع في الشرك،","footnotes":"(¬١) وهذا تعريف أغلبي، وإلا فقد يندّ منه بعض المسائل مما يكون وسيلة للشرك الأكبر، ولكنه ليس بشرك، وذلك كالصلاة لله عند القبر، فهذا بدعة، ونحو ذلك.\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) من حديث ابن عمر، وسيأتي تخريجه.\r(¬٣) والشرك الأصغر على نوعين:\rالنوع الأول: الشرك الظاهر: وهو ما يقع في الأقوال والأفعال، فشرك الألفاظ كالحلف بغير الله تعالى، فقد سمع ابنُ عُمر رجلًا يحلفُ: لا والكعبة، فقال له ابنُ عمر: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ حلَفَ بغيرِ الله فقد أشركَ»، وشرك الأفعال كلبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، فمن اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاءِ ودفعه فهو شرك أصغر، وأما إن اعتقد أنها تدفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر.\rالنوع الثاني: الشرك الخفي: هو الشرك في النيات والمقاصد والإرادات، كالرياءِ والسمعة كمن يعمل عملًا مما يتقرب به إلى الله، فيُحسن عمله من صلاةٍ أو قراءةٍ؛ لأجل أن يمدح ويثنى عليه.\r(¬٤) انظر: مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد. (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول) (ص: ٢٩٥)، فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٥١٦) نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة للشيخ سعيد بن وهف القحطاني (ص: ٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077011,"book_id":1139,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":67,"body":"٦٧ - باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر، الآية (٦٧)].\rعن ابن مسعود ﵁ قال: «جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اَلْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اَللَّهَ يَجْعَلُ اَلسَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ اَلْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا اَلْمَلِكُ، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِ اَلْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر، الآية (٦٧)]».\rوفي رواية لمسلم: «وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا اَلْمَلِكُ، أَنَا اَللَّهُ».\rوفي رواية للبخاري: «وَيَجْعَلُ اَلسَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ اَلْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ» (¬١).\rولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: «يَطْوِي اَللَّهُ اَلسَّمَاوَاتِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اَلْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا اَلْمَلِكُ أَيْنَ اَلْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ اَلْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري (٤٨١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076587,"book_id":1139,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":68,"body":"وأن لا يأمن من ذلك، وأورد المصنف قول الخليل ﵈: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم الآية: (٣٥)]، أي: اجعلني وبَنيَّ في جانب، والأصنام في جانب، وباعد بيننا وبينها.\rفإذا كان إبراهيم ﵈ وهو سيدُ الحنفاءِ، ومَن حارب الوثنية وأوذي في ذلك أذى كبيرًا، وهاجر من بلده إلى بلد آخر دعوة للتوحيد، ومع هذا يخاف على نفسه الوقوع في الشرك، ويسأل الله أن يجنّبه وبنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟! لا شك أنَّه أولى بالخوف من الشرك وعدم الأمن من الوقوع فيه، ولهذا قال إبراهيم التيمي: «ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!» (¬١).\rوبهذا تعرف خطأ بعض الناس وجهلَهم حينما قالوا: إن الشرك بعيدٌ منا، ونحن أهلُ توحيد، فوقعوا في الشرك وهم غافلون.\rفإن قيل: فما المراد بقوله (وبَنيّ) وهل استجاب الله دعاء إبراهيم ﵈ بذلك؟\r* قيل: المراد بهم من كان مِنْ صُلبِه وهم إسماعيل وإسحاق، واختاره صاحب التيسير (¬٢)، وعليه فإنَّ الله استجاب دعاءه.\r* وقيل: المراد بهم من كان من ذريته وما توالد منهم، ورجحه العثيمين، وعليه فإنَّ الله استجاب في بعض ذريته دون بعض.\rالمسألة الرابعة: ساق المصنّف في الباب حديث محمود بن لبيد مرفوعًا:","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري (٧/ ٤٦٠).\r(¬٢) هو الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، حفيد المؤلف، ولد عام (١٢٠٠ هـ)، وقتله إبراهيم باشا عام (١٢٣٣ هـ) حين استولى على الدرعية، وكتابه تيسير العزيز الحميد أول شرح لكتاب التوحيد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076588,"book_id":1139,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":69,"body":"«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، فسئل عنه، فقال: الرِّيَاءُ».\rوالمصنّف أورد الحديث مختصرًا، وتمامه: «قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ ﷿ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟»، وفي هذا الحديث حذّر النبيّ ﷺ أمّته من الشرك وخافه عليهم، مع أنَّ خطابه المباشر كان للصحابة وهم أفاضل الناس، ومع هذا خاف عليهم الشرك.\rوأشدُّ ما خافه عليهم ﷺ: الشرك الأصغر، الذي من صوره: الرياء.\rوالرياءُ: هو أن يأتي بالعبادة؛ ليراه الناس، فيمدحوه على عبادته.\rوإنّما اشتد خوفُ النبيّ ﷺ على أصحابِه من الشرك الأصغر وهو الرياء دون الأكبر؛ لأنَّ الداعي إلى الرياء أقوى، فهو أخوف ما يخاف على الصالحين، بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر؛ فإنَّه ضعيفٌ في قلوب المؤمنين الكاملين، وهذا لا يعني أن يأمن الإنسانُ على نفسِه من الشرك الأكبر، فقد أخبر النبيّ ﷺ أنَّه سيقع في أمته عبادة الأوثان (¬١)، فعلى المسلم أن يحذر من الشرك الأكبر والأصغر.\rواعلم أنَّ الرياء أمره عظيم، ولا يأمن منه تمامًا إلّا الموفق، فالإخلاص عزيز، والنفس تحبّ العلو، ولا يتأتّى حجبها وترويضها إلّا بالعلم بالله والمجاهدة للنفس.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦) من حديث أبي هريرة، قال: قال رَسُول اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الخَلَصَةِ» وَذُو الخَلَصَةِ: طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076589,"book_id":1139,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":70,"body":"وإذا كان حُبُّ الظهورِ داءً بُلي به الكثير، فإنَّ الرياء يقرب ممن أحبّ الظهور، وقد قال ابن القيم: «لَا يجْتَمع الْإِخْلَاص فِي الْقلب، ومحبة الْمَدْح وَالثنَاء والطمع فِيمَا عِنْد النَّاس، إِلَّا كَمَا يجْتَمع المَاء وَالنَّار، والضب والحوت» (¬١).\rوالرياء: هو الشرك الخفي، وإنّما صار شركًا؛ لأنَّ فيه نوع إشراك في صرف العبادة، فالمرائي مراده من فعله نظر المخلوق إليه وثناؤه ومدحه، وإنّما صار خفيًا؛ لأنَّه يخفى عن الناس، وقد ورد عند مسلم: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (¬٢).\rالمسألة الخامسة: ساق المصنّف في الباب حديثي ابن مسعود، وجابر ﵄، في بيان التحذير من الشرك والتخويف منه.\rفأمّا حديث ابن مسعود فهو قوله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا، دَخَلَ النَّارَ»، والنّد: هو النظيرُ والشبيهُ والمثيل.\rواتخاذ النّدِ من دون الله نوعان:\r١ - شركٌ أكبر: بأن يجعل لله ندًا في أنواع العبادة، أو بعضها كالدعاء أو نحوه.\r٢ - شركٌ أصغر: وهو ما يكون من نوع الشرك الأصغر، كيسير الرياء، وقول: ما شاء الله وشئت.\rوأما حديث جابر ﵁، فهو قول النبيّ ﷺ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ».","footnotes":"(¬١) الفوائد (ص: ١٤٩)، وراجع بقية كلامه في هذا الفصل، فإنه في غاية النفاسة.\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076590,"book_id":1139,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":71,"body":"ومعنى الحديث: أنَّه من مات وعنده شيء من الشرك فإنَّه يدخل النار، وقد يكون دخولًا مطلقًا، وهذا لمن كان شركه أكبر، وقد يكون دخوله مقيدًا، وهذا لمن كان شركه أصغر، وأما من مات غير مشرك، بل موحد فإنَّه يُقطَعُ له بدخول الجنة، لكن إن كان صاحبَ كبائر مُصِّرًا عليها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه ودخل الجنة مباشرة، وإلا عُذِّبَ في النار ثم دخل الجنة، وإن لم يكن صاحب كبائر ولا ذنوب فإنَّه يدخلها مباشرة، وقد ورد عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ، ثلاثًا، وقال في الرابعة: على رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» (¬١).\r* ودلالة الحديثين متقاربة: فكلاهما دلّ على التخويف والتحذير من الشرك؛ لأنّ عقوبة من وقع فيه أن يدخل النار، ولو قلّ شركه؛ لأنَّه أطلق الشرك في الحديث، فيدخل فيه قليل الشرك وكثيره، وهذا يوجب الخوف منه.\r* وخلاصة الباب: أنَّه يجب على الإنسان أن يكون على خوف من الوقوع في الشرك، صغيره وكبيره، وينبني على خوفه: أن يحذر من كل طرائق الشرك ووسائله، وأن يتعلم التوحيد وضده، كي يأمن من الوقوع في الشرك.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٨٢٧)، ومسلم (٩٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076592,"book_id":1139,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":73,"body":"يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تعالى فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرُ النَّعَمِ» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٧٠١)، ومسلم (٢٤٠٦).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله ﷺ.\rالثانية: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرًا من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه. الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.\rالرابعة: من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه لله ﷾ عن المسبَّة. الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.\rالسادسة -وهي من أهمها-: إبعاد المسلم عن المشركين؛ لئلا يصير منهم وإن لم يشرك.\rالسابعة: كون التوحيد أول واجب. الثامنة: أنه يبدأ به قبل كل شيء حتى الصلاة.\rالتاسعة: أن معنى «أن يوحدوا الله» معنى شهادة أن لا إله إلا الله.\rالعاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.\rالحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج. الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم.\rالثالثة عشرة: مصرف الزكاة. الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.\rالخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال. السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.\rالسابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.\rالثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.\rالتاسعة عشرة: قوله: «لأعطين الراية … » إلى آخره علم من أعلام النبوة.\rالعشرون: تفله في عينه هو علم من أعلامها أيضًا. الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁.\rالثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة، وشغلهم عن بشارة الفتح.\rالثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر؛ لحصولها لمن لم يسعَ إليها ومنعها عمن سعى.\rالرابعة والعشرون: الأدب في قوله: «على رسلك». الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.\rالسادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.\rالسابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة؛ لقوله: «أخبرهم بما يجب». الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام.\rالتاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد. الثلاثون: الحلف على الفُتيا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076593,"book_id":1139,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":74,"body":"يدوكون. أي: يخوضون.\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مناسبة هذا الباب لما قبله:\rلما بيّن المؤلف ﵀ التوحيد وفضله وتحقيقه وذكر ضدّه، وهو الشرك ووجوب الخوف منه، نبّه بهذه الترجمة على أنَّه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، ويكتفي بها عن تصحيح اعتقاد غيره، بل يجبُ عليه أن يعمل بما علم، ويدعو إلى ما علم، والله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت، الآية (٣٣)]. قال الحسن لما تلا الآية: «هذا حبيبُ الله، هذا وليُّ الله، هذا صفوةُ الله، هذا خِيرةُ الله، هذا أحبُّ أهلِ الأرض إلى الله- أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته» (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢٧١٠)، وابن المبارك في الزهد (١٤٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076594,"book_id":1139,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":75,"body":"فلذلك ينبغي على المسلم أن يدعو الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهو أعظم أمرٍ يُدعى إليه، وهو الذي أرسلت الرسل لأجله، فيبدأ به في دعوته قبل كل شيء كما فعل النبيّ ﷺ.\rالمسألة الثانية: ساق المصنف في الباب آية فيها الأمر بالدعاء إلى التوحيد، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٨)].\rومعنى الآية: أنَّ الله يقول لنبيه محمد ﷺ قل -يا محمد-: هذه الدعوة والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، هذه طريقتي وسبيلي ودعوتي، أدعو إلى الله على بصيرةٍ وعلمٍ ويقينٍ ومعرفةٍ أُمَيِّزُ بها بين الحقّ والباطل.\rويتولّى هذا العمل والدعوة أنا ومن اتبعني وصدقني وآمن بي.\r* ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أنزّه الله وأجلّه وأعظمه من أن يكون له شريك تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.\r* ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أنا بريء من أهل الشرك، لست منهم وليسوا مني.\rومناسبة الآية للباب: من جهة أنَّه بين فيها طريقة النبيّ ﷺ وهو أنَّه يدعو إلى توحيد الله بالعبادة، وأنَّ أتباعه يسلكون طريقته في هذا الأمر، وأنَّ من لم يدع إلى الله وهو يستطيع الدعوة فإنَّه لم يحقق اتباعه للرسول، بل اتباعه فيه نقص عظيم (¬١).","footnotes":"(¬١) وأفادت الآيةُ أمورًا، منها:\r١ - بيان طريقة النبيّ ﷺ وطريقة أتباعه وهي الدعوة إلى الله.\r٢ - التنبيه إلى أمر الإخلاص إلى الله، فلا يدعو المرء لنفسه ولا لحبّ الثناء بل مخلصًا لله.\r٣ - أن يكون الداعي إلى الله على بصيرة وعلم، أما الداعي على غير بصيرة فقد ترد عليه شبهة فلا يقدر على ردها.\r٤ - أنَّ الذي يدعو إلى الله لابدّ أن يبرأ من كل المشركين. انظر: إعانة المستفيد للفوزان (١/ ١٠٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076595,"book_id":1139,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":76,"body":"المسألة الثالثة: ساق المصنّف في الباب حديث ابن عباس ﵄ في بعث النبيّ ﷺ معاذًا ﵁ داعيًا إلى الله في السنة العاشرة إلى اليمن، ولما أراد أن يذهب أوصاه النبيّ ﷺ بهذه الوصية العظيمة، التي بيّن فيها منهجه الذي يسلكه في الدعوة، وكان مما قال له فيها قوله ﷺ:\r* «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»: ويعني بهم اليهود والنصارى، وكانوا متكاثرين في اليمن، وهم أهل كتاب وعندهم علمٌ، بخلاف سائر العرب في عهد النبي ﷺ، فنبهه بذلك ليستعدّ ويتهيأ لمناظرتهم ويأخذ أهبته لذلك.\r* «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَة أَنْ لا إله إلّا الله»: وفي رواية: «إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ» (¬١)؛ لأنَّه أعظم أمرٍ دَعت إليه الرسل وخَلقَ اللهُ لأجلِه الخلق.\rوفيه: التدرجُ في الدعوةِ، والبداءةُ بالأهمِ فالأهمِ، وهكذا كانت دعوة النبيّ ﷺ، إذ بدأ بالدعوة إلى التوحيد.\r* وعلى هذا: فمن الخطأ أن ينشغل الداعية بمعالجة بعض المعاصي، ويدع الدعوة لتصحيح التوحيد، ونبذ الشرك.\r* وفي الرواية الثانية «يُوَحِّدُوا اللَّهَ» فائدة عظيمة: وهي بيانُ خطأِ وضلالِ مَنْ","footnotes":"(¬١) البخاري (٧٣٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076596,"book_id":1139,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":77,"body":"اعتقد أن (لا إله إلّا الله) يكفي فيها النطق باللسان ولو خالفتها الجوارح، أو أنَّ معنى (لا إله إلّا الله) أي: لا خالقَ ولا مدبر ولا مُصرّف إلّا الله، كما يقول كثير من الجهلة، فبيّن بهذه الرواية المختلفة لفظًا المتفقة معنى، أنَّ المراد بشهادة أن لا إله إلّا الله: توحيد الله وإفراده بالعبادة (¬١).\r* ثم قال له ﷺ: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ»: بأن شهدوا وانقادوا لك.\r* «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ»: ثنّى بالأعمال بعد التوحيد؛ لأنَّها لا تصح بدونه، فالتوحيد شرط لصحة جميع الأعمال.\rفإن قيل: لم ذكر النبيّ ﷺ الشهادتين والصلاة والزكاة، ولم يذكر الصوم والحجّ؟\r* ذكر ابن تيمية: «أنَّ الرسول ﷺ اقتصر على الأركان العظيمة التي يقاتل من تركها، وهي هذه الثلاثة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة، الآية (٥)].\rالمسألة الرابعة: ذكر المصنّفُ في البابِ حديثَ سهل بن سعد ﵁ في خبر علي ﵁ يوم خيبر، الذي فيه أعظمُ فضيلة لعلي ﵁ وهي أنَّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: تيسير العزيز الحميد (٩٨).\r(¬٢) وفي الحديث فوائد عديدة متعلقة بالدعوة، من أبرزها:\r١. عِظمُ ثوابِ من هدى الله على يديه أحدًا من الضلالة، وأنَّ ما يناله خيرٌ من حُمر النعم، وهي الإبل الحمر، وهي أنفسُ أموال العرب، ويضربون بها المثل في نفاسة الشيء، قال النووي: «وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا، إنّما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلّا فذرّة من الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها» (¬١).\r٢. أنَّ من واجبات الإمام والحاكم إرسال الدعاة إلى الله، كما فعل النبي ﷺ.\r٣. أنَّ الدعوة للإسلام تكون قبل القتال، كما فعل النبيّ ﷺ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076597,"book_id":1139,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":78,"body":"* خلاصة الباب: أنَّ الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك وتصحيح الاعتقاد هي من أوجب الواجبات، وهي مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، وورثة محمد ﷺ، وحاجة المجتمعات للداعية للتوحيد أعظم من حاجتهم للطعام والشراب، فليكن لك نصيب من ذلك يا طالب العلم.","footnotes":"(¬١) شرح مسلم (١٥/ ١٧٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076599,"book_id":1139,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":80,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب، بعنوان: (تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلّا الله) وجعله لتفسير التوحيد، فأورد فيه الآيات والأحاديث التي تفسر التوحيد وتبين معناه، والمراد: توحيد الألوهية.\rوالعطف في قوله: «وشهادة أن لا إله إلّا الله» لتغاير اللفظتين، أي: من باب عطف المترادفين، وإلّا فالمعنى واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076600,"book_id":1139,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":81,"body":"والكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مناسبة الباب لما قبله:\rلمّا تكلم عن الدعوة إلى التوحيد وشهادة أن لا إله إلّا الله وفضيلتها، وبيّن أنَّ الداعي إليها لابدّ أن يكون على بصيرةٍ، ناسب أن يبيّن في هذا الباب المرادَ بالتوحيد، ومعنى لا إله إلّا الله التي يدعون إليها، وَمِنْ حسن صنيع المؤلف أن أخره بعد بيان فضل التوحيد وما بعده من الأبواب؛ لأنَّ النفوس كأنَّها اشتاقت إلى معرفة هذا الأمر الذي خُلِقوا لأجله وهو التوحيد.\rوالفرق بين هذا الباب، وبين الباب الأول الذي فيه معنى لا إله إلّا الله: أن هذا الباب فيه مزيد بيانٍ لمعنى لا إله إلّا الله، وما دلّت عليه من توحيد العبادة بالذات، وما ذكره في الباب الأوّل كان مُجمَلًا، ولا يكفي لاستمرار الدعوة إلى التوحيد، فذكر في هذا الباب معنى لا إله إلّا الله على التفصيل، والحجةَ على من تعلق بالأولياء والصالحين.\rالمسألة الثانية: ما هو تفسير التوحيد؟\r* قال السعدي ﵀: «حقيقةُ تفسيرِ التوحيدِ العلمُ والاعترافُ بتفرد الربِّ بجميع صفات الكمال، وإخلاص العبادة له، وذلك يرجع إلى أمرين:\r١ - نفي الألوهية كلها عن غير الله: بأن يعتقد أنَّه لا يستحق الإلهية ولا شيئًا من العبودية أحدٌ من الخلق، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا غيرهما، وأنَّه ليس لأحدٍ من الخلق في ذلك حظٌ ولا نصيب.\r٢ - إثبات الألوهية لله وحده لا شريك له: وتفرده بمعاني الألوهية كلها وهي نعوت الكمال كلها، ولا يكفي هذا الاعتقاد وحده حتى يحققه العبد، بإخلاص","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076601,"book_id":1139,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":82,"body":"الدين كله لله، ويعلم أنَّ من تمام تفسيرها وتحقيقها البراءة من عبادة غير الله» (¬١).\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ … ﴾ [الإسراء، الآية (٥٧)].\rوقد اختلف في سبب نزولها، فقد ورد عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء، الآية (٥٦)]. قال: «كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ، وَاسْتَمْسَكَ الْإِنْسُ بِعِبَادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ هذه الآيات» (¬٢).\rوقيل: إنَّها نزلت في قوم كانوا يعبدون المسيح وأمّه وعزيرًا، وقيل: غير ذلك (¬٣).\rقال شيخ الإسلام: «وهذه الأقوالُ كلها حقٌ، فإنَّ الآية تَعُمُّ من كان معبوده عابدًا لله، سواء أكان من الملائكة أو من الجنّ أو من البشر، والسلف في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل» (¬٤).\rومعنى الآية: يتبين بذكر الآية التي قبلها، وهي قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وهذا عامٌ يشمل كل مدعو من دون الله من الأنداد، فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين، فإنَّه يدخل في الآية: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ أي إزالته بالكلية.","footnotes":"(¬١) القول السديد (ص: ٣٩).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٤٧١٤)، ومسلم (٣٠٣٠).\r(¬٣) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ٤٧١)، وتفسير البغوي (٣/ ١٣٩).\r(¬٤) الاستغاثة في الرد على البكري لابن تيمية (٢/ ٥٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076602,"book_id":1139,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":83,"body":"* ﴿تَحْوِيلًا﴾: أي ولا يكشفونه عنكم ويحولونه إلى غيركم، فهم عاجزون عن كل هذا، والله سبحانه هو القادر على ذلك وحده لا شريك له.\r* ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: من الأنبياء وغيرهم من المعبودات.\r* ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: هم أنفسهم يطلبون من ربهم القربة والشيء الذي يوصلهم إلى الله وإلى ثوابه، فكيف يطلب ذلك منهم؟!\rوالوسيلةُ: الطاعة والعبادة.\r* ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: كلّ واحدٍ منهم يرجو أن يكون أقربَ إلى الله، فيتقربون إلى الله بطاعته، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.\rومناسبةُ الآيةِ للباب: من جهة أنَّ التوحيد هو إفراد الله بالعبادة والدعاء وحده، ونفي الشريك عنه سبحانه، وهؤلاء الذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرءوا من الشرك، بل وقعوا فيه ودعوا من لا يملك ضرًا ولا نفعًا، فإذا عرفت هذا تبين لك أنَّ التوحيد لا يكون إلّا بنبذ كل الشرك، وإخلاص العبادة لله.\rالمسألة الرابعة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي … ﴾ [الزخرف الآية (٢٨)].\rوهذه الآية يبين فيها الله ﷾ موقف إبراهيم ﵈ من والده ومن قومه الذين أشركوا مع الله غيره، كيف دعاهم؟ فلما لم يستجيبوا تبرأ منهم، وهجرهم.\rوقال ﵈: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾: أي متبرءٌ من كل ما تعبدون من دون الله من الأصنام والكواكب وغيرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076603,"book_id":1139,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":84,"body":"* ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي خلقني وأوجدني.\rوالفَطْرُ: ابتداء الخلق على غير مثال سابق، فالذي فطرني لست ببريء منه، بل أثبت له العبادة وحده.\rقال ابن عثيمين: «وإنما قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل: «إلّا الله»؛ لفائدتين:\r١. ليشير إلى سبب إفراد الله بالعبادة، لأنَّه هو الخالق الرازق وحده، فكما أنَّه تفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة.\r٢. ليشير إلى بطلان عبادتهم للأصنام؛ لأنَّها لم تخلق ولم تفطر، فلا تستحق العبادة» (¬١).\r* ثم قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف الآيات (٢٦ - ٢٧)]. وعَقِبُه هم ذريته، والكلمة: لا إله إلّا الله، فلا تزال باقيةً في ذريته، فلا تخلو الأرض من موحدٍ لله، قلّ أو كثر.\rومناسبة الآية للباب: من جهة أن هذه الآية هي تفسير لا إله إلّا الله، فالجملة الأولى منها ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ هي معنى (لا إله)، والثانية وهي ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هي معنى (إلّا الله)، ففيها تفسير التوحيد، وفيها -أيضًا- بيان موقف المسلم من أهل الشرك، وهو أن يتبرأ منهم ومن شركهم، ومن معبوداتهم كما فعل إبراهيم.\rالمسألة الخامسة: ذكر المصنّف قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية (٣١)]. وهذه فيها -أيضًا- تفسير للتوحيد.","footnotes":"(¬١) القول المفيد (١/ ١٥٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076604,"book_id":1139,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":85,"body":"* وبيان ذلك: أنَّ هؤلاء اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم -وهم العلماء- ورهبانهم- وهم العُبّاد- معبودات من دون الله، وهذه العبادة بيّنها النبيّ ﷺ، وفسّرها لعديّ بن حاتم حين قال: إنَّهم لم يعبدوهم فقال: «أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمُ الْحَرَامَ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمُ الْحَلَالَ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قَالَ عديّ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ» (¬١).\rفعبادتهم هي من جهة أنَّهم أطاعوهم في التحليل والتحريم؛ إذ التحريم والتحليل حقٌ لا يكون إلّا لله، فمن أطاع غير الله في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه ربًا ومعبودًا، وجعله شريكًا لله، وهذا ينافي التوحيد وشهادة أن لا إله إلّا الله، التي تقتضي إفرادَ الله بالطاعة، وإفرادَ الرسول بالمتابعة.\r* وبهذا: تعرف أنَّ من أطاعوا البشر في تحليل الحرام -كما في القوانين - فهم قد اتخذوهم آلهة وقد عبدوهم، وهم قد وقعوا في الشرك الأكبر.\rولكن لابدّ أن يُعلم أنَّ ابن تيمية ذكر: أنَّ طاعة من حلل الحرام، وحرّم الحلال تكون على وجهين:\r١ - أن يعلموا أنَّهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله، وتحريم ما أحل الله؛ اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنَّهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر.\r٢ - أن يكون إيمانهم واعتقادهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا،","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والطبري في التفسير (١٤/ ٢١١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٠٣٥٠)، وفي المدخل (٢٦١)، وحسنه ابن تيمية في كتاب (الإيمان ص: ٦٤)، والألباني في غاية المرام (٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076605,"book_id":1139,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":86,"body":"لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعله المسلم من المعاصي التي يعتقد أنَّها معاصٍ، فهو يعلم أنَّ التحليل والتحريم حقٌ لله، ولكن فعله من باب الهوى أو تحصيل بعض المصالح، فهذه معصية عظيمة، لكن لاتصل إلى حدّ الشرك الأكبر (¬١).\rوبالمثال يتبيّن كلام شيخ الإسلام، فمن أطاع الحكام في تحليل الحرام، كالزنا والخمر ومساواة المرأة بالرجل في الميراث، ونحوه، أو في تحريم الحلال كمنع تعدد الزوجات مثلًا، فإن كان دافعه الرضا والاستحلال لما حلّلوه فذاك كفر أكبر، وإن كان دافعه الهوى، وهو يعلم أنَّ هذه محرمّة، فإن هذا ليس بكفر، وإنما معصية كبيرة، والله أعلم.\rالمسألة السادسة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ … ﴾ [البقرة، الآية (١٦٥)]. وهذه الآية لها ارتباط بتفسير (لا إله إلّا الله) كذلك.\r* وبيان ذلك: أنّ الله ذكر فيها أنّ بعض الناس من المشركين يتّخذ من دون الله أندادًا ونظراء وأشباهًا، يحبّونهم كحبّ الله، وهذا هو شركهم، أنَّهم يسوّون معبوداتهم بالله في المحبة المقتضية الذلّ للمحبوب، فوقعوا في الشرك؛ إذ إنَّ المحبة المقتضية الذلّ للمحبوب والخضوع له، عبادةٌ لا تُصرَفُ إلّا لله، ومن صرفها لغير الله فقد أشرك واتخذ من دون الله ندًا.\rولذلك فأمرُ المحبةِ عظيمٌ، وما يقع به البعض من كونه يحب معبوده، أو الوليَّ فلان، أو حتى النبيَّ ﷺ، كحبِّ الله أو أعظم، فهذا شركٌ، ولربما رأيت أنَّ بعضهم يقدِّم ويفضِّل زيارة قبر النبيّ ﷺ على زيارة الكعبة؛ لأنَّهم","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076606,"book_id":1139,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":87,"body":"يجدون في نفوسهم حُبًّا للرسول ﷺ كحب الله، أو أعظم، وهذا شركٌ في المحبة.\rوالله قال عن الكفار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء الآيات (٩٧ - ٩٨)]، ومعلومٌ أنَّهم ما ساووهم به في الخلق والملك والرزق، وإنما ساووهم به في المحبّة والتعظيم والطاعة.\r• وعلى هذا: فمن قال: لا إله إلّا الله، وهو مشركٌ بالله في هذه المحبّة، فما قالها حقّ القول، وإن نطق بها.\rوهؤلاء الذين ساووا محبّة الله بمحبّة غيره قد عدّهم الله مشركين جاعلين له أندادًا، وعليه فمن تفسير التوحيد إفراد الله بالمحبّة، فلا يحبّ معه غيره محبة عبادة.\r• واعلم أنَّه قيل في معنى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة، الآية (١٦٥)]. قولان:\r١. أنهم يحبّون معبوداتهم كما يحبّ المؤمنون ربهم.\r٢. أنهم يحبّون معبوداتهم كما يحبّون الله، فهم يحبّون الله لكن ساووا معبوداتهم بالله في المحبّة، وهذا هو الأقرب؛ ولذلك قال المصنف في مسائل الباب: «ذكر أنَّهم يحبّون أندادهم كحب الله، فدلّ على أنَّهم يحبّون الله حبًّا عظيمًا، ولم يُدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحبّ الندّ أكبر من حبّ الله؟! وكيف بمن لم يحبّ إلّا الندّ وحده ولم يحبّ الله؟!».\rالمسألة السابعة: ذكر المصنّف في الباب حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»، وهو -أيضًا- داخل في تفسير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076607,"book_id":1139,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":88,"body":"التوحيد، وبيان معنى (لا إله إلّا الله).\r* وبيان ذلك: أنَّ النبيّ ﷺ علّق فيه عصمة الدم والمال على أمرين:\r١ - قول: (لا إله إلّا الله) عن علمٍ ويقين.\r٢ - الكفر بما يعبد من دون الله.\rفإذا تحقق هذان الأمران حَرُمَ دمُه وماله؛ لأنَّه صار مُسلِمًا، ولا يكفي أحدهما دون الآخر، وفي هذا قال المجدد ﵀: «والحديثُ يُفصِحُ أن (لا إله إلا الله)، لها لفظ ومعنى» (¬١).\rوبهذا تعلم: أنَّه لا يكفي النطق ب «لا إله إلّا الله» مجردةً عن العمل، فالنبيّ ﷺ هنا لم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لابد من قولها، والعمل بها، والبراءةِ مما ينافيها، وهو الشرك والكفر، فإذا تخلَّف العمل لم يعصم دم قائلها ولا ماله.\r• وعلى هذا: فمن شهد أن لا إله إلّا الله ولم يكفر بما يعبد من دون الله، بأن كان يعبد القبور، أو يدعو الأولياء والأضرحة، فهذا لم يكفر بما يعبد من دون الله، ولم يحرم دمه وماله (¬٢).\rومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ التوحيد الذي يعصم الدم والمال لا يتم إلا بالقولِ والعملِ، والعملُ هو الكفر بما يُعبَدُ من دون الله، وهذا من تفسير التوحيد.","footnotes":"(¬١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١١٢).\r(¬٢) الدرر السنية (٨/ ٢١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076608,"book_id":1139,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":89,"body":"ثم قال المصنف: (وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب): أي أن ما يأتي بعد هذا الباب من الأبواب كلها في شرح التوحيد، وشهادة أن لا إله إلّا الله، وبيان ما يناقضه وهو الشرك الأكبر والأصغر.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076610,"book_id":1139,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":91,"body":"ولابن أبي حاتم عن حذيفة: «أنَّه رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى، فَقَطَعَهُ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾» [يوسف، الآية (١٠٦)] (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالترجمة: لما ذكر في الباب السابق تفسير التوحيد","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٨/ ٤٧٣).\r(¬٢) وفيه مسائل:\rالأولى: التغليظ في لُبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.\rالثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح، فيه شاهد لكلام الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.\rالثالثة: أنه لم يُعذر بالجهالة. الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر؛ لقوله: «لا تزيدك إلا وهنًا».\rالخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل ذلك. السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئًا وُكِل إليه.\rالسابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك. الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.\rالتاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليلٌ على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.\rالعاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك.\rالحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له. أي: لا ترك الله له.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076611,"book_id":1139,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":92,"body":"ومعنى (لا إله إلّا الله)، بدأ هنا بذكر ما يُضادُّ ذلك من أنواع الشرك الأكبر والأصغر.\rوقرّر في هذا الباب أنَّ من أنواع الشرك -الذي سبق التحذير منه في الأبواب السابقة- لبس الحلقة والخيط ونحوهما مما يعلق بالبدن، أو على الدابة أو السيارة، أو على الأبواب وغيرها من الأشياء التي يُعتقد أنَّها ترفعُ البلاء وتزيله بعد حصوله، أو تدفع البلاء والشرّ وتمنع وقوعه.\rوالحلقة: كل شيء استدار من حديد وذهب وفضة ونحوها، والخيط معروف.\rويلحق بهما ما كان نحوهما: كالودعة والتميمة والمسمار والخرزة، وجِلد التمساح يوضع على البيت أو المحل، وكذا من يلبس السوارة باعتقاد دفع الحسد، أو العينِ، ومن يلبس خاتمًا، أو يضع عند رأس المولود سكينًا، أو غير ذلك مما يعتقد فيه دفع الشر والبلاء أو الحسد، فكل هذه الأمور وضعها شرك؛ لأنَّه تعلق بغير بالله، والواجب أن تتعلق القلوب بالله، فهو الذي بيده دفع الضر ورفعه.\rواعلم أنه ليس معنى هذا عدم الأخذ بالأسباب، بل إن الشريعة جاءت بإثبات الأسباب، وأنَّ لها تأثيرًا بقدرة الله تعالى وما وضعها فيها، ولكن مثل هذه الأمور ليست أسبابًا لرفع البلاء ودفعه.\r• وعلى هذا: فما ثبت أنَّه سببٌ لرفع البلاء أو دفعه، إمّا من جهة الشرع، أو من جهة التجربة بما لا يخالف الشرع فإنَّه يعمل به، وما عدا ذلك فلا يعمل به.\r•مثال ما ثبت من جهة الشرع أنَّه سبب: ماء زمزم والعسل، والحبة السوداء،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076612,"book_id":1139,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":93,"body":"وغيرها مما ورد في الشرع أنَّه سببٌ للشفاء.\r•مثال ما ثبت من جهة التجربة أنَّه سببٌ: بعضُ العلاجات والأدوية مما جُرِّب وثبت انتفاع المريض به بإذن الله، وليس بمحرّمٍ، كالخمر والسحر وغيرها.\rفإذا أثبتت التجربة أنَّه ينفع بإذن الله، ولم يكن محرمًا فإنَّه يستعمل.\rأمّا ما لم يثبت لا في الشرع ولا في التجربة أنَّه سببٌ لرفع البلاء أو دفعه فلا يستخدم، كتعليق الخيط على اليد أو الرقبة، أو وضع جلود الذئاب والتماسيح وغيرها في البيت أو السيارة ونحو ذلك، أو تعليق المصاحف ونحوها في السيارة أو الدكان، أو غير ذلك مما يكون مخلًا بالعقيدة.\rالمسألة الثانية: لبس الحلقة والخيط ونحوها؛ لرفع البلاء ودفعه قسمان:\r١. إذا علّقها معتقدًا أنَّها بذاتها تنفع وتدفع الضر: فشرك أكبر؛ لأنَّه اعتقد أنَّ هناك متصرفًا بالنفع والضرّ غير الله.\r٢. أن يعتقد أنَّها سببٌ لرفع البلاء أو دفعه: فشرك أصغر.\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب آية وثلاثة أحاديث.\r* فأمّا الآية: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر، الآية (٣٨)]. والخطابُ فيها موجّهٌ إلى محمد ﷺ أنْ قُلْ للمشركين الذين توجهوا إلى غير الله: أخبروني عن الذين تدعون من دون الله وتعبدونهم، وتسألونهم من الأصنام والأوثان والأشجار والقبور والأضرحة، وكل ما يُعبد من دون الله، إن أراد الله إصابتي بضرٍّ مِنْ فقر أو شدةٍ أو بلاءٍ أو موتٍ أو غيره، هل تتمكن هذه من كشف الضرّ النازل عمن دعاها؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076613,"book_id":1139,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":94,"body":"وهذا سؤال استنكار ونفي، والمعنى: لا تقدر على كشف الضرّ عمن دعاها، ولذا فالمشركون يمرضون ويُقتلون، ولا تقدر معبوداتهم أن تدفع عنهم ذلك.\rوكذلك لو أراد الله أن يأتي بخيرٍ من غنى أو صحة وغيرها من النعم، فهل يقدر أحد من المعبودات أو أحد من الخلق أن يمنع نزول الرحمة علي؟ والجواب: لا يقدر أحدٌ، بل لو اجتمع الخلق على أن يردوا نعمةً أراد إنفاذها ما قدروا.\rقال مقاتل: «فسألهم النبيّ ﷺ، فسكتوا ولم يقدروا على الإجابة».\rولذلك قال الله بعد ذلك السؤال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ هو كافيني فأفوض أمري إليه، وأتوكل عليه، فعليه يتوكل المتوكلون، ومتى ما صدق توكل العبد على ربه فلن يضره شيء، وفي الحديث: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» (¬١).\rفإن قيل: إن المشركين لا يعتقدون هذا في معبوداتهم، وإنّما يعتقدون أنَّها وسائط وشفعاء عند الله، وأمّا كشف الضرّ وجلبُ النفعِ فهو من الله وحده؟\r* الجواب: وحتى مع هذا فلماذا لا يدعون من بيده جلبُ النفع ودفعُ الضرّ،","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣)، والحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، من طرقٍ عن ابن عباس، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٠): وقد روي هذا الحديثُ عن ابن عباس من طرق كثيرة، من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غُفْرة، وابن أبي مليكة، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076614,"book_id":1139,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":95,"body":"أما هذه المعبودات فلا تقدر حتى على نفسها أن تجلب لها نفعًا أو تدفع عنها ضرًّا، فليست جديرة بأن تُعبد.\rإذا تقرر هذا: فاعلم أنه إذا كانت الأصنام وغيرها مما يُعبد مِنْ دون الله لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، فليست أسبابًا لرفع البلاء أو حصول المطالب؛ فيقاس عليها كل ما ليس بسببٍ شرعي أو قدري، فيعتبر اتخاذهُ شركًا بالله، ولا فرق بينه وبين اعتقاد المشركين بأصنامهم ومعبوداتهم.\r* وأما الأحاديث:\rفأولها: حديث عمران بن حصين ﵁: أَنَّ النبيّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: هَذِهِ مِنَ الْوَاهِنَةِ. فقَالَ: «انْزِعْهَا؛ فَإنَّها لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا». والحديث إسناده ضعيف (¬١)، ولكن له شواهد، عن ثوبان وأبي أمامة عند الطبراني، وكلاهما ضعيف، إلّا أنّ النهي عن التمائم فيه أحاديث تقويه، ومنها ما ذكره المصنف بعد ذلك.\rوالحديث فيه النهي عن الخيط ونحوه، وبيان ذلك: أنَّ فيه أنَّه ﷺ رأى","footnotes":"(¬١) ووجه ضعفه: أن الحسن البصري -الراوي عن عمران بن حصين-، لم يسمع من عمران، ذكر هذا يحيى القطان، وابن المديني، وابن معين، وأبو حاتم، والدارقطني، وغيرهم، ثم إنَّه يرويه عنه مبارك بن فضالة، وهو ضعيفٌ عند جماعة، كالنسائي وابن معين، ومنهم من قوّاه، وقال أبو زرعة وأبو داود: «إذا قال: حدثنا فهو ثقة»، وتوسط ابن حجر في حاله، فقال: «صدوق يدلس ويسوي». انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٣١)، وهو في هذا الحديث قد عنعن ولم يصرح بالسماع، ولأجل هذا فالحديث إسناده ضعيف؛ لأجل هاتين العلتين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076615,"book_id":1139,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":96,"body":"هذا الرجل وفي يده حلقةٌ من صُفْرٍ -والحلقة: الشيء المستدير يدار على العضد أو الذراع، والصُفر: نوع من المعدن معروف-، فاستفهم منه منكرًا، وقال: ما هذه؟! ويحتمل أنَّه استفهامٌ عن سببٍ لبسه لها، فأخبر الرجل: أنه لبسها لتقيه من الواهنة، والواهنة: عرقٌ يأخذ في المنكب، وفي اليد كلها فيرقى منها، قاله ابن الأثير (¬١)، فأمره أن ينزعها ويطرحها، وقال له: إنَّها لا تزيدك إلا وهنًا.\rوهذا الإنكار منه ﷺ يفيد: أن وضع الحلقة لرفع البلاء أو دفعه من الشرك؛ ولذا نفى الفلاح عمن فعل هذا.\rفإن قيل: كيف قال له: «إنها لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا» أي: أنها تمرضه وتوهنه، وقد تقرر أنها ليس لها أثرٌ في رفع البلاء ودفعه؟\r* أجيب عن هذا بجوابين:\r١ - أنَّ هذه الحلقة ليس لها تأثير بذاتها، وإنما يعاقب الله من وضعها على شِركه بنقيض قصده (¬٢).\r٢ - أنَّ من علّق مثل هذه الأمور تجده يتعلق بها، ولا يتعلّق بالله، فيكون دائمًا في قلق وخوف يتخوف من كل شيء (¬٣) (¬٤).","footnotes":"(¬١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٣٤).\r(¬٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (١٢١).\r(¬٣) انظر: إعانة المستفيد (١/ ١٣٩).\r(¬٤) فإن قيل: قوله في الحديث: «فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» تفيد أنَّه لو مات وهو لم يتب منها ما أفلح أبدًا؛ لأنَّه مشرك، وظاهر هذا أنَّه لم يعذر بجهله، فكيف يجاب عن هذا مع ما تقرر من العذر بالجهل؟\r* ثمة ثلاثة أجوبة قد تذكر:\r١. أنَّ الحديث ضعيف، وقد سبق تفصيل ذلك.\rوأهل العلم يقررون أنَّ الجهل بالنسبة لكونه عذرًا هو على ضربين:\rأ- جهلٌ يعذر فيه الإنسان: وهو الذي لا يكون ناشئًا عن تفريط وإهمال، كمن نشأ في بادية ولا يجد من يعلمه فهذا يعذر.\rب- جهلٌ لا يعذر فيه: وهو ما كان ناشئًا عن تفريط وإهمال مع وجود من يعلّمه، كمن يكون في مدينة أو قرية أو بادية وعنده من يعلّمه لكنّه فرَّط، فلا يعذر.\r٢. ورد في رواية عند الخلاّل في السنة (١٦٢٣) أن عمران ﵁ قال له: «وَلَوْ مُتَّ وَأَنْتَ تَرَى أنَّها نَافِعَتُكَ، لَمِتَّ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْفِطْرَةِ» فيحمل الحديث على أنَّه يرى أنَّها تنفعه.\r٣. أن يقال: إنَّ هذا من أحاديث الوعيد، والسلف يمّرون أحاديث الوعيد كما جاءت، ويكرهون أن تتأوّل بتآويل تخرجها عن مقصود النبيّ ﷺ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076616,"book_id":1139,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":97,"body":"وثاني الأحاديث: عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ».\rوفي رواية: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ».\rفأما اللفظ الأول: فهو من طريق خالد بن عبيد المعافري، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة، وصحّح إسناده الحاكم، وقال المنذري: إسناده جيد.\rولكن هذا فيه نظر؛ إذ فيه خالد بن عبيد، محكوم عليه بالجهالة، لم يرو عنه غير حيوة بن شريح، ولم يوثّقه غيرُ ابن حبان، ولذا ففيه ضعفٌ (¬١).\rوأما اللفظ الثاني: فهو من طريق يزيد بن أبي منصور، عن دخين الحجري، عن عقبة، وإسناده حسن، فيه يزيد قال عنه أبو حاتم: ليس به بأس، وكذا قال","footnotes":"(¬١) وقد ضعف الألباني الحديث كما في السلسة الضعيفة (٣/ ٢٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076617,"book_id":1139,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":98,"body":"ابن حجر في التقريب، وقال الذهبي: صدوق، وبقيّة رجاله ثقات.\r* واللفظان فيهما النهي عن تعليق التميمة معتقدًا فيها النفع، وأنَّ هذا من الشرك؛ لأنَّ جلب النفع ودفعَ الضُرِّ لا يقدر عليه إلّا الله.\r* فقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً»: أي علّقها على نفسه أو ولده، أو تعلّق بها قلبه.\rوالتميمة: خرزاتٌ كانت العرب تُعلِّقُها على أولادهم يتَّقون بها العين، ويُلحَقُ بها كلُ ما يُعَلَّق باعتقاد دفع العين ونحوه.\r* وقوله: «فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ»: دعاء من النبيّ ﷺ عليه بألّا يتم الله له أموره، قال بعض العلماء: «وهذه الدعوة أثرها واضحٌ، فأنت ترى من يُعَلِّقون مثل هذه الأمور من أكثر النَّاس خوفًا وحزنًا وهمًا، بعكس الموحدين المعتمدين على الله» (¬١).\r* وأما الوَدَعَةُ: فهي واحدة الودع، وهي أحجارٌ تستخرج من البحر تشبه الصدف، يعلّقونها على صدورهم يتقون بها العين.\r* وقوله: «فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ»: أي لا جعله في دعةٍ وسكونٍ، وهذا دعاء عليه من النبيّ ﷺ أن يُعامَل بنقيضِ مقصوده.\r* وقوله في اللفظ الآخر: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ»: إنّما كانت شركًا؛ لأنَّه أراد دفع القدر المكتوب عليه، وطلب دفع الأذى من غير الله الذي هو النافع الضار، وتعلق قلبه بغير الله، ومعلوم أنَّ المخلوق عاجز.\rوأما كون هذا الشرك أصغر أو أكبر فقد سبق ذكره في المسألة الثانية.","footnotes":"(¬١) إعانة المستفيد (١/ ١٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076618,"book_id":1139,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":99,"body":"ثالث الأحاديث: حديث حذيفة ﵁: «أنَّه رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى فَقَطَعَهُ وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٦)] «.\rوالحديث أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وعروة بن الزبير لم يثبت له سماعٌ من حذيفة، ولكن له متابع، وهو أبو ظبيان حصين بن جندب الكوفي، أخرج روايته الخلاّل في السنة، فقد يتقوى الأثر بالوجهين.\rومعناه كذلك له أصلٌ، فالنهي عن تعليق الخيوط، وكذا الإنكار على من وضع ذلك باليد ثابت، والأدلة دالة عليه.\r* وقوله هنا: «خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى»: الحمّى: ارتفاعُ الحرارة في الجسم، فهذا الرجل ربط الخيط من أجل أن يتقي الحمى.\r* وقوله: «فَقَطَعَهُ»: قال صاحب التيسير: وفيه إزالة المنكر باليد بغير إذن الفاعل، وإن كان يظنّ أنَّ الفاعل يزيله، وأنَّ إتلاف آلات اللهو والمنكر جائزة، وإن لم يأذن صاحبها (¬١).\r* وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٦)]. المراد بهذا: المشركون الذين يؤمنون بتوحيد الربوبية، ويشركون بالألوهية، فلا يؤمن أكثرهم بالربوبية إلا وهم مشركون في الألوهية، قال ابن عباس: «تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَذَلِكَ إِيمَانهمْ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (١٢٤).\r(¬٢) أخرجه الطبري في التفسير (١٦/ ٢٨٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٢٠٣٤ - ١٧٤١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076619,"book_id":1139,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":100,"body":"فهم جمعوا بين الإيمان بوجود الله وربوبيته، وبين الإشراك بعبادته، وكذلك بعض المسلمين جمع بين الإسلام، وبين الشرك في وضع هذه التمائم.\rوأنت ترى أنَّ الآية هي في الشرك الأكبر، بينما وضع الخيط هو من الشرك الأصغر -على التفصيل السابق- ولكن هذا الصنيعَ من حذيفة ﵁ في استدلاله بآيةٍ في الشرك الأكبر على أمرٍ من الشرك الأصغر استدلال صحيح، وقد قال المصنّف في مسائل الباب: فيه أنَّ الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، وهذا يفعله المؤلّف في هذا الكتاب.\rومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ حذيفة ﵁ أنكر وضع الخيط، وعدّه من الشرك، وأزاله من اليد.\r* خلاصة الباب: أنَّه يجب على الإنسان أن يعلِّق قلبه بالله، وأنَّ من علَّق شيئًا على بدنه أو متاعه من بيت أو سيَّارة أو دابَّة، أو لبس على يده أو عنقه باعتقاد أنَّ ما وضعه يدفع البلاء أو يرفعه، فإنَّ هذا من الشرك بالله على التفصيل المتقدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076621,"book_id":1139,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":102,"body":"من القرآن فرخّص فيه بعضُ السلف، وبعضُهم لم يُرخِّصْ فيه، ويجعله من المنهيّ عنه، منهم: ابن مسعود ﵁.\rوالرقى: هي التي تسمّى العزائم، وخصّ منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمة.\rالتولة: شيء يصنعونه، ويزعمون أنَّه يُحبِّبُ المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.\rوروى أحمد عن رويفعٍ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أنَّه مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ» (¬١).\rوعن سعيد بن جبير، قال: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً منْ إِنْسَانٍ، كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» (¬٢).\rوله عن إبراهيم قال: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا، مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ» (¬٣) (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٣٦)، والنسائي (٥٠٦٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٣)، والبغوي في شرح السنة (٢٦٨٠)، قال النووي: إسناده جيد، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٧).\r(¬٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٣٩).\r(¬٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص: ٣٨٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٣٣).\r(¬٤) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير الرقى والتمائم. الثانية: تفسير التولة.\rالثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء.\rالرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين، والحمة ليس من ذلك.\rالخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن، فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أم لا؟\rالسادسة: أن تعليق الأوتار على الدّواب عن العين، من ذلك.\rالسابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترًا. الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.\rالتاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076622,"book_id":1139,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":103,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب: (باب الرقى والتمائم) وذكر فيه: ما جاء عن الرسول ﷺ والصحابة من الأحاديث والآثار في حكم الرقى والتمائم، والمقصود في الباب: ذكر الرقى المحرمة والتمائم.\rوإنما لم يقل: (مِنْ الشرك) كما في الباب السابق؛ لأنَّ في الرقى ما ليس شركًا، والكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: تعريف الرقى والتمائم.\rالرقى: جمع رقية، وهي العَوذةُ أو العزيمةُ التي يُرقى بها صاحب الآفة.\rوفي الشرع: آياتٌ ودعاءٌ وتوسلٌ لله، تُقرأ على المريض بقصد الشفاءِ وذهابِ العلّة من بدنه (¬١).\rوالتمائم: جمع تميمةٍ، وتقدم أنَّها خرزاتٌ كانت العرب تُعَلِّقُها على أولادها يتقون بها العين، ويدخل فيها كل ما عُلِّق لدفع ضرٍّ أو رفعه، ولم يثبت أنَّه سبب شرعي ولا قدري، من أي شيء كان، من خشب أو معدن أو قماش","footnotes":"(¬١) أحكام الرقى والتمائم (ص ٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076623,"book_id":1139,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":104,"body":"أو غيرها.\rولهذا صور منها:\r١. أن يعلّق على يده أو على عنقه، أو على بيته، أو على سيارته آيات؛ باعتقاد أنَّها تدفع العين أو ترفع البلاء، وسيأتي الكلام على هذا في المسألة الخامسة.\r٢. أن يضع تميمة مجردة عن الكتابة مع اعتقاد نفعها، أو دفعها.\r٣. أن يضع تميمة فيها كتابات ليست من القرآن، كتوسلٍ بأحدٍ، أو طلاسمَ.\r٤. أن يضع تميمة فيها دعاء لله أن يحفظ لابسها، ونحو ذلك.\rومناسبة الباب للتوحيد ولما قبله: أنَّه لما كانت التمائمُ شِركًا، ومِن الرقى ما هو شرك لما فيها من التعلق بغير الله في كشف الضرّ وجلب النفع، ناسب أن يذكر ذلك في كتاب التوحيد.\rوهذا الباب مكمّل لما قبله، فقد ذكر فيه أنواعًا مكمّلة للباب السابق، لكنّه أفرد الرقى في هذا الباب؛ ليبيّن أنَّها ليست كلها شركًا كالذي تقدّم ذكره في الباب السابق.\rالمسألة الثانية: حكم الرقى.\rأهلُ العلم يُقَرِّرون أنَّ الرُقى قسمان:\r١ - رقى جائزة: وهي الرقية الشرعية التي بالقرآن والأدعية والأذكار الواردة في الشرع، والأدلة على هذه كثيرة، منها رقية النبيّ ﷺ لبعض أصحابه، وأمرُه أسماء بنت عميس أن ترقى أبناءها أبناء جعفر بن أبي طالب (¬١)، وحديث: «لَا","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢١٩٨) من حديث جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: «مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ» قَالَتْ: لَا، وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: «ارْقِيهِمْ» قَالَتْ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «ارْقِيهِمْ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076624,"book_id":1139,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":105,"body":"بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (¬١).\rوقد ذكر العلماء أنَّه يشترط لجواز الرقية الشرعية ثلاثة شروط:\r١) أن تكون من القرآن أو الأذكار أو الأدعية الشرعية، أو بأسماء الله وصفاته.\r٢) أن تكون باللسان العربي، وبما يُعرَف ويُفهم معناه.\r٣) أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله (¬٢).\rوقد ذكر العلماء أن الرقية تكون من خلال أربع صور:\r١/ النفث والتفل على المرقي: كما فعل النبي ﷺ مع من يرقيه، قالت عائشة «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي» (¬٣).\r٢/ الرقية بدون نفث ولا تفل: ودل لها حديث عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.\r(¬٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٩٥): وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط … وذكر الشروط الآنفة الذكر، ثم قال: واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح: أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة.\r(¬٣) أخرجه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢) وهذا لفظه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076625,"book_id":1139,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":106,"body":"أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (¬١).\r٣/ خلط التراب بالريق: بأن ينفث على الإصبع بشيء من ريقه، ثم يوضع في التراب، ويمسح به المريض أثناء الرقية، ودل لها حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» (¬٢).\r٤/ الرُقية في الماء ثم شربه: وقد أجاز هذا كثير من أهل العلم، ونُقِل هذا عن الإمام أحمد، قال ابنه صالح: ربما اعتللت، فيأخذ أبي قدحًا فيه ماء، فيقرأ عليه، ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك.\rونقل عبد الله، أنه رأى أباه يعوّذ في الماء، ويقرأ عليه، ويشربه، ويصب على نفسه منه (¬٣).\r٢ - رقى ممنوعة: وهي ما تخلف فيها شرطٌ أو أكثر من شروط الرقى الجائزة، وقد تكون شركًا، إن كان فيها شرك، وهى التي تسمّى العزائم ويدل لها حديث: «مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ»، وحديث: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»، وقد تكون حرامًا، بحسب ما تشتمل عليه من ألفاظ، وبحسب اعتقاد الراقي والمرقي فيها.\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنف خمسة أحاديث، وآثار متعلّقة بالرقى والتمائم.\rأولها: حديث أبي بشير الأنصاري ﵁: «أنَّه كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (٢١٩١) وهذا لفظه.\r(¬٢) أخرجه البخاري (٥٧٤٥)، ومسلم (٢١٩٤) وهذا لفظه.\r(¬٣) الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح (٢/ ٤٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076626,"book_id":1139,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":107,"body":"بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»، والحديث رواه الشيخان (¬١)، عن أبي بشير الأنصاري ﵁، وقد اختلف في اسمه، قال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، كان مشهورًا بكنيته (¬٢).\r* وقوله: «فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ»: لم يرد تعيين هذا السفر، كما ذكر ابن حجر.\r* وقوله: «فَأَرْسَلَ رَسُولًا»: هو زيد بن حارثة، كما ورد في رواية، وقد بعثه الرسول ﷺ لينادي بهذه الكلمات.\r* وقوله: «أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»: الشكّ من الراوي، هل نهى عن كل قلادة، أو عن التي من أوتار القوس؟\rقال صاحب التيسير: «والأوَّل -يعني: النهي عن القلادة من الوتر- أصحَّ، لاتفاق الشيخين عليها وللرخصة في القلائد إلّا الأوتار» (¬٣).\rوعلى كلّ حال: فالحديث يراد به النهيّ عن كل ما يُعلَّقُ، ويراد به أمرًا شركيًا، مِنْ دفع العين أو رفع بلاء، سواء أكان من وترٍ أو من غيره، أما إذا عُلِّقَت القلائدُ ولم يُقصد بها أمرًا شركيًا، مثل تقليد الهدي الذي يُهدى للبيت العتيق فلا حرج فيها.\rوقد نصّ الحديث على القلادة التي من وتر: لأنَّها كانت موجودة عند أهل الجاهلية، حيث إنَّهم إذا اخلولق الوترُ أبدلوه بغيره، وأخذوا القديم وعلّقوه بالدواب، اعتقادًا أنَّه يدفع العين والمكاره عن الدابة.","footnotes":"(¬١) البخاري (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥).\r(¬٢) الاستيعاب (٤/ ١٦١٠).\r(¬٣) تيسير العزيز الحميد (١٢٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076627,"book_id":1139,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":108,"body":"• واعلم أنَّ النهي عامٌ، سواء كانت معلقة على الرقبة، أو على اليدِ أو الرِجل أو غيرها، وسواء أكانت على البعير أو الآدمي أو غيرهما، وإنّما نصّ على البعير؛ لأنَّه هو الذي كان منتشرًا عندهم.\rوثاني الأحاديث: حديث ابن مسعود ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ».\rوقد دلّ الحديثُ على تحريم الرُقى الشركية والتمائم والتولة، وأنَّها من الشرك. فأمّا الرقى والتمائم فتقدّم بيانها.\rوأما التِوَلَةُ: فقال عنها المصنّف: شيءٌ يصنعونه يزعمون أنَّه يُحبِّبُ المرأة إلى زوجها والزوجَ إلى امرأته، وبهذا فسّره ابن مسعود كما عند ابن أبي حاتم والحاكم، وهو ضربٌ من السحر، وإنّما كان شركًا؛ لما يراد به من دفع المضار وجلب المنافع من غير الله تعالى (¬١).\rوهذه التمائم، والتولة، من حيث حكمها لها حالتان:\rأ- تكون شركًا أصغر: إذا اعتقد أنَّ هذه الأمور سببٌ، وأنَّها لا تفعل بنفسها.","footnotes":"(¬١) وألحق ابن عثيمين بالتِوَلة «دبلةُ الخطوبة والزواج»، وهي خاتمٌ يوضع في يد الزوج عند الزواج، فما دام في يده فالعلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، وعلى هذا فإذا لُبِست بقصد أن تكون سببًا للمحبة بين الزوجين، فهي محرمة؛ لأنَّها ليست سببًا للمحبّة لا شرعًا ولا قدرًا، ويمكن القول بأن: لبس الدبلة لا يخلو من حالات:\r١. إن اعتقد أنَّها بنفسها تأتي بالمودة بين الزوجين، فشرك أكبر.\r٢. إن اعتقد أنَّها سبب لحصول المودة بين الزوجين، فهذا شرك أصغر.\r٣. إن لبسها بدون اعتقاد كل هذا، فإنَّه تشبه بالكفار فتحرم من هذا الجانب. انظر: القول المفيد (١/ ١٨١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076628,"book_id":1139,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":109,"body":"ب- تكون شركًا أكبر: إذا اعتقد أنَّ هذه الأمور تنفع وتضرّ من دون الله، وأنَّها تفعل بنفسها.\rوثالث الأحاديث: حديث عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال عنه الترمذي: حديث حسن غريب.\rوالحديث فيه ضعف، وعبد الله بن عكيم، يكنى أبا معبد الجهني، أدرك زمان النبيّ ﷺ، ولا يُعرف له سماعٌ صحيحٌ، قاله البخاري وأبو زرعة وغيرهما، فهو مخضرم، وحديثه مرسل (¬١)، لكن الحديث له شواهد يتقوى بها.\r* وقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا»: شيئًا نكرة، فتشمل جميع الأشياء، والتعلق يكون بالقلب، بأن يعتمد عليه ويعتقد أنَّه سينفعه.\rويكون بالفعل، بأن يعلّق على نفسه شيئًا من التمائم والتعاويذ وأشباهها، ويكون بهما جميعًا.\r* وقوله: «وُكِلَ إِلَيْهِ»: أي يكله الله إلى هذا الأمر ويخذله، وهذه قاعدة عظيمة، أنَّ كل شيء يُعَلِّق الإنسانُ به قلبه من دون الله من بشرٍ أو حجر أو شجر أو قبرٍ أو حلقةٍ أو خيطٍ أو تميمةٍ أو غير ذلك، فإنَّ الله يَكِلُه إليه، ومن توكَّل على الله فهو حسبه وكافيه.\rوبهذا تَعرف ضلال من نسوا التعلّق بالله والتوكّل عليه، فلجئوا إلى أمورٍ لم ترد في الشرع، وهم بهذا وقعوا في الشرك، ووكلهم الله إلى أنفسهم وإلى ما جعلوه من أسباب، وهذا هو غاية الخذلان، وقد قال ابن القيم: «أجمعوا","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٣٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076629,"book_id":1139,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":110,"body":"على أنَّ التوفيق: أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأنَّ الخذلان: أن يخلي بينك وبين نفسك» (¬١).\rومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ الحديث دلَّ على أنَّ من علَّق قلبه بشيء دون الله، فإنَّ هذا من الشرك، ويكون جزاؤه من الله أن يكله إلى هذا الذي توكَّل عليه، ولن يجد فيه نفعًا ولا دفعًا.\rورابع الأحاديث: عن رويفع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أنَّه مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ».\rورويفع: هو ابن ثابت الأنصاري، طال عمره وتوفي سنة (٥٦ هـ) (¬٢)، فوقع ما أخبر به النبي ﷺ من قوله: «لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ».\r* وقوله: «فَأَخْبِرِ النَّاسَ»: فيها دليلٌ على وجوب إخبار الناس وتبليغ العلم والعقيدة الصحيحة، وهذا واجب وأمانة يتحمّلها القادرون.\r* وقوله: «مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ»: عقدُ اللحية يُفَسّرُ على أحد أوجهٍ أربعة:\r١. ما كانوا يفعلونه في الحروب -في الجاهلية- مِنْ عقد لحاهم تكبرًا وافتخارًا وهذا من زِيّ الأعاجم.\r٢. ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها حتى تتجعّد، وهذا للتجمّل، وهذا فعل أهل التأنيث، مع أنَّ إصلاح اللحية ودهنها وإكرامها مطلوب، لكن ما لم يصل إلى الترف والإسراف.","footnotes":"(¬١) الفوائد (٩٠).\r(¬٢) انظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٦)، البداية والنهاية (٨/ ٦١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076630,"book_id":1139,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":111,"body":"٣. وإما خوفًا من العين؛ لأنَّها إذا كانت حسنة، أراد أن يشوهها ويشوه نفسه؛ خوفًا من العين.\r٤. أن المراد عقد اللحية في الصلاة؛ لأنَّ هذا من العبث في الصلاة، وهو مكروه، ويدل على عدم الخشوع، قال ابن العراقي: «والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة»، كما في رواية: «من عقد لحيته في الصلاة».\rقال ابن قاسم: «ويشبه هذا ما يفعله كثير من أهل الفسق والكبر، مِنْ فتل أطراف الشوارب، وإبقائها مخالفة لما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى» (¬١) (¬٢).\r* وقوله: «أو تقلّد وترًا»: تقدم بيانه، وأنَّه جعل قلادة من وتر على عنق الدابة وغيرها، وهذا الشاهد من الحديث.\r* وقوله: «أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ»: أي أزال الخارج من السبيلين بأيّ من هذه الأشياء؛ لأنَّها طعام الجنّ وعلف دوابهم، ونهى النبيّ ﷺ عن الاستجمار بها (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩) من حديث ابن عمر.\r(¬٢) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص (٨٨).\r(¬٣) فقد أخرج مسلم (٤٥٠) من حديث عَلْقَمَة قال: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ … وفيه أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ»، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ».","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076631,"book_id":1139,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":112,"body":"* وقوله: «فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ»: وهذا وعيد شديد يدلّ على أنّ هذه الأمور من الكبائر.\rوالأولى في أحاديث الوعيد إجراؤها على ظاهرها، من دون تعرض لها بتفسير، فهذا أبلغ في الزجر ولا تصرف عن ظاهرها بالتأويل، إلّا إذا خشي أن يفهمها البعض على ظاهرها في التكفير، فيكفِّر بها أهل المعاصي، كما هو مذهب الخوارج.\rومناسبة الحديث والشاهد منه: أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّه بريء ممن تقلد وترًا دفعًا للضرّ؛ لأنَّ هذا من الشرك كما تقدم.\rفائدة: قال صاحب فتح المجيد: «فإذا كان هذا فيمن تقلد وترًا، فكيف بمن تعلّق بالأموات وسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وما يترتب على ذلك من العبادة التي لا يستحقها إلّا ربُّ الأرض والسماوات، الذي جاء النهيّ عنه وتغليظه في الآيات المحكمات» (¬١).\rوخامس الآثار: عن سعيد بن جبير قال: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً منْ إِنْسَانٍ، كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) فتح المجيد (١/ ٢٤٩).\r(¬٢) قال صاحب التيسير (ص ١٣٥): وهذا الحديث … ظاهره الوقف، لكن له حكم الرفع عند العلماء؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون الحديث مرسلًا. ا. هـ\rقلت: وفي هذا الكلام نظر لأمرين:\rأولًا: أنَّ هذا إنما يقال في كلام الصحابي، الذي لا يقال مثله من قبيل الرأي، أما كلام التابعين فلا. انظر: فتح المغيث (١/ ١٥٠).\rثانيًا: أنه لا يقال في كلام التابعي أنّه مرفوع مرسل، إلا إذا كانت هناك قرينة تدلّ على رفعه كقول بعض الرواة - عند ذكر التابعي-: يرفعه مثلًا، أو كقول الراوي عن التابعي: من السنة كذا ونحوه، فيعتبر عندئذ له حكم المرفوع المرسل. والله أعلم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076632,"book_id":1139,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":113,"body":"* قوله «كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ»: أي كان له مثل ثواب من أعتق رقبة.\rووجه الشبه بين عتق الرقبة وقطع التميمة: أنَّ إعتاق العبد فيه إعتاقٌ له من الرقّ، وقطعُ التميمة منه فيه إعتاقٌ له من الشرك؛ إذ تسبب في فكاكه من النار.\rوفي أثر ابن جبير: إزالة المنكر باليد لمن كان قادرًا عليه، وإلّا فباللسان، وإلّا فبالقلب.\rالمسألة الرابعة: أشار المصنف ﵀ إلى تعليق التمائم إذا كان ما كتب فيها من القرآن، ونقل في المسألة قولين لأهل العلم، فقال: (لكن إذا كان المعلّق من القرآن، فرخصّ فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهيّ عنه منهم ابن مسعود ﵁.\rوعلى هذا ففي المسألة قولان:\rالقول الأول: أنَّ وضع التمائم من آيات القرآن جائز، وليس من التمائم المحرمة، وهذا نُقِلَ عن جماعة، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن المسيب، وابن عبد البر، والقرطبيّ، وهو رواية عن أحمد.\r* وحجة هذا القول: عموم قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، وهذه التمائم التي فيها القرآن هي كالرقية بالقرآن.\rوأما الأحاديث الواردة في النهي عن التمائم، فحملوها على التمائم من غير القرآن، والشركية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076633,"book_id":1139,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":114,"body":"القول الثاني: أنَّه محرَّم ولا يجوز، ولا فرق في ذلك بين كونها من القرآن أو من غيره، وهذا هو الأقرب.\rوقد قال به جمع من الصحابة، منهم: ابن مسعود وتلاميذه، وابن عباس، وحذيفة، وغيرهم، وهو رواية عن أحمد، وهو قول أكثر العلماء، ومنهم النخعيّ، وابن العربيّ، وصاحب فتح المجيد، وصاحب التيسير، والسعدي، والحكمي، والألباني، وابن باز، والعثيمين، والفوزان، وغيرهم.\rوذكر بعضهم لترجيح هذا القول عدة أوجه:\r١ - عموم النهي: ولا مخصص للعموم.\r٢ - سدًا للذريعة: فإنَّه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.\r٣ - أنَّه إذا عُلِّق فلن يخلو من أن يمتهنه المعلّق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء، وغير ذلك (¬١).