{"page_id":211217,"book_id":118,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"أحَادِيْثُ العَقِيدَةِ\rالمُتَوَهَّمُ إشكَالُهَا في الصَّحِيحَيْن\rجمعًا ودراسة\rتأليف\rد. سليمان بن محمّد الدّبيخي\rمَكتبةُ دار المنهَاجِ\rللِنشرَ والتوزيْع بالرّيَاضِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211218,"book_id":118,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"﷽\rأصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة العالمية العالية (الدكتوراه) من قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية وقد أُجيزت بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بطبعها\r١٨/ ١١/ ١٤٢٤ هـ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211219,"book_id":118,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"أَحَادِيثُ العَقِيدَةِ المُتَوَهَّمُ إشكَالُهَا في الصَّحِيحَيْن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211220,"book_id":118,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٧ هـ\rفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\rالدبيخي، سليمان بن محمد\rأحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعًا ودراسة.\rسليمان بن محمد الدبيخي. - الرياض، ١٤٢٧ هـ\r٨٠٠ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم. - (منشورات مكتبة دار المنهاج؛ ٢٥)\rردمك: x -٦ - ٩٩٦١ - ٩٩٦٠\r١ - الحديث - مباحث عامة.\r٢ - العقيدة الإسلامية - دفع مطاعن\rأ - العنوان.\rب - السلسلة.\rديوي ٢٤٠.٩٠١ ... ٤١٠٠/ ١٤٢٧\rجميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهاج بالرياض\rالطبعَة الأولى\r١٤٢٧ هـ\rحقوق الطبع محفوظة ١٤٢٧ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكترونى يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.\rمكتبَة دار المنِهَاج\rللنشر وَالتَوزيع\rالمَملكَة العَرَبيَّة السّعوديَّة. الرّيَاضِ\rالمركَز الرئيسي - طَريق المَلك فهد - شمال الجَوازَات\rهَاتف ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - ص ب ٥١٩٢٩ الرياض ١١٥٥٣\rالفرُوع: طريق خالد بن الوَليد (إنكاس سَابقًا) ت ٢٣٢٢٠٩٥\rطريق الأميرسَعد بن عَبُد الرّحمن (مخرج ١٥) ت ٤٤٥٦٢٢٩\rالمَدينة النّبَويّة - طَريق سُلطَانة ت ٨٤٦٧٩٩٩/ ٤.\rمكّة المكرمَة -الشاميّة - ت ٥٧٣٠٩٨٠/ ٢.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211221,"book_id":118,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"﷽\r\rالمقدمة\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].\r﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠]\r\"أما بعد: فإن الله تعالى قد اختار محمدًا ﷺ رسولًا أمينًا، ومعلمًا مبينًا، واختار له دينًا قويمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا، وارتضاه لجميع البشر إمامًا، وجعله للشرائع النبوية ختامًا، وأقسم في كتابه الكريم تبجيلًا له وتعظيمًا، فقال عزَّ قائلًا كريمًا:\r﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] \" (¬١).\rونعته بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].","footnotes":"(¬١) مقتبس من مقدمة ابن الوزير في كتابه الروض الباسم (١/ ٤) بتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211222,"book_id":118,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"وهذا ما جعل العارفين من أمته، والصادقين في محبته، والمجتهدين في اتباع شرعه يحرصون على تتبع سنته، ويهتمون بأقواله وأفعاله، فحفظوها وفهموها وعملوا بها، وحكَّموها فيما شجر بينهم، وعوَّلوا عليها في معتقدهم، وسائر أمور دينهم، ولا عجب في ذلك، فهي مع كتاب الله تعالى مصدر تشريعهم، وينبوع دينهم، ووحي ربهم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] وقال ﵊: (ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه) (¬١).\rوهي كذلك المفسرة والمبينة للقرآن، حيث قال الله تعالى: و ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (¬٢).\rولما كثر التدوين وشاع التأليف تعددت اهتمامات العلماء بالسنة، وتنوعت تصانيفهم فيها، فمنهم الجامع لأحاديثها، ومنهم الشارح لها، والمبين لما استُشكل منها، ومنهم المتكلم على أسانيدها، والمميز لصحيحها من سقيمها، ومنهم الذابُّ عن حياضها، والمنافح عن تشريعها ...\rكل ذلك وغيره يُظهر بجلاء ووضوح نصرة أهل السنة للسنة، وشدة عنايتهم بها، ودفاعهم عنها، ولا سيما عندما تتأكد الحاجة إلى ذلك.\rفعندما كثر الطاعنون في الكتاب والسنة، ووُجِد المتبعون لما تشابه منهما، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، مُدْلِينَ في ذلك بعلل رديئة، وشبهات باطلة (¬٣) انبرى لهم حرَّاس الشريعة، وأمناء الملَّة، وعلماء الأمة، فأزالوا الشكوك، وأبطلوا الشبهات،","footnotes":"(¬١) أخرجه من حديث المقداد بن معديكرب: أبو داود (عون ١٢/ ٢٣١) ح (٤٥٩١)، والترمذي بنحوه (تحفة ٧/ ٤٢٦) ح (٢٨٠١)، وابن ماجة (١/ ٦) ح (١٢)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٨٧٠) ح (٣٨٤٨).\r(¬٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٣/ ٧٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٨٨٥).\r(¬٣) انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211223,"book_id":118,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"وبينوا المتشابهات، وأوضحوا المستشكلات، سواءً ما يتعلق منها بالكتاب العزيز (¬١) أو السنة المطهرة (¬٢).\rولئن كانت هذه بداية التأليف في موضوع المشكل، فإن الأمر بعد ذلك صار أعم وأشمل، حيث قصد المؤلفون فيه، بالإضافة إلى ذلك: بيان ما يشكل فهمه من النصوص، أو تُتَوَهَّمُ استحالته، أو معارضته لغيره، وهو ما وقع شيء منه للصحابة ﵃، لكنَّه سرعان ما يزول بعرضه على النبي ﷺ، حيث يجيبهم عما سألوا، ويدفع عنهم ما استشكلوا (¬٣)، ومن ذلك:\rما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لمَّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أيُّنَا لا يظلم نفسه؟ قال: (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ [لقمان: ١٣]) (¬٤).\rوأخرج البخاري ومسلم أيضًا من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: (أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ ) قال قتادة (¬٥):","footnotes":"(¬١) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد، حيث عقد أول باب فيه بعنوان: باب بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن، وانظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة.\r(¬٢) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ودرء التعارض لابن تيمية، والروض الباسم لابن الوزير، والأنوار الكاشفة للمعلمي.\r(¬٣) انظر: مختصر الصواعق: (١/ ١٦٤).\r(¬٤) البخاري (٣/ ١٢٦٢) ح (٣٢٤٦)، ومسلم (٢/ ٥٠٢) ح (١٢٤).\r(¬٥) هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي البصري الضرير، حافظ العصر، وقدوة المفسرين والمحدثين، كان تابعيًا، وعالمًا كبيرًا، وكان إمامًا في النسب، ورأسًا في العربية واللغة وأيام العرب، توفي ﵀ بواسط في الطاعون سنة (١١٧ هـ)، وقيل سنة (١١٨ هـ).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211224,"book_id":118,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"بلى وعزَّة ربنا (¬١).\rولمَّا توفي النبي ﷺ، وانقرض ذلك الجيل -الذي قلَّ عنده استشكال النصوص، لسلامة قصده، وصحة فهمه، ووضوح الخطاب لديه- كثر السؤال عن المشكل، واشتدت الحاجة إلى بيانه وكشفه، وهكذا كلما بعد الناس أو الزمان عن آثار النبوة، وانتشر الجهل وقلَّ العلم، وظهرت الأهواء، عظمت الحاجة إلى بيان المشكل وكشفه (¬٢).\rومن هنا اهتم العلماء بجمع النصوص المشكلة، وإزالة الإشكال عنها، سواءً ما يتعلق منها بكتاب الله تعالى (¬٣)، أو بسنة النبي ﷺ (¬٤).\rومن توفيق الله تعالى لي، وعظيم منته علي أن هيأ لي شرف المساهمة -المتواضعة- في هذا الجانب، وذلك بجمع ودراسة أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين.\rولا يخفى ما لهذا الموضوع من الأهمية، فهو متعلق بأصح كتابين بعد كتاب الله تعالى، وهما صحيحا البخاري ومسلم عليهما رحمة الله، كما أنَّه يُعنى بأصل مهم من أصول الدين، وهو أصل العقيدة، فيُسهم في إزالة ما استُشكل من أحاديثها.\rوثَمَّة أسباب أخرى كانت وراء اختياري لهذا الموضوع، منها:","footnotes":"= [انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٥١١)، والسير (٥/ ٢٦٩)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٢٢)، والعبر (١/ ١١٢) ثلاثتها للذهبي، وشذرات الذهب لابن العماد (١/ ١٥٣)].\r(¬١) البخاري (٤/ ١٧٨٤) ح (٤٤٨٢)، ومسلم (١٧/ ١٥٤) ح (٢٨٠٦).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٧).\r(¬٣) انظر على سبيل المثال: تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء لابن تيمية، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشنقيطي.\r(¬٤) انظر على سبيل المثال: اختلاف الحديث للشافعي، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ومشكل الآثار للطحاوي، وكشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211225,"book_id":118,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"١ - أهمية هذا النوع من العلوم، وشدة الحاجة إليه، ولهذا قال النووي (¬١): \"هذا فنٌّ من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف\" (¬٢).\r٢ - أهمية الصحيحين، والعناية بما اشتملا عليه من المباحث العقدية، وذلك لاتفاق الأمة على تقديمهما وتلقيهما بالقبول.\r٣ - أنني لم أجد -بعد البحث- كتابًا مفردًا على مذهب أهل السنة والجماعة يُعنى بالمشكل من أحاديث الصحيحين المتعلق بالعقيدة.\r٤ - أن رسالتي في مرحلة الماجستير كانت فيما يوهم ظاهره التعارض من أحاديث الصحيحين (¬٣)، وهذا التعارض بين الأحاديث نوع من أنواع المشكل، وليس هو كل المشكل، وعلى هذا فإن كتابتي في هذا الموضوع فيها إكمال وإتمام لما بدأته في مرحلة الماجستير، على أنني سألتزم في موضوعي هذا ألا أدرس حديثًا درسته هناك (¬٤).","footnotes":"(¬١) هو الشيخ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن الشافعي، فقيه حافظ زاهد كان -مع تبحره في العلم وسعة معرفته بالحديث والفقه واللغة وغير ذلك- رأسًا في الزهد والورع والقناعة، عديم المثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، توفي ﵀ بقرية نوى سنة (٦٧٦ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: المجموع في الفقه، وشرح صحيح مسلم، وكتاب الأذكار. [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٧٠)، والعبر (٣/ ٣٣٤)، وشذرات الذهب (٥/ ٣٥٤)].\r(¬٢) التقريب، مطبوع مع شرحه تدريب الراوي (٢/ ١٨٠).\r(¬٣) وكان عنوانها: أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين، دراسة وترجيح.\r(¬٤) أما فيما يتعلق بالتمهيد فقد اقتضت نوعية البحث، وعلاقته بالصحيحين أن أعقد فيه أربعة مباحث، كنت قد عقدتها في رسالة الماجستير، وهي في هذه الرسالة: المبحث الأول والثاني والخامس والسادس، على أنني لم أذكرها كما هي هناك، بل زدت في المبحث الأول والثاني ما يقتضيه عموم موضوع البحث هنا، حيث إن المشكل أعم من موهم التعارض بين الأحاديث، فيشمله وغيره، كما سيأتي بيان ذلك في المبحث الأول، وأما المبحث الخامس والسادس، وهما المتعلقان =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211226,"book_id":118,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"خطة البحث:\rالمقدمة: وأبين فيها أهمية البحث وأسباب اختياره وخطة البحث ومنهج البحث.\rالتمهيد: وفيه ستة مباحث:\rالمبحث الأول: تعريف المشكل وبيان الفرق بينه وبين المختلف.\rالمبحث الثاني: التعريف بأشهر المؤلفات في مشكل الحديث.\rالمبحث الثالث: ظواهر الكتاب والسنة كلها حق.\rالمبحث الرابع: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه.\rالمبحث الخامس: ترجمة موجزة للبخاري ومسلم.\rالمبحث السادس: مكانة الصحيحين عند الأمة.\rالباب الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب الإيمان بالله، وتحته فصلان:\rالفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في الأسماء والصفات (¬١)، وفيه تمهيد، وأحد عشر مبحثًا:\rالتمهيد: بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات.\rالمبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته)، وفيه أربعة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمطلب الرابع: في بيان معنى قوله ﷺ: (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون).","footnotes":"= بترجمة الإمامين البخاري ومسلم، وبيان مكانة الصحيحين عند الأمة فقد اختصرتهما، درءًا للتكرار، واكتفاءً بما ذكرته هناك.\r(¬١) يدخل في هذا الفصل ما تُوهِمَ أنه اسم أو صفة لله تعالى وليس هو كذلك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211227,"book_id":118,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"المبحث الثاني: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثالث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا .... )، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الرابع: (لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الخامس: (مرضت فلم تعدني ... )، وفيه مطلبان:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمبحث السادس: (ما أحد أصبر على أذىً سمعه من الله)، وفيه مطلبان:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمبحث السابع: (ما تردَّدت عن شيء أنا فاعله ... )، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211228,"book_id":118,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالمبحث الثامن: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح\rالمبحث التاسع: (يؤذيني ابن آدم يَسُبُّ الدهر وأنا الدهر ... )، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث العاشر: (الرحم شِجْنَةٌ من الرحمن)، وفيه مطلبان:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمبحث الحادي عشر: (فإذا متُّ فأحرقوني ثم اسحقوني)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في القدر، وفيه ثلاثة مباحث:\rالمبحث الأول: (حجَّ آدم موسى)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211229,"book_id":118,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثاني: (خلق الله التربة يوم السبت)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثالث: (لا يُدخل أحدًا الجنةَ عملُه)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالباب الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب النبوة، وفيه سبعة مباحث:\rالمبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي ﷺ، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211230,"book_id":118,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الرابع: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) مع قول أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الخامس: حديث شريك في الإسراء، وفيه مطلبان:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمبحث السادس: لَطْمُ موسى ﵇ لملك الموت، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدَ حبشي) مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211231,"book_id":118,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"الباب الثالث: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة والمعاد، وتحته فصلان:\rالفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة، وفيه خمسة مباحث:\rالمبحث الأول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... ) مع قوله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثالث: ما جاء في طواف الدجال بالبيت مع ما ورد من أنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الرابع: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211232,"book_id":118,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الخامس: (أن تَلِدَ الأمة ربَّتَها)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في المعاد، وفيه ستة مباحث:\rالمبحث الأول: أحاديث الميزان في ما الذي يوزن، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211233,"book_id":118,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"المطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث الخامس: شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالمبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات، وفيه ثلاثة مطالب:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح.\rالخاتمة: وفيها بيان أهم النتائج.\r\rمنهج البحث:\r١ - قمت بتتبع الأحاديث المتوهم إشكالها في الصحيحين مما يتعلق بالعقيدة ثم تمييز كل أحاديث مسألة على حدة، مستعينًا بعد الله تعالى بجرد الصحيحين وبجرد طائفة من الكتب المتناولة للأحاديث المتوهم إشكالها، كتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (¬١) ومشكل الآثار","footnotes":"(¬١) هو الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدَّيْنَوَري النحوي اللغوي، كان ثقة =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211234,"book_id":118,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"للطحاوي (¬١) وغيرها، وكان نتيجة ذلك هو هذا الجمع.\r٢ - ولما كان ضابط الإشكال مشكلًا، ويصعب تحديده، لأنه نسبي إضافي -كما سيأتي بيان ذلك- فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر، فقد التزمت ألَّا أُدرج حديثًا في هذا البحث إلا وهو منصوص على إشكاله من قبل أهل العلم المعتبرين، أو كان في حكم ذلك، كأن يكون مذكورًا في الكتب المؤلفة في هذا الجانب، مراعيًا في ذلك تمييز كتب أهل السنة من غيرها عندما يكون الحديث في الصفات.\rعلمًا أن المراد بالإشكال هنا: الإشكال المعنوي، لا الإشكال اللفظي، لأن محل العناية به كتب الغريب.\r٣ - اقتصرت من الأحاديث على ما كان الإشكال فيها ينشأ عنه مسألة عقدية سواءً كان الحديث واردًا في أبواب العقيدة المعروفة أو حتى في أبواب أخرى، كالسير والآداب والأحكام وغيرها.\r٤ - قسمت هذا البحث إلى تمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة: ثم قسمت","footnotes":"= دينًا فاضلًا، صاحب تصانيف مشهورة وكتب معروفة وفنون متنوعة، نزل بغداد، وصنف وجمع، وبَعُد صيته، لكنه ليس بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمَّة وعلوم مهمَّة، توفي ﵀ سنة (٢٧٦ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: غريب الحديث، وتأويل مشكل القرآن، وتأويل مختلف الحديث. [انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٠/ ١٦٨)، ووفيات الأعيان (٣/ ٣١)، والسير (١٣/ ٢٩٦)].\r(¬١) هو الإمام العلامة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، محدث الديار المصرية وفقيهها، كان ثقة ثبتًا، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، توفي ﵀ بمصر سنة (٣٢١ هـ) له مصنفات عديدة منها: مشكل الآثار، وشرح معاني الآثار، والعقيدة المعروفة بالعقيدة الطحاوية. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٩٣)، والسير (١٥/ ٢٧)، والعبر (٢/ ١١)، وشذرات الذهب (٢/ ٨٨)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211235,"book_id":118,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"الأبواب إلى فصول والفصول إلى مباحث، هي عبارة عن تلك المسائل المشار إليها إلا إذا تعذر تقسيمها إلى فصول ثم مباحث، فإني أكتفي بالمباحث عن الفصول.\r٥ - أما في عرض المسائل ذاتها فقد اجتهدت في أن يكون بطريقة تتناسب مع الأصل الذي قام عليه البحث وذلك بتقسيمها إلى ثلاثة مطالب -كما تقدم- على النحو التالي:\rالمطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\rالمطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\rالمطلب الثالث: الترجيح (¬١).\rوقد التزمت هذه المنهجية في سائر البحث، وإذا كان في الحديث أكثر من إشكال فإني أُرجئ بقية الإشكالات إلى آخر المبحث، أي: في المطلب الثالث بعد الترجيح، ولم أُخالف هذه المنهجية إلا في حديث واحد، وهو: حديث شريك في الإسراء، وذلك لكثرة ما استُشكل فيه، حيث عُدَّ فيه أكثر من عشر مخالفات، كما سترى إن شاء الله تعالى.\r٦ - لا ألتزم بذكر ما يتعلق بالحديث من مسائل أخرى، ما لم تكن ذات صلة واضحة في رفع الإشكال.\r٧ - أعزو الآيات إلى سورها بذكر اسم السورة ورقم الآية.\r٨ - أخرج الأحاديث من مصادرها الأصلية.\r- فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي به لأن المقصود ثبوت الصحة.\r- وقد اعتمدت لفظ البخاري في الحديث المتفق عليه، فإذا اعتمدت","footnotes":"(¬١) جدير بالتنبيه هنا أن الحديث إذا كانت أقوال أهل العلم في إزالة إشكاله متفقة غير مختلفة فإنه لا حاجة إلى هذا المطلب فيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211236,"book_id":118,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"لفظ مسلم -لفائدة معينة- بينت ذلك في التخريج بقولي مثلًا: أخرجه مسلم واللفظ له، وإذا كانت الفائدة بذكر اللفظين معًا -لفظ البخاري ولفظ مسلم- ذكرتهما معًا.\r- وإذا كان للحديث -الذي في الصحيحين- طرقٌ فإني أذكرها إن كان لذكرها فائدة كأن يكون في بعضها ما ليس في البعض الآخر، فإن لم يكن لذكرها فائدة فإني لا ألتزم بذلك.\r- إذا أحلت على مسلم في تخريج الحديث فإنما أعني طبعة مسلم بشرح النووي.\r- إذا كان الحديث في غير الصحيحين فإني أُخرِّجه من الكتب الستة وغيرها حسب الوسع والطاقة.\r- وفي مسند الإمام أحمد أحلت على طبعتين، فإذا ذكرت حكم الشيخ أحمد شاكر على الحديث فمعنى ذلك أن الإحالة على طبعته، وإذا لم أذكره فمعنى ذلك أن الإحالة على الطبعة الأخرى.\r- في أحاديث الصحيحين الأصول -التي تكون في المطلب الأول من كل مبحث- ألتزم في تخريجها بذكر الكتاب والباب والجزء والصفحة ورقم الحديث، وفي غيرها لا ألتزم بذلك، بل أكتفي بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث.\r٩ - إذا قلت في بعض الإحالات: الفتح، أو فتح الباري، فإنما أعني فتح الباري لابن حجر، فإذا أردت فتح الباري لابن رجب بينته.\r١٠ - أترجم لكل عَلَمٍ له رأي أو قول معتبر -بغض النظر عن الشهرة أو عدمها لأنها غير منضبطةً- عدا الصحابة ﵃ فإني لا أترجم لهم، وكذا المعاصرون.\r١١ - أعرف بالفرق وأبين معاني بعض الألفاظ الغريبة حسب الإمكان.\r١٢ - في نقل الأقوال ونسبتها إلى قائليها، التزمت ما يلي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211237,"book_id":118,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"- إن كان المنقول نصًا وضعته بين قوسين، ثم أحلته في الهامش على مصدره.\r- فإن تصرفت فيه، قلت بعد ذكر الإحالة في الهامش: بتصرف.\r- فإن كان النقل بالمعنى، أو أردت الإشارة إلى وجود هذا القول، أو هذا الكلام في مصدر معين، قلت في الهامش قبل ذكر الإحالة: انظر.\r١٣ - وضعت خاتمة في آخر الرسالة، بينت فيها أهم نتائج هذا البحث.\r١٤ - وضعت عدة فهارس في آخر الرسالة تسهيلًا للوصول إلى ما حوته من مسائل وغيرها، وهي كالتالي:\rفهرس للآيات القرآنية.\rفهرس للأحاديث النبوية.\rفهرس للآثار.\rفهرس للأعلام المترجمين.\rفهرس للفرق.\rفهرس للكلمات الغريبة.\rفهرس للمصادر والمراجع.\rفهرس عام للمحتويات.\rوبعد: فهذا ما تيسر جمعه وبحثه، وقد بذلت فيه جهدي، وقصارى طاقتي، متحريًا إصابة الحق، والبعد عن خلافه، مع اعترافي بضعفي، وقلة بضاعتي، وقصور نظري، فما كان من صواب فهو محض فضل الله الواحد المنان، وما كان فيه من خطأ أو زلل فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسولُه ﷺ.\rولا يفوتني في هذا المقام أن أحمد الله تعالى على توالي نعمه عليَّ وتتابع مننه، والتي منها: توفيقه وتيسيره وإعانته على إتمام هذه الرسالة، فله الحمد أولًا وأخرًا، وظاهرًا وباطنًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211238,"book_id":118,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"كما أشكر للوالدين الكريمين حرصهما ودعاءهما، وجميل رعايتهما، وأسأل الله تعالى أن يبارك في أعمارهما، وأن يوفقني لبِرِّهِمَا، وأن يجعل الجنة مثواهما.\rكما أشكر الجامعة الإسلامية، ممثلة بكلية الدعوة وأصول الدين، وأخص بمزيد الشكر: قسم العقيدة على ما بذلوه ويبذلونه في خدمة الباحثين والدارسين.\rكما أتقدم بالشكر الوافر، والعرفان الجميل لشيخي فضيلة الأستاذ الدكتور: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، المشرف على هذه الرسالة على ما أولاني به من توجيهات نافعة، وملاحظات قيمة سديدة، كان لها أثر بالغ في هذه الرسالة، فجزاه الله عني أعظم الجزاء، وبارك له في علمه وعمله، ورفع درجته وأجزل مثوبته.\rوأشكر أخيرًا كل من ساعدني بنصح أو إرشاد، أو إعارة كتاب، أو غير ذلك من أنواع المساعدة.\rهذا وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي لوجهه خالصًا، ولمراده موافقًا، وأن يوفقني لصالح القول والعمل، وأن يعيذني من فتنتهما، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد\rسليمان بن محمد بن علي الدبيخي\rجوّال: ٠٥٠٤٢٨٣٣١٣\rص. ب ٣٩٠٦ بريدة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211239,"book_id":118,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"التمهيد\rوفيه ستة مباحث:\r* المبحث الأول: تعريف المشكل وبيان الفرق بينه وبين المختلف.\r* المبحث الثاني: التعريف بأشهر المؤلفات في مشكل الحديث.\r* المبحث الثالث: ظواهر الكتاب والسنة كلها حق.\r* المبحث الرابع: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه.\r* المبحث الخامس: ترجمة موجزة للبخاري ومسلم.\r* المبحث السادس: مكانة الصحيحين عند الأمة.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211240,"book_id":118,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":24,"body":"المبحث الأول: تعريف المشكل وبيان الفرق بينه وبين المختلف\rأولًا: تعريف المشكل في اللغة والاصطلاح:\rأ -المشكل في اللغة:\rالمشكل: اسم فاعل من أشكل، فاسم الفاعل من غير الثلاثي يأتي على زنة مضارعه، بإبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة، وكسر ما قبل الآخر (¬١).\rيقال -في اللغة-: أشكل الأمر، أي: التبس واختلط (¬٢)، وأمور أشكال، أي: ملتبسة، وبينهم أشْكَلَة، أي: لبس (¬٣).\r\"والأشكل من سائر الأشياء: الذي فيه سمرة وبياض قد اختلط\" (¬٤)، \"ومنه قيل للأمر المشتبه: مشكل، وأشكل عليَّ الأمر إذا اختلط، وأشكلت عليَّ الأخبار وأحكَلَت بمعنى واحد\" (¬٥).\r\"وحرف مشكل: مشتبه مختلط\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، وشذا العرف في فن الصرف للأستاذ أحمد الحملاوي (٧٤).\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٦)، والصحاح (٤/ ١٤١٨)، ولسان العرب (١١/ ٣٥٧) كلهم مادة (شكل).\r(¬٣) انظر: لسان العرب، الموضع السابق.\r(¬٤) لسان العرب، الموضع السابق.\r(¬٥) لسان العرب، الموضع السابق، وانظر: تهذيب اللغة، الموضع السابق.\r(¬٦) تهذيب اللغة (١٠/ ١٧)، وانظر: لسان العرب (١١/ ٣٥٨) كلاهما مادة (شكل).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211241,"book_id":118,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":25,"body":"وأصله من المماثلة، قال ابن فارس (¬١): \"الشين والكاف واللام معظم بابه المماثلة، تقول: هذا شِكل هذا، أي: مثله، ومن ذلك يقال: أمر مشكل، كما يقال: أمر مشتبه، أي شابَهَ هذا، وهذا دخل في شكل هذا\" (¬٢).\rومما تقدم يظهر أن المعنى اللغوي لكلمة (المشكل) يدور حول: المماثلة والاشتباه والالتباس والاختلاط.\r\rب - مشكل الحديث في اصطلاح المحدثين (¬٣):\rيمكن معرفة معنى المشكل عند المحدثين من خلال ما سطره","footnotes":"(¬١) هو العلامة اللغوي المحدث أبو الحسن، أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب القزويني، المعروف بالرازي المالكي، كان رأسًا في اللغة والأدب، بصيرًا بفقه مالك، مناظرًا متكلمًا على طريقة أهل الحق، له مصنفات فريدة، من أهمها: (المجمل) في اللغة، ومقاييس اللغة، وهو المطبوع بعنوان: معجم مقاييس اللغة، توفي ﵀ بالري سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (٣٩٥). [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١٣٢)، والسير (١٧/ ١٠٣)، ومقدمة معجم مقاييس اللغة لعبد السلام هارون].\r(¬٢) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٠٤) مادة (شكل).\r(¬٣) وهو المراد في هذا البحث، أما المشكل عند الأصوليين فذاك مصطلح آخر، له مدلول يختلف عن مدلوله عند المحدثين، حيث إن الأصوليين من الأحناف -والذين انفردوا بهذا المصطلح من بين سائر الأصوليين- يقسمون الألفاظ إلى قسمين: واضح ومبهم، ويقسمون المبهم باعتبار قوة الإبهام وضعفه إلى أربعة أقسام، وهي على الترتيب: الخفي ثم المشكل ثم المجمل ثم المتشابه، فالخفي أقلها إبهامًا، وأشدها المتشابه، والمشكل يمثل الدرجة الثانية من الإبهام، وهو ما خفي المراد منه لسبب في نفس اللفظ، بحيث لا يمكن أن يدرك إلا بقرينة تميزه عن غيره، [انظر: أصول السرخسي (١٦٨)، وكشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (١/ ٥١ - ٥٥)، وتفسير النصوص في الفقه الإسلامي للدكتور محمد أديب صالح (١/ ٢٢٩ - ٢٥٦)، ومختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين منه، للدكتور أسامه الخياط (٣٤ - ٣٥)، والقاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين (٢٧٢)]. وبهذا يظهر أن المشكل عند الأصوليين من الأحناف يمثل درجة معيَّنة =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211242,"book_id":118,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":26,"body":"الطحاوي في مقدمة كتابه مشكل الآثار، حيث قال: \"فإني نظرت في الآثار المروية عنه ﷺ بالأسانيد المقبولة، التي نقلها ذوو التثبت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها\" (¬١).\rفمن خلال هذا النقل يمكن استخلاص تعريف الطحاوي للمشكل بأنه: آثار مروية عن رسول الله ﷺ بأسانيد مقبولة، فيها أشياء غاب عن كثير من الناس علم معانيها، ودفع ما فيها من إحالات ظاهرية.\rفاشتمل هذا التعريف لمشكل الحديث على الخصائص التالية:\r- كونه آثارًا مروية عن النبي ﷺ.\r- كون رواة هذه الآثار من الثقاة العدول.\r- وجود ما يشعر بالإحالات في هذه الآثار، أو كون ظاهرها يوهم ذلك، أي يوهم أمورًا مستحيلة عقلًا، أو شرعًا، أو هما معًا، مما استغلق فهمه على وجهه، أو تعسر تأويله على كثير من الناس، فاحتيج في دفع هذا الإشكال إلى نظر وتأمل.\rوبناءً على ما تقدم يمكن القول بأن مشكل الحديث هو: \"أحاديث مروية عن رسول الله ﷺ بأسانيد مقبولة، يوهم ظاهرها معاني مستحيلة، أو معارضة لقواعد شرعية ثابتة\" (¬٢).","footnotes":"= من درجات الإبهام، بينما لم يخصه المحدثون بدرجة معينة أو نوع معين، بل كل ما خفي معناه أو أشكل لأي سبب من الأسباب فهو مشكل عندهم، وهذا ألصق بالمعنى اللغوي كما تقدم.\r(¬١) مشكل الآثار (١/ ٣).\r(¬٢) مختلف الحديث للدكتور أسامة الخياط (٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211243,"book_id":118,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":27,"body":"ثانيًا: تعريف مختلف الحديث في اللغة والاصطلاح:\rعند الحديث عن المشكل لا بد من الإشارة إلى معنى المختلف، لأن ثمة علاقة بينهما:\r\rأ- فالمختلف في اللغة:\rالمختلف: مأخوذ من الاختلاف، والاختلاف مصدر فعل: اختلف، والمختلِف -بكسر اللام-: اسم فاعل، والمختلَف -بفتح اللام- اسم مفعول، والاختلاف ضد الاتفاق، يقال: تخالف الأمران واختلفا: أي لم يتفقا، وكل ما لم يساو فقد تخالف واختلف (¬١).\r\rب - مختلف الحديث اصطلاحًا:\rعرفه علماء المصطلح بعدة تعريفات متقاربة (¬٢)، أكتفي منها بتعريف النووي ﵀، حيث عرفه: \"بأن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا\" (¬٣).\r\rثالثًا: الفرق بين مشكل الحديث ومختلف الحديث:\rظهر من خلال تعريف كل من المشكل والمختلف أن بينهما علاقة وشبهًا، وبناءً عليه يحسن التنبيه على ما بينهما من الفرق، وذلك على النحو التالي:\r١ - أن مختلف الحديث يعني: التعارض الظاهري بين حديثين أو أكثر كما تقدم، فإذا لم يوجد هذا التعارض فإنه لا يتحقق معنى (مختلف الحديث).\r- بينما مشكل الحديث يشمل حالات كثيرة تختلف فيما بينها بحسب سبب الإشكال:","footnotes":"(¬١) انظر: القاموس المحيط (٣/ ١٨٦)، ولسان العرب (٩/ ٩١)، والمصباح المنير للفيومي (١٧٩) كلهم مادة (خلف).\r(¬٢) للاطلاع على هذه التعريفات انظر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر لابن حجر (٣٣)، ومختلف الحديث للدكتور نافذ حسين حماد (١٣).\r(¬٣) التقريب للنووي مطبوع مع شرحه تدريب الراوي (٢/ ١٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211244,"book_id":118,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":28,"body":"أ - فقد يكون سبب الإشكال تعارضًا ظاهريًا بين حديثين أو أكثر، وهو ما يعرف بـ (مختلف الحديث).\rب - وقد يكون سببه غموضًا في دلالة لفظ الحديث على معناه لسبب في اللفظ ذاته، بحيث لا بد من قرينة خارجية تزيل خفاءه، كأن يكون لفظًا مشتركًا بين عدة معان، فلا يفهم أيها المقصود من اللفظ إلا بقرينة خارجية تعيِّنه.\rج - وقد يكون سبب الإشكال تعارضًا ظاهريًا بين آية وحديث.\rد - وقد يكون سببه معارضة الحديث للإجماع أو القياس.\rهـ - وقد يكون سببه مناقضة الحديث للعقل.\r٢ - أن العمل في مختلف الحديث لإزالة التعارض بين الحديثين لا بد أن يكون جاريًا على القواعد التي رسمها أهل العلم عند وجود التعارض فيُحاول المجتهد التوفيق بين الأحاديث المختلفة بالجمع إن أمكن، فإن تعذر فالنسخ إن تحقق الناسخ، فإن تعذر فالترجيح (¬١).\rبينما العمل في مشكل الحديث يكون بالتأمل والنظر في المعاني التي يحتملها اللفظ وضبطها، ثم الاجتهاد في البحث عن القرائن التي يمكن بواسطتها معرفة المراد.","footnotes":"(¬١) انظر: اختلاف الحديث للشافعي (٣٩ - ٤٠)، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي الهمداني (٩)، وروضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة (٢/ ٤٥٧)، ومقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٧٢ - ١٧٣)، والتقريب للنووي مع شرحه تدريب الراوي للسيوطي (٢/ ١٨١ - ١٨٢)، واختصار علوم الحديث لابن كثير مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر (١٧٠)، ونزهة النظر بشرح نخبة الفكر لابن حجر (٣٣ - ٣٥)، وفتح المغيث للسخاوي (٣/ ٧١ - ٧٣)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران (٣٩٦)، وإمتاع العقول بروضة الأصول لعبد القادر بن شيبة الحمد (٢٠٦)، ومنهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث لعبد المجيد السوسوة (١١٣ - ١١٥)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي حسن (١/ ٣٢٢ - ٣٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211245,"book_id":118,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":29,"body":"- من خلال هذا التفريق بين مشكل الحديث ومختلف الحديث يتبين لنا أن مشكل الحديث أعم من مختلف الحديث، فكل مختلف مشكل، وليس كل مشكل مختلفًا، فبينهما عموم وخصوص مطلق (¬١).\rوهذا التفريق هو ما رجحه بعض الباحثين المعاصرين الذين تناولوا هذا النوع من علوم الحديث -على وجه الخصوص- بالبحث والدراسة (¬٢)، وهو ظاهر صنيع الإمام الشافعي (¬٣) في كتابه (اختلاف الحديث)، حيث اقتصر فيه على الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يدخل فيه شيئًا من حالات الحديث المشكل الأخرى.\rوذهب آخرون إلى عدم التفريق، وأنهما شيء واحد (¬٤)، وهو ظاهر صنيع ابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث)، حيث لم يقتصر فيه على المختلف كما هو عنوان الكتاب، بل تعدى ذلك ليتناول المشكل.","footnotes":"(¬١) انظر: مختلف الحديث لأسامة الخياط (٣٧)، ومختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين للدكتور نافذ حسين حماد (١٥ - ١٦)، ومنهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث للدكتور عبد المجيد السوسوة (٥٦).\r(¬٢) انظر: مختلف الحديث للدكتور أسامة الخياط (٣٧ - ٤٤)، ومختلف الحديث للدكتور نافذ حسين حماد (١٥ - ١٧)، ومنهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث (٥٦ - ٥٨).\r(¬٣) هو الإمام العلم حبر الأمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان الشافعي القرشي المطلبي كان حافظًا للحديث بصيرًا بعلله، عالمًا بالفقه وأصوله، ذا معرفة بكلام العرب واللغة والعربية والشعر، تتلمذ على الإمام مالك، وكان أول من تكلم في أصول الفقه، توفي ﵀ بمصر سنة (٢٠٤ هـ)، وله عدة مصنفات منها: الأم في الفقه، والرسالة، واختلاف الحديث. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٥٤)، ووفيات الأعيان (٤/ ٢١)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦١)، وشذرات الذهب (٢/ ٩)].\r(¬٤) انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (١٢٣)، وأصول الحديث للدكتور محمد عجاج الخطيب (٢٩٥)، ومختلف الحديث للدكتور أسامة الخياط (٤٤)، ومختلف الحديث للدكتور نافذ حسين حماد (١٦ - ١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211246,"book_id":118,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":30,"body":"المبحث الثاني: التعريف بأشهر المؤلفات في مشكل الحديث\rلما كانت الحاجة ماسة إلى بيان المشكل من الأحاديث وكشفه، وكون ذلك نوعًا من الدفاع عن سنة المصطفى ﷺ، فقد اهتم العلماء به، وخصوه بمزيد من العناية والدراسة والبحث، ومنهم من أفرده بالتصنيف والتأليف، حيث جمع في كتابه ما يراه مشكلًا، ثم اجتهد في إزالة الإشكال عنه، وبيان المقصود منه، وقد يكون لاختلاف مشاربهم العقدية، أو غلبة فن من فنون العلم على أحدهم أثر في نوعية النصوص المستشكلة، وكيفية إزالة الإشكال عنها، ولهذا تنوعت أساليبهم، وتعددت طرقهم، وتباينت اهتماماتهم، فمنهم من خصَّ كتابه بأحاديث الأحكام، ومنهم من خصَّه بنصوص العقيدة، ومنهم من جمع بينهما وزاد عليهما ما يتعلق بالآداب وغيرها، وفيما يلي عرض موجز لأشهر المؤلفات في ذلك:\r\r١ - كتاب (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي رحمه الله تعالى:\rيعتبر هذا الكتاب أول مؤلَّف في هذا الفن، حيث لم يتقدم الشافعي إلى التأليف فيه أحد من أهل العلم، ولذا قال الإمام السيوطي (¬١) في ألفيته:","footnotes":"(¬١) هو العلامة عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الخضيري السيوطي الشافعي، إمام حافظ مسند، محقق مصنف له نحو (٦٠٠) مصنف، لما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس وخلا بنفسه فألف أكثر كتبه، توفي ﵀ سنة (٩١١ هـ) من مصنفاته: الإتقان في علوم القرآن، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211247,"book_id":118,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":31,"body":"أول من صنف في المختلف ... الشافعي فكن بذا النوع حفي (¬١)\rوقد جمع فيه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى جملة من نصوص السنة المختلفة والمتعارضة في الظاهر، فأزال إشكالها ودفع التعارض عنها، وفق منهج علمي رصين، فيسلك سبيل الجمع إن أمكن، أو النسخ إن ثبت، أو الترجيح إن تعذر الجمع ولم يَثْبُتَ النسخ، وهذا المنهج هو ما التزمه الجمهور في دفع التعارض والتوفيق بين الأحاديث، وهو ما أشار إليه الشافعي في مقدمة كتابه هذا حيث قال: \"وكلما احتمل حديثان أن يستعملا معًا، استعملا معًا، ولم يعطل واحد منهما الآخر ... فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف -كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام- كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا ... ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي ﷺ، مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه\" (¬٢).\rولكنه لم يقصد في هذا الكتاب استيعاب النصوص المتعارضة في السنة، وإنما قصد التمثيل وبيان كيفية إزالة التعارض بينها لتكون نموذجًا لمن بعده من العلماء.\rقال النووي رحمه الله تعالى: \"وصنف فيه الإمام الشافعي، ولم يقصد رحمه الله تعالى استيفاءه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه\" (¬٣).\rوقال السخاوي (¬٤): \"وأول من تكلم فيه إمامنا الشافعي، وله فيه مجلد","footnotes":"= [انظر: الضوء اللامع (٤/ ٦٥)، وشذرات الذهب (٨/ ٥١)، والبدر الطالع (١/ ٣٢٨)، والأعلام (٣/ ٣٠١)].\r(¬١) ألفية السيوطي (١٧٨).\r(¬٢) اختلاف الحديث (٤٠).\r(¬٣) التقريب مطبوع مع شرحه: تدريب الراوي (٢/ ١٨٠).\r(¬٤) هو العلامة محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السخاوي الشافعي، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211248,"book_id":118,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":32,"body":"جليل من جملة كتب الأم، ولكنه لم يقصد استيعابه، بل هو مدخل عظيم لهذا النوع يتنبه به العارف على طريقه\" (¬١).\rوقد تميز هذا الكتاب بأنه تصنيف مستقل ومختص بنوع (مختلف الحديث)، فلم يأت فيه الشافعي بأنواع الحديث المشكل الأخرى، فصار مضمون الكتاب مطابقًا لعنوانه.\r- ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن هذا الكتاب قد خصصه الشافعي رحمه الله تعالى في مسائل الفقه، ولم يذكر شيئًا من المسائل المتعلقة بالعقيدة.\r\r٢ - كتاب (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة رحمه الله تعالى:\rلقد أوضح ابن قتيبة رحمه الله تعالى مقصوده من تأليف هذا الكتاب، حيث قال: \"ونحن لم نرد في هذا الكتاب أن نَرُدَّ على الزنادقة والمكذبين بآيات الله ﷿ ورسله، وإنما كان غرضنا: الرد على من ادَّعى على الحديث التناقض والاختلاف، واستحالة المعنى من المنتسبين إلى المسلمين\" (¬٢).\rوقد جاء كتابه متناولًا خمسة أنواع من الأحاديث، وهي كالتالي:\r١ - الأحاديث التي ادُّعي عليها التناقض، وهو أكثرها (¬٣).","footnotes":"= إمام في الحديث، وبارع في الفقه والقراءات وغيرهما من العلوم، ساح في البلدان سياحة طويلة، وصنف مصنفات عديدة، وسمع الكثير من شيخه الحافظ ابن حجر ولازمه ملازمة شديدة، توفي ﵀ سنة (٩٠٢ هـ)، وله العديد من المصنفات منها: فتح المغيث في مصطلح الحديث، وكتاب الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع. [انظر: الضوء اللامع (٨/ ٢)، وشذرات الذهب (٨/ ١٥)، والأعلام (٦/ ١٩٤)].\r(¬١) فتح المغيث (٣/ ٧١).\r(¬٢) تأويل مختلف الحديث (١١٧).\r(¬٣) انظر على سبيل المثال: (٩٦، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٧، ١٠٨، ١١٠، ١١٤، ١٢١، ١٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211249,"book_id":118,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":33,"body":"٢ - الأحاديث التي قيل فيها: إنها تخالف كتاب الله تعالى (¬١).\r٣ - الأحاديث التي قيل فيها: إنها تخالف النظر وحجة العقل (¬٢).\r٤ - الأحاديث التي قيل فيها: إنها تخالف الإجماع (¬٣).\r٥ - الأحاديث التي قيل فيها: إنها يبطلها القياس (¬٤) (¬٥).\rويظهر من هذا أن ابن قتيبة لم يقتصر في كتابه على المختلف بل تناول المشكل، ولذا فقد ذهب بعض الباحثين إلى أن \"الأولى بابن قتيبة أن يسمي كتابه: تأويل مشكل الحديث\" (¬٦)، كما سمَّى كتابه الآخر: \"تأويل مشكل القرآن\"، وهذا بناءً على القول بالتفريق بين المختلف والمشكل -على ما تقدم-، أما على القول بأنهما شيء واحد فلا إشكال.\rوقد امتاز هذا الكتاب باشتماله على جملة من الأحاديث التي يطعن بها أهل البدع على أهل السنة، فدفع التعارض عنها، وأزال ما استُشكل فيها، بتوجيهات سديدة، وأجوبة شافية غالبًا.\rكما امتاز كتابه بتنوع الأدلة، فهو لا يقتصر في الاحتجاج على الأدلة الشرعية، بل يتبع ذلك أحيانًا بالأدلة العقلية، والشواهد اللغوية والشعرية، مما أكسبه أهمية بالغة عند أهل العلم.\rوالكتاب أيضًا متنوع المسائل، ففيه المسائل المتعلقة بالعقيدة، والمتعلقة بالفقه وغيرهما، وإن كانت مسائل العقيدة فيه أغلب.\rولكن يؤخذ على هذا الكتاب: افتقاره إلى الترتيب والتنسيق، فتجد مسائل الفقه مثلًا غير مرتبة على أبواب الفقه المعروفة، بل هي متناثرة في","footnotes":"(¬١) انظر على سبيل المثال: (١١١، ١٨٠، ١٨١، ٢٢٧، ٢٧٩).\r(¬٢) انظر على سبيل المثال: (٩١، ٩٤، ١٦٥).\r(¬٣) انظر: (٢٤١).\r(¬٤) انظر: (١٣٧)، وليس فيه غير هذا الموضع.\r(¬٥) انظر: مختلف الحديث لأسامة الخياط (٤٠٢).\r(¬٦) مختلف الحديث للدكتور نافذ حسين حماد (٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211250,"book_id":118,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":34,"body":"الكتاب مختلطة بالمسائل الأخرى المتعلقة بالعقيدة وغيرها.\rكما يؤخذ على ابن قتيبة رحمه الله تعالى في هذا الكتاب: أنه ربما أتى بالحديث الضعيف -دون ذكر سند له أو تخريج غالبًا- ثم حاول توجيهه والإجابة عنه، أو التوفيق بينه وبين حديث آخر صحيح، وكان الأولى له في هذه الحالة أن يبين ضعف الحديث، وعدم قيام الحجة به، وأنه لا ينهض لمعارضة الصحيح، فيزول بهذا الإشكال، وينتفي التناقض، إذ الحجة فيما صحَّ وثبت من سنة المصطفى ﷺ.\rوقد يكون هذا التقصير من ابن قتيبة ﵀ راجعًا إلى قلة عنايته بالحديث، ومعرفة صحيحه من ضعيفه، وهو ما ذكره عنه الذهبي (¬١) ﵀ حيث قال: \"ابن قتيبة من أوعية العلم، لكنه قليل العمل في الحديث، فلم أذكره\" (¬٢) أي: لم يعده الذهبي من حفاظ الحديث، فلم يذكره في طبقاته (¬٣).\rولعل هذا هو سبب تعرض بعض المحدثين لنقد كتابه هذا:\rفقد قال ابن الصلاح (¬٤) ﵀: \"وكتاب مختلف الحديث لابن قتيبة في","footnotes":"(¬١) هو الحافظ المحدث محمد بن أحمد بن عثمان التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي، المؤرخ الكبير صاحب التصانيف السائرة في الأقطار، كان أكثر أهل عصره تصنيفًا، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية واستفاد منه توفي ﵀ سنة (٧٤٨ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: تاريخ الإسلام، والسير، والعبر، وتذكرة الحفاظ، والعلو للعلي الغفار. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٥٣)، والبدر الطالع (٢/ ١١٠)، والأعلام (٥/ ٣٢٦)].\r(¬٢) تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٣).\r(¬٣) انظر: مختلف الحديث للدكتور نافذ حسين (٦٥).\r(¬٤) هو الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبو عمرو عثمان ابن المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكردي الموصلي الشافعي، اشتغل بالعلم وأفتى وجمع وألف وتفقه، وبرع في المذهب وأصوله، وفي الحديث وعلومه، وكان سلفيًا حسن الاعتقاد كافًا عن تأويل المتكلمين، مؤمنًا بما ثبت من النصوص، توفي ﵀ =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211251,"book_id":118,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":35,"body":"هذا المعنى، إن يكن قد أحسن فيه من وجه، فقد أساء في أشياء منه، قصر باعه فيها وأتى بما غيره أولى وأقوى\" (¬١).\rوقال النووي: \"صنَّف فيه ابن قتيبة، فأتى بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة؛ لكون غيرها أقوى وأولى وترك معظم المختلف\" (¬٢).\rوقال ابن كثير (¬٣): \"ابن قتيبة له فيه مجلد مفيد، وفيه ما هو غثٌّ، وذلك بحسب ما عنده من العلم\" (¬٤).\r\r٣ - كتاب (مشكل الآثار) (¬٥) للطحاوي رحمه الله تعالى:\rيعتبر هذا الكتاب أوسع ما كتب في هذا المجال، وقد أوضح الطحاوي رحمه الله تعالى مقصوده من تأليف هذا الكتاب فقال: \"إني نظرت في الآثار المروية عنه ﷺ بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها،","footnotes":"= سنة (٦٤٣ هـ) له مصنفات من أشهرها: علوم الحديث، وصيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢١٢)، والسير (٢٣/ ١٤٠)، والعبر (٣/ ٢٤٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠)].\r(¬١) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٧٣)، وانظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (١٢٣).\r(¬٢) التقريب للنووي مطبوع مع شرحه تدريب الراوي (٢/ ١٨١).\r(¬٣) هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير البصري ثم الدمشقي، الحافظ الكبير والفقيه الشافعي، كان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم كثير التصنيف، صحب ابن تيمية فاستفاد منه وأكثر عنه، توفي ﵀ سنة (٧٧٤ هـ) له مؤلفات كثيرة منها: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ٢٣١)، والبدر الطالع (١/ ١٥٣)، والأعلام (١/ ١٥٣)].\r(¬٤) اختصار علوم الحديث مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر (١٦٩).\r(¬٥) هذا هو العنوان المشهور للكتاب، وهو الذي عليه الطبعة القديمة -الناقصة- وقد ذُكر للكتاب عدة أسماء متقاربة، وطبع أخيرًا كاملًا -ولأول مرة- بتحقيق شعيب الأرنؤوط، بعنوان: شرح مشكل الآثار، ويقع في ستة عشر مجلدًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211252,"book_id":118,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":36,"body":"والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبوابًا أذكر في كل باب منها ما يهب الله ﷿ لي من ذلك فيها، حتى أبين ما قدرت عليه منها كذلك، ملتمسًا ثواب الله ﷿ عليه، والله أسأل التوفيق لذلك والمعونة عليه، فإنه جواد كريم وهو حسبي ونعم الوكيل\" (¬١).\rمن كلام الطحاوي هذا يظهر لنا أنه قصد في تأليفه هذا الكتاب أمورًا ثلاثة:\rأحدها: بيان ما قدر عليه من مشكلها.\rوثانيها: استخراج الأحكام التي فيها.\rوثالثها: نفي الإحالات عنها.\rوقد جاء كتابه -كما وعد- مستوفيًا لهذه الأمور الثلاثة، كما جاء كتابه متميزًا بالشمول والتنوع، فلم تقتصر مسائله على موضوع أو فنٍّ معين، بل شملت مواضيع وفنونًا متعددة: في العقائد والآداب، وفي الفقه والفرائض، وفي أسباب النزول والقراءات، وغيرها (¬٢). وقد قسم كتابه إلى أبواب، وجعل لكل باب عنوانًا يدل على الإشكال الذي يريد الكلام عليه، وكثيرًا ما يُصَدِّرُ العنوان بقوله: \"باب بيان مشكل ما روي عن النبي ﷺ ... \" فيذكر الحديث.\rوامتاز كتابه أيضًا باتصال أكثر أحاديثه التي يوردها، فهو يذكرها بسنده إلى رسول الله ﷺ، ممَّا يسهل الوقوف على الرواية ودرجة صحتها والحكم عليها.","footnotes":"(¬١) مشكل الآثار للطحاوي (١/ ٣).\r(¬٢) انظر: مختلف الحديث لأسامة الخياط (٤١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211253,"book_id":118,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":37,"body":"وقد يتبع الرواية ببيان ما فيها من انقطاع، أو ضعف راوٍ، أو اشتباه في نسب، أو غير ذلك إن وجد.\rولكن مما يلاحظ على هذا الكتاب عدم الترتيب والتنظيم ممَّا يعسر معه الحصول على المطلوب، فتجد أبواب الموضوع الواحد متشتتة ومتفرقة من أول الكتاب إلى آخره، فإذا أردت البحث عن مسألة معينة لم تجد بُدًّا من استعراض جميع أبواب الكتاب.\rولذلك قال أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي (¬١): \"وكان تطويل كتابه -بكثرة تطريقه الأحاديث وتدقيق الكلام فيه حرصًا على التناهي في البيان- على غير ترتيب ونظام، لم يتوخ فيه ضم باب إلى شكله ولا إلحاق نوع بجنسه، فتجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الديوان إلى آخره، وكذلك أحاديث الصلاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام، تكاد أن لا تجد فيه حديثين متصلين من نوع واحد، فصارت بذلك فوائده ولطائفه منتشرة متشتتة فيه، يعسر استخراجها منه، إن أراد طالب أن يقف على معنى بعينه لم يجد ما يستدل به على موضعه إلا بعد تصفح جميع الكتاب، وإن ذهب ذاهب إلى تحصيل بعض أنواعه افتقر في ذلك إلى تحفظ جميع الأبواب\" (¬٢).\rوقال السخاوي رحمه الله تعالى: \"وهو من أجلِّ كتبه -يعني","footnotes":"(¬١) هو القاضي يوسف بن موسى بن محمد بن أحمد الملطي ثم الحلبي، ولد ونشأ بملطية (في شمال سوريا)، واستقر بحلب، وولي قضاء الحنفية بمصر في أواخر أعوامه ولم تحمد سيرته فيه، وقد انتقده العلماء على بعض أقواله وفتاويه، توفي ﵀ سنة (٨٠٣ هـ)، وله مؤلفات منها: المعتصر من المختصر من مشكل الآثار. [انظر: شذرات الذهب (٧/ ٤٠)، والأعلام (٨/ ٢٥٤)].\r(¬٢) المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (١/ ٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211254,"book_id":118,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":38,"body":"الطحاوي- ولكنه قابل للاختصار غير مستغن عن الترتيب والتهذيب (¬١) \" (¬٢).\r\r٤ - تأويل الأحاديث المشكلة (¬٣) لأبي الحسن الطبري (¬٤):\rيختلف هذا الكتاب في مضمونه عن الكتب السابقة، وإن كان يشابهها","footnotes":"(¬١) قد اختصره القاضي أبو الوليد ابن رشد (الجد) (ت: ٥٢٠ هـ)، وذلك بحذف أسانيد الأحاديث، وتقليل طرقها، واختصار كثير من ألفاظه من غير أن يخل بشيء من معانيه، كما أنه هذبه ورتبه فضم كل نوع إلى نوعه وألحق كل شكل بشكله. [انظر: المعتصر من المختصر (١/ ٣)] واختصر (مختصر ابن رشد): القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي في كتاب سماه (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار)، وهو مطبوع متداول.\rكما قام الباحث خالد بن محمود الرباط بترتيب الأصل -مشكل الآثار- فقسمه إلى خمسة وعشرين كتابًا مرتبًا إياها على الموضوعات الفقهية، فابتدأه بكتاب الإيمان ثم الطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة ... وهكذا، وختمه بكتاب الفتن ثم القيامة والجنة والنار، وقد جمع تحت كل كتاب ما يتعلق به من الأحاديث، وسماه: \"تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار\"، وهو مطبوع في عشر مجلدات.\rتنبيه:\rنسب أبو المحاسن يوسف بن موسى صاحب (المعتصر) كتاب (مختصر مشكل الآثار) للقاضي أبي الوليد الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، وهو الموجود على غلاف (المعتصر) بناءً على هذه النسبة، ولكن -بعد التحري والتثبت- تبيَّن لي أنه ﵀ قد وهم في هذه النسبة لأن المختصر ليس لأبي الوليد الباجي، وإنما هو للقاضي أبي الوليد ابن رشد (الجد) -كما تقدم- كما ذكر ذلك عدد كبير من أهل العلم كالذهبي في السير (١٩/ ٥٠٢)، وابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٨٤)، وغيرهما، ولم أجد من نسب هذا الاختصار إلى أبي الوليد الباجي غير أبي المحاسن يوسف بن موسى في كتابه (المعتصر) فلعل سبب الوهم هو اشتراكهما في الكنية والعمل فكلاهما يقال له: (القاضي أبو الوليد)، والله تعالى أعلم.\r(¬٢) فتح المغيث (٣/ ٧١).\r(¬٣) وهو مخطوط وعندي منه نسخة، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود (٢/ ٥١٦ - ٥٢٥).\r(¬٤) هو أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري، صحب أبا الحسن الأشعري =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211255,"book_id":118,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":39,"body":"في التسمية، فهو يتميز عنها بكونه يبحث في مجال العقيدة، وفي نصوص الأسماء والصفات على وجه الخصوص، لكن مؤلفه بناه على مذهب الأشاعرة (¬١)، حيث يقوم بتأويل كثير من نصوص الصفات وصرفها عن ظاهرها المراد منها، مدَّعيًا أن ظاهرها التجسيم والتشبيه، كما فعل في صفة الضحك (¬٢) والعجب (¬٣) والفرح (¬٤) والنزول والمجيء والإتيان (¬٥) وغيرها من الصفات.","footnotes":"= بالبصرة، وأخذ عنه وتخرج به واقتبس منه، وكان من المبرِّزين في علم الكلام، والمشاركين في أصناف العلوم، له عدة تصانيف، أشهرها: تأويل الأحاديث المشكلة، توفي في حدود سنة ثلاثمئة وثمانين (٣٨٠ هـ). [انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (١٩٥)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ٤٦٦)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢٢/ ١٤٣)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٥٢٧)].\r(¬١) الأشاعرة: هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري علي بن إسماعيل -الإمام المعروف- في مذهبه بعد رجوعه عن الاعتزال، وقبل إعلانه الرجوع إلى مذهب السلف كما في كتابيه: مقالات الإسلاميين والإبانه.\rوهم في الجملة: لا يثبتون من الصفات إلا سبعًا، لدلالة العقل عليها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والكلام والإرادة والسمع والبصر، على أن حقيقة قولهم في صفة الكلام لا يعد إثباتًا، ويقولون: إن الإيمان هو التصديق، ومذهبهم في القدر يؤول إلى الجبر.\rقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥): \"الأشعرية: الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم\". [انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٤ - ١٠٣)، وأصول الدين (٩٠)، والفرق بين الفرق (٢٩٣)، وما بعدها، كلاهما للبغدادي، ومجموع الفتاوى (٤/ ٧٢)، و (٥/ ٥٥٦)، و (٦/ ٥٢ - ٥٥)، والمواعظ والآثار بذكر الخطط والآثار -المعروف بالخطط المقريزية- (٢/ ٣٥٨)، ومقدمة الشيخ حماد الأنصاري لكتاب الإبانة، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود].\r(¬٢) انظر: (لوحة ٣١/ ب).\r(¬٣) انظر: (لوحة ٣٥/ أ - ب).\r(¬٤) انظر: (لوحة ٤٢/ أ).\r(¬٥) انظر: (لوحة ٥٠/ أ - ب).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211256,"book_id":118,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":40,"body":"وقد يثبت الصفة مع التفويض الكامل لها، كما فعل في اليدين (¬١).\rوفي بداية كتابه غمز أهل الحديث ونال منهم، حيث وصفهم بقلة \"عنايتهم بمعرفة مصادر الكلام وموارده، وظاهره وباطنه، ومجازه وحقيقته واستعارته، وما يجوز إطلاقه في القديم وما لا يجوز إطلاقه\"، ثم قال: \"قد قنع الواحد منهم من العلم برسمه، ومن الحديث بجمعه واسمه ... \" (¬٢).\rويبين سبب تأليفه هذا الكتاب بقوله: \"أما بعد فإنك كتبت إلي شكوى ما فشا بالناحية من معتقد الفرقة المنتسبة إلى الحديث المنتحلة للأثر، حتى مالوا إلى قوم من ضعفة المسلمين بمعاهدتهم بالتلبيس والتمويه ... \" (¬٣).\rومما تحسن الإشارة إليه أن الطبري قد أورد في كتابه هذا كثيرًا من الآيات الموهمة للتشبيه -على زعمه- ولم يقصره على الأحاديث، ولذلك نقل منه شيخ الإسلام ابن تيمية (¬٤) ﵀ وسماه: \"مشكل الآيات\" (¬٥).\r\r٥ - كتاب (مشكل الحديث وبيانه) لابن فورك (¬٦) رحمه الله تعالى:\rهذا الكتاب لا يختلف كثيرًا عن سابقه (تأويل الأحاديث المشكلة","footnotes":"(¬١) انظر: (لوحة ٢١/ ب).\r(¬٢) تأويل الأحاديث المشكلة (لوحة ١/ ب).\r(¬٣) نفس المصدر (لوحة ١/ أ).\r(¬٤) هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني، الفقيه المجتهد المفسر، كان يتوقد ذكاءً وكان رأسًا في الزهد والعلم والكرم والشجاعة، له تصانيف كثيرة سارت بها الركبان، وكان سيفًا على المبتدعة، عرف أقوال المتكلمين وبرع في ذلك ثم رد عليهم، وقد امتحن وأوذي مرات، توفي ﵀ محبوسًا بقلعة دمشق سنة (٧٢٨ هـ) له مؤلفات كثيرة منها: درء التعارض، ومنهاج السنة، واقتضاء الصراط المستقيم. [انظر: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية لمحمد بن عبد الهادي، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٦)، والعبر (٤/ ٨٤)، وشذرات الذهب (٦/ ٨٣)].\r(¬٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٣٥).\r(¬٦) هو الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك المتكلم الأصولي الأديب النحوي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211257,"book_id":118,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":41,"body":"لأبي الحسن الطبري)، حيث إنه خاص بأحاديث العقيدة المتعلقة بالأسماء والصفات، فأورد جملة منها، زاعمًا أن ظاهرها يوهم التشبيه والتجسيم، ثم ذهب يؤولها ويصرفها عن ظاهرها المراد منها، بما يتوافق مع مذهبه الأشعري، وكثيرًا ما يصدر الحديث الذي يريد تأويله بقوله: \"ذكر خبر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه\" (¬١)، ومن الصفات التي أوَّلها: اليد (¬٢)، والأصابع (¬٣)، والقدم (¬٤)، والنزول (¬٥)، والضحك (¬٦)، والعجب (¬٧)، والفرح (¬٨)، والاستواء (¬٩)، والعلو (¬١٠).\rفالكتاب إذًا خاص بالعقيدة على المذهب الأشعري، وهو عبارة عن ثلاثة أقسام مرتبط بعضها ببعض (¬١١).\rفالقسم الأول أورد فيه أكثر من خمسة وسبعين حديثًا، مما يرى أن","footnotes":"= الواعظ الأصبهاني، صاحب التصانيف في الأصول والعلم، تصدَّر للإفادة بنيسابور، وكان أشعريًا رأسًا في فن الكلام، توفي ﵀ سنة (٤٠٦ هـ) من مؤلفاته: مشكل الحديث وبيانه. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٠)، والسير (١٧/ ٢١٤)، والعبر (٢/ ٢١٣)، وشذرات الذهب (٣/ ١٨١)].\r(¬١) انظر على سبيل المثال: (٤٢، ١٢٨، ١٣٤، ١٤٢، ١٤٦، ١٥٢، ١٦٠).\r(¬٢) انظر: (١٠٧ - ١١٤، ٤٥٧).\r(¬٣) انظر: (٢٥٤).\r(¬٤) انظر: (١٣٤ - ١٤٠).\r(¬٥) انظر: (٢١٥).\r(¬٦) انظر: (١٤٨).\r(¬٧) انظر: (٢٠٧).\r(¬٨) انظر: (٢٠٢ - ٢٠٣).\r(¬٩) انظر: (٤٧٧).\r(¬١٠) انظر: (١٦٧ - ١٦٨).\r(¬١١) انظر: مختلف الحديث للدكتور نافذ حسين (٧٢ - ٧٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211258,"book_id":118,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":42,"body":"ظاهرها يوهم التشبيه، فأوَّلها وبين معناها من وجهة نظر أشعرية (¬١).\rوأما القسم الثاني فهو للرد على ابن خزيمة (¬٢) في كتابه: (التوحيد) فأورد فيه عشرة أحاديث، يشترك بعضها مع القسم الأول، وأوَّلها كغيرها من أحاديث الصفات، وخطَّأَ ابنَ خزيمة في حملها على ظاهرها مع نفي المماثلة، وقد بدأه بقوله: \"فصل فيما ذكره ابن خزيمة في كتاب التوحيد\" (¬٣).\rوأما القسم الثالث فقد خصَّه للردِّ على أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي (¬٤) صاحب ابن خزيمة، في كتابه: (الأسماء والصفات)، وقد عقد فيه أكثر من عشرين فصلًا في تأويل صفات الله تعالى، وابتدأه بقوله: \"فصل آخر فيما ذكره الصبغي في كتاب الأسماء والصفات\" (¬٥).\rوختم هذا الكتاب بقوله: \"كَمُلَ بيان ما أشكل ظاهره من صحيح الحديث مما أوهم التشبيه، ولبَّس بذلك المجسمون، وازداره الملحدون، وطعن في روايته الملحدون، وإيضاح ما خفي باطنه مما أغفله الجاهلون،","footnotes":"(¬١) يبدأ هذا القسم من أول الكتاب حتى ص (٣٩١).\r(¬٢) هو الحافظ الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، كان إمامًا ثبتًا معدوم النظير، رحل إلى الشام والحجاز والعراق ومصر، وتفقه على المزني وغيره، توفي ﵀ سنة (٣١١ هـ)، وله مصنفات منها: كتاب التوحيد. [انظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٢٠)، والسير (١٤/ ٣٦٥)، والعبر (١/ ٤٦٢)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٢)].\r(¬٣) يبدأ هذا القسم من (٣٩٢ - ٤٤٤).\r(¬٤) هو الإمام العلامة المحدث أبو بكر أحمد بن أيوب النيسابوري الشافعي، المعروف بالصبغي، جمع وصنف، وبرع في الفقه، وتميَّز في علم الحديث، وكان يخلف ابن خزيمة في الفتوى بضع عشرة سنة، له مصنفات منها: الأسماء والصفات، والإيمان، والقدر، توفي ﵀ سنة اثنتين وأربعين وثلاثمئة (٣٤٢ هـ). [انظر: السير (١٥/ ٤٨٣)، والعبر (٢/ ٦٣)، وشذرات الذهب (٢/ ٣٦١)].\r(¬٥) بداية هذا القسم من ص (٤٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211259,"book_id":118,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":43,"body":"وأنكره المعطلون ... \" (¬١).\rوالمطلع على هذا الكتاب يلحظ أمرين عجيبين:\r\"أحدهما: البحث عن أوجه التأويل لكل حديث، والتكلف في ذلك، وهو يعتقد أن هذه مهمة طائفة من أهل الحديث، فقد قسمهم إلى فرقتين:\rفرقة هم أهل النقل والرواية، وحصرِ أسانيدها وتمييز صحيحها من سقيمها.\rوفرقة منهم يغلب عليهم تحقيق طرق النظر والمقاييس، والإبانة عن ترتيب الفروع على الأصول، ونفي شبه الملَبِّسين عنها.\rفالفرقة الأولى للدين كالخزنة للملك، والفرقة الأخرى كالحرس الذين يَذُبُّوْنَ عن خزائن الملك (¬٢).\rوواضح أن ابن فورك في كتابه جعل مهمته تحقيق هدف الفرقة الثانية، ولذلك ذكر فيه ما يراه من مشكل الحديث.\rوالأمر الآخر: خلْطُه فيما يورده -من الأحاديث- بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، حيث جعلها نسقًا واحدًا في الدلالة وضرورة التأويل، وإذا أشار إلى ضعف بعض الروايات لا يكتفي بذلك في ردها، وبيان عدم الحاجة إلى بحث ما دلت عليه من الصفة لله تعالى، وإنما يشير إلى ضعفها -إن أشار- بكلمات، ثم يجلب بخيله ورجله في تأويلها\" (¬٣).\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مَعْرِضِ حديثه عن تأويلات أهل الكلام: \"هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأويل الجميع، كما فعل ... أبو بكر بن فورك في كتاب (مشكل الحديث) \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) مشكل الحديث (٥٢٥).\r(¬٢) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (٣٢).\r(¬٣) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود (٢/ ٥٦٢/ ٥٦٣).\r(¬٤) درء التعارض (٥/ ٢٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211260,"book_id":118,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":44,"body":"٦ - كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (¬١):\rألف ابن الجوزي هذا الكتاب لشرح ما استُشكِل من حديث الصحيحين، معتمدًا فيهما على كتاب (الجمع بين الصحيحين) للحميدي، والذي رتبه مؤلفه على المسانيد، ممَّا جعل ابن الجوزي يسلك سبيله في هذا الترتيب، فجاء كتاب ابن الجوزي مرتبًا على المسانيد، لا على الأبواب الفقهية، وهذا ما جعل الاستفادة منه صعبة وشاقة.\rوقد أشار في مقدمة كتابه إلى السبب المباشر الذي حرَّك همته لتأليف هذا الكتاب، وهو أن سائلًا سأله ذلك، قال: \"فأنعمت له، وظننت الأمر سهلًا، فإذا نيل سُهَيْلٍ أسهل\"، لكن هذا الأمر لم يكن ليثني إرادته أو يوهن من عزيمته، يقول: \"فلما رأيت طرق شرحه شاسعة، شمرت عن ساق الجَدِّ، مستعينًا بالله ﷿ ... \" (¬٢).\rكما أشار إلى أنه سيُعنى بكشف الإشكال المعنوي، لكون الحاجة إليه أمس، والعناية به أجدر وأحق، خاصةً وأن الحميدي قد ألف كتابًا في شرح غريب مفردات أحاديث الصحيحين فسدَّ هذه الثغرة (¬٣).","footnotes":"(¬١) هو الإمام العلامة الحافظ المفسر، عالم العراق وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم: أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق ﵁، أكثر من التصنيف في أنواع العلوم من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والتاريخ وغيرها، توفي ﵀ سنة (٥٩٧ هـ)، ومن مصنفاته: كشف المشكل من حديث الصحيحين، وزاد المسير في علم التفسير، وتلبيس إبليس. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٤٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٢٩)].\r(¬٢) كشف المشكل (١/ ٦).\r(¬٣) انظر: كشف المشكل (١/ ٦)، وكتاب الإمام الحميدي مطبوع متداول، وعنوانه: \"تفسير غريب ما في الصحيحين\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211261,"book_id":118,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":45,"body":"ومما تميز به هذا الكتاب عن الكتب السابقة أنه خاص بالصحيحين، فلم يُدْخِلْ فيه حديثًا ليس فيهما أو في أحدهما.\rكما تميز بأنه لم يقتصر على فنٍّ معين، بل تنوعت مسائله وأحاديثه لتشمل فنونًا متعددة، وقد نال الفقه منها بحظ وافر.\rوامتاز أيضًا بشرح الألفاظ الغريبة، مع العناية بضبط اللفظة، وذكر تصاريفها واشتقاقاتها، وبيان دلالتها مع الاستشهاد على ذلك من أقوال أئمة اللغة، وأشعار العرب (¬١).\rكما امتاز أيضًا باحتوائه على جملة كبيرة من المسائل الفقهية، مع عرضٍ لأقوال الفقهاء فيها ناسبًا كلَّ قول إلى قائله غالبًا (¬٢).\rوأما المآخذ على هذا الكتاب فهي كما يلي:\r١ - أنه لم يستوعب جميع المشكل، خاصة ما يتعلق منه بالعقيدة، حيث لم يذكر منه إلا شيئًا قليلًا بالنسبة لما ترك، وقد يكون رأيه فيه مرجوحًا، لا سيَّما إذا كان الإشكال متعلقًا بأسماء الله تعالى وصفاته، وفي المقابل قد يذكر فيه ما ليس بمشكل، ولذا قام بعض العلماء باختصار الكتاب، وقال: \"رأيته يذكر فيه شيئًا من الأحاديث غير مشكل، أو مشكلًا ولا يأتي فيه بشيء شافٍ\" (¬٣).\r٢ - أنه اضطرب في صفات الله تعالى بين النفي والإثبات، وخاصة الصفات الخبرية فإنه كثيرًا ما يؤولها (¬٤).\r٣ - أنه لم يخصه في المشكل، ولذا فإنه قد يورد الحديث لا لإشكال","footnotes":"(¬١) انظر: مقدمة الكتاب (١/ ١٦).\r(¬٢) انظر: مقدمة الكتاب (٢٤ - ٢٦).\r(¬٣) انظر: كشف الظنون (٢/ ١٤٩٥).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٩)، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ٤١٤)، وابن الجوزي بين التأويل والتفويض للدكتور أحمد عطية الزهراني (١٥٤ - ١٥٥)، ومقدمة كتاب كشف المشكل للدكتور علي البواب (١/ ١٢، ٤٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211262,"book_id":118,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":46,"body":"فيه -كما تقدم-، وإنما ليستخرج منه فائدة معينة (¬١)، وقد يذكر الحديث ليوضح فيه معنى كلمةٍ غريبة فقط، ومن أمثلة ذلك:\rقال في مسند عبادة بن الصامت: \"وفي الحديث الثاني: (من تعارَّ من الليل) يعني استيقظ\" (¬٢).\rوفي مسند أُبي بن كعب قال: \"وفي الحديث الرابع: (لو اشتريت حمارًا تركبه في الرمضاء) يعني: الحر\" (¬٣).\rوقال في مسند أبي سعيد الخدري: \"وفي الحديث الثاني عشر: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة) المدى الغاية\" (¬٤).\rففي هذه الأحاديث لم يذكر فيها غير ما نقلت، ومثلها كثير (¬٥).\r٤ - جرأته ﵀ في ردِّ الروايات -إذا خالفت مذهبه ومعتقده-، واتهامه المحدثين بالغلط في الرواية أو التصرف، أو النقل بالمعنى، دون استناد إلى دليل أو برهان، وإليك مثالًا على ذلك:\rقال بعد تأويله لصفة القدم لله ﷿: \"فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل وسيأتي في حديث أبي هريرة: (يضع فيها رجله)؟ فالجواب: أن هذا من تحريف بعض الرواة، لأنه ظنَّ أن القدم هي الرجل، فروى بالمعنى الذي يظنه\" (¬٦).\rولعل هذا نابع من تلك القاعدة التي ذكرها أثناء اتهامه بعض الرواة بأنهم عبَّروا بالمعنى، ولم يفهموا المقصود، مما أوقع الإشكال في كثير من","footnotes":"(¬١) انظر: مقدمة الكتاب (١/ ١٥ - ١٦).\r(¬٢) كشف المشكل (٢/ ٨١).\r(¬٣) كشف المشكل (٢/ ٧٠).\r(¬٤) كشف المشكل (٣/ ١٦١).\r(¬٥) انظر: مقدمة الكتاب للدكتور علي البواب (١/ ١٨).\r(¬٦) كشف المشكل (٣/ ٢٤٥)، وانظر: مقدمة الكتاب (١/ ٤٧ - ٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211263,"book_id":118,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":47,"body":"الأحاديث، حيث قال: \"فمتى سمعت حديثًا فيه نوع خلل فانسُب ذلك إلى الرواة، فإن الرسول ﷺ منزَّه عن ذلك\" (¬١).\rقلت: لا ريب أن الرسول ﷺ منزه عن الخلل في حديثه، ولكن لماذا لا يتهم الإنسان رأيه وفهمه واجتهاده قبل اتهام النقلة العدول الثقاة، أهل الضبط والإتقان والتحري والتثبت؟ ! فإن الإنسان كثيرًا ما يؤتى من قبل رأيه وفهمه واجتهاده، فيستشكل ما ليس بمشكل، كما وقع لابن الجوزي هنا في صفة القدم والرجل، والله تعالى أعلم.\r* * *","footnotes":"(¬١) كشف المشكل (٣/ ٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211264,"book_id":118,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":48,"body":"المبحث الثالث: ظواهر الكتاب والسنة كلها حق\rلما كان المقصود بالخطاب والكلام إفهام السامع مراد المتكلم من كلامه، وأن يبين له ما في نفسه من المعاني، وأن يدله على ذلك بأقرب الطرق (¬١)، كان ذلك موقوفًا على أمرين:\r- بيان المتكلم.\r- وتمكن السامع من الفهم.\rفإن لم يحصل البيان من المتكلم، أو حصل له ولم يتمكن السامع من الفهم، لم يحصل مراد المتكلم، وإذا بيَّن المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده، ولم يعلم السامع معنى تلك الألفاظ، لم يحصل البيان، فلا بد من تمكن السامع من الفهم، وحصول الإفهام من المتكلم (¬٢).\rومعرفة مراد المتكلم من كلامه، من أهم الأمور وأنفعها، فإنه إذا عُرف ذلك، كان هذا هو ظاهر كلامه وحقيقته.\rقال ابن القيم (¬٣): \"إذا فهم السامع مقصود المتكلم فقد فهم حقيقة كلامه\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) هذا بناءً على الأصل، وإلا فقد يكون المتكلم مريدًا التعمية والتلبيس على السامع، وهو أمر يتنزه عنه الشارع، خاصةً في مَعْرِضِ البيان والدعوة والتوجيه والإرشاد.\r(¬٢) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٣١٠)، ومختصر الصواعق (١/ ٥١).\r(¬٣) هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ثم الدمشقي، الفقيه المجتهد المفسر النحوي الأصولي، الشهير بابن القيم، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه واستفاد منه كثيرًا، وقد امتحن وأوذي مرات، توفي ﵀ سنة (٧٥١ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: زاد المعاد، ومفتاح دار السعادة، والصواعق المرسلة وغيرها. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٦٨)، والأعلام (٦/ ٥٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ١٦٤)].\r(¬٤) مختصر الصواعق (٢/ ٣١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211265,"book_id":118,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":49,"body":"وأعظم من يُحتاج إلى معرفة مراده، هو الله تعالى ورسوله ﷺ، لأن على هذه المعرفة ينبني الاعتقاد والعمل.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لا بد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"معرفة مراد الرسول، ومراد الصحابة، هو أصل العلم وينبوع الهدى\" (¬٢).\rوالقاعدة عند أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة: أنهم يُجْرُوْنَهَا على ظاهرها، معتقدين أنه هو الحق الذي يوافق مراد الله تعالى، ومراد رسوله ﷺ، لا سيما ما ليس للرأي فيه مجال، كنصوص الصفات (¬٣) والمعاد وغيرها من أمور الغيب (¬٤).\rقال الشافعي ﵀: \"آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ\" (¬٥).\rومما يُوَضِّحُ هذا ويبينه، أنه من المعلوم بالضرورة أن الشارع متصف بكمال العلم، وصدق الحديث، وقوة الفصاحة وحسن البيان، وقصد الهدى والبيان والإرشاد (¬٦)، وقد تكلم باللسان المفهوم لدى المخاطبين، فوجب قبول كلامه وفهمه على ظاهره.","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٧/ ١١٦)، وانظر: (٧/ ١١٤ - ١١٥).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٣).\r(¬٣) يلاحظ ارتباط هذه القاعدة كثيرًا بنصوص الصفات في كلام أهل العلم، وذلك لتعرضها للتحريف والتأويل الباطل أكثر من غيرها، وإلا فهي واجبة في جميع نصوص الكتاب والسنة.\r(¬٤) انظر: القواعد المثلى (٣٣)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي حسن (١/ ٣٩١)، وما بعدها.\r(¬٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٤)، وانظر: (٤/ ٢).\r(¬٦) انظر: الصواعق (١/ ٣١٠، ٣٢٠)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد العثيمين (١/ ١٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211266,"book_id":118,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":50,"body":"و\"لو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب، لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده، وأراد منه فهم النفي بما يدل على غاية الإثبات ... \" (¬١).\rولا ريب أن هذا ينافي قصد البيان والهدى والإرشاد الذي اتصف به الله تعالى واتصف به رسوله ﷺ، فالله تعالى يقول عن نفسه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦].\rويقول عن نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ويقول أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\rوعلى هذا، فالواجب حمل نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، واعتقاد أنه حق، فمن رام غير هذا مؤْثرًا تحريفات المبطلين وتأويلات الجاهلين، على بيان رب العالمين، الذي قال عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وبيان رسوله الصادق الأمين، الذي قال له ربه: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، فقد خاب وخسر وضل عن الصراط المستقيم والطريق القويم، كما أن سلوكه هذا السبيل يلزم منه أحد محاذير ثلاثة، لا بد منها أو من بعضها، وهي:\rالقدح في علم المتكلم بها -وهو الرسول ﷺ أو في بيانه، أو في نصحه (¬٢)، فيكون هؤلاء المحرفون المبطلون أعظم منه علمًا، وأشد نصحًا، وأفصح لسانًا، وأحسن بيانًا وتعبيرًا عن الحق \"وهذا مما يَعْلَم بطلانه","footnotes":"(¬١) الصواعق (١/ ٣١٠ - ٣١١).\r(¬٢) انظر تقرير ذلك: في الصواعق المرسلة (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥) من كلام الشيخ عبد الله بن تيمية. وانظر أيضًا: (١/ ٣١٤ - ٣١٦) ففيه نقل ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية ما يلزم الصارف للنصوص عن ظاهرها من اللوازم الباطلة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211267,"book_id":118,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":51,"body":"بالضرورة أولياؤه وأعداؤه، وموافقوه ومخالفوه، فإن مخالفيه لم يشكوا في أنه أفصح الخلق، وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى، ويخلصه من اللبس والإشكال ... وقد وصف الله رسله بكمال النصح والبيان، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، وأخبر عن رسله بأنهم أنصح الناس لأممهم، فمع النصح والبيان والمعرفة التامة\" (¬١)، يمتنع غاية الامتناع أن يريدوا بكلامهم خلاف ظاهره وحقيقته، وعدم البيان.\rوقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة وكذا العقل على وجوب إجراء نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، وأنه هو الحق الذي يوافق مراد الله ومراد رسوله ﷺ:\rفمن أدلة الكتاب:\r- قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].\rفوصف الله تعالى كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير، وأنه هدىً ورحمة ونور، وهذا يقتضي أن يكون ظاهره مطابقًا لمراده، وإلَّا لم يكن كذلك.\r- وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢].\r\"وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي، إلَّا أن يمنع منه دليل شرعي\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) الصواعق المرسلة (١/ ٣٢٥) من كلام الشيخ عبد الله بن تيمية.\r(¬٢) القواعد المثلى للشيخ محمد العثيمين (٣٣)، وانظر: تقريب التدمرية له (٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211268,"book_id":118,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":52,"body":"- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩].\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فقد لعن كاتمه -يعني: العلم- وأخبر أنه بينه للناس في الكتاب، فكيف يكون قد بينه للناس وهو قد كتم الحق وأخفاه، وأظهر خلاف ما أبطن؟ فلو سكت عن بيان الحق كان كاتمًا، ومن نسب الأنبياء إلى الكذب والكتمان مع كونه يقول: إنهم أنبياء، فهو من أشر المنافقين وأخبثهم، وأبينهم تناقضًا\" (¬١).\r- وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].\rقال ابن القيم: \"تيسيره للذكر يتضمن أنواعًا من التيسير:\rإحداها: تيسير ألفاظه للحفظ.\rالثاني: تيسير معانيه للفهم.\rالثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.\rومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المُخَاطَبُ، لم يكن ميسرًا له، بل كان معسرًا عليه، فهكذا إذا أُريد من المُخَاطَبِ أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني، أو يدل على خلافه، فهذا من أشد التعسير، وهو منافٍ للتيسير\" (¬٢).\rومن أدلة السنة على أن الأصل في النصوص حملها على ظاهرها:\r- قوله ﷺ، كما في حديث العِرْبَاضِ بن سارية ﵁: (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلَّا هالك) (¬٣).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٦٥).\r(¬٢) الصواعق (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).\r(¬٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٦) ح (٤٣)، وأحمد (٢٨/ ٣٦٧) ح (١٧١٤٢)، والحاكم (١/ ١٧٦) ح (٣٣١)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٦) ح (٤٨)، وصححه الألباني في تخريجه للسنة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211269,"book_id":118,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":53,"body":"والبيضاء: الحجة الظاهرة القوية التي لا لبس فيها ولا اشتباه (¬١).\r- وقوله أيضًا ﵊، كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄: (قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون؟ ) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (أللهم اشهد، أللهم اشهد) ثلاث مرات (¬٢).\rفالرسول ﷺ قد أخبر أنه تركنا على المحجة البيضاء الواضحة البينة، التي لا لَبْسَ فيها ولا اشتباه، ظاهرها وباطنها سواء.\rوالصحابة رضوان الله عليهم قد شهدوا له بأنه قد بلَّغ وأدَّى ونصح، وهذا يعني: أن ظاهر كلامه مطابق لمراده، لأن هذا مقتضى البلاغ، وحسن الأداء، وكمال النصح.\r\"وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلَّا لاختلفت الآراء، وتفرقت الأمة\" (¬٣).\rوقد تواردت عبارات أهل العلم على بيان هذه القاعدة والتأكيد عليها، ومن ذلك:\rقول الشافعي ﵀: \"كل كلام كان عامًا ظاهرًا في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه، حتى يُعْلَمَ حديث ثابت عن رسول الله -بأبي هو وأمي- يدل على أنه إنما أُريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: لسان العرب (٧/ ١٢٤) مادة (بيض)، والمعجم الوسيط (١/ ٧٩).\r(¬٢) أخرجه مسلم (٨/ ٤٢٠) ح (١٢١٨).\r(¬٣) القواعد المثلى (٣٣).\r(¬٤) الرسالة (٣٤١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211270,"book_id":118,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":54,"body":"وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني (¬١) وهو يتحدث عن الصفات: \"الكلام في صفات الله ﷿، ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين: إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها (¬٢) (¬٣).\rوقال ابن تيمية: \"لم يكن أحد منهم -أي: الصحابة- يعتقد في خبره وأمره -يعني الرسول ﷺ- ما يناقض ظاهر ما بَيَّنَهُ لهم ودلهم عليه، وأرشدهم إليه، ولهذا لم يكن في الصحابة من تأول شيئًا من نصوصه على خلاف ما دل عليه، لا في ما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت\" (¬٤).\rوقال الذهبي عن نصوص الكتاب والسنة: \"المراد بظاهرها، أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له\" (¬٥).\rوأقوال أهل العلم في تقرير هذا المعنى كثيرة، وسيأتي ذكر شيء منها عند الحديث عن الصفات (¬٦).","footnotes":"(¬١) هو الحافظ الكبير شيخ الإسلام أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التيمي الأصبهاني الشافعي، الملقب بقوام السنة، كان إمامًا في التفسير والحديث واللغة والأدب، عارفًا بالمتون والأسانيد، وكان قدوة أهل السنة في زمانه، أُصمت في صفر سنة (٥٣٤ هـ) ثم فُلج بعد مدة، وتوفي ﵀ سنة (٥٣٥ هـ) له مصنفات منها: الترغيب والترهيب، وكتاب دلائل النبوة وغيرها. [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٧٧)، والسير (٢٠/ ٨٠)، والعبر (٢/ ٤٤٦)، وشذرات الذهب (٤/ ١٠٥)].\r(¬٢) أي: نفي العلم بالكيفية.\r(¬٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٥٢).\r(¬٥) العلو (٢٥٤).\r(¬٦) انظر: ص (١٠٤ - ١٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211271,"book_id":118,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":55,"body":"وأختم هذا المبحث بالتأكيد على أمرين هامين:\rالأول: أن المراد بظاهر (¬١) النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنىً في سياق، ومعنىً آخر في سياق آخر (¬٢).\rقال ابن القيم ﵀: \"السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير؟ \" (¬٣).\rولهذا فقد يُنْقَلُ عن أحد الأئمة ما ظاهره التأويل، وهو في الحقيقة ليس تأويلًا، لأنه نحى هذا المنحى لقرينة تدل عليه، أو لكون السياق يقتضيه، فيكون بهذا موافقًا لمراد الله تعالى أو مراد رسوله ﷺ، ولا يكون بذلك مخالفًا لمذهب السلف، ولا خارجًا عن قاعدة إجراء النصوص على ظاهرها، لأن المقصود هو فَهْمُ مراد المتكلم من كلامه -كما تقدم- فإذا فُهِمَ كان هذا هو ظاهر كلامه، ولم يكن تأويلًا، وإن صح تسميته تأويلًا، فهو تأويل صحيح لقيام الأدلة عليه، وموافقته النصوص الشرعية.","footnotes":"(¬١) الظاهر هنا غير الظاهر في اصطلاح الأصوليين، والذي يكون في مقابلة النص، وهو ما احتمل أمرين، وهو في أحدهما أظهر. [انظر: الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (١/ ٣٣ - ٣٤)، وروضة الناظر لابن قدامة (٢/ ٢٩ - ٣٠)، والقاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين للدكتور محمود حامد عثمان (٢٠٠)].\r(¬٢) انظر: القواعد المثلى (٣٦)، وتقريب التدمرية (٥٥) كلاهما للشيخ محمد العثيمين، ونقض الدارمي على المريسي (١/ ٣٤٤)، والتحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية للشيخ فالح آل مهدي (١٧٦).\r(¬٣) بدائع الفوائد (٤/ ٢٢٢)، وانظر: ص (١٨٤ - ١٨٧) من هذا البحث ففيها ذكر هذه القاعدة، مع توضيحها بالأمثلة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211272,"book_id":118,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":56,"body":"قال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص، وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك، وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول، وما خالفه فهو المردود\" (¬١).\rوالثاني: لمَّا حدث في عرف المتأخرين القول بنفي الظاهر عن كثير من نصوص الكتاب والسنة -خاصةً ما يتعلق منها بالصفات- صار لفظ (الظاهر) فيه إجمالًا واشتراكًا، فهو في لسان السلف -وهو ما تقدم بيانه- غيره في عرف المتأخرين، مما يقتضي التفصيل فيه.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فلفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين\" (¬٢).\rوقال أيضًا موضحًا ذلك فيما يتعلق بالصفات: \"لفظ (الظاهر) فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد.\rولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرًا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله ﷾ أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال.\rوالذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:\rتارةً يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.\rوتارةً يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) الصواعق المرسلة (١/ ١٨٧)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٥٦).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٧٥).\r(¬٣) التدمرية (٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211273,"book_id":118,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":57,"body":"وقال الذهبي: \"قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق والثاني باطل:\rفالحق أن يقول: إنه سميع بصير مريد متكلم حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأمثال ذلك، فنُمِرُّهُ على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك.\rوالظاهر الآخر، وهو الباطل والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل الباري بخلقه -تعالى الله عن ذلك- بل صفاته كذاته، فلا عِدْل له، ولا ضد له، ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته\" (¬١).\rوقال ابن أبي العز (¬٢): \"يجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه، فهو لقصور فَهْمِهِ، ونقص علمه\" (¬٣).\rوعلى هذا، فإن من قال: إن ظاهر النصوص غير مراد، فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنىً فاسدًا فقد أخطأ في فَهْمِهِ، وأصاب في قوله: (غير مراد) وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحًا، فقد أصاب في فهمه، وأخطأ في قوله: (غير مراد) (¬٤).","footnotes":"(¬١) سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٩).\r(¬٢) هو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي، الفقيه الماهر، درس وأفتى، وتولى القضاء بدمشق ثم بالديار المصرية ثم بدمشق، وامتحن بسبب اعتراضه على قصيدة لابن أيبك الدمشقي، توفي ﵀ سنة (٧٩٢ هـ) له مؤلفات منها: شرح العقيدة الطحاوية، وكتاب الاتباع [انظر: شذرات الذهب (٦/ ٣٢٦)، والأعلام (٤/ ٣١٣)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٤٨٠)].\r(¬٣) شرح العقيدة الطحاوية (٢٥٦).\r(¬٤) انظر: تقريب التدمرية (٥٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211274,"book_id":118,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":58,"body":"المبحث الرابع: العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه\rهذه قاعدة جليلة القدر، عظيمة النفع، عاصمة -بإذن الله- من الوقوع في الزلل والخطأ والغلط والتحريف، ولهذا فقد نص عليها السلف وعملوا بها وأكدوا على أهميتها، لا سيما في النصوص المشكلة أو المتشابهة (¬١).\rوسوف أتناول هذه القاعدة -أو هذا المبحث- من خلال الحديث عن عدة قضايا، وهي: معنى المحكم والمتشابه في اللغة وفي الاصطلاح، والعلاقة بين المشكل والمتشابه، وعمل السلف بهذه القاعدة، وبيان أن الوضوح والإشكال من الأمور النسبية، وهل صفات الله تعالى من المتشابه؟ وأخيرًا: أسباب استشكال النصوص أو الاشتباه فيها.\r\rفأولًا: معنى المحكم والمتشابه في اللغة وفي الاصطلاح:\rالمحكم في اللغة:\rقال ابن فارس: \"الحاء والكاف والميم: أصل واحد وهو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم، وسميت حَكَمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حَكَمْت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه\" (¬٢).\r\"والعرب تقول: حَكَمْتُ وأحْكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: منعت ورددت\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٨٦)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٩٥).\r(¬٢) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٩١)، وانظر: الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٤٥)، والمفردات للراغب (٢٤٨)، والمعجم الوسيط (١/ ١٩٠) كلها مادة (حكم).\r(¬٣) تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٦٩)، وانظر: لسان العرب (١٢/ ١٤١) مادة (حكم).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211275,"book_id":118,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":59,"body":"وأحكم الأمر: أتقنه، والحكيم: المتقن للأمور (¬١)، فيقال لمن يحسن الصناعات ويتقنها: حكيم (¬٢).\rوالذكر الحكيم: الحاكم لكم وعليكم، وهو المحكم الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب (¬٣).\rوعليه، فالإحكام في اللغة: هو الفصل بين الشيئين، فصلًا يمنع اختلاطهما وتداخلهما.\rوهو أيضًا: إتقان الشيء وإحسانه.\rوكل واحد من المعنيين يعضد الآخر (¬٤).\r\rوأما المتشابه في اللغة:\rفقد قال ابن فارس: \"الشين والياء والهاء، أصل واحد يدل على تشابه الشىء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال: شِبْه وشَبَه وشبيه ... والمُشَبِّهات من الأمور: المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا\" (¬٥).\r\"والشُّبْهَةُ: الالتباس، وأمور مشتبهة ومشَبِّهَةٌ: مشكلة يشبه بعضها بعضًا\" (¬٦).\r\"والشِّبْهُ والشَّبَهُ والشبيه: المثل، والجمع: أشباه، وأشبه الشيءُ الشيء: ماثله\" (¬٧).","footnotes":"(¬١) انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤٣)، والصحاح (٤/ ١٥٤٤)، والقاموس المحيط (١٤١٥)، والمعجم الوسيط (١/ ١٩٠) كلها مادة (حكم).\r(¬٢) انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤٠) مادة (حكم).\r(¬٣) انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤١) مادة (حكم).\r(¬٤) انظر: التدمرية (١٠٢)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٧٢).\r(¬٥) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٤٣)، وانظر: تهذيب اللغة (٦/ ٥٩)، ولسان العرب (١٣/ ٥٠٣) كلها مادة (شبه).\r(¬٦) لسان العرب (١٣/ ٥٠٤) مادة (شبه).\r(¬٧) لسان العرب (١٣/ ٥٠٣) مادة (شبه).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211276,"book_id":118,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":60,"body":"وعليه، فالمتشابه في اللغة هو: مشابهة الشيء لغيره، وهو يكون لقدر مشترك بينهما، مع وجود الفاصل بينهما، وهو القدر المميِّز (¬١).\rوهو أيضًا: المشكل والملتبس، وقد يكون الإشكال والالتباس لأجل المشابهة.\rوأما المحكم والمتشابه في الاصطلاح: فهو يختلف باختلاف إطلاقاته، فهناك المحكم والمتشابه العام، وهناك المحكم والمتشابه الخاص (¬٢)، وذلك باعتبار ورود هذين اللفظين في كتاب الله تعالى:\rفحيث ورد وصف القرآن كله بأنه محكم، كما في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]، فالمراد به أنه متقن غاية الإتقان في أحكامه وألفاظه ومعانيه، فلا اختلاف فيه ولا اضطراب، من إحكام الشيء وهو إتقانه، \"فإحكام الكلام: إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغَيِّ في أوامره\" (¬٣)، وهذا ما يعرف بالإحكام العام.\rوحيث ورد وصف القرآن بأنه كله متشابه، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فالمراد به ما هو ضد الاختلاف المنفي في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وهو ما يعرف بالتشابه العام، ومعناه: \"تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضًا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخ.\rوكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته ...","footnotes":"(¬١) انظر: التدمرية (٩٧، ١٠٥).\r(¬٢) انظر: الصواعق المرسلة (٢/ ٢١٢).\r(¬٣) التدمرية (١٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211277,"book_id":118,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":61,"body":"وهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا يناقض بعضه بعضًا، بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص\" (¬١).\rوأما الإحكام الخاص والتشابه الخاص، فهو الوارد في آية آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].\rفالمحكم بمعناه الخاص هو: ما كان معناه واضحًا جليًا لا خفاء فيه.\rوأما المتشابه بمعناه الخاص فهو: ما لم يتضح معناه، لدقته وغموضه، بحيث يُحتاج في فهم المراد منه إلى تفكر وتأمل، وعلى هذا فهو نسبي إضافي بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) التدمرية (١٠٤ - ١٠٥)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ١٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٥٢١).\r(¬٢) انظر: التدمرية (١٠٥)، ومجموع الفتاوى (١٣/ ١٤٣ - ١٤٤)، و (١٧/ ٣٨٥)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٠ - ١١)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٥١٧)، والمفردات للراغب الأصفهاني (٢٥١، ٤٤٣)، وفتح الباري (٨/ ٢١٠ - ٢١١)، وفتح القدير (١/ ٣١٤)، وشرح الشيخ ابن عثيمين على لمعة الاعتقاد (٨٥)، وأنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار (١٠٨).\r(¬٣) وهذا بناءً على قراءة الوصل في آية آل عمران، وعدم الوقف على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فيكون الراسخون في العلم ممن يعلم تأويله، وهو ما ذهب إليه بعض السلف وكثير من المفسرين والأصوليين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يكون معنى التأويل في الآية: التفسير، ولا يَرِدُ على هذا القول أن الله ذم المتبعين للمتشابه، لأن الذم متوجه لمن اتبعه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، كما هو صريح الآية، أما من كان قصده الاسترشاد والاستفهام لإزالة ما عرض له من الشبهة، فهذا غير مذموم، وقد كان الصحابة ﵃ إذا عرض لأحدهم شبهة أو إشكال في آية أو حديث سأل عنه. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211278,"book_id":118,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":62,"body":"والمحكم والمتشابه بمعناهما الخاص هما المقصودان في هذا المبحث.\r\rثانيًا: علاقة المشكل بالمتشابه:\rثمة علاقة بين المشكل والمتشابه الخاص النسبي، يتضح ذلك من خلال النظر في تعريف كل منهما، وبيان ذلك كما يلي:\rأولًا: من حيث التعريف اللغوي: حيث جاء في التعريف اللغوي للمشكل أن المراد به: المماثل والمشتبه والملتبس (¬١).\rوجاء في التعريف اللغوي للمتشابه أن المراد به: المماثل والمشكل والملتبس.\rوقد أوضح ذلك ابن قتيبة ﵀ حيث قال: \"ومثل المتشابه: (المشكل) وسمي مشكلًا لأنه أشكل، أي: دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله.\rثم قد يقال لما غَمُض -وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة-: مشكلًا\" (¬٢).","footnotes":"= وأما على قراءة الوقف على لفظ الجلالة، وهو مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن معنى التأويل الوارد في الآية: حقيقة الشيء التي يؤول إليها، وهو ما استأثر الله بعلمه، كوقت الساعة ومجيء أشراطها، وكيفية نفسه وصفاته، وحقيقة ما في الجنة والنار ... وبناءً عليه يكون المراد بالمتشابه في الآية: المتشابه الكلي الحقيقي، وهو ما نفهم معناه ولا ندرك حقيقته وكيفيته. [انظر: التدمرية (٩٠ - ٩٨)، ومجموع الفتاوى (١٣/ ١٤٣ - ١٤٤، ٣١١)، و (١٧/ ٣٨٣ - ٣٨٦، ٣٩٣)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٥٢٠ - ٥٢١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٥٩)، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ٦٤٢)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٨٠ - ٤٨٤)].\r(¬١) انظر: ص (٢٥ - ٢٦) من هذا البحث.\r(¬٢) تأويل مشكل القرآن (١٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211279,"book_id":118,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":63,"body":"وقال: \"أصل التشابه: أن يشبه اللفظُ اللفظَ في الظاهر والمعنيان مختلفان ...\rثم قد يقال لكل ما غَمُض ودقَّ: متشابه، وإن لم تقع الحَيرة فيه من جهة الشبه بغيره\" (¬١).\rثانيًا: من حيث التعريف الاصطلاحي: حيث إننا نجد أن المشكل يرادف المتشابه الخاص، الذي يقابل المحكم الخاص، وهو ما يخفى على بعض دون بعض، فمن خفي عليه المعنى المراد فهو متشابه ومشكل عنده، ومن علم المراد منه زال عنه الإشكال، وانتفى عنه التشابه، وصار محكمًا عنده (¬٢).\r\rثالثًا: عمل السلف بهذه القاعدة:\rإن الواجب على كل مسلم تجاه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة أن يؤمن بها كلها، محكمها ومتشابهها، ويعمل بما استبان له منها، ويكل ما اشتبه عليه إلى الله تعالى، وهو ما نص عليه كثير من السلف، كابن عباس (¬٣) وعائشة (¬٤) والحسن (¬٥) وقتادة والضحاك (¬٦) ............................................","footnotes":"(¬١) تأويل مشكل القرآن (١٠١ - ١٠٢)\r(¬٢) انظر: أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار (٩٥، ١٠٨).\r(¬٣) انظر: جامع البيان للطبري (٣/ ١٨٦)، والإتقان للسيوطي (٢/ ٦٤٤).\r(¬٤) انظر: الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦٤٤).\r(¬٥) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، كان من سادات التابعين وكبرائهم، جمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادةِ، وكان أبوه مولى زيد بن ثابت ﵁، نشأ بالمدينة، وحفظ القرآن في خلافة عثمان، وسمعه يخطب مرات، وروى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وجمع من الصحابة ﵃ توفي ﵀ سنة (١١٠ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٥٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٧١)، والسير (٤/ ٥٦٣)، وشذرات الذهب (١/ ١٣٦)].\r(¬٦) انظر: جامع البيان (٣/ ١٨٦)، والضحاك هو: ابن مزاحم الهلالي الخراساني =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211280,"book_id":118,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":64,"body":"وغيرهم (¬١).\rقال الحسن عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، \"يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه\" (¬٢).\rوقال قتادة في آية آل عمران: \"آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه\" (¬٣).\rوقال ابن تيمية: \"ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه\" (¬٤).\rومن طريقة السلف أيضًا: أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه.\rقال ابن القيم بعد أن ذكر أن من طريقة المخالفين للسلف: أنهم يتمسكون بالمتشابه في رد المحكم: \"وأما طريقة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، كالشافعي والإمام أحمد (¬٥)،","footnotes":"= أبو محمد، وقيل: أبو القاسم، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم، حدث عن ابن عباس وابن عمر وأنس وطائفة من الصحابة ﵃، وليس بالمجوِّد لحديثه، وهو صدوق في نفسه، وثقه الإمام أحمد وغيره، وكان يؤدب الأطفال، ورد أنه كان فقيه مكتبٍ عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارًا ويدور عليهم إذا عيي، توفي ﵀ سنة (١٠٢ هـ). [انظر: السير (٤/ ٥٩٨)، والعبر (١/ ٩٤)، وشذرات الذهب (١/ ١٢٤)، والأعلام (٣/ ٢١٥)].\r(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٨٦).\r(¬٢) جامع البيان (١/ ٥٦٨).\r(¬٣) جامع البيان (٣/ ١٨٦).\r(¬٤) التدمرية (٩٦).\r(¬٥) هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي، إمام المحدثين وناصر الدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة، قدمت أمه بغداد وهي حامل به فولدته، ونشأ بها، وطلب العلم وسمع من شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة فكتب عن =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211281,"book_id":118,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":65,"body":"ومالك (¬١) وأبي حنيفة (¬٢)، وأبي يوسف (¬٣) والبخاري وإسحاق (¬٤) فعكس هذه","footnotes":"= علمائها، كان إمامًا في الحديث وضروبه، إمامًا في الفقه ودقائقه، إمامًا في السنة وطرائقها، إمامًا في الورع وغوامضه، إمامًا في الزهد وحقائقه، قاله الذهبي، توفي ﵀ سنة (٢٤١ هـ) له مؤلفات منها: السنة، والرد على الجهمية. [انظر: تاريخ بغداد (٥/ ١٧٨)، ووفيات الأعيان (١/ ٨٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٣١)، والعبر (١/ ٣٤٢)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٤)].\r(¬١) هو شيخ الإسلام وإمام دار الهجرة وحجة الأمة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث، طلب العلم وهو حدث فأخذ عن نافع وسعيد المقبري وابن المنكدر والزهري وغيرهم كثير، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وقصده طلبة العلم من الآفاق وازدحموا عليه في خلافة الرشيد وإلى أن مات سنة (١٧٩ هـ)، وله مؤلفات ورسائل من أهمها: كتاب الموطأ. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٧)، والسير (٨/ ٤٨)، وشذرات الذهب (١/ ٢٨٨)].\r(¬٢) هو النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي مولاهم الكوفي، إمام أصحاب أهل الرأي، وفقيه أهل العراق، أحد الأئمة الأربعة المشهورين، كان إمامًا ورعًا عالمًا عاملًا متعبدًا كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتَّجر ويتكسب، أُريد على القضاء فأبى فضُرب لذلك، توفي ﵀ ببغداد مسجونًا -لتمنعه على القضاء- سنة (١٥٠ هـ) على الأصح. [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٣٢٥)، ووفيات الأعيان (٤/ ٥٧٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٨)، والعبر (١/ ١٦٤)، وشذرات الذهب (١/ ٢٢٧)].\r(¬٣) هو الإمام المجتهد العلامة المحدث فقيه العراقيين، القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة، حيث لازمه وتفقه عليه، وهو أنبل تلامذته وأعلمهم، حدث عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، سكن بغداد، وولي القضاء، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة في الإسلام، توفي ﵀ سنة ثنتين وثمانين ومائة (١٨٢ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٥)، ووفيات الأعيان (٥/ ٣٢٤)، والسير (٨/ ٥٣٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢)، والعبر (١/ ٢١٩)].\r(¬٤) هو إسحاق بن إبراهيم بن مَخلَد بن إبراهيم أبو يعقوب الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، كان أحد أئمة المسلمين وعَلَمًا من أعلام الدين، اجتمع =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211282,"book_id":118,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":66,"body":"الطريق، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه، ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتُوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره\" (¬١)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\rوقال ابن كثير: \"فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكَّم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس\" (¬٢).\r\rرابعًا: الوضوح والإشكال في النصوص من الأمور النسبية:\rوصف الله تعالى القرآن بأنه نور مبين، وبيان للناس وفرقان، وأنه تبيان لكل شيء وهدىً ورحمةً، وشفاءً لما في الصدور، كما وصف نبيه ﷺ بأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وأنه رحمةً للعالمين، وحجةً على الخلق أجمعين، وهذا يقتضي أن لا يكون في النصوص ما هو مشكل من حيث الواقع، بحيث لا يمكن لأحد من الأمة معرفة معناه، وإنما الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي، يختلف به الناس بحسب ما عندهم من العلم والفهم، فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك","footnotes":"= له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، رحل إلى العراق والحجاز واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح ومن في طبقتهما، وروى عنه البخاري ومسلم، عاد في آخر حياته إلى خراسان فاستوطن نيسابور وبها توفي سنة (٢٣٨ هـ) وقيل: غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٣٤٣)، ووفيات الأعيان (١/ ٢٠٥)، والسير (١١/ ٣٥٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٧٨)، وشذرات الذهب (٢/ ٨٩)].\r(¬١) أعلام الموقعين (٢/ ٢٩٤)، وانظر: جامع البيان (٣/ ١٨٦)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٠)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\r(¬٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٥١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211283,"book_id":118,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":67,"body":"عند آخر، بل يكون عنده واضحًا جليًا (¬١)، وأما أن يكون في النصوص الشرعية ما لا يمكن لأحد من الأمة معرفة معناه فهذا غير موجود، حتى ما لا ندرك حقيقته وكيفيته فإننا نعرف معناه، ونفهم المراد بلفظه، كصفات الله تعالى وحقيقة ما في البرزخ والجنة والنار.\rقال النووي: \"يَبْعُدُ أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته\" (¬٢).\rوقال ابن تيمية: \"والمقصود هنا: أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له، ولا يجوز أن يكون الرسول ﷺ وجميع الأمة لا يعلمون معناه، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ ... فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره، وهذا مما يجب القطع به\" (¬٣).\rوقال: \"ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال: هذه من المتشابه الذي لا يُعلم معناه، ولا قال قَطُّ أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله ﷺ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه\" (¬٤).\rوقال أيضًا: \"وبالجملة: فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها الرسول ولا غيره، نعم، قد","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٧)، وشرح الشيخ ابن عثيمين على لمعة الاعتقاد (٣٣).\r(¬٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٥٩).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٠).\r(¬٤) المرجع السابق (١٣/ ٢٨٥)، وانظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (٩٨، ١٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211284,"book_id":118,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":68,"body":"يشكل في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا\" (¬١).\r\rخامسًا: هل صفات الله تعالى من قبيل المتشابه (¬٢)؟\rتقدم بيان أن المتشابه منه ما هو كلي حقيقي، لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو ما استأثر الله بعلمه من حقائق الأشياء وكيفياتها، ومنه ما هو نسبي إضافي، يشتبه على بعض الناس دون بعض، ولأجل هذا فإنه لا يصح إطلاق القول: بأن صفات الله تعالى من المتشابه، بل لا بد من التفصيل في ذلك، فإن صفات الله تعالى لها اعتباران:\rالأول: من جهة معناها: وهي بهذا الاعتبار معلومة لنا، وتقدم -قريبًا- بيان أنه لا يوجد شيء من نصوص الشرع لا يعلم معناه أحد من الناس، لأنها حينئذٍ تكون بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، وهذا ما يُنزه عنه كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.\rوعليه فإن نصوص الصفات بهذا الاعتبار ليست من المتشابه الكلي الحقيقي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وجعلها منه قول باطل، لا يُعرف عن أحد من سلف الأمة ولا من أئمتها المتبوعين.\rنعم، قد يكون منها ما قد يشتبه على بعض الناس دون بعض، وهذا من التشابه النسبي الذي سرعان ما يزول بِرَدِّه إلى المحكم، أو إلى أهل العلم الراسخين فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].","footnotes":"(¬١) المرجع السابق (١٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، وانظر: (١٧/ ٣٩٥ - ٤٠٠)، و (١٣/ ٣٠٦).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٧٢ - ٣٧٩)، و (١٣/ ١٤٤، ٢٩٤ - ٣١٣)، والتدمرية (٨٩)، وما بعدها، والصواعق المرسلة (١/ ٢١٣)، ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي (٣٢)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٨٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211285,"book_id":118,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":69,"body":"وأما الاعتبار الثاني: فهو من جهة كيفيتها وحقيقة ما هي عليه: فهي بهذا الاعتبار غير معلومة لنا، لأنه مما استأثر الله بعلمه، كما هو الحال بالنسبة لوقت الساعة، وحقيقة ما في البرزخ والجنة والنار، وسائر أمور الغيب.\rفصفات الله تعالى من هذا الوجه يصح أن يُقال عنها: إنها من المتشابه، والمراد به: التشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.\rوعلى هذا، فصفات الله تعالى معلومة لنا من وجه، ومجهولة لنا من وجه آخر، فالمعنى معلوم، والكيف مجهول، يوضح ذلك قوله ﷺ، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ ) قالوا: نعم، قال: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم) (¬١).\rوقوله ﷺ، كما في حديث أبي هريرة أيضًا: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، متفق عليه (¬٢).\rومن هنا نعلم خطأ من أطلق القول بأن صفات الله تعالى من المتشابه، ولم يفرق بين المعنى والكيف، كما فعل ابن قدامة (¬٣)","footnotes":"(¬١) متفق عليه: البخاري (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣)، ومسلم (٣/ ٢١) ح (١٨٢).\r(¬٢) البخاري (٣/ ١١٨٥) ح (٣٠٧٢)، ومسلم (١٧/ ١٧١) ح (٢٨٢٤).\r(¬٣) انظر: روضة الناظر (١/ ١٨٦)، واللمعة وشروحها. وابن قدامة هو: العلامة الفقيه الحنبلي، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، كانت أوقاته مستغرقة في العلم والعمل، وكان إليه المنتهى في معرفة المذهب الحنبلي وأصوله، وكان مع تبحره في العلوم صاحب ورع وزهد وهيبة ووقار، وعقيدة صحيحة، توفي رحمه سنة (٦٢٠ هـ) له عدة مصنفات منها المغني والكافي والمقنع وغيرها. [انظر: العبر (٣/ ١٨٠)، وشذرات الذهب (٥/ ٨٨)، والدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد لعبد الله بن حميد (٣٢)، ومختصر طبقات الحنابلة لابن شطي (٥٢)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211286,"book_id":118,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":70,"body":"والسيوطي (¬١) وغيرهما.\rومثله من جعل نصوص الصفات من المتشابه باعتبار أن إجراءها على ظاهرها اللائق بالله تعالى يقتضي التشبيه والتمثيل، فذهب لأجل هذا إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها المراد منها، كما فعل ابن اللبان (¬٢) في كتابه: (إزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات) (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: الإتقان في علوم القرآن (١/ ٦٤٩).\r(¬٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الإسعردي ابن اللبان الشافعي، كان عارفًا بالفقه والعربية، أديبًا شاعرًا، لكنه من المغالين في التأويل، المائلين إلى القول: بوحدة الوجود، له كلام في التصوف على طريقة الشاذلية، وله مؤلفات منها: ترتيب الأم للشافعي، وألفية في النحو، وإزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات، توفي بمصر بمرض الطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٧٤٩). [انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٣٣٠)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣٥٩)، وشذرات الذهب (٦/ ١٦٣)، وذيل تذكرة الحفاظ (١٢١)، والأعلام (٥/ ٣٢٧)].\r(¬٣) ظاهر هذا الكتاب: تأويل الآيات والأحاديث على منهج الأشاعرة، وفي حقيقته إشارات وتلميحات إلى بعض معتقدات غلاة الصوفية، كالقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ولهذا قال ابن حجر عن هذا الكتاب، كما في الدرر الكامنه (٣/ ٣٣١): \"فيه إشارات أهل الوحدة، وهو في غاية الحلاوة لفظًا، وفي المعنى سم ناقع\".\rوقد طبع أخيرًا بتحقيق الدكتور فريد مصطفى سلمان، وقد خدم الكتاب خدمة طيبة من حيث إخراج النص، وتخريج أحاديثه، وشرح غريبه، كما قدم له بمقدمة مختصرة، بيَّن فيها منهج المؤلف في كتابه، ثم أعقبه ببيان منهج السلف في أسماء الله وصفاته.\rلكن مما يحسن التنبيه عليه: أن المحقق وفقه الله ترك كثيرًا من تحريفات ابن اللبان دون رد أو تعليق، مكتفيًا بما ذكره في مقدمة الكتاب من عرض مختصر لعقيدة السلف في الأسماء والصفات، حيث يقول ص (٧٩): \"منهج السلف في آيات الصفات معروف، وقد بينت هذا المنهج الأساسي في الدراسة ليتم عرض هذه الشبهات على تلك القواعد الأساسية\".\rولا يخفى ما في هذه الطريقة من حصول اللبس والإيهام، إذ ليس كل من قرأ =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211287,"book_id":118,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":71,"body":"سادسًا: أسباب استشكال النصوص، أو الاشتباه فيها:\rلا ريب أن استشكال النصوص له أسباب متعددة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية جملة منها فقال: \"قد يكون في القرآن آيات لا يعلم معناها كثير من العلماء، فضلًا عن غيرهم، وليس ذلك في آية معينة، بل قد يشكل على هذا ما يعرفه هذا، وذلك تارة يكون لغرابة اللفظ، وتارة لاشتباه المعنى بغيره، وتارة لشبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق، وتارة لعدم التدبر التام، وتارة لغير ذلك من الأسباب\" (¬١).\rوهذا الذي ذكره شيخ الإسلام يمكن إرجاعه إلى سبب واحد، وهو: الغلط في الفهم، وثمة سبب آخر بالغ الأهمية، وهو: ضعف الرواية، وذلك عندما يكون النص حديثًا مرويًا عن النبي ﷺ، ولعل شيخ الإسلام لم يذكره لأنه في معرض الحديث عن القرآن، وهذا السبب غير وارد فيه، كما هو معلوم.\rوعلى هذا، فاستشكال النصوص راجع إلى أمرين أساسيين:\rأحدهما: الغلط في الفهم. والثاني: ضعف النص.\rولهذا قال ابن القيم في نونيته:\r\"فإذا تعارض نص لفظ وارد ... والعقل حتى ليس يلتقيان\rفالعقل إما فاسد ويظنه ... الرائي صحيحًا وهو ذو بطلان","footnotes":"= الكتاب أو نظر فيه سيرجع إلى المقدمة، فقد يتوهم متوهم أن ما فيه هو معتقد السلف، فاقتضى الأمر -إن كان لا بد من تحقيق الكتاب وطبعه- أن يُعلق على كل خطأ أو تحريف في مكانه الذي ورد فيه. وعلى كل حال فالكتاب لا يحسن نشره لما فيه من التضليل والتجهيل، وتحقيقه بهذا الشكل غير كافٍ في رد ما فيه من الباطل، لا سيما وأن الكتاب -كما قال المحقق ص (٧٨) -: \"يكاد يكون الكتاب الأول في بيان منهج الصوفية وموقفهم من الأسماء والصفات\"، وقال أيضًا ص (٧٩): إنه \"يحتاج إلى كتب في الردود على ما أثاره من قضايا\".\r(¬١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211288,"book_id":118,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":72,"body":"أو أن ذاك النص ليس بثابت ... ما قاله المعصوم بالبرهان\" (¬١)\rوقال أيضًا: \"وما يُؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية، متى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق\" (¬٢).\rفالسبب الأول: الغلط في الفهم: وهو سبب ظاهر في استشكال كثير من النصوص، والناس متفاوتون فيه تفاوتًا عظيمًا.\rقال ابن تيمية: \"قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم، لعجز فهمهم عن معانيها\" (¬٣).\rوقال الشاطبي (¬٤): \"لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم\" (¬٥).\rوقال أيضًا: \"لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جارٍ على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أدَّاه بادي الرأي إلى ظاهر اختلاف، فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف، لأن الله تعالى قد شهد له أن لا اختلاف فيه ... \" (¬٦).","footnotes":"(¬١) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية -المشهورة بنونية ابن القيم- شرح ابن عيسى (٢/ ٩٥).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٦٧)، وانظر: زاد المعاد (٤/ ١٤٩) وأعلام الموقعين (٢/ ٣)، ودرء التعارض لابن تيمية (١/ ١٤٧).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٧).\r(¬٤) هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، أصولي حافظ من أهل غرناطة، كان من أئمة المالكية، توفي ﵀ سنة (٧٩٠ هـ) له مصنفات عديدة منها: الموافقات، وكتاب الاعتصام. [انظر: الأعلام (١/ ٧٥)، ومعجم المؤلفين (١/ ٧٧)].\r(¬٥) الموافقات في أصول الشريعة (٤/ ٢١٧)، وانظر: (٤/ ٩٣).\r(¬٦) الاعتصام (٣/ ٣٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211289,"book_id":118,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":73,"body":"وقال المعلمي (¬١): \"اعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهامهم وآراؤهم، ولا سيما فيما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية، لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس، وقد أُلفت في ذلك كتب، وكذلك استشكل كثير من الناس كثيرًا من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ، منها ما هو من رواية كبار الصحابة أو عدد منهم ... وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يعني بطلانه\" (¬٢).\rوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -فيما تقدم (¬٣) - بعض الأسباب المؤدية إلى الغلط في الفهم، ويمكن إجمالها بما يلي:\r١ - غرابة اللفظ.\r٢ - اشتباه المعنى بغيره.\r٣ - وجود شبهة في نفس الإنسان تمنعه من معرفة الحق ..\r٤ - عدم التدبر التام.\rوزوال الإشكال الناتج عن هذا السبب يكون بتدبر النصوص، وإدامة النظر والتأمل فيها، وهو ما أمر الله تعالى به حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]،","footnotes":"(¬١) هو عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي، علَّامة فقيه، نسبته إلى (بني المعلم) من بلاد عُتمة باليمن، ولد ونشأ في عتمة، وتردد إلى بلاد الحُجَرية (وراء تعز)، وتعلم بها، وسافر إلى جيزان وتولى رئاسة القضاء فيها، ثم سافر إلى الهند وعمل في دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد مصححًا كتب الحديث والتاريخ، ثم عاد إلى مكة فعُيِّن أمينًا لمكتبة الحرم المكي سنة (١٣٧٢ هـ)، ولم يزل كذلك حتى توفي ﵀ سنة (١٣٨٦ هـ) له مؤلفات منها: التنكيل، والأنوار الكاشفة. [انظر: الأعلام (٣/ ٣٤٢)، ومعجم المؤلفين (٢/ ١٢٦)].\r(¬٢) الأنوار الكاشفة (٢٢٣).\r(¬٣) انظر: ص (٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211290,"book_id":118,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":74,"body":"فإن ظهر له المعنى وزال عنه الإشكال، وإلا رجع إلى أهل الذكر الذين يعلمونه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].\rوأعظم معين على إزالة الإشكال ودفع الاشتباه: اللجوء إلى الله تعالى بدوام الاستغفار، وكثرة الابتهال، والإلحاح في الدعاء بأن يورثه علم ما أشكل عليه، فإن الله تعالى إذا علم من عبده صدق اللجوء، وحسن النية، وصواب الطريقة، أعانه ووفقه وسدده وهداه، ودفع عنه ما أشكل عليه.\rقال ابن تيمية: \"إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تشكل علي، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل\" (¬١).\rومما يشار إليه هنا أن هذا السبب هو الذي أوقع كثيرًا من أهل البدع في استشكال كثير من النصوص، حيث ابتدعوا معتقدات باطلة، وجعلوها هي الأصل الذي يجب اعتقاده والبناء عليه، ثم نظروا في الكتاب والسنة، فما أمكنهم تأويله أوَّلوه، وإلا قالوا: هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أُريد بها، فجعلوا بدعهم أصلًا محكمًا، وما جاء به الرسول ﷺ فرعًا ومشكلًا إذا لم يوافقه.\rوالواجب أن يجعل ما أنزله الله من الكتاب والحكمة أصلًا في جميع الأمور، وإليه يرد ما استشكل من ذلك (¬٢).\rقال ابن تيمية مبينًا تخبط أهل البدع وتناقضهم في استشكال النصوص: \"ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر مشكلًا:","footnotes":"(¬١) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، لابن عبد الهادي (٦).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211291,"book_id":118,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":75,"body":"فمنكر الصفات الخبرية ... يقول: نصوصها مشكلة متشابهة ... وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية: نصوص هذه مشكلة.\rومنكر الصفات مطلقًا يجعل ما يثبتها مشكلًا دون ما يثبت أسماءه الحسنى.\rومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها مشكلة.\rومنكر معاد الأبدان وما وُصفت به الجنة والنار يجعل ذلك مشكلًا أيضًا.\rومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء وما شاء كان، مشكلًا ... \" (¬١).\rوأما السبب الثاني فهو: ضعف النص، فكثيرًا ما يستشكل الناس حديثًا مرويًا عن النبي ﷺ؛ لمخالفته لصحيح المنقول أو صريح المعقول مخالفة ظاهرة، لا يمكن القول معها بمفهومه ودلالته، وعند تأمل درجته والنظر في سنده نجد أنه لا يصح عن النبي ﷺ، وببيان ضعفه يزول إشكاله.\rقال ابن تيمية: \"لا يُعْلَمُ حديثٌ واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع\" (¬٢).\rومما يحسن التنبيه عليه أن اتهام الفهم عند استشكال النص يجب أن يكون مقدمًا على اتهام النص نفسه وتضعيفه -ما لم يكن ضعفه بَيِّنًا- فلا يسوغ الاستعجال في رد النصوص وتوهينها لمجرد استشكالها، فكثيرًا ما يؤتى المرء من قبل رأيه وفهمه واجتهاده.\rقال المعلمي: \"وبالجملة: لا نزاع أن النبي ﷺ لا يخبر عن ربه وغيبه بباطل، فإن رُوي عنه خبر تقوم الحجة على بطلانه فالخلل من الرواية، لكن","footnotes":"(¬١) درء التعارض (١/ ١٦ - ١٧).\r(¬٢) درء التعارض (١/ ١٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211292,"book_id":118,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":76,"body":"الشأن كل الشأن في الحكم بالبطلان، فقد كثر اختلاف الآراء والأهواء والنظريات، وكثر غلطها، ومن تدبرها وتدبر الرواية وأمعن فيها، وهو ممن رزقه الله تعالى الإخلاص للحق والتثبت، علم أن احتمال خطأ الرواية التي يثبتها المحققون من أئمة الحديث أقل جدًا من احتمال خطأ الرأي والنظر، فعلى المؤمن إذا أشكل عليه حديث قد صححه الأئمة، ولم تطاوعه نفسه على حمل الخطأ على رأيه ونظره أن يعلم إن لم يكن الخلل في رأيه ونظره وفهمه فهو في الرواية، وليفزع إلى من يثق بدينه وعلمه وتقواه، مع الابتهال إلى الله ﷿ فإنه ولي التوفيق\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"الاستشكال لا يستلزم البطلان، بدليل استشكال كثير من الناس كثيرًا من آيات القرآن ... والخلل في ظن البطلان أكثر جدًا من الخلل في الأحاديث التي يصححها الأئمة المثبتون\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) الأنوار الكاشفة (٢٣٦ - ٢٣٧).\r(¬٢) المرجع نفسه (٢٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211293,"book_id":118,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":77,"body":"المبحث الخامس: ترجمة موجزة للبخاري ومسلم عليهما رحمة الله\rأولًا: الإمام البخاري رحمه الله تعالى:\rهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه (¬١) الجعفي البخاري.\r- كانت ولادته رحمه الله تعالى يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة.\r- ونشأ يتيمًا حيث توفي والده وهو صغير فنشأ في حجر أمه، فأحسنت تربيته وتنشئته حتى غدا مولعًا بالعلم وأهله، فأصبح يتنقل بين حلقات العلم والمحدثين وهو في سنٍّ مبكرة (¬٢).\rيقول ﵀: \"أُلهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب\"، قيل: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: \"عشر سنين أو أقل\" (¬٣)، ثم خرج منها وبدأ يختلف إلى علماء عصره وأئمة بلده، يأخذ عنهم ويراجعهم ويناقشهم، ثم خرج من بلده طلبًا للعلم والحديث حتى أصبح إمامًا في العلم ورأسًا في الحديث، يقصده طلاب العلم ومريدوه من كل حدب وصوب.","footnotes":"(¬١) هكذا ضبطها ابن حجر في تغليق التعليق (٥/ ٣٨٤): (بفتح الباء الموحدة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة).\r(¬٢) انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٥ - ٦)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩١ - ٣٩٢)، وهدي الساري (٤٧٧).\r(¬٣) تاريخ بغداد (٢/ ٧)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٣٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211294,"book_id":118,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":78,"body":"وكانت أول رحلة قام بها البخاري هي رحلته إلى مكة للحج، وهو في سن السادسة عشرة من عمره تقريبًا.\rقال ابن حجر (¬١): \"فكان أول رحلته على هذا سنة عشر ومائتين، ولو رحل أول ما طلب لأدرك ما أدركته أقرانه من طبقة عالية\" (¬٢).\rوقد أكثر البخاري رحمه الله تعالى بعد ذلك من الرحلة إلى سائر الأمصار في طلب العلم والحديث.\rحدَّث البخاري عن نفسه فقال: \"لقيت أكثر من ألف رجل: أهل الحجاز والعراق والشام ومصر لقيتهم كرَّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان\" (¬٣).\rوقد رُزق البخاري رحمه الله تعالى حافظة قوية، وذكاءً حادًا، وذهنًا متوقدًا، واطلاعًا واسعًا.\rرُوي عنه أنه قال: \"أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي","footnotes":"(¬١) هو العلامة الحافظ أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر، من أئمة العلم والتاريخ، أصله من عسقلان بفلسطين، ومولده ونشأته ووفاته بمصر، ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلت له شهرة، فقصده الناس للأخذ عنه، وأصبح حافظ الإسلام في عصره، ولي قضاء مصر مرات، توفي ﵀ سنة (٨٥٢ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وكتاب تهذيب التهذيب، وكتاب تغليق التعليق وغيرها. [انظر: الضوء اللامع (٢/ ٣٦)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٠)، والبدر الطالع (١/ ٨٧)، والأعلام (١/ ١٧٨)].\r(¬٢) هدي الساري (٤٧٨).\r(¬٣) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٠٧)، وانظر: تاريخ بغداد (٢/ ٥)، وهدي الساري (٤٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211295,"book_id":118,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":79,"body":"ألف حديث غير صحيح (¬١) \" (¬٢).\rوليس أدل على قوة حافظة البخاري وتوّقد ذهنه من تلك الحادثة التي حدثت له ببغداد، وذلك أنه لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، فجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة رجال، كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك إلى البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدًا بعد الآخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم.\rثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا تلو الآخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه.","footnotes":"(¬١) تاريخ بغداد (٢/ ٢٥)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٦١).\r(¬٢) ليس المراد بهذه الألوف الكثيرة أنها كلها أحاديث متغايرة كما يظن البعض -فيُشكل عليه تصديق ذلك- وإنما هي طرق متعددة للأحاديث، وقد يُروى الحديث الواحد بعشرات الأسانيد فتعتبر هذه الأسانيد بمثابة الأحاديث وما هي في الواقع إلا طرقًا لحديث واحد، وأيضًا فإنه يدخل في هذه الألوف آثار الصحابة والتابعين وغيرهم. [انظر: مقدمة ابن الصلاح (٢٣)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ٤٦ - ٤٧)، والتعريف بكتب الحديث الستة للشيخ محمد محمد أبي شهبة (٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211296,"book_id":118,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":80,"body":"فلما عرف البخاري أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع حتى أتى على تمام العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل (¬١).\r\rثناء العلماء عليه:\rلقد أثنى على البخاري رحمه الله تعالى -في سعة علمه وقوة حفظه وبراعته في علم الحديث- عدد كبير من أهل العلم والفضل في سائر الأمصار، وليس المثنون عليه هم تلامذته أو من جاء بعدهم فقط، بل حتى شيوخه وأقرانه قد دانوا له بالفضل واعترفوا له بالعلم والحفظ وإليك بعض أقوالهم:\rقال علي بن المديني (¬٢): \"ما رأى مثل نفسه\" (¬٣).\rوقال فيه أحمد بن حنبل: \"ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل\" (¬٤).\rوقال نعيم بن حماد (¬٥): \"محمد بن إسماعيل فقيه هذه","footnotes":"(¬١) انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٠)، وتهذيب الكمال (٢٤/ ٤٥٣)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٠٨).\r(¬٢) هو علي بن عبد الله بن جعفر السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني البصري، ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تنصل وتاب واعتذر بأنه خاف على نفسه، توفي ﵀ سنة (٢٣٤ هـ). [انظر: السير (١١/ ٤١) العبر (١/ ٣٢٩) تقريب التهذيب (١/ ٦٩٧) شذرات الذهب (٢/ ٨١)].\r(¬٣) تاريخ بغداد (٢/ ١٨)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٥١).\r(¬٤) تاريخ بغداد (٢/ ٢١)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٥٦).\r(¬٥) هو الإمام الشهير أبو عبد الله الخزاعي المروزي الفرضي نزيل مصر، كان شديدًا =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211297,"book_id":118,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":81,"body":"الأمة\" (¬١).\rوقال ابن خزيمة: \"ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري\" (¬٢).\rوقال أبو عيسى الترمذي (¬٣): \"لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كثير أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل\" (¬٤).\r\rمصنفاته:\rلقد صنف البخاري رحمه الله تعالى العدد الكثير من الكتب والمؤلفات، وإليك أشهر الكتب المطبوعة:\r١ - الجامع الصحيح، وهو المعروف بصحيح البخاري.","footnotes":"= على الجهمية، وكان يقول: كنت جهميًا فلذلك عرفت كلامهم، فلما طلبت الحديث علمت أن مآلهم إلى التعطيل، قيل: إنه أول من جمع المسند، وكان من أوعية العلم إلا أنه لا يحتج به، ضعفه النسائي وغيره، امتحن في محنة القرآن، وتوفي رحمه الله تعالى سنة (٢٢٨ هـ) على الأصح. [انظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٨)، والعبر (١/ ٣١٨)، وتقريب التهذيب (٢/ ٢٥٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٦٦)].\r(¬١) تاريخ بغداد (٢/ ٢٤)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٥٩).\r(¬٢) تاريخ بغداد (٢/ ٢٦)، وانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٣١).\r(¬٣) هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الضرير فقد بصره -على الصحيح- في كبره بعد رحلته وكتابته العلم، كان عالمًا حافظًا إمامًا بارعًا، شارك البخاري في بعض شيوخه وتتلمذ عليه توفي ﵀ سنة (٢٧٩ هـ)، وقيل غير ذلك، له مصنفات منها: الجامع المشهور بسنن الترمذي، وكتاب العلل. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٣)، والسير (١٣/ ٢٧٠)، والعبر (١/ ٤٠٢)].\r(¬٤) كتاب العلل (٥/ ٧٣٨) الملحق بآخر كتاب سنن الترمذي، وانظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211298,"book_id":118,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":82,"body":"٢ - التاريخ الكبير.\r٣ - التاريخ الأوسط.\r٤ - التاريخ الصغير.\r٥ - الأدب المفرد.\r٦ - خلق أفعال العباد.\r٧ - القراءة خلف الإمام.\r\rوفاته:\rكانت وفاته ﵀ \"ليلة السبت عند صلاة العشاء -ليلة الفطر- ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر يوم السبت لغرة شوال من سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا\" (¬١).\r\rثانيًا: الإمام مسلم رحمه الله تعالى (¬٢):\rهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْدٍ القشيري النيسابوري (¬٣).\r- اختلف في مولده على أقوال أصحها ما ذهب إليه ابن الصلاح والنووي وغيرهما أنه ولد سنة ست ومائتين (¬٤).","footnotes":"(¬١) تاريخ بغداد (٢/ ٦) بتصرف يسير، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٣٨)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٦٨).\r(¬٢) يلاحظ المتتبع لكتب التراجم في سيرة هذا الإمام أنها شحيحة بالمعلومات الشخصية عنه ولذلك فإنه من الصعوبة بمكان التعرف على ملامح حياته من جميع جوانبها بخلاف الإمام البخاري فإنه حظي بترجمة واسعة واهتمام بالغ حتى صفوا خُلُقه وخَلْقَه.\r(¬٣) انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٧)، وتاريخ بغداد (١٣/ ١٠١)، وصيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط لابن الصلاح (٥٥).\r(¬٤) انظر: صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (٦٢)، وشرح النووي على مسلم (١/ ١١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211299,"book_id":118,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":83,"body":"وقد نشأ ﵀ في بيت علم وجاه، فقد كان والده متصدرًا لتربية الناس وتعليمهم، ومن كان هذه حاله فلا شك أنه سيكون له أثر واضح على ابنه نحو طلب العلم والتزام حلقات التعليم (¬١).\rوقد بدأ الإمام مسلم ﵀ في طلب العلم وسماع الحديث في سن مبكرة، وكان أول سماع له سنة ثماني عشرة ومائتين، وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة (¬٢).\rثم رحل بعد ذلك في طلب العلم والحديث رحلةً واسعةً، فقد رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وخراسان والري وغيرها من بلدان العالم الإسلامي (¬٣).\rومن العلماء الذين استفاد منهم الإمام مسلم وتأثر بهم وسلك سبيلهم ونهج نهجهم، خاصة في تأليف كتابه الصحيح: الإمام البخاري ﵀، فقد كان شيخه وأستاذه.\rقال الخطيب البغدادي (¬٤): \"إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح لمشهور بن حسن آل سلمان (١/ ١٩).\r(¬٢) انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٨).\r(¬٣) انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ١٠١)، وصيانة صحيح مسلم (٥٥ - ٥٦).\r(¬٤) هو الإمام الكبير محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، كان من الحفاظ المتقنين والعلماء المتبحرين، ولو لم يكن له سوى (التاريخ) لكفاه فإنه يدل على اطلاع عظيم، صنف قريبًا من مائة مصنف، توفي ﵀ ببغداد سنة (٤٦٣ هـ) له عدة مؤلفات من أشهرها: تاريخ بغداد. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١١١)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٥)، والسير (١٨/ ٢٧٠)، وشذرات الذهب (٣/ ٣١١)].\r(¬٥) تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211300,"book_id":118,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":84,"body":"وقال النووي: \"وقد صح أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث\" (¬١).\r\rثناء العلماء عليه:\rلقد حظي ﵀ بثناء عطر وذكر جميل من علماء عصره ومن بعدهم، وما ذاك إلا لجلالة قدره وعظيم منزلته في نفوس المسلمين، خاصةً بعد كتابه (الصحيح) الذي يعد -هو وصحيح البخاري- أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.\rوفي ما يلي أذكر نتفًا مما قيل في الثناء عليه:\rقال محمد بن بشار (¬٢): \"حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى\" (¬٣).\rوقال فيه الخطيب البغدادي: \"أحد الأئمة من حفاظ الحديث\" (¬٤).\rوقال ابن الصلاح: \"رفعه الله ﵎ بكتابه الصحيح هذا إلى مناط النجوم، وصار إمامًا حجة يبدأ ذكره ويعاد في علم الحديث وغيره من العلوم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٢٠).\r(¬٢) هو محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان، الإمام الحافظ راوية الإسلام أبو بكر العبدي البصري المعروف ببندار، لُقب بذلك لأنه كان بندار الحديث في عصره ببلده، والبندار: الحافظ، وكان ثقة عالمًا بحديث البصرة متقنًا مجودًا، لم يرحل برًا بأمه، ثم ارتحل بعدها، توفي ﵀ سنة (٢٥٢ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٠٠)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١١)، والسير (١٢/ ١٤٤)، وتقريب التهذيب (٢/ ٥٨)].\r(¬٣) تاريخ بغداد (٢/ ١٦)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٩).\r(¬٤) تاريخ بغداد (١٣/ ١٠١).\r(¬٥) صيانة صحيح مسلم (٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211301,"book_id":118,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":85,"body":"وقال النووي: \"هو أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان، والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأركان\" (¬١).\rونعته الذهبي بعدة أوصاف فقال عنه مرةً: \"الإمام الحافظ حجة الإسلام\" (¬٢).\rوقال مرةً: \"الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق\" (¬٣).\rوقال مرة ثالثةً: \"الحافظ أحد أركان الحديث\" (¬٤).\r\rمصنفاته:\rصنف الإمام مسلم ﵀ تصانيفَ عديدة ومؤلفات فريدة، ولكن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير وأغلب تصانيفه -إن لم تكن كلها- في الحديث وعلومه، كأوهام المحدثين، وأسمائهم، وطبقاتهم، وفي العلل وغيرها: وإليك سرد أهم كتبه المطبوعة:\r١ - المسند الصحيح وهو المعروف بصحيح مسلم.\r٢ - الأسماء والكنى.\r٣ - التمييز.\r٤ - الطبقات.\r٥ - المنفردات والوحدان (¬٥).","footnotes":"(¬١) مسلم بشرح النووي (١/ ١١٤).\r(¬٢) تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٨).\r(¬٣) السير (١٢/ ٥٥٧).\r(¬٤) العبر في خبر من غبر (١/ ٣٧٥).\r(¬٥) انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٩)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٩٠)، والإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح لمشهور آل سلمان (١/ ٢٣٣)، وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211302,"book_id":118,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":86,"body":"وفاته:\rتوفي رحمه الله تعالى عشية يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين.\rوقد ذكروا قصة عجيبة في سبب وفاته فقالوا: إنه عقد له مجلس للمذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أُهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها إليّ، فقدموها إليه، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، قال الحاكم (¬١) -الراوي لهذه القصة-: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مرض ومات (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري الشافعي، ويُعرف أيضًا بابن البَيِّع، حافظ ناقد، قرأ القراءات على جماعة، وبرع في معرفة الحديث وفنونه، فصنف وخرج، وجرح وعدَّل، وصحَّ وعلَّل، وكان من بحور العلم، على تشيُّعٍ قليل فيه، له تصانيف كثيرة، أشهرها: المستدرك على الصحيحين، توفي ﵀ سنةً خمس وأربع مائة (٤٠٥ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٣/ ٩٣)، ووفيات الأعيان (٤/ ١٠٥)، والسير (١٧/ ١٦٢)، والعبر (٢/ ٢١٠)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣٩)].\r(¬٢) انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٤)، وصيانة صحيح مسلم (٦٢ - ٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211303,"book_id":118,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":87,"body":"المبحث السادس: مكانة الصحيحين عند الأمة\rلقد حظي الصحيحان باهتمام بالغ وعناية فائقة من أهل العلم لم تحصل لغيرهما من كتب السنة، كما هو واضح من كثرة المؤلفات التي ألفت عليهما من شروحات ومستخرجات ومستدركات، وتعاليق وملخصات ... ولا عجب من ذلك فهما أول الكتب المؤلفة في الصحيح المجرد، كما أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، ولذلك فقد تلقتهما الأمة بالرضى والقبول، وتواردت أقوال أهل العلم في الثناء عليهما وإعظام شأنهما وبيان منزلتهما، وإليك بعض أقوالهم في ذلك:\rقال ابن الصلاح: \"أول من صنف الصحيح: البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري ... وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز\" (¬١).\rوقال النووي: \"أول مُصَنَّف في الصحيح المجرد: صحيح البخاري ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول\" (¬٣).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٩ - ٢٠).\r(¬٢) التقريب مطبوع مع شرحه تدريب الرواي (١/ ٧٠، ٧٣).\r(¬٣) مسلم بشرح النووي (١/ ١٢٠).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211304,"book_id":118,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":88,"body":"وقال أيضًا: \"ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن وما جمع بينهما\" (¬١).\rوقال ابن كثير عن هذين الكتابين: \"هما أصح كتب الحديث\" (¬٢).\rوقال ابن أبي العز: \"الصحيحان اللذان جمعهما البخاري ومسلم أصح الكتب المصنفة، هذا الذي عليه أئمة الإسلام\" (¬٣).\rوقال السخاوي: \"وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث\" (¬٤).\rوقال العيني (¬٥): \"اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم\" (¬٦).\rومما يزيدهما جلالة وقدرًا في نفوس الأمة ما تميَّز به البخاري ومسلم عليهما رحمة الله من الحفظ والإتقان، والحرص على الدقة والتحري، والاجتهاد في التثبت والتوثق:\r- فالبخاري قد انتقى أحاديث كتابه انتقاءً دقيقًا من بين عددٍ كبير من الأحاديث، حيث يقول: \"أخرجت هذا الكتاب -يعني: الصحيح- من زُهَاءِ","footnotes":"(¬١) المرجع السابق (١٨/ ٧٤).\r(¬٢) اختصار علوم الحديث مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣).\r(¬٣) الاتباع (٤٦).\r(¬٤) فتح المغيث (١/ ٤٤).\r(¬٥) هو العلامة محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد أبو محمد بدر الدين العيني الحنفي، مؤرخٌ علَّامة من كبار المحدثين، أصله ومولده ونشأته في عينتاب (وإليها نسبته) أقام مدة في حلب ومصر ودمشق والقدس، وولي في القاهرة الحسبة وقضاء الحنفية ونظر السجون، ثم صُرف في آخر حياته عن وظائفه وعكف على التصنيف والتدريس إلى أن توفي في القاهرة سنة (٨٥٥ هـ) له مؤلفات من أشهرها: عمدة القاري في شرح صحيح البخاري. [انظر: الضوء اللامع (١٠/ ١٣١)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٨٦)، والأعلام (٧/ ١٦٣)].\r(¬٦) عمدة القاري (١/ ٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211305,"book_id":118,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":89,"body":"ستمائة ألف حديث\" (¬١).\rومثله مسلم حيث قال: \"صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة\" (¬٢).\r- والبخاري أيضًا قد استغرق وقتًا طويلًا في تصنيف صحيحه، مما يدل على شدة تحريه وتأنيه، وعدم عجلته، قال ﵀: \"صنفت كتابي (الصحيح) لستَ عشرةَ سنةً\" (¬٣).\rومثله مسلم حيث قال تلميذه أحمد بن سلمة (¬٤): \"كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمسَ عشرةَ سنةً\" (¬٥).\r- كما أن البخاري قد التزم الصحة فيما يخرجه من الأحاديث، واشترط في ذلك أرقى وأعلى شروط الصحة.\rقال ﵀: \"ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول\" (¬٦).\rوأما شرطاه اللذان تميز بهما فهما:\r١ - أن يكون الراوي قد عاصر شيخه.","footnotes":"(¬١) تاريخ بغداد (٢/ ٩)، وانظر: (٢/ ١٤)، وتهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٢، ٤٤٨، ٤٤٩).\r(¬٢) تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٢).\r(¬٣) تاريخ بغداد (٢/ ١٤)، وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٤٨).\r(¬٤) هو أحمد بن سلمة بن عبد الله أبو الفضل البزاز المَعدَّل النيسابوري، أحد الحفاظ المتقنين، رفيق مسلم في الرحلة إلى بلخ وإلى البصرة سمع من قتيبة بن سعيد وابن راهويه وطبقتهما، وحدَّث عنه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما، توفي ﵀ سنة (٢٨٦ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٤/ ٤٠٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٧)، والسير (١٣/ ٣٧٣)، وشذرات الذهب (٢/ ١٩٢)].\r(¬٥) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٦٦).\r(¬٦) تاريخ بغداد (٢/ ٩)، وانظر: مقدمة ابن الصلاح (٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211306,"book_id":118,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":90,"body":"٢ - أن يثبت سماع الراوي من شيخه (¬١).\rومثله مسلم، حيث قال: \"ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه\" (¬٢).\rإلا أنه رحمه الله تعالى نزل في شرطه عن البخاري، فلم يشترط إلا المعاصرة مع إمكان اللقيا (¬٣).\rلكنه تميَّز عن البخاري بميزة فريدة، وهي أنه يجمع طرق الحديث في مكان واحد، ولا يكررها -غالبًا- ولا يقطعها ولا يفرقها بين الكتب والأبواب، بخلاف البخاري رحمه الله تعالى فإنه يقطع الحديث الواحد حسب مواضيعه، فيضعه في موضعين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، مما يُشَكِّلُ صعوبةً كبيرةً في الحصول على كامل الحديث.\rقال النووي: \"وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهي كونه أسهل متناولًا، من حيث إنه جعل لكل حديث موضعًا واحدًا يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها، ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه، بخلاف البخاري فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم أنه أولى به، وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه، فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث، فقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا، فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مَظَانِّهَا السابقة إلى الفهم\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: اختصار علوم الحديث، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣).\r(¬٢) مسلم بشرح النووي (٤/ ٣٦٥).\r(¬٣) انظر: مسلم بشرح النووي (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥).\r(¬٤) مسلم بشرح النووي (١/ ١٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211307,"book_id":118,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":91,"body":"مآخذ بعض أهل العلم على هذين الكتابين:\rأخذ بعض أهل العلم -كالدارقطني (¬١) وغيره (¬٢) - على البخاري ومسلم في صحيحيهما مأخذين:\rأحدهما: أنهما لم يستوعبا الأحاديث التي على شرطهما.\rوالثاني: انتقادهما في بعض الأحاديث المخرجة في كتابيهما، وعددها: (٢١٠) أحاديث، انفرد البخاري منها بـ (٧٨) حديثًا، وانفرد مسلم بـ (١٠٠) حديث، واشتركا جميعًا بـ (٣٢) حديثًا (¬٣).\rأما المأخذ الأول فصحيح: فإن مما لا شك فيه أن البخاري ومسلمًا عليهما رحمة الله لم يستوعبا في صحيحيهما كل الأحاديث الصحيحة، لكنهما لم يلتزما بذلك، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم والحديث (¬٤)، بل إن البخاري ومسلمًا قد نصا على ذلك أيضًا كما تقدم (¬٥)،","footnotes":"(¬١) انظر: كتابيه: الإلزامات والتتبع، دراسة وتحقيق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ﵀.\rوالدارقطني هو: الإمام الحافظ المجوِّد علم الجهابذة، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي المقرئ المحدِّث، من أهل محلة دار القطن ببغداد، كان من بحور العلم انتهى إليه معرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وهو أول من صنف في القراءات توفي ﵀ سنة (٣٨٥ هـ)، له مصنفات عديدة منها السنن، والمختلف والمؤتلف. [انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٣٤)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢٦٠)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٩١)، والسير (١٦/ ٤٤٩)، والعبر (٢/ ١٦٧)].\r(¬٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١/ ١٣٧)، وفتح المغيث (٤٤/ ٤٥).\r(¬٣) انظر: هدي الساري (٣٤٦).\r(¬٤) انظر: شروط الأئمة الخمسة للحازمي (٦٢ - ٦٦)، ومقدمة ابن الصلاح (٢١)، والتقريب للنووي مطبوع مع شرحه تدريب الرواي (١/ ٨٠)، وشرح النووي على مسلم (١/ ١٣٤)، واختصار علوم الحديث لابن كثير، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣)، والروض الباسم لابن الوزير (١/ ١٤٢)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ٤٤ - ٤٥).\r(¬٥) انظر: ص (٩٠ - ٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211308,"book_id":118,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":92,"body":"وقد نُقل عنهما تصحيح أحاديث ليست في كتابيهما، وإنما هي في السنن وغيرها، كما في نقل الترمذي عن البخاري (¬١).\rوبناءً على هذا، فإن إلزام الدارقطني وغيره لهما بإخراج أحاديث صحيحة قد تركاها مع أنها على شرطهما ليس بلازم.\rقال النووي رحمه الله تعالى: \"وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة، فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله\" (¬٢).\rوقال السخاوي: \"ولكنهما لم (يعُمَّاه) أي: يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما، بل لو قيل: إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهًا، وقد صرح كل منهما بعدم الاستيعاب ... وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزء أفرده بالتصنيف، بأحاديث رجال من الصحابة رُويت عنهم من وجوه صحاح، تركاها مع كونها على شرطهما، وكذا قول ابن حبان (¬٣): ينبغي أن يُناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما: ليس بلازم\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (٢٣).\r(¬٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٣٤).\r(¬٣) هو أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي البستي الشافعي، صاحب التصانيف كان حافظًا ثبتًا، إمامًا حجة سمع من النسائي وابن خزيمة وطبقتهما، وحدَّث عنه الحاكم وطبقته، وكان من أوعية العلم في الحديث والفقه واللغة والوعظ وغير ذلك، حتى الطب والنجوم والكلام، ولي قضاء سمرقند ثم قضاء نسا، توفي ﵀ في وطنه بُسْت سنة (٣٥٤ هـ) له مصنفات عدة أشهرها: الصحيح المعروف بصحيح ابن حبان. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٢٠)، والسير (١٦/ ٩٢)، والعبر (٢/ ٩٤)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦)].\r(¬٤) فتح المغيث (٤٤ - ٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211309,"book_id":118,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":93,"body":"وأما المأخذ الثاني وهو: انتقاد بعض الأحاديث المخرجة في صحيحيهما، فقد انتدب لها عدد من العلماء والحفاظ فأجابوا عنها كلها، ومن أشهر من تعرض لذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم، والحافظ ابن حجر في هدي الساري.\rغير أنهما -وغيرهما من أهل العلم والحديث- قد استثنيا عددًا قليلًا من هذه الأحاديث المنتقدة يصعب الجواب عنها، لأن الحق فيها والصواب مع النقاد.\rقال الإمام ابن الصلاح بعد تقريره لصحة ما في كتابي البخاري ومسلم، وأن الأمة قد تلقت ما فيهما بالقبول، قال: \"إذا عرفت هذا فما أخذ عليهما من ذلك وقدح فيه معتمد من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة\" (¬١).\rوقال النووي بعد ذكره لمن انتقد بعض أحاديث الصحيحين: \"وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره\" (¬٢).\rقال ابن حجر تعليقًا على كلام النووي: \"هو الصواب، فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض\" (¬٣).\rوقال أيضًا، بعد جوابه عن كل الأحاديث المنتقدة على البخاري: \"هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد، المطلعون على خفايا الطرق، وليس كلها من أفراد البخاري بل شاركه مسلم في كثير منها ... وليست كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) صيانة صحيح مسلم (٨٧).\r(¬٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٣٧).\r(¬٣) هدي الساري (٣٤٦).\r(¬٤) المرجع السابق (٣٨٣)، وانظر: الروض الباسم لابن الوزير (١/ ١٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211310,"book_id":118,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":94,"body":"وهذا الكلام من الحافظ ابن حجر ﵀ غاية في الدقة والإنصاف، والتجرد من التعصب والهوى والإفراط، فحسبك به من إمام حافظ ناقد بصير.\rوختامًا، فإنه لا يضير الصحيحين ما انتقد عليهما، ولا ينقص ذلك من شأنهما وقدرهما، بل لو قيل: إن ذلك لا يزيدهما إلا مكانة وشرفًا ورفعة وقدرًا، لما كان ذلك بعيدًا، لأننا إذا علمنا أنهما قد اشتملا على أحاديثَ كثيرةٍ -تعد بالألوف- ولم يشكل منها إلا هذا النزر اليسير من الأحاديث، ازددنا يقينًا بجلالتهما وعظيم منزلتهما.\rقال ابن حجر بعد ذكره للأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري والجواب عنها: \"فإذا تأمل المنصف (¬١) ما حررته من ذلك، عظم مقدار هذا المصنف في نفسه، وجلَّ تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) في الأصل (المصنف) هكذا، ولعل الصواب ما أثبته، والله أعلم.\r(¬٢) هدي الساري (٣٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211311,"book_id":118,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":95,"body":"الباب الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب الإيمان بالله تعالى\rوتحته فصلان:\r* الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في الأسماء والصفات.\r* الفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في القدر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211312,"book_id":118,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":96,"body":"الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في الأسماء والصفات (¬١)\rوفيه تمهيد وأحد عشر مبحثًا:\r* التمهيد: بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات.\r* المبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته).\r* المبحث الثاني: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).\r* المبحث الثالث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا .... ).\r* المبحث الرابع: (لا يمل الله حتى تملوا).\r* المبحث الخامس: (مرضت فلم تعدني ... ).\r* المبحث السادس: (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله).","footnotes":"(¬١) يدخل في هذا الفصل ما توهم أنه صفة لله تعالى وليس هو كذلك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211313,"book_id":118,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":97,"body":"* المبحث السابع: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ... ).