{"page_id":1185704,"book_id":1232,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":1,"body":"﷽\rمقدمة\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\rوبعد ...\rفقد آثرنا اختيار دراستنا عن علم الكلام - أو أصول الدين - لتوضيح آراء علماء الحديث والسنة وبيان منهجهم، ذلك لأن الدراسات الكلامية التقليدية أولت عنايتها للفرق المنشقة عن أهل القرون الأولى - كالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية - كما تعمقت وتوسعت في عرض المذهبين الكبيرين: الاعتزالي والأشعري، ولم تلتفت للنتاج العقلي للمحدثين والفقهاء بالقدر الكافي الذي يسمح بإبراز مواقفهم من أصول الدين ومنهجهم في النقاش والرد على مخالفيهم، مع العلم بأنهم كانوا يستندون إلى أدلة عقلية وبراهين منطقية قائمة على تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والاسترشاد أيضًا بفهم الأوائل الذين كانوا أكثر علمًا ودراية بأسرار اللغة العربية وأسباب النزول ودقائق العقائد المتصلة بأصول الدين.\rوفي ضوء هذه الحقيقة، نرى أن طريقة أهل الحديث والسنة تحتاج إلى نظرة إنصاف وتقدير حيث شاعت الفكرة التي تصفهم بأنهم (نصيين) وليسوا (عقليين) ، فضلاً عن أوصاف أخرى تشاع عنهم خطأ كوصفهم بالجمود وما إلى ذلك من صفات شوهت صورهم في أذهان الخاصة والعامة.\rوكثيرًا ما تروج - مع الأسف - أفكار وتسود أراء مع مجافاتها للحقيقة ومجانبتها الصحة وذلك بسبب ترديدها المتواصل. وساعد على ذلك عوامل ثقافية وتاريخية ومذهبية وسياسية، كلها أدت إلى ترقي الفكرة الشائعة إلى مرتبة تكاد تصل إلى اليقين في دوائر البحث العلمي، سواء على مستوى الجامعات والكليات المتخصصة، أو المهتمين بالدراسات الإسلامية من العلماء والباحثين والمؤرخين وغيرهم، إلا فيما ندر.\rوقد آن الأوان لإعطاء علماء الحديث والسنة حقهم، لا أقول من التقدير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185705,"book_id":1232,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":2,"body":"فحسب، بل من التبيين والإيضاح.\rإزاء كل هذه العوامل، رأينا أن المسؤولية العلمية تقتضي منا إلقاء الضوء على منهج هؤلاء، وبيان الطابع العقلي بحيث يجعلهم في صفوف نظَّار المسلمين الأصليين وإنه وفقًا لاتباع مناهج المتكلمين أصحاب النظر العقلي، يمكننا وضع علماء السنة والحديث الذين خاضوا في قضايا علم الكلام في الصفوف الأولى. وكان مثار اهتمامنا بهذا الاتجاه، هو وقوفنا على سمات بارزة تربط بين هؤلاء العلماء الذين لا ينتمون إلى الدوائر الكلامية بمدارسها المعروفة، ذلك أن من يتتبع الحركات الفكرية المناوئة للفرق المنشقة منذ ظهورها، يعثر - كما فَعلْنا - على ملامح عناصر ثابتة لتيار إسلامي أصيل يعبر عن غالبية عقائد المسلمين، ظلوا يعارضون منذ البداية كافة الانشقاقات التي خالفت الأصول الإسلامية.\rوكان من سمات منهجنا تتبع الآثار الأولى حيث نلحظ المعارضة الشديدة لأية بادرة للخروج عن الصف الأول المتماسك الذي تركه رسول الله ﷺ على المحجة البيضاء، وكان يجابه بعلاج حاسم، وربما يعد من المفيد الاستشهاد على بعض هذه الملامح المشهورة تاريخيًا: كما حدث في حرب الردة إذ حاول بعض المسلمين الامتناع عن دفع الزكاة فكان موقف أبي بكر الصديق ﵁ المعروف، الذي استند فيه إلى قاعدة إيمانية نظر منها إلى شمول الدائرة الإسلامية التي لا تفرق بين الصلاة والزكاة، فتحرك بدافع هذا الفهم الواضح، ورأى أن أي انفراط يعني تخلخل الأساس واهتزازه وضياع المعالم للإسلام. وفي أيام عمر بن الخطاب ﵁ نرى واقعة زجره لصبيغ عندما سأل عن الآيات المتشابهات فنهاه عن الخوض فيما لا طائل وراءه وثبت بعد ذلك صدق إلهام عمر.\rوفي خلافة عثمان ﵁، عندما ظهرت الفتن بأيدي محركيها، كان الخليفة الثالث يناقش بالحجج والأدلة آراء دعاة الفتنة ويدحضها، ولكنهم كانوا قد ركبوا رؤوسهم وبيتوا أمرًا بليل، فعبروا بجريمتهم على أنهم لم يكونوا طلاب حق وعدل، بل دعاة تفرقة وأدوات فتن كيدت للإسلام من وراء الستار. كذلك وقف علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ وعمر بن عبد العزيز وغيرهم كما تروي لنا المصادر التاريخية لمناقشة الخوارج بالأدلة العقلية المستمدة من الكتاب والسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185706,"book_id":1232,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":3,"body":"وظل هذا الاتجاه سائرًا في طريقه لمواجهة ما ظهر من الفرق، ففي مواجهة الخوارج والشيعة والقدرية والجهمية وقف عشرات العلماء لمقارعة الحجة وتقديم الأدلة والبراهين على انحرافاتهم، ونعني بهم أمثال الحسن البصري وسعيد بن المسيب والأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ووقائع وقوف كل من الشافعي والدارمي لمعارضة بشر المريسي معروفة مشهورة بكتب التاريخ والملل والنحل، كذلك تحدي الإمام أحمد بن حنبل لكل من المأمون والمعتصم والواثق في مسألة (خلق القرآن) ، إلى جانب أتباعه الذين ظلوا محافظين على منهجه لمواجهة المنهج الأشعري، بل إننا نرى موقف الأشعري نفسه إمام المذهب - في كتابه (الإبانة) ، (ومقالات الإسلاميين) - معبرًا عن الاتجاه السلفي العام في أصول الدين، حيث وجد فيه المنهج الصحيح الذي يستطيع به مواجهة منهج الكلام الاعتزالي الذي بلغ ذروته في عصر المأمون (٢١٥ هـ) ثم المعتصم ثم الواثق (٢٢٧ هـ - ٢٣٢ هـ) .\rوأثناء فترة حالكة في تاريخ الحضارة الإسلامية ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) ليستجمع مؤلفات علماء السنة والحديث قبله، ويظهرها في قالب (كلامي) يدحض به كافة الآراء حوله بعد أن تضخمت واستفحل أمرها، فكانت موَاقِفه الكلامية الحاسمة إزاء كل الفرق والمذاهب التي جعلت منه علامة بارزة على منهج علماء الحديث والسنة يستضاء بها في ظلمات الغربة واليأس، وسنرى في هذا الكتاب كيف وفق شيخ الإسلام إلى استنتاج طرق الاستدلالات العقلية من القرآن الكريم، مثل (الميزان القرآني) و (الآيات) و (اللزوم) و (قياس الأولى) و (أدلة الكمال) .\rهذا ما رأينا بحثه ودراسته.\rأما تكرار الحديث عن علم الكلام لمباحثه المعروفة في دوائر الفرق والمعتزلة والأشاعرة، مع انحياز لمذاهبهم الكلامية، فلن يخدم الحقيقة التي نسعى لمعرفتها في مجال البحث العلمي، لأن تجاهل غالبية علماء المسلمين في القرون الأولى - مع جلالة قدرهم ومكانتهم الدينية والعملية، ومن اتبع نفسه منهجهم - أو عرض آرائهم من وجهة نظر خصومهم بغير إنصاف، كل هذا يتنافى مع ما نتوخاه من معرفة الحقيقة - لا سيما إنَّ علماء الكلام عنوا بأصول الدين، لا بفروعه، ولكن المناهج السائدة عكست الآية، ذلك أن أغلب الدارسين اكتفوا بكتب علماء الكلام المتأخرين المشوبة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185707,"book_id":1232,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":4,"body":"بكثير من الأنظار الغريبة الدخيلة وآراء عهد انحدار الحضارة الإسلامية، مع المنهج العلمي التاريخي الصحيح الذي يقتضي أن نرجع إلى الأصول الأولى قبل كل شيء (١) .\rوقد التزمنا باتباع هذا المنهج المعبر عن أصول حضارتنا أيام ذروتها، فكانت خطتنا البدء بالنظر في عصر النبي ﷺ وصحابته والتابعين، ثم التدرج لبحث ظهور الفرق وأسبابه، مع انتفاء بعض المناقشات التي دارت بين علماء الحديث والمعتزلة، كعبد العزيز المكي وبشر المريسي، والإمام أحمد والقاضي ابن أبي دؤاد.\rوتابعنا هذه الخطة فعرضنا لمذهب الأشاعرة ونقده من وجهة نظر علماء الحديث والسنة - لا سيما رأي ابن تيمية.\rكذلك خصصنا بابًا للحديث عن موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية. وفي النهاية رأينا ضرورة عرض نبذة عن الفكر الإسلامي المعاصر.\rولم يغب عن ذهننا أن موضوع الكتاب له وجهان:\rالأول - تاريخي ربما قد خمد بسببه الانفعال الذي كان مشتعلاً بين طيات السطور في الكتب الكلامية. ولكن بقيت المسائل موضوعيًا نابضة بالحياة إلى وقتنا الحاضر، لأنه ما من مسلم يقرأ القرآن ويطالع كتب الحديث إلا وتدور في ذهنه أوجه التفسير والتأويل، والتأمل في قضايا أصول الدين، من كلام عن الله تعالى ذاتًا وصفاتًا وأمور الغيب الأخرى، كقيام الساعة والحساب والعقاب والجنة والنار وأفعال العباد والإيمان بالقضاء والقدر وغيرها. ونرى أن خير عون - بعد توفيق الله تعالى - هو الاستضاءة بالفهم والتدبر بفهم علماء السنة وتدبرهم والاستناد إلى حججهم الشرعية العقلية، فإنها شرعية لأنها مستمدة من الشرع، وعقلية لأنها تتفق مع أدلة العقل الصحيحة.\rالثاني - الجانب المعاصر في الفكر الإسلامي المتجه إلى مقاومة الغزو الفكري للحضارة الغربية، فما لم نستكمل الدراسة بإلقاء النظر إلى الفكر الإسلامي المعاصر فإن الدراسة بذلك تصبح مبتورة، ولا تفيد القارئ الذي يريد فهم ما يدور حوله،","footnotes":"(١) مقدمة كتاب (عقائد السلف) تحقيق وتقديم أستاذنا الدكتور علي سامي النَّشَّار- رحمه الله تعالى - ود. عمار الطالبي - منشأة المعارف بالإسكندرية ١٩٧٠ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185708,"book_id":1232,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":5,"body":"لتعينه على التمييز بين الصواب والخطأ. لذلك رأينا إعطاء فكرة عن ملامح المشكلات الكلامية في عصرنا الحاضر مع اختلافها عما أثير في القرون الماضية.\rونقرر عن ثقة واقتناع، بأن طريقة القرآن الكريم التي أجلاها وأظهرها علماء السنة هي الطريقة الثابتة الصحيحة على أمد الدهر، ولا تهز ثقتنا بهذا الأصل ما نراه حولنا من تطورات علمية وتكنولوجية بهرت العقول والقلوب، ذلك لأن المعلومات العلمية مهما ازدادت وتشعبت وتفرعت، فإنها لا تناقض ولا تعارض سنن الله تعالى في الكون والآفاق، فبقدر ما يهب الله عباده العلماء من القدرات والوسائل المتطورة لاكتشاف أبعاد أكبر في الآفاق أو أبعاد أعمق في النفس البشرية، بقدر ما تتأكد لهم ثبات السنن الإلهية.\rوقد مهد الطريق لهذا المنهج كثير من العلماء المتخصصين ذوي الكفايات الممتازة في مجالات تخصصهم، فإن أصبنا الغرض فذلك بتوفيق من الله تعالى، وإن أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان، والخير أردنا وما توفيقي إلا بالله العلي القدير.\rمصطفى حلمي\rالإسكندرية في ٣ ذو الحجة سنة\r١٤٠٢ هـ\r٢٠ سبتمبر سنة ١٩٨٢ م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185709,"book_id":1232,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":6,"body":"الباب الأول\r\rالفصل الأول:\r\rعصر الصحابة ﵃\r\r- أصول الدين في عصر النبي ﷺ والصحابة.\r- رد الرسول ﷺ على وفد نجران.\r- القرآن كلام الله تعالى.\r- الإيمان بالقدر وفهمه على الوجه الصحيح.\r- الملائكة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185710,"book_id":1232,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":7,"body":"عصر الصحابة ﵃\rظلت أغلب دراسات المحدثين في الإسلاميات التي تحوم حول علم الكلام في نشأته وتطوره تعتمد على كتب المتكلمين أنفسهم من المعتزلة والأشاعرة في الغالب، فلا تكاد تعثر على دراسة عن المسلمين الأوائل ومناهجهم الشرعية العقلية في الاستدلال على أصول الدين.\rونلحظ أن أغلب البحوث المعاصرة تعتمد على آراء المستشرقين الذين يهتمون عادة بالفرق المنشقة عن أهل السنة والجماعة، والاهتمام بإيجاد الصلات بين معتقدات الفرق والمصادر الخارجية من عقائد وديانات وفلسفات يونانية وفارسية ونحوها.\rوكثيرًا ما تتضخم أبحاثهم بالمسائل الخلافية والعناية بالفرق الغالية، وتصور التاريخ الإسلامي من خلال الخلافات والانشقاقات، فتختفي الحقيقة تحت أكوام من الجدل والخلاف بحيث يصعب على القارئ التمييز بين الحق والباطل.\rومثل هذا المنهج - فضلا عن النتائج المغرضة التي يراد الوصول إليها فإنه يتجاهل حقيقة بارزة لا يمكن إخفاؤها، ألا وهي أن آراء الفرق المنشقة قد حوصرت منذ ظهورها بواسطة علماء الحديث والسنة، ورفضتها الغالبية من أهل السنة والجماعة التي ظلت مستمسكة بالعقيدة الصحيحة المتلقاة بالقبول والفهم منذ عصر النبي ﷺ وصحابته.\rلهذا، رأينا - مستعينين بالله ﷾ إجلاء المنهج المتبع بواسطة علماء الحديث والسنة، وكانت أولى خطواتنا البدء بعصر الصحابة لاستقراء الاتجاهات الدالة على ألوان من النظر العقلي قبل أن يظهر أهل الكلام وقبل أن ينشق الصف الإسلامي إلى فرق ومذاهب متطاحنة، لنحاول أن نقف على تفسيرات أصحاب الصدر الأول للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتصلة ما سماه المتكلمون بـ (أصول الدين) والتي لم توضع في الصيغ الكلامية أو الأنساق الفلسفية خلال العصور المبكرة التي نتحدث عنها، ولكن الذي حدث هو أنه كلما تفتقت مسألة، أو حدث انشقاق طارئ مستحدث، قام لها من يتصدى بالتفسير والتوضيح، أو النهي والزجر إذا كان من قبل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185711,"book_id":1232,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":8,"body":"البدع المنهي عنها.\rثم ظهر على مر الأعصار المتكلمون في الفرق المختلفة فصاغوا كل هذا الكلام وشرحوه في أبواب وفصول نقلته إلينا مصادرهم، وجاء الباحثون لمحاولة استقصاء هذه المسائل في صيغها التقليدية بعينها، فلم يعثروا لها على أثر، فظنوا أن الصحابة لم يعرفوها، ولم يتطرقوا إليها، بينما الحق أنهم عرفوها وفهموا دقائقها، كما ينبغي أن تفهم وتعرف. ولا شك أن الأدلة تدعم اتجاهنا في اتخاذ عصر الصحابة نقطة البدء في البحث؛ لأن دراسة التاريخ الإسلامي ترشدنا إلى معرفة أسبقية الأوائل في العلم والعمل، في العقيدة والسلوك. وسنتخذ هذا المنهج في البحث لمحاولة شجب النتائج التي توصل إليها أمثال جولد تسيهر وغيره من المستشرقين الذين يطبقون على الإسلام - في العقائد والعبادات - آثار فكرة التطور، فيتصورون أنه بدأ بسيطًا ثم تطور على يد المسلمين فكانت أكبر زلاتهم.\rولما كانوا غير مسلمين معنا بالدليل القطعي الثابت في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة، الآية: ٣] فإن استقراء الأحداث بأناة وصبر وجهد - مع توافر الصدق وحسن الطوية - ليثبت أن الإسلام في حياة الرسول اكتمل في عقائده وعباداته وأخلاقه وأحكامه ونصوصه وقواعده وأن الرسول صلوات الله عليه انتقل إلى الرفيق الأعلى، وترك الإسلام على هذا النحو وأن المسلمين من القرن الأول يرفضون من أي مخلوق، ومن أي جماعة، أن يضعوا في هذا الدين جديدًا إلى يوم الناس هذا، ويعتبرون أي تزيد على هذا الدين بدعة تحارب.\rوسنحاول على قدر الاستطاعة، وبقدر ما تسمح به هذه الدراسة، الالتفات إلى عصر الصحابة والتابعين للبحث عن مواقفهم إزاء المسائل التي أثارها المتكلمون في العصور التالية.\r\rأصول الدين في عصر النبي ﷺ والصحابة:\rتتعدد المواقف التي توضح اتجاه الصحابة في تلقي الآيات القرآنية والنظر إليها، فإذا بدأنا في دراسة تلك المواقف لمنهج استقرائي، استطعنا الوقوف على استنباطهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185712,"book_id":1232,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":9,"body":"للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، فيتضح لنا كيف بدأ التنازع، وأسباب حدوث الانشقاقات عن القواعد الإسلامية بعدهم. وكيف جوبهت الفرق المنشقة عن صف الجماعة، كالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية وغيرها، وظل علماء السلف من أهل الحديث والسنة يحملون على أعناقهم هذه المهمة يفندون مزاعم المنشقين، موضحين أسباب انحرافاتهم، مبينين القواعد الإسلامية الصحيحة المتلقاة عن الأوائل.\rوتجتمع عناصر بحثنا في رأينا من قواعد عامة تجمع مواقف الصحابة منها أنهم تكلموا في أصول الدين جميعًا، كما أنهم يتفقون في المنهج فيفسرون بالقرآن مستندين إلى طرق الاستدلالات العقلية التي أشار إليها وحض على استخدامها.\rونستطيع أن نستدل من الأحداث التاريخية على أن الرسول ﷺ شرح لهم الأصول الإسلامية كلها أو ما يسميه المتكلمون بـ (أصول الدين) ، والأمثلة كثيرة نقتطف بعضًا منها فيما يلي:\rبدء الخلق:\rروى مسلم في صحيحه في باب الإيمان عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: \"لا يزال الناس يسألونك عن العلم حتى يقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ \" قال أبو هريرة جاءني ناس من الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ فأخذ حصى بكفه فرماهم به ثم قال: قوموا صدق خليلي ﷺ وهناك عدة روايات لمسلم بهذا المعنى، جاء في إحداها قول الرسول صلوات الله عليه: \"فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل آمنت بالله \" وقوله: \"فمن بلغ ذلك فليستعذ بالله \" فأرجع الرسول ﷺ هذا السؤال إلى وسوسة الشيطان.\rوروى البخاري في صحيحه في كتاب (بدء الخلق) عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم. قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين، ثم دخل ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا: قد قبلنا يا رسول الله: قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر. قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء وخلق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185713,"book_id":1232,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":10,"body":"السموات والأرض.. \") .\rوسئل رسول الله ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فانزل الله تعالى هذه الآية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) [البقرة، الآية: ١٨٦] (١) .\r\rرد الرسول ﷺ على وفد نجران:\rتروي لنا كتب التاريخ قصة المباهلة المشهورة بين الرسول ﷺ ووفد نجران، نختار منها المناقشة الدائرية بينه وبينهم، وكان عمادها الجدل بالتي هي أحسن.\rوقد أورد الطبري في تفسيره أن النصارى أتوا إلى رسول الله ﷺ فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟\rوقالوا على الله الكذب والبهتان لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. فقال لهم النبي ﷺ: (ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه) ؟ قالوا: نعم.\rقال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء.\rقال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟\rقالوا: بلى.\rقال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه.\rقالوا: بلى.\rقال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا؟ قالوا: لا.\rقال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟\rقالوا: بلى.\rقال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما علم؟\rقالوا: لا.\rقال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟\rقالوا: بلى.","footnotes":"(١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٢ يقول ابن تيمية: وقصّتهم مشهورة متواترة نقلها أهل السير،\rوأهل التفسير، وأهل الحديث وأهل الفقه وأصل حديثهم معروف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185714,"book_id":1232,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":11,"body":"قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يتغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟\rقالوا: بلى.\rقال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟\rقال: فعرفوا ثم أبوا إلا جحودًا. فأنزل الله تعالى: (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران، الآيتان: ١، ٢] (١) .\r\rالقرآن كلام الله تعالى:\rقبل إثارة محنة خلق القرآن قد لا نعثر في المصادر التاريخية على روايات تشرح موقف الصحابة بنفس الطريقة التي تقابلنا بكتب الفرق أثناء مناقشة بعضها البعض، كالمعتزلة والأشاعرة، أو المعتزلة والسلف، ولكن مع هذا، نستطيع لمح آراء متناثرة تفيدنا في التوصل إلى معرفة موقف الصحابة بما ورد على ألسنة أئمتهم كعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃، وأقوالهم حجة.\rومن المعروف تاريخيًا أن أول من قال بأن القرآن مخلوق الجعد بن درهم من سني نيف وعشرين ومائة بعد الهجرة ثم الجهم بن صفوان.\rولكن الثابت عن هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قالوا: إن القرآن كلام الله، صحيح لم يرد لفظ غير مخلوق، لأن المشكلة ظهرت بعدهم واستخدم المتكلمون هذه الألفاظ ولكن استقراء النصوص الواردة عنهم تفيد ذلك، فقد اعترض الخوارج - كما هو معروف - عليًا بن أبي طالب لأنه حكم الحكمين وقالوا له: (حكمت رجلين قال: ما حكمت مخلوقًا إنما حكمت القرآن) وفي إجابته أنه ما حكم إلا القرآن نفي لهذا الخلق عنه.\rوأيضا قال عبد الله بن مسعود ﵁: (من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع) (٢) .","footnotes":"(١) الواحدي: أسباب النزول ص ٦١/٦٢ ط مؤسسة الحلبي ١٣٨٨ هـ- ١٩٦٨ م.\r(٢) ابن تيمية الفتاوى الكبرى، تحقيق حسين محمد مخلوف ج ٥ ص ٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185715,"book_id":1232,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":12,"body":"وأما قول ابن عباس ﵄، قد كان مرة في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: القرآن منه وفي رواية أخرى (القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود) .\r\rالإيمان بالقدر وفهمه على الوجه الصحيح:\rوفي الإيمان بالقدر الذي تنازع فيه المسلمون فيما بعد رأينا كيف كان أبو بكر ﵁ مصيبًا حين يقول: أقول برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان فهذا القول يدل على تأييده لحقيقة المسؤولية الأخلاقية ونفي الجبر، كما عزر عمر بن الخطاب ﵁ من ادعى أن سرقته كانت بقضاء الله، فلما سأله فقال:\rقضى الله علي، فأمر بقطع يده وضربه أسواطًا، فلما استفسروا من عمر عن سبب هذا التعزير (١) فأجاب: القطع للسرقة، والجلد لما كذب على الله. ولما قال محاصرو عثمان ﵁ حين رموه: الله يرميك. قال: كذبتم لو رماني ما أخطأني.\rوهناك توضيح أيضًا على لسان علي بن أبي طالب ﵁ شارحًا الفرق بين قضاء الله تعالى وأمره، قد سأله شيخ عند انصرافه من صفين أكان المسير بقضاء الله وقدره؟ فأجابه علي رضوان الله عليه: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، ما هبطنا واديا ولا علونا قلعة إلا بقضاء وقدر، ففهم الشيخ خطأ أن عليًا يفسر ما حدث بالجبر لذلك أسرع علي فأفهمه معنى الإيمان بالقدر على حقيقته، وأنه لا يتنافى مع حرية إرادة الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فقال له:\rلعلك تظن قضاء واجبًا وقدرًا حتمًا، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد، ولما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء، ولا المسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن.. ثم أردف قائلاً: (إن الله تعالى أمر تخييرًا، ونهى تحذيرًا، ولم يكلف مجبرًا، ولا بعث الأنبياء عبثًا) (٢) .","footnotes":"(١) التعزير: التأديب دون الحد.\r(٢) القاضي عبد الجبار (فرق طبقات المعتزلة) ص ٢٤ ط دار المطوعات الجامعية بالإسكندرية تحقيق د. النشار وعصام الدين محمد علي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185716,"book_id":1232,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":13,"body":"ويسوق لنا التاريخ أيضًا ما فهمه عمر بن الخطاب وابنه ﵄ وتمييزهما الدقيق بين العلم الإلهي المسبق المحيط بكل شيء وبين أفعال الإنسان التي يؤديها بحريته وإرادته.\rوللقارئ هذا المثل الذي يضربه عمر بن الخطاب ﵁ في شرح الصلة بين العلم الإلهي والفعل الإنساني قال: (مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم، والأرض التي أقلتكم، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض، كذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله، كما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب، كذلك لا يحملكم علم الله على ما تم) .\rوبسؤال عبد الله بن عمر ﵄ عن حالة بعض الناس الذي يزنون ويشربون الخمر ويسرقون ويقتلون النفس زاعمين أن ذلك كان في علم الله تعالى، فغضب ثم قال: (سبحان الله العظيم، قد كان ذلك في علمه أنهم يفعلونها، ولم يحملهم علم الله على فعلها) (١) .\rوالإجابة توضح نفسها ولا تحتاج إلى مزيد، فإن علم الله تعالى المحيط بكل شيء - لأنه سبحانه بكل شيء عليم - صفة من صفات الكمال، والعلم الإلهي بما حدث ويحدث وسيحدث لا يحمل العباد على أفعالهم.\r\rالملائكة:\rقال جماعة من المفسرين: كان لعمر أرض بأعلى المدينة فكان يأتيها، وكان طريقه على موضع مدارسة اليهود، وكان كلما مر دخل عليهم فسمع منهم وأنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا: يا عمر ما من أصحاب محمد ﷺ أحد أحب إلينا منك، إنهم يمرون بنا فيؤذوننا وتمر بنا فلا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك، فقال لهم عمر: أي يمين فيكم أعظم؟ قالوا: الرحمن قال: فبالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمدًا عندكم نبيًا؟ فسكتوا فقال: تكلموا ما شأنكم والله ما سألتكم وأنا شاكٌّ في شيء من ديني، فنظر بعضهم لبعض، فقام رجل منهم فقال: أخبروا الرجل أو لأخبرنه، قالوا: نعم إنا نجده مكتوبًا عندنا، ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه","footnotes":"(١) نفس المصدر ص ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185717,"book_id":1232,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":14,"body":"بالوحي هو جبريل، وجبريل عدونا وهو صاحب كل عذاب وقتل وخسف، ولو أنه كان وليه ميكائيل لآمنا به. فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث قال لهم: فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أين ميكائيل وأين جبريل من الله؟ قالوا جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، قال عمر: فأشهد أن الذي هو عدو للذي عن يمينه هو عدو للذي عن يساره والذي هو عدو للذي عن يساره هو عدو للذي عن يمينه وأن من كان عدوًا لهما فإنه عدو لله.\rثم رجع عمر ليخبر النبي ﷺ فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فدعاه النبي ﷺ فقرأ عليه: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة، الآيتان: ٩٧، ٩٨] فقال عمر: والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك (١) .","footnotes":"(١) الحافظ ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) جامع بيان العلم وفضله ج ٢ ص ١٢٣، ١٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185718,"book_id":1232,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":15,"body":"الفصل الثاني:\r\rمكانة الصحابة ﵃ في الأمة\r\r- منهج الصحابة في النظر والتدبر.\r- الأدلة النقلية والعقلية على فضل الصحابة.\rأولا: الأدلة النقلية.\rثانيًا: الدليل العقلي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185719,"book_id":1232,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":16,"body":"مكانة الصحابة ﵁ في الأمة\rتخبرنا كتب التاريخ وصحائفه عن اكتمال الفهم والمعرفة لأصول الدين جميعًا لدى الصحابة ﵃ وكان ذلك بفضل طاعتهم للآيات القرآنية التي حثتهم على التدبر في غير موضع، مثل قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص، الآية: ٢٩] وعلى العكس وصف الكفار والمنافقين بالإعراض عن تدبره في مثل قوله تعالى ﷿: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء، الآية: ٨٢] ومعنى ذلك أن معانيه مما يمكن للكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها فهي إذن ممكنة للمؤمنين أيضًا، ويدل على أن معانيه كانت معروفة بينة لهم.\rوأيضًا فإن الله ﷿ بين أنه أنزل القرآن عربيًا لكي يعقلوه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف، الآية: ٢] والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه، وذم من لا يفقهه: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء، الآية: ٧٨] فلو كان المؤمنون غير عاقلين لاصطفوا في صف واحد مع المنافقين والكفار الذين ضرب لهم مثلاً بقوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: ١٧١] فكيف إذن يمكن وضع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بمنزلة الكفار الذين ذمهم الله في أكثر من موضع لأنهم أعرضوا عن تدبر القرآن واتبعوا أهواءهم، فقال تعالى في وصفهم: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد، الآية: ١٦] (١) .\rويضيف شيخ الإسلام ابن تيمية إلى كل هذه الأدلة، ما ثبت عن كل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس أنه نقل عنهما من التفسير ما لا يحصيه إلا الله فقد قال ابن مسعود: \"لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته\".\rوجاء التابعون فتعلموا التفسير من الصحابة، قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كل آية وأسأله عنها؛ لهذا قال سفيان","footnotes":"(١) ابن تيمية فتاوى ج ٥ ص ١٥٧ و ١٥٩ ط الرياض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185720,"book_id":1232,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":17,"body":"الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. فالأصل أن الرسول ﷺ قد يبلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا تنفيذا لقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل، الآية: ٤٤] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة، الآية: ٦٧] وقد أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وقال الرسول صلوات الله عليه: \"ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به\".\rوبناء على هذا الأصل، فإنه تبين لنا أنه ﷺ أوضح كافة الأصول الإسلامية مما أخبر به عن الله تعالى من أسماء الله وصفاته مما جاء في القرآن، وشرح وبين لأصحابه هذه الأصول كلها كأحسن ما يكون البيان. قال أبو ذر: \"لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا\".\rكان الصحابة حريصين على الفهم والاستيعاب الدقيق الكامل لكل ما يتعلمونه من القرآن والحديث، فإن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوهما حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل (قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا) وقام عبد الله بن عمر يحفظ سورة البقرة في ثمان سنين لاستغراقه في المعرفة والفهم (١) .\rوكانت أم الدرداء تصف زوجها بأن أفضل عمله التفكر (٢) وعلى العكس من هذه الحقيقة، فإن الادعاء بأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد - كما يذكر بعض المتكلمين - فإنه يحمل في طياته ذم الصحابة بل يجعل مذهب السلف أن الرسول ﷺ بلغ قرآنًا لا يفهم معناه، بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها، وأن جبريل كذلك وأن الصحابة والتابعين كذلك وهذا الموقف - كما يذكر ابن تيمية - ضلال عظيم (٣) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: فتاوى ج ٥ ص ١٥٥ و ١٥٦ ط الرياض.\r(٢) نقض المنطق ص ٨٧.\r(٣) شرح حديث النزول.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185721,"book_id":1232,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":18,"body":"وشرح ذلك يحتاج إلى مزيد من الإيضاح، نذكره فيما يلي:\r\rمنهج الصحابة في النظر والتدبر:\rلقد خاطب الإسلام العقل كما رأينا ودعا الإنسان إلى النظر في آثار مخلوقات الله تعالى، وقد مضى عصر الصحابة في الصدر الأول على هذا المنهج القرآني الواضح كان قدوتهم الرسول ﷺ وحده في النظر والسلوك، حيث عاشوا معه وشاهدوا التنزيل وسألوا واستفسروا عما يعنُّ لهم من قضايا تحتاج إلى شرح وإيضاح.\rوهكذا استمدوا من كتاب الله تعالى معرفة وحدانية الله تعالى، وإثبات صفاته، وعرفوا الأنبياء والرسل ﵈ وقصصهم مع أممهم، ووقفوا منه على أصل خلق آدم ﵇ وعداوة إبليس له ولبنيه وعرفوا مكانة الملائكة وأدوارهم من بين مخلوقات الله تعالى، واستمدوا معلوماتهم عن اليوم الآخر وحساب الله تعالى وجنته وناره والقدر خيره وشره إلى ذلك من القضايا التي تشكل أركانًا رئيسية وأصولاً في الإيمان. وكلها جمعها القرآن الكريم - كما يرى الزركشي - في أقسام ثلاثة: توحيد وتذكير وأحكام. (فالتوحيد تدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير ومنه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن، والأحكام ومنها التكاليف كلها وتبيين النافع والضار والأمر والنهي والندب. فالأول: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [البقرة، الآية: ١٦٣] فيه التوحيد كله في الذات والصفات والأفعال، والثاني: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات، الآية: ٥٥] . والثالث: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة، الآية: ٤٩] (١) .\rوقد خط لهم القرآن الكريم الاستدلال بمخلوقات الله تعالى على وحدانيته سبحانه وعلمه وحكمته، فإنها جميعًا تبرهن على أن لها صانعًا حكيماً خبيراً تام القدرة بالغ الحكمة، كما دعاهم إلى آثار الصنعة في أنفسهم أيضًا (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات، الآية: ٢١] إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة","footnotes":"(١) الزركشي: البرهان في علوم القرآن ج ١ ص ١٧ ط الحلبي ١٩٥٧ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185722,"book_id":1232,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":19,"body":"الدالين على وجود الصانع الحكيم (١) .\rونهاهم الرسول ﷺ عن التفكر في الخالق جل شأنه، فجاء في الأثر \"تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) ، وتعليل النهي أنه ﷾ ليس كمثله شيء (فالتفكر والذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد) (٢) كذلك جاء الرسول ﷺ بسنته كمصدر ثان للإسلام ولذلك أصبح المنهج الصحيح يقتضي معرفة سنته وتنفيذها، فمن كان أعلم بسنته وأتبع لها كان الصواب معه، وهذه الأوصاف تنطق على الصحابة ﵃ ثم الأجيال التالية من أهل الحديث والسنة (وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله، ولا يضافون إلا إليه، وهم أعلم الناس بسنته وأتبع لها لكن التفرق والاختلاف كثير في المتأخرين) (٣) .\rوبهذه الطريقة وضعوا الأسس السليمة للمنهج الصحيح في معرفة أصول الدين وفروعه، فمن أراد إذن معرفة شيء من الدين والكلام فيه، نظر فيما قاله الله والرسول ﷺ، فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر ويتفكر وبه يستدل، هذا أصل منهج أهل الحديث والسنة.\rأما المخالفون لهذا المنهج، فلم يراعوا قاعدته ويلتزموا بخطواته، إذ أنهم بدلاً من البدء بالنظر فيما قاله الله ورسوله ﷺ، بدأوا بما رأوه بعقولهم كما فعل المتكلمون، أو بما ذاقوه بوجدانهم - كما فعل الصوفية - فإذا وجدوا السنة توافقه وإلا لم يبالوا بذلك، فإذا وجدوها تخالفه، أعرضوا عنها تفويضًا أو حرفوها تأويلاً (٤) .\rوهذه الصورة المخالفة للمنهج الإسلامي الصحيح كثيرًا ما نراها في عصرنا أيضًا، بسبب ضغوط ثقافة الغرب وحضارته، وعلى أثر انتصاره العسكري والسياسي وتفوقه العلمي ونفوذه الثقافي، وتأثيره الساحر على العقول والنفوس، في مقابل ضآلة","footnotes":"(١) السيوطي: صون المنطق ج ١ ص ١٤٣.\r(٢) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٣٥.\r(٣) ابن تيمية: منهاج السنة ج ٣ ص ٤٦.\r(٤) ابن تيمية: الفرقان بين الحق والباطل ص ٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185723,"book_id":1232,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":20,"body":"المعرفة بالإسلام بأصوله وفروعه، نجم عنه أن أصبح الكثيرون يتبنون الأفكار والفلسفات الغربية ويعطونها شكلاً إسلاميًا، ظانين بذلك أنهم يدافعون عنه ويقدمونه إلى الأجيال الشابة في ثوب عصري!! (١) .","footnotes":"(١) كالقول مثلاً بديمقراطية النظام الإسلامي أو اشتراكيته وتحرر نظمه وقابليته للتطور وغيرها من المصطلحات اللصيقة بفلسفة الغرب وحضارته وتاريخه، ولها مدلولاتها ومعانيها المختلفة تمامًا عن مقابلها في الإسلام بعقيدته وشريعته وتاريخه وحضارته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185724,"book_id":1232,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":21,"body":"الأدلة النقلية والعقلية على فضل الصحابة ﵃\rتشهد الأدلة النقلية والعقلية معًا على فضلهم، وبيان ذلك كالآتي:\r\rأولا: الأدلة النقلية:\rمنها ما قاله تعالى في وصفهم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة، الآية: ١٠٠] فكانوا هم الأفضل ثم يتناول الوصف من اتبعهم إلى يوم القيامة. وأيضًا ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي ﷺ قال: \"خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\".\rكما ظهر من دراسة السنة النبوية مكانة الصحابة الخاصة بعد رسول الله ﷺ، لا سيما الخلفاء الراشدين وباقي العشرة المبشرين بالجنة.\rوالحديث: \"فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة\" (١) .\rوالآيات والأحاديث كثيرة في وصف أفضالهم ومكانتهم الممتازة، مثل قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران، الآية: ١١٠] .\rوقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [الحديد، الآية: ١٠] .\rوالحديث \"أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد\" (٢) .\rكما وصفهم الرسول ﷺ في حديث آخر بأنهم خير القرون، وبأن غيرهم لو أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.\rوقد عانوا وكابدوا كثيرًا بعد الاهتداء للإسلام من أهلهم وعشيرتهم وقبائلهم وأقرب أقربائهم ولكنهم لم يبالوا، بل صبروا وثبتوا لأنهم تذوقوا حلاوة الإيمان في القلوب أيقنوا صدق الرسول ﷺ واقتنعوا بعقيدتهم ولم تتأثر نفوسهم وقلوبهم بأية","footnotes":"(١) جزء من حديث ص ٤٣ رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: الحديث حسن.\r(٢) الحديث رواه أحمد والترمذي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185725,"book_id":1232,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":22,"body":"اضطهادات أو مشاق يقابلونها بسبب عقيدتهم، ثم انطلقوا ينشرونها، ويدافعون عنها ويبذلون في ذلك الأنفس والنفائس.\rيقول ابن الوزير اليماني:\rلولا ثقل موازينهم في الشرف والدين ما اتبعوا رسول الله ﷺ بأدلة الدين الجديد فلم يعبأوا أمام وضوح الأدلة ورسوخها في عقولهم ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب والقرباء إلى أمر شاق على القلوب، ثقيل على النفوس، لا سيما وهم في ذلك الزمان أهل الأنفة (١) .