\r٤ - أنَّ النبيّ ﷺ قد كان يرقي ويُرقى، فلو كان تعليق تمائم القرآن جائزًا لأمر به، قال ابن قاسم: «وليس في كتاب الله، ولا سنّة رسوله ما يدل على إجازة تعليق شيء من القرآن، ولا ثبت عن أحد من الصحابة المقتدى بهم تجويزه، ولا فعله مع توفر الدواعي إليه، وما ذاك إلّا لأنَّه ينافي التوكّل والإخلاص، ولعلّ عبد الله بن عمرو ﵁ يُعَلِّقه في الألواح لا أنَّه تميمة» (¬٢) ا. هـ.\rوقد نقل المصنّف عن إبراهيم النخعيّ قوله: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا، مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ».","footnotes":"(¬١) فتح المجيد (١/ ٢٤٤).\r(¬٢) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076634,"book_id":1139,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":115,"body":"ويقصد بالذين يكرهون: أصحاب ابن مسعود، وهم قرناء إبراهيم، كعلقمة والأسود وأبي وائل ومسروق والربيع بن خثيم وعبيدة السلماني وغيرهم، وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم.\rوالمراد بالكراهة هنا: كراهة التحريم؛ إذ الكراهة عند السلف يريدون بها التحريم، وتقدمّ أنَّ التمائم محرّمة، أمّا من غير القرآن فبالإجماع، وأمّا من القرآن فعلى قول الأكثر كما تقدم.\r* خلاصة الباب: أنّ الرقى ليست على حالٍ واحد، فربما كانت مشروعة، وربّما كانت شركيّة، فالواجب تبيين هذه من هذه، فليس كل راق رجلًا صالحًا، فربّما رقى بشرك.\rوأمّا التمائم فالأقرب أنَّها ممنوعة مطلقًا كما تقدم.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076636,"book_id":1139,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":117,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب فيما يتعلّق بالبركة والتبرّك، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: أراد المصنّف ﵀ بهذا الباب بيان حكم من تبرّك بالأشجار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076637,"book_id":1139,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":118,"body":"والأحجار، ونحوها من القبور والبقع وغيرها، وبيان أنَّها من الشرك وأفعال المشركين.\rوالبركة لغة: النماء والزيادة (¬١)، وقيل: كثرة الخير وثبوته.\rوالتبرك: طلبُ البركةِ والخير من الغير، يقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليك، وبارك له (¬٢).\rوأما مناسبة الباب لما قبله: فإنَّ هذا الباب مكمِّل للأبواب قبله؛ لأنَّ ما قبله في لبس الحلقة وفي التمائم وتعليقها وأنَّها من الشرك، فبيّن هنا أنَّ من الشرك التبرّك بالأشجار ونحوها؛ لما فيها كلّها من الاعتقاد بغير الله أنَّه ينفع ويضرّ، ومعلوم أنَّ الذي يقدر على جلب النفع ودفع الضرّ هو الله ﷻ.\rالمسألة الثانية: يمكن أن يذكر في باب التبرّك ضوابط مهمة ينبغي التنبه لها:\r١. أنَّ البركة لا تثبت في شيء من الأشياء إلّا بدليل شرعيّ؛ لأنَّ الأصل النفي لها وعدم ثبوتها، وهي أمرٌ توقيفي لا اجتهادي.\r٢. أنَّ ما يُتبَرَّكُ به من الأعيانِ والأقوالِ والأفعالِ والأزمانِ التي تثبت فيها البركة بطريق الشرع، إنّما هي سببٌ للبركة وليست بواهبةٍ لها.\r•مثاله: ماء زمزم سبب للبركة وليس واهبًا للبركة بذاته، ومِثلُه بقيّة الأمور المباركة مِنْ مطعومٍ وموطنٍ وزمانٍ وغيره.","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٣٤٧)، ولسان العرب (١٠/ ٣٩٥).\r(¬٢) انظر: جلاء الأفهام لابن القيم (٣٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076638,"book_id":1139,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":119,"body":"٣. اعلم أنَّ التبرّك قسمان: أ- مشروع. ب- ممنوع.\rأما التبرّك المشروع فتحته صور:\r١ - التبرّك بذات النبيّ ﷺ وعَرَقِه وثيابِه: فهذه لا تكون إلّا للنبيّ ﷺ وهي منقطعة بوفاته، إلا ما نفصل منه فيصح ولو بعد وفاته، كشعره لو وُجِد.\r٢ - التبرّك بالأقوال: كقراءة القرآن وقراءة البقرة، وقد ورد فيها: «أَخْذُهَا بَرَكَةٌ» (¬١)، والتبرك بكل شيء بحسبه، فالتبرك بالقرآن بتلاوته، وهكذا.\r٣ - التبرّك بالأفعال: كأكلة السحر، ففيه بركة، وكذا الاجتماع على الطعام يباركه الله «اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» (¬٢)، والتبرك بهذه الأطعمة يكون بأكلها.\r٤ - التبرّك بالأمكنة: بالمساجد عمومًا، والمساجد الثلاثة-المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى- خصوصًا.\rوالتبرّك بالمساجد يكون: بالإكثار من الصلاة والتعبد فيها، ولا يكون بالتمسّح بترابها وجدرانها ونحو ذلك؛ لأنّ التبرّك عبادةٌ ويشترط فيها المتابعة.\r٥ - التبرّك بالأزمنة: كليلة القدر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان، الآية (٣)] ويوم الجمعة وشهر رمضان، وعشر ذي الحجة، والتبرّك فيها يكون بالاجتهاد بالعبادة.\r٦ - التبرّك بالأطعمة: كماء زمزم، والحبّة السوداء، والعسل واللبن.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٨٠٤) من حديث أبي أمامة.\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦)، وأحمد (١٦٠٧٨) من حديث وحشي بن حرب، وإسناده حسن.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076639,"book_id":1139,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":120,"body":"وأما التبرّك الممنوع فتحته أنواع:\r١ - التبرّك بالأمكنة المباركة على غير ما ورد في الشرع: كتقبيل جدران الكعبة، والتمسح بها وبتربة المسجد، أو بمقام إبراهيم، ونحو ذلك.\r٢ - التبرّك بالقبور، والدعاء عندها للتبرك بها.\r٣ - التبرّك بمقامات الأنبياء: كغار ثور وحراء، أو الطور الذي كلّم الله فيه موسى ﷺ ونحوها، والسفر إليها والتعبد عندها، وكذلك الأمكنة التي صلّى فيها النبيُّ ﷺ، فلا يشرع تتبعها؛ لأنَّها لم تقع منه تقصدًا.\r٤ - التبرّك بأزمنةٍ معينة: كمولد النبيّ ﷺ، والإسراء والمعراج، ويوم بدر، وفتح مكّة بنوع من التعظيم والعبادة.\r٥ - التبرّك بذواتِ الصالحين وآثارهم: فهذا لم يشرع، ولم يؤثر عن أحد.\r• وعلى هذا: فالتبرك بآثار الصالحين، والتمسّح بهم، وبثيابهم، وبعرقهم، ونحو ذلك قياسًا على النبيّ ﷺ خطأٌ من عدة أوجه:\r١ - عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبيّ ﷺ في الفضل والبركة.\r٢ - عدم تحقق الصلاح، فإنَّه لا يتحقق الصلاح إلا بصلاح القلب، وهذا لا يطلع عليه.\r٣ - أنَّ الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبيّ ﷺ، لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه (¬١).\rفإن قيل: ورد في الصحيح أن عتبان بن مالك ﵁ دعا النبيَّ ﷺ إلى","footnotes":"(¬١) انظر: تيسير العزيز الحميد (١٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076640,"book_id":1139,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":121,"body":"منزله ليصلي فيه، فيتخذه مصلى «فجاء النبيّ ﷺ، فصلى في بيته» (¬١) أليس فيه دليل على جواز التبرك بآثار الصالحين؟\r* فالجواب من أوجه:\rأ- لم يقصد عتبانُ أن يتبرّك بموضع صلاة النبيّ ﷺ، وإنما قصدَ أن يُقِرَّهُ الرسولُ ﷺ على الصلاة جماعةً في داره عند عدم استطاعته حضور الجماعة.\rب- لو كان القصد التبرّك بموضع صلاة النبيّ ﷺ؛ لبقي هذا الموضع يتبرّك به الورثة فمن بعدهم، كما نقل عن بعض الصحابة في تبركهم بشعر النبيّ ﷺ وقدَحه.\rالمسألة الثالثة: يقرّر أهل العلم أنَّ التبرك بالأشياء المحرمة، كذوات الصالحين أو المواضع التي لم يثبت فيها شيء ونحو ذلك، أنَّه محرَّم ومن الشرك، ثم يقولون:\r* يكون شركًا أصغر: إن اعتقد أنَّه سببٌ للبركة والتمسها منه.\r* ويكون شركًا أكبر: إن اعتقد أنَّ منه البركة، كما أنَّها من الله، كأن يقول: يا عبد القادر الجيلاني بارك لي في زوجتي، أو يا بدوي مُنَّ علي بكذا، فهذا صرف العبادة لغير الله.\rالمسألة الرابعة: ترد على ألسنة الناس عبارات عديدة في البركة، وهي تختلف في حكمها.\rالأولى: قول (هذه من بركتك أو من بركاتك): وهي جائزة على الأقرب، ويدل","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076641,"book_id":1139,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":122,"body":"لها ما ورد في حديث عائشة ﵂ في قصة التيمم وفيه: «أن أسيد بن حضير ﵁ قال: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» (¬١)، وقالت عائشة ﵂: «فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» (¬٢)، أي: جويرية أم المؤمنين.\rلكن لا ينبغي أن تُقال لمن لا يُعرف منه خير وصلاح.\rوكذا لا تقال عند حصول أمرٍ من الله لا علاقة للإنسان به، كالمطر مثلًا، فالمطر من الله وحده.\rالثانية: قول: (تباركت علينا): فلا تجوز؛ لأنَّ (تبارك) من خصائص الله، فلا تقال لغيره، وقد أشار لهذه ابن القيم (¬٣).\rوأجازها بعض العلماء، منهم الشيخ بكر أبو زيد (¬٤).\rالثالثة: قول (كُلّك بركة): فالأولى أن لا تُقال؛ لأنَّها على خلاف الحقيقة؛ إذ فيها مبالغة، فالإنسان ليس كلّه بركة.\r* ومنها: (أبرك الساعات أن نراك)، فهذه معلوم أنَّها تقال على سبيل الإكرام والاحتفاء، ومع هذا فالأولى أن لا تقال؛ لأنَّ أبرك الساعاتِ ساعةٌ تطيع فيها الله، ولئن كان اللقاءُ بالإخوان في الله طاعة، إلّا أنَّه قد لا يكون أبرك","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٦٧٢)، ومسلم (٣٦٧) من حديث عائشة.\r(¬٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٧)، وأبو داود (٣٩٣١)، وابن الجارود في المنتقى (٧٠٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٧٤٨)، وابن حبان في الصحيح (٤٠٥٤)، والحاكم (٦٧٨١)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٧٤).\r(¬٣) في بدائع الفوائد (١/ ١٨٧).\r(¬٤) معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد ص (٦٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076642,"book_id":1139,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":123,"body":"الأوقات.\rالمسألة الخامسة: استدل المصنّف في الباب بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم، الآيات (١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢)]. ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)].\rوالمعنى: أنَّ الله يقول للمشركين الذين يعبدون الأصنام -وفي مقدمتها هذه الأصنام الثلاثة المشهورة- هل نفعتكم هذه الأصنام بشيء؟ هل دفعت عنكم الضرّ؟ هل جلبت لكم رزقًا أو نفعًا؟ ومعلوم أنَّهم لا يقدرون على الجواب.\rقال القرطبي: «قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ وَأَبُو صَالِحٍ (اللَّاتَّ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ … وَالْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ: (اللَّاتَ) بِالتَّخْفِيفِ» (¬١) (¬٢).\r* أما على القراءة الأولى: فقال الأعمش: «سمّوا اللات من الإله، والعزى من العزيز» ا. هـ. فقد اشتقّوها من اسم الله، قال ابن كثير: «كانت صخرة بيضاء يتبركون بها ويطلبون قضاء الحوائج، وكانت لأهل الطائف، وكانوا يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش» (¬٣) ا. هـ.\rولم تزل موجودة حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فهدمها وحرقها بالنار، وذلك في السنة الثامنة.","footnotes":"(¬١) وقال الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٨): وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك: قراءة من قرأه بتخفيف التاء.\r(¬٢) تفسير القرطبي (١٧/ ١٠٠ - ١٠١)، وانظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٤٥)، وتفسير البغوي (٤/ ٣٠٨).\r(¬٣) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076643,"book_id":1139,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":124,"body":"• وعلى هذا: يكون علاقة الآية بالباب من جهة التبرك بالأحجار.\r* وأما على القراءة الثانية: فقد قال ابن عباس: «كَانَ رَجُلًا يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ؛ فَلَمَّا مَاتَ عَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ» (¬١).\rومعنى اللتّ: أن يأتي بالسويق ويجعل فيه السمن فيطعمه الحجاج.\r• وعلى هذا: فيكون من باب التبرّك بالأموات، وهو من شرك القبور.\rقال صاحب التيسير: «ولا تخالف بين القولين، فإنَّ من قال: إنَّها صخرة لم ينف أن تكون صخرة على القبر أو حواليه، فعظمت وعبدت تبعًا لا قصدًا، فالعبادة إنّما أراد بها صاحب القبر» إلى أن قال ﵀: «فتأمَّل فعل المشركين مع هذا الوثن، ووازن بينه وبين بناء القباب على القبور، والعكوف عندها ودعائها وجعلها ملاذًا عند الشدائد» (¬٢).\r* وأما العزى: فتقدم قول الأعمش أنَّها من اسم الله (العزيز).\rقال ابن جرير: «كانت شجرة عليها بناءٌ وأشياءٌ بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش تعظمها» ا. هـ، ولذلك قال أبو سفيان يوم أُحد: «لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ» (¬٣)، ولما فتح النبيّ ﷺ مكّة أرسل خالد بن الوليد، فأتاها فقطع السمرات الثلاثة التي عندها، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبيّ ﷺ فأخبره، فقال ارجع فإنك لم تصنع شيئًا، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة -وهم حجبتها- امتنعوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى يا عزى، فأتاها خالد،","footnotes":"(¬١) أخرج البخاري (٤٨٥٩) شطره الأول، وأخرجه الطبري بتمامه في التفسير (٢٢/ ٤٨).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد (١٣٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٣٠٣٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076644,"book_id":1139,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":125,"body":"فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فعلاها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: تلك العزى (¬١).\r• وهذا: لأنّ الواقع أنَّ المشركين ليست عبادتهم لهذه الأصنام، وإنّما عبادتهم للشياطين فهي التي تدعوهم إلى عبادتها، وهى التي تكلمهم أحيانًا ويظنّون أنّ الصنم هو الذي يتكلم، أو أنّ الميّت هو الذي يتكلم (¬٢).\r* وأما (مناة) فاختُلِف في اشتقاقها:\r١. فقيل: من اسم الله المنان.\r٢. وقيل: سُمِّيت مناة؛ لكثرة ما يُمنى-أي يراق- عندها من الدماء للتبرك بها.\r* وكان موضعها بالمُشلَّلِ عند قديد، بين مكة والمدينة، وكانت للأوس والخزرج، وكانوا يُهلّون منها للحج، فلما فتح النبيّ ﷺ مكة أرسل علي بن أبي طالب إليها فهدمها.\r* وقوله: ﴿الْأُخْرَى﴾: أي المتأخرة وضيعة القدر.\rوإنما خُصّت هذه الثلاثة: لأنَّها أشهر الأصنام عند العرب وأعظمها، فبيّن الله لهم أنَّها لم تنفعهم ولم تضرهم هذه الأصنام.\r* وقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾: استفهام إنكاري للمشركين الذين إذا جاء أحدهم ولدٌ ذكر استبشر، وإذا جاءه أنثى ظل وجهه مسودًا، ومع ذلك","footnotes":"(¬١) أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة (٢/ ١٢٦)، والنسائي في الكبرى (١١٤٨٣)، وأبو يعلى في المسند (٩٠٢)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٦٣)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٧٧).\r(¬٢) انظر: إعانة المستفيد (١/ ١٥٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076645,"book_id":1139,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":126,"body":"يقولون: الملائكة بنات الله.\rوقيل: يجوز أن يراد أنَّ اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموها لله شركاء، ومن شأنكم أن تحقروا الإناث، وتستنكفون أن يولدن لكم أو ينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادًا لله وتسموهم آلهة؟\rقال صاحب التيسير: «ما أقرب هذا القول إلى سياق الآية» (¬١).\rوقوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: أي جائرةٌ باطلة، إذ نزَّهتم أنفسكم عن البنات، ونسبتموها لله.\r• واعلم أنَّ مستند الكفار والمشركين في عبادتهم للأصنام أمران:\r١ - حُسْنُ ظنِّهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، والظنُّ لا يغني من الحق شيئًا.\r٢ - حظُّ أنفسهم في رياستهم واتباع أهوائهم، وأضرُّ شيءٍ على الإنسان أن يتَّبع ما يهوى ويترك الهدى.\rوإذا تقرر هذا فاعلم أن وجه مناسبة الآية للباب: هي أنَّ الذين يعبدون هذه الأصنام يعتقدون أنَّها تنفعهم وتضرهم، وهم يتبرَّكون بها ويتقربون إليها ويذبحون لها ويدعونها، فعدّ اللهُ عملهم شركًا.\r• فيؤخذ من هذا: أن كُلَّ من تبرَّك بشجرٍ أو قبر أو حجرٍ أو غير ذلك، قاصدًا بذلك جلب النفع أو دفع الضر، فقد شابههم في شركهم.\r• واعلم: أنَّ الذي يفعله بعضُ معظّمي القبورِ اليوم هو من جِنس ما كان يفعله","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص: ١٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076646,"book_id":1139,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":127,"body":"أصحاب الأصنام، فقد ذكر ابن هشام: «أنَّ العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوتٌ تُعظَّمُ كتعظيم الكعبة، لها سدنةٌ وحُجَّابٌ، ويُهدى لها كما يُهدى للكعبة، ويُطاف بها ويُنحَرُ عندها، وهم يعرفون فضل الكعبة عليها؛ لأنَّهم كانوا يعرفون أنَّها بيت إبراهيم ﵈ ومسجده» (¬١).\rالمسألة السادسة: ذكر المصنّف في الباب حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ أَكْبَرُ، إنَّها السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣٨)]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ «.\rومضمون الحديث: أنَّه لما فتح النبيُّ ﷺ مكّة خرج إلى حنين، وهو وادٍ بين مكّة والطائف -وكانت غزوة حنين في السنة الثامنة في شهر شوال وقصتها معروفة-، وكان معه الصحابة، ومعه قومٌ قريبوا عهدٍ بكفر -كما قال أبو واقد ﵁ وإنّما قال هذا ليعتذر عن طلبهم وسؤالهم، إذ إنَّ غيرهم لا يجهل ذلك، ولو وقر الإيمانُ في قلوبهم لما سألوا هذا، وكان للمشركين سدرةٌ يعكفون عندها ويلزمون مكانها تبركًا بها، وكانوا أيضًا يُعَلِّقون عليها أسلحتهم طلبًا للبركة.\rفلما رأى هؤلاء القومُ حدثاءُ العهد بالإسلام تلكَ السدرةَ أعجبهم عملُ المشركين، وظنّوا أنَّ هذا الأمرَ سائغٌ، فطلبوا من النبيّ ﷺ أن يجعل لهم","footnotes":"(¬١) سيرة ابن هشام (١/ ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076647,"book_id":1139,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":128,"body":"شجرة مثلها يُعَلِّقون عليها ويعكُفون حولها -وهم قصدوا بهذا التقرُّبَ إلى الله - فقال النبيّ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ» تعجبًا واستعظامًا له وتنزيهًا لله عن هذا العمل، إذ كيف يقولون هذا وهم آمنوا بأنَّه لا إله إلّا الله؟! ولكن: «إنَّها السُّنَنُ»، والسنن: الطرق، أي: أنَّ السبب الذي أوقعكم في هذا هو التشبُّه، فقاس الرسول ﷺ ما قاله الصحابة على ما قالته بنو إسرائيل لموسى وطلبوه منه، حيث إنَّه لما نجاهم الله وأغرق فرعون وقومه مروا في طريقهم على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يا موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فقال موسى;: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، أي: أنَّ الذي أوقعكم في هذا هو جهلكم بالتوحيد، وعلى هذا فالتشبه بالكفار في عبادتهم وتقاليدهم أمرٌ خطير.\rبل إنَّ أوَّل حدوث الشركِ في جزيرة العرب إنما كان بسبب التشبّه بالكفار، حين ذهب عمرو بن لُحَيّ إلى الشام فوجدهم يعبدون الأصنام فأعجبه ذلك، فجلبها إلى الحجاز.\rفإن قيل: الآية: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فيها طلبُ إله من دون الله، أمّا الصحابة فإنَّهم إنما طلبوا شجرة يعلقون عليها، فكيف يكونان سواء؟!\rفالجواب: طلبُ هؤلاء الصحابة من النبيّ ﷺ، هو من جنس مطلق المشابهة للكفار، لا أنَّها مماثلة في الشرك بعينه.\rقال ابن تيمية: «فأنكر النبيّ ﷺ مجرّد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلّقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟» (¬١).","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076648,"book_id":1139,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":129,"body":"وقال الشاطبي: «فإنَّ اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنَّه هو بنفسه» (¬١).\rوالمراد: أنَّ مجرد مطلق المشابهة بين الفريقين لا تُخرِجُ من الملة، فالصحابة طلبوا ولم يفعلوا، ثم إنهم كانوا حدثاء بكفر (¬٢).\rومناسبة الحديث للباب ووجه الشاهد منه: أنَّ النبيّ ﷺ أنكر على هؤلاء طلبهم التبرك بالأشجار، وجعله مثلَ طلب بني إسرائيل أن يكون لهم إلهٌ، فهذا مثلُ هذا وإن اختلف اللفظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر مع اتفاق المعنى، وحينها يقال: من طلب البركة من شيء ولم يثبت أنَّ فيه بركة، فإنَّ فعله محرم ولا يجوز.\r* وإذا تقرر هذا فثمة فوائد تؤخذ من الحديث، أهمها اثنتان:\r١) أنَّ تعظيم غير المعظم قد يوقع في الشرك، حينما يغلو المرء به.\rقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «فإذا كان اتخاذ شجرة؛ لتعليق الأسلحة والعكوف عندها اتخاذ آلهة مع الله، مع أنَّهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظنُّ بما حدث مِنْ عُبَّادِ القبور مِنْ دُعاء الأموات والاستعانة بهم والذبح والنذر والطواف بقبورهم، وتقبيل أعتابها وجدرانها والتمّسح بها وجعل السدنة والحجّاب لها؟! وأي شبهٍ بين هذا وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركًا» (¬٣).\rوأهل القبور يقولون: إنَّ فعلهم هذا ليس بشرك، وإنّما هو توسلٌ ومحبة","footnotes":"(¬١) الاعتصام (٢/ ٢٤٦).\r(¬٢) انظر: التعليق على فتح المجيد للشيخ عبد العزيز العبد اللطيف (ص: ١٢).\r(¬٣) تيسير العزيز الحميد (١٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076649,"book_id":1139,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":130,"body":"للأولياء والصالحين!\rفيقال لهم: وإن سمّيتموه توسلًا أو محبّة أو وفاءً للصالحين فإنَّه في الحقيقة شرك، فالذي يتبرَّك بالحجر أو الشجر أو القبر بالتوجه له بالدعاء، فقد اتخذه إلهًا وإن كان يزعم أنَّه ليس بإله.\r٢) أنَّ حسن المقاصد لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا، فهؤلاء الصحابة قصدهم حسن، ومع هذا أنكر عليهم النبيّ ﷺ وغضب، وجعل مقالتهم مثل مقالة بني إسرائيل، فدلّ على أن المقاصد الحسنة لا تبرّر الغايات السيئة المبتكرة.\r* خلاصة الباب: أن البركة توقيفيةٌ، فلا تثبت إلا بنص، وأن التبرك بما ثبت في البركة يكون على وفق الشرع، وأن من تبرك بشيء على خلاف مقتضى الشرع فقد وقع في المحذور، والله أعلم.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076651,"book_id":1139,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":132,"body":"(الشرح)\rالذبح لغة: الشقّ، وكل ما يُشق فقد ذُبِح، قال ابن فارس: الذال والباءُ والحاءُ أصلٌ واحد، وهو يدل على الشق، فالذبح: مصدر ذبحتُ الشاة ذبحًا (¬١).\rوشرعًا: إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص.","footnotes":"(¬١) مقاييس اللغة (٢/ ٣٦٩)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076652,"book_id":1139,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":133,"body":"والكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيانُ ما جاء من الوعيد على من ذبح شيئًا من البهائم قاصدًا بذبحه غير الله، وأنَّه شركٌ أكبر؛ لأنَّ الذبح عبادةٌ مِنْ أجَلِّ العباداتِ، وقربةٌ من أفضل القربات المالية، وإذا كان الذبحُ عبادةً، فلا يجوز أن تُصرف لغير الله، وصرفُها لغيره شرك أكبر.\rوالمؤلف نبّه على هذا لانتشاره عند أهل زمانه، وإلى الآن.\rالمسألة الثانية: ذكر أهل العلم أن الذبح له حالتان (¬١):\rالأولى: ذبح تقرّب وتعبّد: وهذا له صور ثلاث:\r١ - ذبح النُسك: بأن يتقرب إلى الله بالذبح تعظيمًا له، ويدخل فيه الأضحية والعقيقة والنذر والهدي وغيرها، وهو فيه مأجور.\r٢ - الذبحُ البدعي: وهو أن يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله-وسيأتي بيانه في الباب الآتي-.\r٣ - الذبحُ الشركي: وهو أن يذبح لغير الله تقربًا، وله صور:\r١/ الذبح عند القبور تقربًا إليها، فهذا شرك أكبر.\r٢/ الذبحُ للجِنِّ دفعًا لأذاهم، كما لو ذبح عند نزول البيت أو غير ذلك: والأقرب أنه شركٌ أكبر؛ لأن الذبح عبادةٌ مستقلةٌ، فمتى ما صُرِفَتْ لغير الله صار ذلك شركًا أكبر.","footnotes":"(¬١) انظر: موسوعة العقيدة (٣/ ١٢٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076653,"book_id":1139,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":134,"body":"٣/ الذبحُ للشياطين كي يستخدمهم، وهو شركٌ أكبر كذلك، لأنه صرف العبادة -وهي الذبح- لغير الله، قال ابن القيم: «مَنْ ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقدْ عَبَدَه، وإن لم يسمّ ذلك عبادة، بل يسمّيه استخدامًا» (¬١).\r٤/ الذبحُ للقادم عند قدومه ووصوله المكان تقربًا له: وهذا شركٌ أكبر، وقد ذكر المروزي أن ما ذُبِحَ عند استقبال السلطان تقربًا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله.\rفأما لو كان ذبحُه للقادم تقربًا لله عند قدومه، ولكنه استقبله بذلك: فهذا بدعيٌ ومحرم (¬٢).\rالثانية: الذبحُ المباح: وهو ما يُقصد فيه التمتع باللحم، أو الاتجار به، ونحو ذلك، وقد يكون مشروعًا إذا ذبح بقصد إكرام الغير، ما لم يصل إلى الإسراف.\rالمسألة الثالثة: حكم الأكل من الذبيحة التي ذبحت لغير الله.\rلا يجوز؛ لأنَّها أُهِلَّ بها لغير الله، وقد قال الله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة، الآية (٣)].\rقال النووي: «لا تحلُّ هذه الذبيحة، سواء أكان الذابحُ مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله، والعبادةَ له، كان","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (٢/ ٢٣٥)، وانظر: الفتاوى للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص: ٦٦)، فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٢٠٩).\r(¬٢) انظر: مجموع فتاوى ابن باز (١/ ٤٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076654,"book_id":1139,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":135,"body":"ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا» (¬١).\rالمسألة الرابعة: ذكر المصنف في الباب آيتين وحديثين:\r* أما الآية الأولى: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام، الآيات (١٦٢ - ١٦٣)]، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغيره، ولكل من بعدهم إلى قيام الساعة.\r* ﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾: والصلاة لغة: الدعاء، وفي الشرع: العبادة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، وهي عبادةٌ تشتمل على عباداتٍ قلبية كالخشوع والخشية، وقوليةٍ: كالتكبير والتحميد وقراءة القرآن، وعمليةٍ: كالركوع والسجود.\r* ﴿وَنُسُكِي﴾: أي ذبحي، والمراد: ما يذبح من بهيمة الأنعام على وجه التقرب والعبادة، وقال الزجاج: «النسك كل ما تقرب به إلى الله، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح» (¬٢).\r﴿وَمَحْيَايَ﴾: أي ما أحيا عليه في عمري من العبادة كلها لله خالصًا.\r﴿وَمَمَاتِي﴾: أي ما أموت عليه، أي: أحيا وأموت على التوحيد.\rفكل هذه الأمور لا تكون إلا لله، وغيره لا يستحق أن يصرف له شيء منها؛ لأنَّ كلَّ المخلوقات مربوبة لله وهو خالقها، فلا يستحق هذا إلا الله.\r﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: أي بذلك الإخلاص في العبادة أمرني الله.","footnotes":"(¬١) شرح مسلم (١٣/ ١٤١) بتصرف يسير.\r(¬٢) معاني القرآن (١/ ٢٠٩)، (٢/ ٣١١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076655,"book_id":1139,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":136,"body":"﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أي أول المسلمين من هذه الأمة. قاله قتادة (¬١)؛ لأنَّ إسلام كل نبي متقدمٌ على إسلام أمته، والأنبياء كانت دعوتهم للإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له.\r* وفي قرن الصلاة بالنسك في الآية فائدة وهي: بيان فضل النسك لله، وأنَّه عبادة عظيمة، قال شيخ الإسلام: «أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عِدَتِه، وأمرِه وفضلِه وخلفه عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر وتركًا لإعانة الفقراء وإعطائهم، وسوءِ الظن منهم بربهم، ولهذا جمع الله بينهما» (¬٢).\rومناسبة الآية للباب: أنَّ الذبح لا يكون إلا خالصًا لله، وبذلك أمر الله نبيَّه محمدًا ﷺ، وصرفُه لغير الله مخالفة؛ لأمر الله وأمر رسوله ووقوع في الشرك.\r* وأما الآية الثانية: فهي قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر، الآية (٢)].\rوهذا أمر من الله لنبيِّه أن يخلص الصلاة لله، ويخلص له النحر سبحانه.\rوالمعنى: أنَّ الله لما امتن على محمدٍ ﷺ بإعطائه الكوثر أمره أن يشكر النعمة، بأن يصلي له، وبأن يذبح وينحر له سبحانه.\rقال صاحب التيسير في معنى الآية: «فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه،","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٢/ ٢٨٥).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076656,"book_id":1139,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":137,"body":"وشرفك وصانك من مِنَنِ الخلق، مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفًا لهم في النحر للأوثان» (¬١).\rومناسبة الآية للباب: أن الله قرن في الآيةِ الذبحَ بالصلاة، وأمر بصرفهما كليهما لله، فدلَّ على أنَّ الذبح عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله.\r* وأما الأحاديث فأولها: حديث علي ﵁ قال: «حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ».\r* وقوله: «بأربع كلمات»: أي بأربع جمل، إذ الكلمة في اللغة العربية تطلق على الجملة المفيدة، كقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله).\r* وقوله «لَعَنَ اللهُ»: اللعنُ: الطرد والإبعاد من رحمة الله، والمراد به إذا أضيف من المخلوق لله: اللهم أبعده واطرده عن رحمتك.\rوقوله: «مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»: عامٌ يشمل ذبح أي شيء مما يُذبح لغير الله، من آدمي أو جني أو صنم أو غيره.\r* وقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه»: الوالدان هما الأب والأم وإن عَلَو، وكلما قَرُبَ كان أشدّ؛ لأنَّه أولى بالبر.\rولعن الوالدين يأتي على أحد صورتين كلاهما محرم:\r١ - مباشرة لعنهما وسبهما: قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ واللعن والشتم","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (١٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076657,"book_id":1139,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":138,"body":"أشدّ.\r٢ - أن يتسبب في لعن والديه: بأن يلعن والدي رجلٍ، ثم يرد عليه ذلك بالمثل، فيكون متسببًا في لعن والديه، وفي الحديث: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» (¬١).\r* وقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا»: المُحْدِثُ: بكسر الدال، وهذا يشمل:\r١ - الإحداث في الدين: كأن يؤوي مبتدعًا.\r٢ - الإحداث في شؤون الأمة، والإيواء: الحماية والدفاع عنه، كأن يؤوي مجرمًا يستحق إقامة الحدّ، فيحول بينه وبين الناس بجاهه أو قوته أو جنوده وسلطانه.\rوالحديث يعمُّ المعنيين، وكلما كان الحدثُ أكبر كانت الكبيرة أعظم.\rوقد ورد في بعض الروايات «مُحْدَثًا» بفتح الدال، والمُحْدَثُ: البدعة، ويكون إيواؤها بالرضى بها، فإذا رضي بالبدعة وأقرَّ عليها فاعلها، ولم ينكر عليه فقد أواها، إلا أنَّ ضبطها بكسر الدال أولى.\r* وقوله: «لَعَنَ اَللَّهُ مِنْ غَيْرِ مَنَارَ اَلْأَرْضِ»: منار الأرض جمع منارة، واختلف في معناها على أقوال:\r١. المراسيم والعلامات التي تُفَرِّقُ بين الجيران، وتغييرها: بأن يقدمها أو يؤخرها ظلمًا؛ ليزيد في مسافة أرضه، وهذا أقرب الأقوال، وقد قال ﷺ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076658,"book_id":1139,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":139,"body":"«منِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (¬١).\r٢. العلامات التي على الطرق لتوضحه وتبينه، وقد يدخل فيها في عصرنا العلامات التي تضعها المواصلات في الطرق، فيأتي من يغيرها ليضلّ الناس.\rومناسبة الحديث للباب: أنَّ النبيّ ﷺ لعنَ من ذبح لغير الله، وهذا يدل على شدة الأمر؛ إذ لا يلعن إلا على أمر عظيم، وهذا عام - كما سبق- في كل من ذبح لغير الله، سواء أكان في نيته التقرب للمذبوح أو لدفع شرّه أو طلب الخير من المذبوح، فكلّه شرك أكبر، وسواء تلفظ بالنية بأن قال: هي لكذا، أو نوى ذلك بقلبه.\rوفي هذا الحديث لعن النبيُّ ﷺ أنواعًا من الفُسّاقِ، وأهل العلم يقررون بأن لعنَ الفاسقِ له حالتان:\rأ- لعنٌ على العموم: كهذا الحديث، وقد ورد أن النبيّ ﷺ لعن أنواعًا كثيرة من الفساق بعمومهم، كآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه (¬٢)، ولعنَ في الخمر عشرة (¬٣)، والواصلة والمستوصلة (¬٤) وغيرها، فهذا جائزٌ، فلو قال رجلٌ مثلًا: لعن الله آكل الربا، فيجوز.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد.\r(¬٢) أخرجه مسلم (١٥٩٧) من حديث ابن مسعود، وله شاهد من حديث أبي جحيفة أخرجه البخاري (٥٣٤٧).\r(¬٣) أخرجه أبو داود (٣٦٧)، وابن ماجه (٣٣٨٠) وأحمد (٢/ ٢٥) من حديث ابن عمر، وصححه الألباني في الإرواء (٢٣٨٥).\r(¬٤) أخرجه البخاري (٥٩٤٧)، ومسلم (٢١٢٤) من حديث ابن عمر، ورووه أيضًا من حديث غيره.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076659,"book_id":1139,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":140,"body":"ب- لعنُ الفاسقِ المعيّن: فالذي عليه أكثر العلماء، واختاره ابن تيمية (¬١)، أنَّه لا يجوز لعن الفاسق المعين، وإنما يُلعَنُ من اتصف بهذا الوصف، فلو رأيت من يشرب الخمر فليس لك أن تقول: لعنك الله، بل تقول: لعن الله شارب الخمر.\r* ويدل لذلك: أن النبيّ ﷺ لعن شارب الخمر، ولما أُتي بأحد الصحابة يشرب الخمر قال رجل من الصحابة: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (¬٢)، وقد كان الإمام أحمد يكره لعن المعيّن، كالحجاج ويزيد بن معاوية، ويقول: «ألا لعنة الله على الظالمين».\r* وأما الحديث الثاني: فهو حديث طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «دَخَلَ اَلْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ وَدَخَلَ اَلنَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُهُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ اَلنَّارَ، وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اَللَّهِ ﷿، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ اَلْجَنَّةَ»، وهذا الحديث عزاه المصنف لأحمد، وليس هو في المسند، وإنما أخرجه أحمد في الزهد.\rوطارق بن شهاب: صحابيٌ على الصحيح وقول الأكثر، وقد قال عن نفسه: «رأيت النبيّ ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر»، ومات سنة (٨٣ هـ)، وقد رواه طارق عن سلمان ﵄ عن النبيّ ﷺ، كما بينتُ ذلك في تخريج","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٤٨٤)، (٦/ ٥١١)، ومنهاج السنة النبوية (٤/ ٥٧٠: ٥٦٧).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076660,"book_id":1139,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":141,"body":"الحديث آنفًا.\rإلا أن الحديثَ أعلّه بعضُ العلماء بالوقفِ على سلمان الفارسي، وهو المحفوظ، فيحتمل أن سلمان أخذه من أهل الكتاب؛ لأنَّه كان نصرانيًا فأسلم.\rومضمونُ الحديثِ: أن هذين الرجلين مرّا على صنمٍ لا يتجاوزه أحدٌ حتى يقرب له شيئًا تعظيمًا له، فقيل للرجلين: قَرِّبا، فامتنع الأول، واعتذر الآخر بأنَّه ليس عنده ما يقربه، فهو موافقٌ على الذبح لهذا المعظم، فرضوا منه بأيسر شيء؛ لأنَّ قصدهم موافقتهم على ما هم عليه من الشرك، فقرَّب ذبابًا، ولو وجد بدنة لقربها، فلما قَرَّبَ الذبابَ استوجب دخول النار؛ لأنَّه قصد بهذا الذبحِ غيرَ الله، والعبرةُ بالنيةِ وعملِ القلب.\rوقد اختلف أهل العلم في الحديث على رأيين:\rالرأي الأول: من يرى ضعف الحديث، ويُعِلُّه بما سبق، ثم إنَّهم يستنكرونه بأن الرجل في الحديث لا يخلو حاله من أمرين:\r١. أنَّه لما قدَّم الذبابَ للصنم إنما قدمه عبادة له وتعظيمًا، فهو في هذه الحالة لا يكون مسلمًا، بل هو مشرك.\r٢. أنَّه فعل ذلك خوفًا من القتل، وهو في هذه الحالة لا تجب له النار، وحينها فالحكم عليه بأنَّه مسلم دخل النار في ذبابٍ يأباه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ … ﴾، وقد نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر به ﷺ، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبيّ ﷺ (¬١).","footnotes":"(¬١) تفسير الطبري (١٧/ ٣٠٤). أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٣٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٠)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠٨)، من طريق محمد بن عمار بن ياسر به، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الحافظ في الدراية (٢/ ١٩٧): إسناده صحيح إن كان محمد بن عمار سمعه من أبيه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076661,"book_id":1139,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":142,"body":"ذكر هذا الألباني ﵀ (¬١).\rالرأي الثاني: من يرى صحة الحديث، ويجيب عن الإشكال الذي أورده الأولون -وأنَّ الرجل إما أن يكون مكرها أو مشركًا حقيقة- بجوابين:\rالأول: أن كون الإكراه عذرٌ هو من خصوصيات هذه الأمة، أما من سبقها من الأمم فإنَّ الإكراه في حقهم ليس بعذر، وعليه فإنَّ هذا الرجل وقع في الشرك مكرهًا، ومع هذا فلم يُعْذَر.\rقال الشنقيطي على قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: «أخذ بعض العلماء منها أنَّ العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأنَّ قوله عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ … ﴾ ظاهرٌ في إكراههم على ذلك، وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾».\rوقال أيضًا: «ومن أصرح الأدلة في أن من قبلنا ليس لهم عذرٌ بالإكراه، حديثُ طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم، مع أنَّه قرّبه ليتخلص من شرّ عَبَدَةِ الصنم، وصاحبُه الذي امتنع من ذلك قتلوه، فَعُلِم أنَّه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ولا إكراه أكبر من خوف القتل، ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه، وظواهرُ الآيات تدل على ذلك، فقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ظاهر في عدم فلاحهم مع الإكراه؛","footnotes":"(¬١) السلسة الضعيفة للألباني (١٢/ ٧١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076662,"book_id":1139,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":143,"body":"لأن قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾، صريح في الإكراه» (¬١).\rالثاني: أنَّ الذي يظهر أنَّه غير مُكرَه؛ لأنَّه اعتذر بأنَّه لم يجد ما يذبحه ويقرِّبُه، ولو كان مُكرهًا لم يُعاقَب ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾\rوعلى كل حال، فالأقرب أنَّ الحديث إسناده ضعيف، والحديث وإن كان الأقرب ضعفه، إلا أنَّ ذلك لا يغيِّر من الحكم شيئًا، فالنهي عن الذبح لغير الله، وكون الذابح مشركًا، وردت فيه أدلّة أخرى غير هذا الحديث.\r* خلاصة الباب: أنَّ الذبح بقصد تعظيم المذبوح له والتقربِ له عبادةٌ، فلا ينبغي أن تصرف لغير الله، وصرفُه لله قربةٌ مِنْ أشرف القربات، وصرفه لغير الله شرك أكبر.","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (٣/ ٢٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076664,"book_id":1139,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":145,"body":"(الشرح)\rعقد المصنف هذا الباب (بابٌ لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله)، والكلام عليه في عدة مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالترجمة: أن يبيّن ما يدلّ على أنَّ المسلم لا يجوزُ أن يذبح لله، أو يتعبد لله بأي عبادة في زمان أو في مكان قد اتخذه المشركون لعبادتهم.\rأما المكان: فكما في هذا الحديث، وكما عند القبور.\rوأما في الزمان فكما في يوم المولد النبوي، وغير ذلك من الأزمان التي يجعل البعض من الناس فيها عباداتٍ لم يرد الشرع بالأمر بها.\rواعلم أنَّ الأمر لا يختص بالذبح -كما نص عليه المصنف-، بل يراد به النهي عن تحرّي العبادات في الأماكن والأزمان التي يوافق ويشابه بها المشركين، وذِكرُ الذبح في الباب إنما هو للمثال.\rقال ابن تيمية: «ومن اعتقد أن الذبح عند القبر أفضل، أو الصلاة، أو الصدقة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076665,"book_id":1139,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":146,"body":"فهو ضالٌ مخالف لإجماع المسلمين» (¬١).\rومناسبة الباب لما قبله: من جهة أنَّه لما قرر أن الذبح لغير الله شركٌ أكبر، إذ نفس الفعل لغير الله، ذكر هنا الذبح لله لكن في مكانٍ يُذبَح فيه لغير الله، فالأوّل من باب الشرك الأكبر، فناسب ذكره بعده.\rثم إنَّه ربما قلتَ لشخصٍ رأيته يذبح عند قبرٍ أو غيره، أن الذبح لغير الله شرك، فربما عارضك بأنَّه يذبح لله، فأراد المؤلف أن يبيّن أنَّه حتى ولو كان لله، فما دام أنَّه موضع يُتَعبَّدُ به لغير الله فينهى عنه.\rالمسألة الثانية: الحكمة من النهي عن الذبح لله بمكانٍ يذبح فيه لغير الله:\r١. أنَّه وسيلة إلى الشرك على مرّ الأزمان، فسدًّا للذريعة نهينا عن مشاركتهم.\r٢. أنَّ فيه تشبهًا بالكفار، وموافقةُ المشركين الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة، وربما اعتقد -مع مرور الوقت- أنَّ الذبح في هذا المكان أفضل من غيره.\r٣. أنَّه يؤدِّي إلى أن يغتر بك من يراك على هذا الفعل، فاعتقد أنك تذبح كما يذبح المشركون لغير الله.\r٤. أنَّ فيه تقويةً للمشركين على فعلهم إذا رأوا من يفعل مثلهم.\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب آية وحديثًا مستدلًا بهما على ما بوب عليه.\r* أما الآية: فقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة، الآية (١٠٨)].","footnotes":"(¬١) مختصر الفتاوى المصرية (٥٢٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076666,"book_id":1139,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":147,"body":"والضمير في الآية يعود إلى مسجد الضرار، وقصته: «أن أبا عامر الفاسق كان قد قرأ الكتب السابقة في الجاهلية، وتعبد حتى صار يسمى أبا عامر الراهب، وكان يعظمه الناس لما يظهر عليه من الدين، فلما هاجر النبيُّ ﷺ إلى المدينة حسده أبو عامر وكفر به وأبغضه، وسمّاه رسول الله ﷺ أبا عامر الفاسق؛ لأنَّه خرج عن طاعة الله وكفر بالرسول، ثم إنَّه ذهب إلى الشام يؤلب النصارى على رسول الله، وكتب وهو في الشام إلى جماعة من المنافقين في المدينة أن ابنوا لنا مكانًا من أجل أن نجتمع فيه ونتشاور (¬١)، وهم يريدون بهذا المكان ما ورد في الآية:\r١ - مضارةً لمسجد قباء. ٢ - التفريق بين المؤمنين.\r٣ - الكفر بالله؛ لأنَّه يقرر فيه الكفر، والذي اتخذه المنافقون.\r٤ - يكون إرصادًا لمن حارب الله ورسوله.\rفأظهروه بصورة المسجد، وقالوا: بنيناه من أجل الضعيف والمريض والليلة المطيرة والشاتية، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يصلي فيه؛ كي يعطوه الصبغة الشرعية، فاعتذر بأنه على سفرٍ إلى تبوك، وإذا رجع سيصلي فيه، فلما رجع ولم يبق على المدينة إلا ليلة أو ليلتان أتاه الوحي من السماء بهذه الآيات، وفيها: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، ففيها تيئيس للمنافقين أنَّه لن يقوم فيه أبدًا.\rووجه الدلالة من الآية: أنَّ الله منع رسوله من الصلاة في مسجد الضرار؛ لأنَّه مؤسَسٌ لمقاصد خبيثة، مع أنَّ صلاة النبيّ فيه لله، فكذلك المواضع المعدّة للذبح لغير الله لا يذبح فيه الموحد لله؛ لأنَّها أسست على معصية","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (١/ ٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076667,"book_id":1139,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":148,"body":"الله والشركِ به، فكلُّ مكان يُعصى الله ويشرك به فيه، فإن الإنسان لا يقوم فيه، ولهذا الأمر ساقه المصنف في الباب (¬١).\rوأما الحديث: فعن ثابت بن الضحاك قال: «نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانٍ اَلْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ».\r* وقوله «بوَانَةَ»: بضم الباء هضبة وراء ينبع، قريبة من ساحل البحر الأحمر.\r* وقوله: «وَثَنٌ»: الوثن: كل ما عبد من دون الله من حجر أو قبر أو غيره.\r* وأما العيد: فهو اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد، إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحوه، قاله ابن تيمية (¬٢).\r* وأما الجاهلية: فالمراد بها ما كان قبل الرسالة والإسلام، وهذه زالت ببعثة النبيّ ﷺ لكن قد يبقى أشياء منها في بعض الناس، كما في قوله ﷺ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ» (¬٣)، فأما الجاهلية العامة فقد زالت بالبعثة.\r* وقوله: «وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ»: يدخل فيه أمران:\r١ - ما لا يملك فعله شرعًا: كما لو نذر إعتاق عبد فلان أو تزوّج زوجة فلان.","footnotes":"(¬١) ذكر ابن تيمية أن مسجد الضرار من أمكنة العذاب، كما قال تعالى (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وقد نهي الإنسان عن الصلاة في أمكنة العذاب، وندب إلى الصلاة في أماكن الرحمة كالمساجد الثلاثة. اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٣١).\r(¬٢) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٩٦).\r(¬٣) أخرجه مسلم (٩٣٤) من حديث أبي مالك الأشعري.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076668,"book_id":1139,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":149,"body":"٢ - ما لا يملك فعله حِسًّا: كما لو نذر أن يطير في الهواء، ونحوه مما يستحيل.\rومعنى الحديث: أنَّ هذا الرجلَ أتى النبيّ ﷺ يسأله في نذرٍ نذره على نفسه، أن ينحر إبلًا في بوانة، فأراد النبيّ ﷺ أن يسأله لِمَ خصص هذا الموضع؟ هل كان فيه وثن لأهل الجاهلية، ولو قبل مدة، أو فيها عيدٌ فاعتادوا أن يأتوا هذا المكان ويتخذوه عيدًا، ولو لم يكن فيه وثن، وفي حديث ابن عباس أنَّه ﷺ قال له: «فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؟» (¬١) فلما أجابه بالنفي، وتيقّن النبيُّ ﷺ من سلامة المكان من أمور الشرك ووسائله وشوائبه أذن له بالوفاء بنذره فيه.\rووجه الشاهد من الحديث: استفصال النبيّ ﷺ من هذا الرجل، فإنه يدل على أنَّه لو كان في البقعة مكان لعيدهم أو وثن من أوثانهم، فإنَّ هذا مانع من الذبح فيها، وإلا لما حسن الاستفصال.\rفيؤخذ منه المنع من الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، وإن كان الذين يذبحون فيه لغير الله قد أسلموا، وتركوا ذلك المكان والعيد، سدًّا للذريعة، حتى لا يكون الذبح هناك سببًا لإحياء تلك البقعة، وذريعةً لاتخاذها عيدًا.\rالمسألة الرابعة: كيف يُجابُ عن فعل الصحابة - كابن عمر وغيره -حين صلوا في الكنيسة، فهم تعبدوا لله في مكانٍ يتعبد فيه لغير الله؟\r* الجواب على هذا الإيراد من وجوه أقواها اثنان:\r١ - أن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة، فلا يكون الإنسانُ متشبهًا بهم في العمل، فهم لهم صلاةٌ من نوعٍ يخالف صلاة المسلمين، بخلاف الذبح","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن ماجه (٢١٣٠)، وقد سبق قريبًا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076669,"book_id":1139,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":150,"body":"في مكان يذبح لغير الله فيه، فالفعل واحد بنوعه وجنسه (¬١).\r٢ - أن الكنيسة مكان لعبادة الله، وجنس العبادة متفق عليها، ولكن اختلفت صفتها، بخلاف الحديث عن الذبح، فهم يتقربون لغير الله.\rالمسألة الخامسة: ورد في الحديث الإشارة إلى الوفاء بالنذر، واعلم أن النذر من حيث وجوب الوفاء به أقسام:\r١. نذر الطاعة: فيجب الوفاء به؛ لحديث عائشة ﵂: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (¬٢).\r٢. نذر المعصية: فيحرم الوفاء به؛ لحديث عائشة ﵂: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». وحديث الباب.\rوالمذهب عند الحنابلة: أنَّ فيه الكفارة؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (¬٣).\rوقيل: لا كفارة فيه، ولعل الأول أقرب، للحديث.\r٣. نذر المكروه: كأن ينذر لله أن يفعل أمرًا مكروهًا؛ فيكره الوفاء به.\r* خلاصة الباب: أن كل موطنٍ وكل زمانٍ اتخذه المشركون لعبادتهم وشركهم، فإنَّ الإنسان لا يجوز أن يتعبّد فيه لله، بل يتعبّد في غيره من الأماكن؛ لما تقدم من الحكم.","footnotes":"(¬١) القول المفيد (١/ ٢٤١).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٦٦٩٦).\r(¬٣) أخرجه أبو داود (٣٢٩١)، والترمذي (١٥٢٤)، والنسائي (٣٨٣٤)، وابن ماجه (٢١٢٥)، وأحمد (٦/ ٤٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٥٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076671,"book_id":1139,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":152,"body":"العبدُ نوعًا من أنواع العبادة لغير الله، وبهذا يتبيَّن ارتباط الباب بالتوحيد، فهو من جهة أنَّ النذر لغير الله شركٌ، وهو منافٍ للتوحيد.\rوإنما صار النذرُ لغير الله شركًا أكبر: لأنَّه نذرٌ لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنَّه عبادة، والعبادة لا تكون للمخلوق.\rثم يقال: بأن المنذور له ميتٌ غالبًا، والميت لا يملك.\rوهو ما نذر له إلا لأنَّه ظنَّ أن الميّت يتصرّف في الأمور من دون الله، واعتقاد هذا كفر، ولهذا قال الفقهاء: خمسةٌ لغير الله شرك: الركوع والسجود والنذر والذبح واليمين.\rالمسألة الثانية: الفرق بين النذر لغير الله ونذر المعصية:\rالنذر لغير الله: ليس لله أصلًا، بل لغيره، كأن يقول: عليَّ نذرٌ للوليِّ فلان، وهذا شرك أكبر.\rأما نذر المعصية: فهو لله لكنَّه نذرٌ على معصية، كأن يقول: لله عليَّ نذرٌ أن أشرب الخمر، ونذُر المعصية محرمٌ، وأشدُ منه النذرُ لغير الله، وقريبٌ منه الحلف، فالحلف بغير الله -وإن كان المرء صادقًا فيما حلف به- أشنعُ جرمًا من أن يحلف بالله وهو كاذب، ولذا قال ابن مسعود ﵁: «لأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأنَا صَادِقٌ» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٩٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٧٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٨٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٥٨): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في الإرواء (٢٥٦٢).\r(¬٢) قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: تشبيه النذر بالحلف من جهة الكفارة وعدمها لا من جهة أخرى. ا. هـ.\rوالمراد: أن النذر ليس كالحلف من كل وجه، فالنذر فيه قصد التقرب للمنذور له؛ رجاء نفعه وخوف ضرره، والحلف ليس فيه هذا. انظر: منهج التأسيس (٢٤٤)، والتعليق على فتح المجيد للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف (ص: ١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076672,"book_id":1139,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":153,"body":"المسألة الثالثة: صور النذر لغير الله عديدة، ومنها:\r١ - من ينذر للقبور ابتداءً، كمن ينذر الزيت والشموع على القبر، باعتقادِ أن النذر لهذا الولي ينفع.\r٢ - أن يعلق نذره للقبر على قضاء حاجته، كأن يأتي إلى القبر، ويقول: يا سيدي فلان، إن ردّ الله غائبي أو عُوفي مريضي أو قُضِيت حاجتي، فلك كذا من الذهب، أو من الطعام أو الماء ونحوه صدقة.\r٣ - النذرُ للجن: كما لو قال: إن رددتم إليَّ مالي، فلكم عليّ نذرٌ كذا من الطعام أو نحوه أو من الأعمال المحرمة.\rوالجامع في ذلك أنَّه نذرٌ صُرِفَ لغير الله.\rالمسألة الرابعة: نصوص الباب: ذكر المصنف آيتين وحديثًا:\r* أما الآية الأولى: فهي قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان، الآية (٠٧)].\rوالمعنى: أنَّ الله مدح الأبرار بأنَّهم يوفون بالنذر إذا نذروا، وهذا يقتضي أنَّه عبادة، حيث مدحهم الله، ولا يمدح الله إلا على فعل واجب أو مستحب أو ترك محرم، ولا يمدح على الفعل المباح المجرد، وبهذا يتبين مناسبة الآية للباب:\rفكون الله تعالى يثني على هؤلاء الأبرار، ويجعل هذا الفعلَ سببًا لدخولهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076673,"book_id":1139,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":154,"body":"الجنة يدل على أن النذر عبادة، فصرفُها لغيره شرك.\r* وأما الآية الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة، الآية (٢٧٠)].\rوالمعنى: أنَّ الله يُخبِرُ أنَّه يعلم جميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفى الجزاء للعاملين ابتغاء وجهه، إذ إنَّ تعليق الشيء بعلم الله دليلٌ على أنَّه محلُ جزاءٍ منه سبحانه.\r* ووجه الدلالة من الآية، ومناسبتها للباب، من وجهين:\r١. أنَّ الله قرن النذر بالنفقة في سبيل الله، فدلَّ على أنَّ النذر طاعةٌ وعبادةٌ.\r٢. أن الله قال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وهذا فيه الحث على الوفاء بالنذر، فدلَّ على أنَّه طاعة وأنَّه لا يضيع عند الله، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك (¬١).\r* وأما الحديث: فهو ما في الصحيح عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».\rومعنى الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ أمر مَنْ صدر منه نذرٌ أن ينظر في نذره، فإن كان نذر طاعة فليوفِ به، وإن كان نذر معصيةٍ فليترك نذره، ولا يعصِ الله بالوفاء بالنذر، وقد قال ﷺ: «وَاللَّهِ، لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ» (¬٢).\rووجه الشاهد من الحديث: أن كون النذر يكون طاعةً ويكون معصيةً دليلٌ","footnotes":"(¬١) إعانة المستفيد (١/ ٢٥٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٥) من حديث أبي هريرة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076674,"book_id":1139,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":155,"body":"على أنَّها عبادةٌ، وإذا كانت عبادةً فصرفُها لغير الله شرك.\rالمسألة الخامسة: كيف يكون النذر للقربة منهيًا عنه، ويكون عبادةً في نفس الوقت يُمدح الموفي به؟\r=فقال بعض العلماء: أنَّ عقد النذر كلّه منهيّ عنه، وأما ثناء الله فهو على من وفى به، وفرقٌ بين عقدِه والوفاءِ به (¬١).\rالقول الثاني: أن نذر القربة على نوعين:\r١. نذرٌ مقيدٌ: وهو ما عُلِّقَ على حصول نفعٍ، كقول: إن شفى الله مريضي فعلي لله كذا.\r٢. نذرٌ مطلقٌ: وهو ما ليس معلقًا على نفع الناذر، كأن يتقرب إلى الله تقربًا خالصًا بنذر كذا من أنواع الطاعة بلا تقييد، كقوله: لله علي نذرٌ أن أصلي ركعتين، وهذا ليس في مقابلة شيء يحدث له.\rأما الأول: فهو المنهي عنه؛ لأنَّه لم يقع خالصًا للتقرب إلى الله، وإنما بشرط حصول نفع الناذر، ولذا قرّر العلماء أنَّ مَنْ ظنَّ أنَّه لا تحصل له حاجةٌ من حاجاته إلا بالنذر، فإنَّه اعتقاد محرم؛ لأنَّه ظنَّ أنَّ الله لا يعطي إلا بمقابل، وهذا سوءُ ظنٍّ بالله وسوءُ اعتقادٍ فيه، بل هو المتفضل المنعم على خلقه (¬٢).","footnotes":"(¬١) القول المفيد (١/ ٢٤٨).\r(¬٢) قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (١/ ٢٠٤): إنَّ كثيرا من الناس ينذرون نذرًا لحاجة يطلبها، فيقضي الله حاجته، فيظن أن النذر كان السبب … فمن ظن أن حاجته إنما قضيت بالنذر، فقد كذب على الله ورسوله.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076675,"book_id":1139,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":156,"body":"وأما الثاني: فهو الذي فيه الترغيبُ والثناءُ على الموفين.\rوإنما قلنا هذا الجمع لأمرين:\r١ - أنَّ نفس الأحاديثِ فيها قرينةٌ واضحةٌ دالةٌ عليه، وهو ما تكرر منها أنَّ النذر لا يردُّ شيئًا مِنْ القدر ولا يُقدِّمُ ولا يؤخّر، فهذا دليلٌ أنَّه أراد بالنذر جلب نفع أو دفع ضرّ.\r٢ - أنَّ الجمع بين النصوص واجبٌ ما أمكن، وهذا جمعٌ ممكن واضح (¬١).\rفإن قيل: النذر المعلق بشرط إذا ذكرتم أنَّه منهي عنه، فكيف يجب الوفاء به؟\r* أجيب عن هذا: بأن الأحاديث دلت على النهي عنه، كما هو معلوم، ودلت على لزوم الوفاء به بعد الوقوع بدلالة قوله ﷺ: «وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (¬٢)، فهذا نصٌ صريحٌ أن البخيل يلزمه إخراج ما نذر على إخراجه.\rكذا قيل، ولكن يبقى أنَّ في النذر المطلق إلزامٌ للنفس مالم يجب عليها، فالأولى عدم النذر؛ لأنَّه ربما ألزم الإنسان نفسه فعجز عن ذلك.\rوقد أشار ابن تيمية إلى التفريق بين النذر المعلق، وبين أن ينذر قربة لله تعالى، فالأوّل منهي عنه، والثاني محبوبٌ مشروع، حيث قال ﵀: «وأما إذا نذر القُرَبَ فالقُرَبُ يحبها الله ورسوله، وإنما يُنهى عن النذر لاعتقاد أنَّه يقضي حاجته، لا كون المنذور مكروها» (¬٣)، وقال أيضًا: «والنذر ما يُقصد","footnotes":"(¬١) وهذا قرره الشنقيطي ﵀. انظر: أضواء البيان (٥/ ٤٦٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩) من حديث ابن عمر.\r(¬٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076676,"book_id":1139,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":157,"body":"به التقرب إلى الله، ولهذا أوجب سبحانه الوفاء بالنذر؛ لأن صاحبه التزم طاعة لله، فأوجب على نفسه ما يحبه الله ويرضاه قصدًا للتقرب بذلك الفعل إلى الله» (¬١).\r* خلاصة الباب:\r١ - أن النذر عبادة.\r٢ - أن صرفه لغير الله من الشرك الأكبر، فلا يصرف إلا لله.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076678,"book_id":1139,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":159,"body":"إلى شيء يعصمك منه، ولهذا سُمِّي المُستعاذ به مَعاذًا وملجأ (¬١)، وذكر العلماء أنَّ العياذ يكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير (¬٢).\rأما الاستعاذة بالله فقد عرَّفها ابن كثير بقوله: «هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر». ا. هـ (¬٣).\rفالعائذ بالله قد هرب ممن يؤذيه أو يُهلِكُه إلى ربّه ومالكه، وفرَّ إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، واستجار به، والتجأ إليه.\rوالاستعاذةُ بالله عبادةٌ من أجلِّ العبادات، أمر الله بها في آيات كثيرة، منها: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف، الآية (٢٠٠)]، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون، الآية (٩٧)]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس، الآية (١)]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر، الآية (٥٦)].\rوأما المراد بهذه الترجمة: فهي في الكلام على الاستعاذة بغير الله، وبيان","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٢٠٠).\r(¬٢) كما قال المتنبي:\rيا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به ممن أحاذره\rلا يجبر الناس عظما أنت كاسره … ولا يهيضون عظما أنت جابره\rذكر ابن كثير هذين البيتين في البداية والنهاية (١١/ ٢٧٥)، وقال: وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق، ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله ﷾ وأخبرني العلامة شمس الدين ابن القيم ﵀ أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع.\r(¬٣) تفسير ابن كثير (١/ ١١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076679,"book_id":1139,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":160,"body":"أنَّها تكون شركًا إذا كانت في أمرٍ لا يقدر عليه إلّا الله، كما سيأتي تفصيله.\rومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ الاستعاذة عبادة، وإذا كانت عبادة فصرفها لا يكون إلا لله، وصرفها لغيره شرك، وهذا موضوع كتاب التوحيد.\rالمسألة الثانية: نصوص الباب: ذكر المؤلف مستدلًا على الترجمة آيةً وحديثًا.\rأما الآية: فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن، الآية (٠٦)].\r* وقوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾: أي يلجئون إليهم ويعوذون بهم رهقًا وذُعرًا وإثمًا.\r* ﴿الْجِنِّ﴾: عالمٌ من عالم الغيب يعيشون في الأرض، أعطاهم الله القدرة على أن يتصوروا بصورٍ متشكلة، وهم مخلوقون من نارٍ، وسُموا جِنًّا؛ لاجتنانهم، أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجنينُ في بطن أمِّه جنينًا؛ لأنَّه لا يُرى.\rوالآية: ذكر فيها الله خبر الجن الذين استمعوا للقرآن من النبيّ ﷺ وآمنوا به، وكان هذا في وادي نخلةَ بين مكة والطائف وهو يصلي الفجر (¬١)، فذكروا الانتقادات التي انتقدوها على قومهم من الجن، ومنها: أن الاستعاذة بهم من قِبَلِ بعض الإنس كانت تزيدهم رهقًا وعتوًا.\rوسبب نزولها: أنَّ العرب كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلًا قال أحدهم: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فكانوا يستعيذون بهؤلاء الجن، فزادوهم رهقًا، وهذا مع أن الاستعاذة بالجن هنا هو في أمرٍ يقدرون عليه","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩)، من حديث ابن عباس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076680,"book_id":1139,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":161,"body":"وهو كفُّ سفهائهم من الإيذاء، ومع ذلك زادهم رهقًا (¬١).\r* ووجه الدلالة من الآية، ومناسبتها للباب من وجهين:\r١. أنَّ الله حكى عن مؤمني الجن أنَّهم لما تبين لهم دين محمد وآمنوا به، ذكروا أشياء من الشرك كانوا يفعلونها في الجاهلية، ومنها: الاستعاذة بغير الله.\r٢. دلت الآية على تحريم الاستعاذة بغير الله، وهذا يدلّ على أنَّ الاستعاذة عبادةٌ، وصرفَ العبادةِ لغير الله شركٌ.\r* وأما الحديث: فهو عن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتحلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ».\rوراوية الحديث: خولة بنت حكيم بنت أمية السلمية، يقال لها: أم شريك، يقال: أنَّها هي الواهبة نفسها للنبي ﷺ (¬٢)، وكانت قبلُ تحتَ عثمان بن مظعون، وكانت صالحة فاضلة (¬٣).\r* وقوله في الحديث «مَنْزِلًا»: يشمل أيَّ منزل، سواء كان على سبيل الإقامة الدائمة أو المؤقتة، في البنيان أو في الخلاء.\r* وقوله: «بكَلِمَاتِ الله»: بكلماته الشرعية، وهي آيات القرآن.","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٣/ ٣٢٢) من قول إبراهيم النخعي، وروي عن غيره أيضًا.\r(¬٢) أي التي نزل فيها قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ .. ﴾ (الأحزاب: ٥٠).\r(¬٣) الاستيعاب (٤/ ١٨٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076681,"book_id":1139,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":162,"body":"* وقوله: «التَّامَّاتِ»:\r- قيل معناه: الكاملاتُ التي لا يلحقها عيبٌ ولا نقصٌ كما يلحقُ كلام البشر.\r- وقيل معناه: الشافية الكافية.\r- وقيل المراد به: القرآن.\r* وقوله: «مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»: أي من شَرِّ كلّ مخلوقٍ قام به الشرُّ مِنْ حيوانٍ أو إنسانٍ أو ريحٍ أو غيره، وفي المسند بسندٍ صحيح تكرار الدعاء ثلاث مرات (¬١).\rوهذه الاستعاذة تشمل الاستعاذة ممن شرّه محضٌ، كإبليس والنار، وهذا باعتبار ذاتهما، أمّا باعتبار الحكمة التي خلقها الله من أجلها فهي خير.\rوتشملُ الاستعاذة من شرّ من فيه شرٌّ وخير، كالجن والإنس والحيوان وغيرهم.\rوقوله: «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتحلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»: شيء: نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فتعمُّ كل شيء فيه أذى وضرر.\rوتأمل التعبير النبوي: «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ»، ولم يقل: لم يصبه شيء، والفرقُ: أنَّ عدمَ الإصابةِ تقتضي عدمَ البلاء مطلقًا، أما نفيُ الضرر فيقتضي أنَّه قد يقع البلاء، لكن لا يؤثر ولا يضره.\rقال القرطبي عن الحديث: «هذا خبرٌ صحيحٌ وقولٌ صادقٌ، علمنا صدقه دليلًا وتجربة، فإني قد سمعت هذا الخبر فعملت به، فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقربٌ بالمهدية ليلًا، فتفكرت في نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات» (¬٢).","footnotes":"(¬١) المسند (٦/ ٤٠٩).\r(¬٢) المفهم (٧/ ٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076682,"book_id":1139,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":163,"body":"فمعنى هذا الحديث: أنَّ الإنسان إذا استعاذ بالله، فإنَّه يحفظه من كل ضرر ومكروه، فهو القادر سبحانه على هذا الأمر، وعلى كل أمر.\r* ووجه الدلالة من الحديث، ومناسبته للباب: أنَّ النبيّ ﷺ بيّن أنَّ الاستعاذة تكون بالله أو بصفة من صفاته، فدل على أنَّها عبادة، وإذا كانت عبادةً فلا يجوز أن تصرف إلا لله تعالى.\rوفيه إرشادٌ إلى الاستعاذة النافعة المشروعة، بدلًا مِنْ الاستعاذة الشركية التي كان يستعملها المشركون.\rالمسألة الثالثة: ذكر العلماءُ أنَّ الاستعاذةَ بغيرِ الله نوعان:\rأ. استعاذةٌ بغير الله جائزة.\rب. استعاذةٌ بغير الله ممنوعة.\rأما الاستعاذة الجائزة فهي الاستعاذة بالحيّ الحاضرِ في أمرٍ يستطيعه في الظاهر، مع طمأنينة القلب وتوجهه إلى الله، وحسنِ الظن به، وأنَّ العبد إنما هو سببٌ.\r* والأدلة على جوازها عديدة، منها: حديث أبي مسعود ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ» (¬١)، فالجائزة تكون:\r١ - بِحّيٍ لا ميّت. ٢ - حاضرٍ لا غائب.\r٣ - بالأسباب الظاهرة، كالنداء بالصوت ونحوه.\r٤ - قادرٍ على ما يُطلب منه.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٦٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076683,"book_id":1139,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":164,"body":"أما الاستعاذة بغير الله الممنوعة، فهي قسمان:\r١ - ما يكون شركًا: وهذا له صورتان:\rأ- الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلّا الله، سواء أكان المخلوق جِنيًّا أو إنسيًا، حيًّا أو ميتًا، فهذا شرك أكبر.\rب- الاستعاذة بالمخلوق الحيّ الغائب، أو الميت، فيما يستطيعه المخلوق الحي الحاضر، فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه لم يستعذ به إلا لاعتقاده أنَّ له تصرفًا في الكون، كأن يحيط به عدو، فيطلب من الميّت أن يعيذه.\r٢ - ما يكون حرامًا: وهو ما إذا كان المستعاذ به جنيًّا في أمرٍ يقدر عليه الجنّي.\r* ودليل التحريم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ دلت الآية على أنَّ الاستعاذة بالجنِّ حرام.\rفإن قال قائل: فما الفرق بين الاستعاذة بالمخلوق الحيّ الحاضر فيما يستطيعه، والجنّ الحاضر فيما يستطيعه؟\r* من وجوه:\r١ - أنَّ المخلوق الحيّ حاضر فعلًا، أما الجنّ فإنَّه غائبٌ مع حضوره، فلا تراه، فأشبه الغائب، والاستعاذة لا تكون غالبًا إلا لاعتقاده أنَّ له تصرفًا خفيًّا.\r٢ - أنَّ الاستعاذة بالحيّ الحاضر مشروعة بالنصوص المتقدمة، أمّا الاستعاذة بالجنِّ الحيِّ الحاضر فليس عليه دليل، بل ورد النهيّ عنه كما تقدم في الآية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076684,"book_id":1139,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":165,"body":"* خلاصة الباب:\r١ - أنَّ الاستعاذة بالله عبادة من أجلِّ العبادات.\r٢ - أنَّها إذا كانت عبادة فلا تصرف إلَّا لله، وصرفها لغير الله شرك.\r٣ - أنَّ الاستعاذة المشروعة هي ما كان بالله، أو بصفة من صفاته، وإنما يستعاذ بالله؛ لأنَّه هو الذي بيده كل شيء دون غيره.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076686,"book_id":1139,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":167,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في ست مسائل:\rالمسألة الأولى: معنى الترجمة والمراد بها: ضمّن المؤلف هذا الباب أمرين، أحدهما أخص من الآخر، فذكر الخاص أولًا وهو الاستغاثة، ثم عطف عليه الدعاء، فهو من عطف العام على الخاص، فكل مستغيثٍ داعٍ وليس كلُ داعٍ مستغيثًا.\rوالاستغاثة: طلبُ الغوث، وهو إزالةُ الشدّة.\rوالفرق بين الاستغاثة والدعاء: أنَّ الاستغاثةَ لا تكونُ إلّا من الكرب، أي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076687,"book_id":1139,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":168,"body":"في وقت الشدّة، أما الدعاء فيكون من المكروب المهموم وغيره.\rومناسبة الترجمة للتوحيد: من جهة أنَّ الاستغاثة عبادة، وهي من أنواع الدعاء، وكذا الدعاء عبادة، فيكون صرفها لغير الله شركًا ينافي التوحيد.\rالمسألة الثانية: فرّق بعض العلماء بين الاستعاذة والاستغاثة من جهة: أن الاستعاذة: أن تطلب من الله أن يعصمك ويمنعك، وهذا قبل وقوع المكروه.\rوأما الاستغاثة: فتطلب من الله أن يزيل ما بك من شرّ وكرب، وهذا بعد وقوع المكروه.\rلكن ابن تيمية ذكر أنَّ الاستعاذة والاستغاثة ألفاظ متقاربة، وكلاهما يكون قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه (¬١).\rالمسألة الثالثة: اعلم أنَّه ليس كل استغاثة بغير الله محرمة، وإنما الاستغاثة بغير الله نوعان:\r١. استغاثة ممنوعة: وهي الاستغاثة بالأموات، أو بالحيّ الحاضر على أمر غائبٍ لا يقدر على مباشرته، أو بالحيّ الغائب، فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه ما استغاث بهم، إلّا لأنَّه يعتقد أنّ لهم تصرفًا في الكون.\rويدخل فيه: الاستغاثة بالحيّ القادر فيما لا يقدر عليه، فهذا لغوٌ باطل، إلّا أنّ صحبه اعتقاد أن له تصرفًا في الكون فيكون شركًا (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٥/ ٢٢٧).