\r* المبحث الثامن: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).\r* المبحث التاسع: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ... )\r* المبحث العاشر: (الرحم شجنة من الرحمن)\r* المبحث الحادي عشر: (فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211314,"book_id":118,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":98,"body":"التمهيد\rبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات\rسلك أهل السنة والجماعة في هذا الباب طريقًا واضحًا بيِّنًا لا عوج فيه ولا أمتًا، وذلك لأنهم عوَّلوا فيه -وكذا في بقية أبواب الاعتقاد- على النقل الثابت الصحيح، فسلموا من الانحراف الذي وقع فيه من اتخذ العقل أساسًا في هذا الباب وقدمه على النقل، كما هو حال أهل الكلام، علمًا أن أهل السنة يؤكدون على أن العقل الصريح لا يمكن بحال أن يخالف النقل الصحيح.\rوأهل السنة وسط في هذا الباب بين الإفراط والتفريط، فلم يغلوا في الإثبات إلى درجة تصل بهم إلى التكييف أو التمثيل، كما لم يقعوا في التفريط الذي هو تعطيل الله سبحانه عن أسمائه وصفاته كلها، أو شيء منها، بل أثبتوا جميع ما صح به النقل من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به سبحانه، كالعلو والاستواء والنزول والعلم والكلام والضحك والوجه واليدين وغيرها.\rوالكلام على معتقدهم في هذا الباب وذكر أدلته وتفاصيل مسائله يطول، ولربما أخرج عن المقصود، ولذا فسأقتصر على بيان أهم الأصول والأسس التي بنى عليها أهل السنة والجماعة عقيدتهم في الأسماء والصفات، وهي كما يلي:\rأولًا: الاعتماد على الكتاب والسنة الصحيحة، فيثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته، من غير تحريف ولا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211315,"book_id":118,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":99,"body":"تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\rوينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ في سنته مع إثبات كمال ضده (¬١).\rقال الإمام أحمد: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ، لا يُتجاوز القرآن والحديث\" (¬٢).\rوقال ابن خزيمة: \"نحن نثبت لخالقنا -جل وعلا- صفاته التي وصف الله ﷿ بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه المصطفى ﷺ، مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه\" (¬٣).\rوقال الإسماعيلي (¬٤): \"اعلموا رحمنا الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث -أهل السنة والجماعة-: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى، وما صحت به الرواية عن رسول الله","footnotes":"(¬١) قال ابن تيمية: \"ينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح\" [التدمرية (٥٧ - ٥٨)، وانظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣٦٧)].\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٤٥)، ولمعة الاعتقاد بشرح العثيمين (٣٥)، واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١١ - ٢١٢).\r(¬٣) التوحيد (١/ ٥٧).\r(¬٤) هو الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيلي الشافعي، كان شيخ المحدثين والفقهاء في عصره، وأجلهم في المروءة والسخاء، توفي ﵀ سنة (٣٧١ هـ) له من المصنفات: مسند عمر ﵁، والمستخرج على الصحيح. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٧)، والسير (١٦/ ٢٩٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٧٢)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211316,"book_id":118,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":100,"body":"صلى الله عليه وآله وسلم، لا معدل عما وردا به، ولا سبيل إلى رده ... ويعتقدون أن الله تعالى مَدْعُوٌّ بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمَّى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه ﷺ\" (¬١).\rوقال قِوَامُ السنة الأصبهاني: \"قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي ﷺ متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة، والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه ﷿ أزلي بصفاته وأسمائه، التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول ﷺ بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت كان بذلك جاحدًا، ومن زعم أنها محدثة لم تكن ثم كانت، دخل في حكم التشبيه في الصفات التي هي محدثة في المخلوق، زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدَّق به المصطفى ﷺ، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب، غير محتاج إلى تأويله\" (¬٢).\rوقال ابن تيمية: \"طريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا رد علي الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة\" (¬٣).\rثانيًا: إمرار نصوص الصفات كما جاءت وذلك بحملها على ظاهرها دون التعرض لتعطيل شيء منها أو تأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله ﷺ.","footnotes":"(¬١) اعتقاد أهل السنة (٣١ - ٣٢)، وأورده الذهبي بإسناده في العلو (٢٢٩)، وفي السير (١٦/ ٢٩٥)، وانظر: مختصر العلو للألباني (٢٤٨).\r(¬٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٣)، وانظر: (٢/ ٥٤٩).\r(¬٣) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣)، وانظر: التدمرية (٧)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، و (٦/ ٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211317,"book_id":118,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":101,"body":"قال الوليد بن مسلم (¬١): \"سألت الأوزاعي (¬٢)، والثوري (¬٣)، ومالك بن أنس، والليث بن سعد (¬٤)، عن الأحاديث التي فيها الصفات، فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير (¬٥) \" (¬٦).","footnotes":"(¬١) هو عالم أهل الشام أبو العباس الدمشقي، الحافظ الإمام، مولى بني أمية، حدث عن جمع من أهل العلم، وارتحل في هذا الشأن، وصنف التصانيف، وكان من أوعية العلم، ثقةً حافظًا، لكنه رديء في التدليس، وقد احتج به البخاري ومسلم، لكنهما ينتقيان من حديثه، ويتجنبان ما ينكر له، توفي بذي المروة راجعًا من الحج في المحرم، سنة خمس وتسعين ومائة (١٩٥ هـ). [انظر: السير (٩/ ٢١١)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٢)، والعبر (١/ ٢٤٨)، وشذرات الذهب (١/ ٣٤٤\r(¬٢) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي إمام أهل الشام، لم يكن بالشام أعلم منه، من كبار تابعي التابعين، روى عن خلق كثير من التابعين، كان أحد الأئمة المجتهدين، والعباد المعدودين، توفي ﵀ سنة (١٥٧ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٠٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٨)، والعبر (١/ ١٧٤)، وشذرات الذهب (١/ ٢٤١)].\r(¬٣) هو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري الكوفي شيخ الإسلام وسيد الحفاظ وأمير المؤمنين في الحديث، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، له مذهب في الفقه لكنه اندثر، كان قوَّالًا بالحق شديد الإنكار، توفي ﵀ بالبصرة -مختفيًا عن المهدي- سنة (١٦١ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣٢٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣)، والسير (٧/ ٢٢٩)، والعبر (١/ ١٨١)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٧١)، وشذرات الذهب (١/ ٢٥٠)].\r(¬٤) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي مولاهم، وأصله فارسي أصبهاني، شيخ الديار المصرية وعالمها، روى عن عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة ونافع، وخلق كثير، وكان إمامًا ثقةً ثبتًا حجةً فقيهًا، واسع العلم، سخيًا جوادًا، توفي ﵀ سنة خمس وسبعين ومائة (١٧٥ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤)، ووفيات الأعيان (٣/ ٥٤٥)، والسير (٨/ ١٣٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٤)، والعبر (١/ ٢٠٦)، وشذرات الذهب (١/ ٢٨٥)].\r(¬٥) أي: تفسير الكيفية، كما في الرواية الأخرى عن الوليد أنهم قالوا: \"امضها بلا كيف\".\r(¬٦) أخرجه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٤٦)، والدارقطني في الصفات (٧٥)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211318,"book_id":118,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":102,"body":"وسئل عبد الله بن المبارك (¬١) عن أحاديث الصفات فقال: \"تمر كما جاءت بلا كيف\" (¬٢).\rوقال أبو زرعة (¬٣) عن أحاديث الصفات: \"هذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ، أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف\" (¬٤).\rوهذا القول متواتر عن السلف عليهم رحمة الله، قال أبو يعلى (¬٥): \"روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من","footnotes":"= واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٥٨)، وأورده أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٤٧)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩)، وعزاه إلى الخلال في السنة، وأورده الذهبي في العلو (١٣٩ - ١٤٠).\r(¬١) هو الإمام العالم أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير، أخذ عن بقايا التابعين، وأكثر من الترحال والتطواف إلى أن مات في طلب العلم ﵀ سنة (١٨١ هـ). [انظر: السير (٨/ ٣٧٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٥٢٧)، وشذرات الذهب (١/ ٢٩٤)].\r(¬٢) إبطال التأويلات (١/ ٥٣).\r(¬٣) هو الإمام الحافظ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرُّوخ القرشي مولاهم الرازي، محدث الرَيِّ، سمع من أبي نعيم والقعنبي وأحمد بن حنبل وطبقتهم، وحدَّث عنه مسلم وأبو حاتم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود وغيرهم، وكان من أفراد الدهر حفظًا وذكاءً ودينًا وعلمًا وعملا، توفي ﵀ سنة أربع وستين ومائتين (٢٦٤ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٢٥)، والسير (١٣/ ٦٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٧)، والعبر (١/ ٣٧٩)، وشذرات الذهب (٢/ ١٤٨)].\r(¬٤) إبطال التأويلات (١/ ٥٣).\r(¬٥) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، المعروف بأبي يعلى الفراء البغدادي، شيخ الحنابلة وفقيههم، صاحب التصانيف الفريدة، كان إمامًا لا يدرك قراره، ولا يشق غباره، درَّس وأفتى وولي قضاء الحريم، توفي ﵀ سنة (٤٥٨ هـ)، ومن مصنفاته: إبطال التأويلات، وكتاب مسائل الإيمان. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٢)، والعبر (٢/ ٣٠٩)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٦)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211319,"book_id":118,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":103,"body":"أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا: أَمِرُّوها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين\" (¬١).\rوقال قِوَامُ السنة الأصبهاني: \"الكلام في صفات الله ﷿، ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين: إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها\" (¬٢).\rوقال ابن قدامة: \"وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ\" (¬٣)\rومراد السلف بهذه العبارة (أمروها كما جاءت بلا كيف): إجراء نصوص الصفات على ظاهرها والأخذ بما دلت عليه من الصفات، وليس مرادهم: إمرار ألفاظها دون فهم معانيها.\rقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"قولهم ﵃: (أمروها كما جاءت) رد على المعطلة، وقولهم: (بلا كيف) رد على الممثلة ... \" (¬٤).\rثم قال مبينًا مراد السلف بهذه العبارة: \"إنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه -على ما يليق بالله- لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.\rوأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ","footnotes":"(¬١) المرجع السابق (١/ ٤٣ - ٤٤).\r(¬٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨)، وبنحوه قال الخطيب البغدادي، كما في السير للذهبي (١٨/ ٢٨٤).\r(¬٣) لمعة الاعتقاد مع شرحها للعثيمين (٣٧).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211320,"book_id":118,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":104,"body":"معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.\rوأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية -أو الصفات مطلقًا- لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.\rوأيضًا: فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّتْ كما جاءت، ولا يقال حينئذٍ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول\" (¬١).\rومما ينبغي التأكيد عليه هنا: أن عدم فهم معنى الصفة ليس مبررًا ولا مسوغًا لردها، أو تأويلها بما يخالف مراد المتكلم بها.\rقال ابن تيمية: \"ما أخبر به الرسول عن ربه ﷿، فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه\" (¬٢).\rثالثًا: عدم تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه -كما تقدم- فالله تعالى له صفات تليق به، والمخلوق له صفات تليق به، ولا يلزم من الاتفاق في الأسماء الاتفاق في المسميات (¬٣).\rقال أبو يعلى عن أحاديث الصفات: \"الواجب حملها على ظاهرها،","footnotes":"(¬١) المرجع السابق (٥/ ٤١ - ٤٢)، وانظر: درء التعارض (٧/ ١٠٨ - ١٠٩).\r(¬٢) التدمرية (٦٥).\r(¬٣) انظر: التدمرية (٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211321,"book_id":118,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":105,"body":"وأنها صفات لله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها\" (¬١).\rوقال ابن تيمية: \"أهل السنة والجماعة والحديث، من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، متفقون على تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلق، وعلى ذم المشبهة الذين يشبهون صفاته بصفات خلقه، ومتفقون على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله\" (¬٢).\rرابعًا: تفويض الكيفية، وقطع الطمع عن إدراكها، وذلك لوجوه ثلاثة:\rأحدها: أن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا كيف هي.\rوالثاني: أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله تعالى، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته.\rقال الخطيب البغدادي: \"الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف\" (¬٣).\rوقال ابن تيمية معللًا عدم العلم بكيفية الصفات: \"إذ العلم بكيفية الصفة، يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له\" (¬٤).\rوالثاك: أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو","footnotes":"(¬١) إبطال التأويلات (١/ ٤٣).\r(¬٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٢)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (٥٧).\r(¬٣) جواب أبي بكر الخطيب عن سؤال أهل دمشق في الصفات (٦٤)، وانظر: السير (١٨/ ٢٨٤).\r(¬٤) التدمرية (٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211322,"book_id":118,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":106,"body":"الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتفٍ في صفات الله تعالى (¬١).\rفالكيفية ثابتة لله تعالى لكنها مجهولة لنا غير معقولة، ولهذا كان شعار أهل السنة والجماعة في هذا الباب، تلك الكلمة العظيمة للإمام مالك ﵀، حيث ثبت عنه أنه لما سُئل عن كيفية الاستواء، قال: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: تقريب التدمرية للعثيمين (٤٠)، وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٣١٧).\r(¬٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (٦٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤١)، والصابوني -من ثلاثة طرق- في عقيدة السلف (١٨٠ - ١٨٥)، والبيهقي -واللفظ له- في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٥) ح (٨٦٧)، وفي الاعتقاد (٥٦).\rوقال الذهبي في العلو (١٣٩): \"هذا ثابت عن مالك\".\r- وهو ثابت أيضًا عن ربيعة الرأي، شيخ مالك [أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٦) ح (٨٦٨)، وساقه الذهبي في العلو (١٢٩) بإسناده إلى ربيعة، وصححه الألباني في مختصر العلو (١٣٢)].\rوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠): \"وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ... \" فذكره.\rوقال أيضًا في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥): \"ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك\".\r- وروي نحوه عن أم سلمة ﵂، [أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٠)، والصابوني فى عقيدة السلف (١٧٨ - ١٧٩)] لكنه غير ثابت عنها من طريق صحيح.\rقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥): \"وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂، موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه\".\rوقال الذهبي في العلو (٨١): \"هذا القول محفوظ عن جماعة، كربيعة الرأي، ومالك الإمام، وأبي جعفر الترمذي، فأما عن أم سلمة فلا يصح\". وللدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر كتاب بعنوان: الأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء، دراسة تحليلية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211323,"book_id":118,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":107,"body":"وجاء عن وكيع بن الجراح (¬١) أنه قال عن أحاديث الصفات: \"نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف هذا، ولِمَ جاء هذا\" (¬٢).\rوقال أبو عبيد (¬٣) -وقد ذكر بعض أحاديث الصفات-: \"هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء، بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسره\" (¬٤).\rوالتأكيد على هذا المعنى -وهو نفي العلم بالكيفية- كثير في كلام السلف.\rقال ابن تيمية: \"ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) هو الإمام الحافظ محدث العراق، وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي أبو سفيان الرواسي الكوفي، سمع من ابن جريج والأعمش والأوزاعي وغيرهم، وحدَّث عنه الثوري وابن المبارك وابن المديني وابن معين وغيرهم، وكان من بحور العلم وأئمة الحفظ، توفي ﵀ سنة سبع وتسعين ومائة (١٩٧ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤٧١)، والسير (٩/ ١٤٠)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٦)، والعبر (١/ ٢٥٣)، وشذرات الذهب (١/ ٣٤٩)].\r(¬٢) أخرجه الدارقطني في الصفات (٧١).\r(¬٣) هو الإمام الحافظ المجتهد القاسم بن سلَّام بن عبد الله البغدادي اللغوي الفقيه، صاحب المصنفات، كان أبوه مملوكًا روميًا لرجل من أهل هَراة، وكان أبو عبيد فاضلًا في دينه وعلمه ولي قضاء الثغور مدة، قيل: إنه أول من صنف في غريب الحديث، توفي ﵀ بمكة سنة (٢٢٤ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: كتاب الأموال، وغريب الحديث، والإيمان. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٩)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٧)، والسير (١٠/ ٤٩٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٥٤)].\r(¬٤) أخرجه الدارقطني في الصفات (٦٨ - ٦٩)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٤٨).\r(¬٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211324,"book_id":118,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":108,"body":"وقال ابن القيم: \"العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: (بلا كيف) أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم.\rفكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله، والجمال كله، والعلم كله، والقدرة كلها، والعظمة كلها، والكبرياء كلها؟ ... \" (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211325,"book_id":118,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":109,"body":"المبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته)\rوفيه أربعة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.\r* المطلب الرابع: في بيان معنى قوله ﷺ: (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211326,"book_id":118,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":110,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\r- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك -نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يُحَيُّوْنَكَ فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) متفق عليه (¬١).\r- وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) رواه مسلم (¬٢).\r\rبيان وجه الإشكال\rاستشكل بعض أهل العلم قوله ﷺ: (خلق الله آدم على صورته)، حيث فهموا أن القول: بإعادة الضمير على الله تعالى في هذا الحديث، يلزم منه التشبيه -تشبيه صورة آدم بصورة الله تعالى- ولذلك اختلفوا في متعلق الضمير على أقوال يأتي بيانها قريبًا إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) البخاري: كتاب الاستئذان، باب: بدء السلام (٥/ ٢٢٩٩) ح (٥٨٧٣)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (١٧/ ١٨٤) ح (٢٨٤١).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب البر والصله، باب: النهي عن ضرب الوجه (١٦/ ٤٠٤)، (٢٦١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211327,"book_id":118,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":111,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في هذا الحديث وما في معناه، وعلى أي شيء يعود الضمير في قوله ﷺ: (خلق الله آدم على صورته)، وجملة الخلاف يعود إلى أربعة أقوال هي كالتالي:\rالقول الأول: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب.\rقال الحافظ ابن حجر: \"واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها\" (¬١).\rولعل مراد الحافظ رحمه الله تعالى بقوله \"فالأكثر ... \" أي: أكثر أهل التأويل كابن حبان والبيهقي (¬٢) والقاضي عياض (¬٣)","footnotes":"(¬١) الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣).\r(¬٢) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦٣). والبيهقي هو: الإمام الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الشافعي صاحب التصانيف، لزم الحاكم مدة فأخذ عنه وعن غيره، كتب الحديث وحفظه في صباه، وتفقه وبرع، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، توفي ﵀ سنة (٤٥٨ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: شعب الإيمان وكتاب الأسماء والصفات وكتاب البعث والنشور. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٩٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢)، والعبر (٢/ ٣٠٨)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٤)].\r(¬٣) انظر: إكمال المعلم (٨/ ٩٠ - ٩١)، والقاضي عياض هو: عياض بن موسى بن =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211328,"book_id":118,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":112,"body":"والقرطبي (¬١) وغيرهم.\rقال ابن حبان ﵀ تعليقًا على حديث: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته): \"يريد صورة المضروب؛ لأن الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم ضرب وجهًا خلق الله آدم على صورته\" (¬٢).\rأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَا يُعْرَفُ هذا القَوْل عَن أحَدٍ مِنْهُمْ سِوى ابن خزيمة وابن منده (¬٣) عليهما رحمة الله.\rقال ابن خزيمة: \"توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله: (على صورته) يريد صورة الرحمن عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله: (خلق آدم على صورته): الهاء في هذا الموضع كناية عن","footnotes":"= عياض بن عمرو بن موسى اليحصبي الأندلسي، الإمام العلامة الحافظ كان من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، تولى القضاء فترة طويلة حمدت سيرته فيها، توفي سنة (٥٤٤ هـ) وله من المصنفات: إكمال المعلم بفوائد مسلم، ومشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث، وغيرهما. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٢٤)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٠٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)].\r(¬١) انظر: المفهم (٦/ ٥٩٧). والقرطبي هو: العلامة المحدث أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي، كان من كبار الأئمة، توفي ﵀ بالإسكندرية سنة (٦٥٦ هـ) له مؤلفات من أشهرها: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٤٨)، والعبر (٣/ ٢٧٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٧٣)].\r(¬٢) صحيح ابن حبان (١٢/ ٤٢٠ - ٤٢١).\r(¬٣) انظر: التوحيد (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤). وابن منده هو: الحافظ الجوَّال محدث العصر أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، صاحب التصانيف طوَّاف الدنيا، سمع من ألف وسبعمائة شيخ، توفي ﵀ سنة (٣٩٥ هـ) له مؤلفات عديدة منها: كتاب التوحيد، والرد على الجهمية وغيرها. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣١)، والعبر (٢/ ١٨٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٤٦)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211329,"book_id":118,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":113,"body":"اسم المضروب والمشتوم، أراد ﷺ: أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أُمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر ﷺ أن يقول: (ووجه من أشبه وجهك) (¬١)؛ لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبحًا وجه آدم صلوات الله عليه وسلامه الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه أبيهم، فتفهموا -رحمكم الله- معنى الخبر: ولا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول: بالتشبيه الذي هو ضلال\" (¬٢).\rواستدل أصحاب هذا القول بما يلي:\r١ - التعليل في قوله ﷺ: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) رواه مسلم (¬٣). فقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته) بيان لسبب النهي عن ضرب الوجه، وهو أن آدم ﵇ خُلِقَ على صورة المضروب، ولذلك عنون ابن حبان على هذا الحديث بقوله: \"ذكر العلة التي من أجلها زُجر عن هذا الفعل\" (¬٤).\rوقال البيهقي: \"وإنما أراد -والله أعلم- فإن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب\" (¬٥).\rوقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها\" (¬٦).\r٢ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا ضرب أحدكم","footnotes":"(¬١) سيأتي تخريجه قريبا.\r(¬٢) التوحيد (١/ ٨٤).\r(¬٣) تقدم تخريجه ص (١١٤).\r(¬٤) صحيح ابن حبان (١٢/ ٤١٩).\r(¬٥) الأسماء والصفات (٢/ ٦٣).\r(¬٦) الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211330,"book_id":118,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":114,"body":"فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته) (¬١).\rقال الحافظ ﵀ تعليقًا على هذا الحديث: \"وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك\" (¬٢).\rوتقدم استدلال ابن خزيمة ﵀ بهذا الحديث.\r٣ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه.\rقال ابن خزيمة رحمه الله تعالى عن هذه الأحاديث: \"تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عَالَمًا من أهل الجهل والغباوة صلهم الجهل -بمعنى: الخبر- على القول: بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل وجهه، الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه\" (¬٣).\rوتقدم قوله ﵀: \"فتفهموا -رحمكم الله- معنى الخبر، ولا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول: بالتشبيه الذي هو ضلال\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده في موضعين (١٢/ ٣٨٢) ح (٧٤٢٠)، و (١٥/ ٣٧١) ح (٩٦٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٣٠) ح (٥٢٠)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٢) ح (٣٧)، والدارقطني في الصفات (٥٦) ح (٤٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٧٠) ح (٧١٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٣) ح (٦٣٩)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٣/ ١٥٢)، وقال الألباني في ظلال الجنة (١/ ٢٣٠): \"إسناده حسن صحيح\". وأخرجه -بدون قوله: (إذا ضرب أحدكم الوجه) -: الحميدي في مسنده (٢/ ٤٧٦) ح (١١٢٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١) ح (١٧٣)، وابن مندة في التوحيد (١/ ٢٢٣) ح (٨٤)، وقال: \"هذا إسناد مشهور متصل صحيح، وابن عجلان أخرج عنه مسلم والنسائي والجماعة إلا البخاري\".\r(¬٢) الفتح (٥/ ١٨٣).\r(¬٣) التوحيد (١/ ٨١).\r(¬٤) التوحيد (١/ ٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211331,"book_id":118,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":115,"body":"وأما حديث: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ... )، متفق عليه (¬١).\rفقد جعلوا الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇ (¬٢)، كما قال به أبو ثور (¬٣) وابن خزيمة والخطابي (¬٤) وأبو الشيخ الأصبهاني (¬٥) وابن مندة (¬٦) والبيهقي، -فقد نقل قول الخطابي وأقره عليه (¬٧) - والقاضي عياض (¬٨) والقرطبي (¬٩)، واحتمله ابن حجر (¬١٠) وعزاه ابن قتيبة إلى أهل","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (١١٤).\r(¬٢) انظر: المعلم للمازري (٣/ ١٧١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣)، وفتح الباري (١١/ ٣).\r(¬٣) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، صاحب الإمام الشافعي، وناقل الأقوال القديمة عنه، وكان أحد الفقهاء الأعلام، والثقات المأمونين في الدين، له مصنفات جمع فيها بين الحديث والفقه، وكان أول اشتغاله بمذهب أهل الرأي، حتى قدم الشافعي العراق فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث، توفي ﵀ سنة ست وأربعين ومائتين (٢٤٦ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦٣)، ووفيات الأعيان (١/ ٥٣)، والسير (١٢/ ٧٢)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٢)، والعبر (١/ ٣٣٩)، وشذرات الذهب (٢/ ٩٣)].\r(¬٤) هو الإمام العلامة الحافظ اللغوي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، صاحب التصانيف، كان يُشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علمًا وأدبًا وزهدًا وورعًا وتدريسًا وتأليفًا، توفي ﵀ سنة (٣٨٨ هـ) له تصانيف عديدة منها: معالم السنن، وغريب الحديث، وأعلام الحديث في شرح صحيح البخاري. [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ١٨٤)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠١٨)، والسير (١٧/ ٢٣)].\r(¬٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٣٩٦).\r(¬٦) انظر: كتاب التوحيد له (١/ ٢٢٣).\r(¬٧) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦١).\r(¬٨) انظر: إكمال المعلم (٨/ ٣٧٤).\r(¬٩) انظر: المفهم (٧/ ١٨٣).\r(¬١٠) انظر: الفتح (٥/ ١٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211332,"book_id":118,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":116,"body":"الكلام (¬١)، وهو كما قال (¬٢)، فان هذا القول لا يعرف لأحد من أهل السنة غير أبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ وابن منده عليهم رحمة الله.\rقال أبو ثور ﵀: \"إنما هو على صورة آدم ليس هو على صورة الرحمن\" (¬٣).\rوقال ابن خزيمة ﵀: \"فصورة آدم ستون ذراعًا التي أخبر النبي ﷺ أن آدم ﵇ خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله: (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار (¬٤)، قد نزه الله نفسه وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] \" (¬٥).\rوقال الخطابي ﵀: \"قوله: (خلق الله آدم على صورته)، الهاء: وقعت كناية بين اسمين ظاهرين، فلم يصلح أن تصرف إلى الله ﷿ لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فكان مرجعها إلى آدم، والمعنى: أن ذرية آدم إنما خلقوا أطوارًا، كانوا في مبدأ الخلقة نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صاروا صورًا أجنة إلى أن تتم مدة","footnotes":"(¬١) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٤).\r(¬٢) انظر مثلًا: أساس التقديس في علم الكلام للرازي (٧١) فقد عقد فصلًا في تأويل حديث الصورة ذكر فيه أن عود الضمير له ثلاث احتمالات، الثاني منها قال: \"أن يكون الضمير عائدًا إلى آدم ﵇، وهذا أولى الوجوه الثلاثة\".\r(¬٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٨٩ - ٩٠)، وانظر: (٢/ ٣٣٦).\r(¬٤) الموتان: ضد الحيوان، وهو كل شيء غير ذي روح. انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٤٤) مادة: (موت)، والأبشار: جمع بشر. انظر: لسان العرب (٤/ ٦٠) مادة (بشر)، وقد ذكر المحقق (١/ ٩) هامش (٦) أن في بعض النسخ: \"بالذرعان والأشبار\" بدلًا من: \"الموتان والأبشار\"، ولعل هذا هو الصواب، حيث إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد نقل هذا الكلام من كتاب ابن خزيمة فذكره بهذا اللفظ. انظر: ص (١٤٧) من هذا البحث ففيه نقل كلامه.\r(¬٥) التوحيد (١/ ٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211333,"book_id":118,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":117,"body":"الحمل، فيولدون أطفالًا، وينشؤون صغارًا إلى أن يكبروا فيتم طول أجسامهم، يقول: إن آدم لم يكن خلقه على هذه الصفة، لكنه أول ما تناولته الخلقة وجد خلقًا تامًا طوله ستون ذراعًا\" (¬١).\rواستدل أصحاب هذا التأويل بما يلي:\r١ - حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... ).\rقال القاضي عياض: \"قوله هنا: (طوله ستون ذراعًا) يبين الإشكال ويزيح التشابه ويوضح أن الضمير راجع إلى آدم نفسه\" (¬٢).\rوقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لهذا الحديث: \"وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته، بل خلقه الله رجلًا كاملًا سويًا من أول ما نفخ فيه الروح ثم عقب ذلك بقوله: (وطوله ستون ذراعًا) فعاد الضمير أيضًا على آدم\" (¬٣).\r٢ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه وهذا ظاهر في استدلال ابن خزيمة ﵀ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ كما تقدم.\rوكذا قول الخطابي في الضمير: \"فلم يصلح أن تصرف إلي الله ﷿؛ لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ \" (¬٤).\rفالحامل لهم على هذا التأويل هو الفرار من التشبيه.\rالقول الثاني: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو ممن","footnotes":"(¬١) أعلام الحديث (٣/ ٢٢٢٧).\r(¬٢) إكمال المعلم (٨/ ٣٧٤)، وانظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٩٣ - ٩٤).\r(¬٣) الفتح (٦/ ٣٦٦).\r(¬٤) تقدم قريبًا في ص (١٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211334,"book_id":118,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":118,"body":"انتصر لهذا القول وأطال الكلام جدًا على هذا الحديث (¬١) -قال: \"هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك\" (¬٢).\rوممن أشار إلى هذا القول -أيضًا- وأثبت صفة الصورة لله تعالى بهذا الحديث:\rإسحاق بن راهويه والإمام أحمد، فعن إسحاق الكوسج (¬٣) أنه قال: قلت لأحمد: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) (¬٤)، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.","footnotes":"(¬١) في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطًا، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملًا، لكنه لم يطبع بعد.\rوكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابه: (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).\r(¬٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق د. عبد الرحمن اليحيى (٢/ ٣٩٦).\r(¬٣) هو أبو يعقوب إسحاق بن منصور بن بهرام المروزي، نزيل نيسابور، إمام فقيه حافظ حجة، طلب العلم ودوَّنه، وبرع واشتهر، وهو الذي دوَّن المسائل في الفقه عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، توفي ﵀ سنة إحدى وخمسين ومائتين (٢٥١ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٣٦٠)، وطبقات الحنابلة (١/ ٣٠٣)، والسير (١٢/ ٢٥٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٢٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٨٥)، وشذرات الذهب (٢/ ١٢٣)].\r(¬٤) أخرجه بهذا اللفظ -عن ابن عمر- ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٩) ح (٥١٨)، والدارقطني في الصفات (٥٦) ح (٤٥)، وقال الألباني في ظلال الجنة: \"حديث صحيح وإسناده ضعيف\".\rوأخرجه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٥١) ح (٧٢٢) من طريق أبي هريرة ﵁.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211335,"book_id":118,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":119,"body":"وقال ابن راهويه: \"صحيح ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي\" (¬١).\rوسئل الإمام أحمد فقيل له: يا أبا عبد الله: الحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ: (أن الله خلق آدم على صورته) على صورة آدم؟ فقال: فأين الذي يروى عن النبي ﷺ: (أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ﷿؟ وأي صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلق؟ (¬٢).\rوصرح الإمام أحمد ﵀ بأن القول: بإعادة الضمير على آدم أو على","footnotes":"(¬١) رواه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٢٧) ح (٦٩٧)، وابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٦) ح (١٩٧)، واللفظ له وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٩٧)، وانظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٨١)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).\r(¬٢) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨٨، ٩٠). تنبيه: روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال في معنى حديث: (إن الله خلق آدم على صورته): \"صوَّر آدم قبل خلقه ثم خلقه على تلك الصورة، فأما أن يكون الله خلق آدم على صورته فلا، وقد قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولا نقول: إن الله يشبهه شيء من خلقه، ولا يخفى على الناس أن الله خلق آدم على صورة آدم\"، ولكن هذه الرواية باطلة لا تصح عن الإمام أحمد ﵀، إذ إن جميع الروايات عنه ﵀ -في هذا الباب- ترد هذه الرواية وتبطلها، كيف وقد جعل الإمام أحمد ﵀ هذا التأويل من تأويلات الجهمية كما سيأتي.\rوقد نقل هذه الرواية أبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات (١/ ٨٩ - ٩٠) ثم قال: \"قال أبو طالب المكي: هذا توهم عن أحمد، إنما هذا قول أبي ثور، فذُكر ذلك لأحمد فأنكر عليه وقال: ويله وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها؟ يقول: إن الله خلق على مثال! ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر: (أن الله خلق آدم على صورة الرحمن).\rفهذا هو المحفوظ من قول أحمد، وإنما التبس القولان فنسب ذلك إلى أحمد، لأن أبا ثور كان سئل عن قوله: (خلق آدم على صورته) فقال: الهاء عائدة على آدم\".\rوذكر هذه الرواية الذهبي في الميزان (٢/ ٣٧٤)، ووصف الراوي لها بأنه قد أتى بشيء منكر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211336,"book_id":118,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":120,"body":"الرجل المضروب: قول الجهمية (¬١).\rفقال ﵀: \"من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة لآدم قبل أن يخلقه\" (¬٢).\rوقال عبد الله (¬٣) بن الإمام أحمد: \"قال رجل لأبي: إن فلانًا يقول في حديث رسول الله ﷺ: (إن الله خلق آدم على صورته)، فقال: على صورة الرجل! قال أبي: كذب هذا، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟ \" (¬٤).\rوممن قال بهذا القول -أيضًا- الآجري (¬٥) ﵀، فقد عقد بابًا","footnotes":"(¬١) الجهمية: هم أتباع جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، حيث زعم أنه لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على سبيل المجاز، وزعم أيضًا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وقال بنفي أسماء الله تعالى وصفاته، ظهرت بدعته بترمذ وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية. [انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٣٣٨، ٢١٤)، والفرق بين الفرق للبغدادي (١٩٤)، وأصول الدين للبغدادي أيضًا (٣٣٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٦)].\r(¬٢) رواه ابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٦) ح (١٩٨)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٧٥، ٨٨)، وطبقات الحنابلة (٢/ ٣٣٦)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٥).\r(¬٣) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، الإمام الحافظ الناقد المحدِّث، روى عن أبيه شيئًا كثيرًا، من جملته: المسند كله، والزهد، وله كتاب السنة، وكان ثقة ثبتًا فهمًا، توفي ﵀ سنة تسعين ومائتين (٢٩٠ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٣٨٢)، والسير (١٣/ ٥١٦)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٥)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٧٧)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٠٣)].\r(¬٤) إبطال التأويلات (١/ ٨٨).\r(¬٥) هو الإمام المحدث الفقيه الشافعي أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، كان عالمًا عابدًا صاحب سنة واتباع، انتقل إلى مكة وجاور بها، وبها توفي ﵀ سنة (٣٦٠ هـ)، وله عدة تصانيف أشهرها: كتاب الشريعة. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٣٩)، ووفيات الأعيان (٤/ ١١٣)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٣٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٥)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211337,"book_id":118,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":121,"body":"بعنوان: \"الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم على صورته بلا كيف\" (¬١)، ثم ساق هذا الحديث بطرق متعددة، ثم قال: \"هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يُقال فيها: كيف؟ ولِمَ؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر\" (¬٢).\rوأيضًا قال بهذا القول ابن قتيبة (¬٣)، وأبو يعلى الفراء (¬٤)، وأبو إسماعيل الهروي (¬٥)، فقد عقد بابًا بعنوان: \"إثبات الصورة له ﷿\" (¬٦)، ثم ساق تحته حديث أبي هريرة: (خلق الله آدم على صورته).\rوكذا قوام السنة إسماعيل التيمي الأصبهاني (¬٧)، والشيخ عبد الله أبو بطين (¬٨)، وعبد العزيز بن باز (¬٩)، ومحمد العثيمين (¬١٠)، عليهم رحمة الله.","footnotes":"(¬١) الشريعة (٣/ ١١٤٧).\r(¬٢) الشريعة (٣/ ١١٥٣).\r(¬٣) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٦).\r(¬٤) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨١).\r(¬٥) هو شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن الهروي الصوفي الحافظ أحد الأعلام، كان جذعًا في أعين المبتدعة، وسيفًا على الجهمية، وقد امتحن مرَّات وصنف عدة مصنفات، وكان شيخ خراسان في زمانه بلا مدافع، توفي ﵀ سنة (٤٨١ هـ) له عدة مؤلفات منها: ذم الكلام وأهله، والأربعين في دلائل التوحيد. [انظر: السير (١٨/ ٥٠٣)، والعبر (٢/ ٣٤٣)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٦٥)].\r(¬٦) الأربعين في دلائل التوحيد (٦٣).\r(¬٧) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٣١٠ - ٣١١).\r(¬٨) انظر: الدرر السنية (٣/ ٢٦٠ - ٢٦٤)، وأبو بطين هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز العائذي، الملقب بأبي بطين، فقيه الديار النجدية في عصره، وأحد تلامذة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تولى القضاء في عدد من المناطق، وله عدة مؤلفات منها: الانتصار، وتأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، توفي ﵀ في شقراء سنة ألف ومائتين واثنتين وثمانين (١٢٨٢ هـ). [انظر: علماء نجد (٤/ ٢٢٥)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٥٢)، والأعلام (٤/ ٩٧)].\r(¬٩) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة له، جمع وترتيب د/ محمد الشويعر (٦/ ٣٥٣).\r(¬١٠) انظر: شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٨ - ١١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211338,"book_id":118,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":122,"body":"واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:\r١ - ظاهر النصوص السابقة والتي فيها قوله ﷺ: (خلق الله آدم على صورته)، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، وذلك بإرجاع الضمير إلى الله تعالى.\rوقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى عند هذا الحديث: \"وإذا ثبتت صحته فغير ممتنع الأخذ بظاهره من غير تفسير ولا تأويل\" (¬١).\rوسئل ﵀ عن هذا الحديث فقال: \"لا نفسره كما جاء الحديث\" (¬٢).\rقال القاضي أبو يعلى تعليقًا على هذا الكلام: \"فقد صرح بالقول: بالأخذ بظاهره، والكلام فيه في فصلين:\rأحدهما: جواز إطلاق تسمية الصورة عليه سبحانه ...\rالفصل الثاني: في إطلاق القول: بأنه خلق آدم على صورته وأن الهاء راجعة على الرحمن\" (¬٣).\rوسئل الإمام أحمد -أيضًا- عن هذا الحديث فقال: \"نقول كما جاء الحديث\" (¬٤).\r٢ - حديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن).\rفقالوا: هذا نص صحيح صريح غير قابل للتأويل (¬٥).","footnotes":"(¬١) إبطال التأويلات (١/ ٧٩).\r(¬٢) إبطال التأويلات (١/ ٧٩ - ٨٠)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤).\r(¬٣) إبطال التأويلات (١/ ٨٠ - ٨١).\r(¬٤) رواه ابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٤) ح (١٩٦)، وانظر: المنتخب من العلل للخلال، لابن قدامة المقدسي (٢٦٥ - ٢٦٧)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٥).\r(¬٥) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211339,"book_id":118,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":123,"body":"ولأهمية هذا الحديث في هذا الباب وكونه فيصلًا وقاطعًا للنزاع في هذه المسألة، فقد أثار نقاشًا واسعًا، خاصة بين بعض العلماء المعاصرين (¬١).\rوفيما يلي توضيح وبيان لهذا الحديث بشيء من التوسع فأقول:\rجاء هذا الحديث من طريقين: أحدهما موصول والآخر مرسل:\rأما الموصول فهو من رواية الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم ... ) (¬٢).","footnotes":"(¬١) كتب الشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵀ مقالة -في مجلة الجامعة السلفية في ذي القعدة سنة (١٣٩٦) المجلد الثامن العدد الرابع- بعنوان: \"تعريف أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن\"، صحح فيه هذا الحديث ورد على ابن خزيمة في تعليله له، ونقل هذه المقالة: الدكتور علي بن ناصر الفقيهي في هامش كتاب الصفات للدارقطني بتحقيقه (٥٨ - ٦٢).\rفكتب الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ردًا على هذه المقالة، وذلك في ذيل تضعيفه لهذا الحديث ونصرته لتعليل ابن خزيمة ﵀، في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٣١٩).\rفكتب الشيخ حمود التويجري ﵀ رسالة بعنوان: \"عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن\"، رد فيها على تضعيف ابن خزيمة والألباني لهذا الحديث.\rثم كتب الشيخ عبد الله الدويش ﵀ رسالة بعنوان: \"دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق الله آدم على صورة الرحمن\" رد فيها على ابن خزيمة ﵀ وكذا على الألباني في رده على الشيخ حماد الأنصاري.\rرحم الله الجميع، وأسكنهم فسيح جناته، فكلهم ناشد للحق، حريص على السنة، ذاب عن حياض العقيدة، نحسبهم كذلك والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدًا.\r(¬٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٨) ح (٥١٧)، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (١/ ٢٦٨) ح (٤٩٨)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٥) ح (٤١)، والآجري في الشريعة (٣/ ١١٥٢) ح (٧٢٥)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٢٩) ح (١٣٥٨٠)، وابن بطة في الإبانة (المختار ٢٤٤) ح (١٨٥)، وكذا في (٢٦٠) =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211340,"book_id":118,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":124,"body":"وأما المرسل فهو من رواية سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء: قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن) (¬١).\rوقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث بين مصحح ومضعف:\rفممن صححه: إسحاق بن راهويه (¬٢) وأحمد (¬٣)، والحاكم (¬٤)، وابن تيمية (¬٥)، والذهبي (¬٦)، وابن حجر (¬٧).","footnotes":"= ح (١٩٠)، و (٢٦٢) ح (١٩٣)، والدارقطني في الصفات (٦٤) ح (٤٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٤) ح (٦٤٠)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٤٩) ح (٣٢٤٣)، وأبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٩٦) ح (٨١).\r(¬١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٦) ح (٤٢)، وصحح إسناده الألباني في ظلال الجنة (١/ ٢٢٩).\r(¬٢) حيث قال ﵀: \"قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن آدم خلق على صورة الرحمن) \" إبطال التأويلات (١/ ٨١)، وانظر: المنتخب من العلل للخلال، لابن قدامة (٢٦٥)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٧)، والميزان للذهبي (٤/ ٩٦)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).\r(¬٣) قال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد بن حنبل يقول: \"هذا الحديث صحيح\" ميزان الاعتدال (٤/ ٩٦)، وانظر: الفتح (٥/ ١٨٣)، وإبطال التأويلات (١/ ٩٢).\r(¬٤) حيث قال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" المستدرك (٢/ ٣٤٩)، ووافقه الذهبي.\r(¬٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٦٣)، وعقيدة أهل الإيمان (٢٦)، ودفاع أهل السنة للدويش (٥٠).\r(¬٦) حيث قال عن هذا الحديث \"وصح أيضًا من حديث ابن عمر\" السير (٥/ ٥٤٠).\r(¬٧) حيث قال عن هذه الزيادة (على صورة الرحمن): \"الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات\" الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي (٨/ ١٠٦).\rوصحح الحديث -أيضًا- الشيخ حماد الأنصاري في مقالته: \"تعريف أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن\"، وهي مطبوعة في هامش كتاب الصفات للدارقطني (٥٨) بتحقيق الفقيهي. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211341,"book_id":118,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":125,"body":"وأما الذين ضعفوه فعلى رأسهم ابن خزيمة، والمازري (¬١)، والألباني، عليهم رحمة الله.\rأما ابن خزيمة فقد وجه إلى هذا الحديث ثلاث علل، وزاد عليها الألباني علة رابعة وهي كالتالي:\rالعلة الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر.\rوالعلة الثانية: أن الأعمش مدلس ولم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.\rوالعلة الثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت مدلس أيضًا ولم يعلم أنه سمعه من عطاء.\rوأما العلة الرابعة التي ذكرها الألباني فهي: أن جرير بن عبد الحميد -راوي هذا الحديث عن الأعمش- قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ (¬٢).\rوقد أجاب أهل العلم عن هذا التعليل بجوابين: أحدهما مجمل، والآخر مفصل:\rأما المجمل فهو: أن تضعيف ابن خزيمة ﵀ مقابل بتصحيح غيره كإسحاق وأحمد عليهما رحمة الله، وهما أعلم بالأسانيد والعلل منه.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: \"قد صححه إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس\" (¬٣).","footnotes":"= وكذا الشيخ عبد الله الدويش في رسالته: \"دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن\" ص (٨).\r(¬١) انظر: المعلم (٣/ ١٦٩)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).\r(¬٢) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٣١٧).\r(¬٣) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211342,"book_id":118,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":126,"body":"وأما الجواب المفصل: فهو بتتبع هذه العلل، الواحدة تلو الأخرى والجواب عنها:\rأما العلة الأولى وهي: كون الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، حيث أرسله ولم يصله كما فعل الأعمش.\rفالجواب عنها: أن مخالفة الثوري للأعمش لا تضر ولا تؤثر لأن الأعمش ثقة حافظ، وكان يسمى المصحف من صدقه، قال فيه يحيى القطان (¬١): هو علامة الإسلام، وقال ابن عيينة (¬٢): سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى، وقال شعبة (¬٣): ما شفاني أحد من الحديث ما شفاني الأعمش، وقال ابن عمار (¬٤): ليس في المحدثين أحد","footnotes":"(¬١) هو يحيى بن سعيد بن فرُّوخ التميمي مولاهم أبو سعيد القطان البصري، إمام متقن حافظ، عُني بالحديث ورحل فيه، وساد الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلَّم في العلل والرجال، وتخرج به الحفاظ، توفي ﵀ سنة ثمان وتسعين ومائة (١٩٨ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٤٠)، والسير (٩/ ١٧٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٨)، وتقريب التهذيب (٢/ ٣٠٣)، وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥)] ..\r(¬٢) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، وقد اتفقت الأئمة على الاحتجاج به لحفظه وأمانته، أدرك نيفًا وثمانين نفسًا من التابعين، انتهى إليه علو الإسناد، ورُحل إليه من البلاد، توفي ﵀ سنة (١٩٨ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ١٧٣)، ووفيات الأعيان (٢/ ٣٢٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٦٢)، والسير (٨/ ٤٥٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٧١)].\r(¬٣) هو الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام الأزدي العتكي مولاهم الواسطي، عالم أهل البصرة وشيخها، وأمير المؤمنين في الحديث، كان من أوعية العلم، لا يتقدمه أحد في الحديث في زمانه، وهو أوَّل من فتَّش بالعراق عن الرجال، وذبَّ عن السنة، وكان عابدًا زاهدًا، توفي ﵀ سنة (١٦٠ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٢٥٥)، ووفيات العيان (٢/ ٣٨٨)، والسير (٧/ ٢١٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٩٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٤١٨)].\r(¬٤) هو أبو الفضل محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمَّار الجارودي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211343,"book_id":118,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":127,"body":"أثبت من الأعمش (¬١).\rفمخالفة الثوري للأعمش لا تُعِلُّ حديثه؛ لأن معه زيادة علم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (¬٢).\rثم إنه ليس بين الطريقين -الموصول والمرسل- اختلاف؛ لأن المرسل قد بينه الموصول فهو مفسر له، فالطريق التي فيها رواية عطاء عن النبي ﷺ مباشرة -دون ذكر ابن عمر- قد بينتها الطريق الأخرى والتي فيها رواية عطاء عن ابن عمر عن النبي ﷺ.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"من المعلوم أن عطاء بن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي ﷺ، فلا بد أن يكون قد سمعه من أحد، وإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه أخذه عن ابن عمر كان هذا بيانًا وتفسيرًا لما تركه وحذفه من الطريق الأخرى، ولم يكن هذا اختلافًا أصلًا\" (¬٣).\rوأما العلة الثانية وهي: تدليس الأعمش فإنها لا تؤثر في صحة الإسناد؛ لأن الأعمش معدود في الطبقة الثانية من المدلسين، وهم الذين احتمل الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح، لإمامتهم وقلة تدليسهم في جنب ما رووا كالثوري أو لأنهم لا يدلسون إلا عن ثقات كابن عيينة، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه: \"تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس\" (¬٤).\rثم إن الثوري قد تابع الأعمش في رواية هذا الحديث عن حبيب بن","footnotes":"= الهروي، إمام حافظ ناقد مجوِّد، من أقران الطبراني وابن عدي، ويُعرف بابن عمار الشهيد، لأنه قتل في الحرم على يد القرامطة سنة (٣١٧ هـ). [انظر: السير (١٤/ ٥٣٨)، والعبر (١/ ٤٧٥)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٧٥)].\r(¬١) انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤ - ١٢)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٢٤٦، ٢٣٢).\r(¬٢) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٢)، ودفاع أهل السنة والإيمان (٩).\r(¬٣) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٩).\r(¬٤) انظر: ص (٢٣، ٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211344,"book_id":118,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":128,"body":"أبي ثابت كما هو عند ابن خزيمة في كتاب التوحيد -وقد تقدم- إلا أنه مرسل (¬١) وقد صحح الألباني إسناده (¬٢).\rوأما العلة الثالثة: وهي تدليس حبيب بن أبي ثابت، فإنه وإن كان معروفًا بالتدليس (¬٣)، إلا أن الذي يترجح في روايته هذه أنه لم يدلس فيها وأنه قد سمعه من عطاء وإن لم يصرح بذلك، ويدل على ذلك أنه كان يروى عن ابن عمر ﵄ مباشرة، فلو كان قد دلس في هذا الحديث لكان جديرًا أن يرويه عن ابن عمر ﵄ بدون واسطة ليحصل له بذلك علو الإسناد، ولكن لما رواه عن عطاء عن ابن عمر ﵄ دلَّ ذلك على أنه لم يدلس في روايته (¬٤)، وقد قال فيه يحيي بن معين (¬٥): ثقة حجة.\rوقال الذهبي: وهو ثقة بلا تردد (¬٦).\rثم إن حديث أبي هريرة -الآتي قريبًا- يعضده ويقويه ويشهد له.\rوأما العلة الرابعة والتي ذكرها الألباني ﵀ وهي: أن جرير بن عبد الحميد قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ.\rفالجواب عنها أن يقال: \"إن هذا الحديث قد رواه عن جرير أئمة حفاظ مثل إسحاق بن راهوية وقد جزم بصحة الحديث، وأبي معمر","footnotes":"(¬١) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٢)، ودفاع أهل السنة (٩).\r(¬٢) كما في ظلال الجنة (١/ ٢٢٩).\r(¬٣) انظر: تقريب التهذيب (١/ ١٨٣).\r(¬٤) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٣)، ودفاع أهل السنة (٩).\r(¬٥) هو الإمام يحيى بن معين المري مولاهم البغدادي، أحد الأعلام وحجة الإسلام وسيد الحفاظ وإمام الجرح والتعديل، حديثه في الكتب الستة، كان بينه وبين الإمام أحمد مودة واشتراك في طلب الحديث ورجاله، وروى عنه الإمام أحمد له مناقب كثيرة وفضائل شهيرة، توفي ﵀ بالمدينة سنة (٣٢٣ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٨١)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٩)، وتقريب التهذيب (٢/ ٣١٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٧٩)].\r(¬٦) السير (٥/ ٢٩٠ - ٢٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211345,"book_id":118,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":129,"body":"وإسماعيل بن موسى وهارون بن معروف ونحوهم، ولم يذكر أحد منهم أنه أخطأ فيه، بل رووه قابلين له وتلقاه عنهم العلماء بالقبول، فهذا برهان واضح أن جريرًا قد حفظه، هذا لو لم يروه غير جرير، فكيف وقد رواه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن حبيب عن عطاء إلا أنه أرسله؟ ! \" (¬١).\rويشهد لهذا الحديث: ما رواه أبو هريرة ﵁ والذي جاء من وجهين:\rأحدهما: من طريق ابن لهيعة عن أبي يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن) (¬٢).\rوالثاني: من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه) (¬٣).","footnotes":"(¬١) دفاع أهل السنة (١٠ - ١١).\r(¬٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٣٠) ح (٥٢١)، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (٢/ ٥٣٦) ح (١٢٤٣)، والدارقطني في الصفات (٦٥) ح (٤٩)، وفيه رواه ابن لهيعة عن الأعرج، وأخرجه -أيضًا- أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٩٦) ح (٨٢)، وقال الألباني في ظلال الجنة (٢٣٠): \"إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ\".\r(¬٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٧) ح (٥١٦)، وقال الألباني في ظلال الجنة: \"إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غير شيخ المصنف وهو ثقة ... لكني في شك من ثبوت قوله: (على صورة وجهه) فإن المحفوظ في الطرق: (على صورته) \" ا. هـ قلت: لا وجه لهذا الشك وقد حكم على إسناده بالصحة، وليس في هذه الرواية ما يخالف الرواية الأخرى: (على صورته).\rقال الشيخ عبد الله الدويش تعليقًا على هذا الكلام للألباني: \"قلت: سعيد ثقة حافظ فلا يرد حديثه بمثل هذا التوهم، وهذه اللفظة لا تخالف ما ثبت من قوله (على صورته) لأن الضمير يعود على الله كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211346,"book_id":118,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":130,"body":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -وهو يتكلم على حديث ابن عمر-: \"وأيضًا فقد روي بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة، والحديث المروي من طريقين مختلفين لم يتواطأ رواتهما، يؤيد أحدهما الآخر ويستشهد به ويعتبر به، بل قد يفيد ذلك العلم، إذ الخوف من تعمد الكذب أو من سوء الحفظ، فإذا كان الرواة ممن يعلم أنهم لا يتعمدون الكذب، أو كان الحديث ممن لا يُتواطأ في العادة على اتفاق الكذب على لفظه، لم يبق إلا سوء الحفظ، فإذا كان قد حفظ كل منهما مثل ما حفظ الآخر، كان ذلك دليلًا على أنه محفوظ\" (¬١).\rبل أشار شيخ الإسلام إلى أن عطاء لو لم يذكره إلا مرسلًا لكان فيه كفاية؛ لأنه من أجلِّ التابعين قدرًا، فإنه هو وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم، وجزمه بهذا الخبر العلمي عن النبي ﷺ في مثل هذا الباب دليل على ثبوته عنده (¬٢).\rتنبيه:\rأشار بعض أهل العلم كابن فورك (¬٣)، والبيهقي (¬٤)، والمازري (¬٥)،","footnotes":"= رده على الرازي وأبطل قول من جعل الضمير يعود على آدم أو غيره من المخلوقين من وجوه كثيرة، من تأملها لم يبق عنده شبهة وشك في أن الضمير يعود على الله\" دفاع أهل السنة (١١ - ١٢)، وانظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٧ - ٢٨).\r(¬١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢).\r(¬٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٩).\r(¬٣) انظر: مشكل الحديث (٤٣).\r(¬٤) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦٤).\r(¬٥) المعلم (٣/ ١٦٩)، والمازري هو: الشيخ الإمام العلامة البحر المتفنن أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، كان ذكيًا بصيرًا بعلم الحديث، له معرفة بالطب، ألف في الفقه والأصول والحديث وغيرها، توفي ﵀ سنة (٥٣٦ هـ)، وله تصانيف من أشهرها: المعلم بفوائد مسلم. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٩)، والسير (٢٠/ ١٠٤)، والعبر (٢/ ٤٥١)، وشذرات الذهب (٤/ ١١٤)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211347,"book_id":118,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":131,"body":"والقرطبي (¬١)، وغيرهم، إلى أنه يحتمل أن يكون بعض الرواة قد نقله بهذا اللفظ - (على صورة الرحمن) - بناءً على ما وقع في قلبه من معناه.\rولكن هذا الاحتمال باطل عارٍ من الدليل، فلا ترد بمثله الأحاديث، ومنشأ هذا الاحتمال هو استبعاد عود الضمير على الله تعالى، لأن هذا على مذهبهم يلزم منه تشبيه الله تعالى بخلقه، ولكن هذا اللازم غير مسلم كما سيأتي.\r\rالخلاصة:\rأن هذا الحديث -وهو حديث ابن عمر- صححه جمع من أهل العلم كإسحاق وأحمد والحاكم وابن تيمية والذهبي وابن حجر وغيرهم، وذكروا له شواهد تعضده وتقويه، وضعفه آخرون كابن خزيمة والمازري، وتبعهم في ذلك الألباني فأعله ابن خزيمة بثلاث علل، وزاد عليها الألباني علة رابعة تمت الإجابة عنها فيما تقدم، والله أعلم.\rالقول الثالث: أن الضمير في قوله (على صورته) يعود على الله ﷿ وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وكما يقال في الكعبة: بيت الله ... وهكذا.\rوبهذا جزم ابن خزيمة ﵀ -بناءً على افتراض صحة حديث (على صورة الرحمن) - فقال بعدما أعل الحديث بما تقدم: \"فإن صح هذا الخبر مسندًا بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت، وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح، وصح أنه عن اين عمر -على ما رواه الأعمش- فمعنى هذا الخبر عندنا: أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه، لأن الخلق يضاف إلى الرحمن، إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها، ألم تسمع قوله ﷿: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]،","footnotes":"(¬١) نقل ذلك عنه الحافظ في الفتح (٥/ ١٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211348,"book_id":118,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":132,"body":"فأضاف الله الخلق إلى نفسه، إذ الله تولى خلقه، وكذلك قول الله ﷿: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه ... \" (¬١).\rالقول الرابع: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك (¬٢) ﵀، فقد روى العقيلي بسنده عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سأل الإمام مالك ﵀ عمن يحدث بهذا الحديث الذي قالوا: (إن الله خلق آدم على صورته)؟ فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا ونهى أن يحدث به أحد، فقيل له: إن أناسًا من أهل العلم يتحدثون به، قال: من هم؟ قيل: ابن عجلان عن أبي الزناد، فقال: لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء، ولم يكن عالمًا، ولم يزل أبو الزناد عاملًا لهؤلاء حتى مات وكان صاحب عمال يتبعهم (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) التوحيد (١/ ٨٧ - ٩١)، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٦٣ - ٦٤)، والمعلم للمازري (٣/ ١٧١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣ - ٤٠٤).\r(¬٢) انظر: التمهيد (٧/ ١٥٠).\r(¬٣) انظر: الضعفاء الكبير (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (٤/ ٩٥)، وفي السير (٥/ ٤٤٩)، وانظر: السير (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) فقد نقل فيه الذهبي هذه القصة عن الإمام مالك من طريق ابن عدي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211349,"book_id":118,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":133,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rمما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف -على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك ... ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم، والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة\" (¬١).\rولا فرق بين إثبات هذه الصفة -الصورة- لله تعالى وبين إثبات بقية الصفات، فما يقال فيها من توهم المشابهة والمماثلة، يقال في بقية الصفات كاليدين والوجه والعين وغيرها.","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211350,"book_id":118,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":134,"body":"قال ابن قتيبة ﵀: \"والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك، لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد\" (¬١).\rوقال القاضي أبو يعلى ﵀ عن هذا الحديث: \"والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور، كما أطلقنا تسمية ذات ونفس لا كالذوات والنفوس\" (¬٢).\rوقد جاءت عدة أحاديث صحيحة في إثبات الصورة لله تعالى -غير ما تقدم- ومن ذلك ما يلي:\r١ - حديث أبي هريرة ﵁: أن ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: (هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ ) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ ) قالوا: لا يا رسول الله قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول، أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه) متفق عليه (¬٣).","footnotes":"(¬١) تأويل مختلف الحديث (٢٠٦).\r(¬٢) إبطال التأويلات (١/ ٨١).\r(¬٣) البخاري في مواضع: في كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم (٥/ ٢٤٠٣) ح (٦٢٠٤)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٤) ح (٧٠٠٠)، وفي كتاب صفة الصلاة، باب: فضل =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211351,"book_id":118,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":135,"body":"قال القاضي أبو يعلى: \"اعلم أن هذا الخبر يدل على إثبات الصورة وعلى الإتيان ... وأنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور\" (¬١).\r٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية -وهو بمعنى الحديث السابق- وفيه: (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها ... ) متفق عليه (¬٢).\r٣ - حديث معاذ ﵁ قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوَّب بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ، وتجوَّز في صلاته، فلما سلَّم دعا بصوته فقال لنا: (على مصافكم كما أنتم)، ثم انفتل إلينا فقال: (أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، أني قمت من الليل، فتوضأت فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي، فاستثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة ... ) (¬٣).","footnotes":"= السجود (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣) لكن ليس فيه لفظ الصورة، ومسلم -واللفظ له- في كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٢١) ح (١٨٢).\r(¬١) إبطال التأويلات (١/ ١٥١).\r(¬٢) البخاري: كتاب التفسير، باب: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (٤/ ١٦٧١) ح (٤٣٠٥)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٣٠) ح (١٨٣).\r(¬٣) هذا الحديث يعرف بحديث المنام، لأن فيه رؤية النبي ﷺ لربه في المنام، وقد أخرجه الترمذي (٩/ ١٠٦) ح (٣٢٨٨)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: هذا صحيح\"، وانظر: العلل الكبير للترمذي (٢/ ٨٩٦)، وأخرجه أحمد في المسند (٣٦/ ٤٢٢) ح (٢٢١٠٩)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٤٠) ح (٣٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٩) ح (٢١٦)، وأيضًا في (٢٠/ ١٤١) ح (٢٩٠)، والدارقطني في الرؤية (٣١١ - ٣١٣) ح (٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١)، والحاكم مختصرًا (١/ ٧٠٢).\rوهذا الحديث مروي عن معاذ من عدة طرق أصحها ما رواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلَّام عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أنه حدثه عن مالك بن يخامر السكسكي عن معاذ بن جبل، وهي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211352,"book_id":118,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":136,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= الطريق التي صححها الترمذي والبخاري -كما تقدم- وقال البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٧٩): \"وأحسن طريق فيه رواية جهضم بن عبد الله ثم رواية موسى بن خلف\".\rوقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع، تحقيق د/ محمد البريدي (١/ ٢٦١) عن هذه الطريق: \"هذه الطريق أتم الطرق إسنادًا ومتنًا\".\rوقد جاء هذا الحديث -أيضًا- من عدة طرق عن عدد من الصحابة كابن عباس وأنس وعبد الرحمن بن عائش وأبي أمامة الباهلي وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر وثوبان وأبي هريرة وأبي رافع وجابر بن سمرة وأبي عبيدة بن الجراح، وهو بمجموع هذه الطرق حديث صحيح صححه جمع من أهل العلم والحديث.\rقال الإمام أحمد عن حديث معاذ -كما في الكامل لابن عدي (٦/ ٣٤٤) ترجمة موسى بن خلف-: \"هذا أصحها\"، وانظر: الإصابة لابن حجر (٤/ ٢٧٣) ترجمة عبد الرحمن بن عائش.\rوقال ابن منده في الرد على الجهمية (٩١): \"وروي هذا الحديث عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ، ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب\".\rوقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٢٦٢) بعد سياقه لروايات هذا الحديث: \"فهذه الروايات يصدق بعضها بعضًا، إذ قد رواه عن كل شخص أكثر من واحد، ولكن بمجموع هذه الطرق انكشف ما وقع في بعضها من غلط في بعض طرقه\".\rوقال الذهبي في السير (٢/ ١٦٧): \"فأما رؤية المنام فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة\".\rوذهب عدد من أهل العلم إلى تضعيف هذا الحديث كابن خزيمة والدارقطني والمروزي عليهم رحمة الله.\rقال ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٤٦) بعد ذكره طرق هذا الحديث: \"فليس يثبت من هذه الأخبار شيء من عند ذكرنا عبد الرحمن بن عائش إلى هذا الموضع، فبطل الذي ذكرنا لهذه الأسانيد، ولعل بعض من لم يتحر العلم يحسب أن خبر يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام ثابت، لأنه قيل في الخبر عن زيد إنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي، ويحيى بن أبي كثير ﵀ أحد المدلسين لم يخبر أنه سمع هذا من زيد\".\rوقال الدارقطني في العلل (٦/ ٥٧) بعد ذكره لأوجه الخلاف في هذا الحديث: \"ليس فيها صحيح وكلها مضطربة\". =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211353,"book_id":118,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":137,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= وقال المروزي في قيام الليل (المختصر ٥٦): \"هذا حديث قد اضطربت الرواة في إسناده -على ما بيَّنا- وليس يثبت إسناده عند أهل المعرفة بالحديث\".\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد نقله لتضعيف ابن خزيمة المتقدم، وكذا قول الإمام أحمد عن هذا الحديث -كما في رواية الأثرم-: \"يضطرب في إسناده وأصل الحديث واحد، وقد اضطربوا فيه\"، قال ابن تيمية: \"هذا كلام صحيح، فإنهم اضطربوا في إسناده بلا ريب، لكن لم يقل: إن هذا يوجب ضعف متنه، ولا قال: إن متنه غير ثابت، بل إن مثل هذا الاضطراب يوجد في أحاديث كثيرة وهي ثابتة، وهذه الطرق مع ما فيها من الاضطراب -لمن يتدبر الحديث ويحسن معرفته- تدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ صحيح الأصل، لا ريب في ذلك، بل قد يوجب له القطع بذلك ... وأما ما ذكره ابن خزيمة من كون يحيى مدلسًا لم يذكر السماع، فهذا لا يضر هنا، لأن غاية ما فيه أن يكون أخذه من كتاب زيد بن سلّام، كما حكي عنه أنه كان يحدث من كتاب أبي سلّام، إما لمعرفته بخطه، وإما لأن الذي أعطاه قال له: هذا خطه، وهذا مما يزيد الحديث قوة، حيث كان مكتوبًا ... والذي ذكر ابن خزيمة من أنه لم يثبت طريقًا معيَّنًا من هذه الطرق، هذا فيه نزاع بين أهل الحديث، لكن إذا ضمت بعضها إلى بعض صدَّق بعضها بعضًا، وهذا مما لا يتنازعون فيه.\rلكن ابن خزيمة جرى على عادته أنه لا يحتج إلا بإسناد يكون وحده ثابتًا ... فما قاله لا ينافي ما اتفق عليه أهل العلم، فثبت صحة الاحتجاج به من طريقين:\rأحدهما: من جمع الطرق، لكن ابن خزيمة لم يسلك هذا.\rوالثاني: من جهة ثبوت الاحتجاج بالكتاب، لكن ابن خزيمة لم يذهب إلى هذا\". [بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٣٧١ - ٣٧٥) باختصار وتصرف يسير، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ١٤٠)].\rقلت: إعلال ابن خزيمة ﵀ لهذا الطريق -طريق معاذ المتقدم- بتدليس يحيى بن أبي كثير، مدفوع بكون يحيى قد صرح بالتحديث عن زيد في إسناد الإمام أحمد ﵀، انظر: المسند (٣٦/ ٤٢٢)، والله أعلم. [وانظر: للوقوف على طرق هذا الحديث: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٣٣ - ٥٤٥)، والرؤية للدارقطني (٣٠٨ - ٣٤٢)، ولابن رجب ﵀ رسالة في شرح هذا الحديث بعنوان: (اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)]. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211354,"book_id":118,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":138,"body":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فقوله: (فإذا أنا بربي في أحسن صورة) صريح في أن الذي كان في أحسن صورة هو ربه\" (¬١).\r\rمناقشة الأقوال المرجوحة:\rأما القول الأول: وهو الذي ذهب إليه ابن خزيمة (¬٢) وغيره، والذي","footnotes":"= وهذا الحديث يفيد أن الله تعالى قد يُرى في المنام، لكن ليس على حقيقته التي هو عليها الآن سبحانه وتعالي.\rقال الدارمي في النقض على المريسي (٢/ ٧٣٨): \"وفي المنام يمكن رؤية الله تعالى على كل حال وفي كل صورة\".\rوقد نقل القاضي عياض اتفاق العلماء على جواز رؤية الله في المنام وصحتها. [انظر: إكمال المعلم (٧/ ٢٢٠)، ومسلم بشرح النووي (١٥/ ٣١)، وفتح الباري (١٢/ ٣٨٧)].\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد يَرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق\". [مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٠)].\rوقال أيضًا: \"ورؤية الله تعالى في المنام جائزة بلا نزاع بين أهل الإثبات، وإنما أنكرها طائفة من الجهمية، وكأنهم جعلوا ذلك باطلًا، وإلا فما يمكنهم إنكار وقوع ذلك\". [بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٤٣١)، وانظر: (١/ ٧٣ - ٧٤) من نفس الكتاب، طبعة محمد بن قاسم، وإبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٢٧)].\r(¬١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٤٠٢).\r(¬٢) التركيز على ابن خزيمة ﵀ في هذه المسألة دون غيره ممن قال بقوله، لأنه معدود في أهل السنة، بل هو إمام من أئمتهم، فتأويله لهذا الحديث مستغرب منه، أما أهل الكلام المؤولين لهذا الحديث فغير مستغرب منهم ذلك، لأن التأويل الباطل -لنصوص الصفات- مطيتهم فهم أهله وأربابه.\rوجدير بالتنبيه هنا: أن ابن خزيمة ﵀ لا ينفي صفة الصورة لله تعالى بل يثبتها، فقد عقد بابًا في كتاب التوحيد (١/ ٤٥) بعنوان: \"باب ذكر صورة ربنا جل وعلا\"، ثم ذكر تحته ما يتصف به وجه الله تعالى -مما ورد ذكره في النصوص- من =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211355,"book_id":118,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":139,"body":"فيه إعادة الضمير على غير الله تعالى، ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، قالوا: بإعادة الضمير على المضروب.\rوفي حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... ) جعلوا الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇.\rفيجاب عنه بجوابين أحدهما مجمل، والآخر مفصل:\rأما المجمل فهو أن يقال: هذا تأويل بعيد جدًا عن ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، كما أن في هذا القول موافقة لأهل الكلام المحرفين لنصوص الصفات عن ظاهرها، ولهذا عد الإمام أحمد هذا التأويل من تأويلات الجهمية وأنكره أشد الإنكار، فقال ﵀: \"من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي .. \".\rولمَّا قيل له: إن فلانًا يقول في حديث رسول الله ﷺ: (إن الله خلق آدم على صورته): على صورة الرجل، قال: \"كذب هذا، هذا قول الجهمية .. \" (¬١).\rوعند التأمل نجد أن الشبهة التي أوقعت إمام الأئمة -ابن خزيمة- وغيره في هذا التأويل هي: توهم المشابهة، ولذلك اجتهد في تأويله وصرفه عن ظاهره، فجعل متعلق الضمير في كل حديث غيره في الحديث الآخر.\rففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه ... ) جعل الضمير عائدًا إلى المضروب.","footnotes":"= السبحات والنور والجلال والإكرام، وعقد قبله (١/ ٢٤) بابًا بعنوان: \"باب ذكر إثبات وجه الله\"، وساق تحته بعض النصوص الدالة على إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولكن ابن خزيمة رحمه الله تعالى ينفي -هنا- مماثلة صورة آدم لصورة الله تعالى، وهذا حق، لكن ليس في حمل هذه النصوص على ظاهرها ما يقتضي التمثيل، كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى.\r(¬١) انظر: ص (١٢٤) من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211356,"book_id":118,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":140,"body":"فلما أتى إلى الحديث الآخر ورأى أن هذا التأويل لا يستقيم معه -لأن النبي ﷺ قال ابتداءً: (خلق الله آدم على صورته) - جعل الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇.\rولما أتى إلى حديث ابن عمر ﵄: (لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)، ورأى أنه غير قابل للتأويل جعله -على فرض صحته- من باب إضافة الخلق إلى خالقه، كل ذلك فرارًا من التشبيه.\rومما يدل على ذلك قوله -كما تقدم (¬١) -: \"فصورة آدم ستون ذراعًا، التي أخبر النبي ﷺ أن آدم ﵇ خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله: (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار (¬٢) قد نزه الله وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] \" (¬٣).\rوقوله أيضًا عن هذه الأحاديث: \"تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عَالَمًا من أهل الجهل والغباوة، حملهم الجهل بمعنى: الخبر على القول بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجهُ خلقٍ من خلقه مثل وجهه الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه\" (¬٤).\rوقوله تعليقًا على لفظة: (على صورة الرحمن): \"قد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء، عالَم ممن لم يتحر العلم، وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في هذا غلطًا بينًا، وقالوا مقالة شنيعة، مضاهية لقول المشبهة، أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: ص (١٢٠) من هذا البحث.\r(¬٢) في بعض النسخ: \"بالذرعان والأشبار\". انظر: ص (١٢٠) من هذا البحث.\r(¬٣) التوحيد (١/ ٩٤).\r(¬٤) التوحيد (١/ ٨١).\r(¬٥) التوحيد (١/ ٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211357,"book_id":118,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":141,"body":"فهذه النقول عن إمام الأئمة ﵀ تؤكد أنه لجأ إلى تأويل هذا الحديث؛ لتوهمه أن حمله على ظاهره يقتضي التشبيه، فأوله تنزيهًا لله تعالى عن صفات المخلوقين.\rوهذه هي الشبهة التي بنى عليها أهل الكلام مذهبهم في أسماء الله تعالى وصفاته.\rولذلك عد أهل العلم هذا التأويل من ابن خزيمة زلَّة لا يجوز أن يتابع عليها، لأن فيه خروجًا عن منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهو: إجراء نصوص الصفات على ظاهرها دون التعرض لتأويلها، وإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تكييف، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (¬١) في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول) -ذكر فيه الأئمة الاثني عشر المتبوعين في العلم، وهم: الشافعي، ومالك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان (¬٢) -: فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول، وإن صدر","footnotes":"(¬١) هو محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الفقيه الشافعي، شيخ الكُرْج وعالمها ومفتيها، إمام ورع مفتٍ محدث أديب، أفنى عمره في طلب العلم ونشره، له تصانيف في المذهب والتفسير، وله قصيدة مشهورة في السنة، نحو مائتي بيت، شرح فيها عقيدة السلف، توفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة (٥٣٢). [انظر: العبر (٢/ ٤٤١)، وشذرات الذهب (٤/ ١٠٠)].\r(¬٢) أبو حاتم الرازي هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني، الإمام الحافظ الناقد، كان من بحور العلم، طوَّف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنَّف، وجرح وعدَّل، وصحح وعلَّل، وهو من نظراء =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211358,"book_id":118,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":142,"body":"ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث: (خلق آدم على صورته)، فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل، ولم يتابعه عليه من قبله من أهل الحديث لما روينا عن أحمد رحمه الله تعالى، ولم يتابعه -أيضًا- من بعده ...\rقلت (¬١): وقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني (¬٢) فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب كتاب: (الترغيب والترهيب)، قال: سمعته يقول: أخطأ محمد بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب.\rقال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمام إلا وله زلة، فإذا ترك ذلك الإمام لأجل زلته، ترك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يفعل\" (¬٣).\rوقال الذهبي في ترجمة الإمام ابن خزيمة: \"وكتابه في (التوحيد) مجلد كبير، وقد تأوَّل في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأوَّل بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة","footnotes":"= البخاري، ومن طبقته، توفي ﵀ سنة سبع وسبعين ومائتين (٢٧٧). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٧٠)، والسير (١٣/ ٢٤٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٧)، وشذرات الذهب (٢/ ١٧١)].\r(¬١) القائل: شيخ الإسلام ابن تيمية.\r(¬٢) هو الحافظ الكبير محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الأصبهاني المديني، كان إمام عصره في الحفظ والمعرفة بالحديث وعلومه، وكان مع ذلك صاحب ورع وعبادة وتقى، له مصنفات عديدة منها: معرفة الصحابة، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، توفي ﵀ سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (٥٨١). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٩)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٣٤)، والعبر (٣/ ٨٤)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٧٣)].\r(¬٣) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤١٩، ٤٢٤ - ٤٣٠)، وانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211359,"book_id":118,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":143,"body":"إيمانه وتوخيه لاتباع الحق -أهدرناه وبدعناه، لقلَّ من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه\" (¬١).\rثم إن هذا الحديث ليس في حمله على ظاهره ما يقتضي التشبيه، بل نحن نثبته ونجريه على ظاهره مع نفي التشبيه.\rقال قوام السنة إسماعيل التيمي: \"فصل في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ﷿، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة: إن لله وجهًا ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجبًا تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي ﷺ: (خلق الله آدم على صورته) بموجبه (¬٢) نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله ﷺ فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول، ورسوله ﷺ أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم، وحسبنا الله ونعم الوكيل\" (¬٣).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإن قيل: قوله ﷺ: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... )، هذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره: أن الله طوله ستون ذراعًا، والله تعالى -كما قال ابن خزيمة- جل أن يوصف بالذرعان والأشبار ...\rقيل: ليس هذا ظاهر الحديث، ومن زعم أن هذا ظاهره، أو حمله عليه فهو مفتر كذاب ملحد، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم، ومعلوم أيضًا عدم ظهوره من الحديث، فإن الضمير في قوله: (طوله) عائد إلى آدم الذي قيل فيه: (خلق آدم على صورته)، ثم قال: (طول آدم ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة).","footnotes":"(¬١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٤ - ٣٧٦).\r(¬٢) هكذا جاءت في الكتاب ولعل الصواب (بموجبة)، والله أعلم.\r(¬٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211360,"book_id":118,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":144,"body":"فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم، وهذا منها أيضًا، فلفظ الطول وقدره ليس داخلًا في مسمى الصورة، حتى يقال إذا قيل: (خلق الله آدم على صورته) وجب أن يكون على قدره وطوله\" (¬١).\rإذا تبين هذا وهو: وجوب حمل النص على ظاهره، وأن ظاهره لا يقتضي التشبيه، فما معنى كون آدم خلق على صورة الله تعالى؟\rالجواب عن هذا أن يقال: الواجب إذا جاءت الآية من كتاب الله تعالى أو صح الحديث عن رسول الله ﷺ: الإيمان والتصديق بهما، واعتقاد ما جاء فيهما، والتسليم والانقياد لهما، ولا يجوز السؤال عن كيفية ما جاء فيهما من الصفات، فإن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا عن كيفية هذه الصفات، فنَكِلُ علمها إلى الله تعالى، مع اعتقادنا أنها لا تماثل صفات المخلوقين، فالله تعالى كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\rوقد عقد الإمام ابن بطة (¬٢) بابًا بعنوان: \"الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم على صورته بلا كيف\".\rثم قال: \"كل ما جاء من هذه الأحاديث، وصحت عن رسول الله ﷺ ففرض على المسلمين قبولها، والتصديق بها، والتسليم لها، وترك الاعتراض عليها، وواجب على من قبلها وصدَّق بها أن لا يضرب لها المقاييس، ولا يتحمل لها المعاني والتفاسير، ولكن تمر على ما جاءت ولا","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٧) باختصار وتصرف يسير.\r(¬٢) هو الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الفقيه الحنبلي شيخ العراق، كان عبدًا صالحًا زاهدًا، سمع من خلائق لا يحصون، وكان صاحب حديث ولكنه ضعيف من قبل حفظه، توفي ﵀ سنة (٣٨٧ هـ)، وله مصنف كبير في السنة سماه: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية. [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٠)، والسير (١٦/ ٥٢٩)، والعبر (٢/ ١٧١)، وشذرات الذهب (٣/ ١٢٢)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211361,"book_id":118,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":145,"body":"يقال فيها: لِمَ؟ ولا كيف؟ إيمانًا وتصديقًا، ونقف من لفظها وروايتها حيث وقف أئمتنا وشيوخنا، وننتهي منها حيث انتهى بنا، كما قال المصطفى نبينا ﷺ، بلا معارضة ولا تكذيب ولا تنقير ولا تفتيش، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل، فإن الذين نقلوها إلينا هم الذين نقلوا إلينا القرآن وأصل الشريعة، فالطعن عليهم والرد لما نقلوه من هذه الأحاديث، طعن في الدين ورد لشريعة المسلمين، ومن فعل ذلك فالله حسبه والمنتقم منه بما هو أهله\" (¬١)، ثم ساق ﵀ عددًا من طرق هذا الحديث.\rوقال الكرجي بعد ما ساق عددًا من أحاديث الصفات، والتي منها: (خلق الله آدم على صورته): \" .. إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصفات: أن نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ولا نعطلها ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نعمل فكرنا ورأينا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها، بل نؤمن بها ونَكِلُ علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم\" (¬٢).\rوقال الذهبي ﵀: \"أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء\" (¬٣).\rوذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى الحديث هو: بيان أن آدم ﵇ خلق ذا وجه متصفًا بصفة السمع والبصر والكلام، كما أن الله تعالى كذلك، فهو مخلوق على صورة الله من هذه الحيثية، ولا يلزم من ذلك المماثلة.\rقال ابن القيم ﵀: \"وقوله: (خلق آدم على صورة الرحمن) لم يرد","footnotes":"(¬١) الإبانة (المختار ٢٤٤)، وانظر: الشريعة للآجري (٣/ ١١٥٣).\r(¬٢) نقل ذلك عنه: ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ١٨٥).\r(¬٣) ميزان الاعتدال (٤/ ٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211362,"book_id":118,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":146,"body":"به تشبيه الرب وتمثيله بالمخلوق، وإنما أراد به تحقيق الوجه، وإثبات السمع والبصر والكلام، صفة ومحلًا والله أعلم\" (¬١).\rوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"والمعنى والله أعلم: أنه خلق آدم على صورته ذا وجه وسمع وبصر، يسمع ويتكلم ويبصر ويفعل ما يشاء، ولا يلزم أن يكون الوجه كالوجه، والسمع كالسمع، والبصر كالبصر ... وهكذا لا يلزم أن تكون الصورة كالصورة\" (¬٢).\rومما ينبغي التأكيد عليه والتنبيه إليه -هنا- أن كون الشيء على صورة الشيء: لا يلزم منه المماثلة بينهما من كل وجه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر، ويقال: هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر\" (¬٣).\rوقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: \"الذي قال: (إن الله خلق آدم على صورته) رسول الذي قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسِل.\rوالذي قال: (خلق آدم على صورته) هو الذي قال: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) متفق عليه (¬٤). فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه؟ !\rفإن قلت بالأول: فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم آناف وليس لهم أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!","footnotes":"(¬١) مختصر الصواعق (٢/ ٥١٥).\r(¬٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة له، جمع د/ محمد الشويعر (٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤).\r(¬٣) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\r(¬٤) من حديث أبي هريرة: البخاري (٣/ ١١٨٧) ح (٣٠٨١)، ومسلم (١٧/ ١٧٨) ح (٢٨٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211363,"book_id":118,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":147,"body":"وإن قلت بالثاني: زال الإشكال وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه\" (¬١).\rوأما الجواب المفصل، فهو في الرد على كل تأويل على حِدَةٍ كما يلي:\rأما التأويل الأول: وهو القول بإعادة الضمير على المضروب، والاستدلال له:\r١ - بأن النبي ﷺ علل النهي عن ضرب الوجه بقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته).\r٢ - وكذا استدلالهم بحديث: \" (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته).\rفهو باطل من عدة وجوه:\rأحدها: أن في الصحيحين ابتداءً: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا)، وفي أحاديث أخر: (إن الله خلق آدم على صورته)، ولم يتقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه (¬٢)، وما ذكر بعضهم (¬٣) من أن النبي ﷺ","footnotes":"(¬١) شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٨ - ١٠٩).\r(¬٢) وهذا ظاهر في هذه الأحاديث، وأما ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣) - من أن حديث: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، وحديث: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجهًا أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته): ليس فيها ذكر أحد يصلح عود الضمير إليه، لأنه لم يتقدم فيها ذكر مضروب، فإنه يشكل عليه، أن الحديث الأول جاء بلفظ -كما عند مسلم-: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ... ) فقوله: (أخاه) يصلح عود الضمير إليه.\rوكذلك الحديث الثاني جاء بلفظ -كما عند ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٢) -: (لا يقولن أحدكم لأحد: قبح الله وجهك ... ) فقوله: (لأحد) يصلح عود الضمير إليه.\rوقد بنى شيخ الإسلام ﵀ على قوله هذا ثلاثة أوجه في الرد على هذا التأويل، أعرضت عنها لهذا السبب، وفي بقية الأوجه ما يكفي ويشفي، والله أعلم.\r(¬٣) كابن فورك في مشكل الحديث (٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211364,"book_id":118,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":148,"body":"رأى رجلًا يضرب رجلًا ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال: (خلق الله آدم على صورته) أي: على صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث (¬١).\rالوجه الثاني: أن ذرية آدم خُلِقُوا على صورة آدم، لم يُخْلَق آدم على صورهم، فالثاني المتأخر في الوجود خُلِقَ على صورة الأول المتقدم وجوده، وهذا ظاهر، ولا يجوز أن يقال: خُلِقَ الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما هو مقتضى هذا التأويل ... فإنه إذا قيل: خُلِقَ الولد على صورة أبيه أو على خَلْقِ أبيه، كان كلامًا سديدًا، وإذا قيل: خُلِقَ الوالد على صورة ولده أو على خَلْقِه كان كلامًا فاسدًا، بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه، مثل أن يقال: الوالد يشبه ولده، فإن هذا سائغ لأن قوله: خلق، إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره، ومن الممتنع أن الأول يكون على مثال من لم يكن بعد، وإنما يكون على مثال من قد كان.\rالوجه الثالث: أن يقال: هب أن هذه العلة تصلح لقوله: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك)، فكيف تصلح لقوله: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه؟ ) فمعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا توجب سقوط العقوبة عنه، فإن الإنسان لو كان يشبه نبيًا من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه، ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة، لم تسقط عقوبته لهذا الشبه باتفاق المسلمين، فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم؟ .\rالوجه الرابع: أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم، وتناول اللفظ لجميعهم واحد، فلو كان المقصود بالخطاب ليس ما يختص به آدم من ابتداء خلقه على صورة، بل المقصود مجرد مشابهة المضروب والمشتوم له،","footnotes":"(¬١) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211365,"book_id":118,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":149,"body":"لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه، وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى، كإبراهيم وموسى وعيسى -وإن كان آدم أباهم- فليس هذا المقام مقامًا له به اختصاص على زعم هؤلاء (¬١).\rالوجه الخامس: وهو قاطع أيضًا أن يقال: كون الوجه يشبه وجه آدم، مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم، فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم، ويده تشبه يده، ورجله تشبه رجله، وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه بطن آدم وظهره وفخذه وساقه، فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص، بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك، فلو صح أن يكون هذا علة لمنع الضرب، لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم؛ لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم، وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود، مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليل على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة.\rالوجه السادس: أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم، لَنُهِيَ -أيضًا- عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء، فيقال مثلًا: لا يقولنَّ أحدكم: قطع الله يدك، ويد من أشبه يدك ...\rالوجه السابع: أنه قد روي من غير وجه (على صورة الرحمن) (¬٢)، وهذا نص صريح في عود الضمير على الله تعالى، وإبطال عوده على المضروب.\r- وأما دليلهم الثالث وهو: أن حمل اللفظ على ظاهره يقتضي التشبيه، فقد تقدمت الإجابة عنه بما يغني عن إعادته.\rوأما التأويل الثاني: وهو القول: بإعادة الضمير إلى آدم ﵇،","footnotes":"(¬١) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨٥).\r(¬٢) انظر في هذه الوجوه: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211366,"book_id":118,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":150,"body":"والاستدلال له بحديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... ). فقد رده ابن قتيبة ﵀ فقال: \"قال قوم من أصحاب الكلام: أراد خلق آدم على صورة آدم، لم يزد على ذلك.\rولو كان المراد هذا، ما كان في الكلام فائدة، ومن يشك في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته، والسباع على صورها، والأنعام على صورها؟ !\rوقال قوم: إن الله تعالى خلق آدم على صورة عنده، وهذا لا يجوز؛ لأن الله ﷿ لا يخلق شيئًا من خلقه على مثال\" (¬١).\rكما رده شيخ الإسلام ابن تيمية من عدة وجوه، فقال ﵀: \"وأما قول من قال: الضمير عائد إلى آدم كما ذُكر ذلك للإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور، فهو كما قال الإمام أحمد: هذا تأويل الجهمية، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه (¬٢).\rوقد زعم المؤسس (¬٣) أنه أولى الوجوه الثلاثة، وليس كما ذكره، بل هو أفسد الوجوه الثلاثة، ولهذا لم يعدل إليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى (على صورة الرحمن)، ولقوله ابتداءً: (إن الله خلق آدم على صورته)، فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا.\r\rوبيان فساده من وجوه:\rأحدها: أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم، أو: لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورة آدم. كان هذا من أفسد","footnotes":"(¬١) تأويل مختلف الحديث (٢٠٤)، وانظر -أيضًا- في الرد على هذا التأويل: إبطال التأويلات (١/ ٦٩ - ٧٣).\r(¬٢) انظر: ص (١٢٤) من هذا البحث.\r(¬٣) المؤسس هو الرازي نسبةً إلى كتابه: \"أساس التقديس\"، وكلامه هذا تقدم في ص (١٢٠) هامش (٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211367,"book_id":118,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":151,"body":"الكلام، فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلًا، فإن كون آدم مخلوقًا على صورة آدم، فأي تفسير فُسر ليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها، وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فُرِّقَ الحديث فروي قوله: (إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه) مفردًا، وروي قوله: (إن الله خلق آدم على صورته) مفردًا، أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمتنع فيه، وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع، فلا يناسب هذا الحكم.\rالوجه الثاني: أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم، فلا فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في هذا الحكم، فلو كان خلق آدم على صورة آدم مانعًا من ضرب الوجه أو تقبيحه، لوجب أن يكون مانعًا من ضرب سائر الأعضاء وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبي ﷺ لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه وحكمته، وحسن كلامه وبيانه.\rالوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه، وهذا من أعظم التناقض، وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة، وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر، وبنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وخلقوا في مدة من عناصر الأرض (¬١)، فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه -وهذه العلة منتفية في بنيه- فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها وهي: أن آدم هو الذي خلق على صورته دونهم، إذ هم لم يخلقوا -كما خلق آدم- على صورهم التي هم عليها، بل نقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة.","footnotes":"(¬١) انظر كلام الخطابي: ص (١٢٠ - ١٢١) من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211368,"book_id":118,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":152,"body":"الوجه الرابع: ما أبطل به الإمام أحمد هذا التأويل حيث قال: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ وهذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد يعم الأحاديث، يعم قوله ابتداءً: (إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا)، ويعم قوله: (لا تقبحوا الوجه)، (وإذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، وذلك أن قوله: (خلق الله آدم على صورته) يقتضي أنه كان له صورة قبل الخلق خلقه عليها، فإن هذه العبارة لا تستعمل إلا في مثل ذلك.\rوبمثل هذا أبطلنا قول من يقول: إن الضمير عائد إلى المضروب، فإن المضروب متأخر عن آدم ولا يجوز في مثل هذا الكلام أن تكون الصورة التي خُلِقَ عليها آدمُ متأخرةً عن حين خلقه، سواء كانت هي صورته أو صورة غيره ... فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها قبل صورته التي خلقها الله تعالى (¬١).\rالوجه الخامس: أن جميع ما يذكر من التأويل كقول القائل: خلق آدم على صورة آدم، موجود نظيره في جميع المخلوقات، فإنه إن أريد بذلك على صورتها الثابتة في القدر في علم الله وكتابه، أي: على صفتها التي هي عليها أو غير ذلك، فهذا موجود نظيره في سائر المخلوقات من السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والجن والبهائم، بل وذرية آدم كذلك فإنهم خلقوا على صورهم، كما يذكرونه في معنى قولهم: خلق الله آدم على صورة آدم، فإن كون آدم على صورته يعني شبحًا موجودًا في صور هذه الأمور.\rوأما كونه خلق على هذه الصورة ابتداءً أو في غير مدة، فإنه لم يخلق إلا من حال إلى حال من التراب ثم من الطين ثم من الصلصال، كما خلق","footnotes":"(¬١) لأن التصوير إنما يكون بعد الخلق لا قبله كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ [سورة الأعراف، آية: (١١)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211369,"book_id":118,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":153,"body":"بنوه من النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فلا منافاة في الحقيقة بين الأمرين، فإذا جاز أن يقال في أحدهما: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار، جاز أن يقال في الآخر: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار، وإذا كان كذلك -ومن المعلوم بالاتفاق أن قوله: (خلق آدم على صورته) هي من خصائص آدم، وإن كان بنوه تبعًا له في ذلك كما خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته- علم بطلان ما يوجب الاشتراك ويزيل الاختصاص.\rالوجه السادس: أن المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هو من الأمور المعلومة ببديهة العقل التي لا يحسن بيانها والخطاب بها لتعريفها، بل لأمر آخر فإن قول القائل: إن الشيء الفلاني خلق على صورة نفسه، لا يدل لفظه على غير ما هو معلوم بالعقل، لأن كل مخلوق فإنه خلق على الصورة التي خلق عليها، وهذا المعنى مثل أن يقال: أوجد الله الشيء كما أوجده، وخلق الله الأشياء على ما هي عليه وعلى الصورة التي هي عليها، ونحو ذلك مما هو معلوم ببديهة العقل، ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيح جدًا.\rالوجه السابع: أن الحديث روي من وجوه بألفاظ تبطل عود الضمير إلى آدم مثل قوله: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، وقوله في الطريق الآخر من حديث أبي هريرة: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن) \" (¬١).\rوأما قول أصحاب هذا التأويل: إن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه! فقد تقدمت الإجابة عنه.\rوأما القول الثالث: وهو القول بإعادة الضمير إلى الله تعالى، وجعل إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فهو باطل من عدة وجوه أيضًا:","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٠ - ٤٥٧) باختصار وتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211370,"book_id":118,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":154,"body":"أحدها: أنه لم يكن قبل خلق آدم صورة مخلوقة خلق آدم عليها، فقول القائل: على صورة مخلوقة لله -وليس هناك إلا صورة آدم- بمنزلة قوله: على صورة آدم، وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة.\rالوجه الثاني: أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها كالناقة والبيت والأرض والفطرة التي هي المفطورة، فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة، إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، وهذا هو الفرق بين الأمرين، وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف، والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق، وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين، لأن الأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله، فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وأما الصفات القائمة بغيرها فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به وتضاف إليه، فإذا أضيفت علم أنها أضيفت إلى الموصوف التي هي قائمة به، وإذا كان كذلك فالصورة قائمة بالشيء المصور، فصورة الله كوجه الله ويد الله وعلم الله وقدرة الله ومشيئة الله وكلام الله، يمتنع أن تقوم بغيره.\rالوجه الثالث: أن سائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله خلق ذلك جميعه، فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار، حتى يقال: يد الله ووجه الله وقدمه ونحو ذلك، لأن الله قد خلقها؟ ! .\rالوجه الرابع: أن قوله: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، لو كانت الإضافة فيه إضافة خلق وملك لوجب ألا يضرب شيء من الأعضاء، لأن إضافته إلى خلق الله وملكه كإضافة الوجه سواء.\rالوجه الخامس: أن هذا الوجه المضروب هو في كونه مخلوقًا مملوكًا لله، بمنزلة الصورة المملوكة لله، فلو كان قد نهي عن ضرب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211371,"book_id":118,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":155,"body":"هذا (¬١) لكونه ذاك (¬٢)، لكان هذا التشبيه من باب العبث، لأن العلة في المشبه به، مثل من يقول لأحد بنيه: إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة، أو يقول لعبده: إنما أعطيتك لأنك مثل عبدي الآخر في معنى العبودية، وهما مشتركان في هذا.\rالوجه السادس: أنه من المعلوم أن جميع ما يضرب ويشتم من الموجودات، هو مخلوق مملوك لله، وهذا يوجب ألا يضرب مخلوق ولا يشتم مخلوق.\rالوجه السابع: أن قوله: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته) يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله، فلو أريد صورة يخلقها الله، لكان كونه هو في نفسه مخلوقًا لله أبلغ من كونه مشبِهًا لما خلقه الله، فيكون عدولًا عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها.\rالوجه الثامن: أن العلم بأن الله خلق آدم هو من أظهر العلوم عند العامة والخاصة، فإذا لم يكن في قوله: (على صورته) معنى، إلا أنها الصورة التي خلقها وهي ملكة، لكان قوله: خلق آدم، كافيًا، لأن قوله: خلق آدم، و (خلق آدم على صورته) سواء على هذا التقدير، وإن ادُعي أن في الإضافة بمعنى الخلق تخصيصًا، فكذلك يكون في لفظ خلق (¬٣).\rوأما القول الرابع: وهو المروي عن الإمام مالك في إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، والقدح في بعض رواته، كابن عجلان وأبي الزناد.\rفالجواب عنه ما ذكره الذهبي ﵀، حيث قال بعد ما ساق الرواية عن الإمام مالك في إنكاره الحديث: \"قلت: الحديث في أن الله خلق آدم","footnotes":"(¬١) أي: الوجه.\r(¬٢) أي: مخلوقًا لله كالصورة.\r(¬٣) انظر في هذه الوجوه: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٥٤٠ - ٥٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211372,"book_id":118,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":156,"body":"على صورته، لم ينفرد به ابن عجلان، فقد رواه همام عن قتادة، عن أبي موسى أيوب، عن أبي هريرة (¬١).\r- ورواه شعيب وابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (¬٢).\r- ورواه معمر عن همام، عن أبي هريرة (¬٣).\r- ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة (¬٤).\r- ورواه شعيب -أيضًا- وغيره عن أبى الزناد، عن موسى بن أبى عثمان، عن أبي هريرة (¬٥).","footnotes":"(¬١) هو حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) أخرجه مسلم (١٦/ ٤٠٤) ح (٢٦١٢)، ولكن ليس فيه ذكر (لأبي موسى أيوب) كما ذكره الذهبي وإنما فيه: أبو أيوب، وهو كذلك عند مسلم أيضًا، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٢) من طريق المثنى بن سعيد عن قتادة عن أبي أيوب عن أبي هريرة.\r(¬٢) هو حديث: (إذا قاتل أحدكم. .. ) المتقدم، ولكن هذا الإسناد عند الإمام أحمد (١٢/ ٢٧٥) ح (٧٣٢٣)، وفيه بدل (قاتل): (ضرب).\r(¬٣) هو حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ... ) متفق عليه، وقد تقدم ص (١١٤).\r(¬٤) هو حديث: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته)، وقد تقدم ص (١١٧ - ١١٨).\r(¬٥) هو حديث: (إن الله ﷿ خلق آدم على صورته، وطوله ستون ذراعًا) هكذا مختصرًا، أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٤/ ٤٥) ح (٨٢٩١)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٩٢) ح (٤٣)، وفيهما: \"عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة\". فأبو عثمان هو الراوي عن أبي هريرة، وقد سقط من الإسناد الذي ذكره الذهبي.\rوأخرج هذا الحديث -أيضًا- عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (٢/ ٤٧٩) ح (١١٠٠) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211373,"book_id":118,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":157,"body":"- ورواه جماعة عن ابن لهيعة، عن الأعرج وأبي يونس، عن أبي هريرة (¬١).\r- ورواه جرير عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ (¬٢).\rوله طرق أخر ... وهو مخرج في الصحاح.\rوأبو الزناد (¬٣) فعمدة في الدين، وابن عجلان (¬٤) صدوق من علماء المدينة وأجلائهم ومفتيهم، وغيره أحفظ منه\" (¬٥).\rوقد اعتُذر للإمام مالك ﵀ بأنه نهى عن التحديث بهذا الحديث: خشية أن يقع بعض الجهال بتشبيه الله تعالى بخلقه، فنهيه عن التحديث به من باب سد الذريعة، وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود أنه قال: \"ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان","footnotes":"(¬١) هو حديث: (من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن)، وقد تقدم ص (١٣٣).\r(¬٢) هو حديث: (لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)، وقد تقدم ص (١٢٦).\r(¬٣) هو عبد الله بن ذكوان، قال فيه يحيى بن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه حجة صاحب. سنة، وقال البخاري: أصح أحاديث أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عنه، وقال الذهبي: انعقد الإجماع على أن أبا الزناد ثقة رضي. [انظر: ميزان الاعتدال (٤/ ٩٤ - ٩٦)، والسير (٥/ ٤٤٥ - ٤٤٩)]، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب (١/ ٤٩٠) عن أبي الزناد: \"ثقة فقيه\".\r(¬٤) هو محمد بن عجلان القرشي، قال الذهبي في السير (٦/ ٣٢٠): \"وثق ابنَ عجلان: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وحدث عنه شعبة ومالك، وهو حسن الحديث\"، وقال أيضًا في (٦/ ٣٢٢): \"فحديثه إن لم يبلغ رتبة الصحيح، فلا ينحط عن رتبة الحسن، والله أعلم\".\rوقال الحافظ ابن حجر في التقريب (٢/ ١١٢): \"صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة\".\r(¬٥) ميزان الاعتدال (٤/ ٩٥ - ٩٦)، وانظر: السير (٥/ ٤٥٠) (٦/ ٣٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211374,"book_id":118,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":158,"body":"لبعضهم فتنة\" (¬١).\rقال الإمام ابن عبد البر (¬٢): \"وإنما كره ذلك مالك، خشية الخوض في التشبيه بكيف ها هنا\" (¬٣).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ... على أن علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول: بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن، بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا.\rوكراهة بعضهم لرواية ذلك في بعض الأوقات له نظائر، فإن الشيء قد يمنع سماعه لبعض الجهال، وإن كان متفقًا عليه بين علماء المسلمين\" (¬٤).\rومما يؤيد ذلك ما ذكره الحافظان ابن عبد البر وابن حجر عليهما رحمة الله من أن الإمام مالكًا كان يكره التحديث بأحاديث الصفات (¬٥)، والله تعالى أعلم.\rوهذا الاعتذار متوجه في نهيه عن التحديث بهذا الحديث، وأما إنكاره له فغير متوجه فيه، لأنه لا يليق بإمام دار الهجرة أن ينكر حديثًا صحيحًا من أجل سد الذريعة، فإن هذا لا يجوز.","footnotes":"(¬١) مسلم (١/ ١٩١)\r(¬٢) هو الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمَري الأندلسي القرطبي المالكي، صاحب التصانيف الفائقة، أدرك الكبار، وطال عمره وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وخضع لعلمه علماء الزمان، وكان في أصول الديانة على مذهب السلف فلم يدخل في علم الكلام، توفي ﵀ سنة (٤٦٣ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: الاستذكار، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. [انظر: وفيات الأعيان (٥/ ٤٢٨)، والسير (١٨/ ١٥٣)، والعبر (٢/ ٣١٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٣١٤)].\r(¬٣) التمهيد (٧/ ١٥٠).\r(¬٤) عقيدة أهل الإيمان (٧٤).\r(¬٥) انظر: التمهيد (٧/ ١٥٠)، والفتح (١/ ٢٢٥)، وعقيدة أهل الإيمان (١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211375,"book_id":118,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":159,"body":"فالنهي عن التحديث بالحديث -في بعض الأوقات أو الأماكن- شيء، وإنكاره شيء آخر، ولذلك جزم الذهبي رحمه الله تعالى بأن إنكار مالك لهذا الحديث لأنه لم يثبت عنده (¬١)، ويؤيد ذلك أنه قدح في بعض رواته، والله أعلم.\rوقد طعن الألباني في صحة هذه الرواية عن الإمام مالك ﵀، لضعف مقدام بن داود شيخ العقيلي، والذي ساق العقيلي هذه القصة من طريقه، فقال ﵀: \"مقدام هذا ... مُتَكَلَّم فيه، بل قال النسائي (¬٢) فيه: (ليس بثقة)، فلا يجوز أن ينسب بروايته إلى الإمام مالك أنه أنكر حديثًا صحيحًا\" (¬٣).\rولكن هذه القصة لم ينفرد بها مقدام، فقد ساقها ابن عدي ﵀ من طريق آخر عن أبي زيد بن أبي الغمر، عن ابن القاسم، عن الإمام مالك (¬٤) ﵀، فهذه المتابعة من ابن عدي يعتضد بها طريق العقيلي.\rوذكرها -أيضًا- حافظ المغرب ابن عبد البر عن أُصْبُغ بن الفرج، وعيسى بن مثرود، عن ابن القاسم (¬٥)، ولم يتعقبها بتضعيف، بل اعتذر له بأنه كره ذلك خشية الخوض بالتشبيه -كما تقدم- مع أن ابن عبد البر يعتبر","footnotes":"(¬١) انظر: السير (٨/ ١٠٤)، وسيأتي نقل كلامه هذا قريبًا.\r(¬٢) هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام، ناقد الحديث، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان الخرساني النسائي صاحب السنن، كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان وحسن التأليف، ومن مؤلفاته: عمل اليوم والليلة، والضعفاء، توفي ﵀ سنة ثلاث ومائة (١٠٣). [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٩٧)، والسير (١٤/ ١٢٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٩٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٣٩)].\r(¬٣) سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٣٢٠)، وطعن في صحتها أيضًا الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابه: عقيدة أهل الإيمان (٩).\r(¬٤) انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠٣).\r(¬٥) انظر: التمهيد (٧/ ١٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211376,"book_id":118,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":160,"body":"من محققي المذهب المالكي، ولذا فهو يتحرى الدقة فيما ينقل عن إمام المذهب، فهذا الصنيع منه يشعر بإقراره لهذه القصة، والله أعلم.\rكما ذكر هذه القصة -أيضًا- الذهبي من طريق ابن عدي مقرًا لها، وعلق عليها بقوله: \"قلت: أنكر الإمام ذلك، لأنه لم يثبت عنده، ولا اتصل به، فهو معذور\" (¬١).\rفهذه القصة رواها أربعة عن عبد الرحمن بن القاسم ﵀ وهم:\r١ - أبو زيد بن أبي الغمر، كما عند العقيلي وابن عدي.\r٢ - الحارث بن مسكين، كما عند العقيلي.\r٣ - أُصْبُغ بن الفرج، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد.\r٤ - عيسى بن مثرود، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد.\rفالطعن فيها غير متوجه، وإنكار الإمام مالك محمول على ما ذكره الذهبي من أن هذا الحديث لم يثبت عنده، والله أعلم.\r* * *","footnotes":"(¬١) السير (٨/ ١٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211377,"book_id":118,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":161,"body":"المطلب الرابع: في بيان معنى قوله ﷺ: (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون)\rجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن ناسًا قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: (هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ ) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ ) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط ... ).\rقال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يَرُدُّ عليه من حديثه شيئًا، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: (ومثله معه)، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: (ذلك لك ومثله معه)، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: (ذلك لك وعشرة أمثاله)، قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة (¬١).","footnotes":"(¬١) متفق عليه: البخاري في مواضع: في كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211378,"book_id":118,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":162,"body":"وجاء معناه -أيضًا- في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن ناسًا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: (نعم قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟ ) قالوا: لا يا رسول الله (قال: ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كلما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبَّرِ أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول:","footnotes":"= (٥/ ٢٤٠٣) ح (٦٢٠٤)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٤) ح (٧٠٠٠)، وفي كتاب صفة الصلاة، باب: فضل السجود (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣) لكن ليس فيه لفظ الصورة، ومسلم -واللفظ له- في كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٢١) ح (١٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211379,"book_id":118,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":163,"body":"هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة (¬١)، فقال: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم ... ) (¬٢).\rوفي رواية للبخاري: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ... ) (¬٣).\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما هذا الخبر -في الجملة- فهو متواتر عند أهل العلم بالحديث، ورواته -من التابعين وأتباعهم- من أجل الأمة قدرًا في العلم والدين، وهو معروف عن عدد من الصحابة\" (¬٤).\rوقال أيضًا: \"هذان الحديثان من أصح الأحاديث\" (¬٥).\rوقال عن الحديث الأول: \"فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض\" (¬٦).\rهذه الأحاديث تدل دلالةً واضحة على إثبات الصورة لله تعالى -كما","footnotes":"(¬١) قوله: (وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة) ليس في البخاري.\r(¬٢) متفق عليه: البخاري في مواضع: في كتاب التفسير، باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٤/ ١٦٧١) ح (٤٣٠٥)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٦) ح (٧٠٠١).\rومسلم واللفظ له: كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٣٠) ح (١٨٣).\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٦) ح (٧٠٠١).\r(¬٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع، تحقيق د/ محمد البريدي (١/ ٧٣).\r(¬٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٣٢).\r(¬٦) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211380,"book_id":118,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":164,"body":"تقدم في المطلب الثالث -والغرض من سياقها هنا هو بيان معنى قوله ﷺ: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون) وأنه على ظاهره، فهو يدل على أنهم رأوه رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة، وقد جاء هذا المفهوم صريحًا في رواية البخاري: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة).\rكما تدل هذه الأحاديث على أن الله تعالى هو نفسه الذي يتحول من صورة إلى صورة، كما هو صريح رواية مسلم: (وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة).\rوتدل -أيضًا- على أن رؤية المؤمنين لربهم تتكرر في ذلك الموقف (¬١)، وأن الله تعالى أتاهم ثلاث مرات في صور متغايرة:","footnotes":"(¬١) كما أنهم يرونه بعد ذلك في الجنة -على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة- لكن هذه الرؤية تختلف عن رؤيته تعالى في الموقف، لأن رؤية الجنة رؤية لذة ونعيم فهي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب المؤمنين، بخلاف رؤيته في عرصات القيامة فإنها ليست من النعيم والثواب. [انظر: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٢٠)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٢٢)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٥)].\rوهل الرؤية في عرصات القيامة عامةً، فيراه أهل الموقف كلهم بما في ذلك الكفار؟ في هذا اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال:\rالأول: أن الكفار لا يرون ربهم بحال لا المظهر للكفر ولا المسر له، وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين وعليه يدل عموم كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.\rوالثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها، وغبرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك، وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أهل السنة، وذكر نحوه القاضي أبو يعلى.\rوالثالث: أن جميع الخلائق يرون ربهم في عرصات القيامة بما في ذلك الكفار، وذلك في أول الأمر، وتكون رؤية الكفار لربهم رؤية تعريف وتعذيب -كاللص إذا رأى السلطان- ثم يحتجب الله عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم، ثم يراه =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211381,"book_id":118,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":165,"body":"الأولى: وهي التي عرفوه فيها، ويدل عليها قوله ﷺ في الروايات المتقدمة: ( ... التي رأوه فيها أول مرة)، وكذا قوله: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون)، فإن هذه المعرفة تدل على رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة.","footnotes":"= المسلمون بمن معهم من المنافقين، ثم بعد ذلك يتميز المؤمنون، وهم الذين يرونه رؤية تنعم، وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما رحمة الله. [انظر: هذه الأقوال وأدلتها في: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٧)، وما بعدها، و (٦/ ٤٦٦)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٢٢ - ١٢٣)، و (١/ ١٠٩)، وما بعدها، وحادي الأرواح (٣٦٣ - ٣٦٤)، والتوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٣)].\rوقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو ممن يرجح القول الثالث- إلى أمور تجب مراعاتها في هذه المسألة وهي:\r١ - أن الرؤية أنواع متباينة تباينًا عظيمًا لا يكاد ينضبط طرفاها، وبناءً عليه، فإن هذا النوع من الرؤية الذي هو عام للخلائق كلهم، قد يكون ضعيفًا، فلا يكون من جنس الرؤية التي يختص بها المؤمنون.\r٢ - أنه ليس لأحد أن يطلق القول: بأن الكفار يرون ربهم من غير تقييد، وذلك لأمرين:\rأحدهما: أن الرؤية المطلقة قد صار يفهم منها الكرامة والثواب، وفي إطلاقها على الكفار إيهام وإيحاش، وليس لأحد أن يطلق لفظًا يوهم خلاف الحق، إلا أن يكون مأثورًا عن السلف، وهذا اللفظ ليس مأثورًا.\rوالثاني: أن الحكم إذا كان عامًا، وفي تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول الجميل فإنه يمنع من التخصيص، فإن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث، ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات، وما يستقبحه الشرع من الحوادث، بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب، ويا مريدًا للزنا، ونحو ذلك. [انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٣ - ٥٠٤)].\r٣ - أن الخلاف في هذه المسألة لا يوجب نزاعًا أو فرقة أو مقاطعةً، لأنها مسألة خفيفة، فليست هي من المهمات التي ينبغي كثرة الحديث عنها، ومفاتحة عوام المسلمين فيها، مما قد يوجب تفرق القلوب وتشتت الأهواء، بخلاف اعتقاد رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فإن هذا فرض واجب لازم كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. [انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٥٨، ٥٠٢، ٥٠٤)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211382,"book_id":118,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":166,"body":"الثانية: وهي التي جاءهم فيها في غير صورته التي رأوه فيها أول مرة (¬١)، وهي المرادة بقوله ﷺ: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون)، وقد أنكروا هذه الصورة لأنها مغايرة للصورة الأولى، فهي أدنى منها كما في رواية: (أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وقد فعل الله تعالى ذلك امتحانًا لهم، فلما أنكروه عرَّفهم نفسه بالآية التي يعرفون، وهي الساق، فإنه لما كشفه خَرُّوا له سجدًا.\rوأما الثالثة: فهي التي تحول فيها من الصورة السابقة إلى الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وذلك حال سجودهم كما في رواية مسلم: (فيرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وهي المرادة بقوله ﷺ -في حديث أبي هريرة-: (فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون ... ).\rوقد ذهب بعض أهل العلم والحديث كأبي عاصم النبيل (¬٢)، والدارمي (¬٣)، عليهما رحمة الله إلى تأويل هذا الحديث وصرفه عن ظاهره:","footnotes":"(¬١) وجاء عند ابن خزيمة (١/ ٢١٥ - ٢١٦) ح (١٢٣) ما يدل على أن هذه الرؤية تكون مرتين متتاليتين.\r(¬٢) هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم، الإمام الحافظ، شيخ المحدثين الأثبات، كان واسع العلم، ولم يُرَ في يده كتاب قط، حدَّث عن جماعة من التابعين، وحدث عنه خلق كثير، منهم البخاري ﵀، وهو أجل شيوخه وأكبرهم، توفي ﵀ سنة اثنتي عشرة ومائتين (٢١٢)، وقيل غير ذلك. [انظر: السير (٩/ ٤٨٠)، والعبر (١/ ٢٨٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٦)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٤٤)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٨)].\r(¬٣) هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني، الحافظ الإمام الحجة صاحب التصانيف، أكثر من الترحال والتطواف في طلب الحديث، أخذ علم الحديث وعلله على علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وفاق أهل زمانه وكان لهاجًا بالسنة بصيرًا بالمناظرة جذعًا في أعين المبتدعة، توفي ﵀ سنة (٢٨٠ هـ) له مصنفات منها: النقض على المريسي، وكتاب الرد على الجهمية. [انظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢١)، والسير (١٣/ ٣١٩)، وشذرات الذهب (٢/ ١٧٦)] ..","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211383,"book_id":118,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":167,"body":"فقد حُكي عن أبي عاصم أنه قال: \"ذلك تغيّر يقع في عيون الرائين، كنحو ما يتخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به، فيتوهم الشيء على الحقيقة\" (¬١).\rوقال الدارمي في رده على المريسي حين أنكر هذا الحديث واعترض عليه -مدعيًا أنه يتضمن شك المؤمنين في معبودهم؛ لأنهم يقولون: (نعوذ بالله منك)، وذلك إذا أتاهم في صورة غير صورته التي يعرفون-: \"ويلك إن هذا ليس بشك وارتياب منهم، ولو أن الله تجلى لهم أول مرة في صورته التي عرفهم صفاتها في الدنيا، لاعترفوا بما عرفوا، ولم ينفروا، ولكنه يري نفسه في أعينهم، لقدرته ولطف ربوبيته في صورة غير ما عرفهم الله صفاتها في الدنيا، ليمتحن بذلك إيمانهم ثانية في الآخرة كما امتحن في الدنيا، ليثبتهم أنهم لا يعترفون بالعبودية في الدنيا والآخرة إلا للمعبود الذي عرفوه في الدنيا بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه، واستشعرتها قلوبهم حتى ماتوا على ذلك، فإذا مثل في أعينهم غير ما عرفوا من الصفة نفروا وأنكروا، إيمانًا منهم بصفة ربوبيته التي امتحن قلوبهم في الدنيا، فلما رأى أنهم لا يعرفون إلا التي امتحن الله قلوبهم، تجلى لهم في الصورة التي عرفهم في الدنيا فآمنوا به وصدقوا، وماتوا، ونشروا عليه (¬٢)، من غير أن يتحول الله من صورة إلى صورة، ولكن يمثل ذلك في أعينهم بقدرته، فليس هذا أيها المريسي بشك منهم في معبودهم، بل هو زيادة يقين وإيمان به مرتين ...\rويلك إن الله لا تتغير صورته ولا تتبدل، ولكن يمثل في أعينهم يومئذ، أولم تقرأ كتاب الله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، وهو","footnotes":"(¬١) إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى (١/ ١٥٣)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٩١).\r(¬٢) في النسخة التى اعتمدها المحقق أصلًا: \"وبشروا عليه\"، وما أثبته أوضح، وهو موجود في بقية النسخ كما ذكر المحقق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211384,"book_id":118,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":168,"body":"الفعال لما يشاء، كما مثل جبريل ﵇ مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين رسول الله ﷺ صورة دحية الكلبي، وكما مثله لمريم بشرًا سويًا، وهو ملك كريم في صورة الملائكة، وكما شبه في أعين اليهود أن قالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] \" (¬١).\rولا ريب أن هذا تأويل باطل مخالف لظاهر هذه النصوص، ويتضح بطلانه من عدة وجوه:\rالوجه الأول: أن في حديث أبي سعيد المتقدم (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وفي لفظ: (في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وهذا يفسر قوله في حديث أبي هريرة (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون)، ويبين أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها.\rوما ذهب إليه الدارمي من جعل صورته التي يعرفون، هي التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا، فغير صحيح، لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة، لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا، ولفظ الرؤية صريح في ذلك.\rالوجه الثاني: أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة معينة، ولم يروه في الدنيا في صورة، فإن ما وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ لا يوجب لهم صورة يعرفونها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\rولو كانوا أرادوا الصفات المخبر بها في الدنيا لذكروا ذلك، فعلم أنهم لم يطيقوا وصف الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وقد قال النبي ﷺ في سدرة المنتهى: (فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرَتْ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها)، رواه مسلم (¬٢).","footnotes":"(¬١) نقض الإمام أبي سعيد على المريسي الجهمي العنيد (١/ ٣٨٦ - ٣٩١).\r(¬٢) من حديث أنس ﵁، صحيح مسلم (٢/ ٥٦٧) ح (١٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211385,"book_id":118,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":169,"body":"فالله أعظم من أن يستطيع أحد أن ينعت صورته، وهو سبحانه وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم، ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات -التي ذكرها الله ورسوله- أيسر، ومع هذا فقد قال ﷺ: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، متفق عليه (¬١). فالخالق أولى أن يكونوا لا يطيقون معرفة صفاته كلها.\rالوجه الثالث: أن في حديث أبي سعيد -المتقدم-: (فيرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وهذا نص صحيح صريح في أن الذي يتحول هو الله نفسه، لا أنه تغير في عيون الرائين، كما في هذا التأويل.\rوقول الدارمي: \"من غير أن يتحول من صورة إلى صورة، ولكن يمثل ذلك في أعينهم\" مخالف لهذا النص.\rالوجه الرابع: أنه في عدة أحاديث، كحديث أبي سعيد قال: (هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه فيسجدون له).\rوهذا يبين أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا، بل بآية وعلامة عرفوها بالموقف.\rالوجه الخامس: أن تمثيل الدارمي بقوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] لا يناسب تشبيهه بمجيء جبريل في صورة دحية والبشر، وذلك أن اليهود غلطوا في الذي رأوه، فلم يكن هو المسيح ولكن ألقي شبهه عليه، والذي رأته مريم، ومحمد ﷺ هو جبريل نفسه ولكن في صورة آدمي، فكيف يقاس ما رُئي هو نفسه في صورة على ما لم يُر هو، وإنما ألقى شبهه على غيره.\rالوجه السادس: أن هذا المعنى -وهو التمثيل- إذا قصد كان مقيدًا","footnotes":"(¬١) البخاري (٣/ ١١٨٥) ح (٣٠٧٢)، ومسلم (١٧/ ١٧١) ح (٢٨٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211386,"book_id":118,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":170,"body":"بالرائي لا بالمرئي مثل قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، فقيد ذلك بأعين الرائين، ويقال: كان هذا في عين فلان رجلًا فظهر امرأةً، وكان كبيرًا فظهر صغيرًا، ونحو ذلك، ولا يقال: جاء فلان في صورة كذا، ثم تحول في صورة كذا، ويكون التصوير في عين الرائي فقط، هذا لا يقال في مثل هذا أصلًا (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٩٨ - ٢٠٢)، وإبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٥٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211387,"book_id":118,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":171,"body":"المبحث الثاني: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211388,"book_id":118,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":172,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) متفق عليه (¬١).\rوفي رواية لمسلم: (إن الله قال: إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع).\rوعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ، يرويه عن ربه، قال: (إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)، رواه البخاري (¬٢).\rوعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يقول الله ﷿: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا","footnotes":"(¬١) البخاري: كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٦/ ٢٦٩٤) ح (٦٩٧)، ومسلم في موضعين: في كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب: الحث على ذكر الله تعالى، (١٧/ ٥) ح (٢٦٧٥)، وفي نفس الكتاب، باب: فضل الذكر والدعاء (١٧/ ١٤) ح (٢٦٧٥).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب: ذكر النبى ﷺ وروايته عن ربه (٦/ ٢٧٤) ح (٧٠٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211389,"book_id":118,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":173,"body":"يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة)، رواه مسلم (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rأن الهرولة (¬٢) الواردة في هذا الحديث، هل يصح أن تثبت صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، أم أن لها معنى آخر يقتضيه السياق فتحمل عليه؟ في هذا اختلف أهل العلم، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب: فضل الذكر والدعاء (١٧/ ١٥) ح (٢٦٧٧).\r(¬٢) الهرولة: \"بين المشي والعدو\" تهذيب اللغة (٦/ ١٤٦) مادة: (هرل)، وانظر: معجم مقاييس اللغة (٦/ ٤٨) مادة: (هرل)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث لأبي موسى المديني (٣/ ٤٩٦)، ولسان العرب (١١/ ٦٩٥) مادة: (هرول).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211390,"book_id":118,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":174,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في معنى قوله: (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) على قولين:\rالأول: أن المراد به ضرب مثل لكرم الله وجوده على عبده، ومعناه: أن العبد إذا تقرب إلى الله تعالى بالطاعة والأعمال الصالحة، تقرب الله إليه بالثواب والرحمة والكرامة ومضاعفة الأجر، أو زاده قربًا إليه، فمثَّل القليل من الطاعة بالشبر -أي قدر شبر- والزيادة عليه بالذراع، وبذل الجهد من الطاعة بالمشي، وقابل كلًا منها بما هو أقوى وأزيد، تكرمًا منه وفضلًا.\rوعليه، فلا يؤخذ من هذا الحديث إثبات الهرولة صفة لله تعالى.\rوهذا التفسير للحديث هو ظاهر كلام قتادة -رحمه الله تعالى- حيث قال بعد روايته لهذا الحديث: \"والله أسرع بالمغفرة\" (¬١).\rكما أنه مروي عن الأعمش (¬٢) وهو قول إسحاق بن راهويه وابن قتيبة","footnotes":"(¬١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٩/ ٣٩٧)، وحكم المحقق -شعيب الأرنؤوط- على إسناده بالصحة، وأخرجه أيضًا البغوي في شرح السنة (٥/ ٢٣)، وقال عنه: \"صحيح\"، وانظر: إبطال التأويلات (٢/ ٤٥٠).\r(¬٢) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي، شيخ المقرئين والمحدثين، ثقة حافظ، كان من أقرأ الناس للقرآن، وأعرفهم بالفرائض، وأحفظهم للحديث، رأى أنس بن مالك وحدَّث عنه، لكنه مع إمامته كان مدلِّسًا، توفي ﵀ سنة ثمان وأربعين ومائة (١٤٨ هـ)، وقيل غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤)، والسير (٦/ ٢٢٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٥٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٩٢)، وشذرات الذهب (١/ ٢٢٠)، وتقدم ذكر شيء من أقوال أهل العلم عنه ص (١٣٠)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211391,"book_id":118,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":175,"body":"وأبي يعلى وابن تيمية، عليهم رحمة الله، وإليه ذهب الشيخ عبد الله الغنيمان (¬١) وعليه عامة أهل التأويل من شراح الحديث وغيرهم (¬٢).\rقال الترمذي: \"ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، يعني: بالمغفرة والرحمة، وهكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، قالوا: إنما معناه يقول: إذا تقرب إليَّ العبد بطاعتي وما أمرت، أُسْرِع إليه بمغفرتي ورحمتي\" (¬٣).\rوقال إسحاق بن راهويه في معنى هذا الحديث: \"يعني: من تقرب إلى الله شبرًا بالعمل تقرب الله إليه بالثواب باعًا\" (¬٤).\rوقال ابن قتيبة: \"وإنما أراد: من أتاني مسرعًا بالطاعة، أتيته بالثواب أسرع من إتيانه فكنى عن ذلك بالمشي والهرولة\" (¬٥).\rوقال أبو يعلى: \"تقرب العبد إليه بالأعمال الصالحة، وأما تقربه إلى عبده فبالثواب والرحمة والكرامة\" (¬٦).\rوقال ابن تيمية: \"ولا ريب أن الله تعالى جعل تقربه من عبده جزاءً","footnotes":"(¬١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٢٧١).\r(¬٢) انظر: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (٣/ ٩٤)، وأعلام الحديث للخطابي (٤/ ٢٣٥٨)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٨٤)، وشرح السنة للبغوي (٥/ ٢٦)، والمعلم للمازري (٣/ ١٨٤)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ١٧٤)، والمفهم للقرطبي (٧/ ٨)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٥/ ٢٦١)، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى لأبي عبد الله القرطبي (١٥٢)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٦)، وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة (١٩٢)، وفتح الباري (١٣/ ٥١٣ - ٥١٤)، ومنة المنعم في شرح صحيح مسلم لصفي الرحمن المباركفوري (٤/ ٣٣٢).\r(¬٣) جامع الترمذي (عارضة ١٣/ ٨١)، وانظر: شرح السنة للبغوي (٥/ ٢٦).\r(¬٤) مسائل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، رواية حرب الكرماني (٣٤٥).\r(¬٥) تأويل مختلف الحديث: (٢٠٩).\r(¬٦) إبطال التأويلات: (٢/ ٢٨٩)، وانظر: (١/ ٢٣١)، و (٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211392,"book_id":118,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":176,"body":"لتقرب عبده إليه؛ لأن الثواب أبدًا من جنس العمل، كما قال في أوله: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم) ... وإذا كان كذلك فظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر، وكلاهما مذكور بلفظ المساحة ...\rومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه، شبرًا وذراعًا ومشيًا وهرولة، ولكن قد يقال: عدم ظهور هذا للقرينة الحسية العقلية، وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"فكلما تقرب العبد باختياره قدر شبر زاده الرب قربًا إليه، حتى يكون كالمتقرب بذراع\" (¬٢).\rواستدل هؤلاء بما يلي:\r١ - دلالة السياق، فإنه قال: (ومن أتاني يمشي ... )، ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله ﷿ لا يتقرب إليه بالمشي فقط، بل يكون تارة بالمشي كالسير إلى المساجد، ومشاعر الحج، والجهاد في سبيل الله ونحوها، وتارة يكون بغير المشي كالصيام، والركوع والسجود ونحوها، وقد قال ﷺ: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء)، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (¬٣).\rقالوا: وإذا كان ذلك كذلك صار المراد بالحديث: مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وكان هذا هو ظاهر الحديث، بدلالة هذه القرينة المفهومة من السياق، وليس تفسيره بهذا خروجًا بالحديث عن ظاهره، بل هو ظاهره (¬٤).","footnotes":"(¬١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ١٥٠ - ١٥٢).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٠)، وانظر: (٥/ ٢٣٨)، و (٣٥/ ٣٧١)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٣٩٧)، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٢٦٨، ٢٧١).\r(¬٣) صحيح مسلم (٤/ ٤٤٥) ح (٤٨٢).\r(¬٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ١٥٢)، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للعثيمين (٧١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211393,"book_id":118,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":177,"body":"وأما أهل التأويل فإنهم قالوا بهذا القول: فرارًا من التشبيه والتمثيل، حيث زعموا -كعادتهم- أن حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته يلزم منه التشبيه (¬١)، ولذلك أوجبوا صرفه عن ظاهره على حد زعمهم.\rفأهل التأويل، وإن قالوا: بهذا القول، إلا أنهم لا يجعلونه هو ظاهر الحديث بل يجعلونه مجازًا فيه، فمنزعهم في هذا القول يختلف عن منزع القائلين به من أهل السنة.\rقال النووي: \"هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره\" (¬٢).\rوقال ابن حجر: \"والحاصل أن الثواب راجح على العمل، بطريق الكم والكيف، ولفظ القرب والهرولة مجاز على سبيل المشاكلة، أو الاستعارة، أو إرادة لوازمها\" (¬٣).\r٢ - استدل أبو يعلى ﵀ بأن الحديث جاء مفسرًا في بعض ألفاظه، حيث روي بلفظ: (من جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يهرول) (¬٤)، لكن إسناده ضعيف. ولكن جاء هذا الحديث عند ابن حبان من طريق أبي هريرة ﵁ بلفظ: (وإذا أتاني مشيًا أتيته هرولة، وإن هرول سعيت إليه، والله أوسع بالمغفرة) (¬٥).","footnotes":"(¬١) وقد وافقهم ابن قتيبة ﵀ في كون الحديث إذا حمل على الصفة أفاد التمثيل، انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٩).\r(¬٢) شرح صحيح مسلم (١٧/ ٦)، وانظر: (١٧/ ١٥).\r(¬٣) فتح الباري (١٣/ ٥١٤)، وانظر: (١٣/ ٥١٣).\r(¬٤) رواه أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٤٤٣)، وانظر: (١/ ٢٣١) (٢/ ٢٩٠)، وسنده ضعيف، لأن فيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني -أبو يعقوب المدني- قال عنه النسائي في الضعفاء والمتروكون (٥٤): \"ليس بثقة\"، وقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي: ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه. [انظر: تهذيب التهذيب (١/ ٢٠١)]، وقال ابن حجر في التقريب: (١/ ٧٩): \"ضعيف\".\r(¬٥) صحيح ابن حبان (٢/ ١٠٠) ح (٣٧٦)، وحكم عليه المحقق -شعيب الأرناؤوط- بالصحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211394,"book_id":118,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":178,"body":"وجاء عند الإمامِ أحمد من طريق أبي هريرة ﵁ -أيضًا- بلفظ (وإن تقرب العبد مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا جاءني يمشي جئته أهرول، له المن والفضل) (¬١).\rالقول الثاني: أن (الهرولة) صفة فعلية خبرية، ثابتة لله تعالى بهذا الحديث: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).\rوقد صرح بكونها صفة لله تعالى بعض العلماء المعاصرين، كأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والشيخ محمد العثيمين ﵀، وقد أطال النفس في تقرير وإثبات ذلك.\rوعلى هذا القول ظاهر كلام الهروي وأبي موسى المديني، عليهما رحمة الله:\rأما الهروي فقد عقد بابًا بعنوان: \"باب الهرولة لله ﷿\" (¬٢)، ثم ساق تحته هذا الحديث.\rوأما أبو موسى المديني فقد قال: \"في الحديث عن الله ﵎: (من أتاني يمشي أتيته هرولة)، وهي مشي سريع بين المشي والعدو\" (¬٣).\rوأما اللجنة الدائمة فقد قالوا -بعد أن سُئلوا: هل لله صفة الهرولة؟ -: \"نعم، صفة الهرولة على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على ما يليق به\" (¬٤).\rوقد وقع على هذه الفتوى كل من: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ","footnotes":"(¬١) المسند (١٦/ ١٧٨) ح (١٠٢٥٣)، وقال المحقق: \"هذا إسناد حسن ... قوله: (له المن والفضل) هو من قول النبي ﷺ، أو من بعض الرواة، والله أعلم \".\r(¬٢) الأربعين في دلائل التوحيد (٧٩).\r(¬٣) المجموع المغيث (٣/ ٤٩٦).\r(¬٤) فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٩٦)، وانظر: تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي للدكتور عبد الرزاق البدر (١٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211395,"book_id":118,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":179,"body":"عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود.\rوقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: \"صفة الهرولة ثابتة لله تعالى كما في الحديث الصحيح ... وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها، من غير تكييف ولا تمثيل، لأنه أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف، لأن التكييف قول على الله بغير علم، وهو حرام، وبدون تمثيل لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] \" (¬١).\rوأجاب ﵀ عن استدلال أصحاب القول الأول، بأن التقرب إلى الله تعالى لا يختص بالمشي فقال: \"الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر، فيكون المعنى: من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي، لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها، كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها، كالطواف والسعي، والله تعالى أعلم\" (¬٢).\rوعمدة أصحاب هذا القول هو هذا الحديث، فقالوا: إن ظاهره يدل على إثبات هذه الصفة لله تعالى (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار (٢٤)، وانظر: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف (٢٦٢).\r(¬٢) القواعد المثلى (٧٢).\r(¬٣) انظر: إزالة الستار (٢٤ - ٣١)، والقواعد المثلى (٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211396,"book_id":118,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":180,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rقبل ترجيح أيٍّ من القولين السابقين لا بُدَّ من التذكير بقاعدتين هامتين في هذا الباب:\rالقاعدة الأولى: أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة إجراؤها على ظاهرها، دون التعرض لها بتحريف أو تعطيل، لا سيما نصوص الصفات، لأنه لا مجال للرأي فيها (¬١).\rقال القاضي أبو يعلى عن أخبار الصفات: \"والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها\" (¬٢).\rالقاعدة الثانية: أن المراد بظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق آخر (¬٣).\rوعليه، فإنه لا يجوز طرد معنى من معاني اللفظ في كل سياق ورد فيه، لمجرد أن اللفظ يحتمله، بل لا بد من النظر إلى معناه مقترنًا بسياقه الذي ورد فيه، و\"كل لفظ موجود في كتاب الله ورسوله، فإنه مقيد بما يبين معناه\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: القواعد المثلى للعثيمين (٣٣).\r(¬٢) إبطال التأويلات: (١/ ٤٣).\r(¬٣) انظر: القواعد المثلى (٣٦)، ونقض الدارمي على المريسي (١/ ٣٤٤).\r(¬٤) مقتبس من مجموع الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٠٧)، وانظر: مختصر الصواعق لابن القيم (٢/ ٣٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211397,"book_id":118,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":181,"body":"قال ابن القيم ﵀: \"السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"كل موضع ظهر فيه المراد بذلك التركيب والاقتران، فهو ظاهره وحقيقته، لا ظاهر له غيره، ولا حقيقة له سواه، فقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] حقيقته وظاهره أنه أجاعها بعد شبعها، وأخافها بعد أمنها، وألبس بواطنها ذل الجوع والخوف\" (¬٢).\rوبناءً على ما تقدم، فإن لفظ الهرولة وإن كان معناه: الإسراع في المشي، إلا أنه لا يقتضي أن يكون هذا معناه المراد منه في كل سياق ورد فيه، وإنما السياق هو الذي يحدد معناه.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وهو يتحدث عن قرب الله تعالى: \"ولا يلزم من جواز القرب عليه، أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دلَّ على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه\" (¬٣).\rفالهرولة في هذا الحديث معناها: مجازاة الله تعالى وإثابته لعبده بأكمل وأفضل من عمله -على ما جاء في القول الأول- وليس المراد بها: المشي السريع، فتثبت صفةً لله تعالى، كما أن تقرب العبد بالشبر والذراع لا يراد به حقيقة الشبر والذراع، وإنما يراد به قدرهما، وإلا فما موضع","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (٤/ ٢٢٢)، وقد تقدم هذا النقل وتقرير هذه القاعدة في المبحث الثالث من التمهيد، وذكرته هنا لأهميته ومناسبته.\r(¬٢) مختصر الصواعق (٢/ ٣١٧).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211398,"book_id":118,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":182,"body":"العبادات القلبية -والتي هي من أعظم العبادات وعليها تنبني أعمال الجوارح- كالخوف والرجاء والمحبة والتوكل ... ؟\rوكذا العبادات القولية كالذكر والدعاء والاستغفار، هل نخرجها من هذا الحديث؟ !\rوليس هذا تأويلًا للحديث وحملًا له على غير ظاهره، بل هو حقيقة معناه، وظاهر سياقه، وقد بيَّنا -فيما تقدم- أن ظاهر اللفظ: هو ما ظهر منه في السياق الذي ورد فيه، لا ما ظهر منه في سياق آخر.