\rوالصحابة ﵃ هم أيضًا الواسطة بين الرسول ﷺ وبين الأمة، ولذلك امتدحهم ﵇ وجعلهم الأفضل على مدى الأجيال، ففي حديث صحيح قال رسول الله ﷺ: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه \" (٢) .\rقال ابن عبد البر: (وما أظن أهل دين من الأديان إلا وعلماؤهم معنيون بمعرفة أصحاب أنبيائهم، لأنهم الواسطة بين النبي وبين أمته) (٣) .\rوالأدلة كثيرة تدل على فطنتهم وذكائهم، وأنهم كانوا أصحاب دراية وفكر ونظر، ولم يكونوا من السذج بحيث يخدعون أو يؤمنون كإيمان العامة. يروي لنا ابن كثير في تفسيره عن أحد صالحي المهاجرين وهو جندب بن كعب الأزدي أنه رأى عند الوليد بن عقبة ساحرًا يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصبح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى! فلما كان الغد جاء مشتملاً على سيفه، وذهب حيث يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر وقال: إن كان صادقا فليحي نفسه وتلا قوله تعالى: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) [الأنبياء، الآية: ٣] ولا شك أنه كان يعرف الحديث \"حد الساحر ضربة","footnotes":"(١) ابن الوزير اليماني: الذب عن سنة أبي القاسم ج ١ ص ٥٥.\r(٢) رواه البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁.\rوالمد: ربع الصاع، وإنما قدره لأنها أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة.\r(٣) ابن عبد البر: الاستيعاب ص ١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185726,"book_id":1232,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":23,"body":"بالسيف\" (رواه الترمذي) (١) .\rولا نظن أننا نغالي إذا قلنا: إنهم عاشوا على أعتاب عالم الغيب وتمثلوه، كأنه عالم مشاهد حاضر أمامهم يرونه ويعيشون فيه، فكانوا يتنافسون في طلب الشهادة للانتقال من الحياة الفانية إلى الحياة الباقية، تحقيقًا للسعادة الأبدية عند ربهم ﷿ وها هو حارثة ﵁ يسأله رسول الله ﷺ: \"كيف أصبحت يا حارثة؟ \" قال: أصبحت مؤمنًا حقًا، قال: \"انظر ما تقول؟ فإن لكل قول حقيقة\"، قال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري كأني بعرش ربي ﷿ بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، قال: \"الزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه\" (٢) .\rفأما درجة السابقين كأبي بكر وعمر فتلك لا يبلغها أحد وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: \"قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر\" وفي حديث آخر \"إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه\" وقال علي: \"كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر\" وفي الترمذي وغيره (لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر، ولو كان بعدي نبي ينتظر لكان عمر) .\rومع هذا فالصديق أكمل منه؛ فإن الصديق كمل في تصديقه للنبي ﷺ فلا يتلقى إلا عن النبي والنبي معصوم. والمحدث - كعمر - يأخذ أحيانًا عن قلبه ما يلهمه، ويحدث به، لكن قلبه ليس معصومًا. فعليه أن يعرض ما ألقي عليه على ما جاء به الرسول ﷺ، فإن وافقه قبله، وإن خالفه رده. ولهذا رجع عمر عن أشياء، وكان الصحابة يناظرونه ويحتجون عليه، فإذا بينت له الحجة من الكتاب والسنة رجع إليها وترك ما رآه والصديق إنما يتلقى عن الرسول ﷺ لا عن قلبه. فهو أكمل من المحدث. وليس بعد أبي بكر الصديق أفضل منه، ولا بعد عمر محدث أفضل منه (٣) .\rبعد هذا التوضيح لا نرى مزيدًا لمستزيد لتقرير كمال المنهج الذي اتبعه","footnotes":"(١) ابن كثير: التفسير ج ١ ص ١٣٩ ط دار الشعب.\r(٢) ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة ج ص ٤٢٥ - ٤٢٦ ط الشعب.\r(٣) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٥١٣- ٥١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185727,"book_id":1232,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":24,"body":"الصحابة في معرفة الدين أصولاً وفروعًا (١) .\r\rثانيًا الدليل العقلي:\rففضلاً عن النصوص المستفيضة عن الصحابة ﵃ في التفسير، والتي تدل على فهمهم للقرآن الكريم وتدبرهم، وإحاطتهم بالأدلة التي قدمها كالآيات وضرب الأمثلة واستخدام الأقيسة العقلية، فإن استخدامنا للدليل العقلي يبرهن أيضًا على أن حواريي الرسل وصحابتهم هم أكثر الناس فهمًا لرسالتهم من غيرهم بأصولها الكبرى وفروعها ودقائقها أيضًا، وأن المتأخرين هم أكثر الناس بعدًا عن الرسالات وفهمها باستثناء القلة الحريصة على اتباع السابقين عليهم بمنهج النقل الدقيق كما فعل أهل الحديث والسنة.\rوهذا هو التفسير المنطقي المعقول الذي يشهد به تاريخ الدعوات الدينية، فهي (تقوم إبان نشأتها على معتنقين اتجهوا نحوها بقلوبهم وتفاوتوا فيها بأرواحهم. وكم روى التاريخ من أخبار الرسول صلوات الله عليه وأن إشارته كانت تقابل بالتنفيذ من الجميع، فإذا ما فترت الدعوة وضعفت العقيدة وخمدت حرارة الإيمان الأولى، أخذ الناس يبحثون في معتقداتهم ويعللون ويناقشون ويعارضون) (٢) .\rولم نذهب بعيدًا في التعليل والتفسير بينما كان عبد الله بن عباس ﵄ سباقًا إلى تعليل اختلاف المسلمين متنبئًا بما سيحدث في العصور التالية لعصر الصحابة مفسرًا إياه بنقص درايتهم بالقرآن وافتقادهم لفهمه على الوجه الصحيح فقد خلا عمر ﵁ ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس ﵄ فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة وكتابها واحد؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما أنزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لهم فيه رأي فإذا كان كذلك اختلفوا فيكون لكل قوم فيه رأي..","footnotes":"(١) لم يكن تقسيم الدين إلى أصول وفروع معروفًا في عصر الصحابة والتابعين ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة.\r(٢) د. إبراهيم مدكور: في الأخلاق والاجتماع ص ٢٦ ط الهيئة العامة للنشر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185728,"book_id":1232,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":25,"body":"فإذا اختلفوا اقتتلوا (١) .\rوكانت طرق استدلال الصحابة مستمدة من النظر في المخلوقات والتأمل في عجائب صنع الله تعالى وما يطرأ عليها من تغيرات على مدار الأزمنة، فأيقنوا أنها لا بد أنها مخلوقة من رب حكيم، أحسن كل شيء خلقه وأتقن صنع كل شيء. عن الحسن البصري قال: (كانوا - يعني الصحابة - يقولون: الحمد لله الرب الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقًا دائمًا لا ينصرف لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه (٢) وإن الله قد حادثه بما ترون من الآيات: إنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشا وسراجا وهاجا، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيها سكنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا، وإذا شاء بني بناء جعل فيه من المطر والبرق والرعد ما شاء وإذا شاء صرف ذلك وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس (من القرقفة أي: الرعدة) ، وإذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بأنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً يحادثه بما يرون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة.\rوترى الصحابة - طبقًا لهذا الاستدلال - قد سلكوا الطريق الفطري المطابق لطريق البرهان العقلي في إثبات وجود الله ﷾، وأنه خالق كل شيء وهو سبحانه المحدث الفاعل بمشيئته وقدرته، ولم يفعلوا كما فعل بعض فلاسفة اليونان عندما فسروا صدور الكون بأنه معلول يقارن علته (فإن ذلك يمتنع محادثته أي: إحداث الحوادث فيه) (٣) .\rمن هذا يتبين أيضًا أن أدلة الشرع أدلة عقلية، فقد فطر الله تعالى عباده على معرفة الحق وقد بعث الرسل - كما يصفهم ابن تيمية - بتكميل الفطرة قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت، الآية: ٥٣]","footnotes":"(١) الشاطبي: الاعتصام ج ٢ ص ١٠٧ ط دار الشعب.\r(٢) حادثه أي جدد وجوده فهو (حادث) ويتعدى بالألف فيقال: (أحدثه) .\r(٣) ابن تيمية - جامع الرسائل- المجموعة الأولى ص ١٣٩ تحقيق محمد رشاد سالم ١٣٨٩ هـ /١٩٦٩ م ط المدني بالقاهرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185729,"book_id":1232,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":26,"body":"وتفسيرها (أنه سبحانه أخبر أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة، لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتتطابق الدلالة البرهانية العيانية ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول) (١) .\rوالتفسير العقلي أيضًا يبرهن على تجاوبهم الكامل مع العقيدة التي تغلغلت إلى نفوسهم فإن الدارس لأحوالهم وسلوكهم خلال سنوات الأزمات والجهاد الشاق على النفس وعلى الهوى وفي مواجهة الأهل والأصحاب والعادات المألوفة والعقائد الوثنية الباطلة بعد أن تلقوها من رسول الله ﷺ، بعد كل هذا يمكن وصفهم بأنهم الأعلم والأحكم من كل من جاء بعدهم.\rونكتفي بواقعة واحدة للمقارنة، تلك هي موقعة تبوك حيث بلغت بهم الشدة مبلغها.\rيقول ابن كثير: (ومن هنا تتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وعدم تعنتهم كما كانوا معه في أسفاره وغزواته منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر مع أن ذلك كان سهلاً على الرسول ﷺ لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم فجاء قدر مبرك الشاة فدعَا فيه وأمرهم فملأوا كل وعاء معهم. وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملأوا أسقيتهم ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر فهذا هو الأكمل في الاتباع أي: المشي مع قدر الله مع متابعة الرسول ﷺ (٢) .\rوهل نتصور أن أهل العصور التالية كانوا أكثر فهمًا للدين وأصوله من الصحابة؟ أو أنهم أفقه وأورع منهم؟ إن ذلك يعد قلبًا للأوضاع وتبديلاً لموازين القياس الصحيح، إذ سجل لنا التاريخ فضائل أعمال الجيل الأول بمثاليتهم في الفهم والتطبيق فلم يشغلهم عن الجهاد؛ والأعمال الصالحة تنطوي في ذاتها على عمق الإدراك والوعي بالرسالة والتحرك بها فانصرفوا عن الجدال واهتموا بالأعمال، ولكن الأوضاع","footnotes":"(١) منهاج السنة ج ١ ص ٨٢.\r(٢) ابن كثير: التفسير ج ١ ص ١٣٩ ط الشعب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185730,"book_id":1232,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":27,"body":"انقلبت بعدهم، فظهر الجدل في الدين على حساب العمل، أو كان بداية لفرقة وحدة المسلمين وتفتيت جماعتهم وظهور علامات الوهن بين صفوفهم.\rلذلك اعتبر علماء الحديث ظهور الجدل الكلامي لونًا من الردة، وعللوه بقلة الفقه في الدين وذهاب العلماء لقول الدارمي: (وكانوا مقموعين أيام الصحابة والتابعين مقهورين بسلطان الدولة وحجج العلماء، ولكنهم عندما بعد الزمن وجدوا الفرصة لنشر مذاهبهم عندما وجدوا من الرعاع جهلاً ومن العلماء قلة) (١) .\rلقد بحث المتكلمون ونقبوا في تاريخ الصحابة وأيامهم فلم يجدوا آثارًا تدل على خوض الصحابة فيهم، فاستنتجوا أنهم لم يعرفوها وهذا منهج خاطئ في البحث والتصور لقول السفاريني:\rولما كان عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان خاليًا من البدع الكلامية والشبه الخيالية والخصوم المعتزلية، لم تكن أدلة علم أصول الدين مدونة هذا التدوين (٢) . كما تمادى المتكلمون بالطعن في الصحابة فزعموا أنهم كانوا مشغولين بالجهاد عن تناول أمهات أصول الدين والحق أن الجهاد كان ثمرة العقيدة وتجسيدًا وتعبيرًا عن تمكنها من النفوس والقلوب.\rولا يمكن تفسير الانتصارات المذهلة للصحابة إلا في ضوء استجابتهم لعقيدة الإسلام وفهمها حق الفهم وتطبيقها عمليًا فاجتذبوا غيرهم من الشعوب ذات الحضارات العريقة فكان الصحابة في وضع الطلائع والصفوة الممتازة.\rولما كانت حضارة الإسلام منتصرة وسائدة لا انتصارًا عسكريًا فحسب فإن - ذلك يعبر عن المقدمات - ولكن تغلغلا إلى أعماق الشعوب عقائديًا ونفسيًا؛ لأن حملة العقيدة الجديدة كانوا هم الأفضل والأجدر بالاتباع والانقياد.\rوظهرت حروب الردة لتكشف معادن الرجال مبرهنة على أن قوة الإيمان في صف أبي بكر والصحابة وقد وقفت سدًا مانعًا لمواجهة أية ثغرة في العقيدة، وكانت","footnotes":"(١) عقائد السلف (نقد الدارمي على المريسي) .\r(٢) مختصر السفاريني، ص ٥ تحقيق محمد زهري النجار - دار الكتب العلمية بيروت\r١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185731,"book_id":1232,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":28,"body":"محكًا لأثر الإيمان في النفوس والفهم الصحيح لعقائد الإسلام، فقد كشفت الردة عن (حقيقة التصور الإلهي في أذهان المسلمين وسلوكهم حين تحول إلى أعمال وحرب حتى لا يتمكن المرتدون من تشويه العقيدة، أو انتقاص المنهج، أو إدخال شيء من الجاهلية في الإسلام) (١) .\rإن هذا الفهم الممتزج بالإيمان هو الدافع الحقيقي لجهاد الصحابة مع رسول الله ﷺ والتسابق للاستشهاد، ومع الصديق ﵁ بعده.\rألا يحق لعلماء أهل السنة والجماعة سلوك طريقهم واعتبارهم الجيل المثالي في العقيدة والسلوك؟\rولن يدهشنا إذًا عندما نرى أحد علمائهم - وهو الدارمِيّ - يقول:\rفلم يظهر جهم وأصحابه - وهم أول من قالوا بالجبر ونفوا الصفات الإلهية - في زمن أصحاب رسول الله ﷺ وكبار التابعين فيروى عنهم فيها أثر منصوص، مسمى ولو كانوا بين أظهرهم مظهرين آراءهم لقتلوا كما قتل علي ﵁ الزنادقة - وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذين قالوا بتأليه علي وظهروا في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة (٢) .\rويوضح لنا الدارمي - بهذا الرأي - كيف دارت عجلة التاريخ لتطبيق سننه في رقي الأمم وتدهورها، إذ عبرت الفلول المهزومة في الحضارات المغلوبة عن نفسها بنشر فلسفاتها ونظراتها للألوهية والكون والإنسان، أو إثارة المشكلات العقائدية التي كانت تعاني منها إبان أزماتها.\rومما أذهل عقول مؤرخي التاريخ وفلاسفته أن المسلمين قاموا بغزو بلاد ذات حضارات عريقة، فكان من المنتظر قياسًا على الغزوات المماثلة من قبل كغزوات الإسكندر الأكبر مثلا - حيث لم تجاوز أعماله مجال التعمير الحضاري بمظهرها المادي فقط - كان من المنتظر بقاء الأفكار الفلسفية والدينية للسكان الأصليين كما هي","footnotes":"(١) محمد حسن بريغش: ظاهرة الردة في المجتمع الإسلامي الأول ط مؤسسة الرسالة- بيروت.\r(٢) عقائد السلف ص ٣٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185732,"book_id":1232,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":29,"body":"ولكن ما حدث نتيجة انتصار المسلمين لم يتوقع، لأنه اكتسح ما لاقاه في طريقه كالسيل الجارف، (فتغير كل شيء بين يوم وليلة. ولم يقتصر في هذه المرة على الواجهة السياسية والاقتصادية في المدن الكبرى فقط، وإنما تغلغل في الأعماق النفسية لهذه الشعوب جميعًا: فاللغات والأفكار والقانون والآمال والعادات وتصور العالم وعقيدة الألوهية، كل ذلك قد طرأ عليه تغيير جذري سريع) (١) .\rوالشواهد أكثر من أن يستدل بها في هذا الموضع وإلا اضطررنا إلى عرض حياة عشرات، بل مئات الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم من فسر القرآن الكريم ومنهم من تفقه ومنهم من اختص بالإفتاء والاجتهاد والأمثلة كثيرة على مثل هذه التخصصات.\rولو مضينا في دراسة أنشطتهم العلمية لخرجنا بصورة كاملة عن حقيقة عقائدهم، إذ توصلوا إليها في كافة أوجه أصول الدين من عقيدة التوحيد إلى الصفات الإلهية إلى مسألة القضاء والقدر الإلهي، إلى الإنسان وحقيقته وغايته وأخلاقه، إلى المجتمع ومكوناته والحياة الإنسانية بكافة جوانبها، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: (لقد حدثت أجناس الأعمال في عصر الصحابة) .\rوقال الإمام أحمد: (أنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم في مسائل قليلة) (٢) .\rويقصد بذلك أنهم أرسوا قواعد الحياة الإسلامية الحقيقية كلها.\rهذه الحياة الكاملة التي تتناول العقيدة والعبادات والأخلاق في دائرة واحدة يعبرون عنها بحياتهم اليومية العادية والمعارك العسكرية والمعاملات التجارية والعلاقات الاجتماعية في الأخوة والصحبة والزواج والعتاق والمسرات والأحزان","footnotes":"(١) د. دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص ٥٤ ط دار القلم - الكويت ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م.\r(٢) ابن تيمية: معارج الوصول إلى أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول ص ٤٣ ط المكتبة العلمية بالمدينة المنورة. والجنس: الضرب من كل شيء والجمع: (أجناس) وهو أعم من النوع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185733,"book_id":1232,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":30,"body":"وهذه المزية ينفرد بها الصحابة دون من جاء بعدهم، لأنه ما إن انقضى عصرهم حتى ظهرت بواكير التحول التدريجي البطيء عن هذه الحياة أقل درجة منها، ثم ظهرت الفتن والقلاقل، شأنه سنن الحياة في النزول عن القمة بعد بلوغها الذروة.\rومن هنا أصبحت تقاس أطوارنا تاريخيًا بالنظر إلى اقترابها أو ابتعادها عن المجتمع الإسلامي في الخلافة الراشدة وما حققته الحضارة الإسلامية في هذا الطور العظيم، فإذا تكلمنا عن الشورى والبيعة والعدالة، وإذا تكلمنا عن المساواة في الحقوق والواجبات بين الناس، وإذا تكلمنا عن الفتوحات ورايات الإسلام الخفاقة المنتشرة في الأرض حينذاك، فلن تجد مصدرا غنيًا كاملاً بكل ما تحقق في هذه الميادين إلا في وقت الخلافة الراشدة والقرون الأولى المفضلة.\rولهذا فإن التاريخ يسجل الصلة العكسية بين ظهور الحضارة الإسلامية واتساع نفوذها وأثر إشعاعها وفتوحاتها، وبين ظهور الفرق وانقسام صفوف المسلمين بين نحل ومذاهب تتطاحن وتتناحر.\rوإذا عبرنا بلغة فلسفة التاريخ لفهم تاريخ المسلمين، عثرنا على الرباط الوثيق بين تنفيذ قواعد الشرع وفَهْم الإسلام من واقع مصدريه وبين النصر والظهور للمسلمين وبلوغ حضارتهم إلى الذروة، ففي العصور الأولى عندما كان الصحابة والتابعون يسيرون على طريق الشرع بفهم ووعي، انتصروا في الغزوات وقهروا الأعداء وحققوا مجتمعًا إنسانيًا مثاليًا لم تر البشرية مثله، ثم أصاب الوهن المجتمعات الإسلامية وظهر الضعف في أوصالها على أثر ضعف العقيدة في النفوس وظهور البدع. ولا تخطئ عين الباحث المنقب في كتب التاريخ ملاحظة ما حققه المسلمون في عصر النبي ﷺ بقيادته ثم الصحابة التابعون.\rوإذا شئنا تفصيلا موجزًا، رأينا أن عصر بني أمية امتلأ بالفتوحات والانتصارات ولكن يعاب على أمرائهم تأخير الصلاة.\rوكان أوائل خلفاء بني العباس أفضل ممن سبقهم من بني أمية في أداء الصلاة في أوقاتها وفي عصر المأمون (٢١٥ هـ) ترجمت الكتب اليونانية وكان ذلك على حساب العقيدة، فعندما تدخلت المفاهيم الفلسفية اليونانية، انحرفت العقيدة. وزادها انحرافًا غلو التشيع ثم التصوف بمذاهبه المتطرفة كالحلول ووحدة الوجود، واختلط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185734,"book_id":1232,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":31,"body":"علم الكلام لدى المعتزلة بمصطلحات الفلسفة اليونانية.\rورويدًا رويدًا ضعفت الذاتية الإسلامية الأصلية - المتضمنة للعقيدة والأعمال - لدى الكثيرين وحلت محلها أفكارٌ فلسفية أجنبية، أو مذاهب كلامية متطرفة، فأضعفت من أثر العقيدة في النفوس، وحولت المسلمين إلى غير أهداف الأجيال الأولى، ونزعت من القلوب الخوف والرجاء والمحبة لله تعالى بأسمائه وصفاته الحسنى التي كان الأوائل يندفعون بها في ميادين الحياة والجهاد وتعمير الأرض والسعي فيها، تحولت إلى مناقشات وجدال، فخمدت الجذوة المشتعلة وتحولت أحيانًا إلى ما يشبه الرماد، فظهر الضعف وتغلب الأعداء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185735,"book_id":1232,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":32,"body":"الباب الثاني\r\rأحداث الردة والفتن\r\r- الافتراق عن مذهب الصحابة ﵃\r- موقف التابعين إزاء المخالفين\r- ظهور الجدل في أصول الدين.\r- مذهب أهل السنة والجماعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185736,"book_id":1232,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":33,"body":"تمهيد:\rتبين لنا مما تقدم أن المسلمين في الصدر الأول من الصحابة وأوائل عصر التابعين تقيدوا بالمنهج الإسلامي الصحيح.\rفإن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارًا مطلقًا عامًا إلا لرسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصاراً مطلقًا إلا للصحابة ﵃ (١) .\rوإن ارتد ناس بعد رسول الله ﷺ فليسوا من الفرقة الناجية هم:\rأولاً: خصوم أبي بكر ﵁ كمسيلمة الكذاب.\rثانيًا: السبئية أتباع عبد الله بن سبأ.\rثالثًا: المختار بن أبي عبيد.\rوشرح حديث الفرق الناجية يقتضي أنه كل من خرج عن الجماعة فينطق عليه وصف الرسول ﷺ، قال ابن تيمية: وكذلك يدل الحديث على مفارقة الاثنين والسبعين في أصول العقائد، بل ليس في ظاهر الحديث إلا مباينة الثلاث والسبعين كل طائفة للأخرى، وحينئذ فمعلوم أن جهة الافتراق جهة ذم لا جهة مدح، فإن الله تعالى أمر بالجماعة والائتلاف وذم التفريق والخلاف، فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران، الآية: ١٠٣] .\rوقال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) [آل عمران، الآية: ١٠٥، ١٠٦]\rقال ابن عباس وغيره: (تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة) . وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام، الآية: ١٥٩] (٢) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: منهاج السنة ج ٣ ص ٦٦.\r(٢) ابن تيمية: منهاج السنة ج ٢ ص ١٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185737,"book_id":1232,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":34,"body":"وقال: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [البقرة، الآية: ٢١٣]\rوقال: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة، الآية: ٤] وإذا كان كذلك فأعظم الطوائف مفارقة للجماعة وافتراقًا في نفسها أولى الطوائف بالذم وأقلها افتراقًا ومفارقة للجماعة أقربها إلى الحق (١) .\rوالحديث نفسه ليس في الصحيحين بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن حزم وغيره، ولكن قد رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجه ورواه أهل الأسانيد كالإمام أحمد.\rوعلى أية حال فإن الحديث يصف حال الجماعة، فقد رواه في حديث آخر: (هم الجماعة) .\rوفي رواية: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .\rالسنة: ما كان ﷺ هو وأصحابه عليها في عهده مما أمرهم به أو أقرهم عليه أو فعله.\rأما الجماعة: فهم المجتمعون الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وهم أقل اختلافًا في أصول دينهم من سائر الطوائف (٢) وأهل الجماعة أقل اختلافًا في أصول دينهم من سائر الطوائف.\rفإن الحق مع الرسول ﷺ، فمن كان أعلم بسننه وأتبع لها كان الصواب معه وهؤلاء هم الذين لا ينتصرون إلا لقوله ولا يضافون إلا إليه، وهم أعلم الناس بسننه وأتبع لها وأكثر سلف الأمة كذلك، لكن التفرق والاختلاف كثير في المتأخرين (٣) .\rوقد سار أهل الحديث والسنة والجماعة بمنهج اتباعهم الكتاب والسنة الثابتة عن نبيهم ﷺ في الأصول والفروع وما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، بخلاف المنشقين عن هذا المنهج - كما سيتضح لنا تباعًا - فإنهم خالفوا هذه القاعدة الأصولية","footnotes":"(١) ابن تيمية: منهاج السنة ج ٢ ص ١٠٤.\r(٢) ابن تيمية: منهاج السنة ج ٢ ص ٠٢ ١، ج ٣ ص ٦٢.\r(٣) منهاج السنة ج ٣ ص ٤٦ ج ٣ ص ٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185738,"book_id":1232,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":35,"body":"كالمعتزلة والشيعة والخوارج ومن وافقهم، فإنهم لا يتبعون الأحاديث التي رواها الثقات عن النبي ﷺ التي يعلم أهل الحديث صحتها والأدلة على ذلك أن المعتزلة يقولون: هذه أخبار آحاد، ويطعن الشيعة في الصحابة ونقلهم وهذا طعن ضمني في الرسالة. والخوارج يعبرون عن موقف قائلهم (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل) ولهذا قال النبي ﷺ: (ويلك إن لم أعدل من يعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل) (١) .\rوقد ظهرت الفرق والآراء الكلامية المبتدعة تباعًا، وجابهها علماء السنة والجماعة للرد عليها وإعادتها إلى الصف الإسلامي بعقيدته في الصدر الأول.\rوكلما تفتقت الأحداث عن انحراف ما، أسرع الجهابذة من علماء أهل السنة والجماعة لتصويبه وإظهار وجه الحق، إذ ظهرت أفكار الخوارج بسبب قصورهم في فهم آيات من القرآن الكريم، وبدأ التشيع عندما قتل الحسين سيد الشهداء إلى آخر الأحداث التي سجلتها كتب التاريخ، فأخذت الآراء تكثر وتتشعب، والفرق تتشكل وتتحزب حول معتقداتها.\rثم انتقلت أصداء هذه الخلافات والمناقشات إلى كتب علم الكلام لتأخذ مكانها بين الآلاف من صفحاتها عرضًا وتفنيدًا ونقاشًا، وهكذا ظهر الجدل في أصول الدين.\r\rالافتراق عن مذهب الصحابة في أصول الدين:\rإن مذهب الصحابة ﵃ كما يذكر الشاطبي- وعليه دأبوا أن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره، فلم ينكر أحد منهم ذلك، بل أقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسول الله ﷺ ولم يصادموه ولا عارضوه بأشكال، بل آمنوا به وأقروه (٢) .\rوتعليل ذلك عنده:\r١ - إن الرسول ﷺ نهاهم عن التنقيب فيما لا طائل وراءه بمثل قوله (ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا","footnotes":"(١) ابن تيمية: منهاج السنة ج ٢ ص ١٠٣.\r(٢) الشاطبي: الاعتصام ج ٢ ص ١٩١/٢ - نفس المصدر ج ٢ ص ٢٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185739,"book_id":1232,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":36,"body":"نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم) ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: (إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم) . والآثار كثيرة تشير إلى ذم إيثار نظر العقل على آثار النبي ﷺ. ثم جاء جهم بن صفوان وغيره فخالفوا السنن وعارضوها بعقولهم فاستعملوا قياسهم وآراءهم في رد الحديث.\r٢- إن جميع ما قالوه مستمد من معنى قول الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) ثم قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) ، فإنها صريحة في هذا الرأي الذي قررناه - فإن كل ما لم يجر على المعتاد في الفهم متشابه.\r٣- اتخذوا من الشرع حجة قاطعة وحاكمًا أعلى، وظهرت هذه الحقيقة في عدة مواقف عقب انتقال الرسول ﷺ، ومنها يوم السقيفة إذ قال بعض الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) فأتى الخبر عن رسول الله ﷺ بأن الأئمة من قريش أذعنوا لطاعة الله ورسوله ﷺ ولم يعبأوا برأي من رأى غير ذلك لعلمهم بأن الحق هو المقدم على آراء الرجال.\rوفي حرب أبي بكر لمانعي الزكاة، قال له عمر ﵄: كيف نقاتل وقد قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءَهُمْ وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله\" فرد أبو بكر بقوله (إلا بحقها) ، فقال: الزكاة حق المال، مع أن الذين أشاروا عليه بترك قتالهم إنما أشاروا عليه بأمر مصلحي ظاهر تعضده مسائل شرعية، ولكن لم يقو عنده آراء الرجال إن تعارض مع الدليل الظاهر الخ.\rونفهم - من استقراء أقوالهم وسلوكهم في جميع أصول الدين - أنهم كانوا يتقيدون بهذا المنهج أي: تقديم الشرع على العقل، لا عن قصور في الفهم، ولكن لمعرفتهم بمكانة الشرع وضرورة تقديمه على الاستنباطات العقلية التي لا تستند إلى دليل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185740,"book_id":1232,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":37,"body":"وإليكم مواقفهم من هذه الأصول:\r١ - ففيما يتصل بمسائل الغيب كالكلام عن الميزان والصراط وعذاب القبر والميزان وأوصاف أهل الجنة وأوصاف أهل النار.\rفلم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك بل أقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسوله ﷺ ولم يصادموه ولا عارضوه بأشكال، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية، فلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك دل على أنهم آمنوا به وأقروه، كما جاء من غير بحث عن الكيفيات لأمور الغيب.\rويذكر لنا الشاطبي في كتابه \"الاعتصام\" طريقة الصحابة إزاء هذه المسائل موضحًا على سبيل التفصيل الاتجاه الصحيح في تلقي الأخبار المنقولة عن صاحب الشرع ﷺ:\r- ففهموا وصف الصراط بأنه كحد السيف لأن العادة قد تخرق حتى يمكن المشي والاستقرار.\rوفى مسألة الميزان فأثبتوا أن كيفيته تليق بالدار الآخرة، لأن الأعمال ليست كالأجسام التي توزن في دارنا، ولم يأت في النقل ما يعين أنه كميزاننا من كل وجه. مسألة عذاب القبر، فإن رد الروح إلى الميت وتعذيبه بغير أن يراه البشر أو يسمعونه أمر ثابت بالحديث.\rوالعقل يسلم بما نراه، فالميت يعالج سكرات الموت ويخبر بآلام لا مزيد عليها ولا نرى عليه من ذلك أثر، وكذلك أهل الأمراض المؤلمة.\rويلحق بها مسألة سؤال الملكين للميت وإقعاده في قبره، فإنه إنما يشكل إذا حكمنا المعتاد في حياتنا الدنيا، ولكنه من قبيل خرق العوائد التي لا تحيط بمعرفتها العقول. كإنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها يوم القيامة، وقراءة الصحف لمن لم يقرأ قط.\rرؤية الله ﷿ في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا.\rكلام الباري تعالى إنما نفاه من نفاه وقوفًا مع الكلام الملازم للصوت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185741,"book_id":1232,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":38,"body":"والحرف، وهو في حق الله ﷿ محال؛ فكلامه تعالى خارج عن مشابهة المعتاد، لائق بالرب، إذ لا يجزم العقل بأن الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد - محال. فالموقف الصحيح إذن الوقوف مع ظاهر الأخبار مجردًا.\rوكذلك باقي الصفات إنما نفاها من نفاها للزوم التركيب عنده في ذات الباري تعالى وهذا قطع من العقل الذي ثبت قصور إدراكه في المخلوقات فكيف بإثبات صفات الله تعالى، فالصواب في حقه أن يثبت من الصفات ما أثبته لنفسه، والإقرار مع ذلك بالوحدانية له على الإطلاق والعموم.\rتحكيم العقل على الله تعالى بحيث يقول: يجب عليه بعثة الرسول ويجب عليه الصلاح والأصلح ويجب عليه اللطف.. إلى آخر ما ينطق به أصحاب المذاهب العقلية المنحرفة، ونتج هذا لأن المعتاد إنما حسن في المخلوق من حيث هو عبد مقصور محصور ممنوع، والله تعالى ما يمنعه شيء ولا يعارض أحكامه حكم، فالواجب الوقوف مع قوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) [الأنعام، الآية: ١٤٩] ، وقوله: (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آل عمران، الآية: ٤٠] . ويقول الإمام الشاطبي في النهاية: (فالحاصل من هذه القضية أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقدّم بين يدي الله ورسوله ﷺ بل يكون ملبياً من وراء وراء) (١) .\r\rموقف التابعين إزاء المخالفين:\rكان موقف علماء التابعين امتدادًا للصحابة ﵃ ومن هنا نراهم يجابهون الآراء الشاذة التي أعلنها أمثال \"غيلان الدمشقي\" و\"جهم بن صفوان \".\rوقد حفلت كتب التاريخ بالمناقشات الدائرة بين بعض التابعين وزعماء الخوارج وأصحاب الآراء التي شذ بها أصحابها عن معتقدات الصدر الأول.\rوسنقتطف نبذة يسيرة من هذه المناقشات لمعرفة المنهج الذي اتبعه علماء التابعين في جدالهم مع المخالفين، ومنها مناقشة دارت بين \"عمر بن عبد العزيز\" - الذي لقب بالخليفة الخامس بسبب تقواه وعدله واستنانه بسنن الراشدين قبله - وبين \"غيلان الدمشقي\" الذي كان أول من أعلن نفي القدر وتنسب إليه فرقة (القدرية) أي: نفاة القدر.","footnotes":"(١) الاعتصام للشاطبي - ج ٣٣١ دار المعرفة، بيروت ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185742,"book_id":1232,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":39,"body":"يذكر لنا الملطي المحاورة الدائرة بينهما فيقول:\r(لما دخل \"غيلان\" إلى \"عمر بن عبد العزيز\" سأله عن أمر الناس فأخبره صلاحًا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ويحك يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يا أمير المؤمنين أتكلم فتسمع؟ قال: تكلم، فقرأ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان، الآية: ١ - ٣] .\rويبدو من إجابة غيلان أنه استند إلى آيات من سورة الإنسان - أو الدهر- فاقتطع آيات من السورة لكي يؤيد فكرته المسبقة عن نفي القدر.\rلذلك سنجد في إجابة \"عمر بن عبد العزيز\" ﵀ ما يضع القضية في وضعها الصحيح، فيذكر غيلان بالأصل والمبدأ، وهو أن الإنسان مخلوق خلقه الله تعالى، وهو خالقه وخالق أعماله، ولا ينفي ذلك جعل الإنسان مسؤولاً عما يفعله ومريدًا له ومسؤولاً عنه.\rلهذا قال عمر: (ويحك من هاهنا تأخذ الأمر وتدع بدء خلق آدم ﵇؟ ثم تلا قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة، الآية: ٣٠ - ٣٣] .\rفقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لقد جئتُك ضالاً فهديتني، وأعمى فأبصرتني، وجاهلاً فعلمتني، والله لا أتكلم في شيء من هذا الأمر أبدًا.\rفقال عمر: والله لئن بلغني أنك تكلمت في شيء منه لأجعلنك للناس أو للعالمين نكالاً، فلم يتكلم في شيء حتى مات عمر ﵀، فلما مات عمر استأنف الكلام بما وعد بالانتهاء عن الخوض فيه (١) .\rولدينا مصدر آخر يسجل مناقشة ثانية دارت بين \"عمر بن عبد العزيز\"","footnotes":"(١) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص ١٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185743,"book_id":1232,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":40,"body":"وغيلان \"الدمشقي\"، لها مدلول مشابه، مع الاختلاف في الحجج التي قدمها عمر ﵀، حيث تذكر أنه أفحم غيلان بآيات من سورة \"يس\" كقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) [يس، الآية: ٨] وقوله ﷿: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [يس، الآية: ٩] وغيرها - وكانت إجابة \"غيلان\" لا تخرج أيضًا عن ترديده القول في كل آية يسمعها \"كأني لم أقرأ هذه الآية قط\".\rولكن \"غيلان\" نقض العهد في زمان \"هشام\" فاستدعاه مذكرًا إياه بعهده لعمر بن عبد العزيز، فلما طلب \"غيلان\" العفو عنه هذه المرة أيضًا رفض هشام وأمره بقراءة أوائل سورة \"الفاتحة\"، فقرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .\rفسأله هشام: علام استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه إلا به أو على أمر في يدك أو بيدك؟ ثم أمر به ليضربوا عنقه (١) .\rويتضح من هذه النصوص المنهج الذي اتبعه الأوائل في فهم الصلة بين المشيئة الإلهية والإرادة الإنسانية، فنجد \"عمر بن عبد العزيز\" يذكر غيلان بمبدأ خلق آدم ﵇ وتعليمه الأسماء كلها وإسجاد الملائكة له فالذي خلقه - سبحانه - من قبل ولم يك شيئًا وعلمه ما لم يكن يعلم؛ وهو الذي يمده أيضًا بالقدرة على الفعل، فيظهر الفقر الذاتي لآدم ﵇ وبنيه؛ وأنهم لا يستقلون عن خالقهم فهو خالقهم وخالق أفعالهم، مع نسبة الأفعال للإنسان نفسه طبقًا لقواعد الشرع والعقل واللغة؛ ومن ثم مسؤوليته عنها وجزاؤه في مقابلها، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.\rونلحظ أيضًا أن طريقة عمر بن عبد العزيز ﵀ خالية من استخدام أية مصطلحات خارجة عن الآيات القرآنية، كل ما هناك أنه لفت نظر غيلان إلى الآيات المثبتة للقدرة المطلقة لله تعالى - فإنه سبحانه على كل شيء قدير - وهو توجيه ضمني إلى غيلان - وغيره ممن تأثروا به - إلى خطأ موقف اتخاذ الرأي المسبق ثم البحث في القرآن الكريم على ما يؤيده - فهذه طريقة الذين يضربون كتاب الله","footnotes":"(١) أحمد بن حنبل: كتاب السنة - الطبعة السلفية مكة المكرمة ١٣٤٩هـ ج ٢ ص ١٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185744,"book_id":1232,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":41,"body":"تعالى بعضه ببعض، ويختارون الآيات التي توافق أهواءهم دون غيرها التي تصادمها. كما لم يرد على لسان \"عمر بن عبد العزيز\" لفظا الجبر والاختيار، ولكنه باختياره للآيات الأولى من \"سورة البقرة\" عن خلق آدم ﵇ أرشدنا إلى فهمه للمسألة، وهو أن الآيات القرآنية متوافقة متعاضدة، الإنسان مسؤول حر في اختيار أفعاله، ولكنه لا يستقل بفعله عن القدرة والمشيئة الإلهية وهو نفس ما ذهب إليه \"عمر\" و\"علي\" رضوان الله عليهما كما بينا آنفًا (١) كما أراد أن يبين لغيلان خطأه في ضرب الكتاب بعضه ببعض، فأخذ يذكره بالآيات التي ربما غابت عنه في إنكاره للقدر، أو أنه أغفلها عامدًا.\rوكذلك في حديث هشام، رأيناه ينبه غيلان إلى عجز الإرادة الإنسانية بغير مدد من الله تعالى، فإن آيات سورة الفاتحة تتضمن دعاء العبد طالبًا الهداية والاستعانة بالله سبحانه، ومن ثم فلا استقلال للفعل الإنساني، بل لا قيام له منفردًا أصلا، فالإنسان عبد مخلوق مربوب عاجز فقير فقرًا ذاتيًا، وهو محتاج دائمًا إلى ربه وخالقه وفاطره ﷿، ولما كان ربه سبحانه هو الخالق البارئ المصور، فكذلك هو الذي يمد عباده بالقدرة على أفعالهم.\rولكن ظهر مع الأسف تيار ينزع الآيات القرآنية من مواضعها ليضرب كتاب الله ﷿ بعضه ببعض. ولذلك ظهرت موجة عارمة للوقوف في وجه القدريين منذ أن بدأوا بإعلان بدعتهم، فكان \"الحسن البصري\" يقول: \"من كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن\"، وعندما سمع \"سعيد بن المسيب\" أقوال القدرية غضب غضبًا شديدًا حتى هم بالقيام ثم تكلم فقال: تكلموا به؟ أما والله لقد سمعت فيهم حديثًا كفاهم به شرًا، ويحهم لو يعلمون، ثم ردد الحديث بسنده قال: حدثني رافع أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"يكون قوم من أمتي يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى قال: قلت: جعلت فداك يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: يقرون ببعض القدر ويكفرون ببعضه\" (٢) .","footnotes":"(١) ينظر ص ١٤ و ١٥ من هذا الكتاب.