\r(¬٢) وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء فقال السائل: يقول الناس عند النوازل والشدائد: يا رسول الله، وغيره من الأولياء، ويذهبون إلى مقابر الصالحين في حالة المرض ويستغيثون بهم، ويقولون: إن الله يدفع البلاء بهم، نحن نستمدهم لكن نيتنا إلى الله؛ لأن المؤثر هو الله، هل هذا شرك أم لا، وهل يقال لهم: إنهم مشركون؟ والحال أنهم يصلون ويقرأون القرآن وغيره من العمل الصالح.\rالجواب: ما يفعله هؤلاء هو الشرك الذي كان عليه أهل الجاهلية الأولى، فإنهم كانوا يدعون اللات والعزى ومناة وغيرهم ويستغيثون بهم؛ تعظيما لهم، ورجاء أن يقربوهم إلى الله ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣]. ويقولون أيضًا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ لَا [يونس: ١٨]. فتاوى اللجنة الدائمة باختصار (١/ ٨٥ - ٨٦).\rوسئلت اللجنة أيضًا فقال السائل: إذا كان إنسان إمام مسجد ويستغيث بالقبور ويقول: هذه قبور ناس أولياء ونستغيث بهم من أجل الواسطة بيننا وبين الله، هل يجوز لي أن أصلي خلفه وأنا إنسان أدعو إلى التوحيد؟ وأرجو منكم توضحوا لي كثيرًا في هذا مواضيع النذر والاستغاثة والتوسل.\rالجواب: من ثبت لديك أنه يستغيث بأصحاب القبور أو ينذر لهم فلا يصح أن تصلي خلفه؛ لأنه مشرك، والمشرك لا تصح إمامته ولا صلاته، ولا يجوز للمسلم أن يصلي خلفه؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزُّمَر: ٦٦]. فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076688,"book_id":1139,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":169,"body":"٢. استغاثة جائزة: وهي ما كانت بالحيّ القادر الحاضر، كما وقع للرجل من بني إسرائيل مع موسى ﵈، لكن يجب الاعتقادُ أنّ المخلوق سبب، ولا تأثير له بذاته في إزالة الشدة.\rالمسألة الرابعة: بيّن المؤلف في هذا الباب: أنَّ من خصال الشرك الاستغاثة بغير الله أو دعاء غير الله، قال ابن القيم: ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم.\rوهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076689,"book_id":1139,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":170,"body":"ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا مِنْ جهله بالشافع والمشفوع له عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنما السببُ لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك (¬١).\rوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى، وصام؛ إذ شرطُ الإسلامِ مع التلفظِ بالشهادتين أن لا يَعْبُدَ إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبدَ غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما … ومجردُ التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا» (¬٢).\rومن نظر في واقع معظمي القبور وجد أنهم واقعون في هذا الأمر، فهم يستغيثون بأصحابها، ويطلبون منهم تفريج الكربات، وقضاءَ الحاجات، وهذا شركٌ في الألوهية، حيث صرفوا العبادةَ لغير الله، وشركٌ في الربوبية كذلك، حيث ظنّوا أن لهم تصريفًا في الكون وتدبيرًا، قال سليمان بن عبد الله: «وكثيرٌ منهم وأكثرهم يرى أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند قبره أو غيره، أنفعُ وأنجعُ من الاستغاثة بالله في المسجد، ويصرحون بذلك، والحكاياتُ عنهم بذلك فيها طول، وهذا أمرٌ ما بلغ إليه شرك الأولين، وكلهم إذا أصابتهم الشدائد أخلصوا للمدفونين في التراب، وهتفوا بأسمائهم، ودعوهم ليكشفوا","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٣٥٣).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد (ص: ١٨٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076690,"book_id":1139,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":171,"body":"ضُرّ المصاب في البرّ والبحر والسفر والإياب، وهذا أمرٌ ما فعله الأولون، بل هُمْ في هذه الحال يُخلِصون ل ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، فاقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ … ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وكثيرٌ منهم قد عطّلوا المساجد وعمروا القبور والمشاهد، فإذا قصد أحدُهم القبرَ الذي يُعظِّمُه، أخذ في دعاء صاحبه باكيًا خاشعًا ذليلًا خاضعًا، بحيث لا يحصل له ذلك في الجمعة والجماعات وقيامِ الليل وأدبارِ الصلوات، فيسألونهم مغفرةَ الذنوب، وتفريجَ الكروب والنجاةَ من النار، وأن يحطوا عنهم الأوزار، فكيف يظنُ عاقلٌ -فضلًا عن عالمٍ- أن التلفظ ب: \"لا إله إلا الله\" مع هذه الأمور تنفعهم؟! وهم إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها باعتقادهم وأعمالهم؟!» (¬١).\rالمسألة الخامسة: أشار المصنف في التبويب إلى الدعاء، وأهل العلم يقولون بأن الدعاء نوعان:\r١. دعاء العبادة: وهو عبادة الله بجميع أنواع العبادة، كالصلاة وغيرها؛ لأنَّ الإنسان في هذه العبادات بلسان حاله يدعو الله المغفرة والرضوان والجنة.\r٢. دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي، من جلب نفعٍ أو دفع ضرّ، وهذا عبادة.\r• وعلى هذا: فدعاء المخلوق فيما لا يقدر عليه إلّا الله -كمن يدعو الوليَّ أن يرزقه الولد أو يدعو ميتًا- فهذا شرك أكبر.\rالمسألة السادسة: نصوص الباب: ذكر المؤلف في الباب خمس آيات","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص: ٨٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076691,"book_id":1139,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":172,"body":"وحديثًا:\rأول الآيات: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس، الآيات (١٠٦)].\rومعنى الآية: أنَّ الله نهى رسوله محمدًا ﷺ والخطابُ لجميع الأمة- أن لا يدعو من دون الله الذي خلقه أحدًا لا ينفعه ولا يضره في الدنيا ولا في الآخرة، والمراد بذلك كل معبود سوى الله تعالى فكلهم لا ينفعون ولا يضرون، وفي الحديث: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ … » (¬١).\rثم قال الله: فإن فعلت ذلك يا محمد -وهذا من باب الافتراض وإلا فلن يقع ذلك من النبيّ ﷺ، ولكن لو قدر أنَّه فعله، وهو أكرم الخلق- فيكون حينها مشركًا ظالمًا، والشرك أظلم الظلم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر، الآية (٦٥)].\rومناسبة الآية للباب: أنَّ فيها النهي عن دعاء غير الله، وأنَّ ذلك شركٌ، وفيها أنَّه لا يجلب النفع ويدفع الضر إلَّا الله، فمن طلب ذلك من غيره فقد أشرك؛ لأنَّه دعا غير الله.\rوثاني الآيات: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس، الآيات (١٠٧)]. أي: إن يُصبك الله بضرٍ وبلاءٍ كمرض وفقرٍ ونحوه، فلن يرفع","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣)، والحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٥) من طرقٍ عن ابن عباس، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076692,"book_id":1139,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":173,"body":"ضرك ويكشفه إلّا الله، وإن يُرِدْ أن يصيبك بخيرٍ ونعمةٍ فلا أحدَ يقدر على منعِ رزقه.\rفالله هو المتصرف في الكون وفي أمور خلقه، فلا يكشف الضُرَّ ويجلبُ الخيرَ إلا هو، وهذا يجعله لمن شاء من عباده بحكمته وعلمه وتوفيقه.\rومناسبة الآية للتوحيد: أنَّها دلَّت على أنَّه إذا كان لا يجلبُ النفعَ ولا يدفعُ الضرَّ إلَّا الله، فلا ينبغي أن يُصرَفَ الدعاءُ لغيرِ الله الذي يملك هذه الأمور، ومن طلبها من غيره فقد أشرك؛ إذ كيف يتوجه إلى المخلوق بالدعاء، وهو يعلم أنَّ الضر والنفع ليس بأيديهم، ولذا قال الحسن ﵀: ثلاث آياتٍ وجدتُها في كتاب الله اكتفيتُ بها عن جميع الخلائق، ومنها هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (¬١).\rوتأمل كيف فرّق الله في التعبير، فقال في الخير ﴿يُرِدْكَ﴾ وفي الشر ﴿يَمْسَسْكَ﴾\rوالفرق بينهما: أنَّ الأشياء المكروهة لا تنسب إلى إرادة الله، بل إلى فعله أي مفعوله، فالمسُّ هو من فِعل الله، لكن الضرّ من مفعولاته، أي: وقع بإثر ذلك، فالله لا يريد الضرّ لذاته، وإنما يريده لغيره، لما يترتب عليه من الحكم البالغة، ولذا قال النبيّ ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (¬٢).\rأما الخير: فهو مرادٌ لذاته، وقريبٌ من هذا قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، وقريب منه قول الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ مع قوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾.","footnotes":"(¬١) أورده السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٩٤) وعزاه إلى أبي الشيخ.\r(¬٢) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076693,"book_id":1139,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":174,"body":"• ومثالُ ذلك: أنَّ الإنسان قد يُصاب بمرضٍ، فإنَّ الله لم يُرِد الضرَّ لذاته، وإنَّما أراد المرض لما فيه من الخير له أو لغيره، وقد تكون الحكمة عند المصاب ظاهرة، وقد لا تظهر.\rوثالث الآيات: قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت، الآية (١٧)].\rومعنى الآية: أنَّ الله لما تكلم عمّن يعبدون الأصنام والأوثان وغيرها مما يعبدون من دون الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت، الآية (١٧)]، فبين لهم أنَّ من يعبدون من دون الله لا يملكون لهم رزقًا ولا ضرًا ولا نفعًا، بل ولا يملكون كشف الضرّ ولا دفعه عن أنفسهم، فمن أين يطلب الرزق إذن؟ قال: ابتغوا واطلبوا الرزق من الله الرّزاق، وأخلصوا له العبادة وحده واشكروه على نعمه.\rومناسبة الآية للتوحيد: أنَّ فيها بيان أنَّه لا يطلب الرزق إلَّا من الله؛ لأنَّه القادر عليه، فمن طلبه من غيره فقد أشرك، ففيها وجوبُ إفرادِ الله بالدعاء والعبادة.\rواعلم أن تقديم لفظ الجلالة على الرزق في الآية أبلغُ من تأخيره -كما لو قال فاطلبوا الرزق من عند الله- لأن التقديم يفيد الحصر، والمعنى: أنَّ الله هو الذي عنده الرزق لا غيرُه، فاطلبوه منه، ولو كانت كلمةُ الرزق مقدّمة لكان قد يُفهم منه أنَّ الرزق قد يكون من الله ومن غيره (¬١)","footnotes":"(¬١) فائدة: لماذا نكّر اللهُ الرزقَ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾، ثم عرّفه فقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾؟\r=أجاب الزمخشري عن هذا: «بأنَّه أراد لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئًا من الرزق، فابتغوا عند اللّه الرزق كله، فإنَّه هو الرزاق وحده لا يرزق غيره» الكشاف (٣/ ٤٤٧).\rومعنى هذا أنَّ الأولى نكرةٌ منفيةٌ، والمراد: أنَّهم لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئًا وإن قلّ، والثاني معرفة مثبتة، أي: الرزقُ كُلُّه من الله، فاطلبوه منه وحده.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076694,"book_id":1139,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":175,"body":"ويستفاد من الآية:\r١. أن طلب الرزق لا يكون إلَّا من الله.\r٢. وجوب شكر الله على نعمه بالقلب واللسان والجوارح.\r٣. فيها ردٌّ على المشركين الذين يدعون غير الله ليشفعوا لهم عنده في جلب الرزق، فما ظنك بمن دعاهم أنفسهم واستغاث بهم ليرزقوه وينصروه، كما هو الواقع من عباد القبور.\rورابع الآيات: قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف، الآيات (٥ - ٦)].\rوالضلال: التيه عن الطريق الصحيح، وقد حكم اللهُ بأنَّه ليس في الضلال أضلُّ مِنْ ضلال من يدعون غير الله، حيث يتركون دعاء السميع القريب المجيب، ويدعون أحدًا لا يستجيب لهم، ولا يقدر على إجابتهم، ولو دعوه إلى قيام الساعة، ولا بيده شيء من النفع والضر، ومع ذلك فهو غافلٌ عن دعاء من يدعوه؛ لأنَّه إما ميّتٌ، أو جمادٌ، أو مشغول بما خُلِقَ له، بل وإذا قامت القيامة كان أوّل من يعاديهم هو من دعوه وعبدوه، ويكفر بعبادتهم، فيكون قد لحق المشرك بهذا الدعاء لغير الله الضرر في الدنيا والآخرة.\rومناسبة الآية من ثلاثة أوجه:\rأ- أنَّه إذا كان كل من سوى الله لا يستطيع أن يستجيب من دعاه، فكيف يليق بالإنسان أن يستغيث به ويدعوه من دون الله، كما يفعل عباد القبور (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: القول المفيد (١/ ٢٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076695,"book_id":1139,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":176,"body":"ب- أنَّ الله حكم على من دعا غيره بأنَّه أضل الضالين، وأنَّ الدعاء عبادة، وصرفها لغير الله شرك.\rج- كفر الداعي بصرفه الدعاء لغير الله، ولذا قال: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، ومنه قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم، الآيات (٨١ - ٨٢)] (¬١).\r* فإن قيل: لماذا أتى بقوله: ب ﴿وَمَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ﴾، ولم يقل: (ما لا يستجيب له) مع أنَّهم يدعون الأصنام وهي جماد، و (من) تكون للعاقل؟\r* لأمرين:\r١. أنَّهم لّما عبدوها فإنما هم نزَّلوها منزلة العاقل، وإلَّا فغيرُ العاقلِ محالٌ أن يُدعى، وعلى هذا خوطبوا بمقتضى ما يدعون؛ لأنَّه أبلغُ في إقامةِ الحجة عليهم.\r٢. أنَّ ما يدعون قد يكونون ملائكة مسخرين، وقد يكونون أنبياء وصالحين، وقد يكونون أصنامًا، فغلّب جانب من يعقل.\rوخامس الآيات: قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل، الآية (٦٢)]. وهذه الآية راجعة إلى قوله في أوّل الآيات: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل، الآية (٥٩)].\rوالمضطر: المكروب الذي مسّهُ الضر، والسوء: كل ما يسوء الإنسان.","footnotes":"(¬١) فائدة: من بلاغة القرآن أن عبّر بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ فهي أبلغ من: لا أضل ممن يدعو؛ إذ الاستفهام المنفي أبلغ من النفي المجرد؛ لأنَّ الاستفهام فيه تحدي، أي: أوجدوا أحدًا أضل، أما النفي المجرد فلا يتضمن التحدي. القول المفيد (١/ ٢٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076696,"book_id":1139,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":177,"body":"والمعنى: أن كفّار قريش يؤمنون بتوحيد الربوبية، وهم إذا جدَّ الجِدُّ زالَ الشرك ودعوا الواحد الأحد سبحانه، فيبيّن الله لهم ويقول: من هو الذي حينما تصيبكم الشدائد تتوجهون إليه فيجيب دعاءكم، ويكشفُ الضُرَّ عنكم؟ فإذا كان معلومًا لديكم، فلماذا تدعون غيره؟!\rومناسبة الآية للباب: من جهة أنَّ الله هو وحده المدعوُ في الشدائد، مجيبُ المضطر، الكاشفُ للسوء، والمشركون يقرون بهذا، وحينها لا ينبغي أن يدعى أو يستغاث بغيره.\r• وبهذا تعلم: أنَّ من اعتقد في غير الله من الأولياء وأصحاب القبور وغيرهم أنَّهم يكشفون السوء، أو يجيبون دعاء المضطر، ودعاهم لذلك، فإنَّه قد أشرك شركًا أكبر من شرك العرب في الجاهلية؛ لأنَّ المشركين الأوائل يعتقدون أنَّ كشف السوء وإجابة المضطر هي من عند الله، أما معبوداتهم فما هي إلا شافعة، فمن اعتقد أنَّ ما يعبده من دون الله هو من يكشف الضرَّ، فقد وقع في أغلظ من شرك الأوائل.\rقال الشيخ محمد بن إبراهيم: «فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحلّ ذكاتهم؛ لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين، والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام» (¬١).\r* وأما الحديث: فهو ما نقله عن الطبراني بإسناده: «أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ اَلنَّبِيّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ من هذا المنافق، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَلله ﷿».","footnotes":"(¬١) عقيدة الموحدين (ص: ٣٩٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076697,"book_id":1139,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":178,"body":"والحديث نسبه المصنف إلى الطبراني في المعجم الكبير عن عبادة بن الصامت، ولم أقف عليه في المطبوع من المعجم الكبير، إلا أنَّ ابن كثير ذكره بإسناده ومتنه في جامع المسانيد (¬١)، وعزاه للطبراني، وابنُ كثيرٍ إذا عزا للطبراني حديثًا في هذا الكتاب، فإنما يقصد أنه أخرجه في المعجم الكبير؛ إذ كتاب المعجم الكبير من الأصول العشرة التي جمعها ابن كثير في كتابه هذا (¬٢)، وقد عزاه -أيضًا- للطبراني: الهيثميُّ (¬٣).\rوقد رواه أحمد في المسند بنحوه، وليس فيه ذكر الاستغاثة، وإنما فيه قوله ﷺ: «لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ»، وهذا كما يظهر هو في ما يتعلق بالقيام، على أنَّ في إسناده عبد الله بن لهيعة، وكذا فيه رجلٌ مبهمٌ لم يسم، وهو الراوي عن عبادة بن الصامت، فالحديث إسناده ضعيف.\rولكن من أهل العلم من يُرَقِّي الحديث إلى الاعتضاد؛ لأن النصوص تؤيده.\rومعنى الحديث: أنَّ هؤلاء الصحابة حين استغاثوا بالنبيّ ﷺ في أمرٍ يقدر عليه، وهو كفُّ أذى هذا المنافق، بيّن لهم ﷺ أنَّ الاستغاثة لا تطلب إلا من الله.\rوسبب إنكار النبيّ ﷺ عليهم يحتمل أمرين:\r١ - أن النبيّ ﷺ لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، فأمرهم أن","footnotes":"(¬١) جامع المسانيد (٤/ ٥٦٨ - رقم ٥٧٨٠)، قال الطبراني: حدثنا أحمد بن حماد بن زُغْبَة المصرى، حدثنا سعيد بن عُفَيْر، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن على بن رباح، عن عبادة، قال: قال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ.\r(¬٢) انظر: مقدمة جامع المسانيد (١/ ٦٠).\r(¬٣) مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076698,"book_id":1139,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":179,"body":"يستغيثوا بالله.\r٢ - أو أنَّه كان قادرًا، ولكنَّ أراد إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ، فيكون هذا المنفي من باب التأدب في اللفظ وسدِّ الذريعة.\rلكن يشكل على هذا قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾، فكيف يجمع بين الآية والحديث؟\r* على الاحتمال الأول: لا إشكال، وعلى الاحتمال الثاني: تحمل الآية على الجواز، والحديثُ على الأدبِ والأولى (¬١).\rوبهذا تعلم أنَّ دعاء الميت والغائب، وكذا الحاضر فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، والاستغاثة بغير الله في كشف الضرّ أو تحويله هو الشرك الأكبر؛ لأنَّ الدعاء هو العبادة، ولأنَّ من خصائص الألوهية إفراد الله بسؤال ذلك منه.\rومناسبة الحديث الباب من جهتين:\r١. أنَّ فيه إنكار النبيّ ﷺ الاستغاثة بغير الله؛ لأنَّ الاستغاثة عبادة لا تصرف إلا لله.\r٢. أنَّه إذا كان هذا النهي منه ﷺ فيما يقدر عليه في حياته، فكيف يجوز أن يُستغاث به بعد وفاته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله؟! كما جرى على ألسنة كثير من الشعراء، كالبوصيري (¬٢) والبرعي من الاستغاثة بمن لا","footnotes":"(¬١) انظر: تيسير العزيز الحميد (١٩٣).\r(¬٢) كقوله في البردة:\rيا أكرم الخلق مالى من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم\rوانظر: الرد على البردة ل أبا بطين (ص: ١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076699,"book_id":1139,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":180,"body":"يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا (¬١).\r* خلاصة الباب:\r١ - أنَّ الاستغاثة عبادة من العبادات، وكذا الدعاء بنوعيه.\r٢ - أنَّ صرف الاستغاثة والدعاء لغير الله شرك، إلّا إذا كان ذلك لحيّ حاضر قادر مع الاعتقاد أنَّه سبب، فلا يكون شركًا.","footnotes":"(¬١) فتح المجيد (١/ ٣٢٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076701,"book_id":1139,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":182,"body":"نَحْوَهَا- اِشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ! لَا أُغْنِكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٦).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير الآيتين. الثانية: قصة أحد.\rالثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمِّنون في الصلاة. الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.\rالخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها: شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها: التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.\rالسادسة: أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.\rالسابعة: قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران، الآية (١٢٨)]. فتاب عليهم فآمنوا. الثامنة: القنوت في النوازل.\rالتاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم. العاشرة: لعن المعين في القنوت.\rالحادية عشرة: قصته ﷺ لما أُنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء، الآية (٢١٤)].\rالثانية عشرة: جِده ﷺ، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.\rالثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لا أغني عنك من الله شيئًا»، حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا»، فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئًا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان بأنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر في ما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له ترك التوحيد وغربة الدين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076702,"book_id":1139,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":183,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب، وصدّره بقول الله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالترجمة: بيان حال المدعوين من دون الله وأنَّهم لا ينفعون ولا يضرون، سواء أكانوا ملائكةً أو أنبياءَ أو صالحين أو أصنام، فكلُ من دُعي من دون الله فهذا حاله، ولذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج، الآية (٧٣)].\rومناسبةُ البابِ للتوحيد ولما قبله: أنَّ المؤلف لما ذكر أمورًا من الشرك، كالاستعاذة والاستغاثة بغير الله، ذكر براهين دالَّة على بطلان عبادة ما سوى الله، وأنَّ ما سوى الله لا يستحق أن يُصرَفَ له شيءٌ من أنواع العبادة.\rولما بيّن حال الداعي لغير الله، وأنَّه ليس هناك أضلّ منه، ناسب أن يذكر حال المدعو، وأنَّه لا يملك شيئًا.\rالمسألة الثانية: نصوص الباب:\rذكر في الباب خمسة نصوص مستدلًا بها للترجمة، آيتين وثلاثة أحاديث:\r(١) قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف، الآيات (١٩١ - ١٩٢)].\rوقد صُدِّرت الآيةُ بقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهو استفهامٌ إنكاري على من يشرك في العبادة مع الله غيره من الخلق، والحال أنهم ليس لهم قدرة، بل هم مخلوقون مدبرّون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076703,"book_id":1139,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":184,"body":"* ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾: أي أنَّ معبوداتهم لا تقدر على نصر من استنصر بهم من عابديهم، بل هم قاصرون عن ذلك، بل ولا يقدرون على نصر أنفسهم والدفاع عنها وردِّ الضر عنها، فكيف يدفعونه عن غيرهم، وقد روي أن عمرو بن الجموح اتخذ صنمًا من خشب في داره يقال له: مناة -كما كان الأشراف يصنعون-، فلما أسلم فتيانُ بني سلمة -ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل- كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها عَذِرُ الناسِ منكسًا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: «ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟» ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره، ثم قال: «أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه».\rفإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه، ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يومًا، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: «إني- والله- ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك».\rفلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عذر من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فعلم حينها أنَّه لا يدفع عن نفسه، فهداه الله للإسلام (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢٢٨)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076704,"book_id":1139,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":185,"body":"فالمراد أنَّ هذه المعبودات من دون الله لا تصلح أن تكون معبودة من وجوه:\r١ - أنَّها لا تخلق. ٢ - أنَّها مخلوقة.\r٣ - لا تستطيع نصر الداعين. ٤ - ولا نصر أنفسها.\rومناسبة الآية للباب: أنَّه إذا كانت هذه حال ما يُعبَدُ من دون الله، وأنَّه في غاية العجز، فكيف يليق بعاقل أن يدعو من هذا وصفه، ويدع من بيده كل الأمور سبحانه؟!\r(٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر، الآية (١٣ - ١٤)].\rوالقطمير: هو اللفافة تكون على نواة التمر.\rوالمعنى: أنَّ الله أخبر عن حال المدعوين من دونه أنَّهم عاجزون، وأنَّهم قد انتفت عنهم الشروط التي لابد أن تكون في المدعو، وهي ملك ما طلب منه، وسماع الدعاء والقدرة على إجابته، فمتى عُدِمَ شرطٌ بطل أن يكون مدعوًا، فكيف إذا عُدِمَت كلها؟!\rوهؤلاء الذين يُدْعَون من دون الله إما أنَّهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم؛ لأنَّهم إما ملائكةٌ مشغولون بما خُلِقوا له، وإما أمواتٌ لا يسمعون، ولو افترض أنَّهم سمعوا دعاءكم إيّاهم ما قدروا على ما تطلبونه منهم، ولا يقدر على هذا إلّا الله، بل إنَّهم يوم القيامة يتبرؤون ممن أشرك بهم مع الله، وهذا كقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ (٨٢)﴾ [مريم، الآية (٨١ - ٨٢)].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076705,"book_id":1139,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":186,"body":"وبعد هذا البيان الذي لا يُبْقِي في القلبِ انصرافًا للمخلوق، ختم الله الآية بقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: أي لا يُخبِرُك بمآلات الأمورِ وعواقبها، مثلُ الخبيرِ العالم ببواطن الأمور، وهو الله سبحانه.\rفمناسبة الآية للباب: أنَّ فيها الردَّ والبرهان القاطع على بطلان الشرك، والردَّ على المشركين بالله وبيان حال معبوداتهم، وإذا كانت هذه حالها، فكيف تدعى من دون الله؟!\rواعلم أن هذا لا يتنافى مع كون الأموات قد يسمعون كلام الأحياء، فإن هذا فيه خلافٌ في ثبوته أولًا (¬١)، ولو ثبت فلا يلزم أنهم يسمعون كل شيء، وعلى فرض سماعهم لكل شيء، فالله أخبر أنَّهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، وهذا كافٍ.\r(٣) حديث أنس ﵁ قال: «شُجَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهِمْ؟».\rوالشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة (¬٢).\rوالرباعية: الأسنان في المقدمة التي تلي الثنايا، والإنسان له أربع رباعيات، والذي كسر رباعية النبيّ ﷺ هو عتبة بن أبي وقاص، قال ابن حجر: «والمراد: أنَّها كُسِرت فذهب منها فلقة، ولم تُقْلَع من أصلها» (¬٣).","footnotes":"(¬١) محموع الفتاوى (٥/ ٣٦٤).\r(¬٢) والذي شجه ﷺ في جبهته هو عبد الله بن شهاب الزهري، وأما عبد الله بن قمئة فقد جرح وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته. السيرة النبوية، لابن هشام (٤/ ٢٨)\r(¬٣) فتح الباري (٧/ ٣٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076706,"book_id":1139,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":187,"body":"* وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهِمْ؟»: استفهامٌ، معناه: ما أبعد هؤلاء عن الفلاح، وقد شجوا نبيهم.\rوالمعنى: أنَّ أنسًا ﵁ في هذا الحديث بَيّنَ ما لحق النبيّ ﷺ من أذى قومه يوم أحد، فكأنَّه لحقه من تلك الحالِ يأسٌ من فلاح كفار قريش، فقال: «كيف يفلحون»، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، فأمور الخلق وتدبيرهم وعقابهم أو رحمتهم ليست إليك بل إلى خالقهم سبحانه، أما أنت فعبدٌ مأمورٌ بإنذارهم وجهادهم، فامض لشأنك ودُم على الدعوة لدين ربك (¬١).\rومناسبة الآية للباب ووجه الشاهد منها من جهتين:\r١. أنَّه إذا كان النبيّ ﷺ وهو قد أوذي وكسرت رباعيته لم يعذره الله بكلمة: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ … » وبيّن أنَّه ليس له من الأمر شيء، فما بالك بمن سواه كالأولياء أو الأنبياء، وغيرهم ممن هم إما أموات أو جمادات، وهم لا يملكون من التدبير شيئًا.\r٢. أنَّه لو كان النبيّ ﷺ يملك جلبَ النفع ودفع الضر، لَدَفع الضُرّ عن نفسه، ولَما أصيب وأدمي وجهه وكسرت رباعيته، فكيف بمن هو دونه ﷺ؟!\r(٤) عن ابن عمر: «أنَّه سمع رسول الله ﷺ يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ فِي اَلرَّكْعَةِ اَلْأَخِيرَةِ مِنَ اَلْفَجْرِ: اَللَّهُمَّ اِلْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اَلله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اَللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾»، وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾» أخرجه البخاري، وهو في قنوت النبيّ ﷺ بعد أُحُدٍ،","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (٢٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076707,"book_id":1139,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":188,"body":"حين كُسرت رباعيته وأُدمي وجهُه، فقال: «اَللَّهُمَّ اِلْعَنْ فُلَانًا» لأناسٍ من رؤوس المشركين.\rواللعنُ: «الطرد والإبعاد من الله، وهو من الخلقِ السبُّ والدعاء» (¬١).\rفيكون اللعن إذا صدر من الخلق: طلبُ طردِ الملعون وإبعادِه من الله بلفظ اللعن، وليس المراد مطلق السبّ والشتم.\rوالمعنى: أنَّ النبيّ ﷺ لما أوذي دعا على هؤلاء الكفار، فجاءه التأنيب والنهي ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ولم يكن النبيّ ﷺ يعلم الغيب، فإنَّ هؤلاء الثلاثة الذين سمّاهم أسلموا وحسُنَ إسلامهم، وكان الله عليمًا ببواطن الأمور حين لم يستجب للنبي ﷺ دعاءه، فأين هذا مما يعتقده عبّاد القبور في الأولياء والصالحين، بل في الطواغيت أنَّهم ينفعون مَنْ دعاهم ويكشفون بلاءه وينصرون من لاذَ بجاههم، فيدعونهم برًّا وبحرًا، وفي كل حال، فإذا كان هذا في النبيّ، فما بالك بغيره؟!\rووجه الشاهد ومناسبة الحديث للباب: أنَّ النبيّ ﷺ ليس له من الأمر شيء، ويتبين ذلك بأمرين ذُكرا في الحديث السابق:\r١. أنَّه لما آذاه هؤلاء المشركون لم يستطع ردّ أذاهم بنفسه، بل لجأ إلى ربّه القادر على جلب النفع ودفع الضر.\r٢. أنَّه لما دعا على هؤلاء أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.\rولا تعارض بين هذا الحديث، وبين الذي قبله، كون الآية نزلت فيهما، بل يقال: إنَّ هذه القصة كانت في غزوة أحد، وأنَّه قنت بعد غزوة أحد،","footnotes":"(¬١) النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076708,"book_id":1139,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":189,"body":"فكلا القصتين في غزوة أحد (¬١).\r(٥) حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ! لَا أُغْنِكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا».\rومعنى الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ حين نزل عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام خطيبًا على الصفا، وبدأ بالنصح للأقربين، وأمرهم بالتوحيد حتى ينقذوا أنفسهم من النّار، ولا يعتمدوا على شرفِ النسبِ وقرابته لهم، فهو ﷺ لا يملك لأقربِ الناس إليه -وهم عمّه وعمته وابنته الصغرى- شيئًا، فمن أراد النّجاة فليوحد الله ولا يعتمدْ على الخلق، فالخلقُ ليس بأيديهم شيء من النفع أو الضر.","footnotes":"(¬١) وفي الحديث غير ما تقدم:\r١ - جواز الدعاء على المشركين، وتسمية المدعو لهم أو عليهم بأسمائهم في الصلاة.\rلكنَّ الدعاء على الكافر باللعنة إذا كان لعمومهم، فالذي يظهر جوازه لما ورد في الصحيحين أن أبا هريرة قال: «وَاللهِ لَأُقَرِّبَنَّ لكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ هـ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الظُّهْرِ، وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ» أخرجه البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٦٧٦)، وأما لعنُ الكافر بعينه وخصوصه، فهذا الذي نهي عنه النبيّ ﷺ.\r٢ - مشروعية القنوت في النوازل.\r٣ - أنَّ التوبة تَجُبُّ ما قبلها، فهؤلاء الثلاثة لما تابوا تاب الله عليهم مع أنَّهم آذوا النبيّ ﷺ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076709,"book_id":1139,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":190,"body":"ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّه لا يجوز أن يُطلَب من الرسول -ومِن غيره من باب أولى- إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا؛ وإذا كان هذا النبيّ ﷺ أفضلُ الخلق وسيدُ المرسلين يقول هذا، خصوصًا لأقرب الناس إليه، فما الظن بغيره من عامة الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف، الآية (١٨٨)].\rواعلم أن كونه ﷺ لا يغني عنهم من الله شيئًا، لا ينافي شفاعته لهم يوم القيامة؛ إذ شفاعته ﷺ هي أمرٌ من الله ابتداءً فضلًا عليه وعليهم، لا أنَّه ﷺ يشفع فيمن شاء، فشفاعته بأمر الله، ولهذا كان يُعَلِّم أصحابه أن يدعوا له أن يبعثه الله المقام المحمود.\r* خلاصة الباب: أنَّه لا أحد يستحقّ أن تتوجه القلوب له بالعبادة إلا الله.\rوأنَّه إذا كان أعظم خلق الله من الملائكة والأنبياء لا يملكون لأنفسهم دفعًا أو نفعًا، فغيرهم من باب أولى، فعلى المسلم أن يتوجه إلى الله وكفى.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076711,"book_id":1139,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":192,"body":"فَيَقُولُ: قَالَ اَلْحَقَّ، وَهُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اَلله ﷿» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥١٥)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢١٦)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٣٤٨)، والطبراني في الشاميين (٥٩١)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٠٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٣٥).\rوإسناده ضعيفٌ، فيه الوليد بن مسلم مدلسٌ يدلس تدليس تسوية، وقد عنعن في هذا الحديث، وقد عرض أبو زرعة الدمشقيُ، هذا الحديثَ على دحيم، فقال: لا أصل له. ا. هـ ولكن يشهد له الحديث الأول.\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير الآية.\rالثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصًا من تعلَّق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.\rالثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.\rالخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: «قال كذا وكذا». السادسة: ذكر أن أوَّل من يرفع رأسه جبريل.\rالسابعة: أنه يقول لأهل السموات كلهم؛ لأنهم يسألونه. الثامنة: أن الغشي يعم أهل السموات كلهم.\rالتاسعة: ارتجاف السموات لكلام الله. العاشرة: أنَّ جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.\rالحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين. الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضًا.\rالثالثة عشرة: إرسال الشهاب. الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.\rالخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان. السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.\rالسابعة عشرة: أنه لم يُصدَّق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.\rالثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!\rالتاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.\rالعشرون: إثبات الصفات، خلافًا للأشعرية المعطِّلة.\rالحادية والعشرون: التصريح بأنَّ تلك الرجفة، والغشي خوفًا من الله ﷿. الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدًا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076712,"book_id":1139,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":193,"body":"(الشرح)\rعقد المصنف هذا الباب عن الملائكة، فالضمير في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يرجع إلى الملائكة، والكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: معنى الترجمة والمراد بها:\rأراد المؤلف بالباب: أن يستدلَّ للتوحيد بشيء من دلائل عظمة الله، وهو حال الملائكة الذين هم أعظم المخلوقات وأقوى من عُبِد من دون الله، وقد ورد في الحديث شيء من وصفهم، كحديث جابر مرفوعًا: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (¬١)، وقال ابْن مَسْعُودٍ ﵁: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٧)، والطبراني في الأوسط (١٧٠٩ - ٤٤٢١)، وأبو الشيخ في العظمة (٤٧٦)، قال ابن كثير في التفسير: (٨/ ٢٣٩): إسناده جيد، وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٦٦٥).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076713,"book_id":1139,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":194,"body":"فإذا كانت هذه الملائكة الذين عَظُمَ خَلقُهم وقوي بأسُهم، وهذا حالهم مع الله، وهذا خوفهم منه وخشيتهم له، فكيف يتجهُ أحدٌ إليهم ويدعوهم من دون الله استقلالًا أو وساطةً طلبًا لشفاعتهم؟!\rوإذا كان هذا في الملائكة مع جلالة قدرهم، وقربهم من ربّهم، لا يجوز أن يُدعون من دون الله، فغيرهم ممّن هو أضعف منهم وممن لا يقدر على شيءٍ من الأصنامِ والأمواتِ؟! أولى أن لا يُدعى ولا يعبدَ من دون الله.\rالمسألة الثانية: أورد المصنف في الباب حديثين مستدلًا بهما على الباب:\r(١) ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كأنَّه سلْسِلَة عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضه فَوْقَ بَعْضٍ -وصفه سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَه الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعت مِنَ السَّمَاءِ».\r* وقوله: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ»: أي إذا تكلم بالأمر الذي شاء وقوعه، والذي قضاه في السماء مما يكون.\r* وقوله: «خَضَعَانًا لِقَوْلِهِ»: بفتح الخاء والضاد من الخضوع، وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه، بمعنى: خاضعين.\r* وقوله: «كأنَّه سلْسِلَة عَلَى صَفْوَانٍ»: أي كأنَّ الصوت المسموع صوت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076714,"book_id":1139,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":195,"body":"السلسلة على الصفوان، وهو الحجر الأملس، وهذا التشبيه اختلف في المراد به:\r- فقيل: المرادُ صوتُ الملَكِ بالوحيّ، كما ورد أنَّ الوحيَّ كان يأتي النبيّ ﷺ كصلصلة الجرس، وهذا فيه نظر.\r- وقيل: هو تشبيه ما يحصل للملائكة من الفزع، أنَّه كفزعِ من يسمع سلسلةً على صفوان (¬١).\r- وقيل: إنَّه تشبيه سماع الملائكة لصوت الله تعالى بسماع من يسمع سلسلةً على صفوان، وهذا يفيد أنَّه كلام حقيقي، بصوتٍ، وأنَّه قوي، وهذا تشبيه للسماع بالسماع، وليس تشبيهًا للمسموع -وهو كلام الله- بالمسموع وهو صوت السلسلة تجر على الحجر، وفرق بينهما.\rونظير هذا حديث: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ» (¬٢) هو تشبيه للرؤية بالرؤية، من حيث أنَّهم يرونه بوضوح، وظهور، وبلا تزاحم، وليس تشبيهًا لله تعالى بالبدر، فالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.\r* والدليل: حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْي، سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً، كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا فَيُصْعَقُونَ … »، وفي لفظ: «تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ، سُمِعَ له صوتٌ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) القول المفيد (١/ ٣١٠).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير بن عبد الله.\r(¬٣) أخرجه أبو داود (٤٧٣٨)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٣٥٠)، وابن حبان (٣٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص: ٢٠١)، وقال الألباني: إسناد صحيح على شرط الشيخين.\rقلت: وقد روي موقوفًا على ابن مسعود، والموقوف فيه أصح، وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا نحوه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076715,"book_id":1139,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":196,"body":"قال عبد الله بن أحمد: «سألت أبي ﵀ عن قوم، يقولون: لما كلَّم الله ﷿ موسى لم يتكلَّم بصوت، فقال أبي: بلى، إنَّ ربك ﷿ تكلَّم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، ثم ساق حديث ابن مسعودٍ هذا، ثم قال: وهذا الجهمية تنكره، وقال أبي: هؤلاء كفار، يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أنَّ الله ﷿ لم يتكلَّم فهو كافر، ألا إنَّا نروي هذه الأحاديث كما جاءت» (¬١).\rوالمراد: أنَّ هذا يدلّ على أنَّ الصوت مسموع حقيقةً، خلافًا لمن ينكر صفة الصوت لله ﷿، ولكنه صوتٌ يليق بجلاله وعظمته.\r* وقوله: «يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ»: هو بفتح الياء، وسكون النون، وضم الفاء والذال المعجمة: أي يَخْلُصُ ذلك القولُ ويمضي في قلوب الملائكة حتى يفزعوا منه.\r* وقوله: «فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ»: أي يسمعُ الكلمةَ التي قضاها الله، وسمعتها الملائكة ثم تحدثوا بها.\rومسترقُ السمع: هم من الشياطين، يركب بعضهم بعضًا، فيسمعون أصوات الملائكة بالأمر مما يقضيه الله، فيتوجهون بما سمعوا إلى الكهان.\rومسترقو السمع يسمعون إمّا من الملائكة في السماء الدنيا، ولا يتعدونها؛ لأنَّها سقف محفوظ.\rويحتمل أنَّهم يسمعون من الملائكة في السحاب؛ لحديث عائشة ﵂:","footnotes":"(¬١) السنة، لعبد الله بن أحمد (١/ ٢٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076716,"book_id":1139,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":197,"body":"«إِنَّ المَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ -وَهُوَ السَّحَابُ-، فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ، فَتُوحِيهِ إِلَى الكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» (¬١).\rوقد وصف سفيان بن عيينة ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض، بأن مَيّلَ يده وفرّق بين أصابعه.\r* وقوله: «فَرُبَّمَا أَدْرَكَه الشِّهَابُ»: هو النجم الذي يرمى به ربما أدركه قبل إلقائها، وربما ألقاها قبل أن يدركه لحكمة يعلمها الله، وإلّا فالله لا يعجزه شيء، والرجمُ بالشُهُبِ كان موجودًا في الجاهلية، بدلالة حديث: «مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا كان مثْل هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قالوا: نَقُولُ: وُلِدَ عَظِيمٌ أوَمَاتَ عَظِيمٌ» (¬٢)، فلما بُعِثَ النبيُّ ﷺ مُنِعت، ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن، الآية (٩)].\rوبعد موت النبيّ ﷺ زال السبب الذي لأجله قُطِعوا، فعادوا وعادت الشهب.\r* وقوله: «أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟»: أي أنَّ الذين يأتون الكهان يصدقونهم إذا ذكروا لهم أمرًا، بسبب أنَّهم ذكروا لهم مرةً أمرًا فوقع كما قالوا، فاعتقدوا أنَّ ما يقولونه حقٌ، وما هي إلّا كلمةٌ واحدة في مئات الكذبات.\rومعنى الحديث والشاهد منه: أنَّ النبيّ ﷺ بيّن ما تكون عليه الملائكة من حالةٍ عند نزول الوحي وتكلُّمِ اللهِ به، أنَّهم يفرقون ويفزعون ويصعقون، بالرغم من عِظَمِ خلقهم، حتى يكون أولّ من يفيق منهم جبريل، فإذا كانت","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٢١٠).\r(¬٢) أخرجه الترمذي (٣٢٢٤)، وعبد بن حميد (٦٨٣)، والدارمي في الرد على الجهمية (٣٠٧)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٣٨)، والحديث أصله في صحيح مسلم (٢٢٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076717,"book_id":1139,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":198,"body":"هذه حالة الملائكة، فمَن دونهم أولى أن يخاف الله، وأنَّه لا يُدعى ولا يُستشفع إلا بالله.\r(٢) عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اَللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ اَلسَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ -أَوْ قَالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ- خَوْفًا مِنْ اَللَّهِ ﷿، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ اَلسَّمَوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ اَللَّهُ مِنْ وَحَيِّهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى اَلْمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ، سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قَالَ اَلْحَقَّ، وَهُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اَلله ﷿».\rومعنى الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ بيّن فيه حالة الملائكة عند سماع الوحي، وأنَّهم كلهم يصعقون حتى جبريل، لكن هو يكون أول من يفيق، فهو الموكل بالوحي، فيكلمه الله بما أراد من الوحي، وكلما مرّ بسماءٍ من السماوات السبع يسأله ملائكتها ماذا قال ربنا؟ فيقول: قال الحق وهو العلى الكبير.\rومناسبة الحديث: كالذي قبله، أنَّه إذا كانت هذه حالة الملائكة، فمن دونهم أضعف؛ لأنَّ الملائكة أقوى وأعظم عباد الله، وأعطاهم الله من القوة العظيمة ما أعطاهم، ومع هذا فهذه حالهم.\rفكيف يدعو المشركُ مَلَكًا أو من هو دونه باعتقاده أنَّ له قدرة، أو تدبيرًا أو شفاعة عند الله؟!\r* وخلاصة الباب: أن المرء ينبغي أن يعظّم ربه، ومِن تعظيمه لربه: أن يتوجه له بالعبادة، ولا يتوجه لأحدٍ، ولو كان ملَكًا مقرّبًا.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076719,"book_id":1139,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":200,"body":"وقال أبو هريرة له ﷺ: «مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قال: مَنْ قَالَ: لا إله إلّا الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» (¬١)، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.\rوحقيقته أنَّ الله سبحانه هو الذي يتفضَّل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذِنَ له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبيّ ﷺ أنَّها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه (¬٢).\r\r(الشرح)\rباب الشفاعة من أهم الأبواب في كتاب التوحيد، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: تعريف الشفاعة، والمراد بها:\rفي اللغة: اسمٌ مِنْ شفع يشفع إذا جعل الشيء بين اثنين، وهو ضدُّ الوتر.\rواصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، سميت بذلك لأنَّ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٩٩).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير الآيات. الثانية: صفة الشفاعة المنفية. الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.\rالرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.\rالخامسة: صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة أولًا، بل يسجد فإذا أذن الله له شفع.\rالسادسة: من أسعد الناس بها؟. السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله. الثامنة: بيان حقيقتها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076720,"book_id":1139,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":201,"body":"طالبَ الحاجة كان منفردًا في الأوَّل، ثم انضم إليه شافعٌ، فصارا شفعًا.\rالمسألة الثانية: مناسبة الباب:\rلما كان المشركون قديمًا وحديثًا يعبدون من دون الله الأصنام والأضرحة ونحوها، فإذا أُنكِرَ عليهم قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وادَّعَوا أنَّ غرضهم بذلك طلب الشفاعة فقط، فبين المؤلف هنا أنَّ الله عدّ ذلك من الشرك، وأنَّ طلب الشفاعة منهم هي عبادة لغير الله، وإن ادِّعَوا أنَّ ذلك من تعظيم الله.\rواعلم أنَّ أصل الشرك من قديمِ الزمان وحديثِه هو بطلب الشفاعة، وتعلُّق الناس بأذيالها، وذلك لأنَّ المشركين يقولون نحن نجعلهم شفعاء، فقاسوا الله بخلقه، وقال الله على لسانهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية (٣)].\rالمسألة الثالثة: كيف يقال: إنَّ من اتخذ الشفيع مشركٌ، وهو إنما اتخذه شفيعًا إلى الله بقصد تعظيم الرب، فإنَّه -على حدّ قولهم- لا يتوصل إليه إلا بالشفعاء، كملوك الدنيا؟\r* الجواب: أنَّه وإن كان دافعه وقصده تعظيم الله، إلا أنَّه ليس كل من قصد التعظيم وُفِّق وأصاب؛ لأنَّ اتخاذ الشفعاءِ والأنداد من دون الله فيه هضمٌ للربوبية، وتنقّص لعظمة الله، وسوء ظنٍّ به سبحانه، ولذا قال الله عن المشركين، وهم يخاطبون معبوداتهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الصافات، الآية (٩٧ - ٩٨)]، وهذه التسوية منهم ليست تسويةً لمعبوداتهم بذات الله وصفاته وأفعاله، ولا ادّعوا أنَّها خلقت السماوات والأرض وغير ذلك، وإنما ساووهم في المحبّةِ والتعظيمِ والعبادة.\rووجه كون الاستشفاع بالأولياء فيه هضمٌ للربوبية وسوء ظنٍّ بالله؛ لأن المستشفع لا يخرج من أمور:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076721,"book_id":1139,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":202,"body":"* إما أن يظنَّ أنَّ الله يحتاج إلى من يُدبِّر أمرَ العالم معه مِنْ وزيرٍ ومعين.\r* وإما أن يظنَّ أنَّ الله إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع.\r* أو يظنَّ أنَّ الله لا يعلم حتى يُعلمه الشفيع، أو لا يرحم حتى يجعله الشفيع يرحم، أو لا يجيب دعاءه حتى يسألوا الشفيع، كحال ملوك الدنيا، وهذا نقص.\r* أو يظنَّ أنَّ للشفيع حقًا على الله، فهو يُقسِمُ عليه بحقّه ويتوسل إليه بالشفيع كما يتوسل إلى الملوك بالناس الذين لهم عليهم حقٌ، وكل هذا نقص، وسوء ظن بالله.\rفإن قيل: هذا فيمن عَبَدَ الشفعاء، أما من دعاهم فقط فلا يعد ذلك شركًا؟\r* فالجواب: أنَّ مجرد اتخاذ الشفعاء شرك، ودعاؤهم للشفاعة عبادة لهم وإشراك لهم في عبادة الله، فإن النبيّ ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (¬١).\rالمسألة الرابعة: الشفاعة نوعان:\r١) مثبتة: وهي ما كانت بشرطي الشفاعة:\r١ - إذنُ الله للشافع. ٢ - رضاه عن الشافع والمشفوع له.\r٢) منفية: وهي ما كانت تُطلب من غير الله، أو يقال: أنَّها ما اختل فيها شرطٌ مِنْ شروط الشفاعة المثبتة.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٣٧٢)، وابن ماجه (٣٨٢٨) والطبري في التفسير (٢٤/ ٧٨)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩١)، وقال: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076722,"book_id":1139,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":203,"body":"والحكمة من جعل الله الشفاعة: إكرامُ الله للشافع من وجهين:\r١. ظهور فضل الشافع على المشفوع له.\r٢. ظهور منزلة الشافع عند الله.\rالمسألة الخامسة: ذكر المصنف في الباب خمس آيات متعلقة بالشفاعة:\r(١) قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام، الآية (٥١)]. في هذه الآية خَوَّفَ اللهُ عباده يوم الحشر الذي ليس للإنسان فيه أحدٌ إلّا الله، فليس لهم هناك أحدٌ يدافع عنهم من معبوداتهم، وإذا كان الإنذار هنا هو للمؤمنين الذين يخافون يوم الحشر، وأنَّهم ليس لهم وليٌ ولا شفيع، فكيف بمن وقع في الشرك.\rففي الآية نفي الشفاعة التي لم تتوفر شروطها، ومفهوم هذا أنَّها ثابتةٌ بإذنه، كما قال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.\r(٢) قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر، الآية (٤٤)]، وهذه الآية يزيدها بيانًا ما قبلها، وهي قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (٤٤)﴾ [الزمر، الآية (٤٣ - ٤٤)].\rقال المفسرون: إنَّ (أم) بمعنى: (بل)، أي أنَّ الله أنكر عليهم طلب الشفاعة من دون الله حين قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾، وقال لهم: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾، وهذه حقيقة الخلق كلهم، فهم إما أنَّهم لا يعقلون، فلا يعلمون شيئًا مما في نفوس الناس من حاجاتهم، ولو عقلوا فإنَّهم لا يملكون، ثم قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ففُهم من هذا أمورٌ:\r١. أنَّ الشفاعة بجميع أنواعها ملك لله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076723,"book_id":1139,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":204,"body":"٢. إذا كانت له، فكيف تطلب ممن لا يملكها؟! بل ينبغي أن تطلب ممن يملكها.\r(٣) قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. نفت الآيةُ الشفاعةَ عن المخلوق استقلالًا بلا إذن من الله، وقيّدت الشفاعة بإذن الله، فالمخلوق لا يبتدئ بالشفاعة دون أن يأذن الله له بها، ولا يأذن الله إلّا لمن رضي عمله، وهو الموحِّدُ غيرُ المشرِك، وعلى هذا آل الأمر إلى أنَّ المرء يوجه قلبه لله، فمن طلبها من المخلوق فقد أشرك، وقد أفادت الآية أمورًا:\r١. الردّ على الخوارج الذين ينكرون الشفاعة مطلقًا؛ إذ إنَّ الله أثبتها لمن شاء.\r٢. الردّ على من اتخذوا الشفعاء من دون الله، فبين الله أنَّهم لا يشفعون إلّا بإذنه، وبدون إذنه لا يمكن لأحد أن يشفع.\r(٤) قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم، الآية (٢٦)].\r* ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾: أي ما أكثر الملائكة الذين في السماء، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم إلّا من بعد إذن الله ورضاه.\r* ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾: فيه بيان شرطي الشفاعة:\r١ - الإذن من الله. ٢ - الرضى عن الشافع والمشفوع له.\rوالذي يرضى اللهُ عنه هو المؤمن الموحد، واستثني من ذلك أبو طالب، فإنَّ اللهَ أذن بالشفاعة له، ولم يرضَ الله عمله، إكرامًا للنبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076724,"book_id":1139,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":205,"body":"فإن قال المشرك: أعلمُ أنَّهم لا يشفعون إلا بإذن الله، لكني أدعوهم ليأذن الله لهم في الشفاعة لي، فكيف يجاب عنه؟\r* الجواب: أنَّ الله لم يجعل الشرك به ودعاءَ غيره سببًا لإذنه ورضاه، بل ذلك سببٌ لغضبه ومقته، ولذا نهى عنه فقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس، الآية (١٠٦)]. فدعاءُ الأولياءِ هو شركٌ لا يرضاه الله، وهو عين ما كان المشركون الأوّلون يفعلونه، فإنَّ الفارق بينهم وبين الموحد مسألة الشفاعة.\rوإذا علمت أنَّ الله هو الذي بيده الأمور، وهؤلاء الأولياء بظنك أنَّهم يشفعون لك عند الله، فَلِمَ لا تدعو الله مباشرة؟ فالله يغضب إن تركت سؤاله.\rوقد أفادتك الآية أنه إذا كان الملائكة المقربون لا تغني شفاعتهم إلّا بإذن الله ورضاه، فكيف تشفع الأصنام والأضرحةُ لمن عبدها؟!\r(٥) قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (٢٣)﴾ [سبأ، الآية (٢٢ - ٢٣)].\r﴿قُلِ ادْعُوا﴾: تُحمَلُ على أحد معنيين:\rأ. أَحْضِرُوهم. ب. ادعوهم دعاء مسألة.\rوهو أمر تعجيز؛ لأنَّ هؤلاء -كما بين الله بعد ذلك- لا يملكون، وليسوا شركاء ولا مظاهرين معاونين، والشفاعة لا يملكها إلَّا الله.\r(ذرّة): الذرُّ صغار النمل، يضرب بها المثل في القِلَّة.\rقال ابن القيم: «فالمشرك إنَّما يتخذ معبوده لما يعتقد أنَّه يحصل له به من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076725,"book_id":1139,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":206,"body":"النفعِ، والنفعُ لا يكون إلّا ممن فيه خصلةٌ من هذه الأربع: إمّا مالكٌ لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا متنقلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعةً لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها» (¬١).\rالمسألة السادسة: ذكر المصنف كلام ابن تيمية في الشفاعة، وهو كلامٌ متين، حريٌ بالتأمل، وخلاصة كلامه ما سبق بيانه.\rوتأمّل حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكره ابن تيمية، حيث جعل أشرف أسباب نيل الشفاعة توحيد الله، ولذا قال ابن القيم: «تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تُنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أنَّ الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلبَ النبيُّ ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أنَّ سبب الشفاعةِ تجريدُ التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع والمشفوع» (¬٢).\rثم تأمّل قوله عن رسول الله ﷺ أنَّه لا يَسأل إلا حين يخرُّ ساجدًا ويدعو ثم يؤذن له بالشفاعة، فإذا كان الرسول ﷺ وهو أعظمُ الناس جاهًا عند الله لا يشفع، إلّا بعد أن يحمد الله ويثني عليه، ويتضرع ويطيل السجود ويفتح عليه من المحامد، فكيف بهذه الأصنام؟!","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (١/ ٣٥١).\r(¬٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076726,"book_id":1139,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":207,"body":"المسألة السابعة: ذكر أهل العلم أنَّ الشفاعة قسمان:\r١) الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ: وهي أقسام:\r١ - الشفاعة العظمى: وتكون لتعجيل القضاء، وهي لكل أهل الموقف.\r٢ - شفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها.\r٣ - شفاعته لبعض الكفار أن يخفّف عذابهم، وهذه لأبي طالب خاصة.\r٢) العامة له، ولغيره من الأنبياء والصالحين، ويدخل فيها صور:\r١. الشفاعة فيمن استحقَّ دخول النار أن لا يدخلها.\r٢. الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها: وهذه أجمع عليها الصحابة وأهل السنة.\r٣. الشفاعة في رفع درجات المؤمنين وزيادة ثوابهم.\r* خلاصة الباب: أنَّ الإنسان لا يجوز له أن يتعلق بغير الله عبر باب الشفاعة، فيعتقد أن تقرّبه لغير الله إنما هو لكي يشفعوا له عند الله، وإنما يجبُ أن يطلب الشفاعة، عبر بوابة التوحيد لله تعالى، فهو مالك الشفاعة، ولا يشفع أحد لأحد، إلّا وقد رضي الله عمله.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076728,"book_id":1139,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":209,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب بعد باب الشفاعة، وفيه مسألتان:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: بيانُ حالِ النبيّ ﷺ، الذي هو أفضلُ الخلقِ وأقربُهم لله، وأعظمهم جاهًا، ومع ذلك فحين حرص على هداية عمه أبي طالب الذي خدمه وحماه، لم يقدر ﷺ على هدايته، بل إنَّه استغفر له بعد موته، فنهاه ربه.\rوإذا تقرَّر هذا، عُلِمَ أن رسولَ اللهِ ﷺ، ومن باب أولى من هم دونه من الأنبياء، أو الصالحين، فضلًا عن غيرهم، لا يملكون النفع والضرَّ، وأنَّ ذلك كله بيد الله؛ إذ لو كان هذا لأحدِ من الخلق؛ لكان لأفضلهم ﷺ منه نصيبًا وافرًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076729,"book_id":1139,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":210,"body":"المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب آية وحديثًا.\r* أما الآية: فهي قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص، الآية (٥٦)]، والمعنى: ليس إليك أن تهدي من أحببت هدايته، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، وله الحكمة البالغة سبحانه.\rولا تنافي بين هذه الآية، وبين قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فإن الهداية نوعان:\r١ - هداية دلالة وإرشاد: بأن يَدُلَّ ويُرشِدَ إلى الحقّ، فهذه تتوجه إلى النبيّ ﷺ، كما في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\r٢ - هداية توفيق: بأن يوفّق صاحبه للخير والبر، فهذه هي المنفية في الآية، وهي ليست إلّا لله.\r* وأما الحديث: فهو في خبر النبيّ ﷺ مع أبي طالب.\r* وقوله: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ اَلْوَفَاةُ» حضور الوفاة هنا تحتمل معنيين:\r١. حضرت علامات الوفاة: وإلّا لو انتهى إلى المعاينة لم تنفعه ولو قالها، قال الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء، الآية (١٨)]، ويدل لهذا المعنى أنَّهم تراجعوا الكلام، وهذا لا يكون لمن هو في النزع.\r٢. حضرته الوفاة الحقيقية: لكن رجا النبيُّ ﷺ أنَّه إذا نطق بها -ولو في تلك الحال- أن تنفعه ويشفعُ هو ﷺ فيه، ولذا قال: «أجادل لك بها» «أشفع لك» «أشهد لك بها»، ولم يجزم أنَّها تنفعه لو قالها، فيكون هذا خاصًا بأبي طالب،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076730,"book_id":1139,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":211,"body":"أما غيره فإذا وصل إلى هذا الحدِّ لا تُقبل منه توبة.\r* وقوله: «يَا عَمِّ قُلْ: لا إله إلّا الله» أي: قُلها بلفظها، واعتقد معناها، ولا يكفي أحدهما عن الآخر، فمن قالها بلسانه ولم يعتقدها قلبه، حَقنت دمَهُ في الدنيا فقط، ومن اعتقدها بقلبه، ولم يلفظ بها، لم يدخل في الإسلام.\rوإنما لم يقل له النبيّ ﷺ: اعتقدها مع ذلك بقلبك؛ لأن العرب يعرفون هذه الكلمة ومعناها، ولذا أنكر عليه قولها أبو جهل وصاحبه.\rولأنَّ أبا طالب كان يعتقد بقلبه أنَّ الإسلام هو الحق، لكن هذا لا ينفعه؛ لأنَّه لم ينطق.\r* وقوله: «كَلِمَةً» منصوبة، بناءً على أنَّها بدلٌ من «لا إله إلّا الله»، والقاعدة: أنَّ البدل يتبع المبدل في إعرابه، ويجوزُ رفعُها على إضمار المبتدأ، أي: هي كلمةٌ، (¬١)، ومعلوم أنَّ الكلمة هنا يراد بها الجملة، لا الكلمة المفردة، ومنه قوله ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ)» (¬٢).\r* وقوله: «أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ؟» أتيا بالكلام على صيغة الاستفهام مبالغة في الإنكار عليه في مخالفة الآباء والكبراء، فهما لما خشيا أن يقولها ذكّراه بالحمية الجاهلية، وأنه لو قالها فسيخالف مِلَّة والده عبد المطلب، وهذه حجةٌ شيطانيةٌ لَبّس بها الشيطانُ على عددٍ من الكفار، ولذا أخبر الله أن فرعون قال لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ هل كلهم ضلوا،","footnotes":"(¬١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، للقرطبي (١/ ١١٠).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076731,"book_id":1139,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":212,"body":"وأنت ومن معك المهتدون؟! قال السعدي: «أي: ما شأنهم، وما خبرهم؟ وكيف وصلت بهم الحال، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر، والظلم، والعناد، ولنا فيهم أسوة؟ وقال الله عن بعض الأمم قولهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية (٢٣)]» (¬١).\rوتأمل هنا ضرر رُفقةِ السوء، كيف حرصا على إضلاله وثنيه عن الإسلام، والعجيب أنَّ عبد الله بن أبي أمية أسلم بعد ذلك.\r* وقوله: «فَأَعَادَ عَلَيْهِ اَلنَّبِيُّ ﷺ» أعادهُ عليه لشدِّة حِرصه على هدايةِ عمّه، ولم ييأس ﷺ، وهكذا ينبغي للداعية أن لا ييأس.\r* وقوله: «فَأَعَادَا»: أي كررا عليه المقولة السابقة؛ خوفًا من إسلامه.\rوعند مسلمٍ تتمة الحديث: «لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِى قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ» (¬٢)، أي: سررْتُك بقولها، وأبلغتُكَ أُمْنيتك.\r* وقوله: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ» هذا من تصرف الرواة، وإلّا فأبو طالب قال: «أنا … » ومثل هذه التصرفات مستحسنة، كما قال ابن حجر (¬٣).\rوفي روايةٍ أنّ رسول الله ﷺ قال بعد ذلك: «أمَا والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ»، فأكدت بثلاث مؤكدات:\r١ - القسم. ٢ - اللام. ٣ - نون التوكيد الثقيلة.\rوذلك تأكيدًا لعزمه ﷺ، وهذا من مجازاته له على المعروف، لكن كأنَّه","footnotes":"(¬١) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٥٠٦).\r(¬٢) صحيح مسلم (٢٥).\r(¬٣) فتح الباري (٨/ ٥٠٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076732,"book_id":1139,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":213,"body":"خشي أن يُنهى فقال: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» وهذا ما وقع، إذ نُهِي عن ذلك.\r* وقوله: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة، الآية (١١٣)]. هذا خبرٌ بمعنى النهي، أي: ما ينبغي لهم ذلك.\r* فإن قيل: قوله في الحديث: «فَأَنْزَلَ الله» تفيد أنَّها نزلت بعد هذه القصة، وكانت في مكة، يشكل عليها أنه ورد أنَّ رسول الله ﷺ لما اعتمر مرَّ على قبر أمّه، فاستأذن ربّه في أن يستغفر لها، فلم يؤذن له، فكيف استأذن بعد النهي؟ وكيف قيل: إنَّ الآية نزلت بعد استئذانه الاستغفار لأمه؟\r* منهم من قال: يُحمل هذا على أنَّ الآية تأخر نزولها، فتكون نزلت إثر استئذانه في الاستغفار لأمه، وحينها يكون لها سببان:\r١. متقدم، وهو أمرُ أبي طالب.\r٢. متأخر، وهو أمرُ أمّه ﷺ وقد يؤيد هذا قولُ الراوي: «فأنزل الله في أبي طالب، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾، فهذا يشعر أنَّ الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، بينما قال في الثانية: «وأنزل في أبي طالب».\rوأقربُ منه أن يقال: إنَّ الآية هذه نزلت في قصة أبي طالب، ولذا حين أراد أن يستغفر لأُمّه استأذن ربه، والاستئذانُ يدل على وجود منع سابق، والله أعلم.\rومناسبة الحديث للباب: أنّ فيه نفي هداية التوفيق عن النبيّ ﷺ، وإذا انتفت عن أكرم الخلق فغيره من باب أولى، ويكون طلبها من غير الله شركًا.\rومما يؤخذ من الحديث غير ما سبق الإشارة إليه: تفسير كلمة لا إله إلا الله، وهو أمرٌ عرفه أبو جهل حين قال لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟»،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076733,"book_id":1139,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":214,"body":"وكم ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله، ولذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «فلا خير في رجلٍ جُهّال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله» (¬١).","footnotes":"(¬١) الدرر السنية (١/ ٧٠)، ويؤخذ من الحديث كذلك:\rجواز عيادة المشرك إذا رُجِي إسلامه، والرد على من زعم إسلام أبي طالب وهم الرافضة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076735,"book_id":1139,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":216,"body":"قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ» (¬١).\rولمسلم عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ- قَالَهَا ثَلَاثًا» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه النسائي (٣٠٥٧)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، وأحمد (١/ ٣٤٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٨)، وإسناده صحيح، وقال ابن تيمية في الاقتضاء (ص ١٠٦): إسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر: الصحيحة (١٢٨٣).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢٦٧٠).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبيَّن له غربةُ الإسلام، ورأى من قدرةِ الله وتقليبه للقلوب العجب.\rالثانية: معرفة أول شرك حدث على وجه الأرض أنه بشبهة الصالحين.\rالثالثة: أول شيء غُيِّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك مع معرفة أنَّ الله أرسلهم؟\rالرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردّها.\rالخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل:\rفالأول: محبة الصالحين.\rوالثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئًا أرادوا به خيرًا، فظنَّ من بعدهم أنهم أرادوا غيره.\rالسادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح. السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.\rالثامنة: أن فيه شاهدًا لما نقل عن السلف أن البدعة سبب الكفر.\rالتاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة، ولو حَسُن قصد الفاعل.\rالعاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.\rالحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.\rالثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.\rالثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.\rالرابعة عشرة -وهي أعجب وأعجب-: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه، فهو الكفر المبيح للدم والمال.\rالخامسة عشرة: التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.\rالسادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.\rالسابعة عشرة: البيان العظيم في قوله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». فصلوات الله وسلامه على من بلَّغ البلاغ المبين.\rالثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.\rالتاسعة عشرة: التصريح أنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده.\rالعشرون: أن سبب فقد العلم هو موت العلماء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076736,"book_id":1139,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":217,"body":"(الشرح)\rهذا الباب متعلق بالغلوّ، وهو من أهم الأبواب، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: المقصود من الباب:\rالغلو: مجاوزةُ الحدِّ في مدح الشيء أو ذمِّه، قال الراغب: «الغلو تجاوز الحدّ، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو» (¬١).