\rثم إن من جعل تقرب العبد الوارد في الحديث، لا يراد به التقرب بالمساحة المذكورة -وهو الحق كما تقدم- فإنه يلزمه أن يجعل تقرب الله تعالى كذلك، لأن ظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر، وكلاهما مذكور بلفظ المساحة (¬١)، ومن فرق بينهما فقد تناقض.\rومثل هذا الحديث ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتةً جاهلية)، وفي رواية: (من فارق الجماعة شبرًا) (¬٢).\rفإنه لا يفهم من ظاهره أن المراد بالشبر شبر المساحة، وإنما المراد به كما هو ظاهر سياقه: التمثيل والتقريب، ومعناه: النهي عن معصية السلطان، ومفارقة الجماعة، ولو بأقل القليل.\rقال الحافظ ابن حجر: \"قوله: (شبرًا): هي كناية عن معصية السلطان ومحاربته، قال ابن أبي جمرة (¬٣): المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد","footnotes":"(¬١) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ١٥١).\r(¬٢) متفق عليه: البخاري (٦/ ٢٥٨٨) ح (٦٦٤٥)، ومسلم (١٢/ ٤٨١) ح (١٨٤٩).\r(¬٣) هو الإمام العالم الناسك أبو محمد عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المالكي، كان عالمًا بالحديث، قوَّالًا بالحق، أمَّارًا بالمعروف نهَّاءً عن المنكر، اختصر صحيح البخاري ثم شرحه في كتاب: بهجة النفوس، توفي بالديار المصرية سنة (٦٩٥). =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211399,"book_id":118,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":183,"body":"البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق\" (¬١).\rومثله -أيضًا- قوله ﷺ، كما في حديث أبي هريرة: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأً أو معاذًا فليعذ به)، متفق عليه (¬٢).\rإذ ليس المراد به ذات القعود وذات القيام، وإنما المراد به: التنبيه على عظم وخطر الدخول فيها، والحض على تجنبها، والإمساك عن التشبث بشيء منها، وأن بلاءها بقدر مبلغ الإنسان منها، ودخوله فيها، ولهذا حض النبي ﷺ على الهروب عنها (¬٣).\rوالقول: بهذا المعنى للهرولة، ليس هروبًا من إثباتها صفةً لله تعالى؛ لأنها توهم معنى فاسدًا -كما هو منهج نفاة الصفات-، وإنما لأن سياق الحديث وظاهره يدل عليه، ولو لم يرد في السياق ما يدل عليه لتعين إثباتها صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولذلك فقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة المجيء والإتيان له سبحانه على ما يليق بجلاله، لدلالة النصوص الصحيحة عليهما (¬٤)، والهرولة من جنسهما، ولكن لأنه لم يدل دليل صريح على إثباتها صفة لله تعالى فإنه لا يتوجه إثباتها صفة له، والله أعلم.","footnotes":"= [انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٣٦٦)، والأعلام (٤/ ٨٩)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٤٣)].\r(¬١) فتح الباري (١٣/ ٦ - ٧) بتصرف يسير.\r(¬٢) البخاري في مواضع: (٣/ ١٣١٨) ح (٣٤٠٦)، و (٦/ ٢٥٩٤) ح (٦٦٧٠، ٦٦٧١)، ومسلم (١٨/ ٢٢٤) ح (٢٨٨٦).\r(¬٣) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ٤١٨)، وفتح الباري (١٣/ ٣٠).\r(¬٤) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (١٩٢)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٧٧ - ٥٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211400,"book_id":118,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":184,"body":"ثم إن الهرولة جاءت في الحديث مقيدة، فالله يأتي هرولة لمن أتاه يمشي، ولم تأتِ مطلقة كبقية الصفات المطلقة، ولذا فمن أثبتها صفة لله تعالى ينبغي له تقييدها بما قيدت به في الحديث، فلا يجعلها صفة لله تعالى على وجه الإطلاق.\rفإن قيل: تفسير الحديث بهذا المعنى، فيه حجة لأهل التأويل في تأويلهم، وإلزام لنا بموافقتهم، أو مداهنتهم فيما أولوه من صفات الله ﷿ (¬١).\rقيل: هذا الإيراد مبني على اعتقاد أن هذا المعنى: تأويل للحديث وصرف له عن ظاهره، وقد تقدم بيان أن القول بهذا المعنى عمل بظاهر الحديث وليس تأويلًا له.\rوقد قال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى- عن هذا القول: إن له حظًا من النظر (¬٢)، مع أنه قد انتصر للقول الثاني.\rثم إن أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى وغيرها ينطلقون من دلالة نصوص الكتاب والسنة -ولذلك نلاحظ أن كلًا من أصحاب القولين السابقين ممن هم من أهل السنة يرى أنه قد عمل بظاهر الحديث- لا من مجرد مخالفة أهل التأويل.\rوأما ما قيل في معنى: (وإذا أتاني يمشي .. ) أي: في عبادة تفتقر إلى المشي، فبعيد عن ظاهر الحديث، وهل يقال مثل ذلك في رواية: (وإن هرول سعيت إليه) (¬٣) فيكون المعنى: في عبادة تفتقر إلى الهرولة؟ ! لا ريب أن هذا تكلف ظاهر، والله أعلم.\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: إزالة الستار للعثيمين (٢٨).\r(¬٢) انظر: القواعد المثلى (٧٢)، وإزالة الستار (٣١).\r(¬٣) تقدم تخريجه ص (١٨١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211401,"book_id":118,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":185,"body":"المبحث الثالث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211402,"book_id":118,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":186,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)، متفق عليه (¬١).\rوفي لفظ آخر: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدًا، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر)، متفق عليه (¬٢).\r\rبيان وجه الإشكال\rهو أن هذا العدد المذكور في الحديث، هل هو حاصر لأسماء الله تعالى كلها، فلا تزيد عليه، أم أن المراد به بيان عدة الأسماء التي اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة؟\rوفي الحديث إشكالان آخران:\rأحدهما: في بيان معنى الإحصاء الوارد في الحديث.\rوالثاني: هل يمكن معرفة هذه الأسماء التسعة والتسعين على وجه التعيين.\rوسيأتي الكلام عليهما في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) البخاري في موضعين: في كتاب الشروط، باب: ما يجوز من الاشتراط (٢/ ٩٨١) ح (٢٥٨٥)، وفي كتاب التوحيد، باب: إن لله مائة اسم إلا واحدًا، (٦/ ٢٦٩١) ح (٦٩٥٧)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها (١٧/ ٨) ح (٢٦٧٧).\r(¬٢) البخاري: كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحد (٥/ ٢٣٥٤) ح (٦٠٤٧)، ومسلم: الموضع السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211403,"book_id":118,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":187,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\rالقول الأول: أن الأسماء الحسنى ليست محصورة بهذا العدد المذكور، وأن مقصود الحديث بيان أن هذه الأسماء قد اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة.\rوإلى هذا ذهب الجمهور، بل نقل النووي -رحمه الله تعالى- اتفاق العلماء عليه حيث قال: \"واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه: أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء\" (¬١).\rوقد نص جمع من أهل العلم على أن الحديث لا يفهم منه إرادة حصر أسماء الله تعالى بالعدد المذكور فيه، وممن نص على ذلك: الخطابي، والباقلاني (¬٢)، ..................................................................","footnotes":"(¬١) شرح صحيح مسلم (١٧/ ٨).\r(¬٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٢٠)، والباقلاني هو: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف بالباقلاني البصري الشافعي الأصولي المتكلم المشهور، كان على مذهب أبي الحسن الأشعري ومؤيدًا اعتقاده وناصرًا طريقته سكن بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة في علم الكلام وغيره، توفي ﵀ ببغداد سنة (٤٠٣ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٤٥٥)، ووفيات الأعيان (٤/ ٩٨)، والعبر (٢/ ٢٠٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٨)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211404,"book_id":118,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":188,"body":"والبيهقي (¬١)، وابن العربي (¬٢)، والقرطبي (¬٣)، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير (¬٤)، وابن الوزير (¬٥)، وابن حجر (¬٦)، والشوكاني (¬٧)، وحافظ الحكمي (¬٨)،","footnotes":"(¬١) انظر: الأسماء والصفات (١/ ٢٧)، والاعتقاد (٢٠).\r(¬٢) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٢٧٥)، وابن العربي هو: الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي كان متبحرًا بالعلم ثاقب الذهن كريم الشمائل، ولي قضاء إشبيلية فحمد وأجاد السياسة، ثم عزل فأقبل على التصنيف ونشر العلم، توفي ﵀ سنة (٥٤٣ هـ) له تصانيف عديدة من أشهرها: عارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، والعواصم من القواصم. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٤)، والسير (٢٠/ ١٩٧)، وشذرات الذهب (٤/ ١٤١)].\r(¬٣) انظر: المفهم (٧/ ١٦).\r(¬٤) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٥).\r(¬٥) انظر: إيثار الحق على الخلق (١٥٨)، وابن الوزير هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى ابن الوزير، أبو عبد الله الإمام المجتهد الكبير، من علماء اليمن، تعلم بصنعاء وصعدة ومكة، وأقبل في آخر حياته على العبادة، وانقطع عن الناس، له مؤلفات عديدة منها: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، وإيثار الحق على الخلق، والروض الباسم، توفي ﵀ سنة أربعين وثمانمائة (٨٤٠). [انظر: البدر الطالع (٢/ ٨١)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣٥)، والأعلام (٥/ ٣٠٠)].\r(¬٦) انظر: الفتح (١١/ ٢٢١).\r(¬٧) انظر: تحفة الذاكرين (١٩٦). والشوكاني هو: العلامة محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، من أهل صنعاء وبها نشأ وولي قضاءها، وكان محاربًا للتقليد، . توفي ﵀ سنة (١٢٥٠ هـ)، وله مؤلفات عديدة منها: نيل الأوطار، وإرشاد الفحول، والسيل الجرار. [انظر: البدر الطالع (٢/ ٢١٤)، والأعلام (٦/ ٢٩٨)].\r(¬٨) انظر: معارج القبول (١/ ٧١). والحكمي هو: العلامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، فقيه أديب من علماء جيزان، نشأ بدويًا يرعى الغنم ثم قرأ القرآن، ولما بلغ السادسة عشرة بدأ بطلب العلم وهو يواصل رعي الغنم ثم تفرغ للدراسة =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211405,"book_id":118,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":189,"body":"ومحمد العثيمين (¬١)، وغيرهم.\rقال الخطابي -رحمه الله تعالى- عند حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا .. ): \"فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء لأنها أشهر الأسماء وأبينها معاني وأظهرها.\rوجملة قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الفائدة في خبر \"إن\": في قوله: (من أحصاها دخل الجنة)، لا في قوله: (تسعة وتسعين اسمًا)، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته: أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب\" (¬٢).\rوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: \"والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا\" (¬٣).","footnotes":"= فظهر فضله وذكاؤه، وكان من أبرز مشائخه الذين استفاد منهم: الشيخ عبد الله القرعاوي، عين مديرًا للمعهد العلمي بسامطه سنة (١٣٧٤ هـ)، واستمر إلى أن توفي بمكة سنة (١٣٧٧ هـ)، وله مؤلفات منها: معارج القبول، وأعلام السنة المنشورة. [انظر: الأعلام (٢/ ١٥٩)، ومعجم المؤلفين (١/ ٥١٩)].\r(¬١) انظر: القواعد المثلى (١٣ - ١٤).\r(¬٢) شأن الدعاء (٢٣ - ٢٤).\r(¬٣) درء التعارض (٣/ ٣٣٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨١)، و (٢٢/ ٤٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211406,"book_id":118,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":190,"body":"وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: \"الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل ... وأما قوله ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، فالكلام جملة واحدة، وقوله: (من أحصاها دخل الجنة) صفة لا خبر مستقل، والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه\" (¬١).\rأدلة هذا القول:\r١ - حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أَو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمْتُه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا) (¬٢).","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٢٧٨).\r(¬٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٤٦) ح (٣٧١٢)، وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢٥٣) ح (٩٧٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٩) ح (١٠٣٥٢)، والحاكم في مستدركه (١/ ٦٩٠) ح (١٨٧٧)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه عن أبيه\"، وتعقبه الذهبي بقوله: \"وأبو سلمة لا يدرى من هو ولا رواية له في الكتب الستة\"، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٦)، وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ... والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان\".\rوالحديث صححه ابن حبان والحاكم -كما تقدم- وابن القيم كما في شفاء العليل =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211407,"book_id":118,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":191,"body":"والشاهد من هذا الحديث قوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فإن فيه دليلًا على أن أسماء الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره.\rقال الخطابي -رحمه الله تعالى-: \"فهذا يدلك على أن لله أسماءً لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه، ولم يظهرها لهم\" (¬١).\rوقال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: \"فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.\rوقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده.\rوقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه\" (¬٢).\rوقال الشوكاني عند هذا الحديث: \"فيه دليل على أن لله ﷾ أسماءً غير التسعة والتسعين\" (¬٣).\r٢ - حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه وهو ساجد: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، رواه مسلم (¬٤).","footnotes":"= (٢/ ٢٧١)، وبدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وكذا أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥/ ٢٦٦)، والألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٦ - ٣٤١) ح (١٩٩)، ونفيا عنه ما ادُعي من جهالة أبي سلمة الجهني الوارد في سند الحديث، كما بيَّنا سلامته من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، الذي أشار إليه الحاكم فيما تقدم، قال الألباني تعقيبًا على كلام الحاكم: \"قلت: هو سالم منه، فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة، منهم: سفيان الثوري وشريك القاضي وابن معين والبخاري وأبو حاتم\".\r(¬١) شأن الدعاء (٢٥).\r(¬٢) بدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\r(¬٣) تحفة الذاكرين (١٩٦).\r(¬٤) صحيح مسلم (٤/ ٤٤٩) ح (٤٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211408,"book_id":118,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":192,"body":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فأخبر أنه ﷺ لا يحصي ثناءً عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه\" (¬١).\r٣ - حديث أبي هريرة في الشفاعة، وفيه: أن النبي ﷺ قال: (ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي)، متفق عليه (¬٢).\rووجه الاستشهاد بهذا الحديث: أن حمد النبي ﷺ لربه وثناءه عليه إنما يكون بأسمائه وصفاته (¬٣)، وقد اختص نبينا ﷺ في هذا المقام بقدر زائد على ما هو معلوم منها، بدليل قوله: (لم يفتحه على أحد قبلي)، وهذا يدل على أن أسماء الله تعالى غير محصورة بالتسعة والتسعين.\rقال القرطبي: \"وقد دلَّ على أن لله أسماءً أخر ما قدمناه من قوله ﷺ: (فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يلهمنيها الله) \" (¬٤).\rالقول الثاني: أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد المذكور في الحديث -تسعة وتسعين- لا تتجاوزه، وهي المنصوص عليها في الكتاب والسنة.\rوإلى هذا ذهب ابن حزم (¬٥) رحمه الله تعالى، منكرًا أشد الإنكار على","footnotes":"(¬١) درء التعارض (٣/ ٣٣٢).\r(¬٢) البخاري (٤/ ١٧٤٥) ح (٤٤٣٥)، ومسلم (٣/ ٦٦) ح (١٩٤).\r(¬٣) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٣٨).\r(¬٤) المفهم (٧/ ١٦) بتصرف يسير.\r(¬٥) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف القرطبي الظاهري، الإمام العلامة الحافظ الفقيه المجتهد، كان شافعيًا ثم انتقل إلى القول بالظاهر ونفي القياس، وكان صاحب ديانة وتورع وتزهد وتحر للصدق توفي ﵀ سنة (٤٥٦ هـ) له مصنفات عديدة منها: المحلى، والإحكام لأصول الأحكام، والفصل في الملل والأهواء والنحل، وغيرها. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٤)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٦)، والسير (١٨/ ١٨٤)، والعبر (٢/ ٣٠٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٩٩)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211409,"book_id":118,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":193,"body":"من أجاز الزيادة على التسعة والتسعين، وإليك نص كلامه:\rقال رحمه الله تعالى: \"وإن له ﷿ تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد، وهي أسماؤه الحسنى، من زاد شيئًا من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه، وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة ... وقد صح أنها تسعة وتسعون اسمًا فقط، ولا يحل لأحد أن يجيز أن يكون له اسمٌ زائد، لأنه ﵇ قال: (مائة غير واحد)، فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد لكانت مائة اسم، ولو كان هذا لكان قوله ﵇: (مائة غير واحد) كذبًا، ومن أجاز هذا فهو كافر\" (¬١).\rأدلة هذا القول:\rعمدة هذا القول هو حديث التسعة والتسعين، خاصة قوله ﷺ: (مائة إلا واحدًا)، حيث فهم منه ابن حزم الظاهري -رحمه الله تعالى- أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد، فمن ادَّعى الزيادة عليها فقد كذّب هذا الحديث.\rقال رحمه الله تعالى: \"ولا يجوز أن يقال: إن لله تعالى أسماءً غيرها، لأنه قول على الله ﷿ بغير علم، ولقول رسول الله ﷺ: (مائة غير واحد)، فنفى ﵇ الزيادة في ذلك بنفيه الواحد المتمم للمائة، فلا يجوز إثباته البَتَّةَ، ولا إثبات زيادة على ذلك\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"قول رسول الله ﷺ: (مائة غير واحد) مانع من أن يكون له أكثر من ذلك، ولو جاز كان قوله ﵇ كذبًا، وهذا كفر ممن أجازه، وبالله التوفيق\" (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) المحلى (١/ ٥٠)، وانظر: الفصل (١/ ٤٢٤)، والدرة فيما يجب اعتقاده (٢٤٢).\r(¬٢) الدرة فيما يجب اعتقاده (٢٤٢ - ٢٤٣).\r(¬٣) الفصل (١/ ٤٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211410,"book_id":118,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":194,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rلا ريب أن القول الأول -وهو قول الجمهور (¬١) - هو المتعين، فالحديث لا يفيد حصر أسماء الله تعالى في التسعة والتسعين، غاية ما فيه أن من أحصى هذا العدد فهو موعود بدخول الجنة، وليس فيه أنها لا تزيد على هذا العدد، فهو كقول القائل: عندي مائة مملوك أعددتهم للعتق، فإن هذا لا ينفي وجود مماليك سواهم غير معدين للعتق.\rفالتقييد في الحديث بالعدد المذكور هو فى الموصوف بهذه الصفة، لا في أصل استحقاقه لذلك العدد، فإنه لم يقل: إن أسماء الله تسعة وتسعون (¬٢).\rوقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فأمر أن يدعى بأسمائه الحسنى مطلقًا، ولم يقل: ليست أسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين اسمًا (¬٣).\rوجاءت الأدلة الصحيحة بما يفيد زيادتها على هذا العدد، كما في أدلة القول الأول (¬٤).\rوأما القول الثاني، وهو القول: بأن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد الوارد في الحديث، وأنها لا تزيد عليه البتة، فقول ضعيف شاذ، لم","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، ودرء التعارض (٣/ ٣٣٢)، وشفاء العليل (٢/ ٢٧٨).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨١).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٦).\r(¬٤) انظر: ص (١٩٤ - ١٩٦) من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211411,"book_id":118,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":195,"body":"أجد من قال به -بعد البحث- غير ابن حزم (¬١) رحمه الله تعالى، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أنه قول ابن حزم وطائفة، لكنه لم يسم أحدًا (¬٢).\rوأما استدلاله بالتأكيد في قوله ﷺ: (مائة إلا واحدًا) على تعيُّن الحصر بهذا العدد، وعدم جواز الزيادة عليه، فباطل من وجوه:\rالوجه الأول: أن الحصر المذكور، إنما هو باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد عليها (¬٣).\rالوجه الثاني: أن قوله ﷺ: (مائة إلا واحدًا) مجرد تأكيد لقوله: (تسعة وتسعين) حتى يتقرر ذلك في نفس السامع، جمعًا بين جهتي الإجمال","footnotes":"(¬١) هناك من أطلق عددًا محددًا، ورقمًا معينًا لأسماء الله تعالى غير التسعة والتسعين، ومن ذلك:\r١ - أنها أربعة آلاف اسم: ألف لا يعلمه إلا الله، وألف لا يعلمه إلا الله والملائكة، وألف لا يعلمه إلا الله والملائكة والأنبياء، وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونه، فثلاثمائة منه في التوراة، وثلاثمائة في الإنجيل، وثلاثمائة في الزبور، ومائة في القرآن، تسعة وتسعون منها ظاهرة، وواحد مكتوم، من أحصاها دخل الجنة، [انظر: لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات للرازي (١٠٢)، وفتح الباري (١١/ ٢٢٠)].\r٢ - وقيل: إنها ألف اسم، وهذا منسوب لأبي الخطاب ابن دحية الكلبي، [انظر: زاد المعاد (١/ ٨٨)، وفتح الباري (١١/ ٢٢٠)].\r٣ - وقيل: إنها مائة اسم، بعدد درجات الجنة، وبه جزم السهيلي، [انظر: الفتح (١١/ ٢٢١)].\rوكل هذه أقوال ضعيفة باطلة، إذ ليس لها زمام ولا خطام، ولا مستند صحيح يعوَّل عليه، وإنما هي ضرب من التكلف المذموم، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٠): \"وهذه دعوى تحتاج إلى دليل\"، [وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن خليفة التميمي (٦٧ - ٦٨)].\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨٢)، و (٢٢/ ٤٨٢).\r(¬٣) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211412,"book_id":118,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":196,"body":"والتفصيل، أو دفعًا للتصحيف الخطي والسمعي، فقد تشتبه مثلًا: بسبعة وسبعين.\rثم إن قوله ﷺ: (مائة إلا واحدًا) لم يفد شيئًا زائدًا على قوله: (تسعة وتسعين) -سوى التأكيد- حتى يُفهم منه نفي الزيادة وإبطالها، كما زعم ابن حزم رحمه الله تعالى (¬١).\rالوجه الثالث: أن الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، وقد تتبعها بعض العلماء فأوصلها إلى ستة وأربعين ومائة، كابن العربي (¬٢).\rوبعضهم أوصلها إلى خمسة وخمسين ومائة، كابن الوزير (¬٣).\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وإن قيل: لا تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين\" (¬٤).\rوقال ابن الوزير: \"وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص، أما الضرورة فإن في كتاب الله أكثر من ذلك ... وأما النص فحديث ابن مسعود ﵁\" (¬٥)، وقد تقدم في المطلب الثاني.\rإذا تبين هذا وهو أن أسماء الله تعالى غير محصورة بالعدد المذكور، بل تزيد عليه، فما معنى الاحصاء الوارد في الحديث؟ وهل يمكن معرفة هذه الأسماء التسعة والتسعين على وجه التعيين؟ .\rوالجواب عن هذا يمكن تقسيمه إلى مسألتين كما يلي:","footnotes":"(¬١) انظر: المفهم للقرطبي (٧/ ١٦)، وطرح التثريب للعراقي (٧/ ١٤٩)، وفتح الباري (١١/ ٢١٩).\r(¬٢) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٢٧٧).\r(¬٣) انظر: إيثار الحق على الخلق (١٥٩).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢).\r(¬٥) إيثار الحق على الخلق (١٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211413,"book_id":118,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":197,"body":"المسألة الأولي: في معنى الإحصاء الوارد في الحديث:\rإحصاء أسماء الله تعالى الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي فقد أحصى جميع العلوم، لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها (¬١).\rولذلك فقد رتب الله تعالى على إحصائها أفضل الثواب وأعظم الجزاء، كما في قوله ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة)، متفق عليه.\rوقد قيل في معنى الإحصاء الوارد في الحديث عدة أقوال، أشهرها أربعة (¬٢)؛ وهي كالتالي:\rالقول الأول: أن المراد به العد، أي: أن يعدها حتى يستوفيها حفظًا فيدعو ربه بها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨].\rوإلى هذا ذهب ابن الجوزي (¬٣)، والشوكاني (¬٤)، واستظهره الخطابي (¬٥)، والنووي (¬٦)، وذكر أنه قول الأكثرين (¬٧).\rونسبه بعضهم للبخاري، لأنه قال بعد روايته للحديث: \"أحصيناه: حفظناه\" (¬٨).","footnotes":"(¬١) انظر: بدائع الفوائد (١٣٥).\r(¬٢) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (٢٢ - ٢٤)، وشأن الدعاء (٢٦ - ٢٩)، وغريب الحديث (١/ ٧٣٠ - ٧٣١)، وأعلام الحديث (٢/ ١٣٤٢ - ١٣٤٣) ثلاثتها للخطابي، وشرح السنة للبغوي (٥/ ٣١)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٨)، وفتح الباري (١١/ ٢٥٢ - ٢٢٦).\r(¬٣) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٦).\r(¬٤) انظر: تحفة الذاكرين (٥٣).\r(¬٥) انظر: شأن الدعاء (٢٦).\r(¬٦) انظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٨).\r(¬٧) انظر: الأذكار (١٥١).\r(¬٨) صحيح البخاري (٦/ ٢٦٩١)، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٨)، وفتح =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211414,"book_id":118,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":198,"body":"ودليل هؤلاء أنه جاء في بعض طرق الحديث -كما عند مسلم-: (من حفظها) بدل (من أحصاها)، وعند البخاري: (لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة).\rقال ابن الجوزي: \"لما ثبت في بعض طرق الحديث (من حفظها) بدل (أحصاها) اخترنا أن المراد العدُّ، أي: من عدها ليستوفيها حفظًا\" (¬١).\rلكن هذا القول تعقبه بعض العلماء مبينين أن الإحصاء ليس مجرد العد فقط.\rقال الأصيلي (¬٢): \"ليس المراد بالإحصاء عدها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها\" (¬٣).\rوقال أبو نُعيم (¬٤): \"الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد،","footnotes":"= الباري (١١/ ٢٢٦) ففيهما نسبة هذا القول للبخاري ﵀، لكن تعقب هذه النسبة الشيخ عبد الله الغنيمان فقال: \"ربما فهم من صنيع البخاري أنه يرى أن إحصاءها هو حفظ ألفاظها، كما فهم ذلك الحافظ ابن حجر، وعندي فيه نظر، وذلك أن عادة البخاري التي سار عليها في كتابه هذا، أنه إذا جاء لفظ في الحديث، وفي القرآن لفظ يوافقه في اللفظ والاشتقاق، أنه يذكره وإن كان لا يوافقه في المعنى، وأمثلة ذلك كثيرة، فهو في قوله: \"أحصيناه: حفظناه\" يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ \" [شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٢٢٠ - ٢٢١)].\r(¬١) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٦).\r(¬٢) هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، نسبة إلى مدينة أصيلة في المغرب، من الأئمة الأعلام، وأحد شيوخ المالكية، له كتاب الدلائل على أمهات المسائل، في الفقه، توفي ﵀ سنة (٣٩٢). [انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ١٣٥)، ومعجم البلدان (١/ ٢٥١)، والأعلام (٤/ ٦٣)].\r(¬٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٦)، وانظر: (١٣/ ٣٧٨).\r(¬٤) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق، الإمام الحافظ المشهور، صاحب كتاب حلية الأولياء، من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ، له مصنفات كبيرة مشهورة، كدلائل النبوة، وتاريخ أصبهان، وفضائل الصحابة وغيرها، توفى ﵀ سنة ثلاثين وأربعمائة (٤٣٠). =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211415,"book_id":118,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":199,"body":"وإنما هو العمل والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها\" (¬١).\rوقال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام ابن الجوزي: \"فيه نظر، لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ: (حفظها) تعيُّن السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي\" (¬٢).\rالقول الثاني: أن المراد بالإحصاء: الإطاقة كقوله سبحانه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تطيقوه، ويكون معنى الحديث: من أطاقها وذلك بالمحافظة على حدودها، والقيام بحقها، والعمل بمقتضاها، فإذا قال: السميع البصير، علم أنه لا يخفى على الله خافية، وأنه بمرأى منه ومسمع، فيخافه في سره وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله، وإذا قال: الرزاق، اعتقد أنه المتكفل برزقه يسوقه إليه في وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له غيره، وهكذا بقية الأسماء.\rالقول الثالث: أن المراد بالإحصاء: العقل والمعرفة، مأخوذ من الحصاة وهي العقل، قال طرفة (¬٣):\rوإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل (¬٤)","footnotes":"= [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١١٠)، والسير (١٧/ ٤٥٣)، والعبر (٢/ ٢٦٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٥)].\r(¬١) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٦).\r(¬٢) الفتح (١١/ ٢٢٦).\r(¬٣) هو أبو عمرو طرفة بن العبد بن سفيان البكري الوائلي، شاعر جاهلي، وأحد أصحاب المعلقات السبع المشهورة، كان أحدث الشعراء سنًا وأقلهم عمرًا، حيث قتل وهو ابن عشرين سنة، وقيل ست وعشرين، توفي في حدود سنة ستين قبل الهجرة. [انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (١٠٣)، والأعلام (٣/ ٢٢٥)، وشرح المعلقات العشر (٦٧)].\r(¬٤) ديوان طرفة بن العبد (٨١) من قصيدة له مطلعها:\rلِهندٍ بحزان الشريف طلول ..... تلوح وأدنى عهدهن محيل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211416,"book_id":118,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":200,"body":"والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ومعرفة بالأمور.\rويكون معنى الحديث: من عرفها وعقل معانيها، مؤمنًا بها دخل الجنة.\rقال الزجاج (¬١): \"ويجوز أن يكون معناه: من عقلها، وتدبر معانيها، من الحصاة التي هي العقل\" (¬٢).\rالقول الرابع: أن المراد بالإحصاء: أن يقرأ القرآن كاملًا حتى يختمه، فيكون بذلك قد استوفى هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة، وإلى نحو من هذا ذهب أبو عبد الله الزبيري (¬٣).\rويلاحظ على هذا القول أنه أغفل الأسماء الحسنى الواردة في الأحاديث النبوية، الزائدة على القرآن (¬٤).\rهذه هي أشهر الأقوال في معنى الإحصاء الوارد في الحديث، وكل","footnotes":"(¬١) هو الإمام النحوي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السَّري الزجاج البغدادي، لزم المبرد وتعلم على يديه، له مصنفات حسان في الأدب، وكان من ندماء المعتضد، توفي ﵀ سنة (٣١١ هـ)، وقيل سنة (٣١٦ هـ) ببغداد، وله مؤلفات عديدة منها: معاني القرآن، والنوادر، والعروض، وتفسير أسماء الله الحسنى. [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٨٧)، ووفيات الأعيان (١/ ٧٤)، والسير (١٤/ ٣٦٠)، والعبر (١/ ٤٦١)].\r(¬٢) تفسير أسماء الله الحسنى (٢٤).\r(¬٣) هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄، علامة إمام صدوق، من نبلاء الرجال وأفرادهم، وكان نسَّابة أخباريًا فصيحًا، تكلم عليه بعضهم لأجل وقفه في مسألة القرآن، توفي ﵀ سنة ست وثلاثين ومائتين (٢٣٦). [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ١١٣)، والسير (١١/ ٣٠)، والعبر (١/ ٣٣٢)، وتقريب التهذيب (٢/ ١٨٦)].\r(¬٤) انظر: النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد الحمود النجدي (١/ ٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211417,"book_id":118,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":201,"body":"واحد منها له ما يؤيده، سوى القول الرابع، ولذلك ضعفه النووي (¬١) رحمه الله تعالى.\rوالذي يظهر-والله تعالى أعلم- أن الإحصاء يكون بمجموع الأقوال الثلاثة الأولى فيكون:\r١ - بالعدِّ والحفظ.\r٢ - والعقل والمعرفة.\r٣ - والإطاقة، بالتفسير المتقدم.\rولا تنافي بينها، بل كل واحد منها مكمل للاخر، فيكون المعنى: من عدها وأحاط بها لفظًا وفهم معانيها ودعا الله بها وتعبده بمقتضاها دخل الجنة.\rقال السعدي (¬٢) ﵀، في معنى (أحصاها): \"أي: من حفظها وفهم معانيها، واعتقدها، وتعبد الله بها، دخل الجنة\" (¬٣).\rيؤيد ذلك أن هذه المعاني الثلاثة للإحصاء قد جاءت بها اللغة، كما تقدم (¬٤)، فمن قال: بأحدها دون البقية فقد فسر الإحصاء ببعض معناه والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٨).\r(¬٢) هو العلامة الفقيه المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي ولد ونشأ في بلدة عنيزة من محافظات القصيم، واشتغل بالعلم حتى فاق الأقران، ولما تقدم به الطلب خرج عن مألوف بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط إلى الاطلاع على كتب التفسير والحديث والتوحيد وكتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، توفي ﵀ سنة (١٣٧٦ هـ) له مؤلفات عدة منها: تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن، والقواعد الحسان، والقول السديد في شرح كتاب التوحيد. [انظر: علماء نجد (٣/ ٢١٨)، والأعلام (٣/ ٣٤٠)].\r(¬٣) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ١٠٨).\r(¬٤) وانظر للاستزادة: تهذيب اللغة للأزهري (٥/ ١٠٧) مادة: (حصا)، ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٦٩) مادة (حصوى)، ولسان العرب (١٤/ ١٨٣ - ١٨٤) مادة (حصي).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211418,"book_id":118,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":202,"body":"والقول: بهذا لا ينافي رواية: (من حفظها)؛ لأن الحفظ ليس مجرد عدها وسردها عن ظهر قلب، بل يتعدى ذلك ليشمل فهمها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]، فإن معناه: المؤدُّون فرائض الله، والقائمون على طاعته (¬١).\rقال ابن بطال (¬٢) رحمه الله تعالى: \"الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل:\rفالذي بالعمل: أن لله أسماءً يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها، كالرحيم والكريم والعفو ونحوها، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي.\rوأما الإحصاء القولي: فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمنَ غيرُه في العد والحفظ، فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها\" (¬٣).\rوقال ابن عطية (¬٤): \"معنى أحصاها: عدها وحفظها، وتضمن ذلك","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير الطبري (جامع البيان) (٦/ ٤٨٦)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٦٠٩).\r(¬٢) هو العلامة أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي ثم البَلَنْسي، كان من أهل العلم والمعرفة والعناية بالحديث، توفي ﵀ سنة (٤٤٩ هـ) له من المصنفات: شرح صحيح البخاري، ينقل منه ابن حجر في الفتح كثيرًا، وقد طبع مؤخرًا في عشر مجلدات. [انظر: السير (١٨/ ٤٧)، والعبر (٢/ ٢٩٤)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٣).\r(¬٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١٣/ ٣٧٨).\r(¬٤) هو الإمام العلامة شيخ المفسرين أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، كان إمامًا في الفقه والتفسير وفي العربية ذكيًا فطنًا مدركًا، ولي قضاء المرية وتوفي ﵀ سنة (٥٤١ هـ)، وقيل سنة (٥٤٢ هـ) له مؤلفات أشهرها: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. [انظر: السير (١٩/ ٥٨٧)، ونفح الطيب للمقري التلمساني (١/ ٦٧٩)، وطبقات المفسرين للسيوطي (٥٠)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٥٩)، والأعلام (٣/ ٢٨٢)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211419,"book_id":118,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":203,"body":"الإيمان بها والتعظيم لها، والرغبة فيها والعبرة في معانيها\" (¬١).\rوقال حافظ الحكمي: \"والظاهر أن معنى حفظها وإحصائها، هو معرفتها والقيام بعبوديتها، كما أن القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه من لا يعمل به، بل جاء في المُرَّاقِ من الدين أنهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم\" (¬٢).\rوأختم هذه المسألة بما حرره العلّامة ابن القيم ﵀، حيث بيَّن أن للإحصاء ثلاث مراتب:\rالمرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.\rالمرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.\rالمرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهو مرتبتان:\rإحداهما: دعاء ثناء وعبادة.\rوالثاني: دعاء طلب ومسألة.\rفلا يُثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها (¬٣).\r\rالمسألة الثانية: هل يمكن معرفة الأسماء الحسنى، التسعة والتسعين علي وجه التعيين؟\rالصحيح أنه لم يرد في تعيينها حديث صحيح، وما ورد من تعيين لها في بعض الروايات، فهو مدرج فيها، ليس من كلام النبي ﷺ، وبذلك صرح جمع من أهل العلم كما سيأتي.\rوبيان ذلك: أن حديث التعيين جاء من ثلاثة طرق (¬٤):","footnotes":"(¬١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٧/ ٢١٣)، وانظر: الفتح (١١/ ٢٢٦).\r(¬٢) معارج القبول (١/ ٧٧).\r(¬٣) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٣٦).\r(¬٤) انظر: فتح الباري (١١/ ٢١٥)، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (٧٩ - ٩٨) للدكتور محمد بن خليفة التميمي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211420,"book_id":118,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":204,"body":"الطريق الأولى: أخرجها الترمذي وغيره (¬١) من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور).\rوهذه الطريق هي أشهر الطرق وأجودها إسنادًا، ولذا كثر كلام أهل العلم عليها، بين مصحح ومضعف، وسأبين ذلك بعد إيراد بقية الطرق.\rالطريق الثانية: وقد جاءت عند ابن ماجه (¬٢) من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، قال: حدثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميمي، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، إنه وتر يحب الوتر، من","footnotes":"(¬١) سنن الترمذي (تحفة ٩/ ٤٨٢) ح (٣٥٧٤)، وأخرجه أيضًا: ابن حبان في صحيحه (٣/ ٨٨) ح (٨٠٨)، والحاكم في مستدركه (١/ ٦٢) ح (٤١)، وابن منده في كتاب التوحيد (٢/ ٢٠٥) ح (٣٦٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٢٢) ح (٦)، وفي الاعتقاد (١٨)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٣٢) ح (١٢٥٧).\r(¬٢) سنن ابن ماجه (٢/ ١٢٦٩) ح (٣٨٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211421,"book_id":118,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":205,"body":"حفظها دخل الجنة، وهي: الله الواحد الصمد الأول الآخر الظاهر الباطن الخالق البارئ المصور الملك الحق السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الرحمن الرحيم اللطيف الخبير السميع البصير العليم العظيم البار المتعال الجليل الجميل الحي القيوم القادر القاهر العلي الحكيم القريب المجيب الغني الوهاب الودود الشكور الماجد الواجد الوالي الراشد العفو الغفور الحليم الكريم التواب الرب المجيد الولي الشهيد المبين البرهان الرؤوف الرحيم المبدئ المعيد الباعث الوارث القوي الشديد الضار النافع الباقي الواقي الخافض الرافع القابض الباسط المعز المذل المقسط الرزاق ذو القوة المتين القائم الدائم الحافظ الوكيل الفاطر السامع المعطي المحيي المميت المانع الجامع الهادي الكافي الأبد العالم الصادق النور المنير التام القديم الوتر الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد).\rقال زهير (¬١): فبلغنا من غير واحد من أهل العلم أن أولها يفتح بقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى.\rقال البوصيري (¬٢): \"إسناد طريق ابن ماجه ضعيف، لضعف","footnotes":"(¬١) هو الحافظ المحدث زهير بن محمد التميمي أبو المنذر المروزي الخرساني، سكن الشام ثم الحجاز، خرَّج له أرباب الكتب الستة، لكن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضُعِّف بسببها، توفي سنة (١٦٢). [انظر: السير (٨/ ١٨٧)، والعبر (١/ ١٨٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٣١٦)].\r(¬٢) هو شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم البوصيري الكناني الشافعي، من حفاظ الحديث، سكن القاهرة ولازم العراقي على كبر فسمع منه الكثير، ولازم ابن حجر وكتب عنه بعض كتبه، له تصانيف حسنة منها: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، وزوائد سنن البيهقي الكبرى على الكتب الستة، توفي ﵀ سنة أربعين وثمانمائة (٨٤٠). [انظر: حسن المحاضرة (١/ ٣١٠)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٣٣)، وذيل تذكرة الحفاظ (٣٧٩)، والأعلام (١/ ١٠٤)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211422,"book_id":118,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":206,"body":"عبد الملك بن محمد الصنعاني\" (¬١).\rقلت: وعبد الملك هذا قال فيه ابن حبان: \"لا يجوز الاحتجاج بروايته\" (¬٢).\rوقال الذهبي: \"ليس بحجة\" (¬٣).\rوقال ابن حجر: \"ليّن الحديث\" (¬٤).\rفالحديث من هذا الطريق لا يصح.\rونص على ضعف هذه الطريق -أيضًا- شيخ الإسلام ابن تيمية (¬٥)، والألباني (¬٦)، عليهما رحمة الله.\rالطريق الثالثة: أخرجها الحاكم وغيره (¬٧) من طريق عبد العزيز بن الحصين قال: حدثنا أيوب السختياني وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة: الله الرحمن الرحيم الإله الرب الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الحليم العليم السميع البصير الحي القيوم الواسع اللطيف الخبير الحنان المنان البديع الودود الغفور الشكور المجيد المبدئ المعيد النور الأول الآخر الظاهر الباطن الغفار الوهاب القادر الأحد الصمد الكافي الباقي الوكيل المجيد المغيث الدائم المتعال ذو الجلال والإكرام المولى النصير الحق المبين","footnotes":"(¬١) مصباح الزجاجة (٣/ ٢٠٨).\r(¬٢) نقل ذلك عنه ابن حجر فى تهذيب التهذيب (٦/ ٣٦٨).\r(¬٣) الكاشف (٢/ ١٨٨).\r(¬٤) تقريب التهذيب (١/ ٦١٩).\r(¬٥) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، و (٨/ ٩٧).\r(¬٦) انظر: ضعيف سنن ابن ماجه (٣١٤) ح (٧٧٦).\r(¬٧) المستدرك (١/ ٦٣) ح (٤٢)، وأخرجه أيضًا: البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٢) ح (١٠)، وفي الاعتقاد (١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211423,"book_id":118,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":207,"body":"الباعث المجيب المحيي المميت الجميل الصادق الحفيظ الكبير القريب الرقيب الفتاح التواب القديم الوتر الفاطر الرزاق العلام العلي العظيم الغني المليك المقتدر الأكرم الرؤوف المدبر المالك القدير الهادي الشاكر الرفيع الشهيد الواحد ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الخلاق الكفيل الجليل الكريم).\rقال الحاكم: وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه.\rفتعقبه الذهبي بقوله: بل ضعفوه.\rقال البيهقي: \"تفرد بهذه الرواية عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، وهو ضعيف الحديث عند أهل النقل، ضعفه يحيى بن معين، ومحمد بن إسماعيل البخاري\" (¬١).\rوقال فيه الإمام مسلم: \"ذاهب الحديث\" (¬٢).\rوقال النسائي: \"متروك الحديث\" (¬٣).\rوقال ابن حجر: \"متفق على ضعفه\" (¬٤).\rفالحديث من هذا الطريق -أيضًا- لا يصح.\rهذه هي طرق الحديث -الذي ورد فيه تعيين الأسماء التسعة والتسعين- التي تم الوقوف عليها، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة:\rأما الطريق الثانية والثالثة فقد تقدم بيان ضعفهما.","footnotes":"(¬١) الأسماء والصفات (١/ ٣٣)، وانظر: الضعفاء الصغير للبخاري (٤٥٩) الترجمة (٢٢٥) مطبوع ضمن كتاب: المجموع في الضعفاء والمتروكين.\r(¬٢) الكنى والأسماء (١/ ٤٠٠).\r(¬٣) الضعفاء والمتروكون (١٥٧) الترجمة (٣٩١) مطبوع ضمن كتاب المجموع في الضعفاء والمتروكين.\r(¬٤) التلخيص الحبير (٤/ ٣١٩)، وانظر للاستزادة من أقوال الحفاظ فيه: تاريخ بغداد (١٠/ ٤٣٨)، وميزان الاعتدال (٤/ ٣٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211424,"book_id":118,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":208,"body":"وأما الطريق الأولى -طريق الوليد بن مسلم- فهي أشهر هذه الطرق وأهمها، ولذا كثر الكلام حولها، حيث ذهب إلى تصحيحها الحاكم (¬١) وابن حبان (¬٢) وأبو عبد الله القرطبي (¬٣) وحسنها النووي (¬٤)، ومال إلى تصحيحها الشوكاني (¬٥).\rوالحق أن هذه الطريق ضعيفة أيضًا، والأسماء فيها مدرجة من بعض الرواة، وفيما يلي بيان أوجه ضعفها:\r١ - الاضطراب في السند، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر (¬٦) ﵀.\rوكذا الاختلاف في المتن، حيث وقع الاختلاف بين روايات هذه الطريق، في سرد الأسماء، وذلك بالزيادة والنقص، والتقديم والتأخير.\rفالرواية المشهورة عن الوليد بن مسلم، والتي عوَّل عليها غالب من شرح الأسماء الحسنى، وهي التي أخرجها الترمذي (¬٧) قد خالفتها عدة روايات عن الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد:\rفجاء عند الطبراني: (القائم الدائم) بدل (القابض الباسط)،","footnotes":"(¬١) انظر: المستدرك (١/ ٦٢ - ٦٣).\r(¬٢) انظر: صحيح ابن حبان (٣/ ٨٨).\r(¬٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٣٢٥). والقرطبي هو: الإمام المفسر محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي القرطبي، كان إمامًا علمًا من الغواصين على معاني الحديث، حسن التصنيف جيد النقل، توفي ﵀ بمصر سنة (٦٧١ هـ) له مؤلفات عدة أشهرها التفسير المسمى: الجامع لأحكام القرآن، وكتاب التذكرة. [انظر: نفح الطيب (٢/ ٢١٠)، وشذرات الذهب (٥/ ٣٣٥)، والأعلام (٥/ ٣٢٢)].\r(¬٤) انظر: الأذكار (١٥١).\r(¬٥) انظر: تحفة الذاكرين (٥٤).\r(¬٦) انظر: الفتح (١١/ ٢١٥).\r(¬٧) تقدم ذكرها ص (٢٠٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211425,"book_id":118,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":209,"body":"و (الشديد) بدل (الرشيد)، و (الأعلى، المحيط، مالك يوم الدين) بدل (الودود، المجيد، الحكيم).\rوجاء عند ابن حبان: (الرافع) بدل (المانع).\rوجاء عند ابن خزيمة في صحيحه: (الحاكم) بدل (الحكيم)، و (القريب) بدل (الرقيب)، و (المولى) بدل (الوالي)، و (الأحد) بدل (المغني).\rووقع في رواية البيهقي وابن منده: (المغيث) بدل (المقيت).\rووقع في رواية الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد -كما عند أبي نعيم في جزئه (¬١) - مخالفة لهذه الرواية في أربعة وعشرين اسمًا، مع مخالفتها لها في الترتيب:\rفليس في رواية زهير: (الفتاح، القهار، الحكم، العدل، الحسيب، الجليل، المحصي، المقتدر، المقدم، المؤخر، البر، المنتقم، المغني، النافع، الصبور، البديع، القدوس، الغفار، الحفيظ، الكبير، الواسع، الماجد، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام).\rوذكر بدلها: (الرب، الفرد، الكافي، الدائم، القاهر، المبين، الصادق، الجميل، البادئ، القديم، البارّ، الوفي، البرهان، الشديد، الواقي، القدير، الحافظ، العادل، المعطي، العالم، الأحد، الأبد، الوتر، ذو القوة) (¬٢).\rقال الحافظ ابن حجر مبينًا السبب في عدم إخراج البخاري ومسلم لهذه الرواية التي فيها سرد الأسماء: \"وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: جزء فيه طريق حديث (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) لأبي نعيم الأصبهاني (١٠٧) ح (١٨).\r(¬٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٢١٦)، وأسماء الله الحسنى لابن حجر (٤٧).\r(¬٣) الفتح (١١/ ٢١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211426,"book_id":118,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":210,"body":"٢ - تدليس الوليد بن مسلم، وتدليسه من شر أنواع التدليس، وهو تدليس التسوية (¬١).\rقال الدارقطني: الوليد بن مسلم يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن ضعفاء عن شيوخ أدركهم الأوزاعي، كنافع وعطاء والزهري، فيسقط أسماء الضعفاء مثل عبد الله بن عامر الأسلمي وإسماعيل بن مسلم، ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن عطاء والزهري (¬٢).\rوقال أبو مسهر (¬٣): \"الوليد مدلس، وربما دلس عن الكذابين\" (¬٤).\rوقال ابن حجر: \"الوليد بن مسلم ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية\" (¬٥).\rوقال ابن الوزير: \"الوليد مدلس مكثر من التدليس حتى عن الكذابين، ونعني تدليس التسوية، فلا ينفع قوله: حدثنا ولا سمعت، لأن معنى تدليس التسوية: أنه قد سمع من شيخه شعيب، ثم أسقط شيخَ شعيب الذي بينه وبين أبي الزناد، فيحتمل أن يكون في الإسناد ساقط ضعيف، بل كذاب، فكيف يُحسَّن الحديث مع هذا؟","footnotes":"(¬١) وهو نوع من أنواع تدليس الإسناد، وصورته: أن يروي الراوي حديثًا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيُسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيُسوِّي الإسناد كله ثقات. [انظر: فتح المغيث (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، وتدريب الراوي (١/ ٢٥٧)، وتيسير مصطلح الحديث للدكتور محمود الطحان (٨١)].\r(¬٢) انظر: الضعفاء والمتروكون (٤١٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٣١/ ٩٧).\r(¬٣) هو عالم أهل الشام عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الغساني الدمشقي، إمام فاضل ثقة فقيه، حديثه في الكتب الستة، وكان ممن امتحنه المأمون وسجنه في فتنة القول بخلق القرآن، وتوفي في السجن سنة ثمان عشرة ومائتين (٢١٨). [انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٧٢)، والسير (١٠/ ٢٢٨)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٨٠)، وتقريب التهذيب (١/ ٥٥٢)، وشذرات الذهب (٢/ ٤٤)].\r(¬٤) نقل ذلك عنه الذهبي في ميزان الاعتدال (٧/ ١٤٢).\r(¬٥) تقريب التهذيب (٢/ ٢٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211427,"book_id":118,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":211,"body":"وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، بغير ذكر الأسماء.\rورواه البخاري والنسائي من حديث شعيب، بغير ذكرها.\rورواه البخاري عن أبي اليمان الحكم بن نافع، والنسائي عن علي بن عياش، كلاهما عن شعيب، بغير ذكر الأسماء\" (¬١).\rقلت: ورُوي هذا الحديث عن الوليد بن مسلم، لكن من طريق أخرى، كما عند الدارمي في النقض على المريسي (¬٢) بدون ذكر الأسماء (¬٣).\r٣ - الإدراج، حيث ذهب جمع من أهل العلم إلى أن سرد الأسماء ليس من كلام النبي ﷺ، وإنما هو مدرج في الحديث، أدرجه الوليد بن مسلم عن بعض شيوخه.\rوقد جاء في بعض الروايات ما يؤكد ذلك، وإليك البيان:\r١ - جاء عند أبي نعيم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة).\rقال زهير: \"فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها: أن يفتتح بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ... \" (¬٤)، ثم سرد الأسماء.\rفهذه الرواية تابع فيها الوليدُ بن مسلم، عبدَ الملك بن محمد -كما تقدم في الطريق الثانية- فكلاهما روى حديث سرد الأسماء عن زهير بن محمد، واتفقا في بقية السند، وبين الروايتين اختلافات كثيرة، أهمها هنا:","footnotes":"(¬١) العواصم والقواصم (٧/ ٢٠٢).\r(¬٢) (١/ ١٨٠).\r(¬٣) انظر: الفتح (١١/ ٢١٥).\r(¬٤) جزء فيه طريق حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) لأبي نعيم الأصبهاني (١٠٧) ح (١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211428,"book_id":118,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":212,"body":"أن كلام زهير جاء في رواية عبد الملك متأخرًا عن سرد الأسماء، غير صريح في الإدراج، بخلاف رواية الوليد -كما هنا- فإن كلام زهير جاء متقدمًا على سرد الأسماء، وصريحًا في الإدراج كما ترى (¬١).\r٢ - ساق الدارمي هذا الحديث بسنده، عن هشام بن عمار الدمشقي عن الوليد بن مسلم، بدون ذكر الأسماء.\rثم قال الدارمي: \"قال هشام: وحدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز، مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ... \" (¬٢)، ثم سرد الأسماء.\rفهذه الرواية تشعر بأن سرد الأسماء من قول سعيد بن عبد العزيز، أدرجه الوليد بن مسلم في متن الحديث.\rوقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: \"الحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى ... ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي ﷺ، بل هذا ذكره الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين -أي رواية الترمذي وابن ماجه- ليستا من كلام النبي ﷺ، وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين، كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه، ولهذا اختلفت أعيانهما عنه، فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى\" (¬٤).\rوقال أيضًا: \"إن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي ﷺ، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه","footnotes":"(¬١) انظر: أسماء الله الحسنى لابن حجر (٤٦).\r(¬٢) النقض على المريسي (١/ ١٨١ - ١٨٢).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٩٦).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211429,"book_id":118,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":213,"body":"الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة، وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث\" (¬١).\rوقد تتابعت أقوال أهل العلم في تقرير ذلك، وإليك بعض النقول عنهم:\rقال البيهقي: \"ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة\" (¬٢).\rوقال البغوي (¬٣): \"يحتمل أن يكون ذكر هذه الأسامي من بعض الرواة\" (¬٤).\rوقال ابن عطية: \"في سرد الأسماء نظر، فإن بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح\" (¬٥).\rوقال ابن العربي: \"يحتمل أن يكون ذلك تفسير النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون ذلك من غيره، وهو الظاهر عندي\" (¬٦).\rوقال ابن حزم: \"وجاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسمًا، مضطربة، لا يصح منها شيء أصلًا\" (¬٧).","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)).\r(¬٢) الأسماء والصفات (١/ ٣٣).\r(¬٣) هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء الشافعي، المحدث المفسر، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان، كان بحرًا في العلوم زاهدًا قانعًا، توفي ﵀ سنة (٥١٦ هـ) له مؤلفات عديدة من أهمها وأشهرها: معالم التنزيل في التفسير، وشرح السنة. [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ١١٥)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٥٧)، والعبر (٢/ ٤٠٦)، وشذرات الذهب (٤/ ٤٨)].\r(¬٤) شرح السنة (٥/ ٣٥).\r(¬٥) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١٥).\r(¬٦) عارضة الأحوذي (٧/ ٣٣).\r(¬٧) المحلى (٦/ ٢٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211430,"book_id":118,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":214,"body":"وقال الداودي (¬١): \"لم يثبت أن النبي ﷺ عيَّن الأسماء المذكورة\" (¬٢).\rوقال ابن القيم: \"والصحيح أنه -أي العد- ليس من كلام النبي ﷺ\" (¬٣).\rوقال ابن كثير: \"والذي عوَّل عليه جماعة من الحفاظ، أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه\" (¬٤).\rوقال ابن حجر: \"ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج\" (¬٥).\rوقال أيضًا: \"والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة\" (¬٦).\rوقال الصنعاني (¬٧): \"اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة\" (¬٨).","footnotes":"(¬١) هو الإمام العلامة القدوة أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن معاذ الداوودي البوشنجي شيخ خراسان علمًا وفضلًا وجلالة وسندًا وكان عابدًا محققًا درَّس وأفتى ووعظ، توفي ﵀ سنة (٤٦٧ هـ). [انظر: السير (١٨/ ٢٢٢)، والعبر (٢/ ٣٢٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٢٦)].\r(¬٢) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١٧).\r(¬٣) مدارج السالكين (٣/ ٤٣٣).\r(¬٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٢٥).\r(¬٥) فتح الباري (١١/ ٢١٦)، وانظر: (١١/ ٢١٧).\r(¬٦) بلوغ المرام (٢٨٤).\r(¬٧) هو العلامة المجتهد محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الكحلاني ثم الصنعاني، المعروف بالأمير الصنعاني، من بيت الإمامة في اليمن فهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، برع في جميع العلوم وفاق الأقران، وتفرد برئاسة العلم في صنعاء، وأُصيب بمحن كثيرة من الجهلاء والعوام، توفي ﵀ سنة (١١٨٢ هـ)، وله مؤلفات كثيرة منها: سبل السلام شرح بلوغ المرام، وتطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد. [انظر: البدر الطالع (٢/ ١٣٣)، والأعلام (٦/ ٣٨)].\r(¬٨) سبل السلام (٤/ ٢٠٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211431,"book_id":118,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":215,"body":"وأخيرًا قال ابن الوزير مشيرًا إلى ضعف هذا الحديث الذي فيه سرد الأسماء: \"وحسبك أن البخاري ومسلمًا تركا تخريجه مع رواية أوله، واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه\" (¬١).\rوأما تصحيح الحاكم وابن حبان لهذا الحديث فليس بحجة، لأنهما قد عُرِفَا عند المحدثين بتساهلهما في التصحيح (¬٢).\rفإن قيل: إذا لم يصح عن النبي ﷺ تعيين لها، فهل هي معينة محددة، لكنها مبثوثة في أسمائه الكثيرة؟ أم أن المراد من الحديث، إحصاء تسعة وتسعين اسمًا من جملة أسمائه الكثيرة، أيًا كانت هذه الأسماء، المهم أن تكون من أسمائه، فمن أحصى هذا العدد استحق دخول الجنة؟\rقيل: بل هي معينة محددة، كما هو ظاهر الحديث، ولعل النبي ﷺ لم يبينها لحكمة بالغة وهي: \"أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ\" (¬٣)، فيحصل لهم بذلك التعبد لله تعالى بجميع أسمائه، والله أعلم.\rقال ابن العربي: \"أُخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية، لندعوه بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها\" (¬٤).\r\rالخلاصة:\r١ - أن الأسماء الحسنى ليست محصورة بالعدد الوارد ذكره في الحديث، وأن معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه تعالى دخل الجنة، ليس معناه: أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا.","footnotes":"(¬١) إيثار الحق (١٥٨).\r(¬٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح (٢٤ - ٢٥)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (الباعث ٢٧).\r(¬٣) مقتبس من كلام الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى- في مجموع فتاويه (١/ ١٢٢).\r(¬٤) أحكام القرآن (٢/ ٢٥٧)، وانظر: إيثار الحق (١٥٩)، وفتح الباري (١١/ ٢٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211432,"book_id":118,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":216,"body":"٢ - أن معنى الإحصاء الوارد في الحديث: عدها، وحفظها بفهم معانيها ودعاء الله بها وتعبده بمقتضاها.\r٣ - أنه لم يرد في تعيين الأسماء التسعة والتسعين حديث صحيح عن النبي ﷺ، وأن ما جاء في تعيينها إنما هو اجتهادات من بعض العلماء، والله أعلم.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211433,"book_id":118,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":217,"body":"المبحث الرابع: (فإن الله لا يمل حتى تملوا)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211434,"book_id":118,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":218,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\r- عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ، فقال: (من هذه؟ ) قلت: فلانة، لا تنام بالليل، تذكر من صلاتها، فقال: (مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا)، متفق عليه (¬١).\rوفي رواية لمسلم: (خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا) (¬٢).\r- وعنها ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ في الشهر من السنة أكثر صيامًا منه في شعبان، وكان يقول: (خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا)، وكان يقول: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، متفق عليه (¬٣).\r- وعنها ﵂: أن النبي ﷺ كان يحتجر حصيرًا بالليل فيصلي، ويبسطه","footnotes":"(¬١) البخاري في موضعين: في أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد في العبادة (١/ ٣٨٦) ح (١١٠٠)، وفي كتاب الإيمان، باب: أحب الدين إلى الله أدومه (١/ ٢٤) ح (٤٣).\rومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته ... بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (٦/ ٣٢١) ح (٧٨٥).\r(¬٢) صحيح مسلم: الموضع السابق.\r(¬٣) البخاري: كتاب الصوم، باب: صوم شعبان (٢/ ٦٩٥) ح (١٨٦٩)، ومسلم -واللفظ له-: كتاب الصيام، باب: صيام النبي ﷺ في غير رمضان (٨/ ٢٨٦) ح (٧٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211435,"book_id":118,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":219,"body":"بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ فيصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقال: (يا أيها الناس، خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل)، متفق عليه (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rلما كان معنى الملل في اللغة: استثقال الشيء والإعراض عنه والضجر منه (¬٢)، استشكل أهل العلم هذا الحديث، لأن الملل فيه مضاف إلى الله تعالى، فاختلفوا فيه على عدة أقوال، يأتي بيانها إن شاء الله تعالى في المطلب التالي.\r* * *","footnotes":"(¬١) البخاري: كتاب اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه (٥/ ٢٢٠١) ح (٥٥٢٣).\rومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضيلة العمل الدائم (٦/ ٣١٧) ح (٧٨٢).\r(¬٢) انظر: غريب الحديث للحربي (١/ ٣٣٨)، وتهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ٢٥٢) مادة (مل)، ولسان العرب (١١/ ٦٢٨ - ٦٢٩) مادة (ملل)، وفتح الباري (١/ ١٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211436,"book_id":118,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":220,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rحاصل أقوال أهل العلم في هذه المسألة تؤول إلى مسلكين:\rالمسلك الأول: أن الملل صفة ثابتة لله تعالى بهذا الحديث: (لا يمل الله حتى تملوا)، وعلى هذا فهي بالنسبة لله تعالى صفة كمال، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهذا بخلاف ملل المخلوق، فإنه نقص ظاهر لأنه يدل على السآمة والضجر.\rفشأن هذه الصفة، شأن سائر الصفات التي تثبت لله تعالى على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوقين ليست كمالًا (¬١)، كصفة الاستهزاء من المستهزئين، وخداع المخادعين، والمكر بالماكرين.\rوقد نص على هذا القول: القاضي أبو يعلى والشيخ محمد بن إبراهيم (¬٢)، عليهما رحمة الله، وهو ظاهر كلام إبراهيم الحربي (¬٣) ﵀ حيث","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١/ ١٧٤).\r(¬٢) هو العلامة الفقيه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها، ومرجع أمورها الدينية والإسلامية، وكان إلى جانب علمه وإمامته ذا ورع وزهد، ورجاحة عقل وحسن تصرف، له عدة رسائل وفتاوى جمعت في عدة مجلدات، توفي ﵀ سنة (١٣٨٦). [انظر: علماء نجد (١/ ٢٤٢)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣٢)].\r(¬٣) هو الإمام الحافظ العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحربي، صاحب التصانيف، طلب العلم وهو حدث وتفقه على الإمام أحمد بن حنبل، وبرع في العلم والعمل، وكان إمامًا في جميع الفنون متقنًا محتسبًا عابدًا زاهدًا، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة جدًا حسانًا جيادًا، توفي ﵀ ببغداد سنة (٢٨٥ هـ)، وله تصانيف منها: غريب الحديث. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211437,"book_id":118,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":221,"body":"قال: \"قال أبو زيد: ملَّ يَمَلُّ ملالة، وأمللته إملالًا، فكأن المعنى لا يمل من ثواب أعمالكم حتى تملوا من العمل\" (¬١).\rوقال أبو يعلى: \"اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل، لا على معنى السآمة والاستثقال ونفور النفس عنه\" (¬٢).\rوقال الشيخ محمد بن إبراهيم: \" (إن الله لا يمل حتى تملوا) من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري، لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاء والخداع فيما يتبادر\" (¬٣).\rالمسلك الثاني: أن الحديث لا يدل على صفة الملل لله تعالى، لأن الملل معناه: استثقال الشيء وإعراض النفس عنه وضجرها منه.\rقالوا: وهذا لا يجوز على الله بحال، ولا يدخل في صفاته بوجه، فهو سبحانه منزه عن النقائص والعيوب، والتي من جملتها السآمة والملل (¬٤).\rوإلى هذا ذهب ابن قتيبة والطحاوي وابن عبد البر وابن رجب (¬٥)، عليهم رحمة الله.","footnotes":"= [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٢٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٤)، والسير (١٣/ ٣٥٦)، والعبر (١/ ٤١٠)، وشذرات الذهب (٢/ ١٩٠)].\r(¬١) غريب الحديث (١/ ٣٣٨).\r(¬٢) إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٠)، وانظر: دفع شبه التشبيه لابن الجوزي (٢٢٠).\r(¬٣) الفتاوى والرسائل (١/ ٢٠٩).\r(¬٤) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (٣٢٤)، ومشكل الآثار للطحاوي (تحفة ١/ ٢١٦)، وأعلام الحديث للخطابي (١/ ١٧٣)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٧).\r(¬٥) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن رجب، قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة أربع وأربعين وسبعمائة وأجازه ابن النقيب والنووي، أتقن فن الحديث وصار أعرف أهل عصره بالعلل، توفي ﵀ سنة (٧٩٥ هـ) له مؤلفات عدة منها: جامع العلوم والحكم، وفتح الباري في شرح صحيح البخاري، وصل فيه إلى الجنائز. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211438,"book_id":118,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":222,"body":"ولكنهم اختلفوا في الملل الوارد في الحديث على قولين، وذلك بعد اتفاقهم على نفي صفة الملل عن الله تعالى:\rالقول الأول: أن المعنى: لا يمل إذا مللتم، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والطحاوي (¬١).\rقال ابن قتيبة: \"أراد: فإن الله لا يمل إذا مللتم، ومثال هذا، قولك في الكلام: هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل.\rلا تريد بذلك أنه يفتر إذا فترت، ولو كان هذا هو المراد، ما كان له فضل عليها، لأنه يفتر معها، فأية فضيلة له؟ وإنما تريد: أنه لا يفتر إذا فترت.\rوكذلك تقول في الرجل البليغ في كلامه، والمِكْثَار الغزير: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه.\rتريد أنه لا ينقطع إذا انقطعوا، ولو أردت أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له في هذا القول فضل على غيره، ولا وجبت له به مدحة، وجاء مثل هذا بعينه في الشعر المنسوب إلى ابن أخت تَأَبَّطَ شرًا، وقيل: إنه لخلف الأحمر:\rصَلِيَت منِّي هذيل بِخِرْقٍ .... لا يَمل الشرَّ حتى يَملُّوا\rلم يرد أنه يمل الشر إذا ملوه، ولو أراد ذلك ما كان فيه مدح له، لأنه بمنزلتهم، وإنما أراد: أنهم يملون الشر وهو لا يمله\" (¬٢).\rالقول الثاني: أن معنى الحديث: لا يترك الله الثواب والجزاء على العمل ما لم تملوه وتتركوه، فيكون المراد بالملل لازم الملل، لأن من ملَّ شيئًا تركه، فكنى عن الترك بالملل الذي هو سبب الترك.","footnotes":"= [انظر: الدرر الكامنة (٢/ ١٣٢)، وشذرات الذهب (٦/ ٣٣٩)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٧٤)، والأعلام (٣/ ٢٩٥)].\r(¬١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ٢١٦).\r(¬٢) تأويل مختلف الحديث (٣٢٤) بتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211439,"book_id":118,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":223,"body":"وإلى هذا ذهب ابن عبد البر وابن رجب، عليهما رحمة الله، وهو قول أغلب أهل التأويل (¬١).\rقال ابن عبد البر: \"معلوم أن الله ﷿ لا يمل، سواء ملَّ الناس أو لم يملوا، ولا يدخله ملال في شيء من الأشياء، جل وتعالى علوًا كبيرًا، وإنما جاء لفظ هذا الحديث على المعروف من لغة العرب، بأنهم كانوا إذا وضعوا لفظًا بإزاء لفظ وقبالته، جوابًا له وجزاءً، ذكروه بمثل لفظه، وإن كان مخالفًا له في معناه، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].\rوالجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداءً، لأنه حق واجب ...\rوكذلك قوله ﷺ: (إن الله لا يمل حتى تملوا) أي: إن من مل من عمل يعمله، قطع عنه جزاؤه، فأخرج لفظ قطع الجزاء بلفظ الملال، إذ كان بحذائه وجوابًا له\" (¬٢).\rوقال ابن رجب تعليقًا على هذا الحديث: \"الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سئم العبد من العمل ومله، قطعه وتركه، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل، فإن العبد إنما يجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم ...\rوسُمِّي هذا المنع من الله مللًا وسآمة، مقابلة للعبد على ملله وسآمته،","footnotes":"(¬١) انظر: أعلام الحديث للخطابي (١/ ١٧٣)، ومشكل الحديث لابن فورك (٢٩٠)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٣١)، والمفهم للقرطبي (٢/ ٤١٣ - ٤١٤)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٣١٧ - ٣١٨)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (١٨٣)، ومنة المنعم لصفي الرحمن المباركفوري (١/ ٤٩٣).\r(¬٢) التمهيد (١/ ١٩٥ - ١٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211440,"book_id":118,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":224,"body":"كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فسمى إهمالهم وتركهم نسيانًا، مقابلة لنسيانهم له، هذا أظهر ما قيل في هذا\" (¬١).\rواستشهد هؤلاء بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (اكْلُفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل) (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١/ ١٦٥ - ١٦٦).\r(¬٢) أخرجه الطبري في تفسير سورة المزمل (١٢/ ٢٧٩) من طريقين عن عائشة ﵂، وفي إسنادهما موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، قال فيه الإمام أحمد: لا تحل الرواية عنه، وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه، وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرةً: ليس بثقة. [انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٣١٨ - ٣٢٠)].\rولذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ١٠٢) بعد استشهاده به: \"لكن في سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف\"، وانظر: تقريب التهذيب (٢/ ٢٢٦)، وأشار أيضًا إلى أن لفظة: (من الثواب) مدرجة من بعض الرواة، فقال في الفتح (٣/ ٣٧): \"وفي بعض طرقه ما يدل على أن ذلك مدرج من قول بعض الرواة، والله أعلم\"، ولعله يشير إلى الطريق الآخر فإنه جاء بلفظ: (يا أيها الناس إن الله لا يمل حتى تملوا -يعني: من الثواب- فاكلفوا من العمل ما تطيقون).\rوقد ذكر هذا الحديث أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٣٦٩) عن أبي هريرة ﵁، لكنه بدون إسناد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211441,"book_id":118,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":225,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالقاعدة عند أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة -وخاصة نصوص الصفات- أنهم يجرونها على ظاهرها من دون تكييف ولا تمثيل، ويؤمنون بها على مراد الله تعالى، ومراد رسوله ﷺ.\rقال الشافعي ﵀: \"آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ\" (¬١).\rإذا علم هذا فإن الذي يترجح في هذه المسألة -والله تعالى أعلم بالصواب- هو إثبات صفة الملل لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، مع نفي توهم النقص في حقه تعالى، بأي وجه من الوجوه.\rفشأن هذه الصفة شأن بقية الصفات التي تثبت لله تعالى على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوقين ليست كمالًا، كالاستهزاء والمكر والخداع.\rويكون المعنى: إن الله تعالى لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، كما نص عليه إمام من أئمة السلف وعالم من علماء اللغة، وهو إبراهيم الحربي، رحمه الله تعالى (¬٢).\rوهو الذي يدل عليه سياق الحديث، ولذلك أرشد ﵊ إلى عدم حمل النفس على ما يشق عليها من العبادة، حتى لا تمل","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٤)، وانظر: (٤/ ٢).\r(¬٢) انظر: ص (٢٢٤ - ٢٢٥) من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211442,"book_id":118,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":226,"body":"منها، فقال: (مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال .. )، و (مه) كلمة زجر (¬١).\rوقال أيضًا: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)؛ لأن الديمومة على العمل تستدعي ديمومة الثواب.\rقال ابن رجب رحمه الله تعالى: \"المراد بهذا الحديث: الاقتصاد في العمل، والأخذ بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه\" (¬٢).\rلكن لا يوصف الله تعالى بهذه الصفة على وجه الإطلاق، وإنما يوصف بها بالقيد المذكور في الحديث، فهو لا يمل إلا إذا ملوا، كما أنه لا يخدع إلا المخادعين، ولا يمكر إلا بالماكرين، ولا يستهزئ إلا بالمستهزئين، ولا يسخر إلا بالساخرين، فهذه الصفات لا يجوز أن يوصف الله تعالى بها على وجه الإطلاق.\rقال ابن تيمية ﵀: \"وهكذا وَصَفَ نفسَه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد\" (¬٣).\rوقال ابن القيم: \"إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا ... فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد\" (¬٤).\rوقال ابن عثيمين: \"المكر والكيد والمحال من صفات الله الفعلية، التي لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، لأنها تكون مدحًا في حال، وذمًا في حال، فيوصف بها حين تكون مدحًا، ولا يوصف بها إذا لم تكن مدحًا ... والاستهزاء من هذا الباب، فلا يصح أن نخبر عن الله بأنه","footnotes":"(¬١) انظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٤)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ١٠٢).\r(¬٢) فتح الباري (١/ ١٦٥).\r(¬٣) التدمرية (٢٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١١١).\r(¬٤) مختصر الصواعق (٢/ ٢٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211443,"book_id":118,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":227,"body":"مستهزيء على الإطلاق\" (¬١).\rوقال ابن باز معقبًا على الحافظ ابن حجر عندما تأول الوعي المضاف إلى الله تعالى في قوله ﷺ لأسماءَ: (لا توعي فيوعي الله عليك)، متفق عليه (¬٢).\rقال: \"هذا خطأ لا يليق من الشارح، والصواب إثبات وصف الله بذلك حقيقة، على الوجه اللائق به سبحانه، كسائر الصفات، وهو سبحانه يجازي العامل بمثل عمله، فمن مكر مكر به، ومن خادع خدعه، وهكذا من أوعى أوعى الله عليه، وهذا قول أهل السنة والجماعة، فالزمه تَفُزَ بالنجاة والسلامة، والله الموفق\" (¬٣).\r- وأما ما ذهب إليه ابن قتيبة والطحاوي من أن معنى الحديث: إن الله لا يمل إذا مللتم، فغير وجيه، لأن (حتى) لا تأتي بمعنى (إذا)، وإنما تأتي على أربعة معانٍ هي:\r١ - انتهاء الغاية، وهو الغالب.\r٢ - والتعليل.\r٣ - وبمعنى: (إلا) وهذا أقلها.\r٤ - وتأتي عاطفة عند بعضهم، وهو قليل (¬٤).\rثم إن (حتى) حرف، وتفسيرها بـ (إذا) يخرجها من الحرفية إلى الاسمية، لأن (إذا) ظرف (¬٥) -والظروف أسماء- كما أنه يجعل لها محلًا","footnotes":"(¬١) شرح العقيدة الواسطية (٢/ ٣٣٦).\r(¬٢) البخاري (٢/ ٥٢٠) ح (١٣٦٧)، و (٢/ ٩١٥) ح (٢٤٥٠، ٢٤٥١)، ومسلم (٧/ ١٢٣) ح (١٢٩).\r(¬٣) فتح الباري (٣/ ٣٠٠) هامش (١).\r(¬٤) انظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام (١٣٢، ١٣٥، ١٣٧)، وشرح جمل الزجاجي لابن عصفور (١/ ٥٤٠)، وإبطال التأويلات (٢/ ٣٧).\r(¬٥) انظر: مغني اللبيب (١٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211444,"book_id":118,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":228,"body":"من الإعراب وهو النصب على الظرفية مثل (إذا)، وقد أجمع النحاة على أن الحروف لا محل لها من الإعراب (¬١).\r- وأما ما ذهب إليه ابن عبد البر وابن رجب عليهما رحمة الله، من تفسير الملل بلازمه وهو الترك، وذلك تنزيهًا لله تعالى عن معنى الملل، فهو خروج بالنص عن ظاهره المتبادر منه، علمًا أنه لا يلزم من إثبات هذه الصفة لله تعالى بالقيد المذكور، أن يكون الله تعالى متصفًا بالنقائص والعيوب، كيف وقد وصفه بذلك من هو أعظم الناس تنزيهًا لربه، وأعلمهم بمراده، وهو الرسول ﷺ.\rكما لا يلزم من إثباتها نفي اللوازم الصحيحة لها، فإن لازم الحق حق، لكن لا ينبغي أن يكون إثبات اللازم طريقًا لنفي الأصل، وهو الصفة، فالصفة ثابتة، ولوازمها الصحيحة ثابتة.\rولعل الذي ألجأهم إلى هذا التأويل، هو ما فهموه من معنى الملل في حق المخلوقين، ومعلوم أن الخالق لا يماثله أحد من خلقه بشيء من صفاته، فللخالق صفات تليق به وللمخلوق صفات تليق به، والاتفاق في الأسماء لا يلزم منه الاتفاق في المسميات، والله أعلم.\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل، لأبي حيان الأندلسي (١/ ٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211445,"book_id":118,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":229,"body":"المبحث الخامس: (مرضت فلم تعدني)\rوفيه مطلبان:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211446,"book_id":118,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":230,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)، رواه مسلم (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rقد يستشكل بعض الناس -لأول وهلة- هذا الحديث، لأن فيه إضافة المرض والاستطعام والاستسقاء إلى الله تعالى، مع أنها صفات نقص لا يجوز أن يوصف الله تعالى بها، ولذا فقد يرون أنه يحتاج إلى تأويل (¬٢)، والحق أنه لا يحتاج إلى تأويل لأنه قد جاء في آخره ما يفسره ويبينه.","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة، باب: فضل عيادة المريض (١٦/ ٣٦٢) ح (٢٥٦٩).\r(¬٢) بل ذهب بعض أهل الكلام إلى أن هذا الحديث لا بد من تأويله، وحكى بعضهم عدم الخلاف في ذلك، لأنه لا يمكن حمله على ظاهره، زعموا [انظر: مشكل الحديث لابن فورك (١٦٠)، وأساس التقديس للرازي (٦٩ - ٧٠)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (١٩٧ - ١٩٨)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211447,"book_id":118,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":231,"body":"وأيضًا فقد تعلق بهذا الحديث غلاة الصوفية (¬١) محتجين به على مذهبهم الفاسد، وهو القول بالحلول أو الاتحاد (¬٢)، حيث قال في الحديث:","footnotes":"(¬١) لفظ الصوفية لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة المفضلة وإنما اشتُهر التكلم به بعد ذلك، وقد اختُلف في أصل كلمة الصوفية واشتقاقها على أقوال كثيرة، رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه نسبة إلى لبس الصوف.\rوقد كانت بداية التصوف عبارة عن الزهد في الدنيا والتنسك والعبادة وتفريغ القلب من الاشتغال بغير ذكر الله، ثم انحرف مفهوم التصوف شيئًا فشيئًا حتى انتهى إلى القول بعقائد باطلة كالحلول والاتحاد وترك الواجبات وفعل المحرمات وغير ذلك [انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي (٢٢٣)، وما بعدها، ومجموع الفتاوى (١١/ ٥)، وما بعدها].\r(¬٢) الحلول والاتحاد يجمع بينهما: اعتقاد أن الرب هو العبد حقيقة، وهو أقسام: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"من جعل الرب هو العبد حقيقة؛ فإما أن يقول بحلوله فيه؛ أو اتحاده به، وعلى التقديرين فإما أن يجعل ذلك مختصًا ببعض الخلق كالمسيح أو يجعله عامًا لجميع الخلق. فهذه أربعة أقسام:\rالأول: هو الحلول الخاص وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في الإناء وهؤلاء حققوا كفر النصارى؛ بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان أولهم في زمن المأمون؛ وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة كغالية الرافضة الذين يقولون: إنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النساك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية أو في بعضهم: كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء.\rوالثاني: هو الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولًا، وهم السودان والقبط يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام.\rوالثالث: هو الحلول العام وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية؛ الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِى السَّمَاوَاتِ وَفىِ الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة وأهل المعرفة وعلماء الحديث. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211448,"book_id":118,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":232,"body":"(مرضت فلم تعدني)، (استطعمتك فلم تطعمني)، (استسقيتك فلم تسقني)، فأضاف المرض والاستطعام والاستسقاء إلى نفسه تعالى، مع أنه يريد مرض عبده واستطعامه واستسقاءه، قالوا: فهذا دليل على أن الرب هو العبد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\rولا شك أن احتجاجهم هذا باطل، وهو يدل على انحراف في الفطرة، وفساد في العقل، وقصور في الفهم، لأن النص قد قرن به تفسيره، وبَيَّنَ المتكلم فيه مراده.\rوقد أوضح أهل العلم معنى هذا الحديث، وأزالوا عنه ما قد يتوهم فيه من الإشكال.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إذا تدبرت النصوص وجدتها قد بيَّنت المراد، وأزالت الشبهة ... فنفس ألفاظ الحديث، نصوص في أن الله نفسه لا يمرض، وإنما الذي مرض عبده المؤمن\" (¬١).","footnotes":"= الرابع: الاتحاد العام وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين:\rمن جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين وهؤلاء يقولون: ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.\rوالثاني: من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء جعلوا ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟ وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لمَّا قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ الآية، فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه؟ \" [مجموع الفتاوى (٢/ ١٧١ - ١٧٣)، وانظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (٢٢٨)].\r(¬١) درء التعارض (٥/ ٢٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211449,"book_id":118,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":233,"body":"وقال أيضًا: \"الحديث خطاب مُفَسِّر مُبَيّن أن الرب ﷿ ليس هو العبد، ولا صفته صفته، ولا فعله فعله، أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض مقيدًا مبينًا للمراد، فلم يطلق الخطاب إطلاقًا، وأيضًا فقد علم المخاطب أن الرب تعالى لا يجوع ولا يمرض، فلم يكن فيه تلبيس لا من جهة السمع، ولا من جهة العقل، بل المتكلم بين فيه مراده، والمستمع له لم يشتبه عليه\" (¬١).\rوسيأتي مزيد إيضاح لهذا في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":"(¬١) الاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٢١٤ - ٢١٥)، وانظر: (٢/ ٥٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211450,"book_id":118,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":234,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rتناول أهل العلم هذا الحديث بالتوضيح والبيان، نافين عنه ما قد يُتَوَهم فيه من معاني فاسدة، ومؤكدين على أن المتكلم به قد بيَّن مراده، وأوضح فيه مقصوده، فأزال ما قد يُتَوَهم فيه من الإشكال، ودفع عنه ما قد يقع فيه من الاشتباه.\rوإليك بعض أقوالهم في ذلك:\rقال أبو يعلى رحمه الله تعالى: \"اعلم أن هذا الخبر قد اقترن به تفسير من النبي ﷺ في بعضه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، وذلك أن فسر قوله: مرضت واستطعمت واستسقيت، على أنه إشارة إلى مرض وليه واستسقائه واستطعامه، وأضاف ذلك إلى نفسه إكرامًا لوليه ورفعة لقدره، وهذه طريقة معتادة في الخطاب، يخبر السيد عن نفسه، ويريد عبده، إكرامًا له وتعظيمًا\" (¬١).\rوقال ابن تيمية: \"لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولا سمع، إلا من يظن أنه قد دل على جواز المرض والجوع على الخالق ﷾، ومن قال هذا فقد كذب على الحديث، ومن قال: إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب، فإن الحديث قد فسره المتكلم به وبَيَّنَ مراده بيانًا زالت به كل شبهة، وبين فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العواد، وأن الله سبحانه لم يأكل ولم يُعد\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) إبطال التأويلات (١/ ٢٢٤).\r(¬٢) درء التعارض (١/ ١٥٠)، وانظر: (٥/ ٢٣٦)، والتدمرية (٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211451,"book_id":118,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":235,"body":"وقال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى-: \"السلف أخذوا بهذا الحديث، ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به، فقوله تعالى: (مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك) بينه الله تعالى بنفسه، حيث قال: (أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، وأنه استطعمك عبدي فلان، واستسقاك عبدي فلان؟ ) وهو صريح في أن المراد به، مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسره بذلك هو المتكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله والاستطعام المضاف إليه، والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد واستطعامه واستسقاءه، لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره، لأن ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداءً\" (¬١).\rوقد أضاف الله تعالى مرض عبده واستطعامه واستسقائه إلى نفسه، للترغيب والحث، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] (¬٢).\rوذهب ابن تيمية -ومثله أبو يعلى كما تقدم- إلى أن هذه الإضافة إنما هي لكون العبد المذكور في الحديث، يراد به الولي الذي تتفق إرادته مع ما يريده الله تعالى، فلا يريد إلا ما يريده الله، ولا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا يأمر إلا بما يأمر به الله، ولا ينهى إلا عما ينهى عنه الله.\rفهذا الجنس من الناس هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولهذا قال تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]،","footnotes":"(¬١) القواعد المثلى (٧٦).\r(¬٢) انظر: القواعد المثلى (٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211452,"book_id":118,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":236,"body":"وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (¬١).\rوأما استدلال أهل الحلول والاتحاد بهذا الحديث على مذهبهم الفاسد، فلا شك أنه استدلال باطل، لا يقره شرع ولا عقل، بل إن هذا الحديث قد تضمن الرد عليهم، لأن الله تعالى يقول: (أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ )، ويقول: (أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ ) (¬٢).\rفلو كان الله تعالى عين المريض والجائع لقال في الأولى: لوجدتني إياه، ولقال في الثانية: لوجدتني أكلته (¬٣).\rكما أن الحديث قد فرق وميَّز بين العابد والمعبود، والرب والمربوب، وهذا نقض صريح لعقيدة الحلول والاتحاد (¬٤).\rوقد اتفقت كلمة المسلمين قاطبةً -فضلًا عن علمائهم- على بطلان عقيدة الحلول والاتحاد، وأنها كفر صريح، يجب تنزيه الله تعالى عنها، فالرب رب، والعبد عبد، وليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٢، ٤٦٢)، و (٦/ ٢٨)، و (١١/ ٧٦)، والجواب الصحيح (٣/ ٣٩٣).\r(¬٢) قال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٤٢٩): \"تأمل قوله في الإطعام والإسقاء: (لوجدت ذلك عندي)، وقوله في العيادة: (لوجدتني عنده)، ولم يقل لوجدت ذلك عندي، إيذانًا بقربه من المريض، وأنه عنده لذله وخضوعه وانكسار قلبه، وافتقاره إلى ربه، فأوجب ذلك وجود الله عنده، هذا وهو فوق سمواته مستو على عرشه، بائن من خلقه، وهو عند عبده\" [وانظر: مدارج السالكين (١/ ٣٢٤)، وشفاء العليل (٢/ ٢٢١)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٢)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٨٥ - ٢٩٩)].\r(¬٣) انظر: الاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٢١٤)، والجواب الصحيح (٣/ ٣٣٤)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٤٦٢، ٣٩٢).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩١)، و (١١/ ٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211453,"book_id":118,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":237,"body":"مخلوقاته شيء من ذاته (¬١).\rوهذا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ أظهر من أن يشار إليه أو ينص عليه.\rقال ابن تيمية مبينًا أن التعبير بالشيء مع إرادة غيره، موجود في كلام الشارع، وكلام غيره، وأنه تعبير صحيح إذا ظهر المعنى وعرف المراد كما في هذا الحديث، قال: \"ينبغي أن يُعْرَف هذا النوع من الكلام، فإنه تنحل به إشكالات كثيرة، فإن هذا موجود في كلام الله ورسله وكلام المخلوقين في عامة الطوائف، مع ظهور المعنى ومعرفة المتكلم والمخاطب أنه ليس المراد أن ذات أحدهما اتحدت بذات الآخر.\rبل أبلغ من ذلك، يطلق لفظ الحلول والاتحاد ويراد به معنى صحيح، كما يقال: فلان وفلان بينهما اتحاد، إذا كانا متفقين فيما يحبان ويبغضان ويواليان ويعاديان، فلمّا اتحد مرادهما ومقصودهما صار يقال: هما متحدان وبينهما اتحاد، ولا يعني بذلك أن ذات هذا اتحدت بذات الآخر كاتحاد النار والحديد، والماء واللبن، أو النفس والبدن ...\rوأيضًا فلفظ الحلول يراد به حلول ذات الشيء تارةً، وحلول معرفته ومحبته ومثاله العلمي تارةً\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٧٤)، و (٢/ ٤٧٥ - ٤٧٥، ٤٧٧، ٤٨١).\r(¬٢) الجواب الصحيح (٣/ ٣٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211454,"book_id":118,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":238,"body":"المبحث السادس: (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله)\rوفيه مطلبان:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211455,"book_id":118,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":239,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (ما أحد أصبر على أذىً سمعه، من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم)، متفق عليه (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rقال ابن القيم: \"أشكل هذا الاسم -يعني: الصبور (¬٢) - على كثير من","footnotes":"(¬١) البخاري في موضعين: في كتاب التوحيد، باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (٦/ ٢٦٨٧) ح (٦٩٤٣)، وفي كتاب الأدب، باب: الصبر على الأذى (٥/ ٢٢٦٢) ح (٥٧٤٨).\rومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لا أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله ﷿ (١٧/ ١٥١) ح (٢٨٠٤).\r(¬٢) ذهب بعض أهل العلم -كابن منده والبيهقي وقوام السنة أبي القاسم الأصبهاني وابن القيم وابن حجر والسعدي وغيرهم عليهم رحمة الله- إلى تسمية الله تعالى بالصبور، ومُعوَّل أكثرهم على حديث سرد الأسماء، وهو حديث لا يصح، وقد تقدم بيان حاله في المبحث الثالث، فراجعه إن شئت، وقد يكون مُعوَّل بعضهم على الاشتقاق من اللفظ الوارد في الحديث. [انظر: على الترتيب: التوحيد (٢/ ١٤٢)، والأسماء والصفات (١/ ١٤٨)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٨٩)، وعدة الصابرين (٤٢٠)، وفتح الباري (١٣/ ٣٦١)، والحق الواضح المبين، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ٢٤١)].\rوأما صفة الصبر فهي ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله، كما هو مدلول هذا الحديث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211456,"book_id":118,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":240,"body":"العلماء، وقالوا: لم يأتِ في القرآن، فأعرضوا عن الاشتغال به صفحًا، ثم اشتغلوا بالكلام في صبر العبد وأقسامه، ولو أنهم أعطوا هذا الاسم حقه لعلموا أن الرب أحق به من جميع الخلق، كما هو أحق باسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحي وسائر أسمائه الحسنى، من المخلوقين، وأن التفاوت الذي بين صبره سبحانه وصبرهم كالتفاوت الذي بين حياته وحياتهم، وعلمه وعلمهم، وسمعه وأسماعهم، وكذا سائر صفاته\" (¬١).\rولعل سبب استشكال إضافة الصبر إلى الله تعالى ما يصاحب الصبر من الألم والحزن والمشقة، إضافةً إلى أنه قد يكون ناتجًا عن ضعف وعجز وعدم قدرة، ومعلوم أن الله تعالى منزه عن ذلك كله، فلا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، وعلى هذا فما معنى هذه الصفة -الصبر- بالنسبة لله تعالى؟ هذا ما سوف يتضح في المطلب التالي، إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":"(¬١) عدة الصابرين (٤٢١) بتصرف يسير، وانظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ١٠٠)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211457,"book_id":118,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":241,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rلم يختلف أهل السنة والجماعة في إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.\rقال ابن القيم: \"أما الصبر فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به، وأعظمهم تنزيهًا له بصيغة المبالغة\" (¬١)، ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم.\rكما لم يختلفوا في معنى هذه الصفة المضافة إلى الله تعالى، على ما هو معلوم من معنى الصبر في اللغة والشرع، بعيدًا عن تأويلات المتكلمين، التي تخرج الكلام عن ظاهره، وتبعده عن مراد المتكلم به (¬٢).\rفمعنى صبر الله تعالى -كما يدل عليه آخر الحديث-: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة (¬٣)، بل يزيد على ذلك أن يحسن إليهم، فيعافيهم ويرزقهم.\rقال ابن القيم في نونيته (الكافية الشافية):\rوهو الصبور على أذى أعدائه ....... شتموه بل نسبوه للبهتان","footnotes":"(¬١) عدة الصابرين (٤٢٠)، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ١٦٠).\r(¬٢) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٢)، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (١/ ١٣٨).\r(¬٣) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٨٩)، وعدة الصابرين (٤٢٢ - ٤٢٣)، وتوضيح الكافية الشافية للسعدي، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢)، وبهذا المعنى قال بعض أهل التأويل، انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ١٤٨)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ٣٣٦)، والأسنى للقرطبي (١/ ١٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211458,"book_id":118,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":242,"body":"قالوا له ولد وليس يعيدنا .... شتمًا وتكذيبًا من الإنسان\rهذا وذاك بسمعه وبعلمه ...... لو شاء عاجلهم بكل هوان\rلكن يعافيهم ويرزقهم وهم ...... يؤذونه بالشرك والكفران (¬١)\rوصبر الله تعالى لا يماثله شيء من الصبر، لأنه صبر من كامل القوة، عظيم القدرة والبطش، في مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخلق، فهو يفارق صبر المخلوق من عدة وجوه، منها:\r١ - أنه عن قوة كاملة، وقدرة تامة، بخلاف صبر المخلوق فإنه قد يكون عن ضعف وعجز.\r٢ - أن الله تعالى لا يخاف بصبره فوت العقوبة، بينما العبد يخاف ذلك، ولهذا فإنه يستعجل العقوبة -أحيانًا- لخوف الفوت.\r٣ - أن الله تعالى لا يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه من الوجوه، بخلاف صبر المخلوق (¬٢).\rقال ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثًا عن صبر الله جلَّ وعلا: \"مع أنه صبرٌ مع كمال علم وقدرة وعظمة وعزة، وهو صبر على أعظم مصبور عليه، فإن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين، ومَن إحسانه فوق كل إحسان، بغاية القبح، وأعظم الفجور، وأفحش الفواحش، ونسبته إلى كل ما لا يليق به، والقدح في كماله وأسمائه وصفاته، والإلحاد في آياته، وتكذيب رسله ﵈ ومقابلتهم بالسب والشتم والأذى، وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم، أمر لا يصبر عليه إلا الصبور الذي لا أحد أصبر منه، ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه\" (¬٣).\rوقال السعدي ﵀: \"هذا الصبر الذي ذكره الرسول ﷺ عن الله، لا","footnotes":"(¬١) الكافية الشافية، شرح ابن عيسى (٢/ ٢٢٨).\r(¬٢) انظر: عدة الصابرين (٤٢٠)، والمجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٧/ ٢١).\r(¬٣) عدة الصابرين (٤٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211459,"book_id":118,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":243,"body":"مثيل له من الصبر، فهو صبر من كامل القوة، عظيم القدرة والبطش، في مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخلق، الذين نواصيهم بيد الله، وليس لهم خروج عن قدرته، وأقواتهم وأرزاقهم وجميع ضروراتهم وحاجاتهم متعلقة بالله، ليس لشيء منها حصول إلا من جوده وخزائنه، ومع ذلك فهو يعافيهم ويرزقهم، ولا يقطع عنهم برَّه في جميع اللحظات، ومع ذلك يفتح لهم أبواب التوبة، ويسهل لهم طرقها، ويدعوهم إليها، ويخبرهم أنهم إن تابوا محا عنهم الخطايا العظيمة، وأدرَّ عليهم النعم الجسيمة، فسبحان الحليم الصبور\" (¬١).\rوصبر الله تعالى قريب من معنى حلمه، بل ذهب بعضهم إلى أنهما بمعنىً واحد (¬٢).\rقال الزجاج: \"أصل الصبر في الكلام الحبس، يقال: صبرته على كذا صبرًا، إذا حبسته، ومعنى الصبر والصبور في اسم الله تعالى، قريب من معنى الحليم\" (¬٣).\rوقال ابن القيم: \"لما كان اسم الحليم أدخل في الأوصاف، واسم الصبور في الأفعال، كان الحلم أصل الصبر، فوقع الاستغناء بذكره في القرآن عن اسم الصبور، والله أعلم\" (¬٤).\r\rوالفرق بين الصبر والحلم:\r١ - أن الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم في صفات الرب تعالى أوسع من الصبر.","footnotes":"(¬١) المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٧/ ٢١).\r(¬٢) انظر: تهذيب اللغة (١٢/ ١٢٢) مادة (صبر)، ومشكل الحديث لابن فورك (٥٠٩)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٢).\r(¬٣) تفسير أسماء الله الحسنى (٦٥)، وانظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٧)، وإيثار الحق لابن الوزير (١٧٥)، وفتح الباري (١٣/ ٣٦١).\r(¬٤) عدة الصابرين (٤٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211460,"book_id":118,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":244,"body":"٢ - أن الحلم صفة ذاتية لله تعالى لا تزول، وأما صبره تعالى فمتعلق بكفر العباد وشركهم وأنواع معاصيهم، فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التي توجد لحكمة وتزول بزوالها (¬١).\rقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"وإذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه، والفرق بينهما، فتأمل قوله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].\rففي الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال، لعظم ما يأتي به العباد، فيمسكهما بحلمه ومغفرته، وذلك حبس عقوبته عنهم، وهو حقيقة صبره تعالى.\rفالذي صدر عنه الإمساك هو صفة الحلم، والإمساك هو الصبر، وهو حبس العقوبة، ففرق بين حبس العقوبة، وبين ما صدر عنه حبسها، فتأمله\" (¬٢).\rوأما أذية الله تعالى الواردة في الحديث، فقد جاء تفسيرها في آخره، وذلك بنسبة الولد له سبحانه، مع أنه الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه عظم هذا القول وشناعته فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١]\rومثل هذا الحديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) (¬٣).\rوجاء في البخاري من حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: (قال الله: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي","footnotes":"(¬١) انظر: عدة الصابرين (٤٢٠ - ٤٢١).\r(¬٢) عدة الصابرين (٤٢٢).\r(¬٣) متفق عليه: البخاري (٤/ ١٨٢٥) ح (٤٥٤٩)، ومسلم (١٥/ ٥ - ٦) ح (٢٢٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211461,"book_id":118,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":245,"body":"ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولدًا) (¬١).\rولا يلزم من وقوع الأذية حصول الضرر، فالله تعالى يؤذيه ما يقال فيه من قبيح الكلام، وما يقابل به من سيء الأفعال، لكنه لا يتضرر بذلك، ولذا أثبت الله تعالى الأذى في كتابه، ونفى الضرر فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦].\rوفي صحيح مسلم، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ، فيما روى عن الله ﵎، أنه قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) (¬٢).\rقال ابن تيمية تعليقًا على الآية السابقة: \"فبيَّن سبحانه أن الخلق لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور\" (¬٣).\rومما يحسن التنبيه عليه أن حصول الأذية له سبحانه، إنما يقع بمشيئته وإرادته، حسب ما تقتضيه حكمته، فلا يقع في ملكه إلا ما يشاء، لا مُكْرِه له سبحانه.\rقال ابن تيمية: \"وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم، وصبر على أذاهم بحكمته، فلم يفتقر إلى غيره، ولم يخرج شيء عن مشيئته، ولم يفعل أحد ما لا يريد\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري (٤/ ١٦٢٩) ح (٤٢١٢).\r(¬٢) مسلم (١٦/ ٣٦٨) ح (٢٥٧٧).\r(¬٣) نقلًا عن تيسير العزيز الحميد (٦٠٧)، وانظر: القول المفيد للعثيمين (٢/ ٢٥٣، ٣٥٦).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٣٦٠ - ٣٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211462,"book_id":118,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":246,"body":"المبحث السابع: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله. . .)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211463,"book_id":118,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":247,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)، رواه البخاري (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rأن الحديث قد تضمن إضافة التردد إلى الله تعالى، والتردد معناه: التوقف في الأمر وعدم العزم عليه (¬٢).\rوغالبًا ما يكون ذلك بسبب عدم العلم بالعواقب المترتبة على فعل الأمر من عدمه.\rوبناءً على هذا، فهل يجوز وصف الله تعالى بالتردد؟ وإذا جاز ذلك فما هو معناه في حقه تعالى، وقد علم يقينًا أنه يعلم عواقب الأمور كلها؟\rقال ابن تيمية عن هذا الحديث: \"هذا حديث شريف قد رواه البخاري","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب: التواضع (٥/ ٢٣٨٤) ح (٦١٣٧).\r(¬٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (٥٠٢)، وقطر الولي للشوكاني (٤٨٨)، ولسان العرب (٣/ ١٧٤) مادة (ردد)، والقاموس المحيط (١/ ٤٠٧) مادة (رده).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211464,"book_id":118,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":248,"body":"من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب\" (¬١).\rوقال المعلمي: \"هو من جملة الأحاديث التي تحتاج -ككثير من آيات القرآن- إلى تفسير\" (¬٢). وفي الحديث إشكال آخر وهو قوله: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... ).\rقال ابن حجر: \"وقد استشكل، كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره، ... إلخ\" (¬٣)؟\rوسيأتي بيان معناه في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١١/ ١٢٩).\r(¬٢) الأنوار الكاشفة (١٩٤)، وانظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ٥٢٥)، وقطر الولي على حديث الولي للشوكاني (٤٩٤).\r(¬٣) فتح الباري (١١/ ٣٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211465,"book_id":118,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":249,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال\rقبل الدخول في أقوال أهل العلم، لا بد من بيان حال هذا الحديث من حيث الصحة والضعف، لأنه مما انتقد على البخاري ﵀.\rفالحديث صححه -بالإضافة إلى البخاري- ابن حبان (¬١) والبغوي (¬٢) وابن تيمية، والسيوطي والشوكاني.\rقال ابن تيمية: \"هذا أصح حديث يُروى في الأولياء\" (¬٣).\rوألف الشوكاني كتابًا بعنوان: \"قطر الولي في حديث الولي\"، قال فيه عن هذا الحديث: \"رواته قد جاوزوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهن\" (¬٤).\rوألف السيوطي ﵀ رسالةً بعنوان: \"القول الجلي في حديث الولي\" (¬٥)، ذكر فيها بعض طرق هذا الحديث، وحكم عليه بالصحه.\rلكن هذا الحديث لم يُروَ عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد: محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني","footnotes":"(¬١) انظر: صحيح ابن حبان (٢/ ٥٨ - ٦٠).\r(¬٢) انظر: شرح السنة (٥/ ٢٠).\r(¬٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧١)، و (١٨/ ١٢٩).\r(¬٤) قطر الولي (٢٣٠).\r(¬٥) وهي مطبوعة ضمن كتاب: الحاوي للفتاوى للسيوطي (١/ ٥٦٠ - ٥٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211466,"book_id":118,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":250,"body":"شريك بن أبي عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة (¬١).\rورواه عن محمد بن كرامة جماعة، منهم البخاري ﵀.\rولهذا انتقده بعض العلماء، وعدوه من غرائب الصحيح.\rقال المزِّي (¬٢): \"رواه البخاري عن ابن كرامة ... وليس له عنه في الصحيح غيره، وهو من غرائب الصحيح، مما تفرد به شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، وتفرد به خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن شريك، والله أعلم\" (¬٣).\rوقال الذهبي: \"هذا حديث غريب جدًا، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ، ولم يُروَ هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولا خَرَّجَه من عدا البخاري\" (¬٤).\rلكن تعقبه ابن حجر فقال: \"إطلاق أنه لم يُروَ إلا بهذا الإسناد مردود\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) وأخرجه بهذا الإسناد -غير البخاري- ابن حبان في صحيحه (٢/ ٥٨) ح (٦٧٤٩٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٤٤٧) ح (١٠٢٩)، وفي الزهد (٢٦٩) ح (٦٩٦)، وفي السنن (٣/ ٣٤٦) ح (٦١٨٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٤)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٢٠)، وقال: هذا حديث صحيح.\r(¬٢) هو الإمام جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك المزي الشافعي، طلب الحديث وبرع فيه وفي علومه حتى أقرَّ له الحفاظ من مشايخه وغيرهم بالتقدم والرياسة، وكان مع تبحره في علم الحديث ورجاله رأسًا في اللغة والتصريف، له مؤلفات منها: تهذيب الكمال، والأطراف، توفي ﵀ سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة (٧٤٢). [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٨)، والعبر (٤/ ١٢٧)، والشذرات (٦/ ١٣٦)، والبدر الطالع (٢/ ٣٥٣)].\r(¬٣) تهذيب الكمال (٢٦/ ٩١).\r(¬٤) ميزان الاعتدال (٤٢٧).\r(¬٥) فتح الباري (١١/ ٣٤١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211467,"book_id":118,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":251,"body":"وقال ابن رجب عن هذا الحديث: \"هو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة، عن خالد ... وقد روي هذا الحديث من وجوه أُخر، لا تخلو كلها من مقال\" (¬١).\rوقال المعلمي: \"هذا الخبر ... لم يُروَ عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد ... ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث، مع أن خالدًا له مناكير، وشريكًا فيه مقال، وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف\" (¬٢).\rوقال الألباني: \"هذا إسناد ضعيف، وهو من الأسانيد القليلة التي انتقدها العلماء على البخاري رحمه الله تعالى\" (¬٣).\rوالحاصل أن هذا الحديث قد وجهت له علتان:\rالعلة الأولى: أن في سنده خالد بن مخلد، وهو متكلم فيه. قال فيه الإمام أحمد: له مناكير.\rوقال أبو داود: صدوق لكنه يتشيع.\rوقال يحيى بن معين: لا بأس به.\rوقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.\rوقال ابن سعد: منكر الحديث، مُفْرِط في التشيع.\rوقال صالح جزره: ثقة إلا أنه كان متهمًا بالغلو في التشيع (¬٤).\rوقال الحافظ ابن حجر: \"صدوق يتشيع\" (¬٥).\rالعلة الثانية: أن في إسناده شريك بن عبد الله، وهو أيضًا متكلم فيه.\rقال ابن معين: لا بأس به.","footnotes":"(¬١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).\r(¬٢) الأنوار الكاشفة (١٩٣ - ١٩٤).\r(¬٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ١٨٤).\r(¬٤) انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ٩٠٤)، وميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٥)، وتهذيب التهذيب (٣/ ١٠٦).\r(¬٥) تقريب التهذيب (١/ ٢٦٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211468,"book_id":118,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":252,"body":"وقال النسائي: ليس بالقوي.\rوقال أبو داود: ثقة.\rوقال يحيى بن سعيد: لو كان قدامي شريك لم أكتب عنه، وكان ﵀ لا يحدث عنه (¬١).\rوقال ابن حجر: \"صدوق يخطيء\" (¬٢).\rفهاتان العلتان جعلت النقاد يعدون هذا الحديث من غرائب الصحيح، ويرتابون في صحته، بل صرح بعضهم بضعف إسناده.\rوالجواب عما انتُقد به هذا الحديث يمكن تقسيمه إلى قسمين: مجمل ومفصل:\rأما المجمل فيقال فيه: إن انتقاد هؤلاء الحفاظ، مقابل بتصحيح غيرهم، وقد تقدم أن الحديث صححه البخاري وابن حبان والبغوي وابن تيمية والسيوطي والشوكاني، عليهم رحمة الله.\rوأما الجواب المفصل، فيكون بالإجابة عما قيل في خالد وشريك، وقد أجاب عما قيل فيهما الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:\rفقال -معلقًا على ما قيل في خالد-: \"أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره، لا سيما ولم يكن داعيةً إلى رأيه، وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه وأوردها في كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أرَ له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة: (من عادى لي وليًا) الحديث ... وروى له الباقون سوى أبي داود\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: الكامل لابن عدي (٤/ ١٣٢١)، وميزان الاعتدال (٣/ ٣٧٢)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٧).\r(¬٢) تقريب التهذيب (١/ ٤١٨)، وانظر: فتح الباري (١١/ ٣٤١).\r(¬٣) هدي الساري (٤٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211469,"book_id":118,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":253,"body":"وقال -معلقًا على ما قيل في شريك-: \"قلت: احتج به الجماعة، إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة\" (¬١).\rومع هذا فإن الحديث قد جاء من عدة طرق تعضده وتقويه وتشهد له -وإن كانت لا تخلو كلها من مقال- ولذا قال الحافظ ابن حجر: \"لكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلًا\" (¬٢).\rوسوف أشير فيما يلي إلى الطرق التي ذكرت الحديث كاملًا، مع تخريجها، والحكم عليها، دون ذكر متونها، لأنها كلها جاءت بألفاظ مقاربة لحديث أبي هريرة ﵁، وفي بعضها زيادة:\r١ - حديث عائشة ﵂، وقد جاء من طريقين:\rأ- من طريق عبد الواحد بن ميمون، عن عروة، عنها (¬٣).\rب- ومن طريق يعقوب بن مجاهد -أبي حزرة- عن عروة، عنها (¬٤).","footnotes":"(¬١) هدي الساري (٤١٠).\r(¬٢) فتح الباري (١١/ ٣٤١).\r(¬٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤٣/ ٢٦١) ح (٢٦١٩٣)، والبزار في مسنده (كشف ٤/ ٢٤٨) ح (٣٦٤٧)، والبيهقي في الزهد (٢٧٠) ح (٦٩٨، ٦٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥)، وسنده ضعيف، لأن فيه عبد الواحد بن ميمون، قال عنه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٥٨): \"منكر الحديث\"، وقال النسائي في الضعفاء والمتروكون (١٥١): \"ليس بثقة\"، وذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكون (٣٣٩).\r(¬٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٣٩) ح (٩٣٥٢)، وقال: \"لم يرو هذا الحديث ... عن عروة إلا أبو حزرة وعبد الواحد بن ميمون\"، وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٩)، وقال: \"رجال الطبراني في الأوسط رجال الصحيح، غير شيخه هارون بن كامل\"، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣١): \"هذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، مخرج لهم في الصحيح، سوى شيخ الطبراني، فإنه لا يحضرني الآن معرفة حاله\"، وبنحوه قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٨٦)، وقال أيضًا (٤/ ١٨٧): \"وجملة القول في حديث عائشة هذا، أنه لا بأس به في الشواهد من الطريق الأخرى -يقصد طريق الطبراني- إن لم يكن لذاته حسنًا\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211470,"book_id":118,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":254,"body":"٢ - حديث أبي أمامة ﵁ (¬١).\r٣ - حديث أنس بن مالك ﵁ (¬٢)\r٤ - حديث ميمونة ﵂ (¬٣).\r٥ - حديث ابن عباس ﵁ (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٢١) ح (٧٨٨٠)، والبيهقي في الزهد (٢٧٣) ح (٧٠٢) كلاهما بدون قوله: (وما ترددت ... )، وسنده ضعيف جدًا، لأن فيه عثمان بن أبي العاتكه وعلي بن يزيد، وهما ضعيفان.\rقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣٢): \"عثمان وعلي بن يزيد ضعيفان، قال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: هو منكر جدًا\"، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٤٨): فيه علي بن يزيد، وهو ضعيف.\rوحكم الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢) على سنده بالضعف.\r(¬٢) أخرجه البغوي في شرح السنة (٥/ ٢١ - ٢٣) من طريقين عن صدقة بن عبد الله، عن هشام الكتاني، عن أنس، وعزاه ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢) لأبي يعلى والبزار والطبراني، وسنده ضعيف، لضعف صدقة بن عبد الله، وكذا الراوي عن صدقة في كلا الطريقين ضعيف، وهما: عمر بن سعيد الدمشقي، وفي الطريق الآخر: الحسن بن يحيى الخشني، وهشام الكتاني الراوي عن أنس لا يعرف.\rقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٠): \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي وهو ضعيف\"، وحكم ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢) على سنده بالضعف، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٨٩): \"إسناده ضعيف، مسلسل بالعلل\"، وانظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣٣).\r(¬٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٢٥٢٠) ح (٧٠٨٧)، وسنده ضعيف جدًا، لأن فيه يوسف بن خالد السمتي، قال فيه ابن معين: ضعيف، وقال أيضًا: كذاب خبيث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: أجمع على كذبه أهل بلده. [انظر: الكامل لابن عدي (٧/ ٢٦١٦)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٣٥٩)].\rقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٠): \"رواه أبو يعلى، وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب\".\rوقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٩٠): \"هذا إسناد ضعيف جدًا\".\r(¬٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١١٣) ح (١٢٧١٩)، وضعفه ابن رجب في جامع =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211471,"book_id":118,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":255,"body":"والخلاصة أن الحديث صحيح بشواهده إن شاء الله تعالى.\rقال الألباني ﵀: \"حديث عائشة وحديث أنس بطريقيه ... إذا ضُمَّا إلى إسناد حديث أبي هريرة، اعتضد الحديث بمجموعها، وارتقى إلى درجة الصحيح إن شاء الله تعالى\" (¬١).\rإذا تبين هذا وأن الحديث بمجموع طرقه صالح للاحتجاج به، فهل التردد المضاف إلى الله تعالى فيه يكون صفة من صفاته أم ماذا؟\rسلك أهل العلم في هذا مسلكين:\rالمسلك الأول: إجراء الحديث على ظاهره، والأخذ بمدلوله في إثبات التردد صفة لله تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته، مع القطع بكون تردده سبحانه ليس كتردد المخلوق، لأنه جلَّ وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فليس مثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\rوقد نص على هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (¬٢) والشيخ عبد العزيز بن باز، عليهما رحمة الله.\rقال الشيخ ابن باز: \"التردد وصف يليق بالله تعالى لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه، وليس كترددنا، والتردد المنسوب لله لا يشابه تردد المخلوقين، بل هو تردد يليق به سبحانه، كسائر صفاته جل وعلا\" (¬٣).\rالمسلك الثاني: تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره، وذلك بنفي صفة التردد عن الله تعالى، وإلى هذا ذهب الشوكاني ﵀، وهو مسلك عامة","footnotes":"= العلوم والحكم (٢/ ٣٣٢)، وابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٠): \"رواه الطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم\"، وانظر: السلسلة الصحيحة (٤/ ١٨٨).\r(¬١) السلسلة الصحيحة (٤/ ١٩٠).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩ - ١٣١)، و (١٠/ ٥٨).\r(¬٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٩/ ٤١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211472,"book_id":118,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":256,"body":"أهل التأويل من شراح الحديث وغيرهم (¬١).\rقالوا: لأن التردد يكون ممن لا يعلم عواقب الأمور، وهذا محال على الله تعالى (¬٢).\rوقد ذكروا عدة تأويلات حملوا الحديث عليها، منها:\r١، ٢ - ما ذهب إليه الخطابي وغيره حيث قال: \"التردد في صفة الله ﷿ غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، وتأويله على وجهين:\rأحدهما: أن العبد قد يشرف في أيام عمره على المهالك مرات ذوات عدد من داء يصيبه وآفة تنزل به، فيدعو الله فيشفيه منها، ويدفع مكروهها عنه، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرًا ثم يبدو له في ذلك وبتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، فإنه قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه ...\rوالثاني: أن يكون معناه: ما ردَّدت رسلي في شيء أنا فاعله، ترديدي إياهم في نفس المؤمن، كما روي من قصة موسى وملك الموت صلوات الله عليهما، وما كان من لطمه عينه، وتردده إليه مرة بعد أُخرى (¬٣)، وحقيقة المعنى في الوجهين معًا: عطف الله على العبد، ولطفه به، وشفقته عليه\" (¬٤).\r٣ - وذهب بعضهم كابن الجوزي إلى احتمال أن يكون المعنى: أن","footnotes":"(¬١) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ٥٢٧)، وفتح الباري (١١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).\r(¬٢) انظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٢٥)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩).\r(¬٣) الحديث متفق عليه: البخاري (١/ ٤٤٩) ح (١٢٧٤)، ومسلم (١٥/ ١٣٦) ح (٢٣٧٢)، وسيأتي الكلام عليه في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى.\r(¬٤) أعلام الحديث (٣/ ٢٢٥٩ - ٢٢٦٠) بتصرف يسير، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٤٨)، وشرح السنة للبغوي (٥/ ٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211473,"book_id":118,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":257,"body":"تركيب الولي يحتمل أن يعيش خمسين سنةً، وعمره الذي كتب له سبعون، فإذا بلغ الخمسين فمرض، دعا الله بالعافية، فيحييه عشرين أخرى، فعبر عن قدر التركيب، وعما انتهى إليه بحسب الأجل المكتوب، بالتردد (¬١).\r٤ - ما ذهب إليه الشوكاني وهو: أن \"التردد كناية عن محبة الله لعبده المؤمن أن يأتي بسبب من الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض الذي وقع فيه، حتى يطول به عمره، من دعاء أو صلة رحم أو صدقة، فإن فعل مد الله له في عمره بما يشاء، وتقتضيه حكمته، وإن لم يفعل حتى جاء أجله، وحضره الموت، مات بأجله الذي قد قضي عليه إذا لم يتسبب بسبب يترتب عليه الفسحة له في عمره، مع أنه وإن فعل ما يوجب التأخير، والخلوص من الأجل الأول، فهو لا بد له من الموت بعد انقضاء تلك المدة التي وهبها الله سبحانه له.\rفكان هذا التردد معناه: انتظار ما يأتي به العبد مما يقتضي تأخير الأجل، أو لا يأتي فيموت بالأجل الأول\"، قال: \"وهذا معنى صحيح لا يرد عليه إشكال، ولا يمتنع في حقه سبحانه بحال، مع أنه سبحانه يعلم أن العبد سيفعل ذلك السبب، أو لا يفعله، لكنه لا يقع التنجيز لذلك المسبب إلا بحصول السبب الذي ربطه ﷿ به\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٤٦).\r(¬٢) قطر الولي على حديث الولي (٥١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211474,"book_id":118,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":258,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rلا ريب أن المسلك الأول هو المسلك الجاري على قواعد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وذلك بحمل الحديث على ظاهره، وإثبات التردد صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.\rومن أوَّل الحديث معتقدًا تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، فقد أساء الأدب مع رسول الله ﷺ، لأنه هو الذي وصفه بذلك، وهو أعلم الناس بربه، كما أنه ليس أحد أفصح لسانًا ولا أحسن بيانًا ولا أنصح للأمة منه، ﵊، فيجب أن يصان كلامه عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة (¬١).\rفإذا كان تردد المخلوق معناه: \"التوقف عن الجزم بأحد الطرفين\" (¬٢)، فإن هذا المعنى لا يدل عليه الحديث، لأن الحديث صريح في الجزم بأحد الطرفين، حيث قال: (وما ترددت في شيء أنا فاعله) أي: سأفعله ولا بد، لأنه تعالى قد قضى على عباده بالموت، فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، يؤيد ذلك أنه قد جاء في بعض طرق الحديث، بعد قوله: (يكره الموت، وأكره مساءته) زيادة: (ولا بد له منه) (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩).\r(¬٢) قطر الولي (٤٨٨).\r(¬٣) جاءت هذه الزيادة في طريق أنس ﵁. وأشار الحافظ في الفتح (١١/ ٣٤٦) إلى أنها جاءت من طريق: \"ابن مخلد عن ابن كرامة\" يريد محمد بن مخلد -، [انظر: ترجمته في تهذيب الكمال (٢٦/ ٩٧)]- وهو في إسناد أنس ﵁، كما في حلية الأولياء (٨/ ٣١٨)، وهو غير خالد بن مخلد الذي روى عنه ابن كرامة هذا =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211475,"book_id":118,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":259,"body":"فتردد الله تعالى ليس منشأه عدم الجزم بأحد الطرفين، أو عدم العلم بعواقب الأمور، وإنما هو تردد مفسر في الحديث نفسه، حيث قال: (يكره الموت، وأكره مساءته) فهذا هو حقيقة تردده سبحانه، وهو كون الفعل مرادًا لله تعالى من وجه، ومكروهًا له من وجه، فهو يريد الموت لعبده، لأنه قد قضى به عليه، ولا بد له منه، ومع ذلك فهو يكرهه لأنه يكره ما يكرهه عبده، ولذلك قال: (وأنا أكره مساءته).\rوهذا المعنى للتردد يحصل من المخلوق أيضًا، فالمريض مثلًا يريد الدواء الكريه لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، المتمثلة في كونه كريهًا، سواء في طعمه أو رائحته أو غير ذلك.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الواحد منا يتردد تارةً لعدم العلم بالعواقب، وتارةً لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه كما قيل:\rالشيب كره وكره أن أفارقه ... فأعجب لشيء على البغضاء محبوب (¬١)\rوهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: (حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره) (¬٢)،","footnotes":"= الحديث في البخاري، وعزا ابن تيمية الحديث بهذه الزيادة إلى البخاري في أكثر من موضع، [انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧١، ٣٩٠، ٢٢٥)، و (١٧/ ١٣٤)] وكذا ابن القيم في الجواب الكافي (٣١٥) لكن هذه الزيادة ليست في رواية البخاري، فلعلهما أرادا أصل الحديث، والله أعلم.\r(¬١) هذا البيت لبشار بن برد، انظر: ديوانه (٤٤٠) لكن فيه اختلاف يسير عما ذكره ابن تيمية، فهو في ديوانه هكذا:\rالشيب كره وكره أن يفارقني ... أَعجِب بشيء على البغضاء مودود\r(¬٢) متفق عليه، من حديث أبي هريرة: البخاري (٥/ ٢٣٧٥) ح (٦١٢٢)، ومسلم واللفظ له (١٧/ ١٧١) ح (٢٨٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211476,"book_id":118,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":260,"body":"وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية. ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث فإنه قال: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق، محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة، بحيث يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه، والله ﷾ قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد وهو: أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه، مكروهًا من وجه، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته ...\rوالمقصود هنا: التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا في الأفعال فهو في الأشخاص، والله أعلم\" (¬١).\rوأما المسلك الثاني فيكفي في بيان بطلانه، أنه صرف للحديث عن ظاهره من غير قرينة توجب ذلك.\rثم إن ما بنوا عليه مذهبهم هذا وهو كون التردد بمعنى: التوقف عن","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩ - ١٣٥)، وانظر: (١٠/ ٥٨)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211477,"book_id":118,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":261,"body":"الجزم بأحد الطرفين، لعدم العلم بالعاقبة، تقدم بيان أنه غير لازم من معناه، إذ قد يكون التردد لكون الشيء المعين مرادًا من وجه، ومكروهًا من وجه آخر، وهذا هو حقيقة تردده سبحانه -كما تقدم- فهو يريد الموت لكونه قضى به على الخلق كلهم، ويكرهه لكراهة عبده له، مع أنه سبحانه قد قطع بأحد الأمرين، وهو الموت، وهو سبحانه يعلم عاقبة كل منهما، فهو يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.\rومع بطلان هذا المسلك من أساسه، فإن ما ذكر فيه من تأويلات، بعيدة جدًا عن ظاهر الحديث، وقد تتبع بعضها الشوكاني ﵀ في كتابه (قطر الولي) وبيَّن بطلانها:\r١ - أما التأويل الأول -وهو ما ذهب إليه الخطابي وغيره- وهو حمل التردد على معنى كون العبد يمرض حتى يشرف على الهلاك، فيدعو الله تعالى فيشفيه.\rفقد قال عنه الشوكاني: \"ما أبرد هذا التأويل وأسمجه وأقل فائدته، فإن صدور الشفاء من الله ﷿ لذلك الذي أصابه الداء فشفاه منه، ليس من التردد في شيء، بل هو أمر واحد وجزم لا تردد فيه قط.\rوكذلك إنزال المرض به جزم لا تردد فيه، فهما قضاء بعد قضاء، وقدر بعد قدر، وإن كانا باعتبار شخص واحد، فهما مختلفان متغايران لم يتحدا ذاتًا ولا وقتًا ولا زمانًا، ولا صفةً، بل قضى الله على عبده بالمرض ثم شفاه منه.\rفأي مدخل للتردد، أو لما يشابه التردد، أو لما يصح أن يُؤول به التردد في مثل هذا\" (¬١).\r٢ - وأما التأويل الثاني للخطابي -أيضًا- وهو حمل التردد على ترديد الملائكة في قبض روح المؤمن، كما حصل في قصة موسى وملك الموت ﵇.","footnotes":"(¬١) قطر الولي (٤٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211478,"book_id":118,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":262,"body":"فقد قال الشوكاني عنه: \"جعل التردد الذي معناه: التوقف عن الجزم بأحد الطرفين بمعنى: الترديد الذي هو الرد مرةً بعد مرةً، وهما مختلفان مفهومًا وصدقًا، فحاصله: إخراج التردد عن معناه اللغوي إلى معنى لا يلاقيه ولا يلابسه بوجه من الوجوه، فليس هذا من التأويل في شيء\" (¬١).\r٣ - وأما التأويل الثالث -وهو ما احتمله ابن الجوزي وغيره- وهو حمل التردد على معنى: أن يكون للمؤمن تركيب معين، يحتمل عمرًا معينًا -كخمسين سنةً مثلًا- هو أنقص من عمره وأجله المكتوب له -كأن يكون سبعين سنةً مثلًا- فإذا بلغ قدر هذا التركيب ومرض، دعا الله تعالى بالعافية، فشفاه وبلغه أجله المكتوب له.\rفقد قال الشوكاني عنه: \"هذا التأويل لم يأتِ بفائدة قط، فإن العمر الذي هو السبعون لا بد أن يبلغه العبد على اعتقاد هذا القائل، سواء كان التركيب محتملًا لذلك أم لا، وسواء مرض عند انتهاء عمره إلى خمسين أولم يمرض، وسواء دعا الله بالعافية أولم يدعُ، فإنه لا بد أن يبلغ السبعين، وغاية ما هناك أن الله رحمه ولطف به، فشفاه من مرضه الذي عرض له وهو في خمسين سنةً، فأي شيء هذا وما الجامع بينه وبين التردد المذكور في الحديث\" (¬٢).\r٤ - وأما ما ذهب إليه الشوكاني من أن معنى التردد: انتظار ما يأتي به العبد، مما يقتضي تأخير أجله، من دعاءٍ أو صدقة أو صلة رحم، فإن أتى به فَسَح له في عمره، وأخر له في أجله، وإلا مات بأجله الأول.\rفإنه غير وجيه لأن التردد الوارد في الحديث ليس فيه ما يشعر بالانتظار، بل فيه عزم وجزم بإرادة الموت للعبد، ولذلك قال: (ما ترددت في شيء أنا فاعله).","footnotes":"(¬١) قطر الولي (٤٩٠).\r(¬٢) قطر الولي (٤٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211479,"book_id":118,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":263,"body":"ثم إن السبب والمسبب مقدران مكتوبان معلومان لله تعالى، فهو يعلم هل سيأتي عبده بهذه الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض، أو لا يأتي بها، وعليه فهو يعلم هل سيموت في مرضه هذا أم لا، فأي معنى وفائدة لهذا الانتظار؟ ! .\r\rمسألة: في بيان معنى قوله في الحديث السابق: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها).\rمعنى هذا الحديث، الذي يدل عليه ظاهره: أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله، وتكون هذه الأعضاء مشغولة بالله تعالى، طاعةً وامتثالًا، فلا يصغي بسمعه ولا يرى ببصره إلا إلى ما يرضي الله تعالى، ويكون هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى.\rوليس ظاهره أن الله تعالى يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم، كما هو قول أهل الحلول (¬١).\rقال ابن تيمية: \"الحديث حق كما أخبر النبي ﷺ، فإن ولي الله لكمال محبته لله، وطاعته لله، يبقى إدراكه لله وبالله، وعمله لله وبالله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه، ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا) (¬٢) ... \" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩١)، و (٢/ ٢٢٥، ٣٧٢)، و (١٧/ ١٣٤)، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣/ ٣٣٥ - ٣٤٥).\r(¬٢) البخاري (٥/ ٢٣٢٧) ح (٥٩٥٧)، ومسلم (٦/ ٢٩٠) ح (٧٦٣) من حديث ابن عباس ﵁.\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧٣)، وانظر للاستزادة مما قيل في معناه: الجواب الكافي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211480,"book_id":118,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":264,"body":"وقال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى-: معنى هذا الحديث \"هو أن الله تعالى يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره، وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصًا، وبالله تعالى استعانةً، وفي الله تعالى شرعًا واتباعًا، فيتم له كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره، ولله الحمد والمنة\" (¬١).\rوقد احتج أهل الحلول والاتحاد بهذا الحديث على صحة ما ذهبوا إليه، فقالوا: إن هذا يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه.\rولكن حجتهم هذه داحضة، وقولهم الذي ذهبوا إليه باطل مردود، مناقض للعقل والشرع، ولذلك قال الشوكاني: \"قول الاتحادية يقضي عقل كل عاقل ببطلانه، ولا يحتاج إلى نصب الحجة معهم\" (¬٢).\rومع هذا فإن الحديث حجة عليهم، مبطل لمذهبهم من عدة وجوه، منها:\r١ - أنه قال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) فأثبت ثلاثة: وليًا، وعدوًا يعادي وليه، وميَّز بين نفسه وبين وليه، وعدو وليه.\r٢ - أنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه)، ففرق بين العبد المتقرب، والرب المتقرب إليه.\r٣ - ومثله قوله: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).\r٤ - وقال أيضًا: (ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه)، فجعل","footnotes":"= لابن القيم (٣١٧ - ٣١)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٧)، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٤)، وقطر الولي (٤٢٨ - ٤٣٥).\r(¬١) القواعد المثلى (٦٩)، وانظر: شرحه لرياض الصالحين (١/ ٤٤٩)، و (٢/ ١٩٢)، والتعليقات على الأربعين النووية، له أيضًا (١١٨).\r(¬٢) قطر الولي (٤٣٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211481,"book_id":118,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":265,"body":"العبد سائلًا مستعيذًا، والرب مسؤلًا مستعاذًا به، وهذا يناقض الحلول والاتحاد (¬١).\r٥ - أنه قال: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته).\rقال ابن تيمية: \"هذا تصريح بأنه عبده، ليس الرب جزءًا منه، ولا صفةً له، وأنه يُقبض ويموت، ومعلوم أن الله حي لا يموت، فضلًا عن أن يكون بعضًا، أو صفة لمن يموت، فإنه لو كان ظاهره أن الله نفسه هو عين العبد وسمعه ويده ورجله، لكانت هذه الأعضاء تموت بموت الجملة\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٧١)، والاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٢١٦ - ٢٢٠) ثلاثتها لابن تيمية، وقطر الولي للشوكاني (٤٣٧ - ٤٣٨).\r(¬٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٣٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211482,"book_id":118,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":266,"body":"المبحث الثامن: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211483,"book_id":118,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":267,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) متفق عليه (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rأن الظل جاء في الحديث مضافًا إلى الله تعالى، فهل يكون صفة من صفاته، أم ماذا؟ وإذا لم يكن صفة من صفاته فعلى ماذا يحمل؟\r* * *","footnotes":"(¬١) البخاري في مواضع: في كتاب الجماعة والإمامة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد (١/ ٢٣٤) ح (٦٢٩)، وفي كتاب الزكاة، باب: الصدقة باليمين (٢/ ٥١٧) ح (١٣٥٧)، وفي كتاب الرقاق مختصرًا، باب: البكاء من خشية الله (٥/ ٢٣٧٧) ح (٦١١٤)، وفي كتاب المحاربين، باب: فضل من ترك الفواحش (٦/ ٢٤٩٦) ح (٦٤٢١).\rومسلم في كتاب الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (٧/ ١٢٦) ح (١٠٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211484,"book_id":118,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":268,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في الظل المذكور في الحديث على ثلاثة أقوال:\rالقول الأول: أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: ظل العرش، وإلى هذا ذهب الطحاوي (¬١) وابن عبد البر في أحد قوليه (¬٢)، وابن رجب (¬٣)، والقرطبي (¬٤)، وابن حجر (¬٥)، وهو ظاهر صنيع ابن منده، والسيوطي، وحافظ الحكمي، عليهم رحمة الله.\rأما ابن منده فإنه قال: \"بيان آخر يدل على أن العرش ظل يستظل فيه من يشاء الله من عباده\" ثم أورد تحت هذا العنوان حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله) (¬٦).\rوأما السيوطي فقد ألف كتابًا بعنوان: (تمهيد الفرش في الخصال الموجبه لظل العرش)، ذكر فيه هذا الحديث وشيئًا من طرقه وشواهده.\rوأما حافظ الحكمي، فإنه ذكر هذا الحديث باللفظ السابق في جملة النصوص الدالة على العرش وبيان صفته (¬٧).","footnotes":"(¬١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفه ٧/ ١٩٦).\r(¬٢) انظر: التمهيد (١٧/ ٤٣١).\r(¬٣) انظر: فتح الباري (٦/ ٥١).\r(¬٤) انظر: المفهم (٥٤٢).\r(¬٥) انظر: فتح الباري (٢/ ١٤٤).\r(¬٦) انظر: التوحيد (٣/ ١٩٠ - ١٩١).\r(¬٧) انظر: معارج القبول (١/ ١٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211485,"book_id":118,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":269,"body":"واستدل هؤلاء بما يلي:\r١ - أن الحديث جاء بلفظ (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)، كما عند سعيد بن منصور من حديث سلمان (¬١)، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر (¬٢)، والعيني (¬٣)، والسيوطي (¬٤).\rوعند الطحاوي من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) (¬٥).\rفقالوا: إن هذه الرواية مفسرة للرواية السابقة، والتي فيها إضافة الظل إلى الله تعالى (¬٦).\r٢ - أن الظل جاء مضافًا إلى العرش فى عدة أحاديث، غير هذا الحديث، ومن ذلك ما يلي:\rأ- حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (من أنظر معسرًا أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله) (¬٧).","footnotes":"(¬١) ورواه عن سلمان موقوفًا: ابن أبي شيبة في كتابه العرش (٧٦) ح (٥٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٢٠١) ح (٢٠٣٢٢)، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٢٧)، وأورده الذهبي في العلو (٨٤) من طريق ابن أبي شيبة، وقال: \"هذا موقوف ضعيف الإسناد\".\r(¬٢) انظر: فتح الباري (٢/ ١٤٤).\r(¬٣) انظر: عمدة القاري (٥/ ١٧٧).\r(¬٤) انظر: تمهيد الفرش (٣٥ - ٣٦).\r(¬٥) شرح مشكل الآثار (١٥/ ٧٢)، وقال المحقق -شعيب الأرناؤوط- عن هذا الإسناد: إنه \"على شرط البخاري\"، ورواه أيضًا عن أبي هريرة بهذا اللفظ: البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٢٧)، والخطيب البغدادي في تاريخه (٩/ ٢٥٤)، وانظر: شرح السنة للبغوي (٢/ ٣٥٥).\r(¬٦) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٧/ ١٩٦)، وفتح الباري (٢/ ١٤٤).\r(¬٧) أخرجه الترمذي (تحفة ٤/ ٥٣٤) ح (١٣٢١)، وقال: \"حديث حسن صحيح، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211486,"book_id":118,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":270,"body":"وجاء هذا الحديث -أيضًا- عن أبي اليسر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله تعالى في ظل عرشه) (¬١).\rكما جاء -أيضًا- عن أبي قتادة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة) (¬٢).\rب- حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المتحابون في الله على منابرَ من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله) (¬٣).\rالقول الثاني: أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: رحمته، وإلى هذا ذهب ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في أحد قوليه، وذكره البغوي والبيهقي وغيرهما.","footnotes":"= غريب من هذا الوجه\"، والإمام أحمد (١٦/ ٢٨٩) ح (٨٦٩٦)، وقال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"، والطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٢٧٠) ح (٨٧٩)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٠) ح (١٠٥٢).\r(¬١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٤٥٩) ح (١٩١٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ١٦٦) ح (٣٧٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ١١) ح (٢٢١١).\r(¬٢) أخرجه الإمام أحمد (٣٧/ ٢٥١) ح (٢٢٥٥٩)، و (٣٧/ ٣٠٧) ح (٢٢٦٢٣)، وعبد بن حميد في المنتخب (١/ ٣٣٩) ح (٣٧٨)، والدارمي في سننه (٢/ ٣٤٠) ح (٢٥٨٩)، والبيهقي في الشعب (٢٠/ ٤٢٧) ح (١٠٧٤٦)، والبغوي في شرح السنة (٨/ ١٩٩)، وقال: \"هذا حديث حسن\"، وصححه الألباني، كما في صحيح الجامع الصغير (٢/ ١١١٩) ح (٦٣٧٦).\r(¬٣) أخرجه الإمام أحمد (٣٦/ ٣٨٣) ح (٢٢٠٦٤)، و (٣٧/ ٤٤٤) ح (٢٢٧٨٢)، وابن حبان (٢/ ٣٣٨) ح (٥٧٧)، والحاكم في مستدركه (٤/ ١٨٧) ح (٧٣١٥)، وقال: \"هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٧) ح (١٦٧)، و (٢٠/ ٨٨) ح (١٦٨)، وفي مسند الشاميين (١/ ٤٢٣) ح (٧٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211487,"book_id":118,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":271,"body":"وأصحاب هذا القول، منهم من يفسر الرحمة بدخول الجنة كابن عبد البر حيث قال: \"والظل في هذا الحديث يراد به: الرحمة، والله أعلم، ومن رحمة الله الجنة، قال الله عزَّ وحلَّ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠]، وقال: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] \" (¬١).\rومنهم من يفسرها بالرعاية والكرامة والحماية، كما يقال: أسبل الأمير أو الوزير ظله على فلان، بمعنى الرعاية والحماية.\rوممن فسرها بهذا: عيسى بن دينار (¬٢)، والبيهقي (¬٣)، والبغوي (¬٤)، والقاضي عياض (¬٥)، عليهم رحمة الله.\rالقول الثالث: أن المراد بالظل في الحديث: ظل يخلقه الله تعالى، لأنه في ذلك الوقت لا يوجد شيء يظل الخلائق من الشمس، فلا بناء ولا شجر ولا رمال ولا حجر، إلا ما يخلقه الله تعالى، فيظل به من شاء من عباده، وإلى هذا ذهب الشيخ محمد العثيمين ﵀، بل لم يجوز غير هذا المعنى للحديث.\rقال ﵀: \"معنى (يوم لا ظل إلا ظله) أو (يظلهم الله في ظله) يعني:","footnotes":"(¬١) التمهيد (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، وانظر: (١٧/ ٤٣١ - ٤٣٢)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٣/ ٥٦٢)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٦).\r(¬٢) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٥٦٢)، والمفهم (٦/ ٥٤٣)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٦)، وفتح الباري (٢/ ١٤٤)، وابن دينار هو: عيسى بن دينار بن واقد الغافقي القرطبي، فقيه الأندلس ومفتيها في عصره، ارتحل في طلب العلم ثم عاد، فكان مرجع الناس في الفتيا، وكان صالحًا ورعًا مجاب الدعوة، توفي ﵀ سنة اثنتي عشرة ومائتين (٢١٢). [انظر: السير (١٠/ ٤٣٩)، والعبر (١/ ٢٨٥)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٨)، والأعلام (٥/ ١٠٢)].\r(¬٣) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٢٢٧).\r(¬٤) انظر: شرح السنة (٢/ ٣٥٥).\r(¬٥) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٥٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211488,"book_id":118,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":272,"body":"الظل الذي لا يقدر أحد عليه في ذلك الوقت، لأنه في ذلك الوقت ... لا يظل الخلائق من الشمس شيء، لا بناء ولا شجر ولا حجر، ولا غير ذلك، لكن الله ﷿ يخلق شيئًا يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا\" (¬١).\rوشدد -رحمه الله تعالى- النكير على من حمل الظل في الحديث على ظل الله تعالى نفسه، لأنه يلزم عليه أن يكون الله تعالى تحت الشمس.\rقال ﵀: هذه \"مسألةٌ ضل فيها كثير من الجهال، وهي قوله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، حيث توهموا جهلًا منهم أن هذا هو ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته ﷿، وهذا فهم خاطئ منكر، يقوله بعض المتعالمين الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة إجراء النصوص على ظاهرها، فيقال: أين الظاهر؟ ! وكيف يكون ظاهر الحديث أن الرب جل وعلا يظلهم من الشمس؟ ! فإن هذا يقتضي أن تكون الشمس فوق الله ﷿\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"المراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله ﷿ يوم القيامة، يظلل فيه من شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا، لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلًا من الشمس، فتكون الشمس فوقه، وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار، لأنه لا يمكن أن يكون الله ﷿ تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض\" (¬٣).\rوأما رواية (في ظل عرشه)، فقد قال الشيخ عنها: \"فيها نظر، لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم،","footnotes":"(¬١) شرح رياض الصالحين (٢/ ١٨٦)، وانظر: (٢/ ٢٤٤)، و (٢/ ٤٤٧).\r(¬٢) شرح رياض الصالحين (٢/ ١٨٥).\r(¬٣) المرجع السابق (٢/ ٢٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211489,"book_id":118,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":273,"body":"والسموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟ !\rلو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله على كل شيء قدير.\rلكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله في ذلك اليوم، إما من الغمام أو غير ذلك، فالله أعلم به، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده من حر الشمس\" (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) شرح رياض الصالحين (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211490,"book_id":118,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":274,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: ظل العرش -على ما جاء في القول الأول- فيكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ويدل على هذا عدة أمور منها:\r١ - أنه جاء مفسرًا في بعض رواياته بذلك، ومخرج الحديث واحد، وإذا كان كذلك فلا بد من حمل إحدى الروايتين على الأخرى، ولا يجوز حمل رواية: (ظل العرش) على رواية: (ظل الله)؛ لأنه لا يمكن أن يطلق (ظل العرش) ويراد به (ظل الله)، لكن العكس ممكن؛ لأن الله تعالى هو خالق العرش -وكل ظل في القيامة فهو ظله على هذا المعنى- لا سيما وأنه قد ثبت في عدة أحاديث أن للعرش ظلًا يستظل به من شاء الله تعالى من عباده، كما في أدلة القول الأول.\rومما يؤيد هذا أن كثيرًا من الأحاديث التي فيها إضافة الظل إلى العرش، قد جاءت في بعض ألفاظها بإضافة الظل إلى الله تعالى، مما يدل على أن المراد بها شيء واحد، وهو ظل العرش كما تقدم.\rفمثلًا: حديث أبي اليسر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله تعالى في ظل عرشه) (¬١).\rقد جاء عند مسلم وأحمدَ وغيرهما بلفظ: (من أنظر معسرًا أو وضع","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٢٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211491,"book_id":118,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":275,"body":"عنه أظله الله في ظله) (¬١).\r٢ - أن هذا المعنى، وهو التعبير عن ظل العرش، بظل الله تعالى قد جاء مصرحًا به في سياق واحد، مما يجعله لا يقبل أي احتمال غيره، فعن العِرْبَاض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: المتحابون بجلالي، في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي) (¬٢).\r٣ - أن حمل قوله ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله ... ) على ظل الله تعالى نفسه، ينافي الأحاديث الكثيرة التي جاءت بإثبات الظل للعرش، لأن الله تعالى نفى وجود ظل غير ظله في ذلك اليوم، علمًا أنني لم أجد -بعد بحثي المتواضع- من أثبت الظل صفة لله تعالى، بل ظاهر صنيع السلف عليهم رحمة الله، حمل الظل المضاف إلى الله تعالى، على ظل العرش، لمجيئه مفسرًا بذلك، والله أعلم.\rوأما القول الثاني وهو: تأويل الظل بمعنى الرحمة، فهو إخراج للفظ عن ظاهره وحقيقته من غير قرينة توجب ذلك.\rوتفسير بعضهم، الرحمة بدخول الجنة والاستظلال بظلها، لا يستقيم مع هذا الحديث، لأن دخول الجنة والاستظلال بظلها لا يختص بهؤلاء السبعة، وبالتالي فلن يكون لهم مزية على غيرهم، والحديث يدل على امتيازهم على غيرهم بهذا الاستظلال.\rوأيضًا فإن تفسير الظل بالرحمة ترده الرواية الأخرى للحديث، وهي: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)؛ لأن المعنى سيكون: في رحمة عرشه؟ ! وهذا لا يقول به أحد.","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم (١٨/ ٣٤٣) ح (٣٠٠٦)، والمسند (٢٤/ ٢٧٩) ح (١٥٥٢١).\r(¬٢) أخرجه أحمد (٢٨/ ٣٨٩) ح (١٧١٥٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٨) ح (٦٤٤)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٦٢٩) ح (٤٤٤٥)، وقال: \"رواه أحمد بإسناد جيد\"، والذهبي في العلو (٨٤)، وقال: \"إسناده حسن\"، والهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٩)، وقال: \"رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما جيد\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211492,"book_id":118,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":276,"body":"كما لا يصح حمل الظل على معنى الحماية والكرامة والرعاية، لأن هذه تحصل في الدنيا أيضًا، والحديث قد جاء تقييده بيوم القيامة، كما في رواية للبخاري: (سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله) (¬١).\rقال ابن حجر ﵀: \"إذا كان المراد: ظل العرش، استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، فهو أرجح، وبه جزم القرطبي.\rويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة، كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهو عند المصنف في كتاب الحدود.\rوبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى أو ظل الجنة، لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أن المراد ظل العرش\" (¬٢).\rوأما القول الثالث، وهو أن المراد بالظل في الحديث: ظل يخلقه الله تعالى، فقول يفتقر إلى دليل يدل عليه، لأنه غيب، والغيب سبيله الوقوف عند حدود ما ورد.\rوأما القول بأنه يلزم من حمل الظل على ظل الله تعالى، أن يكون الله تحت الشمس، فقول غريب جدًا، لأنه دخول في الكيفية، فلو لم ترد الرواية الأخرى: (في ظل عرشه)؛ لتعين حمل الحديث على ظاهره، دون الخوض في كيفية ذلك، والله أعلم.\rوكذا القول: بأن رواية: (في ظل عرشه) يلزم منها أن يكون العرش تحت الشمس، مع أنه أكبر منها، كل ذلك دخول في الكيفية، ومذهب أهل السنة والجماعة -كما هو معلوم- تفويض الكيفية وعدم الخوض فيها، علمًا","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري (٦/ ٢٤٩٦) ح (٦٤٢١).\r(¬٢) فتح الباري (٢/ ١٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211493,"book_id":118,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":277,"body":"أن هذا اللازم ليس بلازم في الحقيقة، وذلك أنه يمكن أن يكون للعرش ظل وهو فوق الشمس، ويكون ذلك دليلًا على عظم خلقه، وقد أشار الشيخ ابن عثيمين ﵀ إلى نحو من هذا حينما قال: \"لو صح الحديث، لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله على كل شيء قدير\" (¬١).\rثم إنه قد ثبت أن للعرش ظلًا في عدة أحاديث غير هذا (¬٢)، فلو أمكن رد هذه الرواية، لما أمكن رد تلك الأحاديث الأخرى، والتي جاءت بإثبات الظل للعرش.\rقال الذهبي رحمه الله تعالى: \"وقد بلغ في ظل العرش أحاديث تبلغ التواتر\" (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) شرح رياض الصالحين (٢/ ٢٤٤).\r(¬٢) انظر: ص (٢٧٤ - ٢٧٥) من هذا البحث.\r(¬٣) العلو (٨٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211494,"book_id":118,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":278,"body":"المبحث التاسع: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر. . .)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211495,"book_id":118,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":279,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، متفق عليه (¬١).\rوفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر) (¬٢).\r\rبيان وجه الإشكال\rالدهر في اللغة: الزمان، وقد نص بعض أهل اللغة على أنهما بمعنى واحد (¬٣)، ومعلوم أن الدهر بهذا المعنى ليس هو الله تعالى.\rقال ابن تيمية: \"أجمع المسلمون -وهو مما علم بالعقل الصريح- أن الله ﷾ ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) البخاري في مواضع: في كتاب التفسير، باب: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٤/ ١٨٢٥) ح (٤٥٤٩)، وفي كتاب الأدب، باب: (لا تسبوا الدهر) (٥/ ٢٢٨٦) ح (٥٨٢٧)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٧٢٢) ح (٧٠٥٣).\rومسلم: كتاب الأدب، باب: النهي عن سب الدهر (١٥/ ٥) ح (٢٢٤٦).\r(¬٢) البخاري: كتاب الأدب، باب: (لا تسبوا الدهر) (٥/ ٢٢٨٦) ح (٥٨٢٨)، ومسلم واللفظ له: الموضع السابق.\r(¬٣) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ١٠٩ - ١١٠)، والصحاح للجوهري (٢/ ٦٦١)، ولسان العرب (٤/ ٢٩٣) كلها مادة: (دهر).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211496,"book_id":118,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":280,"body":"فلما كان الأمر كذلك اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، لأن الله تعالى قال فيه: (وأنا الدهر)، والرسول ﷺ قال كما في الرواية الأخرى للحديث: (فإن الله هو الدهر).\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211497,"book_id":118,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":281,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\rالقول الأول: أن الحديث جاء لرد ما كان عليه أهل الجاهلية من نسبة المصائب التي تصيبهم، والكوارث التي تحل بهم إلى الدهر، فيقولون مثلًا: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادنا الدهر، وأتى علينا الدهر، وهكذا ...\rفينسبون كل ما يجري عليهم بقضاء الله وقدره، من موت أو سقم أو هرم أو فقر إلى الدهر، ثم يذمونه ويسبونه لأجل ذلك، فيقولون مثلًا: قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا، وقد كثر ذلك في أشعارهم، ومن أمثلته:\rقول المساور بن هند (¬١):\rبليت وعلمي في البلاد مكانه ... وأفنى شبابي الدهر وهو جديد (¬٢)\rوقول أبي ذؤيب الهذلي (¬٣):","footnotes":"(¬١) هو مساور بن هند بن قيس بن زهير العبسي، شاعر مُعَمَّر، قيل: إنه ولد في حرب داحس والغبراء قبل الإسلام بخمسين سنةً، وعاش إلى أيام الحجاج، وهو من المتقدمين في الإسلام، توفي نحو سنة (٧٥). [انظر: الشعر والشعراء (٢١٦)، والإصابة لابن حجر (٦/ ٢٢٧)، والأعلام (٧/ ٢١٤)].