\r(٢) الملطي - التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص ١٩٦ وهو جزء من حديث طويل أورده الملطي بتمامه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185745,"book_id":1232,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":42,"body":"أحوال أهل الجنة:\rويدهشنا العثور على نموذج من الجدل يسوقنا إلى موضوع آخر أثير فوجدوا من يوفيه حقه، وهو موضوع يتصل بعالم الغيب وكيفياته، فقد دار نقاش بين راهب وبين خالد بن يزيد بن معاوية عن أهل الجنة ومأكلهم ومشربهم، قال الراهب: أليس يقولون إنكم في الجنة تأكلون وتشربون ولا يخرج منكم أذى؟ فأجاب \"خالد: بلى. قال الراهب أفلهذا مثل تعرفونه في الدنيا؟ قال: نعم، الصبي يأكل في بطن أمه من طعامها ويشرب من شرابها ثم لا يخرج منه أذى. قال الراهب لخالد: أفليس تقولون إن الجنة تأكلون فيها فواكه ولا ينقص منها شيء قال خالد: بلى، قال: أفلهذا مثل في الدنيا تعرفون؟ قال خالد: نعم الكتاب يكتب منه كل شيء أحد ثم لا ينقص منه شيء. وفي النهاية سأل الراهب متعجباً أليس تقول: إنك لست من علمائهم؟ فأجابه خالد بأن فيهم لمن هو أعلم مني) (١) .","footnotes":"(١) الشاطبي: الاعتصام ج ٢ ص ١٨٧ ط دار الشعب في ١٩٧٠ بمصر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185746,"book_id":1232,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":43,"body":"ظهور الجدل في أصول الدين\rاستقرت العقائد في القلوب ولم يختلف الصحابة حول أصول الدين قط، بل لم يعرفوا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ثم بدأت تظهر الآراء المخالفة منذ النزاع الحادث بين \"علي\" و\"معاوية\" ﵄ بعد مقتل \"عثمان بن عفان\" ﵁.\rوسنحاول أن نخط طريقنا من القاعدة المنهجية التي نراها صحيحة شرعًا وعقلاً، وتتلخص في الاعتقاد أن الصحابة كانوا هم الأعلم بلغة القرآن ومراميه، والأدق في فهم محكمه ومتشابهه، ولم تظهر في عصرهم خلافات في أصول العقيدة، إذ كان هناك إجماع عليها بين الكافة، ثم بدأت الانشقاقات رويدًا رويدًا.\rوكان انحراف الخوارج ظاهرًا عندما اعتقدوا خطأ تكفير علي بن أبي طالب ﵁ والنفر الذين كانوا معه من المهاجرين والأنصار.\rكما رأوا منصب الإمامة أو الخلافة لا تختص بشخص من القرشيين فجوزوا إمامة أي إمام يجتمع فيه العلم والزهد ولو كان من أخلاط الناس وأوباشهم، بالإضافة إلى عقائد أخرى كتخليد مرتكب الكبيرة في النار وغيرها من الآراء التي دونتها كتب التاريخ والفرق.\rوظهرت القدرية في أواخر زمن الصحابة وصار \"معبد الجهني\" و\"غيلان الدمشقي\" و\"الجعد بن درهم\" إلى القول بالقدر - أي: نفيه وعدم الاعتقاد به. وفي ذلك الزمان حدث سنة المرجئة (١) حين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.\rثم طلعت المعتزلة مثل أبي الهذيل العلاف والنظام ومعمر والجاحظ وترجمت كتب الفلاسفة في زمن المأمون واستخرجوا منها ما خلطوه بأوضاع الشرع مثل لفظ الجوهر والعرض والزمان والمكان والكمون ونحو ذلك. وأول مسألة أظهروها القول بخلق القرآن.\rوتلت هذه المسألة مسائل الصفات الإلهية مثل العلم والقدرة والحياة والسمع","footnotes":"(١) ينظر كتابنا \"قواعد المنهج السلفي في الفكر الإسلامي\" ط دار الدعوة بالإسكندرية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185747,"book_id":1232,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":44,"body":"والبصر (١) .\rوعندما ظهرت عقائد المعتزلة التي افترقوا بها عن عقيدة أهل السنة والجماعة، اضطر علماء الحديث والفقهاء للرد عليهم وإعادة الأمور إلى نصابها.\rوإننا نعثر على آراء أهل الحديث منبثة في كتبهم للرد على المتكلمين في المسائل التي أثيرت كالحديث عن الصفات والقدر والتوحيد والأسماء - وغيرها من أصول المسائل التي شغلت أذهان المسلمين -. كما حرصوا على استمداد أرائهم من أقوال الصحابة والتابعين في هذه الموضوعات إذ لا يغيب عن ذهن الباحث أن منهج المحدثين كفل لهم الاحتفاظ بالنصوص المنقولة عن السابقين جيلاً بعد جيل.\rوفي الأدوار التي تضخمت فيها الخلافات كتب علماء الحديث في هذه الموضوعات التي تطرق إليها علماء الكلام، ومن بين هذه المصادر العامة كتاب (خلق أفعال العباد) للإمام البخاري، (الرد على الجهمية والمعطلة) للإمام أحمد والرد على بشر المريسي للإمام الدارمي وغيرهم، بحيث نستطيع القول بأن تيار السمع أو النقل، ارتبط بتيار العقل أو الدراية، أي بعبارة أخرى امتد اهتمام علماء الحديث والسنة إلى المسائل التي أثيرت بواسطة المتكلمين وغيرهم، ووقفوا منها موقفًا عقليا أيضًا، فالتقى عندهم النقل مع النظر، فهم وإن كانوا في الغالب أهل رواية، قد أثبتوا أيضًا بأنهم أهل دراية؛ لأن الكتاب أمر بالتفكير والتدبر، وكانوا يحرصون على الارتباط بالصحابة ومواقفهم من هذه الأصول الهامة في الإسلام، وهم ورثة الأنبياء الذين قال الله فيهم: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) [ص، الآية: ٤٥] فالأيدي القوة في أمر الله، والأبصار في دين الله، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوة يمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه (٢) .\rولقد استمسكوا بهذا المنهج النقلي العقلي - إن صح التعبير - وربما نجد ما يعبر عن التقاء الرواية بالدراية في كتابات ابن تيمية الذي كان يلح دائمًا على ترديد","footnotes":"(١) ابن الجوزي ص ٩٢- ٩٣ تلبيس إبليس.\r(٢) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185748,"book_id":1232,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":45,"body":"القاعدة التي أخذ نفسه بالدفاع عنها طيلة حياته، وهي أن العقل لا يتعارض مع النقل، (فإن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بجوامع الكلم، فالكلم التي في القرآن جامعة محيطة كلية عامة لما كان منتشرًا في كلام غيره) (١) .\rوكانت هذه هي مهمة علماء أهل السنة والجماعة أيضًا. فما مذهبهم؟\r\rمذهب أهل السنة والجماعة:\rربما ينسب البعض مذهب أهل السنة والجماعة إلى أحد أئمة الفقهاء أو كلهم. ولكنه في الحقيقة امتداد ومتابعة لمذهب الصحابة، وقد أطلق عليه اسم الجماعة للتمييز بينه وبين مذاهب المنشقين عن الجماعة الأولى أمثال الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة والقدرية.\rومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله تعالى أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم ﷺ ومن خالف ذلك كان مبتدعًا عند أهل السنة الجماعة، فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة، ومتنازعون في إجماع من بعدهم (٢) .\rوإذا طالعنا صفحات التاريخ لمعرفة تسلسل ظهور الآراء المخالفة لما كان عليه أهل القرون الأولى، فقد رأينا - كما تقدم - كيف خرج الخوارج وتابعتهم الشيعة في إعلان آرائهم، ثم القدرية. فالجمهية أتباع \"جهم بن صفوان\" من نفاة صفات الله ﷿.\rثم وقعت المحنة الكبرى في أوائل المائة الثالثة على عهد المأمون (المتوفى ٢١٥ هـ) وأخيه المعتصم ثم الواثق، ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى، فلم يوافقهم أهل السنة والجماعة حتى هددوا بعضهم بالقتل، وقيدوا بعضهم وعاقبوهم وابتلوهم بالرغبة والرهبة.\rوندع أحد معاصري الفتنة يصف لنا وقعها على المسلمين وما كابدوه\rبسببها:\rقال \"عبد العزيز المكي\" في كتابه (الحيدة) :","footnotes":"(١) نقض المنطق ص ١١٠.\r(٢) ابن تيمية: منهاج السنة ج ١ ص ٢٥٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185749,"book_id":1232,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":46,"body":"\"واستتار المؤمنون في بيوتهم وانقطاعهم عن الصلاة في الجماعات والجمعات وهربهم من بلد إلى بلد خوفًا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال له والرعاع من الناس على كفره وضلالته، والدخول على بدعته والانتحال بمذهبه رغبة في الدنيا ورهبة من العقوبة التي كان يعاقب بها من خالفه على مذهبه (١) .\rوثبت الإمام أحمد بن حنبل في هذه المحنة حتى حبسوه ثم طلبوا أصحابهم من المعتزلة بالبصرة لمناظرته فأفحمهم وعجزوا أمام حججه بالأدلة الشرعية العقلية.\rوبسبب هذا الموقف رفع الله قدر هذا الإمام، فصار إمامًا من أئمة أهل السنة والجماعة علمًا من أعلامها لقيامه بإعلامها وإظهارها واطلاعه على نصوصها وآثارها وبيان خفي أسرارها، لا أنه أحدث مقالة ولا ابتدع رأيا، ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: (المذهب لمالك والشافعي والظهور لأحمد، يعني: أن مذهب الأئمة في الأصول مذهب واحد) (٢) .\rوعلى أية حال فإن معيار الصحة والفساد في المذهب لا الاتباع ولكن الأدلة والإقناع، ولهذا يقرر \"ابن تيمية\" - وهو من أقوى المدافعين:\r(وإذا قدر أن في الحنبلية أو غيرهم من طوائف السنة من قال أقوالا باطلة، لم يبطل مذهب أهل السنة والجماعة ببطلان ذلك بل يرد على من قال ذلك بالباطل وينصر السنة بالدلائل) (٣) .","footnotes":"(١) عبد العزيز بن يحيى بن مسلم الكناني المكي: كتاب الحيدة ص ٢ مطابع الشرق الأوسط - الرياض.\r(٢) ابن تيمية: منهاج السنة ج ١ ص ٢٥٧.\r(٣) المصدر السابق نفسه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185750,"book_id":1232,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":47,"body":"الباب الثالث\r\rنشأة الكلام في الدين وعوامل ظهوره\r\rالفصل الأول:\r- مراحل ظهور الكلام في الدين.\r- عوامل نشأة المشكلات الكلامية.\r- ذم السلف لعلم الكلام المبتدع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185751,"book_id":1232,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":48,"body":"الفصل الأول:\r\rمراحل ظهور الكلام في الدين:\rاتضح لنا - مما تقدم - أن النبي ﷺ نهى عن النظر في تشابه القرآن، وقد أخرج الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧] ، قال \"فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم\".\rوقد نفذ أصحاب الصدر الأول هذا النهي وأطاعوا أمر الرسول ﷺ واجتنبوا تحذيراته، فلم يظهر من يجادل ويبحث في الآيات المتشابهة، وعلة ذلك - كما يذكر ابن عباس ﵄ منع وقوع الشك في القلوب (١) .\rأما عن أول من خالف هذه السنة وسأل عن المتشابه فهو رجل يقال له: \"عبد الله صبيغ\" جعل يسأل عن متشابه القرآن عندما قدم المدينة، فاستدعاه \"عمر بن الخطاب\" ﵁، وسأله عن اسمه، فلما أخبره، أخذ عرجونًا من عراجين النخل فضربه حتى أدمى رأسه. ويبدو أن الرجل كان مصمما على موقفه؛ لأنه وعد بترك السؤال، ثم عاد إليه فطلبه عمر فقال: (إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، فأذن له إلى أرضه. وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين) (٢) .\rكذلك بالنسبة للناظر في القدر، روى \"مسلم\" أن رسول الله ﷺ خرج على الصحابة وهم يتناظرون في القدر، ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: \"أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا. ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضًا، لا ليكذب بعضه بعضًا، انظروا ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه\".\rوبسبب عصيان هذا الأمر النبوي ظهرت القدرية - وهم نفاة القدر في أواخر","footnotes":"(١) صون المنطق للسيوطي ج ١ ص ٧٦ البحوث الإسلامية.\r(٢) نفس المصدر ص ٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185752,"book_id":1232,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":49,"body":"زمن الصحابة، وقد روي أن أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له (سيسويه) من أبناء المجوس وتلقاه عنه \"معبد الجهني\" (١) .\rفلما أعلن هؤلاء التكذيب بالقدر رد عليهم من بقي من الصحابة \"كعبد الله ابن عمر\" و\"عبد الله بن عباس\" و\"واثلة بن الأسقع\" وكان أكثرهم في أطراف البلاد لا في وسطها، فكان أكثر القدرية بالبصرة والشام (٢) ، وقليل منهم بالحجاز، أي أن التيارات الخارجية وجدت بغيتها في العناصر الداخلة في الإسلام حديثًا، والتي لم تستمد عقيدتها من الجهابذة العالمين بدينهم كالصحابة والتابعين.\rوبدأ نفي صفات الله ﷿ بواسطة \"الجعد بن درهم\" وهو أول المتكلمين في الصفات وأعلن نفيها، ثم تتلمذ على يديه \"جهم بن صفوان \".\rولكن أصابع المؤرخين ومؤلفي كتب الفرق تشير إلى سلسلة حلقات النافين للصفات إذ تبدأ في حلقتها الأولى \"بلبيد الساحر\" المعاصر للرسول ﷺ الذي قال بخلق القرآن ناقلاً بدوره هذا القول من يهودي باليمن.\rوالتقت حول \"جهم بن صفوان\" (١٢٨ هـ) عدة فرق كلها تنتمي إلى رأي من آرائه: كإنكار صفات الله تعالى، والقول بالجبر، وإنكار رؤية أهل الجنة لله تعالى، والقول بأن الجنة والنار لم يخلقهما الله بعد وأنهما تفنيان بعد خلقهما، وإنكار الميزان، والشفاعة، والكرام الكاتبين، وعذاب القبر، ومنكر ونكير، إلى غير ذلك فيما وردت به النصوص الثابتة.","footnotes":"(١) معبد الجهني - وصفه الذهبي بأنه تابعي صدوق في نفسه، لكنه سنَّ سنة سيئة فكان أول من تكلم في القدر ونهى الحسن البصري (١١٠ هـ) عن مجالسته وقال: هو ضال مضل. قتله الحجاج صبراً لخروجه مع ابن الأشعث.\rالذهبي: (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) ط الخانجي ١٣٢٥ هـ ج ٣ ص ١٨٣.\r(٢) فأما الأعصار الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة كما خرج من سائر الأمصار ... فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء ... والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد ... والشام كان بها النصب (أي عداوة علي بن أبي طالب ﵁) والقدر. وأما التجهم فإنما ظهر من ناحية خراسان، وهو شر البدع ... ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية ... وحدثت المرجئة قريبا من هذا وأما الجهمية فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين، بعد موت عمر بن عبد العزيز ص ٢٢ من كتاب (صحة أصول مذهب أهل المدينة) - تصحيح زكريا علي يوسف - مطبعة الإمام بصر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185753,"book_id":1232,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":50,"body":"يقول \"الملطي\" بعد سرد عقائد فرق الجهمية: (وهذا جماع كلام الجهمية وإنما سموا جهمية لأن \"الجهم بن صفوان\" كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية (١) ، وكانوا شككوا في دينه حتى ترك الصلاة أربعين يومًا، وقال لا أصلي لمن لا أعرفه ثم اشتق هذا الكلام، وبنى عليه من بعده) (٢) . ولقد لخص وكيع بن الجراح الاعتقادات التي ذمها السلف بقوله: (القدرية يقولون الأمر مستقبل وأن الله لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزئ من العمل، والجهمية أتباع \"جهم بن صفوان\" يقولون: المعرفة تجزئ من القول والعمل) (٣) . وقد مرت القدرية بمرحلتين: في المرحلة الأولى أنكروا القدر بالمعنى الوارد بالحديث في الصحيحين عن \"عبد الله بن مسعود\" أن الله يبعث ملكًا بعد خلق الجسد وقبل نفخ الروح فيه فيكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. ولكن عندما اشتهر الكلام في القدر في مرحلة تالية وشارك فيه كثير من النظار أصبح أغلب القدرية يقرون بتقديم العلم الإلهي، وينكرون عموم المشيئة والخلق (٤) .\rويتضح لنا من العرض التاريخي أن بذور الانشقاقات بدأت متناثرة وبواسطة أفراد معدودين، جوبهوا بردود مفحمة ومواقف حاسمة لبتر آثارهم حتى لا تستشري وتنتقل عدواها إلى غيرهم. ثم بدأ الاعتزال بواسطة واصل بن عطاء ١٣١ هـ وعمرو بن عبيد ١٤٨هـ، وتضخم بعدهما المذهب، إذ جمع ما تناثر من الأقوال الآنفة في شكل نسق شبه فلسفي متضمنا الأصول الخمسة عند المعتزلة.","footnotes":"(١) السمنية: بعض الهند وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات.\r(٢) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص ٩٩.\rالجعد بن درهم: يصفه الذهبي بأنه مبتدع ضال، زعم أن الله تعالى لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى - ميزان الاعتدال ج ١ ص ١٩٧ ط الخانجي سنة ١٣٢٥ هـ - وقال أبو حنيفة عن جهم: (أفرط جهم في نفس التشبيه حتى قال: إنه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في معنى الإثبات حتى جعله مثل خلقه) ميزان الاعتدال ج ٣ ص ١٩٦.\r(٣) ابن تيمية: كتاب الإيمان مكتبة أنصار السُّنَّة المحمدية بالقاهرة ص ٢٢.\r(٤) نفسه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185754,"book_id":1232,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":51,"body":"قال \"السفاريني\": وكان أول من صنف في علم الكلام والجدال والخصام مع أهل السنة والجماعة \"واصل بن عطاء\" وهو رئيس المعتزلة (١) .\rوالذي نود إبرازه في هذه العجالة عن مراحل ظهور الكلام في الدين أن المشكلات ظهرت بسبب عوامل سلبية - إن صح التعبير - أي: انحسارًا عن موجة المد الإسلامية الأولى في أصول الدين وفروعه ونظمه وأخلاقياته، ورجوعًا عن النموذج المثالي الذي حققه المسلمون في عصر النبي ﷺ وصحابته والتابعين بعده.\rكما يتضح أنها لم تبدأ من أصل إسلامي صحيح، بل بدأت بمخالفة الأصول المدعمة بالأدلة، والأمثلة على ذلك كثيرة منها أن الآية القرآنية الآنفة تتناول تقسيم الكتاب إلى آيات محكمات وأخر متشابهات تحمل في طياتها الأمر بعدم اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة فجاء البعض ليضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض.\rوكان النبي ﷺ قد أمر بعدم الكلام في القدر فخالفه المخالفون، وأمر بألا يسب أحد أصحابه، فجاء الشيعة بعده فسبوا أبا بكر وعمر ﵄.\rوإذن فهي لا تدل على النضج العقلي أو التفكير الحر كما يصور ذلك بعض دراسات المستشرقين؛ فإن هذا من قبيل الخطأ الشائع الذي يردده كثير من الباحثين والعكس - تماما - صحيح، ولنبحث في عقيدة أقرب الفرق إلى خطأ التفسير اللغوي - وهم المرجئة - فقد نجم خطؤهم من الجهل باصطلاحات اللغة العربية، فزعموا أن الإيمان - لغة - هو التصديق، والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان، أو بالقلب فقط، والأعمال عندهم حسب هذا الفهم المنحرف ليست من الإيمان.\rويتضح خطؤهم إذا بحثنا في قضية الإيمان، فإن الأفعال تسمى أيضًا تصديقًا، وهذا معنى الإيمان المتواتر عن النبي ﷺ. مثال ذلك ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: \"العينان تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها السمع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\" وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف قال الجوهري: الصدّيق الدائم التصديق الذي يصدق قوله بالعمل.","footnotes":"(١) شرح عقيدة السفاريني ص ١٠ ط المنار ١٣٢٣ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185755,"book_id":1232,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":52,"body":"أضف إلى ذلك ما يلي:\rمن مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان والإيمان من العمل، وهذا معروف أيضًا عن غير واحد من السلف والخلف أنهم يجعلون العمل مصدقًا للقول ورووا ذلك عن النبي ﷺ.. فقد سأل \"أبو ذر\" النبي ﷺ عن الإيمان قال: \"الإيمان الإقرار والتصديق بالعمل\" ثم تلا (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلى قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة، الآية: ١٧٧] .\rوروي عن \"علي بن أبي طالب\" أنه قال: (إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب: فكلما ازداد العبد إيمانًا ازداد القلب بياضًا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب؛ فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادًا حتى إذا استكمل النفاق اسود القلب، وايم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبْيَضَ، ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود) . وقال \"ابن مسعود\": (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) .\rوعرف \"الحسن البصري\" الإيمان بقوله: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال) (١) .\rلم يكن الكلام في الدين إذن تطورًا من البسيط إلى المركب، أو من الأدنى إلى الأعلى، بل كان نكوصًا من الكمال إلى النقصان، وعصيانًا للأوامر، وانشقاقا عن الجماعة. وهذا ينقلنا إلى بحث عوامل نشأة المشكلات الكلامية.\rعوامل نشأة المشكلات الكلامية:\rمن استقراء المراحل التي مر بها الجدل في أصول الدين وإثارة التساؤلات وفتح باب المناقشات في القضايا المنهي عن الجدال فيها نستقرئ عوامل نشأة المشكلات الكلامية.\rوتكاد تجمع المصادر التاريخية على تعليل ظهور الجدل بعوامل خارجية، أي من قبيل الغزو الثقافي الأجنبي. وتشير أصابع المؤرخين إلى هذا المصدر، حيث هبت","footnotes":"(١) ابن تيمية: الإيمان ص ١٧٣-١٧٤-١٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185756,"book_id":1232,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":53,"body":"منه أعاصير النزاع بعد أن كانت العقيدة راسخة في النفوس والقلوب، أمدت المسلمين الأوائل بطاقات هائلة فمضوا في طريقهم لتحقيق الغاية وجعل كلمة الله هي العليا.\rولكن الجدل المنهي عنه أدى إلى انحسار حضارة المسلمين فعكفوا يتجادلون ويتناحرون، فوقفت عجلة المد الإسلامي وتقوقع المسلمون، فسهل على أعدائهم غزوهم في ديارهم.\rويصف \"ابن قتيبة\" المظاهر الطارئة على المسلمين بقوله: (وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر، وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات، ومجاهدة النفس، وقمع الهوى فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات؛ فقد تشعبت بهم الطرق وقادهم الهوى بزمام الردى) (١) .\rوهذا هو الدرس التاريخي الذي وعاه شيوخ الحديث والسنة فحذروا من تضييع الجهود في محاولات جدلية سقيمة، ورأوا في تشقيقات المتكلمين بدعًا من ناحية، واستهلاكًا لطاقة تبذل فيما لا طائل وراءه من ناحية أخرى، حيث جاء القرآن بأكمل المناهج في الحجاج العقلي، وفرغ المسلمين إلى العمل. وقد رأينا أهل أفضل القرون كيف استمسكوا بالمنهج الإسلامي الصحيح العقيدة حيث يرى شيخ الإسلام أن أفضل الخلق بعدهم هم المقتدون بعلم وعمل الصحابة وتتحقق هذه المتابعة بصفة خاصة بواسطة علماء الحديث، فهم أهل الآثار النبوية وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر (٢) .\rوبمتابعة الأزمنة بعد عصر الحجاج نرى أنه كلما بعد الزمن وقل عدد الصحابة والتابعين بعدهم، بدأت البدع تظهر تدريجيًا، لأن نور النبوة في الأصل كان كمثابة الشمس الساطعة التي طمست الكواكب وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم حجب","footnotes":"(١) ابن قتيبة (لاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة) كتاب عقائد السلف ص\r٢٢٤ تحقيق د. النشار وعمار الطالبي منشأة المعارف بالإسكندرية ١٩٧١ م.\r(٢) ابن تيمية: بغية المرتاد ص ١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185757,"book_id":1232,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":54,"body":"بعض نور النبوة (١) .\rوبانقضاء دولة الخلفاء الراشدين، وتولي زمام الحكم من هم أقل منهم مرتبة ظهر أثر ذلك في بعض قضايا أصول الدين مثلما أثاره الخوارج. ولما كان ظهورهم في أواخر حكم علي بن أبي طالب ﵁ مرتبطًا بالخلافة أو الأمانة الكبرى فقد تبعه بدع الأحكام والأعمال والأسماء.\rثم ظهر الملك على يد معاوية، ثم الإمارة إلى ابنه يزيد وانشق المسلمون على أثر مقتل \"الحسين بن علي\" بالعراق وفتنة الحرة (سنة ٣٧ هـ) بالمدينة وقيام \"عبد الله بن الزبير\" بمكة في وجه بني أمية و\"المختار بن أبي عبيد\" وغيره من الشيعة بالعراق.\rوعلى أثر هذه الأحداث الجسام، برز الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة، فقد قام بعض الصحابة آنذاك بالرد على هذه البدع والوقوف في وجهها وهم على سبيل المثال: عبد الله بن عباس (٦٨ هـ) وعبد الله بن عمر (٧٣ هـ) ، وجابر بن عبد الله (٧٨ هـ) وأبو سعيد الخدري (٩٤ هـ) ، وغيرهم.\rويضرب \"ابن تيمية\" مثلاً على ذلك بأن القدرية لم يجرؤوا على الكلام في الذات أو الصفات الإلهية إلا في أواخر صغار التابعين، أو في أواخر الدولة الأموية، وكانوا قبل ذلك يقتصرون على الكلام في الأحكام والوعد والوعيد.\rويتضح مما سبق أن الحياة الدينية تأثرت في بداية العصر العباسي بعاملين: أحدهما ظهور سلطان الموالي من غير العرب لا سيما العناصر الفارسية وانحسار الأمر عن ولاية العرب، والعامل الثاني، وهو ترجمة كتب الفرس والروم والهند.\rومما يساعد على قوة تأثير هذين العاملين أن صحابة الرسول صلوات الله عليه كانوا قد ماتوا عند انتهاء خلافة الراشدين فيما عدا القليل، وكذلك الحال بالنسبة للتابعين إذ مات أغلبهم في زمن إمارة ابن الزبير.\rأما تابعو التابعين فقد انقضى عصرهم في أواخر الدولة الأموية ولهذا لم تجد التيارات الجديدة التي تسللت إلى المسلمين من يقف في وجهها لصدها مثلما فعل الخلفاء الراشدون والصحابة في عصرهم من قبل.","footnotes":"(١) ابن تيمية: بغية المرتاد ص ١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185758,"book_id":1232,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":55,"body":"واستنتج \"شيخ الإسلام\" من هذه الأحداث ظهور أمور ثلاثة هي: الرأي والكلام والتصوف (١) .\rوأغلب الظن - من جهة أخرى - أن شيخنا قصد ترتيب ظهور الرأي ثم الكلام ثم التصوف بتسلسل زمني على أثر الترجمة خاصة وأنه يتكلم عن المأمون (٢١٨ هـ - ٨٣٣ م) الذي شجعها - والمعروف - كما يذكر صاحب الفهرس أن \"خالد بن يزيد بن معاوية\" (٨٥ هـ-٧٠٤ م) الذي كان يسمى حكيم آل مروان \"هو أول من قام بالترجمة\". يقول \"ابن النديم\": (كان فاضلاً في نفسه وله همة ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة فأمر بإحضار مجموعة من فلاسفة اليونانيين.. وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني القبطي إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة) (٢) .\rونستدل من تعيين الشيخ \"السلفي\" للمأمون دون غيره، أن هذا الخليفة اشتهر بالميل إلى التشيع والاعتزال، وفضلا عن مشكلة خلق القرآن التي ارتبطت في الأذهان فإن الباحث عن أسباب ذلك يجده دون كبير مشقة في كتب التاريخ التي تكاد تتحد في وصفها له.\rيقول \"ابن الأثير\": (إنه كان شديد الميل إلى العلويين والإحسان إليهم) (٣) وذكر ابن كثير أن \"المأمون\" لما ابتدع التشيع والاعتزال فرح بذلك شيخه بشر المريسي (١١٨هـ - ٨٣٣ م) وكان من شيوخ الاعتزال (٤) .\rويضيف صاحب (تاريخ بغداد) (إنه كان إلى حد غير قليل تحت سلطان الفرس ووزرائهم) (٥) وكأن شيخ الإسلام حاول بذلك أن يثبت أن الترجمة أنتجت آثارها الكاملة في عصر المأمون - أي في وقت متأخر عن عصر الصحابة والتابعين للأسباب التي تذكرها المصادر السالف الإشارة إليها. أو بعبارة أخرى أنها وجدت","footnotes":"(١) ابن تيمية: كتاب السلوك ص ٣٥٨ ط الرياض.\r(٢) ابن النديم: الفهرست ص ٣٣٨.\r(٣) ابن الأثير: تاريخ الكامل ج ص ١٧٩\r(٤) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٠ ص ٢٧٩\r(٥) ابن الخطيب: تاريخ بغداد ج ٦ ص ٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185759,"book_id":1232,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":56,"body":"صدى عنده وميلا لتقبل نتائجها. ولكن تحميل الترجمة النتائج التي حدثت في العالم الإسلامي حينذاك ليس دليلا على كراهية \"ابن تيمية\" للترجمة في ذاتها ولكن بسبب تشجيع المأمون للاتجاهات الفلسفية والكلامية.\rهناك إذن عامل داخلي يتمثل في بدء حركة انحسار الوازع الديني والخروج عن الأصول والقواعد المستقرة الثابتة، ولكن الحركة على ضآلتها في البداية حوصرت وعولجت بحسم، ثم أخذت في الازدياد باتساع رقعة العالم الإسلامي وشيئًا فشيئًا ضعفت المقاومة بسبب موت الصحابة وتفرقهم في الأمصار، ثم موت كبار التابعين أيضًا.\rويتضح أثر العامل الخارجي بشكل أشمل إذا بحثنا ظروف الترجمة وأدوارها وآثارها، فالمشهور أن أول ترجمة للكتب اليونانية إلى العربية تمت في عهد \"خالد بن يزيد بن معاوية\" (توفي ٨٥ هـ) وكانت في بدايتها - فيما يبدو - قاصرة على العلوم إذ كان \"يزيد\" هذا مولعًا بكتب الكيمياء (١) .\rولكن عملية الترجمة بدأت على نطاق واسع بواسطة \"يحيى بن خالد بن برمك\" (متوفى ١٩٠ هـ) في خلافة الرشيد.\rوواقعة الترجمة لا تخلو من بعض المعاني التي يحسن بالباحث أن يتأملها حيث قيل: إن \"يحيى بن خالد\" هذا كان زنديقًا، وإنه صانع ملك الروم وأرسل إليه الهدايا طالبًا نقل الكتب اليونانية - وكانت مخبأة تحت بناء - فجمع الملك البطارقة والأساقفة والرهبان طالبًا منهم المشورة والرأي، وكان من رأيه أن الخير في حبس الكتب عن رعيته من النصارى لأنه خاف عليهم منها إذ قد تكون سببًا لهلاك دينهم، ويفضل إرسالها إلى خالد البرمكي؛ لكي يبتلى بها المسلمون ويسلم رعاياه من شرها، فوافقه المجتمعون على ذلك فنفذه.\rواهتم بها \"يحيى بن خالد البرمكي\" (فجعل المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي، فيتكلم كل ذي دين في دينه، ويجادل عليه آمنًا على نفسه) (٢) .","footnotes":"(١) السيوطي: صون المنطق ١/ ٤٢.\r(٢) ن. م ص ٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185760,"book_id":1232,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":57,"body":"وتشير رواية أخرى إلى أن المأمون (٢١٨ هـ) هو الذي طلب من صاحب جزيرة \"قبرص\" خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم في بيت لا يظهر عليه أحد فأشار عليه خواصه بإجابة المأمون إلى طلبه بهدف إحداث الفتن بينهم (فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها) (١) .\rومن المحتمل أن الرواية قد حدث فيها بعض الإضافات إلا أنه من الثابت أن المأمون قد شجع عملية الترجمة والخوض في علم الكلام، ولذا فإن \"ابن تيمية\"، كان يعلق على ذلك بقوله (ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم بين أهلها) (٢) .\rويلحظ الباحث إجماع مؤلفي كتب الفرق على إرجاع ظهور المشكلات الكلامية إلى تيار خارجي، ولا يمكن أن يكون هذا الإجماع إلا صدى لحقيقة تاريخية ثابتة أمامهم فنقلوها نقلاً متواترًا بعضهم عن بعض.\rوالعبارة المذكورة في كتب الفرق والتاريخ تكاد تتشابه فتذكر أسماء من أثار المشاكل والمتتبع لها وناقلها إلى محيط الثقافة الإسلامية فتذكر: (أن البدع فشت أصلاً بعد القرون الثلاثة وإن كان قد نبع أصلها في أواخر عصر التابعين، فإن أصل مقالة نفي صفات الله تعالى - أي التعطل للصفات - إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو \"الجعد بن درهم\" وأخذها عنه \"الجهم بن صفوان\" وأظهرها فنسبت إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن \"أبان بن سمعان\"، وأخذها \"أبان\" عن \"طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم) اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ، وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين الذين صنف بعض الساحرين في سحرهم. والنمرود هو ملك الصابئة إذ ذاك إلا قليلاً منهم على الشرك، وعلماؤهم الفلاسفة.. وكثر من الصابئة","footnotes":"(١) ن. م ص ٤١.\r(٢) ن. م ص ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185761,"book_id":1232,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":58,"body":"أو أكثرهم (١) كانوا كفاراً ومشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ومذهب النفاة الذين يقولون: ليس له صفات إلا سلبية أو إضافية أو مركبة منهما وهم الذين بعث سيدنا \"إبراهيم\" خليل الرحمن إليهم فيكون الجعد أخذ عقيدته عن الصابئة وأخذها الجهم أيضًا - فيما ذكره الإمام \"أحمد\" ﵁ عنه وعن غيره وكذلك \"أبو نصر الفارابي\" دخل \"حران\" وأخذ عن فلاسفة الصابئة تمام فلسفته لما ناظر السمنية فرجعت أسانيد الجهم إلى اليهود الصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين إما من الصابئين وإما من المشركين. فلما عربت الكتب الرومية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب أهل الضلال. ولما كان بعد المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب \"بشر بن غياث المريسي\" وذويه) (٢) .\rوقد أرخ \"المسعودي\" لمراحل انتقال المدارس الفلسفية أيام اليونان من أثينا إلى الإسكندرية ثم إلى إنطاكية ثم إلى حران، متتبعًا انتقالها إلى العالم الإسلامي ذاكرًا الأفراد المهتمين بها، مبينًا أن مجلس تعليم الفلسفة انتهى في أيام المقتدر، وإبراهيم المروزي ثم إلى \"أبي محمد بن كرنيب\" وأبي بشر \"متى بن يونس\" تلميذي \"إبراهيم المروزي\".\rثم علق (المسعودي) بعد هذا بقوله: (وعلى شرح \"متى\" لكتب أرسطوطاليس المنطقية يعول الناس في وقتنا هذا - توفي المسعودي عام ٣٨٥ هـ - وكانت وفاته ببغداد في خلافة \"الراضي\"، ثم إلى \"أبي نصر محمد بن محمد الفارابي\" تلميذ \"يوحنا بن حيلان\" وكانت وفاته بدمشق في رجب سنة ٣٣٩ هـ) (٣) .\rويبدو أننا إذن أمام غزو ثقافي منظم يريد الكيد للإسلام وأهله، جوبه في بدايته بمقاومة شديدة أيام الصحابة والتابعين كما ظهر لنا آنفًا، ثم ازداد على أثر","footnotes":"(١) وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركا بل مؤمنًا بالله واليوم الآخر كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة، الآية: ٦٢] .\r(٢) شرح السفاريني ج ١ ص ٢١.\r(٣) المسعودي: التنبيه والإشراف ط القاهرة ١٣٥٧ هـ ١٩٣٨ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185762,"book_id":1232,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":59,"body":"موت المدافعين الأول، وقد ثبت أن خلفاء بني أمية قاوموا هذه التيارات بشدة، قال \"القيرواني\" (رحم الله بني أمية، لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة) (١) .\rأما دولة بني العباس فقد قامت على أكتاف الفرس، وربما حدثت عملية الغزو من جراء فشلهم في هزيمة المسلمين في ميادين القتال فخاضوا معهم هذه المعارك الثقافية لمحاولة تقويض العقيدة، وهذا ما ذهب إليه \"ابن خلدون\" في مقدمته.\rوقد ضخم من أثر ظهور الموالي عامل الجهل باللغة العربية وأسرارها واصطلاحاتها وعدم فهم لسان العرب الجاري عليه نصوص القرآن والسنة، إذ أرجع الإمام الشافعي القول بخلق القرآن ونفي الرؤية وغير ذلك من المسائل إلى الجهل بالعربية، وكان الحسن البصري يقول: (إنما أهلكتكم العجمة) (٢) .\rوإزاء هذا كله، ذم السلف علم الكلام المبتدع، وإلى القارئ أسباب ذلك:\r\rذم السلف للكلام المبتدع:\rتبين لنا مما تقدم أن المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين عارضوا الانشقاقات التي أحدثها البعض، وأظهروا معارضتهم لهذه البدع الطارئة وهي في جوهرها كانت نوعًا من أنواع الغزو الثقافي الزاحف من حضارات وديانات أخرى كان المجتمع الإسلامي عند نشأته في المدينة المنورة محصنًا إزاءها، إذ كان الوحي يتنزل على الرسول ﷺ وكان الصحابة يتلقون منه كل ما يحتاجونه في حياتهم الفردية والاجتماعية ويستفسرون عما يعنُّ لهم في العقيدة والعبادات والمعاملات. كما سألوا عن المسائل الغيبية وعرفوا الإجابات عنها من النبي ﷺ كصفات الله ﷾ والحياة الآخرة والجنة والنار والعذاب والحساب والعقاب والملائكة والجان وغير ذلك من أمور الغيب. والبدعة اصطلاحًا هي: (التعدي في الأحكام والتهاون","footnotes":"(١) السيوطي: صون المنطق ج ١ ص ٤٢. ويربط أستاذنا الدكتور محمد علي أبو ريان - رحمه الله تعالى - بين الغزوين: الحديث والقديم فيقول: (ومن أمثلة هذا الغزو الفكري انقضاض التيارات المادية والوجودية والبراجماتية على الفكر الإسلامي.. وكذلك ما تلقاه المسلمون من فلسفة إسلامية زيفاء لا يزالون يولونها عنايتهم إلى عصرنا هذا) ص ٦ من كتابه (أسلمه المعرفة، العلوم الإنسانية ومناهجها من وجهة نظر إسلامية) دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية ١٩٩٧ م وينظر بحثه بنفس المصدر تحت عنوان: (جناية الفكر الفلسفي الملفق على الفلسفة الإسلامية) ص ٨٠ - ٨٤.\r(٢) السيوطي: صون المنطق ج ١ ص ٥٦","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185763,"book_id":1232,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":60,"body":"بالسنن واتباع الآراء والأهواء وترك الاقتداء والاتباع) (١) .\rوفي ضوء هذا التعريف، يصح بحث أسباب ذم السلف للكلام ورفضهم لما أدخله المتكلمون على البيئة الثقافية الإسلامية من تساؤلات وما بحثوه من قضايا وما استخدموه من مصطلحات طارئة.\rويمكن أن نستخلص هذه الأسباب في ضوء معرفة حقيقة الصراع الذي بدأ في ميدان العقيدة بين الإسلام والتيارات التي أخذت تهب من الخارج والتي استهدفت زعزعة العقيدة في النفوس باعتبارها الحصن المكين الذي يتمكن به الصحابة والتابعون وتابعوهم من خوض المعارك الكبرى والمنتصرة في تاريخ الإسلام.\rوتتلخص أسباب ذم علم الكلام فيما يأتي:\rأولاً: لقد أغنى الله تعالى المسلمين بكتابه وسنة رسوله ﷺ عن الالتجاء إلى مصادر أخرى لمعرفته ﷿، أو إثبات توحيده وصفاته وأسمائه الحسنى، فقد أرسل الرسول (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب: الآيتان ٤٥ - ٤٦] مع تكليفه بالتبليغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧] .\rوقد أدى الرسول ﷺ الأمانة وبلغ الرسالة على خير وجه وأشهد المسلمين على إتمام التبليغ في خطبة الوداع (ألا هل بلغت؟) وكمل إتمام الدين بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ) [المائدة: الآية ٣]\rوهذا يثبت أن الرسول ﷺ لم يترك أمرًا من أمور الدين - أصوله وفروعه - إلا وقد وضحها وأتم بيانها، بل إنه كان يبلغ كل أوامر ربه ﷿ في التو واللحظة ولا يؤخرها (ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدًا في كل وقت ومكان، ولو أخر عن البيان لكان التكليف واقعًا بما لا سبيل للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز) (٢) .\rثانيًا: يرى علماء السلف أنه بمسائله واصطلاحاته وأبحاثه يعد من قبيل فضول الكلام الذي لا يفيد الاشتغال به بل إن العمل به مضيعة للجهد والوقت بعد أن","footnotes":"(١) نفس المصدر ص ١٧١.\r(٢) صون المنطق ج ١ ص ١٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185764,"book_id":1232,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":61,"body":"كفانا الله ﷿ مؤونة العكوف على مسائله بما بين لعباده ما يحتاجون إليه في عاجلهم وآجلهم (أوضح لهم سبيل النجاة والتهلكة وأمر ونهى وأحل وحرم وفرض وسن) .