\rوقال ابن تيمية: «الغلو مجاوزة الحدّ، بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك» (¬٢).","footnotes":"(¬١) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (٣٦٤).\r(¬٢) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨٩)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076737,"book_id":1139,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":218,"body":"وقد أراد المصنف في الباب أن يبيّن أنَّ سبب الوقوع في الشرك بالله تعالى، والباعثَ الأوَّل له هو الغلوُ في هؤلاء الصالحين الذين عُبِدوا من دون الله، فمن الغلو بدأت شرارة الضلالة، ودخل الشيطان على هؤلاء، فالناس إنما جرّهم إلى الشرك غلوهم في هؤلاء المعبودين.\rومناسبة الباب لما قبله: أنَّه لما ذكر بعض ما يقع من عباد القبور مع الأموات من الشرك، أعقب ذلك ببيان سببه وهو الغلو.\rالمسألة الثانية: نصوص الباب: ذكر في الباب خمسةَ نصوصٍ تبين أثر الغلو:\r(١) قول الله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء، الآية (١٧١)]. والمخاطَب هنا هم أهل الكتاب - اليهود والنصارى-، أن لا تغلوا في دينكم، وقد كان سبب ضلال النصارى أنَّهم غلوا في عيسى;، حتى ألَّهوه وعبدوه، وغلوا فيمن كان معه من أتباعه فادعوا فيهم العصمة، بينما كان ضلالُ اليهودِ في غلوهم في عيسى; قدحًا، وادعوا أنَّه ولد بغي.\rومناسبة الآية للباب: أنَّ من دعا نبيًّا أو وليًّا من دون الله وغلا فيه، فقد شابه النصارى و اليهود.\rولو تتبعت كلَّ مَنْ ضلّ من الفرق لوجدت أنَّه بسبب غلوهم في جانب، فالرافضة غلوا في حبّ آل البيت، والنواصب بضدّ ذلك، والجهمية غلوا في نفي التشبيه لله حتى نفوا عنه كل شيء، وهؤلاء الذين يعظّمون الأولياء ضلّوا حينما غلوا فيهم.\r• ففي الآية: التحذير من الغلوّ في الصالحين والأنبياء، فإنَّه كان سبب ضلال النصارى واليهود (¬١).","footnotes":"(¬١) فائدة: أشار ابن القيم إلى أن الغلو نوعان:\r١. نوع يخرجه عن كونه مطيعًا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشرًا، أو نحو ذلك عمدًا.\r٢. وغلوٌ يخاف منه الانقطاع والاستحسار، كقيام الليل كله، وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد، وكلاهما مذموم. مدارج السالكين (٢/ ٤٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076738,"book_id":1139,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":219,"body":"(٢) حديث ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح، الآية (٢٣)] قال: «هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ».\rوكان الناسُ قبل نوحٍ ﷺ على الإسلام، فقد ورد عن ابن عباس: «كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» (¬١)، وكانت البداية منهم حينما غلوا في هؤلاء، فإنَّهم كانوا صالحين، ثم ماتوا في زمنٍ متقارب، فحزن الناس عليهم، فاستغلَّ الشيطان هذه العاطفة، وأشار عليهم أن ينصبوا في مواضعهم صورهم، ويسموها بأسمائهم؛ تخليدًا لذكرهم، ولينشطوا للعبادة كلما رأوهم، فلما هلك ذلك القرن وسوس الشيطان إلى من بعدهم أن من سبقوكم وضعوا هذه لأجل عبادتهم.\rوهؤلاء الأشخاص الخمسة كانوا قبل نوح؛ لأنَّ نوحًا ﷺ أتاهم ودعاهم إلى ترك عبادة هؤلاء الأصنام، وهذا الموافق لظاهر القرآن، وقاله جمع من","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٧٥)، والحاكم (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٦٥): ثابت، وقال الألباني في الصحيحة (٧/ ٨٥٤): صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076739,"book_id":1139,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":220,"body":"السلف.\rومناسبة الحديث للباب: أنَّه ما أوقع هؤلاء في الشرك إلّا الغلو في الصالحين ومحبتهم، حتى صوروهم، فدخل الشيطان عليهم من هذا المدخل، فالغلو مدخل شيطاني لإيقاع الناس في الشرك، ومنه دخل على كثير من الناس اليوم.\rوتبين من الحديث أهمية نشر العلم، وغرس التوحيد؛ فإنَّ نسيان العلم كان مدخلًا للشيطان في نشر الشرك في قوم نوح.\rثم ذكر المصنف كلام ابن القيم مبيّنًا أنَّ أوّل الخلل وقع بسبب الغلو، فقال: (قال غير واحد من السلف: «لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم»).\rفقد ذكر ابن القيم طريقَ الشيطان في تدرّجه بهم حتى أوصلهم إلى الشرك، سواء هم أو غيرهم من عباد الأصنام أو القبور، فقال: «ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلّا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه، من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبِدَ أربابُها من دون الله، وعُبِدَت قبورهم، واتُخِذت أوثانًا وبُنِيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظل، ثم جعلت أصنامًا وعبدت مع الله تعالى، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح، الآية (٢١ - ٢٤)].\rوبيّن في موضعٍ آخر أنّ تدرجه كان خطوةً خطوةً:\r١ - ألقى إليهم أنَّ البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076740,"book_id":1139,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":221,"body":"وتعظيمهم، وأنَّ الدعاء عندها أرجى في الإجابة، حتى تقرر ذلك عندهم.\r٢ - بعد ذلك نقلهم إلى الإقسام على الله بها والدعاء بها، وهذا أعظم من الذي قبله؛ فإنَّ شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه.\r٣ - ولما تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا يعبد ويعكف عليه ويطاف ويذبح عنده وغير ذلك.\r٤ - ونقلهم إلى معاداة من نهى عن الشرك؛ بحجة أنَّهم حطّوا من منزلة هؤلاء الأولياء، فنفروا الناس عنهم وعادوهم، وهذا في السابق ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ … ﴾ وهو موجود إلى الآن (¬١).\r(٣) حديث عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْد، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ».\rوالإطراء: المبالغة في المدح ومجاوزة الحدّ فيه.\rوسبق بيان غلو النصارى في إطراء عيسى ﵈ حتى ادعوا له الألوهية.\rفنهى النبيّ ﷺ أتباعه عن إطرائه ﷺ كما وقع من النصارى، وأعقب ذلك ببيان منزلته الحقيقة، حين قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ … » ليس لي في الربوبية حقٌّ، بل أنا عبدٌ، والعبد من شأنَّه أنَّه لا يملك ولا يتصرف في أمر سيده، وكل الخلق عبادٌ لله.\rثم طلب منهم ﷺ التوازنَ والتوسط في حقه، بلا إفراط ولا جفاء، فقال: «فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» فيصفوه بالعبودية، ولا يرفعوه فوق ما جعله الله","footnotes":"(¬١) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن القيم (١/ ٢١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076741,"book_id":1139,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":222,"body":"له، ولا يجفون في حقه، بل يجمعوا بين الوصفين: عبد الله، ورسوله.\rومناسبة الحديث للباب: أنَّه ما أوقعَ النصارى فيما وقعوا فيه إلّا الغلو في عيسى ﵈، ولذا حرص النبيّ ﷺ على التحذير مما وقعوا فيه من الغلوّ حتى لا نضلَّ كما ضلّوا.\rوالعجيب أنَّ عُبّاد القبور ناقضوا هذا، واعتقدوا أنَّ من اكتفى بوصف النبيّ ﷺ بأنَّه عبدُ الله، وأنَّه لا نفع بيده ولا ضرّ، فقد جفا في حقّه، وأنقص من قدره، ولذا فهم رفعوه فوق منزلته فَضَلّوا بذلك، كما هو مشهور في تعظيمهم لقبره وحلفهم به وتوسلهم به، بل ودعائهم إيّاه، وكم أفاض شعراء الصوفية في تعظيم النبيّ ﷺ، وذاك باعتقادهم قربة، وهو عين ما نهى عنه ﷺ من الغلو فيه وإطرائه، وأمثل هنا بمثالين:\rالمثال الأول: محمد بن سعيد البوصيري (ت ٦٩٥ هـ) في الاسكندرية، وله قصيدة شهيرة يحفظها كثير من المتصوفة تسمى البردة، يقول في بعض أبياتها:\rفإن لي ذمةً منه بتسميتي … محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم\rإن لم يكن في معادي آخذًا بيدي … فضلًا فقل يا زلة القدم\rيا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به\rوقال:\rفإن من جودك الدنيا وضرتها … سواك عند حلول الحادث العَمِمِ\rومن علومك علم اللوح والقلم\rإلى أن قال:\rما سامني الدهرُ ضيمًا واستجرتُ به … إلا ونلت جوارًا منه لم يُضم (¬١)","footnotes":"(¬١) انظر: الرد على البردة، للعلامة أبا بطين (ص ١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076742,"book_id":1139,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":223,"body":"المثال الثاني: عبد الرحيم البرعي اليماني، له قصيدة، من أبياتها:\rيا سيدي يا رسول الله، يا أملي … يا موئلي، يا ملاذي، يوم تلقاني\rوقوله:\rسيد السادات من مضر … غوث أهل البدو والحضر\rوهذا من أثر الغلو، الذي وقع من هؤلاء في حق النبيّ ﷺ، وليس ذاك- واللهِ- بتعظيمٍ له، وإنما يتحقق تعظيمه بأن يسلك تجاهه ما سلكه أصحابه ﵃.\r(٤) قال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ».\rوالحديث جزء من حديث ابن عباس ﵄ عند النسائي وغيره، ولفظه: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ هَلُمَّ الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصياتٍ هُنَّ حَصى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ».\rوالحديث فيه النهي عن الغلو والتحذير منه، وهو وإن كان قد ورد في سببٍ خاصٍ-وهي حصى الجمار-، إلا أنَّه عامٌ في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، قال ابن تيمية: «ودين الله وسطٌ بين الغالي والجافي» (¬١).\r٥) عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ- قَالَهَا ثَلَاثًا».\rالتنطع: التعمق والتكلف، وهو مذمومٌ سواء في القول بالتقعر في إظهار الفصاحة، أو في الفعل بأن يزيد في العبادة على الحد المشروع، كما قال","footnotes":"(¬١) الفتاوى الكبرى (١/ ١١٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076743,"book_id":1139,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":224,"body":"الصحابي: « … وأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ … » (¬١)، ومن ذلك التنطع في حبّ الصالحين.\rوعلى كل حال: فمناسبة الحديث للباب: أنَّ فيه النهيَّ عن الغلوّ من وجهين:\r١. التحذير منه والنهي عنه في قوله: «إِيَّاكُمْ».\r٢. بيان أنَّه سبب هلاك الأمم السابقة.\r* خلاصة الباب: أنَّ الغلوَّ ومجاوزة الحد هي سبب الوقوع في الشرك؛ ولذا حذّر منه النبيّ ﵇، وأنَّ الدين وسط بين الغالي والجافي.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076745,"book_id":1139,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":226,"body":"لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (¬١).\rفقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنَّه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: «خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فإنَّ الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكلُّ موضع قُصِدَت الصلاةُ فيه فقد اتُخِذَ مسجدًا، بل كل موضع يُصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (¬٢).\rولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ اَلنَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ اَلسَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ» (¬٣) (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٥٣٢).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر.\r(¬٣) أخرجه أحمد (١/ ٤٠٥)، وابن خزيمة (٧٨٩)، وابن حبان (٦٨٤٧)، والطبراني (١٠/ ١٨٨)، والبزار (٣٤٢٠)، وعلق البخاري شطره الأول في الصحيح (٧٠٦٧) بصيغة الجزم، وقال ابن تيمية في الاقتضاء (١٥٨): اسناده جيد.\r(¬٤) فيه مسائل:\rالأولى: ما ذكره الرسول ﷺ فيمن بنى مسجدًا يُعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.\rالثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك.\rالثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك، كيف بيَّن لهم هذا أولًا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لمَّا كان في السياق لم يكتف بما تقدم.\rالرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر. الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.\rالسادسة: لعنُه إياهم على ذلك. السابعة: أن مراده ﷺ تحذيره إيانا عن قبره.\rالثامنة: العلة في عدم إبراز قبره. التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدًا.\rالعاشرة: أنَّه قرَن بين من اتخذها وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.\rالحادية عشرة: ذكره في خطبته قبلَ موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعضُ أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية، وبسبب الرافِضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.\rالثانية عشرة: ما بُلي به ﷺ من شدة النزع. الثالثة عشرة: ما أُكرم به من الخلّة.\rالرابعة عشرة: التصريح أن أبا بكر أفضل الصحابة. الخامسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076746,"book_id":1139,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":227,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في ستّ مسائل:\rالمسألة الأولى: المقصود بالباب والمراد منه: لمّا كان سبب كفر بني آدم هو غلوهم في الصالحين، وكان قد بيّن في الباب السابق ذمَّ الغلو، أراد أن يُنَوِّعَ التحذيرَ من الافتتان بالقبور، وأخرجه في بابٍ آخر ليكون أبلغ في الترهيب، فعقد هذا الباب، ليقرِّرَ أنَّه إذا كانت عبادةُ الله عند قبرٍ فيها تشديدٌ ونهيٌ، لِما في ذلك من الغلو، فما بالُكَ بمن يعبد نفسَ صاحبِ القبر ويدعوه، لا شك أنَّه أعظم.\rالمسألة الثانية: ورد في النصوص ما يدل على أنَّ بِناء الأبنية على القبور، واتخاذ مواضعها للعبادة مُحَرّمٌ، وهو صنيعُ شِرارِ الخلق، وقد جاء الشرع بالنهي عن ذلك سدًّا لذريعة تعظيمها التي توصل إلى الشرك بها وعبادتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076747,"book_id":1139,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":228,"body":"* وقد ساق المصنف مستدلًا لهذا المعنى ثلاثة أحاديث:\r(١) حديث عائشة ﵂ في ذكر الكنيسة التي رأتها أم سلمة بأرض الحبشة، ووصفتها بأنَّها كان فيها تصاوير لأناس، ويظهر أنَّ هذا التصاوير هي صورُ أقوامٍ صالحين، كما أفاد ذلك كلام النبيّ ﷺ بعد ذلك، فجاء تعليقه ﷺ بأنَّ الذين صنعوا هذا هم شرارُ الخلق عند الله، ووصْفُهُمْ بهذا الوصف يقتضي تحريمَ فعلهم، بل سيأتي في الحديث الآخر: «لَعْنَةُ اَللَّهُ عَلَى اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى … » وهذا سدٌّ لذريعة الشرك.\rثم ذكر المصنف كلامًا لابن تيمية معلقًا على الحديث، وهو قوله: «فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل»، ومضمون كلام الشيخ، أنَّ هؤلاء الذين بنوا على الكنيسة جمعوا بين فتنتين:\rأ- فتنة القبور: بتعظيمهم لها وبناءِ المساجد عليها، وهي مبدأ الفتنة كما تقدم.\rب- فتنة التماثيل: أي الصور، وهي سبب وقوع قوم نوح في الشرك كما تقدم.\rوإنما سمى ذلك فتنة: لأنَّها سببٌ لصدِّ الناس عن دينهم، وكل ما كان كذلك فهو من الفتنة، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين.\r• ومن هنا تعلم: العلّةَ من النهي عن اتخاذ المساجد والأبنية على القبور، وهو سدُّ ذريعة الشرك بعبادتها، فحسم الأمر، بل حرَّم الصلاة في المقبرة.\rفإن قيل: إنَّ النهيَ الواردَ هو عن بناء المساجد على القبور، أي: فوقها، لكن لو بني المسجد بجوار قبر ولي، فلا حرج؛ لأنَّ النهي لا يشمله، إذ هو مقيد ب «على»","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076748,"book_id":1139,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":229,"body":"حيث قال في الحديث: «بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» فيجوز بجنبها، فكيف الجواب؟\r* الجواب من وجهين:\rأ. أنَّ هذا كلام من لا يعرف العربية، فإن (على) تأتي على معانٍ، منها (عند) ويدل لها نصوص، كقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج، الآية (٦)]. أي: عندها، ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة، الآية (٨٤)]. وليس مراده لا تقم فوقه، وكذا: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة، الآية (٢٥٩)]. إلى غيره من النصوص.\rب. جاءت ألفاظ أخرى فيها التحذير من اتخاذ الأبنية على القبور، كاللعن في الحديث القادم، وهذه تعضد حديث الباب.\r(٢) حديث عائشة قالت: «لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اِغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اَللَّهُ عَلَى اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ … ».\rفلما لعنهم النبيّ ﷺ علّل اللعن بقوله: «اتَّخَذُوا قُبُورَ … » أي: بنوا عليها أماكن يتعبدون عندها لله، وإن لم تُسَمَّ مساجد.\r• وعلى هذا: فمن بنى على قبور الصالحين بناءً، وميّزه به عن غيره، فهو داخلٌ في هذا الأمر.\rومِثلُه من بنى مسجدًا على القبر، قال ابن تيمية: «فهذه المساجدُ المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوكِ وغيرهم، يتعيّنُ إزالتها بهدمٍ أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين» (¬١).","footnotes":"(¬١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076749,"book_id":1139,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":230,"body":"والتغليظُ يؤخذ من الحديث من أوجه:\r١. لعنُ النبيّ ﷺ من فعل هذا.\r٢. أنَّه قال: «قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ … » فإذا كان اللعنُ في حقّ مَنْ وضع البناء على قبر النبيّ ﷺ فلعن غيره -ممن وضع ذلك على قبور من دونهم- أولى.\r٣. أنَّ هذا الكلام منه ﷺ كان في شدة النزع وعند الموت، مع ما سبق من النهي عن ذلك تأكيدًا للأمر، والمرء عند الموت سيؤكد على أهم الأشياء عنده.\r(٣) حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ اَلنَّاسِ: مَنْ تُدْرِكُهُمْ اَلسَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ».\rوقد بيّن النبيّ ﷺ أنّ الناس يتفاوتون في الشرّ، وأن من شِرار الناس صنفين:\rأ- من تقوم عليهم الساعة، ولا يعارض هذا حديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي … إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (¬١)؛ لأن المراد به، أن الطائفة المنصورة تبقى إلى قرب قيام الساعة، ثم بعد ذلك يقبضهم الله، ويبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.\rب- الذين يتخذون القبور مساجد.\rالمسألة الثالثة: النبيّ ﷺ لم يدفن في المقبرة، بل دفن في حجرته، يدل لذلك قولها ﵂: «وَلَوْلَا ذَلِك؛ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٩٢٣) من حديث جابر، وأخرجه البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١) من حديث المغيرة نحوه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076750,"book_id":1139,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":231,"body":"مَسْجِدًا».\rوفي هذه الجملة بيانُ سببِ دفنِ النبيِّ ﷺ في حجرته، وعدم إبرازه للناس، وأنَّ ذلك لأمرين:\rأ) أنَّه أصْوَنُ له من دفنه مع الناس، حيث لو وقع ذلك لغلا البعضُ في قبره.\rب) لإخباره ﷺ أنَّه ما قُبِضَ نبيٌ إلّا دُفِن حيث قُبِض.\rوإذا كان النهيُ للمسجد الذي يصلى فيه لله، وعند قبر النبيّ ﷺ، فما بالك بمن يقيم حول القبور والأضرحة مساجد وقُببًا يصلي فيها، ويطوف عليها، ويدعو الميت مباشرة أن يشفع له أو يفرج عنه، والله المستعان.\rفإن قيل: كيف يجاب عن وضع قبر النبيّ ﷺ في المسجد، وهذا كان منذ القدم ولم ينكره العلماء؟ أوليس هذا السكوتُ دليلًا على جواز جعل القبور في المساجد؟\r* الجواب من أوجه:\r١ - أنَّ القبر جُعِلَ في بيته ﷺ، ولعل ذلك لئلا يكون بارزًا للعوام، فيفتن به الجهال.\r٢ - أنَّ المسجد كان موضوعًا قبل القبر، فلم يُبن المسجد على القبر.\r٣ - أنَّ القبر لم يكن في المسجد، بل إنَّ الصحابة لما احتاجوا إلى توسعة المسجد في عهد عمر ﵁ تحاشوا إدخال حجرات النبيّ ﷺ، وأخذوا بيت العباس وهو بجوارها، وكذا عثمان ﵁ لم يدخل الحجرات في المسجد حين وسعه.\r٤ - أنَّ إدخال حجرات أمهات المؤمنين في المسجد وقع في خلافة الوليد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076751,"book_id":1139,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":232,"body":"بن عبد الملك، وقيل: إنَّ ذلك بعد التسعين، ولم يكن بقي من الصحابة بالمدينة أحد، وآخر من مات بالمدينة جابر بن عبد الله في خلافة عبد الملك.\r٥ - أنَّه قد أنكر على الوليد بعضُ كبار التابعين، ومن أشهرهم: سعيد بن المسيب أفضل التابعين، وقد أخطأ الوليد في ذلك، وفعل ذلك من غير مشاورة للعلماء.\r٦ - أنَّ وضعَ القبرِ الآنَ في حجرة مستقلة منعزلة عن المسجد، ومع ذلك بُنِيَ على طريقةٍ لا يقدر فيها أحدٌ أن يستقبله، إذ بُنِيَ على ثلاثةِ جُدران، وفي هذا قال ابن القيم: ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمّه وثنًا من الأوثان\rفأجاب ربُّ العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران (¬١).\rالمسألة الرابعة: ورد في الباب ما يدل على النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهو حديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اَلله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ اِتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».\rوقوله: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اَلله»: أي أمتنع من هذا وأُنْكِرُه، وأتخلى عن أن يكون لي منكم خليل.\rوالخليل: الذي يبلغ في الحبّ غايته؛ لأنَّ حُبَّهُ قد تخلّل الجسم كلّه، وهي أعلى درجات المحبة، كما عددها ابن القيم وغيره (¬٢).","footnotes":"(¬١) القصيدة النونية، وشرحها لخليل هراس (٢/ ٢١٥).\r(¬٢) انظر: روضة المحبين (ص: ٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076752,"book_id":1139,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":233,"body":"قال ابن القيم: «وأما ما يظنه بعض الغالطين من أنَّ المحبة أرفعُ وأكملُ من الخلة، وأن إبراهيمَ خليلُ الله، ومحمد حبيب الله، فمن جهلهم؛ فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة» (¬١).\r* ويدل لذلك: أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّه لم يتخذ خليلًا، ومع ذلك أخبر بحبه عائشة ولأبيها ولعمر، والله يحب التوابين، أما الخلّة فهي خاصةٌ بالخليلين.\r• وعلى هذا: فمحمد خليل الله، وحبيب الله، وكليم الله.\rوالحكمة من عدم اتخاذ النبيّ خليلًا له من الخلق: «لأن قلبه ﷺ قد امتلأ بما تخلله من محبة الله تعالى وتعظيمه، فلا يسع لِمُخالَّةِ غيرِه» (¬٢).\rوالشاهد فيه قوله: «أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».\rوفي هذا الحديث المنع من اتخاذ القبور مساجد، من ثلاثة أوجه:\rأ- ذمُّ ما فعله أهل الكتاب.\rب- قوله: «لَا تَتَّخِذُوا».\rج- «فإني أنهاكم عن ذلك» وهو توكيد.\rوهذا النهى عن اتخاذ القبور مساجد يشمل:\rأ. اتخاذها مصليات يصلى عندها، وإن لم يبن مسجدًا.\rب. أن يبني عليها مسجدًا كما فعل اليهود والنصارى، وكما وقع من","footnotes":"(¬١) الداء والدواء (ص: ٤٤٦).\r(¬٢) المفهم، للقرطبي (٥/ ٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076753,"book_id":1139,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":234,"body":"البعض الآن (¬١).\rالمسألة الخامسة: أهل العلم يقررون أنَّ النهي عن اتخاذ القبور مساجدَ أوسعُ مِنْ البناء عليها، بل جعل هذه البقعة موضعًا للعبادة يدخل في اتخاذها مسجدًا، يُفهَمُ هذا من كلام ابن تيمية الذي ذكره المصنف، ونصّه: «فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم أنَّه لعن -وهو في السياق- مِنْ فعله، والصلاةُ عندها من ذلك وإن لم يبن مسجدًا» (¬٢)، وهو معنى قولها: «خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فإنَّ الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبرِه مسجدًا، وكل موضعٍ قُصِدت الصلاةُ فيه فقد اتُخِذَ مسجدًا، بل كل موضعٍ يُصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».\rومضمون كلام شيخ الإسلام: أن كل موضعٍ قَصدت أن تصلي فيه وتسجد فيصح أن يسمى مسجدًا، بل كل موضع صلّيت فيه فهو في حقيقة الأمر مسجدٌ، قال العثيمين: «وهذا يشهد له العرف، فإنّ الناس الذين لهم مساجد في أعمالهم كالوزارات والإدارات، لو سألت أحدهم أين المسجد؟ لأشار إلى المكان الذي اتخذه مصلى مع أنَّه لم يبنَ فيه» (¬٣).\rثم ساق ابن تيمية حديث: «جُعِلَتْ لِيَ اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا … » ليستدل به على أنَّ المكان الذي يصلى فيه يسمّى مسجدًا، سواء قصد أو لم يقصد، بني عليه أو لا.","footnotes":"(¬١) ذكر ابن القيم ﵀ أكثر من عشر مفاسد تترتب على البناء على القبور، بكلام نفيس، فليراجع. إغاثة اللهفان (١/ ١٩٧).\r(¬٢) انظر: الاقتضاء (٢/ ١٨٩)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٣).\r(¬٣) القول المفيد (١/ ٤٠٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076754,"book_id":1139,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":235,"body":"المسألة السادسة: في حديث عائشة أنَّ أم سلمة ذكرت كنيسةً رأتها بأرض الحبشة، وقد اختلف العلماء في حكم دخول الكنائس.\r* والخلاصة في دخول الكنيسة أن يقال:\r١. أما دخولها للعبادة: فإن كان لعبادة الله فيجوز، وقد صلى الصحابة في كنيسة، قال البخاري: «كان ابن عباس يصلي في بيعة إلا بيعة فيها تماثيل» (¬١) إلّا أنَّه يجب أن تخلو من المحاذير وهي الصور والقبور.\r٢. وأما دخولها للدعوة: فهو جائز، بل مشروع.\r٣. وأما دخولها لغير ما سبق: ففيه خلافٌ على أقوال ثلاثة:\rالقول الأول: التحريم، وهو قول الحنفية والشافعية، إلّا أنَّ الشافعية قيدوا التحريم بما إذا وجد فيها صور.\rالقول الثاني: الكراهة: وهو قولٌ في مذهب الحنابلة، وذكر ابن تيمية أنَّ الكراهة إذا كان فيها صورٌ؛ لِما رود عن عمر ﵁، أنَّه لما قدم الشام صنع له رجل من عظماء النصارى طعامًا، فقال: «إنا لا ندخل كنائسكم، من الصور التي فيها» (¬٢).\rالقول الثالث: الجواز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة: واختاره ابن حزم.\rوقالوا: تقع حرمة الصور على من صورها، وقد نقل ابن قدامة: «أن عمر","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري (١/ ٩٤).\r(¬٢) علقه البخاري في الصحيح (١/ ٩٤) بصيغة الجزم، ووصله معمر بن راشد في جامعه (ص: ٣٩٨)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٤٨)، والبيهقي في الكبرى (١٤٥٦٤)، وفي الصغرى (٢٥٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076755,"book_id":1139,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":236,"body":"حين دعاه الرجل من النصارى للطعام في الكنيسة أبى أن يذهب، وقال لعلي ﵁ امضِ بالناس فليتغدوا، فذهب علي ﵁ بالناس، فدخل الكنسية وتغدوا هو والناس، وجعل ينظر إلى الصور، وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل فأكل» (¬١).\rوالذي يظهر أن الأولى للإنسان أن لا يدخلها لما فيها من الصور التي تمنع من دخول الملائكة، ولقول عمر ﵁: «لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم، فإن السخطة تنزل عليهم» (¬٢)، ولو قيل بالكراهة من غير حاجة فله وجه، والله أعلم.\r* خلاصة الباب: تتبين بكلام الشيخ السعدي ﵀ حيث قال: ما ذكر المصنف في البابين يتضح بذكر تفصيل القول، فيما يفعل عند قبور الصالحين وغيرهم، وذلك أنَّه نوعان:\r١ - مشروع. ٢ - ممنوع.\rفالمشروع: ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي.\rوالممنوع نوعان:\rأ- محرمٌ ووسيلة للشرك: كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها والغلو فيها، وفى أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة.\rب- شركٌ أكبر: كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم، وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، وهو شرك أكبر وعين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم (¬٣).","footnotes":"(¬١) المغني (٧/ ٢٨٣).\r(¬٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٠٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٢٨١).\r(¬٣) القول السديد (ص: ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076757,"book_id":1139,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":238,"body":"عَلَيْهَا اَلْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: أراد المصنف بالباب أمورًا:\r١ - التحذير من الغلو في قبور الصالحين، وهي داخلةٌ فيما سبق، لكنها خُصَّتْ لأهميتها، وعِظَمِ خطرها وكثرةِ الضلال فيها.\r٢ - بيان أنَّ الغلو فيها يؤول بالناس إلى عبادتها.\r٣ - بيان أنَّها إذا عُبِدت سُمِّيت أوثانًا، ولو كانت قبور الصالحين؛ لأن الوثن كلُ ما عُبِدَ من دون الله من قبرٍ أو حجر أو شجر.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب ما يدل على أنَّ اتخاذ القبر مسجدًا يجعله وثنًا يُعبد، وفي الباب قوله ﷺ: «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اَللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اِتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣)، وابن ماجه (١٥٧٥)، وابن حبان (٣١٧٩ - ٣١٨٠)، والحاكم (١٣٨٤)، وحسنه الترمذي.\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير الأوثان. الثانية: تفسير العبادة. الثالثة: أنَّه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعَه.\rالرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.\rالسادسة -وهي من أهمها-: معرفة صفة عبادة اللات التي هي أكبر الأوثان.\rالسابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح. الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذِكر معنى التّسمية.\rالتاسعة: لعنه زَوَّارَات القبور. العاشرة: لعنه من أسرجها.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076758,"book_id":1139,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":239,"body":"فدل على أنَّ قبر الرسول لو عُبِد لكان وثنًا كما قال: «وَثَنًا يُعْبَدُ» وإذا كان هذا في قبر النبيّ ﷺ، فما ظنك بغيره من القبور التي يدعوها ويعبدها الناس، لا شك أنَّها صارت بذلك أوثانًا.\rالمسألة الثالثة: ورد في الباب ما يدل على أنَّ سبب عبادة أهل القبور لهؤلاء هو غلوهم فيهم، حتى أوصلهم ذلك لأن يعبدوهم من دون الله.\rوقد ذكر في الباب كلام مجاهدٍ ﵀ على قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم، الآية (١٩)]. قال: «كان يَلُتُّ لهم السويقَ فمات، فعكفوا على قبره».\rفسببُ عبادةِ اللاتِ هو الغلوُ في قبره حتى صار وثنًا يُعبد، وحتى صار ذلك هو السبب في وقوع الشرك في قوم نوح، واليوم ترى من الأمة من يغلو في الأموات ويبني عليهم القباب والمشاهد ونحوها.\rالمسألة الرابعة: أنَّه ﷺ نهى عن كل ما يكون سببًا لتعظيم القبور، ومن ذلك جعلُ السُرُجِ عندها، وكذا تجصيصُها والبناءُ عليها؛ لِما يوقع ذلك من تعظيمها في نفوس بعض العامة.\rوقد ساق في الباب حديث ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ اَلْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا اَلْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ».\rقال ابن قدامة: «لو أُبيح اتخاذُ السُرُجِ عليها لم يُلعَنْ مَنْ فَعله؛ لأن فيه تضييعًا للمال على غيره، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام» (¬١).\rوقال ابن تيمية: «بناء المسجد، وإسراج المصابيح على القبور، مما لم أعلم","footnotes":"(¬١) المغني (٢/ ٣٧٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076759,"book_id":1139,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":240,"body":"فيه خلافًا أنَّه معصية لله ورسوله «(¬١)، وقال: «إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقًا، لا يجوز بلا خلاف أعلمه، للنهي الوارد» (¬٢).\rومن تأمّل سنّة المصطفى ﷺ وجد أنّه ضبط أمرَ القبورِ بسياجٍ منيعٍ؛ كي لا يقعَ الناسُ في الغلوّ فيها، ومع هذا فقد خالف كثيرٌ من الناس ما أُمِرَ به في هذا الباب، قال ابن القيم: «ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له، بحيث لا يجتمعان أبدًا.\rفنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.\rونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاةً لبيوت الله تعالى.\rونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.\rونهى أن تتخذ أعيادًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.\rوأمر بتسويتها، وهؤلاء يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب\rونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يتّخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره» (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٣١/ ٤٥).\r(¬٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٨٩).\r(¬٣) إغاثة اللهفان، لابن القيم، بتصرف (١/ ١٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076760,"book_id":1139,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":241,"body":"المسألة الخامسة: دعى النبيّ ﷺ وقال: «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»، وقد استجاب الله دعاء نبيه في هذا.\rقال ابن تيمية: «وقد استجاب الله دعوته، فلم يُتَّخَذَ ولله الحمد وثنًا، كما اتُخِذَ قبرُ غيره، بل ولا يتمكن أحدٌ من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة، وقبل ذلك ما كانوا يمكِّنون أحدًا من أن يدخل إليه ليدعو عنده، ولا يصلي عنده، ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره، لكن من الجهَّال من يصلي إلى حجرته أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه، وهذا إنما يُفعَلُ خارجًا عند حجرته لا عند قبره، وإلا فهو- ولله الحمد- استجاب الله دعوته، فلم يمكن أحدٌ قطُ أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به، كما فُعِلَ بغيره، اتخذ قبره وثنًا، فإنَّه في حياة عائشة ﵂ ما كان أحدٌ يدخل إلّا لأجلها، ولم تكن تمكّن أحدًا أن يفعل عند قبره شيئًا مما نهى عنه، وبعدها كانت مغلقة، إلى أن أدخلت في المسجد، فسدّ بابها وبني عليها حائط آخر، كل ذلك صيانةً له ﷺ أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا» (¬١).\r* خلاصة الباب: أنَّ الغلوَ ومجاوزةَ الحدِّ تجاه القبور والأولياء قد يوصل الإنسان إلى أن يتخذها معبودةً من دون الله، والمشروع تجاه القبور هو أمور:\r١. زيارتها للاتعاظ والاعتبار، كما فعل النبيّ ﷺ.\r٢. الدعاء للمسلم منهم، كما فعل النبيّ ﷺ مع أهل أحد، وغيرهم.\r٣. عدم وضع أي شيء من شأنه تعظيم المقبور، كأنوار وسرج وبنيان وستور وقباب، ونحو ذلك.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076762,"book_id":1139,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":243,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بهذه الترجمة: ما سبق من الأبواب كلها في حماية النبيّ ﷺ للتوحيد، لكنه في هذا الباب أراد أن يبيّن حمايته الخاصة للتوحيد، وما كان عليه ﷺ من التحذير من الشرك وحماية التوحيد، فذكر في الباب نصوصًا تبين هذا الهدي من النبيّ ﷺ، وأنَّه حريص على أن يحمي الأمة من كل أمرٍ قد يَدخلُ عليهم الشرك من قِبَله، وذلك ناشئ من تعظيمه لربه أن يُشْرَكَ به، ومِن رحمته بالأمة أن لا تزلّ بهم القدم في مهاوي الشرك.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة، الآية (١٢٨)].\rوالمعنى: أنَّ الله يقول ممتنًّا على الأمة: إني أرسلتُ إليكم رسولًا عربيًا من جنسكم، يخاطبكم بلسانكم، وأيضًا هو من خالص العرب، فلم يُصِبهُ مِنْ ولادة الجاهلية شيء، يشقّ عليه ما يشقّ عليكم، ولهذا بُعِث بالحنيفية السمحة، وكانت شريعته أسمح الشرائع في العمل، وكان يترك أمورًا لئلا يشق على أمته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076763,"book_id":1139,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":244,"body":"• والشاهد: أن الله بين في الآية بعض أوصاف النبيّ ﷺ، ومحاسنه التي تقتضي أنَّه ينصحُ لأمته، ويسدُّ الطُرُقَ الموصلة إلى الشركِ لئلا تقع الأمة في ذلك.\rالمسألة الثالثة: مِنْ حرصه ﷺ على إغلاق بابِ الشرك نهيُه أن يُتَّخَذَ قبرُه عيدًا، وقد ورد في الباب حديثان يدلان على هذا:\r١) حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ».\rوقوله: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»: ذكر ابن تيمية أنَّ في هذه الجملة فائدتين:\rأ. النهي عن تعطيل الصلاة في البيوت؛ لئلا تشبه القبور، فأمر بتحري العبادة فيها.\rب. النهي عن الصلاة عند القبور، وبيان أنَّ القبور لا يتعبد فيها وعندها، فإذا كان النبيّ ﷺ شبّه البيت الذي لا يصلى فيه بالقبر، ففيه أن القبر لا يتعبد عنده.\rوقوله: «وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»: العيد: اسم لما يعود ويعتاد فعله، قال ابن القيم: «العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان … » (¬١) ا. هـ.\rففيه: أنَّ النبيّ ﷺ نهى عن زيارة قبره على وجه مخصوص، واجتماع كالعيد الذي يكون على وجه مخصوص، فيكون قبره مكانًا يجتمع فيه للعبادة.\rقال العثيمين: «أي: لا تترددوا على قبري، ولا تعتادوا ذلك، سواء قيدوه","footnotes":"(¬١) إغاثة اللهفان (١/ ١٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076764,"book_id":1139,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":245,"body":"بالسنة أو الشهر أو الأسبوع، فإنَّه نهى عن ذلك، إنما يزار لسبب، كما لو قدم من سفر أو زاره ليتذكر الآخرة» (¬١).\rفأما زيارة قبره ﷺ بدون شدِّ رحل، وبدون غلوٍ فيه وعبادةٍ عنده فتجوز.\r• والشاهد: أنَّ في الحديث حماية النبيّ ﷺ لجناب التوحيد فيما يتعلق بقبره وغيره من جوانب:\r١. بيان أنَّ القبر موضع لا يتعبد لله عنده. ٢. نهيه أن يجعل قبره عيدًا.\r٣. بيان أنَّه ليس للصلاة عليه عند قبره خاصّية، بل إذا قصد القبر للصلاة عليه فهذا منهي عنه، إنما يقصد للسلام عليه بدون شدِّ رحلٍ، ويصلي عليه إذا قدم للمدينة بلا سفر؛ لأجل ذلك إذا صليت عليه في أي موضع بلغه.\r٢) ما أورده عن علي بن الحسين: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةً كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا».\rوهذا الرجل كان يكرر المجيء إلى هذا الموضع، وذلك إما لاعتقاده أنَّ له فضلًا ومزية، أو بدون هذا الاعتقاد، ولكنه تردد على قبر النبيّ ﷺ ليصلي عليه ويدعو عنده ربه، لكن هذا من وسائل الشرك، ويفتح بابًا إلى الشرك، فنهاه علي بن الحسين، وبيّن له أنّ صلاته على النبيّ ﷺ تبلغه أينما كان.\rوفيه أيضًا: الإنكار على من يأتي ويدعو عند قبر النبيّ ﷺ (¬٢).","footnotes":"(¬١) القول المفيد (١/ ٤٤٧).\r(¬٢) ذكر الشيخ صالح الفوزان جملةً من الوسائل القولية والفعلية، التي نهى عنها رسول الله ﷺ، لأنها تفضي إلى الشرك:\r١ - نهى رسول الله ﷺ عن التلفظ بالألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين خلقه؛ مثل: \"ما شاء الله وشئت\"، \"لولا الله وأنت\"، وأمر بأن يقال بدل ذلك: (ما شاء الله ثم شئت)؛ لأن الواو تقتضي التسوية و\"ثم\" تقتضي الترتيب، وهذه التسوية في اللفظ شرك أصغر، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر. ٢ - نهى ﷺ عن الغلو في تعظيم القبور بالبناء عليها وإسراجها وتحصيصها والكتابة عليها.\r٣ - نهى عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة عندها؛ لأن ذلك وسيلة لعبادتها.\r٤ - نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لما في ذلك في التشبه بالذين يسجدون لها في هذه الأوقات.\r٥ - نهى عن السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه بالعبادة؛ إلا إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.\r٦ - نهى ﷺ عن الغلو في مدحه؛ فقال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله\"، والإطراء هو المبالغة في المدح.\r٧ - نهى ﷺ عن الوفاء بالنذر إذا كان في مكان يعبد فيه صنم أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية.\rكل هذا حذر منه؛ صيانة للتوحيد، وحفاظًا عليه، وسدًا للوسائل والذرائع التي تفضي إليه. الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للفوزان (٤٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076766,"book_id":1139,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":247,"body":"مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة، الآية (٦٠)].\rوقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف، الآية (٢١)].\rعن أبي سعيد ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ اَلْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! اَلْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟» (¬١).\rولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِيَ اَلْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ، وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُّوا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُّوا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (¬٢).\rورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي اَلْأَئِمَّةَ اَلْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمْ اَلسَّيْفُ، لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي اَلْأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ اَلنَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى اَلْحَقِّ مَنْصُورَةٌ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢٨٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076767,"book_id":1139,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":248,"body":"حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اَللَّهِ ﵎» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه بهذه الزيادة: أحمد في المسند (٥/ ٢٨٤)، وأبو داود في السنن (٤٢٥٢)، والترمذي مقطعًا في (٢١٧٦ - ٢٢٠٢ - ٢٢١٩ - ٢٢٢٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وابن حبان (٧٢٣٨)، والحاكم (٨٣٩٠)، وإسناده حسن.\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية النساء. الثانية: تفسير آية المائدة. الثالثة: تفسير آية الكهف.\rالرابعة: وهي أهمها، ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت، هل هو اعتقاد قلب؟ أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟\rالخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلًا من المؤمنين.\rالسادسة -وهي المقصود بالترجمة-: أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعيد.\rالسابعة: التصريح بوقوعها، أعني: عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.\rالثامنة: العجب العجاب خروج من يدعي النبوة مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق وفيه أن محمدًا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق بهذا كله مع التضاد الواضح.\rالتاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالقوة كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.\rالعاشرة: الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.\rالحادية عشرة: أنّ ذلك الشرط إلى قيام الساعة.\rالثانية عشرة: ما فيهن من الآيات العظيمة، منها إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبره، بخلاف الجنوب والشمال.\rوإخباره بأنه أعطي الكنزين، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة، وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة، وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها من أبعد ما يكون في العقول.\rالثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين. الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076768,"book_id":1139,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":249,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد: أراد المؤلف بهذا الباب أن يذكر ما ورد في النصوص أنَّ الشرك سيقع في الأمة، وسيعود بعضهم إلى عبادة الأوثان.\rوهذا الأمر فيه ردٌّ على من زعم -من خصوم الشيخ وغيرهم- أنَّ الشرك لا يقع في هذه الأمة، وأنَّ ما يكون من عبّاد القبور ليس من الشرك؛ لأنَّ الأمة معصومةٌ منه بحديث: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (¬١).\rالمسألة الثانية: استدل المصنّف لهذا المعنى بآياتٍ وأحاديث:\r(١) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)].\r* وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الِجبْتُ: عامٌ لكل صنمٍ أو سحرٍ أو كهانة ونحوها.\rوالطاغوت: ما تجاوز به العبدُ حدّه مِنْ معبودٍ كالأصنام، أو متبوعٍ كعلماء الضلال، أو مُطاعٍ كالأمراء إذا كانت طاعتُهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام.\rومناسبة الآية للباب: أنَّ اليهودَ والنصارى مع أنَّهم أوتوا نصيبًا من الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، وهذه الأمةُ التي قال النبيّ ﷺ عنهم «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٨١٢) من حديث جابر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076769,"book_id":1139,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":250,"body":"مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» سيكونُ فيهم من يَكفُر، ويتبعُ سَنن من قبلهم، ويؤمنُ بالجبت والطاغوت.\r(٢) قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة، الآية (٦٠)].\r* وقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود -الذين ذمّوا دينكم، وقالوا: لم نَرَ أهل دين شرًّا منكم- هل أنبئكم بِشَرٍّ جزاءً وثوابًا عند الله مما تظنونه بنا؟ هم أنتم الموصفون بهذه الصفات المذمومة في الآية.\rومناسبة الآية للباب: أنَّه إذا كان في أهل الكتاب من عبد الطاغوت، فلابد أن يكون في هذه الأمة من يتشبه بهم ويعبد الطاغوت؛ لأنَّه ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ … ».\r(٣) قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف، الآية (٢١)].\rأي: قال الذين اطلعوا على أمر أصحاب الكهف، وغلبوا على أمر القوم من السلاطين وأصحاب النفوذ: سنتخذ في موضع أصحاب الكهف مسجدًا نعبد الله فيه.\rومناسبة الآية للباب: كما في سابقتها، أنَّ الله بيّن أن من سبقنا بنوا على القبور مساجد، وهذه الأمّة ستفعل ما فعلوا، وقد وقع، فقد بُنِي على القبورِ مساجد ووقع الشرك في الأمة.\rوأما الأحاديث فأولها: حديث أبي سعيد ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ اَلْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالُوا يَا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076770,"book_id":1139,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":251,"body":"رَسُولَ اَللَّهِ! اَلْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟».\rوهذا إخبارٌ من النبيّ ﷺ وهذه معجزةٌ من معجزاته، أنَّ الناس سيتبعون سَنن وطريقَ اليهود والنصارى، حتى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لدخلوه معهم.\rوإنما شبّه بجحر الضب؛ لصعوبته وضيقه وتعرجه، ومع ذلك تحصل المتابعة لهم، وهذا لا يكون لجميع الأمّة، بل لأناس منها، لما تواتر أنَّ الأمة لا تجتمع على ضلالة.\rومناسبة الحديث للباب: كما في الآيات قبله، فقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ في هذه الأمة مَنْ سيتابع الأمم السابقة في كل شيء، وقد وقع الشرك في الأمم السابقة، وعلى هذا سيوجد هذا في هذه الأمّة.\rوثاني الأحاديث: حديث ثوبان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِيَ اَلْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ، وَالْأَبْيَضَ».\r* وقوله: «إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِيَ اَلْأَرْضَ»: يحتمل أمرين:\rأ- أنَّ الله قوّى له بصره حتى أبصر مشارق الأرض ومغاربها.\rب- أنّ الأرض جمعت له وطويت حتى رأى البعيدَ، وهذا أقربُ لظاهرِ اللفظ، وهو من معجزات النبيّ ﷺ.\rقال القرطبي: «هذا الخبر وجد مخبره كما قال ﷺ، وكان ذلك من دلائل نبوته ﷺ، وذلك أنَّ ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة، الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد السند والهند والصُغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076771,"book_id":1139,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":252,"body":"ولذلك لم يذكر أنَّه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه» (¬١).\r* وقوله: «وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ، وَالْأَبْيَضَ» قال القرطبي: «يعني به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصرَ وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما، وقد قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (¬٢) وعبّر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم الذهبُ، وبالأبيض عن كسرى؛ لأن الغالب عندهم الجوهر والفضة (¬٣).\r* وقوله: «وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ» أي: الجدب الذي يكون به الهلاكُ العام، ويسمى الجدبُ والقحطُ سَنة، ويُجمع على سنين، ومنه قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، أي: الجدب المتوالي.\r* وقوله: «وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُّوا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ». دعا ربّه أن لا يسلّط على المسلمين عدوًا من غيرهم من الكفار، فيستأصل جماعتهم ومعظمهم وإمامهم ما داموا بهذه الأوصاف، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض حتى يقع منهم ما ذكر -أن يهلك بعضهم بعضًا-، فقد يُسلَّطون عليهم حينها.\r* وقوله: «وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ» أي: إذا حكمتُ حكما مُبرمًا نافذًا أو معلقًا؛ فإنَّه لا يُرَدُّ بشيء، ولا يَقدِرُ أحدٌ على ردِّه، كما قال ﷺ: «وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) المفهم (٢٢/ ٦٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣١٢٠)، ومسلم (٢٩١٨) من حديث أبي هريرة.\r(¬٣) المفهم (٢٢/ ٦٦).\r(¬٤) جزء من حديث أخرجه معمر في جامعه (ص: ٤٤٠)، وعبد بن حميد في المنتخب (٣٩١)، والطبراني في الدعاء (٦٨٦) من حديث المغيرة بن شعبة، والحديث أصله في البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٤٧١) بدون هذه اللفظة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076772,"book_id":1139,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":253,"body":"* وقوله: «وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُّوا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»، أي: إذا وقع ذلك من المسلمين، فإنَّه قد يسلط الله عليهم عدوهم من الكفار، فيستبيح معظمهم لا كل الأمة، ثم تكون العاقبة للأمة إن رجعوا عما هم فيه من الأسباب الموجبة للتسلط، وقد وقعت هذه العلامة مرات، منها أيام التتار.\r* وقوله: وزاد: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي اَلْأَئِمَّةَ اَلْمُضِلِّينَ» وهذا الأمر الذي خافه النبيّ ﷺ على الأمّة، وهو وجودُ الأئمة المضلين من علماء متبعين لأهوائهم، أو جهّال ينتصبون للناس على أنَّهم علماء، قد وُجِد، إذ وُجِد من العلماء من يفتي بضلالٍ، ويجيز للناس الذهاب إلى القبور، وغير ذلك، فأوهموا العامة وفتنوهم.\r* وقوله: «وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمْ اَلسَّيْفُ، لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ» لما وقع السيف بقتل عثمان ﵁ لم يُرفَع، وكذلك يكونُ إلى يوم القيامة، ولكن يكثُر تارةً ويقلُّ أخرى، ويكون في جهةٍ دون أخرى.\r* قوله: «وَلَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ» يحتمل أن يلحقوا بهم ببلادهم، أو يبقوا ببلاد المسلمين ويوافقوا الكفار في أفعالهم وعقائدهم.\r* قوله: «وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي اَلْأَوْثَانَ» فيه الإخبار أنَّ الشرك سيقع في الأمّة، وقد وقع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076773,"book_id":1139,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":254,"body":"* قوله: «وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ، ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ» والمراد: ممن تقوم لهم شوكة، وتبدو لأتباعهم شبهة، كما وقع لمسيلمة الكذاب في عهد النبيّ ﷺ، وأما مطلقًا فلا يُحصون.\r* قوله: «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى اَلْحَقِّ مَنْصُورَةٌ» أي قائمةً بالعلم والجهاد والذبّ عن الدين، والمرادُ: العاملون بكتاب الله وسنّة نبيّهم ﷺ، ولا يلزم منه أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، ولا في قُطرٍ واحد، بل يجوز اجتماعهم في بلد وقُطرٍ وجهةٍ، وافتراقُهم في بلدان وأقطار وجهات من الأرض.\r* خلاصة الباب: أنّ النصوص دلت على أنَّه سيقع أقوام من هذا الأمة في الشرك، وهذا يفيدنا أمرين:\rالأول: الحذر من الشرك ومن الوقوع فيه.\rالثاني: أنَّ وقوع الشرك في هذه الأمة وارد، خلافًا لمن قال بأنَّ الشرك انتهى ببعثة النبيّ ﵈، وأنَّ الأمة معصومة منه.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076775,"book_id":1139,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":256,"body":"وعن جندب ﵁ مرفوعًا: «حَدُّ اَلسَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (¬١).\rوفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ» (¬٢).\rوصحّ عن حفصة ﵂: «أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ» (¬٣). وكذلك صحّ عن جندب، قال أحمد: «عن ثلاثة من أصحاب النبيّ ﷺ» (¬٤).\r\r(الشرح)\rهذا الباب من مهمات أبواب العقيدة، والكلام عليه في مسائل:","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (١٤٦٠)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٦١)، والدارقطني في السنن (٣٢٠٤)، والحاكم في المستدرك (٨٠٧٣)، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، متفق على ضعفه، قال الترمذي: والصحيح عن جندب موقوفًا.\r(¬٢) أخرج البخاري (٣١٥٦) أصله مختصرًا، ليس فيه الأمر بقتل السحرة، أو قتل الساحرات الثلاث، وأخرجه كاملًا: أبو داود (٣٠٤٣)، والترمذي (١٥٨٧) والنسائي في الكبرى (٨٧٦٨)، وابن الجارود (١١٠٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\r(¬٣) أخرجه مالك (٣٢٤٧)، والشافعي في المسند (٢٩٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ١٣٦).\r(¬٤) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية البقرة. الثانية: تفسير آية النساء. الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما.\rالرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس. الخامسة: معرفة السّبع الموبقات المخصوصات بالنهي.\rالسادسة: أن السّاحر يكفر. السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب. الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف في ما بعده؟","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076776,"book_id":1139,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":257,"body":"المسألة الأولى: تعريف السحر.\rالسحر في اللغة: عبارةٌ عما خفي ولَطُفَ سببه، أي: صار سببُ ذلك الشيء لا يقع بظهور، بل بخفاء، ولذا سمي آخرُ الليل سَحَرًا، قال ابن فارس: «هو إخراج الباطل في صورة الحق، ويقال هو الخديعة، وسَحَرهُ بكلامِه استماله بِرِقَّته وحُسنِ تركيبه» (¬١)، وقال الرازي: «ولفظ السحر في عُرفِ الشرع مختصٌ بكل أمرٍ يخفى سببه ويُتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع» (¬٢)\rوفي الاصطلاح: رقى أو عزائم وعقدٌ ينفث فيها، فتكون سحرًا له حقيقة، وحقيقة السحر: أنَّه استخدامٌ للشياطين في التأثير.\rومناسبة باب السحر للتوحيد: من جهة أنَّ السحر نوعٌ من الشرك، ففي الحديث: «من سحر فقد أشرك» (¬٣)، وذلك لأنَّه لا يمكن أن يسحر إلّا بالتقرب إلى الشياطين، فهم لا يخدمونه إلّا إذا تقرّب لهم، وهذا شرك.\rالمسألة الثانية: ذكر أهل العلم أنَّ السحر نوعان:\r١ - عقدٌ ورقى وطلاسم: وهو ما يكون بواسطة الشياطين، وهذا شرك.\r٢ - أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته: وهو ما يسمى عند البعض بالقُمْرَة، ومنه بعض صور الصرف والعطف، فهذا عدوان وليس بكفر وشرك؛ لأنَّه مجرد تخييل.\rلكن نبه صاحب التيسير وغيره: «أن هذا ليس بسحرٍ، وإن سمي سحرًا فعلى","footnotes":"(¬١) مقاييس اللغة (٢/ ١٣٨)، وانظر: المصباح المنير (ص: ٢٦٧).\r(¬٢) تفسير الرازي (٣/ ٦١٩).\r(¬٣) أخرجه النسائي (٤٠٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وإسناده ضعيف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076777,"book_id":1139,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":258,"body":"سبيل المجاز، وفي الحقيقة فاعله مشعوذٌ لا يَصدُق عليه اسمُ الساحرِ، وفِعلُه حرامٌ، لمضرّته وخِداعه وشعوذته، ويعزّر فاعله تعزيرًا بليغًا» (¬١).\rالمسألة الثالثة: ما حكم الساحر؟\r* المقرر عند أكثر العلماء: أن الساحر كافرٌ (¬٢)، بأدلة كثيرة، ساق المصنف بعضها، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [البقرة، الآية (١٠٢)]. والمعنى: أن الله قال فيمن اشترى السحر -أي: تعلّمه-، واستبدل السحر عن متابعة الرسول، أنَّه ليس له في الآخرة من نصيبٍ، وكلُ من لا نصيب له في الآخرة فعمله حابطٌ باطلٌ، فيؤخذ كفره من هذه الآية من مواضع:\rأ- قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.\rب- قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وعلى هذا يكفر من سحر، ومن تعلمه ولو لم يسحر، فمجرد تعلمه كفرٌ كما دلت عليه الآية.\rج- قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال الحكمي: «وهذا الوعيد لم يُطلَق إلا فيما هو كفرٌ، لا بقاء للإيمان معه، فإنَّه ما من مؤمن إلّا ويدخل الجنة، وكفى بدخول الجنة خلاقًا، ولا يدخل الجنة","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص: ٣٢٧).\r(¬٢) وذهب الشافعي إلى أنه يفصّل في حكم الساحر، فقال: يقال للساحر صف السحر الذي تسحر به، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب، وإلا قتل، وإن كان ما يسحر به كلاما لا يكون كفرًا فإنه لا يكفر. الأم (١/ ٢٩٣)\rوالحقيقة أن الخلاف ليس له أثر ظاهر، فإن السحر لا يكون إلا بشرك بالله، وحينها فنبقى على مذهب الجماهير بكفر الساحر مطلقًا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076778,"book_id":1139,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":259,"body":"إلا نفس مؤمنة» (¬١).\rالمسألة الرابعة: أن مما ذمَّ الله به أهلَ الكتاب إيمانهم بالجبتِ والطاغوتِ، كما في الآية التي ذكرها المصنف، وهي قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)].\rوالجبت: فسّره عمرُ بأنَّه السحر، والسحرُ من الجبت بلا شك.\rوأما الطاغوت: فقد نقل فيه تفسيران:\r١. الشيطان، وهو تفسير عمر ﵁.\r٢. الكهّان كان ينْزل عليهم الشيطان، في كل حيٍّ واحد، وهذا تفسير جابر، وهو تفسير بالمثال، ويأتي الكلام على الكهان.\rوإذا تقرر أن مما ذُمَّ به الكفارُ إيمانهم بالسحر يتبين لك أن الإيمان به محرم، وأن تعاطيه والبحث عنه مذموم.\rالمسألة الخامسة: قد عدّ النبيّ ﷺ السحرَ من الموبقات، في الدنيا والآخرة.\rوذكر في الباب حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا اَلسَّبْعَ اَلْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: اَلشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ .. »، فعدّ السحر من الموبقات في الدنيا والآخرة.\rفإن قيل: كيف عطف السحر على الشرك، وقد تقدم أن السحر داخل في الشرك؟\r* فالجواب: أنَّ السحر لا يمكن الوصول إليه إلَّا بالشرك، والعطفُ في الحديث، إمّا أن يقال: لأن فيه شيئًا من المغايرة، ففي السحر لم يَقصِد الشركَ، بل","footnotes":"(¬١) معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي (١/ ٥١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076779,"book_id":1139,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":260,"body":"دخل الشركُ تبعًا.\rأو يقال: هو من عطفِ الخاصِّ على العام، فعطفُ السحر على الشرك للتنصيص عليه.\rالمسألة السادسة: هل يُقتَلُ الساحر؟\r* ذكر المصنف ﵀ عدة نصوص تفيد قتله:\r١) حديث جندب مرفوعًا: «حَدُّ اَلسَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ».\rوجندب: هو غير جندب بن عبد الله البجلي، وإنما يسمى جندب الخير، وقد روى أبو نعيم بسنده في معرفة الصحابة قال: جاء جندب وقومٌ يلعبون ويأخذون بأعين الناس يسحرون، قال: فضرب رجلًا منهم ضربةً بالسيف فقتله، فَرُفِع إلى السلطان، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حَدُّ اَلسَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (¬١).\rوقيل: إنَّه قاله حين كان في مجلس الوليد بن يزيد الخليفة، فجاء ساحر يوهم الناسَ أنَّه يَقطع رأسه ويُعيده، فقتله جندب، وقال: «إن كان صادقًا فَليُعد رأسه» (¬٢)، وكلا الأثرين في سنده ضعفٌ كما تقدم.\rوقد أفاد هذا الخبرُ أنَّ حدَّ الساحرِ أن يُضرَبَ بالسيف، وهو كنايةٌ عن القتل.\r٢) عن بجالة بن عبدة قال: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ».","footnotes":"(¬١) معرفة الصحابة (١٥٨٩).\r(¬٢) انظر: معرفة الصحابة، لأبي نعيم (١٥٨٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076780,"book_id":1139,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":261,"body":"٣) عن حفصة ﵂: «أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ» ونُقِل عن أحمد ﵀ قوله: «عن ثلاثة من أصحاب النبيّ ﷺ».\rوعلى هذا يقال: إذا ثبت أنَّه ساحرٌ يستخدم في سحره ما يَصدُق عليه أنَّه سحرُ تأثيرٍ لا تخييلٍ، فهو ساحرٌ يجب قتله، وهذا قول الجمهور، ونقل هذا عن عمر وعثمان وابن عمر.\rالقول الثاني: أنَّ الساحر لا يُقتَل بمجرد السحر، إلّا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر، وهذا مذهب الشافعي، نقله عنه غير واحد، منهم الترمذي في سننه (¬١).\rوالصواب: ما عليه الجمهور، والنصوص صريحةٌ في الأمر بقتله مطلقًا، ولو لم يَقتُل بسحره؛ لما فيه من الضرر على الناس.\rويقول أهل العلم: إنَّ الساحر إذا ثبت عليه السحر يُقتَلُ ولا يُستتاب؛ لأنَّه ربما كذب وأظهر التوبة وبقى على سحره.\r* خلاصة الباب: أنَّ السحر حرام، يوقع الساحر في الكفر والقتل، ويوبق طالب السحر في العقوبة العظيمة.","footnotes":"(¬١) انظر: الأم، للشافعي (١/ ٢٩٣)، سنن الترمذي (٤/ ٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076782,"book_id":1139,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":263,"body":"سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» (¬١).\rوعن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» (¬٢)، ولهما عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (¬٣) (¬٤).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مناسبة الباب: لما ذكر المؤلف حكم السحر المعروف وحكم فاعله، ذكر أنَّ السحر قد يأتي في النصوص ولا يراد به السحر المعروف، بل يراد به أمورًا أخرى هي من أنواع السحر، أو أمورًا ليست من السحر، لكن فيها شبه به.\rالمسألة الثانية: من الأمور التي ذكرها في الباب العيافة والطرق والطيرة.\rوقد أورد فيها حديث قبيصة العبدي أنَّه سمع النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ الْعِيَافَةَ، وَالطَّرْقَ، وَالطِّيَرَةَ مِنَ الْجِبْتِ».","footnotes":"(¬١) أخرجه النسائي (٤٠٧٩)، والطبراني في الأوسط (١٤٦٩) من طريق الحسن، عن أبي هريرة، والحسن لم يسمع من أبي هريرة.\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢٦٠٦).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٥١٤٦)، وأما مسلم فأخرجه (٨٦٩) من حديث عمار بن ياسر ﵁.\r(¬٤) فيه مسائل:\rالأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت. الثانية: تفسير العيافة والطرق. الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر.\rالرابعة: أن العقد مع النفث من ذلك. الخامسة: أن النميمة من ذلك. السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076783,"book_id":1139,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":264,"body":"ونقل عن عوف بن أبي جميلة قوله: العيافةُ: زجرُ الطير، والطَرْقُ: الخطُّ يُخَطُّ بالأرض.\r* أما العيافة: فهي زجرُ الطير للتشاؤم أو التفاؤل، فإذا أراد أن يُقدِمَ على شيء زجَر الطيرَ، فإذا ذهبت شمالًا تشاءم مما أقدم عليه، وإن ذهب يمينًا تفاءل.\r* وأما الطَرْقُ: فهو نوع من الكهانة، والكهانة من السحر، وهو عبارة عن خطوط تُخطّ بالأرض بطريقة يزعم مَنْ خطّها أنَّه يعرف بذلك مكان المفقود أو غير ذلك، فتجد أنَّه يخط خطوطًا كثيرة، ثم يمسح منها بسرعةٍ خطين خطين ونحو ذلك، ثم يزعمُ أنَّه يتعرف على بعض الأمور، بما يبقى من الخطوط.\rومن صورها المعاصرة: ما يُعرف بالأبراج، التي يزعم أصحابها أنَّهم يعرفون عن طريقها بعض ما يقع على صاحبها من أمور الغيب، وكل هذا من الكهانة، وسيأتي الحديث عن الكهانة بأوسع من هذا.\r* وأما ما ورد في حديث معاوية بن الحكم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» (¬١) فيجاب عنه بجوابين:\r١ - أنَّ النبيّ ﷺ علَّقه بأمرٍ لا يتحقق الوصول إليه؛ لأنَّه قال: «فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» وما يدرينا أنَّه وافق.\r٢ - أنَّه إذا كان الخطُّ بالوحي من الله، فلا بأس به كما هي حال النبيّ ﷺ؛ لأنَّ الله يجعل له علامةً ينزل الوحي بها بخطوطٍ يُعلِّمُه إياها، أما هذه الخطوط السحريةُ فهي من الشيطان.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٥٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076784,"book_id":1139,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":265,"body":"* وأما الطيرة: فهي مما نهي عنه، وسيأتي لها بابٌ مستقل.\rالمسألة الثالثة: مما يُلحَقُ بالسحرِ تعلُّم النجومِ؛ ليستدلَّ بها على الحوادث الأرضية من أمور الغيب.\rوأورد المصنف في هذا حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ».\rفبيّن أنَّ مِنْ أنواع السحر تعلّم النجوم؛ لأنَّ كلًا من المنجِّم والساحِر يَدّعي علم الغيب الذي اختص الله بعلمه.\rالمسألة الرابعة: أورد المصنف حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا، فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ».\rوفيه بيان أنَّ من نفث في العُقَدِ فإنَّه ينطبق عليه أنَّه ساحر، وأنَّ من تعاطى السحر فقد وقع في الشرك، والساحرُ متعلقٌ بغير الله وهم الشياطين، ومن تعلق بغير الله وكِل إليه، فالساحر يوكَلُ إلى شياطينه، ومن ذهب إلى السحرة والكهان فإنَّه يوكل إليهم.\rالمسألة الخامسة: أورد المصنف حديث ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ».\rووجه المطابقة بين النمام والساحر: من جهة أنَّ تأثير النمام في تفريق المجتمعين مثل أثر السحر، فلكل منهما أثر قوي وخفي في التفريق، بل نقل عن يحيى بن كثير أنه قال: «يُفْسِدُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ» (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076785,"book_id":1139,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":266,"body":"المسألة السادسة: أورد المصنف في الباب حديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا».\rوالبيان: هو التبيين عما في النفس بالألفاظ الفصيحة التي تأخذ السامع والقلوب فتسحرها.\rووجه الشبه بين البيان وبين السحر بيّنه ابن قتيبة بقوله: «يريد أن منه -أي: البيان- ما يقرّب البعيد ويباعد القريب، ويزيّن القبيح، ويعظّم الصغير، فكأنَّه سحرٌ، وما قام مقام السحر أو أشبهه، أو ضارعه» (¬١).\rوقال ابن القيم: سحرُ البيانِ هو من أنواع التحيّل:\rأ- إما لكونه بلغ في اللطف والحسن إلى حدّ استمالة القلوب، فأشبه السحر من هذا الوجه، وعلى هذا: لا يكون مذمومًا بإطلاق؛ لأنَّ استمالة القلوب لا تذمّ إلا إن كانت بالباطل.\rب- أو لكون القادر على البيان يكون قادرًا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن، فهو -أيضًا- يشبه السحر من هذا الوجه (¬٢).\rوهو على هذا المعنى يكون مذمومًا، لما فيه من جعلِ الحقِّ في قالب الباطل، والباطلِ في قالب الحق، فيستميل به قلوبَ الجهال حتى يقبلوا الباطل وينكروا الحق.\r• واعلم أنَّ الحديث مختلفٌ فيه:\rفقيل: جاء للذم.","footnotes":"(¬١) تأويل مختلف الحديث (ص: ٣٦٠).\r(¬٢) إعلام الموقعين (٢٩٧/ ٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076786,"book_id":1139,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":267,"body":"وقيل: جاء للمدح؛ لأنَّ الله مدح البيان، وعزى ابن عبد البر هذا إلى جمهور أهل الأدب والعلم بلسان العرب (¬١)، ومنه: «أن عمر بن عبد العزيز سأله رجل عن حاجة، فأحسن المسألة، فأعجبه قوله فقال: هذا والله السحر الحلال» (¬٢).\rقلت: والذي يظهر أن دخول البيان في السحر هو من جهة التعريف اللغوي، فالبيان له أثرٌ دقيقٌ خفيٌ، وبعد هذا فقد يكون هذا الأثر يراد به أمرًا محرمًا، كتزيين باطل ونحوه، فيكون مذمومًا، وقد لا يكون كذلك، فلا يكون مذمومًا.\r• وعلى هذا: ففي الحديث الذمّ لبعض البيان الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه، حتى يتوهم السامع أنَّه حق، أو يكون فيه بلاغة زائدة عن الحدّ، أو قوة بالخصومة فيذهب بالحق، أما غيره من البيان فلا يذم.\r* خلاصة الباب: أن ثمّة تصرفات محرمه تُلحَقُ بالسحر في حُرمتها وفي التأثير على النفوس، والتفريق، وإن كان السحرُ أعظم منها جرمًا، وأشنع جريرةً، وأبقى أثرًا.","footnotes":"(¬١) التمهيد، لابن عبد البر (٥/ ١٧١).