\r(¬٢) انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢١٦)، والتمهيد لابن عبد البر (١٨/ ١٥٦).\r(¬٣) هو خويلد بن خالد بن محرِّث أبو ذؤيب الهذلي، شاعر فحل مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وعامة ما قاله من الشعر في الإسلام، عاش إلى زمن عثمان، وشارك في الغزو والفتوح، وتوفي بأفريقية سنة (٢٧). [انظر: الشعر والشعراء (٤٣٥)، والإصابة (٢/ ٣٥٨)، والأعلام (٢/ ٣٢٥)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211498,"book_id":118,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":282,"body":"أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع (¬١)\rوقول الأعشى (¬٢):\rفاستأثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرميني ولا أرمي\rيا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم\rوسلبتنا ما ليس تُعقبنا ... يا دهر ما أنصفت في الحكم (¬٣)\rومعنى الحديث على هذا: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب، ولا تنسبوها إليه، فإن الله ﷿ هو الذي أصابكم بذلك، لا الدهر فإذا سببتم الفاعل وقع السب على الله ﷿، إذ هو الفاعل لها لا الدهر.\rويكون معنى قوله ﷺ: (وأنا الدهر): ما فسره بقوله: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار).\rوهكذا قوله: (فإن الله هو الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه.\rوعلى هذا، لا يكون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى.\rوإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، كالشافعي (¬٤) وأبي عبيد،","footnotes":"(¬١) انظر: شرح أشعار الهذليين للسكري (١/ ٤)، وساقه ابن قتيبة بسنده إلى أبي ذؤيب، في تأويل مختلف الحديث (٢٠٨).\r(¬٢) هو ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، كان كثير الوفود إلى الملوك من العرب والفرس، وكان من المعمَّرين أدرك الإسلام ولم يسلم، قيل: إن مولده ووفاته في منفوحة قرب مدينة الرياض، وكانت وفاته سنة سبع من الهجرة (٧). [انظر: الشعر والشعراء (١٥٤)، وشرح المعلقات العشر (٣٧٣)، والأعلام (٧/ ٣٤١)].\r(¬٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٤٦)، ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٠٦)، وأحال محققه على ملحقات ديوان الأعشى (٢٥٨)].\r(¬٤) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٦/ ١٠٩)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٧/ ١٨٣)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٦)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١)، وتيسير العزيز الحميد (٦٠٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211499,"book_id":118,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":283,"body":"وابن جرير الطبري (¬١)، وابن قتيبة (¬٢)، وإبراهيم الحربي (¬٣)، والخطابي، وأبي يعلى (¬٤)، وابن عبد البر (¬٥)، وقوام السنة الأصبهاني، والقرطبي (¬٦) والنووي (¬٧)، وابن تيمية (¬٨)، وابن كثير (¬٩)، وابن حجر (¬١٠)، وسليمان بن عبد الله (¬١١)، وابن عثيمين (¬١٢)، عليهم رحمة الله.","footnotes":"(¬١) انظر: جامع البيان (١١/ ٢٦٣)، والطبري هو: الإمام العلم الفرد الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، كان إمامًا في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وكان من الأئمة المجتهدين لم يقلد أحدًا، وكان ثقة في نقله، ولذلك يُعدُّ كتابه التاريخ أصح التواريخ وأثبتها، توفي ﵀ ببغداد سنة (٣١٠ هـ)، وله عدة مصنفات منها: تفسيره المشهور، وكذلك تاريخه المشهور، وتهذيب الآثار. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٥٩)، ووفيات الأعيان (٤/ ٤٣)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٠)].\r(¬٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٧ - ٢٠٨).\r(¬٣) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ١٢٦).\r(¬٤) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٥).\r(¬٥) انظر: التمهيد (١٨/ ١٥٥، ١٥٧).\r(¬٦) انظر: المفهم (٥/ ٥٤٧ - ٥٤٨).\r(¬٧) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥).\r(¬٨) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩١).\r(¬٩) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١).\r(¬١٠) انظر: الفتح (١٠/ ٥٦٥).\r(¬١١) انظر: تيسير العزيز الحميد (٦٠٨ - ٦١١). وسليمان هو: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ، محدث فقيه، وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا عند دخوله الدرعية واستيلائة عليها، فأحضره وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له ثم قتله، وكان ذلك سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين (١٢٢٣)، له مؤلفات من أهمها وأشهرها: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد. [انظر: الأعلام للزركلي (٣/ ١٢٩)، وعلماء نجد للبسام (٢/ ٣٤١)].\r(¬١٢) انظر: القواعد المثلى (٩ - ١٠)، والقول المفيد (٢/ ٣٥٧، ٣٥٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211500,"book_id":118,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":284,"body":"قال أبو عبيد: \"تأويله عندي -والله أعلم- أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم، من موت أو هرم أو تلف مال، أو غير ذلك، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل ذلك، فيذمونه ... فقال النبي ﷺ: (لا تسبوا الدهر)، على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى، لأنه ﷿ هو الفاعل لها، لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء الله، لا أعرف له وجهًا غيره\" (¬١).\rوقال الخطابي: \"قوله: (أنا الدهر) معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبُّه إليَّ، لأني فاعلها، وإنما الدهر زمان ووقت جعلته ظرفًا لمواقع الأمور، وكان من عادة أهل الجاهلية إذا أصابهم شدة من الزمان، أو مكروه من الأمر، أضافوه إلى الدهر، وسبوه، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًا للدهر، ونحو ذلك من القول ... فأعلم الله ﵎ أن الدهر محدث، يقلبه بين ليل ونهار، لا فعل له من خير أو شر، لكنه ظرف للحوادث ومحل لوقوعها، وأن الأمور كلها بيد الله تعالى، ومن قِبله يكون حدوثها، وهو محدثها ومنشئها سبحانه لا شريك له\" (¬٢).\rوقال قوام السنة الأصبهاني: \"ومما جاء في الحديث مما لا يؤمن وقوع الغلط فيه قوله ﷺ: (فإن الله هو الدهر)، لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الدهر من أسماء الله تعالى، وإنما معنى هذا الكلام: أن أهل الجاهلية كان من عادتهم إذا أصاب الواحد منهم مكروه أن يضيفه إلى الدهر، فيسبون الدهر على أنه الفاعل لذلك، ولا يرونه صادرًا من فعل الله، وكائنًا بقضائه، فأعلمهم أن جميع ذلك من فعل الله تعالى، وأن مصدرها من قبله، وأنكم","footnotes":"(¬١) غريب الحديث (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).\r(¬٢) أعلام الحديث (٣/ ١٩٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211501,"book_id":118,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":285,"body":"متى سببتم فاعلها كان مرجع السب إلى الله ﷾\" (¬١).\rالقول الثاني: قول من يروي حديث: (وأنا الدهر) بنصب الدهر على الظرفية، فيكون المعنى: أنا الدهرَ كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن داود الظاهري (¬٢) وغيره.\rقال الخطابي: \"كان أبو بكر يرويه (وأنا الدهرَ) مفتوحة الراء، منصوبًا على الظرف، أي: أنا طول الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار، وكان يقول: لو كان مضمومًا لانقلب الدهر اسمًا من أسماء الله جلَّ وعز وعلا\" (¬٣).\rوقال ابن عبد البر: \"فمن أهل العلم من يروي هذا الخبر بنصب الدهر على الظرف، يقول: أنا الدهر كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\" (¬٤).\rالقول الثالث: أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه: القديم الأزلي، وإلى هذا ذهب نعيم بن حماد، وطائفة من أهل الحديث والصوفية (¬٥)، وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى (¬٦).\rوعمدتهم هذا الحديث.","footnotes":"(¬١) الحجه في بيان المحجة (١٧٨ - ١٧٩).\r(¬٢) هو محمد بن داود بن علي أبو بكر الظاهري، أحد من يضرب به المثل بذكائه، وكان له بصر تام بالحديث، وبأقوال الصحابة، وكان يجتهد ولا يقلد أحدًا، وقد تصدر للفتيا بعد والده، له كتاب الزهرة، في الأدب والشعر، توفي سنة سبع وتسعين ومائتين (٢٩٧). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٩٠)، والسير (١٣/ ١٠٩)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٦)].\r(¬٣) شأن الدعاء (١٠٨)، وانظر: معالم السنن (٤/ ١٤٧).\r(¬٤) التمهيد (١٨/ ١٥٤)، وانظر: إكمال المعلم (٧/ ١٨٣)، والمفهم (٥/ ٥٤٨)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٦)، وفتح الباري (٨/ ٥٧٥).\r(¬٥) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٤)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم الخامس، تحقيق د/ سليمان الغفيص (١/ ٢٨٥).\r(¬٦) انظر: المحلى (٦/ ٢٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211502,"book_id":118,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":286,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- أن معنى: (وأنا الدهر)، و (فإن الله هو الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه ومقلبه -على ما جاء في القول الأول- لأنه فسره بذلك في نفس الحديث، فقال: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، وليس المراد به كون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى، وإنما خرج الحديث مخرج الرد على أهل الجاهلية في نسبة ما يصيبهم من مصائب وغيرها إلى الدهر، وعلى هذا القول جمهور العلماء كما تقدم.\rقال ابن كثير: \"قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﷺ: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر): كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم إنما سبوا الله ﷿، لأنه فاعل تلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار، لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، وهذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث\" (¬١).\rومما يدل علي صحة هذا القول ما يلي:\r١ - أنه جاء مفسرًا بذلك في نفس الحديث كما تقدم.\rقال ابن تيمية: \"قوله في الحديث: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)","footnotes":"(¬١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211503,"book_id":118,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":287,"body":"يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار، فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه\" (¬١).\rوقال ابن عثيمين: \"فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بيَّن أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلِّب (بكسر اللام) هو المقلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى\" (¬٢).\r٢ - أن الأصل في أسماء الله تعالى أن تكون حسنى، أي بالغةً في الحسن غايته، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني، والدهر اسم جامد، لا يتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى، ولا يحمل المعنى الذي يوصف بأنه أحسن، وحينئذٍ فليس من أسماء الله تعالى، وإنما هو اسم للوقت والزمن (¬٣).\r٣ - أن الله تعالى قد أخبر عن المشركين، وما كانوا عليه من نسبة أفعاله وأقداره إلى الدهر، فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤].\rقال ابن جرير الطبري: \"ذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الشرك كانوا يقولون: الذي يهلكنا ويفنينا الدهر والزمان، ثم يسبون ما يفنيهم ويهلكهم، وهم يرون أنهم يسبون بذلك الدهر والزمان، فقال الله ﷿: أنا الذي أفنيكم وأهلككم، لا الدهر والزمان، ولا علم لكم بذلك\" (¬٤).\rثم أورد بسنده حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (كان أهل","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩١).\r(¬٢) القواعد المثلى (١٠).\r(¬٣) انظر: القواعد المثلى (٩)، والقول المفيد (٢/ ٣٥٨) كلاهما للشيخ محمد العثيمين رحمه الله تعالى.\r(¬٤) جامع البيان (١١/ ٢٦٣)، وانظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211504,"book_id":118,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":288,"body":"الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، قال: فيسبون الدهر، فقال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) (¬١).\rوالمشركون الذين يضيفون المصائب والنوائب إلى الدهر على قسمين:\rأحدهما: الذين لا يؤمنون بالله تعالى، ولا يعرفون إلا الدهر، الذي هو مرُّ الزمان واختلاف الليل والنهار، اللذَين هما محل الحوادث، وظرف لمساقط الأقدار، فينسبون المكاره إليه على أنها من فعله، ولا يرون أن له مدبرًا ومصرِّفًا، وهؤلاء هم الدهرية (¬٢) الذين حكى الله عنهم في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾.\rوالقسم الثاني: يعرفون الله تعالى، ويعتقدون أنه هو المدبر للأمور وحده لا شريك له، لكنهم يضيفون ما يجري عليهم من المصائب والحوادث إلى الدهر، من باب إضافة الشيء إلى محله، لا أنه عندهم فاعل لذلك (¬٣).\rوقد وقع في هذا بعض شعراء المسلمين:","footnotes":"(¬١) جامع البيان (١١/ ٢٦٤)، وأورد هذا الحديث أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٣)، وحكم المحقق على إسناده بالصحه.\r(¬٢) \"الدهرية: هم الذين ينفون الربوبية، ويحيلون الأمر والنهي والرسالة من الله تعالى، ويقولون: هذا مستحيل في العقول، ويجعلون الطينة قديمةً، أي: أن العالم قديم، وينكرون الثواب والعقاب، ولا يفرقون بين الحلال والحرام، وينفون أن يكون في العالم دليل يدل على صانع ومصنوع، وخالق ومخلوق ... ويضيفون النوازل بهم إلى الدهر فيسبونه\" [البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان للسكسكي (٨٨)، وانظر: الفصل لابن حزم (١/ ١٩)، والملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٣٥)].\r(¬٣) انظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٤٨٩)، والمفهم (٥/ ٥٤٧ - ٥٤٧ - ٨)، وتيسير العزيز الحميد (٦٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211505,"book_id":118,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":289,"body":"كقول سابق البربري (¬١):\rالمرء يجمع والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق (¬٢)\rوقول أبي العتاهية (¬٣):\rدهر يؤمننا الخطوب وقد نرى ... في كل ناحية لهن شباكا\rيا دهر قد أعظمت عبرتنا بمن ... دارت عليه من القرون رحاكا (¬٤)\rوقوله أيضًا:\rلكم فجع الدهر من والد ... وكم أثكل الدهر من والِدَة\rوكم ترك الدهر من سيد ... ينوء على قدم واحدة (¬٥)\rقال ابن عبد البر: \"وجرى ذلك على الألسنة في الإسلام، وهم لا يريدون ذلك، ألا ترى أن المسلمين الخيار الفضلاء قد استعملوا ذلك في أشعارهم، على دينهم وإيمانهم، جريًا في ذلك على عادتهم، وعلمًا","footnotes":"(¬١) هو سابق بن عبد الله البربري، شاعر زاهد، له كلام في الحكمة والرقائق، وهو من موالي بني أمية، والبربري لقب له ولم يكن من البربر، وكان يفد على عمر بن عبد العزيز فيستنشده عمر فينشده من مواعظه، توفي سنة مائة (١٠٠). [انظر: تهذيب تاريخ دمشق (٦/ ٤٠)، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين (٢/ ٣/ ٤١/ ٤٢)، والأعلام (٣/ ٦٩)].\r(¬٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ١٥٨)، وفي تاريخ بغداد (٩/ ٣٠٥)، ووفيات الأعيان (٢/ ٤٠٥) أنه لصالح بن عبد القدوس في مطلع قصيدة له.\r(¬٣) هو أبو إسحاق إسماعيل بن قاسم بن سويد بن كيسان العنزي مولاهم الكوفي، الشاعر المشهور، كان يقول في الغزل والمديح والهجاء، ثم تنسك وعدل عن ذلك إلى الشعر في الزهد والحكمة والوعظ، فأحسن وأجاد، وسار شعره واشتهر وانتشر لجودته وحسنه وعدم تقعُّره، توفي ببغداد سنة (٢١١)، وقيل غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٢٤٩)، ووفيات الأعيان (١/ ٢٢٢)، والسير (١٠/ ١٩٥)، والعبر (١/ ٢٨٢)].\r(¬٤) ديوان أبي العتاهية (٣٠٦).\r(¬٥) المرجع السابق (١٥١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211506,"book_id":118,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":290,"body":"بالمراد، وأن ذلك مفهوم معلوم، لا يشكل على ذي لُبٍّ\" (¬١).\rوقال الشيخ عبد الله الغنيمان: \"أكثرُ هؤلاء من الشعراء والأدباء لا يقصدون نسبة القبائح إلى الله تعالى، من الجَور والظلم، وإنما ساروا في ذلك على سبيل المتابعة لأهل الجاهلية والتقليد، بدون تبصر لذلك، والله أعلم\" (¬٢).\rولا يعني هذا جواز ما وقع فيه هؤلاء الشعراء من سب الدهر ونسبة المقادير إليه.\rقال سليمان بن عبد الله: \"والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام\" (¬٣).\rوقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: \"سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\rالأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم، أو برده وما أشبه ذلك، لأن الأعمال بالنيات، واللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵇: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧].\rالثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر، أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا ...\rالثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه، لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم،","footnotes":"(¬١) التمهيد (١٨/ ١٥٧ - ١٥٨)، وانظر: طرح التثريب (٨/ ١٥٦).\r(¬٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٩٨).\r(¬٣) تيسير العزيز الحميد (٦٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211507,"book_id":118,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":291,"body":"لأن سبه في الحقيقة يعود إلى سب الله ﷿، وليس بشرك لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة\" (¬١).\rوذكر ابن القيم رحمه الله تعالى المفاسد المترتبة على سب الدهر فقال: \"في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:\rإحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب، فإن الدهر خَلْقٌ مسخر من خلق الله، منقاد لأمره مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.\rالثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.\rالثالثة: أن السبَّ منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه.\rوفي حقيقة الأمر، فرَبُّ الدهر تعالى هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله ﷿، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، عن النبي قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر)، فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما، إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) القول المفيد (٢/ ٣٥١) بتصرف يسير.\r(¬٢) زاد المعاد (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211508,"book_id":118,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":292,"body":"وأما القول الثاني: وهو رواية حديث: (وأنا الدهر) بنصب الدهر على الظرفية، لأن رواية الرفع يلزم منها أن يكون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى، فيرده أن الحديث جاء بلفظ: (فإن الله هو الدهر)، وهذا يوافق رواية الرفع في قوله: (وأنا الدهر).\rثم إن رواية الرفع لا يلزم منها أن يكون الدهر اسمًا لله تعالى، وقد تقدم توجيه الحديث وبيان معناه.\rقال القرطبي مبيِّنًا خطأ هذا القول، الذي قال به أبو بكر الظاهري: \"الذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عما صح إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح، فإن الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم، ولم يَروِ الفتح من يعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدهر من أسماء الله تعالى، لأن أسماء الله تعالى لا بد من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيُخبر به، وينادى به، كما اتفق في سائر أسماء الله تعالى، كالغفور والشكور والعليم والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة وفي لسان أهلها، تارةً يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يدعى وينادى بها، ولم يوجد للدهر شيء من ذلك، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى\" (¬١).\rوأما القول الثالث: وهو القول: بأن الدهر اسم من أسماء الله تعالى، فقول بعيد جدًا، وإلا لكان قول الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ صوابًا، لأنهم يكونون حينئذٍ قد نسبوا ذلك إلى الله سبحانه، ولكن لما كان الأمر ليس كذلك، عابهم الله وذمهم فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. فهذه الآية تدل دلالةً واضحة على خطأ من سمى الله تعالى بهذا الاسم.","footnotes":"(¬١) المفهم (٥/ ٥٤٨)، وانظر: فتح الباري (٨/ ٥٧٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211509,"book_id":118,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":293,"body":"قال سليمان بن عبد الله، بعد كلام له في هذه المسألة: \"فقد تبين بهذا خطأ ابن حزم في عده الدهر من أسماء الله الحسنى، وهذا غلط فاحش، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ مصيبين\" (¬١).\rوأما المعنى الذي ذكروه للدهر وهو: القديم الأزلي، فقد قال ابن تيمية: \"هذا المعنى صحيح، لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح، إنما النزاع في كونه يسمى دهرًا بكل حال\" (¬٢).\rوقد أشار عدد من أهل العلم إلى عدم جواز تسمية الله تعالى بهذا الاسم، وإلى تخطئة ابن حزم رحمه الله تعالى في عده (الدهر) من أسماء الله تعالى، وممن أشار إلى ذلك: الخطابي (¬٣)، وأبو يعلى (¬٤)، وقوام السنة الأصبهاني (¬٥)، والقاضي عياض (¬٦)، والقرطبي (¬٧)، وابن كثير (¬٨)، وابن عثيمين (¬٩).\rوأما أذية الله تعالى الواردة في الحديث فقد تقدم الكلام عليها في المبحث السادس (¬١٠).","footnotes":"(¬١) تيسير العزيز الحميد (٦١١).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٤).\r(¬٣) انظر: شأن الدعاء (١٠٧).\r(¬٤) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٥).\r(¬٥) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ١٧٨)، وقد تقدم نقل كلامه.\r(¬٦) انظر: إكمال المعلم (٧/ ١٨٤).\r(¬٧) انظر: المفهم (٥/ ٥٤٨ - ٥٤٩)، وقد تقدم نقل كلامه.\r(¬٨) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١)، وقد تقدم نقل كلامه.\r(¬٩) انظر: القواعد المثلى (٩ - ١٠).\r(¬١٠) انظر: ص (٢٤٩ - ٢٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211510,"book_id":118,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":294,"body":"المبحث العاشر: (الرحم شجنة من الرحمن)\rوفيه مطلبان:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211511,"book_id":118,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":295,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: (الرحم شِجْنة (¬١) من الرحمن، فقال الله: من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته)، رواه البخاري (¬٢).\rوعن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ، قال: (الرحم شجنة، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته)، رواه البخاري (¬٣).\rوعنها ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)، رواه مسلم (¬٤).\rوعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: (خلق الله الخلق فلما فرغ منه، قامت الرحم، فقال: مَهْ، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لك) ثم قال أبو هريرة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا","footnotes":"(¬١) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤١٨): \" (شجنة) بكسر المعجمة وسكون الجيم، بعدها نون، وجاء بضم أوله وفتحه، رواية ولغة\" [وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٠٩)، وتهذيب اللغة (١٠/ ٢٨٦)، ولسان العرب (١٣/ ٢٣٣) كلاهما مادة (شجن)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٧)].\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب الأدب، باب: من وصل وصله الله (٥/ ٢٢٣٢) ح (٥٦٤٢).\r(¬٣) صحيح البخاري: الموضع السابق، ح (٥٦٤٣).\r(¬٤) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (١٦/ ٣٤٨) ح (٢٥٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211512,"book_id":118,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":296,"body":"فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]، متفق عليه (¬١).\rوفي لفظ للبخاري: (خلق الله الخلق فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت بحَقْوِ الرحمن) (¬٢).\r\rبيان وجه الإشكال\rقد يستشكل بعض الناس قوله ﷺ: (الرحم شجنة من الرحمن)؛ لأنه من المعلوم أن الرحم ليست جزءًا من الرحمن ولا بعضًا منه، ولا صفةً من صفاته، وإذا كانت كذلك فما معنى كونها شجنة من الرحمن؟\rوأمر آخر قد يستشكل وهو: قوله ﷺ: (فقامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن)، حيث أضاف الحقو إلى الرحمن، والحقو في اللغة هو: معقد الإزار من الجنب، ويقال للإزار: حقوًا، لأنه يشد على الحقو (¬٣).\rقال ابن فارس: \"الحاء والقاف والحرف المعتل، أصل واحد، وهو بعض أعضاء البدن، فالحقو: الخصر ومشد الإزار\" (¬٤).\rوعلى هذا، فهل يثبت الحقو صفة لله تعالى، كما هو ظاهر الحديث؟","footnotes":"(¬١) البخاري في مواضع: في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالي: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٧٢٥) ح (٧٠٦٣)، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤/ ١٨٢٨) ح (٤٥٥٢)، وفي كتاب الأدب، باب: من وصل وصله الله (٥/ ٢٢٣٢) ح (٥٦٤١)، ومسلم: كتاب البر والصله، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (١٦/ ٣٤٧) ح (٢٥٥٤).\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤/ ١٨٢٨) ح (٤٥٥٢).\r(¬٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٦٤)، وتهذيب اللغة (٥/ ٨١) مادة: (حقي)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٣١٧) مادة: (حقا)، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (٣٨٩، ٤٧٢، ٥٧٤)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٤١٧)، ولسان العرب (١٤/ ١٨٩) مادة: (حقا).\r(¬٤) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٨٨) مادة: (حقو).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211513,"book_id":118,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":297,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rأما الأمر الأول: وهو قوله ﵊: (الرحم شجنة من الرحمن).\rفالشجنة في اللغة: أصلها: عروق الشجر المشتبكة.\rوالشواجن: الأودية الكثيرة الشجر.\rومنه قولهم: (الحديث ذو شجون) أي: ذو فنون وشعب وتشبث بعضه ببعض.\rقال ابن فارس: \"الشين والجيم والنون أصل واحد يدل على اتصال الشيء والتفافه، من ذلك الشِّجنة، وهي الشجر الملتف، ويقال: بيني وبينه شِجنة رحم، يريد اتصالها والتفافها ... والشواجن: أودية غامضة كثيرة الشجر، وسميت به لتشاجن الشجر\" (¬١).\rوقال الجوهري (¬٢): \"الشِّجنة والشُّجنة: عروق الشجر المشتبكة، ويقال: بيني وبينه شِجنة رحم وشُجنة رحم، أي: قرابة مشتبكة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٤٨) مادة: (شجن).\r(¬٢) هو أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد التركي، صاحب الصحاح، كان إمامًا في اللغة والأدب، ماهرًا في الخط، كثير الأسفار والتغرب، توفي ﵀ سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة (٣٩٣)، وقيل غير ذلك. [انظر: معجم الأدباء لياقوت الحموي (٦/ ١٥١)، والسير (١٧/ ٨٠)، ولسان الميزان لابن حجر (١/ ٥١٨)، وشذرات الذهب (٣/ ١٤٢)].\r(¬٣) الصحاح (٥/ ٢٧٢٤) مادة: (شجن).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211514,"book_id":118,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":298,"body":"وفي اللسان: \"الشِّجن والشِّجنة والشُّجنة والشَّجنة: الغصن المشتبك\" (¬١).\rومعنى حديث: (الرحم شجنة) أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق (¬٢).\rقال ابن تيمية، في معنى (الرحم شجنة من الرحمن): \"يعني: لها تعلق تقرب من الرحمن\" (¬٣).\rيؤيد ذلك قوله ﷺ، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: (قال الله ﵎: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته) (¬٤).\rقال الإسماعيلي: \"معنى الحديث: أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن، فلها به علقة، وليس معناه: أنها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك\" (¬٥).\rفتَوَهُم أنها جزء من ذات الله تعالى، أو بعض منه (¬٦)، توهم باطل، لأن الرحم مخلوقة، وقد جاء التصريح بذلك كما في الحديث المتقدم، وإذا كانت مخلوقة فكيف يتوهم أنها صفة لله تعالى، ومعلوم أن صفاته غير مخلوقة؟","footnotes":"(¬١) لسان العرب (١٣/ ٢٣٣) مادة: (شجن).\r(¬٢) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٠٩)، وتهذيب اللغة (١٠/ ٢٨٦)، والصحاح للجوهري (٥/ ٢١٤٣) كلاهما مادة: (شجن)، وإبطال التأويلات (٢/ ٤٢٧)، وشرح السنة للبغوي (١٣/ ٢٣)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٧).\r(¬٣) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٥٠).\r(¬٤) أخرجه أبو داود (عون ٥/ ٧٧) ح (١٦٩١)، والترمذي واللفظ له (تحفة ٦/ ٣٣) ح (١٩٧٢)، وقال عنه: \"حديث صحيح\"، وأحمد (٣/ ١٣٨) ح (١٦٨٠)، وقال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"، وصححه الألباني، كما في صحيح سنن أبي داود (١/ ٣١٨)، وصحيح سنن الترمذي (٢/ ١٧٧).\r(¬٥) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤١٨)، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٢٤)، وعون الباري لصديق حسن خان (٤/ ٢٩٨).\r(¬٦) انظر: تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه للسيوطي (١٤٥ - ١٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211515,"book_id":118,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":299,"body":"فـ (من) في الحديث لابتداء الغاية، وليست للتبعيض، فالرحم من الله: خلقًا وإيجادًا، لا صفة ونعتًا.\rوهذا الحديث نظير قوله تعالى في شأن المسيح ﵇: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] أي: من الأرواح التي خلقها الله (¬١).\rوهكذا قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (¬٢).\rقال ابن كثير: \" ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض كما تقوله النصارى -عليهم لعائن الله المتتابعة- بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى ... وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] \" (¬٣).\rوقال ابن عثيمين رحمه الله تعالى، في معنى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: \" (من) للابتداء، وليست للتبعيض، فهي كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فلا يمكن أن نقول: إن الشمس والقمر والأنهار جزء من الله، وهذا لم يقل به أحد، فقوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي: روح صادرة من الله ﷿، وليست جزءًا من الله كما تزعم النصارى\" (¬٤).\rوأما الأمر الآخر وهو: قوله ﷺ: (قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن).\rفإن مذهب السلف -كما قد مرَّ كثيرًا- هو إجراء نصوص الصفات","footnotes":"(¬١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي (١/ ٢٢٥).\r(¬٢) انظر: دفع إيهام التشبيه عن أحاديث الصفات للسمهري (٢٤٣).\r(¬٣) تفسير ابن كثير (١/ ٨٩٩)، وانظر: فتح الباري (٦/ ٤٧٥)، وفتح المجيد (٧٣).\r(¬٤) القول المفيد (١/ ٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211516,"book_id":118,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":300,"body":"على ظاهرها، على المعنى اللائق بالله جل وعلا، مع نفي المماثلة، أو توهم النقص في حقه سبحانه.\rوهذا الحديث منها، فهو دليل على ثبوت صفة الحقو لله تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته، \"ويجب ألَّا نستوحش من إطلاق هذا اللفظ، وقد ورد به السمع، كما لا نستوحش من إطلاق ذلك في غيره من الصفات\" (¬١).\rوقد نص على الأخذ بظاهر هذا الحديث جمع من أهل العلم، كالإمام أحمد، وأبي عبد الله بن حامد (¬٢)، وأبي يعلى، وأبي موسى المديني، وابن تيمية، وصديق حسن خان (¬٣).\rقال الإمام أحمد: \"يُمْضَى الحديث كما جاء\" (¬٤).\rوقال ابن حامد: \"ومما يجب التصديق به أن لله حقوًا\".","footnotes":"(¬١) مقتبس من كلام أبي يعلى -وهو يتحدث عن صفة الضحك- في إبطال التأويلات (١/ ٢١٨) بتصرف يسير.\r(¬٢) هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي، إمام الحنابلة في زمانه ومدرسهم ومفتيهم، وكان معظمًا مقدمًا عند الدولة والعامة، تفقه على أبي بكر عبد العزيز، وكان قانعًا عفيفًا ينسخ بيده ويقتات من أجرته فسمي لأجل ذلك ابن حامد الوراق، وكان كثير الحج توفي ﵀ سنة (٤٠٣ هـ)، وله العديد من المصنفات منها: الجامع في المذهب، وشرح الخرقي، وتهذيب الأجوبة. [انظر: تاريخ بغداد (٧/ ٣١٣)، والعبر (٢/ ٢٠٤)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٦)، ومختصر طبقات الحنابلة لابن شطي (٣٢)].\r(¬٣) هو محمد صديق خان بن حسن بن علي الحسيني القنوجي، له عناية بالحديث، من رجال النهضة الإسلامية المجددين، ولد ونشأ في قنوج بالهند، وتعلم في دلهي، فاز بثروة وافرة، وتزوج بملكة بهويال، توفي ﵀ سنة (١٣٠٧)، وله مصنفات عديدة باللغة العربية والفارسية وغيرهما، ومن هذه المصنفات باللغة العربية: كتاب عون الباري في شرح مختصر صحيح البخاري، وكتاب الروضة في شرح الدرر للشوكاني. [انظر: الأعلام (٦/ ١٦٧)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣٥٨)].\r(¬٤) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٤٢١) (١/ ٢٠٨)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٤٧ - ٢٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211517,"book_id":118,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":301,"body":"وقال: \"وكذلك في الرحم تأخذ بحقو الرحمن صفة ذاته، لا يدرى ما التكييف فيها، ولا ماذا صفتها\".\rوقال أيضًا: \"فأما الحديث في الرحم والحقو، فحديث صحيح، ذكره البخاري، وقد سُئل إمامنا (¬١) عنه فأثبته وقال: يمضى الحديث كما جاء\" (¬٢).\rوقال أبو يعلى: \"اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن الحقو والحجزة (¬٣) صفة ذات\" (¬٤).\rوقال أبو موسى المديني -عن حديث الحجزة، بعد أن ذكر تأويلين لها-: \"وإجراؤه على ظاهره أولى\" (¬٥).\rوقال ابن تيمية: \"هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يُمَرُّ كما جاء، وردوا على من نفى موجبه\" (¬٦).\rوذكر صديق حسن خان (الحقو) في جملة من الصفات، ثم قال: \"فكل هذه الصفات، تساق مساقًا واحدًا، ويجب الإيمان بها على أنها","footnotes":"(¬١) يقصد الإمام أحمد ﵀.\r(¬٢) هذه النقول عن ابن حامد ذكرها ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٥١، ٢٤٥ - ٢٥٢)، وانظر: إبطال التأويلات (٢/ ٤٢١).\r(¬٣) الحجزة: موضع شد الإزار، فهي بمعنى: الحقو. [انظر: المجموع المغيث لأبي موسى المديني (١/ ٤٠٤)، والنهاية فى غريب الحديث (١/ ٣٤٤)، ولسان العرب (٥/ ٣٣٢) مادة: (حجز)] وقد جاء فى إثباتها حديث ابن عباس ﵁، أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (إن الرحم شجنة، آخذة بحجزة الرحمن، يصل من وصلها ويقطع من قطعها) رواه أحمد (٤/ ٣٤٤/) ح (٢٩٥٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٣٧) ح (٥٣٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٢٧) ح (١٠٨٠٦)، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند: \"إسناده صحيح\"، وحكم الألباني على إسناده بالحسن، كما في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٣٢) ح (١٦٠٢).\r(¬٤) إبطال التأويلات (٢/ ٤٢٠).\r(¬٥) المجموع المغيث (١/ ٤٠٥).\r(¬٦) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211518,"book_id":118,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":302,"body":"صفات حقيقية، لا تشبه صفات المخلوقين، ولا يمثل ولا يعطل ولا يرد ولا يجحد، ولا يُؤول بتأويل يخالف ظاهره\" (¬١).\rوبهذه النقول عن هؤلاء العلماء يُعلم خطأ الإمام الخطابي ﵀ حينما أوَّل هذه الصفة وقال: \"لا أعلم أحدًا من العلماء حمل الحقو على ظاهر مقتضى الاسم له في موضع اللغة، وإنما معناه: اللياذ والاعتصام\" (¬٢).\rولذا قال ابن تيمية معقبًا على كلامه: \"هذا الذي ذكره الخطابي، ذكره بمبلغ علمه، حيث لم يبلغه في حديث (الرحم) عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات، التي تمر كما جاءت، والخطابي له مرتبة في العلم معروفة، ومرتبة أئمة الدين المتبوعين، فوق طبقة الخطابي ونحوه\" (¬٣).\rوأما التأويل الذي ذهب إليه الخطابي، وهو حمل الحديث على معنى اللياذ والاعتصام بالله تعالى (¬٤)، فهو معنى صحيح، لكن ليس فيه ما ينافي إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله.\rقال أبو يعلى: \"قولهم: إن معناه: أنها مستجيرة معتصمة بالله، فلا يمنع من هذا، لكن صفة الاستجارة والاعتصام، على ما ورد به الخبر، من الأخذ بحقو الرحمن جل اسمه\" (¬٥).\r* * *","footnotes":"(¬١) قطف الثمر (٦٥ - ٦٨).\r(¬٢) نقل ذلك عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٦٥)، وعزاه إلى كتابه: شعار الدين، وهو كتاب مفقود.\r(¬٣) المرجع السابق (١/ ٢٧٤).\r(¬٤) وإليه ذهب عامة أهل التأويل من أهل الكلام وغيرهم. [انظر: مشكل الحديث لابن فورك (٣٢٢)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٢٣)، وأساس التقديس للرازي (٧٠)، والأسنى للقرطبي (٢/ ١١٨)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (١٨٥)، وأقاويل الثقات لمرعى بن يوسف (١٨٣ - ١٨٤)].\r(¬٥) إبطال التأويلات (٢/ ٤٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211519,"book_id":118,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":303,"body":"المبحث الحادي عشر: (فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211520,"book_id":118,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":304,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁ عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (كان رجل يُسْرِف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذرُّوني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خَشْيَتُك، فغفر له)، وقال غيره: (مخافتك يا رب)، متفق عليه (¬١).\rوعن أبي سعيد ﵁ عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: (أن رجلًا كان قبلكم رغسه (¬٢) الله مالًا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله ﷿ فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته)، متفق عليه (¬٣).","footnotes":"(¬١) البخاري في موضعين: في كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ (٣/ ١٢٨٣) ح (٣٢٩٣)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٧٢٥) ح (٧٠٦٧)، ومسلم: كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى (١٧/ ٧٨) ح (٢٧٥٦).\r(¬٢) أي: أعطاه الله مالًا ناميًا، والرغس: السعة في النعمة والبركة والنماء، يقال: رجل مرغوس، إذا كان في ماله نماء وبركة. [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٧٣)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٣٨)، وفتح الباري (٦/ ٥٢١)].\r(¬٣) البخاري في مواضع: في كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ (٣/ ١٢٨٢) ح (٣٢٩١)، وفي كتاب الرقاق، باب: الخوف من الله، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211521,"book_id":118,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":305,"body":"وعن حذيفة ﵁ أنه سمع النبي -صلي الله عليه وسلم- يقول: (إن رجلًا حضره الموت، لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أوروا نارًا، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها، فذروني في اليم في يوم حار أو راح (¬١)، فجمعه الله فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له)، قال عقبة: وأنا سمعته يقول (¬٢).\rوفي لفظ آخر عن حذيفة عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني فذرُّوني في البحر في يوم صائف، ففعلوا به، فجمعه الله ثم قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني إلا مخافتك، فغفر له) (¬٣).\r\rبيان وجه الإشكال\rهذا الحديث متواتر (¬٤) عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، رواه أصحاب الصحاح والمسانيد عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد استشكله العلماء، لأن ظاهره أن هذا الرجل شاك في قدرة الله تعالى على إعادته بعد حرقه وسحقه، والشك في صفة من صفات الله تعالى، أو البعث والمعاد كفر","footnotes":"= (٥/ ٢٣٧٨) ح (٦١١٦)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٧٢٦) ح (٧٠٦٩).\rومسلم في كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى (١٧/ ٨٠) ح (٢٧٥٧).\r(¬١) أي: يومًا ذا ريح، يقال: يوم راحٌ، أي: ذو ريح. [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٦٥)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وفتح الباري (٦/ ٥٢٢)].\r(¬٢) أخرجه البخاري في مواضع: في كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ (٣/ ١٢٨٣) ح (٣٢٩٢)، وباب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣/ ١٢٧٢) ح (٣٢٦٦).\r(¬٣) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: الخوف من الله (٥/ ٢٣٧٧) ح (٦١١٥).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٩١)، وإيثار الحق (٣٩٤)، والعواصم (٤/ ١٧٥) كلاهما لابن الوزير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211522,"book_id":118,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":306,"body":"بإجماع أهل العلم، وقد غفر الله لهذا الرجل، وقد قضى أنه لا يغفر لكافر، ولهذا اختلف أهل العلم في معناه كما سيأتي.\rقال الخطابي: \"قد يُسأل عن هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحيائه وإنشاره؟ \" (¬١).\rوقال أبو يعلى: \"اعلم أن هذا الخبر وإن لم يرجع شيء من لفظه إلى ما هو صفة من صفات الله (¬٢)، فإن لفظه مشكل، وكان القائل له رجلًا موحدًا مغفورًا له، فوجب أن يوقف على معناه ليزول الإشكال\" (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) أعلام الحديث (٣/ ١٥٦٥)، وانظر: فتح الباري (٦/ ٥٢٢).\r(¬٢) هذا رأي مرجوح مخالف لظاهر الحديث، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\r(¬٣) إبطال التأويلات (٢/ ٤١٧)، وانظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي (تحفة ١/ ٧٣)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ١٥٦)، وطرح التثريب (٣/ ٢٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211523,"book_id":118,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":307,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال، أشهرها:\rالقول الأول: أن هذا الرجل قد شك في قدرة الله تعالى على جمعه بعد تحريقه وطحنه وتفرق أجزائه، كما شك في إحيائه وبعثه بعد ذلك، لكنه كان جاهلًا، ومن جهل صفة من صفات الله تعالى وآمن بسائر صفاته وعرفها لم يكن بجهله بعض صفات الله تعالى كافرًا، إنما الكافر من عاند الحق لا من جهله (¬١).\rوإلى هذا ذهب ابن قتيبة والخطابي وابن حزم (¬٢)، وابن عبد البر (¬٣)، وابن تيمية وابن القيم (¬٤)، وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (¬٥)،","footnotes":"(¬١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٤٢)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ١٥٦).\r(¬٢) انظر: الفصل (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢).\r(¬٣) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٦).\r(¬٤) انظر: مدارج السالكين (٣/ ٣٦٧).\r(¬٥) انظر: مجوعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٢٤٨)، وعبد الله هو: ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، من فقهاء الحنابلة، ولد ونشأ بالدرعية، وتفقه على أبيه وغيره، وبرع في التفسير والعقائد وعلوم العربية، ولما توفي والده خلفه في أعماله الكبيرة، ومهامه الجليلة، فكان مرجع العامة والخاصة في وقته، له مؤلفات ورسائل وفتاوى، منها ما هو مبثوث في الدرر السنية، توفي ﵀ سنة (١٢٤٤) في مصر حيث اعتقله إبراهيم باشا بعد استيلائه على الدرعية، وأرسله إليها. [انظر: عنوان المجد (١/ ١٨٨)، وعلماء نجد (١/ ١٦٩)، والأعلام (٤/ ١٣١)، والسحب الوابلة (٢/ ٢٥٦) مما استدركه المحقق].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211524,"book_id":118,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":308,"body":"والدهلوي (¬١)، وقال ابن عبد البر: \"وهذا قول المتقدمين من العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين\" (¬٢).\rقال ابن قتيبه: \"هذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته تأنيبه، وبمخافته من عذابه جهلَه بهذه الصفة من صفاته، وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين، ولا يحكم عليهم بالنار، بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم\" (¬٣).\rوقال الخطابي عن هذا الرجل: \"إنه ليس بمنكر للبعث، إنما رجل جاهل، ظن أنه إذا فُعل به هذا الصنيع تُرك فلم ينشر ولم يعذب، ألا تراه يقول: (فجمعه فقال: لِمَ فعلت ذلك؟ فقال: من خشيتك)، فقد تبين أنه رجل مؤمن بالله، فعل ما فعل من خشية الله إذا بعثه، إلا أنه جهل، فحسب أن هذه الحيلة تنجيه مما يخافه\" (¬٤).\rوقال ابن تيمية: \"هذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك\" (¬٥).\rوقال أيضًا: \"هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل","footnotes":"(¬١) انظر: حجة الله البالغة (١/ ١١٧). والدهلوي هو: أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الهندي أبو عبد العزيز، الملقب: شاه ولي الله، فقيه محدِّث من أهل دلهي بالهند، أحيا الله به وبأولاده وتلامذتهم العناية بالحديث والسنة بالهند، له مؤلفات كثيرة بالعربية والفارسية، منها: حجة الله البالغة، والإرشاد إلى مهمات الإسناد، وشرح تراجم البخاري، توفي ﵀ سنة (١١٧٦)، وقيل غير ذلك. [انظر: الأعلام (١/ ١٤٩)، ومعجم المؤلفين (٤/ ٧٦)].\r(¬٢) التمهيد (١٨/ ٤٢).\r(¬٣) تأويل مختلف الحديث (١١٢).\r(¬٤) أعلام الحديث (٣/ ١٥٦٥).\r(¬٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211525,"book_id":118,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":309,"body":"ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته\" (¬١).\rواستدل هؤلاء على أن هذا الرجل كان شاكًا في القدرة والمعاد بظاهر روايات الحديث (¬٢).\rالقول الثاني: أن قوله (لئن قدر علي ربي) بمعنى: ضيَّق، فهو من التقدير الذي هو التضييق، وليس من القدرة التي هي صفة من صفات الله تعالى.\rوإلى هذا ذهب الطحاوي (¬٣)، وابن جماعة (¬٤)، وغيرهما (¬٥)، وجوَّزه ابن عبد البر (¬٦).\rواستشهدوا بعدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]،","footnotes":"(¬١) الاستقامة (١/ ١٦٤ - ١٦٥)، وانظر: الصفدية (١/ ٢٣٣)، والاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٣٨٣)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٦١٩)، و (١١/ ٤٠٩)، و (٢٣/ ٣٤٧).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٩)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\r(¬٣) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٥٩ - ١٦٤).\r(¬٤) انظر: إيضاح الدليل (٢٠٠). وابن جماعة هو: بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي الأشعري، مهر في الفقه والتفسير، وتولى القضاء في مصر والشام، وعمي في آخر عمره فصُرِف عن القضاء، له مؤلفات منها: تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، ومختصر في السيرة النبوية، توفي ﵀ سنة (٧٣٣). [انظر: العبر (٤/ ٩٦)، والدرر الكامنة (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وحسن المحاضرة (١/ ٣٥٧)، وشذرات الذهب (٦/ ١٠٥)، والأعلام (٥/ ٢٩٧)].\r(¬٥) انظر: كشف مشكل الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ١٥٧)، والمفهم للقرطبي (٧/ ٧٧)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٦)، وطرح التثريب (٢/ ٢٦٧).\r(¬٦) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٢ - ٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211526,"book_id":118,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":310,"body":"وقوله عن يونس ﵊: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].\rفقالوا: إن المعنى في هذه الآيات كلها صائر إلى التضييق، وعليه يحمل معنى هذا الحديث (¬١).\rقال ابن جماعة: \"قوله: (لئن قدر الله علي) ليس هو من القدرة، بل هو من التقدير الذي هو التضييق، ومنه قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق.\rفمعناه: لئن ضيق الله عليَّ عفوه.، ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نضيق، لأن النبي لا يجهل صفة من صفات الله تعالى، وهي قدرة الله تعالى عليه\" (¬٢).\rالقول الثالث: أن معنى قوله: (لئن قدر علي ربي) أي: قدَّر، من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة في شيء.\rويكون المعنى على هذا: \"لئن كان قد سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين\" (¬٣).\rوإلى هذا ذهب أبو يعلى وغيره (¬٤) وجوَّزه ابن عبد البر (¬٥).\rواستشهدوا بقوله تعالى في قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فقالوا: إن معنى الآية: فظن أن لن نقَّدر عليه من العقوبة ما قَدَرنا، فقوله في الآية: ﴿نَقْدِرَ﴾ راجع إلى معنى التقدير لا إلى معنى القدرة.","footnotes":"(¬١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٥٩).\r(¬٢) إيضاح الدليل (٢٠٠).\r(¬٣) التمهيد (١٨/ ٤٣).\r(¬٤) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (٣١٩ - ٣٢٠)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٩٣)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ١٥٧)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٥ - ٧٦)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (٢٠٠)، وطرح التثريب (٢/ ٢٦٧).\r(¬٥) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٢ - ٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211527,"book_id":118,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":311,"body":"قال أبو يعلى: \"وأما قوله: (لئن قدر علي ربي ليعذبني) فلا يمكن حمله على القدرة، لأن من توهم ذلك لم يكن مؤمنًا بالله ﷿ ولا عارفًا به، وإنما ذلك على معنى قوله تعالى في قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، وذلك يرجع إلى معنى التقدير، لا إلى معنى القدرة، لأنه لا يصح أن يخفى على نبي معصوم ذلك ...\rفعلى هذا يحمل قوله: (لئن قدر علي ربي ليعذبني) أي: إن كان قدر: أي حكم علي بالعقوبة فإنه يعاقبني دائمًا\" (¬١).\rالقول الرابع: أن هذا الرجل غلب عليه الخوف والجزع، فقال هذا الكلام وهو لا يدري ما يقول، فهو كالرجل الذي قال: (أللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) (¬٢)، والله لا يؤاخذ إلا بما عقد عليه القلب، لا بما سها أو غلط به اللسان.\rاختار هذا القول القرطبي (¬٣) وابن حجر وغيرهما (¬٤).\rقال ابن حجر: \"وأظهر الأقوال: أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه\" (¬٥).\rالقول الخامس: أن هذا الرجل قد كفر بمقالته هذه، لكنه في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر، وهذا بخلاف شريعتنا فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، ففي شريعتنا أن من مات كافرًا فإنه لا يغفر له (¬٦).","footnotes":"(¬١) إبطال التأويلات (٢/ ٤١٨).\r(¬٢) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ (١٧/ ٦٩) ح (٢٧٤٧).\r(¬٣) انظر: المفهم (٧/ ٧٧، ٧٩).\r(¬٤) انظر: كشف المشكل (٣/ ١٥٧)، والمفهم (٧/ ٧٦ - ٧٧)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٦)، وطرح التثريب (٢/ ٢٦٧).\r(¬٥) فتح الباري (٦/ ٥٢٣).\r(¬٦) انظر: كشف المشكل (٣/ ١٥٧)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٧)، وطرح التثريب (٢/ ٢٦٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211528,"book_id":118,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":312,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- هو القول الأول، وهو أن هذا الرجل كان جاهلًا بقدرة الله تعالى عليه بعد حرقه وطحنه وتفرق أجزائه، فأوصى أن يفعل به ذلك، ظنًا منه أنه سيعجز الله تعالى بهذه الحيلة، وذلك لا يوجب كفره ولا خروجه من الإيمان، ولذلك غفر الله له لجهله وخشيته وخوفه.\rولا يعني هذا أنه كان جاهلًا بصفة القدرة مطلقًا -جملة وتفصيلًا- فهذا بعيد لدلالة الشرع والعقل عليها، فهو مؤمن بمطلق القدرة، لكنه جاهل بقدرة الله المطلقة، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه ما شاء كان، وأنه على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، ولذا لم يقل مثلًا: إذا مت فادفنوني، لأنه يعلم أن الله قادر عليه حينئذ.\rومثل هذا يقال في البعث، فهو لم ينكر البعث مطلقًا، وإنما شك في قدرة الله على بعثه وهو على هذه الحال، ولذا لم يترك أولاده بدون وصية، لأنه يعلم أن مصيره حينئذٍ إلى البعث والحساب، فهرب من هذا بهذه الوصية، خشية من الله تعالى.\rوالحاصل أن هذا الرجل عنده إيمان مجمل بقدرة الله تعالى، لكنه شك في بعض متعلقاتها لجهله بها، ومن أطلق القول بجهله -من أهل العلم- فهذا مراده، والله تعالى أعلم.\rقال ابن تيمية: \"هذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211529,"book_id":118,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":313,"body":"وهذان أصلان عظيمان:\rأحدهما: متعلق بالله تعالى، وهو \"الإيمان بأنه على كل شيء قدير.\rوالثاني: متعلق باليوم الآخر، وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله، ومع هذا فلما كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملًا صالحًا -وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه- غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح\" (¬١).\rوقال ابن الوزير: \"وأما جهله بقدرة الله على ما ظنه محالًا فلا يكون كفرًا، إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك، وأنه ممكن مقدور، ثم كذبهم أو أحدًا منهم\" (¬٢).\rوقال الدهلوي: \"هذا الرجل استيقن بأن الله متصف بالقدرة التامة، لكن القدرة إنما هي في الممكنات، لا في الممتنعات، وكان يظن أن جمع الرماد المتفرق، نصفه في البر ونصفه في البحر ممتنع، فلم يجعل ذلك نقصًا، فأخذ بقدر ما عنده من العلم، ولم يعد كافرًا\" (¬٣).\rومما يدل على هذا القول:\r١ - ظاهر الحديث، فنصه وسياقه ومقصوده ودلالة ألفاظه، كلها تشهد لهذا المعنى، وهذا بيِّنٌ ظاهر.\r٢ - أن الحديث جاء في بعض طرقه -كما عند الإمام أحمد وغيره- أن هذا الرجل قال لبنيه: (ثم اذروني في البحر في يوم ريح لعلي أُضل الله) (¬٤)، فقوله: (لعلي أُضل الله) يؤكد جهالة هذا الرجل، ومعنى هذه","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٩١).\r(¬٢) إيثار الحق (٣٩٤).\r(¬٣) حجة الله البالغة (١/ ١١٧).\r(¬٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٣/ ٢١٦) ح (٣٠٠١٢)، و (٣٣/ ٢٢٧) ح (٢٠٠٢٤) من طريقين عن حماد بن سلمة عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211530,"book_id":118,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":314,"body":"اللفظة: لعلي أفوته وأضيعه فيخفى عليه مكاني، يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب، ومنه قول الله ﷿: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، أي: لا يفوته (¬١).\r٣ - قال ابن حزم مستدلًا على عدم كفر هذا الرجل لجهله، وعدم قيام الحجة عليه: \"وبرهان ضروري لا خلاف فيه، وهو أن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم، وهو أن كل من بدل آية من القرآن عامدًا، وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك، أو أسقط كلمة عمدًا كذلك، أو زاد فيها كلمة عامدًا، فإنه كافر بإجماع الأمة كلها، ثم إن المرء يخطئ في التلاوة، فيزيد كلمة وينقص أخرى، ويبدل كلامه، جاهلًا مقدرًا أنه مصيب، ويكابر في ذلك ويناظر قبل أن يتبين له الحق، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرًا ولا فاسقًا ولا آثمًا، فَإذا وقف على المصاحف، أو أخبره بذلك من القراء من تقوم الحجة بخبره، فإن تمادى على خطئه فهو عند الأمة كلها كافر بذلك لا محالة، وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة\" (¬٢).\r٤ - جعل شيخ الإسلام ابن تيمية نظير هذا الحديث ما رواه مسلم في","footnotes":"= معاوية، وحكم المحقق على إسناده بالحسن، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٤٢٦) ح (١٠٧٣)، وفي الأوسط (٦/ ٢٧٥) ح (٦٤٠٢)، لكن بدون لفظة: (لعلي أُضل الله).\rوأخرجه الإمام أحمد (٣٣/ ٢٣٩) ح (٢٠٠٣٩)، و (٣٣/ ٢٤٣) ح (٢٠٤٤) من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده، وكذا الدارمي (٢/ ٣٣٠) لكن ليس فيه: (لعلي أضل الله)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٦٥) ح (١٣٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٤٢٣) ح (١٠٢٦)، و (١٠٢٧)، و (١٠٢٨)، و (١٠٢٩)، وأبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٤١٥).\r(¬١) انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٦٥)، والمجموع المغيث (٢/ ٣٣٢)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٩٨)، وجامع البيان للطبري (٨/ ٤٢٣)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٢٤٩).\r(¬٢) الفصل (٢/ ٢٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211531,"book_id":118,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":315,"body":"صحيحه عن عائشة ﵂، قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي -صلي الله عليه وسلم- فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، واضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب رويدًا، فخرج ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: (ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ) قالت: قلت: لا شيء، قال: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير)، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال: (فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ )، قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ ) قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم، قال: (فإن جبريل ﵇ أتاني حين رأيت فناداني، فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: (قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون) (¬١).\rقال ابن تيمية تعليقًا على هذا الحديث: \"فهذه عائشة أم المؤمنين: سألت النبي -صلي الله عليه وسلم-، هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي -صلي الله عليه وسلم-: نعم (¬٢)، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم (٧/ ٤٥) ح (٩٧٤).\r(¬٢) هكذا ذكر ابن تيمية الحديث، بجعله صريحًا في كون القائل: (نعم) هو الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وقد عزاه إلى مسلم، واللفظ الذي في مسلم غير صريح بذلك بل =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211532,"book_id":118,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":316,"body":"بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا لهزها النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال: (أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله)، وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع، فقد تبين أن هذا القول كفر ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها\" (¬١).\rوأما قول الرجل: (فإني لم أعمل خيرًا قط)، وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (لم يعمل حسنة قط)، فإنه وإن كان ظاهره أنه لم يكن موحدًا، لأن التوحيد أعظم الخير، لكن ليس هذا مراده، وإنما مراده أنه كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي، مقصرًا في طاعة الله تعالى، يدل على","footnotes":"= هو محتمل، كما أوردته، ولذا ذهب النووي إلى أن القائل: (نعم) هو عائشة ﵂، فقال في شرحه على مسلم (٧/ ٤٩): \"قوله: (قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم) هكذا هو في الأصول، وهو صحيح، وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، صدقت نفسها فقالت: نعم\".\rولكن جاء هذا اللفظ - (نعم) - صريحًا من قول النبي -صلي الله عليه وسلم- عند النسائي (٢/ ٤٦٦) ح (٢١٧٥)، و (٨/ ١٥٨ - ١٥٩) ح (٨٨٦١، ٨٨٦٢)، والإمام أحمد (٤٣/ ٤٣) ح (٢٥٨٥٥)، وهذا يعضد ما ذهب إليه ابن تيمية ﵀.\r(¬١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤١١ - ٤١٣).\rوجعل بعضهم قول الحواريين لعيسى ﵇: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ من هذا الباب، فهم شاكون في قدرة الله، لأنهم قالوا بعد ذلك: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [انظر: تفسير الطبري (١٣٠ - ١٣١)، ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٦)]. وَرُدَّ هذا بأن الحواريين لم يكونوا شاكين في أن الله يستطيع ذلك، وإنما أرادوا بقولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ أي: هل يفعل، وهذا معروف مألوف في كلام العرب، كما يقول الرجل للرجل: هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي: هل تفعله؟ والله أعلم [انظر: تفسير الطبري (٥/ ١٢٩ - ١٣٠)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٤)، وتفسير السعدي (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211533,"book_id":118,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":317,"body":"ذلك أنه جاء في إحدى روايات الحديث: (كان رجل يسرف على نفسه ... ).\rوجاء عند الإمام أحمد ما يرفع هذا الإشكال، حيث جاء الحديث -من طريق عبد الله بن مسعود- بلفظ: (أن رجلًا لم يعمل من الخير شيئًا قط إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة ... ) (¬١).\rقال ابن عبد البر: \"وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله ﷿ قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، لمن مات كافرًا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة\"، ثم قال عن رواية: (لم أعمل خيرًا قط): \"هذا سائغ في لسان العرب، جائز في لغتها: أن يؤتى بلفظ الكل، والمراد البعض\" (¬٢).\rوالحديث بلفظه الذي بين أيدينا يدل على إسلام الرجل وتدينه من وجهين (¬٣):\rأحدهما: إخباره أنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى.\rقال ابن عبد البر: \"الدليل على أن الرجل كان مؤمنًا: قوله حين قيل له: لِمَ فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب، والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] \" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه الإمام أحمد موقوفًا على ابن مسعود (٥/ ٢٩٦) ح (٣٧٨٥)، وحسن إسناده الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٩٤)، وقال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\".\r(¬٢) التمهيد (١٨/ ٤٠).\r(¬٣) انظر: طرح التثريب (٣/ ٢٦٧)، والمفهم (٧/ ٧٤)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢).\r(¬٤) التمهيد (١٨/ ٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211534,"book_id":118,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":318,"body":"والثاني: إخباره ﵊ بأن الله قد غفر له، والكافر لا يغفر له.\rوهذا الحديث أيضًا يدل على أصلين عظيمين، بمعرفتهما يزول الإشكال، وهما:\rالأصل الأول: العذر بالجهل، فمن جهل صفة من صفات الله تعالى، ومثله يمكن أن يجهلها، فأنكرها أو شك فيها، فإنه لا يحكم بكفره لمجرد ذلك حتى تقام عليه الحجة.\rقال الشافعي: \"لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﵌ القول بها، فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والقلب، ولا نكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها\" (¬١).\rوقال ابن قتيبة: \"وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين، ولا يحكم عليهم بالنار، بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم\" (¬٢).\rوقال ابن عبد البر: \"وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدره، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وجماعة من الصحابة، سألوا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عن القدر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم","footnotes":"(¬١) اجتماع الجيوش الإسلامية (١٦٥)، وانظر: فتح الباري (١٣/ ٤٠٧)، وأورد أوله، الذهبي في العلو (١٦٦)، وذكره بتمامه الألباني في مختصر العلو (١٧٧).\r(¬٢) تأويل مختلف الحديث (١١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211535,"book_id":118,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":319,"body":"جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مؤمنين\" (¬١).\rوقال ابن تيمية: \"وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول ... وقد دل على هذا الأصل ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال ... \" (¬٢)، فذكر حديث الرجل الذي أوصى أولاده بإحراقه.\rوقال أيضًا: \"الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول -صلي الله عليه وسلم-، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته\" (¬٣).\rوقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: \"إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفرًا أو قوله كفرًا أو اعتقاده كفرًا، جهلًا منه بما بعث الله به رسوله ﷺ، فهذا لا يكون عندنا كافرًا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرسالية التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة، وبين له ما جاء به الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة، فهذا هو الذي يكفر، وذلك لأن الكفر إنما يكون بمخالفة كتاب الله","footnotes":"(¬١) التمهيد (١٨/ ٤٦).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧ - ٤٠٨).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٣٨)، وانظر: (٣/ ٢٣١)، و (١٢/ ٤٩٣)، و (٣٥/ ١٦٥ - ١٦٦)، وبغية المرتاد (٣١١)، وإيثار الحق لابن الوزير (٣٩٣)، وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211536,"book_id":118,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":320,"body":"وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة\" (¬١).\rوأما الأصل الثاني: فهو التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فالشك في قدرة الله تعالى أو المعاد كفر لا ريب فيه، لكن لا يوجه إلى شخص معين حتى تقام عليه الحجة، فتتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، فهذا الرجل مع شكه في القدرة والمعاد لم يحكم بكفره، لوجود ما يمنع من ذلك، وهو الجهل.\rقال ابن تيمية: \"التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة التي تُكفِّر تاركها\" (¬٢).\rوقال أيضًا: \"التكفير حق لله، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضًا: فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يُكفر\" (¬٣)، ثم استشهد ﵀ بحديث الرجل الذي أوصى بتحريقه.\rوقال أيضًا: \"ليس لأحد أن يُكَفِّر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتُبَيَّن له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة\" (¬٤).\rوقال الشيخ ابن عثيمين: \"الواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:\r١ - دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.\r٢ - انطباق الحكم على الشخص المعين، بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي عنه الموانع\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٢٤٨).\r(¬٢) الاستقامة (١/ ١٦٤).\r(¬٣) الاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٣٨١).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٠١)، وانظر: (٣/ ٢٢٩)، و (١٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، و (٣٥/ ١٦٥)، وبغية المرتاد (٣١١)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٣٩).\r(¬٥) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢/ ١٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211537,"book_id":118,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":321,"body":"مناقشة الأقوال المرجوحة:\rالحق أن ما ذكر من الأقوال الأخرى في توجيه الحديث -غير القول الأول- بعيدة عن مقصوده، ولا يدل عليها ظاهره، وبيان ذلك كما يلي:\rأما القول الثاني والثالث وهما: حمل قوله: (لئن قدر علي ربي) على معنى: التضييق، أو القضاء والقدر، فمردود من عدة وجوه:\rالأول: أن تقدير الكلام على المعنى الأول: (لئن ضيق علي ربي ليعذبني) وهذا لا يستقيم، لأن التضييق نوع من العذاب، فيرجع تقدير الكلام: (لئن عذبني ليعذبني) فيتحد الشرط والجزاء، وهذا خطأ ظاهر (¬١).\rوتقدير الكلام على المعنى الثاني: (لئن قضى علي ربي بالعذاب ليعذبني)، وهذا لا فائدة فيه، لأنه قد مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره، فهو تحصيل حاصل (¬٢).\rالوجه الثاني: أنه لو كان المراد: التقدير أو التضييق، لم يكن ما فعله مانعًا من ذلك في ظنه، وعلى هذا يكون أمره لأهله بإحراقه ثم ذره لا معنى له.\rالوجه الثالث: أن قوله: (فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني) جاء مقترنًا بحرف الفاء، عقب قوله: (إذا أنا مت فأحرقوني) مما يدل على أنه سبب له، وأنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه، وهذا بيِّن لمن تأمله، بخلاف معنى التضييق أو التقدير، ولو كان مقرًا بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك، كقدرته عليه إذا لم يفعل، لم يكن في ذلك فائدة له (¬٣).\rقال ابن حزم: \"قال بعض من حرَّف الكلم عن مواضعه إن معنى: لئن قدر الله علي، إنما هو: لئن ضيق الله علي، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦].","footnotes":"(¬١) انظر: الفصل لابن حزم (٢/ ٢٧٢)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٤١٠)، ومشكلات الأحاديث النبوية (١٤٣).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤١١).\r(¬٣) انظر: المرجع السابق (١١/ ٤١٠ - ٤١١)، وبغية المرتاد (٣١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211538,"book_id":118,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":322,"body":"قال أبو محمد: وهذا تأويل باطل لا يمكن، لأنه كان يكون معناه حينئذ: لئن ضيق الله علي ليضيقن علي، وأيضًا فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذرَّ رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى\" (¬١).\rوأما القول الرابع: وهو أن هذا الرجل قد غلب عليه الخوف والجزع، فكان لا يعقل ما يقول، وأخطأ من شدة الخوف كما أخطأ صاحب الناقة من شدة الفرح، فقول ضعيف من وجهين (¬٢):\rالأول: أنه لو كان غير مدرك ولا عاقل لما يقول، لفهم أولاده ذلك، ولما نفذوا هذه الوصية.\rوالثاني: أن تشبيه حال هذا الرجل بحال صاحب الناقة الذي أخطأ من شدة الفرح، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، تشبيه بعيد، لأن صاحب الناقة إنما سبق لسانه بالخطأ لشدة الفرح، واللسان يسبق في مثل هذه الأحوال، وأما الآخر فإنه أمر أهله بأوامر مرتبة تدل على اعتقاده أن ذلك ينجيه، فهو يعي ما يقول.\rوأما القول الخامس: وهو أن هذا الرجل قد كفر بمقالته هذه، لكنه على شريعة فيها جواز المغفرة للكافر، فقول لا يلتفت إليه، لأنه لا خلاف بين أهل القبلة في عدم المغفرة لمن مات كافرًا (¬٣)، ثم من أين لنا العلم أن هذا كان في شريعتهم، إلا محض التخرص والتوهم؟ ! ولهذا قال الحافظ ابن حجر: \"وأبعد الأقوال: قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) الفصل (٢/ ٢٧٢).\r(¬٢) انظر: نواقض الإيمان الاعتقادية للدكتور محمد الوهيبي (١/ ٢٣٠)، وسعة رحمة رب العالمين، إعداد الغباشي (٣٨ - ٣٩).\r(¬٣) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٠).\r(¬٤) فتح الباري (٦/ ٥٢٣)، وانظر: مشكلات الأحاديث النبوية (١٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211539,"book_id":118,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":323,"body":"الفصل الثانى: الأحاديث المتوهم إشكالها في القدر\rوفيه ثلاثة مباحث:\r* المبحث الأول: (حج آدم موسى).\r* المبحث الثاني: (خلق الله التربة يوم السبت).\r* المبحث الثالث: (لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211540,"book_id":118,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":324,"body":"المبحث الأول: (حج آدم موسى)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211541,"book_id":118,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":325,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rروى البخاري ومسلم عليهما رحمة الله حديث المُحَاجَّة بين آدم وموسى ﵇ من عدة طرق عن أبي هريرة ﵁، وكلها بألفاظ متقاربة تدل على معنى واحد، ما عدا طريق واحد فقد جاء مخالفًا في معناه للطرق الأخرى، وإليك البيان:\rأ- أما اللفظ الأول، والذي جاءت به جميع الطرق ماعدا واحدًا منها، فهو: أن موسى ﵇ لام آدم ﵇ على الإخراج من الجنة، فاحتج عليه آدم بأن ذلك مقدر عليه قبل أن يخلق بأربعين سنةً، وإليك طرقه وألفاظه:\r١ - طريق حميد بن عبد الرحمن، ولفظه: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق)، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحجَّ آدم موسى) مرتين (¬١).\r٢ - طريق محمد بن سيرين، ولفظه: عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (التقى آدم وموسى (¬٢)، فقال موسى لآدم: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من","footnotes":"(¬١) متفق عليه: البخاري في موضعين: في كتاب الأنبياء، باب: وفاة موسى وذكره بعد (٣/ ١٢٥١) ح (٣٢٢٨)، وفي كتاب التوحيد، باب: قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦/ ٢٧٣٠) ح (٧٠٧٧).\rومسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵇ (١٦/ ٤٤١) ح (٢٦٥٢).\r(¬٢) اختلف أهل العلم في وقت هذه المحاجة وهذا الالتقاء بين آدم وموسى ﵇، فذكروا فيها عدة أقوال، منها:","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211542,"book_id":118,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":326,"body":"الجنة، قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحج آدم موسى) (¬١).\r٣ - طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، ولفظه: عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (حاجَّ موسى آدم فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم، قال: قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره علي","footnotes":"= - أن ذلك كان في زمان موسى ﵇، حيث أحيا الله آدم معجزة له فكلمه.\r- وقيل: بل كشف الله لموسى ﵇ عن قبر آدم ﵇ فكلمه.\r- وقيل: إن ذلك لم يقع بعد، وإنما يقع في الآخرة، وأخبر عنه النبي -صلي الله عليه وسلم- بلفظ الماضي لتحقق وقوعه.\r[انظر: التمهيد (١٨/ ١٦)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٣٨٢)، والمفهم (٦/ ٦٦٥)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٣٩)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٦)، وطرح التثريب (٨/ ٢٤٧)] وكلها اجتهادات لا دليل عليها، إذ لم يرد في أي من طرق هذا الحديث تحديد وقتها ولا مكانها ولا كيفيتها، وعلى هذا فالواجب الوقوف عند حدود ما ورد، والله أعلم.\rقال ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٦): \"ذلك عندي لا يحتمل تكييفًا، وإنما فيه التسليم، لأنا لم نؤتَ من جنس هذا العلم إلا قليلًا\".\rوقال ابن الجوزي في كشف المشكل (٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣): \"فإن قال قائل: كيف اجتمعا ومتى اجتمعا؟ فالجواب: أنه يجب الإيمان بكل ما نخبر به عن الصادق المصدوق وإن لم نطلع على كيفيته ... وليس هذا بأول خبر يجب علينا الإيمان به وإن جهلنا معناه ... ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات للإحساس لم يبقَ إلا فرض التسليم\" قلت: المعنى واضح غير مجهول، وإنما المجهول الكيفية، وهذا مراد ابن الجوزي في قوله: \"وإن جهلنا معناه\" أي: كيفيته كما قد صرح به في أول هذا النقل، والله أعلم.\r(¬١) متفق عليه: البخاري: كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ (٤/ ١٧٦٤) ح (٤٤٥٩)، ومسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵇ (١٦/ ٤٤٢) ح (٢٦٥٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211543,"book_id":118,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":327,"body":"قبل أن يخلقني) قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحج آدم موسى) (¬١).\r٤ - طريق طاووس، ولفظه: عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا (¬٢) وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنةً (¬٣)؟ فحج آدم موسى،","footnotes":"(¬١) متفق عليه: البخاري: كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (٤/ ١٧٦٤) ح (٤٤٦١)، ومسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵇ (١٦/ ٤٤١) ح (٢٦٥٢).\r(¬٢) أي: كنت سببًا في حرماننا. انظر: الفتح (١١/ ٥٠٨).\r(¬٣) اختلف أهل العلم في وقت هذه الكتابة، لأنه قد ثبت في صحيح مسلم (١٦/ ٤٤٢) ح (٢٦٥٣) أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء).\r- فذهب ابن الجوزي إلى أن المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة، فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها كتبت قبل خلفه بأربعين سنة، ويجوز أن تكون هذه المدة -الأربعون سنةً- هي مدة لبثه طينًا إلى أن نفخت فيه الروح، فإنه قد رُوي أن ما بين تصويره ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سنة، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عمومًا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. [انظر: كشف المشكل (٣/ ٣٨٣)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٨)].\rوقال ابن القيم في شفاء العليل (١/ ٤٦): \"هذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السموات بخمسين ألف سنة\"، يعني: وهو داخل في التقدير الأول لم يخرج عنه. [انظر: شفاء العليل (١/ ٧٣)].\r- وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة، ما بين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى نفخ الروح في آدم. [انظر: فتح الباري (١١/ ٥٠٨)، ومعالم السنن للخطابي (٤/ ٢٩٧)].\r- وقال المازري: الأشبه أنه أراد بقوله: (قبل أن يخلقني بأربعين سنة) أي: كتبه في التوراة، ألا تراه يقول في بعض طرقه: (فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211544,"book_id":118,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":328,"body":"فحج آدم موسى) ثلاثًا (¬١).\r٥ - طريق همام بن منبه، أخرجه مسلم وقال: بمعنى حديثهم (¬٢) أي: بمعنى الأحاديث السابقة.\r٦ - طريق عبد الرحمن بن الأعرج، ولفظه: أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (تحاج آدم وموسى، فحج آدم موسى، فقال: له موسى: أنت آدم الذي أغويت (¬٣) الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله","footnotes":"= قبل أن يخلقني بأربعين سنة). [انظر: المعلم (٣/ ١٧٨)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٩)] وإلى هذا ذهب ابن مفلح ﵀ حيث قال في الآداب الشرعيه (١/ ٢٧٧): \"هذه الكتابة في التوراة، كصريح هذه الرواية، لأن علم الله ﷿ وما قدره وأراده قديم\".\r- وقيل غير ذلك. [انظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٤٠ - ٤٤١)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٨ - ٥٠٩)].\rوالذي تدل عليه روايات الحديث:\r- أن التوراة كتبت قبل خلق آدم بأربعين سنة، وفيها ذكر معصية آدم.\r- أن المعصية كتبت قبل خلق آدم بأربعين سنة، وعليه تكون هذه الكتابة كتابة ثانية.\r- إذ أنها داخلة في كتابة المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في الحديث المتقدم -فهي من جنس كتابة الملَك ما يتعلق بالجنين، من عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، كما في حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملَكًا فيؤمر بأربع كلمات، وُيقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح). متفق عليه: البخاري (٣/ ١١٧٤) ح (٣٠٣٦)، ومسلم (١٦/ ٤٢٩) ح (٢٦٤٣).\r(¬١) متفق عليه: البخاري: كتاب القدر، باب: تحاج آدم وموسى عند الله (٦/ ٢٤٣٩) ح (٦٢٤٠).\rومسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵇ (١٦/ ٤٣٩) ح (٢٦٥٢).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵈ (١٦/ ٤٤٢) ح (٢٦٥٢).\r(¬٣) أي: \"كنت سببًا لغواية من غوى منهم، وهو سبب بعيد، إذ لو لم يقع الأكل من الشجرة، لم يقع الإخراج من الجنة، ولو لم يقع الإخراج، ما تسلط عليهم =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211545,"book_id":118,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":329,"body":"علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم، قال: فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق) (¬١).\rب- وأما اللفظ الثاني: ففيه أن موسى ﵇ لام آدم ﵇، على الإهباط إلى الأرض، فاحتج عليه آدم بأن معصيته مكتوبة عليه قبل أن يخلق بأربعين سنة.\rوهذا اللفظ تفرد به مسلم عن يزيد بن هرمز وعبد الرحمن بن الأعرج -علمًا أنه قد جاء عن ابن الأعرج ما يوافق اللفظ الأول، كما تقدم- ونص هذا اللفظ كما عند مسلم: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (احتج آدم وموسى ﵈ عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيًا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنةً)، قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحج آدم موسى) (¬٢).","footnotes":"= الشهوات والشيطان المسبب عنهما الإغواء، والغي ضد الرشد وهو الانهماك في غير الطاعة\" فتح الباري (١١/ ٥٠٧).\r(¬١) متفق عليه: البخاري تعليقًا: كتاب القدر، باب: تحاج آدم وموسى عند الله (٦/ ٢٤٣٩) ح (٦٢٤٠). ومسلم -واللفظ له-: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵇ (١٦/ ٤٤٠) ح (٢٦٥٢).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵈ (١٦/ ٤٤٠) ح (٢٦٥٢).\r- وجاء هذا اللفظ من هذه الطريق عند عبد الله بن وهب في كتاب القدر (٥٣، ٥٤) ح (١، ٢).\r- وجاء هذا اللفظ أيضًا من طريق همام بن منبه كما عند الإمام أحمد في مسنده =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211546,"book_id":118,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":330,"body":"بيان وجه الإشكال\rأشكل هذا الحديث على كثير من الناس، حيث إن ظاهره قد يوهم أن المحاجة بين آدم وموسى ﵈ كانت متوجهة إلى المعصية (¬١)، ولما كانت الحجة لآدم ﵇ فقد يفهم البعض -بناءً على هذا الوهم- جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية، ولذا فقد تباينت الآراء في توجيه هذا الحديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\rقال ابن تيمية عن هذا الحديث: \"لما توهم من توهم أن ظاهره: أن المذنب يحتج بالقدر على من لامه على الذنب، اضطربوا فيه: فكذَّب به طائفة من القدرية (¬٢)","footnotes":"= (١٦/ ٥٦) ح (٨١٤٣)، وحكم عليه أحمد شاكر بالصحة.\r- وجاء أيضًا من طريق أبي صالح، كما عند الترمذي (تحفه ٦/ ٣٣٦) ح (٢٢١٧)، وحكم الألباني عليه بالصحة، كما في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٢٣) ح (١٧٣٣)، وكذا عند ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٦٤)، وقال الألباني: \"إسناده صحيح\".\r- وجاء أيضًا من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، كما عند الفريابي في كتاب القدر (٩٣، ٩٤) ح (١١٣، ١١٤)، وابن منده في الرد على الجهمية (٧١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٧، ١٢).\r- وجاء أيضًا من طريق حميد بن عبد الرحمن، كما عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٦٤٢).\r(¬١) انظر: الروض الباسم لابن الوزير (٢/ ٤٦٥).\r(¬٢) القدرية: تنقسم القدرية النفاة إلى فرقتين:\r١ - القدرية الأولى أو الغلاة: وهم الذين ينكرون سبق علم الله بالأشياء قبل وجودها، ويزعمون أن الله لم يقدر الأمور أزلًا ولم يتقدم علمه بها وإنما يأتنفها علمًا حال وقوعها.\r٢ - الفرقة الثانية: وهم الذين يقرون بتقدم علم الله تعالى لأفعال العباد قبل وقوعها، لكنهم خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى ولا مقدورة له، وأن العباد هم الموجدون والخالقون لأعمالهم وأفعالهم على جهة الاستقلال، وهذا المذهب هو الغالب عليهم الآن.\rوأول من أظهر بدعة القدر -كما يرجحه كثير من المحققين- معبد الجهني، ثم =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211547,"book_id":118,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":331,"body":"كالجبائي (¬١)، وتأوله طائفة من أهل السنة تأويلات ضعيفة، قصدًا لتصحيح الحديث، ومقصودهم صحيح، لكن طريقهم في رد قول القدرية وتفسير الحديث ضعيفة\" (¬٢).\rوقال ابن كثير: \"احتج به قوم من الجبرية (¬٣)، وهو ظاهر لهم بادئ الرأي\" (¬٤).","footnotes":"= بعد ذلك ظهرت المعتزلة فتبنت هذه البدعة ونشرتها، وإن كانت لم تأخذ هذه البدعة بكاملها لأنها آمنت بعلم الله المتقدم وكتابته السابقة. [انظر: مسلم بشرح النووي (١/ ٢٦٩، ٢٥٩)، والفرق بين الفرق (٢٥)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٩، ٤٥٠)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)].\r(¬١) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري، شيخ المعتزلة وكبيرهم، وأبو شيخ المعتزلة أبي هاشم، له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، وقد أخذ عنه أبو الحسن الأشعري علم الكلام، ثم خالفه ونابذه وتسنن، وللجبائي مصنفات عديدة في الاعتزال منها: الأصول، والتعديل والتجويز، والأسماء والصفات، توفي بالبصرة سنة (٣٠٣). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٩٧)، والسير (١٤/ ١٨٣)، والعبر (١/ ٤٤٥)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٤١)].\r(¬٢) درء التعارض (٨/ ٤١٨).\r(¬٣) الجبرية: سُموا بذلك نسبة إلى الجبر، وهو نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى الرب، فالجبرية تعتقد أن الفاعل حقيقة هو الله تعالى، والناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودارت الرحى، وزالت الشمس، دون أن يكون لها مشيئة أو اختيار، وهكذا الخلق، فإن الله تعالى هو الذي جبرهم على الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، فهم كالريشة في مهب الريح، مجبورون على أفعالهم، لا قدرة لهم ولا اختيار، والذي يمثل هذا المذهب غلاة المرجئة كالجهمية ومن نحا نحوهم من الصوفية وغيرهم، وهم أصناف: فمنهم الجبرية الخالصة، وهم الذين لا يثبتون للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا، ومنهم الجبرية الذين يثبتون للعبد قدرة غير مؤثرة أصلًا [انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، والملل والنحل (١/ ٨٥)، والفرق بين الفرق (١٩٤، ٢٩٧ - ٢٩٨)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (١٠٣)، والبرهان للسكسكي (٤٢ - ٤٣)].\r(¬٤) البداية والنهاية (١/ ٧٨)، وانظر ما نقله ابن حجر عن ابن عبد البر في: فتح الباري (١١/ ٥٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211548,"book_id":118,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":332,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rللناس مع هذا الحديث موقفان:\rالموقف الأول: من فهم منه جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، وهؤلاء هم القدرية من المعتزلة (¬١) ومن نحا نحوهم، وكذا الجبرية من الجهمية ومن وافقهم، وقد نتج عن هذا الفهم رأيان فاسدان:\rأحدهما: ردُّه وإنكاره وتكذيبه كما فعل أبو علي الجبائي وغيره من المعتزلة القدرية ومن وافقهم، قالوا: لو صح هذا الحديث لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، وارتفع الذم والعقاب عمن عصى الله تعالى (¬٢).","footnotes":"(¬١) المعتزلة: فرقة من الفرق الضالة، من رؤوسها ومؤسسيها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، تعتقد نفي صفات الله تعالى الأزلية وعدم إثباتها، وأن صاحب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين وفي الآخرة خالد مخلد في النار، وفي باب القدر تعتقد مذهب القدرية النفاة، أي أن الله غير خالق لأفعال العباد وأن العباد هم الخالقون لها على جهة الاستقلال.\rقيل في سبب تسميتهم بالمعتزلة: إن واصل بن عطاء كان من منتابي مجلس الحسن البصري، فلما قال بالمنزلة بين المنزلتين علم بذلك الحسن البصري فطرده عن مجلسه، فاعتزل عند سارية من سواري المسجد وانضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد، فقال الناس يومئذ فيهما: إنهما قد اعتزلا قول الأمة، وسمي أتباعهما من يومئذ: معتزلة. [انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٨، ٢٣٥)، والفرق بين الفرق (١١٢ - ١١٦)، والإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني (٧٩)، والملل والنحل (١/ ٤٣ - ٤٦)].\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٤)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومنهاج السنة =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211549,"book_id":118,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":333,"body":"والثاني: قبوله والاحتجاج به على فعل المعاصي، فكلما عملوا معصية احتجوا بالقدر، فجعلوا هذا الحديث عمدة لهم في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ، وإلى هذا ذهبت الجبرية ومن نحا نحوهم من الصوفية وغيرهم (¬١).\rوأما الموقف الثاني: فهو القطع بعدم جواز الاحتجاج به على فعل المعاصي، وإلى هذا ذهب علماء أهل السنة والجماعة، ولكنهم اختلفوا في تفسير هذا الحديث -بعد قبوله والإيمان به- على عدة أقوال، منها:\rالقول الأول: أن موسى ﵇ لام آدم ﵇ على المصيبة التي حصلت له وذريته، وهي الإخراج من الجنة والنزول إلى الأرض دار الابتلاء والمحنة، وذلك بسبب فعله وخطيئته، ولذا قال: (أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم)، وذكر الذنب تنبيهًا على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، فاحتج عليه آدم بالقدر على المصيبة، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومني على مصيبة قدرت عليَّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة؟ .\rوإلى هذا ذهب ابن تيمية، وابن القيم (¬٢)، وابن كثير (¬٣)، وابن أبي العز (¬٤)، وابن رجب، وابن عثيمين (¬٥)، وغيرهم، عليهم رحمة الله.","footnotes":"= (٣/ ٧٩)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٨)، وشفاء العليل (١/ ٤٦)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، وشرح العقيدة الطحاوية (١٣٦)، وفتح الباري (١١/ ٥١٠).\r(¬١) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٨)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٨)، وشفاء العليل (١/ ٤٩ - ٥٠)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨).\r(¬٢) انظر: شفاء العليل (١/ ٥٦).\r(¬٣) انظر: البداية والنهاية (١/ ٧٨ - ٧٩).\r(¬٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١٣٥ - ١٣٦).\r(¬٥) انظر: تقريب التدمرية (١٠١ - ١٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211550,"book_id":118,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":334,"body":"قال ابن تيمية: \"فآدم ﵇ إنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة، بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه له لأجل حق الله في الذنب، فإن آدم كان قد تاب من الذنب كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢]، وموسى -ومن هو دون موسى- ﵇ يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب، وموسى ﵇ أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم، وحجة لفرعون عدو موسى، وحجة لكل كافر وفاجر، وبطل أمر الله ونهيه، بل إنما كان القدر حجة لآدم على موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] \" (¬١).\rوقال ابن رجب: \"لما التقى آدم وموسى ﵈، عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق، والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال ﷺ: (إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل) (¬٢) \" (¬٣).\rالقول الثاني: أن موسى ﵇ لام آدم ﵇ على المعصية لكونها سبب المصيبة، لا لكونها معصية، فاحتج آدم بالقدر على المعصية لكونه قد تاب","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٨)، وانظر: (٨/ ١٧٨، ٣١٩)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٩)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٥٧ - ٨٥٨)، والتدمرية (٢٣٠ - ٢٣١)، ومنهاج السنة (٣/ ٧٨، ٨٠ - ٨١)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٨ - ٩٩).\r(¬٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (١٦/ ٤٥٥) ح (٢٦٦٤).\r(¬٣) لطائف المعارف (٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211551,"book_id":118,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":335,"body":"منها، والاحتجاج بالقدر على المعصية بعد وقوعها والتوبة منها وترك معاودتها لا محذور فيه.\rوهذا القول جواب آخر لابن القيم على هذا الحديث، وكذا الشيخ ابن عثيمين (¬١)، وبه قال ابن الوزير وعزاه لأهل السنة (¬٢).\rقال ابن القيم: \"وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع، فينفع إذا احتُج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة، يوضحه أن آدم قال لموسى: (أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا علي قبل أن أخلق؟ ) فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنَّبه مؤنب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقًا، ولا ذكره حجة على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به.\rوأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلًا محرمًا أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطل بالاحتجاج به حقًا ويرتكب باطلًا، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، فاحتجوا به مصوِّبين لما هم عليه، وأنهم لم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده، فهذا ضد احتجاج من تبيَّن له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود، فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله.","footnotes":"(¬١) انظر: تقريب التدمرية (١٠٢ - ١٠٣)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (٢/ ١٠٧).\r(¬٢) انظر: الروض الباسم (٢/ ٤٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211552,"book_id":118,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":336,"body":"ونكتة المسألة: أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل\" (¬١).\rالقول الثالث: أن ذلك مخصوص بآدم ﵇، وكانت له الحجة لأن موسى ﵇ لامه على المعصية والخطيئة بعد أن تاب منها، فحسن من آدم ﵇ أن يحتج بالقدر على فعل المعصية، لأنه قد تيب عليه منها، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البر وغيره (¬٢).\rقال ﵀: \"وأما قوله: (أفتلومني على أمر قد قدر علي؟ )، فهذا -عندي- مخصوص به آدم، لأن ذلك إنما كان منه ومن موسى ﵇ بعد أن تيب على آدم، وبعد أن تلقى من ربه كلمات تاب بها عليه، فحسن منه أن يقول ذلك لموسى، لأنه قد كان تيب عليه من ذلك الذنب، وهذا غير جائز أن يقوله اليوم أحد إذا أتى ما نهاه الله عنه، ويحتج بمثل هذا، فيقول: أتلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت، وذلك قد سبق في علم الله وقدره علي قبل أن أخلق؟ هذا ما لا يسوغ لأحد أن يقوله\" (¬٣).\rوالفرق بين هذا القول والذي قبله، أن هذا القول يجعل لوم موسى لآدم ﵇، على المعصية لذات المعصية، بينما القول السابق يجعل لوم موسى لآدم ﵇، على المعصية من أجل أنها سبب المصيبة، لا من أجل كونها معصية (¬٤).\rالقول الرابع: أن الحجة توجهت لآدم لأن موسى ﵇ لامه في غير","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ٥٦ - ٥٧)، وانظر: تقريب التدمرية (١٠٢ - ١٠٣).\r(¬٢) انظر: المفهم للقرطبي (٦/ ٦٦٨)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٤١ - ٤٤٢)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، وشفاء العليل (١/ ٤٩)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، وفتح الباري (١١/ ٥١٠).\r(¬٣) التمهيد (١٨/ ١٥).\r(¬٤) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211553,"book_id":118,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":337,"body":"دار التكليف -بعد أن مات آدم- ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى، لأن الأحكام حينئذٍ جارية عليه (¬١).\rالقول الخامس: أن آدم حج موسى لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة أخرى (¬٢).\rالقول السادس: أن آدم أب وموسى ابن، وليس للابن أن يلوم أباه، ولذا حجه آدم كما يحج الرجل ابنه (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومنهاج السنة (٣/ ٧٩)، وشفاء العليل (١/ ٤٩)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، والفتح (١١/ ٥١١).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومنهاج السنة (٣/ ٨٠)، وشفاء العليل (١/ ٤٩)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، والفتح (١١/ ٥١١).\r(¬٣) انظر: المفهم (٦/ ٦٦٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومنهاج السنة (٣/ ٨٠)، وشفاء العليل (١/ ٤٨)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، وفتح الباري (١١/ ٥١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211554,"book_id":118,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":338,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rأما الموقف الأول فلا ريب في بطلانه، لأنه مبني على فهم فاسد، وهو كون الحديث يدل على جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، مع أن الإجماع منعقد على عدم جواز ذلك.\rقال ابن تيمية: \"ليس لأحد أن يحتج بالقدر على فعل الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء، فإن هذا لو كان مقبولًا لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له، من قتل النفوس وأخذ الأموال وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر ... فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول\" (¬١).\rوبناءً على هذا، فإن كلَّ ما نتج عن هذا الفهم من آراء، فهي باطلة مردودة، وقد تقدم أن هذا الفهم قد نتج عنه رأيان متناقضان:\rأحدهما: ما ذهبت إليه القدرية من رد الحديث وتكذيبه، وقد ذهبوا هذا المذهب لأنه يخالف أصلهم الذي أصلوه، وهو نفي القدر السابق، \"وكل من أصل أصلًا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرًا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها، فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلًا غير ما جاء به الرسول، فهو أصلهم الذي عليه يعولون، وجنتهم التي إليها يرجعون\" (¬٢).\rقال ابن عبد البر: \"هذا الحديث من أوضح ما روي عن النبي -صلي الله عليه وسلم- في","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩).\r(¬٢) مقتبس من كلام ابن القيم في شفاء العليل (١/ ٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211555,"book_id":118,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":339,"body":"إثبات القدر، ودفع قول القدرية، وبالله التوفيق والعصمة\" (¬١).\rوتكذيب القدرية لهذا الحديث مردود، لأنه ثابت في الصحيحين وغيرهما من عدة طرق.\rقال ابن منده بعدما ساق عددًا من طرق هذا الحديث: \"هذه أحاديث صحاح ثابتة لا مدفع لها، ولهذا الحديث طرق عن أبي هريرة\" (¬٢).\rوقال ابن عبد البر: \"هذا حديث صحيح ثابت من جهة الإسناد، لا يختلفون في ثبوته، رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، وروي من وجوه عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، من رواية الثقات الأئمة الأثبات\" (¬٣).\rوقال ابن القيم: \"هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنًا بعد قرن، وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أنه قاله، وحكموا بصحته\" (¬٤).\rوقال ابن حجر عن هذا الحديث: \"وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة\" (¬٥).\rوأما الرأي الثاني: وهو ما ذهبت إليه الجبرية من تسويغ الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، والاعتماد في ذلك على هذا الحديث، فهو باطل من عدة وجوه:\r١ - أن الإجماع منعقد على بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي.\rقال ابن تيمية: \"الاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة باتفاق كل ذي","footnotes":"(¬١) التمهيد (١٨/ ١٧).\r(¬٢) الرد على الجهمية (٧١ - ٧٢).\r(¬٣) التمهيد (١٨/ ١٢).\r(¬٤) شفاء العليل (١/ ٤٦).\r(¬٥) فتح الباري (١١/ ٥٠٦)، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير (١/ ٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211556,"book_id":118,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":340,"body":"عقل ودين من جميع العالمين\" (¬١).\r٢ - أن الأمة قد أجمعت على جواز لوم العاصي ما لم يتب. قال ابن عبد البر: \"وقد اجتمعت الأمة: أن من أتى ما يستحق الذم عليه فلا بأس بذمه، ولا حرج في لومه، ومن أتى ما يحمد له فلا بأس بمدحه عليه\" (¬٢).\r٣ - أن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، فأبطل الله حجتهم هذه بقوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهكذا في آيات أُخر لم يحكِ الله تعالى الاحتجاج في القدر إلا عن المشركين أعداء الرسل، وشيخهم في ذلك وإمامهم عدوه الأحقر إبليس، حيث احتج عليه بقضائه فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] (¬٣).\r٤ - أن الله تعالى قال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ولو كان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي سائغًا لما كان هناك حاجة إلى إرسال الرسل، لأنهم إنما أرسلوا لأجل إقامة الحجة على الناس (¬٤).\r٥ - أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أمر الصحابة بالعمل، ونهاهم عن تركه اتكالًا على ما سبق به الكتاب، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة)، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال:","footnotes":"(¬١) منهاج السنة (٣/ ٥٥).\r(¬٢) التمهيد (١٨/ ١٥).\r(¬٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٩، ٥٦ - ٦٠)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٦)، وشفاء العليل (١/ ٥٠ - ٥١)، وتقريب التدمرية (٩٩).\r(¬٤) انطر: تقريب التدمرية (١٠٠)، ولمعة الاعتقاد بشرح الشيخ محمد العثيمين (٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211557,"book_id":118,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":341,"body":"(اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]) (¬١).\r٦ - \"أن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم، ولم يبقَ للحدود معنى، ولا يلام جانٍ على جنايته ولا ظالم على ظلمه، ولا يُنكر منكر أبدًا\" (¬٢).\r٧ - أن القدر سر مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، فكيف يصح للعاصي أن يحتج به على معصيته، وهو قد فعلها مختارًا، لا يشعر أن أحدًا أكرهه عليها، ولا يعلم أنها مقدرة عليه؟ ! ولماذا لم يقدر أن الله تعالى لم يكتبها عليه فينتهي عنها ويجتنبها؟ ! (¬٣).\r٨ - أنه لو ساغ الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي لساغ أن يحتج به إبليس ومن اتبعه من الجن والإنس، ويحتج به قوم نوح وعاد وثمود، وسائر أهل الكفر والفسوق والعصيان، ولم يعاقب أحد، وهذا مما يُعلم فساده بالاضطرار شرعًا وعقلًا (¬٤).\r٩ - أن الاحتجاج بالقدر مخاصمة لله تعالى، واحتجاج من العبد على الرب، وحمل لذنبه على الأقدار، وهذا جهل بالله تعالى وحكمته في شرعه (¬٥).\r١٠ - أن نفس المحتج بالقدر لو اعتدى عليه معتدٍ، أو جنى عليه","footnotes":"(¬١) متفق عليه: البخاري (٤/ ١٨٩١) ح (٤٦٦٦)، ومسلم (١٦/ ٤٣٤) ح (٢٦٤٧).\r(¬٢) شفاء العليل (١/ ٥٠).\r(¬٣) انظر: تقريب التدمرية (١٠٠).\r(¬٤) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٥٨)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٧).\r(¬٥) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211558,"book_id":118,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":342,"body":"جانٍ، ثم احتج عليه بالقدر، فإنه لا يقبل منه هذه الحجة، وهذا تناقض يدل على فساد هذا القول، وأن المحتج بالقدر متبع لهواه، لأن القدر إن كان حجة للعاصي فهو أيضًا حجة للجاني، وإلا فليس حجة لهذا ولا لهذا، وهذا هو الصواب (¬١).\rقال ابن تيمية: \"شر الخلق من يحتج بالقدر لنفسه ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه في الذنوب والمعائب، ولا يطمئن إليه في المصائب، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، وبإزاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على المصائب ويستغفرون من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال بعض السلف (¬٢): هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم ...\rوقد ذكر الله تعالى عن آدم ﵇ أنه لما فعل ما فعل قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وعن إبليس أنه قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]، فمن تاب أشبه أباه آدم ومن أصرَّ واحتج بالقدر أشبه إبليس\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٥٨)، ومنهاج السنة (٣/ ٥٥ - ٥٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٧)، وشفاء العليل (١/ ٥٥).\r(¬٢) هو علقمة بن قيس. [انظر: جامع البيان (١٢/ ١١٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٧٨)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٥٨٧)].\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211559,"book_id":118,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":343,"body":"وقال ابن القيم عن هذا المسلك للجبرية: \"هذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث، وهو شر من مسلك القدرية في رده، وهم إنما ردوه إبطالًا لهذا القول وردًا على قائليه، وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم، وأخطأوا في رد حديث رسول الله -صلي الله عليه وسلم-\" (¬١).\rإذا تبيَّن هذا، وهو أن الحديث لا يجوز رده أو تكذيبه، كما لا يجوز الاحتجاج به على فعل المعاصي، فإن الذي يتعين المصير إليه هو أن القدر يُؤمَن به ولا يحتج به، فالعبد مأمور أن يرجع إليه عند المصائب، ويستغفر الله عند الذنوب والمعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، \"وقد أرشد النبي -صلي الله عليه وسلم- إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به -وذلك عند المصيبة- فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) (¬٢) \" (¬٣).\rقال ابن قدامة: \"ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن، ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] \" (¬٤).\rوأما بخصوص هذا الحديث، فإنه محتمل لأحد أمرين لا ثالث لهما:\rالأول: أن لوم موسى لآدم ﵈ كِان لأجل المصيبة التي حلت به","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ٤٩).\r(¬٢) صحيح مسلم (١٦/ ٤٥٥) ح (٢٦٦٤).\r(¬٣) شفاء العليل (١/ ٥٨) بتصرف يسير.\r(¬٤) لمعة الاعتقاد بشرح العثيمين (٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211560,"book_id":118,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":344,"body":"وبذريته، وهي الإخراج من الجنة والإهباط إلى الأرض، وروايات الحديث في الصحيحين -كما تقدم- تشهد لهذا المعنى وتدل عليه، ففيها: (أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة)، وفيها: (أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة)، وفيها: (أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة)، وفيها: (أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض)، فهذه الروايات والألفاظ كلها تنطق بأن موسى ﵇ إنما لام آدم ﵇ على المصيبة التي وقعت بعد ذنبه، لا على ذنبه.\rوذكرُ موسى ﵇ للمعصية، كما في بعض الطرق (¬١) للتنبيه على سبب المصيبة.\rفاحتج آدم ﵇ بالقدر على المصيبة، كما هو ظاهر أكثر الروايات، فإنه قال: (أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني)؟ وهذا هو الذي ذهب إليه ابن تيمية وغيره، كما في القول الأول.\rقال ابن أبي العز: \"فإن قيل: فما تقولون في احتجاج آدم على موسى ﵇ بالقدر؟ ... قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، لصحته عن رسول الله ﷺ، ولا نتلقاه بالرد والتكذيب لراويه، كما فعلت القدرية، ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم ﵇ على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب، لا عند المعائب\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: المسند (١٥/ ٤٧) ح (٩٠٩٥)، و (١٦/ ٥٤) ح (٩٩٨٩)، والقدر للفريابي (٩٣) ح (١١٢)، والشريعة للآجري (٢/ ٧٧٦)، والرد على الجهمية لابن منده (٧٠).\r(¬٢) شرح العقيدة الطحاوية (١٣٥ - ١٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211561,"book_id":118,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":345,"body":"والثاني: أن لوم موسى لآدم ﵇، كان على المعصية لكونها سبب المصيبة، لا لكونها معصية -على ما جاء في القول الثاني- فإنه يمتنع غاية الامتناع أن يلومه موسى ﵇ لأجل حق الله تعالى في المعصية، لأن آدم ﵇ قد تاب منها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا يجوز لومه.\rقال ابن تيمية: \"لا يجوز لوم التائب باتفاق الناس\" (¬١).\rفاحتج آدم بالقدر على المعصية لأنه قد تاب منها، وهذا هو ظاهر رواية مسلم، فإنه قال لموسى: (فهل وجدت فيها -أي في التوراة-: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة).\rوعلى هذا يكون الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها والإنابة لا محذور فيه، وقد أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله تعالى، مستشهدًا بهذه الرواية، كما تقدم (¬٢).\rقال الشيخ ابن عثيمين: \"الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، وكذلك الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة جائز، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريرًا لموقف الإنسان واستمرارًا فيها فغير جائز\" (¬٣).\rوالحاصل أن آدم ﵇ لا سبيل إلى لومه شرعًا لأجل التوبة، ولا قدرًا لأجل القضاء والقدر (¬٤).\r\rمناقشة الأقوال المرجوحة:\rوأما الأقوال الأخرى في توجيه الحديث فإنها وإن كان مقصود أصحابها صحيحًا، وهو أن الحديث لا يؤخذ منه جواز الاحتجاج بالقدر","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩).\r(¬٢) انظر: ص (٣٤٢ - ٣٤٣) من هذا البحث.\r(¬٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢/ ١٠٧).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٩، ٣٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211562,"book_id":118,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":346,"body":"على المعاصي، إلا أنهم فهموا من الحديث أن اللوم من موسى ولاحتجاج بالقدر من آدم كلاهما متوجه إلى الذنب، ولذا أوَّلوا الحديث تأويلات ضعيفة لا يدل عليها معناه، وإليك بيان ذلك:\rأما القول الثالث (¬١): وهو أن الحجة توجهت لآدم لأن موسى لامه على المعصية بعد أن تاب منها، والتائب من الذنب لا يجوز لومه، فقد رده ابن تيمية وغيره، لأن موسى ﵇ أجل قدرًا من أن يلوم أحدًا على ذنب قد تاب منه، وغفر الله له (¬٢).\rوذكر ابن القيم أن هذا القول وإن كان أقرب إلا أنه لا يصح لثلاثة أوجه:\r\"أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه، ولا جعله حجة لموسى، ولم يقل: أتلومني على ذنب قد تبت منه.\rالثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله، واجتباه بعده وهداه، فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله، فضلًا عن كليم الرحمن.\rالثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة، واعتبار ما ألغاه، فلا يلتفت إليه\" (¬٣).\rوأما القول الرابع: وهو أن الحجة كانت لآدم لأن موسى لامه في غير دار التكليف، فمردود من وجهين:\r\"أحدهما: أن آدم لم يقل له: لمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: (أتلومني على أمر قدر عليَّ قبل أن أخلق)، فلم يتعرض للدار وإنما احتج في القدر السابق.","footnotes":"(¬١) تقدم أن القول الأول والثاني هما اللذان يتعيَّن حمل الحديث عليهما.\r(¬٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٤١٩)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٠٨، ١٧٨، ٣٠٥، ٣٢١، ٤٥٤).\r(¬٣) شفاء العليل (١/ ٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211563,"book_id":118,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":347,"body":"الثاني: أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة\" (¬١).\rوأما القول الخامس: وهو أن آدم حج موسى ﵇، لأن الذنب واللوم كانا في شريعتين مختلفتين، فدعوى لا دليل عليها، ومن أين يعلم أنه كان في شريعة آدم أن المخالف يحتج بسابق القدر، وفي شريعة موسى أنه لا يحتج، أو أنه يتوجه له اللوم على المخالف (¬٢).\rثم إن اختلاف الشريعتين لا تأثير له في هذه الحجة بوجه، فهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها، وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة، ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم (¬٣).\rوأما القول السادس: وهو أن آدم حج موسى لكونه أباه، فبعيد عن معنى الحديث، ولا محصل فيه البتة، لأن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد، ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة (¬٤).\r* * *","footnotes":"(¬١) شفاء العليل (١/ ٤٩).\r(¬٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٥١١).\r(¬٣) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٩)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥).\r(¬٤) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٩)، وفتح الباري (١١/ ٥١١)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211564,"book_id":118,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":348,"body":"المبحث الثاني: (خلق الله التربة يوم السبت)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.\r\r.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211565,"book_id":118,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":349,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: (خلق الله ﷿ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل)، رواه مسلم (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rقال المعلمي: \"استنكر بعض أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سبب الاستنكار بأوجه:\rالأول: أنه لم يذكر خلق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام.\rالثاني: أنه جعل الخلق في سبعة أيام، والقرآن يبين أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء.\rالثالث: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇ (١٧/ ١٣٩) ح (٢٧٨٩).\r(¬٢) الأنوار الكاشفة (١٨٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211566,"book_id":118,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":350,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذا الحديث على قولين:\rالقول الأول: أن هذا الحديث معلول سندًا ومتنًا، فلا يعتمد عليه، وإلى هذا ذهب البخاري وعلي بن المديني ويحيى بن معين (¬١)، وعبد الرحمن بن مهدي (¬٢) والبيهقي (¬٣) وابن تيمية، وابن القيم وابن كثير وابن عثيمين (¬٤) وغيرهم، عليهم رحمة الله.\rأما إعلاله من جهة السند: فقد رواه مسلم من طريق سريج بن يونس وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة ... فذكر الحديث.\rوقد أُعل هذا السند من ثلاثة وجوه:","footnotes":"(¬١) انظر: الجواب الصحيح (٢/ ٤٤٣)، والتوسل والوسيلة (١٠٠)، ومجموع الفتاوى (١/ ٢٥٦)، و (١٨/ ١٨) كلها لابن تيمية.\r(¬٢) انظر: الجواب الصحيح (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، وابن مهدي هو: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد العنبري مولاهم البصري، الإمام الناقد المجود سيد الحفاظ، برع في معرفة الأثر وطرق الروايات وأحوال الشيوخ، توفي ﵀ سنة ثمان وتسعين ومائة (١٩٨). [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٢٣٩)، والسير (٩/ ١٩٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٩)، وتقريب التهذيب (١/ ٥٩٢)، وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥)].\r(¬٣) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٢٥٦)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٦)، و (١٨/ ١٨)، والبداية والنهاية (١/ ١٤).\r(¬٤) انظر: شرح رياض الصالحين (٤/ ٥٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211567,"book_id":118,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":351,"body":"الأول: أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار (¬١) موقوفًا عليه.\rقال البخاري: \"روى إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (خلق الله التربة يوم السبت)، وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح\" (¬٢).\rوقال ابن القيم عن هذا الحديث: \"وقع فيه الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، في تاريخه الكبير، وقاله غيره من علماء المسلمين أيضًا، وهو كما قالوا\" (¬٣).\rالثاني: أن إسماعيل بن أمية قد أخذ هذا الحديث -كما يرى ابن المديني- من إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم بن أبي يحيى هذا ضعيف لا يحتج به، بل هو عند أهل الحديث متروك متهم بالكذب (¬٤).\rقال علي بن المديني -مُعِلًّا إسناد هذا الحديث-: \"ما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى\" (¬٥).\rوقد جاء هذا الحديث من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، كما أشار إلى","footnotes":"(¬١) هو كعب بن ماتع الحميري من أهل اليمن كان من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر وقدم من اليمن في دولة عمر، فأخذ عن الصحابة وغيرهم، وله رواية في صحيح مسلم، وكان يحدث الصحابة عن الكتب الإسرائيلية توفي سنة (٣٤ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٥٢)، والسير (٣/ ٤٨٩)، والعبر (١/ ٢٦)، وتقريب التهذيب (٢/ ٤٣)].\r(¬٢) التاريخ الكبير (١/ ٤١٣) في ترجمة أيوب بن خالد.\r(¬٣) المنار المنيف (٧٢)، وانظر: بدائع الفوائد (١/ ٧١).\r(¬٤) انظر: الضعفاء الصغير للبخاري (٤٠٨)، والضعفاء والمتروكين للنسائي (٤٢)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٥ - ٤٥٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٥).\r(¬٥) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211568,"book_id":118,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":352,"body":"ذلك البيهقي، فقال معقبًا على كلام ابن المديني: \"قلت: وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف\" (¬١).\rالثالث: أن في سنده: أيوب بن خالد، وهو ضعيف.\rقال الأزدي (¬٢): \"أيوب بن خالد ليس حديثه بذاك، تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه\" (¬٣).\rوقال ابن حجر: \"فيه لين\" (¬٤).\rهذه هي العلل الموجهة إلى سند هذا الحديث، وقد أوجبت القدح فيه، وعدم الاعتماد عليه عند أصحاب هذا القول.\rقال ابن تيمية: \"وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله: (خلق الله التربة يوم السبت)، فهو حديث معلول، قدح فيه أئمة الحديث، كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب، وقد ذكر تعليله البيهقي أيضًا، وبينوا أنه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ، وهو مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه\" (¬٥).\rوقال أيضًا: \"هذا الحديث قد بين أئمة الحديث، كيحيى بن معين","footnotes":"(¬١) الأسماء والصفات (٢/ ٢٥٦).\r(¬٢) هو الحافظ البارع أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بريدة الأزدي الموصلي، صاحب كتاب الضعفاء، أُخذ عليه فيه أنه ضعَّف جماعة بلا دليل، وقد تكلم فيه بعض النقاد وقالوا: في حديثه مناكير، توفي ﵀ سنة (٣٧٤). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٠)، والسير (١٦/ ٣٤٧)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٦٧)، وشذرات الذهب (٢/ ٨٤)].\r(¬٣) تهذيب التهذيب (١/ ٣٦٥).\r(¬٤) تقريب التهذيب (١/ ١١٧)، وانظر: الأنوار الكاشفة للمعلمي (١٨٩).\r(¬٥) مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211569,"book_id":118,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":353,"body":"وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري، وغيرهم، أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي ﷺ، بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار\" (¬١).\rوقال ابن كثير: \"تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ ... فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صُحُفِهِ، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبي ﷺ\" (¬٢).\rوأما إعلاله من جهة المتن، فمن عدة وجوه (¬٣):\rالأول: أنه جعل استيعاب الخلق في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، حيث أخبر الله تعالى فيه أن خلق السموات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤].\rالثاني: أنه لم يذكر خلق السموات.\rالثالث: أنه جعل خلق الأرض وما فيها في ستة أيام، وهذا خلاف القرآن، ففيه أن الأرض خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السماء في يومين، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا","footnotes":"(¬١) الجواب الصحيح (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٦)، و (١٨/ ٧٣، ١٨) بغية المرتاد (٣٠٦).\r(¬٢) البداية والنهاية (١/ ١٤ - ١٥)، وانظر: التفسير (١/ ١٠٦)، و (٢/ ٣٥٢).\r(¬٣) انظر: بغية المرتاد (٣٠٦ - ٣٠٧)، والجواب الصحيح (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، والتوسل والوسيلة (١٠٠)، ومجموع الفتاوى (١/ ٢٥٧)، و (١٧/ ٢٣٥ - ٢٣٧)، و (١٨/ ١٨) كلها لابن تيمية، وبدائع الفوائد (١/ ٧١)، والمنار المنيف (٧٢) كلاهما لابن القيم، والبداية والنهاية (١/ ١٥)، وتفسير القرآن العظيم (٣٥٣) كلاهما لابن كثير، وفيض القدير للمناوي (٣/ ٤٤٨)، والجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية للقرشي (٤/ ٥٦٨)، والأنوار الكاشفة للمعلمي (١٨٨ - ١٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211570,"book_id":118,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":354,"body":"طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].\rالرابع: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة، يوم الأحد، فقد روي ذلك عن ابن عباس (¬١) وكعب الأحبار (¬٢) وعبد الله بن سلام (¬٣) ومجاهد (¬٤) والضحاك (¬٥) والسدي (¬٦) وغيرهم (¬٧)، وروي مرفوعًا إلى","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٨٨، ٩٠)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٤/ ١٣٦١، ١٣٦٢، ١٣٦٤، ١٣٦٥)، وابن منده في التوحيد (١/ ١٨٦).\r(¬٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٥)، وفي التاريخ (١/ ٤٣).\r(¬٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٢٣٢)، وابن منده في التوحيد (١/ ١٨٣، ١٨٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٥٠)، وحكم المحقق عليه بالصحة، وأبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٣٦٦)، وقال المحقق: \"إسناده صحيح\"، وانظر: (٤/ ١٣٦٨).\r(¬٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٥١٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٤٢)، وصحح المحقق إسناده.\rومجاهد هو: الإمام شيخ القراء والمفسرين مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، مولى السائب بن أبي السائب، عرض القرآن على ابن عباس ﵄ ثلاثين مرة، فعنه أخذ القرآن، وعنه أيضًا أخذ التفسير والفقه، روى عن عدد من الصحابة كأبي هريرة وعائشة وابن عمر ﵃، اختلف في سنة وفاته على أقوال، أشهرها أنه توفي سنة (١٠٣ هـ). [انظر: السير (٤/ ٤٤٩)، والعبر (١/ ٩٤)، وتقريب التهذيب (٢/ ١٥٩)، وشذرات الذهب (١/ ١٢٥)].\r(¬٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٥).\r(¬٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٨٨)، والسدي هو: الإمام المفسر إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة أبو محمد الحجازي ثم الكوفي الأعور السدي، أحد موالي قريش، حدَّث عن أنس بن مالك وابن عباس ﵃، وقد ليَّنه بعض النقاد، وقال فيه ابن حجر: صدوق يهم، توفي ﵀ سنة (١٢٧). [انظر: السير (٥/ ٢٦٤)، والعبر (١/ ١٢٧)، وتقريب التهذيب (١/ ٩٧)].\r(¬٧) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٦)، والبداية والنهاية (١/ ١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211571,"book_id":118,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":355,"body":"النبي ﷺ (¬١)، ونقل الطبري وغيره الإجماع على هذا (¬٢)، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الإثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس.\rقال ابن تيمية: \"ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم جمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أن خلق ذلك في الأيام السبعة، وقد روي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"لما ثبت بهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، أن آدم خلق يوم الجمعة، وثبت أنه آخر المخلوقات بلا نزاع، علم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، لأن القرآن قد أخبر أن الخلق كان في ستة أيام، وبهذا النقل المتواتر، مع شهادة ما عند أهل الكتاب على ذلك، وموافقة الأسماء وغير ذلك، علم ضعف الحديث المعارض لذلك، مع أنه في نفسه متعارض ... فهو قد بين ما يوافق سائر الأحاديث من أن آدم خلق يوم الجمعة، وأنه خلق آخر الخلق، ومعلوم بنصوص القرآن أن الخلق كان في ستة أيام، وذلك يدل على ما وقع فيه من الوهم بذكر الخلق يوم السبت\" (¬٤).\rوقال ابن القيم عن يوم السبت: \"لم يكن يومًا من أيام تخليق العالم، بل ابتداء أيام التخليق الأحد، وخاتمتها الجمعة، هذا أصح القولين، وعليه يدل القرآن، وإجماع الأمة على أن أيام تخليق العالم ستة، فلو كان أولها السبت لكان سبعة\" (¬٥).\rوقال ابن كثير عن هذا الحديث: \"في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك","footnotes":"(¬١) انظر: العظمة لأبي الشيخ (٤/ ١٣٦٢، ١٣٧١، ١٣٧٢، ١٣٧٤).\r(¬٢) انظر: تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٥).\r(¬٣) التوسل والوسيلة (١٠٠)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٧).\r(¬٤) بغية المرتاد (٣٠٦ - ٣٠٧) بتصرف يسير.\r(¬٥) بدائع الفوائد (١/ ٧١)، وانظر: المنار المنيف (٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211572,"book_id":118,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":356,"body":"أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، لأن الأرض خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السموات في يومين من دخان\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"هذا الحديث من غرائب الصحيح\" (¬٢).\rالقول الثاني: أن الحديث صحيح لا مطعن في إسناده البتة، وعلى رأس القائلين بهذا الإمام مسلم، عليه رحمة الله، وصححه أيضًا ابن حبان (¬٣)، وابن الأنباري (¬٤)، وابن الجوزي (¬٥)، وأحمد شاكر (¬٦)، وانتصر لتصحيحه والرد على الطاعنين في صحته كل من المعلمي والألباني، عليهما رحمة الله، فأجابا عن العلل الموجهة إلى سند هذا الحديث بما يلي (¬٧):","footnotes":"(¬١) البداية والنهاية (١/ ١٥).\r(¬٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٠٦).\r(¬٣) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ٣٠) ح (٦١٦١).\r(¬٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨)، وابن الأنباري هو: الشيخ المُعَمَّر مسند بغداد\rأبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنباري، تفرد بالرواية عن جماعة، وتوفي سنة ستين وثلاثمائة (٣٦٠). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٤٨)، والسير (١٦/ ٦٣)، والعبر (٢/ ١٠٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٣١)].\r(¬٥) انظر: تفسيره زاد المسير (٧/ ٢٤٣)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٦)، و (١٨/ ١٨).\r(¬٦) انظر: تعليقه على المسند (١٦/ ١٤٦)، وأحمد شاكر هو: أحمد بن محمد بن شاكر بن عبد القادر الحسيني محدث مفسر فقيه أديب، ولد بالقاهرة ودرس بالسودان ثم بمعهد الإسكندرية، وكان لوالده أثر كبير في حياته العلمية، وبعد ذلك التحق بالأزهر وتخرج منه فعين مدرسًا ثم قاضيًا ثم عضوًا بالمحكمة العليا، وله جهود في خدمة السنة النبوية، توفي سنة (١٣٧٧ هـ) له العديد من المؤلفات منها: تحقيق مسند الإمام أحمد بن حنبل، ولم يكمله، وكتاب الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير. [انظر: الأعلام (١/ ٢٥٣)، ومعجم المؤلفين (١/ ٢٨٤)].\r(¬٧) وللشيخ عبد القادر السندي مقالة -في حلقتين- عن هذا الحديث في مجلة الجامعة الإسلامية، عدد (٤٩)، و (٥٠) بعنوان: \"إزالة الشبهة عن حديث التربة\" توجه فيها لتصحيحه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211573,"book_id":118,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":357,"body":"أما إعلال البخاري لهذا الحديث بقوله: \"وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح\"، فقد قال عنه المعلمي: \"مؤدى صنيعه أنه يحدس أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبني على ثلاثة أمور:\rالأول: استنكار الخبر لما مر.\rالثاني: أن أيوب ليس بالقوي، وهو مقل، لم يخرج له مسلم إلا هذا الحديث، لما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي، ولم ينقل توثيقه عن أحد من الأئمة، إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف.\rالثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله: \"وقال بعضهم\"، وليته ذكر سندها ومتنها، فقد تكون ضعيفة في نفسها، وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين، ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه (¬١) ومن يأخذ عنهم: أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم، وعليه بنوا قولهم في السبت ... وهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب\" (¬٢).\rوأما إعلال ابن المديني للحديث بأنه يرى أن إسماعيل بن أمية قد رواه عن إبرهيم بن أبي يحيى، وهو متروك متهم بالكذب، فقد أجاب عنه المعلمي أيضًا فقال: \"يرد على هذا أن إسماعيل بن أمية ثقة عندهم غير","footnotes":"(¬١) هو وهب بن منبه بن كامل بن سيج أبو عبد الله الصنعاني اليماني، عالم أهل اليمن، كان ثقة واسع العلم، عنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، صاحب قصص وأخبار، روى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وابن عباس ﵃، توفي ﵀ سنة (١١٤ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٥/ ٢٨)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠٠)، والسير (٤/ ٥٤٤)، وتقريب التهذيب (٢/ ٢٩٣)، وشذرات الذهب (١/ ١٥٠)].\r(¬٢) الأنوار الكاشفة (١٨٩ - ١٩٠) بتصرف يسير، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211574,"book_id":118,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":358,"body":"مدلس، فلهذا -والله أعلم- لم يرتضِ البخاري قول شيخه ابن المديني، وأعل الخبر بأمر آخر\" (¬١).\rوقال الألباني: \"هذه دعوى عارية من الدليل، إلا مجرد الرأي، وبمثله لا ترد رواية إسماعيل بن أمية، فإنه ثقة ثبت، كما قال الحافظ في التقريب (¬٢) \" (¬٣).\rوأما إعلال الحديث بأيوب بن خالد لأن فيه لينًا فقد قال عنه الألباني: \"ليس بشيء، فإنه لم يضعفه أحد سوى الأزدي، وهو نفسه لين عند المحدثين، فتنبه\" (¬٤).\rوقال المعلمي: \"وأيوب لا بأس به، وصنيع ابن المديني يدل على قوَّته عنده، وقد أخرج له مسلم في صحيحه كما علمت، وإن لم يكن حده أن يحتج به في الصحيح\" (¬٥).\rوأما العلل الموجهة إلى متن هذا الحديث فقد أجاب عنها المعلمي كما سيأتي، أما إجابات غيره من المصححين لهذا الحديث فتكاد تنحصر في الإجابة على علة واحدة -العلة الأولى- وهي مخالفة هذا الحديث للقرآن من حيث إن الحديث يفيد أن الخلق تم في سبعة أيام، والقرآن صريح بأنه في ستة أيام، وهذه الأجوبة تعتبر هي توجيهات أصحاب هذا القول لهذا الحديث، والمتأمل لها يجد أن أغلبها تجعل ابتداء الخلق يوم السبت، وانتهاءه يوم الخميس، فهذه ستة أيام، وهي التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وأما خلق آدم فجعلوه غير داخل في الأيام الستة، قالوا: وبهذا يندفع الإشكال، وتنتفي مخالفة هذا الحديث للقرآن.","footnotes":"(¬١) الأنوار الكاشفة (١٨٩).\r(¬٢) انظر: تقريب التهذيب (١/ ٩١).\r(¬٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٩).\r(¬٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٥٠).\r(¬٥) الأنوار الكاشفة (١٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211575,"book_id":118,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":359,"body":"قال ابن إسحاق (¬١) -فيما روى الطبري عنه-: \"نقول: نحن المسلمون فيما انتهى إلينا من رسول الله ﷺ: ابتدأ الله الخلق يوم السبت\" (¬٢).\rوقال السهيلي (¬٣) -معلقًا على حديث التربة-: \"فبين أن أول الأيام التي خلق الله فيها الخلق: السبت، وآخر الأيام الستة إذًا الخميس، وكذلك قال ابن إسحاق فيما ذكر عنه الطبري\" (¬٤). واختلف أصحاب هذا القول في وجه عدم دخول اليوم الذي خلق فيه آدم ﵇ في الأيام الستة على عدة أقوال:\r١ - فذهب ابن هبيرة (¬٥) إلى أنه مستقل عن خلق الأرض، ليس منها،","footnotes":"(¬١) هو محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر القرشي المطلبي مولاهم، المدني، إمام حافظ أخباري، علامة في السير والمغازي، وله فيها كتاب السيرة النبوية، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة (١٥١) على الصحيح. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٣)، والسير (٧/ ٣٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٢)، وتقريب التهذيب (٢/ ٥٤)].\r(¬٢) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٧).\r(¬٣) هو العلامة عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي الأندلسي، النحوي الحافظ العلم صاحب التصانيف، كان مالكيًا ضريرًا، برع في العربية واللغات والأخبار وتصدر للإفادة وكان مشهورًا بالصلاح والورع والقناعة بالكفاف توفي ﵀ سنة (٥٨١ هـ) له مصنفات منها: الروض الأنف، في شرح السيرة النبوية لابن هشام، ونتائج الفكر. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١١٩)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٤٨)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٧١)، والأعلام (٣/ ٣١٣)].\r(¬٤) الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية (٢/ ١٩٧).\r(¬٥) هو الإمام العالم والوزير العادل أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن الشيباني الدوري العراقي الحنبلي، صاحب التصانيف، كان سلفيًا أثريًا دينًا خيرًا عاقلًا وقورًا متواضعًا، جزل الرأي، بارًا بالعلماء، مكبًا مع أعباء الوزارة على العلم وتدوينه، ومن مؤلفاته: الإفصاح عن معاني الصحاح، شرح فيه صحيحي البخاري ومسلم، توفي ﵀ مسمومًا سنة ستين وخمسمائة (٥٦٠). [انظر: وفيات الأعيان (٥/ ١٩١)، والسير (٢/ ٤٢٦)، والعبر (٣/ ٣٤)، وشذرات الذهب (٤/ ١٩١)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211576,"book_id":118,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":360,"body":"فلا يكون يومه معدودًا في الأيام الستة، قال ﵀: \"لما كملت هذه الأشياء في ستة أيام، كما قال ﷿، واستتب أمر الدار، مستدعية بلسان حالها قدوم الساكن حين تهيئة الأسباب، والفراغ من الرزق والمركب والرياش، وتبين ما يكره وما يطلب، كان خلق ساكن الدار، أبي البشر في يوم الجمعة عند آخر النهار\" (¬١).\r٢ - وذهب ابن الجوزي إلى أن أصول الأشياء هي التي خلقت في ستة أيام، وآدم ليس أصلًا وإنما هو كالفرع من بعضها، وبناءً عليه، فلا يلزم أن يكون يوم خلقه في جملة الأيام الستة.\rقال ﵀: \"فإن قيل: فالقرآن يدل على أن خلق الأشياء في ستة أيام، وهذا الحديث يدل على أنها في سبعة؟ ! فالجواب: أن السموات والأرض وما بينهما خلق في ستة أيام، وخُلق آدم من الأرض، والأصول خلقت في ستة، وآدم كالفرع من بعضها\" (¬٢).\r٣ - وذهب المعلمي إلى القول: بأن خالقية الله تعالى لم تتوقف بعد الأيام الستة، لأن الله تعالى ما زال ولا يزال خالقًا، فخلقُ آدم كان بعدها، وليس في القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان في الأيام الستة حتى يُقال: إنها صارت -بهذا الحديث- سبعة.\rقال ﵀: \"ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل أنَّ خلق آدم كان في الأيام الستة، ولا في القرآن ولا السنة ولا المعقول أن خالقية الله ﷿ وقفت بعد الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان، وفي آيات خلق آدم في سورة البقرة، وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمَّار قبل آدم، عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القول: بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السموات والأرض، فتدبر","footnotes":"(¬١) الإفصاح عن معاني الصحاح (٨/ ١٥٠ - ١٥١).\r(¬٢) كشف المشكل (٣/ ٥٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211577,"book_id":118,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":361,"body":"الآيات والحديث على ضوء هذا البيان، يتضح لك إن شاء الله أن دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد\" (¬١).\r٤ - أما الألباني فقد جعل هذه الأيام المذكورة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن، واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة عند النسائي أن النبي ﷺ قال: (يا أبا هريرة: إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والشر يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في آخر ساعة من النهار بعد العصر، خلقه من أديم الأرض بأحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث) (¬٢).\rقال الألباني تعليقًا على حديث التربة: \"الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، فالحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه، وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر -يعني: الحديث المتقدم- فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من الجمع، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) الأنوار الكاشفة (١٩٠).\r(¬٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، في كتاب التفسير، كما في تحفة الأشراف (١٠/ ١٣٣) ح (١٣٥٥٧) من طريق الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ... ، وأورده الذهبي في العلو (٩٤)، وعزاه للنسائي، وقال: \"الأخضر وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولينه الأزدي، وحديثه في السنن الأربعة، وهذا الحديث غريب من أفراده\"، وأورده أيضًا ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٤)، وقال: \"اختلف فيه على ابن جريج\"، وقال المعلمي في الأنوار الكاشفة (١٩٢): \"في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نظر\"، وقال الألباني في مختصر العلو (١١٢) عن هذا الحديث: \"جيد الإسناد\".\r(¬٣) مختصر العلو (١١٢)، وانظر: تعليقه على مشكاة المصابيح (٣/ ١٥٩٨) تنبيه: =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211578,"book_id":118,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":362,"body":"هذه هي توجيهات أصحاب هذا القول لهذا الحديث، وهي كما أسلفت تنحصر في الإجابة عن العلة الأولى من علل المتن، وحاصلها: أن اليوم الذي خلق فيه آدم غير داخل في الأيام الستة، وأما الألباني فقد جعل الأيام السبعة كلها غير الأيام الستة المذكورة في القرآن.\rوأما بقية العلل فقد أجاب عنها المعلمي:\rفقال عن العلة الثانية، وهي عدم ذكر خلق السموات: \"الحديث وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس: النور، وفي السادس: الدواب، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية\".\rوأما العلة الثالثة: وهي أن الحديث يدل على أن خلق الأرض كان في ستة أيام، وصريح القرآن يدل على أن خلقها كان في أربعة أيام، فقد أجاب عنها بقوله: \"الذي فيه -يعني: الحديث- أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل أن من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدل أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئًا، والمعقول أنه بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن\" (¬١).\rوأما العلة الرابعة: وهي مخالفة الحديث للآثار القائلة: بأن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، فقد قال عنها المعلمي: \"ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام وكعب ووهب، ومن يأخذ من الإسرائيليات\" (¬٢).","footnotes":"= ما ذهب إليه الألباني يدل على أنه لا يجعل ابتداءًا لخلق يوم السبت، كما هو رأي الآخرين، والله أعلم.\r(¬١) الأنوار الكاشفة (١٩٠).\r(¬٢) الأنوار الكاشفة (١٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211579,"book_id":118,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":363,"body":"وأما دلالة أسماء الأيام على أن أول الأيام الستة هو يوم الأحد فقد قال عنها السهيلي: \"ليس في تسمية هذه الأيام: (¬١) والإثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال: إن أول الأسبوع الأحد، وسابعها السبت كما قال أهل الكتاب، لأنها تسمية طارئة، وإنما كانت أسماؤها في اللغة القديمة: شيار وأول وأهون وجبار ودبار ومؤنس والعروبة، وأسماؤها بالسريانية قبل هذا: أبو جاد هوز حطي ... إلى آخرها، ولو كان الله تعالى ذكرها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد، لقلنا: هي تسمية صادقة على المسمَّى بها، ولكنه لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت، وليسا من المشتقة من العدد، ولم يسمِها رسول الله ﷺ بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيًا للغة قومه لا مبتدئًا لتسميتها، ولعل قومه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعًا لهم\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) السياق هنا يقتضي وجود كلمة ساقطة، ولعلها: (الأحد)، والله أعلم.\r(¬٢) الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية (٢/ ١٩٨)، وانظر: الأنوار الكاشفة للمعلمي (١٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211580,"book_id":118,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":364,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالحق أن مثار الإشكال في هذا الحديث هو المتن، لمخالفة ظاهره صريح القرآن، وهو الذي دعا بعض أهل العلم إلى التفتيش في سنده لمعرفة مصدر الوهم فيه، فمنهم من جعل مصدره كون إسماعيل بن أمية رواه عن إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف متهم بالكذب، ومنهم من جعل مصدره أيوب بن خالد، حيث إنه قد ضُعِّفَ من قبل بعض العلماء، ومنهم من جعل مصدره وَهْمُ بعض الرواة، حيث رفعه إلى النبي ﷺ، بينما هو موقوف على كعب، من رواية أبي هريرة عنه.\rولذا قال المعلمي: \"مدار الشك في هذا الحديث على الاستنكار\" (¬١) أي: ما في متنه من نكارة، لمخالفته صريح القرآن.\rوقد تقدم الكلام على سند هذا الحديث، وبيان الأقوال فيه، بما يغني عن إعادته، والأقوال فيه تكاد تكون متكافئة، إلا أن المضعفين له أكثر عددًا وأعلم بالعلل من المصححين له.\rأما متنه فإن الذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أنه مخالف لصريح القرآن، مخالفة واضحة، لا يمكن معها القول: بصحة الحديث، لأن القرآن متواتر مقطوع بصحته، بخلاف هذا الحديث، وهذا يرجح جانب المعلين لسنده.\rقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"هذا الحديث رواه مسلم ﵀، وقد أنكره العلماء عليه، فهو حديث ليس بصحيح، ولا يصح عن النبي ﷺ،","footnotes":"(¬١) الأنوار الكاشفة (١٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211581,"book_id":118,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":365,"body":"لأنه يخالف القرآن الكريم، وكل ما خالف القرآن الكريم فهو باطل، لأن الذين رووا: نقلة بشر، يخطئون ويصيبون، والقرآن ليس فيه خطأ، كله صواب منقول بالتواتر، فما خالفه من أي حديث كان فإنه يحكم بأنه غير صحيح، وإن رواه من رواه\" (¬١).\rوتحرير القول وبيانه، في مخالفة هذا الحديث لصريح القرآن كما يلي:\r- أن هذا الحديث جعل ابتداء الخلق يوم السبت، وانتهاءه يوم الجمعة، فتكون مدة الخلق على هذا سبعة أيام، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن، وانعقد عليه الإجماع من أن خلق السموات والأرض وما بينهما، كان في ستة أيام، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤].\rقال ابن تيمية: \"النصوص والآثار المتواترة عن النبي ﷺ، وأصحابه والتابعين متطابقة على ما دل عليه القرآن من أن خلق السموات والأرض في ستة أيام ... وهذا أيضًا متفق عليه بين أهل الملل كاليهود والنصارى، وهو مذكور في التوراة وغيرها كما ذكر في القرآن\" (¬٢).\r- وفي هذا الحديث أيضًا أن ابتداء الخلق كان يوم السبت، والذي تدل عليه الأدلة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، أن ابتداء الخلق يوم الأحد، وبيان ذلك: أنه لا نزاع في كون آدم ﵇ خلق يوم الجمعة (¬٣)، وأنه آخر المخلوقات (¬٤)، وهو صريح هذا الحديث، ففيه: (وخلق آدم ﵇ بعد","footnotes":"(¬١) شرح رياض الصالحين (٤/ ٥٢٢).\r(¬٢) بغية المرتاد (٣٠٣)، وانظر: (٣٠٧)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٨).\r(¬٣) أخرج مسلم في صحيحه (٦/ ٣٩٠) ح (٨٥٤) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها).\r(¬٤) انظر: بغية المرتاد (٣٠٦)، وتاريخ الأمم والملوك للطبري (١/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211582,"book_id":118,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":366,"body":"العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل).\rفإذا كان آدم آخر الخلق، وكان خلقه يوم الجمعة، وكان خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وكان خلق آدم ﵇ داخلًا في هذه الأيام الستة، علم يقينًا أن ابتداء الخلق يوم الأحد لا السبت، وهذا ظاهر.\rقال ابن جرير الطبري: \"لا خلاف بين جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله ﵎ في قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] داخلان في الأيام الستة التي ذكرهن قبل ذلك، فمعلوم إذا كان الله ﷿ إنما خلق السموات والأرضين وما فيهن في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله ﷺ بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة: أن يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه، داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهن، لأن ذلك لو لم يكن داخلًا في الأيام الستة، كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل، فتبين إذًا إذ كان الأمر كالذي وصفنا في ذلك: أن أول الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات والأرض وما فيهن من خلقه، يوم الأحد، إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام كما قال ربنا ﷻ\" (¬١).\rوقال ابن تيمية: \"ثبت بالتواتر أن خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا هو عند أهل الكتاب، وعلى ذلك تدل أسماء الأيام، وهذا هو المنقول الثابت في أحاديثَ وآثار أخر، ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة، لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو","footnotes":"(¬١) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211583,"book_id":118,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":367,"body":"خلاف ما أخبر به القرآن\" (¬١).\rوعلى هذا القول، وهو أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد: جمهور العلماء من الصحابة والتابعين (¬٢) وغالب أهل التفسير، كالطبري والسمعاني (¬٣)، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، وصديق بن حسن القنوجي، والسعدي (¬٤).\rبل نقل الطبري والقرشي (¬٥) الإجماع على ذلك:\rقال الطبري: \"وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: اليوم الذي ابتدأ الله -تعالى ذكره- فيه خلق السموات والأرض: يوم","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨ - ١٩)، وانظر: (١٧/ ٢٣٥)، وبغية المرتاد (٣٠٦).\r(¬٢) انظر: بغية المرتاد (٢٩٩)، والبداية والنهاية (١/ ١٣)، وص (٣٦١) من هذا البحث.\r(¬٣) هو الإمام العلامة أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني المروزي، مفتي خراسان وشيخ الشافعية، كان حنفيًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وكان فقيهًا زاهدًا ورعًا، وكان شوكًا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة، له مؤلفات منها: تفسيره المشهور، والانتصار، والقواطع في أصول الفقه، توفي ﵀ سنة تسع وثمانين وأربعمائة (٤٨٩). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٨٢)، والسير (١٩/ ١١٤)، والعبر (٢/ ٣٦١)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٩٣)].\r(¬٤) انظر على الترتيب: جامع البيان للطبري (٥/ ٥١٣)، وتفسير القرآن العظيم لأبي المظفر السمعاني (٥/ ٣٨)، ومعالم التنزيل للبغوي (٤/ ١٠٨)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٣٤٥، ٣٤٢)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٣٥٢)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ٢١١)، وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق بن حسن القنوجي (٦/ ١٥٠ - ١٥١)، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي (٦/ ٥٦٢).\r(¬٥) هو محيي الدين عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم بن أبي الوفاء الحنفي القرشي، برع في الفقه، ودرَّس وأفاد وصنَّف، وشرح معاني الآثار للطحاوي، وله أيضًا: الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية، توفي ﵀ سنة خمس وسبعين وسبعمائة (٧٧٥). [انظر: الدرر الكامنة (٢/ ٣٩٢)، وشذرات الذهب (٦/ ٢٣٨)، والأعلام (٤/ ٤٢)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211584,"book_id":118,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":368,"body":"الأحد، لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك\" (¬١).\rوقال القرشي: \"اتفقت الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق يوم الأحد\" (¬٢).\r- وأيضًا فهذا الحديث مخالف للقرآن في جعله مدة خلق الأرض وما فيها ستة أيام، ولم يذكر فيها خلق السموات، والقرآن صريح في أن مدة خلق الأرض وما فيها أربعة أيام، وتمام الستة كان فيها خلق السموات، أي: في اليوم الخامس والسادس، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].\rقوله: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾، قال الطبري: \"وذلك يوم الأحد ويوم الإثنين، وبذلك جاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ، وقالته العلماء\" (¬٣).\rوقوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في تتمة أربعة أيام، قال البغوي: \"يريد: خلقَ ما في الأرض، وقدر الأقوات في يومين: يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع الأحد والإثنين أربعة أيام، رد الآخر على الأول في الذكر، كما تقول: تزوجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما هي التي تزوجتها بالأمس\" (¬٤).\rوقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، قال الطبري: \"ففرغ من خلقهن سبع سموات في يومين، وذلك يوم الخميس والجمعة\" (¬٥).\rقال القرطبي بعدما فسر هذه الآيات بما تقدم: \"على هذا أهل","footnotes":"(¬١) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٥).\r(¬٢) الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفيه (٤/ ٥٦٨).\r(¬٣) جامع البيان (١١/ ٨٧).\r(¬٤) معالم التنزيل (٤/ ١٠٨).\r(¬٥) جامع البيان (١١/ ٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211585,"book_id":118,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":369,"body":"التفسير، إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ... \" (¬١)، ثم ذكر حديث التربة.\rوقال الشنقيطي (¬٢) بعدما ذكر هذا التفسير: \"وهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال، لأن الله تعالى صرح في آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ... فلو لم يفسر قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ بأن معناه: في تتمة أربعة أيام، لكان المعنى أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ثمانية أيام\" (¬٣).\r\rالخلاصة:\rمما تقدم يظهر جليًا مخالفة هذا الحديث لصريح القرآن من عدة وجوه:\rالأول: أن القرآن صريح في أن خلق السموات والأرض وما بينهما، كان في ستة أيام، وهذا الحديث - (خلق الله التربة يوم السبت) - يتضمن استيعاب الخلق في سبعة أيام.\rالثاني: أن الذي دل عليه القرآن مع السنة، وبه قال جمهور أهل العلم: أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهذا الحديث يجعل ابتداء الخلق يوم السبت.\rالثالث: أن القرآن أخبر أن خلق الأرض وما فيها كان في أربعة أيام، وهذا الحديث جعل خلق الأرض وما فيها في ستة أيام.","footnotes":"(¬١) الجامع لآحكام القرآن (١٥/ ٣٤٥).\r(¬٢) هو العلامة محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، من علماء شنقيط، ولد وتعلم بها، وحج سنة (١٣٦٧ هـ)، واستقر مدرسًا في المدينة النبوية ثم الرياض وأخيرًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة، وكان عالمًا في جميع الفنون مبرّزًا في اللغة والتفسير، توفي ﵀ بمكة سنة (١٣٩٣ هـ)، وله عدة مؤلفات من أشهرها: أضواء البيان في تفسير القرآن. [انظر: الأعلام (٦/ ٤٥)، وعلماء نجد (٦/ ٣٧١)].\r(¬٣) أضواء البيان (٧/ ١١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211586,"book_id":118,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":370,"body":"الرابع: أن القرآن جعل خلق السموات داخلًا في الأيام الستة، بينما هذا الحديث لم يذكر خلق السموات.\rفهذه الوجوه -وهي علل المتن التي تقدم ذكرها في القول الأول- تجعل الحديث مطعونًا في صحته، لا سيما وقد أعله من جهة سنده جمع من أهل العلم، وفيهم الحفاظ والنقاد، وأئمة الجرح والتعديل، وأهل المعرفة بالعلل والأسانيد، كعلي بن المديني والبخاري ويحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبيهقي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير.\rوأما محاولة أصحاب القول الثاني توجيه الحديث ودفع مخالفته للقرآن -وذلك بالإجابة على علل المتن- فغير مجدية، لأن أجوبتهم عن علل المتن، ليست في القوة ما يجعلها تنهض لدفع إشكال الحديث، وإزالة ما فيه من مخالفة لكتاب الله تعالى، خاصةً ما أجابوا به على عدم ذكر خلق السموات فيه.\rقال القرطبي: \"وتحقيق هذا أنه لم يذكر في هذا الحديث نصًا على خلق السموات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق الله تعالى فيها، فلو خلق السموات في يوم زائد على أيام الأسبوع، لكان خلق السموات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه.\rوقد رُوي هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة ... فلا يعتمد على ما تضمنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يعتمد عليه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] الآيات، فلينظر فيها من أراد تحقيق ذلك\" (¬١).\rومما يحسن التنبيه عليه أن أصحاب القولين -المصححين للحديث","footnotes":"(¬١) المفهم (٣٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211587,"book_id":118,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":371,"body":"والمضعفين له- متفقون على تنزيل الأيام الستة المذكورة في القرآن على الأيام الواردة في حديث التربة، ما عدا الألباني ﵀، حيث ذهب -كما تقدم- إلى أن الأيام الواردة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن، وقوله هذا يرده ويشكل عليه أن الحديث ورد فيه خلق الجبال والأشجار، فإذا جعلنا ما ورد في الحديث غير ما ورد في القرآن، لزم من ذلك إخراج خلق الجبال والشجر من الأيام الستة المذكورة في القرآن، وهذا مخالف لصريح القرآن، حيث جعل خلق الجبال والأقوات -وهي الشجر وكل ما يقتات الناس (¬١) - داخلًا في الأيام الستة، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾.\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: جامع البيان (١١/ ٨٩ - ٩٠)، وتفسير القرآن للسمعاني (٥/ ٨٣)، وزاد المسير (٧/ ٢٤٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ١٤١)، وفتح القدير (٤/ ٥٠٧)، وأضواء البيان (٧/ ١١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211588,"book_id":118,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":372,"body":"المبحث الثالث: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211589,"book_id":118,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":373,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن عائشة ﵁: عن النبي ﷺ قال: (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني (¬١) الله بمغفرة ورحمة) متفق عليه (¬٢).\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله)، قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، متفق عليه (¬٣).\rوعن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يُدخِل أحدًا منكم عملُه الجنةَ ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا برحمة من الله)، رواه مسلم (¬٤).","footnotes":"(¬١) أي: يلبسني ويغشيني ويسترني، مأخوذ من غمد السيف، وهو غلافه، لأنك إذا أغمدته فقد ألبسته إياه وغشيته به. [انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ١٦٥ - ١٦٦)، وتهذيب اللغة (٨/ ٩٤ - ٩٥) مادة: (غمد)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٨٣)].\r(¬٢) البخاري في موضعين: في كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل (٥/ ٢٣٧٣) ح (٦١٠٢)، و (٦٠٩٩).\rومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله (١٧/ ١٦٧) ح (٢٨١٨).\r(¬٣) البخاري في موضعين: في كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل (٥/ ٢٣٧٣) ح (٦٠٩٨)، وفي كتاب المرضى، باب: نهي تمني المريض الموت (٥/ ٢١٤٦) ح (٥٣٤٩)، ومسلم واللفظ له: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله (١٧/ ١٦٤) ح (٢٨١٦).\r(¬٤) صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله (١٧/ ١٦٧) ح (٢٨١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211590,"book_id":118,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":374,"body":"بيان وجه الإشكال\rأن هذه الأحاديث -والتي بلغت مبلغ التواتر (¬١) - تنص على عدم دخول الجنة بالأعمال (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، والقرآن ينص على دخول الجنة بالأعمال كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، فكيف نجمع بين هذه الآيات والأحاديث؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية.\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: العواصم والقواصم لابن الوزير (٧/ ٢٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211591,"book_id":118,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":375,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rللناس مع هذه الأحاديث ثلاثة مواقف:\rالموقف الأول: الجمع بينها وبين الآيات التي تنص على أن دخول الجنة يكون بالأعمال، وذلك بالعمل بها جميعًا، حيث قالوا: إنه لا تنافي بينها، لأن توارد النفي -الذي في الحديث- والإثبات -الذي في الآية- ليس على محل واحد، وعلى هذا القول أهل السنة والجماعة ومن وافقهم، ولكنهم اختلفوا في كيفية الجمع على أقوال، أشهرها:\rالقول الأول: أن المنفي في الحديث: (لن ينجو أحد منكم بعمله) هو كون العمل عوضًا وثمنًا كافيًا للنجاة ودخول الجنة، إذ لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فالذي نفاه النبي ﷺ: باء المقابلة والعوض، وكون دخول الجنة بمجرد الأعمال.\rوأما المثبت في الآية: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فهو: باء السببية، أي: بسسب أعمالكم، فالأعمال سبب لدخول الجنة.\rوإلى هذا القول ذهب جمع من أهل العلم كالنووي (¬١)، وابن تيمية (¬٢)، وابن القيم، وابن كثير (¬٣)، وابن أبي العز (¬٤)، والعراقي (¬٥)، وابن","footnotes":"(¬١) انظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٦).\r(¬٢) انظر: الفرقان (٩٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٧٠).\r(¬٣) انظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤٥)، و (٤/ ٢٠٤).\r(¬٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٦٤٢ - ٦٤٣، ٦٦٢ - ٦٦٣).\r(¬٥) انظر: طرح التثريب (٨/ ٢٤١). والعراقي هو: الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المهراني المولد، العراقي الأصل =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211592,"book_id":118,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":376,"body":"الوزير (¬١)، والمقريزي (¬٢)، وغيرهم (¬٣).\rقال ابن القيم: \"الباء المقتضية للدخول غير الباء التي نُفي معها الدخول، فالمقتضية هي باء السببية، الدالة على أن الأعمال سبب للدخول، مقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والباء التي نُفي بها الدخول هي باء المعاوضة والمقابلة التي في نحو قولهم: اشتريت هذا بهذا.\rفأخبر النبي ﷺ أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا تغمد الله سبحانه لعبده برحمته لما أدخله الجنة، فليس عمل العبد -وإن تناهى- موجبًا بمجرده لدخول الجنة، ولا عوضًا لها، فإن أعماله وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، فهي لا تقاوم نعمة الله التي أنعم بها عليه في دار الدنيا، ولا تعادلها، بل لو حاسَبَه لوقعت أعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه، وتبقى بقية النعم مقتضيةً لشكرها، فلو عذبه في","footnotes":"= الكردي الشافعي، رحل مع أبيه وهو صغير إلى مصر فتعلم ونبغ فيها، وكان عالمًا بالنحو واللغة والغريب والقراءات والفقه وأصوله، غير أنه غلب عليه الحديث فاشتهر به، توفي ﵀ بالقاهرة سنة (٨٠٦ هـ) له مؤلفات عدة منها: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، وطرح التثريب في شرح التقريب. [انظر: شذرات الذهب (٧/ ٥٥)، والبدر الطالع (١/ ٣٥٤)، والأعلام (٣/ ٣٤٤)].\r(¬١) انظر: العواصم والقواصم (٧/ ٢٩٩).\r(¬٢) انظر: تجريد التوحيد (١٠٨ - ١٠٩)، والمقريزي هو: أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد أبو العباس المقريزي، البعلبكي الأصل، المصري المولد والوفاة، الحنفي ثم الشافعي، تفقه وبرع، ونظر في عدة فنون، وأُولع بالتاريخ فجمع منه شيئًا كثيرًا، له مصنفات عديدة منها: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ويعرف بخطط المقريزي، وله أيضًا تجريد التوحيد المفيد، توفي ﵀ سنة خمس وأربعين وثمانمائة (٨٤٥). [انظر: الضوء اللامع (٢/ ٢١)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٥٤)، والبدر الطالع (١/ ٧٩)، والأعلام (١/ ١٧٧)].\r(¬٣) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣/ ٤٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211593,"book_id":118,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":377,"body":"هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له، ولو رحمه لكانت رحمته خيرًا له من عمله\" (¬١).\rالقول الثاني: أن أصل دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله، وعلى هذا يحمل الحديث، وأما التفاوت في المنازل والدرجات في الجنة فيكون بالأعمال، وعلى هذا تحمل الآية.\rوإلى هذا ذهب ابن بطال وغيره (¬٢).\rقال ابن بطال: \"فإن قال قائل: فإن قوله ﵇: (لن يدخل أحدكم عمله الجنة) يعارض قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، قيل: ليس كما توهمت، ومعنى الحديث غير معنى الآية، أخبر النبي ﷺ في الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله، وإنما يدخلها العباد برحمة الله، وأخبر الله تعالى فى الآية أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم، فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها، فلا تعارض بين شيء من ذلك.\rفإن قيل: فقد قال تعالى في سورة النحل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فأخبر أن دخول الجنة بالأعمال أيضًا، فالجواب: أن قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كلام مجمل يبينه الحديث، وتقديره: ادخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون، فالآية مفتقرة إلى بيان لحديث\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) مفتاح دار السعادة (١/ ١٢٠)، وانظر: (٢/ ٥١٤، ٥٥٠)، وحادي الأرواح (١٢٤).\r(¬٢) انظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ١١٠)، ومفتاح دار السعادة (١/ ١١٩)، وحادي الأرواح (١٢٤)، والعواصم والقواصم لابن الوزير (٧/ ٢٩٦)، وفتح الباري (١١/ ٢٩٧، ٢٩٦).\r(¬٣) شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211594,"book_id":118,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":378,"body":"القول الثالث: أن التوفيق للعمل من رحمة الله تعالى، فلولا رحمته لما صلح عمل ولا حصلت طاعة، وعلى هذا فدخول الجنة بالأعمال لا يكون إلا مع رحمة الله تعالى، فالحديث مفسر للآية، وإلى هذا ذهب القاضي عياض وغيره (¬١).\rقال ﵀: \"لا تعارض بين هذا وبين قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وشبهه من الآيات، لأن الحديث يفسر ما أجمل ها هنا، وأن معنى ذلك: مع رحمة الله وبرحمة الله، إذ من رحمة الله توفيقه للعمل، وهدايته للطاعات، وأنه لم يستحقها بعمله، إذ الكل بفضل من الله تعالى\" (¬٢).\rالقول الرابع: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ حيث قال: \"ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولًا، وإذا كان كذلك فأمر القبول (¬٣) إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا، فمعنى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو للإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية\" (¬٤).\rالموقف الثاني: ما ذهبت إليه القدرية، وهو: أن الجنة عوض عن العمل وثمن له، فالعبادات شرعت أثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وذلك بمنزلة استيفاء الأجير أجره، وعلى هذا فدخول الجنة راجع إلى محض الأعمال، واستدلوا بما تقدم من الآيات وما في معناها كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]،","footnotes":"(¬١) انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٨١)، وكشف المشكل (٣/ ١١٠)، والعواصم والقواصم (٧/ ٢٩٣)، وفتح الباري (١١/ ٢٩٦).\r(¬٢) إكمال المعلم (٨/ ٣٥٣).\r(¬٣) في الأصل (القول)، ولعل الصواب ما أثبته، بدلالة السياق، والله أعلم.\r(¬٤) فتح الباري (١١/ ٢٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211595,"book_id":118,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":379,"body":"وقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، فقالوا: إن الله تعالى -في هذه الآيات- جعل الجنة عوضًا عن الأعمال (¬١).\rالموقف الثالث: ما ذهبت إليه الجبرية من أن الأعمال ليس لها ارتباط بالجزاء البتة، وأنها ليست سببًا في دخول الجنة، فدخولها راجع إلى محض المشيئة (¬٢).\rواستدلوا بما تقدم من الأحاديث التي فيها نفي دخول الجنة بالأعمال (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٥٠٢، ٥١٤ - ٥١٥)، و (٣/ ٣٣)، وشرح العقيدة الطحاوية (٦٤٢)، وتجريد التوحيد (١٠٦ - ١٠٧)، وفتح الباري (١١/ ٢٩٦).\r(¬٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٥٠٢، ٥١٤)، و (٣/ ٣٤)، وشرح العقيدة الطحاوية (٦٤١)، وتجريد التوحيد (١٠٧)، وفتح الباري (١١/ ٢٩٦).\r(¬٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٦٤١)، والحياة الآخرة للدكتور غالب العواجي (٢/ ١٠٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211596,"book_id":118,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":380,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي عليه أهل السنة والجماعة: أن مجرد الأعمال غير كاف في دخول الجنة، إذ لا بد من رحمة الله تعالى، فبدونها لا تجب الجنة لأحد، كما تقدم في الأحاديث، حيث قال ﷺ: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة).\rوقد جاء القرآن مصدقًا لمعنى هذه الأحاديث، كما في قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].\rوقال تعالى بعد ذكر الجنة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ [الدخان: ٥٦، ٥٧].\rوقال جل وعلا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧].\rوليس في كتاب الله أن العمل يُدخل الجنة، وإنما فيه أن الله هو يدخل الجنة به في بعض الآيات، وفي بعضها بالعمل وبتكفير الله تعالى للسيئات، وهي زيادة يجب اعتبارها.\rقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التغابن: ٩].\rوقال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211597,"book_id":118,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":381,"body":"بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ [الزمر: ٣٥]، وهذا كثير في كتاب الله تعالى، ولا دليل على أن التكفير واجب بالعمل، بل الأدلة ناهضة بخلافه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] (¬١).\rقال الإمام البربهاري (¬٢): \"اعلم أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، ولا يعذب الله أحدًا إلا بقدر ذنوبه، ولو عذب أهل السموات والأرض، برهم وفاجرهم، عذبهم غير ظالم لهم\" (¬٣).\rوقال الإمام الصابوني (¬٤) في معرض بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: \"ويعتقدون ويشهدون أن أحدًا لا تجب له الجنة -وإن كان عمله حسنًا وطريقه مرضيًا- إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له، ولو لم يهدِه لم يهتد له أبدًا، قال الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١] \" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: العواصم والقواصم (٧/ ٢٩٢).\r(¬٢) هو شيخ الحنابلة في وقته، القدوة الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، كان فقيهًا بالحق، داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم، له مصنف مشهور في الاعتقاد، اسمه: شرح السنة، توفي ﵀ تسع وعشرين وثلاثمائة (٣٢٩). [انظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٣٦)، والسير (١٥/ ٩٠)، والعبر (٢/ ٣٣)، وشذرات الذهب (٢/ ٣١٩)].\r(¬٣) شرح السنة (٣٥).\r(¬٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الشافعي الواعظ المفسر المصنف، أحد الأعلام وشيخ خراسان في زمانه جلس للوعظ وهو ابن عشر سنين، وكان إمامًا حافظًا عمدة مقدمًا في الوعظ والأدب وكان سيف السنة وأفعى أهل البدعة توفي ﵀ سنة (٤٤٩ هـ). [انظر: السير (١٨/ ٤٠)، والعبر (٢/ ٢٩٤)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٨٢)].\r(¬٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٩٤ - ٢٩٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211598,"book_id":118,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":382,"body":"كما أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة أسباب موصلة إلى ثواب الله تعالى وجنته، لكن ذلك لا يتحقق إلا بتوفر الشروط -والتي من أعظمها رحمة الله- وانتفاء الموانع.\rقال ابن تيمية: \"مجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مُرْبِيَةٍ بإذن الله ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره ... وكذلك أمر الآخرة، ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هو سبب ولهذا قال النبي ﷺ: (إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) \" (¬١).\rوقال المقريزي: \"الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب، والأعمال الصالحات من توفيق الله وفضله، وليست قدْرًا لجزائه وثوابه، بل غايتها إذا وقعت على أكمل الوجوه: أن تكون شكرًا على أحد الأجزاء القليلة من نعمه سبحانه، فلو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم\" (¬٢).\rوأما ما قيل في الجمع بين حديث: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) وما في معناه، وآية: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وما في معناها، فأحسنها القول الأول، وهو: أن المنفي في الحديث كون الأعمال بمجردها توجب دخول الجنة، وأما المثبت في الآية فهو كون الأعمال سبب في دخول الجنة، والفرق بين الأمرين ظاهر، وقد جمع النبي ﷺ بينهما في قوله: (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)،","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٨/ ٧٠) بتصرف يسير.\r(¬٢) تجريد التوحيد (١٠٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211599,"book_id":118,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":383,"body":"قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)، متفق عليه.\rقال ابن الوزير: \"اعلم أن أهل السنة لا ينكرون أن الجنة تُدَخلُ بعمل كما ورد في القرآن، وإنما ينكرون ما ليس في القرآن من كونها تُستَحقُ على الله بالعمل استحقاق المبيعات بأثمانها، بحيث إنه لا فضل للبائع على المشتري.\rفمرجع النزاع في أن الباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، هل هي باء المعاوضة للشيء بمقدار ثمنه، مثل الثوب بالدرهم، أو هي باء السببية، كقولك: أكرمني الملِكُ بسابق معرفة، أو بكلمة طيبة سمعها مني، أو نحو ذلك؟\rوالقرآن إنما نص على العمل، لا على أن الباء فيه للثمن المساوي، ولو قال أهل السنة: بعدم العمل، لجوَّزوا الجنة للمشركين فاعرف هذه النكتة\" (¬١).\rوأما الأقوال الأخرى في الجمع فإنها عند التأمل نجد أنها تؤول إلى هذا القول، كما أن هذا القول لا يخالف ما جاء في بقية الأقوال بل يوافقها، فالأقوال كلها لا تخالف في كون الأعمال أسبابًا موصلة إلى رضوان الله والجنة، وأن تفاوت العباد في المنازل والدرجات في الجنة يكون بحسب الأعمال، كما أن التوفيق للأعمال الصالحة والهداية لها، ومن ثَم دخول الجنة، والتفاوت في منازلها، كل ذلك برحمة الله تعالى وفضله، وأن مجرد الأعمال -بقطع النظر عن رحمة الله تعالى- لا توجب دخول الجنة، إذ ليست الجنة عوضًا عن الأعمال وثمن لها.\rوإليك كلام النووي، حيث اشتمل على مجمل هذه الأقوال، قال رحمه الله تعالى: \"أما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ","footnotes":"(¬١) العواصم والقواصم (٧/ ٢٩٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211600,"book_id":118,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":384,"body":"الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾، ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها، برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال، أي: بسببها، وهي من الرحمة، والله أعلم\" (¬١).\rوأما الموقف الثاني، وهو ما ذهبت إليه القدرية من أن الجنة عوض عن العمل وثمن له، فهو باطل ظاهر البطلان، والأحاديث المتقدمة في نفي دخول الجنة بمجرد الأعمال ترد عليهم. وقد بيَّن الله تعالى في عدة آيات من كتابه أن الأنبياء وهم الأنبياء إنما يدخلون الجنة برحمة الله، فإذا كان الأنبياء كذلك فكيف بغيرهم (¬٢).\rقال الله تعالى حكاية عن آدم وحواء ﵈: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\rوقال ﷿ حكاية عن نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].\rوحكى عن إبراهيم قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧].\rوأما الموقف الثالث، وهو ما ذهبت إليه الجبرية، حيث أنكرت كون الأعمال سببًا في دخول الجنة، فهو باطل أيضًا، والآيات الدالة على أن دخول الجنة يكون بالأعمال ترد عليهم، وإذا كان \"من عذبه الله من المشركين، فقد عذبه بعمله، فكذلك من أثابه الله من الموحدين، فقد أثابه وأدخله الجنة بعمله\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٦).\r(¬٢) انظر: العواصم والقواصم (٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\r(¬٣) العواصم (٧/ ٢٩٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211601,"book_id":118,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":385,"body":"ونلاحظ أن كل واحد من الفريقين -القدرية والجبرية- قد تمسك بنوع من النصوص، وأغفل النوع الآخر، والحق الذي لا مرية فيه، هو القول: بمدلول النصوص كلها، وعدم طرح شيء منها، لأنها كلها حق وصدق -والحق لا يتعارض بل يصدق بعضه بعضًا- فيحمل كل نوع من النصوص على وجه لا يخالف النوع الآخر، وهو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، كما تقدم.\rقال ابن تيمية: \"وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس:\rفريق آمنوا بالقدر، وظنوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة، وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه.\rوفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك، وهؤلاء جهال ضلال فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا به، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وهو سبحانه كما قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) (¬١)، فالملِكُ إذا أمر مملوكيه بأمر، أمرهم لحاجته إليهم، وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم، فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن العالمين، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساؤوا فلها، لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦] \" (¬٢).\rوقال ابن القيم ردًا على الجبرية والقدرية، بعد بيانه للقول الراجح في هذه المسألة:","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٦/ ٣٦٨) ح (٢٥٧٧).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211602,"book_id":118,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":386,"body":"\"ولا يصح في النصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التفصيل، وبه يتبين أن الحق مع الوسط بين الفِرَق في جميع المسائل، لا يُستثنى من ذلك شيء، فما اختلفت الفِرَق إلا كان الحق مع الوسط، وكلٌّ من الطائفتين معه حق وباطل، فأصاب الجبرية في نفي المعاوضة، وأخطأوا في نفي السببية، وأصاب القدرية في إثبات السببية، وأخطأوا في إثبات المعاوضة، فإذا ضممت أحد نفيَي الجبرية إلى أحد إثباتَي القدرية، ونفيت باطلهما كنت أسعد بالحق منهما\" (¬١).\rوقال المقريزي: \"وتأمل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، مع قوله ﷺ: (لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله) تجد الآية تدل على أن الجنان بالأعمال، والحديث ينفي دخول الجنة بالأعمال، ولا تنافي بينهما، لأن توارد النفي والإثبات ليس على محل واحد، فالمنفي باء الثمنية، واستحقاق الجنة بمجرد الأعمال، ردًا على القدرية المجوسية، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداءً متضمن لتكدير المنة.\rوالباء المثبتة التي وردت في القرآن هي باء السببية، ردًا على القدرية الجبرية، الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال وجزائها، ولا هي أسباب لها، وإنما غايتها أن تكون أَمَارة.\rوالسنة النبوية: هي أن عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافي ربط الأسباب بالمسببات، وارتباطها بها.\rوكل طائفة من أهل الباطل تركت نوعًا من الحق، فإنها ارتكبت لأجله نوعًا من الباطل، بل أنواعًا، فهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٥١٥).\r(¬٢) تجريد التوحيد (١٠٨ - ١٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211603,"book_id":118,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":387,"body":"الباب الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في باب النبوة\rوفيه سبعة مباحث:\r* المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم).\r* المبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي ﷺ.\r* المبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين.\r* المبحث الرابع: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) مع قول أبي هريرة ﵁: (أوصاني خليلي بثلاث).\r* المبحث الخامس: حديث شريك في الإسراء.\r* المبحث السادس: لطم موسى ﵇ لملك الموت.\r* المبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي)، مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211604,"book_id":118,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":388,"body":"المبحث الأول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211605,"book_id":118,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":389,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي)، متفق عليه (¬١).","footnotes":"(¬١) البخاري في موضعين: في كتاب الأنبياء، باب: قوله ﷿ ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ قوله ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٣/ ١٢٣٣) ح (٣١٩٢)، وفي كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٤/ ١٧٣١) ح (٤٤١٧) لكن ليس فيه لفظ الشك، ومسلم في موضعين: في كتاب الإيمان، باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة (٢/ ٥٤٢) ح (١٥١)، وفي كتاب الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ (١٥/ ١٣٢) ح (١٥١).\rوأخرجه البخاري مختصرًا في عدة مواضع: فأخرج ما يتعلق بإبراهيم ﵇ في كتاب التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٤/ ١٦٥٠) ح (٤٢٦٣).\rوأخرج ما يتعلق بلوط ويوسف ﵇ في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ (٣/ ١٢٣٩) ح (٣٢٠٧).\rوأخرج ما يتعلق بلوط ﵇ في كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ (٣/ ١٢٣٥) ح (٣١٩٥)، وأخرجه أيضًا مسلم في كتاب الفضائل، الموضع السابق.\rوأخرج ما يتعلق بيوسف ﵇ في كتاب التعبير، باب: رؤيا أهل السجون والفساد والشرك (٦/ ٢٥٦٧) ح (٦٥٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211606,"book_id":118,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":390,"body":"بيان وجه الإشكال\rالشك في اللغة: خلاف اليقين ونقيضه (¬١)، وهو التردد بين شيئين، بحيث يصعب ترجيح أحدهما على الآخر (¬٢)، وفي قوله ﷺ: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) ما قد يسبق إلى بعض الأذهان منه احتمال وقوع الشك من إبراهيم ﵇ (¬٣)، لا سيما وقد استشهد النبي ﷺ بآية البقرة، فوجب إزالة اللَبْس، ودفع الوهم، وتصحيح الفهم، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.\rوأما ما يتعلق بلوط ويوسف ﵇، فسيأتي الكلام عليه وبيان معناه في نهاية المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٣١٦) مادة (شك)، ومعجم مقاييس اللغة (٣/ ٤٦٢) مادة (ظن)، والصحاح (٤/ ٣٠٨) مادة (شكك)، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (٤٦١) مادة (شكك)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (٢٩٢)، ولسان العرب (١٠/ ٤٥١) مادة (شكك)، والمصباح المنير (١/ ٣٢٠)، والقاموس المحيط (٣/ ٤٢١) مادة (الشك)، والتعريفات للجرجاني (١٢٨).\r(¬٢) انظر: المفردات للراغب (٤٦١)، والمصباح المنير (١/ ٣٢٠)، والتعريفات للجرجاني (١٢٨).\r(¬٣) انظر: تأويل مختلف الحديث (٩١)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211607,"book_id":118,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":391,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال\rسلك أهل العلم في معنى هذا الحديث - (نحن أحق بالشك من إبراهيم) - مسلكين:\rأحدهما: تنزيه إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، عن الشك في قدرة الله على إحياء الموتى، والقطع بعدم دلالة الحديث على ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، لكنهم اختلفوا في معنى الحديث على عدة أقوال، أشهرها:\rالقول الأول: أن المراد بهذا الحديث نفي الشك عن إبراهيم ﵇، فكأنه قال: إن إبراهيم ﵇ لم يشك، ولو كان الشك متطرقًا إليه لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا نحن لم نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم ﵇ من باب أولى ألَّا يشك، قال ذلك ﵊ على سبيل التواضع وهضم النفس.\rوإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، كابن قتيبة، والطحاوي (¬١)، والخطابي، والحميدي (¬٢)، وابن عطية (¬٣)، وابن حزم (¬٤)، والقاضي عياض (¬٥)، وابن الجوزي، والنووي (¬٦)، وصفي الرحمن","footnotes":"(¬١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٤).\r(¬٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٩٢).\r(¬٣) انظر: المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٣).\r(¬٤) انظر: الفصل (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\r(¬٥) انظر: الشفاء (٣١٠).\r(¬٦) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211608,"book_id":118,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":392,"body":"المباركفوري (¬١) وابن عثيمين (¬٢) وغيرهم (¬٣).\rقال ابن قتيبة: \"قال قوم سمعوا الآية: شك إبراهيم، ولم يشك نبينا ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أنا أحق بالشك من إبراهيم ﵇، تواضعًا منه، وتقديمًا لإبراهيم على نفسه، يريد: أنَّا لم نشك ونحن دونه فكيف يشك هو؟ \" (¬٤).\rوقال الخطابي: \"مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم ﵇، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما، يقول: إذا لم أشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك فيه وأن لا يرتاب\" (¬٥).\rوقال ابن الجوزي: \"مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس، وليس في قوله: (نحن أحق بالشك) إثبات شك له ولا لإبراهيم، وإنما يتضمن نفي الشك عنهما، لأن قومًا ظنوا في قوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] أنه شك، فنفى ذلك عنه، وإنما المعنى: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى ألَّا يشك، فكأنه رفعه على نفسه\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر: منة المنعم في شرح صحيح مسلم (١/ ١٣٣)، و (٤/ ٦٣).\r(¬٢) انظر: تفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٥)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٢١٩).\r(¬٣) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٥٢٥)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٨)، ومعالم التنزيل (١/ ٢٤٨)، وشرح السنة كلاهما للبغوي، وإكمال المعلم للقاضي عياض (١/ ٤٦٥)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢)، ومدارج السالكين (١/ ٥٠٧)، وفتح الباري (٦/ ٤١٢).\r(¬٤) تأويل مختلف الحديث (٩١ - ٩٢).\r(¬٥) أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٥ - ١٥٤٦).\r(¬٦) كشف المشكل (٣/ ٣٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211609,"book_id":118,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":393,"body":"القول الثاني: أن النبي ﷺ، سمَّى التفاوت بين الإيمان والاطمئنان شكًا، فأطلق على ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم ﵇ اسم الشك، وإلا فإبراهيم ﵇ كان مؤمنًا مَوقنًا، ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولكن الرسول ﷺ عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة.\rوإلى هذا ذهب ابن تيمية وابن القيم (¬١) عليهما رحمة الله.\rقال ابن تيمية: \"ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنًا، كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾، ولكن طلب طمأنينة قلبه، كما قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان، سماه النبي ﷺ شكًا لذلك بإحياء الموتى\" (¬٢).\rالقول الثالث: أن إبراهيم ﵇ ونبينا محمد ﷺ لم يشكا في قدرة الله على إحياء الموتى، وإنما شكَّا أن يجيبهما إلى ما سألا.\rوإلى هذا ذهب المزني (¬٣) (¬٤) وابن حبان (¬٥).\rوذكر ابن الجوزي أن معنى قوله: (أنا أحق بالشك من إبراهيم) بناءً على هذا القول: \"أي: أنا أولى أن أسأل مثل هذا الأمر العظيم الذي يشك السائل في إجابة ربه فيه، وإنما صار أحق، لِما عانى من تكذيب قومه له،","footnotes":"(¬١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٥٠٧).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٧٨)، وانظر: (٢٣/ ١١).\r(¬٣) هو الإمام إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل أبو إبراهيم المزني المصري صاحب الإمام الشافعي، كان زاهدًا عالمًا مجتهدًا فقيهًا قوي الحجة وهو إمام الشافعية توفي ﵀ سنة (٢٦٤ هـ) له مؤلفات منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمختصر. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٢٢٠)، والعبر (١/ ٣٧٩)، وشذرات الذهب (٢/ ١٤٨)، والأعلام (١/ ٣٢٩)].\r(¬٤) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٧)، ومعالم التنزيل (١/ ٢٤٨)، وشرح السنة (١/ ١١٥).\r(¬٥) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ٨٩ - ٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211610,"book_id":118,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":394,"body":"وردهم عليه، وتعجبهم من ذكر البعث، فقال: أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم، لعظيم ما جرى عليَّ من قومي، ولمعرفتي بتفضيل الله ﷿ إياي على الأنبياء، ولكني لا أسأل\" (¬١).\rهذه هي أهم الأقوال -التي تنفي الشك عن إبراهيم ﵇- في معنى الحديث.\rوأما الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فقد اختلف أصحاب هذا المسلك في معناها، أي: في سبب سؤال إبراهيم ﵇، وطلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى على عدة أقوال، أهمها:\r١ - أنه سأل عن كيفية الإحياء، ليزداد بذلك إيمانًا ويقينًا، ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك عندما يرى كيفية الإحياء، ولم يكن بذلك شاكًا في القدرة، ولا جاهلًا بمعنى الإحياء، وعلى هذا القول جمهور أهل العلم (¬٢).\rويكون معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: ليزداد إيمانًا مع إيمانه، ويقينًا مع يقينه.\rقال ابن قتيبة: \"تأويل قول إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي:","footnotes":"(¬١) كشف المشكل (٣/ ٣٥٨).\r(¬٢) انظر: جامع البيان (٣/ ٤٩)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ٣٠١، ٣٠٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٨)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٥٢٥)، والفصل لابن حزم (٢/ ٢٩٢)، والمعلم للمازري (١/ ٢١٣)، و (٣/ ١٣٠)، ومعالم التنزيل للبغوي (١/ ٢٤٧، ٢٤٨)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٤)، والشفاء (٣١٠) كلاهما للقاضي عياض وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٣٥٨)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٧، ٢٩٩)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، ومدارج السالكين (١/ ٥٠٧)، وفتح الباري (٦/ ٤١٣)، وفتح القدير (١/ ٢٨١)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٢٣)، و (٢/ ٣٦٤)، ومنة المنعم لصفي الرحمن المباركفوري (١/ ١٣٣)، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين (٣/ ٣٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211611,"book_id":118,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":395,"body":"يطمئن بيقين النظر، واليقين جنسان: أحدهما يقين السمع، والآخر يقين البصر.\rويقين البصر أعلى اليقينين، ولذلك قال رسول الله ﷺ: (ليس المُخبر كالمُعاين) (¬١)، حين ذكرَ قوم موسى وعكوفهم على العجل، قال: أعلمه الله تعالى أن قومه عبدوا العجل، فلم يُلقِ الألواح، فلما عاينهم عاكفين، غضب وألقى الألواح حتى تكسرت.\rوكذلك المؤمنون بالقيامة والبعث والجنة والنار، مستيقنون أن ذلك كله حق، وهو في القيامة -عند النظر والعيان- أعلى يقينًا.\rفأراد إبراهيم ﵇ أن يطمئن قلبه بالنظر الذي هو أعلى اليقينين\" (¬٢).\rوقال الخطابي: \"المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبل زيادة العلم، واستفادة معرفة كيفية الإحياء، والنفس تجد من الطمأنينة بعلم الكيفية ما لا تجده بعلم الآنيَّة، والعلم في الوجهين حاصل، والشك مرفوع\" (¬٣).\rوقال أبو عبد الله القرطبي: \"إنما سأل كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفرقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزقها، فأراد أن يرتقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ﴾ طلب مشاهدة الكيفية\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس: (٤/ ١٤٧) ح (٢٤٤٧)، ولفظه: (ليس الخبر كالمعاينة، إن الله ﷿ أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يُلقِ الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت)، وحكم أحمد شاكر على إسناده بالصحة، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥١) ح (٣٢٥٠)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي، كما أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٤/ ٩٦، ٩٧) ح (٦٢١٤، ٦٢١٣)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٢) ح (٢٥). وأخرجه الإمام أحمد (٣/ ٢٥٤) ح (١٨٤٣) مختصرًا بدون ذكر القصة، وصحح إسناده أحمد شاكر.\r(¬٢) تأويل مختلف الحديث (٩٢).\r(¬٣) أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٦).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211612,"book_id":118,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":396,"body":"٢ - أنه عندما بُشر بأن الله ﷿ قد اتخذه خليلًا، سأل ربه هذا السؤال، لتكون إجابة دعائه وإحياء الموتى بسؤاله دليلًا وعلامة على خلته، وعظيم منزلته عند الله تعالى، وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: بالخلة وعلو المنزلة (¬١).\rوإلى هذا القول ذهب الطحاوي (¬٢)، وهو مروي عن السدي (¬٣) وسعيد بن جبير (¬٤) (¬٥) وعبد الله بن المبارك (¬٦).\r٣ - أن سبب سؤاله: المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين النمرود، فطلب إبراهيم ﵇ من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ليتضح استدلاله عيانًا بعد أن كان بيانًا (¬٧). وهذا القول يؤول إلى القول الأول، ولذا قال الطبري: \"وهذان القولان -أعني: الأول وهذا الآخر- متقاربا المعنى، في أن مسألة إبراهيم","footnotes":"(¬١) انظر: المعلم للمازري (٣/ ١٣٠)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٤)، والشفاء (٣١٠)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٠٠)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣).\r(¬٢) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٤).\r(¬٣) انظر: جامع البيان (٣/ ٥٠)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٠٠).\r(¬٤) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم الكوفي أبو عبد الله -وقيل أبو محمد- الفقيه المفسر أحد الأعلام، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وكان مع عبد الرحمن بن الأشعث لما خرج على عبد الملك بن مروان فقتله الحجاج لذلك سنة (٩٥ هـ)، ولم يكمل الخمسين من عمره. [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٧٦)، والسير (٤/ ٣٢١) العبر (١/ ٨٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٤٩)].\r(¬٥) انظر: جامع البيان (٣/ ٥٠)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، ومعالم التنزيل (١/ ٢٤٧)، وشرح السنة (١/ ١١٦)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٠٠).\r(¬٦) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٣/ ١٥٤٦)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٨)، وشرح السنة للبغوي (١/ ١١٦).\r(¬٧) انظر: جامع البيان (٣/ ٤٩ - ٥٠)، ومعالم التنزيل (١/ ٢٤٧)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٥)، والشفاء (٣١٠)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211613,"book_id":118,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":397,"body":"ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كانت ليرى عيانًا ما كان عنده من علم ذلك خبرًا\" (¬١).\rالمسلك الثاني: الاستدلال بالحديث على وقوع الشك من إبراهيم ﵇، وذلك عند ما سأل ربه أن يريه كيف يحيى الموتى، وكان هذا لعارض عرض له من الشيطان.\rوقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: لئلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي ألقى من الشك (¬٢).\rحكى هذا القول الطبري ورجحه، واستند في ذلك إلى ما يلي (¬٣):\r١ - ما رواه هو عن ابن عباس ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: \"ما في القرآن آية أرجى عندي منها\".\r٢ - وما رواه أيضًا عن عطاء بن أبي رباح (¬٤) أنه قال في هذه الآية: \"دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ \".\r٣ - حديث: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، حيث جعل ظاهره -كما تقدم- يدل على وقوع الشك من إبراهيم ﵇.\rفأصحاب هذا القول جعلوا سبب سؤال إبراهيم ﵇: ما عرض له في قلبه من الشك.","footnotes":"(¬١) جامع البيان (٣/ ٥٠).\r(¬٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٨)، وفتح الباري (٦/ ٤١٠).\r(¬٣) انظر: جامع البيان (٣/ ٥١)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ٣٠١)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٨)، وفتح الباري (٦/ ٤١١).\r(¬٤) هو عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم المكي الثقة الفقيه الفاضل مفتي أهل مكة ومحدثهم، سمع من عائشة وأبي هريرة وابن عباس وطائفة من الصحابة ﵃، له مناقب في العلم والزهد والتأله كثيرة، توفي ﵀ سنة (١١٤ هـ)، وقيل سنة (١١٥). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٩٨)، والسير (٥/ ٧٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٧٤)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211614,"book_id":118,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":398,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يمكن الجزم به هنا أن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى منفي عن آحاد الأنبياء ﵈، فضلًا عمن بلغ مرتبة الخلة وعظيم المنزلة عند الله تعالى، كإبراهيم ﵇، ونبينا محمد ﷺ، بل ذلك مستحيل في حقهم -باعتبار حالهم لا باعتبار بشريتهم- لأنهم أنبياء، والأنبياء أعلم الناس بربهم وما يتصف به من صفات الحسن والكمال، والتي منها صفة القدرة، فهم يعلمون أن الله تعالى متصف بكمال القدرة والإرادة فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فتصور وقوع الشك منهم باطل، لأنه كفر والكفر لا يجوز في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كيف وهم الذين اختارهم الله تعالى واصطفاهم لتبليغ رسالاته وتحكيم شرعه؟ ! .\rقال القاضي عياض عن عصمة النبي ﷺ وغيره من الأنبياء فيما يتعلق بأمور الدين: \"اعلم -منحنا الله وإياك توفيقه- أن ما تعلق منه بطريق التوحيد، والعلم بالله وصفاته، والإيمان به وبما أوحي إليه، فعلى غاية المعرفة، ووضوح العلم واليقين، والانتفاء من الجهل بشيء من ذلك، أو الشك أو الريب فيه، والعصمة من كل ما يضاد ذلك واليقين، هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه\" (¬١).\rوقال ابن الوزير: \"أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء ﵈ عن الجهل بالله تعالى وصفاته وقواعد شرائعه، وعلى صحة عقائدهم فيما يتعلق","footnotes":"(¬١) الشفاء (٣٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211615,"book_id":118,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":399,"body":"بأفعال الله وحكمته وجلالته\" (¬١).\rوأما قوله ﷺ: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فليس فيه إثبات للشك، كما قد يُتوهم، ولذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى، عند هذا الحديث: \"ليس المراد ههنا بالشك: ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا خلاف\" (¬٢).\rومعنى الحديث الذي لا يحتمل غيره (¬٣): -ما جاء في القول الأول من- أن النبي ﷺ أراد نفي الشك عن إبراهيم ﵇، فقوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) أي: إن إبراهيم ﵇ لم يطلب رؤية إحياء الموتى لأجل الشك، لأنه لو كان شاكًا لكنا نحن أحق بالشك منه، وحيث إنا لا نشك فإن إبراهيم ﵇ لم يكن شاكًا من باب أولى (¬٤)، ولا يلزم من هذا أن يكون إبراهيم ﵇ أفضل من نبينا محمد ﷺ، لأنه قال ذلك تواضعًا وأدبًا (¬٥).\rوسبب تخصيص إبراهيم ﵇ بالذكر، لكون آية البقرة قد يسبق منها إلى بعض الأذهان وقوع الشك منه (¬٦).\rقال ابن عطية عن هذا الحديث: \"معناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم ﵇ أحرى ألا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم\" (¬٧).\rوقال ابن حزم: \"أما ما رُوي عن النبي ﷺ، من قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، فمن ظن أن النبي ﷺ شك قط في قدرة ربه ﷿ على","footnotes":"(¬١) الروض الباسم (٢/ ٤٦٥).\r(¬٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٧١).\r(¬٣) انظر: تفسير القرآن الكريم للعثيمين (٣/ ٣٠٥).\r(¬٤) انظر: منة المنعم في شرح صحيح مسلم (١/ ١٣٣).\r(¬٥) وقيل إنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه خير ولد آدم. [نظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢)].\r(¬٦) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٢).\r(¬٧) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211616,"book_id":118,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":400,"body":"إحياء الموتى فقد كفر، وهذا الحديث حجة لنا، ونفي للشك عن إبراهيم، أي: لو كان هذا الكلام من إبراهيم ﵇ شكًا، لكان من لم يشاهد القدرة ما شاهد إبراهيم ﵇ أحق بالشك، فإذا كان من لم يشاهد من القدرة ما شاهد إبراهيم غير شاك، فإبراهيم ﵇ أبعد من الشك.\rقال أبو محمد (¬١): ومن نسب ها هنا إلى الخليل ﵇ الشك، فقد نسب إليه الكفر، ومن كفَّر نبيًا فقد كفر، وأيضًا فإن كان ذلك شكًا من إبراهيم ﵇، وكنا نحن أحق بالشك منه، فنحن إذًا شكاك جاحدون كفار، وهذا كلام نعلم والحمد لله بطلانه من أنفسنا، بل نحن ولله الحمد مؤمنون مصدقون بالله تعالى، وقدرته على كل شيء يَسأل عنه السائل\" (¬٢).\rوأما الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فليس فيها ما يدل على شك إبراهيم ﵇ في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ويظهر هذا من وجهين:\rالأول: أن إبراهيم ﵇ مؤمن مصدق بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى، يدل على ذلك أنه قال في محاجته للنمرود: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وعندما سأل ربه أن يريه كيف يحيى الموتى، قال الله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فقوله: ﴿بَلَى﴾ يزيل كل لَبْس، وينفي كل توهم في نسبة الشك إلى إبراهيم ﵇.\rو\"الاستفهام هنا: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، يعني: قد شرحنا لك، فمعنى ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾: ألست قد آمنت، لتقرير إيمان إبراهيم ﵇\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) يعني نفسه ﵀.\r(¬٢) الفصل (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\r(¬٣) تفسير القرآن الكريم للعثيمين (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، وانظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211617,"book_id":118,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":401,"body":"قال ابن حزم: \"فلم يقرره ربنا ﷿ وهو يشك في إيمان إبراهيم عبده وخليله ورسوله ﵇، تعالى الله عن ذلك، ولكن تقريرًا للإيمان في قلبه، وإن لم يرَ كيفية إحياء الموتى، فأخبر ﵇ عن نفسه أنه مؤمن مصدق\" (¬١).\rوقال ابن عطية: \"إحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أُعلم به، يدلك على ذلك قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعًا\" (¬٢).\rالثاني: أن سؤال إبراهيم ﵇ إنما هو عن الكيفية، لا عن الإمكان، كما هو صريح قوله: ﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.\rقال ابن عطية: \"وإذا تأملت سؤاله ﵇، وسائر ألفاظ الآية لم تعطِ شكًا، وذلك أن الاستفهام بكيف، إنما هو عن حال شيء موجود، متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك وكيف زيد، فإنما السؤال عن حال من أحواله ...\rو(كيف) في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر\" (¬٣).\rوقال ابن حزم: \"إنما أراد أن يرى الكيفية فقط، ويعتبر بذلك، وما شك إبراهيم ﵇ في أن الله تعالى يحيي الموتى، وإنما أراد أن يرى الهيئة،","footnotes":"(¬١) الفصل (٢/ ٢٩٢).\r(¬٢) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٣).\r(¬٣) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٣). وانظر: جامع البيان (٣/ ٥٢)، والإبانة لابن بطة (٢/ ٨٣٣ - ٨٣٤)، وفتح الباري (١/ ٤٧)، ومنة المنعم (١/ ١٣٣)، وتفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٥)، وزيادة الإيمان ونقصانه للدكتور عبد الرزاق البدر (٥٦ - ٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211618,"book_id":118,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":402,"body":"كما أننا لا نشك في صحة وجود الفيل، والتمساح، والكسوف، وزيادة النهر، والخليفة، ثم يرغب من لم يرَ ذلك منا في أن يرى كل ذلك، ولا يشك في أنه حق، لكن ليرى العجب الذي يتمثله في نفسه ولم تقع عليه حاسة بصره قط\" (¬١).\rوأما قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فمعناه: ليزداد طمأنينة وإيمانًا، وإلا فقد كان مؤمنًا مطمئنًا، وفي هذا دليل على أن إيمان القلب يزيد وينقص، وأنه درجات بعضها فوق بعض، فإبراهيم ﵇ كان يؤمن بإحياء الموتى، ولكن طلب رؤية ذلك ليطمئن قلبه، فالاطمئنان الحاصل للقلب بالرؤية، درجة زائدة على أصل الإيمان والتصديق (¬٢).\rقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (¬٣) ﵀: \"وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه، حتى الأنبياء، فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنًا، فإذا كان محتاجًا إلى الأدلة التي توجب له الطمأنينة فكيف بغيره\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) الفصل (٢/ ٢٩٢)، وانظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٦)، وإكمال المعلم (١/ ٤٦٤)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٣).\r(¬٢) انظر: جامع البيان (٣/ ٥٢)، والإبانة لابن بطة (٢/ ٨٣٣ - ٨٣٤)، وفتح الباري (١/ ٤٧)، ومنة المنعم (١/ ١٣٣)، وتفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٥)، وزيادة الإيمان ونقصانه للدكتور عبد الرزاق البدر (٥٦ - ٥٨).\r(¬٣) هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي شيخ الإسلام ومصباح الظلام مجدد ما اندرس من العقيدة في الجزيرة العربية، ولد في العيينة ورحل إلى حريملاء ودعا إلى مذهب السلف فخذله ابن معمر فرحل إلى الدرعية حيث ساعده وآزره أميرها محمد بن سعود فتعاضدا جميعًا على نشر الدعوة السلفية، وقمع البدعة والخرافة، توفي ﵀ في الدرعية سنة (١٢٠٦ هـ)، وله مؤلفات ورسائل عديدة أهمها وأشهرها كتاب التوحيد. [انظر: الأعلام (٦/ ٢٥٧)، وعلماء نجد (١/ ١٢٥)].\r(¬٤) مجموع مؤلفات الشيخ، المجلد الثاني، قسم الفتاوى (٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211619,"book_id":118,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":403,"body":"مناقشة الأقوال المرجوحة:\rأما القول الثاني: وهو أن النبي ﷺ عبَّر بالشك على معنى: التفاوت بين الإيمان والاطمئنان، لا أنه أراد حقيقة الشك، لأن إبراهيم ﵇ كان موقنًا بلا ريب، فقول لا تسعفه اللغة، لأن معنى الشك -كما تقدم (¬١) -: التردد بين شيئين، بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر، فهو نقيض اليقين.\rوأما القول الثالث: وهو أن الخليلين ﵈ إنما شكَّا في إجابة الله تعالى لمَّا سألا، فليس في الآية والحديث ما يدل عليه، والله أعلم.\rومثله ما قيل في أن سبب سؤال إبراهيم ﵇ وطلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى: ليتبيَّن خلته ومنزلته عند الله تعالى، إذ ليس في الآية ما يدل عليه، وإنما الآية دالة على ما تقدم من أن سؤاله كان عن كيفية الإحياء ليزداد بذلك إيمانًا ويقينًا واطمئنانًا، ويترقى بذلك من علم اليقين إلى عين اليقين.\rقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"إبراهيم ﵇ عنده خبر اليقين بأن الله قادر، لكن يريد عين اليقين، ولهذا جاء في الحديث: (ليس الخبر كالمعاينة) (¬٢)، وقد ذكر العلماء أن اليقين ثلاث درجات: علم، وعين، وحق، كلها موجودة في القرآن:\rمثال \"علم اليقين\": قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: ٥].\rومثال \"عين اليقين \": قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٧].\rومثال \"حق اليقين\": قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥] \" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: ص (٣٩٩) من هذا البحث.\r(¬٢) حديث صحيح، تقدم تخريجه ص (٤٠٤).\r(¬٣) تفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211620,"book_id":118,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":404,"body":"وأما المسلك الثاني: وهو القول بنسبة الشك إلى إبراهيم ﵇، وادعاء أن ذلك لعارض عرض له من الشيطان؟ ! فقد تقدم بيان بطلانه، وأما ما استند إليه الطبري في ترجيح هذا القول، فيمكن الإجابة عنه كما يلي:\r- أما استناده إلى ما رواه عن ابن عباس ﵁، من أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: \"ما في القرآن آية أرجى عندي منها\" فاستناد في غير محله، لأن كلام ابن عباس هذا غير صريح في نسبة الشك لإبراهيم ﵇، ولذا قال ابن عطية بعدما ذكر أن الطبري ترجم في تفسيره بقوله: \"وقال آخرون: قال ذلك لربه، لأنه شك في قدرة الله تعالى\" (¬١)، وأنه أدخل تحت هذه الترجمة قول ابن عباس وقول عطاء، قال ابن عطية: \"وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأوَّل\" (¬٢).\r- وأما قول عطاء: \"دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس\"، فإنه وإن كان أقرب من قول ابن عباس لهذا المعنى، إلا أنه ليس صريحًا فيه، بل هو محتمل له ولغيره، ولذا قال ابن عطية عنه: \"معناه: من حُبِّ المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به\" (¬٣).\rوعلى فرض صحة هذين الأثرين وصراحتهما في نسبة الشك لإبراهيم ﵇، فإنه لا يُعوَّل عليهما، لأنها أقوال يستدل لها، لا بها، خاصة في مثل هذا الأمر الذي هو كفر، لا يشك مسلم في عصمة الأنبياء منه.\rقال أبو عبد الله القرطبي: \"لا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: جامع البيان (٣/ ٥١).\r(¬٢) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٨)، وفتح القدير (١/ ٢٨١).\r(¬٣) المحرر الوجيز (٢/ ٣٠٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٨).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩٩)، وانظر: ما تقدم من كلام ابن حزم وابن عطية في أول هذا المطلب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211621,"book_id":118,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":405,"body":"ثم على هذا القول، كيف يفسر قوله ﷺ (نحن أحق بالشك من إبراهيم)؟ أيكون تفسيره ومعناه: نحن أحق بالشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى من إبراهيم؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم.\r- وأما استدلال الطبري بحديث: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فقد تقدم الكلام على معناه -قريبًا- بما يغني عن إعادته.\r* * *\rمعنى قوله ﷺ: (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد).\rأشار ﷺ بهذا إلى قول لوط ﵇ لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].\rقال أهل التفسير (¬١): أراد لوط ﵇ بقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: قبيلة قوية مانعة، لمنعتكم من الوصول إلى أضيافي، وذلك أن الملائكة لما جاءت لوطًا ﵇ في صورة شباب حِسان، في غاية الجمال والكمال -وهو لا يدري أنهم ملائكة- ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٨]، أي: شديد حرجه، لأنه يعلم أن قومه لا يتركونهم، فكان ما خشي، حيث جاءه قومه ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٧٨]، أي: مسرعين مبادرين، يريدون أضيافه بعملهم الخبيث، فاشتد قلق لوط ﵇ وخوفه على أضيافه، فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: قبيلة مانعة لمنعتكم، وعندها أخبرته الملائكة بحالهم، ليطمئن قلبه ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١].\rقال ابن حجر: \"يُقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه، لأنهم من سدوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى","footnotes":"(¬١) انظر: جامع البيان (٧/ ٧٩ - ٨٧)، والمحرر الوجيز (٩/ ١٩٥ - ١٩٨)، ومعالم التنزيل (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٦)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٧٣ - ٧٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٠١ - ٧٠٢)، وفتح القدير (٢/ ٥١٣ - ٥١٥)، وتيسير الكريم الرحمن (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211622,"book_id":118,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":406,"body":"أهل سدوم، فقال: لو أن لي منعةً وأقاربَ وعشيرة، لكنت أستنصر بهم عليكم، ليدفعوا عن ضيفاني\" (¬١).\rقال البغوي: \"قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّر الجدار، فلما رأت الملائكة ما يلقى لوط بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن ربه ﷿ في عقوبتهم، فأذن له\" (¬٢).\r* * *\rوأما قوله ﷺ: (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، فقد اختُلف في معناه على عدة أقوال، هي كالتالي:\rالقول الأول: أن المعنى، أي: ﵀ على هذا التمني الذي فرط منه في وقت الضيق والشدة، حيث سها فذكر الأسباب المحسوسة، من قومه وعشيرته، مع أنه كان يأوي إلى أشد الأركان وأقواها، وهو الله تعالى.\rوإلى هذا ذهب ابن قتيبة والبغوي (¬٣) والقاضي عياض (¬٤) وابن الأثير (¬٥) وأبو عبد الله القرطبي (¬٦)، وهو ظاهر كلام الطحاوي (¬٧) وجوَّزه النووي (¬٨)","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٦/ ٤١٥).\r(¬٢) معالم التنزيل (٢/ ٣٩٦)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٧٨).\r(¬٣) انظر: شرح السنة (١/ ١١٧).\r(¬٤) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٦٦).\r(¬٥) هو العلامة البارع القاضي مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ثم الموصلي، كان فقيهًا محدثًا أديبًا نحويًا ورعًا عاقلًا، ذا برٍّ وإحسان، توفي ﵀ سنة (٦٠٦ هـ)، وله مصنفات بديعة منها جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ، والنهاية في غريب الحديث. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٧)، والسير (٢١/ ٤٨٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٢)].\r(¬٦) نظر: الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٧٨).\r(¬٧) انظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٨٥ - ١٨٧).\r(¬٨) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211623,"book_id":118,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":407,"body":"ورجحه ابن حجر (¬١) وغيره (¬٢).\rقال ابن قتيبة: \"وأما قوله: (رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد)، فإنه أراد قوله لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] يريد سهوهُ في هذا الوقت الذي ضاق فيه صدره، واشتد جزعه بما دهمه من قومه، حتى قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وهو يأوي إلى الله تعالى أشد الأركان\" (¬٣).\rوقال ابن الأثير: \" (رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد) أي: إلى الله تعالى الذي هو أشد الأركان وأقواها، وإنما ترحم عليه، لسهوه حين ضاق صدره من قومه، حتى قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، أراد عز العشيرة الذين يُستندُ إليهم كما يستند إلى الركن من الحائط\" (¬٤).\rواستشهد هؤلاء بما رواه الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) (¬٥)، قال الحافظ: \"زاد ابن مردويه من هذا","footnotes":"(¬١) انظر: فتح الباري: (٦/ ٤١٥).\r(¬٢) انظر: تحفة الأحوذي (٨/ ٥٤١)، ومنة المنعم (١/ ١٣٣)، و (٤/ ٦٣)، والقواعد الحسان للسعدي مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته، قسم التفسير (٨/ ١٥٧).\r(¬٣) تأويل مختلف الحديث (٩٢).\r(¬٤) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٦٠).\r(¬٥) أخرجه الإمام أحمد (١٦/ ١٦٨) ح (٨٣٧٣)، وقال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"، وأخرجه الترمذي (تحفة ٨/ ٥٤٠، ٥٤١) ح (٥١١٩، ٥١٢٠)، وقال: \"هذا حديث حسن\"، والحاكم (٢/ ٦١١) ح (٤٠٥٤)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه الزيادة\"، وأخرجه الطبري في التفسير (٧/ ٨٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٦) ح (١٦٢)، وحسنه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٣/ ٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211624,"book_id":118,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":408,"body":"الوجه: (ألم تر إلى قول قوم شعيب: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] \" (¬١) والثروة: الكثرة والمنعه (¬٢).\rالقول الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم من أنه لا تثريب على لوط في قوله هذا، ولم يقصد النبي ﷺ لومه عليه، وإنما أراد الإخبار بأن لوطًا كان في نصر من الله بالملائكة، لكنه لم يكن يعلم ذلك.\rقال ﵀: \"إن لوطًا ﵇، إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه -مما هم عليه من الفواحش- من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل لوط ﵇ أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة وأشد ركن، فلا جناح على لوط ﵇ في طلب قوة من الناس، فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، فهذا هو الذي طلب لوط ﵇.\rوقد طلب رسول الله ﷺ من الأنصار والمهاجرين منعة حتى يبلغ كلام ربه تعالى، فكيف ينكِر على لوط أمرًا هو فعله ﵇؟ تالله ما أنكر ذلك رسول الله، وإنما أخبر ﵇ أن لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد، يعني: من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط ﵇ علم بذلك، ومن ظن أن لوطًا ﵇ اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر، إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضًا ظن سخيف، إذ من الممتنع أن يظن برب أراه المعجزات -وهو دائبًا يدعو إليه- هذا الظن\" (¬٣).\rالقول الثالث: ما ذهب إليه ابن الجوزي من أن لوطًا ﵇ لم يغفل عن الله تعالى، ولم يترك التوكل عليه، لكن لما كان ظاهر كلامه قد يفهم منه نسيانه لله تعالى، أراد النبي ﷺ منا ألَّا نقول ما يوهم ذلك.","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٦/ ٤١٦).\r(¬٢) انظر: سنن الترمذي (تحفة ٨/ ٥٤٢)، وجامع البيان (٧/ ٨٦)، وشرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٧)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٢١٠).\r(¬٣) الفصل (٢/ ٢٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211625,"book_id":118,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":409,"body":"قال ﵀: \"أما قصة لوط، فإن لوطًا لم يغفل عن الله ﷿، ولم يترك التوكل عليه، وإنما ذكر السبب، وذكره للسبب وحده يتخايل منه السامع نسيانه لله، فأراد منه نبينا ﵇ ألَّا نقول ما يوهم هذا\" (¬١).\rالقول الرابع: ما ذهب إليه الأُبيِّ (¬٢) وهو: أن لوطًا ﵇ قصد من قوله هذا إظهار العذر لأضيافه، وتطييب نفوسهم، ولم يكن قط معرضًا عن الله تعالى، والاعتماد عليه، وأما قول الرسول ﷺ: (رحم الله لوطًا ... ) فإنما أراد منه المدح والثناء.\rقال ﵀: \"لوط ﵇ لم ينسَ اللجأ إلى الله تعالى في القضية، وإنما قال ذلك تطييبًا لنفوس الأضياف، وإبداء العذر لهم، بحسب ما ألف في العادة من أن الدفع إنما يكون بقوة أو عشيرة، وهذا في الحقيقة محمدة وكرم أخلاق، يستحق صاحبه الحمد، فقوله ﵊: (يرحم الله لوطًا) ثناءٌ لا نقد، وهو جارٍ على عرف العرب في خطابها\" (¬٣).\rواستدل ﵀ بسياق الحديث، حيث إن القصد منه بيان فضل هؤلاء الأنبياء ﵈، وسيأتي نقل كلامه قريبًا إن شاء الله تعالى.\rهذه هي أهم الأقوال في معنى الحديث، وحاصلها:\r- الاتفاق على أن لوطًا ﵇ عنى بقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: عشيرته وقومه.","footnotes":"(¬١) كشف المشكل (٣/ ٣٥٨ - ٣٨٩)، وانظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٢٦).\r(¬٢) هو محمد بن خِلْفَة بن عمر الأُبي المالكي، من أهل تونس، نسبته إلى (أُبَّة) من قراها، كان عالمًا محققًا، له شرح على صحيح مسلم سماه: إكمال إكمال المعلم، جمع فيه بين شرح المازري وعياض والقرطبي والنووي مع زيادات عليها، توفي ﵀ سنة سبع وعشرين وثمانمائة (٨٢٧). [انظر: البدر الطالع (٢/ ١٦٩)، والأعلام (٦/ ١١٥)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٧٨)].\r(¬٣) إكمال إكمال المعلم (١/ ٤٣٦)، وانظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211626,"book_id":118,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":410,"body":"- وأن الرسول ﷺ عنى بقوله: (ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد): الله تعالى، فهو أقوى الأركان وأشدها.\r- أنه لا خلاف في أن لوطًا ﵇، لم يكن يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد، كيف وهو يركن ويأوي إليه في كل وقت وحين، ولذا قال ابن حزم رحمه الله تعالى -كما تقدم-: \"ومن ظن أن لوطًا ﵇ اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر\".\rوإنما موطن الخلاف في الآية هو: تلك اللحظة الحرجة التي تعرض لها لوط ﵇، هل نسي فيها ربه عندما قال -مشيرًا إلى عشيرته وقبيلته -: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أم لا؟ وعلى هذا ينبني معنى الحديث.\rفحرف المسألة في الحديث: هل قال ذلك النبي ﷺ لائمًا للوط ﵇، وسائلًا الله له الرحمة والتجاوز عن هذا الخطأ، أم قاله منافحًا عنه، ومخبرًا عن حاله، أنه كان يأوي إلى الله تعالى ويعتمد عليه، حتى لا يتوهم متوهم أن لوطًا ﵇ في قوله هذا قد ترك الاعتماد على الله تعالى؟\rأكثر أهل العلم -كما ترى- قالوا: بالأول، والثاني أليق بمقام النبوة، وعليه يدل السياق، حيث إن النبي ﷺ قال ذلك في سياق الثناء والمدح لهؤلاء الأنبياء ﵈، ونفي ما قد يُتوهم في حقهم من الباطل.\rقال الأُبيِّ: \"السياق إنما يدل على أن المقصود: إظهار كمال هؤلاء السادة، ورزانة عقولهم، فمعنى قوله: (لقد كان يأوي إلى ركن شديد): أن لوطًا ﵇ كان مطمئن القلب بالاستناد إلى الله تعالى، غير ملتفت عنه أصلًا، وإنما قال ما قال بلسانه إظهارًا للعذر عند أضيافه، وقد وكد النبي ﷺ ثبوت لجأ لوط ﵇ إلى الله تعالى باللام المؤذنة بالقسم، وبقد المؤذنة بالتحقيق، وعبر بالمضارع وهو: (يأوي) للتنبيه على استقرار ذلك منه، وعدم مفارقته إياه.\rفالكلام مسوق لدفع توهم إيواء لوط ﵊ لغير الله تعالى، كما أن قوله قبله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) مسوق لتنزيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211627,"book_id":118,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":411,"body":"ساحة إبراهيم ﵇ من الشكوك، وأن ما صدر منه من سؤاله تعالى فالمقصود به شيء آخر\" (¬١).\rوأما قول لوط ﵇ لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: من قبيلة وعشيرة تمنعكم مما تريدون، فإنما هو ذكرٌ للأسباب المحسوسة المشهودة المباشرة (¬٢)، وأهميتها في دفع الأذى عنه وعن أضيافه -وهو يعلم أنها لا تكون إلا من الله تعالى- ولذا قال النبي ﷺ: (ما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)، ولا يلزم من هذا أنه قد نسي ربه، أو ترك الاعتماد عليه في هذا الموقف، فإن الأنبياء أكمل الناس إيمانًا وأعظمهم توكلًا على الله تعالى.\rوقد قال ﵊ يوم حنين لما اشتد عليه المشركون، وأدبر عنه من كان حوله، حتى بقي وحده، قال مناديًا: (يا معشر الأنصار)، قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك (¬٣)، فهل يصح أن يُقال: إن رسول الله ﷺ حينما ذكر أصحابه واستعان بهم، وناداهم، ولم ينادِ ربه، كان ذلك لأنه نسي ربه في هذا الموقف الحرج؟ قطعًا لا، وحاشاه من ذلك، بل كان ذاكرًا ربه في كل وقت وحين، يستعين به، ويتوكل عليه، ويثق بنصره، وأما نداؤه لأصحابه واستعانته بهم فلأنهم سبب من الأسباب، ليس غير.\rكما لا يلزم من دعاء النبي ﷺ للوط ﵇ بالرحمة أن يكون قد أخطأ ونسي الله تعالى، كما قد يُتوهم، لأن ذلك قد يجري على سبيل المدح وبيان الفضل، كما في قوله ﷺ لما استُغضب: (يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، متفق عليه (¬٤).","footnotes":"(¬١) إكمال إكمال المعلم (١/ ٤٣٧).\r(¬٢) انظر: الفصل (٢/ ٢٩٤)، وتيسير الكريم الرحمن (٣/ ٤٤٥).\r(¬٣) متفق عليه من حديث أنس ﵁: البخاري: (٤/ ١٥٧٦) ح (٤٠٨٢)، ومسلم (٧/ ١٥٩) خ (١٠٥٩).\r(¬٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: البخاري (٣/ ١٢٤٩) ح (٣٢٢٤)، ومسلم (٧/ ١٦٣) ح (١٠٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211628,"book_id":118,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":412,"body":"وهذا منه ﷺ جارٍ على عادته في دفع توهم النقص عن الأنبياء ﵈، خاصةً إذا صدر منهم ما يوهم ذلك، ومن أمثلة ذلك:\rقوله هنا -في هذا الحديث- عن إبراهيم ﵇: (نحن أحق بالشك من إبراهيم).\rوقوله عن يونس ﵇ لما حصل منه ما حصل مما ذكره الله تعالى في كتابه (¬١) -: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، متفق عليه (¬٢).\rومما يدل على أن لوطًا ﵇ لم يكن ملومًا في تمنيه وجود العشيرة، أن الله تعالى لم يعاتبه على ذلك، مع أن من شأنه تعالى أنه لا يُقِر نبيًا على خطأ (¬٣).\rقال ابن تيمية عن أهل السنة: \"هم متفقون على أنهم لا يُقَرُّون على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق ولا على كذب، ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله، فهم متفقون على تنزيههم عنه، وعامة الجمهور الذين يُجوزون عليهم الصغائر، يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم\" (¬٤).\rوقال أيضًا: \"إن الله لم يذكر في كتابه عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر توبته منه، كما ذكر في قصة آدم وموسى وداود، وغيرهم من الأنبياء\" (¬٥).\rوأما ما استدل به أصحاب القول الأول من قوله ﷺ: (رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ","footnotes":"(¬١) انظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\r(¬٢) من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري: (٢/ ٨٥٠) ح (٢٢٨١)، ومسلم (١٥/ ١٤٠) ح (٢٣٧٤).\r(¬٣) انظر: الشفاء للقاضي عياض (٣٤٧).\r(¬٤) منهاج السنة (١/ ٤٧٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ١٨٠، ١٩٤)، ومنة المنعم (٤/ ٦٣)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ٢٦٤).\r(¬٥) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٤٨)، وانظر: (١٥/ ١٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211629,"book_id":118,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":413,"body":"آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه)، فليس فيه ما يدل على أن لوطًا ﵇ قد نسي ربه وسها عنه في هذا الموقف، بل غاية ما فيه أن لوطًا ﵇ تمنى أن لو كان ذا كثرة ومنعة من قوم أو عشيرة، حتى يستعين بهم في حماية أضيافه، وهذا لا إشكال فيه كما تقدم.\rقال الطحاوي ﵀ -معلقًا على هذا الحديث-: \"فدل ذلك أن قول لوط هذا، كان لأنه لم يكن في ثروة من قومه، يكونون له ركنًا يأوي إليهم\" (¬١).\r* * *\rمعنى قوله ﷺ: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي):\rأراد الرسول ﷺ بهذا: الثناء على يوسف ﵇، وبيان فضله، وقوة صبره وحزمه، حيث إنه لما جاءه رسول الملك، آذِنًا له بالخروج، لم يبادر إلى الخروج -كما هو مقتضى الطبيعة- مع أنه مكث في السجن بضع سنين، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، قال ذلك: حتى تظهر براءته وتتبين مظلمته، فيخرج خروج من له الحجة، لا خروج من قد عفي عنه، فقال النبي ﷺ -تواضعًا منه وأدبًا-: (لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي) أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة.\rفقوله: (الداعي) أي: داعي الخروج من السجن.\rهذا هو معنى الحديث عند أهل العلم، كابن قتيبة والطحاوي والخطابي (¬٢) والبغوي وابن عطية (¬٣)، والمازري (¬٤) والقاضي عياض (¬٥) وابن","footnotes":"(¬١) شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٧).\r(¬٢) انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٤٦ - ١٥٤٧).\r(¬٣) انظر: المحرر الوجيز (٩/ ٣١٦ - ٣١٨).\r(¬٤) انظر: المعلم (١/ ٢١٣).\r(¬٥) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211630,"book_id":118,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":414,"body":"الجوزي (¬١) والنووي (¬٢)، والأبي (¬٣) وابن حجر (¬٤) وابن عثيمين (¬٥) وغيرهم (¬٦).\rقال ابن قتيبة في بيان معنى الحديث: \"يعني: حين دعي للإطلاق من الحبس، بعد الغمِّ الطويل، فقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، ولم يخرج من الحبس في وقته، يصفه بالأناة والصبر، وقال: لو كنت مكانه، ثم دُعيت إلى ما دُعي إليه من الخروج من الحبس، لأجبت ولم أتلبث، وهذا جنس من تواضعه، لا أنه كان عليه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج، أو على يوسف لو خرج من الحبس مع الرسول: نقص ولا إثم، وإنما أراد أنه لم يكن يستثقل محنة الله ﷿ له، فيُبادر ويتعجل، ولكنه كان صابرًا محتسبًا\" (¬٧).\rوقال الطحاوي: \"وأما قوله ﷺ: (ولو لبثت في السجن مثل ما لبث يوسف، لأجبت الداعي) أي: لأن يوسف لما جاءه الداعي، قال له: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ أي: كنت أجبت الداعي، لأن في ذلك خروجي من السجن الذي كنت فيه\" (¬٨).\rوقال البغوي بعد ذكره للحديث: \"وصف يوسفَ بالأناة والصبر، حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول الملك -فِعْل المذنب الذي يُعفى عنه- مع طول لبثه في السجن، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا","footnotes":"(¬١) انظر: كشف المشكل (٣/ ٣٥٩).\r(¬٢) انظر: شرح صحيح مسلم (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤).\r(¬٣) انظر: إكمال إكمال المعلم (١/ ٤٣٧).\r(¬٤) انظر: فتح الباري (٦/ ٤١٣).\r(¬٥) انظر: تفسير القرآن الكريم (٣/ ٣٠٥).\r(¬٦) انظر: جامع البيان (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٥٢٤)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٤٤)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، وفتح القدير (٣/ ٣٣)، وتحفة الأحوذي (٨/ ٥٤٠)، ومنة المنعم (٤/ ٦٣).\r(¬٧) تأويل مختلف الحديث (٩٣).\r(¬٨) شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211631,"book_id":118,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":415,"body":"بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، أراد أن يقيم عليهم الحجة في حبسهم إياه ظلمًا، وقال النبي ﷺ ذلك أيضًا على سبيل التواضع، لا أنه كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف.\rوالتواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يبطل لذي حق حقًا، ولكنه يوجب لصاحبه فضلًا، ويكسبه جلالًا وقدرًا\" (¬١).\rوقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، \"يقول تعالى إخبارًا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي رآها بما أعجبه وأيقنه، فعرف فضل يوسف ﵇، وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه، وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه، فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلمًا وعدوانًا، فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية، وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره صلوات الله وسلامه عليه\" (¬٢)، ثم ذكر هذا الحديث.\r* * *","footnotes":"(¬١) شرح السنة (١/ ١١٦)، وانظر: معالم السنن (٢/ ٤٣٠).\r(¬٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211632,"book_id":118,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":416,"body":"المبحث الثاني: ما جاء في سحر النبي ﷺ-\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الأشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211633,"book_id":118,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":417,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن عائشة ﵂ قالت: سَحَرَ رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُرَيق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله (¬١)، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب (¬٢)، قال: من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ (¬٣) وجفِّ طَلعِ نخلةٍ ذكرٍ (¬٤)، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)، فأتاها رسول الله ﷺ في ناس","footnotes":"(¬١) جاء هذا مفسرًا في الرواية التي تلي هذه الرواية، حيث قالت عائشة ﵂: \"حتى يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن\".\r(¬٢) أي: مسحور، كنوا بالطب عن السحر تفاؤلًا بالبُرء، كما كنوا بالسليم عن اللديغ، وبالمفازة عن الفلاة المهلكة، تفاؤلًا بالفوز والسلامة [انظر: تهذيب اللغة (١٣٢٠٧) مادة (طب)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ١١٠)، وكشف المشكل (٤/ ٣٤٠)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٨)].\r(¬٣) المشط: هو الآلة المعروفة التي يسرح بها شعر الرأس واللحية، والمشاطة: هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط. [انظر: تهذيب اللغة (١١/ ٢١٨ - ٢١٩) مادة (مشط)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وكشف المشكل (٤/ ٣٤٠)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢٧)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٩)].\r(¬٤) هو وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيده في الحديث بقوله: طلعة ذكر، وهو بإضافة طلعة إلى ذكر. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211634,"book_id":118,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":418,"body":"من أصحابه، فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعةُ الحِنَّاء (¬١)، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين) قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثوِّرَ على الناس فيه شرًا)، فأمر بها فدفنت.\rوفي رواية: قالت عائشة: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فقال: (لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًا)، متفق عليه (¬٢).\rوفي رواية للبخاري: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ سُحر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن -قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا- فقال: (يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم -رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مشط ومُشَاقَةٍ (¬٣)، قال: وأين؟ قال في جفِّ طلعة ذكرٍ، تحت رَعُوفَةٍ (¬٤) في بئر ذروان)، قالت: فأتى النبي ﷺ البئر حتى","footnotes":"= [انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ٢٧٠) مادة (جف)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٢٧٨) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢٨)، وكشف المشكل (٤/ ٣٤٠)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٩)].\r(¬١) أي أن لون ماء البئر لون الماء الذي ينقع فيه الحناء، يعني: أحمر. [انظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢٨)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٠)].\r(¬٢) البخاري في مواضع: في كتاب الطب، باب: السحر (٥/ ٢١٧٤) ح (٥٤٣٠)، وفي كتاب بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده (٣/ ١١٩٢) ح (٣٠٩٥)، وفي كتاب الدعوات، باب: تكرير الدعاء (٥/ ٢٣٤٧) ح (٦٠٢٨)، ورواه مختصرًا في كتاب الجزية، باب: هل يُعفى عن الذمي إذا سحر (٣/ ١١٥٩) ح (٣٠٠٤)، ومسلم في كتاب السلام، باب: السحر (١٤/ ٤٢٤) ح (٢١٨٩).\r(¬٣) هي بمعنى: المشاطة، وقد تقدمت قريبًا. [نظر: تهذيب اللغة (٨/ ٢٦٥) مادة (مشق)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ٣٣٤)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٢)].\r(¬٤) هي صخرة تُترك في أسفل البئر إذا حُفرت، تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المُنقِّي عليها، وقيل: هي حجر يكون على رأس البئر يقوم المُستَقي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211635,"book_id":118,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":419,"body":"استخرجه (¬١)، فقال: (هذه البئر التي أُرِيْتُهَا، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين)، قال: فاستُخْرِجَ، قالت: فقلت: أفلا؟ -أي: تنشرت (¬٢) - فقال: (أما الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا) (¬٣).\r\rبيان وجه الإشكال\rاستُشكل هذا الحديث من عدة وجوه، منها:\r- أن السحر من عمل الشياطين، فكيف يصل إلى النبي ﷺ، مع حياطة الله تعالى له، وتسديده إياه.","footnotes":"= عليه. [انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٢١٠) مادة (رعف)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٣٥)، وكشف المشكل (٤/ ٣٤١)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٤)].\r(¬١) هذه الرواية تفيد أن النبي ﷺ قد استخرج السحر، وفي الرواية التي قبلها ما يفيد ضد ذلك، وهو أن النبي ﷺ لم يستخرجه، قال ابن القيم في بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٢): \"ولا تنافي بينهما، فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه، ثم دفنه بعد أن شفي، وقول عائشة ﵂: هلا استخرجته؟ أي: هلا أخرجته للناس، حتى يروه ويعاينوه، فأخبرها بالمانع له من ذلك، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك، فيقع الإنكار، ويغضب للساحر قومُه، فيحدث الشر، وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة، فأمر بها فدفنت، ولم يستخرجها للناس، فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة، والذي يدل عليه: أنه ﷺ، إنما جاء إلى البئر ليستخرجها منه، ولم يجئ إليه لينظر إليها ثم ينصرف، إذ لا غرض له في ذلك، والله أعلم\"، وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٣٤).\r(¬٢) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٣٥): \"ظاهر هذه اللفظة: أنه من النشرة ... ، ويُحتمل أن يكون من: النشر، بمعنى: الإخراج، فيوافق رواية من رواه بلفظ: (فهلا أخرجته)، ويكون لفظ هذه الرواية: (هلا استخرجت)، وحذف المفعول للعلم به\".\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب الطب، باب: هل يُستخرج السحر (٥/ ٢١٧٥) ح (٥٤٣٢)، وأخرجه أيضًا في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ... ﴾ (٥/ ٢٢٥٢) ح (٥٧١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211636,"book_id":118,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":420,"body":"- أن هذا يصدق قول المشركين في وصفهم النبي ﷺ بأنه مسحور، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧].\r- أن لحوق أثر السحر بالنبي ﷺ، يُنافي عصمته، ويقدح في نبوته، ويزيل الثقة بما يبلغه عن الله.\rفهذه الوجوه وغيرها -مما سيأتي ذكره- جعلت البعض يقدح في صحة الحديث، أو يصححه، ولكن ينفي تأثر النبي ﷺ بذلك السحر.\rولا ريب أن الحديث متفق على صحته، متلقى بالقبول عند أهل العلم، فلا سبيل إلى رده أو الطعن فيه، وأما ما أُثير حوله من إشكالات أو شبهات، فسيأتي الجواب عنها في المطالب التالية، إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211637,"book_id":118,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":421,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\rالقول الأول: كل من نفى حقيقة السحر وأثره (¬١)، ورأى أنه مجرد تمويه وتخييل لا حقيقة له -فلا تأثير له في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد ولا غير ذلك- فقد نفى السحر عن النبي ﷺ، وأنكره من باب أولى، كالمعتزلة (¬٢)، ومن وافقهم في هذا، كأبي منصور المَاتُرِيْدِي (¬٣) وأبي جعفر الإسترابادي من الشافعية (¬٤)، وأبي بكر الرازي الجصاص من","footnotes":"(¬١) انظر في الكلام على حقيقة السحر وأثره: كتاب السحر بين الحقيقة والخيال، للدكتور أحمد بن ناصر الحمد، وقد استفدت منه كثيرًا في هذا الجانب.\r(¬٢) انظر: الكشاف للزمخشري (١/ ٣٠٦)، ومتشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ١٠١)، والإرشاد للجويني (١٣١)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٤/ ٣٤٢)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٤، ٤٦)، والنبوات (١/ ١٣٠، ٤٨٤) و (٢/ ١٠٣١، ١٠٣٦)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢١٦، ٢٢٠)، وتيسير العزيز الحميد (٣٨٣)، وفتح القدير (١/ ١١٩، ١٢١)، وتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ٦٧٣).\r(¬٣) انظر: التوحيد له (٢٠٩). وأبو منصور هو: محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي -نسبة إلى (ماتريد) محلة بسمرقند- السمرقندي، من أئمة علماء الكلام، وهو الذي ينسب إليه المذهب الماتريدي، له مؤلفات منها: التوحيد، والرد على القرامطة، توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة (٣٣٣). [انظر: الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية للقرشي (٣/ ١٥٣٢)، والمواعظ والآثار -خطط المقريزي- (٢/ ٣٥٩)، والأعلام (٦/ ١٩)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٦٩٢)].\r(¬٤) انظر: روضة الطالبين للنووي (٩/ ٣٤٦)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٤٦) غير أنه كناه بأبي إسحاق، ولم أجد له ذكرًا =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211638,"book_id":118,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":422,"body":"الأحناف (¬١) وابن حزم (¬٢) وغيرهم (¬٣)، وهو منسوب لأبي حنيفة (¬٤)، ونقل القرافي (¬٥) عن الحنفية: القولَ بعدم تأثير السحر ما لم يكن مباشرًا (¬٦) ولعل هذا مراد أبي حنيفة ﵀.","footnotes":"= بهاتين الكنيتين في تراجم الشافعية ولا غيرها، وقد نقل ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٢٠)، وحافظ الحكمي في معارج القبول (١/ ٣٦٨) كلام القرطبي في نسبة هذا القول لأبي إسحاق، لكنهما قالا: الإسفراييني، بدل: الإستراباذي، وقد اشتُهر عن أبي إسحاق الإسفراييني إنكاره لخوارق السحرة وكرامات الأولياء لئلا تلتبس بمعجزات الأنبياء، والله أعلم. [انظر: الإرشاد للجويني (١٢٩)، والنبوات لابن تيمية (١/ ١٣١)، و (٢/ ١٠٣١)، ولوامع الأنوار (٢/ ٣٩٤)، والإنصاف للصنعاني (٦٣)].\r(¬١) انظر: أحكام القرآن له (١/ ٤٣، ٤٩). وأبو بكر الجصاص هو: العلامة المفتي عالم العراق أحمد بن علي الرازي أبو بكر الجصاص الحنفي، انتهت إليه رئاسة الحنفية في وقته، صنَّف وجمع وتخرج به الأصحاب ببغداد، وإليه المنتهى في معرفة المذهب، وكان مع براعته في العلم ذا زهد وتعبد، عُرض عليه القضاء فامتنع، وقيل: إنه كان يميل إلى الاعتزال، توفي سنة سبعين وثلاثمائة (٣٧٠)، له مؤلفات منها: أحكام القرآن، والأسماء الحسنى. [انظر: تاريخ بغداد (٥/ ٧٢)، والسير (١٦/ ٣٤٠)، والجواهر المضية (١/ ٢٢٠)، وشذرات الذهب (٣/ ٧١)، والأعلام (١/ ١٧١)، ومعجم المؤلفين (١/ ٢٠٢)].\r(¬٢) انظر: الفصل (٣/ ١٦٨ - ١٧٨)، والدرة فيما يجب اعتقاده (١٩٢ - ١٩٧)، والمحلى (١/ ٥٨).\r(¬٣) انظر: تفسير التحرير والتنوير (١/ ٦٣٤، ٦٤٥).\r(¬٤) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (٢/ ٢٢٦)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢٢٠)، وفتح القدير (١/ ١١٩، ١٢١)، ومعارج القبول (١/ ٣٦٨).\r(¬٥) هو: أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي الأصل، المشهور بالقرافي، فقيه أصولي مفسر، من علماء المالكية، ولد بمصر وتوفي فيها سنة (٦٨٤ هـ) له عدة تصانيف منها: الفروق، والذخيرة في الفقه، والتنقيح في أصول الفقه. [انظر: الأعلام (١/ ٩٤)، ومعجم المؤلفين (١/ ١٠٠)].\r(¬٦) انظر: الفروق (٤/ ١٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211639,"book_id":118,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":423,"body":"قال ابن حجر: \"واختُلِف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الإسترباذي (¬١) من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة\" (¬٢).\rوهؤلاء منهم من ردَّ الحديث أصلًا كالمعتزلة والجصاص (¬٣)، ومنهم من أثبته كابن حزم وغيره، لكنه نفى أن يكون السحر قد أثر بالنبي ﷺ (¬٤).\rوقد استدلوا بأدلة عامة على نفي حقيقة السحر وأثره، وأدلة خاصة على نفي السحر عن النبي ﷺ، وإليك أهم هذه الأدلة، مبتدئًا بالأدلة العامة ثم الخاصة.\r١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، حيث نفى حصول الضرر بالسحر إلا بإذنه، مما يدل على أنه ليس له تأثير في نفسه وذاته، وليس المعنى: أن السحر قد يضر وقد لا يضر، بل المعنى أنه لا يضر منه إلا ما كان بإيصال أشياء ضارة بطبعها، ومباشَرَةِ بدن المسحور بها (¬٥).\r٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].\rوقول عائشة ﵂: أن النبي حين سُحر: كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله.","footnotes":"(¬١) هكذا ذكره الحافظ، وقد تقدم أن النووي والقرطبي ذكراه بلفظ: الإسترابادي، وكنياه بأبي إسحاق.\r(¬٢) فتح الباري (١٠/ ٢٢٢).\r(¬٣) انظر: أحكام القرآن له (١/ ٤٩).\r(¬٤) انظر: الفصل (٣/ ١٧٢)، وتفسير التحرير والتنوير (١/ ٦٣٤)\r(¬٥) انظر: الكشاف (١/ ٣٠٦)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٦)، وتفسير التحرير والتنوير (١/ ٦٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211640,"book_id":118,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":424,"body":"فقالوا: إن هذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن السحر إنما هو مجرد تمويه وتخييل على الأعين، وتحيل وكيد مفتعل لا حقيقة له ولا تأثير (¬١).\rقال ابن حزم: \"وقد نص الله ﷿ على ما قلنا، فقال: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، فأخبر تعالى أن عمل أولئك السحرة إنما كان تخيلًا لا حقيقة له، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، فأخبر تعالى أنه كيد لا حقيقة له ... وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ أي: أنهم أوهموا الناس فيما رأوه ظنونًا متوهمة لا حقيقة لها، ولو فتشوها للاح لهم الحق\" (¬٢).\r٣ - أنه لو كان للسحر تأثير وحقيقة لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات، لأنها حينئذٍ تشتبه، فلا يمكن التفريق والتمييز بين السحر والمعجزة.\rقال الجصاص -مبينًا ما يلزم على القول: بحقيقة السحر وتأثر النبي ﷺ به-: يلزم من ذلك أن \"لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأن جميعه من نوع واحد، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈، وإثبات معجزاتهم، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة\" (¬٣).\rوقال الرازي في مَعْرِض بيان حجج المعتزلة، أنهم قالوا: \"لو جاز ذلك من السحر، فكيف يتميز المعجز عن السحر\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: الكشاف (٢/ ٤٨٦)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٣، ٤٩)، والتفسير الكبير (١٤/ ٢٠٣)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢١٣)، وأضواء البيان (٤/ ٤٧٤).\r(¬٢) الفصل (٣/ ١٧١ - ١٧٢) بتصرف يسير.\r(¬٣) أحكام القرآن (١/ ٤٩).\r(¬٤) التفسير الكبير (٣/ ٢١٤)، وانظر: (٣/ ٣٠٦)، والمحلى (١/ ٥٨)، والدرة (١٩٤)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211641,"book_id":118,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":425,"body":"٤ - أن القول: بأن النبي ﷺ قد أثر فيه السحر، يصدق قول المشركين في تعييرهم النبي ﷺ بأنه مسحور، كما حكى الله عنهم ذلك فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ومعلوم أن تعييرهم هذا باطل، ولذا ذمهم الله عليه (¬١).\r٥ - أن القول: بلحوق ضرر السحر بالنبي ﷺ منافٍ لعصمته، وطعن في نبوته، ومزيل للثقة بما جاء به، فإنه إذا سحر وخيل إليه أنه يفعل الأمر، وهو لم يفعله، أمكن أن يخيل إليه أنه أوحي إليه وهو لم يوحَ إليه، وأنه بلغ ما أوحي إليه، وهو لم يبلغه، وهكذا في جميع أمور الدين، مما يُفقد الحجة والاطمئنان بقوله وفعله (¬٢).\r٦ - أن السحر من عمل الشياطين، وهم لا يتسلطون إلا على من غفل عن الله تعالى وطاعته، أما من تحصن بطاعة الله تعالى وذكره -كالرسول ﷺ- فليس للشيطان عليه سلطان ولا سبيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] (¬٣).\rالقول الثاني: أن للسحر حقيقة وأثرًا، كما دل على ذلك الكتاب والسنة (¬٤) وقد سُحر النبي ﷺ، وأثر فيه ذلك السحر وأمرضه، فكان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، غير أنه لم يوجب له خللًا في عقله، ولا تخليطًا له في قوله، إذ قد قام دليل النقل، وبرهان المعجزة على صدقه وعصمة الله تعالى له من الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله، فالسحر الذي تعرض","footnotes":"= والفصل (٣/ ١٧٣) ثلاثتها لابن حزم، والنبوات (١/ ٤٨٤)، و (٢/ ١٠٣٦ - ١٠٣٧)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٧١).\r(¬١) انظر التفسير الكبير للرازي (٣/ ٢١٤)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٣)، وأضواء البيان (٤/ ٥٠٦).\r(¬٢) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٣)، والمعلم (٣/ ٩٣).\r(¬٣) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٦٦، ١٦٩)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٣)، والأنوار الكاشفة (٢٥٢).\r(¬٤) سيأتي ذكر هذه الأدلة في المطلب التالي إن شاء الله تعالى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211642,"book_id":118,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":426,"body":"له المصطفى ﷺ، إنما هو عرض من الأعراض التي تعتري البشر جميعًا، بما في ذلك الأنبياء، كالمرض، والجوع والعطش، والحر والبرد، والتعب والإعياء والإغماء، وغيرها.\rوإلى هذا القول ذهب عامة أهل السنة والجماعة (¬١)، ومن وافقهم، وقد نص عليه ابن قتيبة (¬٢)، والخطابي (¬٣)، والمازري، وقوَّام السنة الأصبهاني (¬٤)، وابن قدامة (¬٥)، والقاضي عياض، وابن الجوزي (¬٦)، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي (¬٧)، والنووي (¬٨)، والقرافي (¬٩)، وابن القيم (¬١٠)، وسليمان بن عبد الله (¬١١)، وحافظ الحكمي (¬١٢)، والمعلمي (¬١٣)، والشنقيطي (¬١٤)، وابن باز (¬١٥)، وابن عثيمين (¬١٦)، وغيرهم (¬١٧).","footnotes":"(¬١) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (٢٩٦)، ومعالم التنزيل (١/ ٩٩)، والمعلم (٣/ ٩٣)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦)، والنبوات (١/ ٤٨٥)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢٢٠)، وفتح القدير (١/ ١٢١).\r(¬٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٦٧ - ١٧٥)، وتأويل مشكل القرآن (١١٦).\r(¬٣) انظر: أعلام الحديث (٢/ ١٥٠٠ - ١٥٠١).\r(¬٤) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥١٩ - ٥٢١).\r(¬٥) انظر: الكافي (٥/ ٣٣١).\r(¬٦) انظر: كشف المشكل (٤/ ٣٤٢).\r(¬٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٤، ٤٦).\r(¬٨) انظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٢).\r(¬٩) انظر: الفروق (٤/ ١٤٩).\r(¬١٠) انظر: زاد المعاد (٤/ ١٢٤)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٥).\r(¬١١) انظر: تيسير العزيز الحميد (٣٨٢ - ٣٨٣).\r(¬١٢) انظر: معارج القبول (١/ ٣٦٨).\r(¬١٣) انظر: الأنوار الكاشفة (٢٤٩ - ٢٥٣).\r(¬١٤) انظر: أضواء البيان (٤/ ٤٧٤).\r(¬١٥) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعه له (٨/ ١٤٩).\r(¬١٦) انظر: المجموع الثمين (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، وتفسير القرآن الكريم، له (١/ ٣٢٨).\r(¬١٧) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٦/ ٦١٠)، ومنة المنعم (٣/ ٤٤٩)، وظلمات أبي رية =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211643,"book_id":118,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":427,"body":"وعمدتهم في تأثر النبي ﷺ ومرضه بسبب السحر حديث عائشة ﵂ -المتقدم- قالت: سَحَرَ رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُرَيق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ وجفِّ طَلعِ نخلةٍ ذكرِ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)، فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعةُ الحِنَّاء، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين)، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثوِّرَ على الناس فيه شرًا) فأمر بها فدفنت.\rقال القرطبي: \"وقول عائشة ﵂: (سحر رسولَ الله ﷺ يهوديٌّ)، هذا الحديث يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرًا في المسحور، وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة، بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حق، وأنه موجود\" (¬١).\rوقال الشنقيطي: \"في هذا الحديث الصحيح أن تأثير السحر فيه ﷺ سبب له المرض، بدليل قوله: (أما الله فقد شفاني)، وفي بعض الروايات الثابتة في صحيح البخاري وغيره بلفظ: فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، أي: مسحور، وهو صريح بأن السحر سبب له وجعًا\" (¬٢).\rوقال الخطابي: \"السحر ثابت، وحقيقته موجودة، وقد اتفق أكثر","footnotes":"= لمحمد عبد الرزاق حمزة (٢٦٩)، وفتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٥٦٩).\r(¬١) المفهم (٥/ ٥٦٨).\r(¬٢) أضواء البيان (٤/ ٥٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211644,"book_id":118,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":428,"body":"الأمم، من العرب والفرس والهند وبعض الروم على إثباته ... والأنبياء صلوات الله عليهم يجوز عليهم من الأعراض والعلل ما يجوز على غيرهم، إلا فيما خصهم الله به من العصمة في أمر الدين، الذي أرصدهم له، وبعثهم به، وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل، وتأثير السم والأمراض وعوارض الأسقام فيهم، وقد قتل زكريا وابنه يحيى ﵇، وسُمَّ نبينا ﷺ في الشاة التي أُهديت له بخيبر ... فلم يكن شيء مما ذكرنا قادحًا في نبوتهم، ولا دافعًا لفضيلتهم، وإنما هو امتحان وابتلاء ... فأما ما يتعلق من أمره ﷺ بالنبوة فقد عصمه الله في ذلك، وحرس وحيه أن يلحقه الفساد والتبديل، وإنما كان يخيل إليه من أنه يفعل الشيء ولا يفعله في أمر النساء خصوصًا، وفي إتيان أهله قصرةً، إذ كان قد أُخذ عنهن بالسحر، دون ما سواه من أمر الدين والنبوة، وهذا من جملة ما تضمنه قوله ﷿: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية، فلا ضرر إذن مما لحقه من السحر على نبوته، ولا نقص فيما أصابه منه على دينه وشريعته، والحمد لله على ذلك\" (¬١).\rوقال المازري: \"أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يتفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، وذكر أنه مما يُتعلم، وذكر ما يشير إلى أنه مما يُكفَّرُ به، وأنه يُفرَّقُ به بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتعلم ما لا حقيقة له.\rوهذا الحديث أيضًا فيه إثباته، وأنه أشياء دفنت وأُخرجت، وهذا كله يبطل ما قالوه\" (¬٢).\rوقال القاضي عياض: \"السحر مرض من الأمراض، وعارض من","footnotes":"(¬١) أعلام الحديث (٢/ ١٥٠٠ - ١٥٠٤).\r(¬٢) المعلم (٣/ ٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211645,"book_id":118,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":429,"body":"العلل، تجوز عليه -يعني: النبي ﷺ- كأنواع الأمراض مما لا يُنكَر، ولا يَقدح في نبوته ﵇، وأما ما ورد أنه كان يُخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلةً في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروؤه عليه في أمر دنياه، التي لم يبعث بسببها ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يُخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان\" (¬١).\rوقال القرطبي: \"الأنبياء من البشر، فيجوز عليهم من الأمراض والآلام والغضب والضجر والعجز والسحر والعين وغير ذلك ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ، وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، من حيث البشرية: يجوز عليهم ما يجوز عليهم، ومن حيث الخاصة النبوية: امتاز عنهم، وهو الذي شهد له العلي الأعلى بأن بصره ما زاغ وما طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يُوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) الشفاء (٣٧٨).\r(¬٢) المفهم (٥/ ٥٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211646,"book_id":118,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":430,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي عليه أهل السنة والجماعة أن السحر ثابت موجود، له حقيقة وأثر لا يمكن إنكاره ولا نفيه.\rقال الإمام الصابوني في معرض بيان عقيدة السلف: \"ويشهدون أن في الدنيا سحرًا وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله ﷿\" (¬١).\rوقال البغوي: \"والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة، وعليه أكثر الأمم\" (¬٢).\rوتقدم قول المازري: \"أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة\" (¬٣).\rوقال أبو عبد الله القرطبي: \"ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة\" (¬٤).\rوقال النووي: \"والصحيح أن له حقيقة ... وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة\" (¬٥).\rوقال ابن القيم بعد ذكره لقول المنكرين لحقيقة السحر: \"هذا خلاف","footnotes":"(¬١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٩٦)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥١٩ - ٥٢١).\r(¬٢) معالم التنزيل (١/ ٩٩).\r(¬٣) المعلم (٣/ ٩٣).\r(¬٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦).\r(¬٥) روضة الطالبين (٩/ ٣٤٦)، وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211647,"book_id":118,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":431,"body":"ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء\" (¬١).\rوقال الشوكاني: \"قد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرًا في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة\" (¬٢).\rوقد دلَّ على أن السحر له حقيقة وأثر: الكتاب، والسنة، والواقع، وإليك شيئًا من ذلك:\rفمن أدلة الكتاب:\r١ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢].\rفهذه الآية تدل على أن للسحر حقيقة وأثرًا من عدة وجوه:\rأ- أن الله تعالى ذكر السحر، وأخبر أنه مما يُعلَّم ويُتعلَّم، وهذا يدل على أن له حقيقة، إذ لو لم يكن كذلك لما أمكن تعلمه وتعليمه.\rقال أبو عبد الله القرطبي: \"لو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدلَّ على أن له حقيقة\" (¬٣).\rب - أن الله تعالى أخبر في هذه الآية أن السحر يحصل به التفريق بين المرء وزوجه، فقال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وهذا دليل واضح على أن للسحر حقيقة وأثرًا.","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥).\r(¬٢) فتح القدير (١/ ١٢١)، وانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٢٢٠).\r(¬٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211648,"book_id":118,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":432,"body":"قال الشوكاني: \"في إسناد التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سببًا لذلك، دليل على أن للسحر تأثيرًا في القلوب بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد\" (¬١).\rوقال السعدي عند الآية السابقة: \"وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله\" (¬٢).\rج- أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يدل على حصول الضرر بسببه (¬٣)، لكنه لا يكون إلا بإذن الله الكوني القدري.\r٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].\rففي هذه السورة أمر الله نبيه ﷺ بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وهن السواحر، اللاتي يستعنَّ على سحرهن بالنفث في العقد (¬٤)، مما يدل على أن للسحر حقيقة وأثرًا، وإلا لما كان للأمر بالاستعاذة منهن معنى، وقد حكى أبو عبد الله القرطبي اتفاق المفسرين على أن سبب نزول هذه السورة، ما تعرض له النبي ﷺ من سحر لبيد بن الأعصم (¬٥).\rقال ابن القيم: \"وقد دلَّ قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر وأن له حقيقة\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) فتح القدير (١/ ١٢٠).\r(¬٢) تيسير الكريم الرحمن (١/ ١١٩)، وانظر: أضواء البيان (٤/ ٤٧٤، ٥٠٦).\r(¬٣) انظر: التفسير الكبير للرازي (٣/ ٢١٣).\r(¬٤) انظر: جامع البيان (١٢/ ٧٥٠)، ومعالم التنزيل (٤/ ٥٤٧)، والجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٢٥٧)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٩١٧)، وأضواء البيان (٩/ ٦٣٨)، وتيسير الكريم الرحمن (٧/ ٦٨٧).\r(¬٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦)، وأضواء البيان (٩/ ٦٣٨).\r(¬٦) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211649,"book_id":118,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":433,"body":"وقال السعدي عن هذه السورة: \"دلت على أن السحر له حقيقة، يُخشى من ضرره، ويُستعاذ بالله منه، ومن أهله\" (¬١).\r\rومن أدلة السنة على حقيقة السحر وأثره:\r١ - حديث عائشة ﵂ -المتقدم- في سحر لبيد بن الأعصم للنبي ﷺ، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.\rقال أبو عبد الله القرطبي: \"وفيه -أي: الحديث- أن النبي ﷺ قال لمَّا حُلَّ السحر: (إن الله شفاني)، والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدلَّ على أن له حقًا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق\" (¬٢).\r٢ - حديث عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: (من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوةً، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سِحر)، متفق عليه (¬٣). ففي هذا الحديث أرشد النبي ﷺ إلى ما فيه وقاية من ضرر السحر، مما يدل على أن له حقيقة وأثرًا، إذ لا يُتوقى إلا ما كان كذلك، كما أن في قرنه بالسم المتفق على حقيقته وأثره، دليلًا على أنه مثله في ذلك (¬٤).\rوأما دلالة الواقع على حقيقة السحر وأثره فأشهر من أن تُذكر، حيث تواترت أخباره وآثاره عند الناس، فلا تكاد تجد أحدًا ينكر حقيقته أو ينفي أثره.","footnotes":"(¬١) تيسير الكريم الرحمن (٧/ ٦٨٨)، وانظر: الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ٥٢١)، والكافي لابن قدامة (٥/ ٣٣١)، وأضواء البيان (٤/ ٤٧٤).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٦).\r(¬٣) البخاري: (٥/ ٢٠٧٥) ح (٥١٣٠)، ومسلم: (١٤/ ٢٤٥) ح (٢٠٤٧).\r(¬٤) انظر: السحر بين الحقيقة والخيال (٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211650,"book_id":118,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":434,"body":"قال أبو عبد الله القرطبي: \"لقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان، وتكلم الناس فيه، ولم يَبدُ من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله\" (¬١).\rوقال ابن القيم: \"والسحر الذي يؤثر مرضًا وثقلًا، وحلًا وعقدًا، وحبًا وبغضًا، ونزيفًا، وغير ذلك من الآثار: موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيب به منه\" (¬٢).\rوأما ما وقع للنبي ﷺ من السحر وتأثره به، فحق لا يمكن رده أو إنكاره، لدلالة حديث عائشة ﵂، المتفق على صحته على ذلك (¬٣).\rقال ابن القيم -عن هذا الحديث-: \"هذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم، لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب\" (¬٤).\rوقال أيضًا: \"قد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين\" (¬٥).\rوقال الشنقيطي: \"اعلم أن ما وقع من تأثير السحر في رسول الله ﷺ، لا يستلزم نقصًا ولا محالًا شرعيًا، حتى ترد بذلك الروايات الصحيحة، لأنه نوع من الأعراض البشرية، كالأمراض المؤثرة في الأجسام، ولم يؤثر البتة فيما يتعلق بالتبليغ\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٦)، وانظر: الفروق للقرافي (٤/ ١٥٠).\r(¬٢) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥).\r(¬٣) تقدم تخريجه ص (٤٢٦ - ٤٢٧).\r(¬٤) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٢).\r(¬٥) المرجع السابق (٢/ ٣٦٣).\r(¬٦) أضواء البيان (٤/ ٥٠٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211651,"book_id":118,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":435,"body":"وأما ما ذهب إليه المنكرون لحقيقة السحر وأثره، فباطل ظاهر البطلان، والأدلة المتقدمة على إثبات السحر وحقيقته حجة عليهم، وداحضة لقولهم، وأما ما استدلوا به فلا يعدو أن يكون شبهًا يمكن مناقشتها والإجابة عنها، كما سيأتي.\rويحسن التنبيه هنا إلى أن نفي هؤلاء لحقيقة السحر وأثره، لا يعني إنكارهم لأصل السحر ووجوده مطلقًا، لأنه قد تردد ذكره كثيرًا في الكتاب والسنة، وتواطأت على ذكره الأمم في كل زمان ومكان، فلا يمكن لأحد أن ينكره مطلقًا إلا أن يكون مكابرًا، ولذا قال ابن حجر: \"نقل الخطابي أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا، وكأنه عنى القائلين: بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة\" (¬١).\rوقال ابن قتيبة ردًا على من نفى حقيقة السحر، وزعم أنه مجرد تخييل: \"نحن نقول: إن الذي يذهب إلى هذا مخالف للمسلمين واليهود والنصارى، وجميع أهل الكتب، ومخالف للأمم كلها: الهند، وهي أشدها إيمانًا بالرقى، والروم، والعرب في الجاهلية وفي الإسلام، ومخالف للقرآن، معاند له بغير تأويل\" (¬٢).\rوبهذا يتبين أن الخلاف مع هؤلاء منصب على إنكارهم لحقيقة السحر وأثره، وزعمهم أنه لا يكون إلا تخييلًا، أو أنه لا يؤثر إلا إذا كان مباشرًا للبدن، وعليه أنكروا تأثر النبي ﷺ بالسحر، واستدلوا بأدلة في ما يلي مناقشتها:\r\rمناقشة أدلة النافين لحقيقة السحر، وتأثر النبي ﷺ به:\r١ - أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ على أن السحر ليس له تأثير في نفسه، لأن الله نفى حصول","footnotes":"(¬١) الفتح (١٠/ ٢٢٢)، وانظر: السحر بين الحقيقة والخيال (٤٥) هامش (١).\r(¬٢) تأويل مختلف الحديث (١٦٧)، وانظر: أعلام الحديث للخطابي (٢/ ١٥٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211652,"book_id":118,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":436,"body":"الضرر إلا بإذنه، فاستدلال مردود، لأن المراد بالإذن هنا الإذن الكوني القدري، فالسحر لا يتحقق ضرره إلا بإرادة الله الكونية، فلا يمكن أن يستقل هو بالفعل، إذ لا يستقل بذلك إلا الرب ﷾، وليس هذا خاصًا بالسحر، بل كل ما يجري في هذا الكون فإنه مربوط بإرادة الله الكونية، فلا يقع في ملكه إلا ما يريد، وإلا كان خارجًا عن حكمه وملكه، فالاستثناء في الآية ليس فيه ما يدل على نفي حقيقة السحر وأثره، بل فيه ما يدل على عكس ذلك، وهو إثبات حقيقة السحر وأثره، كما تقدم.\rقال الرازي: \"الاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه\" (¬١).\rوقال الشوكاني: \"الحق أنه لا تنافي بين قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيرًا في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضررًا إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه\" (¬٢).\rوأما قولهم: إن السحر لا يحصل ضرره إلا بإيصال أشياء ضارة بطبعها، ومباشَرَةِ بدن المسحور بها، فقول باطل، فإن \"قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه، ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرًا، كما يقوله هؤلاء، لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يُستعاذ منه\" (¬٣).\rقال القرافي: \"السحر له حقيقة، وقد يموت المسحور، أو يتغير طبعه وعادته، وإن لم يباشره\" (¬٤).\r٢ - وأما استدلالهم -على أن السحر مجرد تخييل لا حقيقة له- بقوله","footnotes":"(¬١) التفسير الكبير (٣/ ٢١٣)، وانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٢١٦)، والسحر بين الحقيقة والخيال (٦١ - ٦٢).\r(¬٢) فتح القدير (١/ ١٢١).\r(¬٣) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦).\r(¬٤) الفروق (٤/ ١٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211653,"book_id":118,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":437,"body":"تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وغيرها من الآيات، وكذا ما وقع للنبي ﷺ حين سُحر، من كونه يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، فالجواب عنه أن يُقال: غاية ما في هذه الأدلة أن السحر منه ما هو تخييل، وهذا حق لا خلاف فيه، إذ التخييل من جملة السحر، لكن ليس فيها أن السحر لا يكون إلا تخييلًا، ثم إن هذا التخييل الناتج عن السحر دليل على حقيقة السحر وأثره، إذ لو لم يكن له تأثير لم يحصل التخييل، فالتخييل نتيجةٌ لتأثير السحر.\rقال الشنقيطي: التحقيق الذي عليه جماهير العلماء أن السحر منه ما هو حقيقة لا مطلق تخييل، ومنه ما هو تخييل لا حقيقة له (¬١).\rوبناءً على هذا، يكون أمر الخلاف مع من أقر بوقوع التخييل للنبي ﷺ -نتيجة السحر- لفظيًا، إذ الجميع متفقون على أن ما وقع للنبي ﷺ من السحر، إنما هو مجرد تخييل، كما هو نص الحديث، ويبقى الخلاف معه فيما سوى التخييل مما هو من أعراض السحر وآثاره.\rوقد تكلم ابن القيم حول هذا الاستدلال بكلام نفيس، أسوقه بطوله لأهميته:\rقال ﵀: \"إذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم، حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغيُّر في إحساسهم، فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم، وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية، والتغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبدن، فإذا غيَّر إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركًا، والمتصل منفصلًا، والميت حيًا، فما المحيل لأن يُغير صفات نفسه، حتى يجعل المحبوب إليه بغيضًا، والبغيض محبوبًا، وغير ذلك من","footnotes":"(¬١) انظر: أضواء البيان (٤/ ٤٧٤، ٤٩٤)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٦)، وتحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد للعجيلي (٢/ ٢٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211654,"book_id":118,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":438,"body":"التأثيرات، وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، فبين سبحانه أن أعينهم سُحرت، وذلك: إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي، وهو الحبال والعصي، مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حرَّكتها وهي الشياطين، فظنوا أنها تحركت بأنفسها، وهذا كما إذا جَرَّ مَن لا يراه: حصيرًا أو بساطًا، فترى الحصير والبساط ينجرُّ ولا ترى الجارَّ له، مع أنه هو الذي يجره، فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين فقلَّبتها كتقلُّب الحية، فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها، والشياطين هم الذين يقلبونها.\rوإما أن يكون التغيير حدث في الرائي، حتى رأى الحبال والعصي تتحرك وهي ساكنة في أنفسها، ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف في نفس الرائي وإحساسه حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها\" (¬١).\r٣ - وأما قولهم: إن إثبات أثر السحر وحقيقته يتعذر معه التمييز بينه وبين المعجزة، والساحر والنبي، فالجواب عنه: أن هذا غير مسلم، فلا يمكن أن يلتبس أمر السحر بأمر النبوة على أحد، إذ الفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار، فالنبي يأتيه ملك كريم من عند الله، يخبره عن الله، والساحر إنما معه شيطان يأمره ويخبره، فلا الخبر كالخبر، ولا الأمر كالأمر، ولا مُخبِر هذا كمُخبِر هذا، كما أنه ليس هذا مثل هذا (¬٢).\rقال ابن تيمية: \"الفرقان بينهما أعظم، كالفرق بين الملائكة والشياطين، وأهل الجنة وأهل النار، وخيار الناس وشرارهم، وهذا أعظم الفروق بين الحق والباطل.","footnotes":"(¬١) بدائع الفوائد (٢/ ٣٦٦).\r(¬٢) انظر: النبوات لابن تيمية (٢/ ٧٠٤)، و (١/ ١٥٢)، ومما ينبغي التأكيد عليه أن موت النبي ﷺ قاطع لكل التباس، لأن النبوة قد ختمت به.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211655,"book_id":118,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":439,"body":"والكفار قالوا عن الأنبياء: إنهم مجانين وسحرة، فكما يعلم بضرورة العقل وجود أعظم الفرق بينهم وبين المجانين، وأنهم أعقل الناس وأبعدهم عن الجنون، فكذلك يعلم بضرورة العقل أعظم الفرق بينهم وبين السحرة، وأنهم أفضل الناس وأبعدهم عن السحر\" (¬١).\rومن الفروق الواضحة بين آيات الأنبياء وبين ما يأتي به السحرة: أن جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الخلق من الإنس والجن وسائر الحيوانات، كما في نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ، وكون الطعام القليل يصير كثيرًا، وغير ذلك.\rأما ما يأتي به السحرة فهو لا يخرج عن مقدور الإنس والجن، كالطيران في الهواء، فإنه مقدور للجن، وكذا كون الساحر يقتل بسحره ويُمرض، ويفرق بين المرء وزوجه، كل ذلك مقدور للإنس والجن.\rقال ابن تيمية: \"الساحر قد يقدر على أن يقتل إنسانًا بالسحر، أو يمرضه، أو يفسد عقله أو حسه وحركته وكلامه، بحيث لا يجامع، أو لا يمشي، أو لا يتكلم، ونحو ذلك، وهذا كله مما يقدر الإنسان على مثله، لكن بطرق أخرى، والجن يطيرون في الهواء وعلى الماء، ويحملون الأجسام الثقيلة، كما قال العفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩]، وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجن من الحيوان، كالطيور والحيتان، والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبي، لوجوده لغير الأنبياء، فكثير من الناس تحمله الجن، بل شياطين الجن، وتطير به في الهواء، وتذهب به إلى مكان بعيد، كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن إلى مكان بعيد\" (¬٢).\rومن الفروق أيضًا: أن معجزات الأنبياء لا يمكن لأحد أن يُعارضها","footnotes":"(¬١) النبوات (٢/ ١٠٤٩)، وانظر: (٢/ ٦٦٥).\r(¬٢) النبوات (١/ ٥٢٣ - ٥٢٤)، وانظر: (١/ ١٤٤، ١٩٢)، و (٢/ ٩٩٢، ٩٩٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211656,"book_id":118,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":440,"body":"بمثلها، أو يبطلها، كما قال تعالى عن القرآن: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، ولما طلب فرعون معارضة ما جاء به موسى ﵇ -بعد ادعائه أنه ساحر- وجمع السحرة لهذا الأمر، أبطل الله كيده، وأبان عجزه، وعجز سحرته عن ذلك، بل إن السحرة لعلمهم بالسحر، تيقنوا أن ما جاء به موسى لا يمكن أن يكون سحرًا، فآمنوا إيمانًا جازمًا.\rوهذا بخلاف خوارق السحرة، فإنه يمكن أن تُعارض بمثلها، وبأقوى منها (¬١).\rولشيخ الإسلام ابن تيمية، كلام نفيس في هذا الباب، ذكر فيه الفروق بين الأنبياء وما يأتون به من الآيات، وبين السحرة والكهان، وما يأتون به من الخوارق وغيرها، فقال ﵀:\r\"الأول -أي: من الفروق-: أن النبي صادق فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط، ومَن خالفهم من السحرة والكهان لا بُدَّ أن يكذب، كما قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢].\rالثاني: من جهة ما يأمر به هذا ويفعله، ومن جهة ما يأمر به هذا ويفعله، فإن الأنبياء لا يأمرون إلا بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأعمالهم: البر والتقوى، ومخالفوهم: يأمرون بالشرك والظلم، ويعظمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان.\rالثالث: أن السحر والكهانة ونحوهما أمور معتادة، معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم، وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتبعهم (¬٢).","footnotes":"(¬١) انظر: النبوات (١/ ١٦٩، ١٩٣، ١٩٥) و (٢/ ١٠٨١ - ١٠٨٢)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٧).\r(¬٢) أي لا تكون معتادة إلا لهم ولمن اتبعهم، قال ابن تيمية في موضع آخر: \"وآيات =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211657,"book_id":118,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":441,"body":"الرابع: أن الكهانة والسحر، يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه، وهذا مجرب عند الناس، بخلاف النبوة فإنه لا ينالها أحد باكتسابه.\rالخامس: أن النبوة لو قدر أنها تنال بالكسب، فإنما تنال بالأعمال الصالحة، والصدق والعدل والتوحيد، لا تحصل مع الكذب على من دون الله، فضلًا عن أن تحصل مع الكذب على الله، فالطريق الذي تحصل به، لو حصلت بالكسب، مستلزم للصدق على الله فيما يخبر به.\rالسادس: أن ما يأتي به الكهان والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدورًا للجن والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل، وآيات الرسل لا يقدر عليها لا جن ولا إنس، بل هي خارقة لعادة كل من أرسل النبي إليه ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].\rالسابع: أن هذه يمكن أن تعارض بمثلها، وآيات الأنبياء لا يمكن أحدًا أن يعارضها بمثلها.\rالثامن: أن تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كل ضرب منها معتاد لطائفة غير الأنبياء، وأما آيات الأنبياء فليست معتادة لغير الصادقين على الله ولمن صدقهم.\rالتاسع: أن هذه لا يقدر عليها مخلوق، لا الملائكة ولا غيرهم، كإنزال القرآن، وتكليم موسى، وتلك تقدر عليها الجن والشياطين.\rالعاشر: أنه إذا كان من الآيات ما يقدر عليه الملائكة، فإن الملائكة","footnotes":"= الأنبياء ليست معتادة لغير الذين يصدقون على الله، ويصدقون من صدق على الله، وهم الذين جاؤوا بالصدق وصدقوا، وتلك معتادة لمن يفتري الكذب على الله، أو يكذب بالحق لما جاءه، فتلك آيات على كذب أصحابها، وآيات الأنبياء آيات على صدق أصحابها\" [النبوات (٢/ ١٠٨٣)، وانظر: (٢/ ١٠٧٥)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211658,"book_id":118,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":442,"body":"لا تكذب على الله، ولا تقول لبشر: إن الله أرسلك، ولم يرسله، وإنما يفعل ذلك الشياطين\" (¬١).\r٤ - وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، حيث قالوا: إن تجويز السحر على رسول الله ﷺ يصدق قول هؤلاء المشركين في أن رسول الله ﷺ مسحور، فالجواب عنه: أن قصة السحر وقعت في المدينة، وهذه الآية مكية، وليس مراد الآية ما جاء في الحديث، فمن المعلوم يقينًا أن المشركين لا يريدون بقولهم هذا إثبات ما أثبته الحديث من أن النبي ﷺ سُحر وقتًا ما، وناله بعض التغير، ثم أدركه الله تعالى بالشفاء، وحفظ وحيه ودينه من أن يصل إليه شيء من ذلك التغير، وإنما يُريدون شيئًا آخر، وهو أن الرسول ﷺ قد اختلط عليه عقله، والتبس عليه أمره، فما يدعيه من أمر النبوة والوحي كله ناشئ عن السحر، وصادر عن الجنون، ولذلك قالوا عنه: ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، وأرادوا بهذا الادعاء: تنفير الناس عنه، وعن تصديقه واتباعه.\rوعلى هذا فمن آمن بما دلَّ عليه الحديث، لا يلزم البتة أن يكون مصدقًا للمشركين ما حكى الله عنهم في الآية، لأن ما دلَّ عليه الحديث ليس هو ما عناه المشركون في الآية (¬٢).\r٥ - وأما قولهم: إن لحوق ضرر السحر بالنبي ﷺ مناف لعصمته، وطعن في نبوته، ومزيل للثقة بما جاء به، فالجواب عنه: أن الإجماع منعقد على عصمته ﷺ -وسائر الأنبياء- فيما يبلغ عن الله تعالى.\rقال القاضي عياض: \"أجمعت الأمة، فيما كان طريقه البلاغ، أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدًا وعمدًا،","footnotes":"(¬١) النبوات (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩)، وانظر: (٢/ ١٠٧٤ - ١٠٩٥).\r(¬٢) انظر: التفسير الكبير (٣٢/ ١٨٨)، وبدائع الفوائد (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، والأنوار الكاشفة للمعلمي (٢٥٢)، وأضواء البيان (٤/ ٥٠٦، ٥٠٨، ٥١٠ - ٥١١)، وظلمات أبي رية لمحمد عبد الرزاق حمزة (٢٦٩ - ٢٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211659,"book_id":118,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":443,"body":"ولا سهوًا أو غلطًا\" (¬١).\rوقال ابن تيمية: \"الأنبياء صلوات الله عليهم، معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه\"، وقال: \"والعصمة فيما يبلغونه عن الله، ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين\" (¬٢).\rوأما بالنسبة إلى الأعراض البشرية، كأنواع الأمراض والآلام، ونحو ذلك، فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر، لأنهم بشر كما قال تعالى عنهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، فليس من العصمة عدم ابتلائهم وتعرضهم للأضرار البدنية، بل هم أشد الناس بلاءً، كما صح عنه ﷺ ذلك، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ... ) (¬٣).\rوالسحر الذي تعرض له الرسول ﷺ، وأثر عليه إنما كان ضرره جسديًا، وجاء في بعض الروايات تعيين نوع هذا التأثير، وهو كونه يُخيل إليه أنه يأتي النساء، وهو لم يأتِهن (¬٤)، فتأثير السحر عليه لا يتجاوز هذه الرواية، مع كونه ﵊ يتيقن عدم الفعل، ولهذا دعا اللهَ تعالى أن يشفيه مما يجد من هذا الشعور.","footnotes":"(¬١) الشفاء (٣٣٠)، وانظر: (٣٧١).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٩، ٢٩٠)، وانظر: (١٥/ ١٤٧ - ١٤٨)، ومنهاج السنة (١/ ٤٧٠)، و (٢/ ٣٩٦)، والجواب الصحيح (١/ ١٤١)، وأضواء البيان (٤/ ٥١٠)، وتيسير الكريم الرحمن (٦/ ٤٢٣).\r(¬٣) أخرجه الترمذي (تحفة ٧/ ٧٨) ح (٢٥٠٩)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه (٢/ ١٣٣٤) ح (٤٠٢٣)، وأحمد (٣/ ١٤٨١)، وقال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"، وقال عنه الألباني، كما في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٨٦) ح (١٩٥٦): \"حسن صحيح\".\r(¬٤) انظر: حديث عائشة ﵂ ص (٤٢٦ - ٤٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211660,"book_id":118,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":444,"body":"قال ابن القيم: \"غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يُخيَّل إليه من إتيان النساء، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له، ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض، والله أعلم\" (¬١).\rوقال المازري: \"وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثانية، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يتخيل إليه جبريل ﵇، وليس ثَمَّ ما يراه، أو أنه أوحي إليه وما أوحي إليه، وهذا الذي قالوه باطل، وذلك أن الدليل قد قام على صدقه فيما يبلغه عن الله سبحانه، وعلى عصمته فيه، والمعجزة شاهدة بصدقه، وتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.\rوما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان رسولًا مفضَّلًا من أجلها، هو في كثير منه عرضة لما يعترض البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له\" (¬٢).\rوقال القاضي عياض عن النبي ﷺ: \"يجوز عليه من الآفات والتغيرات والآلام والأسقام، وتجرع كأس الحِمام، ما يجوز على البشر، وهذا كله ليس بنقيصة فيه، لأن الشيء إنما يسمى ناقصًا بالإضافة إلى ما هو أتم منه، وأكمل من نوعه، وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدار: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وخلق جميع البشر بمَدرجةِ الغِيَرَة، فقد مرض ﵇ واشتكى، وأصابه الحر والقر، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضجر، وناله الإعياء والتعب، ومسه الضعف والكِبَر، وسقط فجُحش شقه، وشجه الكفار، وكسروا رباعيته، وسُقي السم، وسُحر، وتداوى ﵇، واحتجم، وتنشَّر وتعوَّذ، ثم قضى نحبه","footnotes":"(¬١) زاد المعاد (٤/ ١٢٦)، وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٢٧)، والأنوار الكاشفة (٢٤٩)، وأضواء البيان (٤/ ٥١٠)، والسحر بين الحقيقة والخيال (١٤٥ - ١٥٢).\r(¬٢) المعلم (٣/ ٩٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211661,"book_id":118,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":445,"body":"فتوفي ﷺ، ولحق بالرفيق الأعلى، وتخلص من دار الامتحان والبلوى، وهذه كلها سِمات البشر التي لا محيص لهم عنها، وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم من ذلك، فقُتِلوا قتلًا، ورموا في النار، ونُشروا بالمناشير، ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات\" (¬١).\r٦ - وأما قولهم: إن السحر من عمل الشياطين، وهم لا يتسلطون إلا على من غفل عن الله تعالى، فكيف يتسلطون على رسول ﷺ، وهو أعظم الأمة إيمانًا، وذكرًا لله تعالى؟ فالجواب عنه: أن الأنبياء معصومون من إغواء الشيطان وإضلاله بلا ريب، فهم أول الأمة دخولًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، فالشيطان لا يتسلط على قلوبهم بالإضلال والإغواء، وإيقاعهم بما يمنعهم من عفو الله تعالى (¬٢)، فهذا هو المراد بالآية كما يدل عليه سياقها، فإن الله تعالى قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٣]، فالشيطان توعد العباد بالإغواء، واستثنى من ذلك المُخلَصين، فأخبر الله تعالى أنه ليس له عليهم سلطان بذلك، ويدل على ذلك أيضًا: أن الله تعالى وصف أتباع الشيطان الذين تسلط عليهم بالغاوين، وتوعدهم جهنم فقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ [الحجر: ٤٣].\rهذا هو المراد بتسلط الشيطان المذكور في الآية، وليس المراد أنهم معصومون من تسلط الشيطان عليهم في أبدانهم وأهليهم وأموالهم، وإلقاء الوساوس عليهم، إذ أنهم معرَّضون لذلك بحكم بشريتهم، كما حصل لآدم وحواء ﵈، حيث تسبب الشيطان بوساوسه في إخراجهما من الجنة، كما","footnotes":"(¬١) الشفاء (٣٧٦).\r(¬٢) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٥١)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٨ - ٢٩)، وتيسير الكريم الرحمن (٤/ ١٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211662,"book_id":118,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":446,"body":"قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقال تعالى عن نبيه أيوب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [ص: ٤١].\rوهكذا نبينا محمد ﷺ، إنما تسلط الشيطان -كما في حديث السحر- على جسده لا غير.\rقال الشنقيطي عند آية أيوب ﵇ المتقدمة: \"وهذا لا يُنافي أن الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب، لأن التسليط على الأهل والمال والجسد، من جنس الأسباب التي تنشأ عنها الأعراض البشرية، كالمرض، وذلك يقع للأنبياء، فإنهم يصيبهم المرض، وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة، ولا مانع أن يكون من جملة تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك، للابتلاء\" (¬١).\rوقال ابن القيم عن الشيطان: \"ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم، وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة، وبالغ في الحيلة، حتى أخرج آدم من الجنة ... وتصدى للنبي ﷺ، وظاهر الكفار على قتله بجهده، والله تعالى يكبته ويرده خاسئًا، وتفلت على النبي ﷺ بشهاب من نار، يريد أن يرميه به وهو في الصلاة، فجعل النبي ﷺ يقول: (ألعنك بلعنة الله) (¬٢)، وأعان اليهود على سحرهم للنبي ﷺ، فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر، فكيف الخلاص منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (٤/ ٧٤٥)، وانظر: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (١٦٠ - ١٦٠)، وبهذا يُعلم وهم القاضي عياض -رحمه الله تعالى- في ادعائه الإجماع على عصمة النبي ﷺ حتى في جسمه من الأذى، وخاطره من الوساوس، وذهب لأجل هذا يُؤَوِّل النصوص الواردة في ذلك. [انظر: الشفاء (٣٢٦)، وإكمال المعلم (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦)].\r(¬٢) أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء ﵁ (٥/ ٣٢) ح (٥٤٢).\r(¬٣) بدائع الفوائد (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١)، وانظر: تأويل مختلف الحديث (١٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211663,"book_id":118,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":447,"body":"المبحث الثالث: ما جاء في إرسال الشهب على الشياطين\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211664,"book_id":118,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":448,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن عبد الله بن عباس ﵄، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ، رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ: (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه- إذا قضى أمرًا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون (¬١) فيه ويزيدون)، رواه مسلم (¬٢).\rوعنه ﵁، قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم","footnotes":"(¬١) أي: يخلطون فيه الكذب، من القرف، وهو الخلط. [انظر: معجم مقاييس اللغة (٥/ ٧٣) مادة (قرف)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (١٧٣)، ولسان العرب (٩/ ٢٨٠) مادة (قرف)، والمفهم (٥/ ٦٣٨)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٧٧)].\r(¬٢) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان (١٤/ ٤٧٦) ح (٢٢٢٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211665,"book_id":118,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":449,"body":"الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ، وهو بنخلة (¬١)، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١، ٢]، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] وإنما أوحي إليه قول الجن. متفق عليه (¬٢).\r\rبيان وجه الإشكال\rاستشكل أهل العلم (¬٣) هذين الحديثين من حيث إن ظاهرهما قد يُفهم منه التعارض، فالحديث الأول صريح في أن الشهب قد كان يُرمى بها في الجاهلية، بينما الحديث الثاني يدل على أن الرمي بالشهب إنما كان بعد مبعث النبي ﷺ ونزول القرآن!\r* * *","footnotes":"(¬١) موضع بين مكة والطائف، على مسافة ليلة من مكة. [انظر: فتح الباري (٨/ ٦٧٤)، والجواب الصحيح (٦/ ٦٠)].\r(¬٢) البخاري في موضعين: في كتاب: صفة الصلاة، باب: الجهر بقراءة صلاة الفجر (١/ ٢٦٧) ح (٧٣٩)، وفي كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الجن (٤/ ١٨٧٣) ح (٤٦٣٧)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن (٤/ ٤١١) ح (٤٤٩).\r(¬٣) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٨/ ٥٨٤)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211666,"book_id":118,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":450,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم تجاه هذه الأحاديث على عدة أقوال، أهمها:\rالقول الأول: أن الشهب كان يُرمى بها في الجاهلية، وقبل مبعث النبي ﷺ، لكن ليس ذلك على الدوام، فكانت تُرمى في وقت دون وقت، ومن جانب دون جانب، فلمَّا بُعث النبي ﷺ، كثُر ذلك وغُلِّظ، وشُدد في حراسة السماء، فأصبحوا يُرْمَون في كل وقت، ومن كل جانب.\rوإلى هذا ذهب ابن عباس (¬١) والزهري (¬٢) وابن قتيبة (¬٣)، والطحاوي (¬٤) وابن بطال (¬٥) والسهيلي (¬٦) وأبو عبد الله القرطبي وابن تيمية وابن كثير وابن رجب (¬٧)، وقال عنه ابن حجر: هذا جمع حسن (¬٨)، وذكر أبو عبد الله","footnotes":"(¬١) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٣٦٥)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٤١٢)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢).\r(¬٢) هو الحافظ أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري المدني، الإمام العَلَم حافظ زمانه، روى عن بعض صغار الصحابة وكبار التابعين، وله مناقب وفضائل كثيرة، توفي ﵀ سنة (١٢٣ هـ)، وقيل سنة (١٢٤ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٨)، والسير (٥/ ٣٢٦)، وشذرات الذهب (١/ ١٦٢)].\r(¬٣) انظر: تأويل مشكل القرآن (٤٣٠ - ٤٣١)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٣).\r(¬٤) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٨/ ٥٨٧ - ٥٨٨).\r(¬٥) انظر: شرح صحيح البخاري له (٢/ ٣٨٧).\r(¬٦) انظر: الروض الأنف (١/ ٢٣٥)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢).\r(¬٧) انظر: فتح الباري له (٧/ ٦١).\r(¬٨) انظر: فتح الباري (٨/ ٦٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211667,"book_id":118,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":451,"body":"القرطبي أنه قول الأكثرين (¬١).\rقال القرطبي: \"وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا: لم تكن الشياطين تُرمى بالنجوم قبل مبعث النبي ﷺ ثم رميت، أي: لم تكن ترمى رميًا يقطعها عن السمع، ولكنها كانت ترمى وقتًا ولا ترمى وقتًا، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب، ولعل الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٨، ٩] إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يُرْمَون واصبًا\" (¬٢) أي: دائمًا (¬٣).\rوقال ابن تيمية: \"وقد تواترت الأخبار بأنه حين المبعث كثر الرمي بالشهب، وهذا أمر خارق للعادة، حتى خاف بعض الناس أن يكون ذلك لخراب العالم، حتى نظروا هل الرمي بالكواكب التي في الفلك، أم الرمي بالشهب؟ فلما رأوا أنه بالشهب، علموا أنه لأمر حدث، وأرسلت الجن تطلب سبب ذلك، حتى سمعت القرآن، فعلموا أنه كان لأجل ذلك، وهذا من أعلام النبوة ودلائلها، وقبل زمان البعث وبعده كان الرمي خفيفًا، لم تمتلئ به السماء كما ملئت حين نزول القرآن\" (¬٤).\rوقال ابن كثير في تفسير سورة الجن: \"يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا ﷺ، وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له: أن السماء ملئت حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك، لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط، ولا يدرى من الصادق،","footnotes":"(¬١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢)، و (١٩/ ١٣)، وفتح القدير (٣/ ١٢٦).\r(¬٢) الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٦٦)، وانظر: (١٩/ ١٣).\r(¬٣) انظر: جامع البيان (١٠/ ٤٧٣)، وشرح مشكل الآثار (٨/ ٥٨٨)، ومعالم التنزيل (٤/ ٢٣)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٦).\r(¬٤) الجواب الصحيح (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٥)، وانظر: (٦/ ٥٧ - ٦٧)، ومنهاج السنة (٧/ ٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211668,"book_id":118,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":452,"body":"وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [لجن: ٨، ٩] أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم، يجد له شهابًا مرصدًا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه ... وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير، بل في الأحيان بعد الأحيان\" (¬١)، ثم استشهد بحديث ابن عباس المتقدم.\rواستدل هؤلاء بما يلي:\r١ - حديث ابن عباس -المتقدم- قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ، رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ: (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه- إذا قضى أمرًا، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون).\rقالوا: إن قوله ﷺ في هذا الحديث: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ )، يدل على أن الشهب كان يُرمى بها في الجاهلية، قبل مبعث النبي ﷺ (¬٢).","footnotes":"(¬١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٧٢).\r(¬٢) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٨/ ٥٨٧)، والمحرر الوجيز (١٠/ ١١٧)، و (١٦/ ١٣٦)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211669,"book_id":118,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":453,"body":"٢ - ما أُثر عن الزهري أنه لما روى الحديث المتقدم، قيل له: أكان يُرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قال السائل: أفرأيت قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩]؟ قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي ﷺ (¬١).\r٣ - أن الرمي بالشهب مذكور في شعر أهل الجاهلية، مما يدل على وجوده، ومن ذلك:\rقول بشر بن أبي خازم (¬٢):\rوالعير يُرْهِقُها الغبار وجحشها ... ينقضُّ خلفهما انقضاض الكوكب (¬٣)\rوقول أوس بن حجر (¬٤):\rفانقضَّ كالدريء يتبعه ... نقْعٌ يثور تخالُه طُنُبا (¬٥)\rقال السهيلي: \"القذف بالنجوم قد كان قديمًا، وذلك موجود في","footnotes":"(¬١) انظر: جامع البيان للطبري (١٠/ ٤٧١)، وتأويل مشكل القرآن (٤٢٩)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٨٨)، ومعالم التنزيل (٣/ ٤٦)، وإكمال المعلم (٢/ ٣٦٥)، وكشف المشكل (٢/ ٣٧٠)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٤١٢)، والجواب الصحيح (٦/ ٦٣)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢).\r(¬٢) هو: أبو نوفل بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، شاعر جاهلي فحل شجاع، من أهل نجد من بني أسد بن خزيمة، توفي قتيلًا في إحدى الغزوات، وذلك قبل الهجرة بنحو ثنتين وعشرين سنة، وله ديوان مطبوع. [انظر: الشعر والشعراء (١٦٤)، والأعلام (٢/ ٥٤)].\r(¬٣) انظر: ديوانه (٤٠)، وتأويل مشكل القرآن (٤٣٠)، وكشف المشكل (٢/ ٣٧٠).\r(¬٤) هو أبو شريح أوس بن حجر بن مالك التميمي، من كبار شعراء بني تميم، في نسبه اختلاف بعد أبيه حجر، وهو زوج أم زهير بن أبي سلمى، عُمِّر طويلًا ولم يدرك الإسلام، وفي شعره حكمة ورقة، وكان غزلًا مغرمًا بالنساء، توفي قبل الهجرة بنحو سنتين، وله ديوان مطبوع. [الشعر والشعراء (١١٤)، والأعلام (٢/ ٣١)].\r(¬٥) ديوان أوس بن حجر (٣)، وانظر: تأويل مشكل القرآن (٤٣٠)، وكشف المشكل (٢/ ٢٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211670,"book_id":118,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":454,"body":"أشعار القدماء من الجاهلية، منهم: عوف بن الجزع وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وكلهم جاهلي، وقد وصفوا الرمي بالنجوم\" (¬١).\rالقول الثاني: أنه لم يُرمَ بالشهب إلا قُبيل مولد النبي ﷺ، ثم استمر ذلك وكثُر حتى بُعث، فكان ذلك كالتأسيس لأمره، والتفخيم لشأنه. وإلى هذا ذهب ابن الجوزي ﵀ (¬٢).\rوهذا القول قريب من سابقه، إلا أنه حدد بداية الرمي بالشهب، بالوقت الذي هو قُبيل مولد النبي ﷺ، وأما قبل ذلك فلا.\rالقول الثالث: ما ذكره الحافظ ابن حجر، حيث قال: \"يحتمل أن يكون المراد بقوله ﷺ: (إذا رُمي بها في الجاهلية) أي: جاهلية المخاطبين، ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث، فإن المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهلية، فإنهم لم يسلموا إلا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة\" (¬٣).\rالقول الرابع: أن الشهب لم يكن يُرمى بها قبل مبعث النبي ﷺ (¬٤).\rوإلى هذا ذهب القاضي عياض في ظاهر قوله (¬٥)، وذكره أبو عبد الله القرطبي عن عبد الله بن عمر ونافع بن جبير (¬٦)، ونصَّ الزجاج على أن ذلك","footnotes":"(¬١) الروض الأنف (١/ ٢٣٥)، وانظر: فتح الباري (٨/ ٦٧٢).\r(¬٢) انظر: كشف المشكل (٢/ ٣٧٠).\r(¬٣) فتح الباري (٨/ ٦٧٢).\r(¬٤) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٣٦٤)، وكشف المشكل (٢/ ٣٦٩)، والمفهم (٧/ ٤٢٠)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢)، و (١٥/ ٦٦)، و (١٩/ ١٢)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٤١٢)، وفتح الباري (٨/ ٦٧٢)، وفتح القدير (٣/ ١٢٦)، و (٤/ ٣٨٧)، و (٥/ ٣٠٥).\r(¬٥) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٣٦٤).\r(¬٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢/ ١٣)، ونافع هو: أبو محمد - وقيل: أبو عبد الله - نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي المدني، الفقيه الإمام الحجة، وهو وأخوه محمد من علماء قريش، روى =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211671,"book_id":118,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":455,"body":"لم يكن إلا بعد مولد النبي ﷺ (¬١).\rواستدل هؤلاء بما يلي:\r١ - حديث ابن عباس -المتقدم- قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ، وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء.\rقال القاضي عياض: \"وقوله في حديث ابن عباس: (وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب) ظاهر في أن هذا لم يكن قبل مبعثه ﵇، لإنكار الشياطين له، وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب، ومرجوعًا إليها في حكمهم، وسرِّ علمهم، حتى قُطع سببها بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع، كما قال تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٨، ٩]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ","footnotes":"= عن أبيه وعن العباس والزبير وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃، توفي سنة تسع وتسعين (٩٩). [انظر: السير (٤/ ٥٤١)، والعبر (١/ ٨٨)، وشذرات الذهب (١/ ١١٦)].\r(¬١) انظر: معاني القرآن له (٣/ ١٧٦)، والمحرر الوجيز (١٠/ ١١٧)، وكشف المشكل (٢/ ٣٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢)، وفتح القدير (٣/ ١٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211672,"book_id":118,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":456,"body":"إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ الآيات [الصافات: ٦ - ٩]، وقد جاءت الأخبار عن العرب باستغراب رميها وإنكاره، إذ لم يعهدوه قبل مبعثه ﵇، وكان أحد دلائل نبوته، وعلامات مبعثه، وما ذكر في الحديث من إنكار الشياطين لها يدل عليه\" (¬١).\r٢ - كما استدلوا بما رواه الترمذي وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوه فيكون باطلًا، فلما بعث رسول الله ﷺ، مُنِعُوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائمًا يصلي بين جبلين، أُرَاهُ قال: بمكةَ، فلقوه فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث في الأرض (¬٢).\r٣ - أن الشعراء في القديم لم يذكروا الرمي بالشهب في أشعارهم، فلم يشبهوا الشيء السريع به، كما شبهوه بالبرق وبالسيل، وغيرهما (¬٣).\rقال الزجاج: \"الشهب -الكواكب المنقضة- من آيات الله للنبي ﷺ، والدليل على أنها كانت انقضت بعد مولد النبي ﷺ أن شعراء العرب الذين يمثِّلون في السرعة بالبرق وبالسيل وبالأشياء المسرعة، لم يوجد في أشعارها بيت واحد فيه ذكرُ الكواكب المنقضَّة، فلما حدثت بعد مولد النبي ﵇، استعملت الشعراء ذكرها، قال ذو الرمة (¬٤):","footnotes":"(¬١) إكمال المعلم (٢/ ٣٦٤).\r(¬٢) أخرجه الترمذي (تحفة ٩/ ٢٤٣) ح (٣٣٨٠)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والنسائي في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٥) ح (١١٥٦٢)، وأحمد (٤/ ١٦٠) ح (٢٤٨٢)، وقال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ٨/ ٥٨٥) ح (٦٢٥٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧) ح (١٢٤٣١).\r(¬٣) انظر: كشف المشكل (٢/ ٣٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٤١٢).\r(¬٤) هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر أبو الحارث ذو الرمة، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211673,"book_id":118,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":457,"body":"كأنه كوكب في إثر عفريَةٍ ... مسوَّم في سواد الليل مُنْقضِبُ (¬١) \" (¬٢)\r* * *","footnotes":"= شاعر فحل، حتى قيل: إن الشعر فتح بامرئ القيس وختم بذي الرمة، كان أكثر شعره تشبيبًا وبكاء أطلال، عشق (ميَّة) المنقرية واشتهر بها، توفي بأصبهان، وقيل بالبادية سنة سبع عشرة ومائة (١١٧)، وله ديوان مطبوع. [انظر: الشعر والشعراء (٣٥٠)، ووفيات الأعيان (٣/ ٤٥٣)، والأعلام (٥/ ١٢٤)].\r(¬١) ديوان ذي الرمة (١٩).\r(¬٢) معاني القرآن (٣/ ١٧٦)، وانظر: كشف المشكل (٢/ ٣٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211674,"book_id":118,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":458,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، لأن فيه جمعًا بين النصوص، ومتى أمكن الجمع -بشرط احتمال النصوص له- وجب المصير إليه، لأن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ولذا قال ابن كثير:\r\"لعل مراد من نفى ذلك: أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة، ويجب حمل ذلك على هذا، لما ثبت في الحديث ... \" (¬١)، ثم ذكر حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ).\rوعلى هذا يكون الرمي بالشهب موجودًا في الجاهلية، كما يدل عليه حديث ابن عباس: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) لكنه لم يكن متواصلًا ومستمرًا في كل وقت، وفي كل حال، ومن كل جانب، فلما بعث النبي ﷺ شُدد في حراسة السماء، وكثُر الرمي بالشهب، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٨، ٩]، وعلى هذا يُحمل حديث ابن عباس ﵄ الآخر: (فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب) أي: أن الرمي بالشهب -لما بعث النبي ﷺ- زاد وكثر، على خلاف المعتاد والمعهود، مما جعل الناس تستغرب ذلك، والشياطينَ تنكره","footnotes":"(¬١) البداية والنهاية (٣/ ١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211675,"book_id":118,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":459,"body":"وترتاع له، حتى ضربوا مشارق الأرض ومغاربها بحثًا عن سبب ذلك، فلما رأوا النبي ﷺ، وسمعوا القرآن عرفوا أن هذا هو الذي حال بينهم وبين خبر السماء، وكان ذلك من آيات النبي ﷺ ودلائل نبوته.\rقال ابن قتيبة: \"الرجم قد كان قبل مبعثه، ولكنه لم يكن مثله الآن في شدة الحراسة ... وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث منعت من ذلك أصلًا\" (¬١).\r\rمناقشة الأقوال المرجوحة:\rأما القول الثاني وهو: أن الرمي بالشهب لم يكن إلا قبيل مولد النبي ﷺ، فهو تحديد يفتقر إلى دليل، لا سيما وأن قوله ﷺ: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) يستفاد منه حصول ذلك في مطلق الجاهلية، إذ لم يقيده النبي ﷺ بزمن معيَّن.\rوأما القول الثالث وهو: أن المراد بالجاهلية في قوله ﷺ: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ): جاهلية المخاطبين؟ ! فالجواب عنه كالجواب عن القول السابق.\rوأما القول الرابع وهو: أن الرمي بالشهب لم يكن إلا بعد مبعث النبي ﷺ، وأما قبله فلا، فيرده حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ ) لأنه صريح في وجود الرمي بالشهب قبل مبعثه ﵊.\rوأما ما احتجوا به فيمكن الإجابة عنه كما يلي:\r- أما استدلالهم بقول ابن عباس ﵄: (فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب)، وكذا قوله في الحديث الآخر: (ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك)، فالجواب عنه: أن هذا محمول -كما تقدم- على أن الرمي بالشهب","footnotes":"(¬١) تأويل مشكل القرآن (٤٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211676,"book_id":118,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":460,"body":"لم يكن قبل المبعث مثله بعد المبعث، حيث كان قبل المبعث خفيفًا متقطعًا، وأما بعد المبعث فكان شديدًا دائمًا، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٨، ٩] أي: دائم.\rومثل هذا يقال في الآيات التي استشهدوا بها، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، فهي محمولة على أن الرمي بعد المبعث غُلِّظ فيه وشدد، وبهذا صرح الزهري رحمه الله تعالى، عندما اعتُرض عليه بهذه الآية، حيث قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي ﷺ (¬١).\rبل إن بعض أهل العلم قد استدل بهذه الآية على وجود الرجم في الجاهلية:\rقال ابن عطية عند هذه الآية: \"هذا يقتضي أن الرجم كان في الجاهلية، ولكنه لم يكن يستأصل، وكان الحرس، ولكنه لم يكن شديدًا، فلما جاء الإسلام اشتد الأمر، حتى لم يكن فيه ولا يسير سماحة\" (¬٢).\r- وأما استدلالهم على هذا القول بالشعر، حيث قالوا: إن الرمي بالشهب لم يكن مذكورًا في أشعار أهل الجاهلية، مما يدل على عدم وجوده، فالجواب عنه: أنه معارض بمثله، حيث ثبت وجوده في أشعارهم، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك (¬٣).\rثم إن هذا الاستدلال لا تُرد بمثله الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ، والله أعلم.\r* * *","footnotes":"(¬١) تقدم ص (٤٦٣).\r(¬٢) المحرر الوجيز (١٦/ ١٣٥ - ١٣٦)، وانظر: شرح مشكل الآثار (٨/ ٥٨٨).\r(¬٣) انظر: ص (٤٦٣ - ٤٦٤) من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211677,"book_id":118,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":471,"sequence_num":461,"body":"المبحث الرابع: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) مع قول أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211678,"book_id":118,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":472,"sequence_num":462,"body":"المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال\rعن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا)، رواه مسلم (¬١).\rوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخوة الإسلام ومودته)، متفق عليه (¬٢).\rوعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي)، رواه البخاري (¬٣).\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله ﷿","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب: المساجد، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، (٥/ ١٦) ح (٥٣٢).\r(¬٢) البخاري في مواضع: في كتاب: المساجد، باب: الخوخة والممر في المسجد (١/ ١٧٧) ح (٤٥٤)، وفي كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي ﷺ: (سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر) (٣/ ١٣٣٧) ح (٣٤٥٤)، وفي باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (٣/ ١٤١٧) ح (٣٦٩١). ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (١٥/ ١٥٨) ح (٢٣٨٢).\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي ﷺ: (لو كنت متخذًا خليلًا) (٣/ ١٣٣٨) ح (٣٤٥٦، ٣٤٥٧)، ورواه أيضًا في كتاب: المساجد، باب: الخوخة والممر في المسجد (١/ ١٧٨) ح (٤٥٥)، وفي كتاب: الفرائض، باب: ميراث الجد مع الأب والإخوة (٦/ ٢٤٧٨) ح (٦٣٥٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211679,"book_id":118,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":473,"sequence_num":463,"body":"صاحبكم خليلًا)، رواه مسلم (¬١).\rوعن ابن الزبير ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: (لو كنت متخذًا في هذه الأمة خليلًا لاتخذته) (¬٢)، يعني: أبا بكر. رواه البخاري (¬٣).\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام). متفق عليه (¬٤).\rوعن أبي ذر -رضى الله عنه- قال: (إن خليلي أوصاني: أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدَّع الأطراف). رواه مسلم (¬٥).\r\rبيان وجه الإشكال\rأن جميع الأحاديث المتقدمة -ما عدا الحديثين الأخيرين- تنفي أن يكون للنبي ﷺ من أمته خليل، وفي المقابل نجد أن أبا هريرة ﵁ يقول: (أوصاني خليلي)، ومثله أبو ذر ﵁ حيث يقول: (إن خليلي أوصاني)، فهل يكون هذا مخالفًا لبقية الأحاديث؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية، إن شاء الله","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (١٥/ ١٥٩) ح (٢٣٨٣).\r(¬٢) قال ابن تيمية في منهاج السنة (٧/ ٣٧٥): \"هذا الحديث مستفيض، بل متواتر عند أهل العلم بالحديث، فإنه قد أُخرج في الصحاح من وجوه متعددة، من حديث ابن مسعود وأبي سعيد وابن عباس وابن الزبير\" [وانظر: منهاج السنة (٧/ ٢٨٤، ٥٠٥)، و (٨/ ٥٦٥)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٤٠١)، و (٣٥/ ٦٢)، وفتح الباري (٧/ ٢٣)].\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي ﷺ: (لو كنت متخذًا خليلًا) (٣/ ١٣٣٨) ح (٣٤٥٨).\r(¬٤) البخاري في موضعين: في كتاب: الصوم، باب: صيام أيام البيض (٢/ ٦٩٩) ح (١٨٨٠)، وفي كتاب: التطوع، باب: صلاة الضحى في الحضر (١/ ٣٩٥) ح (١١٢٤).\rومسلم: كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى (٥/ ٢٤٢) ح (٧٢١).\r(¬٥) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء من غير معصية (١٢/ ٤٦٧) ح (١٨٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211680,"book_id":118,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":464,"body":"تعالى، وقبل الانتقال إليها، أبين معنى الخُلَّة الواردة في هذه الأحاديث:\rقال أهل اللغة: الخُلالة والخَلالة والخِلالة: الصداقة والمودة.\rوخالَّه مخالَّة وخلالًا: صادقه، ويُقال: خالَلَه، بفك الإدغام.\rويُقال: فلان كريم الخُلة: أي كريم الإخاء والمصادقة.\rوالخُلَّة: الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل.\rوالخليل: المحب الذي ليس في محبته خلل (¬١).\rقال الزجاج: \"الخليل: المحب الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون إبراهيم سُمِّي خليل الله لأنه أحبه الله -واصطفاه- محبة تامة كاملة\" (¬٢).\rوقال النحاس (¬٣) عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]: \"الذي عليه أصحاب الحديث: أنه المحب المنقطع إلى الله، الذي ليس في انقطاعه اختلال (¬٤) \" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ٣٠١ - ٣٠٤) مادة (خل)، والصحاح (٤/ ١٣٨٢)، ولسان العرب (١١/ ٢١٦ - ٢١٨) كلاهما مادة (خلل)، والقاموس المحيط (٣/ ٥٠٧) مادة (الخل)، والمعجم الوسيط (١/ ٢٥٢) مادة (خَلَّ).\r(¬٢) معاني القرآن (٢/ ١١٢) بتصرف يسير.\r(¬٣) هو العلامة إمام العربية أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري النحوي، صاحب التصانيف، ارتحل إلى بغداد وأخذ عن الزجاج وغيره، ومن مصنفاته: معاني القرآن، وإعراب القرآن، توفي بمصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة (٣٣٨). [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١١٧)، والسير (١٥/ ٤٠١)، والعبر (٢/ ٥٤)، وشذرات الذهب (٢/ ٣٤٦)].\r(¬٤) هذا بالنسبة لإبراهيم ﵇، وأما الخلة من جانب الله تعالى فهي صفة فعلية ثابتة له جلَّ وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته، وقد دلَّ عليها الكتاب والسنة، أما الكتاب فالآية السابقة، وأما السنة فقوله ﷺ: (فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا). [انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٨٠)، و (٥/ ٧١)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٨٥١)، وشرح العقيدة الطحاوية (١٦٧)، وصفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف (١١٦)].\r(¬٥) معاني القرآن له (٢/ ٢٠١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211681,"book_id":118,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":465,"body":"والخلة أخص من مطلق المحبة، فهي أعلى مراتبها، وأكمل درجاتها (¬١)، ولذا فإن الخلة من الله تعالى لم تحصل إلا للخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأما محبته تعالى فهي لعموم المؤمنين، وعلى هذا فلا يلزم من نفي الخلة نفي المحبة، فقد نفى النبي ﷺ عن أبي بكر الخلة، وأثبت له المحبة والمودة فقال: (ولكن أُخوة الإسلام ومودته).\rقال ابن تيمية: \"والخلة أخص من مطلق المحبة، فإن الأنبياء ﵈ والمؤمنين يحبون الله ويحبهم الله، كما قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقد أخبر الله أنه يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، وكان النبي ﷺ يخبر بحبه لغير واحد، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال للحسن وأسامة: (اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما) (¬٢)، وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة) قال: فمن الرجال؟ قال: (أبوها) (¬٣)، وقال: (والله إني لأحبكم) (¬٤).\rوالناس في حب الله يتفاوتون ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهيم،","footnotes":"(¬١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ١٢٩)، والشفاء (١٢٩)، والمفهم (٦/ ٢٤٢)، ومدارج السالكين (٣/ ٣١ - ٣٢)، وزاد المعاد (٣/ ٦٥)، وروضة المحبين (٦٥)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٨٥٠)، وشرح العقيدة الطحاوية (١٦٤)، وفتح الباري (٧/ ٢٣)، والأنوار الكاشفة للمعلمي (١٧٠)، وتيسير الكريم الرحمن (٢/ ١٧٨).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٣٦٦) ح (٣٥٢٨) من حديث أسامة بن زيد، وليس فيه: (وأحب من يحبهما).\r(¬٣) متفق عليه: البخاري: (٣/ ١٣٣٩) ح (٣٤٦٢)، ومسلم: (١٥/ ١٦٢) ح (٢٣٨٤).\r(¬٤) أخرجه من حديث أنس ﵁: أحمد (٢١/ ٤٣٦) ح (١٤٠٤٣)، وابن حبان (١٠/ ١٧٢) ح (٤٣٢٩)، والحاكم (٤/ ٩٠) ح (٦٩٧٦)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211682,"book_id":118,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":466,"body":"إلى أدنى الناس درجة، مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وما بين هذين الحدَّين من الدرجات لا يحصيه إلا رب الأرض والسموات\" (¬١).\rوقال ابن رجب: \"قوله ﷺ: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) يدل على أن مقام الخلة أفضل من مقام المحبة، فإنه ﷺ كان يحب أبا بكر، وقد نفى عنه الخلة، والله تعالى يحب أنبياءه ورسله كلهم، ولم يخص بالخلة غير محمد وإبراهيم صلى الله عليهما\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٦٧)، وانظر: (١٠/ ٦٧)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٣٩٤).\r(¬٢) فتح الباري (٣/ ٣٨١)، وانظر: القول المفيد (١/ ٤٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211683,"book_id":118,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":467,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\rالقول الأول: أنه لا تعارض بين هذه النصوص، لأن المنفي فيها غير المثبت، فالرسول ﷺ نفى خلته لغير الله تعالى، لكنه لم يمنع غيره أن يتخذه خليلًا -كما فعل أبو هريرة ﵁- فالخلة من جانب الرسول ﷺ، غير الخلة من جانب من سواه.\rوقد نص على هذا النووي، وابن حجر، والمعلمي (¬١)، وغيرهم (¬٢)، وهو ظاهر كلام القرطبي (¬٣).\rقال النووي: \"قوله: (أوصاني خليلي) لا يخالف قوله ﷺ: (لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا ... )؛ لأن الممتنع أن يتخذ النبي ﷺ غيره خليلًا، ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبيَ ﷺ خليلًا\" (¬٤).\rوقال ابن حجر: \"وقول أبي هريرة هذا لا يعارضه ما تقدم من قوله ﷺ: (لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر)؛ لأن الممتنع أن يتخذ هو ﷺ غيره خليلًا، لا العكس، ولا يقال: إن المخاللة لا تتم حتى تكون من الجانبين، لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: الأنوار الكاشفة (١٧٠).\r(¬٢) انظر: شرح السيوطي على سنن النسائي (٣/ ٢٥٤)، وعون المعبود (٤/ ٢١٨).\r(¬٣) انظر: المفهم (٦/ ٣٦٠).\r(¬٤) شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٤٢)، وانظر: (١٥/ ١٦١).\r(¬٥) فتح الباري (٣/ ٥٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211684,"book_id":118,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":468,"body":"القول الثاني: أنه ليس لأحد أن يقول عن النبي ﷺ: إنه خليلي، وقد أنكر أصحاب هذا القول على أبي هريرة وغيره -من أصحاب رسول الله ﷺ- قولهم: سمعت خليلي، وأوصاني خليلي، وما أشبهها (¬١).\rواستدلوا بما تقدم من الأحاديث، حيث نفى النبي ﷺ أن يكون له من أمته خليل، كما في قوله: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا).\rوممن نُقل عنه إنكار ذلك: الإمام الشعبي (¬٢) رحمه الله تعالى، فقد روى الطحاوي عنه أنه قيل له: إن حفصة كانت تحدثنا عن أم عطية فتقول: حدثني خليلي -تعني: النبي ﷺ- فقال: هذا من عقول النساء، ثم احتج بالحديث المتقدم (¬٣).\rوإلى هذا مال الطحاوي (¬٤) ﵀.\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ١٢٤ - ١٢٥)، والمفهم (٢/ ٦٣٠)، والأنوار الكاشفة (١٧٠).\r(¬٢) هو عامر بن شراحيل الهمذاني الشعبي علامة العصر، ثقة مشهور فقيه فاضل، حدَّث عن سعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وجمع كثير من الصحابة ﵃، كان ممن خرج على الحجاج مع عبد الرحمن بن الأشعث، توفي ﵀ سنة (١٠٥ هـ)، وقيل غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٢)، ووفيات الأعيان (٣/ ٦)، والسير (٤/ ٢٩٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٦١)].\r(¬٣) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ١٢٥).\r(¬٤) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ١٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211685,"book_id":118,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":469,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يترجح -والله تعالى أعلم- القول الأول، وهو أن مراد الرسول ﷺ بقوله: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) غير ما أثبته أبو هريرة لنفسه، فالرسول ينفي الخلة من جانبه لأحد من المخلوقين، حيث أخلصها لله تعالى، وأما أبو هريرة ﵁ فإنه يثبت الخلة التي من جانبه هو للرسول ﷺ، أي: أن محبته للرسول ﷺ قد بلغت أعلاها وأكملها، وهي درجة الخلة، ولا يلزم من هذا حصول الخلة من الجانب الآخر.\rقال القرطبي: \"قد عاب بعض الطاعنين على أبي هريرة قوله: (خليلي) في النبي ﷺ، بناءً على أن النبي ﷺ لم يتخذه ولا أحدًا من الخلق خليلًا، وهذا إنما وقع فيه قائله ظنًا أن (خليل) بمعنى: مخالل، من المخاللة التي لا تكون إلا من اثنين، وليس الأمر كذلك، فإن خليلًا مثل حبيب، لا يلزم فيه من المفاعلة شيء، إذ قد يُحَبُّ الكارِه\" (¬١).\rوقال المعلمي: \"النبي ﷺ خليل كل مؤمن، وإن لم يكن أحد من الخلق خليلًا له ﷺ، لقوله: (لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر)، والخليل كالحبيب، فكما أنه لا يلزم من كون إنسان حبيبك أن تكون حبيبه، فكذلك الخليل، والخلة أعظم من المحبة، فلا يلزم من نفي الخلة نفي المحبة\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) المفهم (٢/ ٣٦٠)، وانظر: فتح الباري (٣/ ٥٧).\r(¬٢) الأنوار الكاشفة (١٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211686,"book_id":118,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":470,"body":"وأما إنكار الشعبي -رحمه الله تعالى- على أم عطية قولها: (خليلي) تعني: رسول الله ﷺ، فالجواب عنه: أن هذا ثابت عن عدد من الصحابة -غير أم عطية- كأبي هريرة وأبي ذر -وقد تقدما- وأبي الدرداء (¬١) وميمونة (¬٢) رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: سنن أبي داود (عون ٤/ ٢١٨) ح (١٤٣٠)، وسنن ابن ماجه (٢/ ١١١٩) ح (٣٣٧١)، و (٢/ ١٣٣٩) ح (٤٠٣٤).\r(¬٢) انظر: سنن النسائي (٧/ ٣٦١) ح (٤٧٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211687,"book_id":118,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":471,"body":"المبحث الخامس: حديث شريك في الإسراء\rوفيه مطلبان:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211688,"book_id":118,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":472,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rجاء حديث الإسراء من عدة طرق عن أنس ﵁، فجاء من طريق ثابت البناني والزهري وقتادة وشريك، وقد تفرد شريك بأشياء لم يذكرها غيره ممن روى الحديث عن أنس ﵁، وفيما يلي أسوق هذه الطرق، مؤخرًا طريق شريك، حتى يظهر الفرق بينه وبين باقي الطرق:\rأولًا: طريق قتادة: حدث قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵄ أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: (بينما أنا في الحطيم (¬١)، وربما قال: في الحِجْر (¬٢) (¬٣) مضطجعًا، إذ أتاني","footnotes":"(¬١) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٠٤): \"المراد بالحطيم هنا: الحجر\"، وانظر: أعلام الحديث (٣/ ١٦٧٩).\r(¬٢) الشك من قتادة، كما بينته رواية أحمد في المسند (٢٩/ ٣٧٤) ح (١٧٨٣٥)، ولفظها: (بينما أنا في الحطيم، وربما قال: قتادة في الحجر ... )، وانظر: الفتح (٧/ ٢٠٤).\r(¬٣) وفي رواية له في الصحيحن: (بينا أنا عند البيت)، وفي رواية شريك -ستأتي قريبًا-: (أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة)، ولا تعارض بين هذه الروايات لأن الحجر جزء من مسجد الكعبة، الذي هو البيت، فتحمل الرواية العامة -البيت- على الرواية الخاصة، وهو كونه في الحجر.\rوفي رواية الزهري -ستأتي قريبًا- أن الإسراء كان من بيته، حيث جاء فيها: (فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﷺ)، والجمع بينها وبين ما تقدم: أن النبي ﷺ كان في بيته بمكة، فأُخذ من هناك إلى الحجر، ومنه أُسري برسول الله ﷺ، ويؤيد هذا الجمع ما وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق: \"أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد فأركبه البراق\".\rوما قيل -غير ما تقدم- في تحديد المكان الذي أُسري بالنبي ﷺ منه -كالقول =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211689,"book_id":118,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":473,"body":"آتٍ (¬١) فَقَدَّ (¬٢) - قال: وسمعته يقول (¬٣): فشق -ما بين هذه إلى هذه- فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثُغْرة نحره إلى شعرته (¬٤)، وسمعته يقول: من قَصِّهِ (¬٥) إلى شِعْرَته -فاستخرج قلبي، ثم أُتيت بطست (¬٦) من ذهب مملوءة إيمانًا، فغُسِل قلبي، ثم حُشِي، ثم أُعِيد، ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض- فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم -يضع خَطْوَهُ عند أقصى طرْفه (¬٧)، فحُمِلت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد أرسل إليه (¬٨)؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به","footnotes":"= بأنه أُسري به من بيت أم هانئ - فهو مبني على روايات ضعيفة، لا تقوم بها حجة، والله أعلم. [انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٣٥، ٥٣٩)، والفتح (٧/ ٢٠٤)، والإسراء والمعراج ومسائل العقيدة فيهما (١/ ١٤٨ - ١٥١) رسالة ماجستير -غير مطبوعة- لعمر القرموشي، وقد استفدت منها في هذه المسألة].\r(¬١) هو جبريل ﵇، وقد صرحت به رواية شريك الآتية قريبًا، وانظر: الفتح (٧/ ٢٠٤).\r(¬٢) أي: قطع، من القد، وهو: القطع [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٦٧٩)، وشرح السنة للبغوي (١٣/ ٣٤٢)].\r(¬٣) القائل: قتادة، والمقول عنه أنس، كما صرحت به رواية أحمد (٢٩/ ٣٧٤)، وانظر: الفتح (٧/ ٢٠٤).\r(¬٤) من ثغرة، بضم المثلثة وسكون المعجمة، وهي: الموضع المنخفض الذي بين الترقوتين، وقوله: (شعرته) أي: شعر العانة، وفي رواية مسلم: (إلى أسفل بطنه). [انظر: الفتح (٧/ ٢٠٤)، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (١٣٨)].\r(¬٥) \"بفتح القاف وتشديد المهملة، أي: رأس صدره\" الفتح (٧/ ٢٠٤)، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (١٣٨)، وشرح السنة (١٣/ ٣٤٢)، والمجموع المغيث (٣/ ٧١٤).\r(¬٦) \"إناء معروف، وخص بذلك لأنه آلة الغسل عرفًا\" الفتح (١/ ٤٦٠).\r(¬٧) \"أي: يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره\" الفتح (٧/ ٢٠٦).\r(¬٨) أي: للعروج، وليس المراد: أصل البعث والرسالة، لأن أمر بعثه رسولًا مشتهر =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211690,"book_id":118,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":474,"body":"فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خَلَصْت فإذا فيها آدم (¬١)، فقال: هذا أبوك آدم فسلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت، فردا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل، ومن معك؟ قال محمد، قيل، أَوَ قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إلى إدريس قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة","footnotes":"= لا يخفى، ويدل على هذا: قوله: (إليه) [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٧)، و (٣/ ١٦٧٩)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٧١)، وفتح الباري (١/ ٤٦١)، و (٧/ ٢٠٩)].\r(¬١) قال ابن تيمية في الفتاوى (٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩): \"وأما رؤيته الأنبياء ليلة المعراج في السماء ... فهذا رأى أرواحهم مصورة في صور أبدانهم، وقد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور، وهذا ليس بشيء، لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك قد قيل في إدرس، وأما إبراهيم وموسى وغيرهما فهم مدفونون في الأرض\".\rوقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٣١٧): \"والذي رآه في السماء من الأنبياء ﵈ إنما هو أرواحهم، إلا عيسى ﵇، فإنه رفع بجسده إلى السماء\" [وانظر: المحلى (١/ ٤٤)، وإبطال التأويلات (١/ ١٢٣)، وزاد المعاد (٣/ ٤٠ - ٤١)، والروح (٦٦) كلاهما لابن القيم، والفتح (٧/ ١١٠، ٢١٢)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211691,"book_id":118,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":475,"body":"فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد ﷺ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنةَ من أمته أكثرُ ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رُفِعَت لي سدرة المنتهى (¬١)، فإذا نَبِقُها (¬٢) مثل قِلَال هَجَر (¬٣)، وإذا ورقها مثل آذان الفِيَلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران","footnotes":"(¬١) جاء في سبب تسميتها بالمنتهى ما أورده مسلم في صحيحه (٣/ ٥) ح (١٧٣) من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: (إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها فيقبض منها)، وانظر: فتح الباري (٧/ ٢١٢ - ٢١٣).\r(¬٢) \"هو ثمر السدر\" الفتح (٧/ ٢١٣).\r(¬٣) القلال: الجرار، يريد أن ثمرها في الوفور والكِبَر مثل القلال. [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٦٨٠)، والفتح (٧/ ٢١٣)]. وهجر: المشهور عند الإطلاق: هجر البحرين، فقيل إن هذه القلال كانت تجلب منها إلى المدينة، وقيل: بل عُملت هذه القلال بالمدينة على مثل قلال هجر، وقيل: هجر: قرية قرب المدينة، تُعمل فيها القلال، وليست هجر البحرين، [انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٩٣)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ١٠٤)، والمعالم الأثيرة في السنة والسيرة، لمحمد محمد شراب (٢٩٣)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211692,"book_id":118,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":476,"body":"باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات (¬١)، ثم رفع لي البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلوات: خمسين صلاةً كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بمَ أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاةً كل يوم، قال: إن أمتك لا","footnotes":"(¬١) قال القاضي عياض في الإكمال (١/ ٥٠٣): يشعر هذا أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لخروج النيل والفرات من أصلها. وتعقبه النووي في شرحه على مسلم (٢/ ٥٨٠) فقال: \"قلت: هذا الذي قاله ليس بلازم، بل معناه: أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض وتسير فيها، وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع، وهو ظاهر الحديث، فوجب المصير إليه، والله أعلم\"، وقال في موضع آخر: \"الأصح أنها على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة، والجنة مخلوقة موجودة اليوم عند أهل السنة\" [شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٨٣)، وانظر: إكمال المعلم (٨/ ٣٧٢)، والمفهم (٧/ ١٨٦)].\rوبمثل هذا القول قال ابن حزم وابن حجر [انظر: الفصل (١/ ١٤٣)، والفتح (٧/ ٢١٤)].\r- وقيل: إن هذا ضرب مثل. [انظر شرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١)].\r- وقيل: بل هو تشبيه لها بأنهار الجنة لما فيها من العذوبة والبركة. [انظر: المفهم (١/ ٣٩١)، و (٧/ ١٨٦)].\r- وقيل: إنهما أُنزلا من الجنة إلى الأرض، وسيُرفعان عند رفع القرآن، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ [انظر: الروض الأنف (٢/ ١٥٠)، وإكمال إكمال المعلم (١/ ٥٢٤)].\r- والمتعين حمل الحديث على ظاهره، والإيمان به كما جاء، دون التعرض لكيفية ذلك، وقد ثبت في صحيح مسلم (١٧/ ١٨٣) ح (٢٨٣٩) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سيحان وجيحان والفرات والنيل كلٌ من أنهار الجنة)، وما ذكره النووي غير ممتنع في قدرة الله تعالى، والله أعلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211693,"book_id":118,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":477,"body":"تستطيع خمسين صلاةً كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلِّم، قال: فلما جاوزت نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي وخففت عن عبادي)، متفق عليه (¬١).\rثانيًا: طريق ثابت البناني: حدث ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرْفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء (¬٢)،","footnotes":"(¬١) البخاري في مواضع: في كتاب: فضائل الصحابة، باب: المعراج (٣/ ١٤١٠) ح (٣٦٧٤)، وفي كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣/ ١١٧٣) ح (٣٠٣٥)، وأخرجه مختصرًا: في كتاب: الأنبياء، باب: قول الله ﷿: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ (٣/ ١٢٤٣) ح (٣٢١٣)، وباب: قول الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ (٣/ ١٢٦٣) ح (٣٢٤٧)، وفي كتاب: الأشربة، باب: شرب اللبن (٥/ ٢١٢٨) ح (٥٢٧٨) لكنه ساقه عن أنسٍ مرفوعًا إلى النبي ﷺ، فلم يذكر مالك بن صعصعة.\rومسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ (٢/ ٥٨١) ح (١٦٤).\r(¬٢) قال البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٨٥): \"في رواية ثابت عن أنس دليل على أن =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211694,"book_id":118,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":478,"body":"فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه: ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة: عيسى ابن مريم ويحيى بن زكرياء صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇ إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير، قال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﵇ فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد ﷺ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي:","footnotes":"= المعراج كان ليلة أُسري به من مكة إلى بيت المقدس\" قال ابن كثير في التفسير (٣/ ٩): \"وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211695,"book_id":118,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":479,"body":"تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﵇ فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسًا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﵇ فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه)، رواه مسلم (¬١).\rثالثًا: طريق ابن شهاب الزهري: عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: (فُرِجَ (¬٢) عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇ فَفَرَجَ صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ، فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما فتح علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودةٌ (¬٣) وعلى يساره أسودةٌ،","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ (٢/ ٥٦٧) ح (١٦٢).\r(¬٢) أي شُقَّ وفتح. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٧٢)، وفتح الباري (١/ ٤٦٠)].\r(¬٣) أي: شخوص، وكل شخص سواد: من متاع أو إنسان أو غيره، وجمع السواد: =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211696,"book_id":118,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":480,"body":"إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ يساره بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله: نسم (¬١) بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، حتى عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح) قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مرَّ جبريل بالنبي ﷺ بإدريس قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، (فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى، ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم ﵇).\rقال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم (¬٢): أن ابن عباس وأبا حبَّة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ﷺ: (ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى (¬٣) أسمع فيه صريف الأقلام) (¬٤)، قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي ﷺ:","footnotes":"= أسودة، وجمع الجمع: أساود. [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٧)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (٧٣، ٤٥٩، ٥٥٢)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٤)].\r(¬١) جمع نسمة، وهي النفس، والمراد بذلك: أرواح بني آدم. [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٧)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٤)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦١)].\r(¬٢) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. [انظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٨)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦٢)].\r(¬٣) أي: صعدت لمصعد، وارتقيت لمرتقى. [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٧)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٨)، والفتح لابن حجر (١/ ٤٦٢)].\r(¬٤) أي: أصواتها حال الكتابة، والمراد: ما تكتبه الملائكة بأقلامها من أقضية الله =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211697,"book_id":118,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":481,"body":"(ففرض الله ﷿ على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني (¬١) فوضع شطرها (¬٢)، فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها حبايل (¬٣) اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)،","footnotes":"= تعالى ووحيه. [انظر: أعلام الحديث (١/ ٣٤٨)، والفتح لابن رجب (٢/ ٣١٨)، والفتح لابن حجر (١/ ٤٦٢)].\r(¬١) كذا في المطبوع، قال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٦٢): \"وللكشميهني -أحد رواة البخاري- (فراجعت)، والمعنى واحد\".\r(¬٢) قال القاضي عياض في الإكمال (١/ ٥٠٤): \"الشطر في الحديث بمعنى: الجزء، لا بمعنى: النصف، وإن كان أصله النصف، فقد يُعبر به عن غير النصف، كما قالوا: أشطار الناقة، وهي أربع، وأشطار الدهر وهي كثيرة\".\rوقال النووي في شرحه على مسلم (٢/ ٥٧٨): \"المراد بحط الشطر هنا: أنه حُط في مرات بمراجعات، وهذا هو الظاهر\" ثم قال معقبًا على كلام القاضي: \"هذا الذي قاله محتمل، ولكن لا ضرورة إليه، فإن هذا الحديث مختصر، لم يذكر فيه كرات المراجعة، والله أعلم\" [وانظر: الفتح (١/ ٤٦٢)].\r(¬٣) هكذا جاءت هذه اللفظة في هذا الموضع من صحيح البخاري، وفي رواية له في كتاب الأنبياء: (جنابذ)، وهي كذلك عند مسلم.\rقال الخطابي عن لفظة (حبائل) (١/ ٣٤٨): \"ليس بشيء، إنما هو جنابذ اللؤلؤ، يريد: قباب اللؤلؤ\".\rوقال القرطبي في المفهم (١/ ٣٩٢): \"وقع في كتاب البخاري في كتاب الصلاة: (حبائل اللؤلؤ)، وهو تصحيف\".\rوقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٣٢٦): \"والصحيح: جنابذ\" [وانظر: الفتح لابن حجر (١/ ٤٦٣)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211698,"book_id":118,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":482,"body":"متفق عليه (¬١).\rرابعًا: طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر: حدَّث فقال: سمعت أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر (¬٢) قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ (¬٣) فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه وتنام عينه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لَبَّته (¬٤)، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتي بطست من ذهب، فيه تور (¬٥) من ذهب،","footnotes":"(¬١) البخاري في مواضع: في كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء (١/ ١٣٥) ح (٣٤٢)، وفي كتاب: الأنبياء، باب: ذكر إدريس ﵇ (٣/ ١٢١٧) ح (٣١٦٤)، وأخرجه مختصرًا في كتاب الحج، باب: ما جاء في زمزم (٢/ ٥٨٩) ح (١٥٥٥).\rومسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ (٢/ ٥٧٦) ح (١٦٣).\r(¬٢) هم من الملائكة، وجاء تسمية اثنين منهما، وهما: جبريل وميكائيل. [انظر: الفتح (١٣/ ٤٨٠)].\r(¬٣) قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٨٠): \"فيه إشعار بأنه كان نائمًا بين جماعة أقلهم اثنان، وقد جاء أنه كان نائمًا معه حينئذٍ: حمزة بن عبد المطلب: عمه، وجعفر بن أبي طالب: ابن عمه\".\r(¬٤) قال في الفتح (١٣/ ٤٨١): \"بفتح اللام وتشديد الموحدة، وهي: موضع القلادة من الصدر، ومن هناك تنحر الإبل\" [وانظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٢٣)].\r(¬٥) التور: قيل: هو آنية كالقدح يكون من الحجارة، وقيل: إناء يُشرب منه، وقيل: هو الطست، وقيل: يشبه الطست، وقيل: هو مثل القدر يكون من صفر أو حجارة، وقد يُتوضأ منه. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١١٨، ١٣٦)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ١٩٩)، والفتح (١/ ٢٩١)].\rقال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٠٣) عن قوله في هذا الحديث: (ثم أتي بطست من =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211699,"book_id":118,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":483,"body":"محشوًا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولَغَادِيْدُه -يعني: عروق حلقه- ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسلم عليه، فسلم عليه، ورد عليه آدم وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نِعْم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدان، فقال: (ما هذان النهران يا جبريل؟ ) قال: هذا النيل والفرات عُنْصُرُهُمَا (¬١)، ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزَبَرْجَد، فضرب يده فإذا هو (¬٢) مسك أَذْفَر، قال: (ما هذا يا جبريل؟ ) قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم، فَوَعَيْت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع علي","footnotes":"= ذهب، فيه تور من ذهب): \"ظاهره المغايرة بينهما، ويحتمل الترادف، وكأن الطست أكبر من التور\"، وانظر ص (٥١٠) من هذا البحث.\r(¬١) العنصر هو: الأصل. [انظر: المجموع المغيث (٢/ ٥١١)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٠٩)، والفتح (١٣/ ٤٨٢)].\r(¬٢) قال في الفتح (١٣/ ٤٨٢): \" (فضرب يده) أي: في النهر (فإذا هو) أي: طينه\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211700,"book_id":118,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":484,"body":"أحدًا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى (¬١)، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه: خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: (عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة)، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار فقال، وهو مكانه: (يا رب، خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا)، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل -قومي- على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: (يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا)، فقال الجبار: يا محمد، قال: (لبيك وسعديك)، قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: (خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها)، قال","footnotes":"(¬١) التدلي معناه: الدنو والزيادة في القرب، قال ابن فارس في المعجم (٢/ ٢٩٣) مادة (دلى): \"الدال واللام والحرف المعتل: أصل يدل على مقاربة الشيء ومداناته بسهولة ورفق\".\rوقال الزجاج في معاني القرآن (٥/ ٧٠): \"معنى دنا وتدلى: واحد، لأن المعنى: أنه قرب، وتدلى أي: زاد في القرب\" [وانظر: تهذيب اللغة (١٤/ ١٢٢) مادة (دلا)، والمفردات للراغب (٣١٧)، والفتح (١٣/ ٤٨٤)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211701,"book_id":118,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":485,"body":"موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا، قال رسول الله ﷺ: (يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه)، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام، متفق عليه (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rفي رواية شريك عن أنس لحديث الإسراء عدة مخالفات، خالف فيها شريك غيره من الرواة، وقد تنبه لهذا أهل العلم، فنقدوا روايته، وبيَّنوا ما فيها من مخالفات وأخطاء، ليست عند غيره ممن روى الحديث عن أنس ﵁، كقتادة والزهري وثابت البناني.\rوقد ساق مسلم في صحيحه طرفًا من حديث شريك ثم قال: \"قدم فيه شيئًا وأخر، وزاد ونقص\" (¬٢).\rوقال البيهقي: \"ذكر شريك بن عبد الله بن أبي نمر في روايته هذه ما يُستدل به على أنه لم يحفظ الحديث كما ينبغي: من نسيانه ما حفظه غيره، ومن مخالفته في مقامات الأنبياء -الذين رآهم في السماء- مَن هو أحفظ منه\" (¬٣).\rوقال عبد الحق الإشبيلي (¬٤): \"وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه","footnotes":"(¬١) البخاري: كتاب: التوحيد، باب: قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦/ ٢٧٣٠) ح (٧٠٧٩)، وأخرجه مختصرًا في كتاب: المناقب، باب: كان النبي تنام عينه ولا ينام قلبه (٣/ ١٣٠٨) ح (٣٣٧٧).\rومسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ (٢/ ٥٧٥) ح (١٦٢) ساق طرفًا منه ثم قال: \"وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدم فيه شيئًا وأخر وزاد ونقص\".\r(¬٢) صحيح مسلم (٢/ ٥٧٥).\r(¬٣) الأسماء والصفات (٢/ ٣٥٧).\r(¬٤) هو الإمام الحافظ البارع المجود العلامة أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211702,"book_id":118,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":486,"body":"بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين، كمثل ابن شهاب وثابت البناني وقتادة، فلم يأتِ أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث، والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعوَّل عليها (¬١) \" (¬٢).\rوقال القاضي عياض: \"وقد جاء في مسلم من رواية شريك في هذا الحديث اضطراب وأوهام، أنكرها عليه العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك\" (¬٣).\rوقال ابن القيم: \"وقد غلَّط الحفَّاظ شريكًا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث فأجاد ﵀\" (¬٤).\rوقال الذهبي عن شريك: \"في حديث الإسراء من طريقه: ألفاظ لم يُتابع عليها\" (¬٥).\rوقال أيضًا عن حديث شريك: \"هذا من غرائب الصحيح\" (¬٦).","footnotes":"= عبد الله بن الحسين الأزدي الأندلسي الإشبيلي، المعروف في زمانه بابن الخرَّاط، كان فقيهًا عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، مشاركًا في الأدب وقول الشعر، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة، له مؤلفات من أشهرها: الجمع بين الصحيحين، توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (٥٨١). [انظر: السير (٢١/ ١٩٨)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٥٠)، والعبر (٣/ ٨٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٧١)].\r(¬١) يعني: طريق قتادة وثابت والزهري.\r(¬٢) الجمع بين الصحيحين (١/ ١٢٧)، وانظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٦٨)، والفتح (١٣/ ٤٨٤).\r(¬٣) إكمال المعلم (١/ ٤٩٧).\r(¬٤) زاد المعاد (٣/ ٤٢).\r(¬٥) السير (٦/ ١٦٠).\r(¬٦) ميزان الاعتدال (٣/ ٣٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211703,"book_id":118,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":487,"body":"وقال ابن كثير: \"شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه\" (¬١).\rوقال ابن رجب عن حديث شريك: \"فيه ألفاظ استُنكرت على شريك، وتفرد بها\" (¬٢).\rوقال ابن حجر عن شريك: \"هو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص، وقدم وأخر، وتفرد فيه بأشياء لم يُتابع عليها\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"خالف فيه شريك أصحاب أنس في إسناده ومتنه\" (¬٤).\rولكثرة ما استُشكل في حديث شريك -حيث عُدَّ فيه أكثر من عشر إشكالات- فقد اتبعت طريقةً تتناسب مع كثرتها، وذلك أنني عندما أورد الإشكال المعين، أذكر كل ما يتعلق به، بما في ذلك الترجيح إن أمكن، ثم أنتقل إلى الإشكال الآخر، وهكذا ...\rوقبل الانتقال إلى هذه الإشكالات يحسن التنبيه على أمرين:\rالأول: أن حديث الإسراء مما أجمع عليه المسلمون (¬٥)، وقد نصَّ عدد من أهل العلم على تواتر أحاديث الإسراء والمعراج، كالبغوي (¬٦)، والقرطبي (¬٧)، وابن تيمية، وابن القيم (¬٨)، وغيرهم.\rقال ابن تيمية: \"وأحاديث المعراج، وصعوده إلى ما فوق السماوات، وفرض الرب عليه الصلوات الخمس حينئذ، ورؤيته لما رآه من الآيات،","footnotes":"(¬١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٧).\r(¬٢) فتح الباري (٢/ ٣١١).\r(¬٣) الفتح (١١/ ٣٤١)، وانظر: (١٣/ ٤٨٠).\r(¬٤) هدي الساري (٣٨٣).\r(¬٥) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤١)، والأنوار الكاشفة للمعلمي (١٢١).\r(¬٦) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٩٢).\r(¬٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٠٥).\r(¬٨) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية (٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211704,"book_id":118,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":488,"body":"والجنة والنار، والملائكة والأنبياء في السموات، والبيت المعمور، وسدرة المنتهى، وغير ذلك: معروف متواتر في الأحاديث\" (¬١).\rمع العلم أن الإسراء ثابت بنص كتاب الله تعالى، كما قال جلَّ وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].\rوبعض أهل العلم يرى أن المعراج كذلك، أي: ثابت بكتاب الله تعالى، كما في الآيات في أوائل سورة النجم، وقد أشار إليه -أيضًا- في الآية السابقة بقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، فإن هذا يوافق قوله تعالى في سورة النجم: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، فإن المراد بها ما رآه في معراجه مما لم يره أحد من الناس، كرؤية جبريل، وسدرة المنتهى، وغير ذلك (¬٢).\rوالأمر الثاني: تحرير القول في شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وذلك بذكر أقوال الأئمة فيه، كما يلي:\rقال عنه ابن سعد (¬٣): ثقة كثير الحديث.\rوقال أبو داود (¬٤): ثقة.","footnotes":"(¬١) الجواب الصحيح (٦/ ١٦٨)، وانظر: (٦/ ١٦٥).\r(¬٢) انظر: الجواب الصحيح (٦/ ١٦٥ - ١٦٦)، والشفاء (١٠٦)، ومعارج القبول (٢/ ٣١٢).\r(¬٣) هو أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الزهري البصري، كاتب الواقدي وصاحب الطبقات، كان حافظًا علامةً حجة، طلب العلم في صغره ولحق بالكبار، وكان كثير العلم، كثير الحديث والرواية، كثير الكتب، توفي في بغداد سنة ثلاثين ومائتين (٢٣٠). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٦٠)، والسير (١٠/ ٦٦٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٥)، والتقريب (٢/ ٧٩)].\r(¬٤) هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، صاحب السنن، إمام حافظ محدث ثقة، وكان مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211705,"book_id":118,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":489,"body":"وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس.\rوقالا مرة: ليس بالقوي.\rوكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه.\rوقال ابن عدي (¬١): إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته (¬٢).\rوذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ (¬٣).\rوخلاصة الأمر في شريك ما قاله ابن حجر: \"صدوق يخطئ\" (¬٤).\rوقال أيضًا بعد ذكره لأقوال الأئمة فيه: \"قلت: احتج به الجماعة، إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة\" (¬٥).\r* * *","footnotes":"= وكتابه يدل على ذلك، وكان من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدَّة وسأله عن دقائق المسائل في الفروع والأصول، توفي ﵀ سنة (٢٧٥). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٥٦)، ووفيات الأعيان (٢/ ٣٣٧)، والسير (١٣/ ٢٠٣)، والتقريب (١/ ٣٨٢)].\r(¬١) هو الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك بن القطان الجرجاني، كان ثقة متقنًا ناقدًا، أكثر الترحال في طلب العلم، فرحل إلى الحرمين ومصر والشام والعراق وخراسان والجبال، وطال عمره وعلا سنده، توفي ﵀ سنة (٣٦٥ هـ) له مصنفات أشهرها: الكامل في ضعفاء الرجال. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٠)، والسير (١٦/ ١٥٤)، والعبر (٢/ ١٢١)، وشذرات الذهب (٣/ ٥١)].\r(¬٢) انظر: الكامل (٤/ ١٣٢١)، وميزان الاعتدال (٢/ ٢٦٩)، والسير (٦/ ١٥٩)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٨)، وهدي الساري (٤٠٩ - ٤١٠).\r(¬٣) انظر: الثقات (٤/ ٣٦٠).\r(¬٤) تقريب التهذيب (١/ ٤١٨).\r(¬٥) هدي الساري (٤١٠)، وانظر: الفتح (١٣/ ٤٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211706,"book_id":118,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":490,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن في حديث شريك أكثر من عشر إشكالات، وقد اجتهد في محاولة الإجابة عنها، ببيان عدم التفرد تارة، وبالتأويل تارة أخرى، وبيَّن أن هذا المسلك هو الأولى في التعامل مع مخالفات شريك، حيث قال: \"والأولى: التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها، إما بدفع تفرده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة، ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك\" (¬١).\rوالحق أن في بعض هذه المخالفات -التي عُدت على شريك- نظر، إذ الصواب فيها مع شريك ﵀، إما لموافقة غيره له فيها، وحينئذٍ تنتفي دعوى التفرد، وإما لكونها ليست مخَالَفة في الحقيقة.\rويبقى عدد من هذه المخالفات يصعب الإجابة عنها، ومن رام ذلك فقد تكلف عنتًا، وفيما يلي عرض لهذه المخالفات مرتبة حسب ورودها في الحديث، مع بيان ما يترجح فيها حسب الإمكان:\rأولًا: قوله: (ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه) ففي هذا أن حادثة الإسراء والمعراج وقعت قبل البعثة، وهذا خطأ ظاهر، والعلماء مجمعون على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون ذلك إذا كان الإسراء قبل أن يوحى إليه؟ ! (¬٢)","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١٣/ ٤٨٥)، وانظر: (١٣/ ٤٨٦).\r(¬٢) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٩٨)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٦٨)، وفتح =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211707,"book_id":118,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":491,"body":"ولذا أنكر أهل العلم هذه اللفظة على شريك وعدوها من أخطائه، وممن أنكر ذلك: الخطابي وابن حزم وعبد الحق الإشبيلي والقاضي عياض والنووي (¬١) وابن القيم (¬٢).\rقال القاضي عياض عن هذه اللفظة: \"هو غلط لم يوافق عليه\" (¬٣).\rقال الحافظ: \"وفي دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس -بمعجمة ونون، مصغر- عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي من طريقه\" (¬٤).\rوقد خرَّج هذه اللفظة ابن كثير وابن حجر على أن المجيء كان مرتين:\rالأول: قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة، ولم يكن فيها شيء.\rوالثاني: بعد أن أُوحي إليه، وحينئذٍ وقع شق الصدر ثم الإسراء والمعراج.\rوقبل ذكر كلامهما أسوق ما يتعلق بهذه اللفظة من الحديث، حتى يتضح مأخذهما منه: حدَّث شريك عن أنس: (ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته ... ).","footnotes":"= الباري (١٣/ ٤٨٠).\r(¬١) انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٨٠)، وكشف المشكل (٣/ ٢١٢).\r(¬٢) انظر: زاد المعاد (١/ ٩٩ - ١٠٠).\r(¬٣) إكمال المعلم (١/ ٤٩٧).\r(¬٤) فتح الباري (١٣/ ٤٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211708,"book_id":118,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":502,"sequence_num":492,"body":"قال ابن كثير: \"وفي سياقه -أي: حديث شريك- غرابة من وجوه، منها: قوله: (قبل أن يوحى إليه)، والجواب: أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى إليه، فكانت تلك الليلة، ولم يكن فيها شيء، ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى، ولم يقل في ذلك: (قبل أن يوحى إليه) بل جاءه بعد ما أُوحي إليه، فكان الإسراء قطعًا بعد الإيحاء، إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون، وهو الأظهر\" (¬١).\rوقال ابن حجر: \"قوله: (فلم يرهم) أي: بعد ذلك (حتى أتوه ليلة أخرى)، ولم يعين المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج ... وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق: أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابي وابن حزم وغيرهما، بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وبالله التوفيق\" (¬٢).\rولكن يشكل على هذا الجواب: أن الحديث ينص على أن المجيء الأول كان ليلة الإسراء حيث جاء في أوله: (ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ... )، وقوله في هذا المجيء -أعني الأول-: (فقال آخرهم: خذوا خيرهم)، يشعر أنه قد كان في هذه الليلة شيء، والله أعلم.\rوأجاب بعضهم: بأن الوحي ها هنا مقيد، وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء، فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام (¬٣).","footnotes":"(¬١) البداية والنهاية (٣/ ١٠٩) بتصرف يسير.\r(¬٢) فتح الباري (١٣/ ٤٨٠)، وانظر: (٦/ ٥٧٩).\r(¬٣) انظر: زاد المعاد (١/ ١٠٠)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211709,"book_id":118,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":503,"sequence_num":493,"body":"قال ابن حجر: \"ويؤيده: قوله في حديث الزهري: (فرج سقف بيتي) \" (¬١).\rولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، والله أعلم.\rثانيًا: قوله: (وهو نائم في المسجد الحرام)، ثم أكد ذلك بقوله في آخر الحديث: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، وبهذا ونحوه تعلق من جعل الإسراء والمعراج وقعا منامًا (¬٢).\rقال ابن رجب: \"هذه اللفظة مما تفرد بها شريك، وقد تعلق بها من قال: إن الإسراء كان منامًا\" (¬٣).\rوقد أجاب عن هذا القاضي عياض والقرطبي فقالا: قوله: (وهو نائم في المسجد الحرام) أي: أنه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه الملك فأيقظه.\rوأما قوله: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، فيحتمل أن يكون استيقاظه من نوم نامه بعد الإسراء، ويحتمل أن يكون بمعنى: أفقت، أي أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال بما شاهده من العجائب والآيات العظيمة والملكوت (¬٤).\rوبنحو هذا أجاب ابن كثير (¬٥)، وابن حجر (¬٦)، وغيرهما (¬٧).","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١٣/ ٤٨٥).\r(¬٢) انظر: أعلام الحديث (٤/ ٢٣٥٢)، ومعالم التنزيل (٣/ ٩٦)، وكشف المشكل (٣/ ٢١١، ٢١٢)، وإكمال المعلم (١/ ٤٩٩)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٣)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٤٥).\r(¬٣) فتح الباري (٢/ ٣٢٠).\r(¬٤) انظر: الشفاء (١١٥) المفهم (١/ ٣٨٥).\r(¬٥) انظر: البداية والنهاية (٣/ ١١٢).\r(¬٦) انظر: فتح الباري (٧/ ٢٠٤)، و (١٣/ ٤٨١).\r(¬٧) انظر: الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ٥٤٠)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣٢٠)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211710,"book_id":118,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":504,"sequence_num":494,"body":"وحاول بعضهم الجمع بين الروايات فقال: بالتعدد، أي أن الإسراء وقع مرتين: مرة يقظة، ومرة منامًا (¬١).\rوالحق الذي عليه جمهور أهل السنة أن الإسراء والمعراج وقعا مرة واحدة، يقظة لا منامًا، وأن ذلك كان بجسده وروحه.\rوقد سمَّى القاضي عياض من ذهب إلى هذا فقال: \"ذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق\"، ثم ذكر أنه قول ابن عباس، وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبَّة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب (¬٢)، وابن شهاب، والحسن، وإبراهيم (¬٣)، ومسروق (¬٤)،","footnotes":"(¬١) انظر: زاد المعاد (٣/ ٤٢)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢٧١).\r(¬٢) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو المخزومي القرشي، شيخ الإسلام وفقيه المدينة وعالمها، وسيِّد التابعين في زمانه، رأى عمر وسمع عثمان وعليًا وزيد بن ثابت وجمعًا من الصحابة سواهم ﵃، وكانت أكثر روايته عن أبي هريرة ﵁، وكان قد تزوج ابنته، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، توفي ﵀ سنة (٩٤ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣١٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٥٤)، والسير (٤/ ٢١٧)، والعبر (١/ ٨٢)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٦٤)، وشذرات الذهب (١/ ١٠٢)].\r(¬٣) هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الإمام الحافظ فقيه العراق، روى عن علقمة ومسروق وطائفة ودخل على أم المؤمنين عائشة ﵂ وهو صبي توفي سنة ست وتسعين وقيل في آخر سنة خمس وتسعين (٩٥). [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٥٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٣)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٩)].\r(¬٤) هو الإمام العلم القدوة أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية الهمداني الكوفي، يُقال: إنه سُرق وهو صغير ثم وُجد فسُمي مسروقًا، وكانت عائشة قد تبنته فسمى بنته عائشة، صحب ابن مسعود ﵁ وصلى خلف أبي بكر الصديق ﵁، وكان فقيهًا عابدًا، توفي ﵀ سنة (٦٣ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٤٩)، والسير (٤/ ٦٣)، والعبر (١/ ٥٠)، وتقريب التهذيب (٢/ ١٧٥) شذرات الذهب (١/ ٧١)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211711,"book_id":118,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":505,"sequence_num":495,"body":"ومجاهد، وعكرمة (¬١)، وابن جريج (¬٢)، وابن حنبل، وجماعة عظيمة من المسلمين، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين (¬٣).\rوممن نصَّ على هذا القول أيضًا: الطبري (¬٤)، والطحاوي (¬٥)، والبربهاري (¬٦)، والآجري (¬٧)، وابن منده (¬٨)، وابن حزم (¬٩)، وقوَّام السنة الأصبهاني (¬١٠)، وأبو العباس القرطبي (¬١١)، وأبو عبد الله القرطبي (¬١٢)، وابن القيم (¬١٣)، .....................................................................................","footnotes":"(¬١) هو عكرمة بن عبد الله القرشي مولاهم المدني، أصله بربري كان مولى ابن عباس وكان ثقة ثبتًا عالمًا بالتفسير، حدث عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وطائفة كثيرة من الصحابة ﵃ اتهم بأنه على رأي الخوارج، توفي ﵀ سنة (١٠٧ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٩٥)، والسير (٥/ ١٢)، والعبر (١/ ١٠٠)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٨٥)].\r(¬٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، العلامة الثقة الحافظ شيخ الحرم، وأول من دون العلم بمكة، لازم عطاء فأكثر عنه وجوَّد، وكان صاحب تعبد وتهجد، وكان يدلس ويرسل، توفي سنة خمسين ومائة (١٥٠)، وقيل غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٩٩)، ووفيات الأعيان (٣/ ١٣٨)، والسير (٦/ ٣٢٥)، والتقريب (١/ ٦١٧)].\r(¬٣) انظر: الشفاء (١١٣).\r(¬٤) انظر: جامع البيان (٨/ ١٦).\r(¬٥) انظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢٧٠).\r(¬٦) انظر: شرح السنة (٣٦).\r(¬٧) انظر: الشريعة (٣/ ١٥٣٩).\r(¬٨) انظر: التوحيد له (٣/ ٢٧٦).\r(¬٩) انظر: المحلى (١/ ٥٧).\r(¬١٠) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤٠).\r(¬١١) انظر: المفهم (١/ ٣٨٤).\r(¬١٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٠٨).\r(¬١٣) انظر: زاد المعاد (١/ ٩٩)، و (٣/ ٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211712,"book_id":118,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":506,"sequence_num":496,"body":"وابن كثير (¬١)، وابن أبي العز (¬٢)، وابن حجر (¬٣)، وغيرهم كثير.\rقال ابن القيم ﵀: \"كان الإسراء مرة واحدة، وقيل: مرتين: مرة يقظة ومرة منامًا، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات، ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين: مرة قبل الوحي لقوله في حديث شريك: ( ... قبل أن يوحى إليه)، ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع، والصواب الذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة.\rويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا، ثم يقول: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي)، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرًا عشرًا؟ ! \" (¬٤).\rومن الأدلة على أن الإسراء كان يقظةً لا منامًا، وأنه كان بجسده وروحه (¬٥):\r١ - ظاهر القرآن حيث قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا","footnotes":"(¬١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٨، ٣٩)، والبداية والنهاية (٣/ ١١٢).\r(¬٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٧٣).\r(¬٣) انظر: فتح الباري (١/ ٤٦٠)، و (٧/ ٢١٨).\r(¬٤) زاد المعاد (٣/ ٤٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٨).\r(¬٥) انظر: جامع البيان (٨/ ١٦)، والشريعة للآجري (٣/ ١٥٣٩)، والحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤٠)، والمعلم (١/ ٢٢٠)، والشفاء (١١٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٠٨)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٩)، والبداية والنهاية (٣/ ١١٢)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢٧٦)، وفتح الباري (١/ ٤٦٠)، و (٧/ ٢١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211713,"book_id":118,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":507,"sequence_num":497,"body":"مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].\rوجه الدلالة: أن التسبيح إنما يكون عند الأمور العظيمة والآيات الباهرة، مما يدل على أن الإسراء كان في اليقظة، بالروح والجسد، ولو كان منامًا، أو بالروح فقط لم يكن فيه كبير أمر، ولم يكن مستعظمًا.\rووجه آخر من الآية: وهو أنه تعالى قال: ﴿بِعَبْدِهِ﴾، والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلًا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر.\r٢ - ظاهر أحاديث الإسراء -كما تقدم- فإن سياقاتها تدل دلالة واضحة على أن الإسراء كان يقظة بالروح والجسد، ففيها ذكر الركوب والصعود في المعراج والصلاة وغير ذلك، ولذا قال البغوي: \"الأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك\" (¬١).\r٣ - مبادرة مشركي قريش إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وارتداد بعض من ضعف إسلامه عن الإسلام، ولو كان منامًا لما أنكروه، لأنهم لا ينكرون أن يرى الرائي في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ ! فدل هذا على أنه أخبرهم بأنه أسري به يقظة لا منامًا.\rقال الطبري عن القول: بأن الإسراء كان منامًا: \"ذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) معالم التنزيل (٣/ ٩٢).\r(¬٢) جامع البيان (٨/ ١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211714,"book_id":118,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":508,"sequence_num":498,"body":"وقال الآجري: \"من زعم أنه منام فقد أخطأ في قوله، وقصَّر في حق نبيه ﷺ، ورد القرآن والسنة، وتعرض لعظيم\" (¬١).\rوقال القرطبي: \"الذي عليه معظم السلف والخلف، أنه أسري بجسده وحقيقته في اليقظة، إلى آخر ما انطوى عليه الإسراء، وعليه يدل ظاهر الكتاب، وصحيح الأخبار، ومبادرة قريش لإنكار ذلك وتكذيبه، ولو كان منامًا لما أنكروه، ولما افتتن به من افتتن، إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمور عجيبة، وأحوال هائلة، فلا يستبعد ذلك في النوم، وإنما يستبعد في اليقظة\" (¬٢).\rثالثًا: قوله: (فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ... ).\rأنكر بعضهم -كالقاضي عياض (¬٣) وغيره (¬٤) - وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وعدوا هذا من أغلاط شريك (¬٥)، وقالوا: إنما وقع ذلك وهو صغير، عندما كان مسترضعًا في بني سعد، كما في صحيح مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني: ظِئْره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (¬٦).","footnotes":"(¬١) الشريعة (٣/ ١٥٤٠).\r(¬٢) المفهم (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وانظر: الشفاء للقاضي عياض (١١٣).\r(¬٣) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٩٨)، وفتح الباري (١/ ٤٦٠).\r(¬٤) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٣٥)، وفتح الباري (٧/ ٢٠٤).\r(¬٥) انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٨٥).\r(¬٦) صحيح مسلم (٢/ ٥٧٤) ح (١٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211715,"book_id":118,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":509,"sequence_num":499,"body":"ولا ريب أن إنكارهم هذا غير صحيح، فشق الصدر ثابت ليلة الإسراء، وشريك لم يتفرد بهذا، بل وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، والزهري عن أنس عن أبي ذر، كما تقدم.\rقال ابن رجب: \"وشق صدره ﷺ ليلة المعراج، وغسله من طست من ذهب من ماء زمزم، ومَلؤه إيمانًا وحكمة مما تطابقت عليه أحاديث المعراج\" (¬١).\rوعلى هذا يكون شق الصدر قد وقع مرتين: مرة في صغره، كما في حديث أنس المتقدم قريبًا، ومرة في ليلة الإسراء.\rقال القرطبي عند حديث أنس المتقدم -في شق صدر رسول الله ﷺ في صغره-: \"هذا الشق هو خلاف الشق المذكور في حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة، بدليل اختلاف الزمانين، والمكانين، والحالين، أما الزمانان: فالأول: في صغره، والثاني: في كبره، وأما المكانان: فالأول: كان ببعض جهات مكة، عند مرضعته، والثاني: عند البيت، وأما الحالان: فالأول نُزع من قلبه ما كان يضره وغسل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني: غُسل وملئ حكمة وإيمانًا، وهو إشارة إلى التهيؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يشهده.\rولا يُلتفت إلى قول من قال: إن ذلك كان مرةً واحدةً في صغره، وأخذ يُغلِّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإن الغلط به أليق، والوهم منه أقرب، فإن رواة الحديثين أئمةٌ مشاهير حفاظ، ولا إحالة في شيء مما ذكروه، ولا معارضة بينهما ولا تناقض، فصحَّ ما قلناه، وبهذا قال جماعة من العلماء\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٢/ ٣١٢).\r(¬٢) المفهم (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤١)، والروض الأنف (١/ ١٩٠)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٣)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٦٠)، و (٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211716,"book_id":118,"shamela_page_id":500,"part":null,"page_num":510,"sequence_num":500,"body":"رابعًا: قوله: (ثم أتي بطست من ذهب، فيه تور من ذهب، محشوًا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولغاديده ... ) حيث ذكر التور، بينما الروايات الأخرى ليس فيها ذكر التور، وإنما فيها الاقتصار على ذكر الطست، ففي رواية قتادة عن أنس: (ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانًا فغسل قلبي ثم حشي).\rوفي رواية ابن شهاب عن أنس: (ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري).\rقال الحافظ ابن حجر عند رواية شريك: \"هذا يقتضي أنه غير الطست، وأنه كان داخل الطست ... فإن كانت هذه الزيادة محفوظة، احتمل أن يكون أحدهما فيه ماء زمزم، والآخر هو المحشو بالإيمان، واحتمل أن يكون التور ظرف الماء وغيره، والطست لما يُصب فيه عند الغسل، صيانة له عن التبدد في الأرض، وجريًا له على العادة في الطست وما يوضع فيه الماء\" (¬١).\rوقد يُقال: إن ذكر التور ليس فيه مخالفة، وإنما هو من قبيل زيادة الثقة، والله أعلم.\rخامسًا: قوله: (فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: (ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عُنْصُرُهُمَا)، فهذا يخالف الثابت في غير روايته، من كون النيل والفرات في السماء السابعة، وأنهما من تحت سدرة المنتهى، كما في حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: (وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات)، وفي رواية للبخاري قال بعد ذكر سدرة المنتهى: (في أصلها أربعة أنهار ... ) (¬٢)، ولفظ مسلم: (يخرج من أصلها ... ).","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١٣/ ٤٨١).\r(¬٢) صحيح البخاري (٣/ ١١٧٣) ح (٣٠٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211717,"book_id":118,"shamela_page_id":501,"part":null,"page_num":511,"sequence_num":501,"body":"قال ابن حجر عند رواية شريك: \"ظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: (فإذا في أصلها أربعة أنهار)، ويجمع بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى، ومقرهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض\" (¬١).\rوقال نقلًا عن ابن دحية (¬٢): \"الجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر: عنصر امتيازهما في السماء الدنيا\" (¬٣).\rوهذا الجواب فيه بعد، وما ذكره الحافظ ابن حجر يشكل عليه أنه جاء في رواية شريك قوله: (هذا النيل والفرات عُنْصُرُهُمَا) أي: أصلهما، والله أعلم.\rسادسًا: جاء في روايته ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور الثابت أنه في الجنة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (الكوثر نهر في الجنة) (¬٤).\rوعن أنس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ أن","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢)، وانظر: (١٣/ ٤٨٥).\r(¬٢) هو العلامة أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن الجُميل الكلبي الأندلسي الداني الأصل ثم السبتي، الحافظ اللغوي الظاهري المذهب -يذكر أنه من ولد دحية الكلبي- كان بصيرًا بالحديث معنيًا بتقييده مكبًا على سماعه، عيب عليه أنه كان يثلب علماء المسلمين، ويقع في أئمة الدين، ومن أجل ذلك ترك الناس كلامه، توفي ﵀ سنة (٦٣٣ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٣٩٣)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٢٠)، والعبر (٣/ ٢١٧)، وشذرات الذهب (٥/ ١٦٠)].\r(¬٣) فتح الباري (٧/ ٢١٤).\r(¬٤) أخرجه الترمذي (تحفة ٩/ ٢٩٤) ح (٣٤١٩)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه (٢/ ١٤٥٠) ح (٤٣٣٤)، وأحمد (٩/ ٢٥٧) ح (٥٣٥٥)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٣٥) ح (٢٦٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211718,"book_id":118,"shamela_page_id":502,"part":null,"page_num":512,"sequence_num":502,"body":"النبي ﷺ قال: (هو نهر في الجنة) (¬١).\rقال ابن حجر عند رواية شريك: \"هذا مما يُستشكل من رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة، والجنة في السماء السابعة\" ثم قال محاولًا الجمع بينها وبين سائر الروايات: \"ويمكن أن يكون في هذا الموضع شيء محذوف تقديره: ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر ... \" (¬٢).\rوالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن هذا من الأخطاء المعدودة على شريك.\rسابعًا: قوله: (كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله)، وهذا مخالف لسائر الروايات في تحديد أماكن الأنبياء، مما يدل على أن شريكًا لم يضبط أماكنهم، كما قد صرح هو بذلك.\rقال ابن رجب: \"هذا كله إنما جاء من عدم ضبط منازلهم، كما صرح به في الحديث نفسه\" (¬٣) ونحوه قال ابن حجر (¬٤).\rوقد وافق الزهري شريكًا في كون إبراهيم في السماء السادسة، فجاء في روايته: (قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات: آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (تحفة ٩/ ٢٩١) ح (٣٤١٧)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والنسائي في الكبرى (١٠/ ٢٧٤) ح (١١٤٦٩)، وأحمد (٢٠/ ١٠٩) ح (١٢٦٧٩)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٣٤) ح (٢٦٧٥).\r(¬٢) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢)، وانظر: (١٣/ ٤٨٥)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٥١).\r(¬٣) فتح الباري (٢/ ٣١٧).\r(¬٤) فتح الباري (١٣/ ٤٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211719,"book_id":118,"shamela_page_id":503,"part":null,"page_num":513,"sequence_num":503,"body":"قال ابن رجب: \"هذا -والله أعلم- مما لم يحفظه الزهري جيدًا\" (¬١).\rوعلى هذا، فالصحيح في ترتيب أماكن الأنبياء ما جاء في رواية قتادة وثابت عن أنس ﵁: ففي الأولى آدم ﵇، وفي الثانية عيسى ويحيى ﵇، وفي الثالثة يوسف ﵇، وفي الرابعة إدريس ﵇، وفي الخامسة هارون ﵇، وفي السادسة موسى ﵇، وفي السابعة إبراهيم ﵇.\rقال ابن حجر: \"الأكثر وافقوا قتادة، وسياقه يدل على رجحان روايته، فإنه ضبط اسم كل نبي والسماء التي هو فيها، ووافقه ثابت عن أنس وجماعة، فهو المعتمد\" (¬٢).\rوقد ذهب البعض كابن كثير (¬٣) وغيره (¬٤) إلى ترجيح رواية الزهري وشريك في كون إبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، وأيدوا ذلك بقوله عند ذكر موسى: (وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله)، فقالوا: هذا التعليق يدل على أن شريكًا قد ضبط كون موسى في السابعة (¬٥).\rقال ابن حجر: \"لكن المشهور في الروايات: أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور\" (¬٦).\rوقال أيضًا: \"الأرجح رواية الجماعة لقوله فيها: (أنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور)، وهو في السابعة بلا خلاف\" (¬٧).","footnotes":"(¬١) فتح الباري (٢/ ٣١٦).\r(¬٢) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢).\r(¬٣) انظر: البداية والنهاية (٣/ ١١٠)، وفي التفسير (٣/ ٣٨) ذكر العكس، فأشار إلى أن موسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة.\r(¬٤) انظر: شرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٥٣).\r(¬٥) انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٨٢)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٤٥٣).\r(¬٦) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢).\r(¬٧) فتح الباري (١/ ٤٦٢)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211720,"book_id":118,"shamela_page_id":504,"part":null,"page_num":514,"sequence_num":504,"body":"كما استدلوا بما حصل من المراجعة بين موسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام، فقالوا: إن ذلك يناسب كون موسى في السابعة (¬١).\rوقد أُجيب عن هذا: بأن المراجعة إنما وقعت من موسى ﵇ لأنه كان له أمة عظيمة، عالجهم أشد المعالجة، وكان عليهم في دينهم آصارٌ وأثقال، فلهذا تفرد بمخاطبة النبي ﷺ في ذلك دون إبراهيم ﵇ (¬٢).\rوقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايات فقال: \"إن موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة ... ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأُصعد معه إلى السابعة، تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى\" (¬٣).\rوبنحو هذا الجمع قال النووي (¬٤)، وهو جمع محتمل لكنه يفتقر إلى دليل، والله أعلم.\rثامنًا: قوله بعد ذكر السماء السابعة: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى).\rقال ابن حجر: \"كذا وقع في رواية شريك، وهو مما خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة (¬٥)، وعند بعضهم في السادسة (¬٦) \" (¬٧).","footnotes":"(¬١) انظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٩)، وفتح الباري لابن حجر (١٣/ ٤٨٢).\r(¬٢) انظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٩).\r(¬٣) فتح الباري (١٣/ ٤٨٢).\r(¬٤) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٧٦).\r(¬٥) كما يدل على ذلك باقي روايات الإسراء، وانظر: عارضة الأحوذي (١٢/ ١١٩)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٥)، وإكمال إكمال المعلم (١/ ٥٣٧)، وفتح الباري (٧/ ٢١٣).\r(¬٦) لِما ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: \"لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة\" أخرجه مسلم (٣/ ٥) ح (١٧٣).\r(¬٧) فتح الباري (١٣/ ٤٨٣)، وانظر: (١٣/ ٤٨٥)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211721,"book_id":118,"shamela_page_id":505,"part":null,"page_num":515,"sequence_num":505,"body":"ثم قال محاولًا الجمع: \"لعل في السياق تقديمًا وتأخيرًا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ... ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لسدرة المنتهى: صفة أعلاها، وما تقدم صفة أصلها\" (¬١).\rتاسعًا: قوله: (ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى).\rاستنكرت هذه اللفظة على شريك، إذ لم يذكرها غيره ممن روى الحديث، حتى قال الخطابي: \"ليس في هذا الكتاب حديث أشنع ظاهرًا وأبشع مذاقًا من هذا الحديث\"، ثم قال معللًا ذلك: \"إن هذا يوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي يعلو من فوق إلى أسفل\"، وقال: \"حاصل الأمر في التدلي وإطلاق اللفظ به على الوجه الذي تضمنه الخبر: أنه رأي: إما أنس بن مالك، وإما رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ، إذا رواها من حيث لا يتابعه عليها سائر الرواة، وأيهما صح هذا القول عنه وأضيف إليه، فقد خالفه فيه عامة السلف المتقدمين والعلماء، وأهل التفسير منهم ومن المتأخرين ... ولم يثبت في شيء مما رُوي عن السلف أن التدلي مضاف إلى الله سبحانه، جل ربنا عن صفات المخلوقين، ونعوت المربوبين المحدودين، وقد رُوي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك بن عبد الله، فلم تذكر فيه هذه الألفاظ البشعة، فكان ذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من قبل شريك، والله أعلم\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) الفتح (١٣/ ٤٨٣).\r(¬٢) أعلام الحديث (٤/ ٢٣٥٢ - ٢٣٥٤)، وانظر: كشف المشكل (٣/ ٢١٢)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤)، وقد تعقب الشيخ عبدُ الله الغنيمان الخطابيّ في كلامه هذا. [انظر: شرح كتاب التوحيد (٢/ ٤٥٦ - ٤٦٠)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211722,"book_id":118,"shamela_page_id":506,"part":null,"page_num":516,"sequence_num":506,"body":"وممن استنكر هذه اللفظة أيضًا ابن حزم (¬١) وهو ظاهر كلام ابن رجب، فإنه لما ذكر هذا الجزء من الحديث قال: \"قد تفرد شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث، وهي مما أنكرت عليه فيه\" (¬٢).\rويلاحظ أن منطلق الخطابي في استنكار هذه اللفظة: اعتقاده أن فيها تشبيهًا للخالق بالمخلوق، ولا ريب أن هذا منطلق فاسد، لا يجوز أن ترد بمثله الأحاديث الصحيحة، فإن هذا شأن أهل التعطيل الذين يردون النصوص الثابتة أو يؤولونها لمجرد توهم التشبيه.\rوالحق الذي لا يجوز العدول عنه: ما عليه أهل السنة والجماعة من إثبات ما تضمنته النصوص الصحيحة من الصفات لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تأويل.\rوقد ذهب بعض السلف إلى القول: بما تضمنه هذا الحديث من إثبات صفة الدنو والتدلي لله تعالى، وممن ذهب إلى هذا ابن خزيمة (¬٣) وابن القيم وابن أبي العز (¬٤) ومحمد خليل هراس (¬٥):\rقال ابن القيم: \"فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتدليه\" (¬٦).\rوأما ابن كثير فقد أثبت ذلك في كتابه الفصول، حيث قال: \"ودنا الجبار، رب العزة فتدلى، كما يشاء على ما ورد في الحديث\" (¬٧).\rوأما في كتابه البداية والنهاية فقد جوَّز أن يكون ذلك من فهم الراوي، فقال: \"فأما قول شريك عن أنس في حديث الإسراء: (ثم دنا","footnotes":"(¬١) انظر: كشف المشكل (٣/ ٢١٢)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥).\r(¬٢) فتح الباري (٢/ ٣١٨).\r(¬٣) انظر: التوحيد (٢/ ٥٢١).\r(¬٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٧٦).\r(¬٥) انظر: تعليقه على كتاب التوحيد لابن خزيمة (١٤٠، ٢١٣).\r(¬٦) زاد المعاد (٣/ ٣٨)، وانظر: نونيته بشرح ابن عيسى (١/ ٤٠٨، ٤١٠).\r(¬٧) الفصول في سيرة الرسول ﷺ (٢٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211723,"book_id":118,"shamela_page_id":507,"part":null,"page_num":517,"sequence_num":507,"body":"الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى)، فقد يكون من فهم الراوي، فأقحمه في الحديث، والله أعلم\" (¬١).\rوجدير بالتنبيه هنا أن هؤلاء -عدا ابن خزيمة- يقولون: إن الدنو والتدلي المذكور في قصة الإسراء هو غير الدنو والتدلي الوارد في سورة النجم، فإن المراد به في سورة النجم جبريل ﵇.\rقال ابن القيم: \"وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨]، فهو غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة (¬٢) وابن مسعود (¬٣)، والسياق يدل عليه، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٥]، وهو جبريل ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٦ - ٨]، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلِّم الشديد القوى، وهو ذو المرَّة، أي: القوة، وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنى فتدلى، فكان من محمد ﷺ قدر قوسين أو أدنى، فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتدليه، ولا تَعَرُّض في سورة النجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم\" (¬٤).\rوقال ابن كثير بعد ذكره لآية النجم: \"الصحيح من قول المفسرين، بل المقطوع به: أن المتدلي في هذه الآية هو جبريل ﵇، كما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة ﵂: أنها سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (ذاك جبريل) (¬٥)، فقد قطع هذا الحديث النزاع، وأزاح الإشكال\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) البداية والنهاية (٣/ ١١٠).\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣/ ١١٨١) ح (٣٠٦٣)، ومسلم (٣/ ١٤) ح (١٧٧).\r(¬٣) أخرجه البخاري (٣/ ١١٨١) ح (٣٠٦٠)، ومسلم (٣/ ٦) ح (١٧٤).\r(¬٤) زاد المعاد (٣/ ٣٨)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٧٦).\r(¬٥) أخرجه البخاري (٤/ ١٨٤٠) ح (٤٥٧٤) لكن بدون هذا اللفظ، وأخرجه مسلم واللفظ له (٣/ ١٠) ح (١٧٧).\r(¬٦) الفصول (٢٧٢)، وانظر: البداية والنهاية (٣/ ١١٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211724,"book_id":118,"shamela_page_id":508,"part":null,"page_num":518,"sequence_num":508,"body":"ولا ريب في اتصاف الله تعالى بصفة الدنو الذي هو بمعنى: القرب، فإن هذه الصفة ثابتة لله تعالى في غير هذا الحديث، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ) (¬١).\rوعلى إثبات هذه الصفة لله تعالى معتقد أهل السنة والجماعة.\rقال ابن تيمية: \"وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر\" (¬٢).\rوأما ما يتعلق بصفة التدلي فليس فيها -فيما وقفت عليه بعد البحث- إلا رواية شريك هذه، ولذا فإني أتوقف فيها، لا سيما وقد روى هذا الحديث أئمة أثبات، هم أوثق من شريك وأحفظ، كقتادة وثابت والزهري، ولم يذكروا هذه اللفظة فيه، مع أن إثباتها يدل على عظيم المنزلة ورفعة الدرجة للنبي ﷺ عند ربه، فالظن أنهم لا يغفلونها وهي بهذه المنزلة، بل سيكونون على نقلها وإثباتها أشد حرصًا، خاصة وأنهم نقلوا تفاصيل وقعت في الإسراء هي أقل شأنًا منها، والله أعلم.\rعاشرًا: قوله: (فعلا به إلى الجبار فقال، وهو مكانه: يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا).\rقال الخطابي: \"وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك لم يذكرها غيره، وهي: قوله: (فقال وهو مكانه)، والمكان لا يضاف إلى الله","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم (٩/ ١٢٥) ح (١٣٤٨)، وذكر ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٨٣) أنه جاء عند الطبري من حديث ميمون بن سياه عن أنس، في قصة الإسراء: \"فدنا ربك ﷿، فكان قاب قوسين أو أدنى\".\r(¬٢) شرح حديث النزول (٣١٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211725,"book_id":118,"shamela_page_id":509,"part":null,"page_num":519,"sequence_num":509,"body":"سبحانه، إنما هو مكان النبي ﷺ، ومقامه الأول الذي أُقيم فيه\" (¬١).\rوالحق أنه لا وجه لاستشكال هذه اللفظة، لأن الضمير في قوله: (وهو مكانه) عائد إلى النبي ﷺ، أي: وهو في مكانه الذي أوحى الله إليه فيه قبل نزوله إلى موسى ﵇ (¬٢) وما ذكره الخطابي ليس في السياق ما يدل عليه.\rقال الحافظ ابن حجر تعليقًا على كلام الخطابي: \"وهذا الأخير متعين، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى\" (¬٣).\rوأما قول الخطابي: \"والمكان لا يضاف إلى الله سبحانه\" فهذا الإطلاق فيه نظر، لأن إجماع السلف منعقد على ما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن الله تعالى على عرشه فوق سماواته، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، لكن لفظ المكان يتوقف في إطلاقه على الله تعالى لعدم ورود النص به (¬٤).\rقال الشيخ عبد الله الغنيمان تعليقًا على قول الخطابي في الإشكال المتقدم: \"إن هذا يوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما\" قال: \"مفهوم هذا القول من الخطابي: أنه لا تمييز بين مكان الخالق والمخلوق، ولا مسافة، ولا تحديد، وهذا لا يعدو أمرين لا ثالث لهما:\rإما أن يكون الرب تعالى حالًا في الخلق، ومداخلًا لهم، فهو في كل","footnotes":"(¬١) أعلام الحديث (٤/ ٢٣٥٥)، وانظر: كشف المشكل (٣/ ٢١٢)، وفتح الباري (١٣/ ٤٨٤)، و (١٣/ ٤٨٥).\r(¬٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (٢/ ٤٦١).\r(¬٣) الفتح (١٣/ ٤٨٤).\r(¬٤) ينبه هنا إلى أن الإمام الدارمي ﵀، قد أطلق لفظ المكان على الله تعالى، مفسرًا ذلك بما دلت عليه النصوص من أنه سبحانه على عرشه فوق سماواته، ويلاحظ أنه قال ذلك في مقام الرد على المنكرين لعلو الله تعالى وفوقيته واستوائه على عرشه. [انظر: نقضه على المريسي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٨، ٤٩٣)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211726,"book_id":118,"shamela_page_id":510,"part":null,"page_num":520,"sequence_num":510,"body":"مكان، لا يختص به مكان دون آخر، حتى أجواف الحيوانات والناس والأمكنة الخبيثة، وهذا مذهب الحلولية الذين هم من أضل خلق الله، وأبعدهم عن معرفة الله، والتمييز بينه وبين خلقه، وهذا غاية الكفر ومنتهاه.\rالثاني: أنه لا مكان لله أصلًا، ومن ليس له مكان -بمعنى: أنه ليس في جهة- فهو عدم لا وجود له، والعدم هو إله المعطلة والملاحدة\" (¬١).\rالحادي عشر: قوله: (فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات)، ففي هذه الرواية أن التخفيف للصلوات أثناء المراجعة كان عشرًا عشرًا، وقد عدَّ الحافظ ابن حجر هذا من مخالفات شريك، لأن مقتضى رواية ثابت عن أنس أن التخفيف كان خمسًا خمسًا (¬٢).\rوالحق أن شريكًا لم يتفرد بهذا، فقد تابعه عليه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، كما تقدم.\rوقد رجح ابن الجوزي هذه الرواية، أي: كون التخفيف عشرًا عشرًا لاتفاق البخاري ومسلم عليها من حديث أنس عن مالك بن صعصعة، ومن حديث أنس نفسه، بخلاف رواية التخفيف خمسًا خمسًا فإنها من أفراد مسلم، وقال عنها: إنها غلط من الراوي، وتابعه على هذا السفاريني (¬٣).\rأما ابن حجر فقد رجح رواية ثابت البناني في كون التخفيف كان","footnotes":"(¬١) شرح كتاب التوحيد (٢/ ٤٨٥)، وانظر: (١/ ٣٦٤ - ٣٦٦).\r(¬٢) انظر: الفتح (١٣/ ٤٨٥).\r(¬٣) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ٢٨٤)، والسفاريني هو: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي عالم بالحديث والأصول والأدب ولد ونشأ في سفارين من قرى نابلس، ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم فأخذ عن علمائها ثم رجع إلى بلده نابلس فدرس وأفتى وأفاد حتى توفي ﵀ سنة (١١٨٨ هـ)، وله مؤلفات عدة أشهرها: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية. [انظر: الأعلام (٦/ ١٤)، ومعجم المؤلفين (٣٦٥)، وآخر الجزء الأول من لوامع الأنوار فيه ترجمة مطولة له].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211727,"book_id":118,"shamela_page_id":511,"part":null,"page_num":521,"sequence_num":511,"body":"خمسًا خمسًا، فقال: \"وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة، يتعين حمل باقي الروايات عليها\" (¬١)، وبناءً على هذا، فهو يرى أن عدد مرات المراجعة كانت تسعًا (¬٢).\rولكن يشكل على هذا الترجيح أن كون التخفيف خمسًا خمسًا لا يصح جعله زيادة، لأن التخفيف جاء ذكره في باقي الروايات، لكن ليس على هذه الصفة، فالحق أن هذا يعتبر مخالفة لا زيادة، لأنه لا يمكن القول: بكلا الروايتين، فإحداهما تخالف الأخرى، وليسن لزيادة عدد مرات المراجعة أثر في جعل هذه الرواية زيادة يجب قبولها، لكونها أكثر تفصيلًا لأن قبولها يعني: طرح رواية العشر، مع أنها متفق على صحتها.\rومما قد يرجح رواية العشر: أنها استوعبت ذكر مرات المراجعة كلها، مما يدل على أن الراوي قد ضبط روايته، وإليك نص هذه الرواية: قال ﷺ: (ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بمَ أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم).\rوهذا بخلاف رواية الخمس فإنه لم يُذكر فيها من مرات المراجعة إلا واحدةً، ثم اختصر الباقي بقوله: (فلم أزل أرجع بين ربي ﵎","footnotes":"(¬١) الفتح (١/ ٤٦٢).\r(¬٢) انظر: الفتح (١٣/ ٤٨٥، ٤٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211728,"book_id":118,"shamela_page_id":512,"part":null,"page_num":522,"sequence_num":512,"body":"وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة).\rالثاني عشر: قوله: (فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل -قومي- على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: (يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا))، ففي هذه الرواية: رجوع النبي ﷺ بعد استقرار الفرض على خمس صلوات، لطلب التخفيف، وهو مما انفرد به شريك، لأن المحفوظ -كما في الروايات الأخرى- أن النبي ﷺ امتنع عن الرجوع، وقال لموسى ﵇ عندما حثه على الرجوع بعد الخمس: (قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه).\rولذا فقد أنكر الداودي هذا الرجوع فقال: \"هذا الرجوع الأخير ليس بثابت، والذي في الروايات أن قال: (استحييت من ربي) \" (¬١).\rوقال قوَّام السنة الأصبهاني: \"الصحيح أنه لم يرجع بعد ذلك\" (¬٢).\r\rالخلاصة:\rأن حديث أنس ﵁ في الإسراء جاء من أربعة طرق:\r١ - طريق قتادة.\r٢ - وطريق ثابت البناني.\r٣ - وطريق الزهري.\r٤ - وطريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر.","footnotes":"(¬١) الفتح (١٣/ ٤٨٦)، وانظر: (١٣/ ٤٨٥)، والحجة في بيان المحجة (١/ ٥٣٦ - ٥٣٧).\r(¬٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٥٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211729,"book_id":118,"shamela_page_id":513,"part":null,"page_num":523,"sequence_num":513,"body":"وقد انتقد أهل العلم طريق شريك، لاشتماله على عدد من الإشكالات والمخالفات، والتي ليست عند غيره ممن روى الحديث عن أنس ﵁.\rوقد تتبع الحافظ ابن حجر هذه الإشكالات، وحاول الإجابة على أغلبها، ثم قال بعد ذلك: \"فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث، لم أرها مجموعة في كلام أحد ممن تقدم، وقد بينت في كل واحد إشكال من استشكله، والجواب عنه إن أمكن\" (¬١).\rويمكن تقسيم هذه الإشكالات -بناءً على ما تقدم- إلى قسمين:\rالقسم الأول: ما لم يتفرد به شريك، أو تفرد به، لكنه ليس بمشكل أصلًا:\rفالأول: كحادثة شق الصدر، حيث وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، والزهري عن أنس عن أبي ذر، وليس في هذه الحادثة ما يُستشكل، وقد أبعد من عدَّها مخالفة.\rوكذا ما جاء في روايته من أن تخفيف الصلوات كان عشرًا عشرًا، حيث وافقه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، وحديثه في الصحيحين، بخلاف رواية الخمس فإنها من أفراد مسلم، وتقدم أن الأظهر ما جاء في رواية قتادة وشريك، والله أعلم.\rوأما الثاني: وهو ما تفرد به شريك، وليس فيه ما يُستشكل: فهو قوله: (فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه ... )، فقوله: (وهو مكانه) ليس فيها ما يُشكل، لأن الضمير فيه عائد إلى النبي ﷺ، وهذا ظاهر.\rالقسم الثاني: ما تفرد به شريك وهو مشكل فعلًا، بحيث لا يمكن القول بموجبه، لأنه خطأ ظاهر، كمخالفته غيرَه في أماكن الأنبياء، ورجوع النبي ﷺ إلى ربه بعد أن استقر الفرض على خمس صلوات لطلب التخفيف، لأن المحفوظ في سائر الروايات أنه امتنع عن الرجوع حياءً من","footnotes":"(¬١) الفتح (١٣/ ٤٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211730,"book_id":118,"shamela_page_id":514,"part":null,"page_num":524,"sequence_num":514,"body":"ربه، وكذا ما ورد في روايته من أن نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمحفوظ أنه في الجنة ...\rوأغلب هذه الإشكالات قد أُجيب عنها، بمحاولة الجمع بينها وبين الروايات الأخرى، إلا أن في بعض هذه الإجابات بُعْدٌ واضح، لا يستقيم مع ظاهر الحديث.\rوهذا يؤكد ما قاله الحافظ ابن حجر -ملخصًا القول في رواية شريك-: \"في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة\" (¬١).\rوقال الألباني: \"القلب لا يطمئن للاستفادة من حديثه، إلا فيما توبع عليه، وهو قليل جدًا، وقد حسَّن الحافظ بعضها، والله أعلم\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) هدي الساري (٤١٠)، وانظر: الفتح (١٣/ ٤٨٥).\r(¬٢) الإسراء والمعراج له (٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211731,"book_id":118,"shamela_page_id":515,"part":null,"page_num":525,"sequence_num":515,"body":"المبحث السادس: لطم موسى ﵇ لملك الموت\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211732,"book_id":118,"shamela_page_id":516,"part":null,"page_num":526,"sequence_num":516,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rجاء هذا الحديث عن أبي هريرة -في الصحيحين- من طريقين:\rالأول: طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه:\rحدثنا أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ: (جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له: أجب ربك، قال: فلطم (¬١) موسى ﵇ عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياةَ تريد، فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن (¬٢) ثور فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه (¬٣)؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، ربِّ أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر) (¬٤)، قال رسول الله ﷺ: (والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق (¬٥) عند الكثيب (¬٦)","footnotes":"(¬١) أي: ضرب وجهه بيده مبسوطة [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٣٢٦، ١٤٦)، والمجموع المغيث (٢/ ٢٨٠)، و (٣/ ١٣٠)، وكشف المشكل (٣/ ٤٤٣)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٣٧)].\r(¬٢) أي: ظهر. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٢٥)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٣٧)، والفتح (٦/ ٤٤٢)].\r(¬٣) أي: ثم ماذا؟ كما في الرواية الثانية [انظر: شرح النووي (١٥/ ١٣٧)، والمفهم (٦/ ٢٢٢)].\r(¬٤) أي: \"أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر\" قاله الحافظ في الفتح (٣/ ٢٠٧).\r(¬٥) أي: طريق بيت المقدس. [انظر: المفهم (٦/ ٢٢٢)].\r(¬٦) هو: ما اجتمع من الرمل وارتفع. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٩٤)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211733,"book_id":118,"shamela_page_id":517,"part":null,"page_num":527,"sequence_num":517,"body":"الأحمر)، متفق عليه (¬١).\rوالثاني: طريق طاوس عن أبي هريرة موقوفًا، ولفظه:\rعن أبي هريرة ﵁ قال: أُرسِل ملك الموت إلى موسى ﵇، فلما جاءه صكَّهُ (¬٢)، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رميةً بحجر. قال: قال رسول الله ﷺ: (فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر)، متفق عليه (¬٣).\r\rبيان وجه الإشكال\rاستشكل هذا الحديث من حيث إن موسى ﵇ قد لطم ملك الموت، إذ كيف يجوز أن يفعل نبي الله هذا الصنيع بملَكٍ من ملائكة الله، جاءه بأمر من أمره، فيستعصي عليه ولا يأتمر له؟ ! ثم كيف يخالف الملَك أمر ربه فيعود إليه دون أن ينفذ أمره بقبض روح موسى ﵇؟ !\rوقد عنون ابن حبان لهذا الحديث بقوله: \"ذكر خبر شَنَّع به على منتحلي سنن المصطفى ﷺ مَن حُرم التوفيق لإدراك معناه\" (¬٤).","footnotes":"= وكشف المشكل (٣/ ٤٤٣)، والفتح (٦/ ٤٤٢)].\r(¬١) البخاري: كتاب: الأنبياء، باب: وفاة موسى وذكره بعدُ (٣/ ١٢٥٠) ح (٣٢٢٦) ذكر سنده بعد الحديث الموقوف، ولم يذكر متنه. ومسلم واللفظ له: كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى ﷺ (١٥/ ١٣٦) ح (٢٣٧٢).\r(¬٢) أي: لطمه كما في الرواية السابقة.\r(¬٣) البخاري في موضعين: في كتاب: الجنائز، باب: من أحب الدفن في الأراضي المقدسة أو نحوها (١/ ٤٤٩) ح (١٢٧٤)، وفي كتاب: الأنبياء، باب: وفاة موسى وذكره بعدُ (٣/ ١٢٥٠) ح (٣٢٢٦).\rومسلم: كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى ﵇ (١٥/ ١٣٦) ح (٢٣٧٢).\r(¬٤) صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٢)، وانظر: أعلام الحديث (١/ ٦٩٦)، والمعلم (٣/ ١٣٢)، وكشف المشكل (٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، والمفهم (٦/ ٢٢٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211734,"book_id":118,"shamela_page_id":518,"part":null,"page_num":528,"sequence_num":518,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال:\rالقول الأول: أن ملك الموت قد أتى موسى ﵇ في صورة بشرية، ولم يعرفه موسى ﵇، فلطمه، لأنه رآه آدميًا قد دخل داره بغير إذنه يريد نفسه، فدافع موسى ﵇ عن نفسه مدافعة أدَّت إلى فقء عين ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه.\rوقالوا: إن مجيء الملك على صورة البشر، وعدم معرفة موسى له: له نظائر، فقد جاءت الملائكة إلى غير واحد من الأنبياء على صورة البشر، دون أن يعرفوا أنهم ملائكة، كما جاءت إلى إبراهيم وإلى لوط وإلى نبينا محمد عليهم الصلاة والسلام.\rوإلى هذا ذهب ابن خزيمة (¬١)، وابن حبان، والخطابي (¬٢)، والبغوي (¬٣)، والمازري (¬٤)، والقاضي عياض (¬٥)، وابن الجوزي (¬٦)، وابن","footnotes":"(¬١) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٢٢)، وإكمال المعلم (٧/ ٣٥٣)، والمفهم (٦/ ٢٢١)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٣٨)، وفتح الباري (٦/ ٤٤٢).\r(¬٢) انظر: أعلام الحديث (١/ ٦٩٨ - ٧٠٠)، وقد نقل كلامه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٤٥٠ - ٤٥٢)، ولم ينقل غيره، ومثله البغوي في شرح السنة (١٠/ ٢٦٦ - ٢٦٨).\r(¬٣) انظر: شرح السنة (١٠/ ٢٦٦ - ٢٦٨).\r(¬٤) انظر: المعلم (٣/ ١٣٣).\r(¬٥) انظر: إكمال المعلم (٧/ ٣٥٣).\r(¬٦) انظر: كشف المشكل (٣/ ٤٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211735,"book_id":118,"shamela_page_id":519,"part":null,"page_num":529,"sequence_num":519,"body":"كثير (¬١)، وابن الوزير (¬٢)، والقسطلاني (¬٣)، والمعلمي (¬٤)، واستحسنه القرطبي (¬٥).\rقال ابن حبان: \"كان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا، فرأى في داره رجلًا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله عليها ... ولمَّا كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل دارَه بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره، من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الجمة الواردة فيه ... كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمَّن فقأ عين الداخل دارَه بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيًا بأمر آخر، أمر اختبار وابتلاء ... فلما علم موسى كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت، وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، وقال: الآن.\rفلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به\" (¬٦).","footnotes":"(¬١) انظر: البداية والنهاية (١/ ٢٩٦).\r(¬٢) انظر: العواصم والقواصم (٨/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، والروض الباسم (٢/ ٤٧٧).\r(¬٣) انظر: إرشاد الساري (٣/ ٤٢٥)، والقسطلاني هو: الإمام أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلاني الأصل المصري الشافعي، ولد ونشأ بمصر كان من علماء الحديث، توفي ﵀ سنة (٩٢٣ هـ) له عدة مؤلفات من أشهرها وأهمها: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. [انظر: شذرات الذهب (٨/ ١٢١)، والبدر الطالع (١/ ١٠٢)، والأعلام (١/ ٢٣٢)]\r(¬٤) انظر: الأنوار الكاشفة (٢١٩ - ٢٢٠).\r(¬٥) انظر: المفهم (٧/ ٢٢١).\r(¬٦) صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٥ - ١١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211736,"book_id":118,"shamela_page_id":520,"part":null,"page_num":530,"sequence_num":520,"body":"وقال المازري: فإن قيل: \"فقد رجع إليه ثانية واستسلم موسى إليه، فدلَّ على معرفته به، قلنا: قد يكون أتاه في الثانية بآية وعلامة علم بها أنه ملك الموت، وأنه من قِبَل الله ﷿، فاستسلم لأمر الله، ولم يأته أولًا بآية يعرفه بها، فكان منه ما كان\" (¬١).\rالقول الثاني: أن ملك الموت قد تصوَّر لموسى ﵇ بصورة بشر -وهي صورة تمثيل وتخييل- وقد لطمه موسى وأذهب عينه التي هي تمثيل وتخييل، لا حقيقة، ثم أعاده الله إلى خلقته الحقيقية، وهذا معنى قوله: (فرد الله عليه عينه).\rوإلى هذا ذهب ابن قتيبة وغيره (¬٢).\rقال ابن قتيبة: \"قد جعل الله سبحانه للملائكة من الاستطاعة أن تتمثل في صور مختلفة، وأتى رسولَ الله ﷺ جبريلُ ﵇ في صورة دحية الكلبي، وفي صورة أعرابي، ورآه مرة قد سد بجناحيه ما بين الأفقين.: وليس ما تنتقل إليه من هذه الأمثلة على الحقائق، إنما هي تمثيل وتخييل، لتلحقها بالأبصار، وحقائق خلقها أنها أرواح لطيفة ...\rولما مَثَلَ ملك الموت لموسى ﵇ -وهذا ملك الله، وهذا نبي الله- وجاذبه، لطمه موسى لطمةً أذهبت العين التي هي تمثيل وتخييل، وليست حقيقة، وعاد ملك الموت ﵇ إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان، لم ينتقص منه شيء\" (¬٣).\rالقول الثالث: أن موسى ﵇ قد أُذن له بهذا الفعل -اللطمة- ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت.","footnotes":"(¬١) المعلم (٣/ ١٣٣).\r(¬٢) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (٣٣٤)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، والمعلم (٣/ ١٣٢)، والمجموع المغيث (٢/ ٦٢٩)، والمفهم (٦/ ٢٢١).\r(¬٣) تأويل مختلف الحديث (٢٥٧ - ٢٥٨)، وانظر: الفتح (٦/ ٤٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211737,"book_id":118,"shamela_page_id":521,"part":null,"page_num":531,"sequence_num":521,"body":"جوَّز هذا ابن فورك (¬١)، وابن عقيل (¬٢)، والنووي (¬٣)، واستحسنه المازري (¬٤).\rقال ابن عقيل: \"يجوز أن يكون قد أُذن له في ذلك الفعل، وابتلي ملك الموت بالصبر عليه، كقصة الخضر مع موسى\" (¬٥)، حيث أُمر بالصبر على ما يصنع الخضر.\rالقول الرابع: أن هذا على طريق التوسع والتجوّز في الكلام، والمراد به: أن موسى ﵇ ناظره فغلبه في الحجة، فقوله: (فقأ عينه) أي: أبطل حجته.\rذكر هذا ابن فورك ومال إليه (¬٦).\rالقول الخامس: أن موسى لطم ملك الموت وهو يعرفه، وفعل ذلك لأن ملك الموت جاء لقبض روحه من قبل أن يخيره، وكان من علم موسى أن الأنبياء لا تُقبض حتى تُخيَّر.\rوإلى هذا ذهب القرطبي، حيث قال: \"قد أظهر لي ذو الطَوْل","footnotes":"(¬١) انظر: مشكل الحديث (٤٣٤).\r(¬٢) هو العلامة البحر شيخ الحنابلة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي المتكلم، صاحب التصانيف، كان يتوقد ذكاءً, وكان صاحب معارف وفضائل، إلا أنه انحرف عن السنة ووافق المعتزلة في عدة بدع، من أشهر مصنفاته: كتاب الفنون، توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة (٥١٣). [انظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٤٨٢)، والسير (١٩/ ٤٤٣)، والعبر (٢/ ٤٠٠)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٥)].\r(¬٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٤٢).\r(¬٤) انظر: المعلم (٣/ ١٣٣).\r(¬٥) نقل ذلك عنه ابن الجوزي في كشف المشكل (٣/ ٤٤٤)، وابن حجر في فتح الباري (٦/ ٤٤٣)، وانظر: المفهم (٦/ ٢٢١).\r(¬٦) انظر: مشكل الحديث (٤٣٤)، والمعلم (٣/ ١٣٢ - ١٣٣)، والمفهم (٦/ ٢٢١)، والفتح (٦/ ٤٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211738,"book_id":118,"shamela_page_id":522,"part":null,"page_num":532,"sequence_num":522,"body":"والإفضال وجهًا حسنًا يحسم مادة الإشكال، وهو أن موسى عرف ملك الموت، وأنه جاء لقبض روحه، لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نصَّ عليه نبينا ﷺ من أن الله تعالى (لا يقبض روح نبيٍّ حتى يخيره) (¬١)، فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم به، بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت، فلطمه فانفقأت عينه، امتحانًا لملك الموت، إذ لم يُصرِّح له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا: أنه لما رجع إليه ملك الموت، فخيَّره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) متفق عليه من حديث عائشة: البخاري (٤/ ١٦١٢ - ١٦١٣) ح (٤١٧١، ٤١٧٢)، ومسلم (١٥/ ٢١٧ - ٢١٨) ح (٢٤٤٤).\r(¬٢) المفهم (٦/ ٢٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211739,"book_id":118,"shamela_page_id":523,"part":null,"page_num":533,"sequence_num":523,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يجب في مثل هذه النصوص الصحيحة: الإيمان بها كما جاءت، وعدم ردها أو تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها، لمجرد استشكالها، فمن ظهر له المعنى فذاك، وإلا فليتهم عقله وفهمه.\rوقد سُئل أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه عن هذا الحديث في جملة من أحاديث الصفات فقال أحمد: \"كل هذا صحيح\" وقال إسحاق: \"هذا صحيح ولا يدفعه إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي\" (¬١).\rوقال الحافظ عبد الغني المقدسي (¬٢): \"ونؤمن بأن ملك الموت أُرسل إلى موسى ﵇ فصكَّه ففقأ عينه، كما صح عن رسول الله ﷺ، لا ينكره إلا ضال مبتدع، راد على الله ورسوله\" (¬٣).\rوأقرب الأقوال مما تقدم -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، وهو: أن موسى حينما لطم ملك الموت ففقأ عينه، لم يكن يعرف أنه ملك","footnotes":"(¬١) رواه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٢٧) ح (٦٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٤٧ - ١٤٨).\r(¬٢) هو تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي، إمام عالم حافظ صادق عابد أثري متبع، وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، له مصنفات عديدة منها: الاقتصاد في الاعتقاد، وذم الرياء، وفضائل الحج، توفي سنة ستمائة (٦٠٠). [انظر: السير (٢١/ ٤٤٣)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٤٥)].\r(¬٣) عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (٩٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211740,"book_id":118,"shamela_page_id":524,"part":null,"page_num":534,"sequence_num":524,"body":"الموت، وإنما ظنه شخصًا معتديًا، وقد دخل داره بغير إذنه \"وقد عُرف من خُلق موسى وخَلقه: الشدة، والأخذ بالأقوى، فقد دفع القبطي عن الإسرائيلي، فوكزه فقضى عليه، ولما رأى عبادة قومه للعجل في غيابه أخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه، وأخوه يسترحمه بقوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]، وألقى الألواح حتى انكسرت\" (¬١)، وهكذا هنا حينما لطم وجه ملك الموت لظنه شخصًا معتديًا، ولما عرف في المرة الثانية أنه ملك الموت، سلَّم الأمر لله، وطلب قربه من الأرض المقدسة.\rومما يؤيد هذا ما يلي:\r١ - سياق الحديث، فإنه يدل على أن موسى ﵇ حين لطم ملك الموت لم يكن يعرفه، وذلك أنه لما جاءه في المرة الثانية وعرف أنه رسول من عند الله لم يصنع به ما صنع في المرة الأولى، بل سلَّم الأمر واختار الموت، ولو كان قد عرفه في المرة الأولى لصنع به في المرة الثانية ما صنع في الأولى.\rولهذا يقول ابن حبان: \"لو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به\" (¬٢).\r٢ - وأما كون الملائكة يتمثلون بصور مختلفة، مما أقدرهم الله عليها، كصور الرجال مثلًا، فيراهم بعض الأنبياء فلا يعرفونهم، بل يظنونهم من بني آدم: هذا مما ثبت في الكتاب والسنة، كما في قصة إبراهيم ﵇ مع أضيافه، فإنه لم يعرفهم ابتداءً، حتى إنه أوجس منهم خيفة.\rومثله لوط ﵇، فإنه لو عرف الملائكة حين أتوه في صورة آدميين لما خاف عليهم من قومه.","footnotes":"(¬١) مقتبس من كتاب ظلمات أبي رية (٢٢٠ - ٢٢١)، وانظر: أعلام الحديث (١/ ٦٩٨).\r(¬٢) صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211741,"book_id":118,"shamela_page_id":525,"part":null,"page_num":535,"sequence_num":525,"body":"وقد قال تعالى عن مريم: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [مريم: ١٧، ١٨].\rوفي السنة ما يدل على هذا أيضًا، كما في حديث جبريل المشهور حين أتى إلى النبي ﷺ في صورة رجل، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان (¬١)، فإن النبي ﷺ لم يعرفه في أول الأمر.\r٣ - أنه قد جاء في شريعتنا جواز فقء عين الناظر دارًا بغير إذن صاحبها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه) (¬٢)، فما المانع أن يكون ذلك كذلك في شريعة موسى ﵇ فمن المعلوم أن الشرائع تتفق في بعض الأحكام (¬٣) - لا سيما وأن موسى ﵇ لم يُلَم على هذا الفعل، مع أن الأنبياء لا يُقَرُّون على خطأ (¬٤)، وقد ردَّ الله تعالى لملك الموت عينه؟ .\rقال ابن حجر: \"وقيل: على ظاهره، ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية، ليرجع إلى موسى على كمال الصورة فيكون ذلك أقوى في اعتباره، وهذا هو المعتمد\" (¬٥).\rوقال الخطابي -مقررًا هذا القول-: \"لما دنا حينُ وفاته -وهو بشر يكره الموت طبعًا ويجد ألمه حسًا- لطُفَ له -أي الله- بأن لم يفاجئه","footnotes":"(¬١) متفق عليه من حديث أبي هريرة: البخاري (١/ ٢٧) ح (٥٠)، ومسلم (١/ ٢٧٥) ح (٩)، وأخرجه مسلم أيضا من حديث عمر بن الخطاب ﵁ (١/ ٢٦٨) ح (٨).\r(¬٢) صحيح مسلم (١٤/ ٣٨٦) ح (٢١٥٨)، وانظر: صحيح البخاري (٦/ ٢٥٣٠ - ٢٥٣١).\r(¬٣) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٥)، وأعلام الحديث (١/ ٦٩٩)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٢٣)، وشرح السنة (٥/ ٢٦٧).\r(¬٤) انظر: ص (٤٢١) من هذا البحث.\r(¬٥) الفتح (٦/ ٤٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211742,"book_id":118,"shamela_page_id":526,"part":null,"page_num":536,"sequence_num":526,"body":"بغتة، ولم يَأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرًا وقسرًا، لكن أرسله إليه منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر ... فلما نظر نبي الله موسى ﵇ إلى صورة بشرية هجمت عليه من غير إذن، يريد نفسه ويقصد هلاكه، وهو لا يُثبته معرفةً، ولا يستيقن أنه ملك الموت ورسول رب العالمين فيما يُراوده منه، عَمَدَ إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه، فكان ذلك ذهاب عينه، وقد امتُحن غير واحد من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخول الملائكة عليهم في صورة البشر، كدخول الملكين على داود في صورة الخصمين لما أراد الله ﷿ من تعريفه إياه بذنبه، وتنبيهه على ما لم يرضه من فعله، وكدخولهم على إبراهيم ﵇ حين أرادوا إهلاك قوم لوط فقال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]، وكان نبينا ﷺ أول ما بُدئ بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره، ولما جاءه جبريل ﵇ في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يُثْبتْه، فلما انصرف عنه تبيَّن أمره فقال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم) (¬١)، فكذلك كان أمر موسى ﵇ فيما جرى من مُناوشته ملك الموت، وهو يراه بشرًا، فلما عاد الملك إلى ربه ﷿ مستثْبتًا أمره فيما جرى عليه، ردَّ الله ﷿ عليه عينه، وأعاده رسولًا إليه بالقول المذكور في الخبر، ليعلم نبي الله ﷺ إذا رأى صحة عينه المفقوءة وعودة بصره الذاهب أنه رسول الله بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره وطاب نفسًا بقضائه، وكل ذلك رفق من الله ﷿ به، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بدٌّ من لقائه والانقياد لمورد قضائه\" (¬٢).\rفإن قيل: إذا كان أجل موسى ﵇ قد حضر، فكيف تأخر مدة هذه المراجعة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا","footnotes":"(¬١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وقد تقدم تخريجه ص (٥٣٥).\r(¬٢) أعلام الحديث (١/ ٦٩٨ - ٧٠٠) بتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211743,"book_id":118,"shamela_page_id":527,"part":null,"page_num":537,"sequence_num":527,"body":"يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؟ وإن كان لم يحضر، فكيف جاء الملك لقبض روحه؟ (¬١).\rفالجواب: أن أجل موسى لم يكن قد حضر، فلم يُبعث إليه ملك الموت في المرة الأولى لكي يقبض روحه، وإنما بُعث إليه اختبارًا وابتلاءً، وليس أمرًا يريد الله ﷿ إمضاءه، وإنما هو كأمره خليله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ابتلاءً وامتحانًا، فإنه ﷿ لم يُرد إمضاء الفعل، ولهذا لما عزم إبراهيم ﵇ على ذبح ابنه، وتلَّه للجبين، فداه الله بالذبح العظيم.\rولو أراد الله تعالى قبض روح موسى حين لطم ملك الموت لكان ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].\rوبهذا أجاب ابن خزيمة (¬٢) وابن حبان (¬٣) والخطابي (¬٤) والبغوي (¬٥) وابن الجوزي (¬٦) واستحسنه العراقي (¬٧).\rوخلاصة الجواب: أن أجل موسى قد كان قرب حضوره، ولم يبق منه إلا مقدار ما دار بينه وبين ملك الموت من المراجعتين، فأُمر بقبض روحه أولًا، مع سبق علم الله أن ذلك لا يقع إلا بعد المراجعة، والله أعلم (¬٨).","footnotes":"(¬١) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٢٢)، وطرح التثريب (٣/ ٣٠٠).\r(¬٢) انظر: طرح التثريب (٣/ ٣٠١)، والفتح (٦/ ٤٤٢).\r(¬٣) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ١١٤).\r(¬٤) انظر: أعلام الحديث (١/ ٦٩٨).\r(¬٥) انظر: شرح السنة (٥/ ٢٦٧).\r(¬٦) انظر: كشف المشكل (٣/ ٤٤٥).\r(¬٧) انظر: طرح التثريب (٣/ ٣٠١).\r(¬٨) انظر: فتح الباري (٦/ ٤٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211744,"book_id":118,"shamela_page_id":528,"part":null,"page_num":538,"sequence_num":528,"body":"مناقشة الأقوال المرجوحة:\rأما القول الثاني وهو: أن العين التي فقأها موسى ﵇، إنما هي تمثيل وتخييل، لا عينًا حقيقة، لأن ما تنتقل الملائكة إليه من الصور ليس على الحقائق، وإنما هو تمثيل وتخييل، فالجواب عنه: أن هذا يقتضي أن كل صورة رآها الأنبياء من الملائكة فإنما هي مجرد تمثيل وتخييل لا حقيقة لها، وهذا باطل، فإن النبي ﷺ قد رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها، سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض، ففي الصحيحين من حديث عائشة، أنها سألته عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣]، فقال: (إنما هو جبريل لم أرَه على صورته التي خُلِق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض) (¬١).\rولهذا قال القرطبي: هذا القول لا يُلتفت إليه لظهور فساده، فإنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة والأدلة المعقولة (¬٢).\rثم إن هذا القول -أيضًا- لم يُزل الإشكال، لأنه يمكن أن يُقال: إذا كان قد علم أنه ملك، وأن ذلك تخييل، فلماذا يلطمه، ويقابله بهذه المقابلة؟ ! هذا مما لا يليق بالنبي (¬٣).\rوأما القول الثالث وهو: أن موسى قد أُذن له بهذا الفعل، ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت، فالجواب عنه، أن يُقال: إن كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني القدري، فهو صحيح، لكن ليس هذا جوابًا، لأن كل شيء يقع فهو بإذن الله تعالى الكوني القدري.","footnotes":"(¬١) البخاري (٤/ ١٨٤٠) ح (٤٥٧٤)، ومسلم واللفظ له (٣/ ١٠) ح (١٧٧).\r(¬٢) انظر: المفهم (٦/ ٢٢١).\r(¬٣) انظر: المعلم (٣/ ١٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211745,"book_id":118,"shamela_page_id":529,"part":null,"page_num":539,"sequence_num":529,"body":"وإن كان المراد: الإذن الشرعي -وهو الأقرب- فهو محتمل لكنه يحتاج إلى دليل، والله أعلم.\rوقد قال القرطبي عن هذا القول: \"هذا ليس بجواب، فإنه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز وقوع مثل هذا؟ \" (¬١).\rوأما القول الرابع وهو: أن المراد بالحديث: أن موسى ﵇ ناظر ملك الموت فغلبه بالحجة، فقول باطل، لأنه مخالف لظاهر الحديث وما يقتضيه سياقه.\rقال قِوَام السنة الأصبهاني: \"هذا الحديث: حكم أهل الحفظ بصحته، وحمله أهل السنة على ظاهره، وأن ذلك الفعل كان من موسى ﵇، على الحقيقة\"، إلى أن قال: \"وقول من قال: معنى اللطمة: إلزام الحجة، غلط، لأن في الخبر أنه عرج إلى ربه فرد عليه عينه، ولا يكون هذا إلا في عين حقيقة، لأن التي ليست بحقيقة لا تحتاج إلى ردها.\rوقوله: اللطمة: إلزام الحجة: لو كانت اللطمة إلزام الحجة لم يعد إلى قبض روحه، لأن الحجة قد لزمته في ترك قبض روحه\" (¬٢).\rوقال ابن حجر عن هذا القول: \"هو مردود بقوله في نفس الحديث: (فرد الله عينه)، وبقوله: (لطمه) و (صكه) وغير ذلك من قرائن السياق\" (¬٣).\rوأما القول الخامس وهو: أن موسى قد لطم ملك الموت وهو يعرفه، لأنه لم يُخيِّره، ففيه نظر من وجهين:\rالأول: أنه من المستبعد جدًا أن يصدر هذا الفعل من كليم الرحمن","footnotes":"(¬١) المفهم (٦/ ٢٢١).\r(¬٢) الحجة (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، وانظر: المعلم (٣/ ١٣٣)، والمفهم (٦/ ٢٢١).\r(¬٣) الفتح (٦/ ٤٤٢ - ٤٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211746,"book_id":118,"shamela_page_id":530,"part":null,"page_num":540,"sequence_num":530,"body":"تجاه ملك الموت -الذي هو رسول رب العالمين- وهو يعرفه، فإن هذا مما يُنزه عنه الأنبياء.\rالثاني: أن هذا الجواب ليس فيه حسم لمادة الإشكال، لأن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، فلماذا خالف ملك الموت أمر الله هنا، فلم يُخيِّر موسى ﵇؟ ! .\rولهذا قال ابن حجر عن هذا الجواب: \"فيه نظر، لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لِمَ أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط؟ ! \" (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) الفتح (٦/ ٤٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211747,"book_id":118,"shamela_page_id":531,"part":null,"page_num":541,"sequence_num":531,"body":"المبحث السابع: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي) مع قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش. . .)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211748,"book_id":118,"shamela_page_id":532,"part":null,"page_num":542,"sequence_num":532,"body":"المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال\rعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة (¬١))، رواه البخاري (¬٢).\rوفي رواية قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: (اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة)، متفق عليه (¬٣).\rولفظ مسلم: قال أبو ذر: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدَّع الأطراف (¬٤).\rوعن أم الحصين ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)، رواه مسلم (¬٥).","footnotes":"(¬١) واحدة الزبيب المعروف، الكائن من العنب إذا جف، قيل شبهه بذلك: لصغر رأسه، وذلك معروف في الحبشة، وقيل: لسواده، وقيل: لقصر شعر رأسه وتفلفله. [انظر: الفتح (١٣/ ١٢٢)، و (٢/ ١٨٧)].\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٦/ ٢٦٢١) ح (٦٧٢٣)، وأخرجه أيضًا في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: إمامة العبد والمولى (١/ ٢٤٦) ح (٦٦١).\r(¬٣) البخاري: كتاب الجماعة والإمامة، باب: إمامة المفتون والمبتدع (١/ ٢٤٧) ح (٦٦٤)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء من غير معصية (١٢/ ٤٦٧) ح (١٨٣٧).\r(¬٤) \"يعني: مقطوعها، والمراد: أخس العبيد، أي: اسمع وأطع وإن كان دنيء النسب، حتى لو كان عبدًا أسود مقطوع الأطراف\" [شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٦٧)، وانظر: المفهم (٤/ ٣٧)].\r(¬٥) صحيح مسلم: كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء من غير معصية =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211749,"book_id":118,"shamela_page_id":533,"part":null,"page_num":543,"sequence_num":533,"body":"وفي رواية له: (إن أُمِّر عليكم عبد ... ).\rوعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (لا يزال هذا الأمر في قريش (¬١) ما بقي منهم اثنان (¬٢))، متفق عليه (¬٣).\rوعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن: مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم (¬٤)) متفق عليه (¬٥).\rوعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (الناس تبع لقريش في الخير والشر)، رواه مسلم (¬٦).\rوحدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنه سيكون ملك من","footnotes":"= (١٢/ ٤٦٥) ح (١٨٣٨).\r(¬١) قال ابن حجر: \"الحديث وإن كان بلفظ الخبر، فهو بمعنى الأمر، كأنه قال: ائتموا بقريش خاصة، وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك\" [الفتح (١٣/ ١١٨)، وانظر: (٦/ ٥٣٦)، والمفهم (٤/ ٦)].\r(¬٢) قال ابن حجر في الفتح (١٣/ ١١٧): \"ليس المراد حقيقة العدد، وإنما المراد به: انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش\"، وانظر: إرشاد الساري (١٥/ ٩٠).\r(¬٣) البخاري في موضعين: في كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش (٣/ ١٢٩٠) ح (٣٣١٠)، وفي كتاب: الأحكام، باب: الأمراء من قريش (٦/ ٢٦١٢) ح (٦٧٢١)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب: الناس تبع لقريش (١٢/ ٤٤٢) ح (١٨٢٠).\r(¬٤) قال ابن حجر: \"وقع مصداق ذلك، لأن العرب كانت تعظِّم قريشًا في الجاهلية بسكناها الحرم، فلما بُعث النبي ﷺ ودعا إلى الله توقف غالب العرب عن اتباعه، وقالوا: ننظر ما يصنع قومه، فلما فتح النبي ﷺ مكة، وأسلمت قريش، تبعتهم العرب ودخلوا في دين الله أفواجًا، واستمرت خلافة النبوة في قريش، فصدق أن كافرهم كان تبعًا لكافرهم، وصار مسلمهم تبعًا لمسلمهم\" [الفتح (٦/ ٥٣٠)، وانظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٧٨)، والإفصاح (٦/ ٣١١)، وإكمال المعلم (٦/ ٢١٥)، والمفهم (٤/ ٥ - ٦)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٤٣)].\r(¬٥) البخاري: كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣/ ١٢٨٨) ح (٣٣٠٥)، ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: الناس تبع لقريش (١٢/ ٤٤١).\r(¬٦) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: الناس تبع لقريش (١٢/ ٤٤٢) ح (١٨١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211750,"book_id":118,"shamela_page_id":534,"part":null,"page_num":544,"sequence_num":534,"body":"قحطان، فغضب معاوية ﵁، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أن رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله ﷺ، فأولئك جُهَّالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها (¬١)، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين)، رواه البخاري (¬٢).\r\rبيان وجه الإشكال\rدلت الأحاديث المتقدمة، المتعلقة بقريش على وجوب تقديمهم في الإمامة العظمى، وأن القرشية شرط فيها، وهو ما أجمع عليه الصحابة والتابعون، وأطبق عليه جماهير علماء المسلمين، ولم يخالف فيه إلا بعض أهل البدع من المتكلمين وغيرهم (¬٣).\rوقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، كابن بطال (¬٤)، والماوردي (¬٥)،","footnotes":"(¬١) قال الشنقيطي: \"اعلم أن قول عبد الله بن عمرو بن العاص -الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور-: إنه سيكون ملك من قحطان، إذا كان عبد الله بن عمرو ﵄ يعني به: القحطاني الذي صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره، لثبوت أمره في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) \". [أضواء البيان (١/ ٥٤)، وانظر: فتح الباري (١١٥)، وإرشاد الساري (١٥/ ٨٩)] والحديث الذي أشار إليه متفق عليه: البخاري (٣/ ١٢٩٦) ح (٣٣٢٩)، ومسلم (١٨/ ٢٥٢) ح (٢٩١٠)، ولعل إنكار معاوية لعدم علمه بحديث أبي هريرة، والله أعلم.\r(¬٢) صحيح البخاري: كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش (٣/ ١٢٨٩) ح (٣٣٠٩)، وأخرجه أيضًا في كتاب: الأحكام، باب: الأمراء من قريش (٦/ ٢٦١١) ح (٦٧٢٠).\r(¬٣) انظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٥١)، والفصل (٣/ ٦)، وأعلام الحديث (٥/ ٢٣٣٥)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٢١٠)، وإكمال المعلم (٦/ ٢١٤)، والمفهم (٤/ ٦)، والفتح (١٣/ ١١٨).\r(¬٤) انظر: شرح صحيح البخاري (٨/ ٢١١).\r(¬٥) انظر: الأحكام السلطانية (٦٢). والماوردي هو: العلامة أبو الحسن علي بن =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211751,"book_id":118,"shamela_page_id":535,"part":null,"page_num":545,"sequence_num":535,"body":"وابن العربي (¬١)، والقاضي عياض، والقرطبي (¬٢)، والنووي، والشنقيطي (¬٣)، وغيرهم (¬٤).\rقال القاضي عياض تعليقًا على الأحاديث المتعلقة بإمامة قريش: \"هذه الأحاديث -وما في معناها في هذا الباب- حجة أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتج أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعها أحد عنه، وقد عدها الناس في مسائل الإجماع، إذ لم يؤثر عن أحد من السلف فيها خلاف\" (¬٥).\rوقال النووي: \"هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر: أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة\" (¬٦).\rوهذا الأمر، وهو اشتراط القرشية في الإمامة العظمى، مشروط بإقامتهم للدين، واستقامتهم على أمر الله وأمر رسوله ﷺ، فإن خالفوا ذلك فغيرهم ممن يطيع الله تعالى، وينفذ أوامره أولى، وعلى هذا دلت النصوص","footnotes":"= محمد بن حبيب البصري المعروف بالماوردي، فقيه شافعي، كان من وجوه الفقهاء الشافعية وكبرائهم له عدة مصنفات في أصول الفقه وفروعه وغير ذلك، وجعل إليه ولاية القضاء ببلدان كثيرة، توفي ﵀ ببغداد سنة (٤٥٠ هـ) له مصنفات أشهرها: كتاب الحاوي في فقه الشافعية، والأحكام السلطانية. [انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ١٠١)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢٤٧)، والسير (١٨/ ٦٤)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٥)].\r(¬١) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ٥٣).\r(¬٢) انظر: المفهم (٤/ ٦).\r(¬٣) انظر: أضواء البيان (١/ ٥٢).\r(¬٤) انظر: الفصل (٣/ ٦)، والفتح (١٣/ ١١٩).\r(¬٥) إكمال المعلم (٦/ ٢١٤).\r(¬٦) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٤١ - ٤٤٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211752,"book_id":118,"shamela_page_id":536,"part":null,"page_num":546,"sequence_num":536,"body":"الشرعية، كما في حديث معاوية المتقدم: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين).\rقال الشنقيطي عند هذا الحديث: \"لفظة (ما) فيه: مصدرية ظرفية مُقَيِّدَةٌ لقوله: (إن هذا الأمر في قريش)، وتقرير المعنى: إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه: أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم، وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث\" (¬١).\rكما أن مما أجمع عليه أهل العلم، ولم يختلفوا فيه: أن الإمام لا بد أن يكون حُرًّا، فلا يجوز أن يكون عبدًا، لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلا بإذن سيده، فلا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره (¬٢).\rوفد نقل ابن بطال عن المهلب (¬٣) قوله: \"أجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن تكون الإمامة في العبيد\" (¬٤).\rإذا تبيَّن هذا فما الجواب عن قوله ﷺ: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) وغيره من الأحاديث مما في معناه، حيث إنها قد يُفهم منها جواز إمامة غير القرشي حتى ولو كان عبدًا؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية، إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (١/ ٥٣)، وانظر: الفتح (١٣/ ١١٦ - ١١٧)، وإرشاد الساري للقسطلاني (١٥/ ٨٨)، و (٨/ ١٠ - ١١)، والسياسة الشرعية لابن تيمية (٢١ - ٢٢).\r(¬٢) انظر: المفهم (٤/ ٣٧)، وإرشاد الساري للقسطلاني (١٥/ ٩٢)، وأضواء البيان (١/ ٥٥).\r(¬٣) هو الإمام المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي الأندلسي، كان أحد الأئمة الفصحاء الموصوفين بالذكاء، ولي قضاء المَريَّة، توفي ﵀ سنة (٤٣٥ هـ) له من المصنفات: شرح صحيح البخاري. [انظر: السير (١٧/ ٥٧٩)، والعبر (٢/ ٢٧٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٥٥)].\r(¬٤) شرح صحيح البخاري (٨/ ٢١٥)، وانظر: الفتح (١٣/ ١٢٢)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211753,"book_id":118,"shamela_page_id":537,"part":null,"page_num":547,"sequence_num":537,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال\rلم يختلف أهل العلم -كما تقدم- في وجوب تقديم القرشي في الإمامة العظمى، كما هو مقتضى الأحاديث المتقدمة، وذلك بالشرط المذكور في الحديث، وهو: إقامة الدين، وحينئذٍ ينحصر الخلاف في توجيه الأحاديث التي قد يفهم منها جواز إمامة العبد، وقد اختلف أهل العلم في توجيهها على عدة أقوال:\rالقول الأول: أن المراد بها: أن الإمام الأعظم إذا استَعْمَل العبدَ على إمارة بلد مثلًا، وجبت طاعته، وليس فيها أن العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم.\rوإلى هذا ذهب الخطابي والمهلب وابن الجوزي واختاره ابن رجب (¬١) والشنقيطي (¬٢).\rقال الخطابي عند حديث: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة): \"هذا فى الأمراء والعمال، دون الخلفاء والأئمة، فإن الحبشة لا تُولى الخلافة، ولا يستخلف إلا قرشي، لما جاء من الحديث فيه\" (¬٣).\rوقال المهلب: \"قوله ﵇: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي) لا يوجب أن يكون المستعمِل للعبد إلا إمام قرشي، لما تقدم","footnotes":"(¬١) انظر: فتح الباري (٦/ ١٧٩)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ١١٩).\r(¬٢) انظر: أضواء البيان (١/ ٥٦).\r(¬٣) أعلام الحديث (٤/ ٢٣٣٤)، وانظر: معالم السنن (٤/ ٢٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211754,"book_id":118,"shamela_page_id":538,"part":null,"page_num":548,"sequence_num":538,"body":"أنه لا تجوز الإمامة إلا في قريش\" (¬١).\rوقال ابن الجوزي عند الحديث المتقدم: \"اعلم أن هذا إنما هو في العمال والأمراء دون الأئمة والخلفاء، فإن الخلافة لقريش، لا مدخل فيها للحبشة، لقوله ﵇: (لا يزال هذا الأمر فى قريش)، وإنما للأئمة تولية من يرون، فتجب طاعة ولاتهم\" (¬٢).\rالقول الثانى: أن هذا من باب ضرب المثل، للمبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يُتصور شرعًا أن يلى العبد ذلك، وقد يُضرب المثل بما لا يقع في الوجود، كقوله ﷺ: (من بنى لله مسجدًا، ولو كمَفْحَص (¬٣) قطاة، بنى الله له بيتًا في الجنة) (¬٤)، فإن قدر مفحص القطاة لا يصلح لمسجد.\rذكر هذا الخطابي (¬٥)، وابن رجب (¬٦)، وغيرهما (¬٧)، واختاره القرطبي (¬٨).\rقال الشنقيطي: \"ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ","footnotes":"(¬١) نقل ذلك عنه ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٨/ ٢١٥)، وانظر: الفتح (١٣/ ١٢٢).\r(¬٢) كشف المشكل (٣/ ٢٩٢)، وانظر: الفتح (٢/ ١٨٧).\r(¬٣) أي: موضعها الذي تجثم وتبيض فيه، وسمي مَفْحَصًا، لأنها لا تجثم حتى تفحص عنه التراب، وتصير إلى موضع مستوٍ، والفحص: الطلب والبحث. [انظر: المجموع المغيث (٢/ ٥٩٨)، والنهاية (٣/ ٤١٥)].\r(¬٤) أخرجه من حديث أبي ذر ﵁: ابن حبان في صحيحه (٤/ ٤٩٠، ٤٩١) ح (١٦١٠، ١٦١١)، وأبو داود الطيالسي في مسنده، موقوفًا (١/ ٣٦٩) ح (٤٦٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ٤٥٤) ح (٤٤٢).\r(¬٥) انظر: معالم السنن (٤/ ٢٧٨).\r(¬٦) انظر: فتح الباري (٦/ ١٧٩)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٠).\r(¬٧) انظر: الفتح (١٣/ ١٢٢)، وإرشاد الساري (١٥/ ٩٢)، وأضواء البيان (١/ ٥٦).\r(¬٨) انظر: المفهم (٤/ ٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211755,"book_id":118,"shamela_page_id":539,"part":null,"page_num":549,"sequence_num":539,"body":"فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] على أحد التفسيرات\" (¬١).\rالقول الثالث: أن المراد بذلك العبد المتغلِّب لا المختار، فإنه في هذه الحالة تجب طاعته بالمعروف، وإن كان عبدًا حبشيًا، درءًا للفتنة (¬٢).\rالقول الرابع: أن إطلاق لفظ العبد في الأحاديث المتقدمة، نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا، مع أنه وقت التولية حر، ونظيره: إطلاق لفظ اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (¬٣).\rوهذا القول احتمله الحافظ ابن حجر (¬٤) والقسطلاني (¬٥).\r* * *","footnotes":"(¬١) أضواء البيان (١/ ٥٦).\r(¬٢) انظر: الفتح (٢/ ١٨٧)، والإمامة العظمى للدكتور عبد الله الدميجي (٢٤٢).\r(¬٣) انظر: أضواء البيان (١/ ٥٦).\r(¬٤) انظر: الفتح (١٣/ ١٢٢).\r(¬٥) انظر: إرشاد الساري (١٥/ ٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211756,"book_id":118,"shamela_page_id":540,"part":null,"page_num":550,"sequence_num":540,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rتقدم بيان أن الخلاف منحصر في الأحاديث المتعلقة بإمامة العبد، لأن فيها إشكالًا من وجهين:\rأحدهما: أن الإجماع منعقد على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجوب تقديم القرشي في الإمامة العظمى، بشرط إقامة الدين.\rوالثاني: أن الإجماع منعقد على عدم جواز تولية العبد الإمامة العظمى، لأن من شرطها: الحرية.\rوقبل ذكر الراجح من الأقوال لا بُدَّ من بيان أن الخلاف في توجيه هذه الأحاديث المتعلقة بإمامة العبد إنما هو باعتبار حال الاختيار، أما إذا تغلَّب العبد وكان ذا شوكة وقوة فإنه تجب طاعته إخمادًا للفتنة، ما لم يأمر بمعصية.\rقال النووي: \"وتُتَصوَّر إمارة العبد إذا ولَّاه بعض الأئمة، أو إذا تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه، ولا يجوز ابتداءً عقد الولاية له مع الاختيار، بل شرطها الحرية\" (¬١).\rوقال ابن حجر عند ذكر الأقوال في هذه المسألة: \"هذا كله إنما هو فيما يكون بطريق الاختيار، وأما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة، فإن طاعته تجب، إخمادًا للفتنة، ما لم يأمر بمعصية\" (¬٢).","footnotes":"(¬١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٦٧).\r(¬٢) الفتح (١٣/ ١٢٢)، وانظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ١١٠)، وإرشاد الساري (١٥/ ٩٢)، وأضواء البيان (١/ ٥٦)، وشرح رياض الصالحين للعثيمين (٢/ ٤٩٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211757,"book_id":118,"shamela_page_id":541,"part":null,"page_num":551,"sequence_num":541,"body":"وأما هذه الأحاديث التي قد يفهم منها جواز إمامة العبد، كقوله ﷺ: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، فأحسن ما قيل في الجواب عنها: القول الأول، وهو أن المرد: وجوب طاعته لكونه مستعملًا من قبل الإمام الأعظم، لا أنه هو الإمام الأعظم، وقد قال القرطبي: \"أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصح لغير قريش ما خلا الإمامة الكبرى\" (¬١).\rوعقد البيهقي في سننه بابًا بعنوان: \"باب: جواز تولية الإمام من ينوب عنه وإن لم يكن قرشيًا\" (¬٢)، وذكر تحته عدة أحاديث، منها: حديث أم الحصين ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) (¬٣).\rومما يؤيد هذا القول: ما أخرجه الحاكم من حديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (الأئمة من قريش ... وإن أمَّرَتْ عليكم عبدًا حبشيًا مجدَّعًا فاسمعوا له وأطيعوا) (¬٤).\rويعضده أيضًا: بعض ألفاظ الحديث، ففي رواية يقول: (وإن استعمل عليكم)، وفي رواية أخرى: (إن أُمِّر عليكم عبد)، فظاهر هذه الألفاظ أن العبد مستعمل ومؤمَّر من قبل الإمام الأعظم، وليس هو الإمام الأعظم (¬٥).\rوأما بقية الأقوال فمحتمَلة ما عدا الرابع منها وهو: أن إطلاق لفظ","footnotes":"(¬١) المفهم (٤/ ٧).\r(¬٢) السنن الكبرى (٨/ ١٥٤).\r(¬٣) أخرجه مسلم، وقد تقدم تخريجه ص (٥٤٢).\r(¬٤) المستدرك (٤/ ٨٥ - ٨٦) ح (٦٩٦٢)، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: \"إسناده جيد، ولكنه رُوي عن علي موقوفًا، وقال الدارقطني: هو أشبه\"، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع (١/ ٥٣٤) ح (٢٧٥٧)، وانظر: إرواء الغليل (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠) كما أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٦) ح (٣٥٢١) لكنه بلفظ: (أُمر) بدل: (أمرت).\r(¬٥) انظر: الإمامة العظمى للدميجي (٢٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211758,"book_id":118,"shamela_page_id":542,"part":null,"page_num":552,"sequence_num":542,"body":"العبد في الأحاديث السابقة إنما هو باعتبار اتصافه بذلك سابقًا، فإن هذا القول بعيد عن ظاهر الحديث، وليس عليه دليل يعضده، ثم إنه جواب عن شرط الحرية فقط، وأما شرط القرشية فيبقى دون جواب.\rوأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ -المتقدم- في أنه سيكون ملك من قحطان، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه)، متفق عليه (¬١). فإنهما لا يعارضان كون الإمامة في قريش، لأنهما إخبار عن حال سيقع، وهذا لا يعني عدم استحقاق قريش لها، وقد يكون ذلك عند ضعف قريش عن إقامة الدين، لأن استحقاقهم للإمامة مقيد بذلك -كما تقدم- كما في حديث معاوية ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين).\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يَلْحَاكم (¬٢) كما يُلحى القضيب، لقضيب في يده، ثم لحا قضيبه فإذا هو أبيض يَصْلِد (¬٣)) (¬٤).\rوعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (الأئمة من قريش، ولهم","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٥٤٤) هامش (١).\r(¬٢) قال في النهاية (٤/ ٢٣٥): \"اللحت: القشر، ولحت العصا، إذا قشرها، ولحته: إذا أخذ ما عنده، ولم يدع له شيئًا\".\r(¬٣) أي: يبرُق ويَبِصُّ. [النهاية (٣/ ٤٦)].\r(¬٤) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ١٧٦) ح (٤٣٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥١٦) ح (١١١٩)، وأبو يعلى في مسنده (٨/ ٤٨٣) ح (٥٠٢٤)، وقال الهيثمي في المجمع: \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح، ورجال أبي يعلى ثقات\"، وقال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٦٩) ح (١٥٥٢) عن إسناد أحمد: \"هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211759,"book_id":118,"shamela_page_id":543,"part":null,"page_num":553,"sequence_num":543,"body":"عليكم حق، ولكم مثل ذلك، ما إذا استُرْحِموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (¬١).\rقال القسطلاني معلقًا على حديث عبد الله بن عمرو في خروج القحطاني وإنكار معاوية عليه بكون الخلافة في قريش: \"ولا تناقض بين الحديثين، لأن خروج هذا القحطاني إنما يكون إذا لم تُقِم قريش الدين، فيُدال عليهم في آخر الزمان، واستحقاق قريش الخلافة لا يمنع وجودها في غيرهم، فحديث عبد الله في خروج القحطاني حكاية عن الواقع، وحديث معاوية في الاستحقاق، وهو مقيد بإقامة الدين\" (¬٢).\rوقد يقال: إن خروج هذا القحطاني وملكه إنما يكون بطريق التغلب والقوة، لا بطريق الاختيار، وربما دلَّ على هذا قوله في الحديث: (يسوق الناس بعصاه).\rقال ابن العربي عن حديث أبي هريرة في خروج القحطاني: هذا إنذار من النبي ﷺ بما يكون من الشر في آخر الزمان، من تسوّر العامة على منازل أهل الاستقامة، ولا يعارض هذا ما ثبت من أن الأئمة من قريش، لأنه ليس خبرًا عمَّا ينبغي (¬٣).\rوقد ذكر البخاري حديث أبي هريرة -المتقدم- في خروج القحطاني تحت باب: \"تغير الزمان حتى تعبد الأوثان\".","footnotes":"(¬١) أخرجه الإمام أحمد (٢٠/ ٢٤٩) خ (١٢٩٠٠)، و (١٩/ ٣١٨) ح (١٢٣٠٧)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٥٧) ح (٦٦١٠)، والبزار (كشف ٢/ ٢٢٨) ح (١٥٧٩) إلا أنه قال: \"الملك في قريش\"، والبيهقي في سننه (٨/ ١٤٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٩٢): رجال أحمد رجال ثقات. وصححه الألباني كما في الإرواء (٢/ ٢٩٨) ح (٥٢٠)، وتخريج السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٥١٧) ح (١١٢٠).\r(¬٢) إرشاد الساري (٨/ ١١)، وانظر: تعليق الألباني على حديث ابن مسعود المتقدم، في السلسلة الصحيحة (٤/ ٧٠).\r(¬٣) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ٥٣)، والفتح (١٣/ ٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211760,"book_id":118,"shamela_page_id":544,"part":null,"page_num":554,"sequence_num":544,"body":"قال المهلب في بيان وجه ذكر الحديث تحت هذا الباب: \"وجه ذلك أنه إذا قام رجل من قحطان ليس من فخذ النبوة، ولا من رهط الشرف الذين جعل الله فيهم الخلافة، فذلك من أكبر تغير الزمان، وتبديل أحكام الإسلام، أن يَدَّعي الخلافة، وأن يُطاع في الدين من ليس أهلًا لذلك\" (¬١).\rوقال ابن حجر معقبًا على كلام المهلب: \"وحاصله أنه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان\" (¬٢).\rوقال القسطلاني: \"ومطابقة الحديث للترجمة: من حيث إن سوق القحطاني الناس إنما هو في تغير الزمان، وتبدل أحوال الإسلام، لأن هذا الرجل ليس من قريش الذين فيهم الخلافة، فهو من فتن الزمان وتبدل الأحكام\" (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) نقل ذلك عنه ابن بطال في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦٠)، وانظر: الفتح (١٣/ ٧٨).\r(¬٢) الفتح (١٣/ ٧٨).\r(¬٣) إرشاد الساري (١٥/ ٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211761,"book_id":118,"shamela_page_id":545,"part":null,"page_num":555,"sequence_num":545,"body":"الباب الثالث: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة والمعاد\rوتحته فصلان:\r* الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة.\r* الفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في المعاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211762,"book_id":118,"shamela_page_id":546,"part":null,"page_num":557,"sequence_num":546,"body":"الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في أشراط الساعة\rوفيه خمسة مباحث:\r* المبحث الأول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... )، مع قوله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق).\r* المبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها).\r* المبحث الثالث: ما جاء في طواف الدجال بالبيت، مع ما ورد من أنه لا يدخل مكة ولا المدينة.\r* المبحث الرابع: (لا تقوم الساعة حتى ... يتقارب الزمان).\r* المبحث الخامس: (إذا ولدت الأمة ربها).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211763,"book_id":118,"shamela_page_id":547,"part":null,"page_num":559,"sequence_num":547,"body":"المبحث الأول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين. . .)، مع قوله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211764,"book_id":118,"shamela_page_id":548,"part":null,"page_num":560,"sequence_num":548,"body":"المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال\rعن المغيرة بن شعبة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)، متفق عليه (¬١).\rوعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، متفق عليه (¬٢).\rوعن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)، رواه مسلم (¬٣).","footnotes":"(¬١) البخاري في مواضع: في كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين) (٦/ ٢٦٦٧) ح (٦٨٨١)، وفي كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية (٣/ ١٣٣١) ح (٣٤٤١)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ (٦/ ٢٧١٤) ح (٧٠٢١)، ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧٠) ح (١٩٢١) ..\r(¬٢) البخاري في مواضع: في كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية (٣/ ١٣٣١) ح (٣٤٤٢)، وفي كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (١/ ٣٩) ح (٧١)، وفي كتاب: الخمس، باب: قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣/ ١١٣٤) ح (٢٩٤٨)، وفي كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين) (٦/ ٢٦٦٧) ح (٦٨٨٢)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾: (٦/ ٢٧١٤) ح (٧٠٢٢)، ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧١) ح (١٠٣٧).\r(¬٣) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211765,"book_id":118,"shamela_page_id":549,"part":null,"page_num":561,"sequence_num":549,"body":"وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، رواه مسلم (¬١).\rوعن جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)، رواه مسلم (¬٢).\rوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزال أهل الغرب (¬٣) ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)، .............","footnotes":"= نبينا محمد ﷺ (٢/ ٥٥٢) ح (١٥٦)، وأخرجه أيضًا في كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧١) ح (١٩٢٣).\r(¬١) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧٠) ح (١٩٢٠).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧١) ح (١٩٢٢).\r(¬٣) اختُلف في المراد بالغرب في هذا الحديث:\r- فقيل: المراد به الدلو الكبيرة، وهو إشارة إلى العرب لاختصاصهم بها غالبًا، وهذا منقول عن علي بن المديني.\r- وقيل: المراد بأهل الغرب: أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيء حده، يُقال: في لسانه غَرْب، أي: حدة، ذكر هذا القاضي عياض.\r[انظر: إكمال المعلم (٦/ ٣٤٨)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٧٢، ٧٣)، والفتح (١٣/ ٢٩٥)].\r- وقيل: المراد بهم أهل الشام، لأن الشام يقع غرب المدينة، قالوا: ويؤيده ما جاء عند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي أمامة الباهلي أنهم يكونون ببيت المقدس. [سنده ضعيف، وسيأتي تخريجه ص ٥٦٧ - ٥٦٨].\rوهذا القول مروي عن معاذ بن جبل ﵁، كما في صحيح البخاري (٣/ ١٣٣١)، و (٦/ ٢٧١٤)، وذكره ابن تيمية عن الإمام أحمد، ثم انتصر له فقال: \"وهو كما قال، فإن هذه لغة أهل المدينة النبوية في ذاك الزمان، كانوا يسمون أهل نجد والعراق: أهل المشرق، ويسمون أهل الشام: أهل المغرب، لأن التشريق =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211766,"book_id":118,"shamela_page_id":550,"part":null,"page_num":562,"sequence_num":550,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= والتغريب من الأمور النسبية، فكل مكان له غرب وشرق، فالنبي ﷺ تكلم بذلك في المدينة النبوية، فما تغرب عنها فهو غربه، وما تشرق عنها فهو شرقه\". [مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤١ - ٤٢)، وانظر: (٢٧/ ٥٠٧)، والنبوات (١/ ٥٦٨)، ومنهاج السنة (٤/ ٤٦١ - ٤٦٢)].\rورجح هذا -أيضًا- الألباني حيث قال: \"اعلم أن المراد بأهل الغرب في هذا الحديث: أهل الشام، لأنهم يقعون في الجهة الغربية الشمالية بالنسبة للمدينة المنورة، التي فيها نطق ﵊ بهذا الحديث الشريف\". [السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٩٠)].\rقال ابن حجر في الفتح (١٣/ ٢٩٥) بعد ذكره لهذه الأقوال: \"قلت: ويمكن الجمع بين الأخبار: بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو وحدة وجد\".\rوذكر القول الأخير -وهو أن المراد بهم أهل الشام- سليمان بن عبد الله عن أكثر الشارحين، ثم ذكر عن الطبري ما يدل على أن هذه الطائفة لا يجب أن تكون بالشام أو ببيت المقدس دائمًا إلى أن يقاتلوا الدجال، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة، ثم قال: وهذا هو الحق، ويشهد له الواقع، فإن حال أهل الشام منذ أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر، وعلى هذا فقوله في الحديث: (هم ببيت المقدس)، وقول معاذ: \"هم بالشام\" المراد به أنهم يكونون كذلك في بعض الأزمان دون بعض. [انظر: التيسير (٣٨١)].\rوتابعه على هذا عبد الرحمن بن حسن، كما في فتح المجيد (٣١٣)، وقال: \"فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره\"، ومثله ابن عثيمين كما في القول المفيد (١/ ٤٩٥)، وشرح العقيدة الواسطية (٢/ ٣٧٨).\rوهو ما ذهب إليه النووي حيث قال في شرحه على مسلم (١٣/ ٧١): \"ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض\".\rقلت: ويؤيده أن أكثر الروايات جاءت مطلقة، ليس فيها تحديد مكان معيَّن لهذه الطائفة، وقد يكون المراد بذكر الشام في بعض الأحاديث، الإشارة إلى مكانها في آخر الزمان، حيث يقاتلون الدجال هناك مع عيسى ﵇، فقد روى عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) [أخرجه أبو داود =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211767,"book_id":118,"shamela_page_id":551,"part":null,"page_num":563,"sequence_num":551,"body":"رواه مسلم (¬١).\rوعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، رواه مسلم (¬٢).\rوعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، متفق عليه (¬٣).\r\rبيان وجه الإشكال\rأن حديث: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) (¬٤)، يدل على بقاء من يقوم بالحق إلى قيام الساعة، بينما نجد الظاهر من حديث ابن مسعود: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) وما في معناه: أنه لا يبقى","footnotes":"= (٧/ ١١٧) ح (٢٤٨١)، والحاكم (٤/ ٤٩٧) ح (٨٣٩١)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي].\rوقد جاء ما يدل على أن هذه الطائفة تكون في الشام في آخر الزمان عند نزول عيسى ﵇ فعن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم ﵇، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) رواه مسلم -وقد تقدم تخريجه عند ذكر أوله- فهذا نص صريح في نزول عيسى ﵇ عليهم، ومعلوم أنه ينزل في دمشق بالشام، والله أعلم.\r(¬١) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧٢) ح (١٩٢٥).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب: الإيمان، باب: ذهاب الإيمان آخر الزمان (٢/ ٥٣٧) ح (١٤٨).\r(¬٣) صحيح البخاري: كتاب الفتن، باب: ظهور الفتن (٦/ ٢٥٩٠) ح (٦٦٥٦)، ومسلم واللفظ له: كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة (١٨/ ٣٠٠) ح (٢٩٤٩).\r(¬٤) وهو حديث متواتر. [انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٦٩)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211768,"book_id":118,"shamela_page_id":552,"part":null,"page_num":564,"sequence_num":552,"body":"عند قيام الساعة أحد من المؤمنين، فضلًا عن القائم بالحق (¬١).\rولذا قال الطبري: \"إن أنت قلت: بتصحيح جميع ذلك، قلنا لك: ما وجه صحته وبعضه يبطل معنى بعض، وبعضه يحيل صحة بعض، لتدافع معانيه، وتناقض مخارجه؟ \" (¬٢).\rوالحق أن جميع ما تقدم من الأحاديث صحيح ثابت، لا مطعن في صحته وثبوته، وليس في بعض هذه الأحاديث ما يبطل معنى بعض، وسبيل الجمع بينها واضح بيِّن بحمد الله، كما سيأتي بيانه في المطلبين التاليين إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: الفتح (١٣/ ٨٥)، والإشاعة لأشراط الساعة للبرزنجي (٣٦٩).\r(¬٢) تهذيب الآثار (٢/ ٨٣٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211769,"book_id":118,"shamela_page_id":553,"part":null,"page_num":565,"sequence_num":553,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال:\rالقول الأول: أن هذه الطائفة المذكورة في الحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... )، تستمر على هذه الصفة التي وصفت بها في الحديث إلى أن يقبض الله أرواحهم بالريح اللينة التي تكون قرب قيام الساعة -كما ثبت ذلك في حديث عبد الله بن عمرو وغيره- ثم بعد ذلك يبقى شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.\rوعلى هذا يكون المراد بقوله ﷺ: (حتى يأتيهم أمر الله) أي: هبوب تلك الريح اللينة التي لا تدع مؤمنًا إلا قبضته.\rوأما رواية: (إلى يوم القيامة)، و (حتى تقوم الساعة)، فالمراد بها: قربها، وظهور أشراطها.\rوإلى هذا ذهب القاضي عياض (¬١)، وأبو العباس القرطبي (¬٢)، وأبو عبد الله القرطبي (¬٣)، والنووي، وابن حجر (¬٤)، والبرزنجي (¬٥)،","footnotes":"(¬١) انظر: إكمال المعلم (١/ ٤٥٩)، و (٦/ ٣٤٩).\r(¬٢) انظر: المفهم (١/ ٣٦٥).\r(¬٣) انظر: التذكرة (٢/ ٥٩٥ - ٥٩٦).\r(¬٤) إلا أنه جعل المراد بقوله ﷺ: (حتى تقوم الساعة): ساعتهم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح. [انظر: الفتح (١٣/ ٧٧، ٢٩٤)].\r(¬٥) انظر: الإشاعة لأشراط الساعة (٣٦٩، ٣٦٦)، والبرزنجي هو: محمد بن عبد الرسول بن عبد السيد الحسني البرزنجي، من فقهاء الشافعية، له علم بالتفسير =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211770,"book_id":118,"shamela_page_id":554,"part":null,"page_num":566,"sequence_num":554,"body":"والسفاريني (¬١)، وسليمان بن عبد الله (¬٢)، وغيرهم (¬٣)، وذكره ابن الجوزي وجهًا من أوجه الجمع (¬٤).\rقال النووي بعد ذكره لحديث أنس ﵁: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، وحديث ابن مسعود ﵁: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) قال: \"وأما الحديث الآخر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة) فليس مخالفًا لهذه الأحاديث، لأن معنى هذا: أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب، والله أعلم\" (¬٥).\rوقال ابن حجر بعد ذكره لحديث أنس المتقدم: \"والجمع بينه وبين حديث: (لا تزال طائفة): حمل الغاية في حديث: (لا تزال طائفة) على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم، فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة\" (¬٦).\rالقول الثاني: أن الساعة كما أنها تقوم على الأشرار فهي تقوم أيضًا على الأخيار، بدليل قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ... )، وأما التنصيص","footnotes":"= والأدب، برزنجي الأصل، ولد وتعلم بشهرزور ورحل إلى عدة بلدان ثم استقر بالمدينة فتصدَّر للتدريس، توفي ﵀ سنة (١١٠٣ هـ) له كتب منها: الإشاعة لأشراط الساعة، وأنهار السلسبيل في شرح تفسير البيضاوي. [انظر: الأعلام (٦/ ٢٠٣)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٩٢)].\r(¬١) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).\r(¬٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (٣٨٠).\r(¬٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٩٦)، وفتح المجيد (٣١٢)، وشرح العقيدة الواسطية (٢/ ٣٧٩)، والقول المفيد (١/ ٤١٣، ٤٩٥) كلاهما للعثيمين.\r(¬٤) انظر: كشف المشكل (٤/ ١٤٢).\r(¬٥) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤٩٢)، وانظر: (١٣/ ٧٠).\r(¬٦) الفتح (١٣/ ١٩)، وانظر: (١٣/ ٧٧، ٨٥، ٢٩٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211771,"book_id":118,"shamela_page_id":555,"part":null,"page_num":567,"sequence_num":555,"body":"على الأشرار في قوله ﷺ: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء) (¬١)، فلكون الساعة تقوم في الأكثر والأغلب عليهم.\rوإلى هذا ذهب ابن بطال، وذكره ابن الجوزي وجهًا آخر في الجمع (¬٢).\rقال ابن بطال: \"قوله ﵇: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)، فإنه وإن كان لفظه العموم فالمراد به الخصوص، ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس، بدليل قوله ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها من ناوأها حتى تقوم الساعة)، فدلَّ هذا الخبر أن الساعة تقوم أيضًا على قوم فضلاء، وأنهم في صبرهم على دينهم كالقابض على الجمر\" (¬٣).\rالقول الثالث: أن هذه الأحاديث خرجت مخرج العموم، والمراد بها الخصوص، وذلك أن شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص، والطائفة التي تقاتل على الحق لا يضرهم من خالفهم يكونون بموضع آخر، فتنزل هذه الأحاديث على أنها في موضع دون موضع.\rوإلى هذا ذهب الطبري ﵀ حيث قال: لا معارضة بينهما بحمد الله، بل يحقق بعضها بعضًا، وذلك أن هذه الأحاديث خرج لفظها على العموم والمراد منها الخصوص، ومعناه: لا تقوم الساعة على أحد يوحد الله إلا بموضع كذا فإن به طائفة على الحق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بموضع كذا (¬٤)، ثم استدل بما رواه بسنده عن أبي أُمامة الباهلي أن النبي ﷺ","footnotes":"(¬١) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه من حيث عبد الله بن مسعود ﵁، وهذا لفظ البخاري.\r(¬٢) انظر: كشف المشكل (٤/ ١٤٢).\r(¬٣) شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٣ - ١٤)، وانظر: (١٠/ ٦٠)، والفتح (١٣/ ١٩، ٧٦ - ٧٧).\r(¬٤) انظر: تهذيب الآثار (٢/ ٨٣٣ - ٨٣٥)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211772,"book_id":118,"shamela_page_id":556,"part":null,"page_num":568,"sequence_num":556,"body":"قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك)، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: (ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس) (¬١).\rقال: \"فبيَّن ﷺ في هذا الخبر خصوصه (¬٢) سائر الأخبار التي وصفناها أنها خرجت مخرج العموم، بوصفه الطائفة التي أخبر عنها أنها على الحق مقيمة إلى قيام الساعة: أنها ببيت المقدس وأكنافه دون سائر البقاع غيرها\" (¬٣).\r* * *","footnotes":"= (١/ ١٥٦)، و (١٠/ ٣٥٩)، وإكمال المعلم (٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، والفتح (١٣/ ٢٩٤).\r(¬١) تهذيب الآثار (٢/ ٨٢٣) ح (١١٥٨)، وأخرجه أحمد، واللفظ له (٣٦/ ٦٥٦) ح (٢٢٣٢٠)، وحكم المحقق على إسناده بالضعف.\r(¬٢) هكذا في المطبوع.\r(¬٣) تهذيب الآثار (٢/ ٨٣٤ - ٨٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211773,"book_id":118,"shamela_page_id":557,"part":null,"page_num":569,"sequence_num":557,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالحق أن الجمع بين هذه النصوص قد جاء صريحًا في المحاورة التي جرت بين عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر ﵄ -وهو ما قال به: أصحاب القول الأول- فعن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم)، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، فقال عبد الله: (أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة)، رواه مسلم (¬١).