\rهذا فضلا عن أننا نعثر في الأحاديث النبوية على توضيحات لكافة المباحث التي خاض فيها المتكلمون، فقد اشتمل الحديث على معرفة (أصول التوحيد وبيان ما جاء من الوعد ووجوه الوعيد وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين والإخبار عن صفات الجنة والنار وما أعد الله فيها للمتقين والفجار وما خلق الله في الأرضين والسموات من صنوف العجائب وعظيم الآيات وذكر الملائكة المقربين ونعت الصافين والمسبحين) (١) .\rثالثًا: خشية الفتنة بسبب استخدام المصطلحات الكلامية التي لم يأت بها الكتاب والسنة إذ لم يدع الرسول ﷺ الناس في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر فضلاً عما أدت إليه هذه المصطلحات من منازعات وخصومات بين المسلمين لعدم الاتفاق على مدلولاتها وتركيباتها، فأصبح لكل فرقة تشقيقات كلامية تختلف عن غيرها وظهرت الفرقة بين صفوف المسلمين (٢) .\rوالحق أن أسباب ذم السلف لعلم الكلام لا يمكن تقديرها حق قدرها وفهمها على وجهها الصحيح إلا إذا وضعناها في إطار الصراع الثقافي الحادث في المجتمع الإسلامي عقب وفاة الرسول ﷺ وصاحبيه وانقضاء دولة الخلافة الراشدة.\rونضرب على ذلك أمثلة من واقعنا المعاصر، فنتساءل: هل يجرؤ أحد في بلاد الاتحاد السوفيتي مثلاً؛ حيث النظام الماركسي، على القيام بالدعوة لنظم الغرب في الحكم والاقتصاد؟ إنه بلا شك سيواجه بتهمة الخيانة العظمى، فإما يعدم أو يطرد من بلاده شر طردة. كذلك فإن أية حركة تقوم في الغرب لمحاولة المساس بالنظام الديمقراطي في الحكم أو الاقتصاد الحر في المعاملات إلا وتواجه بمقاومة عنيفة من الرأي العام.\rبمثل هذا نستطيع تقريب فهم ما حدث من معارضة للمتكلمين في عصر","footnotes":"(١) نفس المصدر ص ١٩٤.\r(٢) نفس المصدر ص ١٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185765,"book_id":1232,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":62,"body":"الحضارة الإسلامية الزاهية، حيث تأكد لعلماء الحديث والسنة بطريق لا تقبل الشك ويشهد بها التاريخ ويقرها الواقع الماثل أمامهم أن عقيدة الإسلام وعباداته ونظمه وأخلاقياته قد تحققت كاملة في عصر النبي ﷺ والخلافة الراشدة فكانت دولة عالمية تشع نورًا بقيمها وعلومها ومثلها العليا، فكان العلماء حريصين على بقاء هذه الدولة العظمى بأركانها جميعًا، وأهم أركانها بلا شك هي العقيدة بأصولها المدعمة بالأدلة من الكتاب والسنة، فلما جاء المنشقون لإثارة اللغط حول ما بني واكتمل وظهر آثاره رأوا أنه بمثابة معول هدم لن يتوقف إلا بعد أن يتحول البناء إلى ركام.\rونحن نرى - من زاوية التشابه مع نظرتنا المعاصرة التي بيناها آنفًا - أنهم كانوا محقين في معارضتهم. وسيزداد اقتناعنا كلما مضينا في بحثنا.\r\rعلم الكلام بين الأصالة والابتداع:\rإن من سمات منهجنا في هذه الدراسة النظر إلى علم الكلام من اتجاهين:\rأحدهما: الاتجاه الذي يتبناه شيوخ المعتزلة والأشاعرة بمفاهيم ومصطلحات بعضها إسلامي والآخر مستعار من ميتافيزيقا اليونان، كالقول بالقديم والمحدث والجوهر والعرض وغيرها.\rوالاتجاه الثاني: الذي يتبناه علماء الحديث والسنة ويتلخص في أن القرآن الكريم قد استوفى القضايا التي خاض فيها المتكلمون، وتظهر أصالة المنهج عندهم إذا استخلصنا من آرائهم السمة الطاهرة المصطبغ بها نتاجهم، ويتضح ذلك بصفتين ظاهرتين:\rالأولى: الاستناد على طرق الاستدلال القرآنية لتدعيم نقدهم للنظريات الكلامية في دوائر الفرق الكلامية المعروفة.\rالثانية: رفضهم تقسيم دائرة الإسلام الكبرى إلى دوائر متفرقة، لأنه ينبغي في رأيهم معرفة الإسلام واعتناق عقيدته لمنهج متكامل، لأنه شامل: يحدد الغرض من حياة الإنسان، مخاطبًا عقله، ومغذيًا وجدانه وراسمًا له طريق السلوك الصحيح المؤدي إلى سعادة ممتدة من الحياة الدنيا المؤقتة إلى حياة الآخرة الخالدة.\rوفي هذا المعنى نجد \"ابن تيمية\" يرفض تجزئة الإسلام، فالصوفية في رأيه بنوا أمرهم على الإرادة وحدها، والمتكلمون بنوا أمرهم على النظر وحده، ولكن لابد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185766,"book_id":1232,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":63,"body":"من أن تكون الإرادة عبادة الله - تعالى - وحده بما أمر، وأن يكون النظر في الأدلة التي دل بها رسول الله ﷺ، وهي آيات الله تعالى (١) .\rويوجز نقده لأهل الكلام بقوله: (إنهم قصروا عن معرفة الأدلة العقلية التي ذكرها الله في كتابه وعدلوا عنها إلى طرق أخرى مبتدعة) (٢) بينما الحقيقة المؤكدة أن القرآن (جعله الله شفاء لما في الصدور، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة، حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول ﷺ، إما أن لا يعرفون اللفظ، وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفون معناه) (٣) .\rفما علم الكلام عند المتكلمين؟:\rأورد التهانوي الآراء التي قيلت في تعليل تسميته بعلم الكلام، منها أنه يورث قدرة على الكلام بالشرعيات، ومنها أن أبوابه عنونت - أولاً - بالكلام في كذا. ومنها أن مسألة الكلام أي: كلام الله ﷿ أشهر أجزائه حتى كثر فيه التقاتل، كما سمي كذلك بأصول الدين لأنه الأصل الذي تنبني عليه العلوم الشرعية، وسماه أبو حنيفة (الفقه الأكبر) لأنه الاشتغال بأصول الدين، لا بالأحكام الفرعية العملية. ويسمى أيضًا بعلم النظر والاستدلال ويسمى بعلم التوحيد والصفات (٤) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: معارج الوصول إلى أن معرفة الدين وفروعه قد بينها الرسول ص ١٨.\r(٢) ابن تيمية: منهاج السنة ج ٢ ص ٦٢.\r(٣) ابن تيمية مجموع الفتاوى ج ١٧ ص ٣٠٦.\r(٤) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون ص ٣٠ - ٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185767,"book_id":1232,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":64,"body":"الفصل الثاني\r\rعلم الكلام\r\r- تعريف علم الكلام\r- علم الكلام بين الأصالة والبدعة.\r- حجج المتكلمين في الدفاع عن منهجهم.\r- رأي علماء الحديث في هذه الحجج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185768,"book_id":1232,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":65,"body":"الفصل الثاني:\rعلم الكلام:\rإن علم الكلام عند ابن خلدون (علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة) .\rومع أنه أجاز الدفاع عن العقائد الإيمانية بواسطة الأدلة العقلية، إلا أنه عاد فأوضح أن المسائل الغيبية إنما هي لا تقع في حيز الإمكانيات التي يستطيع العقل وحده الاهتداء إليها لأنها فوق طور العقل. وتحدث أيضًا عن الملكة الإيمانية الراسخة في النفس من أثر أداء العبادات فيقول:\r(فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم اضطراري هو التوحيد وهو العقيدة الإيمانية وهو الذي يحصل بها السعادة) .\rثم أخذ يحدد معالم الفكر والنطاق الذي يدور فيه ويصف الحدود الضيقة التي لا يستطيع أن يتجاوزها، وأن الفكر عاجز عن الإحاطة بتفصيل الوجود كله - أي: الوجود المطلق - لأن الوجود (عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها فالأمر نفسه بخلاف ذلك) وأن الأمثال التي يسوقها مؤرخنا تدعم هذا الرأي، فالأصم ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع ويفقد صنف المسموعات ويسقط عند الأعمى صنف المرئيات.\rإن هذا يثبت عجز الإدراك الإنساني عن الإحاطة بما في الوجود كله فما بالنا بخالق هذا الكون، ﷾؟\rولكن لا يعني هذا القدح في العقل بل العقل ميزان صحيح لأن أحكامه يقينية ولكن بسبب ما بيناه من عجزه عن الإحاطة بالوجود - لأنه أوسع نطاقًا من المدارك الإنسانية - أي أن العقل لا يستطيع الإنسان أن يزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية (١) .\rوربما كان المثال الذي ضربه لنا \"ابن خلدون \" في هذا الصدد يعد أقوى دليل","footnotes":"(١) مقدمة ابن خلدون ص ٣٨٢ - ط دار الفكر ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185769,"book_id":1232,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":66,"body":"فيما يقدمه من رأي دقيق لإثبات عجز العقل عن إدراك ما وراء طوره في المسائل الغيبية، إذ يقول: \"وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك. على أن الميزان في أحكامه غير صادق، ولكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه، وتفطن في هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك (١) .\rوقد أشار \"ابن خلدون \" في تعريفه إلى أهم النقاط المثيرة للخلاف بين علماء الكلام في دائرتي المعتزلة والأشاعرة، وبين علماء الحديث والسنة، مما جعلنا نرجح أن وراء هذه الأسطر قراءات متشعبة ومستوعبة لقضايا أصول الدين ووجهات النظر المتباينة حولها.\rويتضح أيضًا أنه أعطى الجانب النقدي اهتمامه أيضًا.\rلذلك لا ينبغي أن ننسى جبهة عريضة وقفت تعارض علم الكلام في دائرة السلف من علماء الحديث على مر الأعصار وتعده من قبيل البدع الطارئة على الفكر الإسلامي وأنه أدى إلى الاضطرابات والفتن، وفتت جهود المسلمين وأجهد عقولهم في مجال كفاه القرآن والسنة. وحتى أمام وجهة النظر المدافعة عن المتكلمين بأنهم دافعوا عن الإسلام فإن الرأي المعارض - الذي يمثله ابن تيمية والجامع للاتجاه السلفي قبله - على العكس - يرى أنهم أخفقوا في هذه المهمة لأنهم لم يستندوا في أصولهم على المبادئ الاستدلالية القرآنية (فالكلام الذي ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الإسلام وردوا به على أعدائه كالفلاسفة، لا الإسلام ولا لعدوه كسروا، بل كان بما ابتدعوه ما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم) (٢) .","footnotes":"(١) المقدمة ص ٣٨٤.\r(٢) ابن تيمية: شرح حديث النزول ص ١٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185770,"book_id":1232,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":67,"body":"ومضى يذكر أسباب ذلك ودوافعه مما لا يدخل في نطاق موضوعنا الآن، وسنفصله عند الحديث عن آرائه الكلامية.\rونقتصر هنا على بيانه لخطأ المتكلمين المنهجي - وهو يعبر لنا عن الاتجاه السلفي العام، إذ يستند إلى ضرورة طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة كما فعل الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم لا سيما في أصول التوحيد والإيمان - ثم بعد معرفة ما بينه الرسول ينظر في أقوال المفكرين وما أرادوه بها فتعرض على الكتاب والسنة، مع العلم بأن العقل الصريح دائمًا موافق للرسول ﷺ لا يخالفه قط، فإن الميزان مع الكتاب (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى، الآية: ١٧] ، ولكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به، فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا فيه، لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه، فالرُّسُل صلوات الله وسلامه عليهم تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول. وإذا كان هذا المنهج الصحيح فإن المناهج المخالفة على العكس من ذلك، فإنها ناجمة عن ابتداع بدعة برأي البعض وتأويلاتهم، ثم جعل ما جاء به الرسول تبعاً لها، فيحرفون ألفاظه ويؤولونها على وفق ما أصلوه (١) .\r\rأهم موضوعات علم الكلام:\rتدور المناقشات في أصول الدين التي يتكلم المتكلمون فيها ويتناظرون عليها، حول المسائل الآتية:\rأولاً: الرد على الدهرية القائلين بقدم العالم فأخذ المتكلمون يبرهنون على حدوث الأجسام والدلالة على أن للعالم محدثًا هو الله تعالى.\rثانيًا: تنزيه الله ﷿، للرد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى ودحض مزاعم القائلين بكثرة الصانعين كالمجوس، فقد شبه اليهود الله ﷾ بصفات المخلوقين وادعى النصارى بالقول بالتثليث، وقال المجوس بإله النور وإله الظلمة.\rثالثا: إثبات أن الله تعالى عالم قادر حي قيوم، وأنه واحد، للرد على المعطلة","footnotes":"(١) ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج ١٧ ص ٤٤٣/ ٤٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185771,"book_id":1232,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":68,"body":"النافين للصفات.\rرابعًا: الكلام في رؤية الله ﷿ في الجنة، وإثباتها أو نفيها، وأن كلام الله مخلوق أو غير مخلوق.\rخامسًا: البحث في أفعال العباد وهل هي مخلوقة يحدثها الله ﵎ أو العباد وإذا كانت الاستطاعة قبل الفعل أو معه.\rسادسًا: الحكم على من مات مرتكبًا الكبائر، فهل يخلد في النار أو يجوز أن يرحمه الله - تعالى - ويتجاوز عنه ويدخله الجنة؟\rسابعًا: الدلالة على النبوة بعامة، ردًا على البراهمة وغيرهم من مبطلي النبوة. والدلالة على نبوة نبينا محمد ﷺ بخاصة.\rثامنًا: القول في الإمامة ومن يصلح لها ومن لا تصلح له وهل هي قضية مصلحية تتم بأهل الحل والعقد في الأمة أم أنها تتم بالنص (١) .\rهذه هي المسائل المثارة في المدارس الكلامية، ويظهر من مصطلحاتها أنها ترتبط بمراحل تاريخية للمسلمين، من أهم سماتها أنهم كانوا فيها أصحاب الحضارة السائدة في عالمهم.\rوالآن، حلت مشكلات أخرى، فأصبح من الضروري أن يجابهها الفكر الإسلامي بطرق ملائمة لثقافة العصر وحضارته. فإذا صورنا العالم الإسلامي أيام الاشتباك العقلي مع خصوم الإسلام، فمن الواضح أنه كان مهاجمًا، يملك في يديه العناصر الحضارية الأسمى، ثم انحسرت موجة الحضارة وانقلب العالم الإسلامي مدافعًا بعد أن كان ممسكًا بزمام الأمور، مرهوب الجانب مسموع الكلمة (٢) .\rوالنظرة العامة لتاريخنا المعاصر تجعلنا ندرك صحة ما نذهب إليه، فقد اتخذ الغرب موقف المهاجم منذ شن نابليون هجومه على المشرق الذي بدأ في التمزق حينئذ بالغًا الذروة في الحرب العالمية الأولى، حيث انهار النظام الذي كان قائمًا في ظل الخلافة العثمانية.","footnotes":"(١) الخوارزمي: مفاتيح العلوم ط المنيرية ص ١٧-١٨ ط ١٣٤٢ هـ.\r(٢) باول شمتز: الإسلام قوة الغد العالمية ترجمة الدكتور محمد شامة ص ٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185772,"book_id":1232,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":69,"body":"وتجددت المشاكل أمام الفكر الإسلامي الذي أخذ يجابهها بأساليب جديدة نتيجة من ناحية لمقاومة الاستعمار ومقاومة المذاهب والبحوث الفكرية التي خلفها بمعاونته في تمكين سلطه في رقعة البلاد الإسلامية (١) ، ومن ناحية أخرى أصبح من واجب العلماء التعريف بالإسلام بصورته الشاملة كدين وحضارة وبعث النشاط في قيمه العليا - سواء في حقائقها الميتافيزيقية أو أنظمتها التشريعية والاجتماعية والسياسية - أو في قيمتها الإنسانية الأخلاقية في هذا العصر المصطبغ بالتقدم العلمي المادي، الذي عزل الإنسان عن القيم الروحية التي غذته بها الأديان.\rومهما بلغت العلوم في تقدمها وازدهارها، فليس لها أن تعترض طريق الدين. وقد أصبح هذا الاستدلال في غاية القوة حيث إن العلماء اعترفوا في هذا القرآن بأن العلوم المادية لا تعطي إلا علما جزئيًا عن الحقائق (٢) ، ومن جانب آخر فقد اضطر العلماء إلى الانحناء والخضوع أمام آلاء الله ﷿، والإقرار بأن الزهو بالعلم والاكتشافات العلمية كان تعبيرًا عن قصور في إدراك الإنسان لمدى قدرته إزاء سنة الله الكونية ثم أظهرت الاكتشافات أن الإنسان لا يستطيع اكتشاف قوانين حياته بنفسه، وأن الأشياء التي لا نطلع عليها هي أهم بكثير من التي نطلع عليها، وإقرارا لهذا الواقع اشترك نحو مائة وخمسين من كبار علماء العالم في نشر معجم بعنوان (دائرة معارف الجهل) موضحين الكثير من الظواهر والحقائق الإنسانية والكونية التي لا تزال بدون تفسير.\rكذلك مما يقرب عالم الغيب للأذهان الذي يشمل أصول الدين أغلب قضاياه له وسرعاته وأعداده كلها تحير العقل وتذهله وتعجزه عن التصور الحقيقي - لأن هذا العالم أعظم وأضخم من القوة المتخيلة للأذهان، فالإنسان الذي يدرس الكون (مضطر لتغيير قيمه ومقايسه إلى هذه الحجوم والكتل الهائلة التي لا يستطيع أن يجد لها تشبيهًا معقولاً ليساعده على تصورها وفهمها) (٣) .","footnotes":"(١) محمد البهي: الفكر الإسلامي في تطوره.\r(٢) وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى.\r(٣) زهير الكرمي: مقدمة كتاب (الكون والثقوب السوداء) ص ١٢ سلسلة كتاب (عالم المعرفة) بالكويت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185773,"book_id":1232,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":70,"body":"ثم جاءت النظرية النسبية لتنفي فكرة العبثية عن الكون ولتثبت أن الظواهر الكونية كلها تخضع لقوانين رياضية ثابتة (١) .\r\rحجج المتكلمين في الدفاع عن منهجهم:\rيستند علماء الكلام في الدفاع عن مناهجهم إلى الحجج الآتية:\rالأول: أن ظهور علم الكلام في زمن أتباع التابعين استتبعه استحسان وتم تدوينه بالكتب، فيعدّ من هذا الوجه من قبيل البدعة الحسنة، به انزاحت الشبه عن قلوب أهل الزيغ وثبت قدم اليقين للموحدين.\rالثاني: أن أدلة العقول لازمة لبيان صحة أصول الدين وحقائقها لأن المنهاج الصحيح في معرفة حق الكتاب وصدق الرسول ﷺ مستند على البراهين العقلية.\rالثالث: إذا جعل أصل الدين الاتباع - لا العقل- فإن ذلك مخالفة للكتاب لأن الله تعالى ذم التقليد في القرآن، وندب الناس إلى النظر والاستدلال آمرًا بمجادلة المشركين بالدلائل العقلية، ومن تدبر القرآن ونظر في معانيه وجد تصديق هذا الأصل (٢) .\rالرابع: يرى القاضي عبد الجبار (٤١٥ هـ) أنه لما منع \"الرشيد\" من الجدال في الدين وحبس أهل الكلام، كتب إليه ملك السند يطلب من يناظره، \" فوجه إليه الرشيد قاضيًا لم يحسن الجدل، فاضطر إلى البحث عمن يناضل عن الدين، وأخرج أهل الكلام من السجن ووقع اختياره على أحدهم، فبعثوه للمناظرة.\rوتروى القصة بوقائع أخرى، تتلخص في اجتماع الرشيد برجلين من المتكلمين فتكلما في مسألة فقال لبعض الفقهاء: احكم بيننا فقال: هذا أمر لا يعنيني فأمر له بصلة وقال: هذا جزاء من لا يشتغل بما لا يعنيه، أما الرواية الثالثة، فتشير إلى أمره بقتل رجلين تكلما أمامه في مسألة غامضة فأمر بقتلهما لأنهما زنديقان.\rولكن المؤيدين لعلم الكلام يستخلصون منها جميعًا عجز أهل الحديث عن النضال عن الدين لمغايرة منهجهم عن طريقة المتكلمين المستندة إلى العقل.","footnotes":"(١) نفس المصدر ص ٣٦.\r(٢) السيوطي: صون المنطق ص ١٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185774,"book_id":1232,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":71,"body":"رأي علماء الحديث في هذه الحجج:\rيرى المعارضون أن الاختلاف ينبغي أن يفصل بين النظر الشرعي والكلام المبتدع، ويظهر الاختلاف بينها منهجيًا قبل أي شيء آخر، إذ يرى أهل الحديث أن العقل لا يوجب شيئًا فلا دور له ولا حظ في تحليل أو تحريم أو تحسين أو تقبيح ما لم يرد به الوحي مستدلين على ذلك بقول الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء، الآية: ١٥] وقوله ﷿: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء، الآية: ١٦٥] ، وقال تعالى حاكيًا عن الملائكة فيما خاطبوا به أهل النار: (ألم يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى) [الزمر، الآية: ٧١] ، فيتبين من هذه الآية أنه ﷿ أقام عليهم الحجة ببعث الرسل فلو كانت الحجة لازمة بنفس العقل لم يكن بعثة الرسل شرطًا لوجوب العقوبة، وإذا تأسس الإيمان على العقل لأدى ذلك إلى إنكار دور الرسل وكأن وجودهم وعدمه بمنزلة واحدة، أو كأنهم اقتصروا في دعوتهم على الشرائع وفروع العبادات دون أصول الدين.\rوهنا تظهر صورة مختصرة للاعتراض في صيغة تهكم، فيرى أحدهم (أنه لو قال قائل: لا إله إلا الله عقلي رسول الله لم يكن مستكفرًا عن المتكلمين من جهة المعنى، فظهر فساد قول من سلك هذا) (١) . وأيضًا ففي الدين معقول وغير معقول والاتباع في جميعه واجب، وأن الله تعالى هو الذي يعرف العبد ذاته فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: \"والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا\" فدل على أن الله تعالى يعرف العبد مع وجود العقل سبب الإدراك والحجة لقوله ﷿: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل، الآية: ٦٧] وقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ق، لآية: ٣٧] وقال تعالى مخبرًا عن أصحاب النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك، الآية: ١٠] .\rفالعقل آلة لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فهو آلة التمييز بين القبيح والحسن، السنة والبدعة، الرياء والإخلاص، ولولاه لم يكن تكليف ولا توجه أمر ولا","footnotes":"(١) القاضي عبد الجبار: فرق وطبقات المعتزلة ص ٦١- ٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185775,"book_id":1232,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":72,"body":"نهي (١) . وقديمًا عبر \"الجنيد\" عن عجز العقل عن إدراك الربوبية وعاب على المتكلمين منهجهم بقوله: (نفي العيب حيث يستحيل العيب، عيب) (٢) ، ولا ينكر علماء الحديث النظر لزيادة البحث وإنما أنكروا طريقة أهل الكلام إذ أسسوا طريقتهم على وجوب النظر أولا المؤدي إلى معرفة الباري ﷿، بينما لم يثبت اتباع هذه الطريقة عن النبي ﷺ وصحابته والتابعين بعده (٣) ، وقد علمنا من سيرته أنه لم يدع أحداً إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر وحدوث الأجسام كما يفعل أهل الكلام (٤) بل إن دراسة منهج الأنبياء والرسل يجعلنا ندرك أنهم لم يشتغلوا بالنظر وتلقين أتباعهم والمصدقين بهم الأدلة التي هي أصول الإسلام، ولكنهم حرصوا على تعليم الشرائع والآداب. وينبغي التمييز بين لفظي التقليد والاتباع، فالتقليد هو قبول قول الغير بلا حجة، أما الاتباع فإنه السير على منهاج رسول الله ﷺ بعد قيام الأدلة على صدق نبوته المنقولة إلينا بواسطة أهل الإتقان والثقات من الرواة ما لا يعد كثرة من المعجزات والبراهين والدلالات. وأهملوا تعليمهم الدلائل وتعليمهم كيفية حل الشبه ولو فعلوا لنقل إلينا تصانيفهم كما نقل إلينا كتب الفلاسفة والمتكلمين من علماء المسلمين (٥) ، ويذهب \"ابن الوزير اليماني \" إلى أبعد من هذا فيرى أنه لم ينقل أن اثنين اختلفا في شيء قط، ولا كذب أحدهما الآخر ولا غلطه ولا خطأه ولو كانوا اكتسبوا ذلك بالنظر لقضت العادة باختلافهم كما اشتد الاختلاف بين الفلاسفة والمتكلمين، فإن كثيرًا منهم قد تفردوا بمقالات حتى قيل اجتماع العلماء في النظريات محال. ويضيف إلى ذلك دليلا آخر، هو انقطاع الأذكياء في تحصيل علم الكلام، دقيقه وجليله، مستفيدًا بما انتهى إليه الرازي معترفًا بالقصور عن بلوغ غايته ومنتهاه، فقرر في وصيته التي مات عليها (ولقد اجتزت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن","footnotes":"(١) السيوطي: صون المنطق ص ١٨٠.\r(٢) السيوطي: صون المنطق ص ١٧٠.\r(٣) ابن خلدون المقدمة.\r(٤) صون المنطق ج ١ ص ٢٢٣.\r(٥) صون المنطق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185776,"book_id":1232,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":73,"body":"العظيم) (١) .\rويورد القصة التي شنع بها أهل الكلام على المحدثين من إرسال ملك الروم إلى \"هارون الرشيد\" وطلب المناظرة وعجز المحدث عنها وسخرية أولئك الفلاسفة، فقد كثر الكلام في التبجح بذلك، وبحكاية أخرى تشبهها. والجواب عليهم في ذلك أنهم أرادوا الاستدلال على أنهم أجدل من المحدثين، فذلك مسلم لهم بل إنهم أجدل من رسول الله ﷺ، لأن الكل يعلم أنه لم يصدر شيء من الكلام ومجادلة الفلاسفة من رسول الله ﷺ ولا من جميع أصحابه ﵃ ولا اشتغلوا بممارستهم لما رأوه أهل اللجاج. ولا يلزم من ذلك أنهم أقل معرفة بالله ولا أقل نصرة لدين الله. ولو أحبوا الخوض في علم الكلام واشتغلوا بتعلمه وتعليمه لبلغوا فيه ما أرادوا وعرفوا ما عرف المتكلمون وزادوا، ولكنهم أعرضوا إعراض مستغن عنه - واستقراء السير والأخبار تدلنا على أنهم لم يتبعوا هذا الأسلوب في الدعوة، فها هي قصة جعفر بن أبي طالب ومهاجري الحبشة مع \"النجاشي\" وما راجعه به خطيبهم \"جعفر\" حين قيل للنجاشي إنهم يقولون في عيسى ﵇ قولاً عظيمًا، فلما سألهم النجاشي عن ذلك أجابوا بكلام الله تعالى واحتجوا به على صحة عقيدتهم وتلا جعفر على \"النجاشي \" صدر سور مريم حتى بكى النجاشي وأصحابه وكان ذلك سبب إسلامه، كما أرسل صلوات الله عليه إلى هرقل من كان على صفة المحدث الذي أرسله هارون وهو دحية بن خليفة الكلبي ولم يعلمه ما يجيب به عليهم إن أوردوا عليه ما يدق من شبههم وهم أهل المنطق وسائر الدقائق النظرية، كما بعث إلى النجاشي صاحب الحبشة، وإلى \"المقوقس\" صاحب الإسكندرية وبعث \"أبا عبيدة\" إلى البحرين يعلنهم الإسلام، وبعث \"عليا\" و\"معاذً\" و\"أبا موسى\" إلى اليمن، وبعث إلى سائر الملوك للدعاء إلى الإسلام لم يضمنها شيئًا من ذلك مثل كتابته إلى هرقل وإلى كسرى. وخلاصة المنهاج الذي اتبعه الرسول - كما أمره الله ﷿ هو الاقتصار على مجرد الدعوة إلى الإسلام والاتكال في إيضاح الحجة على ما قد فعله الله تعالى لهم من إظهار المعاني وتقديم البيانات الواضحة للعقول، إذ قال الله ﷿ تسلية لرسول","footnotes":"(١) ابن الوزير اليماني: البرهان القاطع ص ٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185777,"book_id":1232,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":74,"body":"الله ﷺ وبيانًا لحد ما جب عليه؟ (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران، الآية: ٢٠] أي: في الذي ببواطنهم وما أقام عليهم من الحجة، إذ لا مطمع في هداية المرء والجدال والحجة وكيف يطمع فيهم وقد حكى الله تعالى عنهم أنهم جادلوه يوم القيامة وأنكروا ما صنعوا من معاصيه ﷾ حتى شهدت عليهم أيديهم وأرجلهم فقالوا لأعضائهم لم شهدتم علينا (١) ؟\rوإن قيل: إن الله - تعالى - قد أمر رسوله ﷺ بالجدل في قوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل، الآية: ١٢٥] فالجواب من وجهين:\rأحدهما: أن الله تعالى بين ذلك بالتي هي أحسن ولم يأمره بمطلق الجدال، فامتثل ما أمره ومع ذلك فلم ينقل عنه أنه جادل بأساليب المتكلمين والجدليين فثبت أن التي هي أحسن ليست سبيل المتكلمين مثل ما علم الله رسوله أن يحاجهم به في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ، الآيتان: ٤٦ - ٤٧] ، وتنفيذه للأمر الإلهي (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فصعد على الصفا فجعل ينادي لبني قريش حتى اجتمعوا فسألهم \"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم كنتم مصدقي؟ \" قالوا: (نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا) قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\"، والأمثلة الأخرى كثيرة في القرآن عن محاجة الأنبياء وجدالهم كما في سورة \"هود\"، ومحاجة \"إبراهيم\" لقومه ومحاجة \"يوسف\" لصاحبي السجن.\rالوجه الثاني: أن الله - تعالى - أجمل كيفية الجدال بالتي هي أحسن في تلك الآيات وبينه في غيرها بتعليمه في القرآن العظيم لنبيه ﷺ فقال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا","footnotes":"(١) ابن الوزير اليماني (الذب عن سنة أبي القاسم صلوات الله عليه) ج ٢ ص ١٣١ المكتبة السلفية بالقاهرة ١٣٨٥هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185778,"book_id":1232,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":75,"body":"فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران، الآية: ١٩ و ٢٠] ، فهذه الآية واضحة الدلالة على الأمر بالاقتصار على مجرد الدعاء إلى الإسلام والاتكال في إيضاح الحجة على ما قد فعله الله تعالى لهم من خلق العقول وبعثة الرسول وإنزال الآيات وإظهار المعجزات وتكثير مواد البينات (١) وسنرى أيضًا أن ابن تيمية في معارضته لعلم الكلام يوضح أن السلف الصالح لم يعارضوا جنس النظر والاستدلال ولكن المعارضة اتجهت إلى الأساليب الكلامية المستقاة من الفلسفة اليونانية وكان الأحرى الإحالة إلى الأدلة الشرعية وفي مقدمتها القرآن الحكيم لأنه اتجه في خطابه للإنسان باستثارة قوانين العقل وتحريك وجدانه وإيقاظ قلبه من الغفلة.","footnotes":"(١) ابن الوزير اليماني: الذب عن سنة أبي القاسم صلوات الله عليه ج ٢ ص ٢٨٥ وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185779,"book_id":1232,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":76,"body":"الباب الرابع\r\rموقف أهل الحديث والسنة من المعتزلة\r\rالفصل الأول:\r- التعريف بعلماء الحديث ومنهجهم.\r- التعريف بالمعتزلة وأصولهم الخمسة.\r- دوافع علماء الحديث لمجابهة المتكلمين.\r- علم الكلام لدى علماء الحديث والسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185780,"book_id":1232,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":77,"body":"التعريف بعلماء الحديث ومنهجهم:\rإن الحديث والسنة يعني حديث رسول الله ﷺ وسنته المنقولة إلينا عن الثقات منذ الجيل الأول - أي الصحابة - ثم التابعين وتابعيهم إلى أن تلقاها المحدثون بمنهجهم الدقيق في الجرح والتعديل.\rولم يقتصر علماء الحديث بطبيعة الحال على نقل الأحاديث المتعلقة بالفقه والعبادات والأعمال فحسب بل تناولت أحاديث الرسول ﷺ كلها بما في ذلك ما يتناول أصول الدين من توحيد الله - سبحانه - والإيمان باليوم الآخر والملائكة والبعث والحساب والعقاب والجنة والنار وما إلى ذلك من عالم الغيب الذي يشكل موضوعات أصول الدين، وأفرد له المحدثون في كتبهم أبوابًا خاصة. والحديث قد دون - في أرجح الروايات - أيام الرسول ﷺ (١) .\rوكان المسلمون في عصر الصحابة والتابعين يستمدون عقائدهم عن أصول الدين من الكتاب والسنة، وذلك قبل أن يطرأ عامل الترجمة والفلسفة اليونانية، وتحولت المناهج بعدها إلى نزاع بين المحدثين من جانب والمتكلمين والفلاسفة من جانب آخر، إذ ظل أهل الحديث على طريقة الأوائل، بينما ظهر علم الكلام على يد المعتزلة كواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ممن استخدموا منهجًا ظنوه عقليًا في أصول الدين استخدامًا خاطئًا لأنهم أطلقوا ألفاظ الفلسفة اليونانية على المعاني الإسلامية.\rوقد قام أهل الحديث بمهمة كبرى في تاريخ الإسلام إذْ حفظوا للمسلمين الأصل الثاني من أصول الإسلام ممثلاً في سنة رسول الله ﷺ إذ لا تستقيم حياة المسلمين بدون معرفتها واتباعها، وقد نيط بعلماء الأحاديث تنقيتها وتمييز الصحيح من الضعيف والموضوع فحفظوا لنا تراث النبوة فلم يضع كما ضاع غيره من تراث الأنبياء والرسل من قبل وصانوه من التحريف والتبديل والتعديل الذي حدث في تراث الرسل والأنبياء من قبل، وبقي الإسلام بدعامتيه الكبيرتين - كتاب الله وسنة","footnotes":"(١) الخطيب البغدادي: تقييد المعالم ص ٥٧، ص ٩٣ دار إحياء السنة النبوية بتحقيق يوسف العش ١٣٩٥ هـ ١٩٧٥ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185781,"book_id":1232,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":78,"body":"رسوله ﷺ.\rوالحديث هو اسم من التحديث وهو الإخبار ثم سمي به قول أو فعل أو تقرير نسب إلى النبي ﷺ (١) .\rوجمع المحدثون بين طريقتي الحفظ والتدوين، وظهرت مراحل تدوينه وحفظه من المسانيد إلى الصحاح.\rوأقيم العلم على صروح متينة من التنقيح والتعديل والتجريح والتثبت من صدق الرواة الناقلين للحديث، وانكبّ على خدمته الآلاف من العلماء يتناقلونه جيلاً بعد جيل بحرص ودأب دون أن يعتريهم الكلل أو الملل. بل يحدوهم الفخار والزهو لأنهم يؤدون عملاً يتقربون به إلى الله تعالى ودخل في دائرة العبادة، لأنهم يحافظون على سنة رسولهم ﷺ، التي بها يعرف المسلمون تفاصيل عبادتهم ويتفقهون في دينهم ويستنبطون أحكامه ويعرفون شريعته ويقفون على أحكامه وأوامره ونواهيه، فإن السنة تعكس مرآة صادقة لحياة الرسول ﷺ وأقواله وأفعاله وتقريراته، وقد قال ﷺ: \"نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها\" (٢) .\r\rسلاسل الإسناد:\rويمتد الإسناد - نقلاً عن العلماء - إلى الصحابة وتابعيهم.\rويبدأ بالصحابة وعلى رأسهم العشرة المبشّرون بالجنة إلى غيرهم وهم أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول ﷺ وعلم خاصته مثل الخلفاء الراشدين وسائر العشرة، ممن كان أخص الناس بالرسول ﷺ وأعلمهم بباطن أمورهم وأتبعهم لذلك.\rوقام العلماء المحققون أمثال مالك وابن حنبل والبخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي وأبو داود والترمذي وأبو يعلى، والدارمي إلى الحاكم والبيهقي والدارقطني والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم (٣) كل هؤلاء قاموا بدورهم في خدمة هذا العلم ينفون عنه تحريف المغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.\rوأصل هذا الحديث عن أسامة بن زيد ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال:","footnotes":"(١) القاسمي: قواعد التحديث ص ٦١.\r(٢) رواه الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود (القاسمي - قواعد التحديث ص ٤٨) .\r(٣) قواعد التحديث ص ٣٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185782,"book_id":1232,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":79,"body":"\"يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولهُ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (١) حديث ضعيف.\rورواه من الصحابة غير واحد، أخرجه ابن عدي والدارقطني وأبو نعيم.\rوكانت جماهير المسلمين الغفيرة تتلقى الأحاديث من علمائه لتعرف دينها وتقيم شعائره، فلما ظهرت علوم الكلام والتصوف والفلسفة واتبعها البعض، ظلت الغالبية العظمى من المسلمين متذرعة بمنهج علماء الحديث، فنبذت غيرها من المناهج لمعرفتها بأنها طارئة دخيلة، وفدت إليهم من طرق غير طرق المحدثين الناقلين لتراث النبوة، فإن عندهم علم خاصة الرسول ﷺ وبطانته.\r\rمنهج علماء الحديث في أصول الدين:\rإذا كانت دائرة الحديث قد أكملت في المرحلة الثالثة على أيدي أصحاب الصحاح المعروفين فإن سندهم في الحقيقة يتصل - جيلاً بعد جيل - منذ الصحابة، وهم الطرف الأعلى في نقل الحديث، فإذا عرفنا مكانة الصحابة وعلو قدرهم في الدين، عرفنا مضمون ما نقله علماء الحديث، ودورهم ومكانتهم مما جعل الإمام الشافعي ﵀ يقول: \"أهل الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم) (٢) .\rفالصحابة قد ورثوا عن الرسول ﷺ العلم والإيمان. فهم أهل حقائق الإيمان، وأهل الفهم لكتاب الله تعالى والعلم والفهم لحديث الرسول ﷺ (٣) .\rولكن بامتداد العصور والأزمنة واختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم والنزاع الحادث بين المتكلمين وغيرهم على أثر ظهور الفرق تأسست مناهج جديدة في سماعه أو كتابته أو روايته بل شمل كل من كان حافظًا له عارفًا به ظاهرًا وباطنًا مع اتباعه وكذلك أهل القرآن (٢) .\rوكشأن أي طائفة من الناس ظهرت قلة قليلة ضمن المنتسبين إلى أهل الحديث، غالوا في إثبات صفات الله تعالى وأخذوا يروون أحاديث موضوعة في","footnotes":"(١) قواعد التحديث ص ٤٨.\r(٢) القاسمي: قواعد التحديث ص ٤٩.\r(٣) المصدر: نقض المنطق ص ٥٥، ٨١، ٧٧.\r(٤) القاسمي: قواعد التحديث ص ٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185783,"book_id":1232,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":80,"body":"الصفات، وقد تبرأ منهم أهل الحديث وأعلنوا أنهم أبرياء منهم (١) .\rوبسبب الخصومات الناجمة عن اختلاف المناهج وتحزب كل فريق لآراء أتباعه، أطلق خصوم أهل الحديث عليهم أسماء أخرى تخالف الحقيقة وتدل على شدة الخصومة المبنية على الهوى.\rقال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي: (علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر أي الحديث، وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة، وعلامة القدرية أن يسموا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية) (٢) .","footnotes":"(١) نقض المنطق ص ١١٩.\r(٢) القاسمي - قواعد التحديث ص ٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185784,"book_id":1232,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":81,"body":"موقف أهل الحديث والسنة من المعتزلة\rتعريف المعتزلة ونشأتهم:\rتكاد تجمع المصادر التاريخية وكتب الفرق على أن نشأة مذهب الاعتزال ترجع إلى اختلاف واصل بن عطاء مع شيخه الحسن البصري (١١٠ هـ) في الحكم على مرتكب الكبيرة، واعتزاله مجلسه لهذا السبب، وفيما عدا هذه الرواية الشهيرة فإن الملطي (توفي ٣٧٧ هـ) يعود بنشأة المعتزلة إلى أيام تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، لأنهم كانوا من أصحاب \"علي\" فاعتزلوا الناس ولزموا البيت والمساجد قائلين: (نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك: المعتزلة) والأرجح الرواية الأولى.\rوعلى أية حال، قد انفصل الخوارج عن الجماعة للأسباب التي ذكرناها آنفًا، وفعل المعتزلة بالمثل بطريقة أخرى، وأطلقوا على أنفسهم اسم المعتزلة مشتركين معاً في اعتقاد الأصول الخمسة التي وضعوها. ففارقوا جماعة المسلمين وانفضوا عنهم حريصين على التميز والظهور بما أعلنوه من عقائد مخالفة، ولهذا فقد قوبلوا بالاستنكار والمعارضة من جانب العلماء، لأنهم ابتدعوا آراء لم يعرفها الأوائل كالحكم على مرتكب الكبيرة بأنه (منزلة بين المنزلتين) ونفي القدر. فكان عبد الله بن المبارك حينذاك يحذر المسلمين منهم بقوله: (أيها الطالب علماً ايت حماد بن زيد، فخذ العلم بحلم، ثم قيده بقيد، وذر البدعة من آثار عمرو بن عبيد) ومنه نفهم الانشقاق الذي بدأ يظهر بين علماء الحديث والمتكلمين منذ بزوغ المسائل الكلامية في مهدها، إذ كان عمرو بن عبيد قبل ذلك منخرطًا في سلك الجماعة الإسلامية، مرتبطًا بإعلانه لرأيه المخالف لرأي الجماعة، اعتبر مبتدعًا، فوصفه \"ابن حبان\" بأنه كان من أهل الورع والعبادة، إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحسن، وجماعة معه؛ فسموا معتزلة، وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث وهماً لا تعمداً.\r\rالأصول الخمسة عند المعتزلة:\rوالأصول الخمسة التي اتفقوا عليها هي: التوحيد، العدل، والوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن أنقض منها أو زاد عليها أصلاً واحدًا لا يستحق لقب الاعتزال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185785,"book_id":1232,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":82,"body":"ولأفكار المعتزلة مظهر براق كالذهب المزيف يجذب بظاهره العيون، ولكن سرعان ما يظهر بريقه الزائف لمن يتعمق في فهمه، فإذا دققنا في فهم أصولهم واحدًا فواحدًا، تحليلاً لها ومقارنة لهما يقابلها من عقائد أهل السنة والجماعة، ظهر لنا زيف بريقها.