\r(¬٢) انظر: التمهيد (٥/ ١٧٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076788,"book_id":1139,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":269,"body":"وعن عمران بن حصين ﷺ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (¬١)، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، دُونَ قَوْلِهِ: «وَمَنْ أَتَى» إِلَى آخِرِهِ.\rقال البغوي: «العرّاف: الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدماتٍ يستدل بها على المسروق ومكان الضالة، ونحو ذلك» (¬٢).\rوقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.\rوقال أبو العباس بن تيمية: «العرّاف: اسمٌ عام للكاهن والمنجّم والرّمّال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق» (¬٣).\rوقال ابن عباس في قومٍ يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: «مَا أَرَى","footnotes":"(¬١) أخرجه البزار (٣٥٧٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٦٢)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٢): إسناده جيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٤٣٥).\r(¬٢) شرح السنة (١٢/ ١٨٢).\r(¬٣) الفتاوى الكبرى (١/ ٦٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076789,"book_id":1139,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":270,"body":"مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالكهّان والكهانة، ومناسبة الباب للتوحيد.\rالكُهّان: جمع كاهن، والكاهن: هو الذي يدّعي علمَ المغيّبات، ويخبر بها الناس ويأخذها من مسترقي السمع من الجن (¬٣).\rومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ الكاهن لا يعلم الغيب إلّا باستخدام الجنّ، وهم لن يخدموه إلّا إذا تقرب لهم، وأشرك بالله.\r* وقوله في التبويب: «ونحوهم»: تشمل كل من ادّعى علم شيء من الغيب، وكلَّ من مارس نوعًا من الكهانة: مثل: قراءة الفنجان أو الكف.\rومثل: ما يسمى بأبراج الحظ.\rوصورتها: أن يُقال: إن كنتَ ولدتَ في بُرج كذا فسيحصل لك في هذا","footnotes":"(¬١) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (ص: ٢٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦١٦١)، والخرائطي في مساويء الأخلاق (٧٣٩)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤١)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٣٩)، وفي الشعب (٤٨٣١) وإسناده لا بأس به.\r(¬٢) وفيه مسائل:\rالأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن. الثانية: التصريح بأنه كفر. الثالثة: ذكر من تُكهن له.\rالرابعة: ذكر من تُطير له. الخامسة: ذكر من سحر له. السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد. السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف.\r(¬٣) انظر: معالم السنن، للخطابي (٤/ ٢١١)، المفردات، للراغب الأصفهاني (٧٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076790,"book_id":1139,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":271,"body":"العام كذا، أو أنَّ من وُلِد في هذا البرج، فإنَّ هذا الشهر عليهم شهر رزقٍ، وغير ذلك.\rوإنك إن التمست ضابطًا في هذا، فيُقال: كُلُّ من ادّعى علمًا من الغيب واستخدم في ذلك وسيلة ظاهرة؛ ليوهم بها الناس، فهي من الكهانة، واستمدادُهم هذا من الشياطين، وهي لن تخدمهم إلّا إذا تقربوا لها، وأخطرُ ما في ذلك إذا توّلى مثل هذه الأمور أناسٌ يُظهِرونَ للعامَّةِ أنَّهم أولياء لله، وأنَّهم بقربهم لله نالوا ما نالوا، وهذا يزيد من افتتان الناس بهم، وتلبيسهم الباطل، ولا شك أنَّ هؤلاء أولياء، لكن للشيطان، لا للرحمن، عصمنا الله وإياك من الضلال.\rالمسألة الثانية: أورد المصنف ﵀ نصوصًا تنهى عن الذهاب إلى الكهان، وتبيّن عقوبة من أتى إليهم:\r(١) عن بعض أزواج النبيّ ﷺ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَصَدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».\rوالعرَّاف: بيّنه المؤلف بأنَّه يطلق على من يخبر عن الغائب عن الأعين مما حصل في الماضي، كمن يخبر عن مكان الشيء المسروق، ومن هو السارق، والدابّة الضالّة، ونحو ذلك، ويعرفه بواسطة الجنّ.\r(٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».\r(٣) عن أبي هريرة ﵁: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».\r(٤) عن ابن مسعود ﵁ مثله موقوفًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076791,"book_id":1139,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":272,"body":"(٥) عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».\rوقد خلص أهل العلم من مجموع الأحاديث إلى أنَّ إتيان العرَّافين والكهنة والسحرة له حالات:\rأ- إتيانهم لسؤالهم وكشف باطلهم والإنكار عليهم: فهذا جائزٌ، بل مستحب لمن كان أهلًا لذلك.\rب- مجرد إتيانهم وسؤالهم بدون هذا القصد: فالوعيد فيه أنَّه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولو أنَّه لم يصدقهم أو شكّ في صدقهم.\rج- أن يسألهم ويصدقهم: فَيُحَمل عليه ما ورد في الحديث أنَّه كفر بما أنزل على محمد ﷺ؛ لأنَّ فيه إعانةً للكاهن على الشرك بالله، وفيه تصديقٌ لمن ادَّعى علم الغيب.\rواختلف في هذا الكفر، هو أكبر أم أصغر؟\r* القول الأول: أنَّه كفر أكبر، لأنه هو المتبادر من إطلاق الكفر في الحديث.\r* القول الثاني: أنه كفر أصغر، وهذا رواية عن أحمد، صوّبها ابن مفلح (¬١)، وحجتهم في هذا أمران:\r١ - أنَّ حديث بعض أزواج النبيّ ﷺ لفظه عند أحمد في المسند: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»، فذكر التصديق وبيّن","footnotes":"(¬١) الفروع (٦/ ١٧١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076792,"book_id":1139,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":273,"body":"العقوبة له، أنَّه « … لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».\r٢ - أنَّ هذا الذي صدَّق الكاهن والعرَّاف إنما صدَّق من أخذ العلم ممن استرق السمع، فهو ليس كمن صدّق من ادّعى علمًا من الغيب بلا أي مستند.\rلكن لاشك أنَّ جرمه وذنبه أعظم ممن لم يصدّق، ويكفيك أنَّ جمعًا من العلماء حكموا بأنَّه كفرٌ أكبر.\r* القول الثالث: أنَّه يتوقف في تحديده، فيقال بأنَّه يكفر، ولا يُقطع بأنَّه يَخرُج من الملّة، وهذا رواية عن أحمد، والعلَّة في هذا أنَّه أوقع لهيبته في القلوب.\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنف ﵀ قول ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: «مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ».\rوهذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ وَفِي حُرُوفِ أَبِي جَادٍ، قَالَ: أَرَى أُولَئِكَ قَوْمًا لَا خَلَاقَ لَهُمْ».\rورواه الطبراني بلفظ: «رُبَّ مُعَلِّمِ حُرُوفِ أَبِي جَادٍ دَارِسٍ فِي النُّجُومِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ خَلَاقٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (¬١).\rوالمراد بهذا الأثر: ذمُّ من يصنع هذا، وهو تعلّم الحروف الأبجدية، والاستدلال بكل حرف منها على أمور الغيب، ولهم في هذا طرق لا يدل عليها دليل، بل كل ذلك من ادعاء علم الغيب.\r• وعلى هذا: فمن تعلم الحروف على وجه معرفة شيء من علم الغيب بها -وهو ما يسمى بعلم الحرف- فهذا محرّم لا يجوز، وأما تعلّمها للتهجي","footnotes":"(¬١) قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١١٧): فيه خالد بن يزيد العمري، وهو كذاب، وانظر: الضعيفة (٤١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076793,"book_id":1139,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":274,"body":"وحساب الجمل فلا بأس به.\rوبهذا تعلم أنَّ كلَّ طريق يعتقد أنَّ فيها معرفة شيء من أمور الغيب لا تجوز.\rقال الشنقيطي: «لما جاء القرآن العظيم بأنَّ الغيب لا يعلمه إلّا الله، كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين» (¬١).\r* خلاصة الباب: أنَّ الكهانة محرمة بجميع صورها، وأنَّه يلحق بها كلّ وسيلة يدعي فيها صاحبها معرفة شيء من علم الغيب.","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (١/ ٤٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076795,"book_id":1139,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":276,"body":"والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: تعريف النشرة والمراد بها:\rالنشرة: في اللغة: بضم النون: مِنْ النَشر، قال في تاج العروس: هي رُقْيَةٌ يُعالَج بها المجنونُ والمريضُ، ومن كان يُظَنُّ أنّ به مَسًّا من الجنّ … سُمِّيت نُشرةً لأنَّه يُنَشر بها عنه ما خامَرَه من الدَّاء، أي: يُكشَف ويُزال (¬٣).\rوفي الاصطلاح: حلُّ السحرِ عن المسحور.\rالمسألة الثانية: النشرة أو حلُّ السحرِ عن المسحور قسمان:\r١) جائزة: وهي حَلُّه بالرقية والدعاء، وقد رقى النبيّ ﷺ نفسه، ودعا حتى كشف عنه، وقد ورد في السنّة عدة أمور تعالج بها السحر، ومنها الدعاء والرقية والتصبّح بسبع تمرات، وكذا الحجامة لها أثر ظاهر، والإكثار من الطاعات كالقرآن والأذكار ونحوها نص عليها ابن القيم، وذكر ابن بطّال عن كتب وهب ابن منبه: «أن يأخذ سبع ورقاتٍ من سدرٍ أخضر، فيدقُّه بين","footnotes":"(¬١) إعلام الموقعين (٤/ ٣٠١).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: النهي عن النشرة. الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه مما يزيل الإشكال.\r(¬٣) تاج العروس (٢٢/ ٢١٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076796,"book_id":1139,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":277,"body":"حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنَّه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى» (¬١).\r٢) مختلف فيها: وهي حلّه بالسحر، وفيها قولان:\rالقول الأول: الجمهور: أنَّه لا يجوز، واستدلوا بأمور:\r١. النصوص الدالة على تحريم السحر، والذهاب إلى السحرة، وهذا الأمر سيترتب عليه ذهاب إلى السحرة.\r٢. حديث جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن النشرة، فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»، وهذا الجواب هو على النوع المشهور من النشرة، وهو فكّ السحر بالسحر، ولا يحمل على الجائز؛ لأنَّ الأدلة دلت على جوازه والأمر به.\r٣. ورد في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا».\r٤. وهو المروي عن ابن مسعود، والحسن وغيرهم.\r٥. ما يترتب على الذهاب للسحرة من مفاسد، كتصديق الساحر، والاستجابة له في بعض ما يطلب، وعدم الإنكار عليه فيما يفعل، وقد قال شيخ الإسلام: «من حضر إلى مكان فيه منكر، لم يستطع تغييره، لم يجز له الحضور».\r٦. أنَّ هذا فيه تنشيط للسحرة وترويج لهم.\rالقول الثاني: أنَّه يجوز للضرورة، روي ذلك عن بعض أهل العلم، وينسب إلى ابن المسيب، والإمام أحمد.","footnotes":"(¬١) شرح البخاري، لابن بطال (٩/ ٤٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076797,"book_id":1139,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":278,"body":"أما ابن المسيب، فهو ما نقل عنه المصنف هنا عن قتادة: قلت لابن المسيب: «رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنْشَرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ، فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ».\rوأما الإمام أحمد، فإنه سأله هنا عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها، فقال: «لا بأس» (¬١).\rولكن هذين ليسا بصريحين عن ابن المسيب ولا أحمد، وعلى هذا فيحمل كلام ابن المسيب على نوع من النشرة لا يُعلم أنَّه سحر، وهي الرقية أو النشرة الخالية من الشرك، وهذا هو الذي لا مفسدة فيه.\rولو صحّ عنه فهو مرجوح؛ لأنَّه خالفه غيره، بل هو خلاف النصوص.\rوأما الإمام أحمد فلم ينصَّ على جوازه، بل إنَّه ورد في مسائل الأثرم عنه ما يدل على المنع منه، قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يزعم أنَّه يحل السحر، قال: قد رخص فيه بعض الناس» قيل: أنَّه يجعل في الطنجير ماءً ويغيب فيه، فنفض يده، وقال: «لا أدري ما هذا»، قيل له: أترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: «لا أدري ما هذا» (¬٢).\rوهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المحرم، وبهذا تعلم أنَّ ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من الجواز عند الضرورة ضعيف، والله أعلم.\r* خلاصة الباب: أنَّ حلّ السحر عن المسحور منه ما هو محرم وهو ما يكون بالسحر، ومنه ما هو جائز، وهو ما يكون بالرقى ونحوها.","footnotes":"(¬١) الفروع وتصحيح الفروع (١٠/ ٢٠٩)، الإنصاف، للمرداوي (٢٧/ ١٩٣).\r(¬٢) الكافي في فقه الإمام أحمد، لابن قدامة (٤/ ٦٦)، الشرح الكبير على المقنع (٢٧/ ١٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076799,"book_id":1139,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":280,"body":"عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» (¬١).\rعن ابن مسعود مرفوعًا: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٣٩٢ - ٢٩٥٤١)، وفي الأدب (١٦٢)، وأبو داود (٣٩١٩)، والخلال في السنة (١٤٠٥)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٦٢)، جميعهم من طريق حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عروة بنِ عامر، قال أحمد بن حنبل هو: عروة بن عامر القرشي، مرسلًا، وضعفه البيهقي والمنذري والألباني.\rهذا، وقد روى- أيضًا- عن عقبة بن عامر الجهني، كما أشار المصنف. أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٩٣)، واستظهر الألباني أنه تصحيف. انظر: الضعيفة (١٦١٩).\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤)، وابن ماجه (٣٥٣٨)، وأحمد (١/ ٣٨٩ - ٤٤٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٠٩)، وأبو يعلى (٥٢١٩ - ٥٠٩٢)، وابن حبان (٦١٢٢).\rقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال أيضًا: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: وما منا، ولكن الله يذهبه بالتوكل، قال سليمان: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود: وما منا. وانظر: علل الترمذي الكبير (٢/ ٦٩٠).\rوقال الحافظ في الفتح: (١٠/ ٢١٣): وقوله: «وما منا إلا … » من كلام ابن مسعود أدرج في الخبر، وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري، عنه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076800,"book_id":1139,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":281,"body":"ولأحمد من حديث ابن عمرو: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ، فَقَدْ أَشْرَكَ، قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَال: \"أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (¬١).\rوله من حديث الفضل بن عباس ﵁ «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٦٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٢٠)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٢٢) ومن طريق ابن وهبٍ أخرجه: أخرجه ابنُ السني في عمل اليوم والليلة (٢٩٣) جميعهم من طريق ابن لهيعة، أخبرنا ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو به، قلت: ابن لهيعة، وإن كان ضعيفًا فقد رواه عنه عبد الله بن وهب- كما تقدم-، وهو صحيح السماع منه، نص على ذلك جماعة من الأئمة، وللحديث شاهد من حديث رويفع بن ثابت أخرجه ابن وهب في الجامع (٦٥٧)، والبزار (٢٣١٦)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٦٥).\r(¬٢) أخرجه أحمد (١/ ٢١٣) من طريق ابن علاثة، عن مسلمة الجهني، قال: سمعته يحدث، عن الفضل بن عباس، به، ومحمد بن عبد الله بن علاثة، قال البخاري: في حديثه نظر، ومسلمة الجهني ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٢٦٩) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: التنبيه على قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ﴾ [الأعراف، الآية (١٣١)]. مع قوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس، الآية (١٩)].\rالثانية: نفي العدوى. الثالثة: نفي الطيرة. الرابعة: نفي الهامة. الخامسة: نفي الصفر.\rالسادسة: أن الفأل ليس من ذلك، بل مستحب. السابعة: تفسير الفأل.\rالثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل.\rالتاسعة: ذكر ما يقول من وجده. العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك. الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076801,"book_id":1139,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":282,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: تعريف الطيرة والتطير.\rقال الراغب: «أصله التّفاؤل بالطَّيْرِ، ثمّ يُستَعمَلُ في كُلِّ ما يتفاءل به ويتشاءم» (¬١).\rوفي سبب تسميتها قال الخطابي: إنما أخذت من اسم الطير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطير إذا كانوا في سفر أو مسير (¬٢).\rالمسألة الثانية: مناسبة ذكر التطيّر في كتاب التوحيد: أنَّ التطير فيه تعليق القلب بما يكون من أمور، وأنَّ ذلك علامة على خير أو شر، وهذا فيه منافاةٌ لكمال التوحيد الواجب، وفيه منافاةٌ لكمال التوكل على الله.\rالمسألة الثالثة: حكم التطيّر: الطيرة محرمة، وهي من الشرك، ولها حالتان:\r١. تكون شركًا أكبر: إذا اعتقد أنَّ الطير أو غيره هو الذي يجلب النفع ويدفع الضر.\r٢. تكون شركًا أصغر: إذا اعتقد أنَّ هذا سبب، وأنَّ الله ربط النفع والضر بهذه الأسباب، فينهى عنه لما فيه مِنْ جعل الأسبابِ علامةَ خيرٍ أو شرٍّ، وهي لم ترد في الشرع.","footnotes":"(¬١) المفردات (ص: ٥٢٨).\r(¬٢) معالم السنن (٤/ ٢٣٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076802,"book_id":1139,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":283,"body":"* والأدلة على تحريم الطيرة مذكورة في الباب، ومنها:\r(١) قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف، الآية (١٣١)].\rوقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس، الآية (١٩)]. بيّن الله فيها أنَّ التطير من أفعال وصفات أعداء الرسل، ومنهم قوم فرعون كما في الآية، أما عباد الله المؤمنين وأتباع الرسل فهم يعلقون قلوبهم بالله ويرضون بكل ما يصيبهم منه من تقدير.\r(٢) حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ».\rوالمراد هنا: النفيُ، وهو أبلغ، فيكون المراد أنَّه لا طيرة مؤثرة، وما يقع من الطيرة فهو شيء يتوهمه الإنسان، وليس لها في حقيقة الأمر تأثير، فالموفق من لم ينظر إلى ما يقع من أمور وأشياء، بل يتوكل على ربه ويمضي في دربه.\rفإن قيل: ففي هذا الحديث قوله: «لَا عَدْوَى»، وإذا قيل: إنَّ المراد هنا النفي، فالمعنى: لا يعدي شيء شيئًا، وقد ورد في الحديث: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» (¬١)، وورد أيضًا «لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (¬٢). فكيف الجمع؟\r* اختلف في ذلك على أقوال، اختار ابن رجب وابن القيم وغيرهم أنَّ النفي هنا هو عن العدوى على الوجه الذي كان يعتقده أهل الجاهلية، من أنَّ الأمراض تعدي وتؤثر بطبعها ونفسها، من غير إضافة الفعل إلى الله، فأبطل الله هذا","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٣٢٠)، وفي الأدب (١٧٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٣٩)، وأبو الشيخ في أمثال الحديث (١٦٣)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢١٨)، وانظر: الصحيحة (٧٨٣).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٥٧٧٠)، ومسلم (٢٢٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076803,"book_id":1139,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":284,"body":"الاعتقاد، ولا يمنع بعد ذلك أن يجعل الله بمشيئته مخالطةَ الصحيحِ مَنْ به عيب أو مرضٌ سببًا للعدوى بتدبير الله وتقديره.\r* وأما قوله: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» ونهيه أن يورَدَ مُمرِضٌ على مُصِحّ، ونهيه عن إتيان بلد الطاعون (¬١)؛ فيقال: إنَّ هذا كلّه من باب اجتناب الأسباب التي جعلها الله أسبابًا للهلاك والإصابة بالأذى، والعبدُ مأمورٌ باتقاء أسباب الشرِّ، كما أنَّه يُنهى أن يُلقِيَ نفسه في الماء أو في النار.\rالمسألة الرابعة: اعلم أنَّ المنهي عنه من التطير: ما أمضى وما ردّ، لا ما يقع في القلب، بل إذا كان ما تشاءم به ردّه عما يريد، أو ما تيامن به أمضاه إلى ما يريد، فهو التطير المحرم، وقد روى عكرمة: «أنَّهم كانوا عند ابن عمرو وعنده ابن عباس، فمر غراب يصيح (¬٢)، فقال رجلٌ من القوم: خير، خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر» (¬٣)، أي: ليس لهذه الأمور ارتباط بأي حادث، لا خيرَ ولا شرَّ.\r• وعلى هذا: فضابط الطيرة التي تكون شركًا: أن تَرُدَّ المتطيّر عن حاجته، لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ»، فما دامت لم تردّ الإنسان، فلا اعتبار بما وقع في قلبه.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٧٢٨) من طريق إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، يُحَدِّثُ سَعْدًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا».\r(¬٢) وخص الغراب غالبًا بالتشاؤم منه؛ أخذًا من الاغتراب، حيث قالوا: غراب البين؛ لأنه بان عن نوح لما وجّهه لينظر إلى الماء، فذهب ولم يرجع؛ ولذا تشاءموا منه واستخرجوا من اسمه الغربة. انظر: كشف الخفا (١/ ٤٤٧).\r(¬٣) أخرجه الدينوري في المجالسة (٩٣٧)، وانظر: التمهيد، لابن عبد البر (٢٢/ ٦٣٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076804,"book_id":1139,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":285,"body":"المسألة الخامسة: التطير له صور كثيرة:\r* فمنها: التطيّر بالطيور، وهو أصلُ التطيِّر عند أهل الجاهلية، فيزجرون الطير، فإن ذهب ذات اليمين أقدم، وإن كان للشمال تشاءم.\r* ومنها: التطيّر بأشخاص معينين، أو بحوادث معينة كمن يركب سيارته فيتعرض لحادث بها فيتشاءم من سفره، أو يفتح دكانه، فيأتيه أول من يشترى أعور فيتشاءم، ونحو ذلك.\r* ومنها: التطير بأزمنة معينة، كشهر صفر، أو أيامٍ كالثلاثاء، أو بأرقام محددة، كرقم (١٣)، وغيره، أو بألوان معينة كالأسود، أو غير ذلك.\rالمسألة الخامسة: ينبغي إذا وقع في القلب شيء من الالتفات لمثل هذه الأمور أن يدعو بما ورد، وذكر هنا دعائين:\r* «اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».\r* «اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».\rالمسألة السادسة: ورد في الحديث نفي أمورٍ غير الطيرة، وهي:\r١ - الهامة: بتخفيف الميم، وقد تشدد: البومة، إذا وقعت إلى بيت أحدهم يقول: نعت إليَّ نفسي، أو أحدًا من أهل داري، أو يَخْرَبُ المنزل، وقيل: إنَّ العرب كانت تعتقد أنَّ عظام الميت -وقيل: روحه- تنقلب هامةً تطير، ولا تزال تنادي على قبره، للأخذ بثأره.\r٢ - صَفَر: واختلف في المراد به:\r* فقيل: المراد تأخيرهم المحرم إلى صفر، وكانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنَّه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076805,"book_id":1139,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":286,"body":"شهر مشؤوم، قال ابن رجب: «ولعل هذا القول أشبه الأقوال» (¬١) ا. هـ.\r* وقيل: صفرُ حيةٌ في البطن، وهي دودٌ تصيب الماشية والناس، وربما قتلت صاحبها، وكانت أعدى من الجرب عند العرب، وهذا المشهور عند أكثر أهل العلم، منهم: سفيان وأحمد والبخاري، وجابر بن عبد الله وهو راوي الحديث،\rويجوز أن يكونا مرادين معًا، وأن الصفرين جميعًا باطلان.\r٣ - النوء: وقد كانوا يعتقدون أنَّ المطر يكون بالأنواء، وأنَّ بعضها أنواءُ نحسٍ لا يأتي فيها خير، وبعضها محمودة، ولهذا كانوا يسمون بعضها: سعدًا أو سعد السعود، وبعضها يتشاءمون بها أشد التشاؤم كسعد الذابح، فيقولون: هذا نوءٌ غير محمود، أي: لا يحصل فيه المطر أو الخير.\rوقد ورد في الحديث: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (¬٢).\r٤ - الغُول: جمعه غيلان، قيل: هم سحرة الجن، وهم يتغولون المسافر يعني: يتراءون للمسافر ليضلوه، وقد يأتونه بنار أو يأتونه بأمور تزعجه وتخيفه.\rوليس المعنى نفي وجود الغيلان، ولكن المعنى أنَّهم لا يستطيعون أن يضلوا أحدًا إلّا مَنْ تولى الشيطان، فإنَّ هذا قد تضله الجن والشياطين، وأما المؤمن الذاكر فإنَّ الله يحفظه بالذكر.\rالمسألة السابعة: أخبر النبيّ ﷺ أنَّه يعجبه الفأل، وبيّنه النبيُّ ﷺ بأنَّه","footnotes":"(¬١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٧٤)\r(¬٢) أخرجه البخاري (١٠٣٨)، و مسلم (٧١) من حديث زيد بن خالد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076806,"book_id":1139,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":287,"body":"الكلمةُ الطيبةُ يسمعها، فينشرح صدرُه ويقوى عزمه على ما يريد، ويُحسِنُ الظنَّ بربّه، ويُزيل عن القلب ما يلقيه الشيطان من تخويف وتوهم (¬١).\rوالفرق بين الفأل وبين الطيرة بيّنه السعدي بقوله: «الفرق بينهما: أنَّ الفأل الحسن لا يدخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله، بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة.\rوصفة ذلك: أن يعزم العبدُ على سفرٍ أو زواج أو عقدة من العقود، أو على حالة من الأحوال المهمة، ثم يَرى في تلك الحال ما يسرّه، أو يسمعُ كلامًا يسرّه، مثل: يا راشد أو سالم أو غانم، فيتفائل، ويزداد طمعه في تيسير ذلك الأمر الذي عزم عليه، فهذا كله خير، وآثاره خير، وليس فيه من المحاذير شيء.\r* وأما الطيرة: فإنَّه إذا عزم على فعل شيء من ذلك من الأمور النافعة في الدين وفي الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره أثّر في قلبه أحد أمرين، أحدهما أعظم من الآخر.\rأحدهما: أن يستجيب لذلك الداعي، فيترُكَ ما كان عازمًا على فعله أو بالعكس، فيتطير بذلك وينكص عن الأمر الذي كان عازمًا عليه، فهذا كما ترى قد علّق قلبه بذلك المكروه غاية التعليق وعمل عليه، وتصرف ذلك المكروه في إرادته وعزمه وعمله.\rالأمر الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي، ولكنه يؤثر في قلبه حزنًا وهمًّا وغمًّا، فهذا وإن كان دون الأول، لكنه شر وضررٌ على العبد، وضعفٌ لقلبه","footnotes":"(¬١) انظر: أدب الدنيا والدين (ص: ٣١٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076807,"book_id":1139,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":288,"body":"وموهنٌ لتوكله، وربما أصابه مكروهٌ فظن أنَّه من ذلك الأمر فقوي تطيّره، وربما تدرج إلى الأمر الأول» (¬١).\r* خلاصة الباب: أنَّ المسلم يجب أن يعلق قلبه بالله وحده، وألّا يعلق القدر بشيء من مخلوقات الله، فليس للطير ولا غيرها دور في القدر، بل الأمر كله من الله.\rوأنَّ الطيرة المحرمة هي المؤثرة إحجامًا أو إقبالًا، بيّن ذلك ما سبق من قول «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ».","footnotes":"(¬١) القول السديد (ص: ١٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076809,"book_id":1139,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":290,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: تعريف التنجيم لغة: مصدر نجَّمَ، مشتقٌ من النجم، والمُنَجِّمُ هو الذي ينظر في النجوم، ويستدل بحركتها وسيرها.\rوالتنجيم شرعًا: الاستدلالُ بالأحوالِ الفلكية على الحوادث الأرضية، كالمطر والربيع والمحل وغير ذلك، قال الخطابي: «عِلمُ النجومِ المنهي عنه هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنَّها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها، يدّعون أن لها تأثيرًا في السفليات» (¬١).\rالمسألة الثانية: مناسبة الباب لكتاب التوحيد:\rالتنجيم ينافي التوحيد لما فيه من ادّعاء علم الغيب، ولما فيه من تعلق القلب بغير الله.\rالمسألة الثالثة: مصطلح التنجيم يدخل فيه ثلاثة أنواع:\r١. اعتقادُ أنَّ النجوم مؤثّرةٌ بنفسها ولها تصريف في الكون: وهذا كفرٌ أكبر، وهو ما كان يفعله الصابئة، وهو شرك قوم إبراهيم;.","footnotes":"(¬١) معالم السنن (٤/ ٢٢٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076810,"book_id":1139,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":291,"body":"٢. علم التسيير: وهو أن يتعلم منازل النجوم وحركاتها؛ ليستدل بها على أمور جائزة، كهبوب الرياح ووقته، والوقت الذي جرت فيه سنة الله في إنزال المطر، ودخول الفصول ونحو ذلك، فهذا جائز.\rويكون مشروعًا لو استدل بها على أمور مشروعة، كالاستدلال بالنجوم على معرفة جهة القبلة، أو الأوقات ونحوه.\rقال ابن رجب: «المأذون في تعلمه؛ علمُ التسيير، لا علم التأثير؛ فإنَّه باطلٌ محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير: نتعلم ما يحتاج منه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائزة عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه، لِشَغله عما هو أهم منه» (¬١).\r٣. علم التأثير: وهو الاستدلالُ بحركةِ النجوم وطلوعها والتقائها ومواضعها على أمور غيبيةٍ مما يحدث في الكون والأرض من أحداث مستقبلة، وهو ما يراد هنا، وهو نوع من الكهانة؛ لأنَّ النجوم ليس لها أي علامة، ولكن الشياطين توحي إلى المنجِّم بما سيقع فيخبر به.\r* ومما يدل على النهي عنه:\r١) ما ذكره البخاري في صحيحه، عن قتادة: «خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ».","footnotes":"(¬١) فضل علم السلف، لابن رجب (ص: ١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076811,"book_id":1139,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":292,"body":"وله تتمة عند ابن أبي حاتم في تفسيره: «وَإِنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كَهَانَةً: مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلا يُولَدُ بِهِ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْحَسَنُ وَالذَّمِيمُ، وَمَا عَلِمَ هَذَا النَّجْمُ وَهَذِهِ الدَّابَّةُ، وَهَذَا الطَّائِرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ».\r٢) الأدلة الدالة على تحريم السحر والكهانة، فالتنجيم نوع من الكهانة والسحر، ولذا أتى في الباب بحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ».\rالمسألة الرابعة: من صوَّر التنجيم المحرم ما يسمى بالأبراج، إذا ولد فلان في البرج الفلاني أو الشهر الفلاني أو اليوم الفلاني، أو كان اسمه يبدأ بحرف كذا أو كذا فسيصيبه كذا وكذا، ويضعون عليها دعاياتٍ مِنْ مثل: مِنْ شهر ميلادك تعرف حظك، أو من اسمك تعرف حظك، وهذا كثير الآن.\rوقد صار للتنجيم رواج في الأزمان المتأخرة، فأُلف فيه مؤلفاتٌ، بل وجدت معاهد تعطي شهادات في ذلك، وأُنشئ اتحادٌ للمنجمين ويضم هذا الاتحاد أكثر من خمسة وخمسين ألف عضو من جنسيات متنوعة، والغريب أنَّ رئيس ونائب الاتحاد كلاهما عربي، وهذا يدل على الخلل الموجود عند أعدادٍ من المسلمين، ووجوب التوعية بحرمة مثل هذا الأمر (¬١).\rالمسألة الخامسة: من حرص السلف على إغلاق باب التنجيم، ما نقل عن قتادة أنَّه كره تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه.\rوالمراد بمنازل القمر: المنازل التي ينزلها القمر في الشهر، وهي ثمانية وعشرون منزلًا، ويستفاد من معرفتها: حساب الأيام، ومعرفة الفصول، وأوقات","footnotes":"(¬١) انظر: التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام، د. عبد المجيد المشعبي (ص: ١٥١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076812,"book_id":1139,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":293,"body":"الصلوات ونحو ذلك.\rوعلّة الكراهة: أن ذلك وسيلة للاعتقاد فيها ما لا يجوز، فمنعوا منه؛ سدًّا للذريعة، لكن أكثر العلماء على جوازه بقدر الحاجة، وهذا ما يعرف بعلم التسيير كما سبق؛ لأنه لا شرك فيه.\r* خلاصة الباب: أنَّ من أدعى أنَّ النّجوم لها أثر في تصريف القدر، أو زعم أنَّه يتعرّف على القدر بنظره في النجوم، فقد ادَّعى علم الغيب، وهذا المنهي عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076814,"book_id":1139,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":295,"body":"نَوْءَ كَذَا وَكَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة، الآية (٧٥ - ٨٢)] (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالأنواء: جمع نَوء بالهمز، وهي النجوم، والاستسقاء: طلب السقيا.\rوالمراد: طلب السقيا من الأنواء، أو نسبةُ السقيا والأمطار إليها.\rوهذا الباب له اتصال بما سبق، وهو نوعٌ مما كان يصنعه أهل الجاهلية تجاه النجوم، من الاعتقادات المحرمة، والكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: الاستسقاء بالنجوم قسمان:","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٧٣)، ولم يخرجه البخاري، وعدَّه الحميدي في الجمع بين الصحيحين (١٢٢٦) من أفراد مسلم، وإنما الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس مما له علاقة بالباب قوله ﵁: «خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الجَاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ» وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُونَ إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ. البخاري (٣٨٥٠).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية الواقعة. الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية. الثالثة: ذكر الكفر في بعضها.\rالرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج عن الملة. الخامسة: قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» بسبب نزول النعمة.\rالسادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع. السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع.\rالثامنة: التفطن لقوله: «لقد صدق نوء كذا وكذا».\rالتاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها؛ لقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم؟». العاشرة: وعيد النائحة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076815,"book_id":1139,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":296,"body":"١ - ما يكون شركًا أكبر، وذلك:\rأ- أن يسأل الأنواء السقيا وإنزالَ المطر، فهذا شركٌ أكبر؛ لأنَّه دعاءٌ لغير الله.\rب- أو ينسبَ حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنَّها الفاعلة بنفسها من دون الله، فهذا شرك أكبر -وإن لم يَدْعُها- وهو شركٌ في الربوبية.\r٢ - ما يكون شركا أصغر: وهو أن يَجعل هذه الأنواء سببًا في نزول المطر مع اعتقاده أنَّ الله هو المدبر الفاعل، فهذا شرك أصغر؛ لأنَّ كل شيء جُعِل سببًا لم يجعله الله سببًا فهو شرك.\rالمسألة الثانية: الاستسقاء بالنجوم ونسبة المطر لها كان موجودًا في الجاهلية، فكانوا يقولون مثلًا: مطرنا بنوء الثريا، وذلك أنَّه إذا سقط نجمٌ وطلع نجمٌ آخر قالوا: لابدّ من مطرٍ ورياحٍ، وينسبون كل مطرٍ إلى النجم الساقط، ولأجل ذلك جاءت النصوص محذرةً منه، ومبينةً بطلان من تعاطاه، ومنها:\r(١) قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ والمعنى: أنكم تجعلون شكركم لله على ما أنزل عليكم من المطر والرحمة أنكم تكذبون، أي: تنسبونه لغيره، وقيل غير ذلك\r(٢) حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ … » فجاء الحديثُ على جهة الذمِّ نسبةً إلى الجهل، أي: ستفعلُها هذه الأمة إمّا مع العلم بتحريمها، أو مع الجهل بذلك، وهذا ما وقع.\r(٣) حديث زيد بن خالد ﵁: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» ففي الحديثِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076816,"book_id":1139,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":297,"body":"النهيُ عن هذا القول؛ لما فيه من الالتفات إلى السبب ونسيان المنعم الحقيقي، وهو الله، قال العثيمين: «وصار كافرًا بالله؛ لأنَّه أنكر نعمة الله، ونسبها إلى سببٍ لم يجعله الله سببًا، فتعلقت نفسه بهذا السبب، ونسي نعمة الله» (¬١).\rالمسألة الثالثة: نسبة المطر إلى النوء تحتمل معانٍ:\r١ - نسبة إيجاد: بأن ينسب المطر إلى النوء، فهذا شركٌ أكبر، قال ابن رجب: «إضافة نزول الغيث إلى الأنواء، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك، المدبرة له دون الله ﷿، فقد كفر بالله، وأشرك به كفرًا ينقله عن مِلَّة الإسلام، ويصير بذلك مرتدًا، حُكمه حكم المرتدين عن الإسلام، إن كان قبل ذلك مسلمًا» (¬٢).\r٢ - نسبة سبب: بأن يعتقد أنَّ هذا النوء سبب وليس هو المسبب، وتكون الباء للسببية، فهذا شرك أصغر.\r٣ - نسبة وقت: بأن يقوله ويريد أنَّ الله أنزل المطر في وقت هذا النوء، وتكون الباء للظرفية، فهذا من حيث المعنى صحيح، فالله أنزل المطر في وقت هذا النجم، ولكن لما في هذه اللفظة من مشابهة للفظة المنهي عنها اختلف العلماء في حكم قولها، على أقوال ثلاثة:\rفقيل بالتحريم: قال ابن رجب: «وهو قول أكثر أصحابنا، والنصوص تدل عليه، لما فيها من إيهام المعنى المحرم «(¬٣).","footnotes":"(¬١) القول المفيد (٢/ ٣٠).\r(¬٢) فتح الباري (٩/ ٢٦٠).\r(¬٣) فتح الباري (٩/ ٢٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076817,"book_id":1139,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":298,"body":"وقيل بالكراهة: وهو قول الشافعي، وأصحابه، وبعض الحنابلة.\rوقيل بالجواز: وهو منقول عن البغوي وغيره (¬١).\r• ومع هذا: فالأولى أن يتجنبه، وأن يقول: «في نوء كذا».\r* خلاصة الباب: أنْ تعلم أنَّ المطر نعمة من الله، وأنَّ نسبته لغيره سبحانه، أو طلبه من غيره سبحانه جرمٌ عظيم يوصل الإنسان إلى الشرك بالله تعالى.","footnotes":"(¬١) قال البغوي: «فأما من قال: مطرنا بنوء كذا، وأراد سقانا الله تعالى بفضله في هذا الوقت، فذلك جائز» شرح السنة (٤/ ٤٢١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076819,"book_id":1139,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":300,"body":"وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شَيْئًا» (¬١).\rوقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة، الآية (١٦٦)]، قال: «الْمَوَدَّةُ» (¬٢) (¬٣).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: عقد المصنفُ هذا الباب للكلام على","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٥٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٣٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٦٩١).\r(¬٢) أخرجه الطبري في التفسير (٣/ ٢٧)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٢٧٨)، والحاكم في المستدرك (٣٠٧٦)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية البقرة. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: وجوب محبته ﷺ على النفس والأهل والمال.\rالرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام. الخامسة: أن للإيمان حلاوةً قد يجدها الإنسان، وقد لا يجدها.\rالسادسة: أعمال القلب الأربعة التي لا تُنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحدٌ طعم الإيمان إلا بها.\rالسابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا. الثامنة: تفسير: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.\rالتاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبًّا شديدًا. العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه.\rالحادية عشرة: أنَّ من اتخذ ندًّا تساوي محبته محبة الله، فهو الشرك الأكبر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076820,"book_id":1139,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":301,"body":"المحبّة، وهي من أعمال القلوب، والمحبّةُ اختلف في تعريفها على أقوالٍ، هي في الحقيقة آثارٌ للمحبّة، وأما المحبّةُ نفسها فعرّفها بعضهم بأنَّها: وصفٌ قائمٌ بالقلبِ يؤدي إلى السرور وغيره من المقتضيات، كالطاعة والمؤانسة.\rولعل الأحسن أن يقال: إنَّ المحبة هي من المصطلحات التي لا تُعَرَّفُ بتعريف أوضح منها، فتركُها بلا تعريف أحسن، كالماءِ، والبغضِ ونحو ذلك، فهي شعورٌ قلبيٌ لا توجد عبارةٌ جامعةٌ مانعةٌ تعبّر عنه.\rالمسألة الثانية: مناسبة الباب للتوحيد: أنَّ المحبّة عبادة، وإذا كانت كذلك وجب صرفُها لله، وكان صرفُها لغير الله شركًا كما فعل المشركون الذين أشار إليهم في الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾\rالمسألة الثالثة: المحبّة أنواع، فهناك المحبّةُ الطبيعية، ومحبّةُ الزوج لزوجته ونحو ذلك، ولكن المراد بهذا الباب: المحبّة الخاصة، وهي محبّةُ العبادة التي تستلزم الذلّ والتعظيم والخضوع والتعظيم لله محبّة وذلًّا وإجلالًا، وتقتضي فعل أوامره وطاعته وإيثاره على غيره، فهذه المحبّة لا يجوز صرفها وتعلّقها بغير الله.\r* ويدل على هذا ما يلي:\r١) قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ فذمّ المشركين؛ لأنَّهم اتخذوا أناسًا يحبونهم كحب الله.\rومعنى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: أنَّهم يساوونهم بالله في المحبّة والتعظيم، فيجعلون معبوداتهم شركاء لله في المحبّة، فتكون محبّة مشتركة (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: قاعدة في المحبة (ص: ٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076821,"book_id":1139,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":302,"body":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: الأرجح في معناها أنَّ الذين آمنوا أشدّ حبًّا لله من محبّةِ المشركين بالأنداد لله، فإنّ محبّةَ المؤمنين خالصة، ومحبّةَ هؤلاء مشتركة، فقد ذهب حُبّهم لأندادهم بقسطٍ منها.\r٢) قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٢٤)]، فبيّن أنَّه يجب أن تكون محبّة العبد لربه مقدمة على كل شيء، فالمحبةُ الصادقة تستلزم تقديم ما يرضي الله على هذه الثمانية كلها.\r٣) حديث أنس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» والمراد: نفي كمال الإيمان عمّن قدّم محبّة غير الرسول ﷺ عليه، وإذا كان هذا في محبّة رسول الله -وهي تابعةٌ لمحبّة الله، لا يكمل إيمان عبدٍ حتى يحققها- فمحبّة الله أعظم وأجلّ.\r٤) قوله: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ … » فحلاوةُ الإيمانِ المتضمنة لِلّذّة والفرح تكون بتحقيق المحبّة لله، وذلك بثلاثة أمور:\rأ- تكميل هذه المحبّة. ب- تفريغها. ج- دفع ضدّها.\rفتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، فإنّ محبّة الله ورسوله لا يُكتفى فيها بأصلِ الحبّ، بل لا بدّ أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما.\rوتفريغها: أن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله.\rودفع ضدّها: أن يكره ضدّ الإيمان كما يكره أن يقذف في النار.\rإذا تقرّر هذا فاعلم أنَّ محبّة غير الله محبّةً توازي محبّة الله شركٌ أكبر،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076822,"book_id":1139,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":303,"body":"لأنّه صرف العبادة لغير الله (¬١).\rالمسألة الرابعة: أنَّ من أحبّ الله، ولم يقدّم عليه غيره، فإنَّه ورد في النصوص في هذا الباب له فضائل:\r١) أنَّه يحقق الإيمان بهذا؛ ولذا قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى … »","footnotes":"(¬١) قال ابن القيم: «وأمّا الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلّا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًّا، يحبّه كما يحبّ الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين بربّ العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. مع إقرارهم بأنّ الله وحده خالق كل شيء، وربّه ومليكه، وأنَّ آلهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تحيي ولا تميت، وإنّما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم، بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظّمونها ويوالونها من دون الله، وكثيرٌ منهم -بل أكثرهم- يحبّون آلهتهم أعظم من محبّة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم -من المشايخ- أعظم مما يغضبون إذا انتَقص أحدٌ ربَ العالمين، وإذا انتهكت حرمةٌ من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرد، وإذا انتهكت حُرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئًا رضوا عنه، ولم تتنكر له قلوبهم، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنًا له إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن مرض وإن استوحش، فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنّه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، ووسيلته إليه.\rوهكذا كان عبّاد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذوها من البشر». مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٣٤٨)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076823,"book_id":1139,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":304,"body":"٢) أنَّه ينال لذّة الإيمان؛ ولذا قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا … »، وقال ابن عباس: «وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ -وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ- حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ».\r٣) أنَّه بهذا يكون من أولياء الله، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ولذا قال ابن عباس: «مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَوَالَى فِي اللَّهِ، وَعَادَى فِي اللَّهِ، فَإِنَّمَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللَّهِ بِذَلِكَ».\rالمسألة الخامسة: أنَّ كثيرًا من مؤاخاة الناس قد دخلها الخلل، ولم تصر لله حقًا، ولذا قال ابن عباس في زمنه: «وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا» ففتش عن نفسك، وعن محبتك، هل هي لله أو لغيره، قال يحيى بن معاذ: «الحب في الله لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء» (¬١)، وهذا ضابطٌ نافعٌ لمعرفة الحب هل هو لله أو لغيره.\rواعلم أنَّه يجب أن يكون حبّ الإنسان لإخوانه لله تعالى، وهو حينها مأجور على حبّه، أما من أحب لأمر من أمور الدنيا فهي محبةٌ مذمومة، والدليل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف، الآية (٦٧)].\r* خلاصة الباب: أنّ الحب المقتضي للتعظيم والذل والخضوع عبادة، فلا يجوز صرفه إلا لله تعالى.","footnotes":"(¬١) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076825,"book_id":1139,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":306,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: عقد المصنّف هذا الباب للحديث عن عبادة الخوفِ، وهي من العبادات القلبية، وهي وصفٌ يقوم بالقلب يحمل على فعل الأوامر وترك النواهي، وقد صدّر الباب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران، الآية (١٧٥)].\rوالشيطان: إبليس، ويدخل فيه كل شيطانٍ من الإنس والجنّ.\rوقوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي يخوّفكم بأولياءه.\rوالواجب عليكم حينها ألّا تخافوهم، وإنما تخافوا من الله، فهو الذي بيده كل شيء، ولا يحدث في الكون شيء إلا بإرادته.\rوالتخويف الذي حصل من الشيطان ما أورده الله تعالى في الآية ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران، الآية (١٧٣)].\rومناسبة الباب للتوحيد، ولما قبله: أنَّ الخوف نوع من أنواع العبادة، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك.\rوإنما ذكر المصنف ما يتعلق بالخوف بعد ذكر المحبة:\r١. لأنَّ العبادة ترتكز على الحب والخوف والرجاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076826,"book_id":1139,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":307,"body":"٢. لئلا يجنح أحد فيتمسك بالحب فقط دون الخوف، فالمؤمن يجمع بين الحبّ والخوف والرجاء.\rالمسألة الثانية: الخوف بالنسبة لمن يُخاف منه له حالتان:\r١ - خوفٌ من الله. ٢ - خوف من غير الله.\rفأما الخوفُ مِنْ غير الله فله صور:\rأ. الخوف الشركي: وهو ما يسمى بخوف السرّ، بأن يخاف من غير الله، إما خوفًا من إضراره به، أو يعتقد أنَّه بخوفه منه ينفعه في الآخرة.\r• مثاله: ما يقع من المشركين من خوفهم من الأولياء وأصحاب القبور، وخوفهم أن يضرّوهم إن تركوا عبادتهم ونحو ذلك، وهذا الذي كان المشركون يعتقدونه، ولذا يخوفون بهم أولياء الله كقوله: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود، الآية (٥٤)] ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر، الآية (٣٦)]. ولذا فهم يخافون الصالحين والطواغيت كما يخافون الله أو أشد.\rب. الخوف المحرم: وضابطه: الخوفُ من المخلوق؛ خوفًا يمنع من فعل الواجب أو ترك المحرم، كمن يترك صلاة الجماعة خوفًا من مخلوق، أو يحلق لحيته خوفًا من مخلوق، والواجب على المسلم ألّا يخشى أحدًا إلّا الله.\rج. الخوف الطبيعي: كما يخاف المرءُ من عدوٍ أو سَبُعٍ أو غَرَقٍ ونحوه، وهذا لا ذمّ فيه، ومنه قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص، الآية (٢١)].\rوأما الخوف من الله: فهو عبادةٌ مِنْ أجلّ العبادات، وهو خوف التعظيم والذلّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076827,"book_id":1139,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":308,"body":"والخضوع لله سبحانه، وقد أثنى الله على أهله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر، الآية (٢٨)]. وأمر بالخوف منه في نصوص عدة، ومنها:\r١) الآية التي ساقها المصنف هي قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فجعل الخوف منه شرطًا في الإيمان.\r٢) قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، والشاهد فيها: أنَّ الله حينما ذمّ المشركين ونفى عنهم عمارة المسجد الحرام بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أثبت ذلك للمؤمنين، وأثنى عليهم وبيّن أنَّ مِنْ أظهَرِ خصالهم أنَّهم لا يخشون إلّا الله، والمراد: خشية التعظيم والعبادة، وبه تعلم أنَّ من صفات المؤمنين خشيتهم لله، وهذا دليل على أنَّهم مهتدون؛ لقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ قال ابن عباس ﵁: «(عسى) من الله واجبة» (¬١).\rالمسألة الثالثة: اعلم أنَّ العبد له مع الخوف من الله مقامان:\r١) أن يكون مائلًا عن الاستقامة ومقصرًا: فيخاف أن يعاقبه الله، وذلك","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٧٦٦) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال بمثل قول ابن عباس: يحيى بن سلام في تفسيره (١/ ١٥٥)، والشافعي في الأم (٤/ ١٦٩)، والأخفش في معاني القرآن (٢/ ٤٢٦)، والطبري في تفسيره (٨/ ٥٧٩)، (١٤/ ١٦٨)، والزجاج في إعراب القرآن (٢/ ١٨١).\rوقال أبو عبيدة: (عَسَى اللهُ) هي إيجاب، وهي فِي القرآن كلها واجبة، فجاءت عَلَى إحدى لغتي العرب؛ لأن (عسى) فِي كلامهم رجاء ويقين. أخرجه ابن المنذر في تفسيره (٢٠٦٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076828,"book_id":1139,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":309,"body":"الخوف ناشئ من ثلاثة أمور:\r١. معرفته بجنايته وقبحها.\r٢. تصديق الوعيد، وأنَّ الله رتّب على المعصية عقوبتها.\r٣. أنَّه لا يعلم لعله يُمنع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.\r٢) أن يكون مستقيمًا: فخوفه دائمًا يكون مصاحبًا له؛ لِعلمه أنَّ الله مقلّب القلوب، ويتأمل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. فأي قرارٍ لمن هذه حاله؟ ومَن أحقُّ بالخوفِ منه؟ وقد كان الرسول ﷺ يقول: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» (¬١) (¬٢).\r• واعلم أنَّ نقصان الخوف من الله، إنما هو بسبب نقصان معرفة العبد بربه.\rالمسألة الرابعة: أورد المصنف قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ وعلاقتها بالخوف من جهة أنَّ كثيرًا من الناس يدّعي أنَّه يخاف من الله، ولكن عند المحكّات يتبين أنَّ خوفه هو من الناس لا من الله، والدليل: أنَّك تراه إذا أوذي على تمسّكه بدين الله، فإنَّه حينها لا يحتمل أذاهم، فيفرُّ مِنْ ذلك بأن يوافق هؤلاء في أهوائهم وما يريدون، فيكون قد خاف من هؤلاء كما يخاف من الله، والمؤمنُ يعلم أنَّه لابد أن يناله ما يناله في طريق الدين.\rويعلم أنَّ العباد ليس بيدهم جزاء ولا حساب، وحينها فلا ينبغي أن يخاف منهم خوفَ تعظيم، ولا أن يسألهم، ولذا قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٦٦١٧) من حديث ابن عمر.\r(¬٢) انظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (٥١٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076829,"book_id":1139,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":310,"body":"بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت، الآية (١٠)].\rالمسألة الخامسة: أنَّ الخوف من الله ينشأ في القلب إذا قوي اليقينُ بالله ربًا خالقًا مدبرًا، وإذا ضَعُفَ اليقينُ بالله تعلّق بعباد الله، وحينها يخذله الله، ويكله إلى الناس، ولضعف اليقين علامات:\r١. أن يسعى العبدُ لإرضائهم ولو على حساب سخط الله.\r٢. أنَّه إذا جاءه رزقٌ ظنَّ أنَّه من الناس فحمدهم، وإذا مُنِعَ من أمرٍ ظنّ أنَّه من الناس فسخطهم، وهذا نشأ من عدم معرفته بربه، ومن عدم خوفه من خالقه، ولو علم أنّ المتفرد بالعطاء والمنع هو الله، وأنَّ المخلوق لا يقدر على إعطائه شيئًا لم يقدّره الله له لما ذمهم.\r* ويدل على هذا: ما ورد عن أبي سعيد ﵁ الذي ساقه المصنف، وهذا الحديث إسناده ضعيف -كما سبق في التخريج-، لكن معناه صحيح كما قال صاحب التيسير (¬١)، ويروى موقوفًا عن ابن مسعود.\rالمسألة السادسة: أورد المصنف حديث عائشة ﵂: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ»، وفيه أنَّ من بحث عن رضا الناس ولو كان ذلك بسخط الله، فإنّ العاقبة أنَّ الناس سيسخطون عليه، وسيسخط عليه رب العالمين، والعكس بالعكس، ولذا قال الشافعي: «رضى الناس غاية لا تدرك، فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه» (¬٢).\r• فالعاقل هو من يبحث عن رضا الله، وإن سخط الناس.","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص: ٤٢٢)\r(¬٢) مناقب الشافعي، للأبري (ص: ٩٠) مدارج السالكين (٢/ ٢٨٦)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076830,"book_id":1139,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":311,"body":"* وعلاقة هذا بالخوف: من جهة أنَّه إذا بحث عن رضا الله، وكان في ذلك سخط الناس فربما خاف منهم، وهنا تذكير للإنسان ألّا يخاف إلّا الله.\r* خلاصة الباب: أنّ الخوف المصحوب بالتعظيم والإجلال عبادة لا تصرف إلّا لله، فمن صرفها لغيره فقد وقع في الشرك بالله سبحانه.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076832,"book_id":1139,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":313,"body":"القلبية العظيمة، وهي التوكل.\rوالتوكل هو: صدق اعتماد القلب على الله، بجلب النفع ودفع الضرّ مع فعل الأسباب (¬١)، فثمة أمران: فعلُ الأسباب، ثم التعلق بالله والاعتماد عليه.\rوالناس تجاه التوكل أصناف:\r١ - قومٌ تعلقوا بالأسباب، ونسوا التوكل على الله ﷿.\r٢ - قومٌ تعلقوا بالله، ولم يفعلوا الأسباب.\r٣ - التوسط: بفعل الأسباب مع تعلق القلب بالله ﷿.\rوصدق التوكل يكون: بأن يوقن العبد أن كل ما في الكون، فهو بتدبير الله، وحينها يفوض الأمر إليه وينزل به حاجته، ثم يفعل الأسباب التي جعلها الله أسبابا لهذا الأمر.\rوفي هذا يقول ابن القيم مبينًا أن التوكل يكون مع فعل الأسباب: «منعُ الأسبابِ أن تكون أسبابًا قدحٌ في العقل والشرع، وإثباتُها والوقوفُ معها وقطعُ النظر عن سببها قدحٌ في التوحيد والتوكل والقيام به، وتنزيلها منازلها والنظر إلى مسببها وتعلق القيام به جمعٌ بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر وهو الكمال» (¬٢).\r* وعلى هذا: فلابد في التوكل من أمرين: تعلق القلب بالله، وفعل السبب، وإذا تخلف أحدهما لم يصح التوكل، فمن توكل على ربه ولم يبذر أرضه","footnotes":"(¬١) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٩٧).\r(¬٢) طريق الهجرتين (٤٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076833,"book_id":1139,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":314,"body":"ولم يغرسها فهذا بطّال، ومن اعتمد على صنعه لنفسه فهذا مخذول، والموفق من فعل السبب ثم توكل، فبذر أرضه ثم توكل على ربه.\rولذلك يروى عن النبي ﷺ أنه قال لمن أتى إليه ومعه ناقته، وقال: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أم أطلقها وأتوكل؟ قال «اعقلها وتوكل» (¬١).\rومرّ الشعبيُّ بإبلٍ قد فشا فيها الجرب، فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إن لنا عجوزًا نتكل على دعائها، فقال: اجعل مع دعائها شيئًا من القطران -وهو دواءٌ للجرب- (¬٢).\rالمسألة الثانية: اعلم أن التوكل على الله من أجل القربات، وآكد العبادات، وقد ورد الأمر به في نصوص عديدة، ومنها آيات ثلاث ساقها المصنف وهي:\r١) قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن القيم: «جعلَ التوكلَ شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل» (¬٣).\r٢) قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فذكر في الآية أعظم صفات المؤمنين، والتي يدور عليها غيرها، وهي هذه الخمس، ومن أعظمها توكلهم على الله.\r٣) قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ووجه الدلالة منها: أنَّه إذا كان الله هو","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) من حديث أنس بن مالك، وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٣١) من حديث عمرو بن أمية الضمري، وإسناده لا بأس به.\r(¬٢) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني (١/ ٣٧).\r(¬٣) طريق الهجرتين (ص: ٣٨٦)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076834,"book_id":1139,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":315,"body":"حسبك، أي: كافيك وناصرك، فيتعين عليك أن تتوكل عليه، لا على غيره.\rالمسألة الثالثة: ورد في النصوص فضائل تُنال بالتوكل على الله، ومنها:\r١. أنَّه يدخل في زمرة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، فقد ذكر الله صفاتهم، وهي ثلاثٌ ترجع إلى التوكل، ونص عليه في الصفة الرابعة.\r٢. أن من توكّل على الله كان الله حسبه وكافيه، قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق، الآية (٣)]، وما ظنك بمن يكون الله حسبه!\r٣. أن التوكل على الله منجاة، فالله أنجى إبراهيم; بتوكله على ربه، حين أرادوا إلقاءه في النار، ونجى موسى; حين قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ونجى محمدًا ﷺ حين قال لأبي بكر: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».\r٤. أن في التوكل قوة القلب، وفي الاعتماد على الناس ضعف القلب، وقد ورد عن عمر بن عبد العزيز ﵀: «من أحب أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله» (¬١).\rالمسألة الرابعة: التوكل على غير الله قسمان:\r١ - شركٌ أكبر: بأن يتوكل على أحدٍ من الخلق، فيما لا يقدر عليه إلا الله.\r٢ - شركٌ أصغر: بالتوكل على المخلوق، فيما يقدر عليه، وهو ما يسمى بالاعتماد على الأسباب، وله أمثلة كثيرة، ومنها:\rأ. الاعتماد على السلاطين في الرزق وغيره.","footnotes":"(¬١) الزهد، لأحمد بن حنبل (١/ ٤٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076835,"book_id":1139,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":316,"body":"ب. الاعتماد على المذاكرة في التفوق والنجاح.\rج. الاعتماد على الطبيب في حصول الشفاء.\rفهذا النوعُ منهيٌ عنه، والواجبُ التعلّق والاعتماد على الله لا على الاسباب، والتوكل عبادةٌ لا دخل للمخلوق فيها.\rالمسألة الخامسة: ثمة عبارات متعلقة بالتوكل تحسنُ الإشارة إليها، ومنها:\r* قول: (توكلت عليك): يحرم قولها؛ لأن التوكل عبادة قلبية لا تكون إلا لله تعالى.\r* قول: (توكلت على الله وعليك)، لا تجوز، لما سبق.\r* قول: (توكلت على الله ثم عليك)، اختلف فيها على قولين:\r١ - من أجازها، باعتبار أن التوكل على الله هو تفويض الأمر إليه والاعتماد عليه، والتوكل على العبد بعد التوكل على الله ﷿ تفويض العبد فيما يقدر عليه، فالمراد: توكلت على لله ثم وكلتك بهذا الأمر، أو اعتمدت عليك في إنجازه، ويشترطون هنا أن يكون فيما يقدر عليه المخلوق، وممن نقل عنه هذا القول: ابن باز، وبه أفتت اللجنة الدائمة.\r٢. من منع من ذلك؛ لأن التوكل عبادةٌ قلبية، فلا يصلح إلا لله، ولا يجوز هذا القول، وممن قال بهذا: محمد بن إبراهيم (¬١)، ويفهم هذا من كلام ابن تيمية حيث قال: «والوكالة الجائزة أن يوكل الإنسان في فعل يقدر عليه … إلى أن قال: فليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يعتمد على","footnotes":"(¬١) حاشية: فتاوى ابن إبراهيم (١/ ١٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076836,"book_id":1139,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":317,"body":"الله في تيسير ما وكله فيه» (¬١).\rولعل الأقرب المنع من هذا؛ لأن التوكل هو الاعتماد والتعلق والالتفات، وذلك لا يكون إلا بالله وحده (¬٢).\r* قول: (وكلتك في كذا) لا بأس بها، وهذا من باب الوكالة لا من باب التوكل.\rالمسألة السادسة: أورد المصنف في الباب أثر ابن عباس ﵄: «حسبنا الله ونعم الوكيل» وهو مما له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يؤخذ بالرأي.\rوالمراد: أن الذي ينبغي للإنسان عند الملمات والشدائد أن يقول بلسانه وبقلبه: «حسبنا الله ونعم الوكيل» فهذه الكلمة فيها تفويض الأمر لله، والتجاء واعتصام به سبحانه، وهي كلمة نفع الله بها من قالها، وهما: إبراهيم ﵈ إذ قالها حين ألقي في النار، ومحمد ﵈ حيث تحزبت عليه الأحزاب.\r*خلاصة الباب: أن المسلم يتقرب إلى الله بالتوكل، وأنَّه يكون باللجأ إليه في جلب النفع ودفع الضر مع فعل السبب، وأن من توكل على غيره سبحانه، فقد أشرك.","footnotes":"(¬١) جامع الرسائل، لابن تيمية (١/ ٨٩).\r(¬٢) انظر: التعليق على فتح المجيد، للعبد اللطيف (ص: ٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076838,"book_id":1139,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":319,"body":"المسألة الأولى: المقصود بالباب: التأكيد على وجوب أن يكون العبد معلقًا قلبه بين رجاء الله وعدم القنوط، وبين الخوف من الله وعدم الأمن من مكره، ولقد ضلَّ أقوام غلَّبوا الرجاء، وأقوام غلَّبوا الخوف.\rفالمراد بالباب: التنبيه على أنَّ الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنَّه ينافي التوحيد، كما أنَّ القنوط من رحمة الله كذلك، ولذا قال بعض السلف: «من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن» (¬١).\r• واعلم أنَّ من صفات المكذبين للرسل أنَّهم يأمَنُون من مكر الله، فإذا رأوا النعم تأتيهم اطمأنوا وأمِنوا من عذاب الله مع أنَّهم مستحقون له، والواجب على المسلم أن يجعل في قلبه الخوف من الله، لاسيما عند فعل المعصية وكذا الطاعة، وهذا هو هدي المسارعين للخيرات، ولذا ورد في الحديث عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون، الآية (٦٠)]. قالت عائشة ﵂: «هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ ﷿» (¬٢).\rالمسألة الثانية: ورد في نصوص الباب أمورٌ من الكبائر، ولها ارتباط بالباب، وهي:\r١. القنوط من رحمة الله: وهو استبعاد الخير والإحسان منه، ومن ذلك","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٠/ ٨١).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٦/ ١٥٩)، والترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨)، والحاكم (٣٤٨٦)، وحسنه الألباني في الصحيحة (١٦٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076839,"book_id":1139,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":320,"body":"استبعاد الفرج وتيسر الأمر المتعسّر، ومن ذلك ما يقع من بعض العصاة إذا كثرت ذنوبهم، فربما قنطوا من رحمة الله ومن توبته عليهم، والمسلم يسمع من النصوص ما يجعله لا يقنط، ومنها:\rأ- ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر، الآية (٥٣)].\rب- «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ يَغْفِرُ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (¬١).\r• واعلم أنَّ أقرب الناس للقنوط هم الذين لا يعرفون الله، أما الذين يعرفونه فهم لا يقنطون، لعلمهم بسعة رحمته.\rولذا ورد أنَّ قدامة بن عبد الله ﵀ شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة، الآية (٩٣)]، فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب ﵁ اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنَّهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصرّوا على استحلالها قُتِلوا، وذلك أنَّ هذه الآية نزلت لما حرم الله الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد قال","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٣٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٦٥)، وأبو يعلى (٤٢٢٦)، والطبراني في الدعاء (١٨٠٥)، والضياء في المختارة (١٥٤٤ - ١٥٤٥).\rوأخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، عن أنس وحسنه من غير هذا الوجه، وبغير هذا اللفظ، والحديث أصله في صحيح مسلم (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة بلفظ قريب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076840,"book_id":1139,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":321,"body":"بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية؛ مبيّنًا فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يُحرّم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين (¬١)، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس.\rثم إنَّ أولئك الذين فعلوا ذلك يُذمّون على أنَّهم أخطأوا وأيسوا من التوبة، فكتب عمر إلى قدامة يقول له: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ (٣)﴾ [غافر، الآيات (١ - ٣)]. ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرم أولًا؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيًا؟\r٢. اليأس من روح الله: وقيل: هو بمعنى القنوط، وقيل: بينهما فرق، وهو أنَّ القنوطَ أشدُّ اليأس، وقيل: بل المراد هنا بالقنوط: القنوط من رحمة الله واستبعاد حصول المطلوب، وباليأس: أن يستبعد زوال المكروه.\r٣. الأمن من مكر الله: ومكر الله هو أنَّه إذا عصاه عبده وأغضبه، أنعم عليه بأشياء يظن أنَّها من رضاه، وإنما هي استدراج. قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والمعنى: استدراجه بالنعم حتى يأخذه على غره.\rوقال ابن تيمية: «هو إيصال الشر إلى الغير بطريق خفي» (¬٢).\rوهذه الأمور وردت في حديث ابن عباس، وقد ورد في الآية أن من أمِنَ مكر الله، فهو من الخاسرين.","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٣٠٥٠)، وابن حبان (٥٣٥٠) من حديث البراء مختصرًا، وأخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٨٠٨) مطولًا، من طريق الحسن مرسلًا، وفي الباب عن أبي هريرة وغيره.\r(¬٢) بيان الدليل (ص: ٢٣١)، وانظر: التعليق على فتح المجيد (ص: ٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076841,"book_id":1139,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":322,"body":"المسألة الثالثة: ورد في الباب قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، فهل يوصف الله بالمكر؟\r* قال أهل العلم: المكرُ في محلِّه محمودٌ، وهو في مقابلة مكر الماكر يدل على القوة، ولذا لا يجوز أن تصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق، وإنما في مقابلة المكر ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فمكرُ الله ورد في النصوص في مقابلة من مكرَ بأنبيائه وأوليائه، وهذا من الصفات التي تثبت لله مقيدة، قال ابن القيم: «المكرُ: إيصال الشيء الي الغير بطريقٍ خفي، وكذلك الكيدُ والمخادعةُ، ولكنه نوعان: قبيحٌ وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسنٌ وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له، فالأول مذموم، والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يُحمَد عليه عدلًا منه وحكمة، وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب، لا كما يفعل الظلمة بعباده» (¬١).\rالمسألة الرابعة: ورد في الباب الأمر بالخوف من الله وعدم الأمن من مكره، وورد الأمر بالرجاء وعدم اليأس من رحمته، فبأيهما يعمل الإنسان وأيهما يقدم؟\r* كلاهما مأمور به، فالخوف يقبض ويردع عن المعصية، والرجاء ينشِّط للطاعة، ولكل من الخوف والرجاء أحوالٌ يُغلَّبُ فيها ويقدّم:\r* فيغلّب الخوف من الله على الرجاء:\rعند المعصية، وعليه حينها أن يتذكر شدّة عقوبته سبحانه كي يرتدع ويتوب.\r* ويغلّبُ الرجاء على الخوف:\r١. عند التوبة من الذنوب؛ كي يقوى قلبه لقبول التوبة ولا يقنط.","footnotes":"(¬١) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076842,"book_id":1139,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":323,"body":"٢. عند قرب الأجل؛ كي يموت على حسن ظن بالله، وقد قال ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ» (¬١).\r* وأما عند فعل الطاعات فعليه أن يجمع بين الخوف أن لا تقبل، والرجاء وحسن الظنّ بالقبول، وهذا ما عليه المسلم الحق.\rوقد قال أبو علي الروذباري: «الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت» (¬٢).