\rفهذا الحديث قاطع للنزاع، مزيل للإشكال، وذلك أن الطائفة التي لا تزال على الحق ظاهرة، تستمر كذلك إلى حين قرب قيام الساعة عندما يرسل الله تعالى تلك الريح الباردة الطيبة التي لا تدع مؤمنًا إلا قبضته، حتى إذا خلت الأرض من الأخيار ولم يبقَ فيها إلا الأشرار قامت عليهم الساعة.","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) (١٣/ ٧٢) ح (١٩٢٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211774,"book_id":118,"shamela_page_id":558,"part":null,"page_num":570,"sequence_num":558,"body":"قال ابن حجر بعد سياقه هذه القصة: \"هذا أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين المذكورين\" (¬١).\rوقال البرزنجي: \"قول ابن عمرو هذا في مقابلة ما رواه عقبة كالصريح فيما قلناه\" (¬٢).\rوعلى هذا، يكون المراد بقوله: (ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)، و (على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) أي: قرب ذلك.\rقال القاضي عياض: \"لا تزال هذه الطائفة على الصفة التي وصفها به إلى أن يقبضهم الله فيمن يقبض من المؤمنين قرب الساعة، وإذ أُظهرت أشراطها فقد حان يومها وقرب وقتها\" (¬٣).\rوأما قوله: (حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)، فالمراد: حكمه وقضاؤه بهبوب الريح الطيبة كما تقدم.\rومما يؤيد هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: فذكر خروج الدجال وقَتْلَ عيسى ﵇ له، ثم قال في آخره: (ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبَلِ الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه، قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌ رزقُهم حسنٌ عيشُهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا (¬٤) ورفع ليتًا) (¬٥).","footnotes":"(¬١) الفتح (١٣/ ٢٩٤).\r(¬٢) الإشاعة (٣٦٩)\r(¬٣) إكمال المعلم (١/ ٤٩٥)، وانظر: الإشاعة (٣٦٩).\r(¬٤) الليت: صفحة العنق، والمعنى: إلا أمال صفحة عنقه. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٤٠٥)، والمجموع المغيث (٣/ ١٦٧)، والنهاية (٤/ ٢٨٤)].\r(¬٥) صحيح مسلم: كتاب الفتن، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض (١٨/ ٢٨٧) ح (٢٩٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211775,"book_id":118,"shamela_page_id":559,"part":null,"page_num":571,"sequence_num":559,"body":"وعن النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: فذكر حديثًا طويلًا في ذكر الدجال وصفته، وقَتْلِ عيسى ﵇ له، وخروج يأجوج ومأجوج، وحصول البركة للناس في زمن عيسى ﵇، ثم قال: (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون (¬١) تهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة)، رواه مسلم (¬٢).\rوعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى)، فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًا، قال: (إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم)، رواه مسلم (¬٣).\rقال القرطبي: \"هذا غاية في البيان في كيفية انقراض هذا الخلق وهذه الأزمان، فلا تقوم الساعة وفي الأرض من يعرف الله، ولا من يقول: الله الله\" (¬٤).\rوأما القول الثاني -وهو ما ذهب إليه ابن بطال-: وهو أن الساعة تقوم على الأشرار والأخيار، وأن حديث: (إن من شرار الناس من تدركهم","footnotes":"(¬١) قال النووي: \"أي: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس، كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك\". [شرح النووي على مسلم (١٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وانظر: المجموع المغيث (٣/ ٤٩١)، والنهاية (٥/ ٢٥٧)].\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب الفتن، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه (١٨/ ٢٧٧) ح (٢٩٣٧).\r(¬٣) صحيح مسلم (١٨/ ٢٥٠) ح (٢٩٠٧).\r(¬٤) التذكرة (٢/ ٥٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211776,"book_id":118,"shamela_page_id":560,"part":null,"page_num":572,"sequence_num":560,"body":"الساعة وهم أحياء) من قبيل العموم الذي يراد به الخصوص، ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس.\rفالجواب عنه: أن هذا العموم قد جاء ما يؤيده، كما في رواية مسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) (¬١)، فواضح في هذه الرواية حصر قيام الساعة على الأشرار.\rومما يؤيد هذا ما تقدم ذكره قريبًا من الأحاديث التي فيها أن الله تعالى يرسل في آخر الزمان ريحًا باردة طيبة، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، ويبقى بعدهم شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة.\rوأما القول الثالث -وهو ما ذهب إليه الطبري- من أن هذه الأحاديث خرجت مخرج العموم، والمراد بها الخصوص، فتنزل على أنها في موضع دون موضع.\rفالجواب عنه كالجواب عن القول السابق، فلا حاجة إلى إخراج العموم عن مدلوله، وقد جاءت النصوص صريحة بكون الريح التي يرسلها الله بين يدي الساعة تأخذ كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى بعدهم إلا شرار الناس وعليهم تقوم الساعة، فقد تقدم في حديث النواس بن سمعان أن النبي ﷺ قال عن المؤمنين الذين يكونون مع عيسى ﵇ في آخر الزمان: (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة).\rوقد جاء النص صريحًا في دفع هذا القول ورده، كما عند مسلم من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، فقوله: (الأرض) لفظ عام يشمل جميع الأرض، لا يخص موضعًا دون موضع، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) انظر: التذكرة (٢/ ٥٩٥)، والفتح (١٣/ ١٩)، والإشاعة (٣٦٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211777,"book_id":118,"shamela_page_id":561,"part":null,"page_num":573,"sequence_num":561,"body":"المبحث الثاني: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس. . .)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211778,"book_id":118,"shamela_page_id":562,"part":null,"page_num":574,"sequence_num":562,"body":"المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال\rعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا)، رواه مسلم.\rوفي رواية له: عن أبي زرعة قال: جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدث عن الآيات أن أولها خروجًا الدجال، فقال عبد الله بن عمرو: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول .. فذكر بمثله (¬١).\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) متفق عليه (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب: الفتن، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض (١٨/ ٢٩٠) ح (٢٩٤١).\r(¬٢) البخاري في موضعين: في كتاب: التفسير، باب: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٤/ ١٦٩٧) ح (٤٣٦٠، ٤٣٥٩)، وفي كتاب: الرقاق، باب: طلوع الشمس من مغربها (٥/ ٢٣٨٦) ح (٦١٤١).\rومسلم -واللفظ له-: كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (٢/ ٥٥٣) ح (١٥٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211779,"book_id":118,"shamela_page_id":563,"part":null,"page_num":575,"sequence_num":563,"body":"وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)، رواه البخاري (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rلما كان طلوع الشمس من مغربها مؤذنًا بإغلاق باب التوبة وعدم قبول الإيمان، فلا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، كان هذا الحديث -وهو قوله ﷺ: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها) - مشكلًا لأن عيسى ﵇ حين ينزل في آخر الزمان يدعو الناس إلى الإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا يدل على أن الإيمان في زمنه نافع ومقبول، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده لَيُوْشِكَنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) متفق عليه (¬٢).\rفلو كان طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات لم يحصل هذا في زمن عيسى ﵇ لأن الإيمان غير نافع حينئذ، وباب التوبة مغلق، كما تقدم.\rقال الحَلِيْمي (¬٣): \"فأما أول الآيات: ظهور الدجال، ثم نزول عيسى","footnotes":"(¬١) هو جزء من حديث رواه البخاري في عدة مواضع: فرواه في كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣/ ١٢١١) ح (٣١٥١)، وفي كتاب: فضائل الصحابة، باب: كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه (٣/ ١٤٣٢) ح (٣٧٢٣)، وفي كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (٤/ ١٦٢٨) ح (٤٢١٠)، وأخرجه معلقًا في كتاب: الفتن، باب: خروج النار (٦/ ٢٦٠٥).\r(¬٢) البخاري: (٢/ ٧٧٤) ح (٢١٠٩)، ومسلم (٢/ ٥٤٨) ح (١٥٥).\r(¬٣) هو العلامة أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، صاحب وجوه حسان في المذهب، كان من أذكياء زمانه ومن فرسان النظر، له يد طولى في العلم والأدب أخذ عن الحاكم وغيره توفي ﵀ سنة (٤٠٣ هـ)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211780,"book_id":118,"shamela_page_id":564,"part":null,"page_num":576,"sequence_num":564,"body":"صلوات الله عليه، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ويبين ذلك أن الكفار في وقت عيسى ﵇ يفنون، لأن منهم من يُقتل، ومنهم من يسلم، وتضع الحرب أوزارها، فيُستغنى عن القتال على الدين، بذلك أخبر رسول الله ﷺ، فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أمام عيسى ﵇، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا بإسلام من يسلم منهم\" (¬١).\rوبنحو هذا القول قال القرطبي (¬٢).\rوقال ابن كثير: ينزل عيسى ﵇ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل الجزية، ولكن من أسلم قبل منه إسلامه وإلا قتل، وكذلك حكم سائر كفار الأرض يومئذ (¬٣).\rوقال السفاريني: \"في حديث مسلم أن أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها، وقد استُشكل بأنه لو كان كذلك لم ينفع الكفار إيمانهم بعد نزول عيسى ﵇، ولا الفساق توبتهم، لانغلاق باب التوبة، وقد جاء النص بأنه ينفعهم ذلك جزمًا، وإلا لما صار الدين واحدًا، ولا كان في نزوله كبير فائدة\". (¬٤).\rوإضافة إلى ما تقدم فإن هذا الحديث مشكل من وجه آخر، وهو أنه","footnotes":"= وله تصانيف عديدة أشهرها: المنهاج في شعب الإيمان. [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣٠)، والعبر (٢/ ٢٠٥)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٧)].\r(¬١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٤٢٨)، وانظر: عون المعبود (١١/ ٢٨٦)، وتحفة الأحوذي (٦/ ٤١٦).\r(¬٢) انظر: التذكرة (٢/ ٥٨٨).\r(¬٣) انظر: النهاية في الفتن (١٩٣).\r(¬٤) لوامع الأنوار (٢/ ١٤١)، وانظر: بهجة الناظرين وآيات المستدلين لمرعي بن يوسف الكرمي (٣٩٥) تحقيق خليل إبراهيم أحمد, رسالة دكتوراة -غير مطبوعة- في الجامعة الإسلامية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211781,"book_id":118,"shamela_page_id":565,"part":null,"page_num":577,"sequence_num":565,"body":"قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب).\rوثمة إشكال آخر وهو أنه جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد ﵁: أن النبي ﷺ ذكر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة فقال في آخرها: (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) (¬١)، فهذا الحديث في ظاهره يعارض الحديث المتقدم، وسيأتي الجواب عنه في نهاية المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب: الفتن، باب: في الآيات التي تكون قبل الساعة (١٨/ ٢٤٣) ح (٢٩٠١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211782,"book_id":118,"shamela_page_id":566,"part":null,"page_num":578,"sequence_num":566,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذه المسألة على عدة أقوال، وقبل ذكرها أشير إلى أن هذه الأقوال تتجه إلى الجواب عن حديث: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها)، ومحاولة توجيهه، وأما حديث: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب) فلم أجد من وجهه وأجاب عنه غير الحافظ بن حجر ﵀، كما سيأتي، وإليك الآن هذه الأقوال:\rالقول الأول: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة، لأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة.\rوإلى هذا ذهب القرطبي، وأشار إلى أن طلوع الشمس من مغربها هو أول تغير في العالم العلوي الذي لم يُشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى (¬١).\rالقول الثاني: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات الدالة على قيام الساعة ووجودها، وذلك أن الآيات إما أمارات دالة على قرب القيامة، أو على وجودها، ومن الأول الدجال ونحوه، ومن الثاني طلوع الشمس ونحوه، فأولية طلوع الشمس إنما هي بالنسبة إلى القسم الثاني.\rوإلى هذا ذهب الطيبي (¬٢) (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: المفهم (٧/ ٢٤٢)، وطرح التثريب (٨/ ٢٥٩).\r(¬٢) هو العلامة الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي، كان من علماء التفسير والحديث، وكان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، وكان في أول عمره صاحب ثروة كثيرة، فلم يزل ينفقها في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرًا، توفي ﵀ سنة (٧٤٣ هـ) له مؤلفات منها: شرح مشكاة المصابيح، وكتاب الخلاصة في معرفة الحديث. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٣٧)، والبدر الطالع (١/ ٢٢٩)، والأعلام (٢/ ٢٥٦)].\r(¬٣) انظر: شرح الطيبي (١٠/ ١٠٧)، والفتح (١١/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، وعون المعبود =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211783,"book_id":118,"shamela_page_id":567,"part":null,"page_num":579,"sequence_num":567,"body":"القول الثالث: أن طلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية التي ليست مألوفة.\rوإلى هذا ذهب ابن كثير (¬١) وابن أبي العز (¬٢).\rالقول الرابع: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ حيث قال: \"الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة ... وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس كما تقدم في حديث أنس\" (¬٣).\rقال مرعي بن يوسف (¬٤): \"هذا كلام في غاية التحقيق، جدير بأن يتلقى بالقبول، لما فيه من التدقيق، وقد قرره الحفاظ الأعلام وعلماء الإسلام\" (¬٥).\rواستحسن هذا الجمع البرزنجي، لكنه قال: \"لو قال: وينتهي ذلك بخروج الدابة، بدل قوله: بموت عيسى ﵇، لكان أولى وأوضح\" (¬٦).","footnotes":"= (١١/ ٢٨٦).\r(¬١) انظر: النهاية في الفتن (٢١٤، ٢١٨).\r(¬٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٧٥٨).\r(¬٣) الفتح (١١/ ٣٥٣).\r(¬٤) هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي المقدسي الحنبلي، مؤرخ أديب، من كبار الفقهاء، ولد في طوركرم بفلسطين ثم انتقل إلى القاهرة وبها توفي سنة (١٠٣٣ هـ) له نحو سبعين كتابًا منها: غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى في فقه الحنابلة، ومسبوك الذهب في فضل العرب، وإرشاد ذوي العرفان لما للعمر من الزيادة والنقصان. [انظر: الأعلام (٧/ ٢٠٣)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٨٤٢)].\r(¬٥) بهجة الناظرين وآيات المستدلين (٣٩٦).\r(¬٦) الإشاعة (٣٥٠)، وانظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٤١ - ١٤٢)، والإذاعة لمحمد صديق حسن (١٦٩ - ١٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211784,"book_id":118,"shamela_page_id":568,"part":null,"page_num":580,"sequence_num":568,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالناظر في الأقوال المتقدمة في توجيه حديث: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها) يلاحظ أنها كلها تذهب إلى أن طلوع الشمس من مغربها ليس أول الآيات على الإطلاق، وأن وصفها بالأولية إنما هو نسبي إضافي، أي: بالنسبة إلى آيات معينة، وهذا هو الحق الذي لا مِرْيَة فيه، لأنه بعد طلوعها من المغرب لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولازم هذا أن يكون نزول عيسى ﵇ سابقًا لخروجها من مغربها لأن الإيمان في زمنه نافع ومقبول، وباب التوبة مفتوح، ومعلوم أن خروج الدجال سابق لنزوله، وأن ظهور يأجوج ومأجوج ثم هلاكهم، يكون في زمنه، كما دلَّ على ذلك حديث النواس بن سمعان عند مسلم (¬١)، فهذه الآيات كلها متقدمة على طلوع الشمس من مغربها، والله أعلم.\rقال البيهقي: إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابق على خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، احتمل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك، فإذا انقرضوا، وتطاول الزمان، وعاد بعضهم إلى الكفر، عاد تكليف الإيمان بالغيب.\rوإن كان في علم الله تعالى أن طلوع الشمس بعد نزول عيسى ﵇، احتمل أن يكون المراد بالآيات في هذا الحديث آيات أخرى غير الدجال ونزول عيسى، إذ ليس في الخبر نص على أنه يتقدم","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه ص (٥٧١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211785,"book_id":118,"shamela_page_id":569,"part":null,"page_num":581,"sequence_num":569,"body":"عيسى ﵇ (¬١).\rقال ابن حجر: \"وهذا الثاني هو المعتمد، والأخبار الصحيحة لا تخالفه، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه) (¬٢)، فمفهومه أن من تاب بعد ذلك لم تقبل\" (¬٣).\rوقال محمد صديق حسن القنوجي: \"والحاصل أن الأولية إضافية لا حقيقية\" (¬٤).\rوما ذكر من الأقوال في توجيه الحديث فكل ذلك محتمل، ولا تعارض بينها، إذ يمكن القول: بمجموعها، فيقال: طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات السماوية التي ليست مألوفة، وذلك مؤذن بتغير العالم العلوي، وانقطاع التوبة، وقيام الساعة، والله أعلم.\rقال ابن حجر: \"قال الحاكم أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم، أو الذي يقرب منه.\rقلت: والحكمة من ذلك أنه عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر، تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة\" (¬٥).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: البعث والنشور، تحقيق عبد العزيز الصاعدي (١/ ٣٤٥) رسالة دكتوراة -غير مطبوعة- في الجامعة الإسلامية، والفتح (١١/ ٣٥٤)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٤١).\r(¬٢) صحيح مسلم (١٧/ ٢٨) ح (٢٧٠٣).\r(¬٣) الفتح (١١/ ٣٥٤) بتصرف يسير.\r(¬٤) الإذاعة (١٧٠).\r(¬٥) الفتح (١١/ ٣٥٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211786,"book_id":118,"shamela_page_id":570,"part":null,"page_num":582,"sequence_num":570,"body":"وأما حديث أنس ﵁: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس ... )، فقد أجاب عنه ابن حجر -كما تقدم- بأن المراد: أن النار أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة.\rوأولى من هذا الجواب ما دلَّ النص عليه حيث أخرج الإمام أحمد هذا الحديث بلفظ: (وأما أول شيء يحشر الناس فنار تخرج ... ) (¬١)، وهذا يؤيد ما تقدم من كون الأولية هنا نسبية لا مطلقة.\rوقد أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن النبي ﷺ ذكر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة فقال في آخرها: (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم).\rقال ابن حجر: \"وهذا في الظاهر يعارض حديث أنس\"، ثم قال: \"ويجمع بينهما: بأن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلًا، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها، فإنه يبقى بعد كل آية أشياء من أمور الدنيا\" (¬٢).\rولكن الذي يظهر أن المراد بأوليتها ما تقدم في رواية الإمام أحمد: أنها أول ما يحشر الناس، وأما آخريتها فالمتعين ما ذكره الحافظ بن حجر، والله تعالى أعلم.\r* * *","footnotes":"(¬١) المسند (٢١/ ٣٤٩) ح (١٣٨٦٨)، وقال المحقق: \"إسناده صحيح على شرط مسلم\".\r(¬٢) الفتح (١٣/ ٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211787,"book_id":118,"shamela_page_id":571,"part":null,"page_num":583,"sequence_num":571,"body":"المبحث الثالث: ما جاء في طواف الدجال بالبيت، مع ما ورد من أنه لا يدخل مكة ولا المدينة\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211788,"book_id":118,"shamela_page_id":572,"part":null,"page_num":584,"sequence_num":572,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر النبي ﷺ يومًا بين ظَهْرَي الناس المسيح الدجال فقال: (إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وأَراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم (¬١) كأحسن ما يُرى من أُدْمِ الرجال، تضرب لمته (¬٢) بين منكبيه، رَجِلُ (¬٣)","footnotes":"(¬١) الآدم: الأسمر. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٨٢)، وكشف المشكل (٢/ ٤٩١)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٣٢)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨٨)، والفتح (٦/ ٤٨٥ - ٤٨٦)].\rتنبيه: جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁[البخاري (٣/ ١٢٦٩) ح (٣٢٥٤)، ومسلم (٢/ ٥٨٩) ح (١٦٨)، وصف عيسى ﵇ بأنه أحمر، وطريق الجمع بينهما: أنه كانت فيه أدمة خفيفة، يميل معها إلى الحمرة والبياض، أي: لم يكن أحمر تمامًا، ولا آدم تمامًا، فربما وصفه بهذا وربما وصفه بذاك، ويؤيد هذا الجمع أن النبي ﷺ وصفه في حديث ابن عباس بقوله: (ورأيت عيسى رجلًا مربوعًا، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض) -[متفق عليه: البخاري: (٣/ ١١٨٢) ح (٣٠٦٧)، ومسلم (٢/ ٥٨٥) ح (١٦٥)]- انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨٨)، ومنة المنعم (١/ ١٥٠).\r(¬٢) أي: شعر رأسه، يقال له إذا جاوز شحمة الأذنين وألم بالمنكبين: لمة، وإذا جاوزت المنكبين فهي جمة، وإذا قصرت عنهما فهي وفرة. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٨٢)، وكشف المشكل (٢/ ٤٩٣)، والنهاية (٤/ ٢٧٣)، والفتح (٦/ ٤٨٦)].\r(¬٣) أي قد سرحه، فهو مسترسل. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٠٨)، وكشف المشكل (٢/ ٤٩٣)، والمجموع المغيث (١/ ٧٤٢)، والنهاية (٢/ ٢٠٣)، والفتح (٦/ ٤٨٦)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211789,"book_id":118,"shamela_page_id":573,"part":null,"page_num":585,"sequence_num":573,"body":"الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلًا وراءه جَعْدًا قَطَطًا (¬١)، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن (¬٢)، واضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال)، متفق عليه (¬٣).\r\rبيان وجه الإشكال\rأن هذا الحديث ينص على طواف الدجال بالبيت، وهذا يعني: دخوله مكة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة، كما في الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس لها من نقابها نَقْبٌ إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها) (¬٤).\rقال ابن حجر: \"رؤيته إياه بمكة مشكلة مع ثبوت أنه لا يدخل مكة ولا المدينة\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) الجعد القطط هو: الشعر الذي زادت جعودته، أي تثنيه وتكسره. [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٩٢)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (٢٦٤، ١٨٢)، والنهاية (١/ ٢٧٥)، و (٤/ ٨١)، والفتح (٦/ ٤٧٦)].\r(¬٢) ذكر الزهري أنه رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية [انظر: صحيح البخاري (٣/ ١٢٧٠)، و (٦/ ٢٥٧٧)، والفتح (٦/ ٤٨٨)، وتنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم (٨٤)].\r(¬٣) البخاري في مواضع: في كتاب: الأنبياء، باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣/ ١٢٦٩ - ١٢٧٠) ح (٣٢٥٧، ٣٢٥٦)، وفي كتاب: اللباس، باب: الجعد (٥/ ٢٢١١) ح (٥٥٦٢)، وفي كتاب: التعبير، باب: رؤيا الليل (٦/ ٢٥٦٩) ح (٦٥٩٨)، وباب: الطواف بالكعبة في المنام (٦/ ٢٥٧٧) ح (٦٦٢٣)، وفي كتاب: الفتن، باب: ذكر الدجال (٦/ ٢٦٠٧) ح (٦٧٠٩).\rومسلم: كتاب: الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال (٢/ ٥٩٠، ٥٩٣) ح (١٦٩، ١٧١).\r(¬٤) البخاري (٢/ ٦٦٥) ح (١٧٨٢)، ومسلم (١٨/ ٢٩٦) ح (٢٩٤٣).\r(¬٥) الفتح (١٣/ ٩٨)، وانظر: عون الباري (٤/ ١٥٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211790,"book_id":118,"shamela_page_id":574,"part":null,"page_num":586,"sequence_num":574,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\rالقول الأول: أن طواف الدجال بالبيت إنما هو رؤيا منام، كما هو صريح الحديث، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحيًا إلا أن فيها ما يقبل التعبير.\rذكر هذا القول القاضي عياض بصيغة الاحتمال (¬١).\rالقول الثاني: أن تحريم دخول مكة والمدينة عليه إنما هو في زمن فتنته وخروجه، لا في الزمن السابق لذلك.\rجوَّز هذا القاضي عياض (¬٢)، وإليه ذهب ابن حجر وغيره (¬٣).\rقال ابن حجر: \"ويؤيده ما دار بين أبي سعيد وابن صياد، فيما أخرجه مسلم، وأن ابن صياد قال له: ألم يقل النبي ﷺ: (إنه لا يدخل مكة ولا المدينة)، وقد خرجت من المدينة أريد مكة (¬٤)، فتأوله من جزم بأن ابن صياد هو الدجال، على أن المنع إنما هو حيث يخرج\" (¬٥).\rالقول الثالث: ترجيح الرواية التي لم يُذكر فيها طواف الدجال في البيت الحرام، وهي رواية مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، وعليه فلا","footnotes":"(¬١) انظر: إكمال المعلم (١/ ٥٢٢)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨٩)، وإكمال إكمال المعلم (١/ ٥٣٤)، والفتح (١٣/ ٩٨).\r(¬٢) انظر: إكمال المعلم (١/ ٥٢٣)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠)، وإكمال إكمال المعلم (١/ ٥٣٤).\r(¬٣) انظر: عون الباري (٤/ ١٥٤).\r(¬٤) صحيح مسلم (١٨/ ٢٦٣) ح (٢٩٢٧).\r(¬٥) الفتح (١٣/ ٩٩)، وانظر: (٦/ ٤٨٨ - ٤٨٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211791,"book_id":118,"shamela_page_id":575,"part":null,"page_num":587,"sequence_num":575,"body":"تعارض بين هذا الحديث وما ثبت من تحريم دخول مكة والمدينة عليه، ونص هذه الرواية: أن رسول الله ﷺ قال: (أَراني الليلة عند الكعبة، فرأيت رجلًا آدم، كأحسن ما أنت راءٍ من أدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راءٍ من اللمم، قد رجَّلها فهي تقطر ماءً، متكئًا على رجلين، أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح ابن مريم، وإذا أنا برجل جعد قطط، أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية، فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح الدجال)، متفق عليه (¬١).\rأشار إلى هذا القول القاضي عياض، حيث قال: \"في رواية مالك لم يذكر طواف الدجال، وهو أثبت ممن رووا طوافه\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: تخريج الحديث ص (٥٨٥)، وهي عند البخاري في كتاب اللباس، وكتاب التعبير، باب: رؤيا الليل.\r(¬٢) إكمال المعلم (١/ ٥٢٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211792,"book_id":118,"shamela_page_id":576,"part":null,"page_num":588,"sequence_num":576,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الأول، وهو: أن رؤيا النبي ﷺ للدجال وهو يطوف بالبيت، لا ينافي ما ثبت من تحريم دخول مكة والمدينة عليه، لأنها رؤيا منام، ورؤيا المنام لا يلزم وقوعها في الخارج كما كانت في الرؤيا، بل قد يكون لها تعبير وتأويل يخالف الظاهر منها، كما ثبت ذلك في عدد من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، ومن ذلك:\rحديث عبد الله بن عمر ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: (بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الريَّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب)، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: (العلم)، متفق عليه (¬١).\rوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (بينا أنا نائم، رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره)، قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: (الدين)، متفق عليه (¬٢).\rوأما القول الثاني، وهو: أن تحريم دخوله مكة والمدينة إنما يكون في زمن فتنته وخروجه، وأما قبل ذلك فغير ممتنع، فهو قول محتمل، لكن القول الأول أظهر وأوضح، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) البخاري (١/ ٤٣) ح (٨٢)، ومسلم (١٥/ ١٦٩) ح (٢٣٩١).\r(¬٢) البخاري (١/ ١٧) ح (٢٣)، ومسلم (١٥/ ١٦٨) ح (٢٣٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211793,"book_id":118,"shamela_page_id":577,"part":null,"page_num":589,"sequence_num":577,"body":"وأما القول الثالث وهو ترجيح رواية مالك، لعدم ذكر طواف الدجال فيها، فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر حيث قال: \"وتُعقب بأن الترجيح مع إمكان الجمع مردود، لأن سكوت مالك عن نافع عن ذكر الطواف، لا يرد رواية الزهري عن سالم\" (¬١).\rقلت: ورواية الزهري عن سالم متفق عليها (¬٢)، كما أن ذكر طواف الدجال بالبيت مصرح به في رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وقد أخرجها البخاري ومسلم، وهي المذكورة في المطلب الأول من هذا المبحث.\rوأيضًا فإن في رواية مالك ما يشعر بموافقتها لبقية الروايات حيث جاء في صدر روايته: (أَراني الليلة عند الكعبة ... )، والله تعالى أعلم.\r* * *","footnotes":"(¬١) الفتح (١٣/ ٩٨).\r(¬٢) انظر: تخريج الحديث ص (٥٨٥)، وهي عند البخاري في كتاب الأنبياء، وكتاب الفتن، وكتاب التعبير، باب: الطواف بالكعبة في المنام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211794,"book_id":118,"shamela_page_id":578,"part":null,"page_num":591,"sequence_num":578,"body":"المبحث الرابع: (لا تقوم الساعة حتى. . . يتقارب الزمان)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211795,"book_id":118,"shamela_page_id":579,"part":null,"page_num":592,"sequence_num":579,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض)، رواه البخاري (¬١).\rوعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)، قالوا: يا رسول الله، أيُّما هو؟ قال: (القتل القتل)، متفق عليه (¬٢).\r\rبيان وجه الإشكال\rاستُشكل تقارب الزمان الوارد في هذا الحديث لأن فيه إخبارًا عما يخالف الواقع والسُنَّة الجارية المعتادة، والتكوين الذي به قامت الخليقة (¬٣)، فالزمان عبارة عن مجموعة من الأيام والأسابيع والشهور والسنين، وكلها","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب: الاستسقاء، باب: ما قيل في الزلازل والآيات (١/ ٣٥٠) ح (٩٨٩)، ورواه في سياق أطول من هذا، في جملة من الأشراط، في كتاب: الفتن، باب: خروج النار (٦/ ٢٦٠٥) ح (٦٧٠٤).\r(¬٢) البخاري في مواضع: في كتاب الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء (٥/ ٢٢٤٥) ح (٥٦٩٠)، وفي كتاب: الفتن، باب: ظهور الفتن (٦/ ٢٥٩٠) ح (٦٦٥٢)، ومسلم: كتاب العلم: باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (١٦/ ٤٦٢).\r(¬٣) انظر: عارضة الأحوذي (٩/ ٦٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211796,"book_id":118,"shamela_page_id":580,"part":null,"page_num":593,"sequence_num":580,"body":"أوقات محددة، معلومة البداية والنهاية، وعلى هذا، فكيف يمكن أن يُتصور تقارب الزمان؟\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211797,"book_id":118,"shamela_page_id":581,"part":null,"page_num":594,"sequence_num":581,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على أقوال:\rالقول الأول: حمل الحديث، على ظاهره، فيكون المراد: أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة، وذلك بنقص أيامه ولياليه (¬١).\rنقل هذا الشيخ مرعي بن يوسف عن أهل الحديث (¬٢) واحتمله الخطابي حيث قال: \"ويحتمل أن يكون أراد به قصر مدة الأزمنة ونقصها عمَّا جرت به العادة فيها، وذلك من علامات الساعة إذا طلعت الشمس من مغربها، وهو معنى الحديث الآخر: (يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعْفَة) (¬٣) \" (¬٤).\rالقول الثاني: أن المراد بتقارب الزمان: قربه من الساعة ويوم","footnotes":"(¬١) انظر: معالم السنن (٤/ ٣١٣)، ومختصر سنن أبي داود للمنذري (٦/ ١٤٢)، والتذكرة (٢/ ٣٦٤).\r(¬٢) انظر: بهجة الناظرين (٣٩٧).\r(¬٣) أول هذا الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر ... )، وقد أخرجه من حديث أبي هريرة ﵁: أحمد (١٦/ ٥٥٠) ح (١٠٩٤٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٣٥) ح (٦٧٩٥)، وابن حبان (١٥/ ٢٥٢) ح (٦٨٤٢)، وقال ابن كثير في النهاية (١/ ٢٣٥): \"هذا الإسناد على شرط مسلم\"، وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٣١)، وقال: \"رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح\"، وأخرج الحديث من طريق أنس ﵁: الترمذي (تحفة ٦/ ٦٢٤) ح (٢٤٣٤).\r(¬٤) أعلام الحديث (٣/ ٢١٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211798,"book_id":118,"shamela_page_id":582,"part":null,"page_num":595,"sequence_num":582,"body":"القيامة (¬١).\rوإلى هذا ذهب القاضي عياض (¬٢) والنووي (¬٣).\rالقول الثالث: أن المراد بتقارب الزمان: نزع البركة منه، بحيث يصير الانتفاع من اليوم مثلًا بقدر الانتفاع من الساعة الواحدة.\rوإلى هذا ذهب الخطابي (¬٤)، وابن الأثير (¬٥)، والعراقي (¬٦)، وابن حجر، وهو ظاهر صنيع ابن كثير حيث عنون لهذا الحديث بقوله: \"إشارة نبوية إلى نزع البركة من الوقت قبل قيام الساعة\" (¬٧).\rوقال ابن حجر: \"والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء، حتى من الزمان، وذلك من علامات قرب الساعة\"، وقال: \"الذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مرِّ الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا\" (¬٨).\rالقول الرابع: أن المراد بذلك استقصار مدته لِما يحصل من استلذاذ العيش.\rوهذا مروي عن أبي سنان (¬٩) حيث سُئل عن معنى الحديث فقال:","footnotes":"(¬١) انظر: أعلام الحديث (٣/ ٢١٨١)، ومعالم السنن (٤/ ٣١٣)، والتذكرة (٢/ ٣٦٤)، وطرح التثريب (٤/ ٢٨)، والفتح (٢/ ٥٢٢).\r(¬٢) انظر: إكمال المعلم (٨/ ١٦٦).\r(¬٣) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٦٣).\r(¬٤) انظر: معالم السنن (٤/ ٣١٣).\r(¬٥) انظر: جامع الأصول (١٠/ ٤٠٩).\r(¬٦) انظر: طرح التثريب (٤/ ٢٨).\r(¬٧) النهاية (١/ ٢٣٤).\r(¬٨) الفتح (١٣/ ١٦)، وانظر: (١٣/ ١٧).\r(¬٩) هو عيسى بن سنان الحنفي، أبو سنان القسملي الفلسطيني، روى عن وهب بن منبه ويعلى بن شداد والضحاك بن عبد الرحمن وغيرهم، وعنه حماد بن سلمة وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وآخرون، وهو من أهل العلم، لكنه في رواية =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211799,"book_id":118,"shamela_page_id":583,"part":null,"page_num":596,"sequence_num":583,"body":"ذلك من استلذاذ العيش (¬١)، قال الخطابي معقبًا على كلامه: \"يريد -والله أعلم- زمان خروج المهدي ووقوع الأَمَنَة في الأرض بما يبسطه من العدل فيها، فيُستلذ العيش عند ذلك، وتُستقصر مدته، ولا يزال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت وامتدت، ويستطيلون أيام المكروه وإن قصرت وقلَّت\" (¬٢).\rالقول الخامس: أن المراد: تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، لغلبة الفسق وظهور أهله.\rوإلى هذا ذهب ابن بطال (¬٣)، والقرطبي (¬٤)، وغيرهما (¬٥)، وذكر ابن حجر أنه اختيار الطحاوي (¬٦).\rالقول السادس: ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين من أن المراد بتقارب الزمان ما هو حاصل في هذا العصر من تقارب ما بين المدن","footnotes":"= الحديث قد حكم عليه أكثر أئمة الجرح والتعديل بالضعف، فقد ضعفه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: ضُعف ولم يُترك، وقال ابن حجر: لين الحديث. [انظر: التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٣٩٦)، وشرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٣٥)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٦/ ٢٧٧)، والثقات لابن حبان (٧/ ٢٣٥)، والكاشف للذهبي (٢/ ٣٠٥)، وتهذيب التهذيب (٨/ ١٨٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٧٧٠)].\r(¬١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، وغريب الحديث للخطابي (١/ ٩٤)، وكشف المشكل (٤/ ٢٠٣)، والتذكرة (٢/ ٣٦٤).\r(¬٢) غريب الحديث (١/ ٩٤)، وانظر: مختصر سنن أبي داود (٦/ ١٤٢).\r(¬٣) انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٣).\r(¬٤) انظر: التذكرة (٢/ ٤٨١).\r(¬٥) انظر: أعلام الحديث (٣/ ٢١٨٢)، والكواكب الدراري المشهور بشرح الكرماني (٦/ ١٢٣)، والفتح (٢/ ٥٢٢).\r(¬٦) انظر: الفتح (١٣/ ١٧)، وقارن بين هذا وبين ما في شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211800,"book_id":118,"shamela_page_id":584,"part":null,"page_num":597,"sequence_num":584,"body":"والأقاليم، وقصر زمن المسافة بينها بسبب اختراع وسائل المواصلات المتنوعة -البرية والبحرية والجوية- حيث تُقطع المسافات البعيدة في الزمن القصير، ومثلها وسائل الاتصال الصوتية كالهاتف والإذاعة وغيرهما فإنها قربت البعيد.\rوممن ذهب إلى هذا القول الشيخ ابن باز، والشيخ حمود التويجري، والشيخ محمد رشيد رضا (¬١)، وغيرهم (¬٢)، عليهم رحمة الله.\rقال الشيخ ابن باز في تعليقه على الفتح: \"الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم، وقصر زمان المسافة بينها، بسبب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك، والله أعلم\" (¬٣).\rوقال الشيخ حمود التويجري: \"والظاهر -والله أعلم بمراد رسوله ﷺ- أن ذلك إشارة إلى ما حدث في زماننا من المراكب الأرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت كل بعيد، والمعنى على هذا: يتقارب أهل الزمان\"، إلى أن قال بعد حديثه عن وسائل المواصلات: \"وأعظم من ذلك الآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات، كالإذاعات والتلفونات الهوائية، فإنها قد بهرت العقول في تقريب الأبعاد، بحيث كان الذي في أقصى المشرق يخاطب مَن في أقصى المغرب كما يخاطب الرجل جليسه، وبحيث كان الجالس عند الراديو يسمع كلام مَن في أقصى المشرق، ومَن في أقصى المغرب، ومَن في أقصى الجنوب، ومَن في أقصى الشمال، وغير ذلك من","footnotes":"(¬١) هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد القلموني -نسبة إلى قلمون من أعمال الشام- البغدادي الأصل، الحسيني النسب، صاحب مجلة المنار، وأحد رجال الدعوة والإصلاح، له عناية بالحديث والتفسير والأدب والتاريخ، لازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ عليه، له مؤلفات منها: تفسير المنار، والوحي المحمدي، توفي سنة (١٣٥٤). [انظر: الأعلام (٦/ ١٢٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٩٣)].\r(¬٢) انظر: منة المنعم (٤/ ٢٢٩).\r(¬٣) الفتح (٢/ ٥٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211801,"book_id":118,"shamela_page_id":585,"part":null,"page_num":598,"sequence_num":585,"body":"أرجاء الأرض في دقيقة واحدة، كأن الجميع حاضرون عنده في مجلسه، فالمراكب الأرضية والجوية قربت الأبعاد من ناحية السير، والآلات الكهربائية قربت الأبعاد من ناحية التخاطب وسماع الأصوات، فسبحان من علَّم الإنسان ما لم يعلم\" (¬١).\rوقال الشيخ محمد رشيد رضا: \"ويرى بعض أهل هذا الزمان أن المراد قد يكون ما هو حاصل من تقارب المواصلات وقطع المسافات البعيدة في الزمن القصير برًا وبحرًا وجوًا، وهذا أظهر من كل ما قالوه، وأليق بكونه إخبارًا عن غيب لا مجال للرأي فيه، ولا يعرف إلا بوحي من الله تعالى\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) إتحاف الجماعة (٢/ ١٩٥).\r(¬٢) تفسير القرآن الحكيم، المشهور بتفسير المنار (٩/ ٤٨٥ - ٤٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211802,"book_id":118,"shamela_page_id":586,"part":null,"page_num":599,"sequence_num":586,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة تقاربًا حسيًا، وذلك بنقصه وقصره عمَّا هو معتاد -على ما جاء في القول الأول- وذلك في آخر الزمان، لكن لا يصح الجزم بأن ذلك إنما يكون إذا طلعت الشمس من مغربها.\rومما يدل على هذا القول ما يلي:\r١ - أن هذا هو ظاهر الحديث، وقد جاء ما يؤيده ويبين مراده، كما عند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة) (¬١).\rفهذا الحديث صريح في بيان المراد، ولذا قال الكرماني: \"تقارب الزمان مجمل، وبيانه أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة ... ) \" (¬٢).\rوقال ابن أبي جمرة: \"يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان: قصره على ما وقع في حديث: (لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر)، وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا ويحتمل أن يكون معنويًا، فأما الحسي فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنوي","footnotes":"(¬١) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ص (٥٩٤).\r(¬٢) الكواكب الدراري (٦/ ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211803,"book_id":118,"shamela_page_id":587,"part":null,"page_num":600,"sequence_num":587,"body":"فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي\" (¬١).\r٢ - ما أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁: أن النبي ﷺ ذكر الدجال، قال النواس: قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: (أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)، قلنا: يا رسول الله: فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: (لا، اقدروا له قدره) (¬٢).\rففي هذا الحديث أن الأيام تطول حقيقةً، وإذا كان ذلك كذلك فما المانع من كونها تقصر حقيقةً كما في حديث تقارب الزمان، وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا (¬٣).\rوكون الطول في أيام الدجال حقيقيًا ظاهر، يدل عليه قوله ﷺ: (وسائر أيامه كأيامكم)، وكذا سؤال الصحابة للرسول ﷺ عن الصلاة في اليوم الذي كسنة يدل على أنهم فهموا كون الطول في الأيام حقيقيًا، وجوابه لهم بقوله: (اقدروا له قدره) يدل على موافقته لهم على هذا الفهم.\rقال القاضي عياض: \"قوله: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة): ما جاء بعدُ يفسر أنه على ظاهره غير متأول\" (¬٤).\rوقال النووي: \"قوله ﷺ: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)، قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله ﷺ: (وسائر أيامه كأيامكم) \" (¬٥).","footnotes":"(¬١) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١٣/ ١٧).\r(¬٢) صحيح مسلم (١٨/ ٢٧٧) ح (٢١٣٧).\r(¬٣) انظر: أشراط الساعة للدكتور يوسف الوابل (١٢١).\r(¬٤) إكمال المعلم (٨/ ٤٨٣).\r(¬٥) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٢٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211804,"book_id":118,"shamela_page_id":588,"part":null,"page_num":601,"sequence_num":588,"body":"وقال القرطبي: \"ظاهر هذا: أن الله تعالى يخرق العادة في تلك الأيام، فيبطئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام، حتى يكون أوَّل يوم كمقدار سنة معتادة، ويبطئ بالشمس حتى يكون كمقدار شهر، والثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا ممكن، لا سيما وذلك الزمان تنخرق فيه العوائد كثيرًا\" (¬١).\r٣ - أن آخر الزمان يختل فيه نظام العالم، وتكثر فيه خوارق العادات: فالدابة تتكلم والشمس تطلع من مغربها ... وعلى هذا فما المانع من أن يكون من جملة ذلك أيضًا تقارب الزمان وقصره، والله تعالى مصرف الكون ومدبره، وهو سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فكما انشأ الأيام والليالي على هذا النظام الذي نعرفه فهو قادر على تغيير ذلك، والله تعالى أعلم.\rقال ابن العربي: \"فإن قيل: في هذا الحديث إبطال للهيئة، وإفساد للطبيعة، وتغيير للتكوين الذي به قامت الخليقة ... قلنا: اتئدوا، فإنكم نظرتم إلى جريان اليوم في المخلوقات، وأغفلتم النظر في قدرة الخالق وما له من الحكم في المصنوعات، والإشكال الذي أشرتم إليه ينحل عنكم بالنظر في معاني:\rالأول: قد تقرر عقلًا وشرعًا، وثبت دليلًا أن الباري تعالى خالق كل شيء، لا يشذ ذرة عن خلقه، فما كان من سبب أو مسبب، أو علة ومعلول فإنه فطره وأنشأه، وكون ذلك كله على هذا النظام المشاهد ليس بواجب لا يمكن سواه، بل هو على مجرى الإرادة وبعض العادة.\rالثاني: أن عاقبة الشمس والقمر التكوير، وآخر السموات والأرض الانفطار والتدمير، وكما يعدمها خالقها فلا تسير، يجوز أن يبطئها عن سرعتها وينقص من حركاتها، فما كانت تقطعه في يوم تقطعه في جمعة، ثم","footnotes":"(¬١) المفهم (٧/ ٢٧٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211805,"book_id":118,"shamela_page_id":589,"part":null,"page_num":602,"sequence_num":589,"body":"في شهر، ثم في سنة، أو بعكسه، وهذا قريب ممن وفقه الله لعلمه\" (¬١).\r* * *\rوبهذا يتبين ضعف بقية الأقوال وبعدها عن ظاهر الحديث، لأنها: إما أن تجعل التقارب الوارد في الحديث تقاربًا معنويًا لا حقيقيًا، كالقول: بأن المراد من ذلك نزع البركة -وهو القول الثالث- وكذا القول: بأن المراد من ذلك ما يحصل من استقصار الزمان بسب استلذاذ العيش، وهو القول الرابع.\rوإما أن تجعل التقارب المذكور ليس للزمان نفسه وإنما لأهل الزمان، كالقول بأن المراد: تقارب أحوال أهله في قلة الدين -وهو القول الخامس- وكذا القول السادس -وإن كان أظهر وجاهة من غيره- وهو أن المراد: ما حصل من تقارب أهل هذا الزمان بسبب ما استجد من مخترعات حديثة.\rوأما القول الثاني: وهو أن المراد بتقارب الزمان: قربه من الساعة، فقول غريب، لأنه وإن احتمله الحديث الذي أول لفظه: (يتقارب الزمان ... )، فإنه لا يحتمله اللفظ الآخر -كما عند البخاري-: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان)؛ لأن المعنى سيكون حينئذٍ: لا تقوم الساعة حتى تقرب الساعة؟ ! وهذا ليس فيه فائدة، بل هو تحصيل حاصل، ولهذا قال الكرماني بعد أن ذكر هذا القول عن النووي: \"حاصل تفسيره: أنه لا تكون القيامة حتى تقرب القيامة، وهذا كلام مهمل، لا طائل تحته\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) عارضة الأحوذي (٩/ ٦٤) بتصرف.\r(¬٢) الكواكب الدراري (٦/ ١٢٣)، وانظر: الفتح (٢/ ٥٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211806,"book_id":118,"shamela_page_id":590,"part":null,"page_num":603,"sequence_num":590,"body":"المبحث الخامس: (إذا ولدت الأمة ربها)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r• المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r• المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r• المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211807,"book_id":118,"shamela_page_id":591,"part":null,"page_num":604,"sequence_num":591,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل -فذكر أنه سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فأجابه النبي ﷺ، ثم- قال: متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأَمَة ربها (¬١)، وإذا تطاول رعاة الإبل البُهْم في البنيان ... )، متفق عليه (¬٢).\rوفي رواية للبخاري: (إذا ولدت الأمة ربتها).\rوفي رواية لمسلم: (إذا ولدت الأمة بعلها) (¬٣).","footnotes":"(¬١) قال ابن الأثير في النهاية (٢/ ١٧٩): \"الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيِّم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى\". [وانظر: تهذيب اللغة (١٥/ ١٢٨) مادة: (رب)، والصحاح (١/ ١١٧) مادة: (ربب)، والمجموع المغيث (١/ ٧٢١)].\r(¬٢) البخاري في موضعين: كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (١/ ٢٧) ح (٥٠)، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٤/ ١٧٩٣) ح (٤٤٩٩).\rومسلم: كتاب الإيمان، باب: الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٢٧٥) ح (٩)، و (١/ ٢٧٨) ح (١٠).\r(¬٣) قال النووي في شرحه على مسلم (١/ ٢٧٣): \"الصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد، فيكون بمعنى: ربها، قال أهل اللغة: بعل الشيء: ربه ومالكه، وقال ابن عباس ﵄ والمفسرون في قوله -سبحانه الله وتعالى-: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ أي: ربًا، وقيل: المراد بالبعل في الحديث الزوج ... إلا أن الأول أظهر، لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى، والله أعلم\". =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211808,"book_id":118,"shamela_page_id":592,"part":null,"page_num":605,"sequence_num":592,"body":"وعن عمر بن الخطاب ﵁، فذكر نحو الحديث المتقدم، وفيه: (أن تلد الأمة ربتها)، رواه مسلم (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rاستُشكل معنى هذا الحديث، وهو قوله ﷺ: (إذا ولدت الأمة ربها) أو (ربتها)، إذ كيف يتصور أن تلد الأمة ربها أو ربتها، بحيث تكون الأم مربوبة ومملوكة لولدها أو ابنتها؟ ! .\r* * *","footnotes":"= وقال ابن حجر في الفتح (١/ ١٢٢): \"قيل: المراد بالبعل: المالك، وهو أولى لتتفق الروايات\".\rوإلى هذا ذهب أكثر الشراح، كالقاضي عياض وابن الجوزي وابن الأثير وابن الصلاح والقرطبي وغيرهم [انظر على الترتيب: إكمال المعلم (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وكشف المشكل (١/ ١٣١)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ١٤١)، وصيانة صحيح مسلم (١٣٨)، والمفهم (١/ ١٤٨)].\rوقد نص أهل اللغة وغيرهم على أن البعل يأتي بمعنى السيد أو المالك. [انظر: تهذيب اللغة (٢/ ٢٥٠)، والصحاح (٤/ ١٣٤٢) كلاهما مادة: (بعل)، وجامع البيان للطبري (١٠/ ٥٢٠ - ٥٢١)، والمجموع المغيث (١/ ١٧٦)].\r(¬١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب: الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٢٥٩) ح (٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211809,"book_id":118,"shamela_page_id":593,"part":null,"page_num":606,"sequence_num":593,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على عدة أقوال، أهمها:\rالقول الأول: أن تلد الأمة لسيدها، فيكون الولد لها بمنزلة ربها وسيدها، لأنه ولد سيدها، وهو كأبيه في الحسب.\rوعلى هذا، يكون الذي من أشراط الساعة: كثرة السراري وأولادهن، وذلك لاتساع رقعة الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الكفر.\rوإلى هذا ذهب أبو عبيد (¬١)، والخطابي، وابن الجوزي (¬٢)، وابن الصلاح (¬٣)، وابن الأثير (¬٤)، والنووي (¬٥)، وابن رجب، وابن باز (¬٦)، وغيرهم (¬٧)، وقال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين (¬٨).\rقال الخطابي: \"قوله: (إذا ولدت الأمة ربتها) معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية منهم فاستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنه ولد سيدها\" (¬٩).","footnotes":"(¬١) انظر: غريب الحديث (٢/ ٢٢٤).\r(¬٢) انظر: كشف المشكل (١/ ١٣١).\r(¬٣) انظر: صيانة صحيح مسلم (١٣٥ - ١٣٦).\r(¬٤) انظر: النهاية (٢/ ١٧٩).\r(¬٥) انظر: رياض الصالحين (٦٩).\r(¬٦) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩٦).\r(¬٧) انظر: المعلم (١/ ١٨٧)، وإكمال المعلم (١/ ٢٠٥)، والمفهم (١/ ١٤٨).\r(¬٨) انظر: شرح النووي على مسلم (١/ ٢٧٣)، والتذكرة (٢/ ٤٩٨)، والفتح (١/ ١٢٢).\r(¬٩) أعلام الحديث (١/ ١٨٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211810,"book_id":118,"shamela_page_id":594,"part":null,"page_num":607,"sequence_num":594,"body":"وقال النووي: \"قال الأكثرون من العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأن مال الإنسان صائر إلى ولده\" (¬١).\rوقال ابن رجب: \"المراد بربتها: سيدتها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة: (ربها)، وهذا إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري، ويكثر أولادهن، فتكون الأم رقيقةً لسيدها، وأولاده منها بمنزلته، فإن ولد السيد بمنزلة السيد، فيصير ولد الأَمَة بمنزلة ربها وسيدها\" (¬٢).\rوهناك أقوال تؤول في النهاية إلى هذا القول وتندرج تحته، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر (¬٣) ومنها:\r- ما ذهب إليه إبراهيم الحربي من أن المعنى: أن تلد الإماء الملوك، فتكون أُمُّه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته (¬٤).\r- وذهب وكيع بن الجراح إلى أن المراد: أن تلد العجمُ العربَ (¬٥).\rقال ابن حجر: \"وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه بأخص من الأول، قال: أن تلد العجم العرب\" (¬٦).\rالقول الثاني: أن المراد: الإخبار عن كثرة بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فربما اشترى الولد أُمَّهُ وهو لا يعلم، لكثرة تداول المُلَّاك لها،","footnotes":"(¬١) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٧٣).\r(¬٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٣٦).\r(¬٣) انظر: الفتح (١/ ١٢٢)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٧).\r(¬٤) انظر: إكمال المعلم (١/ ٢٠٦)، وصيانة صحيح مسلم (١٣٦)، وشرح النووي على مسلم (١/ ٢٧٣)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ٢١٧)، وجامع العلوم والحكم (١/ ١٣٧)، والفتح (١/ ١٢٢).\r(¬٥) انظر: سنن ابن ماجه (١/ ٢٤ - ٢٥)، والتذكرة (٢/ ٤٩٨)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٧)، وجامع العلوم والحكم (١/ ١٣٧).\r(¬٦) الفتح (١/ ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211811,"book_id":118,"shamela_page_id":595,"part":null,"page_num":608,"sequence_num":595,"body":"فيكون حينئذٍ ربها وسيدها (¬١).\rقال القرطبي: \"وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصح أن يُحمل ذلك على بيعهن في حال حملهن، وهو محرَّم بالإجماع\" (¬٢).\rالقول الثالث: أن المراد: كثرة العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أُمَّه معاملة السيد أَمَتَهُ من الاستخدام، والإهانة بالسب والضرب وغيرهما (¬٣).\rوقد رجح هذا القول الحافظ ابن حجر فقال: \"هذا أوجه الأجوبة عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد: حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله: الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المُربَّى مربِّيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: أن تصير الحفاة ملوك الأرض\" (¬٤).\rوعلى هذا القول والذي قبله: الذي يكون من أشراط الساعة: غلبة الجهل وقلة العلم وفساد الأعمال، والاستهانة بالأحكام الشرعية (¬٥).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: المعلم (١/ ١٨٧)، وإكمال المعلم (١/ ٢٠٥)، والمفهم (١/ ١٤٨)، والتذكرة (٢/ ٤٩٨)، وشرح النووي على مسلم (١/ ٢٧٣)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٩)، والفتح لابن حجر (١/ ١٢٢)، وبهجة الناظرين (٣٩١).\r(¬٢) المفهم (١/ ١٤٨)، وانظر: الفتح (١/ ١٢٢).\r(¬٣) انظر: إكمال المعلم (١/ ٢٠٥)، والمفهم (١/ ٢٤٨)، والتذكرة (٢/ ٤٩٩)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٨)، والفتح لابن حجر (١/ ١٢٢)، وبهجة الناظرين (٣٩١).\r(¬٤) الفتح (١/ ١٢٢).\r(¬٥) انظر: المفهم (١/ ١٤٨)، والتذكرة (٢/ ٤٩٨)، والفتح لابن رجب (١/ ٢١٩)، والفتح (١/ ١٢٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211812,"book_id":118,"shamela_page_id":596,"part":null,"page_num":609,"sequence_num":596,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو أن معنى قوله ﷺ: (إذا ولدت الأمة ربها) أي: سيدها، وصورة ذلك: أن يستولد السيد أمته ومملوكته، فيكون ولده منها بمنزلة ربها وسيدها، لأنه كأبيه في الحسب، وولد السيد بمنزلة السيد.\rوفي هذه العلامة إشارة إلى كثرة الفتوحات الإسلامية ووقوع السبي وفشو النعمة وظهورها في الناس حيث تكثر السراري.\rوقد وجه الحافظ ابن حجر اعتراضًا على هذا القول فقال: \"لكن في كونه المراد نظر، لأن استيلاد الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة\" (¬١).\rوالجواب عن هذا الاعتراض: أنه وإن تقدم وقوع هذا فإنه لا يخرج عن كونه علامة من علامات الساعة، فإن بداية الأشراط متقدمة، لا سيما وأن بعثة النبي ﷺ تعتبر منها فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، قال: وضم السبابة والوسطى (¬٢).\rقال القرطبي: \"أولها النبي ﷺ، لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث","footnotes":"(¬١) الفتح (١/ ١٢٢).\r(¬٢) البخاري (٥/ ٢٣٨٥) ح (٦١٣٩)، ومسلم واللفظ له (١٨/ ٣٠٠) ح (٢٩٥١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211813,"book_id":118,"shamela_page_id":597,"part":null,"page_num":610,"sequence_num":597,"body":"وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بَيَّنَ ﷺ ما يليه من الأشراط فقال: (أن تلد الأمة ربتها) \" (¬١).\rوكذا موته ﵊ من أشراط الساعة، فقد أخرج البخاري من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي ... ) (¬٢).\rفكون ما جاء بعده بزمن يسير من أشراط الساعة من باب أولى.\rوقد أخبر النبى ﷺ عن عدد من أشراط الساعة فوقعت بعد موته بزمن يسير، كقوله ﷺ -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁-: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة) (¬٣)، فقد ذكر بعض أهل العلم، كالبيهقي (¬٤)، وابن حجر (¬٥)، وغيرهما (¬٦)، أن المراد بذلك ما حصل بين علي ومعاوية ﵄ في موقعة صفين، والله أعلم.\rوأما القول الثاني وهو أن المراد: الإخبار عن كثرة بيع أمهات الأولاد، حتى إن بعض ولدها ربما اشتراها واستخدمها جاهلًا بأنها أمه، فيشكل عليه أن المفهوم من ظاهر الحديث أن ولدها يكون ربها وسيدها حال ولادتها له، بل وقبل ذلك، ولهذا استبعد هذا القول الحافظ ابن رجب حيث قال: \"في هذا القول نظر وبعد\" (¬٧).\rوأما القول الثالث وهو أن المراد: الإخبار عن كثرة العقوق في","footnotes":"(¬١) التذكرة (٢/ ٤٧٤)، ونقل نحوًا منه عن الضحاك والحسن عليهما رحمة الله.\r(¬٢) صحيح البخاري (٣/ ١١٥٩) ح (٣٠٠٥).\r(¬٣) متفق عليه: البخاري (٦/ ٢٦٠٥) ح (٦٧٠٤)، ومسلم (١٨/ ٢٢٨) ح (٢٨٨٨).\r(¬٤) انظر: دلائل النبوة (٦/ ٤١٨).\r(¬٥) انظر: الفتح (١٣/ ٨٥).\r(¬٦) انظر: شرح النووي على مسلم (١٨/ ٢٣٠).\r(¬٧) فتح الباري (١/ ٢١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211814,"book_id":118,"shamela_page_id":598,"part":null,"page_num":611,"sequence_num":598,"body":"الأولاد، حتى إن الولد يعامل أمه معاملة السيد أمته، فهو تأويل بعيد عن ظاهر الحديث، ثم إن العقوق لا يختص بأولاد الإماء، ولذا قال القاضي عياض -معقبًا على هذا القول-: \"لكن لا معنى إذًا لتخصيص أولاد الإماء بهذا، إلا أن يقال: إن سبب نسبه الأموية أقرب إلى استدعاء العقوق والاستحقار\" (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) إكمال المعلم (٢٠٥ - ٢٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211815,"book_id":118,"shamela_page_id":599,"part":null,"page_num":613,"sequence_num":599,"body":"الفصل الثاني: الأحايث المتوهم إشكالها في المعاد\rوفيه ستة مباحث:\r* المبحث الأول: أحاديث الميزان، في بيان ما الذي يوزن؟ .\r* المبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون).\r* المبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة).\r* المبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم).\r* المبحث الخامس: شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب.\r* المبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211816,"book_id":118,"shamela_page_id":600,"part":null,"page_num":615,"sequence_num":600,"body":"المبحث الأول: أحاديث الميزان، في ما الذي يوزن؟\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211817,"book_id":118,"shamela_page_id":601,"part":null,"page_num":616,"sequence_num":601,"body":"المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الاشكال\rعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، متفق عليه (¬١).\rوعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ... )، رواه مسلم (¬٢).\rوعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، متفق عليه\" (¬٣).\r\rبيان وجه الإشكال\rقبل ذكر وجه الإشكال يحسن التنبيه على أن الميزان ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:","footnotes":"(¬١) البخاري في مواضع: في كتاب الدعوات، باب: فضل التسبيح (٥/ ٢٣٥٢) ح (٦٠٤٣)، وفي كتاب الأيمان والنذور، باب: إذا قال: والله لا أتكلم اليوم ... (٦/ ٢٤٥٩) ح (٦٣٠٤)، وفي كتاب التوحيد، باب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ (٦/ ٢٧٤٩) ح (٧١٢٤).\rومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء (١٧/ ٢٠) ح (٢٦٩٤).\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب: (١) (٣/ ١٠١) ح (٢٢٣).\r(¬٣) البخاري: كتاب التفسير، باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ... ﴾ (٤/ ١٧٥٩) ح (٤٤٥٢)، ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، الحديث الأول (١٧/ ١٣٥) ح (٢٧٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211818,"book_id":118,"shamela_page_id":602,"part":null,"page_num":617,"sequence_num":602,"body":"أما الكتاب فمنه: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].\rوقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨, ٩].\rوقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون: ١٠٢, ١٠٣].\rوأما السنة: فتقدم ذكر بعض الأحاديث في ذلك، وقد نص بعض أهل العلم على أن أحاديث الميزان قد بلغت حد التواتر (¬١).\rوأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أهل العلم (¬٢).\rوقد ذكره أئمة السلف في عقائدهم، ونصوا على أنه حق، والإيمان به واجب (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: النهاية لابن كثير (٢/ ٣٦)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٥)، والتنبيهات السنية (٢٢٨).\r(¬٢) انظر: الشرح والإبانة لابن بطة (٢٢٣)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ٥٥٩)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، والفتح (١٣/ ٥٣٨)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٥).\r(¬٣) انظر: الفقه الأكبر لأبي حنيفة بشرح الملا علي القاري (١٩٨)، والعقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز (٥٨٨ - ٥٨٩، ٦٠٨)، والشريعة للآجري (٣/ ١٣٢٨)، والشرح والإبانة لابن بطة (٢٢٢)، وعقيدة السلف للصابوني (٢٥٨)، والاعتقاد لابن أبي يعلى (٣٣)، والحجة في بيان المحجة (١/ ٥٠٢)، والدرة فيما يجب اعتقاده (٢٨٧)، والمحلى (١/ ٣٦) كلاهما لابن حزم، وعقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (٨٩)، ولمعة الاعتقاد بشرح العثيمين (١١٩)، والعقيدة الواسطية بشرح الهراس (٢٠٤)، والكافية الشافية لابن القيم، بشرح ابن عيسى (٢/ ٥٩٣)، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة للدكتور عبد الإله الأحمدي (٢/ ٢٠٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211819,"book_id":118,"shamela_page_id":603,"part":null,"page_num":618,"sequence_num":603,"body":"وأما وجه الإشكال في الأحاديث السابقة فهو: أن الحديثين الأولين يدلان على وزن الأعمال، بينما الحديث الثالث يدل على وزن العامل، وجاء في غير الصحيحين (¬١) ما يدل على وزن صحائف الأعمال، وبناءً على اختلاف هذه الروايات اختلف أهل العلم في تعيين الموزون، كما ستراه في المطلب التالي إن شاء الله تعالى.\r* * *","footnotes":"(¬١) سيأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211820,"book_id":118,"shamela_page_id":604,"part":null,"page_num":619,"sequence_num":604,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في تعيين الموزون على عدة أقوال، أهمها:\rالقول الأول: أن الذي يوزن الأعمال نفسها.\rوإلى هذا ذهب ابن حزم، والطيبي (¬١)، وابن حجر، وغيرهم (¬٢)، وعزاه بعضهم إلى أهل الحديث (¬٣).\rقال ابن حزم: \"وموازين الآخرة لا يوزن فيها إلا الأفعال والأقوال ونيات النفوس\" (¬٤).\rوقال ابن حجر: \"والصحيح أن الأعمال هي التي توزن\" (¬٥).\rواستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:\r١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، متفق عليه.","footnotes":"(¬١) انظر: الفتح (١٣/ ٥٣٩).\r(¬٢) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٥)، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٦٩)، ومعالم التنزيل (٢/ ١٤٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٢٤)، وبهجة الناظرين (٥٢٩)، وتحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان (٥٨) كلاهما لمرعي بن يوسف، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧)، ومعارج القبول (٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، والروضة الندية شرح العقيدة الواسطية لابن فياض (٣٢٥)، والتنبيهات السنية على العقيدة الواسطية للرشيد (٢٢٨، ٢٢٩)، وشرح العثيمين على لمعة الاعتقاد (١٢١).\r(¬٣) انظر: التنبيهات السنية (٢٢٩).\r(¬٤) الدرة فيما يجب اعتقاده (٢٨٨)، وانظر: المحلى (١/ ٣٦).\r(¬٥) الفتح (١٣/ ٥٣٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211821,"book_id":118,"shamela_page_id":605,"part":null,"page_num":620,"sequence_num":605,"body":"٢ - حديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ... )، رواه مسلم.\rفقالوا: هذان الحديثان صريحان في وزن الأعمال أنفسها (¬١).\r٣ - قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].\rفقالوا: إن ظاهر هذه الآية يدل على أن العمل هو الذي يوزن (¬٢).\rالقول الثاني: أن الذي يوزن العامل، أي: صاحب العمل، (¬٣) وقال بعضهم: العامل مع عمله (¬٤).\rواستدل هؤلاء بما يلي:\rحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾)، متفق عليه.\rحديث عبد الله بن مسعود ﵁: أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: (مِمَّ تضحكون؟ ) قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد) (¬٥).","footnotes":"(¬١) انظر: النهاية في الفتن (٢/ ٢٥، ٢٦)، وشرح العقيدة الطحاوية (٦١١).\r(¬٢) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٨٧)، وتوضيح المقاصد -شرح نونية ابن القيم- لابن عيسى (٢/ ٥٩٣)، وشرح العثيمين على لمعة الاعتقاد (١٢١).\r(¬٣) انظر: معالم التنزيل (٢/ ١٤٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٢٤)، ومعارج القبول (٢/ ١٨٤)، والتنبيهات السنية (٢٢٩)، وشرح الشيخ ابن عثيمين على لمعة الاعتقاد (١٢١).\r(¬٤) انظر: بهجة الناظرين (٥٢٩)، وتحقيق البرهان (٥٨)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧).\r(¬٥) أخرجه أحمد (٦/ ٣٦) ح (٣٩٩١)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٧٨) =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211822,"book_id":118,"shamela_page_id":606,"part":null,"page_num":621,"sequence_num":606,"body":"القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال (¬١).\rوإلى هذا ذهب ابن عبد البر (¬٢)، والقرطبي، ونقله عن ابن عمر (¬٣)، ومرعي بن يوسف (¬٤)، والسفاريني (¬٥) -وذكراه عن جمهور المفسرين - والشوكاني (¬٦).\rوعمدة هؤلاء حديث البطاقة، وهو ما رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ يقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول:","footnotes":"= ح (٨٤٥٢)، وقال ابن كثير في النهاية (٢/ ٢٩): \"إسناده جيد قوي\"، وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٨٩)، وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني من طرق ... وأمثل طرقها فيه عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح\"، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\r(¬١) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٤)، والاعتقاد (١١٨ - ١١٩)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٩) كلاهما للبيهقي، ومعالم التنزيل (٢/ ١٤٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٤)، والنهاية في الفتن (٢/ ٣٥)، والفتح (١٣/ ٥٣٩)، و (١/ ٧٣)، ومعارج القبول (٢/ ١٨٤)، والتنبيهات السنية (٢٢٩)، وشرح الشيخ ابن عثيمين على لمعة الاعتقاد (١٢١).\r(¬٢) انظر: بهجة الناظرين (٥٢٩)، وتحقيق البرهان (٥٨)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧)، والتنبيهات السنية (٢٢٩).\r(¬٣) انظر: التذكرة (٢/ ١٦، ١٧)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥).\r(¬٤) انظر: بهجة الناظرين (٥٢٩)، وتحقيق البرهان (٥٨).\r(¬٥) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٨٧).\r(¬٦) انظر: فتح القدير (٢/ ١٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211823,"book_id":118,"shamela_page_id":607,"part":null,"page_num":622,"sequence_num":607,"body":"احْضُرْ وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء) (¬١).\rقال القرطبي: \"قوله: (فيخرج له بطاقة)، وذلك يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال\" (¬٢).\rوقال مرعي بن يوسف: \"فثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون إنما هو صحائف الأعمال\" (¬٣).\rومما أيدوا به قولهم هذا -أيضًا- أن قالوا: إن وزن الأعمال قد استُشكل، لأنها أعراض، والأعراض لا توصف بثقل ولا خفة، ولا تقبل الوزن، والقول: بأن الموزون هو الصحائف التي تكتب فيها الأعمال يرفع هذا الإشكال، لأن الصحائف أجسام (¬٤).\rقال الشيخ ابن عثيمين: \"وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن ... الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره وحرمته، وهذا جمع حسن، والله أعلم\" (¬٥).","footnotes":"(¬١) أخرجه الترمذي (تحفة ٧/ ٣٩٥) ح (٢٧٧٦)، وقال: \"هذا حديث حسن غريب\"، وابن ماجه (٢/ ١٤٣٧) ح (٤٣٠٠)، وأحمد (١١/ ١٧٥) ح (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦) ح (٩)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي، قال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢١٢): \"وهو كما قالا\"، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند، ولأبي القاسم حمزة الكناني جزء حديثي لطيف سماه: (جزء البطاقة) أورد فيه بإسناده أحد عشر حديثًا في مواضيع مختلفه، كان هذا الحديث هو الحديث الثاني منها، وقال عنه: \"هو من أحسن الحديث\" [انظر: مقدمته (٥) بتحقيق الدكتور عبد الرزاق البدر].\r(¬٢) التذكرة (٢/ ١٧).\r(¬٣) بهجة الناظرين (٥٢٩)، وانظر: تحقيق البرهان (٥٩)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧).\r(¬٤) انظر: التذكرة (٢/ ١٦)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، والفتح (١٣/ ٥٣٩).\r(¬٥) شرح لمعة الاعتقاد (١٢١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211824,"book_id":118,"shamela_page_id":608,"part":null,"page_num":623,"sequence_num":608,"body":"وأجابوا عن حديث: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) بأن المراد به ضرب مثل لبيان قدره وحرمته، وليس المراد حقيقة الوزن (¬١).\rوأما حديث ابن مسعود فأجاب عنه بعضهم بالخصوصية (¬٢).\rالقول الرابع: أن الجميع يوزن فتوزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وإلى هذا ذهب ابن كثير (¬٣)، وابن أبي العز، وحافظ الحكمي، وابن باز وغيرهم (¬٤).\rقال ابن أبي العز بعدما ساق بعض النصوص الواردة في ذلك: \"فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال\" (¬٥).\rوقال حافظ الحكمي: \"الذي استظهر من النصوص -والله أعلم- أن العامل وعمله وصحيفة عمله كل ذلك يوزن، لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل ذلك ولا منافاة بينها\" (¬٦).\rوقال الشيخ ابن باز: \"الجمع بين النصوص الواردة في وزن الأعمال، والعاملين، والصحائف أنه لا منافاة بينها فالجميع يوزن، ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل، ولا بالصحيفة\" (¬٧).","footnotes":"(¬١) انظر: التذكرة (٢/ ١١)، والفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية للجمل (٢/ ١٢٢)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧ - ١٨٨).\r(¬٢) انظر: المجموع الثمين (١٤٧)، وشرح العقيدة الواسطية (٢/ ١٤٣) كلاهما للشيخ ابن عثيمين.\r(¬٣) انظر: النهاية في الفتن (٢٩، ٣٥)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٢٥).\r(¬٤) انظر: شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان (١٤٨).\r(¬٥) شرح العقيدة الطحاوية (٦١٣).\r(¬٦) معارج القبول (٢/ ١٨٥).\r(¬٧) التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية للسعدي، بتعليق الشيخ ابن باز (٧١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211825,"book_id":118,"shamela_page_id":609,"part":null,"page_num":624,"sequence_num":609,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالمتأمل للأقوال الثلاثة الأولى يجد أن كل واحد منها نظر إلى نوع واحد من النصوص الواردة في ذلك، ثم قال: بمدلوله، وبعضهم حاول الإجابة عن بعض النصوص الدالة على وجود موزونات أخرى غير ما ذهب إليه، كتأويل بعضهم لحديث وزن العامل بما يخالف ظاهره ومقتضاه، حيث قالوا: إنه مجرد ضرب مثل، فلا يؤخذ منه إثبات وزن العامل حقيقة.\rوالحق هو القول الجاري على الجمع بين النصوص الواردة في ذلك، والأخذ بمدلولها، فحيث ثبت وزن الأعمال، كما في أدلة القول الأول، وثبت وزن العامل، كما في أدلة القول الثاني، وثبت وزن الصحائف كما في حديث البطاقة، فإن المتعين هو القول: بأن جميع ذلك يوزن -على ما جاء في القول الرابع- وإن كان الاعتبار في الثقل والخفة إنما يكون بالعمل نفسه، لا بذات العامل ولا بالصحيفة، وهذا مقتضى الأدلة كلها، أما أحاديث وزن الأعمال فواضح، وأما أحاديث وزن العامل فهي ظاهرة الدلالة على أن العمل هو المؤثر في خفة العامل وثقله في الميزان، وحديث البطاقة دالٌّ على ذلك كذلك، فإن البطاقة إنما ثقلت بسبب ما كتب فيها من العمل وهو الشهادتان.\rوقد جاء عند الإمام أحمد وغيره ما يدل صراحة على هذا الجمع، وهو أن جميع ذلك يوزن، حيث روى حديث البطاقة عن عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا بلفظٍ يجمع ما تفرق من هذه النصوص، وهو: (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، فيوضع ما أحصي عليه، فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أُدْبِرَ به إذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211826,"book_id":118,"shamela_page_id":610,"part":null,"page_num":625,"sequence_num":610,"body":"صائح يصيح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان) (¬١).\rقال ابن كثير: \"وفي رواية الإمام أحمد بن حنبل من طريق ابن لهيعة في حديث البطاقة أنه يوزن مع عمله في الكتاب، وهذه الرواية تجمع الأقوال كلها بتقدير صحتها، والله تعالى أعلم\" (¬٢).\rوقال حافظ الحكمي بعد استدلاله بهذه الرواية: \"وهذا غاية الجمع بين ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، ولله الحمد والمنة\" (¬٣).\rتنبيه:\rنص بعض أهل العلم -كالبخاري (¬٤)، والنووي (¬٥)، وابن تيمية (¬٦)، وابن القيم (¬٧)، وغيرهم (¬٨) - على وزن الأعمال، ولكن لا يعني هذا نفيهم وزن العامل أو الصحائف، إلا إذا ورد عنهم ما يدل على حصر الموزون في الأعمال، ولم أقف -بعد البحث- على شيء من هذا، ولعلهم ذكروا الأعمال دون غيرها لوجود مناسبة معينة، كدلالة آية أو حديث على ذلك، أو باعتبار أنها هي المؤثر الحقيقي في الميزان، والله أعلم.","footnotes":"(¬١) أخرجه الإمام أحمد (١٢/ ٢٣) ح (٧٠٦٦)، والترمذي (تحفة ٧/ ٣٩٧) ح (٢٧٧٧) لكن لم يذكر متنه وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٢)، وقال: \"رواه أحمد وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وباقي رجاله رجال الصحيح\"، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\r(¬٢) النهاية (٢/ ٢٩)، وانظر: (٢/ ٢٤)، وشرح الطحاوية (٦١٠، ٦١٣).\r(¬٣) معارج القبول (٢/ ١٨٥).\r(¬٤) انظر: صحيح البخاري (٦/ ٢٧٤٩).\r(¬٥) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٣).\r(¬٦) انظر: العقيدة الواسطية بشرح الهراس (٢٠٤)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢).\r(¬٧) انظر: الكافية الشافية بشرح ابن عيسى (٢٥٩٣).\r(¬٨) انظر: الشريعة للآجري (٣/ ١٣٢٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211827,"book_id":118,"shamela_page_id":611,"part":null,"page_num":626,"sequence_num":611,"body":"إشكال وجوابه:\rاستُشكل وزن الأعمال من حيث إنها أعراض فكيف توزن، والوزن إنما يكون للأجسام؟ (¬١).\rوقد أجاب بعضهم عن هذا الإشكال: بأن الله تعالى يقلب الأعراض يوم القيامة أجسامًا ثم توزن (¬٢).\rقال ابن كثير: \"قوله: (والحمد لله تملأ الميزان) فيه دلالة على أن العمل نفسه وإن كان عرضًا قد قام بالفاعل، يحيله الله يوم القيامة فيجعله ذاتًا يوضع في الميزان\" (¬٣).\rوقال ابن أبي العز: \"فلا يلتفت إلى قول ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزنَ الأجسامُ، فإن الله يقلب الأعراض أجسامًا\" (¬٤).\rوقال ابن حجر نقلًا عن الطيبي: \"والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذٍ تجسد أو تجعل في أجسام، فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن\" (¬٥).\rوأيدوا قولهم هذا بأنه قد جاء في السنة ما يدل على أن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا يوم القيامة، ومن ذلك:","footnotes":"(¬١) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٣)، وشرح العقيدة الطحاوية (٦١٢)، وشرح العقيدة الواسطية للعثيمين (٢/ ١٤٠).\r(¬٢) انظر: معالم التنزيل (٢/ ١٤٩)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، والكافية الشافية لابن القيم بشرح ابن عيسى (٢/ ٥٣٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٢٤)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ١٦)، والفتح (١/ ٧٣)، وبهجة الناظرين (٥٢٩)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٧)، ومعارج القبول (٢/ ١٨٣ - ١٨٤).\r(¬٣) النهاية (٢/ ٢٦).\r(¬٤) شرح العقيدة الطحاوية (٦١٢).\r(¬٥) الفتح (١٣/ ٥٣٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211828,"book_id":118,"shamela_page_id":612,"part":null,"page_num":627,"sequence_num":612,"body":"ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيَشْرَئِبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم: ٣٩]) (¬١).\rوعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كانهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة)، رواه مسلم (¬٢).\rولا ريب أن تجسيد الأعمال يوم القيامة ثم وزنها أمر محتمل، لكن لا ينبغي الجزم به لعدم الدليل عليه (¬٣)، فكيفية وزن الأعمال يوم القيامة من أمور الغيب، والذي يجب فيها: أن نقف عند حدود ما ورد به النص، فنؤمن بها كما جاءت، ولا نكلف أنفسنا عناء الخوض في كيفيتها وأمورها التفصيلية إلا على ضوء ما ورد به الشرع، والله أعلم.\rقال ابن تيمية: \"وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أُخبرنا به من الغيب\" (¬٤).\rوقال ابن أبي العز: \"فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال،","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري (٤/ ١٧٦٠) ح (٤٤٥٣)، وصحيح مسلم (١٧/ ١٩٠) ح (٢٨٤٩).\r(¬٢) صحيح مسلم (٦/ ٣٣٧) ح (٨٠٤).\r(¬٣) انظر: الحياة الآخرة للدكتور غالب العواجي (٣/ ١١٤٠).\r(¬٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211829,"book_id":118,"shamela_page_id":613,"part":null,"page_num":628,"sequence_num":613,"body":"وثبت أن الميزان له كفتان (¬١)، والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات، فعلينا الإيمان بالغيب، كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولا نقصان\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) كما في حديث البطاقة: (فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة).\r(¬٢) شرح العقيدة الطحاوية (٦١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211830,"book_id":118,"shamela_page_id":614,"part":null,"page_num":629,"sequence_num":614,"body":"المبحث الثاني: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوَّرون)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211831,"book_id":118,"shamela_page_id":615,"part":null,"page_num":630,"sequence_num":615,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصوِّرون)، متفق عليه (¬١).\rوفي رواية لمسلم: (إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابًا المصوِّرون).\rوعن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون (¬٢) بخلق الله)، متفق عليه (¬٣).\rوفي رواية لمسلم: (إن من أشد الناس .... ).\r\rبيان وجه الإشكال\rاستُشكل هذا الحديث لأنه يقتضي كون المصور أشد الناس عذابًا، ومعلوم أن المؤمن المذنب لا يكون أشد عذابًا من الكافر، لا سيما وقد قال الله تعالى عن آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].","footnotes":"(¬١) البخاري: كتاب اللباس، باب: عذاب المصوِّرين يوم القيامة (٥/ ٢٢٢٠) ح (٥٦٠٦)، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان (١٤/ ٣٣٧) ح (٢١٠٩).\r(¬٢) قال ابن الأثير (٣/ ١٠٦): \"المضاهاة: المشابهة، وقد تهمز، وقُرئ بهما\"، وانظر: الفتح (١٠/ ٣٨٧).\r(¬٣) البخاري: كتاب اللباس، باب: ما وُطئَ من التصاوير (٥/ ٢٢٢١) ح (٥٦١٠)، ومسلم: كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان (١٤/ ٣٣٤) ح (٢١٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211832,"book_id":118,"shamela_page_id":616,"part":null,"page_num":631,"sequence_num":616,"body":"قال الطبري: \"إن قال قائل: ما أنت قائل فيمن صور صورة وهو لله موحد، ولنبيه ﵇ مصدق، أهو أشد عذابًا أم فرعون وآله؟ فإن قلت: من صور صورة، قيل: قد قال الله خلاف ذلك: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ \" (¬١)، ثم أجاب عن الحديث، كما سيأتي في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.\rوقال ابن حجر: \"وقد استُشكل كون المصور أشد الناس عذابًا مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابًا من آل فرعون\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) نقل ذلك عنه ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري (٩/ ١٧٤ - ١٧٥)، وانظر: المفهم (٥/ ٤٣٠).\r(¬٢) الفتح (١٠/ ٣٨٣)، وانظر: عمدة القاري (٢٢/ ٧٠)، والقول المفيد للشيخ ابن عثيمين (٣/ ٢٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211833,"book_id":118,"shamela_page_id":617,"part":null,"page_num":632,"sequence_num":617,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على عدة أقوال، وهي كالتالي:\rالقول الأول: أن هذا الوعيد فيمن قصد مضاهاة خلق الله تعالى، لأن من كان هذا قصده فهو كافر، بخلاف ما لو صوَّر بدون قصد المضاهاة فإنه لا يكفر، لكنه اقترف ذنبًا كبيرًا (¬١).\rوإلى هذا ذهب الطبري وابن بطال، واستدلا برواية عائشة ﵂: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)، متفق عليه.\rقال الطبري: \"ليس في خبر ابن مسعود خلاف للتنزيل (¬٢)، بل هو له مصدق، وذلك أن المصوِّر الذي أخبر النبي ﵇ أنه له أشد العذاب هو الذي وصفه النبي ﵇ في حديث عائشة بقوله: (الذين يضاهون خلق الله) \" (¬٣).\rوقال ابن بطال معقبًا على كلام الطبري: \"المتكلف من ذلك مضاهاة ما صوره ربه في خلقه أعظم جرمًا من فرعون وآله، لأن فرعون كان كفره بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] من غير ادعاءٍ منه أنه يخلق، ولا","footnotes":"(¬١) انظر: إكمال المعلم (٦/ ٦٣٨)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٣٩)، وكشف المشكل (١/ ٢٨٠).\r(¬٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.\r(¬٣) نقل ذلك عنه ابن بطال (٩/ ١٧٥)، وانظر: الفتح (١٠/ ٣٨٣)، وعمدة القاري (٢٢/ ٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211834,"book_id":118,"shamela_page_id":618,"part":null,"page_num":633,"sequence_num":618,"body":"محالة (¬١) منه أن ينشئ خلقًا يكون كخلقه تعالى شبيهًا ونظيرًا، والمصوِّر المضاهي بتصويره ذلك منطوٍ على تمثيله نفسه بخالقه، فلا خلق أعظم كفرًا منه، فهو بذلك أشدهم عذابًا وأعظم عقابًا، وأما من صور صورة غير مضاه ما خلق ربه، وإن كان بفعله مخطئًا، فغير داخل في معنى من ضاهى ربه بتصويره\" (¬٢).\rالقول الثاني: أن هذا الوعيد فيمن صور الصور لكي تعبد، كحال صانعي الأصنام، فمن فعل هذا فهو كافر، والكفار أشد الناس عذابًا (¬٣).\rاختار هذا الكرماني (¬٤) والقسطلاني (¬٥).\rقال الكرماني: \"فإن قلتَ: لِمَ كانوا أشد الناس عذابًا؟ قلتُ: لأنهم يصورون الأصنام للعبادة لها، فهم كفرة، والكفرة أشدهم عذابًا\" (¬٦).\rالقول الثالث: أن الناس الذين أُضيف إليهم: (أشد) لا يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعَّد عليه بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادَّعوا الإلهية عذابًا، ومن صوَّر ذوات الأرواح للعبادة، أشد عذابًا ممن يصورها لا للعبادة.","footnotes":"(¬١) هكذا في الأصل، ولعلها: (محاولة)، والله أعلم.\r(¬٢) شرح صحيح البخاري (٩/ ١٧٥)، وانظر: (٩/ ١٧٨).\r(¬٣) انظر: إكمال المعلم (٦/ ٦٣٨)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩).\r(¬٤) هو شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن عبد الكريم الكرماني الشافعي، نزيل بغداد، طاف في البلاد لطلب العلم، ودخل مصر والشام والحجاز والعراق وبها استوطن، تصدى لنشر العلم في بغداد ثلاثين سنة، وكان علَّامة بالحديث، توفي ﵀ سنة (٧٨٦ هـ) له مؤلفات من أشهرها: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ٢٩٤)، والأعلام (٧/ ١٥٣)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٧٨٤)].\r(¬٥) انظر: إرشاد الساري (١٢/ ٦٢٢).\r(¬٦) الكواكب الدراري (٢١/ ١٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211835,"book_id":118,"shamela_page_id":619,"part":null,"page_num":634,"sequence_num":619,"body":"وإلى هذا ذهب القرطبي (¬١).\rالقول الرابع: حمل الحديث على رواية: (إن من أشد ... ) أي: بإثبات (من) فيكون المصور من أشد الناس عذابًا، وليس هو أشدهم، وكونه كذلك لا يمنع مشاركة غيره له في ذلك، لأن هذا اللفظ لا يوجب اختصاص المصور بالوعيد المذكور.\rوإلى هذا ذهب الطحاوي -وغيره (¬٢) - إلا أنه خص هذا الوصف بثلاثة أصناف ورد ذكرهم في الحديث الذي أخرجه هو وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتل نبيًا أو قتله نبي، وإمام ضلالة، ومُمَثِّل من الممثلين) (¬٣).\rوقال: \"المشبه بخلق الله هو الممثل بخلق الله\" (¬٤) أي: أن المصور داخل في الصنف الثالث الوارد في هذا الحديث.\rالقول الخامس: أن الأشدية نسبية، يعني: أن المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس.\rقال الشيخ محمد العثيمين: \"وهذا أقرب الوجوه، والله أعلم\" (¬٥).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: المفهم (٥/ ٤٣١)، والفتح (١٠/ ٣٨٤)، وعمدة القاري (٢٢/ ٧٠).\r(¬٢) انظر: الفتح (١٠/ ٣٨٣)، وعمدة القاري (٢٢/ ٧٠)، والقول المفيد (٣/ ٢٠٩)، ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٢/ ٢٨٢).\r(¬٣) أخرجه بالإضافة إلى الطحاوي: الإمام أحمد (٥/ ٣٣٢) ح (٣٨٦٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢١١) ح (١٠٤٩٧)، وأورده الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٣٦)، وقال: \"رواه البزار ورجاله ثقات، وكذلك أحمد\"، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\r(¬٤) شرح مشكل الآثار (تحفة ٩/ ٤٤٥).\r(¬٥) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٨٢)، وانظر: القول المفيد (٣/ ٢٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211836,"book_id":118,"shamela_page_id":620,"part":null,"page_num":635,"sequence_num":620,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- القول الخامس، وهو أن الأشدية نسبية، أي: أن المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة، لا بالنسبة لجميع الناس -أي: أشد العصاة عذابًا- لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا، وقد دلت نصوص الشريعة على أن المذنب لا يكون أشد عذابًا من الكافر، وأن المعصية مهما عظمت فإنها لا تكون أعظم من الشرك والكفر بالله تعالى.\rقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]، فهذه الآية -ونظائرها- تدل على أن سائر الذنوب التي هي دون الكفر والشرك -والتي من جملتها التصوير- تكون تحت المشيئة، بخلاف الشرك والكفر، فإن الله تعالى لا يغفره، مما يدل على أنه أعظم ذنبًا وأشد عذابًا.\rوقد روى الطبري في تفسيره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: \"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: من كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون\" (¬١).\rقال القرطبي: \"تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال تعالى في أصحاب المائدة: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وقال","footnotes":"(¬١) جامع البيان (٥/ ١٣٦)، وانظر: معالم التنزيل (٢/ ٧٨)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ١٨٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211837,"book_id":118,"shamela_page_id":621,"part":null,"page_num":636,"sequence_num":621,"body":"في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] \" (¬١).\rلكن مما لا شك فيه أن هذا الوعيد في حق المصور يدل على عظم هذه المعصية، وأنها من كبائر الذنوب، مما يوجب له تركها والبعد عنها، والحذر منها.\r\rمناقشة الأقوال المرجوحة:\rأما القول الأول، وهو حمل الحديث على من قصد المضاهاة، دون من صور ولم يقصدها، فيشكل عليه: أن المضاهاة حاصلة بمجرد التصوير، سواءً قصدها أم لم يقصدها.\rقال الشيخ ابن عثيمين: \"قوله: (يضاهئون) هل الفعل يشعر بالنية، أو نقول: المضاهاة حاصلة، سواء كانت بنية أو بغير نية؟ الجواب: الثاني، لأن المضاهاة حصلت سواء نوى أم لم ينوِ، لأن العلة هي المشابهة، وليست العلة قصد المشابهة\" (¬٢).\rوأما القول الثاني: وهو حمل الحديث على من صور الصورة لكي تعبد، فقد استبعده الشيخ ابن عثيمين، حيث قال: \"وليست الحكمة كما يدعيه كثير من الناس أنهم يصنعونها لتعبد من دون الله، فذلك شيء آخر، فمن صنع شيئًا ليعبد من دون الله، فإنه حتى ولو لم يصور-كما لو أتى بخشبة وقال: اعبدوها- دخل في التحريم\" (¬٣).\rوأما القول الثالث: وهو قصر الناس في قوله: (إن أشد الناس عذابًا ... ) على المصورين فقط، فيرده عموم الحديث، لا سيما وأنه لا دليل على هذا التخصيص.\rوأما القول الرابع: وهو حمل الحديث على رواية: (إن من أشد ... )","footnotes":"(¬١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤٢٥).\r(¬٢) القول المفيد (٣/ ٢٠٨)، وانظر: عمدة القاري (٢٢/ ٧٠).\r(¬٣) القول المفيد (٣/ ٢٠٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211838,"book_id":118,"shamela_page_id":622,"part":null,"page_num":637,"sequence_num":622,"body":"أي: بإثبات (من)، فإنه ليس فيه ما يرفع الإشكال، لأنه يقتضي مساواة المصور -الذي فعل كبيرة فقط- بالكافر المستكبر، الذي يقع عليه أشد العذاب (¬١).\rوالحاصل: أن الوعيد بهذه الصيغة (أشد الناس عذابًا) إن ورد في حق كافر-كقوله: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتل نبيًا أو قتله نبي) - فلا إشكال فيه، لأنه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاصٍ -كقوله: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصَّورون) -فيكون أشد عذابًا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالًا على عظم المعصية المذكورة (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: القول المفيد (٣/ ٢٠٩)، ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٢/ ٢٨٢).\r(¬٢) انظر: المعتصر من المختصر من مشكل الآثار لأبي الوليد بن وشد (٢/ ٢٣٧)، والفتح (١٠/ ٣٨٤)، وعمدة القاري (٢٢/ ٧٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211839,"book_id":118,"shamela_page_id":623,"part":null,"page_num":639,"sequence_num":623,"body":"المبحث الثالث: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211840,"book_id":118,"shamela_page_id":624,"part":null,"page_num":640,"sequence_num":624,"body":"المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال\rعن عائشة ﵂ قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، ، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، رواه مسلم (¬١).\rوفي رواية له: قالت عائشة ﵂: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: (أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلا).\r\rبيان وجه الإشكال\rذهب جمهور أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين في الجنة (¬٢)، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك، ولم يخالف فيه إلا طائفة قليلة من أهل العلم قالوا: بالوقف، كما سيأتي.\rقال الإمام أحمد، وقد سُئل عن أطفال المسلمين: \"ليس فيه خلاف أنهم في الجنة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (١٦/ ٤٥١) ح (٢٦٦٢).\r(¬٢) انظر: التمهيد (٦/ ٣٤٩)، والاستذكار (٨/ ٣٩٥)، والمعلم (٣/ ١٧٤، ١٨٠)، وإكمال المعلم (٨/ ١١٤، ١٤٨)، والمفهم (٦/ ٦٤٢)، والتذكرة (٢/ ٣١٧، ٣٢٨)، والفتح (٣/ ١٢٤).\r(¬٣) أهل الملل لأبي بكر الخلال (١/ ٦٦)، وانظر: المنتخب من العلل (٥٣)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211841,"book_id":118,"shamela_page_id":625,"part":null,"page_num":641,"sequence_num":625,"body":"وقال ابن عبد البر: \"أجمع العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافًا، إلا فرقة شذت من المجبرة، فجعلتهم في المشيئة، وهو قول شاذ مهجور، مردود بإجماع الجماعة، وهم الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط في مثل هذا\" (¬١).\rوقال النووي: \"أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة\" (¬٢).\rولعل من حكى الإجماع أراد: إجماع الجمهور، وهو ما عبر به ابن عبد البر في أحد المواضع، حيث قال بعد ذكر الحجج والأدلة على أنهم في الجنة: \"وفي هذه الآثار مع إجماع الجمهور ... \" (¬٣).\rوقال في موضع آخر: \"وقال آخرون: -وهم الأكثر-: أطفال المؤمنين في الجنة، وأطفال الكفار في المشيئة\" (¬٤).\rوإلى هذا أشار النووي في النقل المتقدم، حيث قال: \"أجمع من يعتد به ... \".\rوهو أيضًا ما وجه به ابن حجر قول من حكى الإجماع، حيث قال: \"لعله أراد إجماع من يعتد به\" (¬٥).\rولعل أدق من حكى هذا القول ونسبه إلى القائلين به الإمام المازري ﵀، حيث قال: \"أما أطفال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم، فأولاد الأنبياء صلوات الله عليهم منهم، قد تقرر الإجماع على أنهم في","footnotes":"= وأحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/ ١٠٧٥)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٥٤).\r(¬١) التمهيد (٦/ ٣٤٨)، وانظر: (٦/ ٣٥٠)، و (١٨/ ٩٠)، والتذكرة (٢/ ٣٢٩).\r(¬٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٤٧)، وانظر: (١٦/ ٤٢١).\r(¬٣) التمهيد (٦/ ٣٤٩).\r(¬٤) الاستذكار (٨/ ٣٩٥).\r(¬٥) الفتح (٣/ ٢٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211842,"book_id":118,"shamela_page_id":626,"part":null,"page_num":642,"sequence_num":626,"body":"الجنة، وكذلك جمهور العلماء على أن أولاد من سواهم من المؤمنين في الجنة، وبعضهم ينكر الخلاف في ذلك، ويتعلقون بظاهر القرآن، وما ورد في بعض الأخبار\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"الإجماع على أن الصغار من أولاد النبيين في الجنة، وجمهور العلماء على أن أطفال المؤمنين في الجنة أيضًا، وبعض العلماء وقف فيهم\" (¬٢).\rوقد يكون من نُقل عنهم الوقف في ذلك لم يثبت ذلك عنهم، أو عن بعضهم، فإن إسحاق بن راهويه وهو ممن نُقل عنه ذلك، قد رُوي عنه أنه قال: \"أما أولاد المسلمين فإنهم من أهل الجنة\" (¬٣).\rوالحاصل أن نسبة هذا القول -وهو أن أولاد المسلمين في الجنة- إلى الجمهور أدق من حكاية الإجماع عليه، والله تعالى أعلم.\r\rواستدل الجمهور على هذا القول بأدلة كثيرة، منها:\r١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١].\rقال أبو عمرو الداني (¬٤): \"قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ","footnotes":"(¬١) المعلم (٣/ ١٧٤)، وانظر: إكمال المعلم (٨/ ١١٤)، والمفهم (٦/ ٦٤٢)، والتذكرة (٢/ ٣٢٨)، والرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات لأبي عمرو الداني (١٢١).\r(¬٢) المعلم (٣/ ١٨٠) بتصرف يسير، وانظر: إكمال المعلم (٨/ ١٤٧ - ١٤٨).\r(¬٣) أهل الملل (١/ ٦٧)، وانظر: أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٥).\r(¬٤) هو الإمام الحافظ المجود المقري عالم الأندلس أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموي مولاهم، الأندلسي القرطبي ثم الداني، إليه المنتهى في علم القراءات، مع البراعة في علم الحديث والتفسير والنحو، له مائة وعشرون مؤلفًا منها: جامع البيان في السبع، وإيجاز البيان في قراءة ورش، والسنن الواردة في الفتن، توفي ﵀ سنة أربع وأربعين وأربعمائة (٤٤٤). [انظر: السير (١٨/ ٧٧)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٢٠)، والعبر (٢/ ٢٨٦)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211843,"book_id":118,"shamela_page_id":627,"part":null,"page_num":643,"sequence_num":627,"body":"بِإِيمَانٍ﴾ يعني: الكبار الذين بلغوا التكليف، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يعني: الصغار الذين لم يبلغوا التكليف، قاله ابن عباس (¬١) والضحاك (¬٢) \" (¬٣).\r٢ - قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٨, ٣٩]، فقد جاء عن علي بن أبي طالب أن أصحاب اليمين هم: أطفال المسلمين (¬٤)، قال ابن عبد البر: \"ولا مخالف له في ذلك من الصحابة\" (¬٥).\r٣ - ما أخرجه مسلم عن أبي حسان أنه قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا، قال: قال: نعم (صغارهم دعاميص (¬٦) الجنة، يتلقى أحدهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- كما آخذ أنا","footnotes":"= وشذرات الذهب (٣/ ٢٧٢)].\r(¬١) انظر: جامع البيان (١١/ ٤٨٨)، ومعالم التنزيل (٤/ ٢٣٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٦٧)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٧٤).\r(¬٢) انظر: جامع البيان (١١/ ٤٨٨)، ومعالم التنزيل (٢٣٩).\r(¬٣) الرسالة الوافية (١٢١)، وانظر: الاعتقاد للبيهقي (٩٠)، والمعلم (٣/ ١٧٤)، والمفهم (٦/ ٦٤٢)، والتذكرة (٢/ ٣١٨، ٣٢٨)، والفتح (٣/ ٢٤٥)، والمجموع الثمين لابن عثيمين (٨١).\r(¬٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣١٨)، والحاكم (٢/ ٥٥١)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٥١ - ٣٥٢)، و (١٨/ ١١٥).\r(¬٥) التمهيد (٦/ ٣٥١)، وانظر: الاستذكار (٨/ ٣٩٦)، والرسالة الوافية (١٢١)، ومعالم التنزيل (٤/ ٤١٨)، والتذكرة (٢/ ٣١٧).\r(¬٦) الدعاميص: جمع دعموص، وهي: دويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي: أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها، والدعموص أيضًا: الدَّخَّال في الأمور، ويكون المعنى على هذا: أنهم سياحون في الجنة، دخَّالون في منازلها لا يمنعون من موضع. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٨٣)، والمجموع المغيث (١/ ٦٥٩)، والنهاية (٢/ ١٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٢٠)، والتذكرة (٢/ ٣٢٨)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211844,"book_id":118,"shamela_page_id":628,"part":null,"page_num":644,"sequence_num":628,"body":"بصنفة (¬١) ثوبك هذا، فلا يتناهى -أو قال: فلا ينتهي- حتى يدخله الله وأباه الجنة) (¬٢).\rقال القرطبي: \"في هذا الحديث ما يدل على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو الذي تدل عليه أخبار صحيحة، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ \" (¬٣).\r٤ - حديث سمرة بن جندب في قصة رؤيا النبي ﷺ، وفيها أنه قال: (وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الوِلْدَان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة)، رواه البخاري (¬٤).\rفقالوا: هذا الحديث نص صحيح صريح في أنهم في الجنة، ورؤيا الأنبياء وحي (¬٥).\rقال ابن عبد البر: \"هذا يقتضي ظاهره وعمومه جميع الناس\" (¬٦).\r٥ - حديث معاوية بن قرَّة عن أبيه: أن رجلًا كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له، فقال له النبي ﷺ: (أتحبه؟ ) فقال: يا رسول الله، أحبَّك الله كما أُحِبُّه، ففقده النبي ﷺ فقال: (ما فعل ابن فلان؟ ) قالوا: يا رسول الله، مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: (أما تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟ ) فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أم لكلنا؟ قال: (بل لكلكم) (¬٧).","footnotes":"(¬١) أي: طرفه وحاشيته [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٨٣)، والنهاية (٣/ ٥٦)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٢٠)].\r(¬٢) صحيح مسلم (١٦/ ٤٢١) ح (٢٦٣٥).\r(¬٣) المفهم (٦/ ٦٤٢)، وانظر: الاعتقاد للبيهقي (٩٠)، والتمهيد (١٨/ ١١٤)، والاستذكار (٨/ ٣٩٦)، والتذكرة (٢/ ٣٢٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٢).\r(¬٤) صحيح البخاري (٦/ ٢٥٨٣) ح (٦٦٤٠).\r(¬٥) انظر: الفصل (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وطريق الهجرتين (٦٩٣).\r(¬٦) التمهيد (١٨/ ١١٨).\r(¬٧) أخرجه أحمد (٢٤/ ٣٦١) ح (١٥٥٩٥)، والنسائي (٤/ ٣٢٢) ح (١٨٦٩)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211845,"book_id":118,"shamela_page_id":629,"part":null,"page_num":645,"sequence_num":629,"body":"قال البيهقي: \"ذلك فيمن وافى أبواه يوم القيامة مؤمنين أو أحدهما، فيُلحق بالمؤمن ذريته، كما جاء به الكتاب، ويُستفتح له، كما جاءت به السنة، ويحكم لها بأنها كانت ممن جرى له القلم بالسعادة\" (¬١).\r٦ - جملة من الأحاديث الواردة في فضل من يموت له ولد أو أكثر فيحتسبه، ومنها:\rحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال لنسوة من الأنصار: (ما منكنَّ امرأةٌ تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار)، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: (واثنين)، متفق عليه (¬٢).\rوعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تَحِلَّة القسم)، متفق عليه (¬٣).\rوعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (ما من الناس من مسلم يُتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحِنْثَ إلا أدخله الله الجنة، بفضل رحمته إياهم)، رواه البخاري (¬٤).\rقال ابن عبد البر: \"في هذه الأحاديث دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة لا محالة -والله أعلم- لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم من أجلهم، استحال أن يُرحموا من أجل من ليس بمرحوم، ألا ترى إلى قوله ﷺ:","footnotes":"= والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٦) ح (٥٤)، وابن حبان (٧/ ٢٠٩) ح (٢٩٤٧)، والحاكم (١/ ٥٤١) ح (١٤١٧)، وقال: \"هذا حديث صحيح\"، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٤٩): \"هذا حديث ثابت صحيح\"، وانظر: (٦/ ٣٥١)، وحكم ابن حجر كما في الفتح (٣/ ١٢١): على إسناده بالصحة.\r(¬١) الاعتقاد (٩١)، وانظر: التمهيد (٦/ ٣٤٩، ٣٥١)، و (١٨/ ١١٣)، والاستذكار (٨/ ٣٩٥)، والتذكرة (٢/ ٣٢٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٢).\r(¬٢) البخاري (١/ ٥٠) ح (١٠١)، ومسلم (١٦/ ٤٢٠) ح (٢٦٣٣).\r(¬٣) البخاري (١/ ٤٢١) ح (١١٩٣)، ومسلم (١٦/ ٤١٩) ح (٢٦٣٢).\r(¬٤) صحيح البخاري (١/ ٤٢١) ح (١١٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211846,"book_id":118,"shamela_page_id":630,"part":null,"page_num":646,"sequence_num":630,"body":"(بفضل رحمته إياهم) \" (¬١).\rوهذا معنى قول الإمام أحمد: \"هو يُرجى لأبويه، كيف يُشك فيه؟ \" (¬٢).\rوقال النووي: \"هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة\" (¬٣).\rوقال ابن القيم: \"هذه الأحاديث أكثرها في الصحيح، وكلها صحيحة، وهذا القول في أطفال المسلمين هو المعروف من قواعد الشرع، حتى إن الإمام أحمد أنكر الخلاف فيه، وأثبت بعضهم الخلاف، وقال: إنما الإجماع على أولاد الأنبياء خاصة\" (¬٤).\rمن خلال ما تقدم، يتضح وجه إشكال حديث المسألة، حيث استشكله أهل العلم لكون النبي ﷺ أنكر على عائشة حكمها على ذلك الصبي بالجنة فقال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، فظاهر هذا الإنكار يخالف ما ذهب إليه الجمهور، وحُكي الإجماع عليه، وهو مقتضى الأدلة المتقدمة من أن أطفال المؤمنين في الجنة!\r* * *","footnotes":"(¬١) التمهيد (٦/ ٣٤٨)، وانظر: (١٨/ ١١٣)، والاستذكار (٨/ ٣٩٥)، والتذكرة (٢/ ٣٢٩)، والفتح (٣/ ١٢٤، ٢٤٤).\r(¬٢) أهلل الملل (١/ ٦٨)، وانظر: المنتخب من العلل (٥٣)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٥).\r(¬٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٢١).\r(¬٤) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211847,"book_id":118,"shamela_page_id":631,"part":null,"page_num":647,"sequence_num":631,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rسلك أهل العلم في هذا الحديث مسلكين:\rالمسلك الأول: ردُّ الحديث وتضعيفه، لضعف أحد رواته، وهو طلحة بن يحيى.\rوإلى هذا ذهب الإمام أحمد وابن عبد البر.\rقال الإمام أحمد -وقد ذكر له حديث عائشة-: \"هذا حديث ضعيف\" (¬١)، ثم ذكر ضعف طلحة بن يحيى.\rوقال عبد الله بن الإمام أحمد: \"سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُرَيْد بن أبي بردة: بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدَّث بحديث: عصفور من عصافير الجنة\" (¬٢).\rوقال ابن عبد البر: \"هذا حديث ساقط ضعيف مردود ... وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به، فلا يُعرج عليه\" (¬٣).\rوقال الذهبي عن هذا الحديث: \"رواه جماعة عن طلحة، وهو مما","footnotes":"(¬١) أهل الملل (١/ ٦٧)، وانظر: المنتخب من العلل (٥٣)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٣، ١٠٧٥)، وطريق الهجرتين (٧٠١)، وتهذيب السنن (عون ١٢/ ٣١٢) ثلاثتها لابن القيم.\r(¬٢) العلل للإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله (٢/ ١١ - ١٢)، وانظر: الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٦).\r(¬٣) التمهيد (٦/ ٣٥٠ - ٣٥١)، وانظر: (١٨/ ٩٠)، والاستذكار (٨/ ٣٩٣)، والتذكرة (٢/ ٣٢٩)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211848,"book_id":118,"shamela_page_id":632,"part":null,"page_num":648,"sequence_num":632,"body":"يُنْكَر من حديثه\" (¬١).\rقلت: وطلحة هذا هو: طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبد الله التيمي القرشي:\rقال فيه يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي.\rوقال أحمد: صالح الحديث (¬٢).\rوقال ابن معين: ثقة، وفي رواية قال: ليس بالقوي.\rوقال يعقوب بن شيبة (¬٣) والعجلي (¬٤) والدارقطني: ثقة.\rوقال النسائي وأبو زرعة: صالح.\rوذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ.\rوقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة.\rوقال ابن حجر: وطلحة إنما أنكر عليه: عصفور من عصافير الجنة (¬٥).","footnotes":"(¬١) السير (١٤/ ٤٦٢).\r(¬٢) هذا القول من الإمام أحمد يشعر أن تضعيفه لطلحة ليس على إطلاقه، وإنما هو من أجل تفرده بهذا الحديث، ويدل عليه أيضًا ما تقدم في رواية ابنه عبد الله، والله أعلم.\r(¬٣) هو أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور البصري ثم البغدادي، صاحب المسند، علامة حافظ ثقة معلل، توفي سنة اثنتين وستين ومائتين (٢٦٢). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٨٢)، والسير (١٢/ ٤٧٦)، والعبر (١/ ٣٧٧)، وشذرات الذهب (٢/ ١٤٦)].\r(¬٤) هو الإمام الحافظ الزاهد أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي الكوفي، نزيل مدينة طرابلس الغرب، له مصنف مفيد في الجرح والتعديل يدل على تبحره بالصنعة وسعة حفظه، توفي سنة إحدى وستين ومائتين (٢٦١)]. [انظر: تاريخ بغداد (٤/ ٤٣٦)، والسير (١٢/ ٥٠٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٠)، والشذرات (٢/ ١٤١)].\r(¬٥) انظر: الثقات لابن حبان (٦/ ٤٨٧)، والكامل لابن عدي (٤/ ١١٢)، وتهذيب الكمال (١٣/ ٤٤١)، وميزان الاعتدال (٣/ ٤٦٩)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٦ - ٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211849,"book_id":118,"shamela_page_id":633,"part":null,"page_num":649,"sequence_num":633,"body":"وقال في التقريب: \"صدوق يخطئ\" (¬١).\rالمسلك الثاني: قبول الحديث وتصحيحه، وعلى هذا أكثر أهل العلم، لكنهم اختلفوا في معناه وما يدل عليه، على ثلاثة أقوال:\rالقول الأول: أن النبي ﷺ قال ذلك لعائشة ﵂ قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة.\rوإلى هذا ذهب ابن حزم (¬٢)، وذكره الحليمي (¬٣)، والبيهقي (¬٤)، والنووي (¬٥) بصيغة الاحتمال، وهو أحد قولي ابن القيم (¬٦).\rقال ابن القيم عن هذا الحديث: \"وقد أجبت عنه بعد التزام صحته، بأن هذا القول كان من النبي ﷺ قبل أن يعلمه الله بأن أطفال المؤمنين في الجنة، وهذا جواب ابن حزم وغيره\" (¬٧).\rالقول الثاني: الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التوقف (¬٨) فيهم، وفي أطفال المشركين، وتوكيل علمهم إلى الله تعالى، فلا يشهد لهم بجنة ولا نار، وربما عبر بعضهم عن ذلك بقوله: إنهم في المشيئة (¬٩).","footnotes":"(¬١) تقريب التهذيب (١/ ٤٥٢).\r(¬٢) انظر: الفصل (٢/ ٣٨٥).\r(¬٣) انظر: التذكرة للقرطبي (٢/ ٣١٨).\r(¬٤) انظر: الاعتقاد (٩٠).\r(¬٥) انظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٤٨).\r(¬٦) ولعله أقدم القولين، كما يشعر بذلك ظاهر كلامه، وأما قوله الآخر فسيأتي قريبًا في القول الثالث.\r(¬٧) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٦).\r(¬٨) جدير بالتنبيه هنا: أن هذا التوقف لا يُراد به: التوقف المعروف في اصطلاح الأصوليين، وهو الذي يكون عند تعذر الجمع والنسخ والترجيح، فيتوقف المجتهد عن العمل بأحد النصين حتى يتبين له الحق، وإنما يُراد به التوقف المبني على الدليل، أي: أن هذا التوقف ليس لعدم العلم بأي الأقوال أرجح، وإنما لدلالة الأدلة على وجوبه، على حد قولهم.\r(¬٩) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٦، ٩٨)، والاستذكار (٨/ ٣٩٠)، والفصل (٢/ ٣٨٤)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211850,"book_id":118,"shamela_page_id":634,"part":null,"page_num":650,"sequence_num":634,"body":"قال ابن عبد البر: \"ذهب إلى القول: بالوقف جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث، منهم: حماد بن زيد (¬١)، وحماد بن سلمة (¬٢)، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه (¬٣)، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه، وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار -خاصة- في المشيئة لآثار وردت في ذلك\" (¬٤).","footnotes":"= والمعلم (٣/ ١٧٤، ١٨٠)، والتذكرة (٢/ ٣١٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧١)، والفتح (٣/ ١٢٤).\r(¬١) هو حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزدي مولاهم البصري الضرير، الإمام الحافظ المجوِّد، كان من أئمة السلف، ومن أتقن الحفاظ وأعدلهم وأعدمهم غلطًا، توفي ﵀ سنة (١٧٩ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٨)، والسير (٧/ ٤٥٦)، وتقريب التهذيب (١/ ٢٣٨)، وشذرات الذهب (١/ ٢٩٢)].\r(¬٢) هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، الإمام الحافظ النحوي عالم أهل البصرة، كان فقيهًا مفوهًا، إمامًا بالعربية، صاحب سنة، له تصانيف في الحديث، وكان ثقة عابدًا، وكان أثبت الناس في ثابت، توفي ﵀ سنة (١٦٧ هـ). [انظر: السير (٧/ ٤٤٤)، والعبر (١/ ١٩٠)، وتقريب التهذيب (١/ ٢٣٨)، وشذرات الذهب (١/ ٢٦٢)].\r(¬٣) في هذه النسبة نظر، حيث روى عنه أبو بكر الخلال أنه قال: \"أما أولاد المسلمين فإنهم من أهل الجنة\" أهل الملل (١/ ٦٧).\r(¬٤) التمهيد (١٨/ ١١١ - ١١٢) بتصرف يسير، وانظر: الاستذكار (٨/ ٣٩٠)، والتذكرة (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).\rتنبيه: حكاية ابن عبد البر لهذا القول يخالف ما نقله من الإجماع -كما تقدم- على أن أولاد المؤمنين في الجنة، وهذا يؤيد ما تقدم من توجيه حكايته الإجماع باحتمال إرادته: إجماع الجمهور، وقد أشار ابن القيم إلى هذا الاختلاف عند ابن عبد البر، فقال: إنه قد اضطرب في النقل، ثم نقل كلامه في حكاية الإجماع، ثم قال: \"فتأمل كيف ذكر الإجماع على أن أطفال المسلمين في الجنة، وأنه لا يعلم =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211851,"book_id":118,"shamela_page_id":635,"part":null,"page_num":651,"sequence_num":635,"body":"وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة (¬١) منها:\r١ - حديث عائشة ﵂ وهو حديث المسألة -قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم).\rفقالوا: هذا الحديث صحيح صريح في التوقف فيهم، فإن الصبي كان من أولاد المسلمين (¬٢).\r٢ - حديث ابن مسعود ﵁ وما في معناه -في كتابة ما قدر للعبد وهو في بطن أمه، حيث قال ﷺ في آخره: (ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)، متفق عليه (¬٣).\r\"وجه الدلالة من ذلك: أن جميع من يولد من بني آدم، إذا كُتب السعداء منهم والأشقياء قبل أن يخلقوا، وجب علينا التوقف في جميعهم، لأنا لا نعلم هذا الذي توفي منهم هل هو ممن كتب سعيدًا في بطن أمه أو كتب شقيًا\" (¬٤).\r٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قيل له: يا رسول الله،","footnotes":"= في ذلك نزاعًا، وجعل القول بالمشيئة فيهم قولًا شاذًا مهجورًا، ونسبه في الباب الآخر إلى الحمادين وابن المبارك وإسحاق بن راهويه، وأكثر أصحاب مالك، وهذا من السهو الذي هو عرضة للإنسان، ورب العالمين هو الذي لا يضل ولا ينسى\" أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٨٣ - ١٠٨٥).\r(¬١) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٨ - ١١١)، والاستذكار (٨/ ٣٩٠ - ٣٩٣)، والفصل (٢/ ٣٨٤)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧١ - ١٠٧٨، ١٠٧٢).\r(¬٢) انظر: أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٢).\r(¬٣) البخاري (٣/ ١١٧٤) ح (٣٠٣٦)، ومسلم (١٦/ ٤٢٩) ح (٢٦٤٣).\r(¬٤) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211852,"book_id":118,"shamela_page_id":636,"part":null,"page_num":652,"sequence_num":636,"body":"أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، متفق عليه (¬١).\rقالوا في وجه الدلالة من هذا الحديث: إنهم لم يخصوا بالسؤال طفلًا من طفل، كما أن النبي ﷺ لم يخص بالجواب، بل أطلق الجواب كما أطلقوا السؤال، ولو افترق الحال في الأطفال لفصَّل وفرق بينهم في الجواب (¬٢).\rالقول الثالث: أن النبي ﷺ أنكر على عائشة ﵂، لأنها قطعت لطفل معين بالجنة، دون أن يكون عندها على ذلك دليل قاطع، فأطفال المؤمنين وإن كان حكمهم من حيث الجملة أنهم في الجنة، لكن لا يُشهد لمعين منهم بذلك، لأنه غيب، والطفل المؤمن تبع لأبويه، فالقطع له بذلك قطع بإيمان أبويه، وهذا ليس إليه سبيل، لأنه غيب، فكم من مظهر للإسلام وهو منافق (¬٣).\rوإلى هذا ذهب البيهقي، والمازري (¬٤)، وابن الجوزي (¬٥)، وابن تيمية (¬٦)، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب (¬٧)، وابن باز، عليهم رحمة الله جميعًا.\rقال البيهقي بعدما قرر أنه لا يجوز القطع لمعين من المؤمنين أنه في الجنة، وإن كنا نحكم عليهم من حيث العموم أنهم في الجنة قال: \"فكذلك قطع القول به في واحد من المولودين غير ممكن، لعدم علمنا بما يؤول إليه","footnotes":"(¬١) البخاري (٦/ ٢٤٣٤) ح (٦٢٢٦)، ومسلم (١٦/ ٤٤٩) ح (٢٦٥٨).\r(¬٢) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٩)، والتذكرة (٢/ ٣١٨)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٨).\r(¬٣) انظر: التذكرة (٢/ ٣١٨)، وشرح النووي على مسلم (١٦٤٤٧)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٧)، وتهذيب السنن (عون ١٢/ ٣١٩)، والفتح (٣/ ٢٤٤).\r(¬٤) انظر: المعلم (٣/ ١٨٠ - ١٨١).\r(¬٥) انظر: كشف المشكل (٤/ ٤١٩).\r(¬٦) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨١).\r(¬٧) انظر: مجموع مؤلفاته، المجلد الثاني، هذه مسائل (٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211853,"book_id":118,"shamela_page_id":637,"part":null,"page_num":653,"sequence_num":637,"body":"حال متبوعه، وبما جرى له به القلم في الأزل من السعادة أو الشقاوة، وكان إنكار النبي ﷺ القطع به في حديث عائشة ﵂ وعن أبيها، لهذا المعنى، فنقول بما ورد في الكتاب والسنة في جملة المؤمنين وذرياتهم، ولا نقطع القول: به في آحادهم لما ذكرنا، وفي هذا جمع بين جميع ما ورد في هذا الباب، والله أعلم\" (¬١).\rوقال ابن القيم: \"هذا الحديث يدل على أنه لا يُشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أُطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة، كما يُشهد للمؤمنين مطلقًا أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك، إلا من شهد له النبي ﷺ، فهذا وجه الحديث الذي يُشكل على كثير من الناس\" (¬٢).\rوقال الشيخ ابن باز بعدما قرر صحة الحديث: \"المقصود من هذا منعها أن تشهد لأحد معين بالجنة أو النار، ولو كان طفلًا، لأن الطفل تابع لوالديه، وقد يكونان ليسا على الإسلام وإن أظهراه، فالإنسان قد يظهر الإسلام نفاقًا، ومن مات على الصغر وليس ولدًا للمسلمين، وإنما لغيرهم من الكفار، فإنه يمتحن يوم القيامة على الصحيح.\rوالحاصل أنه لا يشهد لمعين بجنة ولا نار، إلا من شهد له الرسول ﷺ، هذه قاعدة أهل السنة والجماعة، فإنكار النبي ﷺ على عائشة لأنها شهدت بالتعيين، هذا هو الصواب، وهذا وجه الحديث\" (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) الاعتقاد (٩١).\r(¬٢) طريق الهجرتين (٧٠١)، وانظر: بدائع الفوائد (٣/ ١٢٣)، وشفاء العليل (١/ ٦٦).\r(¬٣) فتاوى نور على الدرب، من أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز (١/ ١٢٣ - ١٢٤) بشيء من التلخيص.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211854,"book_id":118,"shamela_page_id":638,"part":null,"page_num":654,"sequence_num":638,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يترجح -والله تعالى أعلم- بناءً على القول بصحة الحديث: القول الثالث، وهو أن الحديث إنما يدل على أنه لا يُشهد ولا يقطع لأحد من أطفال المؤمنين بعينه في الجنة، لأنه من علم الغيب، كما أن الطفل المسلم تابع لأبويه، والقطع له بذلك، قطع لأبويه بالإيمان، مع أنهما قد يكونان ممن يظهر الإسلام وهما على خلافه (¬١).\rوقد قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص، حينما قال له: أعط فلانًا فإنه مؤمن، قال: (أوْ مسلم)، متفق عليه (¬٢). فأنكر عليه الشهادة له بالإيمان، لأنه غيب، دون الإسلام لأنه ظاهر.\rوهذا لا يخالف إطلاق القول: بأن أطفال المؤمنين في الجنة، لأن هناك فرقًا بين الإطلاق والتعيين، فكما أنه لا يلزم من الشهادة لعموم المؤمنين في الجنة الشهادة لمعين منهم بذلك، فكذلك أطفال المؤمنين.\rوقد جاء عند البخاري من حديث أم العلاء ﵂: أنها شهدت لعثمان بن مظعون ﵁ لما مات، فقالت: شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فأنكر عليها النبي ﷺ وقال: (وما يدريك أن الله أكرمه؟ ) فقلت: بأبي أنت يا رسول الله،","footnotes":"(¬١) ولعل هذا مستند -ما تقدم من حكاية- الإجماع على أن أطفال الأنبياء في الجنة، لأن الأنبياء ﵈ معصومون من الوقوع في الكفر أو الشرك، فاحتمال موتهم عليه ممتنع، وقد قال النبي ﷺ لما توفي ابنه إبراهيم: (إن له مرضعًا في الجنة)، وإن كانت هذه شهادة من الرسول ﷺ، فلا يقاس غيره عليه، لكنها تؤيد حكاية الإجماع، والله أعلم. [الحديث: أخرجه البخاري (١/ ٤٦٥) ح (١٣١٥)].\r(¬٢) صحيح البخاري (١/ ١٨) ح (٢٧)، ومسلم واللفظ له (٢/ ٥٣٩) ح (١٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211855,"book_id":118,"shamela_page_id":639,"part":null,"page_num":655,"sequence_num":639,"body":"فمن يكرمه الله؟ فقال: (أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)، قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا (¬١).\rقال ابن القيم: \"وسر المسألة: الفرق بين المعين والمطلق في الأطفال والبالغين، والله أعلم\" (¬٢).\rوأما المسلك الأول: وهو تضعيف الحديث، لأنه مما انفرد به طلحة بن يحيى، وهو ضعيف، فالجواب عنه: أن طلحة لم ينفرد به، بل تابعه عليه فضيل بن عمرو -وهو ثقة (¬٣) - كما عند مسلم (¬٤)، وهو ما أشار إليه ابن عبد البر نفسه حيث قال: \"ورواه عن طلحة بن يحيى جماعة بإسناده ومعناه، وزعم قوم أن طلحة بن يحيى انفرد بهذا الحديث، وليس كما زعموا، وقد رواه فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة، كما رواه طلحة بن يحيى سواء\" (¬٥).\rولكن جاء عن الإمام أحمد أنه قال عن هذا الطريق: \"ما أراه إلا سمعه من طلحة\" (¬٦)، فرد الحديث إلى طلحة بن يحيى، فإن ثبت هذا صحَّ القول: بالتفرد.\rوجاء للحديث متابعة ثالثة عند أبي داود الطيالسي، من طريق قيس بن الربيع عن يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ (¬٧)، لكنها لا تصح (¬٨).","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري (١/ ٤١٩) ح (١١٨٦).\r(¬٢) بدائع الفوائد (٣/ ١٢٣).\r(¬٣) انظر: التقريب (٢/ ١٥).\r(¬٤) وهي الرواية الثانية التي تقدم ذكرها في المطلب الأول.\r(¬٥) التمهيد (١٨/ ١٠٥)، وانظر: الاستذكار (٨/ ٣٩٣)، وقوله هذا يخالف ما قاله أولًا من أن طلحة تفرد به.\r(¬٦) العلل للإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله (٢/ ١٢)، وانظر: الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٢٦).\r(¬٧) المسند (٣/ ١٥٢) ح (١٦٧٩).\r(¬٨) ففي سندها قيس بن الربيع الأسدي، وهو ضعيف، قال فيه ابن حجر في التقريب (٢/ ٣٣): \"صدوق تغيَّر لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به\"، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211856,"book_id":118,"shamela_page_id":640,"part":null,"page_num":656,"sequence_num":640,"body":"والمتأمل لكلام الإمام أحمد وغيره يجد أنه يضعف الحديث من وجهين:\rالأول: نكارة أوله، وهو التصريح بإنكار النبي ﷺ واستدراكه على عائشة، حيث قال: (أو غير ذلك يا عائشة؟ ) بعد قولها: طوبى له عصفور من عصافير الجنة.\rولهذا قال الإمام أحمد: \"هو يرجى لأبويه كيف يشك فيه؟ إنما اختلفوا في أولاد المشركين\" (¬١)، فيرى الإمام أحمد أن هذا الحديث يعارض ما حكي الإجماع عليه، واقتضته الأدلة الكثيرة من كون أطفال المؤمنين في الجنة.\rويلاحظ أن موضع النكارة هذه ليس موجودًا في رواية فضيل بن عمرو (¬٢)، حيث رواه بلفظ: قالت عائشة ﵂: توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: (أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا).\rولعل هذا هو ما أشار إليه العقيلي (¬٣) حين قال تعليقًا على رواية طلحة: \"آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس، وأوله لا يحفظ إلا من هذا الوجه\" (¬٤).","footnotes":"= وفي السند أيضًا: يحيى بن إسحاق، لم أجد له -بعد البحث- ترجمة، وقد قال محقق مسند أبي داود الطيالسي الدكتور محمد التركي في تعليقه على هذا الحديث: \"ويحيى بن إسحاق لم أعرفه، وقد يكون مقلوبًا من إسحاق بن يحيى بن طلحة، وقد روى عن عمته عائشة بنت طلحة، وهو متكلم فيه\".\r(¬١) أهل الملل (١/ ٦٨)، وقد تقدم ص (٦٤٦).\r(¬٢) قال محقق كتاب المنتخب من العلل: طارق بن عوض الله: \"الفقيمي ثقة -يعني: فضيل بن عمرو- وليس في روايته ما يُستنكر، بل فيه ما يفيد إقرار النبي ﷺ لعائشة على قولها، ولعله لذلك قدم مسلم روايته على رواية طلحة في الباب، وجعل رواية طلحة في آخر الباب\" المنتخب (٥٥).\r(¬٣) هو الحافظ الناقد أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي الحجازي، مصنف كتاب الضعفاء، ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدم في الحفظ، توفي سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة (٣٢٢). [نظر: السير (١٥/ ٢٣٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٣٣)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٩٥)].\r(¬٤) الضعفاء الكبير (٢/ ٢٢٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211857,"book_id":118,"shamela_page_id":641,"part":null,"page_num":657,"sequence_num":641,"body":"وصرح به الذهبي حيث قال: \"انفرد طلحة بأوله، وأما آخره فجاء من غير وجه\" (¬١).\rالوجه الثاني: تضعيفه من جهة سنده، حيث قالوا: تفرد به طلحة بن يحيى، وهو متكلم فيه، فمثله لا يحتمل منه التفرد.\rوالحاصل: أن الحديث إن ثبت ضعفه فلا إشكال، وإن قيل بصحته فتوجيهه ما تقدم، والله تعالى أعلم.\rوأما القول الأول: وهو أن النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المؤمنين في الجنة، فالجواب عنه: أن هذا يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا سبيل إليه. والله أعلم.\rوأما القول الثاني: وهو القول بوجوب التوقف فيهم، فهو معارض بما تقدم ذكره من الأدلة الكثيرة على أن أطفال المؤمنين في الجنة، ولهذا قال ابن كثير عن هذا القول: إنه غريب جدًا (¬٢).\rوأما أدلتهم فالجواب عنها كما يلي:\rأما حديث عائشة ﵂ في وفاة صبي من الأنصار، فقد تقدم الجواب عنه.\rوأما استدلالهم بحديث ابن مسعود -وما في معناه- على أن السعادة والشقاوة أمران مقدران على العباد وهم في بطون أمهاتهم، ولا سبيل إلى العلم بذلك، فوجب التوقف، فالجواب عنه: أن هذا حق لا شك فيه، لكن موتهم في حال الصغر يدل على أنهم لم يكتبوا في بطون أمهاتهم أشقياء، وإنما هم ممن جرى القلم بسعادتهم (¬٣).\rقال ابن عبد البر بعد أن ساق الأدلة على أن أطفال المؤمنين في","footnotes":"(¬١) ميزان الاعتدال (٣/ ٤٧٠).\r(¬٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٥٤).\r(¬٣) انظر: الاعتقاد للبيهقي (٩٠، ٩١)، والتذكرة (٢/ ٣٢٩)، وأحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٢ - ١٠٧٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211858,"book_id":118,"shamela_page_id":642,"part":null,"page_num":658,"sequence_num":642,"body":"الجنة: \"وفي هذه الآثار مع إجماع الجمهور دليل على أن قوله ﷺ: (الشقي من شقي في بطن أمه) (¬١)، وأن الملك ينزل فيكتب أجله، ورزقه، ويكتب شقيًا أو سعيدًا في بطن أمه: مخصوص مجمل، وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب، فهو ممن سعد في بطن أمه، ولم يشقَ، بدليل ما ذكرنا من الأحاديث والإجماع\" (¬٢).\rوأما استدلالهم بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سُئل فقيل له: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين). فقالوا: إن هذا الجواب يعم جميع الصغار: أولاد المسلمين وأولاد الكافرين، فالجواب عنه: ما ذكره القرطبي وابن القيم:\rقال القرطبي: \"هذا السؤال إنما كان عن أولاد المشركين، كما جاء مُفَسَّرًا من حديث ابن عباس (¬٣) \" (¬٤).\rوقال ابن القيم بعد ذكر استدلالهم بهذا الحديث: \"هؤلاء لو تأملوا ألفاظه وطرقه لأمسكوا عن هذا الاحتجاج، فإن هذا الحديث رُوي من طرق متعددة ... كلها صحاح تبين أن السؤال إنما وقع عن أولاد المشركين\" (¬٥).\r* * *","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود (١٦/ ٤٣١) ح (٢٦٤٥).\r(¬٢) التمهيد (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\r(¬٣) ولفظه: سُئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: (الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين) متفق عليه: البخاري (١/ ٤٦٥) ح (١٣١٧)، ومسلم (١٦/ ٤٥٠) ح (٢٦٦٠).\r(¬٤) المفهم (٦/ ٦٧٧).\r(¬٥) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٧٨ - ١٠٨١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211859,"book_id":118,"shamela_page_id":643,"part":null,"page_num":659,"sequence_num":643,"body":"المبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211860,"book_id":118,"shamela_page_id":644,"part":null,"page_num":660,"sequence_num":644,"body":"المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال\rعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا (¬١)، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أُناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨]، متفق عليه (¬٢).\rوفي لفظ آخر: عن ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا، ثم قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال:","footnotes":"(¬١) جمع أغرل، وهو الأقلف، أي: الذي لم يختن. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١٥٩، ٥٠٤)، والمجموع المغيث (٢/ ٥٥٦)، والنهاية (٣/ ٣٦٢)].\r(¬٢) البخاري في مواضع: في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣/ ١٢٢٢) ح (٣١٧١)، وفي باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣/ ١٢٧١) ح (٣٢٦٢)، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤/ ١٦٩١) ح (٤٣٤٩)، وفي باب: قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٤/ ١٦٩١) ح (٤٣٥٠)، وفي باب: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ (٤/ ١٧٦٦) ح (٤٤٦٣)، وفي كتاب الرقاق، باب: كيف الحشر؟ (٥/ ٢٣٩١) ح (٦١٦١)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة (١٧/ ١٩٩) ح (٢٨٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211861,"book_id":118,"shamela_page_id":645,"part":null,"page_num":661,"sequence_num":645,"body":"ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أُصَيْحَابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم).\rوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تَرِدُ عليَّ أمتي الحوضَ، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله)، قالوا: يا نبي الله أتعرفنا؟ قال: (نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون عليَّ غرًا (¬١) محجلين (¬٢) من آثار الوضوء، ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ )، رواه مسلم (¬٣).\rوعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواننا، الذين لم يأتوا بعد)، فقالوا: كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: (أرأيت لو أن رجلًا له خيل غرٌّ محجلة بين ظهري خيل دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يعرف خيله؟ ) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرًا محجلين من","footnotes":"(¬١) الغُرَّة: بياض الوجه، يريد بياض وجوههم [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٧٩، ٣٢٧)، والمجموع المغيث (٢/ ٥٥١)، والنهاية (٣/ ٣٥٤)].\r(¬٢) أي: بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام، والتحجيل في الأصل: بياض في يدي الفرس ورجليها. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٣٢٧)، والمجموع المغيث (١/ ٤٠٦)، والنهاية (١/ ٣٤٦)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٧ - ١٣٨)].\r(¬٣) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (٣/ ١٣٩) ح (٢٤٧)، وانظر: صحيح البخاري: (٥/ ٢٤٠٧) ح (٦٢١٣)، (٦٢١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211862,"book_id":118,"shamela_page_id":646,"part":null,"page_num":662,"sequence_num":646,"body":"الوضوء، وأنا فرطهم (¬١) على الحوض، ألا لَيُذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هَلُمَّ، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا)، رواه مسلم (¬٢).\rوعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الحوضَ رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورُفِعُوا إليَّ اخْتُلِجُوا (¬٣) دوني فلأقولن: أي رب أُصَيْحَابي أُصيْحَابي، فلَيُقَالَنَّ لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، متفق عليه (¬٤).\rوعن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (إني فرطكم على الحوض، من مَرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم منِّي، فَيُقَال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غَيَّرَ بعدي)، متفق عليه (¬٥).\rوعن ابن أبي مُلَيْكة عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال","footnotes":"(¬١) أي: متقدمهم إليه. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٦٦، ٣٢٧)، والمجموع المغيث (٢/ ٦٠٩)، والنهاية (٣/ ٤٣٤)].\r(¬٢) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (٣/ ١٤٠) ح (٢٤٩).\r(¬٣) أي: اقتُطِعوا واجتذبوا [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٦٦، ٢٥٥)، والمجموع المغيث (١/ ٦٠٤)، والنهاية (٢/ ٥٩)].\r(¬٤) البخاري: كتاب الرقاق، باب: في الحوض (٥/ ٢٤٠٦) ح (٦٢١١)، ومسلم واللفظ له: كتاب الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته (١٥/ ٧٠) ح (٢٣٠٤).\r(¬٥) البخاري: كتاب الرقاق، باب: في الحوض (٥/ ٢٤٠٦) ح (٦٢١٢)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته (١٥/ ٥٩) ح (٢٢٩٠، ٢٢٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211863,"book_id":118,"shamela_page_id":647,"part":null,"page_num":663,"sequence_num":647,"body":"النبي ﷺ: (إني على الحوض حتى أنظر من يَرِدُ عَلَيَّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)، فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. متفق عليه (¬١).\rوورد هذا المعنى أيضًا من حديث ابن مسعود (¬٢)، وعائشة (¬٣)، وأم سلمة (¬٤)، وحذيفة (¬٥) ﵃.\r\rبيان وجه الإشكال\rمحبة الصحابة وتوقيرهم والدعاء لهم، والتحذير من سبهم والطعن فيهم أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، دوَّنوه في كتبهم، وضمنوه عقائدهم، وتواصوا به فيما بينهم، كيف لا وهم حملة الدين وأصحاب الرسول ﷺ الذين رأوه وآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، فمحبتهم والذبُّ عن أعراضهم دين وإيمان، والطعن فيهم والنيل منهم كفر ونفاق، بل هو طعن في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، لأنهم هم الناقلون لهما، فالقدح فيهم يؤدي إلى إبطال الكتاب والسنة.\rوقد تظافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة","footnotes":"(¬١) البخاري في موضعين: في كتاب الرقاق، باب: في الحوض (٥/ ٢٤٠٩) ح (٦٢٢٠)، وفي كتاب الفتن باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٦/ ٢٥٨٧) ح (٦٦٤١)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته (١٥/ ٦١) ح (٢٢٩٣).\r(¬٢) متفق عليه: البخاري: (٥/ ٢٤٠٤) ح (٦٢٠٥)، و (٦/ ٢٥٨٨) ح (٦٦٤٢)، ومسلم: (١٥/ ٦٤) ح (٢٢٩٧).\r(¬٣) أخرجه مسلم: (١٥/ ٦١) ح (٢٢٩٤).\r(¬٤) أخرجه مسلم (١٥/ ٦٢) ح (٢٢٩٥).\r(¬٥) أخرجه مسلم: (٣/ ١٣٩) ح (٢٤٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211864,"book_id":118,"shamela_page_id":648,"part":null,"page_num":664,"sequence_num":648,"body":"على مدح الصحابة، والثناء عليهم، والتزكية لهم، وبيان عظيم منزلتهم وسابقتهم في الإسلام، وإليك شيئًا من ذلك:\rقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].\rوقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].\rوقال ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].\rوقال جل شأنه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨].\rوقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨, ٩]- إلى غير ذلك من الآيات (¬١).\rوأما السنة فهي مليئة بمدحهم والثناء عليهم والتحذير من سبهم والنيل منهم، ومن ذلك ما يلي:\rعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم","footnotes":"(¬١) انظر للاستزادة: الشريعة للآجري (٤/ ١٦٣٤ - ١٦٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211865,"book_id":118,"shamela_page_id":649,"part":null,"page_num":665,"sequence_num":649,"body":"الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... )، متفق عليه (¬١).\rوعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ رفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: (النجوم أَمَنة (¬٢) للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)، رواه مسلم (¬٣).\rوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، متفق عليه (¬٤).\rوأما أقوال أهل العلم في بيان فضل الصحابة والتحذير من الوقيعة فيهم فكثيرة جدًا، يصعب حصرها، ويعسر نقلها، وإليك نماذج يسيرة منها:\rعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه\" (¬٥).\rوقال الإمام أحمد: \"من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فلا","footnotes":"(¬١) البخاري: (٢/ ٩٣٨) ح (٢٥٠٩)، ومسلم: (١٦/ ٣١٨) ح (٢٥٣٣).\r(¬٢) الأمنة هنا: جمع أمين، وهو الحافظ. [انظر: النهاية (١/ ٧١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٣١٦)].\r(¬٣) صحيح مسلم (١٦/ ٣١٦) ح (٢٥٣١).\r(¬٤) البخاري: (٣/ ١٣٤٣) ح (٣٤٧٠)، ومسلم: (١٦/ ٣٢٦) ح (٢٥٤١).\r(¬٥) أخرجه أحمد (٥/ ٢١١) ح (٣٦٠٠)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ١٩٩) ح (٢٤٣)، والطبراني في الكبير (٩/ ١١٢) ح (٨٥٨٢)، والآجري في الشريعة (٤/ ١٦٧٥) ح (١١٤٤)، وأورده الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٧)، وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثوقون\"، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند: \"إسناده صحيح\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211866,"book_id":118,"shamela_page_id":650,"part":null,"page_num":666,"sequence_num":650,"body":"ينطوي إلا على بلية، وله خبيئة سوء، إذا قصد إلى خير الناس، وهم أصحاب رسول الله ﷺ حسبك\" (¬١).\rوقال أبو زرعة الرازي: \"إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة\" (¬٢).\rوقال الطحاوي: \"ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نُفْرِط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\" (¬٣).\rوقال ابن الصلاح: \"للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي: أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه، لكونهم على الإطلاق معدَّلِين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة\" (¬٤).\rوقال ابن تيمية: \"من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ... ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم\" (¬٥).\rوقال ابن حجر: \"اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من حروب ولو عُرِف المحق منهم، لأنهم","footnotes":"(¬١) السنة للخلال (٢/ ٤٧٧).\r(¬٢) الكفاية للخطيب البغدادي (٩٧).\r(¬٣) العقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز (٦٨٩).\r(¬٤) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٧٦).\r(¬٥) العقيدة الواسطية بشرح الهراس (٢٣٦ - ٢٣٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211867,"book_id":118,"shamela_page_id":651,"part":null,"page_num":667,"sequence_num":651,"body":"لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا، وأن المصيب يؤجر أجرين\" (¬١).\rوقال ابن حجر الهيتمي (¬٢): \"اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة: أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، فقد أثنى الله -سبحانه الله وتعالى- عليهم في آيات من كتابه\" (¬٣).\rإذا تبين هذا وهو دلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة (¬٤) على تفضيل الصحابة والشهادة لهم بأنهم خير القرون، فما الجواب عن هذه الأحاديث الكثيرة التي تنص على ارتداد بعض الصحابة على أعقابهم؟ خاصة وأن بعض أهل البدع كالرافضة (¬٥) ومن سلك سبيلهم قد تمسكوا بهذه","footnotes":"(¬١) فتح الباري (١٣/ ٣٤).\r(¬٢) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، عالم فقيه، تلقى العلم في جامع الأزهر، وبرع في علوم كثيرة كالفقه والأصول والفرائض والحساب والنحو والكلام، له مؤلفات كثيرة منها: الصواعق المحرقة، والزواجر عن اقتراف الكبائر، توفي بمكة سنة (٩٧٣). [انظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٧٠)، والبدر الطالع (١/ ١٠٩)، والأعلام (١/ ٢٣٤)].\r(¬٣) الصواعق المحرقة (٦٠٣).\r(¬٤) انظر للاستزادة من أقوال أهل العلم في تفضيل الصحابة وتوقيرهم: الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصبهاني (٣٧٣)، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (٢٩٤)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٢/ ٤٧)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢٩٩)، والروض الباسم لابن الوزير (١/ ١٠٣)، وقطر الولي للشوكاني (٢٩٢)، والانتصار للصحابة الأخيار للشيخ عبد المحسن العباد البدر (١٣٣ - ١٣٩)، وعقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ للدكتور ناصر بن علي عائض حسن الشيخ (١/ ٩٦ - ١١١)، وفيهما نقول كثيرة عن أهل العلم.\r(¬٥) الرافضة: اسم يطلق على كل من رفض إمامة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وكان =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211868,"book_id":118,"shamela_page_id":652,"part":null,"page_num":668,"sequence_num":652,"body":"الأحاديث، محتجين بها على مذهبهم الفاسد في تكفير الصحابة والنيل منهم.\rوقد عنون ابن قتيبة لهذا الحديث بقوله: \"حديث يحتج به الروافض في إكفار أصحاب محمد ﷺ\" (¬١).\r* * *","footnotes":"= سبب هذه التسمية وأول ظهورها: أنه لما خرج زيد بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك اتبعه الشيعة، فسألوه عن أبي بكر وعمر ﵄، فتولاهما وترحم عليهما، فرفضه قوم منهم فقال: رفضتموني رفضتموني، فسموا الرافضة، وقد افترقت الرافضة بعد ذلك إلى أربع فرق: زيدية وإمامية وكيسانية وغلاة، وافترقت هذه الفرق إلى فرق أخرى كثيرة.\rومن عقائد الرافضة: أن النبي ﷺ قد نص على استخلاف علي بن أبي طالب ﵁ باسمه وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي ﷺ، وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف ... إلخ. [انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٨٩)، والفرق بين الفرق (٢٩)، ومجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥)].\r(¬١) تاويل مختلف الحديث (٢١٧)، وانظر: (١٣) من الكتاب نفسه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211869,"book_id":118,"shamela_page_id":653,"part":null,"page_num":669,"sequence_num":653,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rيمكن إرجاع أهم الأقوال في معنى هذه الأحاديث إلى قولين، هما:\rالقول الأول: أن المراد بالردة في هذه الأحاديث: الردة عن الإسلام، وعلى هذا يكون المراد بالمُذَادِين عن الحوض: أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر ﵁، وكذا من أظهر الإسلام في عهده ﷺ وصحبه وهو من المنافقين، فيجوز أن يحشر هؤلاء المرتدون والمنافقون بالغرة والتحجيل، لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم النبي ﷺ من أجل السيما التي عليهم، أو لمعرفته إياهم بأعيانهم وإن لم يكن لهم غرة وتحجيل، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه من الإسلام.\rوإلى هذا ذهب قبيصة بن عقبة (¬١) (¬٢)، وابن قتيبة (¬٣)، والباجي (¬٤) (¬٥)،","footnotes":"(¬١) هو أبو عامر قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة السوائي الكوفي، إمام حافظ ثقة عابد، رووا له في الكتب الستة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين على الصحيح (٢١٥). [انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٤٦٩)، والسير (١٠/ ١٣٠)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٧٣)، والتقريب (٢/ ٢٦)].\r(¬٢) انظر: صحيح البخاري (٣/ ١٢٧٢)، والفتح (٦/ ٤٩٠)، و (١١/ ٣٨٥، ٣٨٦).\r(¬٣) انظر: تاويل مختلف الحديث (٢١٧ - ٢١٨).\r(¬٤) هو القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الأندلسي الباجي المالكي، علامة فقيه متكلم، أديب شاعر، له مصنفات منها: الإيماء في الفقه، وشرح المنهاج، توفي سنة (٤٧٤). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣٤٠)، والسير (١٨/ ٥٤٤)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٤٤)].\r(¬٥) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥١)، والمفهم (١/ ٥٠٤)، والفتح (١١/ ٣٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211870,"book_id":118,"shamela_page_id":654,"part":null,"page_num":670,"sequence_num":654,"body":"والقاضي عياض (¬١)، والقرطبي، وغيرهم (¬٢)، وعزاه ابن بطال لبعض السلف (¬٣).\rقال القرطبي: \"وقوله: (فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك) اختلف العلماء في تأويله، فالذي صار إليه الباجي وغيره، وهو الأشبه بمساق الأحاديث: أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا وارتدوا من الصحابة وغيرهم، فيحشرون في أمة النبي ﷺ، كما تقدم من قوله: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها) (¬٤) وعليهم سيما هذه الأمة، من الغرة والتحجيل، فإذا رآهم النبي ﷺ عرفهم بالسيما، ومن كان من أصحابه بأعيانهم، فيناديهم: (ألا هَلُمَّ)، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه، وأُخِذَ بهم ذات الشمال، فيقول النبي ﷺ: (يا رب أمتي ومن أمتي)، وفي لفظ آخر: (أصحابي)، فيقال له إذ ذاك: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم) \" (¬٥).\rواستدل أصحاب هذا القول بظاهر الأحاديث المتقدمة (¬٦).\rالقول الثاني: أن المراد بالردة في هذه الأحاديث: الردة عن الاستقامة، وذلك باقتراف السيئات وترك الواجبات، والإحداث في الدين، وعلى هذا يكون المُذَادُون عن الحوض: أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن","footnotes":"(¬١) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥١).\r(¬٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٨ - ١٣٩)، و (١٧/ ٢٠٠)، والاعتصام (١/ ١٠٨)، والفتح (١١/ ٣٨٦)، ومختصر التحفة الاثني عشرية (٢٧٣)، والانتصار للصحابة الأخيار (١٣٠).\r(¬٣) انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ٧).\r(¬٤) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وقد تقدم تخريجه ص (١٦٥).\r(¬٥) المفهم (١/ ٥٠٤)، وانظر: إكمال المعلم (٢/ ٥١).\r(¬٦) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ٧)، وإكمال المعلم (٢/ ٥٢)، و (٧/ ٢٦٩)، و (٨/ ٣٩١)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٠٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211871,"book_id":118,"shamela_page_id":655,"part":null,"page_num":671,"sequence_num":655,"body":"الإسلام، وبناءً عليه فلا يقطع لهؤلاء الذين يُذَادُون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبةً لهم ثم يرحمهم الله تعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب.\rوإلى هذا ذهب الخطابي وابن بطال (¬١)، وابن عبد البر وغيرهم (¬٢).\rقال الخطابي: \"وقوله: (ما زالوا مرتدين على أعقابهم) لم يُرِدْ به الردة عن الإسلام، ولذلك قيده بقوله: على أعقابهم -وإنما يعقل من الارتداد: الكفر، إذا أُطلق من غير تقييد- ومعناه: التخلف عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها، كقولك: نكص فلان على عقبيه، وقولك: ارتد على عقبيه، إذا تراجع إلى وراء، ولم يرتد بحمد الله ومنِّه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب الذين كانوا دخلوا في الإسلام رغبةً ورهبةً، كعيينة بن حصن جيء به أبا بكر أسيرًا، وبالأشعث بن قيس، فلم يقتلهما ولم يسترقَّهما، فعاودا الإسلام بعد\" (¬٣).\rوقال ابن عبد البر: \"كل من أحدث في الدين ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه -والله أعلم- وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، مثل: الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجَور والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المُسْتَخِفُّون بالمعاصي، وجميع أهل الزيغ والبدع، كل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا الخبر\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦).\r(¬٢) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٢)، والتذكرة (١/ ٤٦٤)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٦٨)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٩)، والاعتصام (١/ ١٠٦ - ١٠٨)، والفتح (١١/ ٣٨٥، ٣٨٦)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٧، ٢٠٠).\r(¬٣) أعلام الحديث (٣/ ١٥٣٦).\r(¬٤) التمهيد (٢٠/ ٢٦٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211872,"book_id":118,"shamela_page_id":656,"part":null,"page_num":672,"sequence_num":656,"body":"وأما قول النبي ﷺ كما في بعض الروايات: (أصحابي أصحابي)، فقد أجاب عنه بعضهم بأن المراد: مطلق المؤمنين به ﷺ المتبعين له، وليس المراد ما هو معروف شرعًا من هذا اللفظ، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة: أصحاب أبي حنيفة، ولمقلدي الشافعي: أصحاب الشافعي، وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب: أصحابنا، مع أن بينه وبينهم عدة من السنين.\rومعرفته ﷺ لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم، وجذبهم إلى ذات الشمال تأديبًا لهم وعقابًا لهم على معاصيهم (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية لمحمود شكري الألوسي (٢٧٢)، والروض الباسم لابن الوزير (١/ ١١٥ - ١١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211873,"book_id":118,"shamela_page_id":657,"part":null,"page_num":673,"sequence_num":657,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يدل عليه ظاهر الروايات المتقدمة أن المراد بالردة: الردة عن الإسلام، وأن المذادين عن الحوض هم نفر قليل ممن صحب النبي ﷺ ثم ارتد بعد موته، وهم الذين قاتلهم أبو بكر ﵁، وليس فيهم أحد من مشاهير الصحابة الذين رسخت أقدامهم في الإسلام، وإنما غالبهم من الأعراب وحديثي العهد في الإسلام، ممن لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، وقد يكون منهم من لم يرَ النبي ﷺ إلا المرة والمرتين.\rقال البغدادي (¬١): \"أجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة ... وأجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ -من كندة وحنيفة وفزارة وبني أسد وبني بكر بن وائل- لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومَنِّهِ دَرَجوا على الدين القويم والصراط المستقيم\" (¬٢).\rوقال العلامة محمد أمين السويدي (¬٣): \"لم يقل أحد من أهل السنة:","footnotes":"(¬١) هو أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي، نزيل خراسان، وأحد أعلام الشافعية، كان علامة ماهرًا في فنون كثيرة، وله مصنفات في النظر والعقليات، ومن مصنفاته: أصول الدين، والفرق بين الفرق، توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة (٤٢٩). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٧٤)، والسير (١٧/ ٥٧٢)، والبداية والنهاية (١٢/ ٤٨)].\r(¬٢) الفرق بين الفرق (٣١٨).\r(¬٣) هو أبو الفوز محمد أمين بن علي بن محمد بن سعيد السويدي العباسي البغدادي، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211874,"book_id":118,"shamela_page_id":658,"part":null,"page_num":674,"sequence_num":658,"body":"إنهم صحابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين كانوا معه، نعم، يصدق ذلك على أكثر بني حنيفة وبني تميم الذين تشرفوا بزيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما جاؤوا إليه وفودًا، فإنهم ابتلوا بهذا البلاء فخابوا وخسروا\" (¬١).\rوقال أيضًا: \"وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الروايات ... (أصحابي) فقد ثبت لهم الصحبة، لأنهم اجتمعوا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مؤمنين به، فظن أنهم بقوا على إيمانهم، فقال: (أصحابي) فرد الله عليه بأن هؤلاء انسلخ عنهم اسم الصحبة، لأنهم ارتدوا بعد ذلك في زمن خلافة أبي بكر، وأنت لا تدري بذلك، إذ الصحابي هو: من اجتمعِ بك مؤمنًا بك ومات على الإيمان، فلما علم النبي ذلك قال: (سحقًا سحقًا) أي: لأنهم ليسوا من صحابته\" (¬٢).\rولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمن النبي ﷺ من المنافقين، فإنهم يحشرون مع المؤمنين يوم القيامة، كما في الحديث المتفق عليه: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)، فيناديهم النبي ﷺ مستصحبًا لحالهم التي فارقهم عليها في الدنيا.\rوقد قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].","footnotes":"= علامة نسابة متكلم، من علماء العراق، ولد ببغداد وتوفي في بريدة (بنجد) عائدًا من الحج سنة (١٢٤٦) له مؤلفات منها: سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب، والصارم الحديد. [انظر: الأعلام (٦/ ٤٢)، ومعجم المؤلفين (٣/ ١٤٤)].\r(¬١) الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد (٨٨٨) تحقيق الدكتور جازي الجهني، رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية، لم تطبع بعد.\r(¬٢) الصارم الحديد (٨٩٥ - ٨٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211875,"book_id":118,"shamela_page_id":659,"part":null,"page_num":675,"sequence_num":659,"body":"والدليل على أن هؤلاء المرتدين قلَّة: قوله ﷺ كما في بعض روايات الحديث: (فأقول: يا رب أُصَيْحَابي) بالتصغير، أراد بذلك تقليل العدد.\rقال الخطابي: \"إنما صغَّر ليدل بذلك على قلة عدد من هذا وصفه\" (¬١).\rوأما الدليل على أن المذادين عن الحوض بعض من صحب النبي ﷺ، وأن الردة المذكورة هي الردة عن الإسلام: فظاهر الروايات المتقدمة، والتي منها:\r- قوله ﷺ، كما في حديث أبي هريرة ﵁: (وإن أُناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، -إلى قوله- ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨، ]، متفق عليه.\rقال النووي: \"هذه الرواية تؤيد قول من قال ... المراد به الذين ارتدوا عن الإسلام\" (¬٢).\r- وكذا تلاوته الآية في الحديث المتقدم دليل على دخول بعض من رآه النبي ﷺ في الوعيد.\rقال القاضي عياض: \"وفيها حجة على صحة تأويل من ذهب إلى أن الحديث فيمن ارتد بعد النبي ﵇ ممن رآه، لتلاوته هذه الآية، ولقوله: (لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم) \" (¬٣).\r- وكذا قوله في حديث أبي هريرة ﵁ كما عند مسلم: (ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم)، فقوله: (منكم) صريح في كون المذادين عن الحوض بعض","footnotes":"(¬١) أعلام الحديث (٣/ ١٥٣٦)، وانظر: تأويل مختلف الحديث (٢١٨)، والفتح (١١/ ٣٨٥).