\r(١) التوحيد:\rومرادهم بالتوحيد نفي صفات الله تعالى، وقد أورد عقيدتهم كاملة أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين) ، ومنها نعرف بعض ما ذهبوا إليه في هذا الأصل، إذ أجمعوا على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ولا تجوز عليه المماسة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له، لم يزل أزلاً، أولاً سابقًا للمحدثات، موجودًا قبل المخلوقات، ولم يزل عالمًا قادرًا حيًا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار.\rويمضى الأشعري - وهو خبير بعقائدهم لأنه كان معهم طوال أربعين عامًا فينقل لنا كل ما قالوه في (التوحيد) ، ويكفي من الاطلاع عليها معرفة الألفاظ والمصطلحات الفلسفية، فضلاً عن استخدام أوصاف غير لائقة تجعلنا ندرك خلو القلوب والنفوس من الهيبة التي استشعرها المسلمون الأوائل، ونفهم أيضًا التعليق المنسوب \"للجنيد\" القائل: (نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب) . وربما عنى بذلك مثل: إطلاقهم المترادفات الآتية (وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة، ولا لحم ولا دم.. إلى قولهم: ولا بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق.. الخ) (١) .\rوغيرها من الألفاظ التي تتنافى مع أدب الحديث عن رب العالمين - جل شأنه - ومن هنا نفهم حكمة سكوت السلف الصالح عن مثل هذا الكلام واكتفائهم بالقرآن العظيم، وهو دليل على عمق الإيمان والعناية الفائقة بكتاب الله - تعالى -","footnotes":"(١) الأشعري: مقالات الإسلاميين ج ١ ص ٢٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185786,"book_id":1232,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":83,"body":"تلاوة وحفظًا وعملاً فأيقنوا أنه يغنيهم عن كل ما سواه.\rوالمفهوم من (التوحيد) عند المعتزلة أنهم يعنون به إثبات وحدة الذات الإلهية فنفوا الصفات ظنًا منهم أن إثباتها يؤدي إلى الشرك وأنكروا رؤية الله تعالى في الآخرة وعن هذا الأصل أيضًا تفرع قولهم في القرآن بأنه محدث، مخلوق. وقد وقف لهم علماء السنة بالمرصاد ودحضوا عقيدتهم بالحجج العقلية وشكلت مجادلة الإمام أحمد معهم أهم سند لعقيدة أهل السنة والجماعة.\rنقد المعتزلة:\rظن المعتزلة أنهم بنفي الصفات الإلهية يؤكدون عقيدة التوحيد، ويتحاشون التشبيه والتجسيم والحشو، ووصفوا من خالفهم بهذه الصفات، وهم أول من رموا مخالفيهم بهذه الصفات. ويرى \"ابن تيمية\" عند نقده لهم أن الأسماء التي يتعلق بها المدح والذم من الدين لا تكون إلا من الأسماء التي أنزل الله بها سلطانه ودل عليها الكتاب والسنة والإجماع كالمؤمن والكافر والعالم والجاهل والمقتصد والملحد، فأما هذه الألفاظ الثلاثة فليست في كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله ولم ينطق بها أحد من سلف الأمة وأئمتها نفيًا ولا إثباتًا.\rولذلك أصبح التوحيد عندهم مصطلحًا يعنون به نفي جميع الصفات الإلهية، وكل من أثبت شيئًا منها رموه بالتجسيم والتشبيه حتى أن من قال (إن الله يرى) أو (إن له علما) فهو عندهم مشبه مجسم (وأما التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فليس متضمنًا شيئًا من هذه الاصطلاحات بل أمر الله عباده أن يعبدوه وحده لا يشركوا به شيئًا فلا يكون لغيره نصيب فيما يختص به من العبادة وتوابعها - هذا في العمل، وفي القول: هو الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه رسوله ﷺ) ولا بد من التوحيد بالقول والكلام - وهو أن يصفوا الله بما وصفته رسله وهذا وحده لا يكفي في السعادة، والنجاة في الآخرة، بل لابد من أن يعبد الله وحده، ويتخذه إلهًا دون سواه وهو معنى قول (لا إله إلا الله) .\rإن هذا الفصل بين العلم والعمل وترجيح جانب على آخر، وإثارة الجدل في قضايا مستقرة، كل هذه الأسباب قربتهم من الفلاسفة، وحولت العقيدة النابضة بالحياة إلى نظريات يدور حولها النقاش وتختلف عليها وجهات النظر بين أخذ ورد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185787,"book_id":1232,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":84,"body":"أضف إلى ذلك، فإن أية مقارنة بين صفات الله تعالى وأفعاله وأسمائه الحسنى وبين ما ابتدعوه بحجة التوحيد، يرينا مدى الافتعال الظاهر في مصطلحاتهم فهي أدنى إلى ألفاظ الفلاسفة اليونان منها إلى آيات القرآن.\rوالقرآن الكريم مليء بإثبات صفات الله تعالى وأسمائه، فعن العلم نقرأ قوله تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [هود، الآية: ١٢٣] .\rكذلك قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [طه، الآية: ٥ - ٨] (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [الرعد، الآية: ٨، ٩] .\rوتَفرُّده ﷿ بالألوهية: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [الأنبياء، الآية: ١٠٨] (إنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) [طه، الآية: ٩٨] .\r(قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) .\rوعن القدرة: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الحج، الآية: ٦] . (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [النور، الآية: ٤٥] ، وانظر إلى الآيات من ٨٤ إلى ٨٩ سورة المؤمنون.\r(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: الآية ٢] .\rذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [لقمان: الآية ٣٠] .\r\rكلمة عن الصفات الإلهية وأثر الإيمان بها:\rيتضح لقارئ القرآن الكريم، والمطلع على السنة النبوية، عنايتهما الفائقة بإثبات الأسماء والصفات الإلهية.\rفما مغزى ذلك وما جدواه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185788,"book_id":1232,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":85,"body":"قلنا من قبل، إن الإنسان مفطور على معرفة ربه ﷿ والإقرار بوجوده، ونستطيع القول هنا أيضًا (على سبيل اليقين، لا على سبيل الظن، بأن صحائف الفكر البشري لم تشهد إنسانًا بغير عقيدة في إله) .\rولكن يأتي الاختلاف بين البشر في التصور نفسه لا في الاختلاف في أساس الاعتقاد بوجود الله (١) .\rخذ مثلاً فلسفة أرسطو التي تصف المبدأ الأول بواجب الوجود، ولكنها ذاتًا مجردًا من كل وصف، ولا دخل له في أي شأن من شؤون الكون، فسدت بذلك باب الدعاء والالتجاء بل قطعت كل خيط من الأمل والرجاء لدى بني آدم، إذ لا جدوى من محاولة إيجاد أية علاقة بينهم وبين (المبدأ الأول) كما تصوره هذه الفلسفة.\rوعلى العكس خلقت عقيدة العرب الجاهلية كل صفة من صفات الإله على أشخاص من خلقه، كالقدرة على الإحياء، والرزق، والعلم.. الخ.. فقطعت بذلك أيضًا الرجاء في سؤال الإله الواحد والالتجاء إليه ثم جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. مذكرة الإنسان بصفات الله أي بعلمه وقدرته وسائر صفاته، وأسمائه الحسنى.\rفهو سبحانه الحي القيوم، يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف عنه السوء وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه ﷿ معه بعلمه أينما كان حيث يطمئن قلبه، ويجعله شديد الثقة بالعون الإلهي، إذ يؤمن أن لا ملجأ منه إلا إليه، فيصبر عند البلاء ويشكر عند الرخاء: يستنصره فينصره ويسأله فيعطيه، يستسقيه فيسقيه، ويتقرب إليه فيقربه.\rوهكذا تأتي الأسماء والصفات الإلهية منبهة بني آدم إلى حاجتهم الدائمة إلى خالقهم ورازقهم لكي لا يتوهموا الاستقلال والغنى بذواتهم عن مولاهم، وتفتح أمامهم باب الأمل في حياة أفضل دائمًا سواء في الدنيا أو الآخرة.\rفمعرفة العبد لربه ذاتًا وصفاتًا تجعله يدرك أن الله يراقبه في حركاته وسكناته في سره وعلنه، فيخشاه ويتقيه ويلجأ إليه عابدًا داعيًا متضرعًا.","footnotes":"(١) د. زكي نجيب محمود: الله وحياة الإنسان في فكره وسلوكه ص ١٨، ١٩ مجلة الهلال جمادى الأولى سنة ١٣٩٩ هـ إبريل ١٩٧٩ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185789,"book_id":1232,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":86,"body":"وبوسعك الإلمام بطرف من عقائد أهل الملل والنحل الأخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية، فلا تعثر في تصوراتها الإلهية، بمثل تصور المسلم لربه ﷿ مما أدى إلى الافتقار إلى الألوهية، بالنسبة إلى الإنسان الغربي، وإحلال العلم والإنسان مؤلهين، محلها على الأرض، وليتدبر بعد ذلك ما أوقعته كوارث القرن العشرين المتلاحقة بتلك الألوهية الجديدة للعلم والإنسان من دمار.\rوالأسوأ من ذلك انتقال العدوى إلينا معشر المسلمين بعد ضعف عقيدة التوحيد وهي الحصن الذي نلوذ به لرفع هذه البلوى، بعد أن تسرب إلينا انحراف الغرب فأصبح خضوعنا لحواسنا يكاد يكون تامًّا مثلهم، وكادت الغالبية منا تفقد القدرة على تخطي الظواهر ببصائرها وعقولها إلى الله ﷿ خالق الكون ومدبره (١) .\rوعلى المستوى الحضاري، قامت الحضارة الإسلامية على عقيدة التوحيد، فظلت متماسكة عندما وازن المسلمون بين أطرافها، أي بين الإيمان بالله غيبًا ذاتًا وصفاتًا - وبين إعداد العدة بالأساليب العسكرية المعروفة آنذاك، فاجتاح المسلمون الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية بفضل إيمانهم بالله تعالى على هذه الصورة، إذ أيقنوا أنه ناصرهم، فلم ترهبهم قوى الأعداء الظاهرة الملموسة ولم يخفهم الفارق المشاهد في القوى والعتاد والعدد، لأنهم أيقنوا أن الله من وراء الغيب يؤيدهم ويشد أزرهم.\r(٢) العدل:\rوالمقصود بالأصل الثاني وهو العدل، إرجاع كل عمل إلى الإنسان لتفسير ظهور الشر ونسبته إلى الإنسان فقط. وإذا كان المسلمون كافة يؤمنون بعدل الله ﷾، فإن المعتزلة فرعوا الكلام عن هذا الأصل، فأدى بهم إلى إيجاب الصلاح والأصلح على الله تعالى، وانبثقت فكرتهم عن الحسن والقُبْح العقليين وأنهما ذاتيان عقليان كما تفرعت أيضًا مسألة خلق أفعال العباد قالوا (يمتنع عليه إرادة الشر والمعاصي والقبائح) وقالوا: (يريد ما لا يقع، ويقع ما لا يريد) فزعموا أنه تعالى أراد","footnotes":"(١) الندوي: دعاء النبي ﷺ معجزة من معجزات السمو ودليل من دلائل النبوة مجلة البعث الإسلامي للكهنوت [[كذا في المطبوع، والصواب: \"لكهنو\" وهي بلدة معروفة في الهند]] . (الهند) ص ١٦، ١٧ جمادى الأولى ١٣٩٦ هـ - مايو ١٩٧٦ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185790,"book_id":1232,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":87,"body":"من الكافر الإيمان وإن لم يقع إلا الكفر، إن وقع، وكذا أراد من الفاسق الطاعة لا الفسق، حتى زعموا أن أكثر ما يقع من عباده على خلاف مراد الله، تعالى عن ذلك.\rوظاهر عقيدتهم إرادة تنزيه الله تعالى، ولكننا سنعرف عندما نعرض لآراء أهل السنة، كم أخطأوا وشذوا، لأنهم لم ينتبهوا إلى التمييز بين الأمر والرضا والمحبة إذ الأخيرة لا تكون إلا في الخير، ولكن الإرادة قد تكون في غيره فهي تتعلق بكل ممكن كما يذكر ابن تيمية. قال الله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر، الآية: ٧] ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) [الأعراف، الآية: ٢٨] فإن قيل، قد قال الله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة، الآية: ١٨٥] وقال: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) [الإسراء، الآية: ١٦] ، فالمقصود هنا أن الإرادة التي تعنيها هي الإرادة الكونية المتصلة بالحكمة من خلق العالمين.\rوأما الإرادة الدينية المتصلة بالأوامر الشرعية فهي ترادف الرضا والمحبة.\rوربما يلخص لنا موقف المعتزلة عبارة القاضي عبد الجبار في قوله: (سبحان من تنزه عن الفحشاء) ، بينما يعبر عن اتجاه أهل السنة والجماعة رد أبي إسحاق السفاريني \"سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء) (١) وللقارئ مزيد إيضاح: الإيمان بالقدر وعلاقته بالإرادة الإنسانية:\rمن أفضل ما نستهل به هذا الموضوع، هو إجابة السؤال الذي وجه إلى جعفر الصادق ﵁ عندما سئل عن قول الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون، الآية: ١١٥] لم خلق الله الخلق؟\rفأجاب: لأن الله كان محسنًا بما لم يزل فيما لم يزل، فأراد الله أن يفيض إحسانه إلى خلقه وكان غنيًا عنهم، لم يخلقهم لجر منفعة ولا لدفع مضرة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم فأرسل إليهم الرسل ليفصلوا بين الحق والباطل فمن أحسن كافأه الجنة ومن عصى كافأه النار (٢) .\rويشرح \"ابن القيم\" أنواع الابتلاءات التي يتعرض لها الإنسان أثناء حياته في","footnotes":"(١) شرح عقيدة السفاريني ص ٢٣١: ٢٣٢.\r(٢) ابن تيمية: شرح حديث النزول ص ١٥٩ منشورات المكتب الإسلامي ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185791,"book_id":1232,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":88,"body":"الدنيا، محصيًا الآيات القرآنية الدالة عليها.\rويذكر أن الله ﷾ ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب، وأن ذلك كله ابتلاء فقال: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء، الآية: ٣٥] .\rوقال: (أَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) [الفجر، الآية: ١٥ - ١٦] (١) .\rوقال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك، الآية: ٢]\rفأخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي وقدر أجل الخلق وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار، وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسراء والضراء (٢) .\rكذلك وردت الأحاديث الكثيرة في بيان ما يقابله المؤمن في حياته من ابتلاءات طوال عمره، منها:\rعن صهيب الرومي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له\" رواه مسلم.\rوعن \"مصعب بن سعد\" عن أبيه قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً أي: محنة وشدائد؟ قال: \"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة\" رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\rوالعبد المؤمن أمام شكره على النعم وصبره على البلاء حتى يجتاز طريق الدنيا ويعود إلى الجنة - موطنه الأصلي - كوعد الله تعالى إياه (فإنه ما حرمه ﷿ إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما","footnotes":"(١) في تفسير ابن القيم الآية: قال الله تعالى: (كلا) أي: ليس الأمر كما يقول الإنسان، بل قد أبتلي بنعمتي وأنعم ببلائي.\r(٢) ابن القيم: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ١٢٥ مطبعة الإمام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185792,"book_id":1232,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":89,"body":"أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل وجه. كما قيل: يا آدم لا تجزع من قولي لك: اخرج منها فلك خلقتها وسأعيدك إليها) (١) .\rموقف الإنسان:\rالإنسان إذن أمام هذه الحقيقة لا يملك فراراً، فهو بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، والصبر مع هذين الطرفين لازم لا يخلو من نوعين:\rأحدهما: يوافق هواه ومراده كالصحة والسلامة والجاه والمال.\rوالآخر: المخالف للهوى وهو على شكلين؟\rأ - يرتبط باختياره كالطاعات والمعاصي، وعليه يترتب الأجر.\rب - لا يرتبط باختياره كالمصائب، وبها تمحى السيئات وترفع الدرجات (٢) .\rولكن الثابت أن الإنسان لا يملك منح نفسه القدرات والمزايا الجبلية كالذكاء والصحة والأنوثة أو الذكورة، ولا يملك اختيار أبويه يرث عنهما مواهب وسمات معينة دون الأخرى، ولا انتخاب الزمان الصالح ليعيش فيه، ولا البيئة الصالحة ليمضي فيها طفولته. هذه كلها أمور لا يملكها الإنسان وخارجة عن نطاق اختياره وليس مسؤولاً عنها (٣) .\rولكن المتعللين بالقدر على أفعالهم الإنسانية يحتجون بآيات قرآنية يختارونها وفق أهوائهم، كقول الله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [فاطر، الآية: ٨] .\rوهذا الاحتجاج سرعان ما يدحض أمام النظرة القرآنية لآيات أخرى تخير الإنسان بين فعلين، كقوله ﷿: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان، الآية: ٣] .\rوقوله ﷾: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس، الآية: ٧، ٨] .","footnotes":"(١) ابن القيم: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص ٤٧.\r(٢) نفسه ص ٥١: ٦٩.\r(٣) علي الطنطاوي: تعريف عامر [[كذا في المطبوع، والصواب \"عام\"]] بدين الإسلام ج ١ ص ١٣١ / ١٣٢ دار الرائد ١٣٩٥ هـ ١٩٧٥ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185793,"book_id":1232,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":90,"body":"والقرآن يفسّر بعضه بعضًا، وهذا التفسير هو أدق التفاسير الذي يلجأ إليه العلماء لأن القرآن ميسر لكل ذي بصر وبصيرة.\r(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر، الآية: ١٧]\rوبهذا الفهم يصبح تفسير الآية الأولى واضحًا لا لبس فيه، إذ معناه أن إضلال الله لشخص أنه آثر الغي على الرشاد فأقره الله على مراده وتم له ما يبغي لنفسه قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [الصف، الآية: ٥] .\rإذن، فمعنى قوله تعالى (يُضِلُّ مَن يَشَاءُ) لا يتعارض وقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة، الآيتان: ٢٦ و ٢٧] وكذلك الحال في قوله تعالى: (يَهْدِي مَن يَشَاءُ) وللنظر إلى دور الإرادة الإنسانية في قول الله تعالى وهو يتكلم عن إرادته: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد، الآيتان: ٢٧، ٢٨] .\rثم يأتي دور مناقشة المحتجين بالأحاديث النبوية وربما يقع أكثرهم على الحديث الآتي - ويفسرونه خطأ بأنه يدل على الجبر ونفي حرية الإرادة الإنسانية.\rوالحديث: \"ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة\"، فقالوا يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة فيصير لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فيصير لعمل أهل الشقاوة\" ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل، الآيتان: ٥ - ١٠] .\rوروى أبو بكر الضحاك بن مخلد الشيباني في كتابه \"السنة\" بسنده عن عمر ﵁ أنه قال قلت: يا رسول الله، أرأيت عملنا هذا على أمر قد فرغ منه، أم على أمر نستقبله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"بل أمر قد فرغ منه\"، فقال عمر: ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ: \"كلا، لا ينال إلا بعمل\" فقال عمر: إذا نجتهد (١) .\rوالحديث - للبصر النافذ - لا لبس فيه (٢) .","footnotes":"(١) ص ٧١ بتحقيق الألباني - المكتب الإسلامي (١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م) .\r(٢) الشيخ محمد الغزالي: عقيدة المسلم ص ١٤٠ - والحديث رواه البخاري بألفاظ متقاربة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185794,"book_id":1232,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":91,"body":"أما سبق علم الله تعالى فإنه ليس حجة أيضًا للمحتجين بالقدر على معاصيهم. قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة، الآية: ١٤٣] .\rوقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران، الآية: ١٤٢] .\rوقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد، الآية: ٣١] .\rفروي عن ابن عباس في قوله: (إِلَّا لِنَعلَمَ) أي: (لنَرَى) وروي لنميز.\rوكذلك قال عامة المفسرين: (إلا لنرى ونميز) وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجوداً واقعًا بعد أن كان قد علم أنه سيكون. ولفظ بعضهم، قال: العلم على منزلتين - علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده. والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب الثواب والعقاب.\rقال: فمعنى قوله (لِنَعْلَمَ) أي: لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب ولا ريب أنه كان عالمًا سبحانه بأنه سيكون، لكن لم يكن المعلوم قد وجد (١) .\r(٣) الوعد والوعيد:\rويتصل الأصل الثالث بالوعد والوعيد ومضمونه كما يعبر عنه الشهرستاني أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض، وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار، ولكن عقابه يكون أخف من عقاب الكفار (٢) .\rوانسياق المعتزلة في هذا الأصل يتصل بدفاعهم عن الحرية الإنسانية واحتكامهم إلى العقل إذ أصبح الثواب والعقاب عندهم ينصب على أفعال الإنسان نفسها والتي يقتضيها العقل ومعنى هذا اعتقادهم أن إثابة المطيع ومعاقبة العاصي إن لم يتب - أمر محتوم أي: يجب على الله تعالى أن يفعله، فخلطوا بين الوعد والوعيد،","footnotes":"(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٤٤٦ ط لاهور ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦ م.\r(٢) الملل والنحل ج ١ ص ٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185795,"book_id":1232,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":92,"body":"بينما يعتقد أهل الحديث والسنة أنه يجوز على الله تعالى إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد، والفرق بينهما أن الوعيد حقه فخلافه عفو وهبة، وإسقاط ذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه والوعد على نفسه بوعده، والله لا يخلف الميعاد.\rويعتقد أهل السنة والجماعة أنه من موانع وقوع الوعيد التوبة والتوحيد والحسنات العظيمة والمصائب المكفرة وإقامة الحدود في الدنيا وأضعاف أضعافها.\r(٤) المنزلة بين المنزلتين:\rويأتي أصلهم في (المنزلة بين المنزلتين) الذي فارقوا به الجماعة ليرتبوا عليه اعتقاد أن مرتكب الكبيرة فاسق، وهو في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان ولكنهم لم يكفروه كما فعل الخوارج، كما لم يستحلوا الدماء والأموال في الدنيا.\r(٥) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:\rولا ينفرد المعتزلة بالأصل الأخير - أي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه مبدأ إسلامي اعتنقته كل الفرق، وهو يقضي بأمر المسلمين وتكليفهم بالجهاد في سبيل الله بأمر الآية: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران، الآية: ١٠٤] . إلى جانب اعتقادات أخرى اختلفوا فيها تزيد عن هذه مثل قولهم بأن العلم بالله تعالى يحصل بالنظر والاستدلال أي: ترتيب الأقيسة العقلية، فخالفوا جماهير الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والعامة وغيرهم، لأن سلف الأمة وأئمتها اتفقوا على أن معرفة الله تعالى والإقرار به لا يقف على الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر، لأن الأصل المعرفة والإقرار بالصانع يحصل بديهة وضرورة ولا يتوقف على النظر والاستدلال، ويدلل ابن تيمية على ذلك بأن جميع الأمم تقر بالصانع مع عظيم شركهم وكفرهم (ولهذا يوجد له عند كل أمة اسم يسمونه، والتسمية مسبوقة بالتصور. فلا يسمي أحدًا إلا ما عرفه، ثم المستمع لذلك الاسم يقبل بفطرته ثبوت المسمى به من غير طلب حجة على وجوده ويكون قبوله لأسماء سائرها ما أدركه بحسه وعقله مثل الشمس والقمر والواحد والاثنين بل هذا أكمل وأشرف) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185796,"book_id":1232,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":93,"body":"بالإضافة إلى مآخذ أخرى أخذها أهل السنة والجماعة على المعتزلة ومنها:\r- ردهم للأحاديث التي لا توافق أغراضهم ومذاهبهم ويدعون أنها مخالفة للعقول فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله ﷿ في الآخرة وكذلك حديث الذباب ومقله وأنه يقدم الذي فيه الداء.. وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول.\r- قدحهم في الرواة من الصحابة والتابعين ﵃ وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم.\rكل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذاهب وأحيانًا كانوا يردون فتاوى الصحابة أمام العامة، لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها.\r- ذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة والاقتصار على ما تستحسنه عقولهم في فهم القرآن (١) .\rوالآن، بعد أن نزعنا الوجه البراق للفكر الاعتزالي، ووقفنا على حقيقته ومراميه، فإن أقل ما يطعن فيه أنه حول الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ الذي تستجيب له الفطرة الإنسانية، ويستسيغه العقل بكل سهولة - حوله إلى فلسفة نظرية دقيقة يعجز عن فهمها وإساغتها كثير من العقلاء والأذكياء فكان تنمية العقل على حساب العاطفة وإضعافًا للإيمان وإثارة للشكوك والشبهات وعدم الثقة على وجوده، وما أكثر ما في العالم مما يعجز العقل عن تعليله وإقامة الدليل عليه.\r\rدوافع علماء الحديث لمجابهة المتكلمين:\rبالرغم من المناقشات الكلامية الدائرة بين أهل الكلام والتي خصصت كتب","footnotes":"(١) الاعتصام للشاطبي ج ١ ص ١٤٠. يذكر الشاطبي أنهم بنفيهم أخبار الآحاد واستحسان عقولهم أباحوا الخمر بفهمهم المعوج لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) [المائدة، الآية: ٩٣] ويقول: ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله ﷺ (لا ألقين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) وهذا وعيد شديد تضمنه النهي، لاحق بمن ارتكب رد السنة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185797,"book_id":1232,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":94,"body":"الفرق والمذاهب عرضها والتوسع في شرحها، بالرغم من ذلك كانت الغالبية العظمى من المسلمين يتبعون علماء السنة والحديث في العقيدة المتلقاة بالقبول.\rوهنا لنا ملاحظتان:\rالأولى: أن الاكتفاء بالاطلاع على مؤلفات الفرق يعطي انطباعا بأن هذه المسائل كانت الشغل الشاغل للمسلمين كافة، وهذا لم يحدث إلا بعد أن فرض المأمون القول بخلق القرآن - وفي هذه القضية وحدها - وفيما عدا هذا فقد كانت الأمة الإسلامية تمضي قدمًا في بناء حضارة زاهرة بعلومها وآدابها وفنونها ونظمها في السياسة والاقتصاد والاجتماع - وجهود علماء المسلمين في فروع العلوم المختلفة أكثر من أن تذكر في هذا الموضع.\rالثانية: أن العلماء المهتمين بالحديث والسنة يمثلون الأغلبية ويظهر بجانبهم أصحاب الكلام كقلة قليلة لا تعبر إلا عن نفسها وبضعة أفراد يتأثرون بهم ويقولون بأقوالهم وكانوا على سبيل التحديد كالجعد بن درهم وجهم بن صفوان.\rويذكر لنا ابن قتيبة أن عقيدة السلف الصالح كانت هي عقيدة العلماء المبرزين المتقدمين والعباد المجتهدين الذين لا يجارون ولا يبلغ شأوهم، مثل: سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وشعبة والليث بن سعد وعلماء الأمصار كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وداود الطائي وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وأمثال هؤلاء ممن قرب من زمانه. ثم يستطرد قائلاً: (فأما المستقدمين فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد) (١) .\rكانت إذن الآراء الشاذة التي أظهرها جهم بن صفوان كالبثور في الجسم كبداية علامات المرض بعد أن كان صحيحًا معافًى به من المناعة ما يقاوم به المرض.\r(لم يظهر جهم وأصحاب جهم في زمن أصحاب رسول الله ﷺ وكبار التابعين فيروى عنهم فيها أثر منصوص، ولو كانوا بين أظهرهم مظهرين آراءهم لقتلوا، كما همَّ عمر بن الخطاب ﵁ بقتل صبيغ إذ تكلف في السؤال عن","footnotes":"(١) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ص ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185798,"book_id":1232,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":95,"body":"المتشابه أو كما قتل علي ﵁ الزنادقة، التي ظهرت في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة) (١) .\rويرى الدارمي أن آراء جهم والمريسي بمثابة الردة، لأن القول بأن القرآن مخلوق يضاهي ما قاله الوليد بن المغيرة المخزومي (إن هذا إلا قول البشر) والنضر ابن الحارث قال: (لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) أي كما قال جهم والمريسي سواء، لا فرق بينهما في اللفظ والمعنى، إن هذا إلا مخلوق، فأنكر عليهم قولهم، وكأن نور النبوة قد بدد ظلام العصر الجاهلي وعقائده الباطلة، ولكن أقوال الجاهلية عادت للظهور مرة أخرى في عصر جهم ثم المريسي ونظرائهم (٢) .\rوأمام هذه الموجة التي بدأت تهب على عقائد المسلمين، رأى علماء الحديث أن واجباتهم تقتضي الوقوف في وجهها وحماية المسلمين منها، واندفعوا بنية أداء ما أوجبه الله عليهم. يقول ابن قتيبة (كما رأيت إعراض أهل النظر عن الكلام في هذا الشأن منذ وقع، وتركهم تلقيه بالدواء حين بدأ.. إلى أن استحكم أساسه ... لم أر لنفسي عذرًا في ترك ما أوجبه الله علي بما وهب من فضل المعرفة في أمر استفحل بأن قصر مقصر، فتكلفت بمبلغ علمي ومقدار طاقتي ما رجوت أن يقضي بعض الحق عني، لعل الله ينفع به، فإنه بما شاء نفع) (٣) ، ولكنه كان حريصًا في منهج رده على المخالفين توضيح الأسرار اللغوية التي جهلوها فحادت بهم عن التفسير الصحيح للكلمات والآيات فأخذ يذكر ما تأولته الجهمية في الكتاب والحديث ليعلم المسلمون أن الحق مستغن عن الحيل، ولهذا لم يتعد في أكثر الرد عليهم طريق التفسير والشرح.\rوقال بعد توضيح منهجه هذا: (فأما الكلام فليس من شأننا ولا أرى أكثر من","footnotes":"(١) نقض الدارمي على المريسي ص ٣٤٩.\r(٢) نفس المصدر ص ٤٦٥، ٤٦٩.\r(٣) ابن قتيبة: الاختلاف في اللفظ ص ٢٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185799,"book_id":1232,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":96,"body":"هلك إلا به) (١) .\rوإلى نفس السبب يرجع الدارمي اضطراره للخوض في علم الكلام، إذ إنه يشخص أحوال المسلمين ويفسر تاريخهم طبقًا للقاعدة الشرعية العقلية التي تقضي بأفضلية أهل العصور الأولى، لأن الله - تعالى - أثنى عليهم وعلى من بعدهم باتباعهم إياهم فقال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) ، وكانت قوة المسلمين المادية والمعنوية كفيلة باختفاء مخالفيهم خوفًا من الافتضاح، بل كانوا يتقلبون مع المسلمين في النعم. ويمضي الدارمي في وصف أحوالهم فيرى أنهم لم يزالوا بعد ذلك مقموعين أذلة مدحورين حتى قل الفقهاء وقبض العلماء (ودعا إلى البدع دعاة الضلال، فشد ذلك طمع كل مشعوذ في الإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق ووجدوا فرصة للكلام، فجدوا في هدم الإسلام وتعطيل ذي الجلال والإكرام، وإنكار صفاته وتكذيب رسله وإبطال وحيه، إذ وجدوا فرصتهم وأحسوا من الرعاع جهلاً ومن العلماء قلة.. فحين رأينا ذلك منهم، رأينا أن نبين من مذاهبهم رسومًا من الكتاب والسنة وكلام العلماء ما يستدل بها أهل الغفلة من الناس على سوء مذهبهم فيحذروهم على أنفسهم وعلى أولادهم وأهليهم ويجتهدوا في الرد عليهم، محتسبين منافحين عن دين الله تعالى طالبين به ما عند الله) (٢) .\rكما اضطر الإمام أحمد بن حنبل - أمام هذه الأحوال الطارئة - أن يقف مدافعًا عن العقيدة الصحيحة، فقال: (كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء، فلما أظهروه لم نجد بدًا من مخالفتهم والرد عليهم) (٣) .\r\rعلم الكلام لدى علماء الحديث والسنة:\rتقدم بيان تعريف علم الكلام لدى ابن خلدون الذي عبر به عن المدارس الكلامية التقليدية، وبقي أن نستطلع رأي علماء الحديث في هذا العلم وبيان موقفهم ودواعيه ومسائله والدوافع التي أدت بهم إلى استخدامه.\rأما عن تعريفه فلم يختلفوا كثيرًا عن غيرهم، فنرى السفاريني يصفه بأنه (علم","footnotes":"(١) ابن قتيبة: الاختلاف في اللفظ ص ٢٢٥.\r(٢) نقض الدارمي على المريسي ص ٢٥٩.\r(٣) عقائد السلف ص ٤٦٧- ٤٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185800,"book_id":1232,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":97,"body":"يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية، ويسمى أيضا علم التوحيد والصفات وعلم أصول الدين) (١) . ويعرفه بمترادفاته فإنه علم الكلام والتوحيد وأصول الدين، والعلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي: اعتبر في أدلتها باليقين، لأنه لا عبرة بالظن في الاعتقادات بل في العمليات أي: أمور الفقه فيقول: (واعلم أنا لا نأخذ الاعتقادات الإسلامية من القواعد الكلامية، بل إنما نأخذها من النصوص القرآنية والأخبار النبوية) .\rوفي بيان الغرض منه، يرى أن القواعد الكلامية ما رتبت وبوبت منها الاعتقادات الإسلامية، بل لدفع شبه الخصوم ودحض نهج البدع، فإنهم طعنوا في بعض منها فإنه غير مقبول، فيبين علماء السنة بأن زعمهم غير صحيح، فإن الأنبياء تأتي بمحارات العقول - أي: ما يحير العقول، لا بمحالاتها - أي: بما تراه مستحيلاً، ثم بين علماء السنة بالقواعد الكلامية معقولية ما أنكروا، وذلك بالنظر والقياس، والنظر المقصود هنا المستند إلى دليل من كتاب أو سنة أو قياس جلي، لا التخمين، فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه لا الرأي المجرد بغير دليل، وسنجد هذا متحققًا عند محاورة عبد العزيز المكي لبشر المريسي.\rويتضح من هذا أن ذم علماء الحديث والسنة اقتصر على علم الكلام المشحون بالفلسفة والتأويلات الشاذة وصرف الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرة.\rوالمراد بالعقائد الدينية المنسوبة إلى دين نبينا محمد ﷺ واعتبر في أدلتها اليقين.\rكذلك يفصل في التعريف بين علم الصحابة وعلم من جاء بعدهم؛ فإن علم الصحابة يحتوي على كلام وأصول وعقائد وإن لم يكن يسمى في ذلك الزمان بهذا الاسم - حيث كان متعلقًا بجميع العقائد بقدر الطاقة البشرية، مكتسبًا من النظر في الأدلة اليقينية، أو كان ملكة تتعلق بها بأن يكون عندهم من المآخذ والشرائط ما يكفيهم في استحضار العقائد (٢) .","footnotes":"(١) شرح عقيدة السفاريني ص ١٦٠ - ١٦١ ج ١ ط مجلة المنار الإسلامية مصر سنة ١٣٢٣ هـ.\r(٢) شرح عقيدة السفاريني ج ١ ص ٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185801,"book_id":1232,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":98,"body":"إن فيصل التفرقة إذن بين المنهجين: أن علماء الحديث والسنة تقيدوا بطريقة الأوائل في النظر واستندوا في ذلك إلى الكتاب والسنة والإجماع والنظر في الأدلة الشرعية، وذلك بخلاف أهل الكلام الذين استخدموا اصطلاحات الفلسفة اليونانية.\rوبهذه الصفة وبهذا التمييز وصف بأنه أشرف العلوم باعتباره علم أصول الدين إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع (١) .\rوغايته: أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية متقنًا محكمًا لا تزلزله شبه المبطلين، فيتصدى للمعاندين بإقامة الحجج والبراهين وصحة النية والاعتقادات الإسلامية التي يقع بها العمل في حيز القبول.\rوثمرته: الفوز بسعادة الدارين فمنفعته في الدنيا انتظام أمر المعاش بالمحافظة على العدل والمعاملة التي يحتاج إليها في إبقاء النوع الإنساني على وجه لا يؤدي إلى الفساد وفي الآخرة: النجاة من العذاب المترتب على الكفر وسوء الاعتقاد (٢) .\rوالمقصود بذلك أن موضوعاته تتصل بالإيمان بالله ﷾ ذاتًا وصفاتًا، ويقتضي الإيمان بصفات الله تعالى من العلم والقدرة والحكمة والسمع والبصر وباقي الصفات والأسماء الحسنى التي أثبتها الله تعالى لنفسه، تؤدي في الدنيا إلى المراقبة والتقوى، واعتقاد المسلم بموضوعاته من الإيمان بعالم الغيب ومعرفة تفاصيله من عذاب القبر وهول المطلع والحساب وصفات الجنة والنار والصراط وغير ذلك، هذه المعرفة التفصيلية تعطيه إيمانًا مفصلاً يدفعه إلى خشية الله تعالى ومراقبته وتقواه في السر والعلن كما تجعله يتجه إلى مرضاة الله طمعًا في جنته وخوفًا من ناره. ومحصلة ذلك كله إقامة العدل بين الناس وتحقيق السعادة المتاحة على المستوى البشري في الدنيا ثم النعيم المقيم الخالد في الجنة.\rودخل علم الكلام عند علماء السنة دور التدوين والتبويب منذ الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - وصار إمام أهل السنة، وسبب ذلك أنه عندما ابتلي بالمحنة، وراج في عصره مذاهب الاعتزال، اضطر إلى إظهار عقيدة الأوائل والدفاع عنها وشرح ما التبس على أفهام المعتزلة والكشف عن خطأ منهجهم، وهو","footnotes":"(١) شرح الطحاوية ص ١.\r(٢) شرح عقيدة السفاريني ج ١ ص ٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185802,"book_id":1232,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":99,"body":"ما أشار إليه في مقدمة كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) ، فبعد أن حمد الله تعالى الذي جعل في كل زمن فترة من الرسل بقايا من أهل العلم الذي يبصرون الناس ويدعونهم إلى الهدى، أخذ في شرح سمات المعتزلة فوصفهم بأنهم (مختلفين في الكتاب، مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم) (١) .\rويرى شارح عقيدة السفاريني أن الإمام أحمد لما انتصر للسنة ورد على المعتزلة صار هو علم السنة وإمامها وصاحبها ومقدامها، حتى أن أبا الحسن الأشعري إمام الأشعرية، انتسب إلى الإمام أحمد، ورأى اتباعه على عقيدته وهو المنهج الأحمد (٢) .","footnotes":"(١) مقدمة كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد.\r(٢) شرح عقيدة السفاريني ص ٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185803,"book_id":1232,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":100,"body":"الفصل الثاني:\rمحاورات علماء أهل السنة مع المعتزلة:\r\r(١) الإمام أحمد بن حنبل وابن أبي دؤاد.\r(٢) عبد العزيز المكي وبشر المريسي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185804,"book_id":1232,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":101,"body":"محاورات علماء أهل الحديث والسنة مع المعتزلة:\rبالرغم من تبني المأمون للمذهب الاعتزالي وفرضه على الناس بالقوة ووسائل الإغراء معًا حتى كانت محنة الإمام أحمد في قضية خلق القرآن وعانى فيها العلماء ما عانوه - بل عالق المسلمون أيضًا حتى امتحن أسرى المسلمين بالقول بخلق القرآن وإلا أعيدوا إلى أعدائهم!! - بالرغم من كل هذا فقد أخذ علماء الحديث والسنة على عاتقهم إظهار الحق، فحفظت لنا المصادر أهم محاورتين دارتا في هذا الصدد، ونعني بهما محاورة الإمام أحمد بن حنبل وابن أبي دؤاد، ومحاورة عبد العزيز المكي مع بشر المريسي أحد كبار المعتزلة.