\r* وثمة أحوالٌ خاطئة تقع في الخوف والرجاء ليست على الصواب وهي مذمومة ومنها:\r١) الرجاءُ من المُصِرِّ على المعاصي، أو المفرِّط في الواجبات.\r٢) الخوفُ الذي يصل بصاحبه إلى القنوط من رحمة الله.\rوالمراد: أن لا تغلّب أحدهما، فمن الناس من يقول: أنا الرجل الصالح، صاحب الطاعات، فيفتنه الشيطان، ومنهم من يقول: أنا صاحب الذنوب التي لن يقبلها الله، فيغويه الشيطان، ويقنط.\r* خلاصة الباب: أنَّ تعظيم الله يتم بالخوف منه وعدمِ الأمن من مكره، ومع هذا عدم القنوط من رحمته، والتوسط بين هذين هو هدي المسلم الحق، وكلا الطرفين مذموم.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٨٧٧) من حديث جابر.\r(¬٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076844,"book_id":1139,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":325,"body":"وقال ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا اِبْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالأولى: مناسبة الباب للتوحيد:\r* من جهة أنَّ الصبر على القدر مأمورٌ به وواجب، وبقوة الصبر على المكاره في مراد المعبود سبحانه تُعلَمُ صحة عبادة المرء ومحبته، فالصابر يتحمل المشاقّ لأجل الله، فأعظمهم محبةً وتوحيدًا أشدُّهم صبرًا (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢٥٥٩)، وابن ماجه (٤٠٣١)، وأبو يعلى في المسند (٤٢٥٣)، والبيهقي في الشعب (٩٣٢٥)، وقال الترمذي: حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢١١٠).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية التغابن. الثانية: أن هذا من الإيمان بالله. الثالثة: الطعن في النسب.\rالرابعة: شدة الوعيد في من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية.\rالخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير. السادسة: إرادة الله به الشر.\rالسابعة: علامة حب الله للعبد. الثامنة: تحريم السخط. التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء.\r(¬٣) التعليق على فتح المجيد للعبد اللطيف (٣٨ - ٣٩)، ونقله عن مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٤٣٨) بتصرف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076845,"book_id":1139,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":326,"body":"* ومن جهة أخرى، فقد يتمادى به الأمر حتى يقع في الكفر، حينما يسبُّ ربه، لأجل قَدَره، ولذلك نبّه المؤلف على هذا.\rالمسألة الثانية: منزلة الصبر في دين الإسلام عظيمة، قال الإمام أحمد: ذكره الله في تسعين موضعًا من كتابه، وفي الحديث: «مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (¬١).\r• واعلم أن الصبر ثلاثة أنواع:\r١ - على طاعة الله. ٢ - عن معصية الله. ٣ - على أقداره.\rوالمراد هنا الثالث، وتعريفه: حبسُ النفسِ عن الجزع، وحبسُ اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارحِ عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما.\rالمسألة الثالثة: للإنسان مع الصبر على الأقدار أربعة أحوال: السخط، الصبر، الرضا، الشكر.\rفالصبر واجب، والرضا مستحب، وأرفع منه الشكر، وأما التسخط فمحرم، ودلّ على ذلك حديث أبي هريرة ﵁: «اِثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (¬٢).\rوحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ» وقد ورد في الباب أفعالٌ من التسخط ومما لا يجوز عند المعصية، وهي:\r١. النياحة على الميت، والنَوح أصله التناوح وهو التقابل، ثم استعمل في","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري.\r(¬٢) أخرجه مسلم (٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076846,"book_id":1139,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":327,"body":"اجتماع النساء وتقابلهن في البكاء على الميت (¬١).\rثم صارت النياحة تطلق على رفع الصوت بالبكاء والندب، وهو تعداد محاسن الميت وهذا من التسخط.\r٢. ضرب الخدود: وخص الخدّ لكونه الغالب، وإلّا فضربُ بقيةِ الوجه مثله.\r٣. شقّ الجيوب: والجيب ما يُفتَحُ من الثوب ليدخل فيه الرأس، وشَقُّه: إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخط (¬٢).\r٤. الدعاء بدعوى الجاهلية: وهو «ندب الميت» قاله ابن تيمية (¬٣)، وقال غيره: «هو الدعاء بالويل والثبور»، وقال ابن القيم: «الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض، يدعو إلى ذلك ويوالي عليه» (¬٤)، قال صاحب التيسير: «والصحيح أن دعوى الجاهلية تعم ذلك كله» (¬٥).\rوهذه الأشياء المذكورة هي من التسخط، وقد ورد الذمُّ لها من وجهين:\r١) أنَّها من الكفر: أي من خصال الكفر وشُعَبِه، فأطلق الكفرَ على من قامت به خصلة من هاتين الخصلتين، لكن ليس من قامت به شعبةٌ من شعب الكفر","footnotes":"(¬١) هدي الساري، لابن حجر (ص: ١٩٩).\r(¬٢) نيل الأوطار (٧/ ٤٨٦).\r(¬٣) إقتضاء الصرط المستقيم (ص: ٢٣٣).\r(¬٤) زاد المعاد (٢/ ٤٣١).\r(¬٥) تيسير العزيز الحميد (ص: ٤٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076847,"book_id":1139,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":328,"body":"يصير كافرًا الكفر المطلق، حتى يقوم به حقيقةُ الكفرِ، كما أنَّه ليس من قامت به شعبةٌ من شُعَبِ الإيمان يصيرُ مؤمنًا الإيمان المطلق، حتى يقومَ به أصلُ الإيمان، وفرقٌ بين الكفر المعرف بأل، وذلك المخرج من الملة، كما في قوله: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» (¬١)، وبين الكفر المُنَكَّرِ في الإثبات، فذلك يقتضي التشديد والزجر.\r٢) أنَّه ليس منا من فعل ذلك: وهي من نصوص الوعيد، ووردت في عدة أحاديث، واختلف الأئمة في تأويلها، وذهب الثوري وأحمد: «إلى كراهة تأويلها، لتكون أبلغ في الزجر وأوقع في النفوس» (¬٢).\rالمسألة الرابعة: أنَّ المؤمن يرضى عن الله في أقداره، ويصبر على قضائه، ويدعوه لذلك أمور:\r١ - أنَّه يعلم أنَّ ذلك بقدر الله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: بقدره وإرادته الكونية القدرية، وحكمته التامة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد، الآية (٢٢)].\r٢ - أنَّ مَنْ صبر، واستسلم لقضاء الله، عوّضه عما فاته من الدنيا هُدىً في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه، ولذا أورد المصنف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن، الآية (١١)]، قال علقمة: «هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ».\r٣ - أنَّ مثل هذه المصائب هي مكفرات ذنوب، ولذا أورد المصنّف في","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٨٢) من حديث جابر.\r(¬٢) فتح الباري، لابن حجر (٣/ ١٦٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076848,"book_id":1139,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":329,"body":"الباب قوله ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ، عَجَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا … »، فكون التكفير يقع في الدنيا أهون، وقد نقل الشارح عن ابن تيمية قوله: «المصائب نعمة؛ لأنَّها مكفراتٌ للذنوب، وتدعو إلى الصبر، فيثاب عليها، وتقتضي الإنابةَ إلى الله، والذلَّ له والإعراض عن الخلق» (¬١).\r٤ - أنَّ الله يوقع الابتلاء على من يحبهم، ليرفع درجاتهم، ويختبر صدق محبتهم، ولذا أورد المصنف قوله ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا اِبْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ».\rفأفاد الحديثُ أنَّ الرضا بالبلاء عبادة، وأنَّ السخطَ محرم، وأنَّ عاقبة الرضى الثواب، وطمأنينة القلب، وعاقبة السخط الحسرةُ، والتألم لأجل المصيبة، فلا هو كسب الأجر على المصيبة، ولا هو صبر واحتسب فهوَّنها الله عليه.\rالمسألة الخامسة: ذكر ابن تيمية أنَّ الصبر على الأقدار التي تقع على العبد بغير اختياره من المصائب نوعان:\rالنوع الأول: نوعٌ لا اختيار للخلق فيه: كالأمراض وغيرها من المصائب لا السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها؛ لأن العبد يشهد فيها قضاء الله وقدره، وأنَّه لا مدخل للناس فيها، فيصبر، إما اضطرارًا، وإما اختيارًا.\rالنوع الثاني: ما يحصل بفعل الناس في ماله أو عرضه أو نفسه، فهذا النوع يصعب الصبر عليه جدًا؛ لأن النفس تستشعر المؤذي لها، وهي تكره الغلبة، فتطلب الانتقام، فلا يصبر على هذا النوع إلا الانبياء والصديقون، وكان","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص: ٤٤٦)، ولم أجد هذا الكلام في المطبوع من كتب ابن تيمية، فلعله بالمعنى.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076849,"book_id":1139,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":330,"body":"نبينا ﵈ إذا أوذي يقول: «رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» (¬١)، وأخبر عن نبيّ من الأنبياء أنَّه ضربه قومه فجعل يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (¬٢) فجمع في هذه ثلاثة أمور: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون.\rوهذا النوع من الصبر عاقبته النصر والهدى والسرور، والأمن والقوة في ذات الله، وزيادة محبة الله ومحبة الناس له وزيادة العلم (¬٣).\r* خلاصة الباب: أنَّ الصبر على قدر الله وعدم التسخط منه، طاعة من الطاعات، وأنَّ التسخط على قدر الله نقص في التوحيد؛ لأنَّ مدبر الأقدار هو الله، والاعتراض على قدره هو اعتراض على حكمته، ومن وقع في هذا فهو لم يحقق الرضا بالله ربًا.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢) من حديث ابن مسعود.\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (١٧٩٢) من حديث ابن مسعود.\r(¬٣) جامع المسائل، لابن تيمية (١/ ١٦٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076851,"book_id":1139,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":332,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب فيما يتعلق بالرياء، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: مناسبة الباب: لمّا كان العمل والعبادة إنّما يقصد بها وجه الله، كان من التفت قلبُه لغيره، وقَصد بالعبادة وجه غيره، واقعًا في الشرك، وهو ما يسمى بالرياء، ولذا نبه المصنّف على هذا في كتاب التوحيد.\rالمسألة الثانية: تعريف الرياء وحكمه وبواعثه:\rالرياء: مصدر راءى يرائي، أي: عمل عملًا ليراه الناس، فهو فعل الخير لإرادة الغير، قال ابن حجر: «الرياء إظهار العبادة؛ لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها» (¬١).\rوالفرق بين الرياء وبين السمعة: أنَّ الرياء لأجل رؤية الناس، والسمعة هي العمل لإسماع الناس.\rوالرياء من أخطر أدواء القلوب، وباعثه في النفس ثلاثة أشياء، ذكرها ابن قدامة، وذكرها الحارث المحاسبي حين قال: «فالذي يبعث على الرياء وقبول خطرات العدو هذه الثلاث خِلال: حبُّ المحمدة، وخوفُ المذمّة والضعة، والطمعُ للدنيا، ولما في أيدي الناس جميعًا، ويجمع ذلك كلّه: حبُّ المحمدة وخوفُ المذمة؛ لأنَّ العبد قد يعلم أنَّه لا ينال ما عند الناس بطاعة ربّه إلّا أن يحمدوه عليها فتبذل له أموالهم، وأنَّه إنما جزع من الذم","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١١/ ٣٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076852,"book_id":1139,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":333,"body":"للمحمدة كراهية أن يزول عنه حمدهم، فتؤول هذه الخلال الثلاث إلى حبّ المحمدة، إلّا أنَّها تشعبت وتفرقت على أقدارِ الناس وقدرِ مراتبهم» (¬١).\rوأما حكمه: فهو شركٌ، ثم قد يكون شركًا أكبر إذا كان القصدُ لغير الله خالصًا، وليس في قلبه إرادة الله أبدًا، ويكون أصغر إذا قصد الله وغير الله.\rوقد ورد النهي عنه في نصوصٍ أشار لها المؤلف، وهي:\r(١) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، فذكر الله أنَّ قبول العمل يكون بأن لا يشرك به أحدًا، وهذا ميزان الأعمال الباطنة، ويكون صالحًا، وهذا ميزان الأعمال الظاهرة.\r(٢) قوله ﷺ: «قَالَ تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».\rوفيه أنَّ الله يردّ عمل من أشرك في القصد معه غيره، وقد ورد في الحديث: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشركُ الأَصْغَرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشركُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إلى الَّذِينَ كُنْتُم تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟» (¬٢).","footnotes":"(¬١) الرعاية لحقوق الله، للحارث المحاسبي (١٦٨).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٨١)، وابن خزيمة (٩٣٧)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٥٣)، والبيهقي في الشعب (٦٤١٢)، قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٢): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٥٥٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076853,"book_id":1139,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":334,"body":"(٣) «أَلَا أُخْبِرُكُمْ مَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ».\rوسمّاه خفيًا؛ لأنَّه عملُ قلبٍ لا يعلمه إلّا الله، ولأنّ صاحبه يُظهِرُ أنّ عملَه لله، وقد قَصد به غيره، أو أشركه فيه بتزيين صلاته لأجله.\r(٤) حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» (¬١)، ولفظ الترمذي: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (¬٢).\rفلأجل رياءهم أحبط الله أعمالهم مع أنَّها أشدَّ الأعمال: الجهاد والإنفاق والعلم.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٩٠٥).\r(¬٢) سنن الترمذي (٢٣٨٢)، وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076854,"book_id":1139,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":335,"body":"المسألة الثالثة: ذكر بعض أهل العلم أن للرياء أنواعًا:\r١) الرياءُ البدني: وهو أنَّ يُظهِرُ المرائي النُّحُولَ والصفار على جسمه؛ ليوهم الناس شدّة اجتهاده في العبادة، وخوفَه من الله والدار الآخرة.\r٢) الرياءُ من جهة اللباس والزي: وهو أنَّ يلبس على خلاف ما يلبسه الناس من الثياب، التي يزعم أنَّه لا يلبسها إلّا العلماء وأهل الله وخاصته؛ لأجل أن يقال: إنَّه عالمٌ أو عابدٌ أو زاهدٌ.\r٣) الرياء بالقول: وهو الرياء بالنطق والكلام، كإظهار أنَّه حافظٌ للحديث، وإظهارِ الذكر لله ﷿ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمام جمع من الناس، ومنه رياء أهل الوعظ والإرشاد الذين يُظهِرون للناس أنَّهم يحفظون الأخبار والآثار؛ لأجل مجاراة العلماء وإظهار غزارة العلم، ومنه خفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن؛ ليظهر للناس الحزن والخوف ونحو ذلك.\r٤ - الرياء بالعمل: ومنه المراءاةُ بطول الصلاة والقيام والركوع والسجود وإظهار الخشوع، والمراءاة بكثرة الصدقة والحج وغيرها من الأعمال التي يراها الناس ويحمدونه عليها.\r٥ - الرياء بكثرة الأصحاب والزوار: وهذا كالذي يتكلّف بدعوة العلماء والعبّاد؛ ليراه الناس ويقولوا: إنّ أهل العلم والدِّين يتردّدون عليه ويزورونه، فيحمدونه لأجل ذلك.\rكلّ هذه الأنواع يقع فيها الرياء، ولذلك يجب على المسلم البعد عن الرياء والحذر منه، والحرص على إخلاص العمل لله ﷿؛ لتكون أعماله مقبولة عند الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076855,"book_id":1139,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":336,"body":"المسألة الرابعة: للعمل مع الرياء أحوال أشار إليها ابن رجب بما خلاصته:\r١ - عملُ المرائي الذي دخله الرياء من أساسه، بحيث أنَّه لم يعمل العملَ إلّا من أجل الناس، وهو ما يسمى بالرياء المحض، فهذا العملُ باطلٌ مردودٌ على صاحبه، وهو كحال المنافقين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء، الآية (١٤٣)]، وهذا لا يكاد يصدر من مسلم.\r٢ - أن يكون العملُ لله ويشاركه الرياء:\rأ. فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، قال ابن القيم عن هذا النوع: «أن يبتدئها -أي: العبادة- مُريدًا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاءَ والشكورَ من الناس، وهذا كمن يصلي بالأُجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلّى، ولكن يُصلي لله وللأجرة، وكمن يحجّ ليُسقِط الفرضَ عنه، ويقال: فلان حجّ، أو يعطي الزكاة كذلك، فهذا لا يُقبل منه العمل» (¬١).\rب- إن كان أصلُه لله ثم طرأ عليه نيّة الرياء، قال ابن رجب: «فإن كان خاطرًا، ثم دفعه فلا يضره، بغير خلاف» (¬٢).\rوإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟\r* في ذلك خلافٌ بين العلماء، فمنهم من يرى أن العمل إذا كان أوله مرتبطًا بآخره بطل، وإن كان غير متصل أُجِرَ على أوله.\rومنهم من يرى أنَّه يثاب، وأنَّه يجازى بنيته الأولى.","footnotes":"(¬١) إعلام الموقعين (٢/ ١٢٥).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076856,"book_id":1139,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":337,"body":"وقال ابن القيم: «فهذا المعمول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله، فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة، وفسخها، أعني: قطع ترك استصحاب حكمها» (¬١).\r* فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضله ورحمته واستبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى حديث أبي ذر عن النبيّ ﷺ قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (¬٢).\rالمسألة الخامسة: يجب على الإنسان أن يسعى لجعل أعماله لله، وينقّي قلبه من الرياء والسمعة، ومما يعين على ذلك عدة أمور:\r١. أن يدافع بواعث الرياء، وهي ثلاثة -سبق ذكرها- حب المحمدة-، والفرار من ألم الذم والنقد، والطمع فيما بأيدي الناس.\rفجاهد نفسك على مدافعة هذه الأشياء من القلب، باستشعار أنَّ مدح الناس وذمهم لا يغير من منزلتك عند الله شيئًا، وإنَّما ترتفع عند الله أو تنزل بإخلاصك أو رياءك، وبأن تستشعر أنَّ الخلق إلى زوال قريب ماضون، فكم كان في الأرض من أقوام أرادوا بأعمالهم مدح الناس وثنائهم، فأثنى الناس عليهم، والآن قد مضى المادح والممدوح، ولا يبقى للعبد في قبره إلّا ما أخلص لله من عمله!\rوبأن يستشعر أنَّ ما في أيدي الناس هو من الله، فهو الرازق لا سواه،","footnotes":"(¬١) إعلام الموقعين (٢/ ١٢٤).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076857,"book_id":1139,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":338,"body":"فعلّق القلب بالله ولا تذلّ لأحد سواه.\r٢. أن يُعَوِّدَ نفسه إخفاء العبادات، كما يخفي السيئات، بأن يغلق الأبواب، ويجاهد على عدم إظهارها للناس، كي يعوّد نفسه الإخلاص، ويروّضها أن لا تطلب المدح من المخلوق (¬١).\r٣. أن يتذكر أنَّ طلب المحمدة والرياء، قد يبطل العمل فيصير من أخسر الناس عملًا، فلا هو كسب بطاعته الثواب، ولا هو ارتاح من عناء الطاعة.\rالمسألة السادسة: قد يتعبد الإنسان لله بعبادة أكثر مما يفعله في العادة حين يكون مع الناس، وذلك وقع منه لا لأجل طلب المدح، وإنما لأنَّه نشط للخير مع الجماعة.\r• مثاله: رجلٌ له عادة أن يوتر بثلاث ركعات، وحين كان مع أصحابه ورأى نشاطهم زاد من عبادته، أو أنَّه صام معهم حين صاموا، فهل هذا من الرياء؟\r* العبرة بما في القلب، فإن كان قصده طلب المدح فذلك رياء، وإن كان قد نشط حين رآهم وليس لأجل حبّ المدح فهو جائز، وذلك لأنَّ الإنسان قد يغلبه الشيطان على نفسه، فإن كان مع الجماعة نشط.\rقال ابن قدامة: «ففي مثل هذه الأحوال ينتدب الشيطان للصدّ عن الطاعة، ويقول: إذا عملت على غير عادتك كنت مرائيًا، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما ينبغي أن ينظر إلى قصده الباطن، ولا يلتفت إلى وسواس الشيطان.\rويختبر أمره بأن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإن رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله، وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم رياءً، وقس على","footnotes":"(¬١) انظر: مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة (ص ٢٤١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076858,"book_id":1139,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":339,"body":"هذا» (¬١).\r* خلاصة الباب: أنَّ العبادة لله، فلا يجوز أن يقصد بها العبد غير وجهه سبحانه، ولا أن يطلب من وراءها مدح الناس وثنائهم، وأن يحذر المسلم من الرياء فهو من أخطر الأدواء على العمل الصالح.","footnotes":"(¬١) مختصر منهاج القاصدين (٢٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076860,"book_id":1139,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":341,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مراد المصنّف من الترجمة بيانُ أمرين:\r١ - أنَّ أداء العبادة لأجل نيل حظٍّ من الدنيا، شركٌ ينافي كمال التوحيد الواجب.\r٢ - وأنَّ الواجب على الإنسان أن يخلص أعماله لله، ولا يخلط ذلك بشيء من أمور الدنيا، وذلك لأنَّ العبادة إنّما طلبها الله، وهو الذي يجازي ويحاسب، ويعلم ما في الضمائر، فمن الغبن أن ينصب المرء في العبادة، وينوي بذلك دنيا زائلة.\rقال سفيان الثوري: «إنَّ أقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة» (¬١).\rفإن قيل: فما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟\r* فالجواب: بينهما عموم وخصوص، فيجتمعان في أنَّ كلًا منهما عملٌ لغير الله، ويختلفان في قصدهما، فذاك أراد الثناء، وهذا أراد الدنيا، وكلاهما خاسر، لكن الثاني أهون.\rالمسألة الثانية: اعلم أنَّ الأصل أنَّ المرء تكون أعماله لله، لا يريد بها أمرًا من أمور الدنيا، وقد جاء ذم من عمل الطاعة وأراد بها أمرًا دنيويًا، في نصوصٍ ذكر المصنف منها آيةً وحديثًا.\r* أما الآية: فقوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٥٤)، والبيهقي في الشعب (٦٥٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076861,"book_id":1139,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":342,"body":"وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾، والمعنى: أنَّ من أرادوا الدنيا، فإننا نعطيهم ونوفّر لهم ثواب أَعْمَالِهم في دنياهم، في الصحة والسرور في المال والأهل والولد، وَهُمْ لا يُنقَصون.\rوقد فُسِّرت الآيةُ بتفسيراتٍ، لعل من أحسنها تفسير قتادة ﵀ حيث قال: «من كانت الدنيا همّه وطِلبته ونيّته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يُفضِي إلى الآخرة وليس له حسنةٌ يُعطى بها جزاءً، وأما المؤمنُ فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة» (¬١).\rوهذه الآية وإن كانت في الكفار، إلّا أنَّه لما كان من يعمل لغير الله، وإنما للدنيا قد شاركهم في القصد لغير الله صار حكمهما واحدًا (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ٣٤٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٣٥٨).\r(¬٢) وقد سئل الإمام محمد بن عبد الوهاب عن الآية، فذكر أنها يدخل فيها أنواع مما يفعله الناس، وخلاصة كلامه:\r١ - العمل الصالح من صلاة وصدقة وصلة وإحسان وترك ظلم ونحو ذلك، لكن لا يريد به ثواب الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعمة عليهم، ولا همّ له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا قد يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب، وهذا النوع ذكره ابن عباس.\r٢ - وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد أن الآية نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس، لا طلب ثواب الآخرة، وهذا ورد في الباب الذي قبله.\r٣ - أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالًا، مثل أن يحج لمال يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر- أيضًا- هذا النوع في تفسير هذه الآية، وكما يتعلم الرجل القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد فقط، لا لأجل الله.\r٤ - أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك، لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، إذ أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع- أيضًا- قد ذكر في هذه الآية عن أنس وغيره.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076862,"book_id":1139,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":343,"body":"* وأما الحديث: فقوله: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ … ».\rوعبدُ الدينار: طالِبُه الحريصُ على جمعه، القائمُ على حفظه، لا يرضى ولا يغضب ولا يحبّ ولا يُبغِض إلّا لأجله، سمّاه عبدًا له لشدّة شغفه وحرصه عليه، ولكونه هو المقصود بعمله، وكلُّ من توجه بقصده لغير الله، فقد جعله شريكًا له في عبوديته.\rووصفهُ بأنَّه عبدٌ ولم يقل مالك ولا جامع المال؛ لأنَّه منغمس في محبة الدنيا وشهواتها.\rفدعى النبيّ ﷺ عليه بأن ينتكس، وإذا أصيب بشوكة فلا أخرجها، وقد ذكر النبيّ ﷺ في الحديث علامة من يريد الدنيا فقط قال ﷺ: «إِنْ أُعْطِيَ رَضِي، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ».\rفمن كانت هذه حاله، فإنَّه يستحق أن يُدعى عليه بما يسوءه في العواقب.\rالمسألة الثالثة: الأعمال الصالحة إذا وقع معها نيّةُ أمرٍ دنيوي لا تخلو من حالات ثلاث:\rأولًا: مَنْ قصد الدنيا فقط، وليس في قلبه شيء من قصدِ التعبّد؛ فحكمه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076863,"book_id":1139,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":344,"body":"أن عمله حابط، وليس له من الأجر شيء، وقد وقع في الشرك.\r* والدليل: حديث أبي بن كعب ﵁ أنَّ النبيّ ﷺ قال: «بَشِّر هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ، وَالنَّصر، وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصيبٌ» (¬١).\rولأنَّ الله أخبر عن حبوط عمله كما في الآية: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ [هود، الآية (١٦)].\rقال ابن القيم معلقًا على الآية: «الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه، فإن كان معه إيمان لم يُرِد به الدنيا وزينتها، بل أراد الله به والدار الاخرة لم يدخل هذا الايمان في العمل الذى حبط وبطل وأنجاه إيمانه من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط».\rوقال أيضًا: «من كانت الدنيا مُرادَه ولها يعمل في غاية سعيه، لم يكن له في الأخرة نصيب» (¬٢).\r• مثاله: من يصلي أو يصوم، أو يحج، وليس في قلبه شيء من التعبد، بل يريد بذلك أمرًا دنيويًا من مال أو منصب أو نحوه.\rلكن قال العلماء: «هذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن، فإنَّ","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٥/ ١٣٤)، والحاكم (٧٨٦٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣٣ - ٦٨٣٤)، وفي الدلائل (٦/ ٣١٧)، والبغوي في شرح السنة (٤١٤٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٨٢٥).\r(¬٢) عدة الصابرين (١٣٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076864,"book_id":1139,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":345,"body":"المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان، لابد أن يريد الله والدار الآخرة».\rثانيًا: من قصد بالعمل الصالح وجه الله، وقصد الدنيا، وهو: المُخَلِّط.\r• وله أمثلة: منها من جاهد لإعلاء كلمة الله، ولنيل الغنيمة، ومن توَّلى الأذان للأجر، وللراتب، أو درّس العلوم الشرعية يريد العلم والفائدة، ويريد المال، ونحو ذلك؛ فهذا له حالات ثلاث:\rأ- أن يكون الغالبُ عليه إرادة وجه الله، ويريد الدنيا في نفس العمل، فيجوز، ولكن يكتب له من الأجر بقدر ما نوى.\r* والدليل على الجواز:\r١. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة، الآية (١٩٨)].\r٢. حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سريَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سريَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ، إِلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ» (¬١).\rب- أن يتساوى القصدان: فهذا ينقص أجرُه بقدرِ ما نوى من الدنيا.\rقال السعدي: «وأما من عمل العمل لوجه الله ولأجل الدنيا، والقصدانِ متساويان أو متقاربان، فهذا وإن كان مؤمنًا فإنَّه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص، وعمله ناقص؛ لفقده كمال الإخلاص» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٩٠٦).\r(¬٢) القول السديد (ص: ١٣٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076865,"book_id":1139,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":346,"body":"ج- أن يكون الغالب عليه إرادة الدنيا، فهذا محرم، وعدّه بعض العلماء من الشرك الأصغر.\rثالثًا: من عمل العمل الصالح، وقصد به وجه الله وحده، وأخذ في مقابل عمله الديني جُعلًا ماليًا؛ كالمجاهد الذي يترتب على جهاده غنيمةٌ أو رَزقٌ، وكما لو أخذ من الأوقاف التي تُجعَل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها، فهذا لا تثريب عليه، ولا يضرّ أخذه هذا المال في إيمانه وتوحيده، لكونه لم يُرِد بعمله الدنيا، وإنّما أراد الدين، وقصد أن يكون ما حصل له معينًا له على قيام الدين.\r* خلاصة الباب: أنَّ العمل الصالح يجب أن يراد به وجه الله، ولا يقصد به شيئًا من أمور الدنيا، فالدنيا كلها أحقر وأقلّ من أن تنويها في عبادةٍ تتقرب بها لله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076867,"book_id":1139,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":348,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب للكلام على طاعة العلماء والأمراء، أحكامها، وأقسامها، والكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:\rهذا الباب من مقتضى التوحيد، إذ أنَّه معلوم أنَّ العبادة تكون بطاعة الله، فإذا عُلِم أنَّ الطاعة بامتثال أمر الله هي العبادة، نبّه المصنف بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الله بهذه الطاعة التي فيها تحليل أو تحريم، وأنَّه لا يطاع في هذا الأمر سواه إلّا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله.\rالمسألة الثانية: يدخل في الباب طاعة كل مخلوق في تحريم حلال أو تحليل حرام، وإنما ذكر في الباب العلماء والأمراء؛ لأنَّهم أولى من يطاع في مثل هذا، إذ هم أولوا الأمر، وحث الله على طاعتهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية (٥٩)]. لكن طاعتهم تبعًا لطاعة الله.\rفلو أطاع أحدٌ عالم ضلالة، أو أميرًا على تحليل محرمٍ أو تحريم حلال،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076868,"book_id":1139,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":349,"body":"فهو داخل في هذا الباب.\rالمسألة الثالثة: من أطاع هؤلاء في التحليل والتحريم فقد اتخذهم أربابًا، وهذا يتبين من وجهين:\r١ - لأنَّه عدّهم مُشَرِّعين مع الله، والتشريعُ حقٌّ لله سبحانه.\r٢ - لأنَّه قدّم طاعتهم على طاعة الله.\rوهذا الأمرُ له أمثلة، ومنها: أنَّ بعض الناسِ يطيع علماء السوء، ويقدم أمرهم على ما ورد عن الرسول.\r• ومن ذلك: أنَّ من الناس من يسمع من النصوص الدالة على تحريم تعظيم القبور ونحو ذلك، ثم هو يخالف ذلك؛ لأجل هوى في نفسه، أو يقول: إنَّ علماءنا يفعلون هذا، وهذا خللٌ كبير، وجِماعُ هذا: أن يطيعهم في تحليل حرامٍ وعكسه.\rالمسألة الرابعة: ساق المصنف للدلالة على الترجمة نصوصًا:\r١) قول ابن عباس ﵄: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!».\rوهذا اللفظ الذي ذكره المصنف ليس له وجود في كتب السنة، ولعله ساقه بالمعنى، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: «تَمَتَّعَ النبيّ ﷺ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سيهْلِكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النبيّ ﷺ، وَيَقُولُون: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (١/ ٣٣٧)، وابن حزم في حجة الوداع (٣٩١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٧٨)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076869,"book_id":1139,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":350,"body":"وفي لفظٍ ذكره ابن عبد البر فقال ابن عباس: «وَاللَّهِ مَا أَرَاكُمْ مُنْتَهِينَ حَتَّى يُعَذَّبَكُمُ اللَّهُ، نُحَدِّثُكُمْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُونَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» (¬١).\rومراد ابن عباس: أنَّ النص لا يعارض بقول أحدٍ كائنًا من كان، والشاهد: مقالة ابن عباس، وإلّا فمسألة التمتع في الحج فيها خلاف.\rفإذا كان هذا قول ابن عباس في الخليفتين الراشدين، فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دونهم؟! قال الشافعي: «أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ» (¬٢).\rقال ابن القيم: «فهلاّ قال ابن عباس، وعبد الله بن عمر: أبو بكر وعمر أعلم برسول الله ﷺ منا، ولم يكن أحدٌ من الصحابة، ولا أحدٌ من التابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نصٍّ عن رسول الله ﷺ، وهم كانوا أعلم بالله ورسوله، وأتقى له من أن يقدّموا على قول المعصوم رأى غير المعصوم» (¬٣).\r٢) استشهد بإنكار الإمام أحمد على أقوامٍ ثبت عندهم الحديث بسند صحيح، ثم هم يخالفونه إلى قول الثوري أو غيره مما يكون فيه مخالفة للحديث، إما لعدم علم الإمام به أو عدم ثبوته عندهم أو لغير ذلك، فيأتي من يأتي من الأتباع، ويوافق هذا الإمام، مع أنَّه يرى نصًا وحديثًا صريحًا يخالف مذهبه، فالإمام معذور إذا لم يبلغه أو لم يصح عنده الخبر، إنّما الإشكال فيمن صحّ عنده ثم خالفه لقول بشر، وإذا نوقش في هذا ربّما قال:","footnotes":"(¬١) جامع بيان العلم (٢٣٧٧).\r(¬٢) إعلام الموقعين (١/ ٦).\r(¬٣) زاد المعاد (٢/ ١٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076870,"book_id":1139,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":351,"body":"لم يكن هذا الحديثُ ليخفى على الإمام، وإنما له توجيه، فربما أنَّه منسوخ أو متأول أو غير ذلك، وقال قائلهم: كل حديثٍ لم يأخذ به إمامنا، فهو مؤول أو منسوخ.\rفهؤلاء يُخشى عليهم من أمرين:\r١. الفتنة، وهي الشرك كما ورد في الآية، ويكون هذا بأن يتدرج بهم الأمر حتى يقعوا فيه.\r٢. أن يصيبهم عذاب أليم؛ لمخالفتهم أمر النبيّ ﷺ، وتقديم قول أحد من الأمة على أمر الله أو أمر رسوله ﷺ.\rوورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم أنَّهم نهوا عن تقليدهم إذا خالف قولهم الدليل والآية، وعن بعضهم: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، وقد قال أحمد: «لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي، وخُذ من حيث أخذوا» (¬١).\r٣) حديث عدي بن حاتم ﵁ أنَّ الله ذكر أنَّ اليهود والنصارى قد اتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذا الأمر يحتاج لبيان، وبيانه في:\rالمسألة الخامسة: طاعة العلماء والكبراء في تحليل الحرام ثلاث صور:\r١. أن يعلموا أنَّهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ، اتّباعا لرؤسائهم، مع علمهم بأنَّهم خالفوا دين الرسول ﷺ، فهذا كفر، وقد جعلوهم أربابًا مع الله، وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون.","footnotes":"(¬١) انظر: أصل صفة صلاة النبي ﷺ، للألباني (١/ ٢٤) للأهمية، فقد نقل عن الأئمة الأربعة أقوالهم في تقديم الحديث على قولهم، ﵏ جميعًا.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076871,"book_id":1139,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":352,"body":"٢. أن يكون اعتقادُهم وإيمانُهم بتحريمِ الحرامِ وتحليل الحلال ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلمُ ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنَّها معاصٍ، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.\r٣. أن يتابعوهم جهلًا فيظنّوا أن ذلك حكم الله، فهذا:\rأ- إن لم يمكنه التعلم فلا شيء عليه؛ لحديث: «مَنْ أُفْتِىَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» (¬١).\rب- وإن أمكنه معرفة الحق بنفسه، فهذا مفرط آثم.\r* خلاصة الباب: أنَّ التشريعَ والأمرَ كلَّه لله، فهو المطاعُ بإطلاق، وكذا رسوله ﷺ، وما عداه فطاعتهم مقيدة بحدود الشرع، مع اعتقادنا أنَّهم غير معصومين، وأن الميزان هو الشرع.","footnotes":"(¬١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢١)، والدارمي (١٥٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٥٩)، وأبو داود (٣٦٥٧)، وابن ماجه (٥٣)، والطحاوي في شرح المشكل (٤١٠)، والحاكم (٣٥٠)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٠٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076873,"book_id":1139,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":354,"body":"القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله» (¬١).\rوقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف، الآية (٥٦)].\rوقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة، الآية (٥٠)].\rعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» (¬٢) (¬٣).\r\r(الشرح)\rهذا الباب في الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، وبيانِ","footnotes":"(¬١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول (٣٣١) من طريق الكلبي عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٩٩١)، وابن المنذر (١٩٤٣) عن مجاهد مرسلًا نحوه.\r(¬٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥)، وابن بطة في الإبانة (٢٧٩)، والبيهقي في المدخل (٢٠٩)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٣)، وسيأتي الحكم عليه في الشرح.\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية النساء، وما فيها من الإعانة على فَهْم الطاغوت.\rالثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة، الآية (١١)].\rالثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف، الآية (٥٦)].\rالرابعة: تفسير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ بَيْنَ [المائدة، الآية (٥٠)]. الخامسة: ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.\rالسادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب. السابعة: قصة عمر مع المنافق.\rالثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076874,"book_id":1139,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":355,"body":"أنَّ التحاكم يكون إلى رسول الله، وذلك من لوازم شهادة أنَّه رسول الله، والكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مناسبة الباب للتوحيد:\rأ- إمّا أن يقال: أنَّ من مقتضى التوحيدِ التحاكمَ إلى شرع الله، والتحاكمُ إلى غيرِ شرعه سبحانه قدحٌ في التوحيد.\rب- أو يقال: إنَّ التوحيد مبني على الشهادتين، وما مضى من الأبواب هو في معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فنبه في هذا الباب على شيء مما يتعلق بشهادة «أنَّ محمدًا رسول الله»، وأنَّها تتضمن تحكيم شرعه وطاعته.\rالمسألة الثانية: هذا الباب هو فيما يتعلق بالتحاكم إلى الله ورسوله، والتحاكم إليهما هو التحاكم إلى الشرع كما لا يخفى، وخلاف ذلك التحاكم إلى غير الشرع.\rواعلم أنَّ الكلام في الحكم بغير ما أنزل الله يتناول ثلاثة أطراف:\r١ - المشرِّع. ٢ - الحاكم بذلك التشريع. ٣ - المتحاكمون إليه.\rأولًا: المشرِّع: ويراد به من شرَّع القوانين وخالف الشرع: فمن شرّع أمرًا خلاف الشرع فقد كفر؛ لأنَّه ناقض الشرع وخالفه، ولأن التشريع حقٌ إلهيٌ، فمن نازع الله فيه فقد كفر.\rثانيًا: الحاكم بغير ما أنزل الله: فهذا له حالتان:\r١. أن يكون هذا الأمرُ منه على الدوام، فهو يحكم بغير شرع الله، كالذي يأتي بالقوانين ويجعلها محلّ الحُكمِ بما أنزل الله، فالمقرر عند أكثر العلماء أنَّ هذا كفرٌ ورِدَّةٌ، وأنَّ حكمَه حكم من سنَّ القوانين، بل حُكِيَ الإجماعُ على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076875,"book_id":1139,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":356,"body":"هذا، قال ابن كثير معلّقًا على قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾: «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَمِ المشتملِ على كل خير، الناهي عن كل شرٍّ وعدل، إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستندٍ من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان، الذي وضع لهم اليَساق -وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه-، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومن فعل ذلك منهم فهو كافرٌ يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله» (¬١).\rوقال الشنقيطيّ: «وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه، مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله ﷺ، أنّه لا يَشكّ في كفرهم وشركهم إلّا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم» (¬٢).\rوهذا الأمر كان موجودًا في الجزيرة في زمن دعوة المجدد، وكانوا يسمون ذلك: السُلُوم، أو سوالف البادية، أو شرع قبيلة كذا، ويتحاكمون إليها، وقد أنكر العلماء هذا الأمر، قال ابن سحمان: «فإن كثيرًا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).\r(¬٢) أضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٢٥٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076876,"book_id":1139,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":357,"body":"الحق بشرع الرفاقة، كقولهم شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه، الذي أمر الله باجتنابه» (¬١).\r٢. أن يكون ذلك في قضيةٍ أو قضايا قليلةٍ وليست دائمة، وهو يعلم أنَّه عاصٍ بتحكيم غير شرع الله، إنما ارتكبه لهوى أو ظلمٍ ونحوه، فهذا لا يَكفُر، بل حكمه أنَّه مرتكبٌ للذنب، قال ابن القيم: «إن اعتقد وجوبَ الحكمِ بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنَّه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر» (¬٢)، فيكون كفرًا أصغر بقيود ثلاثة:\r١ - أن يكون في قضية أو قضايا قليلة.\r٢ - أن يعلم أنَّه مخطئٌ عاصٍ مستحقٌ للعقوبة.\r٣ - أن يكون الدافع لذلك الهوى والعدوان ونحوهما، لا الاستخفاف أو الاستحلال، أو اعتقاد أنَّ غيرَ شرعِ الله أفضل أو مساوٍ، أو يجوز الحكم به.\rثالثًا: المتحاكم لغير شرع الله: فمن تحاكم إلى من يحكِّمُ غير شرع الله له أحوال:\r١) أن يكون مُجبرًا ملزمًا بذلك، فليس عليه شيء، كمن رُفع به عند محكمة تحكم بالقوانين.\r٢) أن يذهب باختياره ورغبته، ويرى أن الحكم بذلك جائز سائغ، فهذا كفر.","footnotes":"(¬١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ٥٠٣).\r(¬٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076877,"book_id":1139,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":358,"body":"٣) أن يرى أنَّ الحكم بذلك لا يجوز، ومع هذا يذهب برغبته واختياره، فهذا ليس بكفر، لكنه على خطر عظيم، ومن هذا من يذهب ويرفع عند محكمة تحكم بالقوانين، وهو يرى أنه عاصٍ بذلك.\rويدخل في التحاكم إلى القوانين التحاكم إلى كل جهة وإدارةٍ شرعت أحكامًا مخالفة لشرع الله.\rوالجامع لذلك: هو أنَّ من شرع أمرًا مخالفًا للشرع فهو من هذا، وما لم يدخل فالأصل أنَّ لولي الأمر أن يجعل من الأمور التي لا تخالف الشرع وتضبط الناس.\rومن صور التحاكم إلى غير شرع الله تعالى ما يلي:\r١. ما وقع في زمن التتار، كما ذكر ابن كثير في تفسيره (¬١)، حيث إنَّهم حكموا بكتاب ودستور صنعه جنكيز خان، ويسمى (الياسق) أو (الياسه) وفيه مجموعة من أحكامٍ اقتبسه من شرائع شتى، وفيه أحكام أخذها عن مجرد نظره، وصار في بنيه شرعًا، يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة.\r٢. التحاكم إلى الهيئات الدولية التي تحكم بقوانين البشر، وتخالف شرع الله.\r٣. التحاكم إلى محاكم الكفار في بلادهم، وهو غير ملزم بذلك، ويستطيع التحاكم لغيرهم.\rفأما إن اضطر للتحاكم لمحاكم البلاد الكافرة، فيجوز- والله أعلم- بقيود ثلاثة:","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076878,"book_id":1139,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":359,"body":"١) كراهة التحاكم إليهم.\r٢) أن لا يأخذ المتحاكم إليهم أكثر من حقه.\r٣) أن يكون ما يطالب به من حقٍ تقرّه الشريعة.\rوحينها لا يُعتبر هذا من التحاكم إلى الطاغوت؛ لأنَّ المتقدّم إنما يأخذ حقّه الذي أقرّته الشريعة فقط، وهذا من شريعة الله، ومحكمةُ البلد وسيلةٌ لتنفيذ ما أقرّته الشريعة، وهو مضطر لهم.\r٤. العمل ببعض الأنظمة واللوائح التي فيها مخالفة لشرع الله، كما يحصل في بعض الجهات في بعض الدول أن تسنّ قوانين وأنظمة مخالفة لشرع الله، فمن علم بها فليس له التحاكم إليها؛ لأنَّها مخالفة لشرع الله تعالى.\rالمسألة الثالثة: وردت نصوص عديدة تدل على وجوب التحاكم إلى شرع الله وحكمه، وساق المصنف بعضًا منها:\r١) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وقد ذكر المؤلف للآية سببي نزول:\r١. ما ورد عن الشعبي في تحاكم يهودي ومنافق، وطلبِ المنافق من اليهودي التحاكم إلى اليهود؛ لأنَّهم يأخذون الرشوة.\r٢. أنَّها نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: «نترافع إلى النبيّ ﷺ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076879,"book_id":1139,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":360,"body":"وهي نماذجُ تعطي صورًا للتحاكم الذي ذمّه الله، ولذا قال ابن كثير بعد ذكر سبب النزول: «والآيةُ أعمُّ من ذلك كله، فإنَّها ذامّةٌ لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ها هنا» (¬١).\rواعلم أنَّ الآية دليلٌ على كفر التحاكم لغير شرع الله، فالله تعجّب من زعمهم أنهم مؤمنون، مع أنهم يحكمون بغير شرع الله، وما ذلك إلّا لأنَّ دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب.\rثم أُتْبِعت هذه الآية بآية في الموضوع، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ثم علقه وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وفيها:\r١ - أنَّه لا يجوز للمسلم التحاكم إلى غير الكتاب والسنة.\r٢ - أنَّه عدّ التحاكم إليه من تحقيق الإيمان، فلا يتمّ إيمان امرئٍ إلّا بذلك.\r٢) قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء، الآية (٦٥)].\rوسبب نزولها قصة الأنصاري مع الزبير ﵁، وقيل: بل نزلت في اليهودي والمنافق الذين تحاكما إلى الطاغوت، ورجح الطبري الثاني (¬٢).\rوعلى القول بأنَّه في قصة الزبير -وهو ثابت عند البخاري (¬٣) -، فإذا كان","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤٦).\r(¬٢) تفسير الطبري (٨/ ٥٢٤).\r(¬٣) صحيح البخاري (٢٧٠٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076880,"book_id":1139,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":361,"body":"هذا الأمر نزل في مخاصمةٍ في سيل ماء، فما بالك بمن لم يرض بقضاء النبيّ ﷺ وحكمه في أصول الدين وفروعه، وصدَّ الناس عن ذلك.\rقال ابن القيم: «فأقسم سبحانه بأجلِّ مُقسَمٍ به -وهو نفسه ﷿ على أنّه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يُحَكِّموا رسول الله ﷺ في جميع موارد النزاع، في جميع أبواب الدين، فإنّ لفظة «ما» من صيغ العموم .. ولم يقتصر على هذا حتى ضمّ إليه انشراح صدورهم بحكمه، حيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا -وهو الضيق والحَصَر- من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم، لا أنّهم يأخدونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإنَّ هذا مناف للإيمان، بل لابدّ أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر.\rثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضمّ إليه قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فذكر الفعل مؤكدًا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين، وهو التسليم والخضوع له والإنقياد لما حكم به طوعًا ورضًا، وتسليمًا لا قهرًا ومصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحبّ شئ إليه، يعلم أنَّ سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بأنه أولى به من نفسه وأبرّ به منها وأقدر على تخليصها، فمتى علم العبد هذا من رسول الله ﷺ واستسلم له، وسلم إليه، انقادت له كل علّة في قلبه، ورأى أن لا سعادة له إلّا بهذا التسليم والانقياد» (¬١).\r٣) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ».","footnotes":"(¬١) الرسالة التبوكية (ص: ٢٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076881,"book_id":1139,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":362,"body":"والحديث أخرجه البيهقي وأبو الشيخ في كتاب الحجة، وأبو نعيم في الأربعين من رواية نعيم بن حماد، عن عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو به، وصححه النووي ﵀.\rولكن ضعفه طائفة من أهل العلم، منهم ابن عساكر (¬١)، وابن رجب (¬٢)، حيث قال: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا، من وجوه منها:\r١ - أنَّه تفرد به نعيم بن حماد المروزي، وقد ضعفه طائفة وقالوا: «عنده مناكير»، وقال ابن معين: «ليس بشيء ولكنه صاحب سنة».\r٢ - أنَّه اختلف فيه على نُعيم.\r٣ - وفي إسناد عقبة بن أوس متكلم في روايته عن ابن عمرو.\rفالصواب ضعف الحديث، لكن مع هذا فمعناه صحيح، وأصله في القرآن (¬٣).\rوالشاهد في الحديث: أنَّ العبد لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب، حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي، فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، ولا يجد في نفسه حرجًا من أوامر الدين، ويعتقد أن المشرع هو الله.\rالمسألة الرابعة: قد عدّ الله التحاكم إلى غيره إفسادًا في الأرض، وتحاكمًا إلى حكم الجاهلية، وساق المصنف في هذا آيتين:","footnotes":"(¬١) طرق الأربعين، لأبي القاسم بن عساكر (٢/ ٥٩).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٩٥).\r(¬٣) انظر: تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ص: ٥٠٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076882,"book_id":1139,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":363,"body":"١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾\r٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.\rووجه الشاهد من الآيتين: أنَّ التحاكم إلى غير الله ورسوله هو من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح للأرض إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله وهو سبيل المؤمنين.\rواعلم أنَّ الإفساد المعنوي الذي يحصل بتحكيم غير شرع الله أعظمُ من الإفسادِ الحسيّ الذي يترتب عليه الإيذاء للناس في دنياهم، بل لا مقارنة بينهما.\rالمسألة الخامسة: التحاكم إلى غير شرع الله هو من اتباع أهل الجاهلية في ضلالهم، وقد ساق المصنف قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة، الآية (٥٠)].\rوخلاصة القول في تفسيرها: أنَّ الله أنكر على كل من خرج عن حكم الله، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، وترك الحكم بشرع الله في كل القضايا كفر بالله سبحانه كما تقدم.\rالمسألة السادسة: أورد المؤلّف في الباب ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه قتل من أراد التحاكم إلى غيره، وهذا الأثر أتى به الشيخ بصيغة التمريض (قيل)، وقد ذكره الواحدي في أسباب النزول معلقًا عن الكلبي عن أبي صالح، وهذا مع تعليقه إسنادٌ ضعيف، لكن ورد له شاهد ذكره ابن تيمية في الصارم المسلول، ومع هذا فهو ضعيف؛ لأنَّه مرسل، ومن رواية ابن لهيعة (¬١)،","footnotes":"(¬١) الصارم المسلول على شاتم الرسول، لابن تيمية (ص: ٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076883,"book_id":1139,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":364,"body":"نعم ساق صاحب التيسير له شاهدًا ثم قال: «فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولًا يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة ولا يضرها ضعف إسنادها» (¬١).\rلكن هذا فيه نظر والله أعلم، فليس للقصة طرق يعتمد عليها، ولذا قال ابن باز ﵀: «القصة فيها نظر، وإنما يقال: القصة وقعت بسبب يهودي ومنافق، قال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ، وقال المنافق: نتحاكم إلى حكامكم، وقيل: إنَّه كعب بن الأشرف، لعلمه أنَّه يأخذ الرشوة، فنزلت الآية، هذا أصح ما قيل، والله أعلم» (¬٢).\r* خلاصة الباب: أنَّ التشريع مما يختص به الله تعالى، وعلى هذا فمن جعل مشرّعًا غير الله، أو شرَّع هو شيئًا يخالف ما شرعه الله، أو تحاكم إلى من يحكم بغير شرع الله فقد وقع في المحذور.","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص: ٥١٠).\r(¬٢) شرح كتاب التوحيد (ص: ١٩٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076885,"book_id":1139,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":366,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مرادُ المؤلف بهذا الباب: بيان حكم من جحد شيئًا من الأسماء والصفات، إمّا بتكذيبٍ أو تأويلٍ، وما جزاؤه.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ التوحيد من أنواعه: توحيد الأسماء والصفات، فلا يَتِمُّ توحيدُ العبدِ حتى يؤمن بتوحيد الأسماء والصفات، فمن جحدها أو شيئًا منها، فإنَّه لم يكمل توحيده.\rالمسألة الثانية: توحيد الأسماء والصفات عند أهل السنة يكون بأن يُثبِتَ المرءُ لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فمذهبُ أهل السنة بريء من التعطيل والتكييف والتمثيل والتحريف.\rالمسألة الثالثة: استدل المصنف للباب بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد، الآية (٣٠)] وقد اختلف في سبب نزولها، فنقل عن ابن عباس: «أنَّها نزلت لما قال النبيّ ﷺ لكفار قريش: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ فنزلت» (¬١).\rوقيل: إنَّها نزلت لما أراد المشركون كتابة الصلح يوم الحديبية، كتب عليّ ﵁: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف","footnotes":"(¬١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول (٥٤٩)، من طريق الضحاك عن ابن عباس، وهو منقطع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076886,"book_id":1139,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":367,"body":"الرحمن (¬١).\r* والشاهد في الآية: أنَّ الله سمى إنكارهم لاسم الرحمن كفرًا، ومَن كفر باسمٍ من أسماء الله أو جحده فقد كفر بالله.\rالمسألة الرابعة: ورد في الباب أثر علي ﵁ في البخاري: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» وهذا قاله حين كثر القُصّاصُ في خلافته وصاروا يذكرون أحاديث ليست من الأحاديث المعروفة، ولهذا كثر الوضع بهذا السبب.\rويدخل فيما لا يعرفه الناس نوعان من الكلام:\r١. ما يُستنكر من جهة عدم ثبوته.\r٢. ما لا تستوعبه عقولهم؛ لئلا يُفتنوا، وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» (¬٢)، وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فمنها ما يسيء بعض الناس فهمه، كما نُقِل عن الحسن البصري أنَّه أنكر تحديث أنس ﵁ للحَجّاج بقصة العرنيين؛ لأنَّه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وكما يحصل من البعض أنَّه يحدِّثُ بأحاديث عند ناسٍ، فتكون سببًا لأن يتركوا طاعةً أو يقويهم على بدعة، ولذا كان بعضُ السلفِ لا يحدِّثُ في ديار الخوارج بمثل حديث: «وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ» (¬٣) ونحوه، ولذلك يقول بعض أهل العلم:","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٢٧٣١)، وليس فيه ذكر سبب النزول.\r(¬٢) أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح (ص: ١١).\r(¬٣) أخرجه الشافعي في مسنده (٣٢٢)، ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٦)، والحديث أصله في الصحيحين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076887,"book_id":1139,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":368,"body":"إنَّه لا ينبغي أن تحدث العصاة بنصوص الرجاء، ونحو ذلك، قال ابن حجر: «وضابط ذلك: أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب» (¬١).\r• إذا تقرر هذا: فنصوص الصفات نُقل عن مالك أنَّها من هذا الباب، أي: لا ينبغي أن يُحَدَّثَ بها العامةُ؛ لأنَّها لا تستوعبها عقولهم، فقد يفهمون منها التشبيه.\rوأجاب صاحب التيسير عن هذا بما معناه: «ما أظنّ ذلك يثبت عن مالك، والقرآنُ مملوءٌ من آيات الصفات فماذا يقال؟ بل يقال: إنَّ أحاديث وآيات الصفات مازالت تُقرأ على العوام، بل من شرط الإيمان بالله الإيمان بالأسماء والصفات» (¬٢).\r• وعلى هذا: فيحمل كلام مالك ﵀ على بعض نصوص الصفات مما قد يلتبس فهمها على العوام، أو ما يتعلق بدقائق البحث في مسائل الأسماء والصفات مما لا يتصوره العوام، وقد ورد أن مالكًا ﵀ قال ذلك عندما حدّث بحديث الصورة «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (¬٣).\rوقد ذكر المصنف عن ابن عباس: «أنَّه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبيّ ﷺ في الصفات -استنكارًا لذلك- فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه».\rوقد قال الذهبي: حدّث وكيعٌ عن إسرائيل بحديث: «إذا جلس الربُّ على","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١/ ٢٢٥).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد (ص: ٥٠٠).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076888,"book_id":1139,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":369,"body":"الكرسي، فاقشعرّ رجلٌ عند وكيع، فغضب وكيع، وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها» (¬١).\rالمسألة الخامسة: أورد المصنف أثر ابن عباس: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا اِنْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصِّفَاتِ اِسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ؟!».\rوفيه أن هذا الرجل انتفض جسمه إنكارًا حين سمع أحاديث في الصفات، فأنكر ابن عباس صنيعه، وقال: «مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟! يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ؟!».\rوها هنا يرِدُ على كلام ابن عباسٍ سؤال وهو: هل نصوص الصفات من المتشابه؟ وإذا قلنا: إنَّها من المتشابه، فمعلوم أنَّ منهم من قال: المتشابه لا يعلمه إلا الله؟!\r* نصوص الصفات من المحكم -وإن قال السيوطي: إنَّها من المتشابه (¬٢) - وأما أثر ابن عباس فيقال فيه: التشابه أمرٌ نسبي، فقد يكون متشابهًا عند قوم، وبيِّنًا جليًا عند آخرين، وبعض الناس يقصر فهمه عن إدراك المعنى، أو يفهمه على معنى خطأ فيما يتعلق بالصفات، فهو من المتشابه في حقّه، فيكون التشابه من حيث فهم بعض الناس وقصوره، أما من حيث المعنى فليست نصوص الصفات من المتشابه.\r* خلاصة الباب: وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته، على وفق مذهب السلف الصالح، وعدم جحد شيء منها.","footnotes":"(¬١) العرش للذهبي (٢/ ١٥٥)، (٢/ ٢٥٣).\r(¬٢) الإتقان في علوم القرآن (٣/ ١٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076890,"book_id":1139,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":371,"body":"(الشرح)\rهذا الباب هو في حكم إضافة نعم الله لغيره، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب وعلاقته بالتوحيد.\rالمراد بالترجمة: التأدّب مع الله في الألفاظ، وأن تنسب النعم إلى الله، فهو المسبّب الحقيقي.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ إضافة النعم إلى غير الله:\rأ- إن كان أضافها على أنَّ المنعم بها غير الله، فهذا شركٌ في الربوبية؛ لأنَّه أضافها إلى السبب على أنَّه فاعل.\rب- وإن كان أضافها لغير الله على أنَّه سببٌ -كما ورد من الألفاظ في هذا الباب والذي بعده-، فهذا نوعٌ من الشرك في الألفاظ.\rالمسألة الثانية: اعلم أنَّ الواجب على العبد تجاه النعم من الله:\r١. أن يشكر نعم الله عليه بلسانه، فيلهج بالحمدِ والثناء على الله، وأن ينسبها ويضيفها إلى المنعم الحقيقي وهو الله.\r٢. أن يحبّ الله على ما أعطاه، ويعترف بقلبه أنَّه المنعم الحقّ، وأنَّه محض تفضّلٍ منه، وليس للعبدِ استحقاق على الله.\r٣. أن يشكره بأفعاله، بأن يستخدم النعم في طاعة الله.\rوبهذه الأمور تدوم النعم بإذن الله، وذاك شكرها الذي قال الله فيه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076891,"book_id":1139,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":372,"body":"المسألة الثالثة: نسبةُ النعمِ لغير الله له حالات بعضها أشدُ من بعض:\rالحالة الأولى: أن ينسب النعم لغير الله نسبة إيجادٍ وخَلقٍ، فيعتقد أن غير الله هو من أوجدَ النعمة؛ وهذا كفرٌ بالله، حيث جعلَ المنعم غيره سبحانه، والله هو وحده الرازق ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر، الآية (٣)].\rالحالة الثانية: أن يضيف النعم للمخلوق، باعتقاد أنَّ المخلوق سببٌ، والمنعم هو الله، فهذا له حالتان:\rأ-إن كان المخلوقُ سببًا: فلا يجوز؛ لأنَّه أضاف النعمة له، ولم يضفها إلى الله.\rوقد يدخل هذا فيما ورد عن أبي سعيد ﵁: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ … » (¬١).\rب- أن لا يكون المخلوق سببًا، كما لو أضاف النعمة للولي فلان، أو للأمير، وليس له فيها أي تسبّب، فهذا أشنع، وقد يصل إلى الشرك، إن اعتقد أنَّه له تصرفًا في الأمور، وسيأتي لهذا أمثلة في المسألة الرابعة.\rالحالة الثالثة: أن ينسب النعمة لله، ومع هذا يشكر المخلوق؛ لأنَّه تسبب في هذا، وثبت أنَّ له سببًا، فهذا جائز، بل مشروع، وقد قال النبيّ ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (¬٢).","footnotes":"(¬١) سبق إيراد المصنف له في الباب (٣٢).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٥ - ومواضع)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١٨)، وأبو داود (٤٨١١)، والترمذي (١٩٥٤)، وابن حبان (٣٤٠٧)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ١٨٢)، وفي الشعب (٩١١٧)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076892,"book_id":1139,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":373,"body":"المسألة الرابعة: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل، الآية (٨٣)]. وهي دالّةٌ على ذمِّ من أنكر نعمة الله ولم ينسبها له بعدما عرفها.\rوذكر في الباب ثلاثة أقوالٍ للسلف فيما يدخل في الآية، وكيف تنكر النعم.\rالأول: ما ورد عن مجاهد، وساقه بمعناه، ولفظه: «هي المساكنُ والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، يعرف هذا كفار قريشٍ ثم ينكرونه، بأن يقولوا هذا كان لآبائنا فورّثونا إياه» وهذا فيه تناسٍ للمسبب وهو الله، وفي هذا يقول ابن القيم ما معناه: «لما أضافوا النعم إلى غير الله، فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما، فأنكراها، وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر، وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم، إذ أنعم بها على آبائهم، ثم ورثهما إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه» (¬١).\rالثاني: أن يقول: لولا فلان ما حصل كذا، ومثله قول: لولا فلان قائد السيارة لهلكنا، أو لولا فلان ما نجحت في تجارتي، ومنه قول عون بن عبد الله: «يقولون: لولا فلان لم يكن كذا»، فمثل هذه الألفاظ:\rأ- إن أراد بها السبب: فلا ينبغي له قولها، سواء كان السببُ خفيًا، أو لا اعتبار له، أو كان السببُ ظاهرًا، ولو أراد الإخبار وكان الخبرُ صدقًا مطابقًا للواقع، فالأولى أن لا يقولها، وأجازه بعضهم للإخبار.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٨٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076893,"book_id":1139,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":374,"body":"ب- إن أراد أن هذا هو المسبب: فلا يجوز؛ لأنَّه نسب النعم لغير الله، وهو المنعم الحقيقي والمدبر.\rالثالث: ما ورد عن ابن قتيبة: «أنَّهم إذا حصلت لهم نعمةٌ أو مطر أو مال أو غيره، قالوا: إنَّ الآلهة شفعت لنا، أو الولي بشفاعته حصل لنا كذا».\rوهذه العبارة شركٌ بالله تعالى، قال ابن القيم: «أما قول القائل: (بشفاعة آلهتنا) فتتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذلُّ من أن تشفع عند الله، وهي مُحضَرةٌ في الهوان والعذاب مع عابديها» (¬١).\rواختار ابن جرير التفسير الأول (¬٢)، وذكر غيرُ واحد أن الآية تعم الثلاثة، وهذا أقرب.\r* خلاصة الباب: أنَّه يجب التحري في الألفاظ والتأدب، وأن لا يصدر منه لفظ فيه نسبة النعم لغير المنعم الحقيقي وهو الله تعالى.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (٨٢).\r(¬٢) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ٢٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076895,"book_id":1139,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":376,"body":"وقال ابن مسعود ﵁: «لِأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا» (¬١).\rوعن حذيفة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» (¬٢).\rوجاء عن إبراهيم النخعي: «أنَّه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك، قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا لولا الله وفلان» (¬٣) (¬٤).\r\r(الشرح)\rهذا الباب قريب من الباب السابق، إلّا أنَّ الأول في وجوب إفراد الله","footnotes":"(¬١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٧٩)، والطبراني في الكبير (٨/ ٤٦٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٧): رجاله رجال الصحيح.\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٤٩٨٠)، وأحمد (٥/ ٢٨٤)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٥٥)، الطحاوي في شرح المشكل (٢٣٦)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢١٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٧).\r(¬٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٣٤٤).\r(¬٤) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد. الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعمّ الأصغر.\rالثالثة: أنَّ الحلف بغير الله شرك. الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقًا، فهو أكبر من اليمين الغموس.\rالخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076896,"book_id":1139,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":377,"body":"بالنعم، وهذا في إفراد الله بالمشيئة والحلف والاستعاذة ونحو ذلك، والكلام عليه في مسائل:\rالمسألة الأولى: مراد المؤلف بالباب ذِكرُ صورةٍ مِنْ صور جعل الندِّ مع لله تعالى، ومعلومٌ أنَّ الندَّ هو المِثلُ والنظير، وجعلُ الندِّ لله: صرفُ أنواعِ العبادة أو شيء منها لغير الله، واتخاذُ الأنداد نوعان:\r١ - شركٌ أكبر: كمن يدعو غير الله، ونحو ذلك من العبادات.\r٢ - شركٌ أصغر: وهو ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول: ما شاء الله وشئت ونحو ذلك، وهو المراد هنا؛ حيث ساق ألفاظًا يجب لمن أراد تحقيق التوحيد التحرز منها، ولو لم يقصد بها معناها، إذ هي من الشرك في الألفاظ.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: أنَّ المرء ينبغي أن يحقق توحيده، وأن يتحرز من كل لفظٍ يخالف التوحيد، ومن ذلك ما ذكره في هذا الباب.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنف عدّة عباراتٍ فيها إشكال، وهي:\r١) قول: «والله وحياتك يا فلان، وحياتي»: وهذه فيها حلفٌ بغير الله، وتسويةٌ لغير الله بالله في هذا، والصواب أن يحلف بالله وحده.\rوقد ورد النهي عن الحلف بغير الله في الحديث الذي ذكره المصنف عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».\rولذا يرى جمهور العلماء -بل حكى ابن عبد البر الإجماع-: «أن الحلف بغير الله لا يجوز» (¬١)، خلافًا لمن رأى أنَّه مكروه؛ لأنَّ الحلف عبادة، وفيها","footnotes":"(¬١) التمهيد (١٤/ ٣٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076897,"book_id":1139,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":378,"body":"تعظيم للمحلوف به، فلا تصرف لغير الله؛ لأنَّه هو المعظَّمُ، ولا شك أن الحالف بغير الله ما حمله على ذلك إلا تعظيمه للمحلوف به، وهذا يقع من بعض من يعظمون الأولياء، قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «ولهذا إذا توجهتْ على أحدهم اليمينُ بالله تعالى أعطاك ما شِئتَ من الأيمان صادقًا أو كاذبًا، ولو قيل له: احلف بحياة الشيخ فلان، أو بتربته ونحو ذلك، لم يحلف إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أعظمُ في قلبه من ربِّ الأرباب، وما كان الأولون هكذا، بل كانوا إذا أرادوا التشديد في اليمين حلفوا بالله تعالى، كما في قصة القسامة التي وقعت في الجاهلية» (¬١).\rوإذا كان الحلف بغير الله شركًا -كما ورد في الحديث- فإن حكمه يختلف، حيث يقول أهل العلم:\rأ- إن اعتقد أنَّ المحلوف به مساوٍ لله في التعظيم والحق: فهو شرك أكبر.\rب- إن لم يعتقد ذلك: فهو شرك أصغر.\r* ولأجل خطورة الحلف بغير الله، قال ابن مسعود ﵁: «لأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا». وذلك لأنَّ الحلف بالله كاذبًا كبيرة، والحلف بغير الله شرك وكفر، وإن كان أصغر فهو أكبر من الكبائر بإجماع السلف، قال ابن تيمية معلّقًا على كلام ابن مسعود ﵁: «لأنَّ حسنةَ التوحيدِ أعظمُ من حسنةِ الصدق، وسيئةَ الكذبِ أسهلُ من سيئة الشرك» (¬٢).