\r(¬٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٠٠).\r(¬٣) إكمال المعلم (٨/ ٣٩١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211876,"book_id":118,"shamela_page_id":660,"part":null,"page_num":676,"sequence_num":660,"body":"من صحب النبي ﷺ، لا سيما وقد قال في بقية الحديث: (فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي).\r- وقوله في حديث سهل بن سعد ﵁: (ليَرِدَنَّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) (¬١)، متفق عليه.\r- وقوله في حديث أنس ﵁ -كما عند البخاري ومسلم-: (لَيَرِدَنَّ عَليَّ الحوضَ رجال ممن صاحبني)، وهذه الرواية صريحة في المراد، ولذا قال القاضي عياض عن هذا اللفظ: إنه \"يدل على صحة تأويل من تأول أنهم أهل الردة، ولذلك قال ﵇ فيهم: (سحقًا سحقًا) والنبي ﵇ لا يقول ذلك في مذنبي أمته، بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم، ويضرع إلى الله تعالى في رحمتهم والعفو عنهم\" (¬٢).\rويشهد لهذا ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني، حتى إذا رُفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن: رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (¬٣).\rقال ابن قتيبة ردًا على احتجاج الرافضة بهذه الأحاديث على كفر الصحابة كلهم وارتدادهم، إلا عددًا قليلًا منهم، كعلي وأبي ذَرٍّ والمقداد وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة، ﵃ أجمعين، قال: \"إنهم لو تدبروا الحديث، وفهموا ألفاظه، لاستدلوا على أنه لم يُرِدْ بذلك إلا القليل، يدلك على ذلك قوله: (ليردن علي الحوض أقوام)، ولو كان أرادهم جميعًا إلا من ذكروا لقال: \"لتردُنَّ علي الحوض، ثم لتُختلجُن دوني\"، ألا ترى أن القائل إذا قال: \"أتاني اليوم أقوام من بني تميم، وأقوام من أهل الكوفة\" فإنما يريد قليلًا من كثير؟ ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرًا يسيرًا قال: \"أتاني بنو","footnotes":"(¬١) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٢).\r(¬٢) إكمال المعلم (٧/ ٢٦٩).\r(¬٣) المسند (٣٤/ ١٣٣) خ (٢٠٤٩٤)، و (٣٤/ ١٣٤) ح (٢٠٥٠٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211877,"book_id":118,"shamela_page_id":661,"part":null,"page_num":677,"sequence_num":661,"body":"تميم، وأتاني أهل الكوفة\"، ولم يجز أن يقول: \"قوم\" لأن القوم هم الذين تخلفوا.\rويدلك أيضًا قوله: (يا رب أصيحابي) بالتصغير، وإنما يريد بذلك تقليل العدد، كما تقول: \"مررت بأُبيَّات متفرقة\" و\"مررت بجُمَيْعَة\".\rونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد، ويحضر معه المغازي: المنافق لطلب المغنم، والرقيق الدين، والمرتاب والشاك، وقد ارتد بعده أقوام، منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خويلد، حين تنبأ وآمن به، فلما هزم طليحة هرب، فأسره خالد بن الوليد، وبعث به إلى أبي بكر ﵁ في وثاق ... فلما كلَّمه أبو بكر ﵁ رجع إلى الإسلام، فقبل منه، وكتب له آمانًا، ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات ...\rولعيينة بن حصن أشباه ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه، ومنهم من ثبت على النفاق، وقد قال الله ﵎ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]، الآية، فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه\" (¬١).\rوأما القول بأنه لم يرتد أحد ممن صحب النبي ﷺ فغير سديد، فإن أحدًا لا يسعه إنكار أو تجاهل حادثة أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر ﵁.\rقال القرطبي: \"وقتال أبي بكر ﵁ لأهل الردة معلوم متواتر\" (¬٢).\rبل عدَّ بعض أهل العلم ما حصل من أهل الردة من أعلام نبوته ﷺ حيث أخبر بها قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر (¬٣).\rولا يمنع هذا أن يذاد غير هؤلاء عن الحوض ممن كان بعدهم،","footnotes":"(¬١) تأويل مختلف الحديث (٢١٧ - ٢١٨).\r(¬٢) المفهم (٦/ ٩٣).\r(¬٣) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211878,"book_id":118,"shamela_page_id":662,"part":null,"page_num":678,"sequence_num":662,"body":"وصنع مثل صنيعهم، وإن لم يكن ممن صحب النبي ﷺ، فذكر هؤلاء والتنصيص عليهم لا يلزم منه اختصاصهم بهذا الوعيد، وخروج غيرهم منه، لا سيما وقد أشار النبي ﷺ إلى العلة، وهي: الردة، والإحداث، والتبديل، فمن وقع منه ذلك فهو من المتوعدين بالذود عن حوضه ﷺ، وقد أشار إلى هذا القرطبي (¬١) وغيره (¬٢).\rوقد يشهد لهذا حديث أبي هريرة ﵁، كما عند مسلم، أن النبي ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: (أرأيت لو أن رجلًا له خيل غُرٌّ محجلة بين ظهري خيل دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يعرف خيله؟ ) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هَلُمَّ فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا).\rوأما معرفة النبي ﷺ لهؤلاء المذادين عن الحوض، ونداؤه لهم، فيحتمل أن يكون ذلك لأجل الغرة والتحجيل التي تكون عليهم ثم تزال عنهم، كما هو الحال بالنسبة للمنافقين حين يُعطَون نورًا ثم يطفأ عنهم، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ أنه قال: \"ويعطى كل إنسان منهم منافقٍ أو مؤمنٍ نورًا، ثم يَتَّبِعُونه -أي الله تعالى- وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يُطْفَأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون\" (¬٣)، وهذا ما استظهره القاضي عياض وغيره (¬٤).","footnotes":"(¬١) تقدم نقل كلامه ص (٦٧٠).\r(¬٢) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٢).\r(¬٣) صحيح مسلم، (٣/ ٥٠) ح (١٩١).\r(¬٤) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥١)، والمفهم (١/ ٥٠٥)، والفتح (١١/ ٣٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211879,"book_id":118,"shamela_page_id":663,"part":null,"page_num":679,"sequence_num":663,"body":"ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قد عرف الذين صحبوه بأعيانهم، دون أن يكون لهم غرة وتحجيل، وإلى هذا مال ابن حجر ﵀، حيث قال: \"ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما، لأنها كرامة يظهر بها عمل المسلم، والمرتد قد حبط عمله، ، فقد يكون عرفهم بأعيانهم لا بصفتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم\" (¬١).\rويشهد لهذا قوله ﷺ: (أعرفهم ويعرفونني).\rويحتمل أن تكون معرفته إياهم بمجموع الأمرين، فيعرف الذين صحبوه بأعيانهم، ويعرف من أتى بعدهم من أمته بالغرة والتحجيل (¬٢) والله أعلم.\rوأما حمل هذه الأحاديث على أهل البدع والكبائر -على ما جاء في القول الثاني- فإنه وإن كان محتملًا -لورود لفظ الإحداث كما في بعض الروايات- إلا أن دلالة الأحاديث على القول الأول أظهر -والله تعالى أعلم- وقد تقدم قريبًا نقل كلام القاضي عياض في استبعاد هذا القول.\rوقال ابن حجر: \"وأما دخول أصحاب البدع في ذلك فاستُبعد، لتعبيره في الخبر بقوله: (أصحابي)، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده، وأُجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعم، واستُبعد أيضًا، لأنه لا يقال للمسلم ولو كان مبتدعًا: (سحقًا)، وأُجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: (سحقًا) تسليمًا لأمر الله مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر\" (¬٣).\rوقال أيضًا: \"وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين أنهم إن كانوا ممن ارتد عن الإسلام فلا إشكال في تبري النبي ﷺ منهم وإبعادهم، وإن","footnotes":"(¬١) الفتح (١١/ ٣٨٦).\r(¬٢) انظر: المفهم (١/ ٥٠٤).\r(¬٣) الفتح (١١/ ٣٨٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211880,"book_id":118,"shamela_page_id":664,"part":null,"page_num":680,"sequence_num":664,"body":"كانوا ممن لم يرتد، لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن، أو بدعة من أعمال القلب، فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعًا لأمر الله فيهم، حتى يعاقبهم على جنايتهم، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لأهل الكبائر من أمته، فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار، والله أعلم\" (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) الفتح (١٣/ ٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211881,"book_id":118,"shamela_page_id":665,"part":null,"page_num":681,"sequence_num":665,"body":"المبحث الخامس: شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211882,"book_id":118,"shamela_page_id":666,"part":null,"page_num":682,"sequence_num":666,"body":"المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال\rعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع النبي ﷺ، وذُكِر عنده عمُّه، فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحْضَاحٍ (¬١) من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)، متفق عليه (¬٢).\rوعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: (نعم، هو في ضَحْضَاحٍ من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، متفق عليه (¬٣).\r\rبيان وجه الإشكال\rقال الحافظ ابن حجر: \"استُشكل قوله ﷺ: (تنفعه شفاعتي) بقوله","footnotes":"(¬١) هو في الأصل: الماء القليل يكون على وجه الأرض، يبلغ الكعبين، واستعير في النار. [انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٥٧) مادة (ضح)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (٢٣٤)، والنهاية (٣/ ٧٥)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٨٤)].\r(¬٢) البخاري في موضعين: في كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة أبي طالب (٣/ ١٤٠٩) ح (٣٦٧٢)، وفي كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار (٥/ ٢٤٠٠) ح (٦١٩٦)، ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب (٣/ ٨٥) ح (٢١٠).\r(¬٣) البخاري في مواضع: في كتاب: الأدب، باب: كنية المشرك (٥/ ٢٢٩٣) ح (٥٨٥٥)، وفي كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة أبي طالب (٣/ ١٤٠٨) ح (٣٦٧٠)، وفي كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار (٥/ ٢٤٠٢) ح (٦٢٠٣) مختصرًا، ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب (٣/ ٨٤) ح (٢٠٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211883,"book_id":118,"shamela_page_id":667,"part":null,"page_num":683,"sequence_num":667,"body":"تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] \" (¬١) أي: كيف نفعت شفاعة النبي ﷺ أبا طالب -حيث سُئل: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فقال: (نعم) - وقد أخبر الله تعالى أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ومعلوم أن أبا طالب قد مات على الكفر، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرَتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: (أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويُعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال: قال رسول الله ﷺ: (والله لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك)، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (¬٢).\rقال ابن حجر عن آية القصص: \"لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي طالب\" (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) الفتح (١١/ ٤٣١)، وانظر: إكمال المعلم (١/ ٥٩٦)، والمفهم (١/ ٤٥٧).\r(¬٢) البخاري (٤/ ١٧٨٨) ح (٤٤٩٤)، ومسلم (١/ ٣٢٧) ح (٢٤).\r(¬٣) الفتح (٨/ ٥٠٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211884,"book_id":118,"shamela_page_id":668,"part":null,"page_num":684,"sequence_num":668,"body":"المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rاختلف أهل العلم في الجواب على هذا الحديث على أقوال، أهمها:\rالقول الأول: أن هذا خاص بأبي طالب، ولذلك عدوه في خصائص النبي ﷺ، وأما سائر الكفار فإن حسناتهم وخيراتهم لا تنفعهم شيئًا يوم القيامة، بسبب كفرهم.\rوإلى هذا ذهب البيهقي وابن كثير (¬١) وغيرهما (¬٢).\rقال البيهقي: ووجهه عندي أن الشفاعة في الكفار إنما امتنعت لوجود الخبر الصادق في أنه لا يشفع فيهم أحد، وهو عام في حق كل كافر، فيجوز أن يخص منه من ثبت الخبر بتخصيصه (¬٣).\rوقال: ويصح لمن ذهب هذا المذهب في خيرات الكافر أن يقول: إن ما خُصَّ به أبو طالب من التخفيف إنما هو لأجل النبي ﷺ، تطييبًا لقلبه وثوابًا له في نفسه لا لأبي طالب، لأن حسناته صارت بموته على الكفر هباءً منثورًا، وقد ورد أن ثواب الكافر على إحسانه إنما يكون في الدنيا (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: النهاية (٢/ ٣٧).\r(¬٢) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٠)، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٦١)، والتذكرة (٢/ ١٥)، وفتاوى نور على الدرب، من أجوبة سماحة الشيخ ابن باز (١/ ١١٧)، والقول المفيد (١/ ٣٣٤).\r(¬٣) انظر: البعث والنشور (٦١)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦١، ٦٦)، والفتح (١١/ ٤٣١).\r(¬٤) انظر: الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٦)، والبعث (٦١)، والمنهاج للحليمي (١/ ٣٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211885,"book_id":118,"shamela_page_id":669,"part":null,"page_num":685,"sequence_num":669,"body":"واستدل أصحاب هذا القول على أن سائر الكفار لا تنفعهم حسناتهم في الآخرة بعدة أدلة (¬١)، منها:\r١ - قوله تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨].\r٢ - وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].\r٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، رواه مسلم (¬٢).\r٤ - حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها)، رواه مسلم (¬٣).\rالقول الثاني: أن هذا التخفيف ليس خاصًا في أبي طالب، وإنما هو عام في سائر الكفار، فجزاء خيراتهم تخفيف العذاب عنهم، وعلى هذا يكون معنى المنفعة في الآية غير معنى المنفعة في الحديث: فالمراد بها في الآية: الإخراج من النار، والمراد بها في الحديث: التخفيف من العذاب (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦١ - ٦٢)، والتذكرة (٢/ ١٥)، والنهاية لابن كثير (٢/ ٣٧)، والفتح (١١/ ٤٣١).\r(¬٢) صحيح مسلم (٣/ ٨٧) ح (٢١٤).\r(¬٣) صحيح مسلم (١٧/ ١٥٥) ح (٢٨٠٨).\r(¬٤) انظر: المنهاج للحليمي (١/ ٣٩٠)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٥٩)، والمعلم (١/ ٢٠٧)، و (٣/ ١٩٨)، وإكمال المعلم (٨/ ٣٤١)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٨٧)، والنهاية في الفتن (٢/ ٣٧)، ومجموع الفتاوى (١/ ١٤٤)، والفتح (١١/ ٤٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211886,"book_id":118,"shamela_page_id":670,"part":null,"page_num":686,"sequence_num":670,"body":"وإلى هذا ذهب القرطبي وجوَّزه البيهقي (¬١)، وهو ظاهر قول ابن أبي العز (¬٢).\rقال القرطبي: \"خيرات الكافر توزن ويجزى بها، إلا أن إلله تعالى حرم عليه الجنة، فجزاؤه أن يخفف عنه، بدليل حديث أبي طالب\" (¬٣).\rواستدل هؤلاء بما يلي (¬٤):\r١ - قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فقالوا: إن الآية تشمل الكافر حيث لم يفصل الله تعالى بين نفس ونفس.\r٢ - حديث أبي طالب، حيث نفعه إحسانه إلى النبي ﷺ في تخفيف العذاب عنه، فكان كل ذي خيرات وإحسان من الكفار مثله في هذا.\r٣ - ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير أنه قال: \"ثُويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرِّ حيبة (¬٥)، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألقَ بعدكم غير أني سُقيت في هذه (¬٦) بعتاقتي ثويبة\" (¬٧).\rوأجابوا عن أدلة القول الأول من الآيات والأحاديث، بأن المراد: أنه لا يكون لحسنات الكافر موقع التخلص من النار والإدخال في الجنة،","footnotes":"(¬١) انظر: البعث والنشور (٦٢).\r(¬٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢٨٩).\r(¬٣) التذكرة (٢/ ١٥).\r(¬٤) انظر: المنهاج (١/ ٣٩٠)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٥٩)، والبعث (٦٣)، والتذكرة (٢/ ١٥).\r(¬٥) \"أي: سوء حال\" الفتح (٩/ ١٤٥).\r(¬٦) جاء في بعض الروايات: \"وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع\" انظر: الفتح (٩/ ١٤٥).\r(¬٧) صحيح البخاري (٥/ ١٩٦١) ح (٤٨١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211887,"book_id":118,"shamela_page_id":671,"part":null,"page_num":687,"sequence_num":671,"body":"وأما التخفيف من العذاب فإنه ممكن، لهذه الأدلة (¬١).\rالقول الثالث: إنكار الحديث في تخفيف العذاب على أبي طالب، وعدم القول بثبوته. وإلى هذا ذهب الحليمي (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر: المنهاج (١/ ١٩٠)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٤)، والمفهم (١/ ٤٦٠)، والتذكرة (٢/ ١٥).\r(¬٢) انظر: المنهاج (١/ ٣٩٠)، والجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211888,"book_id":118,"shamela_page_id":672,"part":null,"page_num":688,"sequence_num":672,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rحاصل الأقوال المتقدمة كلها: الاتفاق على أن الكافر لا تنفعه أعماله الحسنة نفعًا يخلصه من النار ويدخله الجنة، حتى ولو اقترن ذلك بشفاعة شافع، وهذا مما انعقد الإجماع عليه، كما نقله القاضي عياض (¬١)، والنووي (¬٢).\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار، والاستغفار لهم، مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له، كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لأبي طالب، اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٤, ١١٥] ... فهذا لما مات مشركًا لم","footnotes":"(¬١) انظر: إكمال المعلم (١/ ٥٩٧)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٨٧).\r(¬٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211889,"book_id":118,"shamela_page_id":673,"part":null,"page_num":689,"sequence_num":673,"body":"ينفعه استغفار إبراهيم، مع عظم جاهه وقدره\" (¬١).\rويبقى الكلام في تخفيف العذاب على الكافر بسبب حسنات عملها، هل هو خاص في أبي طالب، لورود النص به، أم أنه عام فيه وفي غيره من الكفار؟ في هذا وقع الخلاف كما تقدم.\rوالذي يظهر -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن ذلك خاص بأبي طالب، وأما سائر الكفار فقد أخبر الله تعالى أنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وعلى هذا فلا تعارض بين شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب، وقوله تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] لأن الآية محكمة، والحديث ثابت، فتعين القول بهذا، وهو تخصيص الآية بالحديث، علمًا أن هذا النفع الحاصل لأبي طالب ليس نفعًا كاملًا، وإنما هو نفع ناقص، فالعذاب لم يسقط عنه بالكلية وإنما خفف، ومع هذا فهو لا يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه.\rوأما القول الثاني وهو أن التخفيف يعم كل كافر له حسنات، فليس في الحديث ما يدل عليه، فإن التخفيف عن أبي طالب إنما كان بشفاعة النبي ﷺ له لا بعمله، كما هو ظاهر الحديث: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة)، وشفاعة النبي ﷺ له مبنية على سبب معين له تعلق به ﵇، حيث جاء في الحديث: فإنه كان يحوطك ويغضب لك، فنصرته للنبي ﷺ وحمايته له هي سبب الشفاعة، وليس سببها أعمال خير قدمها غير هذا، وعليه فلا وجه لإقحام أعمال الكفار الحسنة في هذا النزاع، ولا الاستدلال بهذا الحديث على نفعها لعموم الكفار في الآخرة، لا سيما وقد ورد النص الصحيح الصريح بخلافه، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).","footnotes":"(¬١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٤٥ - ١٤٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211890,"book_id":118,"shamela_page_id":674,"part":null,"page_num":690,"sequence_num":674,"body":"قال النووي: \"معنى هذا الحديث: أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم، لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرًا، وهو معنى قوله ﷺ: (لم يقل: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافر، ولا ينفعه عمل\" (¬١).\rوجاء في صحيح مسلم أيضًا من حديث أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها).\rقال القاضي عياض: \"الأصل أن الكافر لا يجزى في الآخرة على خير عمله في الدنيا، ولا يكتب له حسنة، لأن شرط الثواب والجزاء عُدِم، وهو الإيمان، لكن أخبر في هذا الحديث أنه من عدْل الله أنه قد جازاه بها في الدنيا بما أعطاه ورزقه وأطعمه، بخلاف المؤمن الذي يدخر له حسناته في الآخرة\" (¬٢).\rوأما استدلالهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فقد أجاب عنه الحافظ ابن كثير فقال: \"قصارى هذه الآية: العموم، فيخص من ذلك الكافرون\" (¬٣)، ثم استدل على هذا التخصيص بقول النبي ﷺ في ابن جدعان -وقد تقدم- وكذا قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].\rوقال ابن حجر بعد ذكر هذا القول واستدلال أصحابه بهذه الآية: \"هذا البحث النظري معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وحديث أنس الذي أشرت إليه\" (¬٤) يعني الحديث المتقدم.","footnotes":"(¬١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٨٧).\r(¬٢) إكمال المعلم (٨/ ٣٤١ - ٣٤٢)، وانظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٥).\r(¬٣) النهاية (٢/ ٣٧).\r(¬٤) الفتح (١١/ ٤٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211891,"book_id":118,"shamela_page_id":675,"part":null,"page_num":691,"sequence_num":675,"body":"وأما حديث عروة في أبي لهب وعتاقته ثويبه فقد ذكر الجواب عنه الحافظ ابن حجر فقال: \"في الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].\rوأُجيب:\rأولًا: بأن الخبر مرسل، أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به.\rوثانيًا: على تقدير القبول فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي ﷺ مخصوصًا من ذلك، بدليل قصة أبي طالب\" (¬١).\rتنبيه:\rرُوي في معنى هذا القول -أعني القول الثاني- حديث ضعيف، وهو ما أخرجه الحاكم وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ما أحسنَ محسنٌ من مسلم ولا كافر إلا أثابه الله)، قال: فقلنا: يا رسول الله ما إثابة الله الكافر؟ قال: (إن كان قد وصل رحمًا أو تصدق بصدقةٍ أو عمل حسنةً، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك)، قال: فقلنا: ما إثابته في الآخرة؟ فقال: (عذابًا دون عذاب) قال: وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] (¬٢).","footnotes":"(¬١) الفتح (٩/ ١٤٥)، وانظر: الجامع في شعب الإيمان (٢/ ٦٦ - ٦٧)، وإكمال المعلم (١/ ٥٩٦).\r(¬٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٢٧٨) ح (٣٠٠١)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وتعقبه الذهبي فقال: \"عتبة واهٍ\"، والبزار (كشف ١/ ٤٤٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٤) ح (٢٧٧)، وقال: \"في إسناده من لا يحتج به\"، وفي البعث (٦٢) ح (١٥)، وقال: \"في إسناده نظر\"، وأورده الهيثمي في المجمع (٣/ ١١١)، وقال: \"رواه البزار، وفيه عتبة بن يقظان، وفيه كلام، وقد وثقه ابن حبان، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211892,"book_id":118,"shamela_page_id":676,"part":null,"page_num":692,"sequence_num":676,"body":"فهذا الحديث ذكرته للتنبيه على ضعفه، وإلا فلم أقف -بعد البحث- على من احتج به، غير أن البيهقي قال بعد سياقه له: هذا إن ثبت ففيه الحجة، لكن في إسناده من لا يحتج به (¬١).\rوأما القول الثالث: وهو رد الحديث وإنكاره فقد قال عنه البيهقي: \"حديث أبي طالب صحيح، ولا معنى لإنكار الحليمي ﵀ الحديث، ولا أدري كيف ذهب عنه صحة ذلك، فقد رُوي من أوجه عن عبد الملك بن عمير، ورُوي من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ بمعناه، وقد أخرجه صاحبا الصحيح، وغيرهما من الأئمة في كتبهم الصحاح\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"= وبقية رجاله ثقات\"، وقال عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٣٢): \"سنده ضعيف\"، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (٥/ ٤٠)، وعزاه لابن ماجه في التفسير، وقال عنه: \"منكر\".\rقلت: وعتبة هذا هو ابن يقظان الراسبي، أبو عمرو، قال فيه النسائي: غير ثقة، وقال علي بن الحسين ابن الجنيد: لا يساوي شيئًا، وقال ابن حجر: ضعيف. [انظر: الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٤)، وتهذيب الكمال (١٩/ ٣٢٦)، وميزان الاعتدال (٥/ ٣٩ - ٤٠)، وتهذيب التهذيب (٧/ ٩٢)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٥٤)].\r(¬١) انظر: الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٥).\r(¬٢) الجامع لشعب الإيمان (٢/ ٦٦)، وانظر: البعث (٦١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211893,"book_id":118,"shamela_page_id":677,"part":null,"page_num":693,"sequence_num":677,"body":"المبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات\rوفيه ثلاثة مطالب:\r* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.\r* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.\r* المطلب الثالث: الترجيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211894,"book_id":118,"shamela_page_id":678,"part":null,"page_num":694,"sequence_num":678,"body":"المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال\rعن ابن عمر ﵄ قال: اطَّلع النبي ﷺ على أهل القَلِيب فقال: (وجدتم ما وعد ربكم حقًا)، فقيل له: تدعوا أمواتًا؟ فقال: (ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون)، رواه البخاري (¬١).\rوفي رواية: قال النبي ﷺ: (إنهم الآن يسمعون ما أقول) فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال النبي ﷺ: (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)، ثم قرأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] حتى قرأَتْ الآية (¬٢).\rوأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أنه ذُكر عندها: أن ابن عمر رفع إلى النبي ﷺ: (إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله عليه)، فقالت: وَهَلَ ابن عمر ﵀، إنما قال رسول الله ﷺ: (إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن)، قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله ﷺ قام على القليب، وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم مثل ما قال: (إنهم ليسمعون ما أقول)، إنما قال: (إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي","footnotes":"(¬١) صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر (١/ ٤٦٢) ح (١٣٠٤)، وكتاب المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا (٤/ ١٤٧٦) ح (٣٨٠٢)، وانظر: تخريج الرواية الثانية.\r(¬٢) البخاري: كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل (٤/ ١٦٢) ح (٣٧٦٠)، وأخرج ما ورد عن عائشة ﵂ في كتاب الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر (١/ ٤٦٢) ح (١٣٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211895,"book_id":118,"shamela_page_id":679,"part":null,"page_num":695,"sequence_num":679,"body":"الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] (¬١).\rوعن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة: أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا في طَويٍّ (¬٢) من أطواء بدر، خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة (¬٣) ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فَشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى واتَّبعه أصحابه، وقالوا: ما نُرَى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ (¬٤)، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: (يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ ) قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا. متفق عليه (¬٥).\rوثبت هذا الحديث -أعني: حديث القليب- عند مسلم من طريق","footnotes":"(¬١) متفق عليه: البخاري: كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل (٤/ ١٤٦٢) ح (٣٧٥٩)، ومسلم: كتاب الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٦/ ٤٨٨) ح (٩٣٢).\r(¬٢) الطوي: هي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة، لئلا تنهار. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٦٧)، والمجموع المغيث (٢/ ٣٧٥)، والفتح (٧/ ٣٠٢)].\r(¬٣) العرصة: كل موضع واسع لا بناء فيه. [انظر: المجموع المغيث (٢/ ٤٢٢)، والنهاية (٣/ ٢٠٨)].\r(¬٤) أي: طرف البئر. [انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (٢٦٧)، والمجموع المغيث (١/ ٧٩٨)، والنهاية (٢/ ٢٦١)، والفتح (٧/ ٣٠٢)].\r(¬٥) البخاري: كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل (٤/ ١٤٦١) ح (٣٧٥٧)، ومسلم -بدون قول قتادة-: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه (١٧/ ٢١٢) ح (٢٨٧٥)، وأخرجه أيضا عن أنس ﵁، ولم يذكر فيه أبا طلحة: ح (٢٨٤٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211896,"book_id":118,"shamela_page_id":680,"part":null,"page_num":696,"sequence_num":680,"body":"عمر بن الخطاب ﵁ (¬١).\r\rبيان وجه الإشكال\rهو أن ظاهر هذا الحديث قد يفهم منه مخالفة قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، ولهذا اعترضت عليه عائشة ﵂ -كما ترى- واستدلت بالآيتين.\rقال ابن كثير: \"هذا مما كانت عائشة ﵂ تتأوله من الأحاديث ... وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات\" (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) صحيح مسلم: كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه (١٧/ ٢١١) ح (٢٨٧٦).\r(¬٢) البداية والنهاية (٣/ ٢٩٣)، وانظر: المحرر الوجيز لابن عطية (١٢/ ١٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211897,"book_id":118,"shamela_page_id":681,"part":null,"page_num":697,"sequence_num":681,"body":"المطلب الثانى: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال\rسلك أهل العلم في هذه المسألة مسلكين: أحدهما الجمع، والآخر الترجيح، وإليك البيان:\rأولًا: مسلك الترجيح (¬١)، وهو ما ذهبت إليه عائشة ﵂، حيث خطأت ابن عمر ﵄ في حديثه، وعارضته بالآية، فقالت: إنما قال النبي ﷺ: (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كلنت أقول لهم هو الحق) ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.\rقال ابن حجر: \"وهذا مصير من عائشة إلى رد رواية ابن عمر المذكورة\" (¬٢).\rثانيًا: مسلك الجمع: أي: الجمع بين الآية والحديث، فقالوا: إن أهل القليب قد سمعوا قول النبي ﷺ لهم، كما هو صريح حديث عمر وابنه وأبي طلحة ﵃، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، كقتادة (¬٣)، وابن أبي عاصم (¬٤)،","footnotes":"(¬١) بدأت به أولًا قبل مسلك الجمع لأن الكلام في مسلك الجمع طويل.\r(¬٢) الفتح (٣/ ٢٣٤).\r(¬٣) انظر: صحيح البخاري (٤/ ١٤٦١) ح (٣٧٥٧)، وقد تقدم كلامه في المطلب الأول.\r(¬٤) هو أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، كان إمامًا حافظًا كبيرًا بارعًا متَّبعًا للآثار، من أهل السنة والحديث والنسك، ولي قضاء أصبهان ونشر بها علمه، له مصنفات منها: كتاب السنة، توفي ﵀ سنة سبع وثمانين ومائتين (٢٨٧) [انظر: السير (١٣/ ٤٣٠)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٠)، وشذرات الذهب (٢/ ١٩٥)].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211898,"book_id":118,"shamela_page_id":682,"part":null,"page_num":698,"sequence_num":682,"body":"وابن قتيبة (¬١)، والبربهاري (¬٢)، والمازري (¬٣)، وابن عطية (¬٤)، والقاضي عياض (¬٥)، وابن الجوزي (¬٦)، وأبي العباس القرطبي (¬٧)، وأبي عبد الله القرطبي (¬٨)، والنووي (¬٩)، وابن تيمية (¬١٠)، وابن القيم (¬١١)، وابن كثير (¬١٢)، وابن مفلح (¬١٣)، والآلوسي (¬١٤)، والشنقيطي (¬١٥)، والألباني (¬١٦)،","footnotes":"(¬١) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٤٢ - ١٤٣).\r(¬٢) انظر: شرح السنة (٣٤).\r(¬٣) انظر: المعلم (٣/ ٢٠٧).\r(¬٤) انظر: المحرر الوجيز (١٢/ ١٣٠، ١٣١).\r(¬٥) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٧) (٨/ ٤٠٥).\r(¬٦) انظر: كشف المشكل (١/ ١٤٨).\r(¬٧) انظر: المفهم (٢/ ٥٨٥)، و (٧/ ١٥١).\r(¬٨) انظر: التذكرة (١/ ٢٢٧).\r(¬٩) انظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١١ - ٢١٢).\r(¬١٠) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٨)، و (٢٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\r(¬١١) انظر: الروح (٦٧ - ٦٨).\r(¬١٢) انظر: البداية والنهاية (٣/ ٢٩٣).\r(¬١٣) انظر: الفروع (٢/ ٣٠١). وابن مفلح هو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي ثم الصالحي الحنبلي، الشيخ الإمام العالم العلامة، تفقه وبرع ودرس وأفتى وأفاد، كان آية وغاية في نقل مذهب الإمام أحمد، قال ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، توفي ﵀ سنة (٧٦٣ هـ) له مصنفات عديدة أشهرها كتاب الفروع. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٩٩)، والأعلام (٧/ ١٠٧)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٧٢٩)].\r(¬١٤) انظر: روح المعاني (٢١/ ٥٧ - ٥٨). والآلوسي هو: أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، مفسر محدث أديب مجدد، من أهل بغداد، مولده ووفاته فيها، وكان مجتهدًا سلفي الاعتقاد، له مؤلفات منها: تفسيره المشهور، واسمه: روح المعاني، وغرائب الاغتراب، توفي سنة (١٢٧٠). [انظر: الأعلام (٧/ ١٧٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٨١٥)].\r(¬١٥) انظر: أضواء البيان (٦/ ٤٢٢).\r(¬١٦) انظر: مقدمة الآيات البينات (٤٠)، وكتاب السنة لابن أبي عاصم (٤١٤) هامش (١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211899,"book_id":118,"shamela_page_id":683,"part":null,"page_num":699,"sequence_num":683,"body":"وغيرهم (¬١).\rقال ابن أبي عاصم: \"والأخبار التي في قليب بدر، ونداء النبي ﷺ إياهم، وما أخبر أنهم يسمعون كلامه، أخبار ثابتة توجب العمل والمحاسبة\" (¬٢).\rوأما الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، فقد أجابوا عنها بعدة أجوبة (¬٣).\rقال الشنقيطي: \"اعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية، واستقراء القرآن أن معنى قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا يصح فيه من أقوال العلماء إلا تفسيران:\rالأول: أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: لا تسمع الكفار الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدىً وانتفاع، لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذنهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع ...\rالتفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى: الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفي في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مَثَلٌ ضُرِبَ للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع، كما لم يُنفَ ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا\" (¬٤).","footnotes":"(¬١) انظر: فتح القدير (٤/ ١٥١)، والآيات البينات (٥٥ - ٥٦، ٦٨).\r(¬٢) السنة (٤١٤).\r(¬٣) انظر: الفتح (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\r(¬٤) أضواء البيان (٦/ ٤١٦ - ٤٢١)، وقد تكلم على معنى هذه الآية وقرره بكلام =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211900,"book_id":118,"shamela_page_id":684,"part":null,"page_num":700,"sequence_num":684,"body":"قلت: والتفسير الأول الذي ذكره عليه أغلب المفسرين (¬١)، وأما الثاني فقد قال: به ابن تيمية (¬٢) وغيره (¬٣).\rقال ابن تيمية ﵀: \"وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، المراد السماع المعتاد الذي يتضمن القبول والانتفاع -كما في حق الكفار- السماع النافع في قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠]، فإذا كان قد نفى عن الكافر السمع مطلقًا، وعلم أنه إنما نفى سمع القلب المتضمن للفهم والقبول، لا مجرد سماع الكلام، فكذلك المشبه به وهو الميت\" (¬٤).\rوالقول في الآية الأخرى -آية فاطر- وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، كالقول في الآية المتقدمة (¬٥).\rوقد اختلف أصحاب هذا المسلك في سماع الموتى، هل هو عام دائم، أم مخصوص مقيد بما ورد؟\r١ - فذهب البعض إلى القول: بالعموم والإطلاق كابن مفلح (¬٦)","footnotes":"= رصين متين، لا تكاد تجده في غيره، فراجعه إن شئت.\r(¬١) انظر: جامع البيان (١٠/ ١٣)، وتفسير القرآن للسمعاني (٤/ ١١٢)، ومعالم التنزيل (٣/ ٤٢٨)، والجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٢٣٢)، والآيات البينات في عدم سماع الأموات (٢١ - ٢٢).\r(¬٢) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٨)، و (٢٤/ ٣٦٤)، وأضواء البيان (٦/ ٤٢٠).\r(¬٣) انظر: الروح لابن القيم (٦٨)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٥٩٨)، وتهذيب الآثار للطبري (٢/ ٥٢٠).\r(¬٤) المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ٩٤).\r(¬٥) انظر: جامع البيان (١٠/ ٤٠٧)، وتفسير القرآن للسمعاني (٤/ ٣٥٥)، ومعالم التنزيل (٣/ ٥٦٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٣٤٠)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٨٧٩)، وأضواء البيان (٦/ ٤١٩).\r(¬٦) انظر: الفروع (٢/ ٣٠١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211901,"book_id":118,"shamela_page_id":685,"part":null,"page_num":701,"sequence_num":685,"body":"والشنقيطي، وهو ظاهر كلام قوام السنة الأصبهاني (¬١) وغيره (¬٢)، وحكاه الطبري وابن حجر عن جماعة من العلماء (¬٣).\rقال الشنقيطي: \"اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأن قول عائشة ﵂ ومن تبعها: إنهم لا يسمعون استدلالًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وما جاء في معناها من الآيات غلط منها ﵂، وممن تبعها، وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين:\rالأولى منهما: أن سماع الموتى ثبت عن النبي ﷺ في أحاديثَ متعددة، ثبوتًا لا مطعن فيه، ولم يذكر النبي ﷺ أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت.\rوالمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه ﷺ في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة ﵂ بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة، لا يجب الرجوع إليه، لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ بتأول بعض الصحابة بعضَ الآيات\" (¬٤).\rوقال تعليقًا على حديث القليب: \"وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ في ذلك تخصيصًا، وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر\" (¬٥).\r٢ - وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأموات يسمعون في الجملة، فيسمعون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت.","footnotes":"(¬١) انظر: الحجة (٢/ ٣٣١).\r(¬٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (١٤٢).\r(¬٣) انظر: تهذيب الآثار (٢/ ٥١٠)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٥٩)، وفتاوى الحافظ ابن حجر، قسم العقيدة (٥٨).\r(¬٤) أضواء البيان (٦/ ٤٢١)، وانظر: (٦/ ٤٢٩).\r(¬٥) أضواء البيان (٦/ ٤٢٢)، وانظر: (٦/ ٤٢٣، ٤٢٤، ٤٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211902,"book_id":118,"shamela_page_id":686,"part":null,"page_num":702,"sequence_num":686,"body":"وممن ذهب إلى هذا الطبري (¬١)، وابن تيمية، وابن القيم (¬٢)، وجوَّزه أبو العباس القرطبي (¬٣).\rقال ابن تيمية بعد ذكره لبعض النصوص، كحديث القليب وغيره: \"فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به ونهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] (¬٤) \" (¬٥).\rواستدل هؤلاء -أعني: أصحاب هذين القولين- على قولهم: بسماع الموتى بعدة أدلة، أهمها:\r- حديث القليب، وقد تقدم.\r- حديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان ... )،","footnotes":"(¬١) انظر: تهذيب الآثار (٢/ ٥٢٠ - ٥٢١)، وأهوال القبور لابن رجب (١٣٣).\r(¬٢) انظر: الروح (٦٧ - ٦٨).\r(¬٣) انظر: المفهم (٢/ ٥٨٦)، و (٧/ ١٥١).\r(¬٤) انظر في تفسير الآية: جامع البيان (٦/ ٢٠٩)، ومعالم التنزيل (٢/ ٢٤٠)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٣٨٨)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٦٨).\r(¬٥) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٤)، وانظر (٤/ ٢٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211903,"book_id":118,"shamela_page_id":687,"part":null,"page_num":703,"sequence_num":687,"body":"متفق عليه (¬١).\r- مشروعية السلام على أهل القبور بصيغة الخطاب للحاضر، وهذا ثابت في أحاديث كثيرة، كحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، رواه مسلم (¬٢).\rقال ابن تيمية: \"فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطب من يسمع\" (¬٣).\rوقال الشنقيطي: \"وخطابه ﷺ لأهل القبور بقوله: (السلام عليكم)، وقوله: (وإنا إن شاء الله بكم) ونحو ذلك يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه، لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم\" (¬٤).\r٣ - وذهب آخرون إلى أن الأصل عدم السماع، وأما حديث القليب وغيره مما ورد فهو مستثنى من هذا الأصل، فيكون من قَبِيْل تخصيص العموم، وهذا ما ذهب إليه قتادة والقاضي أبو يعلى (¬٥)، والمازري، وابن عطية (¬٦)، وابن الجوزي (¬٧)، وأبو عبد الله القرطبي، والشوكاني (¬٨)، والآلوسي (¬٩)، وابنه نعمان (¬١٠)، .........................................................","footnotes":"(¬١) البخاري: (١/ ٤٦٢) ح (١٣٠٨)، ومسلم (١٧/ ٢٠٨) ح (٢٨٧٠).\r(¬٢) تقدم تخريجه ص (٦٦١ - ٦٦٢).\r(¬٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٣)، وانظر: الروح لابن القيم (١٥ - ١٦، ٦٨)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٦٩٧، ٦٩٩).\r(¬٤) أضواء البيان (٦/ ٤٢٥ - ٤٢٦).\r(¬٥) نقل ذلك عنه ابن رجب في أهوال القبور (١٣٣).\r(¬٦) انظر: المحرر الوجيز (١٢/ ١٣٠)، و (١٣/ ١٦٩).\r(¬٧) انظر: كشف المشكل (١/ ١٤٨)، والفروع لابن مفلح (٢/ ٣٠٢).\r(¬٨) انظر: فتح القدير (٤/ ١٥١).\r(¬٩) انظر: روح المعاني (٢١/ ٥٧ - ٥٨).\r(¬١٠) وقد ألَّف رسالةً في هذا بعنوان: \"الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211904,"book_id":118,"shamela_page_id":688,"part":null,"page_num":704,"sequence_num":688,"body":"والألباني (¬١) -وقد انتصرا له- وغيرهم (¬٢).\rقال قتادة: \"أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا\" (¬٣).\rوقال ابن بطال: \"وعلى تأويل قتادة فقهاء الأئمة وجماعة أهل السنة، وعلى ذلك تأوَّله عبد الله بن عمر راوي الحديث عن النبي ﵇\" (¬٤).\rوقال المازري تعليقًا على حديث القليب: \"ذهب بعض الناس إلى أن الميت يسمع، أخذًا بظاهر هذا الحديث، والذي عليه المحصلون من العلماء: أن الله تعالى خرق العادة بأن أعاد الحياة إلى هؤلاء الموتى ليقرعهم ﷺ، وإلى هذا ذهب قتادة\" (¬٥).\rوقال أبو عبد الله القرطبي: \"اعلم رحمك الله أن عائشة ﵂ قد أنكرت هذا المعنى، واستدلت بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ولا تعارض بينهما، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المُخَصِّص، وقد وجد هنا بما ذكرناه -وقد تقدم (¬٦) - وبقوله عليه الصلاة","footnotes":"= الحنفية السادات\". وهو: أبو البركات خير الدين نعمان بن محمود بن عبد الله الآلوسي، واعظ فقيه، ولد ونشأ ببغداد وبها توفي، وهو ابن العلامة محمود الآلوسي، له مؤلفات منها: كتابه المتقدم، وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين، توفي سنة (١٣١٧). [انظر: الأعلام (٨/ ٤٢)، ومعجم المؤلفين (٤/ ٣٤)].\r(¬١) انظر: مقدمة كتاب: \"الآيات البينات\" (٤٠)، والسنة لابن أبي عاصم (٤١٤) هامش (١).\r(¬٢) انظر: الفتح (٣/ ٢٣٥)، والآيات البينات (٥٨، ٦٨)، وفتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٤٧٢).\r(¬٣) صحيح البخاري: (٤/ ١٤٦١) ح (٣٧٥٧).\r(¬٤) شرح صحيح البخاري (٣/ ٣٥٩).\r(¬٥) انظر: المعلم (٣/ ٢٠٧).\r(¬٦) يعني حديث القليب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211905,"book_id":118,"shamela_page_id":689,"part":null,"page_num":705,"sequence_num":689,"body":"والسلام: (إنه ليسمع قرع نعالهم) (¬١)، وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما، وغير ذلك\" (¬٢).\rوهذا القول قريب من سابقه، فإن كلًا منهما لم يطلق القول: بالسماع، إلا أن القول السابق جعل السماع أصلًا، استنادًا إلى ما ورد من الأحاديث، وأما أصحاب هذا القول فقد جعلوا عدم السماع أصلًا، استنادًا إلى ما ورد من الآيات وغيرها، ولم يستثنوا من ذلك إلا ما ورد النص بإثباته.\rقال الألباني: \"وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم ... على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال، كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما، كما في حديث القليب، فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلًا، فيقال: إن الموتى يسمعون، كما فعل بعضهم، كلا فإنها قضايا جزئية، لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثنى منه، على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر في علم أصول الفقه\" (¬٣).\rوعمدة هؤلاء فيما ذهبوا إليه أمران:\r١ - الآيات الواردة في نفي سماع الموتى، والتي منها:\r- الآيتان اللتان استدلت بهما عائشة ﵂، وهما: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ [النمل: ٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].\rفقالوا: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى المراد","footnotes":"(¬١) تقدم تخريجه قريبًا.\r(¬٢) التذكرة (١/ ٢٢٧).\r(¬٣) مقدمة الآيات البينات (٤٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211906,"book_id":118,"shamela_page_id":690,"part":null,"page_num":706,"sequence_num":690,"body":"منهما هو: تشبيه الكفار الأحياء بحال الموتى وأهل القبور، فهما واردتان في حق الكفار على ما تقدم بيانه، لا ننازع في هذا، بل نقول: على هذا جرى علماء التفسير، لكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على عدم سماع الموتى، لأن الموتى لمَّا كانوا لا يسمعون حقيقة، وكان ذلك معروفًا عند المخاطبين، شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع، فدل هذا التشبيه على أن المُشَبَّه بهم -وهم الموتى في قبورهم- لا يسمعون، كما يدل مثلًا تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع، بل هو في ذلك أقوى من زيد، ولذلك شُبِّه به، وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه، وإنما عن زيد، وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور، فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون، بل إن كل عربي سليم السليقة، لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم، كما في المثال السابق.\rقالوا: ومما يؤكد عدم سماع الأموات: تمام الآية الأولى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، فقد شبه الله موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضًا، فهل هذا يقتضي في المُشَبَّه بهم (الصم) أنهم يسمعون أيضًا، ولكن سماعًا لا انتفاع فيه؟ ! أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقًا، كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه (¬١).\rقال ابن الهُمَام (¬٢) عن هاتين الآيتين: \"إنهما تفيدان تحقق عدم","footnotes":"(¬١) انظر: مقدمة الآيات البينات (٢١ - ٢٣)، وروح المعاني (٢/ ١٩ - ٢٠).\r(¬٢) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السواسي الأصل، الإسكندري ثم القاهري الحنفي، المعروف بابن الهمام -كمال الدين- من علماء الحنفية وفقهائهم، مشارك في الأصول والتفسير والنحو والصرف وغيرها، له مؤلفات منها: شرح الهداية في فروع الفقه الحنفي، سماه: فتح القدير، وله أيضًا: التحرير في أصول الفقه، توفي سنة (٨٦٠). [انظر: الضوء اللامع (٨/ ١٢٧)، والبدر الطالع (٢/ ٢٠١)، والأعلام (٦/ ٢٥٥)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211907,"book_id":118,"shamela_page_id":691,"part":null,"page_num":707,"sequence_num":691,"body":"سماعهم، فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى، لإفادة تعذر سماعهم، وهو فرع عدم سماع الموتى\" (¬١).\rقالوا: وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا، فقد قال الطبري في تفسيره: \"وقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، يقول: وكما لا تقدر أن تسمع الصم -الذين قد سلبوا السمع- الدعاءَ، إذا هم ولُّوا عنك مدبرين، كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء -الذين قد سلبهم الله فَهَم آيات كتابه-، لسماع ذلك وفهمه\"، ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: \"هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، يقول: لو أن أصم ولَّى مدبرًا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع\" (¬٢).\rقالوا: وبهذا يتبين صحة فهم عائشة ﵂ للآية، وتَوَجُّهِ اعتراضها، لولا أنه في مقابلة النص، وقد وافقها على هذا الفهم عمر ﵁، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثة أيام، حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: (يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا)، قال: فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ يقول الله ﷿ ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فقال: (والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا) (¬٣).","footnotes":"= ومعجم المؤلفين (٣/ ٤٦٩)].\r(¬١) نقل ذلك عنه الآلوسي في الآيات البينات (٥٩).\r(¬٢) جامع البيان (١٠/ ١٩٧)، والأثر صحح إسناده الألباني في مقدمته للآيات البينات (٢٣)، وانظر: فتح القدير (٤/ ١٥٠ - ١٥١).\r(¬٣) المسند (٢١/ ٤٥١) ح (١٤٦٤)، وقال الألباني في الآيات البينات: \"سنده صحيح على شرط مسلم\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211908,"book_id":118,"shamela_page_id":692,"part":null,"page_num":708,"sequence_num":692,"body":"فعمر ﵁ فهم من عموم الآية دخول أهل القليب فيه، فأشكل عليه مخاطبة النبي ﷺ لهم، فبين له النبي ﷺ أنهم يسمعونه، ولم ينكر عليه فهمه للآية (¬١).\rقال ابن رجب: \"وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء، طائفة من العلماء، ورجحه القاضي أبو يعلى من أصحابنا ... واحتجوا بما احتجت به عائشة، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي ﷺ دون غيره، وهو سماع الموتى كلامه\" (¬٢).\r- ومما استدلوا به أيضًا على عدم سماع الموتى، قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣، ١٤].\rفقالوا: هذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذين كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى، وهم موتى الأولياء والصالحين، الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم، يعبدونهم فيها، وأخبر أن المعبودين يتبرؤؤن من عابديهم يوم القيامة، فإنهم محشورون جميعًا كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ [الفرقان: ١٧، ١٨].\rوقال أيضًا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].","footnotes":"(¬١) انظر: الآيات البينات (٣١، ٦٨).\r(¬٢) أهوال القبور (١٣٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211909,"book_id":118,"shamela_page_id":693,"part":null,"page_num":709,"sequence_num":693,"body":"٢ - أن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لا يجوز الخوض فيها إلا بنص، ولم يرد ما يدل على أن الموتى يسمعون مطلقًا، فيجب الوقوف عند حدود ما ورد (¬١).\rوأما أدلة أصحاب القولين السابقين فقد أجاب عنها بعضهم بما يلي:\r- أما حديث القليب فقالوا: إنه وإن دل على سماع المشركين للنبي ﷺ حين مناداته لهم، إلا أنه لا يدل على عموم هذا السماع في كل وقت وحين، ومما يؤيد هذا ما جاء في رواية ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (إنهم الآن يسمعون ما أقول)، فقوله: (الآن) قيد يفهم منه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وعلى هذا يكون هذا الحديث حجة في كون الأصل في الموتى عدم السماع.\rومما يدل على هذا أيضًا -من نفس الحديث- أن النبي ﷺ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرًا في نفوسهم واعتقادهم من أن الموتى لا يسمعون، فلم ينكر ذلك عليهم، وإنما بين لهم ما كان خافيًا عليهم من شأن أهل القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقًا (¬٢).\r- وأما حديث أنس ﵁: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان ... )، فهو محمول على أنه في أول الوضع، أي أن هذا السماع خاص بهذا الوقت، وبقية الحديث يشعر بهذا، فإن روحه تعاد حينئذ استعدادًا لسؤال الملكين (¬٣).\rقال المُنَاوِي (¬٤) عند هذا الحديث: \"وعورض بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ","footnotes":"(¬١) انظر: مقدمة الآيات البينات للألباني (٢٠ - ٢١).\r(¬٢) انظر: روح المعاني (٢١/ ٥٦)، ومقدمة الآيات البينات للألباني (٢٩ - ٣٢).\r(¬٣) انظر: الآيات البينات (٥٦، ٥٩).\r(¬٤) هو العلامة محمد عبد الرؤوف بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، من كبار العلماء، انزوى للبحث والتصنيف، وكان قليل الطعام كثير السهر فمرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده محمد يستملي منه تأليفه، توفي ﵀ =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211910,"book_id":118,"shamela_page_id":694,"part":null,"page_num":710,"sequence_num":694,"body":"بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وأُجيب: بأن السماع في حديثنا مخصوص بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال\" (¬١).\rوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إنه \"وارد في وقت خاص، وهو انصراف المشيعين بعد الدفن\" (¬٢).\r- وأما استدلالهم بمشروعية السلام على أهل المقابر بصيغة المخاطب، فالجواب عنه: أنه لا يلزم من السلام عليهم أن يسمعوا، ولهذا كان المسلمون يسلمون على النبي ﷺ في حياته في التشهد وهو لا يسمعهم قطعًا، وهذا شائع في العربية، فإن العرب تسلم على الديار وتخاطبها، على بعد المزار (¬٣).\rوقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن مثل هذا الخطاب يقصد منه استحضار المخاطب في القلب، ثم قال بعد ذكر السلام في التشهد: \"والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا، يخاطب من يتصور في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب\" (¬٤).\rوقال القاضي عياض تعليقًا على الحديث السابق في سلام النبي ﷺ على أهل المقابر: \"يحتمل أن يُحيوا له حتى يسمعوا كلامه، كما سمعه أهل القليب، ويحتمل أن يفعل ذلك مع موتهم ليبين ذلك لأمته\" (¬٥).\rوقال ابن عطية: \"هذا كله غير معارض للآية، لأن السلام على القبور إنما هو عبادة، وعند الله الثواب عليها، وهو تذكير للنفس بحالة الموت، وبحالة الموتى في حياتهم\" (¬٦).","footnotes":"= سنة (١٠٣١ هـ) له مصنفات عديدة منها: فيض القدير، وشرح الشمائل للترمذي. [انظر: البدر الطالع (١/ ٣٥٧)، والأعلام (٦/ ٢٠٤)، ومعجم المؤلفين (٢/ ١٤٣)].\r(¬١) فيض القدير (٢/ ٢٩٨).\r(¬٢) القول المفيد (٢٩٠).\r(¬٣) انظر: الآيات البينات (٣٩، ٩٥ - ٩٦)، والقول المفيد (١/ ٢٩٠).\r(¬٤) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٣).\r(¬٥) إكمال المعلم (٢/ ٤٧)، وانظر: الآيات البينات (٩٧).\r(¬٦) المحرر الوجيز (١٢/ ١٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211911,"book_id":118,"shamela_page_id":695,"part":null,"page_num":711,"sequence_num":695,"body":"المطلب الثالث: الترجيح\rالذي يترجح -والله تعالى أعلم- في أهل القليب أنهم قد سمعوا كلام النبي ﷺ -على ما جاء في المسلك الثاني- كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة الصريحة المتعددة، كقوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵁: (إنهم الآن يسمعون ما أقول)، وقوله ﵊: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم).\rوأما اعتراص عائشة ﵂ على ذلك، وتخطئتها لابن عمر ﵄ في روايته، فقد قال عنه أهل العلم: إن ذلك وَهْم منها ﵂ (¬١)؛ لأن ابن عمر ﵄ لم ينفرد بذلك، بل وافقه عليه غيره من الصحابة، كعمرَ وأبي طلحة ﵄، وهما ممن شهد بدرًا.\rقال ابن تيمية: \"وأهل العلم بالحديث والسنة اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر، وإن كانا لم يشهدا بدرًا، فإن أنسًا روى ذلك عن أبي طلحة، وأبو طلحة شهد بدرًا ... والنص الصحيح عن النبي ﷺ مقدم على تأويل من تأول من أصحابه\" (¬٢).\rوقال ابن كثير: \"والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة\" (¬٣).","footnotes":"(¬١) انظر: المفهم (٢/ ٥٨٥)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٨)، والبداية والنهاية (٣/ ٢٩٣)، والفتح (٣/ ٢٣٤)، و (٧/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، والسنة لابن أبي عاصم، بتعليق الألباني (٤١٤) هامش (١).\r(¬٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\r(¬٣) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٦٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211912,"book_id":118,"shamela_page_id":696,"part":null,"page_num":712,"sequence_num":696,"body":"وقال ابن حجر: \"وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر، لموافقة من رواه غيره عليه\" (¬١)، وبتأمل رواية عائشة ﵂ نجد أنها قد اعترضت بأمرين:\rأحدهما: أنها قالت: إنما قال النبي ﷺ: (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)، والجواب عنه: أنه إن كانت قد سمعت هذا من النبي ﷺ بهذا اللفظ، فإنه لا يعارض رواية ابن عمر وغيره، لأن العلم لا ينافي السماع، ومن جاز عليه العلم جاز عليه السماع.\rقال البيهقي: \"العلم لا يمنع من السماع\" (¬٢).\rوقال الإسماعيلي: \"وأما جوابها بأنه إنما قال: (إنهم ليعلمون) فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية (يسمعون) بل يؤيدها\" (¬٣).\rوقال السهيلي: \"إذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين، جاز أن يكونوا سامعين\" (¬٤).\rوأما اعتراضها الثاني: فهو احتجاجها بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وقد تقدم الجواب عنها، بأن الجمع ممكن، وذلك بتخصيص الآية بحديث القليب وغيره مما ورد، وعلى هذا فلا تعارض بين الآية والحديث.\rقال الإسماعيلي: \"كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية","footnotes":"(¬١) الفتح (٣/ ٢٣٤)، وانظر: (٧/ ٢٩٨).\r(¬٢) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٠٣)، وانظر: تهذيب الآثار للطبري (٢/ ٥١٨)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٥٩).\r(¬٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٠٤).\r(¬٤) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٠٤)، وانظر: (٣/ ٢٣٤)، والإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي (٩٩)، وأهوال القبور لابن رجب (١٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211913,"book_id":118,"shamela_page_id":697,"part":null,"page_num":713,"sequence_num":697,"body":"الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن\" (¬١).\rوقال الخطابي: \"تأويل قتادة في هذا أحسن من رأي عائشة، وادِّعائها على ابن عمر الغلط، وحديث أبي طلحة يؤكد ما رواه ابن عمر\" (¬٢).\rوقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ورود رواية عن عائشة ﵂، توافق فيها رواية بقية الصحابة، فقال ﵀: \"ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة، وفيه: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن إنكاره، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة\" (¬٣).\rوأما مسألة سماع الموتى على وجه العموم فالذي يترجح -والله تعالى أعلم- أن الأصل عدم السماع، فلا يثبت منه إلا ما ورد النص بإثباته- على ما جاء في القول الثالث، لقوة أدلتهم، وإجابتهم عن أدلة المخالفين -لأن أحوال البرزخ من عالم الغيب الذي لا يجوز لأحد أن يقول فيه برأيه أو اجتهاده، بل يتعين فيه الوقوف عند حدود ما ورد.\rقال ابن عطية: \"قد صح أن النبي ﷺ قال: (ما أنتم بأسمع منهم) فيشبه أن قصة بدر هي خرق عادة لمحمد ﵇، في أن رد الله إليهم إدراكًا يسمعون به مقاله، ولولا إخبار رسول الله ﷺ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم\" (¬٤).\rوقال ابن التين (¬٥): \"لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية، لأن","footnotes":"(¬١) الفتح (٧/ ٣٠٤).\r(¬٢) أعلام الحديث (٣/ ١٧٠٨).\r(¬٣) الفتح (٧/ ٣٠٣ - ٣٠٤).\r(¬٤) المحرر الوجيز (١٢/ ١٣٠)، وانظر: (١٣/ ١٦٩).\r(¬٥) هو الإمام المحدث أبو محمد عبد الواحد بن التين الصفاقصي المالكي، له عناية =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211914,"book_id":118,"shamela_page_id":698,"part":null,"page_num":714,"sequence_num":698,"body":"الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] الآية\" (¬١).\rوقال الشوكاني: \"وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل\" (¬٢)، ثم مثل بحديث القليبب، وحديث سماع خفق النعال.\rوقال الألباني: \"اعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون، إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله ﷿، فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء، وإنما يوقف فيه مع النص إثباتًا ونفيًا\" (¬٣).\rوهذا القول هو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، حيث قالت: \"الأصل أن الموتى عمومًا لا يسمعون نداء الأحياء من بني آدم، ولا دعائهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ \" (¬٤).\rولا يخفى ما في هذا القول من إغلاق الباب على القبوريين، الذين يتشبثون بهذا الحديث وأمثاله، لإثبات جواز الاستغاثة بالموتى والتوسل بهم، بحجة أنهم يسمعون دعاءهم ونداءهم.\rقال الألباني: \"ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر، ألا وهو","footnotes":"= بالفقه والتفسير، وله شرح على صحيح البخاري سماه: المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح، ينقل منه ابن حجر كثيرًا في الفتح، توفي سنة (٦١١). [انظر: كشف الظنون (١/ ٤٦)، وهدية العارفين (١/ ٦٣٥)، وشجرة النور (١٦٨)].\r(¬١) الفتح (٤/ ٢٣٥).\r(¬٢) فتح القدير (٤/ ١٥١).\r(¬٣) الآيات البينات (٢١)، وانظر: (٢٠).\r(¬٤) فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٤٧٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211915,"book_id":118,"shamela_page_id":699,"part":null,"page_num":715,"sequence_num":699,"body":"دعاء الأولياء والصالحين، وعبادتهم من دون الله ﷿، جهلًا أو عنادًا ...\rفإذا تبين أن الصواب أن الموتى لا يسمعون، لم يبقَ حينئذ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى\" (¬١).\rوعلى فرض أنهم يسمعون فإنهم لا يقدرون على الإجابة، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال أيضًا: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَفِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣، ١٤].\rقال السعدي: \" ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾؛ لأنهم ما بين جماد وأموات وملائكة مشغولين بطاعة ربهم، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على وجه الفرض والتقدير ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾؛ لأنهم لا يملكون شيئًا، ولا يرضى أكثرهم بعبادة من عبده، ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ \" (¬٢).\rوقال الشيخ عبد الله أبو بطين: \"فالمتصف بعدم سماع الدعاء، وعدم الاستجابة، أو المتصف بأحدهما ممتنع دعاؤه شرعًا وعقلًا\" (¬٣).\rوأما القول الأول، وهو أن الموتى يسمعون مطلقًا فقول بعيد، إذ لا يوجد نص صحيح صريح يدل على العموم والإطلاق، وقد قال الألباني ﵀: \"لم أرَ فيها -أي: في هذه المسألة- من صرح بأن الميت يسمع سماعًا مطلقًا عامًا، كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالمًا يقول","footnotes":"(¬١) الآيات البينات (١٠ - ١١)، وانظر: (٤١، ١٥).\r(¬٢) تيسير الكريم الرحمن (٦/ ٣٠٨)، وانظر: تيسير العزيز الحميد (٢٥١)، وفتح المجيد (٢١٢)، والقول المفيد (١/ ٢٩٠)، ودعاوى المناوئين (٣٦٠).\r(¬٣) تأسيس التقديس (٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211916,"book_id":118,"shamela_page_id":700,"part":null,"page_num":716,"sequence_num":700,"body":"به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعًا لهم في الجملة\" (¬١).\rوأما القول الثاني، وهو أنهم يسمعون في الجملة، أي: في وقت دون وقت، وحال دون حال، فإنه وإن لم يكن بعيدًا عن هذا القول -الذي تقدم ترجيحه- إلا أنه جعل السماع أصلًا، والأولى مراعاة ما ورد من النصوص في ذلك، فحيث جاءت الآيات واضحة في نفي السماع مطلقًا - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ و ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ - ولم يرد مثل ذلك في الإثبات، تعيَّن القول: بأن الأصل عدم السماع، وما ورد من الإثبات في ذلك فهو مخصِّصٌ له، والله أعلم.\rوقد يكون مراد بعضهم بقوله: إنهم يسمعون في الجملة، أي: فيما ورد الدليل بإثباته، وهذا ما عبر به الآلوسي ﵀ حيث قال: \"والحق أن الموتى يسمعون في الجملة ... فيقتصر على القول: بسماع ما ورد السمع بسماعه\" (¬٢).\rوعلى هذا، يكون الخلاف مع من كان هذا مراده لفظيًا، مع عدم الموافقة على هذا مثل هذا التعبير، لما فيه من الإيهام، فقد يُفهم منه أن الأصل هو السماع، أي: أنهم يسمعون في غالب أحوالهم، ولا يخفى ما في هذا من قلب الحقائق (¬٣)، والله تعالى أعلم.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين","footnotes":"(¬١) الآيات البينات (٣٧).\r(¬٢) روح المعاني (٢١/ ٥٧ - ٥٨)، وانظر: الآيات البينات (٤٠).\r(¬٣) انظر كلام الألباني ص (٧٠٥) من هذا البحث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211917,"book_id":118,"shamela_page_id":701,"part":null,"page_num":717,"sequence_num":701,"body":"الخاتمة\rالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، فقد تم إنجاز هذا البحث وإتمامه بعونه وتوفيقه وحوله وقوته، سبحانه لا حول لي ولا قوة إلا به، ولست أدعي فيه الكمال والإحاطة ولكن حسبي أني قد بذلت الوسع والطاقة، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده سبحانه لا أحصي ثناءً عليه، وما كان فيه من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله وأتوب إليه.\rوفيما يلي عرض موجز لأهم نتائج البحث وأبرز معالمه.\r- أن مشكل الحديث أعم من مختلف الحديث، فكل مختلف مشكل وليس كل مشكل مختلفًا.\r- أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة: إجراؤها على ظاهرها، واعتقاد أنه حق، وعلى هذا جرى أهل السنة والجماعة.\r- العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه ورد المتشابه إلى المحكم هو الواجب تجاه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، وهو ما قرره السلف، عليهم رحمة الله.\r- أنه لا يوجد ما هو مشكل في النصوص من حيث الواقع، بحيث لا يمكن لأحد من الأمة معرفة معناه، وإنما الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي يختلف به الناس، بحسب ما عندهم من العلم والفهم فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر.\r- أن نصوص الصفات باعتبار معناها ليست من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وأما باعتبار كيفيتها وحقيقة ما هي عليه فإنها منه، حيث استأثر الله تعالى بعلم ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211918,"book_id":118,"shamela_page_id":702,"part":null,"page_num":718,"sequence_num":702,"body":"- أن استشكال النصوص راجع إلى سببين رئيسيين هما:\rا- الغلط في الفهم.\r٢ - وضعف النص.\rفمتى صح النص وحسن الفهم لم يُستشكل شيء في النصوص.\r- أن أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى هما صحيحا البخاري ومسلم، عليهما رحمة الله، كما قرر ذلك جمع من أهل العلم.\r- أن مذهب السلف في الصفات: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في صحيح سنته من غير تحريف أو تعطيل ومن غير تكييف أو تمثيل.\r- أن الضمير في قوله ﷺ: (خلق الله آدم على صورته) راجع إلى الله تعالى، ولا يلزم من ذلك التمثيل، فهو كقوله ﷺ: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر)، حيث لم يقل أحد: بأن هؤلاء يدخلون الجنة مماثلين لصورة القمر من كل وجه.\r- أن قوله ﷺ: (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون) يدل على أنهم رأوه رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة، كما هو صريح بعض الروايات.\r- أن لأهل العلم في دلالة حديث: (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) على إثبات صفة الهرولة لله تعالى قولَيْن: الأول عدم دلالته على ذلك وأن المراد به ضرب مثل لكرم الله وجوده، فكلما ازداد العبد من الطاعات قابله الله تعالى بالثواب والأجر بما هو أقوى وأزيد.\rوالثاني: دلالة الحديث على إثبات صفة الهرولة لله تعالى، وكلُّ من أصحاب القولين يرى أنه قد عمل بظاهر الحديث، والذي توصلت إليه: اختيار القول الأول، والله تعالى أعلم.\r- أن حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة) لا يدل على حصر أسماء الله تعالى بهذا العدد، وإنما المراد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211919,"book_id":118,"shamela_page_id":703,"part":null,"page_num":719,"sequence_num":703,"body":"منه أن من أحصى هذا العدد فهو موعود بدخول الجنة، ولم يرِد حديث صحيح في تعيين هذه الأسماء التسعة والتسعين.\r- أن معنى الإحصاء في الحديث المتقدم: حفظها وفهم معانيها والتعبد لله تعالى بمقتضاها.\r- أن الملل صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله، لكن لا يوصف الله تعالى بها على وجه الإطلاق، وإنما بالقيد المذكور في الحديث: (لا يمل الله حتى تملوا) شأنها شأن بقية الصفات التي لا يوصف الله تعالى بها على وجه الإطلاق، كالمكر والخداع والاستهزاء والكيد ... وتفسير الملل بلازمه وهو الترك، لا ينبغي أن يكون طريقًا لنفي الصفة، ولا يعني هذا عدم إثبات اللازم، فلازم الحق حق.\r- أن حديث: (إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ... ) قد بين الله تعالى فيه مراده وأوضح مقصوده -كما في بقية الحديث- بما يرفع الإشكال ويدفع الاشتباه، فبين أن العبد هو الذي مرض واستطعم واستسقى.\r- أن أهل السنة والجماعة لم يختلفوا في إثبات صفة الصبر لله تعالى، ومعناها عندهم: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة، بل يزيد على ذلك أن يحسن إليهم فيعافيهم ويرزقهم.\r- إثبات صفة التردد لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته كما فى دل على ذلك قوله تعالى -في الحديث القدسي-: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ... )، مع القطع بأن تردده سبحانه ليس كتردد المخلوق، فإذا كان منشأ التردد عند المخلوق قد يكون لعدم الجزم بأحد الطرفين أو عدم العلم بعواقب الأمور، فإن تردد الله تعالى ليس كذلك، بل الحديث يدل على نفي هذه المعاني عن الله تعالى، وتردده سبحانه قد جاء مفسرًا في الحديث نفسه حيث قال: (يكره الموت وأكره مساءته)، فهذا هو حقيقة تردده سبحانه وهو كون الفعل مرادًا له من وجه، ومكروهًا له من وجه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211920,"book_id":118,"shamela_page_id":704,"part":null,"page_num":720,"sequence_num":704,"body":"- أن معنى قوله تعالى في الحديث القدسي: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... ): أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ... فتكون هذه الأعضاء مشغولة بالله تعالى طاعة وامتثالًا.\r- أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في قوله ﷺ: (سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ): ظل العرش كما جاء ذلك مفسرًا في بعض روايات الحديث.\r- أن (الدهر) ليس اسمًا لله تعالى، وأما ما ورد من قوله (وأنا الدهر)، (فإن الله هو الدهر)، فإن المراد به: مدبر الدهر ومصرفه ومقلبه، كما جاء مُفَسَّرًا بهذا في الحديث نفسه.\r- أن الرحم ليست جزءًا من الله تعالى ولا صفة من صفاته، و (من) في قوله: (الرحم شجنة من الرحمن) لابتداء الغاية وليست للتبعيض، فهي من الله خلقًا وإيجادًا، ومعنى الحديث: أن الرحم لها علقة بالله تعالى، حيث اشتق اسمها من اسمه: الرحمن.\r- أن قوله ﷺ: (قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن) يدل على إثبات صفة الحقو لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله، وقد نص على ذلك جمع من أهل العلم.\r- أن إنكار الإنسان لصفة من صفات الله تعالى، أو شكَّه فيها، بسبب جهله بها -ومثله يمكن أن يجهلها- عذر يدرأ عنه الحكم بكفره، كما في حديث الرجل الذي أوصى بنيه بحرقه وطحنه وذرِّه في الريح وقال: (فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا ... ).\r- أن الاحتجاج بالقدر على المصائب، أو على الذنوب والمعاصي لكن بعد التوبة منها والإنابة أمر سائغ لا محذور فيه، وعلى هذا يحمل حديث: (فحج آدم موسى).\r- أن حديث: (خلق الله التربة يوم السبت) مخالف لصريح القرآن، وقد ضعفه جمع من الأئمة وأهل العلم بالعلل والأسانيد من جهة سنده ومتنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211921,"book_id":118,"shamela_page_id":705,"part":null,"page_num":721,"sequence_num":705,"body":"- أن مجرد الأعمال غير كافٍ في دخول الجنة، إذ لا بد من رحمة الله تعالى كما قال النبي ﷺ: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)، وأما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فالمراد به أن الأعمال سبب في دخول الجنة، وهذا لا يعني أنها تستقل بذلك عن رحمة الله تعالى.\r- أن الأنبياء معصومون من الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وأما قول النبي ﷺ: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فمعناه: لو كان الشك متطرقًا إلى إبراهيم ﵇ لكنا نحن أحق به منه، فإذا كنا نحن لم نشك فإبراهيم ﵇ أولى ألَّا يشك، فالنبي ﷺ أراد نفي الشك عن إبراهيم ﵇.\r- أن السحر ثابت وموجود، له حقيقة وأثر لا يمكن إنكاره ولا نفيه وعلى هذا أهل السنة والجماعة.\r- أن ما وقع للنبي ﷺ من السحر وتأثره به حق لا يمكن رده، لدلالة الحديث الصحيح عليه، وهو لا يستلزم نقصًا ولا محالًا شرعيًا، لأنه نوع من الأعراض البشرية كالأمراض والأحزان وغيرها، ولم يؤثر البتة فيما يتعلق بالتبليغ.\r- أن الرمي بالشهب كان موجودًا في الجاهلية لكن لم يكن متواصلًا ومستمرًا في كل وقت، وفي كل حال، ومن كل جانب، فلما بُعث النبي ﷺ شُدد في حراسة السماء وكثر الرمي بالشهب، وهذا هو وجه الجمع بين حديثي ابن عباس في إرسال الشهب والرمي بها على الشياطين.\r- أن الرسول ﷺ نفى الخلة من جانبه لأحد من المخلوقين، ولا يعارض هذا ما ورد عن بعض الصحابة ﵃ من اتخاذهم الرسول ﷺ خليلًا، لأن حصولها من طرف لا يلزم منه حصولها من الطرف الآخر.\r- أن طريق شريك في حديث الإسراء قد اشتمل على عدد من المخالفات والإشكالات، ولهذا انتقده أهل العلم، وبينوا ما فيه من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211922,"book_id":118,"shamela_page_id":706,"part":null,"page_num":722,"sequence_num":706,"body":"المخالفات، وأنه لا يُطمئن إلى ما انفرد به عن بقية الرواة، لا سيما وهم أوثق منه وأحفظ.\r- أن موسى ﵇ حين لطم ملك الموت ﵇، لم يكن يعرف أنه ملك الموت لأنه أتاه في صورة بشرية، فظنه شخصًا معتديًا، ومجيء الملائكة على صورة البشر وعدم معرفة الأنبياء لهم، له نظائر كما في قصة إبراهيم ولوط ﵇.\r- وجوب تقديم القرشي في الإمامة بشرط إقامته الدين وعلى هذا انعقد الإجماع، وأما حديث (اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة) فمحمول على وجوب طاعته حينما يكون مستعملًا من قبل الإمام الأعظم القرشي، أو في حالة تغلبه وقهره درءًا للفتنة.\r- أن الطائفة التي لا تزال على الحق ظاهرة، تستمر إلى قرب قيام الساعة، حيث يرسل الله تعالى ريحًا باردة طيبة لا تدع مؤمنًا إلا قبضته، حتى إذا خلت الأرض من الأخيار ولم يبقَ فيها إلا الأشرار قامت عليهم الساعة، كما قال النبي ﷺ: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق).\r- أن الأولية في قوله ﷺ: (إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها ... ) نسبية إضافية، أي: بالنسبة إلى آيات معينة، فهي أول الآيات السماوية غير المألوفة، وليست أول الآيات على الإطلاق.\r- أن ما أخبر به النبي ﷺ من طواف الدجال بالبيت لا ينافي ما ثبت من تحريم دخول مكة والمدينة عليه، لأن ما أخبر به النبي ﷺ من طوافه رؤيا منام، ورؤيا المنام لا يلزم وقوعها في الخارج كما كانت في الرؤيا، بل قد يكون لها تعبير وتأويل يخالف الظاهر منها.\r- أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة تقاربًا حسيًا، وذلك بنقصه وقصره عمَّا هو معتاد، كما أن أيام الدجال تطول حقيقة. وكل ذلك من علامات الساعة وقرب زوال الدنيا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211923,"book_id":118,"shamela_page_id":707,"part":null,"page_num":723,"sequence_num":707,"body":"- أن معنى قوله ﷺ: (إذا ولدت الأمة ربتها) أي: سيدها، وصورة ذلك: أن يستولد السيد أمته ومملوكته فيكون ولده منها بمنزلة السيد. وذلك إشارة إلى كثرة الفتوحات ووقع السبي وفشو النعمة.\r- أن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال كل ذلك يوزن لورود النص الصحيح به، وإن كان المعتبر في الثقل والخفة إنما هو العمل نفسه دون العامل أو الصحيفة.\r- أن قوله ﷺ: (إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون) أي: أشد العصاة عذابًا، وليس المراد: أشد جميع الناس، لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا، وقد دلت نصوص الشريعة على أن المذنب لا يكون أشد عذابًا من الكافر، وأن المعصية مهما عظمت فإنها لا تكون أعظم من الشرك والكفر بالله تعالى.\r- أن إنكار النبي ﷺ على عائشة ﵂ قولها عندما توفي صبي من الأنصار: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة): لأنها شهدت لمعين بالجنة من غير دليل قاطع، وعلى هذا فالحديث يدل على أنه لا يقطع لأحد من أطفال المؤمنين بعينه في الجنة لأنه من علم الغيب، ولا يمنع هذا من إطلاق القول: بأن أطفال المؤمنين في الجنة لأن هناك فرقًا بين الإطلاق والتعيين، وهذا بناءً على القول بصحة الحديث، وأما على القول: بضعفه -وهو ما ذهب إليه بعض أهل العلم- فلا إشكال.\r- أن ظاهر الروايات في الذين يُذادَوْنَ عن الحوض يدل على أنهم نفر قليل ممن صحب النبي ﷺ ثم ارتد بعد موته، وهم الذين قاتلهم أبو بكر ﵁، وليس فيهم أحد من مشاهير الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما غالبهم من الأعراب وحديثوا العهد بالإسلام، ولا يمنع هذا أن يذاد غير هؤلاء عن الحوض ممن كان بعدهم وصنع مثل صنيعهم وإن لم يكن ممن صحب النبي ﷺ. حيث أشار النبي ﷺ إلى علة الذود والطرد عن حوضه.\r- أن شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب وانتفاع أبي طالب بها في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211924,"book_id":118,"shamela_page_id":708,"part":null,"page_num":724,"sequence_num":708,"body":"تخفيف العذاب عنه لا يعارض قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾؛ لأن هذا خاص بأبي طالب بسبب نصرته للنبي ﷺ وحمايته له، فالحديث مُخَصِّصٌ للآية.\r- أن الأصل عدم سماع الموتى لكلام الأحياء، فلا يُثبت منه إلا ما ورد النص بإثباته، كحديث القليب وغيره، وأما اعتراض عائشة ﵂ على سماع أهل القليب فقد بيَّن أهل العلم أن ذلك وهم منها، لأن سماعهم ورد من أكثر من طريق. والله تعالى أعلم.\rهذا ما أمكنني ذكره هنا، وهو مبسوط في موضعه من هذا البحث.\rوصلى الله وسلم على نبينا محمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211925,"book_id":118,"shamela_page_id":709,"part":null,"page_num":725,"sequence_num":709,"body":"الفهارس\rوفيه الفهارس الآتية:\r* فهرس الآيات.\r* فهرس الأحاديث.\r* فهرس الآثار.\r* فهرس الأعلام المترجمين.\r* فهرس الفرق.\r* فهرس الكلمات الغريبة.\r* فهرس المصادر والمراجع.\r* فهرس المحتويات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211926,"book_id":118,"shamela_page_id":710,"part":null,"page_num":762,"sequence_num":710,"body":"فهرس المصادر والمراجع\r- أ-\r١ - الآحاد والمثاني: لابن أبي عاصم، تحقيق: د. باسم الجوابرة، دار الراية، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\r٢ - الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات: للعلامة محمود الآلوسي، تحقيق: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ هـ.\r٣ - الإبانة عن أصول الديانة: للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، الطبعة الثالثة، ١٤١١ هـ.\r٤ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية: للإمام أبي عبد الله عبد الله بن محمد بن بطة العكبري، تحقيق: رضا بن نعسان معطي، دار الراية، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\r٥ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات: للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء، تحقيق ودراسة: محمد بن حمد الحمود النجدي، مكتبة دار الإمام الذهبي، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\r٦ - الإتباع: للقاضي ابن أبي العز الحنفي، تحقيق: الشيخ محمد عطا الله حنيف والدكتور عاصم القريوتي، المكتبة السلفية، لاهور، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\r٧ - إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة: للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\r٨ - الإتقان في علوم القرآن: للحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\r٩ - الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: للإمام بدر الدين الزركشي، عناية: سعيد الأفغاني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ هـ.\r١٠ - اجتماع الجيوش الإسلامية: للإمام ابن القيم، تحقيق: د. عوَّاد عبد الله المعتق، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\r١١ - أحكام أهل الذمة: لابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف بن أحمد البكري وشاكر بن توفيق العاروري، دار رمادي للنشر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211927,"book_id":118,"shamela_page_id":711,"part":null,"page_num":763,"sequence_num":711,"body":"١٢ - الأحكام السلطانية: للإمام الماوردي، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الاعتصام.\r١٣ - أحكام القرآن: لأبي بكر الرازي الجصاص، دار الكتاب العربي.\r١٤ - أحكام القرآن: للإمام ابن العربي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\r١٥ - اختصار علوم الحديث: لابن كثير، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r١٦ - اختلاف الحديث: للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: الأستاذ محمد أحمد عبد العزيز، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r١٧ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى: لابن رجب، تحقيق: جاسم الفهيد الدوسري، مكتبة الأقصى، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r١٨ - الآداب الشرعية والمنح المرعية: للإمام أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعمر القيام، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ١٤١٩ هـ.\r١٩ - الأدب المفرد: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، خرج أحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ هـ.\r٢٠ - الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة: للسيد محمد صديق حسن، تحقيق: إبراهيم يحيى أحمد، دار المدني، ١٤٠٦ هـ.\r٢١ - الأذكار: للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، دار الهدى، الرياض، الطبعة السادسة، ١٤١٧ هـ.\r٢٢ - الأربعين في دلائل التوحيد: لأبي إسماعيل الهروي، تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r٢٣ - الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد: لإمام الحرمين الجويني، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٢٤ - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: لأبي العباس أحمد بن محمد القسطلاني، عناية: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العملية، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٢٥ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: تأليف: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\r٢٦ - إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار: للشيخ محمد العثيمين، دار طيبة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211928,"book_id":118,"shamela_page_id":712,"part":null,"page_num":764,"sequence_num":712,"body":"٢٧ - إزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات: لابن اللبان الدمشقي، تحقيق: د. فريد مصطفى سلمان، دار طويق، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٢٨ - أساس التقديس في علم الكلام: للإمام فخر الدين الرازي، عناية: الدكتور محمد العريبي، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى، ١٩٩٣ م.\r٢٩ - الاستذكار لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار، تصنيف: الإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، اعتنى به: د، عبد المعطي أمين. قلعجي، دار قتيبة للطباعة والنشر، دار الوعي.\r٣٠ - الاستغاثة في الرد على البكري: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عبد الله بن دجين السهلي، دار الوطن، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r٣١ - الاستقامة: لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r٣٢ - الإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها من سقيمها: لفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\r٣٣ - الإسراء والمعراج ومسائل العقيدة فيهما: رسالة ماجستير في جامعة أم القرى -غير مطبوعة- لعمر القرموشي.\r٣٤ - الأسماء والصفات: للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\r٣٥ - الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى: للإمام أبي عبد الله القرطبي، تحقيق: محمد حسن جبل وطارق أحمد محمد، دار الصحابة للتراث، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٣٦ - الإشاعة لأشراط الساعة: للإمام محمد البرزنجي، عناية: حسين محمد علي شكري، دار المنهاج، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ.\r٣٧ - أشراط الساعة: تأليف: يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل، دار طيبة، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\r٣٨ - الإصابة في تمييز الصحابة: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وَعلي محمد معوَّض، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r٣٩ - أصول الحديث علومه ومصطلحاته: للدكتور محمد عجاج الخطيب، دار المنارة، الطبعة السابعة، ١٤١٧ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211929,"book_id":118,"shamela_page_id":713,"part":null,"page_num":765,"sequence_num":713,"body":"٤٠ - أصول الدين: لأبي منصور البغدادي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، ١٤٠١ هـ.\r٤١ - أصول السرخسي: لأبي بكر محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، دار المعرفة.\r٤٢ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٣ هـ.\r٤٣ - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: للإمام أبي بكر الحازمي، اعتنى به: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٤٤ - الاعتصام: لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة التوحيد، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\r٤٥ - الاعتقاد: لأبي الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي، تحقيق: د. محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار أطلس الخضراء، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\r٤٦ - اعتقاد أهل السنة: للحافظ أبي بكر الإسماعيلي، تحقيق: جمال عزون، دار الريان، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\r٤٧ - الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة: للحافظ أحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\r٤٨ - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: للرازي، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٩٨ هـ.\r٤٩ - الأعلام: لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية عشرة، ١٩٩٧ م.\r٥٠ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري: لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق ودراسة: د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، الناشر جامعة أم القرى.\r٥١ - أعلام الموقعين عن رب العالمين: للإمام ابن قيم الجوزية، راجعه وعلق عليه: عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت.\r٥٢ - الإفصاح عن معاني الصحاح: للوزير ابن هبيرة، تحقيق: د. فؤاد عبد المنعم أحمد، دار الوطن، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\r٥٣ - الإفصاح عن معاني الصحاح: لابن هبيرة، طبعة المؤسسة السعودية، وهو جزء مفرد من الكتاب الأصل شَرَحَ فيه حديث: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211930,"book_id":118,"shamela_page_id":714,"part":null,"page_num":766,"sequence_num":714,"body":"٥٤ - أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات: للإمام مرعي بن يوسف الكرمي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٥٥ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الطبعة الخامسة، ١٤١٧ هـ.\r٥٦ - إكمال إكمال المعلم: للإمام محمد بن خليفة الأبي، تحقيق: محمد سالم هشام، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r٥٧ - إكمال المعلم بفوائد مسلم المعروف بشرح القاضي عياض: للإمام عياض بن موسى اليحصبي، تحقيق د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r٥٨ - الإلزامات والتتبع: للحافظ الدارقطني، تحقيق: الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\r٥٩ - ألفية السيوطي في علم الحديث: تصحيح وشرح أحمد شاكر، المكتبة التجارية، مكة.\r٦٠ - الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح وأثره في علم الحديث: لمشهور بن حسن آل سلمان، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r٦١ - الإمامة والرد على الرافضة: للحافظ أبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.\r٦٢ - الإمامة العظمي عند أهل السنة والجماعة: تأليف: عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، دار طيبة، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\r٦٣ - إمتاع العقول بروضة الأصول: للأستاذ عبد القادر شيبة الحمد.\r٦٤ - الانتصار: للصحابة الأخيار في رد أباطيل حسن المالكي، تأليف: الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر، دار ابن عفان، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\r٦٥ - الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف: للأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني، تحقيق: د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\r٦٦ - الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة: للعلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\r٦٧ - أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم: للدكتور مساعد الطيار، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211931,"book_id":118,"shamela_page_id":715,"part":null,"page_num":767,"sequence_num":715,"body":"٦٨ - أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض من كتاب الجامع: للخلال، تحقيق: د. إبراهيم بن حمد السلطان، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٦٩ - أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور: لابن رجب الحنبلي، تحقيق: خالد عبد اللطيف المسبع العلمي، دار الكتاب العربي، الطبعة السابعة، ١٤٢٢ هـ.\r٧٠ - إيثار الحق على الخلق في رد الاختلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد: للإمام محمد إبراهيم الوزير الصنعاني، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\r٧١ - إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: لبدر الدين بن جماعة، تحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، دار السلام، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\r٧٢ - الإيمان: للحافظ محمد بن إسحاق بن منده، تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ.\r-ب-\r٧٣ - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث: للحافظ ابن كثير، تأليف: أحمد محمد شاكر، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r٧٤ - بدائع الفوائد: لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، اعتنى به: أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r٧٥ - البداية والنهاية: للحافظ ابن كثير، تحقيق: مجموعة من المختصين، دار الريان للتراث، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٧٦ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: للعلامة محمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة، بيروت.\r٧٧ - البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان: للسكسكي، تحقيق: الدكتور بسام علي سلامة العموش، مكتبة المنار، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٧٨ - البعث والنشور: للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عبد العزيز الصاعدي، رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية، غير مطبوعة.\r٧٩ - البعث والنشور: للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: الشيخ عامر أحمد حيدر، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٨٠ - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية: لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: د. موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211932,"book_id":118,"shamela_page_id":716,"part":null,"page_num":768,"sequence_num":716,"body":"٨١ - بهجة الناظرين وآيات المستدلين: للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي، تحقيق: خليل إبراهيم أحمد، رسالة دكتواره -غير مطبوعة- في الجامعة الإسلامية.\r٨٢ - بيان تلبيس الجهمية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، عناية: الشيخ محمد بن قاسم، دار القاسم، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.\r٨٣ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية: القسم الخامس والسادس والسابع، تحقيق: الدكتور سليمان الغصيص والدكتور عبد العزيز اليحيى والدكتور محمد البريدي، في رسائل علمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولم يطبع بعد.\r-ت-\r٨٤ - تاريخ الأمم والملوك: للطبري، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.\r٨٥ - تاريخ بغداد: للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r٨٦ - تاريخ التراث العربي: لفؤاد سزكين، تعريب: د. محمود فهمي حجازي ود. سعيد عبد الرحيم، طبعه ونشره إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود.\r٨٧ - التاريخ الكبير: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت.\r٨٨ - تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس: للعلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، تحقيق: عبد السلام بن برجس العبد الكريم، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\r٨٩ - تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه: للسيوطي، ضبط وتعليق: مصطفى إبراهيم الكومى، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\r٩٠ - تأويل مختلف الحديث: تأليف: أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الناشر دار الكتب العلمية.\r٩١ - تأويل مشكل القرآن: لابن قتيبة، شرحه ونشره: السيد أحمد صقر، المكتبة العلمية، الطبعة الثالثة، ١٤٠١ هـ.\r٩٢ - تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري: لأبي القاسم علي بن عساكر الدمشقي، دار الفكر، الطبعة الثانية.\r٩٣ - تجريد التوحيد المفيد: للإمام أحمد بن علي المقريزي، تحقيق: علي بن محمد العُمران، دار عالم الفوائد، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211933,"book_id":118,"shamela_page_id":717,"part":null,"page_num":769,"sequence_num":717,"body":"٩٤ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: لمحمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، أشرف على مراجعة أصوله وتصحيحه: عبد الوهاب عبد اللطيف، الناشر: دار الفكر.\r٩٥ - تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار: للطحاوي، تحقيق وترتيب: خالد محمود الرباط، دار بلنسية، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r٩٦ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: للحافظ المزي، تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\r٩٧ - تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين: للشوكاني، دار الكتب العلمية.\r٩٨ - التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية: تأليف: الشيخ فالح بن مهدي آل مهدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r٩٩ - تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان: لمرعي بن يوسف الحنبلي، تحقيق: الدكتور سليمان بن صالح الخزي، مطبعة المدني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\r١٠٠ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: للسيوطي، حققه: أبو قتيبة محمد الفارياري، مكتبة الكوثر، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\r١٠١ - التدمرية تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع: لابن تيمية، تحقيق: د. محمد بن عودة السعوي، مكتبة العبيكان، الطبعة الخامسة، ١٤١٩ هـ.\r١٠٢ - تذكرة الحفاظ: للإمام أبي عبد الله الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت.\r١٠٣ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة: لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر القرطبي، خرج أحاديثه محمود البسطويسي دار البخاري، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r١٠٤ - تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي: للدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، غراس للنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\r١٠٥ - التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل: لأبي حيان الأندلسي، تحقيق: د. حسن هنداوي، دار القلم، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r١٠٦ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك: للقاضي عياض، تحقيق: سيد أحمد أعراب، طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.\r١٠٧ - الترغيب والترهيب: للمنذري، تحقيق: محيى الدين ديب مستو ورفاقه، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211934,"book_id":118,"shamela_page_id":718,"part":null,"page_num":770,"sequence_num":718,"body":"١٠٨ - التعريف بكتب الحديث الستة: للدكتور محمد محمد أبي شهبة، مكتبة العلم، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r١٠٩ - التعريفات: للشريف علي الجرجاني، دار الكتب العلمية، ١٤١٦ هـ.\r١١٠ - التعليقات على الأربعين النووية: للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار الآثار، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\r١١١ - تغليق التعليق على صحيح البخاري: للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، دراسة وتحقيق: سعيد عبد الرحمن القزقي المكتب الإسلامي، دار عمار.\r١١٢ - تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء: لشيخ الإسلام ابن تيمية، دراسة وتحقيق: عبد العزيز الخليفة، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r١١٣ - تفسير أسماء الله الحسنى، إملاء: أبي إسحاق إبراهيم الزجاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار الثقافة العربية، الطبعة الخامسة، ١٤١٢ هـ.\r١١٤ - تفسير التحرير والتنوير: لابن عاشور، الدار التونسية للنشر، ١٩٨٤ م.\r١١٥ - تفسير غريب ما في الصحيحين (البخاري ومسلم): للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، تحقيق د. زبيدة محمد سعيد عبد العزيز، مكتبة السنة.\r١١٦ - تفسير القرآن: لأبي المظفر السمعاني، تحقيق: أبي بلال غنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r١١٧ - تفسير القرآن العظيم: للإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي، اعتنى به حسين بن إبراهيم زهران، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r١١٨ - تفسير القرآن الكريم: للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\r١١٩ - التفسير الكبير: للرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية.\r١٢٠ - تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، د. محمد أديب صالح، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٤ هـ.\r١٢١ - التقريب: للإمام النووي، مطبوع مع شرحه تدريب الراوي، تحقيق: نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r١٢٢ - تقريب التدمرية: للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r١٢٣ - تقريب التهذيب: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\r١٢٤ - تلبيس إبليس: للعلامة عبد الرحمن ابن الجوزي، دار الجيل، بيروت، ١٤٠٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211935,"book_id":118,"shamela_page_id":719,"part":null,"page_num":771,"sequence_num":719,"body":"١٢٥ - تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: لابن حجر العسقلاني، علق عليه واعتنى به: أبو عاصم حسن بن عباس بن قطب، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r١٢٦ - تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش: للسيوطي، ومعه مختصره بزوغ الهلال في الخصائل الموجبة للظلال، للسيوطي، تحقيق: مشهور حسن سلمان، مكتبة المنار، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\r١٢٧ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، تحقيق: سعيد أحمد أعراب، الناشر مكتبة ابن تيمية.\r١٢٨ - التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد، دار الرشيد للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.\r١٢٩ - التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة: للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، علق عليها: الشيخ ابن باز، ضبط نصها وخرج أحاديثها: علي حسن الحلبي، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\r١٣٠ - تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله ﷺ من الأخبار: للإمام محمد بن جرير الطبري، خرج أحاديثه: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني.\r١٣١ - تهذيب تاريخ دمشق: لابن عساكر، هذبه ورتبه: الشيخ عبد القادر بدران، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ.\r١٣٢ - تهذيب التهذيب: للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r١٣٣ - تهذيب سنن أبي داود: لابن القيم، مطبوع بهامش عون المعبود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\r١٣٤ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للحافظ أبي الحجاج المزي، تحقيق: د. بشَّار عوَّاد معروف، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\r١٣٥ - تهذيب اللغة: لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، عناية: محمد عوض مرعب وزملائه، دار إحياء التراث العربي، ١٤٢١ هـ.\r١٣٦ - التوحيد: لأبي منصور محمد بن محمد الماتريدي، تحقيق: د. فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية.\r١٣٧ - التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿: للإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، دراسة وتحقيق: د. عبد العزيز الشهوان، مكتبة الرشد، الطبعة السادسة، ١٤١٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211936,"book_id":118,"shamela_page_id":720,"part":null,"page_num":772,"sequence_num":720,"body":"١٣٨ - التوحيد ومعرفة أسماء الله عزَّ وجلَّ وصفاته على الاتفاق والتفرد: لابن منده، تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، مكتبة الغرباء الأثرية، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\r١٣٩ - توضيح الكافية الشافية للسعدي: مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي، مركز صالح بن صالح الثقافي في عنيزة، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\r١٤٠ - التوضيح والبيان لشجرة الإيمان: مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي، مركز صالح بن صالح الثقافي في عنيزة، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\r١٤١ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: تأليف: الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، الناشر المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة السابعة، ١٤٠٨ هـ.\r١٤٢ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: للشيخ عبد الرحمن السعدي، مركز صالح بن صالح الثقافي بعنيزة، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\r-ث-\r١٤٣ - الثقات: لابن حبان، طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\r-ج-\r١٤٤ - الجامع لأحكام القرآن المعروف بتفسير القرطبي: لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الطبعة الثانية.\r١٤٥ - جامع الأصول في أحاديث الرسول: للإمام المبارك بن محمد بن الأثير، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\r١٤٦ - جامع البيان في تأويل القرآن المعروف بتفسير الطبري، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\r١٤٧ - جامع العلوم والحكم: للعلامة أبي الفرج ابن رجب الحنبلي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة، ١٤٢٣ هـ.\r١٤٨ - الجامع لشعب الإيمان: للبيهقي، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r١٤٩ - الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٣٧٢ هـ.\r١٥٠ - جزء البطاقة: لأبي القاسم حمزة بن محمد بن علي بن العباس الكناني، تحقيق: الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر، مكتبة دار السلام، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211937,"book_id":118,"shamela_page_id":721,"part":null,"page_num":773,"sequence_num":721,"body":"١٥١ - جزء فيه طريق حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا): لأبي نعيم الأصبهاني، خرج أحاديثه: مشهور بن حسن بن سلمان، مكتبة الغرباء.\r١٥٢ - الجمع بين الصحيحين: لعبد الحق الإشبيلي، عناية: حمد الغماس، دار المحقق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r١٥٣ - جواب أبي بكر الخطيب البغدادي عن سؤال أهل دمشق في الصفات، مطبوع بذيل كتاب اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي، تحقيق: جمال عزون، دار الريان، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\r١٥٤ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: لابن تيمية، تحقيق: د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر، ود. حمدان بن محمد الحمدان، دار العاصمة، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r١٥٥ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: لابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف علي بديوي، دار ابن كثير، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\r١٥٦ - الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية: لأبي محمد عبد القادر القرشي الحنفي، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\r-ح-\r١٥٧ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق: علي الشربجي وقاسم النوري، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\r١٥٨ - الحاوي للفتاوي: للسيوطي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الثالثة، ١٣٧٨ هـ.\r١٥٩ - حجة الله البالغة: لولي الله الدهلوي، تحقيق: محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r١٦٠ - الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة: لقوام السنة الأصبهاني، تحقيق: الدكتور محمد بن ربيع بن هادي عمير المدخلي، ومحمد بن محمود أبو رحيِّم، دار الراية، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\r١٦١ - حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة: لجلال الدين السيوطي، حققه: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r١٦٢ - الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين: للشيخ عبد الرحمن السعدي، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي، القسم الثالث، مركز صالح بن صالح الثقافي في عنيزة، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\r١٦٣ - حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصفهاني، دار الفكر، ١٤١٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211938,"book_id":118,"shamela_page_id":722,"part":null,"page_num":774,"sequence_num":722,"body":"١٦٤ - الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار: تأليف: د. غالب بن علي عواجي، المكتبة العصرية الذهبية، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.\r-د-\r١٦٥ - الدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد: لعبد الله بن علي بن حميد السبيعي المكي الحنبلي، تحقيق: جاسم بن سليمان الفهيد الدوسري، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\r١٦٦ - درء تعارض العقل والنقل: لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\r١٦٧ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة الخامسة، ١٤١٣ هـ.\r١٦٨ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: لابن حجر، دار إحياء التراث العربي.\r١٦٩ - الدرة فيما يجب اعتقاده: لابن حزم، تحقيق: د. أحمد بن ناصر بن محمد الحمد، ود. سعيد بن عبد الرحمن بن موسى القزقي، مكتبة التراث، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r١٧٠ - دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن: للشيخ عبد الله بن محمد الدويش، وهو مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ عبد الله الدويش.\r١٧١ - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: للعلامة محمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r١٧٢ - دفع إيهام التشبيه عن أحاديث الصفات ونقد كتاب (تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه): تأليف: محمد بن عبد الله السمهري، دار بلنسية، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r١٧٣ - دفع شبه التشبيه بأكف التَّنْزيه: لابن الجوزي، تحقيق: حسن السقَّاف، دار الإمام النووي، الطبعة الثالثة، ١٤١٣ هـ.\r١٧٤ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: للبيهقي، عناية: د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r١٧٥ - ديوان أبي العتاهية: دار صادر، ١٤٠٠ هـ.\r١٧٦ - ديوان أوس بن حجر: تحقيق وشرح: د. محمد يوسف نجم، دار بيروت، ١٤٠٠ هـ.\r١٧٧ - ديوان بشار بن برد. عناية: مهدي محمد ناصر الدين، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211939,"book_id":118,"shamela_page_id":723,"part":null,"page_num":775,"sequence_num":723,"body":"١٧٨ - ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي: قدم له وشرحه: مجيد طراد، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r١٧٩ - ديوان ذي الرُّمة: قدم له وشرحه: أحمد حسن، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r١٨٠ - ديوان طرفة بن العبد. دار صادر، بيروت.\r-ذ-\r١٨١ - ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي: تأليف الحافظ أبي المحاسن الحسيني الدمشقي، مطبوع في نهاية التذكرة، دار الكتب العلمية.\r١٨٢ - ذيل طبقات الحنابلة: لابن رجب، دار المعرفة، بيروت.\r-ر-\r١٨٣ - الرد على الجهمية: للإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر، دار ابن الأثير، الكويت، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.\r١٨٤ - الرد على الجهمية: للإمام محمد بن إسحاق بن منده، تحقيق: د. علي بن ناصر الفقيهي، مكتبة الغرباء الأثرية، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\r١٨٥ - الرد على الزنادقة والجهمية: للإمام أحمد بن حنبل، مطبوع ضمن كتاب عقائد السلف، لعلي سامي النشار وعمار جمعي الطالبي، منشأة المعارف، ١٩٧١ م.\r١٨٦ - الرسالة: للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، المكتبة العلمية، بيروت.\r١٨٧ - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة: للعلامة محمد الكتاني، تحقيق: صلاح محمد عويضة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r١٨٨ - الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات: لأبي عمرو الداني، تحقيق: د. محمد بن سعيد القحطاني، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r١٨٩ - الرؤية: للإمام الدارقطني، تحقيق: إبراهيم العلي، أحمد الرفاعي، مكتبة المنار، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\r١٩٠ - الروح: لابن القيم، تحقيق: عبد الفتاح محمود عمر، دار الفكر للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٩٨٦ م.\r١٩١ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: للعلامة محمود شكري الآلوسي البغدادي، دار إحياء التراث العربي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211940,"book_id":118,"shamela_page_id":724,"part":null,"page_num":776,"sequence_num":724,"body":"١٩٢ - الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام: لأبي القاسم عبد الرحمن السهيلي، عناية: طه عبد الرؤوف سعد، مطبوع مع السيرة النبوية لابن هشام، مطبعة عباس عبد السلام شقرون.\r١٩٣ - الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: للإمام ابن الوزير اليماني، اعتنى به: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r١٩٤ - روضة الطالبين وعمدة المفتين: للإمام النووي، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤١٢ هـ.\r١٩٥ - روضة المحبين ونزهة المشتاقين: لابن القيم، تحقيق: د. السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ.\r١٩٦ - روضة الناظر وجنة المناظر: لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، الناشر: مكتبة المعارف.\r١٩٧ - الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية: زيد بن عبد العزيز بن فياض، دار الوطن، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\r١٩٨ - رياض الصالحين: تأليف: الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية والعشرون، ١٤١٤ هـ.\r-ز-\r١٩٩ - زاد المسير في التفسير: لابن الجوزي، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ هـ.\r٢٠٠ - زاد المعاد في هدي خير العباد: لابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط، الناشر: مكتبة الرسالة، بيروت، ومكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة الثالثة عشرة، ١٤٠٦ هـ.\r٢٠١ - الزهد الكبير: للبيهقي، تحقيق: الشيخ عامر أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٢٠٢ - زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، للدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر، مكتبة دار القلم والكتاب، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r- س-\r٢٠٣ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: لمحمد بن عبد الله بن حميد، تحقيق: الشيخ بكر أبو زيد، ود. عبد الرحمن العثيمين، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٢٠٤ - السحر بين الحقيقة والخيال: للدكتور أحمد بن ناصر بن محمد آل حمد، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211941,"book_id":118,"shamela_page_id":725,"part":null,"page_num":777,"sequence_num":725,"body":"٢٠٥ - سعة رحمة رب العالمين: لسيد بن سعد الدين الغباشي، دار المسلم، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r٢٠٦ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٤، ١٤٠٥ هـ.\r٢٠٧ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة: للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ٢، ١٤٠٨ هـ.\r٢٠٨ - سنن ابن ماجه: للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ابن ماجه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر دار الكتب العلمية.\r٢٠٩ - سنن الدارمي: للإمام أبي محمد الدارمي، عناية: محمد أحمد دهمان، دار إحياء السنة النبوية.\r٢١٠ - السنن الكبرى: للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد، الطبعة الأولى، ١٣٥٤ هـ.\r٢١١ - السنن الكبرى: للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\r٢١٢ - سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، حققه: مكتب تحقيق التراث الإسلامي، دار المعرفة، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\r٢١٣ - السنة: لأبي بكر أحمد بن محمد الخلَّال، تحقيق: د. عطية بن عتيق الزهراني، دار الراية، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\r٢١٤ - السنة: للحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الضحَّاك، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤١٣ هـ.\r٢١٥ - السنة: للإمام أبي عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: د. محمد بن سعيد القحطاني، رمادي للنشر، الدمام، الطبعة الثالثة، ١٤١٦ هـ.\r٢١٦ - السياسة الشرعية: لابن تيمية، طبع وزارة الشؤون الإسلامية بالمملكة، ١٤١٩ هـ.\r٢١٧ - سير أعلام النبلاء: للإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: مجموعة من المختصين، إشراف: شعيب الأرنؤوط: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السابعة، ١٤١٠ هـ.\r-ش-\r٢١٨ - شأن الدعاء: للخطابي، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، طبعة دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211942,"book_id":118,"shamela_page_id":726,"part":null,"page_num":778,"sequence_num":726,"body":"٢١٩ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: لمحمد بن محمد مخلوف، دار الكتاب العربي.\r٢٢٠ - شذا العرف في فن الصرف: للأستاذ أحمد الحملاوي، دار القلم، الطبعة الثانية.\r٢٢١ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: للعلامة عبد الحي بن العماد الحنبلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\r٢٢٢ - شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: المكتبة العصرية، ١٤٠٩ هـ.\r٢٢٣ - شرح أشعار الهذيليين: لأبي سعيد الحسن بن الحسين السكري، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، مطبعة المدني.\r٢٢٤ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: للإمام أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة، الرياض، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ.\r٢٢٥ - شرح جمل الزجاجي: لابن عصفور، عناية: فواز الشعَّار، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r٢٢٦ - شرح حديث النزول: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r٢٢٧ - شرح رياض الصالحين: للشيخ محمد العثيمين، دار البصيرة، الإسكندرية، الطبعة الثانية.\r٢٢٨ - شرح السنة: تأليف الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: زهير الشاويش، وشعيب الأرناؤوط، الناشر المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\r٢٢٩ - شرح صحيح البخاري: لابن بطال، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r٢٣٠ - شرح صحيح مسلم: لمحيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، راجعه: خليل الميس، الناشر دار القلم.\r٢٣١ - شرح الطيبي: لشرف الدين حسين بن محمد الطيبي، تحقيق: المفتي عبد الغفار وزملائه، الناشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\r٢٣٢ - شرح العقيدة الطحاوية: للإمام علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي، تحقيق: د. عبد الله التركي وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\r٢٣٣ - شرح العقيدة الواسطية، للدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، مكتبة المعارف، الطبعة الخامسة، ١٤١٠ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211943,"book_id":118,"shamela_page_id":727,"part":null,"page_num":779,"sequence_num":727,"body":"٢٣٤ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ محمد خليل هرَّاس، اعتنى به: علوي بن عبد القادر السقاف، دار الهجرة، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.\r٢٣٥ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\r٢٣٦ - شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة النعمان: تأليف: الملا علي بن سلطان محمد القاري، تحقيق: الشيخ مروان محمد الشَّعَّار، دار النفائس، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r٢٣٧ - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري: للشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r٢٣٨ - شرح مشكل الآثار، للطحاوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r٢٣٩ - شرح المعلقات العشر: الدكتور ياسين الأيوبي والدكتور صلاح الدين الهواري، عالم الكتب، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r٢٤٠ - الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة: للإمام ابن بطة العكبري، تحقيق: د. رضا بن نعسان مُعطي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\r٢٤١ - شروط الأئمة الخمسة: للحافظ أبي بكر الحازمي: عناية: طارق السعود، دار الهجرة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ.\r٢٤٢ - الشريعة: للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق: د. عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r٢٤٣ - الشعر والشعراء: لابن قتيبة، تحقيق: د. مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\r٢٤٤ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى: للقاضي عياض، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\r- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل: للإمام محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، عناية: مصطفى أبي النصر الشلبي، مكتبة السوادي، جدة، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\r-ص-\r٢٤٥ - الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد: لمحمد أمين السويدي، تحقيق: الدكتور جازي الجهني، رسالة دكتواره في الجامعة الإسلامية، لم تطبع بعد.\r٢٤٦ - الصحاح: للجوهري، عناية: مكتب التحقيق بدار إحياء التراث العربي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211944,"book_id":118,"shamela_page_id":728,"part":null,"page_num":780,"sequence_num":728,"body":"٢٤٧ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: لعلي بن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الناشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٨ هـ.\r٢٤٨ - صحيح البخاري: ضبطه ورقمه واعتنى به: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، اليمامة، دمشق، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ.\r٢٤٩ - صحيح الجامع الصغير وزياداته: للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ\r٢٥٠ - صحيح سنن أبي داود: صحح أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج، توزيع المكتب الإسلامي في بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\r٢٥١ - صحيح سنن الترمذي: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٢٥٢ - الصفات: للإمام الدارقطني، تحقيق: الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، مكتبة لينة، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\r٢٥٣ - صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة، لعلوي بن عبد القادر السقاف، دار الهجرة، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r٢٥٤ - الصفدية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، دار الهدي النبوي، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\r٢٥٥ - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة: لابن حجر الهيتمي، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركى وكامل محمد الخراط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r٢٥٦ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة: لابن القيم، تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\r٢٥٧ - صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط: للحافظ أبي عمرو بن الصلاح، تحقيق: موفق بن عبد القادر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ.\r-ض-\r٢٥٨ - ضعيف سنن ابن ماجه: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٢٥٩ - الضعفاء الصغير: للبخاري، مطبوع ضمن كتاب المجموع في الضعفاء والمتروكين، دراسة وتحقيق: الشيخ عبد العزيز السيروان، دار القلم، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211945,"book_id":118,"shamela_page_id":729,"part":null,"page_num":781,"sequence_num":729,"body":"٢٦٠ - الضعفاء الكبير: للعقيلي، تحقيق: الدكتور عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.\r٢٦١ - الضعفاء والمتروكون: للدارقطني: تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\r٢٦٢ - الضعفاء والمتروكون: للإمام أحمد بن شعيب النسائي، مطبوع ضمن كتاب المجموع في الضعفاء والمتروكين، دراسة وتحقيق: الشيخ عبد العزيز السيروان، دار القلم، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r٢٦٣ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: للعلامة محمد السخاوي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.\r-ط-\r٢٦٤ - طبقات الحنابلة: للقاضي أبي يعلى، تحقيق: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، ١٤١٩ هـ.\r٢٦٥ - طبقات الشافعية الكبرى: للسبكي، تحقيق: محمد الطناحي وعبد الفتاح الحلو، دار إحياء الكتب العربية.\r٢٦٦ - طبقات المفسرين: للسيوطي، دار الكتب العلمية، ١٤٠٣ هـ.\r٢٦٧ - طرح التثريب في شرح التقريب: لزين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي وابنه أبي زرعة العراقي، دار إحياء التراث العربي.\r٢٦٨ - طريق الهجرتين وباب السعادتين: للإمام محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف علي بديوي، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r-ظ-\r٢٦٩ - ظلمات أبي رية أمام أضواء السنة المحمدية: تأليف: محمد عبد الرزاق حمزة، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٧٨ هـ.\r-ع-\r٢٧٠ - عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: للإمام أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r٢٧١ - العبر في خبر من غبر: للإمام أبي عبد الله الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت.\r٢٧٢ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين: لابن قيم الجوزية، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211946,"book_id":118,"shamela_page_id":730,"part":null,"page_num":782,"sequence_num":730,"body":"٢٧٣ - العرش وما رُوي فيه: لابن أبي شيبة، تحقيق: محمد بن حمد الحمود، مكتبة السنة، الطبعة الثانية، ١٤١٠ هـ.\r٢٧٤ - العظمة: لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: رضاء الله المباركفوري، دار العاصمة، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\r٢٧٥ - العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية: للعلامة محمد بن عبد الهادي، مطبعة المدني بمصر.\r٢٧٦ - عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن: للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، دار اللواء، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\r٢٧٧ - عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃: للدكتور ناصر بن علي عائض حسن الشيخ، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\r٢٧٨ - عقيدة الحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي: تحقيق: عبد الله بن محمد البصيري، طبع تحت إشراف: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\r٢٧٩ - عقيدة السلف وأصحاب الحديث: للإمام أبي عثمان إسماعيل الصابوني، د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r٢٨٠ - العلل الكبير: للترمذي، مكتبة الأقصى، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٢٨١ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية: للدارقطني، تحقيق: محفوظ عبد الرحمن زين الدين السلفي، دار طيبة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r٢٨٢ - العلل ومعرفة الرجال: للإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله، تحقيق: د. وصي الله عباس، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٢٨٣ - العلو للعلي الغفار: للإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، اعتنى به: أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٢٨٤ - علماء نجد خلال ثمانية قرون: للشيخ عبد الله البسام، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\r٢٨٥ - عمدة القاري بشرح صحيح البخاري: للعلامة بدر الدين العيني، دار الفكر.\r٢٨٦ - عنوان المجد في تاريخ نجد: للشيخ عثمان بن بشر: تحقيق: عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، من مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، الطبعة الرابعة، ١٤٠٢ هـ.\r٢٨٧ - العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم: للعلامة ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211947,"book_id":118,"shamela_page_id":731,"part":null,"page_num":783,"sequence_num":731,"body":"٢٨٨ - عون الباري لحل أدلة البخاري: للعلامة صديق حسن خان، الناشر دار الرشيد، حلب، سوريا.\r٢٨٩ - عون المعبود شرح سنن أبي داود: لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.\r-غ-\r٢٩٠ - غريب الحديث: للإمام إبراهيم الحربي، تحقيق: سليمان العايد، طبعة جامعة أم القرى، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r٢٩١ - غريب الحديث: لأبي عبيد الهروي، دار الكتاب العربي، طبعة مصورة من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد.\r٢٩٢ - غريب الحديث: للخطابي، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، طبعة جامعة أم القرى، ١٤٠٢ هـ.\r-ف-\r٢٩٣ - فتاوى الحافظ ابن حجر العسقلاني: قسم العقيدة، تحقيق ودراسة: محمد تامر، دار الصحابة للتراث، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\r٢٩٤ - الفتاوى الكبرى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار المعرفة.\r٢٩٥ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: جمع وترتيب: الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش، تحت إشراف رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الطبعة الثالثة، ١٤١٩ هـ.\r٢٩٦ - فتاوى نور على الدرب: من أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، إعداد: د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار، والشيخ محمد بن موسى بن عبد الله الموسى، تحت إشراف رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r٢٩٧ - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: جمع وتحقيق وترتيب: محمد بن عبد الرحمن القاسم، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، ١٣٩٩ هـ.\r٢٩٨ - فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري: للحافظ أحمد بن علي بن حجر القسطلاني، تصحيح وتحقيق وإشراف: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الناشر: دار الفكر.\r٢٩٩ - فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ أبي الفرج ابن رجب الحنبلي، تحقيق: مجموعة من المختصين، مكتبة الغرباء الأثرية، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211948,"book_id":118,"shamela_page_id":732,"part":null,"page_num":784,"sequence_num":732,"body":"٣٠٠ - فتح البيان في مقاصد القرآن: محمد صديق حسن القنوجي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r٣٠١ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: للعلامة محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر.\r٣٠٢ - فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، تحقيق: د. الوليد بن عبد الرحمن بن محمد آل فريَّان، الطبعة الرابعة، ١٤١٩ هـ.\r٣٠٣ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث: للإمام شمس الدين محمد السخاوي، تحقيق: علي حسين علي، الطبعة السلفية، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\r٣٠٤ - الفتوحات الإلهية لتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية: لسليمان بن عمر العجلي الشهير بالجمل، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر.\r٣٠٥ - الفرق بين الفِرَق: لأبي منصور البغدادي، دار المعرفة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r٣٠٦ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: لشيخ الإسلام ابن تيمية، راجعه: أحمد حمدي إمام.\r٣٠٧ - الفروع: للإمام أبي عبد الله محمد بن مفلح، راجعه: عبد الستار أحمد فراج، عالم الكتب، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ هـ.\r٣٠٨ - الفروق: لأبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي المشهور بالقرافي.\r٣٠٩ - الفصل في الملل والأهواء والنحل: للإمام أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم، وضع حواشيه: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٣١٠ - الفصول في سيرة الرسول ﷺ: لابن كثير، تحقيق: محمد العيد الخطراوي ومحيي الدين مستو، دار ابن كثير، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ هـ.\r٣١١ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: للعلامة محمد عبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة، الطبعة الثانية، ١٣٩١ هـ.\r-ق-\r٣١٢ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة دار البيان، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\r٣١٣ - القاموس المبين في اصطلاحات الأصوليين: للدكتور محمود حامد عثمان، دار الزاحم، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\r٣١٤ - القاموس المحيط: للعلامة محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211949,"book_id":118,"shamela_page_id":733,"part":null,"page_num":785,"sequence_num":733,"body":"٣١٥ - القدر: للإمام أبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، مكتبة أضواء السلف الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r٣١٦ - القدر وما ورد في ذلك من الآثار: للإمام عبد الله بن وهب القرشي، تحقيق ودراسة وتخريج: د. عبد العزيز العثيم، دار السلطان، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٣١٧ - قطر الولي على حديث الولي: للإمام الشوكاني، تحقيق: د. إبراهيم إبراهيم هلال.\r٣١٨ - قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر: لصديق حسن خان، حققه د. عاصم بن عبد الله القريوتي، طبع شركة الشرق الأوسط للطباعة.\r٣١٩ - القواعد الحسان، للسعدي: مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي، مركز صالح بن صالح الثقافي بعنيزة، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\r٣٢٠ - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى: للشيخ محمد العثيمين، مكتبة المعارف، ١٤٠٥ هـ.\r٣٢١ - القول الجلي في حديث الولي: للسيوطي، مطبوع ضمن كتاب: الحاوي للفتاوي للسيوطي: تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الثالثة، ١٣٧٨ هـ.\r٣٢٢ - القول المفيد على كتاب التوحيد: للشيخ محمد بن صالح العثيمين، اعتنى به: د. سليمان أبو الخيل، د. خالد المشيقح، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r-ك-\r٣٢٣ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة: للذهبي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\r٣٢٤ - الكافي: لأبي محمد بن قدامة، تحقيق: الدكتور عبد الله التركي، دار هجر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r٣٢٥ - الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، المعروفة بنونية ابن القيم: شرح: أحمد بن عيسى، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٦ هـ.\r٣٢٦ - الكامل في ضعفاء الرجال: للإمام الحافظ أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، حققه: لجنة من المختصين بإشراف الناشر، دار الفكر، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\r٣٢٧ - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: للزمخشري، تحقيق: عادل عبد الموجود ورفاقه، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211950,"book_id":118,"shamela_page_id":734,"part":null,"page_num":786,"sequence_num":734,"body":"٣٢٨ - كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة: للحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ.\r٣٢٩ - كشف الأسرار عن أصول البزدوي: لعبد العزيز البخاري، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩٤ هـ.\r٣٣٠ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة، دار العلوم الحديثة.\r٣٣١ - كشف المشكل من حديث الصحيحين: للإمام أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، تحقيق: د. علي بن حسن البواب، دار الوطن، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r٣٣٢ - الكفاية في علم الرواية: للحافظ الخطيب البغدادي، مراجعة: الأستاذين عبد الحليم محمد وعبد الرحمن حسن محمود، دار الكتب الحديثة بالقاهرة، الطبعة الثانية.\r٣٣٣ - الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري: للكرماني، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ.\r-ل-\r٣٣٤ - لسان العرب: للإمام أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\r٣٣٥ - لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٣٣٦ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: للحافظ ابن رجب الحنبلي، مؤسسة الريان، دار ابن حزم، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\r٣٣٧ - لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة، بشرح الشيخ محمد العثيمين، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود، مكتبة الإمام البخاري، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\r٣٣٨ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية: للعلامة محمد بن أحمد السفاريني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\r٣٣٩ - لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات: للرازي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، ١٤١٠ هـ.\r-م-\r٣٤٠ - متشابه القرآن: لعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، تحقيق: عدنان محمد زرزور، دار التراث بالقاهرة، دار النصر للطباعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211951,"book_id":118,"shamela_page_id":735,"part":null,"page_num":787,"sequence_num":735,"body":"٣٤١ - مجلة الجامعة الإسلامية، عدد (٤٩، ٥٠).\r٣٤٢ - مجلة الجامعة السلفية، المجلد الثامن، العدد الرابع، في ذي القعدة سنة ١٣٩٦ هـ.\r٣٤٣ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتب العلمية، بيروت.\r٣٤٤ - المجموع الثمين من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: جمع: فهد بن ناصر السليمان، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\r٣٤٥ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي.\r٣٤٦ - مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب: فهد بن ناصر السليمان، دار الوطن، الطبعة الأخيرة، ١٤١٣ هـ.\r٣٤٧ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: لسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، جمع: د. محمد بن سعد الشويعر، تحت إشراف رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ.\r٣٤٨ - مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\r٣٤٩ - المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث: للإمام أبي موسى المديني الأصفهاني، تحقيق: عبد الكريم الغرباوي، من مطبوعات جامعة أم القرى، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٣٥٠ - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، لبعض علماء نجد: أشرف على طبعه: عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم، دار العاصمة، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\r٣٥١ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: للقاضي عبد الحق بن عطية الأندلسي، تحقيق: المجلس العلمي بمكناس، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ١٤٠٠ هـ.\r٣٥٢ - المحلى بالآثار: للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم، تحقيق: د. عبد الغفار البنداري، دار الفكر، بيروت.\r٣٥٣ - المختار من الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية: للإمام أبي عبد الله عبد الله بن محمد بن بطة العكبري، تحقيق: الوليد محمد نبيه بن يوسف النصر، دار الراية، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r٣٥٤ - مختصر التحفة الاثني عشرية: لمحمود شكري الألوسي، تحقيق وتعليق: محب الدين الخطيب، طبعة الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ١٤٠٤ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211952,"book_id":118,"shamela_page_id":736,"part":null,"page_num":788,"sequence_num":736,"body":"٣٥٥ - مختصر سنن أبي داود: للمنذري، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي، وبهامشه معالم السنن وتهذيب ابن القيم، دار المعرفة.\r٣٥٦ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم: اختصره: محمد الموصلي، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\r٣٥٧ - مختصر طبقات الحنابلة: للعلامة محمد بن جميل المعروف بابن شطي، دراسة: فواز أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٣٥٨ - مختصر العلو للعلي الغفار: للذهبي، تحقيق واختصار: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\r٣٥٩ - مختصر قيام الليل: لأبي عبد الله المروزي، اختصره: أحمد بن علي المقريزي، الناشر: حديث أكادمي، باكستان، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٣٦٠ - مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين: للدكتور نافذ حسين حماد، دار الوفاء، مصر، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r٣٦١ - مختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين منه: لأسامة بن عبد الله الخياط، الناشر: مطابع الصفا، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٣٦٢ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: لأبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية.\r٣٦٣ - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل: للشيخ عبد القادر بن بدران، صححه وعلق عليه: الدكتور عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\r٣٦٤ - مسائل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: رواية حرب بن إسماعيل الكرماني، تحقيق: د. ناصر بن سعود السلامة، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\r٣٦٥ - المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة: جمع وتحقيق: د. عبد الإله بن سلمان الأحمدي، دار طيبة، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.\r٣٦٦ - المستدرك على الصحيحين: للحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\r٣٦٧ - المستدرك على مجموع الفتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: جمعه: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211953,"book_id":118,"shamela_page_id":737,"part":null,"page_num":789,"sequence_num":737,"body":"٣٦٨ - مسند أبي داود الطيالسي: للحافظ سليمان بن داود بن الجارود والشهير بأبي داود الطيالسي، تحقيق: د. محمد عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r٣٦٩ - مسند أبي يعلى الموصلي: للحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمي، تحقيق: حسين سليم الأسد، دار المأمون للتراث، ١٤٠٤ هـ.\r٣٧٠ - مسند الإمام أحمد بن حنبل: للإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: مجموعة من المختصين، بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.\r٣٧١ - المسند: للإمام أحمد بن حنبل، شرحه وصنع فهارسه: أحمد محمد شاكر، دار المعارف بمصر.\r٣٧٢ - المسند: لأبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.\r٣٧٣ - مشكاة المصابيح: لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\r٣٧٤ - مشكل الآثار: لأبي جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، ضبطه وصححه: محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت.\r٣٧٥ - مشكل الحديث وبيانه: لأبي بكر محمد بن فورك، تحقيق: موسى محمد علي، دار الكتب الحديثة، مصر.\r٣٧٦ - مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها: تأليف: عبد الله بن علي النجدي القصيمي، تحقيق الشيخ: خليل الميس، الناشر: دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\r٣٧٧ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: للحافظ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الكناني البوصيري، تحقيق: موسى محمد علي، ود. عزت علي عطية، دار الكتب الإسلامية.\r٣٧٨ - المصباح المُنير في غريب الشرح الكبير للرافعي: للعلامة أحمد الفيُّومي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r٣٧٩ - المصنف: للحافظ أبي بكر عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، من منشورات المجلس العلمي، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ.\r٣٨٠ - المصنف في الأحاديث والآثار: للحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق: مختار أحمد الندوي، الدار السلفية، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211954,"book_id":118,"shamela_page_id":738,"part":null,"page_num":790,"sequence_num":738,"body":"٣٨١ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد: للعلامة حافظ بن أحمد الحكمي، توزيع مكتبة ابن تيمية، طبعة المكتبة السلفية.\r٣٨٢ - المعالم الأثيرة في السنة والسيرة: لمحمد محمد شراب، دار القلم، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\r٣٨٣ - معالم التنزيل المعروف بتفسير البغوي: للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: خالد العك ومروان سوار، دار المعرفة، الطبعة الرابعة، ١٤١٥ هـ.\r٣٨٤ - معالم السنن شرح سنن أبي داود: تأليف: أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، عناية: الأستاذ عبد السلام عبد الشافي محمد، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٦ هـ.\r٣٨٥ - معاني القرآن وإعرابه: للزجاج، شرح وتحقيق: الدكتور عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\r٣٨٦ - المعتصر من المختصر من مشكل الآثار: للقاضي أبي المحاسن الحنفي، عالم الكتب، بيروت.\r٣٨٧ - معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى: د. محمد بن خليفة التميمي، أضواء السلف، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r٣٨٨ - معجم الأدباء: لياقوت الحموي، دار الفكر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٠ هـ.\r٣٨٩ - المعجم الأوسط: للحافظ سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن ابن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، ١٤١٥ هـ.\r٣٩٠ - المعجم الكبير: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حققه: حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث الإسلامى، الطبعة الثانية.\r٣٩١ - معجم مقاييس اللغة: لأبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل.\r٣٩٢ - معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r٣٩٣ - المعجم الوسيط: قام بإخراجه: إبراهيم مصطفى وزملائه، المكتبة الإسلامية.\r٣٩٤ - المعلم بفوائد مسلم: للإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري، تحقيق: محمد الشاذلي النيفر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٩٢ م.\r٣٩٥ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: لجمال الدين ابن هشام الأنصاري، تحقيق: د. مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211955,"book_id":118,"shamela_page_id":739,"part":null,"page_num":791,"sequence_num":739,"body":"٣٩٦ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة: لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، عناية: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد، الناشر: دار ابن عفان، الخبر، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٣٩٧ - مفردات ألفاظ القرآن: للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\r٣٩٨ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: للإمام أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، تحقيق: محيي الدين مستو وزملائه، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\r٣٩٩ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، ١٤١١ هـ.\r٤٠٠ - مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث: تأليف: أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح، عناية: أبي عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r٤٠١ - الملل والنحل: لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت.\r٤٠٢ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف: لابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، أعده وأخرجه: منصور بن عبد العزيز السماري، دار العاصمة، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\r٤٠٣ - منة المنعم في شرح صحيح مسلم: لصفي الرحمن المباركفوري، دار السلام، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r٤٠٤ - المنتخب: للحافظ عبد بن حميد، تحقيق: أبي عبد الله مصطفى العدوي، دار الأرقم، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\r٤٠٥ - المنتخب من العلل للخلال: لابن قدامة المقدسي، تحقيق: طارق بن عوض الله، دار الراية، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\r٤٠٦ - منهاج السنة النبوية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\r٤٠٧ - المنهاج في شعب الإيمان: للحليمي، تحقيق: حلمي محمد فوده، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\r٤٠٨ - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة: لعثمان بن علي حسن، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الرابعة، ١٤١٨ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211956,"book_id":118,"shamela_page_id":740,"part":null,"page_num":792,"sequence_num":740,"body":"٤٠٩ - منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث: للدكتور عبد المجيد السوسوة، دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r٤١٠ - منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات: للعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، دار الفتح، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\r٤١١ - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المعروف بالخطط المقريزية: لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي، مكتبة الثقافة الدينية.\r٤١٢ - الموافقات في أصول الفقه: للعلامة أبي إسحاق الشاطبي، شرحه الشيخ: عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\r٤١٣ - موقف ابن تيمية من الأشاعرة: للدكتور عبد الرحمن المحمود، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.\r٤١٤ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: للذهبي، تحقيق: علي محمد معوض وزملائه، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\r-ن-\r٤١٥ - النبوات: لابن تيمية، تحقيق: د. عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r٤١٦ - نزهة النظر بشرح نخبة الفكر: لابن حجر العسقلاني، علق عليه: أبو عبد الرحيم الأدهمي، الناشر: مكتبة التراث الإسلامي.\r٤١٧ - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب: للشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق: د. إحسان عباس، دار صادر، ١٣٨٨ هـ.\r٤١٨ - نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد: تحقيق: د. رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\r٤١٩ - النهاية في غريب الحديث والأثر: لمجد الدين المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحى، الناشر: دار الفكر.\r٤٢٠ - النهاية في الفتن والملاحم: للحافظ ابن كثير الدمشقي، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز، دار الجيل، بيروت.\r٤٢١ - النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى: محمد الحمود النجدي، مكتبة الإمام الذهبي، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\r٤٢٢ - نواقض الإيمان الاعتقادية: د. محمد بن عبد الله بن علي الوهيبي، دار المسلم، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":211957,"book_id":118,"shamela_page_id":741,"part":null,"page_num":793,"sequence_num":741,"body":"-هـ-\r٤٢٣ - هدي الساري مقدمة فتح الباري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق الشيخ: عبد العزيز بن باز، دار الفكر.\r٤٢٤ - هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين: لإسماعيل باشا البغدادي، دار العلوم الحديثة، ١٩٨١ م.\r-و-\r٤٢٥ - الواضح في أصول الفقه: لأبي الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\r٤٢٦ - الوافي بالوفيات: للصفدي، باعتناء: رمزي بعلبكي، دار النشر: فانز شتايز، شتوتغارت، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ.\r٤٢٧ - وفيَّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: لأبي العباس أحمد بن خلكان، تحقيق: الدكتور يوسف علي الطويل ومريم قاسم طويل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}