\rوسنعرض بإيجاز لما دار في هاتين المحاورتين، لاستخلاص المنهج وبيان صدق النتائج التي توصل إليها كل من الإمام أحمد وعبد العزيز المكي:\r\r١ - الإمام أحمد بن حنبل وابن أبي دؤاد ١٦٤ - ٢٤١ هـ:\rلم تمض القرون المفضلة، حتى خاض علماء الكلام في مسائل الذات والصفات، وأثاروا مسائل توقيفية من الحقائق التي اكتفى بها الأوائل بما أمدهم به الوحي، وكان لظهور الحديث في الذات والصفات الإلهية بتأثير الفلسفة اليونانية آثارها الوخيمة على المجتمع الإسلامي، فبينما اتجه السابقون إلى الجهاد ونشر الدعوة، وصرف الهمم إلى تدوين العلوم التي يجدي بذل الجهود فيها، تقلص الاهتمام بالجهاد لتتحول الهمم إلى مسائل أفنى البعض فيها أعمارهم ولم يعودوا فيها بطائل، إذ ليست عندهم وسائل الوصول إليها، ومؤهلات الحكم عليها (١) .\rمن هنا جاءت المعارضة الشديدة للتيار المخالف لما كان عليه السلف، بادئًا بمعبد الجهني (٨٠ هـ) الذي تكلم في القدر، ثم غيلان الدمشقي، فشاع الكلام بعدهما بواسطة واصل بن عطاء (١٣١ هـ) وتوالى شيوخ الاعتزال في الظهور إلى أن تلقف هذا التيار أحد خلفاء المسلمين وهو المأمون (٢١٥ هـ) فاعتنق عقيدتهم، وأخذ على عاتقه نصرة مذهبهم بالإرهاب والبطش، فلم ينصت إلى أصوات المعارضة التي ارتفعت من الغالبية العظمى للمسلمين. وما من باحث يتعرض لهذه","footnotes":"(١) أبو الحسن الندوي - رجال الفكر والدعوة في الإسلام ص ١١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185805,"book_id":1232,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":102,"body":"الفترة من الفكر الإسلامي، إلا وتأخذه الدهشة من أساليب المعتزلة ضد خصومهم، فقد استخدموا أسلوبًا مضادًا لمبادئهم المعلنة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لينكلوا بكل مخالف، فكم من الضحايا المعارضين لهم ألقي بهم في السجون! فانكمش أغلب المحدثين والفقهاء يلعقون جراحهم، حتى أصبح الانتساب إلى الاعتزال فاشيًا منتشرًا، وكل من كان متسننًا كان متخفيًا مستترًا (١) .\rوظهر في هذه الفترة التي عم فيها الاضطهاد بأشد أساليب القمع، الإمام أحمد ابن حنبل ليعلن استمساكه بعقيدة الأوائل، وكانت محنة (خلق القرآن) هي مركز الدائرة التي دارت حولها المنافشات الكلامية، وظل الأمر كذلك في أيام المأمون والمعتصم والواثق، وكأن التاريخ وقف عندهم حابسًا أنفاسه، ليدون تفاصيلها، مثبتًا أن الرأي لا يمكن أن يدحض إلا برأي مضاد، وأن أساليب القوة لا تجدي في مجال العقائد والأفكار، وظلت العقيدة الصحيحة حية توارثها الطائفة الظاهرة على الحق.\rوقبل التعرض للمحنة، فإنه يجدر بنا تناول الحديث عن الإمام أحمد بإيجاز.\r\rحياته وعصره:\rهو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الإمام عبد الله، ولد في ربيع الأول سنة ١٦٤ هـ وتوفي أبوه محمد شابًا، فوليته أمه، وحفظ القرآن في صباه وتعلم القراءة والكتابة، وظهر فيه آثار النبوغ مبكرًا، اتجه إلى الحديث وبقي يتلقى الحديث ببغداد من سنة ١٧٩ هـ إلى ١٨٦ هـ، وكان في طلبه للعلم مثال الجد والحرص والنشاط فقد روى عن نفسه (كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي، حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا) .\rرحل إلى عدة بلاد طالبًا للحديث، فسار إلى البصرة، الحجاز، اليمن، مكة، وإلى الكوفة واستمر على الجد والطلب حتى بلغ مبلغ الإمامة في الحديث، ووصف بأنه أعلم الناس بالسنة وكان معجبًا بالشافعي استفاد منه في الفقه والاستنباط، وكان الشافعي معجبًا به أيضًا فوصفه بأنه لا أحد ببغداد أفقه من ابن حنبل. وعند الأربعين شرع في التدريس والفتيا، فأقبل الناس على مجالسه إقبالاً عظيمًا، ويذكر ابن الجوزي","footnotes":"(١) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ص ٤١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185806,"book_id":1232,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":103,"body":"في مناقبه أن عدد من كانوا يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف. ولكنه كان ينهي حال حياته عن كتابة كلامه ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ثم استدرك أصحابه، فنقلوا لنا علمه فانتصرت طريقته (١) ، وهذا يدلنا على أنه لم يقصد تأسيس مذهب والأمر باتباعه.\rوقد تعددت المصادر التي وصلتنا تحمل أدق تفاصيل حياة الإمام ابن حنبل وآرائه، ويبدو أنه رأى أن يوضح وجهة نظره في المسائل التي طغت على ثقافة العصر واتجاهاته المختلفة، وأن يدعم المنهج النقلي مبرزًا في الوقت نفسه مضمونه العقلي فأخرج على هذا الأساس - ضمن مؤلفاته - روائعه الثلاثة: وكلها تحفظ لنا عقائد السلف وآراءهم وسط التيارات المختلفة السائدة في العالم الإسلامي حينذاك، فإن (المسند) عني بحفظ الحديث، وكتابه (الردّ على الجهمية والزنادقة) يتضح فيه حجاجه العقلي في أجلى وأدق صورة، لأنه يفسر القرآن بالقرآن ليوضح ما اشتبه على المخالفين من فهم، ثم مؤلفه في (الزهد) الذي يعد وثيقة على طريقة الاقتداء عند بداية التصوف وانتشاره، إذ كان معاصرًا للحارث المحاسبي.\rأما عن سيرته وأخلاقه، فقد اشتهر بالزهد والعزوف عن زخارف الدنيا، وكان يأكل من عمل يده رافضًا عطايا الأمراء. ويظهر من سيرته في المحنة شجاعته في الحق والتشبث به، مهما كلفه من آلام، فقد ظل يواجه حربًا ضروسًا، فاستمسك بموقفه في مواجهة الفقهاء والمتكلمين المعارضين الذي سامتهم الدولة العباسية سوء العذاب حينئذ بالقوتين المعنوية والمادية معًا (ولقد ابتليت السنة الإسلامية في شخصه، فكان في صبره - لو صبر - فوزها ونهوضها، وفي ضعفه - لو فتن - سقوطها وخذلانها) (٢) .\rوبوسعنا أن ننظر إلى النتائج المحتملة التي كانت ستترتب على انهياره وتسليمه بآراء خصومه ومن هنا اقترن اسمه باسم الصديق، فقيل: (أبو بكر يوم الردة وابن حنبل في المحنة) .\rويرى المستشرق باتون في دراسته عن المحنة أن الإمام أحمد أبقى بموقفه على","footnotes":"(١) ابن تيمية: مجموعة نصوص باسم مجموعة علمية ص ١٥٢.\r(٢) باتون: أحمد بن حنبل والمحنة ص ٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185807,"book_id":1232,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":104,"body":"السنة ودعم أصولها، ويذهب إلى أبعد من ذلك فيذكر أن الإسلام، إذا كان يبغي المحافظة على جوهره وطابعه، ليظل إسلامًا، فما من سبيل يبلغ به هذه الغاية أفضل من سبيل المحافظة على السنة والاستمساك بعراها (١) .\rومما يوضح لنا منهجه، ما نقل لنا من كلامه المأثور في قوله (أصول الإسلام أربعة دال ودليل ومبين ومستدل، الدال: هو الله تعالى، والدليل هو القرآن، والمبين وهو الرسول ﷺ، والمستدل: أولو العلم وأولو الألباب الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم) (٢) .\rوظل الإمام أحمد معظمًا عند أهل السنة والجماعة.\rيقول شارح عقيدة السفاريني في نسبة المذهب السلفي إلى الإمام أحمد: (وإنما نسب لإمامنا الإمام أحمد؛ لأنه انتهى إليه من السنة.\rقال بعض شيوخ المغاربة: المذهب لمالك والشافعى وغيرهما من الأئمة والظهور للإمام أحمد بن حنبل) (٣) .\r\rمنهجه مع المتكلمين:\rضمن الإمام أحمد كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) آراءه في الرد على المتكلمين فيرميهم بأنهم يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم. ومضى في كتابه سالكًا طريق تفسير الكتاب بالكتاب فيما أثاروه من شبهات، ففندها جميعًا، مبينًا التفسير الصحيح.\rوسنعتمد على هذا الكتاب في إيراد المسائل التي خاض فيها المعتزلة بخاصة. من ذلك إنكارهم رؤية الله تعالى في الآخرة، بين ابن حنبل أن تفسير الآية (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) [القيامة، الآية: ٢٢] يعني الحسن والبياض (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة، الآية: ٢٣] يعني: تعاين ربها في الجنة. ومضى شارحًا تفسير الآية الأخرى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) [الأنعام، الآية: ١٠٣] بأنها تعني في الدنيا والأخرة، وذلك أن","footnotes":"(١) ولتر باتون: ابن حنبل والمحنة ص ٣٥.\r(٢) ابن تيمية: النبوّات ص ٤٢.\r(٣) شرح عقيدة السفاريني ص ٦٤ ط المنار سنة ١٣٢٣هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185808,"book_id":1232,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":105,"body":"اليهود قالوا لموسى: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) [النساء، الآية: ١٥٣] وقد سألت مشركو قريش النبي ﷺ فقالوا: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا) ، فنزل قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) [البقرة، الآية: ١٠٨] وأوحى الله إلى رسوله أنه لا تدركه الأبصار، أي: لا يراه أحد في الدنيا، دون الآخرة.\rولا تعارض بين الآية الأولى التي تخبر برؤية المؤمنين لربهم ﷿ في الجنة، والآية الثانية التي تعني استحالة رؤية الله ﷾ في الدنيا (١) .\rويفند الإمام أحمد دعوى الجهمية في نفي الصفات عن الله تعالى، ويوضح لنا جذور المسألة، وعلة اتخاذهم لهذا الموقف، يذكر لنا ما بلغه من أمر الجهم وينسب نفيه الصفات الإلهية، فقد كان الجهم من أهل خراسان، صاحب خصومات وكلام، فلقي أناسًا من المشركين يقال لهم: السمنية (نسبة إلى سومنات بلدة بالهند وهم البوذية) فعرفوا الجهم، فناقشوه، مطالبين إياه بتقديم الحجة على صحة دينه. وسألوه:\rألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم، فقالوا له فهل رأيت إلهك؟ قال، لا، قالوا - فهل سمعت كلامه؟\rسألوه - هل رأى ربه أو سمعه، أو وجد له حسًا؟ ومضوا في هذه الأسئلة المشبهة لله ﷿ بصفات المخلوقين، فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا، ثم استدرك حجة مثل حجة النصارى في زعمهم أن الروح الذي في عيسى هو روح الله، فاستدرك حجة مثل هذة الحجة فقال للسمني:\rألست تزعم أن فيك روحًا؟ قال: نعم، فقال هل رأيت روحك؟ واستمر في توجيه نفس الأسئلة وكان جواب السمني بالنفي، فظن أن هذا إفحام، إذ ختم أسئلته، بقوله: (فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان) .\rويرى الإمام أحمد أن الجهم يعتمد في حججه على ثلاث آيات من المتشابه. فيقول (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام، الآية: ٣]","footnotes":"(١) ابن حنبل: الرد على الزنادقة والجهمية ص ٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185809,"book_id":1232,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":106,"body":"و (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام، الآية: ١٠٣] ، فتأول القرآن على غير تأويله، وكذب أحاديث رسول الله ﷺ، وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله، كان كافرًا، وكان من المشبهة، وتبعه قوم منهم أصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة سألهم الناس عن قول الله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أجابوا ليس كمثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع، وكما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، ولم يتكلم ولا يكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يوصف، ولا يعرف، ولا يدرك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله..\rويرى الإمام أحمد أن إلزامات مذهبهم تؤدي إلى أنهم لا يؤمنون بشيء - ويوجه إليهم بدوره الأسئلة لاستدراجهم للإقرار.\rويسألهم: من تعبدون؟ فإذا قالوا: إنهم يعبدون من يدبر أمر هذا الخلق، قيل لهم (هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة. قالوا: نعم فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تؤمنون بشيء، لأن هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى. قالوا: لا يتكلم ولا يكلم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منفية. وهكذا يوهمون البعض بأنهم من أشد الناس تعظيمًا لله، بينما يعود قولهم إلى ضلالة وكفرا (١) .\rويمضي الإمام في بيان تفصيل ما جحدته الجهمية، شارحًا معاني الآيات القرآنية التي يستندون إليها، في الرؤية، وصفة الاستواء، وعلو الله تعالى على خلقه:\rقالوا في تفسير الآية: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة، الآية: ٢٢، ٢٣] ، إنما تنظر الثواب من ربها وصحتها أنها مع ما تنتظر الثواب ترى ربها، وقد قال النبي ﷺ: \"إنكم سترون ربكم\" ويؤيد ذلك في تفسير قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس، الآية: ٢٦] أن الزيادة هي النظر إلى وجه","footnotes":"(١) ابن حنبل: الرد على الزنادقة ٧: ٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185810,"book_id":1232,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":107,"body":"الله تعالى. وعلى عكس ذلك فإن الكفار سيحجبون عن الله في قوله تعالى: (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) [المطففين، الآية: ١٥] فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟\rويستند ابن حنبل إلى الآيات القرآنية المثبتة بأن الله تعالى على العرش كقوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه، الآية: ٥] و (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الحديد، الآية: ٤] بينما يزعم الجهمية أنه سبحانه على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان ولا يخلو منه مكان استنادًا إلى الآية (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام، الآية: ٣] فيتساءل قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء. ويضرب الأمثلة على ذلك: أجسام البشر وأجوافهم وأجواف الخنازير والأماكن القذرة، بينما أخبرنا الله أنه في السماء فقال: (ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) [الملك، الآية: ١٦] ، (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) [الملك: ١٧] وقال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر، الآية: ١٠] وقال: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران، الآية: ٥٥] (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) [النساء، الآية: ١٥٨] وغيرها من الآيات، بينما وجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا، كقوله جل ثناؤه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ، (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) [فصلت، الآية: ٢٩]\rأما معنى الآية (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام، الآية: ٣] التي أخطأ في تفسيرها الجهمية، فهي تعني: أنه إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق، الآية: ١٢] .\rوواضح من منهج الإمام أحمد أنه يقرن الدليل الشرعي بالنظر العقلي: فيقدم الآية القرآنية، مقترنة بالتفسير الصحيح للناظر إلى القرآن بتدبر في شموله (في هذا دلالة وبيان لمن عقل عن الله. فرحم الله من فكر، ورجع عن القول الذي يخالف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185811,"book_id":1232,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":108,"body":"الكتاب والسنة) (١) .\rويلجأ إلى الحجة العقلية لإثبات الصفة الإلهية مع توحيد الله ﷿، فإذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس أننا نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟ ومثال ذلك النخلة، لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها، فذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد (٢) .\rوما أوقع الجهمية في الخطأ، تفسيرهم لآيات المعية الإلهية، فرأوا أن الله ﷾ بذاته معهم في كل مكان، مؤيدين ذلك بمثل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة، الآية: ٧] .\rولكن ابن حنبل يسلك معهم طريقين لإثبات خطأ تفسيرهم، الأول: لفت نظرهم إلى أن الآيات السالفة الذكر بدأت بعلم الله وختمت بعلمه، المعية إذن مع العباد ليست بالذات ولكن بالعلم، فالله تعالى مع عباده بعلمه أينما كانوا. هذا هو التفسير الصحيح.\rويسلك الطريق الثاني بالحجاج العقلي، فيفحم الخصم بوضع الأسئلة المتعددة التي تضطره إلى اختيار إحدى الإجابات، فيلزمه بالخطأ أو يفحمه فيغير رأيه.\rونترك الإمام يتكلم هنا بأسلوبه الجدلي في نقاشه مع أحد الجهمية:\rإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلق في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد له من واحد منها، إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه.\rوإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا كفرًا أيضًا حين","footnotes":"(١) الرد على الزنادقة ص ٧٧.\r(٢) نفس المصدر ص ٩١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185812,"book_id":1232,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":109,"body":"زعم أنه دخل في مكان وحش قذر رديء وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع. وهو قول أهل السنة.\rومثل هذا النص يعطينا صورة عن طريقة الجدل عند الإمام، بل إن أكثر أجزاء كتابه تمضي على هذا النحو القائم على نظر عقلي محض. ويجعلنا ندرك أنه تصدى للمعتزلة بالمنهج العقلي قبل ظهور المذهب الأشعري بزمن طويل.\rوها نحن أمام نموذج ثان من نماذج الاستدلالات العقلية المؤدية إلى إفحام الخصم وإقراره بخطئه، واضطراره إلى التنازل عن رأيه. ففي نقاشه لإثبات علم الله تعالى، يقول: إذا أردت أن تعلم أن الجهمي لا يقر بعلم الله فقل له: الله يقول: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) ويسرد آيات أخرى تصف الله ﷿ بالعلم. فإن قال الجهمي: ليس له علم، كفر، وإن قال: لله علم محدث، كفر، حين زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له علمًا فعلم. فإن قال: لله علم وليس مخلوقًا ولا محدثًا. رجع عن قوله كله، وقال بقول أهل السنة.\r\rالمحنة:\rنفى المعتزلة الصفات الإلهية كما بينا في أصل من أصولهم وهو التوحيد، ولكنهم خرجوا على هذا الأصل عندما تطرقوا إلى صفة الكلام الإلهي، فلم يقولوا بأنه متكلم وكلامه ذاته خشية أن يتساوى كلام الله ﷿ مع ذاته فيكون هناك قديمان مما يؤدي إلى الشرك، ولهذا فإنهم يرون أن كلام الله - أي أن القرآن - مخلوق محدث وغير قديم، فيُحدثه وقت الحاجة إلى الكلام، مفسرين تكليم الله موسى بأن الله خلق الكلام في شجرة فسمعه موسى ﵇ (١) .","footnotes":"(١) د. أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ص ١٩٤ - ١٩٥ - أحمد بن أبي دؤاد: أحمد بن أبي دؤاد (على وزن فؤاد) بن علي أبو سليمان، يكثر ذكره إذا ما تطرق الحديث إلى محنة القرآن. كان قاضيًا، ثم أصبح وزيرًا نافذ الكلمة عند الخلفاء الثلاثة: المأمون (٢١٨ هـ) والمعتصم (٢٢٧ هـ) والواثق (٢٣٢ هـ) لا سيما الثاني منهم حتى قيل: إنه ما رؤي أحد قط أطوع لأحد من المعتصم لابن أبي دؤاد، وتشير المصادر إلى اهتزاز هذه المكانة لدى الواثق، ثم انهارت تماما أمام المتوكل، إذ رفع المحنة بخلق القرآن وأظهر السنة وأمر بنشر الآثار النبوية وأكرم الإمام أحمد بن حنبل وقدمه. ويقال: إن الواثق قبله قد ترك الاشتغال\r=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185813,"book_id":1232,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":110,"body":"_________\r=\rبالمحنة بعد أن أفحم أحد الشيوخ القاضي ابن أبي دؤاد في جدال دار أمام الواثق - كما سيأتي.\rوابن أبي دؤاد أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، نشأ بدمشق ومنها رحل إلى بغداد، وهو أول من افتتح الكلام مع الخلفاء. كان بليغًا، جواداً، عارفًا بالأخبار والأنساب، ولكنه أثار أهل السنة عليه بموقفه في المحنة، يقول الخطيب البغدادي: (لولا ما وضع من نفسه من محبة المحنة لاجتمعت عليه الألسن) ، وذلك لأنه اتسم بكريم الخصال، فقد كان موصوفًا بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب.\rأصيب بالفالج قبل موته بأربع سنين، ونكب وأهين، وظلت عداوة أهل السنة ثابتة في صفحات الكتب عند الحديث عنه. وظهرت عداوة الغالبية له في مرضه الذي مات فيه، وكأنما كان مناسبة لإظهار الحنق عليه والازدراء به. وربما كان ذلك دليلاً على ما أثاره من السخط في النفوس: فقد دخل عليه بعضهم فقال له مخاطبًا: (والله ما جئت عائدًا وإنما جئتك لأعزيك في نفسك، وأحمد الله الذي سجنك في جسدك الذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن) . ولد حوالي ١٦٠ هـ ومات سنة ٢٤٠ هـ.\rوقد عنيت معظم كتب تاريخ المسلمين - كالطبري والبغدادي وابن الأثير وابن خلكان واليعقوبي وكتب التراجم أيضًا بمحنة خلق القرآن وسجلت تفاصيلها من حيث آراء المتنازعين فيها بدقائقها وأسماء الشيوخ الذين أجابوا بخلق القرآن، والذين رفضوا الإذعان بالرغم من صنوف التعذيب والتنكيل، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل، ومن ثنايا المحاكمات التي أجريت للإمام أحمد وكان على رأسها ابن أبي دؤاد والمناقشات التي جرت بين المتناظرين، يمكن أن نستخلص آراء ابن أبي دؤاد من حيث منهجه الكلامي، ونفي الصفات الإلهية، ونفي الرؤية، وهي الموضوعات الرئيسية التي أثارت الجدل حينذاك. وقد احتضن القاضي ابن أبي دؤاد عقيدة المعتزلة في هذه المسائل، وكان المحرك الحقيقي للمناظرات الدائرة حولها، والتي اتخذت من محنة خلق القرآن المحول الأساسي لها.\rوالمحنة لغويًا: ما يمتحن به الإنسان من بلية وشدائد، واصطلاحًا ترتبط بما اتفق عليه المؤرخون من اتخاذ موضوع خلق القرآن موضوعًا لها، وكان أول من عقدها الخليفة المأمون وتابعه المعتصم والواثق. وفكرة خلق القرآن تمضي إلى قضية نفي الصفات عمومًا، والتي تستند إلى مبدأ التوحيد المنزلي ومن ثم القول بأن القرآن مخلوق يقول القاضي عبد الجبار (وليس هذا يعني أن الله أحدث الكلام في ذاته ولكنه أحدثه فى محل) وقد اشترط المعتزلة أن يكون المحل جمادًا حتى لا يكون هو المتكلم دون الله، لاعتقادهم بأن حقيقة المتكلم من أحدث الكلام وخلقه لا من قام الكلام به. ويذهب المعتزلة إلى أن كلام الله ﷿ من جنس الكلام المعقول فى الشاهد وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة. هو\r=","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185814,"book_id":1232,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":111,"body":"وأصدر المأمون سنة ٢١٨ رسالة إلى والي بغداد يأمره فيها بجمع القضاة وامتحانهم في عقيدة خلق القرآن وعزل من لا يقول بذلك منهم وإسقاط شهادة من لا يراها من الشهود، وأمره بأن يجمع الفقهاء وشيوخ الحديث في داره ويمتحنهم بهذه العقيدة فأجابوا، ثم ضيق الأمر وأمر بالتوسع في امتحان الناس، فأحضر كبار العلماء ورؤوس الناس وامتحنهم، وانتهى الأمر بعد مكاتبات وأوامر مشددة من المأمون للوالي إلى الإقرار من الجميع بأن القرآن مخلوق إلا أربعة - أحمد بن حنبل، والحسن بن حماد، والقواريري، ومحمد بن نوح.\rوتنقل لنا معظم المصادر التاريخية النقاش الدائر بين الإمام أحمد بن حنبل وممتحنيه، وكان يرفض القول بالإيجاب أو السلب عندما يسأل هل القرآن مخلوق؟","footnotes":"=\rعرض يخلق الله ﷾ في الأجسام على وجه يسمع ويفهم معناه. فالقرآن إذاً مخلوق محدث مفعول، لم يكن ثم كان، وأنه غير الله ﷿، وأنه أحدث بحسب مصالح العباد.\rونُسِبَت المشكلة إلى أول من أثارها وهو الجعد بن درهم (١٢٤ هـ) وتذكر مصادر أهل السنة أن مصدر المشكلة يهودي، فيروي ابن عساكر أن الجعد أخذ مصادر بدعته من بيان ابن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم وأخذها لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول الله ﷺ عن يهودي باليمن، وأخذ عن الجعد الجهم بن صفوان ثم أخذ بشر المريسي عن الجهم، وأخذ ابن أبي دؤاد عن بشر.\rوعن امتحان العلماء والفقهاء في هذه المحنة أجابوا جميعًا بأن القرآن مخلوق ما عدا أربعة وهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وعبد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد. ثم أجاب عبد الله بن عمر والحسن بن حماد، وبقي الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح في السجن لرفضهما الإجابة.\rأهم المصادر عنه: القاضي أبو الحسن عبد الجبار (المغني في أبواب التوحيد والعدل) الجزء السابع: خلق القرآن - وزارة الثقافة والإرشاد ١٣٨٠ هـ - ١٩٦٠ - الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد - الجزء السابع ط الخانجي ١٣٤٩ هـ ١٩٣١ م.\rالخياط: الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ط دار الكتب ١٣٤٤ هـ ١٩٢٥ م. الذهبي: كتاب دول الإسلام ط حيدر آباد ١٣٤٦ هـ. - ابن كثير: البداية والنهاية الجزء العاشر مطبعة السعادة بمصر. ابن الجوزي: مناقب الإمام أحمد بن حنبل ط الخانجي ١٣٤٩ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185815,"book_id":1232,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":112,"body":"فمن إجابته (لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هنا إلا ما كان في كتاب أو حديث عن رسول الله ﷺ أو عن أصحابه، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود) .\rوكان المحرك للمناقشات القاضي ابن أبي دؤاد المعتزلي الذي يتعجب من إجابة الإمام بأنه لا يستند إلا لكتاب الله أو سنة رسول الله صلوات الله عليه.\rثم يدور الحوار بأسلوب جدلي إذ يتعرض القاضي لبعض الآيات القرآنية لاستخراج معنى الخلق كقوله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأنبياء، الآية: ٢] ، ومن صيغة السؤال الموجه للإمام أحمد، حاول ابن أبي دؤاد الوصول إلى إجابة ملزمة، فسأل (أفيكون محدث إلا مخلوق) ؟ فأجاب ابن حنبل قال تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) [ص، الآية: ١] فالذكر هو القرآن، ويحتمل أن يكون ذكرًا آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول الله ﷺ أو وعظه إياهم.\rفسأل القاضي: أليس الله قال: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر، الآية: ٦٢] فأجاب ابن حنبل: قد قال: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) [الأحقاف، الآية: ٢٥] فدمرت إلا ما أراد الله.\rوعندما سئل مرة أخرى (أتقول إن القرآن مخلوق) ؟ قال ابن حنبل: (القرآن كلام الله لا أزيد على هذا) ، فعاد فسأله: (ما تقول في كلام الله) ؟ فأعاد إليه الإمام أحمد السؤال بصيغة أخرى (ما تقول في علم الله) ؟\rوكانت هذه الحجة مفحمة لابن أبي دؤاد، لأن الإقرار بأن القرآن علم الله يعادل في نظره أن القرآن جزء لا ينفصل عن علم الله تعالى، فإذا قالوا بأن هذا العلم غير مخلوق، فالقرآن تبعًا لذلك ينبغي أن يكون غير مخلوق.\rودفع عبد الرحمن بن إسحاق القاضي المناقشة إلى نقطة أبعد من ذلك وهي (أكان الله ولا قرآن؟) فرد الإمام بحجة مماثلة (أكان الله ولا علم؟) ويعبر لنا ابن إسحاق عن رأي المعتزلة بسؤاله ابن حنبل (ما تقول في هذه الرقعة) ؟ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى، الآية: ١١] وقد لاحت عندئذ الفرصة لانتقال الامتحان إلى مسألة جديدة وهي المتصلة بصفات الله سبحانه - وعلى رأي المعتزلة غير منفصلة عن الذات الإلهية أي: أنهم يقولون بأن الله تعالى حي بذاته، قادر بذاته،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185816,"book_id":1232,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":113,"body":"وهكذا في سائر الصفات، أي: أنها ليست زائدة على الذات. وهنا سأل إسحاق الإمام أحمد (ما أردت بقولك سميع بصير) ؟ وربما أراد أن يستخرج منه إجابة يلزمه بها بالتشبيه أو التجسيم، ولكن ابن حنبل أجاب بقوله: (أردت منها ما أراده الله منها، وهو كما وصف نفسه، ولا أزيد على ذلك) .\rويبدو أن هذه المناقشات قد تسربت إلى الجماهير الغفيرة من المسلمين، فضلاً عن علمائهم، فقد كانت القلوب تحيط بالإمام، مشفقة عليه تخشى عليه من ألوان الأذى التي أصيب بها. ولم يستطح السلطان الكبير للمأمون وأتباعه أن ينالوا من مكانة الشيخ في قلوب المسلمين الذين اتخذوه إمامًا لهم. ونعثر في هذا الصدد على عبارة قالها أحد أولئك الذين حاولوا شد أزره في المحنة، قال له: (وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك) (١) وقد ترددت حجج الإمام أحمد على الألسنة، وأخذت مكانها في الرد على أهل الاعتزال.\rوتنقل لنا كتب التاريخ المناظرة بين الأذري شيخ أبي داود والنسائي، وبين ابن أبي دؤاد محامي المعتزلة، أمام الخليفة الواثق. وقد تمت المناظرة على النحو التالي:\rوجه الإمام عبد الله الأذري الأسئلة الثلاثة الآتية إلى ابن أبي دؤاد:\rالأول: هل ستر الرسول ﷺ شيئًا مما أمره الله ﷿ في أمر دينهم؟\rالثاني: حين أنزل القرآن على رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة، الآية: ٣] .\rهل كان الله تعالى الصادق في إكمال دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ وقد قوبل السؤالان بالصمت بلا إجابة.\rالثالث: أخبرني عن مقالتي هذه، علمها رسول الله أم جهلها؟ فأجاب ابن أبي دؤاد: علمها، قال الإمام أحمد: فدعا الناس؟ فسكت، وهنا علق الأذري قائلاً: (فكيف وسعه ﷺ أن ترك الناس ولم يدعهم إليه وأنتم لا يسعكم؟) فبهت الحاضرون وأمر الواثق بخلاص الإمام الأذري وقد علق الذهبي على هذا الإفحام بقوله: إنه إلزام صحيح وبحث لازم للمعتزلة (٢) .","footnotes":"(١) ابن كثير: البداية ج ١ ص ٣٣٢.\r(٢) تاريخ الخلفاء للسيوطي (واسم الإمام كاملا أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذري شيخ\r=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185817,"book_id":1232,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":114,"body":"ومن هذا يتضح كيف اعتبر المعتزلة الاعتقاد بخلق القرآن المحور الأساسي في العقيدة حتى امتحنوا بها الأسرى المسلمين، فكأنهم أضافوا للإسلام أصلاً جديدًا بعد كماله. ومن هنا أثار الشيخ الأذري الآية القرآنية الآنفة.\rوالسؤال الثاني والثالث يوضحان هذا الغرض. وتنتهي المحنة، وتسدل الستار عن مأساة كادت تطيح بالمنهج الإسلامي المتوارث عن السلف، وخلقت لنا مغزى بالغ الأهمية، يتمثل في النزاع بين طرفين: أحدهما المأمون الذي جعل من الاعتزال مذهبًا رسميًا، يحميه ويدعو إليه بالقوة، فيدين به أصحاب المناصب والجاه والنفوذ، وجعل من عقيدة الاعتزال التفسير الوحيد للإسلام، فكانت محنة عظيمة على الأمة، وفكرة فلسفية ضاق عنها تفكير العامة وضاقت بها النفوس (١) .\rوتظهر مأثرة الإمام أحمد الكبرى التي أكسبته مكانه الجديد، في وقوفه سدًا منيعًا في اتجاه الأمة إلى التفكير الفلسفي الذي لو سيطر على هذه الأمة لانقطعت صلتها بالتدريج عن منابع الدين الأولى وعن النبوة المحمدية وخضعت للفلسفات وأصبحت عرضة للآراء والقياسات، فحفظ الدين من أن يعبث به العابثون أو تتحكم فيه السلطة والأهواء (٢) .\rوإذا توقفنا برهة لنتساءل عن سر هذا الاهتمام الكبير بالمحنة من وجهة نظر السلف، ولم كتبوا عشرات الكتب في الدفاع عن القرآن وإثبات أنه كلام الله تعالى، فلن نفتقد الإجابة بين طيات الصفحات.\rإنهم خشوا من الآثار المترتبة على اعتقاد أن القرآن مخلوق، ففضلاً عن ضياع الهيبة من القلوب، وافتقاد الخشية والخوف من كلام الله فإن القائل: (إن هذا القرآن مخلوق) أو (إن القرآن المنزل مخلوق) كان بمنزلة المعتقد أن هذا الكلام ليس هو كلام الله (٣) .","footnotes":"=\rأبي داود والنسائي) .\r(١) أبو الحسن الندوي: رجال الفكر والدعوة ص ١٢٣.\r(٢) نفس المصدر ص ١٤٤.\r(٣) ابن تيمية: موافقة ج ١ ص ١٥٧ تحقيق الفقي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185818,"book_id":1232,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":115,"body":"٢- عبد العزيز المكي. وبشر المريسي:\r\rالمنهج:\rحرص عبد العزيز المكي على بيان المنهج أولاً، فقال: (ولكننا نؤصل بيننا أصلاً فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى الأصل، فإن وجدناه فيه وإلا رمينا به ولم نلتفت إليه. ثم وجه الحديث إلى المأمون عندما سأله عن الأصل بينه وبين بشر المريسي (٢١٨ هـ) قال: (يا أمير المؤمنين بيني وبينه ما أمرنا الله ﷿ واختاره لنا وعلمناه وأدبنا به في التنازع والاختلاف، ولم يكلنا إلى غيره، ولا إلى أنفسنا واختيارنا فنعجز) . فطالبه المأمون بأصل ذلك في كتاب الله، فتلا المكي قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء، الآية: ٥٩] فهذا تعلم من الله وتأديبه واختياره لعباده المؤمنين ما أصله المتنازعون بينهم، وقد تنازعت أنا وبشر يا أمير المؤمنين وبيننا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فإن وجدناه فيها وإلا ضربناه في الحائط ولم نلتفت إليه) .\rوقد أقر المأمون هذا المنهج، فقال: (فافعلا وأصِّلا بينكما هذا واتفقا عليه، وأنا الشاهد عليكما، والحافظ لما يجري بينكما) (١) .\rوسنعرض في الصفحات التالية لأبرز المسائل التي دار حولها الحوار، وهي عن صفات الله تعالى وقضية القرآن الكريم.\r\rصفات الله ﷿:\rحاول بشر المريسي أولا جعل عبد العزيز المكي يقر بأن القرآن شيء، فإن كان المراد بأنه شيء إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم، فإنه شيء، وإن كان المراد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فليس كذلك.\rوقد أقام عبد العزيز الدليل على ذلك بقول الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام، الآية: ٩١] ، فذم الله","footnotes":"(١) الحيدة ص ١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185819,"book_id":1232,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":116,"body":"من نفى أن يكون كلامه الذي أنزله على رسوله شيئًا، ولكنه في آية أخرى أخبرنا تعالى بأنه لا كالأشياء حتى لا يدخله الملحدون في جملة الأشياء، فأظهره باسم الكتاب والنور والهدى فقال لنبيه ﷺ: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ) .\rوإزاء إصرار قول بشر بأن القرآن شيء كالأشياء ليدعم عقيدته في خلق القرآن وطالب بإتيان الدليل بنص التنزيل، فاحتج بآيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل، الآية: ٤٠] وقوله ﷿ (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فدل ﷾ بهذا الإخبار وأشباه لها في القرآن كثير على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه غير الأشياء وأنه خارج عن الأشياء وأنه يكوِّن الأشياء، ثم أنزل الله ﷿ خبرًا مفردًا ذكر فيه خلق الأشياء كلها، لم يدع منها شيئًا إلا ذكره وأخرج كلامه وأمره من جملة الخلق وفصله منها ليدل على أن كلامه غير الأشياء المخلوقة وخارج عنها فقال: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف، الآية: ٥٤] .\rفجمع ﷾ في قوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ) جميع ما خلق فلم يدع منه شيئًا ثم قال: (وَالْأَمْرُ) يعني والأمر الذي كان به الخلق خلقًا، ففرق بين خلقه وأمره فجعل الخلق خلقًا والأمر أمرًا، وجعل هذا غير هذا وقال: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر، الآية: ٥٠] وقال: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) [الروم، الآي: ٤] .\rومن هذه الآيات وآيات أخرى سردها عبد العزيز المكي حتى طلب منه المأمون الاختصار، فأوضح بعد ذلك أن الله تعالى قد أخبر عن خلق السموات والأرض وما بينهما فلم يدع شيئًا من الخلق إلا ذكره فأخبر عن خلقه أنه ما خلقه إلا بالحق، وأن الحق قوله وكلامه الذي به خلق الخلق كله، وأنه غير الخلق وأنه خارج عن الخلق، وغير داخل في الخلق وهذا نص التنزيل (١) .\rولكن بشر لم يوافقه على هذا الذي ذهب إليه، ورأى أن عبد العزيز جاء","footnotes":"(١) الحيدة ص ١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185820,"book_id":1232,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":117,"body":"بأشياء متباينات متفرقات مدعيًا أن الله خلق بها الأشياء.\rقال عبد العزيز: إن الله تعالى خلق الأشياء بقوله وكلامه وأمره بالحق فاعترض بشر على قوله لأنه جاء بأشياء متباينات متفرقات مدعيًا أن الله تعالى خلق بها الأشياء.\rفأخذ المكي في بيان كلامه وشرحه بأن بين أن هذه أربعة أشياء لشيء واحد، لأن كلام الله هو قوله وقول الله هو كلامه وأمر الله هو كلامه وكلام الله هو أمره وكلام الله هو الحق والحق هو كلام الله فهذه أسماء لكلام الله، وأوضح أن الله تعالى سمى كلامه نورًا وهدى وشفاء ورحمة وقرآنًا وفرقانًا وبرهانًا وسماه الحق، وهذه أشياء شتى لشيء واحد وهو كلام الله كما سمى نفسه بأسماء كثيرة وهو واحد صمد فرد. وإنما ينكر بشر هذا ويستعظمه لقلة معرفته بلغة العرب.\rوهنا ظن بشر أن عبد العزيز يستخدم التأويل لا التنزيل ويخالف المنهج الذي أصّله منذ البداية، ولكن عبد العزيز أعاد إلى سمعه الآيات الدالة على ما ذكره، كقول الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) [التوبة، الآية: ٦] ، وإنما يسمعه من قارئه وإنما عنى القرآن لا خلاف بين أهل العلم واللغة في ذلك. وقال تعالى: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ) [الفتح، الآية: ١٥] وقال الله ﷿: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ) ، وآيات أخرى مثل قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) [السجدة, الآية: ٣] وقال (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) [المائدة، الآية: ٨٣] .\rوهذه الآيات وغيرها يتضح منها أن الله تعالى أخبر عن القرآن أنه الحق كما أخبر أن الحق قوله: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ) [ص، الآية: ٨٤] فأخبر أنه الحق والحق قوله وقال: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة، الآية: ١٣] وقال: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185821,"book_id":1232,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":118,"body":"رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) [سبأ، الآية: ٢٣] (١) .\rكما أخبر الله تعالى أن أمره هو القرآن وهو كلامه، قال: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [الدخان، الآيات: ١ - ٥] يعني القرآن. وقال: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) [الطلاق، الآية: ٥] (٢) .\rوثبت بذلك أن القرآن أمر الله تعالى وكلامه وأن أمره هو القرآن وهنا قال عبد العزيز المكي: (وهذا تعليم الله لخلقه وتأديبه لهم فقلت كما قال الله: إن القرآن كلام الله، وإنه أمر الله، وإنه الحق، وإن هذه أسماء لشيء واحد وهو الكلام الذي به خلقت الأشياء وهو غير الأشياء وخارج عن الأشياء وليس هو كالأشياء فهذا بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير) .\rفقال المأمون: (أحسنت يا عبد العزيز) (٣) .