\r٢) قول: «لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص» وهذه فيها نسبة عدم وقوع السرقة للكلب حين نبح، وللبطّ حين صوّت، وهذا","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (ص: ١٨٦)\r(¬٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٥٥٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076898,"book_id":1139,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":379,"body":"خللٌ، فالله هو المسبب، ولو شاء لما نبح الكلب، وما انتبه البط، فالصواب هنا أن يقول: «لولا الله وحده»، أو يقول:» لولا الله ثم كذا»؛ لأن (ثم) تفيد التراخي في المرتبة، وأما التشريك بالواو فلا يجوز، فالمراتب ثلاث:\r١. لولا الله وحده، فهذا الكمال.\r٢. لولا الله ثم فلان: فيجوز إذا كان سببًا.\r٣. لولا الله وكذا: فلا يجوز.\r٣) قول: «ما شاء الله وشئت»: وقد ورد عن حذيفة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». والإشكال في هذه الكلمة أنَّه عَطفَ بالواو، والعطفُ بالواو يقتضي المساواة؛ لأنَّها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسويةُ المخلوقِ بالخالقِ في نوعٍ من أنواع العبادة شرك.\r٤) قوله: «لولا الله وفلان»: وهذه فيها جعلُ المخلوقِ مساويًا لله في السببية، وقد قال في الأثر: «لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك».\r٥) قول: «أعوذ بالله وبك» وفيها ما في سابقتها من تسوية غير الله في الاستعاذة، والواجبُ أن يقول: «أعوذ بالله وحده»، أو يقول: «أعوذ بالله ثم بك»، إذا كان فيما يقدر المخلوق عليه.\rوقد نقل المصنف عن إبراهيم النخعي: «أنَّه كان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، حتى يقول: ثم بك».\rوالسلف يطلقون الكراهة ويريدون بها التحريم غالبًا، كما هنا، وكما ورد في أول الكتاب: «كانوا يكرهون التمائم كلها» وقد ورد في القرآن الكراهة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076899,"book_id":1139,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":380,"body":"وأريد بها التحريم: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.\r* خلاصة الباب: أنَّه لا يجوز للإنسان أن يتخذ مع الله نِدًا، لا في العبادة، ولا في الحلف، ولا في الألفاظ من استعاذة واستغاثة ونحوه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076901,"book_id":1139,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":382,"body":"بِاللَّهِ» (¬١). وفي لفظ: «أَلَا مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (¬٢).\r٢. حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ مرفوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِيت وَلَا بِآبَائِكُمْ» (¬٣).\r٣. ما ورد عن سعد بن عبيدة: «أنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا وَالكَعْبَةِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشركَ» (¬٤).\rولأجل هذا نهى العلماءُ عن الحلفِ بغير الله، وسبق أنه محرمٌ عند الجمهور.\r* ومن صور الحلف بغير الله: الحلفُ بالآباء، وكان موجودًا عند العرب، فنهى النبيّ ﷺ عنه كما في هذه الأحاديث.\rفإن قيل: كيف نجيب عما ورد في حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» أَوْ «دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ»؟ (¬٥).\r* أجيب عنها بأجوبة عديدة، لعل أقواها ثلاثة أجوبة:\r١ - أنَّ هذا منسوخ، وذلك لأن الذي يظهر أنَّه وقع في أول الأمر، ثم نُسِخَ بأحاديث النهي عن الحلف بالآباء.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٨٣٦)، ومسلم (١٦٤٦).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦).\r(¬٣) أخرجه مسلم (١٦٤٨).\r(¬٤) سبق تخريجه في الباب، رقم (٤٢).\r(¬٥) أخرجه مسلم (١١)، والحديث أصله في البخاري (٤٦) بدون لفظة: وأبيه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076902,"book_id":1139,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":383,"body":"٢ - أنَّه جارٍ على عادة العرب في قولهم ألفاظًا ولا يريدون حقيقتها، كما يقولون: ثكلتك أمك، أو تربت يمينه، ونحوها.\r٣ - أن لفظة: «وَأَبِيهِ» شاذة، تفرد بها إسماعيل بن جعفر في رواية بعض الرواة عنه، وقد اختلف عليه هو أيضًا، فقد وردت روايته عند البخاري بدونها، وأكثر الذين رووا الحديث ذكروه بدونها، وإنما بلفظ: «أفلح إن صدق»، ولذا أعرض البخاري عنها، وأوردها مسلم بطريقةٍ توحي بأنَّه يريد إعلالها لا الاحتجاج بها، وقد ذكر مسلم في مقدمته أنَّه قد يورد ألفاظًا يريد إعلالها، فلعل هذا منها، ومن له دُربة في صحيح مسلم يدرك هذا من طريقة سوقه للمتابعات والأسانيد (¬١).\rالثانية: أنَّه ينبغي لمن حلف بالله أن يصدُقَ في يمينه، ولا يجوزُ له الكذب في اليمين، فإن ذلك استخفافٌ بالله الذي حلف به كاذبًا، فإنْ ترتب على حَلِفِه أكلٌ لمالٍ أو ظلمٌ لحقٍ فهي اليمين الغموس.\rالثالثة: أنَّه ينبغي لمن حُلِف له بالله أن يرضى، وذلك تعظيمًا لمن حُلف له به، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «رَأَى عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسرقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسرقْتَ؟ قَالَ: كَلاَّ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، فَقَالَ عِيسى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي» (¬٢)، وهذا لتعظيمه لله سبحانه.\rوقد توعد في الحديث من لم يرض بمن حلف له بالله، بأنَّه ليس من الله فقال: «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ»، وهذا من ألفاظ الوعيد التي تبقى على ظاهرها؛ ليكون ذلك أوقع لهيبتها في القلوب.","footnotes":"(¬١) وانظر: شرح مسلم، للنووي (١/ ١٦٨).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٦٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076903,"book_id":1139,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":384,"body":"لكن هل هذا -أي: الرضا بمن حلف بالله- على إطلاقه؟\r* للعلماء في الحديث أقوال، والظاهر والله أعلم: أن الأمر لا يخلو من حالين:\rأ- أن يكون الحالف بالله هو في حالة الدعاوى والخصام والتحاكم: فمن حُلِفَ له عند القاضي إذا توجهت اليمين عليه، فإنّ على المحلوفِ له أن يرضى باليمين ويلتزمَ بمقتضاها.\rب- أن يكون في غير ذلك: أي في عامة أمور الناس وأحوالِهم، فإذا حلف لك أحدٌ بالله فالأصل أنَّه يجب أن ترضى، إلا إن علمت أو غلب على ظنِّكَ وترجح عندك أنَّه كاذب، إما للقرائن، أو لأنَّه معروف بالكذب ونحو ذلك، فلا يجب حينها أن تصدقه وترضى، ولا تأثم بذلك، والله أعلم.\r• مثاله: قال لك خادمك: والله ما سرقتُ، والقرائن تدل على أنَّه هو السارق، فلا تأثم بعدم تصديقه بحلفه.\r* خلاصة الباب: أن من تعظيمك لله، وإجلالك له ولاسمه سبحانه، أن إذا حلف لك أحدٌ بالله، وأنت لا تدري أصادقٌ هو أم كاذب، فإنك تصدقه، إلا إن تبين لك خلاف ما حلف عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076905,"book_id":1139,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":386,"body":"مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخْبَرْتُ بِهَا مَنْ أَخْبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن ماجه (٢١١٧)، وابن أبي شيبة، في مسنده (٦٥٢)، والدارمي في المسند (٢٧٤١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٤٣)، والضياء في المختارة (١٥٥) من طريق عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل بن سخبرة.\rوقد اختلف على عبد الملك بن عمير، فروري عنه، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل بن سخبرة، كما سبق.\rوروي عنه، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان. رواه ابن ماجه (٢١١٨) وغيره، بلفظ فيه بعض الاختلاف، (أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَعْرِفُهَا لَكُمْ، قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ») والأول هو المحفوظ الذي رجحه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٣)، والبزار في مسنده (٧/ ٢٥٣)، والحديث من وجهه الراجح إسناده حسن.\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر. الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.\rالثالثة: قوله هـ: «أجعلتني لله ندًّا؟» فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك … والبيتين بعده.\rالرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: «يمنعني كذا وكذا».\rالخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي. السادسة: أنها قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076906,"book_id":1139,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":387,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: مراد المؤلف بهذا الباب بيان حكم قول القائل: «ما شاء الله وشئت» ونحوها من الألفاظ، وبيان أنَّ قولها لا يجوز وأنَّها من الشرك، كما أقر النبيّ ﷺ اليهودي على قوله: «إنكم تشركون».\rوعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ المرء مأمورٌ بأن يوحِّدَ الله في أفعاله وأقوالِه، وهذا اللفظ فيه إشراك كما سبق، وهذا يعني أنَّ من الشركِ شركُ الألفاظ.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنّف هذه الأحاديث، وفيها النهي عن لفظين:\r١. قول: «ما شاء الله وشئت» ورد هذا في حديث قتيلة أنَّ اليهودي عدّه من الشرك، وأقرّه النبيّ ﷺ على هذا، وورد في حديث ابن عباس، وجعله النبيّ ﷺ من اتخاذ الندّ لله، وورد في حديث الطفيل.\r• وعلة النهي: أنَّ المشيئة لله وحده، فلا يشرك معه أحدٌ، لا نبيٌ ولا غيرُه.\r* فإن قيل: فما وجه التفريق بين الطاعة والمشيئة، فإنَّ الله قد قرن طاعته بطاعة الرسول، كما في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، وأمّا في المشيئة، فقد نهى النبيّ ﷺ عن القرن بينه وبين الله فيها؟\r* قال ابن تيمية: «لأنَّ طاعة الرسول طاعة لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة الرسول، بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحدٍ من العِباد مشيئةٌ لله، ولا مشيئةُ الله مستلزمةٌ لمشيئة العِباد، بل ما شاء الله كان وإن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076907,"book_id":1139,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":388,"body":"لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله» (¬١).\rوإذا كان قد ورد في الحديث النهي عن قرن مشيئة العبد بمشيئة الله وأنَّها من الشرك، مع أنَّ الله أثبت للعبد في القرآن مشيئة، فما بالك بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك ونحوها، أو يقول: أنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلّا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، واللهُ لي في السماء وأنت لي في الأرض، ونحوها من الألفاظ، فلا شك أنَّها أفحشُ من قولِ ما شاء الله وشئت (¬٢).\r٢. قوله: «والكعبة» وهذا حلفٌ بغير الله، وسبق الإشارة لتحريم الحلف بغير الله، وبالكعبة، وأنَّه من الشرك بالله.\rفإن قيل: حديث قتيلة ورد النهي من اليهودي، فكيف لنا أن نتخذ ذلك تشريعًا؟\r* الجواب:\r١ - أنَّ كون الأمر ورد من يهودي لا يمنع أن يكون النبيّ ﷺ نبه على النهي عن ذلك قبل كلامه.\r٢ - أنَّ كلام اليهودي اكتسب المشروعية بإقرار النبيّ ﷺ له، فصار اتباعنا لسنة النبيّ ﷺ لا لقول اليهودي.\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنّف حديث الطفيل (¬٣)، والشاهد أنَّ فيه بيانًا","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى- الرسالة التدمرية (٣/ ١٠٩).\r(¬٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (٥٢٢).\r(¬٣) سبق تخريج الحديث، وابن ماجه -الذي عزى المؤلف له الحديث- لم يسق لفظ حديث الطفيل، وإنما ساق سنده فقط، وساق متن حديث حذيفة بن اليمان، وهو مقارب له، وسبق إعلال حديث حذيفة ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076908,"book_id":1139,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":389,"body":"لما سبق أنَّ قول: «ما شاء الله وشئت» شرك لأنَّها تقتضي التسوية.\r* فإن قيل: هل يمكن أن يمنع النبيّ ﷺ الحياء من إقرار الحكم؟\r* الحياء لا يمنعه، وإنّما ما ورد عن الله ما يقتضي المنع وأراد أن ينهى عنها لما فيها من المبالغة في تعظيمه الذي لم يرد في الشرع النهي عنه، والإنسان السوي لا يرتاح لتعظيمه والمبالغة في هذا، لكن لمّا كان الدافع لهذه الكلمة تعظيمه لم يقدم ﷺ على ردّهم، فلما سمع الرؤيا جاءه الخبر بالتحريم فجزم ولم يتردد.\r* خلاصة الباب: أنه لا يجوز قول: «ما شاء الله وشئت»؛ لأن في اللفظ تشريك في المشيئة، فوجب التحرز منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076910,"book_id":1139,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":391,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: بوب المصنّف للباب بمن سبّ الدهر فقد آذى الله، ومتقررٌ أنَّ العباد لا يملكون أن يضرّوا الله بشيء، وفي الصحيح: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني … » (¬١).\rولفظ الأذى في اللغة: هو لِما خفَّ أَمْرُه وضَعُفَ أثرُه من الشرِّ والمكروه، وهو بخلاف الضُرّ، فقد أخبر سبحانه أنَّ العباد لا يضرّونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور.\rوالمراد بهذا الباب: النهي عن سبِّ الدهر، وهذا أمرٌ كان موجودًا عند أهل الجاهلية، يقول أحدهم: أصابتهُ قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، ويا خيبة الدهر، ويقع نحو هذا كثيرًا على ألسنة الشعراء.\rوالدهر: هو الزمنُ والوقت، وسَبُّهُ: بتنقّصه وشتمِه ولعنِه ونسبةِ الشرِّ إليه، وهو درجاتٌ، أعلاها لعنُ الدهر.\rفإن قيل: ما هو السبُّ، وما حدّه؟\r* فالجواب: أنَّه يرجع فيه إلى العرف، قال ابن تيمية: «يُرجع في الأذى والشتم إلى العرف، فما عدّه أهلُ العُرفِ سَبًّا أو انتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا، ونحو ذلك، فهو من السبّ» (¬٢).\rالمسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد: أنَّ سبّ الدهر ينافي كمال التوحيد؛ لأنَّ فيه أذيّة لله، حيث أنَّه في الحقيقة سب للمتصرف في الدهر وهو الله.\rالمسألة الثالثة: سبُّ الدهرِ له ثلاث حالات:\r١) أن يسبّ الدهر على أنَّه هو الفاعل: فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه اعتقد أنَّ مع","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).\r(¬٢) الصارم المسلول، لابن تيمية (٥٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076911,"book_id":1139,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":392,"body":"الله متصرفًا، فنسب الحوادث لغير الله، وهذا مذهب من يسمون بالدهرية.\r٢) أن يسبّ الدهر لا على أنَّه الفاعل، بل يعتقد أنَّ الله هو المدبّر المصرّف، لكنه سبّ الدهر لأنَّه كان محلًا وزمنًا للأمر المكروه عنده: فهذا حرام.\r• والعلة: أنَّ هذا سفهٌ في العقل، فقد سبَّ ما ليس محلًا للسبِّ، وهو ضلال وتنقص لله؛ لأنّ السبَّ يعود إلى المتصرّف بالدهر وهو الله، فالدهرُ لا يُقَدِّرُ شيئًا بل الله هو الذي يُقَدِّر.\rونظير هذا لو أنَّ رجلًا حكم عليه القاضي بأمرٍ، أو أفتاه مُفْتٍ بفتوى، فجعل يسبّه، وهو إنّما قضى أو أفتى بكلام النبيّ ﷺ، فيكون كأنَّه سبَّ الرسول ﷺ.\rومن ذلك قول: الزمانُ غدّارٌ، يومٌ أسود، شهرٌ نحس، ونحوه.\r* ولذلك ذكر ابن القيم أنَّ سبّ الدهر فيه ثلاث مفاسد:\r١ - سبُّ من ليس أهلًا للسبّ، فإنَّ الدهرَ خَلْقٌ مُسَخَّر.\r٢ - أنَّ سبّه متضمن للشرك، فإنّما سبّه لظنه أنَّه يضرّ وينفع، وأنَّه مع ذلك ظالم.\r٣ - أنَّ السبّ إنّما يقع على من فعل هذه الأفعال، وربُّ الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع، والدهرُ ليس له من الأمر شيء، فمسبّته مسبّة لله ﷿.\r٣) أن يقصدَ الخبر المحض دون اللوم والسبِّ: فهذا جائز، كما ورد عن قوم لوط: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود، الآية (٧٧)]. ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت، الآية (١٦)]. فالمراد هنا: أنَّ الأيام التي أوقع الله فيها العقوبة بأعدائه وأعداء رسله كانت أيامًا نحسات عليهم؛ لأنَّ النحس أصابهم فيها، فأرادوا وصف ما وقع لهم، وإن كانت أيامَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076912,"book_id":1139,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":393,"body":"خيرٍ لأوليائه المؤمنين، فهي نحسٌ على المكذبين، سعدٌ للمؤمنين، وهذا كيوم القيامة، فإنَّه عسيرٌ على الكافرين، يوم نحسٍ عليهم، يسيرٌ على المؤمنين، فالمتكلم قَصَد الإخبار، لا السبَّ والتسخّط.\rونظير هذا قول: تعبنا من شدة البرد أو الحرّ ونحوه، وقول يوسف ﷺ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف، الآية (٤٨)].\rوكذا قول: هذه سنة جوع، أو قحط، ومنه تسمية الناس لبعض السنين بسنة المجاعة.\rالمسألة الرابعة: أتى المصنف بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية، الآية (٢٤)].\rووجه الشاهد فيها: أنَّ الله أخبر عن المشركين أنَّهم قالوا: ليس هلاكنا إلّا بمرور الزمن، وما يهلكنا إلّا الدهر، فنسبوا الإهلاك إلى الدهر، فمن سبَّ الدهر أو نسب التصرف إليه، فقد شابههم أو شاركهم في هذا السبّ.\rالمسألة الخامسة: ورد في الحديث: «وَأَنَا الدَّهْرُ» والمقرر عند أكثر أهل العلم أنَّ الدهر ليس من أسماء الله، لأمرين:\r١. أنَّ سياق الحديث يأبى ذلك؛ لأنَّه قال: «أُقَلِّبُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، والليل والنهار هما الدهر، فكيف يمكن أن يكون المقلَّبُ، هو المقلِّب؟!\r٢. أنَّ أسماءه ﷾ حسنى، أي: بالغة في الحسن أكمله، والدهر اسم جامد لا يحمل معنى إلّا أنَّه اسم للأوقات، فلا يحوي صفة من صفات الكمال.\rفإن قيل: فما معنى ما ورد في الحديث «وَأَنَا الدَّهْرُ؟».\r* قال ابن تيمية: «أكثر العلماء أنَّ هذا الحديث خرج الكلام فيه؛ لردّ ما يقوله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076913,"book_id":1139,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":394,"body":"أهلُ الجاهلية ومن أشبههم، فإنَّهم إذا أصابتهم مصيبةٌ أو مُنِعوا أغراضهم أخذوا يسبونَ الدهر والزمان، يقول أحدهم: قبّحَ اللهُ الدهرَ الذي شتّت شملنا، ولعنَ اللهُ الزمانَ الذي جرى فيه كذا وكذا، وكثيرًا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا، كقولهم: يا دهرُ فعلتَ كذا، وهم يقصدون سبَّ من فعل تلك الأمور ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السبّ على الله تعالى؛ لأنَّه هو فاعل تلك الأمور ومحدثها، والدهر مخلوق له هو الذي يقلّبه ويصرّفه، والتقدير: أنَّ ابن آدم يسبّ من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها، فإذا سبّ الدهر فمقصوده سبّ الفاعل، وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهرُ لا فعلَ له، وإنّما الفاعلُ هو الله وحده» (¬١).\r* خلاصة الباب: أنَّ الزمان والدهر وقتٌ لحلولِ قدر الله، فلا يجوز أن يسبّه ابن آدم؛ لأنَّه لا تأثير له، وإنّما سبّه يؤول إلى سبّ الله الذي قدّره.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076915,"book_id":1139,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":396,"body":"الأملاك، وشاهان شاه، أي: قاضي القضاة، ومثل حاكم الحكّام ونحوها.\r• وعلة النهي: منافاة ذلك لكمال التوحيد؛ إذ التوحيد يقتضي أن لا يُعَظَّمَ مخلوقٌ ويُجعل في منزلة الله فيما يختص به.\rقال ابن القيم: «لما كان المُلك الحقُّ لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه كان أخنع اسم، وأوضعه عند الله، وأغضبه له اسم: شاهان شاه، أي: ملك الملوك وسلطان السلاطين، فإنّ ذلك ليس لأحدٍ غير الله، فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل، والله لا يحبّ الباطل.\rوقد ألحق بعضُ العلماء بهذا «قاضي القضاة»، وقال: «ليس قاضي القضاة إلّا من يقضي الحق، وهو خيرُ الفاصلين، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون» (¬١).\rالمسألة الثانية: دلّ حديث أبي هريرة ﵁ على النهي عن التسمّي بمثل هذه التسميات، وأنّ من تسمّى وتلقّب بهذه الألقاب، فإنَّه قد تسمّى بأوضع اسمٍ عند الله، واتّصف بأوضع وصفٍ، وهو أغيظُ وأخبثُ رجلٍ.\r• والعلة:\r١ - أنَّه قد كذب حين تسمّى بما ليس له، بل هو حقيقٌ بربّ العالمين.\r٢ - أنَّه رجى العزّ والشرف والتعظيم بهذا الاسم، فعومل بنقيض قصده، فصار أوضع اسمٍ عند الله.\r٣ - ذكر بعض العلماء: أنّ التسمّي بمثل هذه الألقاب من شعائر الفرس","footnotes":"(¬١) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٣٤٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076916,"book_id":1139,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":397,"body":"المجوس (¬١).\rفإن قال قائل: إنّ المقصود بهذه التسمية ما يستحقه المخلوق: فقولنا: ملك الأملاك، أي: ملكٌ على ملوك الأرض، وهذا قاضٍ على قضاة الدولة، ونحو ذلك، فهل يجوز بهذا القصد؟\r* قال ابن أبي جمرة ما ملخصه: «الوعيد على هذه التسمية يقتضي المنع مطلقًا، سواء أراد من تسمى بذلك أنَّه ملك على ملوك الأرض، أم على بعضها، وسواء أكان محقًا في ذلك أم مبطلًا، مع أنَّه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك وكان فيه صادقًا، ومن قصده وكان فيه كاذبًا» (¬٢).\rالمسألة الثالثة: قال ابن القيم: «ويلي هذا الاسم في القبح والكراهة والكذب: سيّدُ الناس وسيدُ الكُلّ، وليس ذلك إلّا لرسول الله ﷺ خاصة، فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: إنَّه سيدُ الناس، وسيدُ الكلّ، كما لا يجوز أن يقول: إنَّه سيد ولد آدم» (¬٣).\rالمسألة الرابعة: هل يُلحق بهذا قول المفتي الأكبر، أو الإمام الأعظم؟\r= سُئِلَ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (¬٤) عن هذا، وكان بعضهم يلقبه بهذا اللقب، فقال السائل: هل يجوز أَنْ يقال لأَحد من العلماء «المفتي الأَكبر» مع أَنَّ الله هو المفتي الأَكبر؟","footnotes":"(¬١) ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب (١/ ٨٤).\r(¬٢) فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٥٩١).\r(¬٣) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٣٤١).\r(¬٤) مفتي المملكة العربية السعودية سابقًا، توفي عام (١٣٨٩ هـ).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076917,"book_id":1139,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":398,"body":"* فأجاب الشيخ بقوله: هذه المسأَلة ذات شقين.\rالشق الأول: وهو تلقيب الشخص بالمفتي الأَكبر، فله اعتباران.\rالاعتبار الأَول: أَنْ يكون هذا الشخص هو الذي يسمي نفسه بهذا الاسم ويحبّه، ويطلب من الناس أَنْ يسموه به.\rوالاعتبار الثاني: كون الناس يسمّونه بهذا الاسم، بدون تشوّق منه، ولا طلب ولا رغبة فيه.\rفأمّا بالنسبة للاعتبار الأَوّل: فأَنا شخصيًا لا أُسمي نفسي بهذا الاسم لا شفهيًا ولا كتابيًا، ولا أَرغب أَنْ يسمّيني به أَحد، بل أَكرهه، وقد نبّهت على هذا مرارًا في عدة مناسبات.\rوأَمّا بالنسبة للاعتبار الثاني: وهو كون الناس يسمون الشخص بهذا الاسم، فلا يظهر لي أن في هذا مانعًا شرعيًا؛ لأنَّه وإن كان بلفظ أَفعل التفضيل، فليس القصدُ منه التفضيل المطلق ومنازعة الربّ في الأَكبرية، وإنّما القصد أنَّه أكبر الموجودين من المفتين ومرجع لهم، كما أَنَّ تلقيب غير الرسول ﷺ بلقب الإمام الأَعظم ليس القصد منه التهجم على منصب الرسول، وإنّما القصد أَنَّ هذا الشخص هو أَعظم الأَئمة الموجودين، ومرجعهم الذي يرجعون إليه في أُمورهم، ولهذا صرح الفقهاءُ في كتاب الجنائز بأَنَّ الإمام الأَعظم لا يصلي على الغالّ، ولا على قاتل نفسه، وكما أطلقت لفظة المفتي الأَعظم على بعض العلماء ولم نسمع بأَحدٍ أَنكرها أَوْ حملها على ما حملتَها عليه (¬١).","footnotes":"(¬١) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (١/ ١٧٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076918,"book_id":1139,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":399,"body":"المسألة الخامسة: حكم قول صاحب الجلالة، أو صاحب السمو؟\rسُئل عنها الشيخ ابن عثيمين، فقال السائل: ما رأي فضيلتكم في هذه الألفاظ: جلالة وصاحب الجلالة، وصاحب السمو؟\r* فأجاب الشيخ ﵀ بقوله: «لا بأس بها إذا كانت المقولة فيه أهلًا لذلك، ولم يخش منه الترفع والإعجاب بالنفس، وكذلك أرجو وآمل» (¬١).\r* خلاصة الباب: أنه لا يجوز للعبد أن يتسمى بالأسماء التي تحوي أوصافًا لا تليق إلا بالله، تعظيمًا لله سبحانه، فالله لا يشبهه أحد في أفعاله، ولا أسماءه، ولا صفاته، فكذلك كل اسم مشعر بالتعظيم الذي لا يليق إلا به سبحانه لا يجوز للمخلوق التسمي به.","footnotes":"(¬١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٣/ ٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076920,"book_id":1139,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":401,"body":"وأسماء الله نوعان:\r١ - خاصة بالله لا يصحّ أن يسمى بها غيره: فهذه لا يجوز تسمّي غيرِه بها، ويجب تغييره لو وجد، مثاله: الله - الرحمن - رب العالمين.\r٢ - ما يصحّ أن يسمى به غيرُ الله: وهي ما دلّت على صفةٍ للمخلوق فيها نصيب، فيصح التسمّي بها لكن بدون التعريف ب (ال)، وأن يقصد به التسمّي على أنَّه علم محض، مثاله: سميع- حكيم، ونحوها.\rالمسألة الثانية: في الباب النهيُ عن التسمّي بأبي الحكَم، وقد غيّر النبيُّ ﷺ اسم أبي شريح، وسببُ التغيير: أنّ الحَكَمَ هو اللهُ، وهذا من أسمائه، فإذا قيل: أبو الحكم كأنَّه قيل: أبو الله.\rقال البغوي: الحَكَمُ: هو الحاكم الذي إذا حكم لا يُرَدُّ حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله ﷿، ومن أسماءه الحكم (¬١).\rفإن قيل: فهل يلزم تغيير اسم من تسمى بالحَكم؟ وكيف يجمع بينها وبين تغيير النبيّ ﷺ هذه الكنية؟\r* الجواب: أنَّ هذا الاسم الذي كُنّي به الرجل لُحِظَتْ فيه الصفةُ وقُصدت، وهي الحُكْم، فصارت بذلك مطابقةً للاسم.\rأما الاسم فإنَّه يراد به العلمية، من دون قصد للصفة، وحينها يجوز، ومِثلُه: كامل، وخالد، ونحوها، فإنَّها أريد بها العلمية، ولم يقصد بها أنَّه له صفة الكمال المطلق، أو الخلود، ونحو ذلك.","footnotes":"(¬١) شرح السنة، للبغوي (١٢/ ٣٤٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076921,"book_id":1139,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":402,"body":"المسألة الثالثة: ومن التسمّي المنهيّ عنه: التعبيدُ لغير الله تعالى، كعبد حسين، وهذا حرام؛ لأنَّ التعبيد لا يكون إلّا لله.\rوكذا التسمي ب (بخش) وهي كلمة هندية معناها الهِبة والرزق، وكان هذا مشهورًا في بلاد الهند، يذكرون اسم مركبًا، فيقولون مثلًا: علي بخش، أو حسين بخش، ونحوه، ويقصدون بها أنَّه هبةٌ ورزق من علي أو من حسين، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الواهب هو الله (¬١).\rأما مناداة من تسمّى بذلك فهي جائزة، كما أخبر النبيّ ﷺ عن نفسه أنَّه ابن عبد المطلب.","footnotes":"(¬١) معجم المناهي اللفظية (ص: ١١٩)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076923,"book_id":1139,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":404,"body":"مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ من هزل بشيء من الدين أو القرآن أو بالله أو برسوله ﵈ فإنَّه يكفر بذلك، ولو قال: إني هازلٌ لا أقصد الحقيقة.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: مِنْ جهة أنَّ الهزلَ بشيء من ذلك فيه انتقاصٌ لله الذي أتى بهذا الدين، واستخفافٌ بجناب الربوبية والرسالة.\rالمسألة الثانية: ذكر أهل العلم أنَّ الاستهزاء بالله أو دينه أو نبيه كفر مخرج من الدين، وذكر الإمام المجدد من ضمن النواقض العشرة: من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر، وهذا ظاهرٌ من الآية، حيث عدّهم كفارًا بعدما كانوا مؤمنين.\rقال السعدي معلّقًا على الآية: «الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ مخرجٌ عن الدين؛ لأنَّ أصلَ الدينِ مبنيٌ على تعظيم الله وتعظيمِ دينه ورسله، والاستهزاءُ","footnotes":"(¬١) رواه ابن جرير (١٠/ ١١٩ - ١٢٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦٤)، وحسن إسناده الوادعي في الصحيح المسند (٧١).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: وهي العظيمة: أنَّ من هزل بهذا فإنه كافر. الثانية: أن هذا تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنًا من كان.\rالثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله. الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله.\rالخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يُقبَل.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076924,"book_id":1139,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":405,"body":"بشيءٍ من ذلك منافٍ لهذا الأصل، ومناقضٌ له أشدّ المناقضة» (¬١).\rالمسألة الثالثة: هل يشترط في حكم المستهزيء أن يكون مُستحلًا للاستهزاء، أم أنه قد يحكم بكفره وإن كان قال ذلك لمجرد الهزل؟\r* ظاهر الآية أنَّه يحكم بالكفر ولو لم يستحل ذلك، وهذا ظاهر من كلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: «قال ﷾: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة، الآية (٦٦)]، ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: (إنّما كنّا نخوض ونلعب) فلم يكذبهم في هذا العذر، كما كذّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر كما لو كانوا صادقين، بل بيّن أنَّهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب» (¬٢).\rوقال في موضعٍ آخر معلقًا على الآية: «وقد دلَّت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا، فقد كفر» (¬٣).\rالمسألة الرابعة: الاستهزاء له صور:\r١ - الاستهزاء أو الهزل به سبحانه: فكفرٌ ظاهر.\r٢ - الاستهزاء بأحكام دين الإسلام: فهذا كفرٌ سواء هزل واستهزأ، أو سبّ الدين أو لعنه.\rوهذا له صورٌ عديدة، لكن الجامع لها أنَّ من جعل الشرع سببًا للإضحاك والاستهزاء، فهو داخل في هذا.","footnotes":"(¬١) تيسير الكريم الرحمن (٣/ ٢٩٥).\r(¬٢) الصارم المسلول (ص: ٥١٧).\r(¬٣) الصارم المسلول (ص: ٣١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076925,"book_id":1139,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":406,"body":"• مثاله: من سخر باللحية، أو بالثوب القصير، أو تندّر بآية من آيات القرآن.\r٣ - الاستهزاء بالنبيّ ﷺ: فهذا كفر وردة.\r٤ - الاستهزاء بأهل الدين والصلاح والعلم: فهذا له حالتان:\rأ. إن كان لأجل صلاحهم، أو لأجل علمهم: فهذا كفر؛ لأنَّه يرجع إلى دينهم وصلاحهم لا إلى أشخاصهم.\rب. إن كان الاستهزاء بصفاتهم الخَلقية أو الخُلُقية، لا لأجل ما هم عليه من الدين: فهذا حرام وليس بكفر.\rالمسألة الخامسة: ذكر العلماء أنَّ الاستهزاء نوعان:\r١) صريح: وهو الذي لا يلتبس، كما قال المنافقون: ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء.\r٢) غير صريح: كالغمز باليد وإخراج اللسان عند ذكر القرآن، أو شعائر الدين وغير ذلك.\rالمسألة السادسة: ذكر المصنفُ الأحاديثَ في خبرِ مقال الرجل في غزوة تبوك، وفيه إنكار عوف بن مالك ﵁ على القائل، وقوله «كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ»، وفيه: أ- المبادرة بالإنكار.\rب- الشدة على المنافقين.\rج- جواز وصف الرجل بالنفاق إذا ظَهر منه ما يدلُّ عليه.\rالمسألة السابعة: أنَّ الرجل اعتذر للنبي ﷺ بقوله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ، نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ» ولم يعبأ النبيّ ﷺ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076926,"book_id":1139,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":407,"body":"باعتذارهم، إما لأنَّهم كانوا كاذبين فيه، أو لأنَّ الاستهزاء على وجه الخوض واللعب لا يكون صاحبه معذورًا.\r* خلاصة الباب: أنّ من تعظيم الله احترامَ دينه، وأنَّ من هزل بشيء من دينه فقد عرض نفسه للكفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076928,"book_id":1139,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":409,"body":"إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ أَوْ الْإِبِلُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارِكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا.\rفَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأَنْتَجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ.\rقَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ قَدْ اِنْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغِ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجَلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: لَهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ ﷿ الْمَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا؛ فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ قَدْ اِنْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؛ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» (¬١) (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٤٦٣)، ومسلم (٢٩٦٤).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير الآية. الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾؟\rالثالثة: ما معنى قوله: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾؟ الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076929,"book_id":1139,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":410,"body":"(الشرح)\rمراد المصنّف بهذا الباب: التأكيد على أن من المتقرر أنّ النعم على العباد كلها من الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ والعباد منهم من يشكر النعم وينسبها لربه، ومنهم من يزعُم أنَّ النعمة حصلت له لمعرفته، أو لأنَّ له على الله حقًّا، فأراد المصنف أن يبين أنَّ الناس تجاه النعم من الله ينقسمون إلى قسمين:\rالقسم الأول: من يزعُم أنَّ ما أوتيه من النعم والرزق، فهو بِكَدِّه وفِطنته لا من الله، أو أنَّه مستحقٌ لذلك لِما يظنُّ له على الله من الحق، وهذا كحال الأقرع والأبرص، فهذا منافٍ للتوحيد، لما فيه من جحد النعم، ونسبتها للنفس.\rقال ابن القيم: «وهذا حال أكثر الناس؛ لا يعترف بما كان عليه أولا من نقص أو جهل وفقر وذنوب، وأنَّ الله نقله من ذلك إلى ضدِّ ما كان عليه وأنعم بذلك عليه» (¬١).\rوحكم هذا الصنيع -أي: نسبة النعم لنفسه وعمله-: قال العثيمين: «إن أضاف النعمة إلى عمله وكسبه، ففيه نوع شرك في الربوبية، وإن أضافها إلى الله لكنه زعم أنَّه مستحق لذلك، وأنَّ ما أعطاه الله فليس محض تفضل، لكن لأنَّه أهل فهذا ترفع في جانب العبودية» (¬٢).","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١٢/ ١٦).\r(¬٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٨٠) بتصرف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076930,"book_id":1139,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":411,"body":"القسم الثاني: من يعترف بنعم الله ويعتقد أنَّها من فضله سبحانه، ويتذكر ما عليه من قصور، ويشكر الله على عطائه، فهذا هو المشروع، وهذا كحال الأعمى في الحديث.\rوالحديث المذكور ظاهر في أنَّ مَنْ نسب النعم لغير الله فقد كفر بها، ففيه وعيدٌ لمن أنكر نعم الله أو أضافها لغيره.\r* خلاصة الباب: أنَّه يجب على المسلم التحرز في أقوال اللسان، فربما أودت إلى مهاوٍ، ومن ذلك أن لا ينسب النعم لنفسه، بل ينسبها للمنعم الحقيقي وهو الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076932,"book_id":1139,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":413,"body":"أن لا يكون إنسانًا»، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ من شكر نعمة الله على عبده إذا أنعم عليه بالأولاد وأصلح أبدانهم، أن لا يعبّدوهم لغير الله في التسمية، فإنَّ ذلك كفران للنعم، مناف للتوحيد.\r• وعلى هذا يقال: بأنَّ تعبيد الأسماء لغير الله:\r١. إن كان المقصود تعبيد التأله لغير الله: فهو شرك أكبر.\r٢. وإن كان المقصود مجرد التسمية: فهذا شركٍ لكنّه ليس بأكبر، وهو كفرٌ بالنعمة التي أنعمها الله على عبده.\rالمسألة الثانية: قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم كل اسمٍ معبّدٍ لغير الله، كعبد عمرو، وعبدِ الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب». وهذا الكلام يشتمل على أمرين:\r١ - اتفاق العلماء على أنَّه لا يجوز التسمّي بما عبّد لغير الله، كعبد الحسين","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣٣)، وتفسير الطبري (١٣/ ٣٠٦).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تحريم كل اسم مُعَبَّدٍ لغير الله. الثانية: تفسير الآية. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسميةٍ لم تُقصَد حقيقتُها.\rالرابعة: أن هبة الله للرجل البنتَ السوية من النِعَم. الخامسة: ذِكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076933,"book_id":1139,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":414,"body":"وعبد الكعبة، وعبد النبيّ، وغير ذلك.\rوأما حديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» (¬١) فإنه ليس المراد به التسمي، وإنما أريد به الوصف والدعاء على من يتعلق قلبه بالدينار والدرهم، فرضي بعبوديتها عن عبودية الله.\r٢ - قرّر بعد ذلك أنَّ العلماء لم يتفقوا على تحريم التسمّي بعبد المطلب، بل اختلف العلماء في ذلك، فكرهه بعض العلماء.\rوالصواب: أنَّه لا يجوز؛ لأنَّه تعبيد لغير الله.\rوأما قوله ﷺ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» (¬٢) فليس هذا من إنشاء التسمية بذلك، بل من باب الإخبار بالاسم الذي عُرِفَ المسمّى به دونَ غيره، والإخبار على وجه تعريف المسمّى لا يحرم، فباب الإخبار أوسع من الإنشاء فيجوز منه ما لا يجوز في الإنشاء، وقد قال العلماء: إن حاكي الكفر لا يُعَدّ كافرًا بذلك إن لم يعتقده.\rفالتسمي بعبد المطلب حرام من وجوه:\r١ - الإجماع منعقد على تحريم التسمي بعبد محمد وعبد النبيّ وعبد المسيح وعبد علي وعبد الكعبة، وهي أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به.\r٢ - نصّ النبيّ ﷺ على أنَّ التسمي بعبد الحارث من وحي الشيطان (¬٣)،","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٢٨٨٧).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦) من حديث البراء بن عازب.\r(¬٣) أخرجه أحمد (٥/ ١١)، والترمذي (٣٠٧٧)، والطبري في تفسيره (٩/ ١٤٦)، والحاكم (٤٠٠٣) من طريق الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ، وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَإِنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّوْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ، وَأَمْرِهِ. قلت: وسنده ضعيف، الحسن مدلس، ولم يصرح بسماعه من سمرة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076934,"book_id":1139,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":415,"body":"وأمرُ عبد المطلب كأمر عبد الحارث، لا فرق بينهما.\rالمسألة الثالثة: ذكر في الباب قصة آدم وحواء، وقد اختُلِف في ثبوتها على قولين:\rالقول الأول: أنَّها قصة باطلة ولا تصح، وممن قال بذلك الحسن البصري وابن كثير، وعلل بعض العلماء لهذا بعلل منها:\r١ - أنَّ مثل هذه الأخبار لا تتلقى إلّا بالوحي، وليس لهذه القصة إسناد صحيح.\r٢ - أنَّ الأنبياء معصومون من الشرك.\r٣ - لو كانت ثابتة فلماذا لم يذكر الله توبتهما من الشرك، والله إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ذكر توبتهم.\r٤ - أنَّ فيها أنَّ إبليس جاء إليهما، وقال: أنا صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، وليس هذا بمدخلٍ لمن يريد الإغواء.\r٥ - أنَّ الناس حين يأتون آدم للشفاعة يعتذر بذكر ذنبه حين أكل من الشجرة، ولو ثبت وقوعه في هذا الشرك لكان أعظم، فلِمَ لم يذكره!\r٦ - قال إبليس: «لا جعلن له قرني أيل … » فإن كانا صدّقاه في أنَّه قادر فهذا شرك في الربوبية، وإن كانا لم يصدقاه فلا يمكن أن يقبلا قوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076935,"book_id":1139,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":416,"body":"٧ - قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء لقال: (عما يشركان).\rوهؤلاء يوجهون الآية بأن المراد: تعالى الله عما يشركون أي: ذرية آدم وحواء.\rقال الشنقيطي -وقد ذكر في الآية وجهين-: «معنى الآية أنَّه لما آتى آدم وحواء صالحًا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء; لأنَّه ما أصل لذريتهما، كما قال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) أي: بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنَّه أصلهم، بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ويدل لهذا الوجه الأخير أنَّه تعالى قال بعده ﴿ … فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف، الآية (١٩٠، ١٩١)]، وهذا نص قرآني صريح في أنَّ المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد؛ لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن، وابن كثير، والعلم عند الله (¬١).\rالقول الثاني: أنَّ القصةَ ثابتةٌ بتعدد أسانيدها، وهؤلاء وجّهوا ما وقع من آدم وحواء: بأنَّه تشريك في الطاعة، وكل طاعة للشيطان أو للهوى، ففيهما نوع من التشريك، ولم يقع منهما شرك أكبر ولا أصغر وليس في القصة نقص في مقام آدم وحواء، ويشهد له تفسير قتادة: «شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته».\r* وأما قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فهذا عائد إلى المشركين من القدرية حيث استطرد من ذكر الشخص إلى الجنس، ولهذا نظائر في القرآن.","footnotes":"(¬١) أضواء البيان، للشنقيطي (٢/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076937,"book_id":1139,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":418,"body":"الحسنى وصفاته العليا، والردّ على من توسل بعباده أحياءً وأمواتًا، وبيان أنّ أسماء الله حسنى، أي: بالغة في الحسن كماله، فيجب تعظيمها والإيمان بها.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة توحيد الأسماء والصفات، وكذا من جهة توحيد العبادة، فإنَّ من سمّى الأصنام بأسماءِه فقد أشرك بالله سبحانه.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف، الآية (١٨٠)]. وفي الآية إشارة إلى أمور ثلاثة:\r١. لله ﷿ الأسماء الحسنى: وهذا متفق عليه، وعبّر ب: (الحسنى) ولم يقل: الحسنة، وذلك لأنَّ الحُسن من صفات المعاني، فكل لفظ له معنيان: حَسَنٌ وأحسن، فالمراد: الأحسن منها، وهو الذي يجمع على (حسنى).\rوضابط الأسماء الحسنى: «كل اسم دالّ على صفة كمال عظيمة».\r٢. الأمر بدعاء الله بأسمائه الحسنى: وذكر ابن القيم أنَّ الدعاء بها على مرتبتين:\rأ) دعاء ثناء وعبادة: فلا يثنى على الله إلّا بأسمائه وصفاته.\rب) دعاء طلب ومسألة: فلا يسأل الله إلّا بها، وينبغي أن يكون ما يثنى به على الله من أسماءٍ موافقٌ لما يدعو به ويطلبه، فلا يقل مثلًا: يا رحيمُ أهلك أعداء الدين، وهكذا (¬١).\r٣. النهي عن الإلحاد في أسماء الله: والإلحاد في أسماء الله هو العدول","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (١/ ١٦٤) بتصرف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076938,"book_id":1139,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":419,"body":"بها عن حقائقها إلى ما لا يليق بالله، وله صور:\r١ - أن يسمِّيَ الأصنامَ بها كتسمية اللات من الإله، وقد نقل المصنف عن ابن عباس قوله عن المشركين: «سموا اللات من الإله، والعُزّى من العزيز».\r٢ - تسميته بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له أبًا، والفلاسفة له موجبًا بذاته أو علّة فاعلة.\r٣ - وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران، الآية (١٨١)]. وقولهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة، الآية (٦٤)].\r٤ - تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول الجهمية: إنَّها ألفاظٌ مجردة، لا تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون اسم السميع، ويقولون: لا سمع له، ونحو ذلك.\r٥ - تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله وتقدس عن قولهم علوًّا كبيرًا، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076940,"book_id":1139,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":421,"body":"إلى دعاء الناس له بأن يَسلم من الآفات والنقائص.\rويقال للمخلوق: «السلام عليك» لأنَّه محتاج، ولذا فأهل الجنة حين يسلِّمُ عليهم اللهُ يقولون: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام».\rقال ابن تيمية: «السلام إنّما يُطلَبُ لمن يحتاج إليه، والله هو السلام، فالسلام يُطلب منه لا يُطلب له» (¬١).\rالمسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد من جهتين:\r١. من جهة أنَّ الأدب مع أسماء الله وصفاتِه ألّا يخاطَبَ اللهُ بهذا الخطاب، فهو الغني عن عباده، وفي هذا اللفظ تنقص في تحقيق التوحيد.\r٢. من جهة أنَّ أسماءه سبحانه وصفاته كاملة، فليس بحاجة إلى من يسلِّمُه من النقائص، وأعقبه للباب السابق، والمناسبة فيهما ظاهرة.\rالمسألة الثالثة: مما يتبع هذا أنَّ الناس عند التقائهم نُدِبَ لهم أن يقولوا: «السلام عليكم»، وفي معنى السلام في التحية قولان:\rالأول: السلام هنا هو الله ﷿، ومعنى الكلام: نزلت بركته عليكم، ونحو ذلك، فاختير هذا المعنى من أسمائه ﷿ اسم السلام دون غيره من الأسماء.\rالثاني: السلام مصدر بمعنى السلامة، وهو المطلوب المدعو به عند التحية.\rقال ابن القيم: «وفصل الخطاب أن يقال: الحقُّ في مجموع القولين، فكل منهما بعض الحق، والصواب في مجموعهما، فتضمن معنيين: (أحدهما: ذكر الله، والثاني: طلب السلامة) وهو مقصود المُسَلِّم» (¬٢).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٥٥).\r(¬٢) بدائع الفوائد (٢/ ١٤٣) بتصرف.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076942,"book_id":1139,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":423,"body":"عن ذلك، فكأنَّه يقول: إن شئت فافعل وإلّا فلا تفعل.\r٢. وأنَّه يُشْعِرُ بأنَّ هناك من يُكرِهُ اللهَ على ذلك، فقال: «إِنْ شِئْتَ».\rالمسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد من جهة:\r١ - أنَّ تعليقَ الدعاءِ بالمشيئةِ سوءُ أدبٍ مع الله، حيث يوهم الاستغناءَ عن المغفرة، وهذا ينافي كمال التوحيد.\r٢ - وأيضًا: فإنَّ من أتى بما يُشعِرُ بأنَّ الله له مكرهٌ لم يقم بتمام الربوبية؛ لأنَّ تمام الربوبيةِ أنَّه لا مكره له، بل لا يُسأل عما يفعل.\rالمسألة الثالثة: ورد في الحديث النهيُ عن هذه الكلمة، واختُلِفَ في الحُكمِ، فظاهر كلام ابن عبد البر: «أنَّه للتحريم» (¬١)، وذهب النووي: «إلى أنَّه للتنزيه» (¬٢)، والصارف من التحريم للكراهة ما ورد في حديث زيارة المقابر: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (¬٣)، قال ابن حجر: «وهو أولى» (¬٤).\rولعل الأقرب أنَّه يحرم قولها؛ لصراحة الحديث، والأصلُ في النهي إذا تجرّد أنَّه للتحريم.\rوأما ما ورد في حديث زيارة المقابر، فيحمل على أنَّه على وجه الإخبار، والمنهي عنه حال الدعاء، وفرق بينهما.","footnotes":"(¬١) التمهيد لابن عبد البر (١٩/ ٤٩).\r(¬٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧).\r(¬٣) أخرجه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة.\r(¬٤) فتح الباري (١١/ ١٤٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076943,"book_id":1139,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":424,"body":"وأما ما ورد في السنّة في زيارة المريض من قول: «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (¬١) فليست من تعليق الدعاء بالمشيئة، وإنما لها توجيهان:\r١) أنَّها من باب مخاطبة العائد للعليل بما يُسلّيه من ألمه، ويذكّره بالكفارة لذنوبه والتطهير لآثامه (¬٢).\r٢) أنَّ هذا ليس من باب الدعاء، وإنّما من باب الخبر والرجاء. مال إليه ابن حجر، حيث قال حين تكلم عن قول: «يرحمك الله» للعاطس: «ويحتمل أن يكون إخبارًا على طريق البشارة، كما قال في الحديث الآخر «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» أي: هي طهر لك» (¬٣)، وكذا قاله ابن عثيمين (¬٤).\rفإن قيل: كيف يُجابُ عن بعض الأدعية التي لم يعزم فيها الداعي، كما في دعاء الاستخارة (¬٥)، وكما في قوله: «فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي .. »؟ (¬٦).\r* أجاب السعدي ﵀ بما خلاصته: أن الأدعية نوعان:\r١. أدعيةٌ فيها مطالب دينيةٌ كسؤال المغفرة، أو فيها مطالب دنيويةٌ معينة على الدين، كالعافية والرزق ونحوه، فهذه يَطلُبها العبدُ طلبًا مُلِحًّا جازمًا.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٦١٦) من حديث ابن عباس.\r(¬٢) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني (٨/ ٣٥٠).\r(¬٣) فتح الباري (١٠/ ٦٠٨).\r(¬٤) المجموع الثمين، لابن عثمين (١/ ١٢١).\r(¬٥) أخرجه البخاري (٦٣٨٢) من حديث جابر.\r(¬٦) أخرجه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076944,"book_id":1139,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":425,"body":"٢. بعض المطالب المعيّنة التي لا يُتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أنَّ حصولها خير للعبد، فالعبد يسأل ربَّه ويعلقه على اختيار ربه له أصلح الأمرين، كما ذكرنا من الأدعية.\rثم قال ﵀: «فافهم هذا الفرق اللطيف البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها، وأنَّ الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وبين طلب الأمور التي لا يدري العبدُ عن عواقبها، ولا رجحانِ نفعها على ضررها، فالداعي يعلّقها على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علمًا وقدرةً ورحمةً ولطفًا» (¬١).\rالمسألة الرابعة: أمر النبيُّ ﷺ الداعي أن يَعزِم المسألةَ، وأن يُعَظِّمَ الرغبة، والعزمُ في المسألة: الجزمُ فيها، مع الإلحاح، وتيقن الإجابة، وهذا دليل على اهتمامه بما يطلب، قال القرطبي: «نهى عن هذا القول؛ لأنَّه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب» (¬٢).\rوأما تعظيم الرغبة: فهي الطِّلبَةُ والحاجةُ التي يريد في سؤاله ربه؛ لأن الله عنده خزائن السماوات والأرض، ولا يعجزه شيء، ولا مُكرِهَ له، وهذا من أدب الدعاء.","footnotes":"(¬١) القول السديد (ص: ٤١).\r(¬٢) المفهم (٢٢/ ٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076946,"book_id":1139,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":427,"body":"المسألة الثانية: نهى في الحديث عن قول: «أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ»؛ لما فيها من إضافة الربِّ لغير الله، والربُّ هو المالكُ المدبِّرُ القائمُ بأمور العباد، وهذا لا يكون حقيقةً إلّا في الله سبحانه، وهذه أمثلة، وإنّما ذُكِرَت دونَ غيرها لكثرة استعمالها في المخاطبات، وقد ذكر أهل العلم أنَّ لهذه الإضافة حالات:\r١. إضافة الربِّ إلى ضمير المخاطب، كقول: أطعم ربك، ونحوها، فينهى عن ذلك؛ لأنَّ الإنسانَ -العبدَ أو الأمةَ- مربوبٌ له، وإطلاقُ هذا اللفظِ على المخلوقِ فيه مضاهاةٌ بالاسم لله.\r* والنهي هنا: منهم من حمله على التحريم أخذًا من ظاهر اللفظ، ولكن الأكثر على أن النهي للتنزيه، ورجحه السعدي والعثيمين (¬١).\rوقيل: النهي في حقّ من استعمل هذه اللفظة واتخذها عادةً شائعةً، بخلاف من نطق بها نادرًا، وذلك جمعًا بين الحديث، وبين ما ورد في الصحيح أنه ﷺ قال في أشراط الساعة «أن تلد الأمةُ ربتها، أو ربها» (¬٢).\rفإن قيل: أليس هذا اللفظ صحيحًا لغةً، فهو ربُّهُ أي سيِّدُه؟\r* الجواب: أنَّه وإن صحّ لغة، فالنبيُّ ﷺ نهى عنه تحقيقًا للتوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك، أمّا لو قاله معتقدًا الربوبية، فهذا شرك أكبر.\r٢. إضافة الربِّ إلى الاسم الظاهر: فإن كان لغير آدمي فيجوز، ك (ربّ الدار، ربّ السيارة، ربّ السفينة)، وإن كان لآدمي، كقول: هذا ربّ الغلام، فظاهر الحديث الجواز، مالم يوجد محذور، فيمنع، كما لو ظنّ السامعُ أنَّ السيدَ","footnotes":"(¬١) انظر: القول السديد، للسعدي (ص: ١٦٦)، القول المفيد، للعثيمين (٢/ ٣٣٩).\r(¬٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٦)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ٣٦٣)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076947,"book_id":1139,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":428,"body":"ربّ حقيقيّ خالق، ونحو ذلك (¬١).\rالمسألة الثالثة: حكم قول: «سيدي»؟\rأولًا: قولها من قِبَلِ السيد لمملوكه، أو من المملوك لمالكه، تجوز، والدليل: حديث الباب: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».\rفإن قيل: كيف جاز أن يقول: «سيدي ومولاي»، ولم يجز قول: «ربك» ونحوها، مع أنَّه ورد في الحديث: «السَّيِّدُ اللهُ» (¬٢)؟\rأ- أنَّ المراد بقول: «السَّيِّدُ اللهُ» أي أنَّه الأحقُ بهذا الاسم، ولا يعني أنَّ غيره لا يطلق عليه ذلك.\rب- أننا إن قلنا: إن السيدّ ليس من أسماء الله فلا إشكال، وإن قلنا: إنَّه من أسماء الله فهو ليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الربِّ، فيحصل الفرق.\rج- أنَّ السيدَ يُطلَق على معانٍ، منها الزوجُ والشريفُ المطاع والمالكُ، والسيادةُ هنا ليست مطلقةً، بل مضافة لياء المتكلم فجاز.\rثانيًا: قولها في مخاطبات الناس فيما بينهم، وهذه فيها خلاف:\rالقول الأول: المنع من ذلك، والدليل: ما سبق أنَّ النبيّ ﷺ أنكر على من قال له: سيدنا.","footnotes":"(¬١) القول المفيد (٢/ ٣٤٠).\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١١)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤٨٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٨٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٧٠٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076948,"book_id":1139,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":429,"body":"وقد سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية، فقال السائل: هل يجوز أن أقول للضابط في الشرطة أو القوات المسلحة: حاضر يا سيدي؟\r* فأجابت: يجوز أن تقول له: حاضر، ولا يجوز أن تقول له: يا سيدي؛ لقول النبيّ ﷺ لما قال له بعض الصحابة: «أنت سيدُنا، قال: السيّد الله ﵎» (¬١) (¬٢)، وبالحديث نفسه استدل الشيخ محمد بن إبراهيم على المنع من قول: «يا سيدي» (¬٣).\rالقول الثاني: جواز ذلك، واستدلوا بقول النبيّ ﷺ للأنصار: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (¬٤)، وهذا أصح من حديث المنع منها (¬٥).\rوفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان عمر ﵁ يقول: «أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي: بِلَالًا» (¬٦).\rثالثًا: قول الرجل للمرأة: «سيدتي»:\rهذا من الخطأ الشائع، بل الرجالُ هم الأسياد لا النساء، وفي الآية قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾، وقال النبيّ ﷺ: «فإنَّهن عوان عندكم»","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.\r(¬٢) فتاوى اللجنة الدائمة (٢/ ١٥٧).\r(¬٣) فتاوى ابن إبراهيم (١/ ١٩٦).\r(¬٤) أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري.\r(¬٥) بدائع الفوائد، لابن القيم (٣/ ٧٢٩).\r(¬٦) صحيح البخاري (٣٧٥٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076949,"book_id":1139,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":430,"body":"(¬١) أي: أسيرات.\rوقد قال ابن عثيمين ﵀: «إطلاقُ السيدةِ على المرأة، والسيداتِ على النساء متلقاة فيما أظن من الغرب، حيث يسمّون كل امرأة سيدة وإن كانت من أوضع النساء؛ لأنَّهم يسوِّدون النساء، أي: يجعلونهن سيّدات مطلقًا، والحقيقة أنّ المرأة امرأة، وأنَّ الرجل رجلٌ، وتسميةُ المرأة بالسيدةِ على الإطلاق ليس بصحيح، نعم من كانت منهن سيدةً لشرفها في دينها أو جاهها أو غير ذلك من الأمور المقصودة فلنا أن نسميها سيدة، ولكن ليس مقتضى ذلك أننا نسمي كل امرأة سيدة.\rولا شك أنّ تسمية كل امرأة: سيدة، مسلمة كانت أم كافرة، صالحة أم فاسقة، هذا لا يجوز؛ لأنّ تسويد الفاسق والكافر مما نهى عنه الشرع المطهر.\rوأما التعبير بالسيدة عائشة، والسيدة خديجة، والسيدة فاطمة، وما أشبه ذلك، فقال: لم يكن معروفًا عند السلف، بل كانوا يقولون: أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين خديجة، فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ونحو ذلك» (¬٢).\rرابعًا: إطلاق الأسياد، أو السادة؛ على آل البيت.\rلم أجد لهذه التسمية أصلًا عن الصحابة، ولذا فالأولى أن لا تطلق، لأمرين:\r١ - عدم وجود دليل عليها، بل إن النبيّ ﷺ لم يُقِرّ من سمّاه سيدًا.\r٢ - أنَّ آل البيت ليس لهم سيادةٌ على الناس.","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (١١٦٣)، وابن أبي شيبة في المسند (٥٦٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٢٤) من حديث عمرو ابن الأحوص، وأصله في مسلم (١٢١٨) من حديث جابر، وانظر: الإرواء (٢٠٣٠).\r(¬٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٣/ ١١٢)، ومعجم المناهي اللفظية، للشيخ بكر أبو زيد (ص: ٢٩٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076950,"book_id":1139,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":431,"body":"وقد نص ابن تيمية، وابن حجر أن هذه التسمية حادثةٌ لا أصل لها، ولم تكن في الزمن الأول (¬١).\rفإن قيل: قوله ﷺ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ .. » (¬٢) يقصد الحسن، ألا تكون دليلًا؟\r* أثبت النبيّ ﷺ ذلك للحسن ﵁، ولا يلزم أن تثبت لأبنائه، ولذا لم يكن السلف يُلَقِّبون أبناء الحسن ﵁ بالسادة.\rثم أنَّه ليس الحديث عن النهي عن إطلاقها مطلقًا، وإنّما الكلام أن تكون شعارًا تُذكَر مع أسمائهم مطلقًا، فهذا الذي ليس له أصل فيما أعلم، والله أعلم.\rخامسًا: إطلاقها على النبيّ ﷺ، وهذه يأتي حكمها في الباب قبل الأخير، عند ذكر حديث: «أنت سيدنا … ».\rالمسألة الرابعة: في الحديث النهي عن قول: «عَبْدِي وَأَمَتِي»، والاستغناء عنها بقول: «فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي»، والنهي هو للتنزيه بإجماع العلماء (¬٣).\rوقد ورد في القرآن: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وقد بوّب البخاري على الحديث: (باب كراهة التطاول على الرقيق، وقولِه عبدي وأمتي) (¬٤)، فلا يُخاطب الرقيق بهذا، ولا ينادى؛ والعلة:\r١. أنَّ هذه الألفاظ فيها إشعارٌ بالعبودية لغير الله، والأصلُ أنَّ العبودية","footnotes":"(¬١) نقل ذلك عنهما الشيخ بكر أبو زيد في معجم المناهي اللفظية (٣٠٩ - ٣١٠).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣٦٢٩) من حديث أبي بكرة ﵁.\r(¬٣) حكاه ابن حجر في الفتح (٥/ ١٧٨).\r(¬٤) صحيح البخاري (٣/ ١٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076951,"book_id":1139,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":432,"body":"يستحقها الله، ولأنَّ فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق، ولأنَّ فيها تشبّهًا بالله، فهو سبحانه يقول: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ … » (¬١) فسدًّا لذريعة التشبّه، ولكي يبعد السيدُ عن التعاظم نُهي عنها، قال الخطابي: «المعنى في ذلك كلِّه راجعٌ إلى البراءة من الكبر، والتزام الذلّ والخضوع لله، وهو الذي يليق بالمربوب» (¬٢).\r٢. مراعاةً لنفس الرقيق، وبُعدًا عن كسر خاطره.\r* وله أن يقول: «فتاي، وغلامي، وجاريتي»؛ لأنَّها ليست دالةً على الملك كدلالة (عبدي وأمتي)، وإن كان قد ملكه امتحانًا وابتلاءً من الله لخلقه.\rالمسألة الخامسة: ما سبق هو في نهي الإنسان أن يقول مثل هذه الألفاظ، فما حكم قول الغير: «هذا عبد فلان»؟\r* قال صاحب مصابيح الجامع: «قول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقول النبي ﷺ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»؛ تنبيهٌ على أن النهيَ إنما جاء متوجِّهًا على السيد؛ إذ هو في مَظِنة الاستطالة، وأن قول الغير: هذا عبدُ زيد، وهذه أَمَةُ خالدٍ جائزٌ؛ لأنه يقوله إخبارًا وتعريفًا، وليس في مظنة الاستطالة، والآيةُ والحديثُ مما يؤيد هذا الفرقَ» (¬٣)، قال صاحب التيسير: «وهو حسن» (¬٤).\r* خلاصة الباب: أنَّه يجب على المسلم أن يتحرّز في ألفاظه، ويصون لسانه عن كل لفظ يشعر بانتقاص ربوبية الله، أو تعظيم المخلوق فوق منزلته.","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٥٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\r(¬٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٨٠).\r(¬٣) مصابيح الجامع (٥/ ٤٣٥) للدماميني.\r(¬٤) تيسير العزيز الحميد (ص: ٥٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076953,"book_id":1139,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":434,"body":"سأل بالله أن يجاب إلى طلبه ولا يردّ؛ لأنَّ ردَّه -وقد سأل بالله- فيه منافاةٌ لكمال التوحيد، مِنْ جهة أنَّ هذا دليل على عدمِ تعظيم الله تعالى.\r• ومن هنا نقول: بأنَّ من سأل بالله فإنَّه تجب إجابته، وإن لم يكن مستحقًا؛ لأنَّه سأل بعظيم، فإجابته من تعظيم الله، إلّا إذا سأل إثمًا أو ما في إجابته ضررٌ على المسؤول فلا يجاب.\rوهذا الوجوب ليس على إطلاقه: وإنما قيّده ابن تيمية بما إذا سأل معينًا في معين، أي: توجه بالسؤال لإنسان معين، ولم يتجه لعموم الناس، وسأله أمرًا معينًا، وكان المسئول قادرًا، فتجب إجابته (¬١).\rفإن لم يُجب من سأل بالله فإنَّه ليس عليه كفارة؛ لأنَّ هذا الكلام سؤال، وليس بقسم، كما قرر ذلك ابن تيمية (¬٢).\rالمسألة الثانية: ذكر في الحديث أمورًا أخرى غير داخلة في الباب، وهي:\r١. قوله: «وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» أي: من دعاكم إلى طعام فأجيبوه، والحديث أعمّ من الوليمة وغيرها، وهو يدل على الوجوب إلى وليمة العرس وغيرها، وإن كانت وليمة العرس آكد وأوجب، ومن أهل العلم من أوجب الإجابة في وليمة العرس دون غيرها.\r٢. قوله: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ». المعروف: اسمٌ جامعٌ لأمور الخير، أي: من أحسن إليكم أيَّ إحسانٍ، فكافئوه على إحسانه بمثله أو خيرٍ منه، كي تكافئ المعروف، وتردَّ الإحسان بمثله، وتزيل عنك ذلّ الحاجة لغيرك،","footnotes":"(¬١) الفروع، لابن مفلح (٢/ ٥٩٢)، وتيسير العزيز الحميد (٥٦٢).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076954,"book_id":1139,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":435,"body":"وقد كان هديُ النبيِّ ﷺ أنَّه يَقبلُ الهديةَ ويثيبُ عليها.\r٣. قوله: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». أي بالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المكافأة، ولعل ذلك لأنَّه لما عجز عن مباشرة مجازاته أحالها إلى الله، وهو نعم المجازي سبحانه، وقد ورد عن أسامة ابن زيد ﵁ مرفوعًا: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢٠٣٥)، والنسائي في الكبرى (٩٩٣٧)، والبزار في المسند (٢٦٠١)، وابن حبان في الصحيح (٣٤١٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٧٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٦٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076956,"book_id":1139,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":437,"body":"أعرفه عن محمد بن المنكدر إلا من رواية سليمان بن قرم» (¬١).\rالمسألة الثالثة: قرر العلماء أن السؤال بوجه الله له حالتان:\rأ- أن يتوجه به للمخلوق: كأن يقول: أسألك بوجه الله أن تعطيني كذا، أو أعطني كذا بوجه الله، فهذا منهي عنه؛ لأنَّ المخلوق ليس بيده إلّا الدنيا، والله أعظم من أن يُسأَلَ به الدنيا.\rب- أن يتوجه به للخالق: فيجوز إذا سأل اللهَ الجنة، أما ما عداها فلا.\rفإن قيل: ما المراد بالجنة التي يجوز أن يسأل الله بها، ولماذا أجيز السؤال بها دون غيرها؟\r* الأقرب: أنَّ المراد الجنة، وما يقرب إليها، وما هو وسيلةٌ لها، وحينها فيجوز السؤالُ بوجه الله الجنة وما يقرب لها، ومنه الاستعاذة بوجه الله من غضبه، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ .. أن يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ» (¬٢).\rوإنّما أُجِيزَ الجنةُ دون غيرها؛ لأنَّ الجنةَ هي أعلى المطالب وفيها النظرُ لوجه الله، والنعيمُ المقيم، ووجه الله له شرفه العظيم، فلا يُسأل به إلّا الجنة، وما يقرب إليها، كالإخلاص، والتوفيق للخير، والاستقامة على الطاعة، ونحوه.","footnotes":"(¬١) انظر: الكامل، لابن عدي (٣/ ١١٠٧).\r(¬٢) أخرجه ابن إسحاق في السيرة (كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٤٧) عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، مرسلًا.\rوأخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٤٧)، وفي الدعاء (١٠٣٦) من طريق ابن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، هكذا معنعنًا، والحديث مداره على ابن إسحاق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076958,"book_id":1139,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":439,"body":"الأمور المكروهة، والمصائب ونحوها من النهي.\rومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ كمال التوحيد يكون باستسلام المؤمن لقضاء الله وقدره ورضاه به، ويقينه أنَّ ما أصابه فهو بقضاء الله وقدره، ولن يعجز على ردّ أمرٍ قدّره ربُّه.\rوأيضًا: لأنَّه ربما فُهم من قوله: «لو» اعتراض على القدر، ومن اعترض على القدر، فهو لم يرض بالله ربًا، ولم يحقق توحيد الربوبية.\rالمسألة الثانية: ذكر بعض العلماء أنَّ استعمال «لو» له حالاتٌ ثلاث:\rالأولى: مذمومٌ، وهذا له صور:\rأ- أن تُستَعمل في الندم: وذلك كما لو عَرض له مصيبةٌ، أو وقع في بليةٍ، فقال: لو فعلتُ كذا لما وقع لي كذا، فهذا منهي عنه، وفيه محذوران:\r١. أنَّها تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن، الذي ينبغي إغلاقُه، وليس فيه نفع.\r٢. أنَّ في ذلك سوء أدبٍ مع الله وعلى قدَره، فإنَّ الأمورَ والحوادث كلها بقضاء الله وقدره.\rقال ابن القيم: «لأنَّ قوله: لو كنتُ فعلتُ كذا وكذا، لم يفتني ما فاتني، أو لم أقع فيما وقعت فيه كلام لا يجدي عليه فائدة البتة، فإنَّه غير مستقبل لما استدبر من أمره وغير مستقيل عثرته ب «لو»، وفي ضمن «لو» ادّعاء، أنَّ الأمر لو كان كما قدّره في نفسه، لكان غير ما قضاه الله وقدّره وشاءه، فإنَّ ما وقع مما يتمنى خلافه إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته، فإذا قال: لو أنّي فعلتُ كذا لكان خلاف ما وقع فهو محالٌ؛ إذ خلاف المقدَّرِ المقضي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076959,"book_id":1139,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":440,"body":"محالٌ، فقد تضمّن كلامه كذبًا وجهلًا ومحالًا، وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا، لدفعت ما قدَّر الله علي» (¬١).\rب- أن يقولها متمنيًا الشر: كقوله: لو أنَّ لي مال فلان لفعلت به فِعْلَ فلان، فهو بنيته فهما في الوزر سواء، كما ورد هذا في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁.\rالثانية: محمود: وذلك بأن يقولها متمنيًا الخير، كما في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ … وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ … » (¬٢)، وحديث: «لَوْ صَبَرَ مُوسَى لَقَصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ نَبَأِهِمَا (¬٣)» (¬٤).\rالثالثة: جائز: وذلك:\r١. إذا استعملها على سبيل الإخبار المحض، وليس في قصده تندم أو تحسّرٌ أو تمني أو غيره: فهذا جائز، ومنه قول الإنسان: لو أني وصلت قبلك لهيأت المكان، أو لو حضرت الدرس لاستفدت، وليس في قلبه ندمٌ وتحسرٌ ونحوه، فالفارقُ بين هذا وبين المذموم ما يقع في القلب من الندم والاعتراض على القدر ونحوه.\r٢. قولها على أمر مستقبل، ومنه: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (٢/ ٣٢٥).\r(¬٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٥)، وأحمد (٤/ ٢٣١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤٥). وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦).\r(¬٣) أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠) من حديث ابن عباس.\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076960,"book_id":1139,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":441,"body":"حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ» (¬١)، وحديث: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي … » (¬٢).، فهذا أمرٌ مستقبلٌ لا اعتراض فيه على قدر؛ لأنَّه أخبر عما يعتقد ويريد، لولا المانع.\rالمسألة الثالثة: أنَّ الله ذمّ في النصوص من تحسّر على الماضي، أو اعترض على القدر، بقول: «لو»، وساق المصنف في الباب بعض النصوص:\r١) قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فذمّ الله المنافقين على الاعتراض على القدر ب «لو» ورد الله عليهم بأنَّ هذا قدرٌ لا يمكن التخلف عنه.\r٢) قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ وهذه الآية قالها المنافقون ومن رجع من المؤمنين معهم من الجيش يوم أحد؛ تحسرًا على الماضي، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾.\r٣) حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ اَلشَّيْطَانِ»:\rفقوله: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ» أمر ﷺ بالحرص، مع الاستعانة بالله؛ لأنَّه لا يحصل له ذلك إلّا إذا كان مستعينا بالله، فإذا كان حريصًا على ما ينفعه، وكان مستعينًا بالله وحده، معتمدًا عليه، تم مراده بإذن الله.