\r\rإثبات أن كلام الله تعالى ليس مخلوقًا\rوبعد أخذ ورد طويلين ومناقشات حول معاني القرآن وطرق قراءته بالفصل والوصل مما أثبت به عبد العزيز المكي جهل بشر المريسي بأسرار اللغة العربية، عاد المريسي ليقول: إن قول الله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا تخرج عنها شيء لأن تلك كلمة تجمع الأشياء كلها فلا تدع شيئًا يخرج عنها وكل ذلك داخل فيها.\rوهنا أخذ عبد العزيز يسترسل في ذكر آيات من القرآن الحكيم، مثل قوله تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ) [طه، الآية: ٤١] (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران، الآية: ٢٨، ٣٠] وقوله ﷿ (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام، الآية: ٥٤] وقال: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) [المائدة، الآية: ١١٦] ، فأخبرنا الله ﷿ أن له نفسًا، وطلب من بشر المريسي الإقرار بذلك، فأقر.\rوأشهد المأمون على هذا الإقرار. وهنا تلا قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)","footnotes":"(١) الحيدة ص ١٩- ٢٠.\r(٢) الحيدة ص ١٩- ٢٠.\r(٣) عبد العزيز المكي- الحيدة ص ٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185822,"book_id":1232,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":119,"body":"[آل عمران، الآية: ١٨٥] ، ثم سأل بشر (فتقول يا بشر إن نفس الله ﷿ داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت) ، فصاح المأمون بأعلى صوته - وكان جهوري الصوت - معاذ الله، معاذ الله قال عبد العزيز: (معاذ الله أن يكون كلام الله داخلاً في الأشياء المخلوقة كما أن نفسه ليست بداخلة في الأشياء الميتة) .\rوقد اعترف المأمون عندئذ بأن حجة عبد العزيز قد وضحت وانكسر قول بشر، وطالب عبد العزيز بالمزيد من هذه الأخبار في القرآن الكريم.\rقال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ شرف العرب وكرمهم وأنزل القرآن بلسانهم فقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف، الآية: ٢] وقال: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ) [مريم، الآية: ٩٧] فخص الله ﷿ العرب بفهمه ومعرفته وفضلهم على غيرهم بعلم أخباره ومعاني ألفاظه وخصوصه وعمومه ومحكمه ومبهمه وخاطبهم بما عقلوه وعلموه ولم يجهلوه، إذْ كانوا قبل نزوله عليهم يتعاملون بمثل ذلك في خطابهم فأنزل الله ﷿ القرآن على أربعة أخبار خاصة وعامة (١) .\rفمنها: ١ - خبر مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى الخصوص وهو قوله تعالى: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) [ص، الآية: ٧١] وقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران، الآية: ٥٩] ثم قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) [الحجرات، الآية: ١٣] والناس اسم يجمع آدم وعيسى وما بينهما وما بعدهما فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن آدم وعيسى لأنه قدم خبر خلقهما.\r٢- خبر مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى الخصوص وهو قوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف، الآية: ١٥٦] فعقل عن الله أنه لم يعن إبليس فيمن تسعه الرحمة لما تقدم فيه من الخبر الخاص قبل ذلك وهو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص، الآية: ٨٥] فصار معنى ذلك الخبر العام خاصًا لخروج إبليس ومن تبعه من سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء.","footnotes":"(١) الحيدة ص ٣٢- ٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185823,"book_id":1232,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":120,"body":"٣- خبر مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى العموم وهو قوله: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) [النجم، الآية: ٤٩] ، فكان مخرجه خاصًا ومعناه عامًا.\r٤- خبر مخرجه العموم ومعناه العموم.\rفهذه الأربعة الأخبار خص الله العرب بفهمها ومعرفة معانيها وألفاظها وخصوصها وعمومها والخطاب بها، ثم لم يدعها اشتباهاً على خلقه وفيها بيان ظاهر لا يخفى على من تدبره من غير العرب ممن يعرف الخاص والعام، فلما قدم إلينا ﷿ في نفسه خبرًا خاصًا أنه حي لا يموت بقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان، الآية: ٥٨] ثم أنزل خبرًا مخرجه مخرج العموم ومعناه الخصوص فقال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران، الآية: ١٨٥] فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن نفسه مع هذه النفوس لما قدم إليهم من الخبر الخاص، كذلك وقدم إلينا في كتابه خبرًا خاصًا (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل، الآية: ٤٠] ، فدل على قوله باسم مفرد فقال إذا أردناه - ولم يقل أردناهما - ففرق بين القول والشيء المخلوق الذي يكون بالقول مخلوقًا ثم قال ﷿ (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [غافر، الآية: ٦٢] فعقل المؤمنون عن الله ﷿ أنه لم يعن كلامه وقوله في الأشياء المخلوقة لما قدم من الخبر الخاص (١) .\r\rالفرق بين الجعل والخلق\rولكن بشرا عاد إلى موقفه الأول مصممًا على أن قوله مؤيد بنص التنزيل، واستخرج من القرآن الكريم آية يدلل بها على رأيه بقول الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [الزخرف، الآية: ٣] ذاهبًا إلى معنى جعلناه: خلقناه.\rوفي مقدمة رد عبد العزيز المكي على بشر المريسي أرجع خطأه إلى أنه رجل من أبناء العجم يتأول كتاب الله تعالى على غير ما أنزل، ويحرفه عن مواضعه ويبدل معانيه ويقول ما تنكره العرب وكلامها ولغاتها، ويكفر بشر الناس ويستبيح دماءهم بتأويل لا بتنزيل.\rوأخذ عبد العزيز المكي يستقرئ آيات القرآن التي يثبت فيها أن (جعل)","footnotes":"(١) الحيدة ص ٣٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185824,"book_id":1232,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":121,"body":"ليست بمعنى (خلق) مثل قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) [النحل، الآية: ٩١] فإذا كان (جعلتم) هنا بمعنى خلقتم الله عليكم كفيلا، ومن قال هذا فقد أعظم الفرية على الله ﷿ وكفر به.\rوقال ﷿: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) [البقرة، الآية: ٢٢٤] ، وقال سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ) [النحل، الآية: ٥٧] وقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) [الأعراف، الآية: ١٩٠] ، وقال: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام، الآية: ٩١] .\rوإزاء هذه الحجة المفحمة لما يترتب على تأويل معنى (جعل) بـ (خلق) من مقالات، اعترف المأمون بصحة ما ذهب إليه عبد العزيز المكي فقال: (ما أقبح هذه المقالة وأعظمها وأشنعها فحسبك يا عبد العزيز فقد صح قولك وأقر بشر بما حكيت عنه وكفر نفسه من حيث لم يدر) (١) .\r\rإقامة الحجة بالتنزيل\rوعندما ضيق الخناق على بشر المريسي، قال للمأمون: (يا أمير المؤمنين هذا يريد نص القرآن لكل شيء يتكلم به، وهذا مما لا يقدر عليه لأنه ليس كل ما يتكلم به الناس مما يحتاجونه إليه من علم أديانهم يوجد في كتاب الله بنص التنزيل، وإنما يوجد فيه بالتأويل) ، أي أنه عاد يطالب بالتأويل بعد أن أفحمه عبد العزيز المكي بالتنزيل.\rوظن أنه بهذه الطريقة سيعجز عبد العزيز عن إثبات صحة ما ذهب إليه، فأخذ يتحدى مطالبًا بآيات تدل على شمولها لكل المخلوقات.\rوأخذ يطالب عبد العزيز بالإتيان ببراهينه، فقال: (أوجدني أن هذا الحصير مخلوق بنص القرآن) .\rولكن عبد العزيز لم يعجز عن إثبات ذلك، فطالب بشر المريسي أولاً بالإقرار","footnotes":"(١) الحيدة ص ٣٧- ٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185825,"book_id":1232,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":122,"body":"بأن الحصير من سعف النخل وجلود الأنعام بالإضافة إلى صناعة الإنسان الذي يعمله حتى صار حصيرًا، ثم أخذ يردد آيات الله تعالى في هذا الصدد قال تعالى في النخيل: (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) [الواقعة، الآية: ٧٢] فهو نص بخلق النخل والسعف.\rوأما الجلود فقال الله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ) [النحل، الآية: ٥] وهذا خلق الجلود وأما الصانع فقال الله ﷿: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ) [ق، الآية: ١٦] فهذا خلق الصانع، فصار الحصير مخلوقًا بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير. وسأل بشر: (فهل عندك مثل هذا لخلق القرآن، ما تذكره أو تحتج به وإلا فقد بطل ما تدعونه من خلقه وصح ولم يزل صحيحًا أن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل جهة وعلى أي جهة تصرفت) (١) .\rثم دارت المحاولة على النحو التالي:\rقال بشر: يا أمير المؤمنين، عندي أشياء كثيرة إلا أنه يقول بنص التنزيل، وأنا أقول بالنظر والقياس. فليدع مناظرتي بنص التنزيل وليناظرني بغيره.\rفتعجب المأمون من طريقة بشر في المناظرة وسأله في دهشة (تقول لرجل يناظر بالكتاب والسنة دعهما واخرج إلى النظر والقياس؟ هذا ما لا يجوز؟) (٢) .\r\rإقامة الحجة بالنظر والقياس\rولكن عبد العزيز المكي فاجأ المأمون والحاضرين وأبدى تمام استعداده للمناظرة بالنظر والقياس دون الاحتجاج بآية من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ وسأل بشر المريسي: (تسألني أم أسألك؟ قال: اسأل أنت) وقال مستطردًا: (وطمع في هو وأصحابه وظنوا أني إن خرجت عن الكتاب والسنة لم أحسن أن أتكلم بغيرهما) (٣) .","footnotes":"(١) الحيدة ص ٤٩ - ٥٠.\r(٢) الحيدة ص ٥٠.\r(٣) والمقصود بالحيدة الانصراف عن السؤال والهروب من إجابته.\rوقد استند عبد العزيز المكي إلى واقعتين أحدهما في القرآن الكريم والأخرى فى تاريخ المسلمين. فأما في القرآن فقال الله تعالى في قصة إبراهيم حين قال لقومه: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ\r=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185826,"book_id":1232,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":123,"body":"قال عبد العزيز لبشر المريسي: (يلزمك في قولك بخلق القرآن واحد من ثلاث:\r١- أن الله خلق كلامه في نفسه.\r٢- أو خلقه في غيره.\r٣- أوخلقه قائمًا بذاته أي شيئًا منفصلاً قائمًا بنفسه.\rفقل ماعندك يا بشر) .\rفأجاب بشر: (أنا أقول: إنه مخلوق وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها) فصاح عبد العزيز في وجهه ليثبت عليه الحيدة عن جوابه قائلاً: (تركنا الكتاب والسنة عند هرب بشر عنهما، وناظرته بالقياس والنظر لما ادعاه وذكر أنه يحسبه ويقيم على الحجة ولكنه مال إلى الحيدة ونقض ما شرط على نفسه، فإن بشرًا إنما يحسن أن يناظر من لا يفهم ولا يدري ما يقول) .\rوهنا نهره المأمون وأمره بأن يجيب عبد العزيز المكي، فقال معترفا بعجزه عن الإجابة (ما عندي جواب غير ما أجبته به) (١) .\rفأقبل المأمون على عبد العزيز فقال: (قد حاد بشر عن جوابك فتكلم أنت يا عبد العزيز في شرح المسألة) .\rوهنا أعاد عبد العزيز المكي الإلزامات الثلاثة التي ذكرها في بداية سؤاله، وفصلها حسب البيان الآتي:\r١ - إن قال بشر: إن الله خلق كلامه في نفسه، هذا محال باطل لا يجد للسبيل إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله - تعالى عما يقولون علوًا كبيرا -","footnotes":"=\rتَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) [الشعراء، الآية: ٧٢، ٧٣] وإنما قال لهم إبراهيم هذا؛ ليذمهم ويعيب آلهتهم ويسفه أحلامهم فعرفوا ما أراد به فصاروا بين أمرين، أن يقولوا نعم يسمعونا حين ندعو وينفعونا أو يضرونا فيشهد عليهم بلغة قومهم أنهم كذبوا ويقولوا: لا يسمعونا حين لا ندعو ولا ينفعونا ولا يضرونا فينفوا عن آلهتهم القدرة، وعلموا أن الحجة عليهم لإبراهيم لأنهم فى أي القولين أجابوه فهو عليهم، فحادوا عن جوابه واجتلبوا كلاماً من غيرهم ما سألهم عنه فقالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون فلم يكن هذا جواب\rمسألته.\r_________\r(١) الحيدة ٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185827,"book_id":1232,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":124,"body":"لا يكون مكانًا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصًا بشيء إذا خلقه.\r٢- وإن قال: خلق كلامه في غيره فهذا أيضًا محال باطل لا يجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر، ولا معقول، لظهور الشناعة من قبله لأنه يلزم قائل هذه المقالة في القياس والنظر والمعقول أن يجعل كل كلام خلقه في غيره هو كلام الله، فيجعل الشعر وقول الزور والفحش والخنا وكل كلام ذمه الله وذم قائليه من كلام الكفر والسحر وغيره لله تعالى عن ذلك.\r٣- وإن قال: خلق كلامه قائمًا بذاته، فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول؛ لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا رؤي ولا يرى أبدًا كلام الله قائم بذاته متكلم بنفسه، وهذا ما لا يعقل، ولا يعرف ولا يثبت من قياس ولا نظر، ولا غيره.\rفلما استحال القرآن أن يكون مخلوقًا من هذه الجهات، ثبت أنه صفة لله ﷿ وصفات الله ﷿ غير مخلوقة، فيبطل قول بشر من جهة النظر والقياس كما بطل من الكتاب والسنة.\rوهنا قال المأمون: (أحسنت يا عبد العزيز) ، ولكن بشرًا انتقل إلى موضوع آخر فقال: (دع هذه المسألة واسأل عن غيرها) (١) .\rوانتقلا من الحديث عن كلام الله تعالى إلى صفاته ﷿ وقد بدأ بالعلم ثم الحديث عن القدرة والفعل، واختتما المحاورة بالبرهنة بالمنهج القياسي على أن كلام الله تعالى غير مخلوق، ونرى كيف التزم عبد العزيز طرقًا ثلاثة في محاورته: أي التنزيل والنظر والقياس.\r\rإثبات علم الله - تعالى - بنص التنزيل:\rانتقل الحديث إلى الصفات الإلهية التي أثبتها الله تعالى لنفسه ومنها العلم، وقد تدخل المأمون في هذا الجزء من المحاورة، فسأل عبد العزيز (أتقول يا عبد العزيز: إن الله عالم؟) فأجابه (نعم يا أمير المؤمنين) ، فسأله ثانيا (فتقول: إن لله علم؟) فأجاب","footnotes":"(١) الحيدة ص ٥٢- ٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185828,"book_id":1232,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":125,"body":"بالإيجاب.\rوذهب المأمون بعد ذلك إلى ما هو أدق من هذه القضية في الفهم والنظر، فسأل عبد العزيز: (فتقول: إن الله سميع بصير؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فتقول: إن لله سمعًا وبصراً؟ قلت: لا يا أمير المومنين) .\rوكان عبد العزيز واعيًا لإجاباته مدعمًا عقيدته بالمنهج الثابت المنقول عن السلف الصالح وما فهمه المسلمون قبله، فقال:\r(يا أمير المومنين، قد قدمت إليك فيما احتججت به أن على الناس جميعًا أن يثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا عما أمسك الله عنه، فأخبرنا الله ﷿ أن له علمًا، فقلت: إن له علمًا، كما أخبر وأخبرنا أنه عالم بقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) [التغابن، الآية: ١٨] فقلت: إنه عالم كما أخبرنا إنه سميع بصير، فقلت إنه سميع بصير كما أخبر في كتابه، ولم يخبر أن له سمعًا ولا بصر) .\rفقال المأمون لبشر وأصحابه: (ما هو بمشبه فلا تكذبوا عليه) (١) . وهنا أراد بشر إحراج عبد العزيز فسأله: (قد زعمت يا عبد العزيز أن لله علمًا، فأي شيء هو علم الله؟ وما معنى علم الله؟) .\rوأجاب عبد العزيز بشيء من التفصيل، مستشهدًا بآيات من القرآن الكريم فقال: (هذا مما تفرد الله بعلمه ومعرفته، فلم يخبر به ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً، بل احتجبه عن الخلق جميعهم فلم يعلمه أحد قبلي ولن يعلمه أحد بعدي، لأن علمه أكثر وأعظم من أن يعلمه أحد من خلقه) .\rوأخذ يذكره بقوله تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة، الآية: ٢٥٥] ، وقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) [الجن، الآية: ٢٦، ٢٧] ، وقوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [الأنعام، الآية: ٥٩] وقوله ﷿: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [لقمان، الآية: ٢٧] .","footnotes":"(١) الحيدة ٢٥- ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185829,"book_id":1232,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":126,"body":"وسأل بشرًا (أتدري يا بشر ما معنى هذا؟ وأي شيء مما نحن فيه؟) . فطالبه المأمون بالإجابة بنفسه على هذا السؤال شرحًا وتفسيرًا فاستكمل ذلك بقوله: (يا أمير المؤمنين يعني بقوله هذا ولو أن ما في الأرض من جميع الشجر والخشب والقصب أقلام يكتب بها، والبحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر، والخلائق كلهم يكتبون بهذه الأقلام من هذا البحر، ما نفدت كلمات الله، فمن بلغ عقله وفهمه وفكره كنه عظمة الله وسعة علمه؟!!\rوقال ﷾: (لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف، الآية: ١٠٩] فمن يحد هذا أو يصفه أو يدعي علمه، وقد عجزت الملائكة المقربون عن علم ذلك واعترفوا بالعجز عنه فقالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة، الآية: ٣٢] ؟\rوقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .\rوسئل النبي ﷺ عن علم الساعة فقال: (علمها عند ربي من خمس لا يعلمها إلا هو) وتلا: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) [لقمان، الآية: ٣٤] فأخبر النبي ﷺ أن هذه الخمس مما تفرد الله بعلمها، فلا يعلمها إلا هو، فإذا كان النبي ﷺ لا يعلم من علم الله إلا ما علمه، فكيف يجوز لأحد من أمته أن يتكلف علمًا أو يدعي معرفة) (١) .\rويبدو من تعليق عبد العزيز أنه غضب بسبب هذا السؤال الذي لا محل له للإجابة عنه واضطر إلى إفحامه بنصوص التنزيل لبيان أن مثل هذا السؤال منهي عنه من قبل الله تعالى، فقال عبد العزيز: (إنك لتأمرني بما نهاني الله عنه وحرم علي القول به، وتأمرني بما أمرني به الشيطان، ولست أعصي ربي وأرتكب نهيه وأطيع الشيطان وأتبع أمره وأمرك إذا كنتما قد أمرتماني بخلاف ما أمرني به ربي، بل نهاني) !!","footnotes":"(١) الحيدة ص ٢٦- ٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185830,"book_id":1232,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":127,"body":"وكان المأمون يراقب الموقف منصتًا باهتمام، ودهش من رد عبد العزيز وأراد شرحًا له، فقال: (يا عبد العزيز أمرك بشر بما نهاك الله عنه وحرم عليك القول به وأمرك به الشيطان؟!!) فلما أجاب عبد العزيز بالإيجاب، طالبه بآيات من كتاب الله بنص التنزيل.\rقال عبد العزيز: (قال الله ﷿ لنبيه ﵇: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف، الآية: ٣٣] وأمرهم الشيطان بضد ذلك، فقال الله ﷿: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة، الآية: ١٦٨، ١٦٩] فأخبر الله ﷿ أن الشيطان يأمر الناس بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون، فنهاهم عن اتباعه وقبول قوله، فهذا تحريم الله ونهيه لنا بها يا أمير المؤمنين أن نقول عليه ما لا نعلم، وهذا أمر الشيطان لنا أن نقول على الله ما لا نعلم، وقد اتبع بشر يا أمير المؤمنين سبيل الشيطان التي نهاه الله عن اتباعها ووافقه على قوله وأمرني بمثل ما أمرني به الشيطان أن أقول على الله ما لا أعلم) .\rويصف عبد العزيز انعكاسات هذه الإجابة على المأمون بقوله: (فكثر تبسم المأمون حتى غطى بيده على فيه وأطرق يكتب في الأرض بيده على السرير) (١) ويدهشنا أن تصل المجادلة إلى هذا الحد مع إصرار بشر المريسي على موقفه بالرغم من حجج عبد العزيز القوية الواضحة، ومنها يتضح أن المريسي قد أفلس بعناده وعجزه عن مجابهة أدلة عبد العزيز.\rكما تعجب من تصرف المأمون لاتخاذه القضية البالغة الأهمية ذريعة للتضييق على الناس وكبت آرائهم، ثم وقوفه بنفسه على الأدلة وإقراره بصحتها في أكثر من موضع بقوله: (أحسنت يا عبد العزيز) ، بينما في مجالسه الخاصة تكون مدعاة لابتسامه وربما ضحكه!!","footnotes":"(١) الحيدة ص ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185831,"book_id":1232,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":128,"body":"إثبات الفعل والقدرة بالنظر والقياس\r\rأولا: بالنظر والمعقول:\rاستهل عبد العزيز المكي المحاورة في هذه القضية بسؤاله لبشر المريسي فسأله: (يا بشر تقول: إن الله كان ولا شيء، وكان لم يفعل شيئاً، وكان لم يخلق شيئاً) فلما أقر بشر بهذه المقدمة، استخرج منها الإقرار بأن الله تعالى هو الذي أحدث الأشياء أي: خلقها بقدرته سبحانه. ولكنهما اختلفا بعد الاتفاق على هذه المقدمة، ويعبران عن وجهتي النظر المتعارضتين، إذ إن المعتزلة ينفون صفات الله تعالى بينما يثبت علماء أهل السنة والجماعة هذه الصفات كما اتضح لنا فيما تقدم من هذا البحث.\rأقر بشر بأن الله ﷿ لم يزل قادرًا، ولكنه لم يقر بأن الله سبحانه لم يزل يفعل فانبرى إليه عبد العزيز المكي قائلاً (فلا أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة من صفات الله، ولا يقال لصفات الله هي الله، ولا هي غير الله، وهذا يلزمك القول به) .\rفلما اعترض بشر على هذا التفسير قائلاً لعبد العزيز: (ويلزمك أيضًا أن تقول إنه لم يزل يفعل ويخلق، وإذا قلت ذلك تبين أن المخلوق لم يزل مع الخلق) ، هنا أضاف عبد العزيز إيضاحًا أكبر، متوسعًا في شرح العلاقة بين الخالق والمخلوقات، ليصل إلى إثبات صفة الفعل لله تعالى مع القدرة، وبذلك يضع البرهان العقلي لصفات الله تعالى وتغايرها.\rقال عبد العزيز: (إني لم أقل هذا وليس لك أن تحكم علي وتحكي عني ما لم أقل وتلزمني ما لم يلزمني، إني لم أقل إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل فألزمني ما قلت، وإنما قلت لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة الله يقدر عليها ولم يمنعه منها مانع) (١) .\rوكان عبد العزيز حريصًا في اختيار ألفاظه أن يستخدم الفعل بصيغة المستقبل، لكي يتضح أمام السامع أن الله تعالى هو الأول بالإطلاق وأنه سبحانه متقدم قبل الخلق، وكان ولا شيء قبله ولا شيء معه.","footnotes":"(١) الحيدة ص ٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185832,"book_id":1232,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":129,"body":"ولكن بشرًا أصر على موقفه بالاعتقاد أن الله تعالى أحدث الأشياء بقدرته ولم يقر بالفعل الذي كان عن القدرة.\rوهنا اضطر عبد العزيز لإشراك المأمون في المحاورة، فقال:\r(يا أمير المؤمنين، قد قال بشر: إن الله كان ولا شيء، وإنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئًا بقدرته، فقلت أنا: أحدثها بأمره وقوله عن قدرته) .\rفقال المأمون: قد حفظت عليكما قولكما.\rفقال عبد العزيز: (يا أمير المؤمنين لن يخلو أن يكون أول خلق خلقه الله بقول قاله وبإرادة أرادها، وقدرة قدرها) .\rواستمر في شرح معتقده، إذ ترتب على المقدمة السابقة أن ههنا إرادة ومريدًا، وقولاً وقائلاً ومقولاً له، وقدرة وقديرًا ومقدوراً عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق وما كان متقدمًا قبل الخلق فليس هو من الخلق في شيء.\rوكان سكوت بشر يدل على أنه أفحم فلم يجد جوابًا فقال عبد العزيز: وقد كسرت والله قول بشر ودحضت حجته بإقراره بلسانه بالنظر والمعقول، ولم يبق إلا القياس. وأنا أكسره بالقياس إن شاء الله تعالى، فقال المأمون: هات وأوجز قبل خروج وقت الصلاة (١) .\r\rثانيًا: إثبات أن القرآن كلام الله بمنهج القياس:\rواستخدم عبد العزيز المكي المنهج القياسي في إثبات أن القرآن الكريم كلام الله تعالى وليس شيئًا مخلوقًا، وكانت دوافعه للعودة مرة أخرى إلى هذا الموضوع أن يثبت صفة الكلام، فإذا تم ذلك أثبت باقي صفات الله تعالى قياسًا عليه.\rوبدأ عبد العزيز بتوجيه كلامه إلى المأمون، قال:\rيا أمير المؤمنين، لو كان لبشر غلامان وأنا لا أجد لهما خبرًا من أحد من الناس إلا من بشر، ويقال لأحدهما: خالد، وللآخر: يزيد، وكان بشر غائبًا عني بحيث لا أراه فكتب إلي بشر ثمانية عشر كتابًا يقول في كل كتاب منها: (ادفع إلى غلامي هذا الكتاب) وكتب إلي أربعة وخمسين كتابًا يقول: (ادفع إلى يزيد هذا","footnotes":"(١) الحيدة ص ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185833,"book_id":1232,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":130,"body":"الكتاب ولم يقل: غلامي) .\rوبعد هذه البداية، التي سنفهم بعدها سبب اختيار عبد العزيز لهذه الأعداد بالذات حالا، استكمل حديثه بقوله: ثم قدم بشر من سفره فقال لي: ألست تعلم أن يزيد غلامي، فقلت: قد كتبت إلي أربعة وخمسين كتابًا وقلت: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد ولم تقل غلامي، وكتبت ولم أسمعك تقول غلامي - وأنا لا أجد ذلك إلا منك ولا أعرف خبره من أحد غيرك. وكتبت إلي ثمانية عشر كتابًا (ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب) ، فعلمت بكتابك أنه غلامك. ثم كتبت إلي كتابًا جمعتهما فيه فقلت: (ادفع هذا الكتاب إلى خالد غلامي وإلى يزيد - ولم تقل غلامي، فمن أين أعلم أن يزيد غلامك ولست أعلم خبرهما من أحد غيرك؟) .\rوسياقًا لهذه الواقعة، وما يترتب على حدوثها من نتائج، أراد عبد العزيز الوصول إلى أنها لو حدثت بهذه الكيفية، سيتهمه بشر بأنه فرط حيث لم يعلم أن يزيد غلامه من كتبه ولكن عبد العزيز يلقي المسئولية عن كاهله ويرى أن بشرًا هو المفرط، وأشرك المأمون في الشهادة فسأله: (فأينا المفرط يا أمير المؤمنين) ؟ فأقر المأمون بأن بشرًا هو المفرط (١) .\rومع غرابة هذه الواقعة التي يريد عبد العزيز القياس عليها، ظهرت دهشة بشر المريسي من غرضه فقال: (وأيش هذا مما نحن فيه تريد أن تثبت بهذا السؤال علي ما لم يكن مني كانت هذه المكاتبة وهذا الكلام) ؟\rوحينذاك حسم عبد العزيز الموقف مستخدمًا القياس في البرهنة على ما ذهب إليه، فقال: (اسمع حتى تقف على ما أردت) ثم أردف قائلاً: يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ أخبرنا في كتابه بخلق الإنسان في ثمانية عشر موضعًا، ما ذكره في موضع منها إلا أخبر عن خلقه. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعًا فلم يخبر عن خلقه في موضع منها ولا أشار إليها بشيء من صفات الخلق، ثم جمع القرآن والإنسان في آية من كتابه فأخبر عن الخلق للإنسان ونفى الخلق عن القرآن، فقال الله ﷿: الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن، الآية: ١ - ٤]","footnotes":"(١) الحيدة ص ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185834,"book_id":1232,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":131,"body":"ففرق بين القرآن والإنسان فزعم بشر يا أمير المؤمنين أن الله فرط في الكتاب من شيء. فهذا كسر قول بشر بالقياس.\rفقال المأمون: (أحسنت يا عبد العزيز) (١) .\rإلى جانب تناول الجدل حول باقي صفات الله ﷾ من وجهتي النظر المتعارضتين: رأي المعتزلة الذي يعبر عنه بشر المريسي ورأي علماء السنة الذي يعبر عنه عبد العزيز المكي (٢) .\r\rالاستواء على العرش:\rمن محاورات عبد العزيز المكي مع بشر المريسي في بيان استواء الله ﷿ على عرشه: فسر الجهمية قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه، الآية: ٥] بأن المعنى استولى كقول العرب استوى فلان على مصر وعلى الشام. ويسأل عبد العزيز المكي عدة أسئلة يستخلص منها الإجابات الملزمة لها، فيسأل أولا (أيكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه؟) فالإجابة الصحيحة بالنفي، ومن زعم غير ذلك فهو كافر.\rوبالنظر إلى آيات أخرى تتناول العرش، يلزم المريسي بأن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، فقد قال الله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان، الآية: ٥٩] وقوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) [غافر، الآية: ٧] وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) [فصلت، الآية: ١١] ويستطرد المكي بعد هذا قائلاً: (فيلزمك أن تقول: المدة الذي كان العرش فيها قبل خلق السموات الأرض ليس الله بمستول عليه، إذ كان (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) معناه عندك استولى، فإنما استولى بزعمك ذلك الوقت لا قبله) .\rوبقيت الصعوبة التي يثيرها الجهمية في كيفية الاستواء، إذ يستفسر المريسي","footnotes":"(١) الحيدة ص ٥٥.\r(٢) وقد استخلصناه من ابن تيمية نقلاً عن الحيدة إذ لاحظنا أن الكتاب المتداول والذي استندنا إليه جاء خلوًا هن هذه المسألة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185835,"book_id":1232,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":132,"body":"عنه، أهو كما يقول: (استوى فلان على السرير) فيكون السرير قد حوى فلانًا وحده إذا كان عليه؟ ويلزم من ذلك القول أن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء إلا هكذا.\rويوضح عبد العزيز المكي إجابته على هذا التساؤل، فيؤكد أولاً أن الله تعالى لا يجرى عليه كيف، فلا مجال إذن للتساؤل (كيف استوى؟) فقد أخبرنا بأنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، إذ لم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه ما لا يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله تعالى.\rبقي بعد هذه الإجابة أن يلزم الجهمي بإلزامين يستخرجهما من وصفه لله تعالى بأنه في كل مكان، أولهما فقد زعم أن الله تعالى محدود وقد حوته الأماكن، لأنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد حواه، ويلزمه ثانيًا تقليد النصارى في الاعتقاد بأن الله ﷿ في عيسى وعيسى بدن إنسان واحد، فكفروا بذلك، ولكن قول الجهمية أشنع إذ يلزمهم القول أنه في أبدان الناس كلهم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\rوفي ختام المحاورة يضطر المريسي إلى الوقوع في التناقض إذ يصف الله ﷿ بأنه في كل مكان، لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء على الشيء، ولا كالشيء خارجًا عن الشيء، ولا مباينًا للشيء. ويسخر المكي من هذا الاعتقاد، لأن المريسى يدعي أنه يستند إلى القياس والمعقول، ولكنه دل بالقياس والمعقول على أنه لا يعبد شيئًا، لأن ما لا يكون داخلاً في الشيء ولا خارجًا منه فإنه لا يكون شيئًا، وأن ذلك صفة لمعدومٍ لا وجود له (١) .\rوتلقف ابن تيمية بقراءاته المتشعبة مثل هذا الدليل العقلي، وزاده إيضاحًا، فبين أولا أن الألفاظ التي لم تنطق الرسل فيها بنفي ولا إثبات كلفظ الجهة والحيز ونحو ذلك لا يطلق نفيًا ولا إثباتًا إلا بعد بيان المراد، ثم أحصى الأدلة المستمدة من القرآن والسنة فرآها تقارب ألفًا، مع تطابق الأنبياء كلهم على أن الله ﷾ في العلو.","footnotes":"(١) ابن تيمية: مجموعة فتاوى ج ٥ ص ٣١٦ - ٣١٧ ط السعودية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185836,"book_id":1232,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":133,"body":"ولكن ماذا يقصد بالعلو؟\rيقدم كعادته الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) ، (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) [الملك، الآية: ١٦، ١٧] ، فهو سبحانه العلي الأعلى لا يعلوه شيء من خلقه، كما أخبر الرسل بأن الله تعالى فوق العالم بعبارات متنوعة ولكن ليس مرادهم أن الله في جوف السموات أو أن الله يحصره شيء من المخلوقات، بل كلام الرسل كله يصدق بعضه بعضًا، كما قال تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨٢] وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء) ويناقش شيخ الإسلام كافة التصورات المحتملة فينفيها، ويثبت الصحيح، فمن التصورات الخاطئة اعتقاد أن يكون الرب محصورًا في شيء من المخلوقات أصلاً سواء سمي ذلك المخلوق جهة أو لم يسم جهة، ويخطئ أيضًا من يظن أنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش، ومحمد صلوات الله لم يعرج إلى ربه، ولا تصعد الملائكة إليه، ولا تنزل الكتب منه، ولا يقرب منه شيء، ولا يدنو إلى شيء.\rالاعتقاد الصحيح إذن أنه ليس موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن على مخلوقاته، عال عليها، فمن سمى ما فوق العالم جهة وجعل العدم المحض جهة وقال في جهة بهذا المعنى أي: هو نفسه فوق كل شيء فهذا معنى صحيح (١) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج ٣ ص ٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185837,"book_id":1232,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":134,"body":"الفصل الثالث:\rصلة العقل بالشرع\r- تعريف الشرع\r- تعريف العقل بين فلاسفة اليونان ولغة عدنان\r- أدلة الشرع عقلية\r- تعقيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185838,"book_id":1232,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":135,"body":"صلة العقل بالشرع\rلعل أبرز نقاط الخلاف بين شيوخ الحديث والسنة، والمتكلمين بعامة والمعتزلة بخاصة هي نقطة صلة العقل بالشرع، فبينما زعم المتكلمون أن بوسعهم استحداث أدلة مستوحاة من العقل وممزوجة بمصطلحات الفلاسفة والاستناد إليها في الدفاع عن الإسلام، يرى أهل الحديث والسنة أن الأدلة الشرعية بذاتها كافيةـ؛ لأنها تتفق مع أحكام العقل وقوانينه.\rوهناك أيضًا مترادفات، فيقال: النقل والعقل أو الرواية والدراية والسمع والعقل، وكان مثار الخلافات الحادثة بين المسلمين أن أهل الكلام ظنوا أن الأدلة الواردة بالوحي لا صلة لها بالعقل، ولهذا حاولوا التوفيق بين أدلة الشرع وأدلة العقل ظانين أنهم بهذا المنهج يستطيعون الدفاع عن الإسلام وتقريب أصوله إلى الأذهان.\rوتوطئة لتحليل هذه القضية الهامة التي تعتبر جوهر الخلاف بين المتكلمين والمحدثين فسنعرض لبعض المصطلحات التي حددها أحد علماء الحديث والسنة ليمكننا التمييز بين مناهج علماء الحديث ومناهج المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة وأصحاب الفرق الأخرى.\r\rتعريف الشرع:\rوهو ينقسم إلى:\r١ - الشرع المنزل: فالشرع يطلق تارة على ما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة. وهذا هو الشرع المنزل، وهو الحق الذي ليس لأحد خلافه.\r٢- الشرع المبدل: ويطلق على ما يضيفه بعض الناس إلى الشرع، إما بالكذب والافتراء وإما بالتأويل والغلط، وهذا شرع مبدل لا منزل، ولا يجب، بل لا يجوز اتباعه.\rويضع شيخ الإسلام ابن تيمية في دائرة الشرع المبدل هؤلاء الذين يناقضونه في خبره، فينفون ما أثبته أو يثبتون ما نفاه، كأتباع جهم بن صفوان الذين ينفون ما أثبته من صفات الله ﷾، والقدرية النفاة الذين ينفون ما أثبته من قدر الله تعالى ومشيئته وخلقه وقدرته، والقدرية المجبرة الذين ينفون ما أثبته من عدل الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185839,"book_id":1232,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":136,"body":"تعالى وحكمته ورحمته، ويثبتون ما نفاه من الظلم والعبث والبخل ونحو ذلك عنه (١) .\r\rتعريف العقل بين فلاسفة اليونان ولغة عدنان:\rمدح الله تعالى مسمى العقل في القرآن الكريم في غير آية. كذلك رويت أحاديث نبوية كثيرة عن فضل العقل الإنساني، منها قول النبي ﷺ: (إن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله) .\rوعن علي قال: قال رسول الله ﷺ: (والله لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صيامًا ولا حجًا ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن الله تعالى مواعظه فوجلت منه قلوبهم واطمأنت إليه النفوس وخشعت منه الجوارح ففاقوا الخليقة بطيب المنزلة وحسن الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة) (٢) .\rويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن القرآن الحكيم مملوء من ذكر الآيات العقلية أي التي يستدل بها العقل، وهي شرعية دل عليها وأرشد إليها، ولكن كثيرًا من الناس لا يسمي دليلاً شرعيًا إلا ما دل بمجرد خبر الرسول ﷺ وهو اصطلاح قاصر (٣) .\rويذهب الشيخ/ الدكتور دراز إلى أننا نستطيع دراسة القرآن الكريم من زوايا جد مختلفة، لكنها جميعًا يمكن أن تنتهي إلى قطبين أساسين هما اللغة والفكر، فالقرآن كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت وبنفس الدرجة (٤) .\rلكن ما أحدثه المتكلمون من الكلام المبتدع المخالف للكتاب والسنة بل هو في نفس الأمر مخالف للمعقول، ومرد ذلك إلى إدخال مصطلحات الفلسفة اليونانية والتعبير بها عن عقائد الإسلام.\rوالأصل أن الترجمة من اللغات الأخرى جائزة بل حسنه وقد تجب أحيانًا كما","footnotes":"(١) ابن تيمية: النبوات ص ٦٣- ٦٤.\r(٢) ابن تيمية: بغية المرتاد فى الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية ص ٦٠.\r(٣) ابن تيمية- النبوات ص ٥٢ المكتبة السلفية ١٣٨٦ هـ.\r(٤) دكتور محمد عبد الله دراز: مقدمة الكتاب (مدخل إلى القرآن الكريم) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185840,"book_id":1232,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":137,"body":"أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود لأن المعرفة بلغات الناس واصطلاحاتهم نافعة في معرفة مقاصدهم، ولكن المحظور هو عدم الدقة في فهم الفروق بين الكلمات والمعاني من لغة إلى أخرى.\rوعلى سبيل المثال فإن لفظ (العقل) عند فلاسفة اليونان يقصد به جوهرًا قائمًا بنفسه، وليس الأمر كذلك في اللغة العربية، كذلك العقل في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة لا يراد به جوهر قائم بنفسه باتفاق المسلمين وإنما يراد به العقل الذي في الإنسان.\rوبسبب الخلط بين اللغتين فسر بعض الفلاسفة المسلمين - نقلا عن اليونان - الخلق بنظرية الصدور، فتصوروا خلق العالم وكأنه صدر عن العقول العشرة والنفوس التسعة إلى أن انتهى بالعقل الفعال.\rوعندما رفض المحدثون منهج المتكلمين وردوه، لم يفعلوا ذلك إنكارًا لأحكام العقل وقوانينه، ولا رفضاً للجدل المبني على أسس منطقية برهانية، ولكن لأن الأصول التي استند إليها علماء الكلام، إما أنها تلبس المعاني الإسلامية ثيابًا ليست لها كمصطلحات الجوهر والعرض والقديم والحادث ومثلها من التعبيرات النابعة من الفلسفة اليونانية والتي لا تعبر عن مدلولات مشابهة في الإسلام، أو أنها تشوه الفكرة وتخلط بين التصورات لأن صلة الفكر باللغة صلة وثيقة، (وقد وضع المتكلمون هذه المصطلحات أولاً ثم أرادوا إنزال كلام الله تعالى ورسوله ﷺ على ما وضعوه من اللغة والاصطلاح) (١) .\rالسبب الثاني: أنهم أقاموا حججهم على أدلة مخالفة للمعقول ولا تستقيم مع الأدلة العقلية يزعمون أنها كذلك.