\rوقوله: «وَلَا تَعْجَزَنْ» والعجز هنا هو التفريط والتضييع، وليس المراد به","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (١٥٨٣)، ومسلم (١٣٣٣) من حديث عائشة.\r(¬٢) وردت هذه الصيغة في عدة أحاديث في الصحيحين، انظر: صحيح البخاري (٨٨٧)، وصحيح مسلم (٦٣٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076961,"book_id":1139,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":442,"body":"ضدّ القدرة. قاله ابن تيمية (¬١).\rوقوله: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ»: أي وإن غلبك أمر، ولم يحصل المقصود بعد بذل الجهد والاستطاعة، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، فإنَّه لا يجدي عليك شيئًا.\rوقوله: «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ»: لأنَّ ما قدّره لا بد أن يكون، والواجب: التسليم للمقدور.\rوقوله: «وَمَا شَاءَ فَعَلَ»: لأنَّ أفعاله لا تصدر إلّا عن حكمة.\rوالحديث دلّ على تحريم الاعتراض على القدر، والنهي عن قول: «لو» والأمر بالاستسلام للقدر؛ لأنَّه من تمام التوحيد.\rقال ابن القيم معلقًا على الحديث: «والعبد إذا فاته المقدور»، له حالتان:\r* حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى «لو»، ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم والعجز والسخط والحزن، وهذا من عمل الشيطان، فنهاه عن افتتاح عمله بهذا الافتتاح.\r* وأمره بالحالة الثانية: وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنَّه لو قدر لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، فقال: «وإن أصابك … إلخ»، فأرشده إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبة وحال فواته، ونهاه عن قول: «لو»، وأخبره أنَّها تفتح عمل الشيطان، لما فيها من التأسف على ما فات، والتحسر والحزن ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان.\rوما ذاك لمجرد لفظ: «لو»، بل لِما قارنها من الأمور القائمة بقلبه، المنافية","footnotes":"(¬١) جامع الرسائل، لابن تيمية (٢/ ١٣٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076962,"book_id":1139,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":443,"body":"لكمال الإيمان، الفاتحةِ لعمل الشيطان، وأرشده إلى الإيمانِ بالقدر، والتفويضِ والتسليم للمشيئة، فهذا الحديثُ مما لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية» (¬١).\r* خلاصة الباب: أن «لو» تختلف بحسب مقصد قائلها، فإن قصد بقولها اعتراضًا على القدر وتسخطًا له وندمًا فإنَّها لا تجوز؛ لما فيه من السخط، ولأنَّها لا فائدة منها بعد الفوات إلّا الحسرة على ما فات.","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (ص: ١٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076964,"book_id":1139,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":445,"body":"في الإيمان، وقدحٌ في التوحيد، فسبُّها اعتراضٌ على الله، إذ هي مُدَبَّرةٌ من الله سبحانه، فهو الفاعل.\rالمسألة الثانية: الأصل في حكم سبِّ الريح: التحريمُ؛ لأنَّه سبٌّ للفاعل وهو الله، ويدخل في سَبِّها لعنُها كذلك.\rوهو كذلك نقصٌ في التوحيد وفي العقل، فهي مأمورة، ولهذا ورد في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ حين نَازَعَتْهُ رِدَاءَهُ عَلَى عهد النبيّ ﷺ فلعنها، فَقَالَ النبيّ ﷺ: لَا تَلْعَنْهَا فَإنَّها مَأْمُورَةٌ، وَأنَّه مَنْ لَعَنَ شيئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» (¬١).\rقال الشافعي: «لا ينبغي شتمُ الريحِ، فإنَّها خلقٌ مطيعٌ لله، وجندٌ من أجناده، يجعلها الله رحمةً إذا شاء، ونقمةً إذا شاء» (¬٢).\r• واعلم أنَّ سبَّ الريحِ يأتي على وجهين:\rأ. أن يسبّها باعتقاد أنَّها مأمورةٌ مخلوقة، فهذا حرامٌ، وعليه يحمل النهي في حديث الباب: «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ»، والأصل في النهي إذا تجرد عن القرائن التحريم.\rب. أن يسبّها باعتقاد أنَّها هي الفاعلةُ، فهذا شركٌ في الربوبية؛ لأنَّه اعتقد لمخلوقٍ من مخلوقات الله -وهي الريح- تصريفٌ وتدبيرٌ في الكون.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٨)، والترمذي (٢٠٩٣)، وابن حبان في الصحيح (٥٧٤٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٦٠)، وفي الصغير (٩٥٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٠٠).\r(¬٢) الأم (١/ ٢٥٣).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076965,"book_id":1139,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":446,"body":"المسألة الثالثة: ساق المصنّف في الباب قوله ﷺ: «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ».\rوفي الحديث النهي عن سبِّ الريح؛ لما سبق من أنَّها مأمورةٌ لا تدبير لها إلّا بأمر الله، فسبُّها سبٌّ للمدبّر وهو الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076966,"book_id":1139,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":447,"body":"ثانيًا: ماذا يفعل عند هبوبها؟\r١) الدعاء الوارد في حديث الباب: «اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» وفيه من الحكمة: أمر النبيّ ﷺ بالرجوع إلى خالق الريح، فهو الذي بيده كل شيء.\rوفي حديث أبي هريرة: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» (¬١).\r٢) التعوذ بالمعوذتين وغيرها: لحديث عقبة بن عامر ﵁: «أنَّهم غشيتهم رِيحٌ، وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يتعوذ بهما، وَيَقُولُ: «يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (¬٢).\rالمسألة الرابعة: الريح لا تأتي بالشرِّ فقط، بل فيها من المصالح للعباد والأرض ما لا يحيط به إلّا الله، ولو ركد الجوُ لَلَحِقَ العبادَ من المشقةِ والبلاءِ ما لا يعلمه إلا الله، فسبحانَ مَنْ جعل هبوب الرياح تأتي بِرَوحِه ورحمته ونعمته.\rومع هذا فينبغي على المرءِ عند تغيير الأجواء والحوادث أن يخاف، كما كان النبيّ ﷺ إذا تخيلت السماء، فربما أتت الريح بأمر الله بعذابٍ من الله للعباد، وقد قال الله عن قوم ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ … ﴾ [الأحقاف، الآية (٢٤)].\r* خلاصة الباب: أنَّ الريح من عند الله، وما هو من عند الله لا يجوز سبه، بل تدعو الله عند حلوله، وكم في الرياح من خير وأرباح.","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٥٠٩٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٠)، والنسائي في الكبري (١٠٦٩٩)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، وابن حبان (١٠٠٧)، والطبراني في الدعاء (٩٧١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٦٤).\r(¬٢) أخرجه أبو داود (١٤٦٣)، والطحاوي في شرح المشكل (١٢٧)، والطبراني في الدعاء (٩٧٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٤٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076968,"book_id":1139,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":449,"body":"ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده.\rفليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتّشت من فتّشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامةً له، وأنَّه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا؛ فمستقلٌ ومستكثرٌ، وفتِّش نفسك، هل أنت سالم.\rفإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيًا» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rعقد المصنّف هذا الباب في الكلام على الظنّ الحسن والظنّ السيء بالله تعالى، والكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: تنبيه المؤمنين إلى وجوب حسن الظن بالله، وأنَّ ذلك من واجبات التوحيد، فالموحِّدُ هو الذي يعتقدُ أنَّ الله كاملٌ في أسمائه، وفي أفعاله، ولازِمُ ذلك أن يحسن الظنَّ بالله سبحانه، ويعتقد أنَّ أفعاله تامّة الحسن.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ ظنّ السوء بالله ينافي كمال التوحيد له والتسليم له، وينافي الإيمانَ بأسمائِه وصفاته.","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (٣/ ٢٠٥) بتصرف.\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تُحصر.\rالرابعة: أنه لا يَسْلَم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076969,"book_id":1139,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":450,"body":"المسألة الثانية: ساق المصنفُ قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)].\rوظنُّ الجاهلية: هو الظنُّ المنسوبُ إلى أهلِ الجهل، الذين يعترضون على القدر ويسيئون الظنّ به، ويزعمون أنَّ الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، ولما قُتِلوا.\rوسبب نزول الآية: ما نقل عن ابن عباس قال: «إن معتّب قال يوم أحدٍ لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتِلنا هنا، فأنزل الله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)]» (¬١).\rالمسألة الثالثة: ساق المصنّف كلام ابن القيم، وقد اختصره، وهو مذكور بأطول من هذا في زاد المعاد.\rوالشاهد: أنَّه ﵀ ذكر في ظنِّ السوء وظنِّ الجاهليةِ ثلاث تفسيراتٍ وصور:\r١. أن يظن أن الله يُديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحِلّ معها الحق، وهذا ظنُّ المشركين والمنافقين: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح، الآية (١٢)].\r٢. إنكارُ القدر: بأن ينكر أنَّ ما وقع هو بقضاء الله، وهذا يتضمن أن يكون في ملكه مالا يريد.\r٣. إنكار الحكمة: بأن ينكر أنَّ يكون ما قدّره، قدّره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد؛ لأنَّ هذا يقتضي أن يكون تقديره عبثًا بلا حكمة، وقد قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ","footnotes":"(¬١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076970,"book_id":1139,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":451,"body":"الْحَقُّ﴾ [المؤمنون، الآية (١١٥ - ١١٦)]. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان، الآية (٣٨)].\rوقد ذكر ابن القيم صورًا عديدة من سوء الظنّ بالله تقع عند بعض الناس، ثم قال: «وبالجملة فمن ظنّ به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطّل حقائق ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، فقد ظنّ به ظنّ السوء».\rثم ذكر البيت من كلام الفرزدق:\rفإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيًا (¬١).\rأي: لا أظنك ناجيًا من الاعتراض على القدر، بل أكثرُ الخلق إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحقّ ظنّ السوء، بلسان الحال أو المقال.\rالمسألة الرابعة: وردت آيتان توعد الله بهما من أساء الظنّ به بأعظم وعيد.\r١. قوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح، الآية (٦)].\r٢. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ (٢٣)﴾ [فصلت، الآية (٢٢ - ٢٣)].\rقال ابن القيم: «ولم يجئ في القرآن وعيدٌ أعظم من وعيدِ من ظنَّ به ظنّ السوء» (¬٢).","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (٣/ ٢٠٩) وهو كلام نفيس لابن القيم، وذكر فيه صور الظن السيء بالله، فراجعه لزامًا.\r(¬٢) الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076971,"book_id":1139,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":452,"body":"المسألة الخامسة: الطريقُ للسلامةِ من الظنِّ السيء بالله تعالى يكون بمعرفة الله بأسمائه وصفاته، فإنَّ هذا يقوي القلب، ومن عرف الله سبحانه لم يظنَّ به إلّا الخير، ومن لم يتعرف على الله فقد يسيئ به الظن، قال ابن القيم: «ولا يَسلم عن ذلك -أي: الظنّ السيء بالله- إلّا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته» (¬١).\r* خلاصة الباب: أنَّه يجب على المؤمن الموحد أمور:\r١ - حسن الظنّ بالله: وفي الخبر: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (¬٢).\r٢ - عدم الاعتراض على قدرٍ يقدره الله، وأن يرضى ويسلم، وأن لا يسخط شيئًا قدره الله عليه.\r٣ - أن يعتقد أنَّ جميع ما يفعله الله، يفعله لحكمة ربما علمناها وربما لم تبلغها عقولنا.\r٤ - أن يتعاهد المرء نفسه وقلبه فكم من صالح وقع في سوء ظن بالله، فإذا وقع في شيء فعليه بالاستغفار والتوبة إليه سبحانه مما وقع في قلبه.","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (٣/ ٢٢٩).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076973,"book_id":1139,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":456,"sequence_num":454,"body":"وفي رواية لابن وهب قال رسول الله ﷺ: «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَحْرَقَهُ اَللَّهُ بِالنَّارِ» (¬١).\rوفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: «أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنِ كَعْبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: شَيْءٌ مِنَ اَلْقَدَرِ، فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اَللَّهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ اَلنَّارِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ اَلْيَمَانِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) القدر (٢٦).\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٨٢)، وعبد بن حميد في مسنده (٢٤٧)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (٨٤٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٤٥)، وابن حبان (٧٢٧)، وصححه الألباني في ظلال الجنة.\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان به. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به.\rالرابعة: الإخبار بأن أحدًا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. الخامسة: ذِكْرُ أول ما خلق الله.\rالسادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به.\rالثامنة: عادة السلف في إزالة الشُّبْهة بسؤال العلماء.\rالتاسعة: أن العلماء أجابوه بما يُزيل الشبهة، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076974,"book_id":1139,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":455,"body":"(الشرح)\rعقد المصنّف الباب في الكلام على القدر، والكلام عليه في عدة مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: بيان ما ورد في النصوص من الوعيد الشديد على من أنكر القدر الذي قدره الله، وحكم من أنكره.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وإنكارُه منافٍ للتوحيد، ومِن جهة أنَّ تعظيم الله يكون بالتسليم له، والإيمان بربوبيته يقتضي عدم إنكار ما يقدِّرُه، ومن أنكرَ القدَر فقد تنقّص ربوبيته.\rالمسألة الثانية: القدَرُ لغة: له عدة معانٍ ترجع إلى التقدير.\rوشرعًا: تقدير الله الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنَّها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له ووقوعها على حسب ما قدرها.\rوقد حوى التعريفُ مراتبَ القدر الأربع: العلم، والكتابة، والخلق، والمشيئة، التي وردت في القرآن والسنة، وقد بيّنها العلماء، وهي:\r١ - علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم.\r٢ - كتابة ذلك في اللوح المحفوظ عنده قبل خلق السموات والأرض.\r٣ - مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه.\r٤ - خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٩٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076975,"book_id":1139,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":456,"body":"المسألة الثالثة: أقسام منكري القدر، وحكم من أنكر القدر.\r* ذكر أهل العلم أن منكري القدر يدخل فيهم صنفان من الناس:\rالأول: غلاة القدرية الذين ينكرون علم الله عن الأشياء قبل وقوعها، وينكرون كتابته سبحانه ما يقع على العباد، ويرون أنَّ الأمر لا يعلمه الله إلّا بعد وقوعه.\rوهؤلاء الغلاة كفَّرهم العلماء كمالك والشافعي وأحمد (¬١)، وهو الذي دلّ له كلام ابن عمر ﵁ في الحديث.\r• والعلة: أنَّهم أنكروا علم الله سبحانه، ونسبوه إلى الجهل بالأشياء.\rالثاني: من أثبت علم الله وكتابته، لكنّه أنكر مشيئة الله لما يقع من العبد، وخلقه له، وذلك لكي ينزهوا الله -كما يزعمون- من أن يعذب من فعل شيئًا قد شاء الله وقوعه، وهذا خطأ؛ لأنَّ ثمة فرقًا بين المشيئة الشرعية، وبين المشيئة الكونية القدرية، وتفصيل هذا يطول، فليراجع له شرح الطحاوية (¬٢).\rوالقائلون بهذا هم القدرية المعتزلة، وقد حكم العلماء عليهم بالبدعة، ولم يكفروهم.\rالمسألة الرابعة: وردت عن السلف أقوالٌ عديدة في الكلام على القدر ووجوب إثباته.\rقال زيد بن أسلم قال: «القدَرُ قُدرة الله تعالى، فمن كذّب بالقدر فقد جحد قدرة الله تعالى»، وقال أيضًا: «ما أعلمُ قومًا أبعد من الله تعالى من قوم يخرجونه","footnotes":"(¬١) انظر: الردّ على الجهمية، للدارمي (ص: ٢١٢)\r(¬٢) شرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ٨٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076976,"book_id":1139,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":457,"body":"من مشيئته، وينكرونه من قدرته»، وقال مالك بن أنس: «ما أضل من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة، إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن، الآية (٢)] لكفى به حجة».\rوقال البغوي: «القدر سرٌّ من أسرار الله لم يُطلِع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يُعتقد أنَّ الله ﷾ خلق الخلق، فجعلهم فريقين: أهلُ يمينٍ خلقهم للنعيم فضلًا، وأهلُ شمالٍ خلقهم للجحيم عدلًا (¬١).\rوقد ساق الآجري في الشريعة أقوالًا عديدة للسلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في ذم القدرية (¬٢).\rوأما ما ورد من الأحاديث في ذمِّ القدرية، كحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة … » ونحوها؛ فكلها ضعيفة لا تثبت عن النبيّ ﷺ، والله أعلم، وقد تكلم عنها بتفاصيلها وبيّن ضعفَها ابنُ الجوزي ﵀ (¬٣).\rالمسألة الخامسة: ذكر المصنّف في أول الباب كلام ابن عمر، وقد أخرجه مسلم عن يحيى بن يعمر قال: «كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ: مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ -أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ- فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ","footnotes":"(¬١) شرح السنة، للبغوي (١/ ١٤٤).\r(¬٢) الشريعة، للآجري (٢/ ٨٩٥).\r(¬٣) انظر: العلل المتناهية (١/ ١٤٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076977,"book_id":1139,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":458,"body":"الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ».\rثم ذكر ابن عمر حديث عمر ﵁ في قدوم جبريل المشهور، وفيه قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ … ».\rوالشاهد منه: أنَّه ذكر أنَّ الإيمان بالقدر خيره وشره من أصول الإيمان الستة، فمن أنكره وجحد به لم يكن مؤمنًا؛ لأنَّ الكافر بالبعض كافر بالكل.\rالمسألة السادسة: ذكر المصنف حديث عبادة بن الصامت، وقد بيّن فيه عُبادة ﵁ لابنه: أنَّ الإيمان له طعمٌ حلوٌ لا يناله كل أحد، بل يناله من حققوا الإيمان الحق، وذلك بخصالٍ، من أعظمها: الإيمان والتسليم لقضاء الله وقدره، ولازِمُ ذلكَ: أن تعلم أنّ ما أصابك فلا يمكن أن يخطئك، بل لابد أن تجري المقادير ليقع عليك، وما أخطأك ولم يتحصل لك فلا يمكن مهما فعلت من أسباب أن يقع لك، وهذا الإيمان يريح المرء ويجعله راضيًا بتقدير الله، ويغلق عليه باب «لو» وتسويل الشيطان وتأسيفه.\rولذا ورد عن العباس بن عبد المطلب ﵁ مرفوعًا: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضى بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (¬١).\rالمسألة السابعة: ورد في حديث عبادة ﵁ أنَّ الله لما خلق القلم، وكان","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٣٤).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076978,"book_id":1139,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":459,"body":"ذلك قبل خلق الناس جرى بتقدير الله، وأمره بكتابة كل ما سيكون، فالقدر متقدم على خلق الناس، وقد اختلف أيهما خُلِقَ أولًا العرش أم القلم؟\r* والجمهور: أنَّ العرش خُلِق أولًا، ويدل له حديث عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (¬١)، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم.\rوأما حديث: «أول ما خلق الله القلم» فإما أن يقال بأن المراد أن أول ما خلق الله القلم قال الله له: اكتب، ولا يلزم من ذلك أنَّه أول المخلوقات، فتكون كلمة (القلم) منصوبة، لا مرفوعة.\rوإما أن يحمل على أنَّه أول المخلوقات من هذا العالَم، قال ابن القيم:\rوالناس مختلفون في القلم الذي … كتب القضاء به من الديان\rهل كان قبل العرش أو هو بعده … قولان عند أبى العلا الهمداني\rوالحق أن العرش قبل لأنَّه … عند الكتابة كان ذا أركان (¬٢)\rالمسألة الثامنة: أفاد حديث عبادة ﵁ أنَّ في القدر خيرًا وشرًا، وهذا بالنسبة للعبد، أما الربّ سبحانه، فأفعاله خير محض لا شرّ فيه، ولا يقدِّر على عباده إلا خيرًا إما عاجلًا وإما آجلًا، ولذا ورد في الآية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ … ﴾ فظهور الفساد شرّ لكنه بالنسبة لتقدير الله خير؛ لأنَّه يترتب عليه تكفير الذنوب، ولعل الناس يرجعون، قال ابن القيم: «فالشر راجع","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٦٥٣).\r(¬٢) النونية (ص: ٦٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076979,"book_id":1139,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":460,"body":"إلى مفعولاته، لا إلى ذاته وصفاته» (¬١).\rوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «ويتبيّن ذلك بمثال -ولله المثل الأعلى-، لو أنَّ ملكًا من ملوك العدل كان معروفًا بقمع المخالفين وأهل الفساد، مقيمًا للحدود والتعزيرات الشرعية على أرباب أصحابها، لعدّوا ذلك خيرًا يحمده عليه الملوك، ويمدحه الناس ويشكرونه على ذلك، فهو خيرٌ بالنسبة إلى الملوك، يمدح ويثنى به ويشكر عليه، وإن كان شرًّا بالنسبة إلى من أقيم عليه، فرب العالمين أولى بذلك، لأنَّ له الكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات» (¬٢).\rالمسألة التاسعة: في حديث عبادة ﵁ قوله: «لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»، وهذا فيه تمثيل على سبيل الافتراض، أي: لو فرض أنّك أنفقت مثل أحد فلن يقبل منك، ففيه مبالغة في البيان، وإنما لا يقبل الله منه؛ لأنَّ من أنكر القدر فهو كافر، والله لا يقبل من الكفار: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٥٤)].\rالمسألة العاشرة: لفظ الحديث عند ابن ماجه فيه زيادة: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ».\rوقد توارد على هذا المعنى رأي ثلاثة من الصحابة، فقد أخرج ابن ماجه الحديث عن ابن الديلمي بلفظ «وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، خَشِيتُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ دِينِي وَأَمْرِي، فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، فَخَشِيتُ عَلَى دِينِي وَأَمْرِي، فَحَدِّثْنِي مِنْ","footnotes":"(¬١) مفتاح دار السعادة (٢/ ١١٢).\r(¬٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (ص: ٦٠٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076980,"book_id":1139,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":461,"body":"ذَلِكَ بِشَيْءٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ» وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَتَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيٌّ، وَقَالَ لِي: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ حُذَيْفَةَ، فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا، وَقَالَ: ائْتِ زيْدَ بْنَ ثابتٍ، فَاسْأَلْهُ، فَأَتَيْتُ زيْدَ بْنَ ثابتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لوْ أَنَّ اللَّهَ عذَّبَ أهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ … الحديث».\rولابن القيم كلامٌ نفيس على هذه الجملة، حيث قال: «وليس المراد به لو عذبهم لتصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه غير ظالم، كما يظنه كثير من الناس، فإن هذا يتضمن مدحًا، والحديث إنما سيق للمدح بغير استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف اضعاف ما أتوا، ولهذا قال بعده: «وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ» يعني: أنّ رحمته لهم ليست على قدر أعمالهم إذ أعمالهم لا تستقبل باقتضاء الرحمة وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها، فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبًا لحقه وهو غير ظالم لهم فيه، ولا سيما فإنَّ أعمالهم لا توازي القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالمًا لهم» (¬١).","footnotes":"(¬١) طريق الهجرتين، لابن القيم (٤٢٨).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076981,"book_id":1139,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":462,"body":"* خلاصة الباب: أنَّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وإنكارُه منافٍ لتوحيد الله، وتنقصٌ لله، إذ نفى عنه ما أثبته لنفسه من العلم والمشيئة والخلق والكتابة، فلزامٌ على المسلم أن يؤمن بالقدر، وأنَّه ما يقع في الكون شيء إلّا والله يعلمه وكتبه وقد خلقه وشاءه كونًا وقدرًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076983,"book_id":1139,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":464,"body":"إِلَّا سَوَّيْتَهُ» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في أربع مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب:\rالتصوير: هو جعل شيء على صورة شيء، والمراد هنا: من يُصَوِّرُ شيئًا على هيئة ما خلق الله تعالى من ذوات الأرواح.\rفأراد المصنّف هنا أن يبيّن ما ورد من الوعيد والعقوبة للمصورين، وأنَّهم من أشدّ الناس عذابًا.\rوعلاقة البابِ بالتوحيد من جهاتٍ ثلاث:\r١ - أنّ التصويرَ فيه مضاهاةٌ لخلق الله، فالمصوِّرُ جَعل فِعله ندًا لفعل الله فشاركه في ذلك، وإذا كان هذا فيما صُوِّرَ على شكل ما خلق الله، فكيف بحال من سوّى المخلوقَ بالله وشَبَّهه بخلقه؟!","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٩٦٩).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: التغليظ الشديد في المصورين.\rالثانية: التنبيه على العلة، وهي تَرْكُ الأدب مع الله؛ لقوله تعالى: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟».\rالثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم؛ لقوله: «فليخلقوا ذرةً أو شعيرةً». الرابعة: التصريح بأنهم أشدُّ الناس عذابًا.\rالخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسًا يعذِّب بها المصور في جهنم.\rالسادسة: أنه يُكلَّف أن يَنفخ فيها الروح. السابعة: الأمر بطمسها إذا وُجِدَت.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076984,"book_id":1139,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":465,"body":"٢ - أنَّ التصويرَ وسيلةٌ للوقوع في الشرك، والوسائلُ للمحرم يجب سدُّها.\r٣ - أنَّ التصوير من الكبائر؛ لأنَّه توعّد عليها، والكبائر تقدح في كمال التوحيد، لا أصلِه، وتُعرِّضُ صاحبه للوعيد.\rالمسألة الثانية: حينما يُطلَق التصوير فإنَّه يدخل فيه صورتان:\r١. النحت: بأن يصنع تمثالًا أو صورة مجسّمة، على شكل صورة ذات روح.\r٢. أن يرسم بيده شيئًا من ذوات الأرواح.\rوالخلافُ في الآلات الحديثة مشهورٌ هل تُلحَقُ بالتصوير أم لا؟ وهذا محله كتب الفقه (¬١).\r* المراد أنَّه ﵀ استدل على حرمة التصوير بأحاديث:\r١) حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؛ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيْرَةً»، وفي الحديث أمران:\rأ- بيان عظم ظلم المرء حين يذهب ليخلق خلق الله، وأنَّه من أعظم الظلم.\rب- فيه تحدي الله لخلقه أن يخلقوا كخلقه، فتحداهم أن يخلقوا ذرّةً وهي صغار النمل، أو يخلقوا حبة ينفلق منها النبات، وهذا في أقل الأشياء، فما هو أكبر منها هم أعجز عن خلق مثله.\rووجه الشاهد من الحديث: أنَّ المصور بتصويره شيئًا كخلق الله، صار","footnotes":"(¬١) انظر: أحكام التصوير في الفقه الإسلامي، د. محمد علي واصل (ص: ٣١٢ وما بعدها).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076985,"book_id":1139,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":466,"body":"مضاهيًا لله في خلقه.\r٢) حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».\rوفي الحديث: بيان أنَّ أشد الناس عذابًا هم الذين يضاهئون بخلق الله، أي: يشابهون بخلق الله، وهم المصورون.\rلكن المضاهاة التي يكفر صاحبها، وتُوُعِّدَ بأشدِّ العذاب نوعان:\r١ - أن يصوِّر شيئًا من صنم وغيره ليعبد، فهذا شركٌ أكبر.\r٢ - أن يصور صورة ويزعم أنَّها أحسن من خلق الله، فهذا كفر.\r* أما كونُ الإنسانِ يصور بيده وينحت ونحوه، فهذا لاشك أنَّه ارتكب كبيرةً ومتوعّدٌ بالعقوبة، لكنه لا يخرج من الدين.\r٣) حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ».\rوفي الحديث: بيان أنَّ كل من صور ما له روحٌ ونفس فإنَّه يدخل النار، ويجعل له بكل صورة صورها نفس، ويقال له: انفخ فيها الروح ويعذّب لذلك، وهذا الدخول في النار ليس مؤبدًا؛ لأنَّ فاعل الكبيرة لا يخلّد في النار، بل هو تحت المشيئة، والحديث يدل على طول تعذيبه، وإظهارِ عجزه عما كان تعاطاه، ومبالغة في تحريمه، وبيان قبح فعله.\r٤) حديث أبي الهياج قال: «قال لي علي ﵁: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا؛ إِلَّا سَوَّيْتَهُ»،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076986,"book_id":1139,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":467,"body":"وفي هذا الحديث أمران:\r١ - أمرُ النبيِّ ﷺ لعلي ﵁ بأن لا يدع صورة إلّا طمسها، والطمسُ: إزالة معالم الوجه، وسواءٌ كان هذا بقطعِها أو حفرِها أو لونها بلونٍ آخر يزيل معالمها.\r٢ - أن لا يدع قبرًا مشرفًا مرتفعًا -والإشراف هو الارتفاع- إلّا سوّاه بالأرض على وفق الشرع، وليس المرادُ تسويته بالأرض، وإنما تسويته على سمت القبور المشروعة، وذلك بأن لا يرتفع أكثر من شبر، وأن يردّ إليه ترابه، كما قال بعض الفقهاء، وذلك يرفعه قدر شبر.\rومعلوم أنَّ رفع القبور أوقع البعض في الفتنة بها وتعظيمها، وتطور الأمر بهؤلاء إلى بناء الأبنية عليها، ثم تزيينها بالأنوار والأطياب والسرج والزخارف، وهذا كله -كما لا يخفى- قد يوقع في نفوس الضعفاء من العامة تعظيمها، فلذلك أمر النبيّ ﷺ عليًا بأن لا يدع قبرًا مشرفًا إلّا سوّاه على سمت الشرع، وفيه الإنكار باليد للقادر على ذلك.\rالمسألة الثالثة: ذكر العلماءُ أنَّ العِلَّةَ من النهي عن التصوير: كونه ذريعةً إلى الشرك، حين يُعَظَّمُ أصحابها مع طول الزمن.\rوأصحابُ الأصنامِ -ومنهم قومُ نوحٍ; - كان مبتدأ أمرهم التصوير، حين عظّموا الأموات فصوروهم، ثم جاء مَنْ بعدهم فعبدوهم، ولأجل مثل هذا نُهِيَ عن زيارة القبور في أول الأمرِ سدًّا للذريعة في تعظيمهم، ثم لما تمكن التوحيد في القلوب أذن لهم.\rقال ابن تيمية: «من أعظم أسبابِ عبادة الأصنام تصويرُ الصور وتعظيم القبور،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076987,"book_id":1139,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":468,"body":"قال: وهل كان أصل عبادة الأصنام في بني آدم من عهد نوح; إلا هذا» (¬١).\rالمسألة الرابعة: يستثنى من تحريم التصوير أمران:\r١. ما لا روح فيه، كالأشجار والزروع والصحراء ونحوه: وهذا وقع فيه خلاف بين العلماء؛ فاستدل بعض السلف بقوله ﷺ: «أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً .. » على تحريم تصوير ما فيه حياةٌ ولكن لا روح فيه من خلق الله كالزروع والأشجار.\r* لكن الجمهور على خلاف ذلك، وأنَّ التحريم إنما هو لما فيه روح، ويشهد له قوله: «كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ … ». «أحيوا ما خلقتم».\r* وأما هذا الحديث، فهو على سبيل التحدي والتعجيز.\rوقد ورد في الصحيح قول ابن عباس ﵄: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ» (¬٢)، وهذا دليل على الجواز.\r٢. ذوات الروح إذا طمس منها ما لا تبقى فيه الحياة بإزالته؛ كالبدن لوحده.\r* والدليل: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أَتَانِي جِبْرِيلُ;، فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلاَّ أنَّه كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِى فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ فَيَصيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنِ … » (¬٣).","footnotes":"(¬١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ٣٤٧ - ٣٤٩).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٢٢٢٥)، ومسلم (٢١١٠).\r(¬٣) أخرجه أبو داود (٤١٥٨)، والترمذي (٢٨٠٦)، والطحاوي (٤/ ٢٨٧)، وابن حبان (٥٨٥٤)، والبيهقي (٧/ ٢٧٠)، وفي الشعب (٥٩٠١)، وصححه الألباني في الصحيحة (٣٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076988,"book_id":1139,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":471,"sequence_num":469,"body":"وقال ابن عباس: «الصورة الرأس، فإذا قُطِعَ الرأسُ فليس بصورة» (¬١) (¬٢).\r* خلاصة الباب: أنَّ التصوير فيه مضاهاة لخلق الله، وهو ذريعة للوقوع في تعظيم المصور، وقد يلج الشيطان منه إلى إيقاع الناس بالشرك بالله، ولذا نهى النبيّ ﷺ عنه.","footnotes":"(¬١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٧/ ٤٤١)، وقد روي عن ابن عباس مرفوعًا، أخرجه الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢٩١)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٩٢١).\r(¬٢) ويرى ابن قدامة أنَّه حتى لو بقي الرأس وحده فلا يُعَدُّ صورةً، ما دام لا يعيش برأس فقط، حيث قال: «إنَّ قُطِعَ منه ما لا يبقى الحيوان بعد ذهابه، كصدره أو بطنه، أو جُعِل له رأسٌ منفصلٌ عن بدنه، لم يدخل تحت النهي؛ لأن الصورة لا تبقى بعد ذهابه، فهو كقطع الرأس، وإن كان الذاهِبُ يبقى الحيوانُ بعده، كالعين واليد والرجل، فهو صورة داخلة تحت النهي.\rوكذلك إذا كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس، أو رأس بلا بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان، لم يدخل في النهي؛ لأن ذلك ليس بصورة حيوان». المغني، لابن قدامة (٧/ ٢٠١).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076990,"book_id":1139,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":473,"sequence_num":471,"body":"وفيه عن ابن مسعود ﵁: أن النبيّ ﷺ قال: «خَيْرُ اَلنَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» (¬١).\rوقال إبراهيم: «كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار» (¬٢) (¬٣).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: ذمُّ إكثارِ الإنسانِ من الحلف.\rوعلاقته بالتوحيد: من جهة أنَّ الإنسان لا يحلف إلّا بمعظم وهو الله، والمعظِّمُ لله كمالَ التعظيم لا يكثر الحلف به سبحانه؛ لأنَّ كثرة الحلف يترتب عليها أن يتساهل المرء فيها فيكذب أو يقع فيها حنثٌ، وهذا فيه عدم تعظيمٍ لله، وهو منافٍ","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٢٦٥٢).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: الوصية بحفظ الأيمان. الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة.\rالثالثة: الوعيد الشديد في من لا يبيع إلا بيمينه، ولا يشتري إلا بيمينه.\rالرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون.\rالسادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم.\rالسابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076991,"book_id":1139,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":472,"body":"لكمال التوحيد، ولأجل ذلك ذكر في الباب ما يدل على أنَّه ينبغي حفظ اليمين، وأن لا يحلف إلّا عند الحاجة لذلك.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب عدّةَ نصوصٍ في الأمر بحفظ اليمين، وهي:\r١) قول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وللمفسرين في تفسير الآية أقوال: والأولى أن يقال حِفْظُ اليمين يكون بأمورٍ ثلاثة:\r١. حفظها قبل الحلف بأن لا يحلف إلّا على أمر شرعي بيّن، ولا يكثر من الحلف.\r٢. حفظها بعد الحلف بأن لا يحنث، ما لم يحلف على معصية.\r٣. حفظها بعد الحنث بعدم تركها بلا تكفير.\r٢) حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «اَلْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ»\rوالمراد: أنَّه إذا حلف على سلعة أنَّه أعطي فيها كذا، أو أنَّه اشتراها بكذا، وقد يظنه المشتري صادقًا فيما حلف عليه، فيأخذها بزيادةٍ على قيمتها، والبائع إمّا أن يكون كاذبًا في ذلك، وإنما حلف طمعًا في الزيادة، فيكون قد عصى الله، وإمّا أن يكون صادقًا فالإشكال من جري الحلف على اللسان، وهذا ينافي كمال التعظيم، ونتيجةً لكثرة الحلف إمّا صادقًا أو كاذبًا، فالسلعة قد تنفق وتباع، لكن يعاقبه الله بمحق البركة، فإذا ذهبت بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك الزيادة.\r٣) حديث سلمان ﵁: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اَللَّهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ … وَرَجُلٌ جَعَلَ اَللَّهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076992,"book_id":1139,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":473,"body":"وفيه توعُّدُ من تَعامُلُه لا يتم إلّا بالحلف، فهو لا يشتري ولا يبيع ولا يتعامل إلّا بحلف، وإنما ذُمَّ هذا لأنَّه لا يخلو -كما سبق- من حالين:\rأ- أن يكون كاذبًا: فلكذبه وأكل أموال الناس بالباطل واستخفافه باليمين.\rب- أن يكون صادقًا: فلأنَّ كثرة الحلف تُشعِرُ -كما سبق- باستخفافه بالله.\rولأنَّه إذا تعوّد كثرة الحلف في الدنيا -ولو صادقًا- ربما استمرأ فحلف كاذبًا.\rوإنما ذُكِرَ هؤلاء الثلاثةُ في الحديث؛ لأنَّ داعي المعصية في حقِّهم ضعيفٌ، ومع هذا فعلوها، فاستحقوا تغليظ العقوبة.\r٤) حديث عمران بن حصين ﵁ وفيه: «ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَنُ».\rوالشاهد فيه: أنَّ القرون المفضولة -وهي التي بعد القرون الثلاثة- يكون فيهم من يستخفُّ بالشهادة، والشهادة يقترن بها الحلف غالبًا.\rأو يقال: بأنَّ من سِمات هؤلاء استخفافهم بأوامر الشرع، ولذا فهم يستخفون بالشهادة وبالأمانة وبالنذر، وقد يدخل في ذلك الحلف، ولذلك في حديث ابن مسعود ﵁ بعده قوله: «ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»، فيخفُّ أمرُ اليمينِ والشهادةِ عندهم تحملًا وأداءً، لقلّة خوفهم من الله، وعدم مبالاتهم بذلك.\rفإن قيل: كيف يجمع بين قوله: «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» وبين قوله ﷺ «خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ أَدَّى شَهَادَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا؟» (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (٢٢٩٧)، وابن ماجه (٢٣٦٤)، وأحمد (٥/ ١٩٣)، والبزار (٣٧٧٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٥١)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٣٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٧٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076993,"book_id":1139,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":474,"body":"لعل أقوى الأجوبة في الجمع بينهما: أن الثناء في خير الشهداء هو في حق من أُشْهِدَ، بأن لا يكتم الشهادة، وأما الذم فهو في حق من يشهد بالباطل.\rقال الترمذي: «ومعنى حديث النبيّ ﷺ: «خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ أَدَّى شَهَادَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» هو عندنا إذا أشهد الرجل على الشيء أن يؤدي شهادته، ولا يمتنع من الشهادة» (¬١).\rوقال ابن تيمية: «قوله في هذه الأحاديث «يشهدون قبل أن يستشهدوا» قد فهم منه طائفة من العلماء أن المراد به أداءُ الشهادة بالحقّ قبل أن يطلبها المشهود له، وحملوا ذلك على ما إذا كان عالمًا؛ جمعًا بين هذا وبين قوله: «ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها».\rوحملوا الثاني على أن يأتي بها المشهود له فيعرفه بها.\rوالصحيح أنَّ الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث: «ثم يفشو فيهم الكذب، حتى يشهد الرجل ولا يستشهد»، ولهذا قرن ذلك بالخيانة وبترك الوفاء بالنذر، وهذه الخصال الثلاثة هي آية المنافق» (¬٢).\r* وقوله: «وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ»: وهذا لا ينافي حديث النهي عن النذر، وأنَّه لا يأتي بخير، وإنما هو تأكيدٌ لأمره، وتحذير من التهاون به بعد إيجابه.","footnotes":"(¬١) السنن (٤/ ١٢٥).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٩٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076994,"book_id":1139,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":475,"body":"* وقوله: «وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَنُ» والسِمن إنما يذمّ منه ما كان بسبب الإكثار من المآكل والمشارب، والاشتغال بإصلاح الأبدان والغفلة عن الآخرة، فهذا هو المذموم، وأما إذا حدث السِمَنُ لا عن قصدٍ واختيارٍ، ولا عن انشغال بالمتع الدنيوية عن الآخرة فلا يذمّ.\rالمسألة الثالثة: ذكر في الباب قول إبراهيم النخعي ﵀: «كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار» لأن الصغير إذا تعود الإقدام على الشيء استهان به، وإذا غرس فيه منذ الصغر التحرز والاحتياط من هذا الشيء كبر عليه.\rوالسلف كانوا يحرصون أن يربوا أبناءهم على فضائل الأمور منذ صغرهم، فلا يتركون شيئًا مما يكره إلا أنكروه، وما يحب إلا أمروا به، وفيه تمرين الصغار على طاعة ربهم، ونهيهم عما يضرهم.\r* خلاصة الباب: أنَّه لا يُحلف إلا بعظيم وهو الله، وحينها فلا ينبغي الإكثار من الحلف بالعظيم سبحانه، فإن هذا يترتب عليه أنَّه ربما كذب في يمينه فاستخف هو بالله، ولبّس على من سمع يمينه، ولو صدق فإنَّ الإكثار من الحلف ليس من فعل أهل الكمالات، ومن تأمّل حال النبيّ ﷺ وجد أنَّه لم يكن كثير الحلف، بل إن أيمانه تعدّ عدًّا، لقلّتها.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076996,"book_id":1139,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":477,"body":"أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ.\rوَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِى أَتُصيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» (¬١) (¬٢).\r\r(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بذمّة الله ضمانه وعهده، ومنه قوله ﷺ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ» (¬٣).\rفالذمّة: هي العهد، وذمَّة الله؛ عهده، وإخفار الذمّة: نقضها وعدم حفظها.\rفأراد المصنّف بالباب: أن يبين أنَّه يجب على المسلم حفظُ ذمَّةِ الله وذمَّةِ نبيّه والوفاء بهما، والتحذير من إخفارها أو جعلها للناس، وأنَّ ذلك عدم تعظيم لهما، وأنَّ ولي الأمر لا ينبغي أن يجعل للناس ذمّة الله وذمّة نبيّه، بل يجعل لهم ذمّته وذمم أصحابه؛ لأنَّ في انتهاكهم وإخفارهم لذمّة الله","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٧٣١).\r(¬٢) فيه مسائل:\rالأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه، وذمة المسلمين. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرًا.\rالثالثة: قوله: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله». الرابعة: قوله: «قاتلوا من كفر بالله».\rالخامسة: قوله: «استعن بالله وقاتلهم». السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء.\rالسابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا.\r(¬٣) أخرجه مسلم (٦٥٧) من حديث جندب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076997,"book_id":1139,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":478,"body":"وذمّة نبيّه؛ تهوينًا للإسلام في نفوس الكفار وتزهيدًا به من جهة، وقرينة على استخفاف مَنْ نقضه من المسلمين بربّه من جهة أخرى، إذ لو عظّمه لما نقض عهده، إلّا أنَّ نقض عهد الله لا يصدر ممن تمكن الإيمان من قلبه، ولكن قد يقع من بعض الأعراب أو من لم يتمكن الدين من قلبه.\rومناسبة الباب للتوحيد: أنَّ عدم الوفاء بعهد الله تنقص له، وهو دليل على عدم تعظيمه، وهو قادح في التوحيد.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل، الآية (٩١)].\rوفي الآية: أمرٌ من الله بالوفاء بالعهود والمواثيق التي يجعلها المسلم على نفسه، سواءٌ كان فردًا كما يحصل في العقود ونحوها، أو كان عن جماعة المسلمين وهذا أشدّ، كما يحصل من المعاهدات بين المسلمين وبين الكفار، فإذا عاهدوهم على شيء فلا يجوز أن ينقضوه إلّا بموجب معتبر، فالمسلم ليس بخوّانٍ ولا ناقض للعهود.\rوفي الآية أيضًا: الأمرُ بالمحافظة على الأَيمان المؤكدة وتحريمُ نقضها، والوفاء بالعهود، وعدم نقض الأيمان المؤكدة يدلّ على تعظيم الله.\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنّفُ في البابِ حديث بريدة ﵁، والشاهد فيه قوله: «وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّه، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ».\rوالمراد: أنَّه إذا حاصر المسلمون عدوهم فطلبهم العدو أن يُنزِلوهم على عهد الله ورسوله فإنَّه لا يجوز لهم ذلك؛ لأنَّهم إذا فعلوا ذلك فحصل من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1076998,"book_id":1139,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":479,"body":"المسلمين إخفار للذمة فكونها لذمّة الله ورسوله عظيمة عليهم، ولها أثر على عدوهم كونهم أخفروا ذمة ربهم وذمة نبيهم ﷺ، وهذا قد يرجع على الإسلام بالنقص.\rوليس معنى هذا أن إخفار الذمّة يجوز، بل كله لا يجوز، لكنه لو حصل فأن تخفر ذمّة المجاهدين أهون من أن تخفر ذمّة الله ورسوله، فبعض الشر أهون من بعض.\rثم قال في الحديث: «وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِى أَتُصيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا».\rوذلك لأنَّه إذا حصل غلط فيكون الغلط منسوبًا إلى حكم البشر، لا إلى حكم الله، فيصد الناس عن دين الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077000,"book_id":1139,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":481,"body":"الباب ما جاء من الأدلة على تحريم الحلف على الله؛ لأنَّ من تألى وحلف على الله، فقد أساء الأدب معه سبحانه وتجرأ عليه.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة: «أنّ الإقسام على الله غالبًا يقع من باب العجب بالنفس والإدلال على الله وسوء الأدب معه، ولا يتمُ الإيمانُ حتى يَسلم من ذلك كله». قاله السعدي (¬١).\rولما فيه من التحجير على الله، كما فعل الذي قال: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ»\rالمسألة الثانية: الإقسام على الله تعالى لا يخلو من حالات:\rالحالة الأولى: يكون جائزًا، إذا كان الإقسام على الله هو على جهة حسن الظنِّ به، وباعثُه الطمعُ في رحمة الله وقوةِ الرجاء به، وصادرٌ من عبدٍ من أولياء الله، وفي أمر طاعةٍ ومصلحة لا في معصية فيجوز، وقد يجيب الله قسمه لكرامته عليه، وسابقة طاعاته، وخبيئة من صالحاته.\rويدل له قوله ﷺ في حديث أنس بن مالك: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ» (¬٢)، وحديث حارثة بن وهب ﵁ مرفوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (¬٣).\rقال ابن تيمية: «وأما الذين يُقسِمون على الله فيبرّ قسمهم، فإنَّهم ناسٌ مخصوصون» (¬٤).","footnotes":"(¬١) القول السديد (ص: ١٨٧).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥) من حديث أنس.\r(¬٣) أخرجه البخاري (٤٩١٨)، ومسلم (٢٨٥٣) من حديث حارثة بن وهب.\r(¬٤) مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077001,"book_id":1139,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":482,"body":"ومن هذا ما وقع للبراء بن مالك ﵁ حين أقسم على الله لينصرهم، وليجعلنه شهيدًا، فأجاب الله دعاءه.\rومنه قول ابن تيمية ﵀ في بعض مغازيه: «لَنُنْصرنَّ، فقيل له: قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا» (¬١).\rالحالة الثانية: يكون ممنوعًا؛ إذا صدر:\r١ - على وجه التحجير على الله في فضله، كمن يقول: والله لا يغفر الله لفلان، أو والله لا يرزق فلانًا.\r٢ - أو يقع من غير أهله -وهم أهل الصلاح-.\r٣ - أو يقع ودافعه العجب بالنفس، والكِبر، ونحو ذلك.\rقال السعدي ﵀: «أما الإقسام على الله، فهو في الغالب من باب العجب بالنفس والإدلال على الله، وسوء الأدب معه، ولا يتم الإيمان حتى يسلم من ذلك كله» (¬٢).\rالحالة الثالثة: الإقسام على الله بحق شخصٍ من الناس، كمن يقول: أقسمتُ عليك يا رب بحق الولي فلان ونحو ذلك، فهذا منهيٌ عنه باتفاق العلماء.\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب قوله: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ».\rوالحديث يظهر منه: أنَّ هذا الذي حلف على الله حلف متحجرًا نعمة الله","footnotes":"(¬١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٣)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٨٧).\r(¬٢) القول السديد (ص: ١٨٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077002,"book_id":1139,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":483,"body":"وفضله ومغفرته، ففيه تحجيرٌ على الله، ولا يصدر ذلك من قلب معظِّم لله كمال التعظيم فعاقبه الله بما ذكر، وهو إحباط عمله، وهذا الإحباط يحتمل أنَّه إحباطٌ لجميع العمل، وذلك لأنَّه لم يذل لله.\rويحتمل أن المراد: أحبطت عملك الذي كنت تفتخر به على هذا الرجل، لكن ظاهر الحديث الأول.\r*","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077004,"book_id":1139,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":485,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب:\rالاستشفاع: طلبُ الشفاعةِ، والأصلُ أنَّ الشفاعةَ تكون من الأسفلِ للأعلى، فالإنسانُ قد يتمكن مثلًا من الوصول إلى الوزير، لكنه لا يملك أن يصل إلى الملك، فيطلب من الوزير أن يشفع له عند الملك، وملوكُ الدنيا يُشَفِّعونَ من له عليهم حقٌ، أو من يحتاجون له.\rومَن عرف ربّه وقَدَره حقّ قدرِه علم أنَّ شأن الله عظيم، فالخلق كلهم بيده، وكلهم محتاجون له، وليس لأحدٍ عليه حق.\rفالمراد بهذا الباب: بيان أنَّه لا يجوز أن يَجْعل أحدٌ اللهَ شفيعًا على الخلق، يشفع له عندهم؛ لأنَّ شأن الله أعظم وأجل من أن يستشفع به على أحد من خلقه.\rوعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أن هذا الفعل فيه تنقص لله، وسوء أدب معه سبحانه وهذا ينافي كمال التوحيد.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب حديث جبير بن مطعم ﵁، وقد أخرجه أبو داود وغيره من طريق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عن يَعْقُوب بن عُتْبَة، عن جُبَيْر بن مُحَمَّد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه، عن جبير ﵁، وقد أُعل الحديث بأن مداره على ابن إسحاق، وهو مشهور بالتدليس، وقد عنعن.\rوفيه جبير بن محمد بن جبير؛ لم يُذكَر بجرحٍ ولا تعديلٍ، فهو مجهول الحال، وقد أورده ابن حبان في الثقات على قاعدته في إيراد المجاهيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077005,"book_id":1139,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":486,"body":"في ثقاته (¬١).\rلكن مع ضعف الحديث إلّا أن معناه صحيح، فالعلماء يمنعون من الاستشفاع بالله على خلقه؛ لما يأتي:\rالمسألة الثالثة: حديث جبيرٍ ﵁ فيه: فقال النبيّ ﷺ: «سُبْحَانَ اَللَّهِ! سُبْحَانَ اَللَّهِ! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اَللَّهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ».\rحيث أنكر النبيّ ﷺ على هذا الرجلِ قولَه: «نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْكَ»، وعاتبه في ذلك، وسبّح حتى عُرِفَ كراهةُ ذلك في وجوه أصحابه، وذلك لشناعة الكلمة، ثم قال: «إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ … » فالمراد:\rأ- أنّ كون الإنسان يجعلُ اللهَ شفيعًا له على أحدٍ من الناس: لا يجوز، لأمرين:\r١. أنَّه سوء أدبٍ مع الله وتنقّص له، فالله أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه؛ إذ رتبة المتوسل به غالبًا دون رتبة المتوسل إليه، والمخلوق داعٍ وسائل.\r٢. أنَّ الشافع لا تجب طاعته، والله منزّه عن ذلك، فالأمر كلّه بيده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (¬٢).\rب- أما التوسل برسول الله ﷺ أو الاستشفاع به عند الله: ففي حياته يجوز ذلك، وتكون شفاعته بطلب الدعاء منه.","footnotes":"(¬١) والحديث ضعفه الألباني كما في السلسة الضعيفة (٦/ ١٤٥).\r(¬٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١/ ٣١٦)، والتعليقات على فتح المجيد، للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف (٧٢).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077006,"book_id":1139,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":487,"body":"وأما بعد حياته فلا يجوز، ولو كان جائزًا لفعله الصحابة حين اشتدت بهم الأمور، وعمر ﵁ حين أراد الاستسقاء توسل بدعاء العباس ﵁ لا بذات العباس، ولو كان الاستشفاع بالرسول ﷺ جائزًا بعد وفاته لفعلوه، وهم في تلك الحالة الشديدة، ولذا فما يقع من بعض الناس اليوم من الاستشفاع بالنبيّ ﷺ، والطلبِ منه أن يشفع لهم عند ربهم كل هذا من الخطأ الفادح التي انحرف فيه فئام من المسلمين اليوم، والله المستعان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077008,"book_id":1139,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":489,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: مَنْ تأمّل في سنة محمد ﷺ وجد من النصوص الشيء الكثير، التي تدل على حرصه ﷺ على حماية حمى التوحيد، والسعي لصدّ طرق الشرك وإغلاق منافذه، وأنَّه ربما منعَ من أشياء سدًّا لذريعة الوقوع في الشرك، وما ذاك إلّا لنصحه للأمة، ولعلمه أنَّ الشركَ إذا وقع فهو ذو أثرٍ شنيع، وفي هذا الباب ذكر المصنّف بعض النصوص الدالّة على حرصه على حماية حمى التوحيد، وهكذا ينبغي أن يكون عليه أتباع الأنبياء وورثتهم.\rالمسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب حديث عبد الله بن الشخير، والحديث مداره على مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، وفيه قوله: «فقلنا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَقَالَ: اَلسَّيِّدُ اَللَّهُ ﵎، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ». وفي هذا الحديث أمور:\r١. إثبات أنَّ السيادة المطلقة الكاملة إنما هي لله سبحانه.\r٢. حكم قول: «سيدنا» للنبي ﷺ؟\r* منع من ذلك بعضُ أهل العلم، لظاهر الحديث.\r* وأجازه بعضهم، وقد نُقِل الجوازُ عن السخاوي والقاسمي (¬١).\rفإن قيل: لماذا لم يقرهم النبيّ ﷺ على قولهم: «سيدنا «مع أنَّه ﷺ قال: «أَنَا","footnotes":"(¬١) القول البديع، للسخاوي (١٠٧)، والفضل المبين، للقاسمي (٧٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077009,"book_id":1139,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":490,"body":"سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» (¬١)؟\r* أجيب عن هذا بأجوبة:\r١ - من باب التواضع.\r٢ - خوفًا عليهم من الغلو، وتطور الأمر واستجراء الشيطان لهم حتى يقعوا فيما هو محرم، ولذا قال ﷺ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ … ».\rقال الشيخ محمد بن إبراهيم: «المنع من أجلِ حماية حمى التوحيد، والثاني -أي: سيد ولد آدم-: قاله على وجه التحدث بنعمة الله تعالى» (¬٢).\r٣ - أنَّ الذي نبه إليه رسول الله ﷺ هو أنَّ السيادة بلفظ السيد لفظ مطلق، يدل على السيادة المطلقة العامة، وهي لا تكون إلّا لله، أمّا إذا أضيفت وخصصت، كسيد ولد آدم، أو سيد الخلق أو سيد بني فلان فهذا جائز، فنهاهم ﷺ؛ لئلا ينسبوا له السيادة المطلقة (¬٣).\r٣. وفي الحديث تحذير رسول الله ﷺ أمته من أن يستجرينهم الشيطان ويوقعهم في الضلال، عبر بوابة تعظيم الصالحين والمرسلين.\r٤. أنَّه ينبغي لمن قيل له: «سيدنا» أن يقول: السيّدُ الله.\rالمسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب حديث أنس ﵁: «أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ: يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ! قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اَللَّهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة.\r(¬٢) فتاوى ابن إبراهيم (١/ ١٩٦)، والتعليقات على فتح المجيد، للعبد اللطيف (٧٣).\r(¬٣) مجموعة فتاوى العثيمين (٣/ ١١٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077010,"book_id":1139,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":491,"body":"تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي اَلَّتِي أَنْزَلَنِي اَللَّهُ ﷿».\rوهذا الأمر الذي ذكره هؤلاء في رسول الله ﷺ هو به، ومستحق له، لكنه ﷺ خشي أن يتدرّج بهم الشيطان حتى يقعوا في الغلو، ولربما صُرِفَ مثلُ هذا المدح لأحدٍ فافتتن.\rوبيّن لهم الميزان الذي يجب عند التعامل مع رسول الله ﷺ: أن لا يُرفع فوق ما جعل الله له من المنزلة، ولا يجفى فيه ﷺ، ويكون ذلك باعتقاد أنَّه عبد الله ورسوله ﷺ.\rوإذا كانت هذه الأحاديثُ منه ﷺ لسدِّ ذريعةِ الشرك في الأقوال، فإن في الشريعة نهيًا عن أفعال عديدة؛ سدًا لذريعة الوقوع في الشرك، فنهى ﷺ عن الصلاة في المقابر، وعن تجصيص القبر وعن اتخاذ السرج على القبور، ونهى عن التصوير، وكل هذا ليسد على المسلم كل باب قد يلج فيه الشيطان إلى قلوب العباد بالشرك بالله سبحانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077012,"book_id":1139,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":493,"body":"يَطْوِي اَلْأَرْضِينَ اَلسَّبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا اَلْمَلِكُ، أَيْنَ اَلْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ اَلْمُتَكَبِّرُونَ؟» (¬١).\rوروي عن ابن عباس ﵁ قال: «مَا اَلسَّمَاوَاتُ اَلسَّبْعُ وَالْأَرْضُونَ اَلسَّبْعُ فِي كَفِّ اَلرَّحْمَنِ، إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ» (¬٢).\rوقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ: مَا اَلسَّمَاوَاتُ اَلسَّبْعُ فِي اَلْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ» (¬٣).\rوقال: قال أبو ذر ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا اَلْكُرْسِيِّ فِي اَلْعَرْشِ، إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ اَلْأَرْضِ» (¬٤).\rوعن ابن مسعود ﵁ قال: «بَيْنَ اَلسَّمَاءِ اَلدُّنْيَا وَاَلَّتِي تَلِيهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ اَلسَّمَاءِ اَلسَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ اَلْكُرْسِيِّ وَالْمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ اَلْمَاءِ، وَاَللَّهُ فَوْقَ اَلْعَرْشِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ»، أخرجه ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر عن عبد الله، ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم، عن","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم (٢٧٨٨).\r(¬٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١٠٩٠).\r(¬٣) أخرجه ابن جرير في التفسير (٤/ ٥٣٩) مرسلًا.\r(¬٤) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (٥٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٦٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٦١)، وابن حبان (٣٦١ - مطولًا جدًا)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077013,"book_id":1139,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":494,"body":"أبي وائل عن عبد الله. قاله الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى-. قال: «وله طرق» (¬١).\rوعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ قُلْنَا: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ اَلسَّمَاءِ اَلسَّابِعَةِ وَالْعَرْشِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَاَللَّهُ ﷾ فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ» (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرجه الدرامي في الرد على الجهمية (٨١)، ابن خريمة في التوحيد (١٠٥، ١٠٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٦٥)، وابن بطة في الإبانة (١٢٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥١) وصححه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ١٠٠).\r(¬٢) أخرجه أبو داود (٤٧٢٣ - ٤٧٢٤ - ٤٧٢٥)، والترمذي (٣٢١٧)، وابن ماجه (١٩٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٧)، وابن خزيمة في التوحيد (ص: ١٠١)، والبزار (١٣١٠)، واللالكائي في شرح أصول الاعتْقاد (٣/ ٣٨٩)، والآجري في الشريعة (ص: ٢٩٢)، والجورقاني في الأباطيل والمناكير (١/ ٧٧)، وضعفه الذهبي في العلو (٤٩، ٥٠)، والألباني في ضعيف الجامع (٦٠٩٣).\r(¬٣) فيه مسائل:\rالأولى: تفسير قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\rالثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود في زَمَنِه ﷺ لم ينكروها ولم يتأولوها.\rالثالثة: أن الحبر لما ذكرها للنبي ﷺ صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك.\rالرابعة: وقوع الضَّحِك من رسول الله ﷺ لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم.\rالخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السموات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى.\rالسادسة: التصريح بتسميتها الشِّمال. السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك.\rالثامنة: قوله: «كخردله في كف أحدكم». التاسعة: عِظَم الكرسي بالنسبة إلى السموات.\rالعاشرة: عِظَم العرش بالنسبة إلى الكرسي. الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء.\rالثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء. الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي.\rالرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء. الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.\rالسادسة عشرة: أن الله فوق العرش. السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض.\rالثامنة عشرة: كِثَف كل سماء خمسمائة عام. التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السموات بين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة سنة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077014,"book_id":1139,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":495,"body":"(الشرح)\rالكلام على الباب في مسائل:\rالمسألة الأولى: المراد بالباب: جَعَلَ المصنّفُ ﵀ هذا البابَ خاتمًا للكتاب، وهو من أجلِّ الأبواب؛ إذ فيه بيان شيء من عظمة الله وقدرته ومُلكه، وأنَّ كثيرًا من العباد ما قدروه حقَّ قدره، وما عظّموه حقَّ تعظيمه، وإلّا فلو أنَّ العباد عظّموه وخضعوا له وذلّوا له حقًا، لما وقعوا في شيء من الشرك به سبحانه.\rالمسألة الثانية: اعلم أنّ هذه الآية التي بوّب عليها الشيخ ﵀ وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - أصلٌ يدخل تحته صورٌ عديدة تقع من العباد، والأصل في هذا أن تعلم أنَّ الرب ﷿ وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتألّه والخضوع والذلّ، وهذا خالص حقّه، فمن أقبح الظلم أن يُعطى حقُّهُ لغيره، أو يشرك بينه وبينه فيه، ولا سيّما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، وذكر ابن القيم صورًا عديدة في هذا، ومنها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077015,"book_id":1139,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":496,"body":"١ - ما قدر الله حق قدره مَنْ عبد معه غيره، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]. فما قدر الله من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتّة، بل هو أعجز شيء وأضعفه.\r٢ - ما قدره حق قدره من قال: إنّه لم يرسل إلى خلقه رسولًا، ولا أنزل كتابًا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه، من إهمال خلقه، وتضييعهم، وتركهم سدى، وخلقهم باطلًا عبثًا.\r٣ - ما قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره، وإرادته واختياره، وعلوه فوق خلقه، وكلامه، وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد؛ أو نفى عموم قدرته، وتعلقها بأفعال عباده من طاعاتهم ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الرب؛ فيكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون! تعالى الله عن قول أشباه المجوس علوا كبيرًا.\r٤ - ما قدره حق قدره من قال: إنّه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد، ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتّة، بل هو نفس فعل الرب ﷻ، فيعاقب عبده على فعله، وهو سبحانه الذي جبر العبد عليه، وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق، ولم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدًا، أو جعله يحلُّ في مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود.\r٥ - ما قدره حق قدره من زعم أنّه لا يحيى الموتى، ولا يبعث من في القبور،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077016,"book_id":1139,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":497,"body":"ولا يجمع خلقه ليوم يجازي المحسن فيه بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم عباده المؤمنين.\r٦ - ما قدره حق قدره من قال: إنّه يجوز أن يعذب أولياءه، ومن لم يعصه طرفة عين ويدخلهم دار الجحيم، وينَعِّمُ أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين ويدخلهم دار النعيم، وإن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء.\r٧ - ما قدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعته (¬١).\rالمسألة الثالثة: ذكر في الباب حديث ابن مسعود ﵁ في خبر الحبر مع رسول الله ﷺ، وفيه أن الله يجعل السماوات على إصبع والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: «أَنَا اَلْمَلِكُ … ».\rوهذا الحديث فيه شاهدٌ لعظمة الله، حيث كانت هذه المخلوقات العظيمة كل واحدٍ منها على إصبع، أو على كفه وفي قبضته، وإذا كانت هذه الأشياء على كبرها في كفه وقبضته فغيرها أقلُّ وأحقر.\rوفيه إثبات الأصابع لله سبحانه، وقد أقرَّ النبيُّ ﷺ اليهوديَ على هذا، وأهل السنة يعتقدون أنَّها أصابع حقيقية، وأنَّها كفٌّ حقيقية، لكن لا يعلم صفتها إلا الله، وهي لا تشابه كفّ المخلوق.\rوكذلك الأحاديث الأخرى يظهر فيها عظمة الله وقدرته، وأنَّ كل شيء ضعيف أمام قدرة الله، وقد أخبر ﷺ كما في حديث جابر ﵁: «أُذِنَ لِي","footnotes":"(¬١) الداء والدواء، لابن القيم (١/ ٣٢٠).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077017,"book_id":1139,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":498,"body":"أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» (¬١).\rوعند الطبراني في الأوسط زيادة: «خَفَقَانُ الطَّيْرِ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ … » (¬٢)، فهذا ملك من الملائكة، فكيف بالعرش؟! وكل هذا يدل على عظمة الله.\rفأين يغيب العبدُ عن سمعِ السميع، وعن بصرِ البصير، وعن رقابةِ الرقيب، ومن الذي يقف أمام قوة الله وقدرته، وقد قالت عائشة، كما في قصة المجادلة: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النبيّ ﷺ، وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، تَشْكُو زَوْجَهَا، وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة، الآية (١)]» (¬٣).\rوالمراد: أنَّ العبد إذا عرف نفسه بضعفها، وعرف ربَّه بعظمته فلن يقع في الشرك، ولا في المعصية، فما أشرك من أشرك إلا حين جهل بربه، وما عصى من عصى إلّا بجهالة، وقد قال مجاهد وغيره: «كُلُّ مَنْ عَصَى رَبَّهُ فَهُوَ جَاهِلٌ» (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٧)، والطبراني في الأوسط (١٧٠٩ - ٤٤٢١)، وأبو الشيخ في العظمة (٤٧٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص: ٣٩٨)، قال ابن كثير في التفسير (٨/ ٢٣٩) إسناده جيد، وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٦٦٥)، والألباني في الصحيحة (١٥١).\r(¬٢) الأوسط (٦٥٠٣) وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك إلا ابنه منكدر، تفرد به ولده عنه.\rوقال الهيثمي في المجمع (١/ ٨٠): تفرد به عبد الله بن المنكدر، قلت: هو وأبوه ضعيفان.\r(¬٣) رواه البخاري (٢٢٢٦).\r(¬٤) رواه البيهقي في «الشعب» (٩/ ٢٨٩).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1077018,"book_id":1139,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":499,"body":"هذا ما تيسر ذكره، أسأل الله أن ينفع بهذا الكلام، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. والله تعالى أعلم.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}