\rونضرب على ذلك مثالين:\rأولاً: فكرة نظرية الجواهر الفردة التي يفسرون بها الخلق، وتتلخص أن","footnotes":"(١) ابن تيمية - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية ص ٢٠- أما الحديث المنسوب إلى النبي ﷺ أنه قال: (لما خلق الله العقل قال له: قم فقام ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال له: اقعد فقعد فقال: ما خلقت خلقًا هو خير منك ولا أكرم علي منك ولا أحسن منك آخذ وبك أعطي وبك أعرف وبك الثواب وعليك العقاب) فقد أجمع علماء الحديث ومنهم ابن الجوزي أن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ نفس المصدر ص ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185841,"book_id":1232,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":138,"body":"الأجسام مركبة من الجواهر الصغار التي قد بلغت من الصغر إلى حد لا يتميز منها جانب عن جانب وتلك الجواهر باقية تتقلب عليها الأعراض أو الصفات الحادثة.\rوبناء عليه يرى هؤلاء المتكلمون أن الله تعالى أحدث أعراضًا كجمع الجواهر وتفريقها فالمادة التي هي الجواهر المنفردة باقية بأعيانها، ولكن أحدث صورًا هي أعراض قائمة بهذه الجواهر (١) .\rويترتب على هذه النظرية أشد النتائج انحرافًا، لأنه لا يختلف عن مذاهب الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فانهارت بذلك الحجج العقلية للمتكلمين الذين ظنوا أنهم بأدلتهم يدافعون عن الإسلام، وأصبحوا (كمن أراد أن يغزو العدو بغير طريق شرعي فلا فتح بلادهم ولا حفظ بلاده، بل سلطهم حتى صاروا يحاربونه بعد أن كانوا عاجزين عنه) (٢) .\rأما الحقيقة الماثلة للأذهان، وأظهر ما تكون في خلق الإنسان نفسه، أنه خلق من تراب وحوله الله تعالى (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) [السجدة، الآية: ٧ - ٨] .\rفقد خلق الله الإنسان ولم يك شيئًا (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) [مريم، الآية: ٩] ولا تعني الآية الأخيرة أنه خلق من لا شيء لأنه قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء، الآية: ٣٠] وهذه هي القدرة التي تبهر العقول وتذهلها، وهو أن يقلب الحقائق الموجودة فيحيل الأول ويفنيه ويلاشيه ويحدث شيئًا آخر فأصل الإنسان التراب وفصله الماء المهين، فإذا خلق الله الإنسان من المني، فالمني استحال وصار علقة، والعلقة استحالت وصارت مضغة، والمضغة استحالت إلى عظام وغير عظام، فالإنسان مخلوق خلق الله جواهره وأعراضه كلها من المني أي: من مادة استحالت، فليست باقية بعد خلقه ويحدث الله فيها صورًا عرضية كما يزعم المتكلمون.\rوعند إفناء الإنسان إذا مات وصار ترابًا فني وعدم وكذلك سائر ما على","footnotes":"(١) ابن تيمية: النبوات ص ٥٣ ط المنيرية ١٣٤٦هـ.\r(٢) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185842,"book_id":1232,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":139,"body":"الأرض كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن، الآية: ٢٦] ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداء من التراب ويخلقه خلقًا جديدًا، ولكن للنشأة الثانية أحكام وصفات ليست للأولى، فمعرفة الإنسان بالخلق الأول وما يخلقه من بني آدم وغيرهم من الحيوانات وما يخلقه من الشجر والنبات والثمار، وما يخلقه من السحاب والمطر وغيرهما من المخلوقات، هو أصل لمعرفته بالخلق بالمبدأ والمعاد. وهكذا تنهار الأصول التي استحدثها المتكلمون وظنوها عقلية.\rالمثال الثاني: طريقة المتكلمين في إثبات الصانع.\rوهي الطريقة التي ابتدعها أهل الكلام، زاعمين أنها طريقة عقلية صحيحة وخلاصتها أن الله تعالى لا يعرف إلا بالنظر والاستدلال المفضي إلى العلم بإثبات الصانع ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث العالم. وطريقتهم في إثبات حدوث العالم مبنية على الاستدلال بالأعراض أو ببعض الأعراض: كالحركة والسكون أو الاجتماع والافتراق وهي الأكوان فإن الجسم لا يخلو منها وهي حادثة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فاضطرهم ذلك إلى القول بحدوث كل موصوف فنفوا عن الله تعالى الصفات وقالوا بأن القرآن مخلوق وأنه لا يرى في الآخرة (١) .\rوأدى ذلك إلى نتائج مشابهة إلى زعم الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم، إذ أثاروا الفلاسفة عليهم فقالوا: (هذه الطريقة تستلزم كون الصانع كان معطلا عن الكلام والفعل دائمًا إلى أن أحدث كلامًا وفعلاً بلا سبب أصلاً، وهذا مما يعلم بطلانه بصريح العقل) (٢) .\rوبعد فإننا نرى من وجهة نظر الباحثين في نظرية المعرفة، كيف حددها القرآن الكريم مفصلاً الحديث عن الأحاسيس والعقل والشعور مثيرًا في الإنسان كوامن الفطرة الموحدة بآية الميثاق، مدللاً على صدق النبوة والرسالة والتوحيد وعالم الغيب بأدلة يمتزج بها العقل والوجدان لأن الخطاب موجه إلى الإنسان على الحقيقة بفطرته وروحه وقلبه ووجدانه وأحاسيسه وشعوره وعقله، فكان التوجيه الإلهي للإنسان بهذا المفهوم والتكوين الذي خلقه به الله تعالى، وفي الوقت نفسه","footnotes":"(١) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٨.\r(٢) ابن تيمية: الصفدية ج ١ ص ٢٧٥ تحقيق د. محمد رشاد سالم. مطابع حنيفة - الرياض ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185843,"book_id":1232,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":140,"body":"حض القرآن على التفكير والتعقل والتدبر في غير آية.\rومن غير المتصور وغير المنطقي أن يأتي الشرع بأدلة مخالفة للقوانين العقلية الفطرية كالتماثل والاختلاف فإنها الميزان الذي يزن به الإنسان المعلومات الواردة إليه. وهذا ما يقصده شيوخ الإسلام من وصفهم لحقيقة الآيات السمعية والقولية والعيانية والعقلية.\rولهذا فإن التنازع الموهوم بين العقل والنقل والأدلة العقلية والأدلة الشرعية أو أصحاب الرواية وأصحاب الدراية لا محل له في تراثنا بالصورة التي ظهرت في تراث أهل الكتاب، كل ما هنالك أن (عالم الغيب) بما يحتويه من أعاجيب تخالف المألوف مما يراه الإنسان ويشاهده ويحسه ويتعقله، جعل البعض يحاول إخضاعه للمقاييس العقلية الإنسانية، فحدث الاضطراب بين المتكلمين والفلاسفة (١) .\rوتصبح القضية غير ذات موضوع لا سيما في عصورنا الحديثة التي كشف العلم فيها عما يحير العقل ويذهله في عالم المخلوقات كالأفلاك والحيوان والنبات.\r\rأدلة الشرع عقلية:\rأثبت علماء السلف أن أدلة الشرع عقلية أيضًا وليست نقلية فحسب، فإن القرآن الكريم جاء بالأدلة العقلية على أحسن بيان وأقومه، واستخلصوا منه الطرق المبنية على البراهين المنطقية التي تخاطب الإنسان أينما كان وحيثما وجد. وكلها دل عليها القرآن الذي وصفه الله - تعالى - بأنه يهدي للتي هي أقوم:\rومن هذه الطرق دلالات الأنفس والآفاق التي يدعو القرآن الحكيم للنظر فيها والاعتبار بها والتفكر في نظمها.\rأما الأولى فهي دلالة الأنفس، قال الله تعالى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس، الآيات: ١٧ - ١٩] .\rوقال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات، الآية: ٢١] .\rوقال ﷿: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: ٦ - ٨] وقال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ","footnotes":"(١) ينظر رأيه السابق ص ١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185844,"book_id":1232,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":141,"body":"بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: ٢٨] وقال سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس: ٧٧ - ٧٩] .\rأما دلالة الآفاق فإن القرآن الكريم يحثُّنا على تدبر ما يحدث حولنا في عالمنا الذي نعيش فيه وما يطرأ من تغيرات تتعاقب فيه في أوقات محدودة وأزمنة معروفة كطلوع الشمس والقمر والكواكب وغروبها ودوران الأفلاك والنجوم والسفن الجاريات في البحار والرياح وتغير أحوال الهواء بالغيوم والصواعق والبروق وإنزال الأمطار فتسقي الزرع وتنبت الأشجار والفواكه والأزهار والثمار وتمد البحار والأنهار والآبار، وما في اختلاف الليل والنهار والفصول، وقد جمع الله تعالى ذلك في قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: ١٦٤] (١) .\rوقد جمع الله تعالى دلالتي النفوس والآفاق في قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت، الآية: ٥٣] (٢) وذلك أننا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين، عالمين، ناطقين، سامعين، مبصرين، مدركين، بعد أن لم نكن شيئًا وأن أول وجودنا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها بغير صنع حكيم وما يختلف أجناسًا وأنواعًا وأشخاصًا.\rأما الأجناس فكما نبه عليه قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ","footnotes":"(١) ابن الوزير اليماني: إيثار الحق على الخلق ص ٤٣- ٤٩- ٥٠.\r(٢) وتزداد معرفتنا بأنفسنا على ضوء العلم حيث عرَّفنا بأن نحو الخلية البشرية يشكل معجزة إلهية. وكيف لهذه الخلية أن تتحول إلى جهاز هضمي وجهاز تنفسيِ وجهاز عصبي وإلى مخ لو أريد صناعة مثله لكان المصنوع في حجم الكرة الأرضية ص ٢٢ من كتاب (الذين يلحدون في آيات الله) للدكتور كامل سعفان دار المعارف ١٩٨٣ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185845,"book_id":1232,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":142,"body":"يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) [النور، الآية: ٤٥] .\rوأما الأشخاص فبقوله تعالى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [عبس، الآيات: ١٧ - ٢٠] .\rفهذا هو الفكر المأمور به، وهو أي النظر في هذه الأمور وهي طريقة السلف التي اتبعوها مستندين إلى كتاب الله ﷿ (١) .\rوقد ظل هذا المنهج موحدًا بين علماء الحديث والسنة على مر الأعصار، فنجد الإمام عبد الحميد بن باديس رحمة الله عليه - ينبهنا في العصر الحديث إلى ضرورة اتباع هذا المنهج دون غيره لأنه العاصم من الزلات فيقول: (ونحن معشر المسلمين قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها وقلنا: تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة) .\rويرى الإمام ابن باديس أن الأقيسة العقلية في القرآن كافية للرد على المخالفين، فقد قال تعالى (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان: الآية ٣٣] .\rوتفسير ذلك (ولا يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون وأمثالهم بكلام يحسنونه ويزخرفونه ويصورون به باطلاً أو اعتراضًا فاسدًا إلا جئناك بالكلام الحق الذي يدفع باطلهم ويدحض شبهتهم وينقض اعتراضهم ويكون أحسن بيانًا وأكمل تفصيلا) (٢) .\rوفي قوله تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان، الآية: ٥٢] .\rيرى في هذه الآية نصًا صريحًا في أن الجهاد في الدعوة إلى الله تعالى وإحقاق الحق من الدين وإبطال الباطل من شبه المشبهين وضلالات الضالين وإنكار الجاحدين هو بالقرآن العظيم، فيه بيان العقائد وأدلتها ورد الشبه عنها (٣) .","footnotes":"(١) ابن الوزير اليماني: إيثار الحق على الخلق ص ٤٤.\r(٢) تفسير الإمام عبد الحميد بن باديس ج ١ ص ٤٢١.\r(٣) نفس المصدر ص ٤٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185846,"book_id":1232,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":143,"body":"تعقيب:\rبعد دراستنا لبعض المشكلات الكلامية التي أثيرت في العالم الإسلامي على صعيد العقيدة والفكر، انتهينا إلى الاقتناع بأن طريقة القرآن الحكيم تسمو ببراهينها على كافة الطرق، وأن منهج الاقتداء مع الوعي والفهم والتدبر يوصل إلى الحق من أقصر طريق لأنه الطريق المستقيم. وعلينا هاهنا أن نقف نستطلع بنظرة عامة مقارنة، ما كان عليه السلف وما طرأ على المسلمين من تغييرات وإذا اكتفينا بدليل واحد وهو الموقف من القرآن الكريم فما أشد المفارقة والتباين بين الصحابة وتابعيهم الذين آمنوا بأن القرآن كلام الله، فخشعت له قلوبهم وخضعت جوارحهم لأحكامه، فاستغرقهم التدبر في آياته وتنفيذ أحكامه، وبين القوى التي أهدرت في المناقشات والمحاورات والاختلافات.\rإن الموازنة بين الاتجاهين توضح لنا الآثار التي خلفها علم الكلام بحجة استخدام النظر في الدفاع عن العقيدة الذي نشأ على أيدي المعتزلة - والنظر في اصطلاحهم وهو الفكر الذي يطلب من قام به علمًا أو غلبة الظن (١) - وليس اليقين. فما الذي أدى إليه هذا الفكر؟\rكان الصحابة ﵃ وهم صدور هذه الأمة يعرفون حق القرآن الكريم عليهم، فوصفهم ابن عمر ﵄ بقوله: (كان القرآن ثقيلا عليهم، أي: يقدرونه حق قدره ورزقوا علمًا به وعملاً، وإن آخر هذه الأمة يخف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون منه شيئًا) .\rومهما يكن من أمر في تفسير ظهور المشكلة وآثارها، فإنها لا شك خلفت مظاهر لا تخفى على عين قارئ التاريخ الباحث عن الحقيقة متجردًا من الهوى فقد ارتفع نصيب المناقشات الجدلية على حساب الإيمان، فنقص هذا وزاد ذاك. يقول الأنصاري في كتاب (ذم الكلام) : (وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم، فكفروا السلف وسموا الإثبات تشبيهًا.. فلا يكاد يرى منهم رجلاً ورعًا، ولا للشريعة معظمًا ولا للقرآن محترمًا ولا للحديث موقرًا، سلبوا التقوى ورقة القلب","footnotes":"(١) فتاوى ابن تيمية ج ٥ ص ٣٣٣ تحقيق مخلوف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185847,"book_id":1232,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":144,"body":"وبركة التعبد ووقار الخشوع) (١) .\rوبإيجاز شديد، تبين كيف كان الدارمي في حكمه صادقًا ومصيبًا في تعليل ما حدث بالردة، بعد أن كان القرآن قد أطلق العرب - بل والناس جميعًا - من عقال الجاهلية، وارتقى بهم إلى آفاق حضارة رائعة في مجال العقيدة والفكر والعلم والأخلاق بفضل الوحي الإلهي؛ لأنه يفوق طور العقل الانساني القاصر - عادوا ليصفدوا أنفسهم بالأغلال ... داخل أسوار أهوائهم!!.\rوهكذا رجعوا القهقرى إلى الفلسفات التي كانت قبل الوحي المنزل من الله - تعالى - على رسوله ﷺ حيث أضاء العقول والنفوس بنور الحق، فكأنهم لا يقرون بالوحي أو لم يسمعوا به!","footnotes":"(١) نفس المصدر ص ٣٣٠ - ٣٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185848,"book_id":1232,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":145,"body":"الباب الخامس\rعلم الكلام على مفترق الطرق\r- السلف والأشاعرة.\r- محنة القرآن ونتائجها المنهجية.\r- التعريف بابن كُلاَّب.\r- إثبات صفة العلو لله تعالى شرعًا وعقلاً.\r- الإمام أبو الحسن الأشعري والمنهج السلفي.\rالتمييز بين الأشاعرة والسلف عقيدة ومنهجاً:\r- صفات الله ﷾.\r- نظرية الكسب الأشعرية وتفسير أفعال الإنسان.\r- عدل الله وحكمته.\r- نظرية الجوهر الفرد وتفسير الخلق والبعث.\r- توافق أدلة الكتاب والسنة مع الواقع المشاهد.\r- صعوبات أمام النظرية في تفسير البعث.\r\rظهور الحقيقة لأئمة الأشاعرة:\r- تحول أئمة الأشعرية إلى طريقة السلف.\r- تقييم ابن تيمية لشيوخ الأشاعرة.\r- طريقة السلف أعلم وأحكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185849,"book_id":1232,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":146,"body":"علم الكلام على مفترق الطرق\r\rالسلف والأشاعرة:\rتبين لنا مما تقدم أن علماء الحديث والسنة وقفوا طويلاً أمام علم الكلام نابذين أصحابه، مبتعدين عن الخوض فيه، ثم دخلوا الميدان حينما قويت شوكة المعتزلة، فاضطروا اضطرارًا إلى مجابهتهم - لا سيما عند محنة خلق القرآن - ولكن بمنهج مخالف، فكانت طريقتهم في الدفاع عن أصول الدين اتباع منهج السلف أي: مراعاة المعاني الصحيحة والألفاظ الشرعية، والرد على من تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلاً، ومثال ذلك ما مر بنا من طريقة الإمام أحمد في المحنة، فقد دأب على الامتناع عن التلفظ بألفاظ لم ترد بالشرع، فلما حاولوا إلزامه القول بالجسمية، امتنع وأجاب (هو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) (١) .\rورأى المحدثون بعده أن طريقة الإمام ابن حنبل هي كفيلة وحدها بالرد على أهل السنة من المتكلمين وغيرهم، ومن ثم لم ينكروا جنس النظر والاستدلال فيما يتعلق بأصول الدين، ولكنهم أنكروا الاصطلاحات التي أوردها أهل الكلام وخالفوا بها الأصول الشرعية، ومنذ ذلك الحين، يمكن التمييز بين نوعين من الكلام: أحدهما كما يذكر السفاريني - هو العلم المشحون بالفلسفة والتأويل عن حقائقها الباهرة، والثاني: علم السلف ومذهب الأثر وما جاء في الذكر الحكيم وصحيح الخبر (٢) ويعني ذلك: الاستدلال بالآيات والأحاديث.\rوكانت حجة علماء الحديث أن الشارع ﷺ لم يترك شيئًا من أصول الدين وفروعه إلا أوضحه، كيف تترك آثاره ويستند إلى آراء غيره؟ ومن هذه الوجهة لخص الإمام أحمد موقف علماء الحديث جميعًا، إذ لما سئل عن الكرابيسي (٢٤٥ هـ) وهو أحد زعماء المتكلمين - أجاب (إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله ﷺ وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب (٣) .","footnotes":"(١) ابن تيمية - موافقة صحيح المنقول مع صريح المعقول ج ١ ص ١٥٣.\r(٢) شرح عقيدة السفاريني ج ١ ص ٩٤.\r(٣) الخطب البغدادي: شرف أصحاب الحديث ص ٦، ٧، ٨ - تحقيق د. محمد سعيد خطيب\r=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185850,"book_id":1232,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":147,"body":"كذلك اكتفى علماء السنة والحديث وأتباعهم بالحديث النبوي حيث أوضح أصول الدين أفضل توضيح، وبيَّنها أحسن بيان بحيث يغني عن الالتجاء إلى غيره مصدرًا أو طريقًا.\rيقول الخطيب البغدادي في كتابه (شرف أصحاب الحديث) :\r(ولو أن صاحب الرأي المذموم شغل نفسه من العلوم، وطلب سنن رسول رب العالمين ﷺ، واقتفى آثار الفقهاء والمحدثين. لوجد ذلك ما يغنيه عما سواه، واكتفى بالأثر عن رأيه الذي رآه، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين، والإخبار عن صفات الجنة والنار، وما أعد الله تعالى فيهما للمتقين والفجار، وما خلق الله في الأرضين والسموات من صنوف العجائب وعظيم الآيات، وذكر الملائكة المقربين ونعت الصافين والمسبحين.\rوفي الحديث قصص الأنبياء، وأخبار الزهاد والأولياء ومواعظ البلغاء وكلام الفقهاء وسير ملوك العرب والعجم، وأقاصيص المتقدمين من الأمم، وشرح مغازي الرسول ﷺ وسراياه، وجمل أحكامه وقضاياه، وخطبه وعظاته وأعلامه ومعجزاته، وعدد أزواجه وأولاده وأصهاره وأصحابه، وذكر فضائلهم ومآثرهم، وشرح أخبارهم ومناقبهم، ومبلغ أعمارهم، وبيان أنسابهم (١) .\rأما المنهج الكلامي المعتزلي، فكانت أبرز معالمه - فضلاً عما تقدم من التزامهم بالأصول الخمسة - مخاصمة أهل الحديث والطعن في الأحاديث النبوية؟ إذ تحامل المعتزلة على المحدثين، واتخذوا من الجدل أساسًا للطعن في النصوص، وأولوا المتشابه من آي القرآن الكريم تأويلاً لم يقرهم أهل السلف عليه، وكانت مسألة الصفات الإلهية من أهم مسائل النزاع بينهما، حتى أصبحت علمًا مميزًا بين الطائفتين أو بين المثبتين والنافين لها، يقول الشهرستاني: (اعلم أن جماعة كبيرة من","footnotes":"=\rأوغلي ط دار إحياء السنة النبوية - أنقرة ١٩٧٢ م.\r(١) الخطيب البغدادي: شرف أصحاب الحديث ص ٦، ٧، ٨. تحقيق د. محمد سعيد خطيب أوغلي ط دار إحياء السنة النبوية - أنقرة ١٩٧٢ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185851,"book_id":1232,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":148,"body":"السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا.\rولما كانت المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتون، سمي السلف \"صفاتية\" والمعتزلة \"معطلة\" (١) .\rوبلغت ذروة الخلاف بين الاتجاهين عند محنة خلق القرآن التي عرضنا تفاصيلها في الباب السابق ثم تفجر الموقف بعدها عن اتجاه آخر جديد، سنعرض له فيما يلي:\r\rمحنة خلق القرآن ونتائجها المنهجية:\rكانت محنة خلق القرآن بحق - كما يرى أستاذنا الدكتور إبراهيم مدكور - نقطة تحول واضحة في تاريخ الحياة الفكرية والعقائدية في تاريخ المسلمين، ذلك لأنها أثارت في نفوس المسلمين ما أثارت من سخط وغضب، وعززت النزعة السلفية لمواجهة تيار العقليين الغلاة (٢) .\rومنذ ذلك الوقت تميزت المواقف إزاء أصول الدين فكانت الغالبية العظمى من أهل الحديث والسنة في موقف المعارضة للقول بخلق القرآن بخاصة ونفي الصفات الإلهية بعامة الذي تبناه المأمون والخليفتان من بعده وبالنظر لقانون الفعل ورد الفعل، كان أظهر ردود الفعل على يد أحد أئمة المتكلمين المنتسبين للسنة وهو عبد الله بن سعيد بن كلاب (٣) (وفاته بعد ٢٤٠ هـ) ، وأصبح التابعون لآرائه ينسبون إليه باسم (الكلابية) .\rوسار على طريقته أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ أو ٣٣١ هـ) الذي كان منتسبًا إلى المعتزلة نحو أربعين سنة ثم أعلن خروجه عليهم ونبذ عقائدهم وتبني عقائد الإمام أحمد بن حنبل.","footnotes":"(١) الشهرستاني: الملل والنحل ج ١ ص ٩٥ ط صبيح ١٣٤٧ هـ.\r(٢) د. إبراهيم مدكور: فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق ج ٢ ص ١١٣.\r(٣) كخطاف لفظًا ومعنى كما في (طبقات الشافعية لابن السبكي) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185852,"book_id":1232,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":149,"body":"وينسب الأشعري إلى ابن كلاب لاعتناقه بعض عقائده - كما سنرى - ثم صارت الشهرة بعد ذلك لأبي الحسن الأشعري، وصار على نهجه كبار الأئمة المنتسبين إليه كالباقلاني ٤٠٢ هـ، والجويني ٤٧٨ هـ، والغزالي ٥٠٥ هـ، والشهرستاني ٥٤٨ هـ، والرازي ٦٠٦ هـ، وغيرهم.\rومنذ قيام الأشعري والأشعرية بعده بالرد على المعتزلة ومعارضتهم، أصبح هناك تياران يعيشان جنبًا إلى جنب، كل منهما ينتهج منهجًا متميزًا وإن كان الاثنان يرتبطان بالسنة والجماعة تميزهما عن الفرق الخارجة عن الجماعة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والقدرية والجهمية.\rوالمنهجان ينتسبان إلى السنة ويعلنان أنهما يتمسكان بها، ولكن المحدثين يرون أن منهجهم وحده الذي يلتزم باتباع طريقة السلف.\rوكانت الضربة القاضية للمعتزلة على يد واحد كان منهم - ونعني بذلك أبا الحسن الأشعري، وتاريخه الذي يعبر تعبيرًا صادقًا عن الأزمة النفسية والاضطرابات التي لاقاها بعد أن عاش أربعين سنة على الاعتزال متتلمذًا على أبي علي وولده أبي هاشم الجبائي ٣٠٣، ٣٢١ هـ ولكنه عندما عرف طريقة الإمام أحمد ومنهجه وعقيدة أهل السنة والجماعة التي امتحن وابتلي بسببها، عندما عرف ذلك كان شجاعًا في التصريح بنبذه منهج المعتزلة وعقائدهم، وأخذ يؤلف كتبه للرد عليهم ونقض آرائهم وتابعه الأئمة المنتسبون إليه بعده كالباقلاني والجويني والغزالي وغيرهم.\rولم يكن طعن المنهج الاعتزالي وتأويلاته بالقهر والقسر كما فعل المأمون وخلفاؤه في قضية خلق القرآن، ولكن بمقارعة الحجة بالحجة، واستخدام المنهج العقلي سواء بطريقة أبي الحسن الأشعري وأتباعه، أو بالمنهج الذي أضله علماء الحديث والسنة الذي درسنا فكرة عنه، على لسان الإمام أحمد بن حنبل وعبد العزيز المكي وغيرهما.\rولكن الصحيح أيضًا أنه قامت موجة عارمة بواسطة علماء الحديث لصد موجة الاعتزال، ولكنها مهما أخذت شكل العنف أحيانًا أو الالتجاء إلى أولي الأمر، فإنها لم تصل إلى ما وصلت إليه على يد المأمون، الذي شاء (أن يجعل من تعاليمهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185853,"book_id":1232,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":150,"body":"عقيدة رسمية. واتخذ موضوع (خلق القرآن) شعارًا لذلك. وجاراه في هذه الخليفتان التاليان المعتصم والواثق، وقضى المسلمون ما يقرب من نصف قرن في قلق فكري، وجدل متواصل، وامتحان لبعض الأئمة وقادة الرأي، لم يسلم فيه بعضهم من السجن والتعذيب والقتل) (١) .\rوقد أثبت أستاذنا الدكتور إبراهيم مدكور في دراسته عن المحنة أن بطلها بلا منازع كان الإمام أحمد بن حنبل الذي أبى أن يجاري الحكام فيما ذهبوا إليه، أو أن يأخذ بالتقية في أمر يمس العقيدة، لأنه كان يرى أنه (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل، فمتى يتبين الحق؟) ولم تسكن هذه العاصفة إلا يوم أن تولى المتوكل سنة ٢٣٢ هجرية وأخذ يعالج الموقف في حذر وحكمة، واستطاع في عام ٢٣٧ أن يأمر بوقف هذا الصراع، فهدأت نفوس ثائرة، وسكنت جماهير متحركة، وأحس أنصار السلف بتأييد رسمي لهم، إلى جانب تأييد الرأي العام. ولم يلبث هؤلاء أن غلوا بدورهم في الجمود والمحافظة غلوًّا ربما زاد على غلو المعتزلة، فتطرفوا في آرائهم، واستمسكوا بحرفية النصوص، وانتقلنا من غلو عقلي إلى غلو آخر نقلي، وعلى رأس هؤلاء الغلاة جماعة الحنابلة الذين أصبح لهم نفوذ عظيم ببغداد في أخريات القرن الثالث للهجرة حتى أصبح يهدد الأمن والنظام، وقد امتد بعض الوقت.\rأضف إلى ذلك أن موقف الحنابلة لم يكن طارئًا جديدًا على مسرح الأحداث، بل كان امتدادًا لمنهج علماء الحديث والفقهاء قبلهم بزمن طويل.\rوكان اضطهاد المأمون لمعارضيه شاملا الحنابلة وغيرهم من أئمة السنة والحديث (٢) .\rولكننا نرى أنه مهما كان نفوذ الحنابلة في ذلك الحين، فلم يبلغ نفس النفوذ المفروض بالقوة الذي بدأ به المأمون وأتباعه أمثال بشر المريسي وابن أبي دؤاد. أضف إلى ذلك أنه لم يظهر دور الحنابلة المميز في ذلك الوقت المبكر، لأن الفقهاء والمحدثين وأتباعهم كانوا مجتمعين تحت لواء واحد ولم تظهر الفرقة بين الحنابلة","footnotes":"(١) د. مدكور في الفلسفة الإسلامية: منهجه وتطبيقه ج ٢ ص ١١٤.\r(٢) د. مدكور في الفلسفة الإسلامية: منهجه وتطبيقه ج ٢ ص ١١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185854,"book_id":1232,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":151,"body":"والأشاعرة بشكل مؤثر إلا في عصر متأخر عندما قامت فتنة القشيري عام ٤٦٩ هـ أي: بعد المحنة بما يقرب من قرنين ونصف قرن.\rوتخبرنا كتب التاريخ عن حوادث عارضة حيث تنازع الفريقان وأتباعهم، مثل ما حدث بين الإمام ابن خزيمة وأتباعه وابن كلاب وأتباعه، وكان إثبات صفات الله تعالى هو المعروف عند أهل السنة والحديث كالبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم من العلماء الذين أدركهم ابن خزيمة وتابعهم في العقيدة حيث استقرت على الإيمان بأن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، وأنه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة.\rوترتب على ذلك أن صار الناس حينذاك حزبين، منهم من وافق ابن خزيمة كالحاكم والسلمي والشهرستاني وابن مندة، ومنهم من وافق ابن كلاب كأبي ذر الهروي وأبي بكر البيهقي (١) .\rولكن صدى هذا الخلاف لم يتعد أن أمر ابن خزيمة - في رواية - ولاة الأمر بتأديبهم لمخالفتهم له وكانوا من أتباعه. وفي رواية أخرى أنه هب مناقشًا لآراء الكلابية (فلم يزل يصيح بتشويهها، ولقن في الكتاتيب ونقش في المحاريب، أن الله تعالى متكلم.. إن شاء الله تكلم وإن شاء سكت..) (٢) .\rوهناك حادثة ثانية كانت بمثابة فصل الخطاب في النزاع بين الأشعرية والحنابلة، ولكنها لم تخرج أيضًا عن خلاف بين الفريقين وأسفر - كما يذكر ابن كثير في تاريخه - عن مقتل رجل واحد.\rوتسمى هذه الحادثة بفتنة القشيري، من حوادث عام ٤٦٩ هـ بسبب أن ابن القشيري قدم بغداد، فجلس يتكلم في المدرسة النظامية وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وكتب إلى نظام الملك يشكو إلى الله الحنابلة ويسأل المعونة عليهم، كما أرسل بعض مؤيديه إلى الشريف ابن جعفر شيخ الحنابلة وهو في مسجده للاعتداء عليه فدافع عنه أتباعه، واقتتل الناس بسبب ذلك وقتل رجل خياط","footnotes":"(١) ابن تيمية - موافقة ج ٢ ص ٦-٧.\r(٢) نفس المصدر ص ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185855,"book_id":1232,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":152,"body":"وجرح آخرون ثم انتهت الفتنة بالمصالحة بين الشيوخ الطرفين، واستدعى الخليفة أبو جعفر (شيخ الحنابلة) إلى دار الخلافة للسلام عليه والتبرك بدعائه.\rولكن يفهم من سياق الحادثة أن البادئ هم أتباع الأشعرية لا الحنابلة، كما يستخلص منها أيضًا أن الأشعرية كانوا أقوى شوكة وأنهم استندوا إلى قوة الوزير في إثارة الناس على الحنابلة. وجاء هذا على لسان شيخ الحنابلة إلى الشيخ أبي إسحاق ( ... إلا أنك لما كنت فقيرا لم تظهر لنا ما في نفسك، فلما جاء الأعوان والسلطان ... ونظام الملك أي الوزير وشبعت، أبديت ما كان مختفيًا في نفسك) (١) .\rونضطر للتساؤل، أين مثل هذه الحوادث بحجمها ونتائجها مع ضراوة الأساليب التي اتخذها المأمون والخليفتان من بعده؟\rوبغير استطراد في سرد ألوان الاضطهاد والتعذيب مما تحشده كتب التاريخ عن المحنة - حتى أصبح اللفظ مصطلحاً معبراً عن محنة خلق القرآن وحدها - سنكتفي بالواقعة المشهورة المذهلة التي تتلخص في اختبار أسرى المسلمين بقضية خلق القرآن ونفي رؤية الله ﷿ في الجنة، فإن أجابوا بالإيجاب، فك أسرهم، وإن لم يفعلوا أعيدوا إلى الأعداء مرة أخرى (٢) .\rقال المسعودي يصف هذه المأساة: (وحضر هذا النداء رجل يكنى أبا رملة من قبل أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة. يمتحن الأسارى وقت المفاداة فمن قال منهم بخلق التلاوة ونفي الرؤية فودي به، وأحسن إليه، ومن أبى ترك بأرض الروم. فاختار جماعة من الأسارى الرجوع إلى أرض النصرانية على القول بذلك. وأبى أن يسلم الانقياد إلى ذلك، فنالته محن ومهانة إلى أن تخلص (٣) .","footnotes":"(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٢ ص ١١٥.\r(٢) ومع هذا يؤسفنا أن نجد باحثاً جادًا، كالدكتور محمد عمارة في كتاب (تيارات في الفكر الإسلامي) يغض الطرف عن هذه الحقيقة ويقصر وصف المحنة على ما حدث لبعض المعتزلة نتيجة خروجهم.\r(٣) وقدر عدد الأسرى حينذاك بأربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين من ذكر وأنثى وقيل أربعة آلاف وسبعة وأربعين. المسعودي: التنبيه والإشراف ط القاهرة ١٣٥٧ هـ ص ١٦١ - ١٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185856,"book_id":1232,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":153,"body":"أما عن الفكرة الشائعة عن الغلو في التمسك بالنصوص، فسنحاول توضيحها في الصفحات القادمة، عندما ندرس آراء ابن كلاب والأشعري في ضوء مؤلفات لعلماء الحديث والسنة تتضمن المنهج العقلي حيث برهنوا به على أن طريقة المتكلمين لم تخل من ثغرات كبيرة لا يمكن سدها إلا بالتأويل الصحيح لنصوص التنزيل.\rوبذلك فإن وصفهم بـ (النصيين) لا ينطبق بالمعنى الحرفي عليهم، وإذا كانت طريقتهم مبنية على تفضيل أدلة الشرع فإنهم ما فعلوا ذلك إلا بناء على فهمهم لتفسيرها الصحيح، ومعرفتهم لأساليب اللغة وأسرارها وأسباب النزول، واستدلالات الأوائل بها. ولذلك مضى علماء السنة يستدلون بآيات القرآن والأحاديث بناء على إدراكهم العميق لها وامتلاكهم لنواصي منهج البحث العلمي كاملا في قضايا أمور الدين وأصوله مما جعلهم فرسانًا في هذا الميدان لا يجاريهم فيه أحد؟ فلم يقتصروا على ظاهر النصوص كالظاهرية مثلاً.\rوللتعريف بهم وبمنهجهم في البحث العلمي نورد طرفًا من وصف إمام الحرمين مع أبي الحسن الكرجي (٥٣٢ هـ) لهم ووصف قدراتهم وعلومهم وأسباب تفضيلهم على غيرهم (١) ، قال: لأنهم أجمع لشرائط (القدوة والإمامة من غيرهم وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها مع جودة الحفظ والبصيرة، والفطنة والمعرفة بالكتاب والسنة، والإجماع والسند والرجال والأحوال، ولغات العرب ومواضعها والتاريخ والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصحيح والمدخول في الصدق والصلابة، وظهور الأمانة والديانة ممن سواهم) وإذا فرض ولم يستكمل أحدهم هذه الشرائط جميعًا جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم فإن غيرهم من الأئمة - وإن كانوا في منصب الإمامة - لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه مجملاً من شرائطها (٢) .","footnotes":"(١) ويقصد بهم أئمة أهل السنة في أنحاء العالم الإسلامي كالشافعي ومالك والثوري والبخاري وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وغيرهم.\r(٢) ابن تيمية: نقض المنطق ص ١٤٣ - ١٤٤ نقلاً عن شيخ الحرمين أبي الحسن الكرجي (٥٣٢ هـ) بكتابه (في الأصول عن الأئمة الفحول) .\r=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185857,"book_id":1232,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":154,"body":"أسفرت المحنة إذن - كما تبين آنفًا - عن التمييز بين منهجين معارضين للمعتزلة.\rأحدهما: منهج علماء الحديث المتصل بسلسلة طويلة من الأئمة، بادئة بعصر الصحابة والتابعين، ولكن أصبح الإمام ابن حنبل علمًا له واشتهر باسمه بسبب ما لاقاه وحده في المحنة من عذاب وابتلاء، بينما كان موقفه في الحقيقة معبرًا عن طريقة العلماء من معاصريه والسابقين عليه السائرين على طريق السنة.\rالثاني: موقف جديد معارض للمعتزلة أيضًا، لكن استخدم طريقة علماء الكلام مع محاولة التوفيق - في رأيهم - بين المنقول والمعقول وقد بدأه أبو الحسن الأشعري، موافقًا مذهب السنة والحديث في أصولهم العامة فأثبت صفات الله تعالى خلافًا للنفاة وإثبات القدر وأن أعمال الناس وغيرهم بمشيئة الله وقدرته، خلافًا لنفاة القدر، وإثباته لفضائل الصحابة لا سيما الخلفاء الأربعة، وموافقته لأهل السنة في عقائدهم في الشفاعة والصراط والميزان. كما قام بالرد على المعتزلة والشيعة والجهمية مبينًا تناقضهم (١) .\rولما كان الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال قد سلك طريقة ابن كلاب، فإننا سنعرض أولاً لعقيدة ابن كلاب، قبل الحديث عن الشيخ الأشعري لمعرفة الصلة بينهما، لا سيما في موقفهما من موضوع كلام الله تعالى.\r\rالتعريف بابن كلاب:\rتروي كتب الفرق أن أبا الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال سلك طريقة أبي محمد بن كلاب، الذي قام مدافعًا عن عقيدة أهل السنة في مواجهة المعتزلة مبينًا","footnotes":"=\rويرى الكرجي أنه يلزم كل من يتبع أحدًا من الأئمة في الفروع أن يتبعه فى الأصول أيضًا، فانتحال مذهبه، مع مخالفته له في العقيدة، مستنكر شرعا وطبعًا. فمن قال: أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد ومن قال: أنا حنبلي فى الفروع معتزلي في الأصول، قلنا: قد ضللت إذاً عن سواء السبيل عما تزعمه، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد.\r(١) ابن تيمية: مجموع فتاوى ج ٤ ص ١٣ ط الرياض ١٣٨١ هـ وفي موضع آخر يدافع عن الأشعري بحرارة مقررًا أنه بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها ما لم يبينه غيره حتى جعلهم في قمع السمسمة (شرح حديث النزول ص ١٧٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185858,"book_id":1232,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":155,"body":"فساد قولهم بنفي علو الله تعالى، ونفي صفاته وصنف كتبًا كثيرة في أصل التوحيد والصفات، وبين بأدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه، ومباينته لهم من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، إذْ كان الجهمية النفاة المعطلة للصفات في عصره يقولون: إن الله لا يرى ولا له علم ولا قدرة وأنه ليس فوق العرش رب، ولا على السموات إله، وأن محمدًا ﷺ يعرج به إلى ربه. وقد أنصفه ابن تيمية فأقر بما كان له من فضل وعلم ودين ودافع عنه إزاء من يتهمونه بأنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ورأى أنه كذب عليه (١) ، وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم، لأنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى، بينما كان ابن كلاب أقرب إلى السنة من الجهمية والمعتزلة (٢) .\rولكن وجه الخطأ في تأويل ابن كلاب ومن وافقه ظنه أنه لا يمكن رد قول الجهمية في القرآن إلا إذا قيل: إن الله تعالى لم يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا كلم موسى حين أتاه، ولا قال للملائكة: اسجدوا لآدم بعد أن خلقه، ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به، ولا يرضى عنه بعد أن يطيعه، ولا يحبه بعد أن يتقرب إليه بالنوافل، ولا يتكلم بكلام بعد كلام، فتكون كلماته لا نهاية لها.","footnotes":"(١) شرح حديث النزول ص ١٧١.\r(٢) وبذلك طعن ابن تيمية في الرواية التي يحكيها خصوم ابن كلاب، وتتلخص فى الادعاء بأنه كان نصرانيا فأسلم وفارق قومه، وكانت له أخت أكبر منه عالمة بدين النصرانية، لها عندهم قدر عظيم فهجرته حين أسلم وأبعدته من المحلة، لأنها كانت راهبة للنصارى مقبولة القول عندهم، يصدرون عن رأيها، فتحيل عليها كل أحد من المسلمين والنصارى من الجيران، في أن تمكنه من الدخول إليها فلم تفعل فاحتال حتى تسلق عليها من بعض بيوت الجيران، فلما رأته صاحت فقال لها: يا سيدتي اسمعي مني كلمة واحدة، ثم افعلي ما بدا لك. فقالت: هات. فقال: اعلمي أني وجدت هذا الإسلام ينشر ويزداد كل يوم ظهورًا، والنصرانية تضمحل آثارها، فوضعت فصولا وعلمت مسائل - ذكرها لها - أودعتها معنى النصرانية وأسسها في الإسلام، وشوشت عليهم أصولهم - فلما سمعت بذلك طابت نفسها. (عباس بن منصور السكسكي الحنبلي (متوفى ٦٨٣ هـ) البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ١٩ تحقيق خليل أحمد إبراهيم الحاج، دار التراث العربي ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185859,"book_id":1232,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":156,"body":"وكانت هذه العقيدة التي اتخذها ابن كلاب وأتباعه بمثابة رد فعل لما زعمه الجهمية بأن القرآن مخلوق، فظنوا أن دفع هذا القول والرد عليه يقتضي الاعتقاد بأن كلام الله تعالى معنى واحد قائم بذاته، وبذلك خالفوا سلف الأمة وجمهورها القائلين بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض، كما بين ذلك الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك عنهم (١) .\rلذلك أنكر بعض أصحاب مالك والشافعي على ابن كلاب هذا الأصل وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر الكلابية حتى هجر الحارث المحاسبي لأنه كان صاحب ابن كلاب، وكان قد وافقه على هذا الأصل، ثم روي عنه أنه رجع عن ذلك، وكان الإمام أحمد يحذر من الكلابية (٢) .\rوالصحيح في رأي ابن تيمية أن القرآن الكريم - وإن كان كله كلام الله تعالى وكذلك التوراة والإنجيل والأحاديث القدسية (أو الإلهية) التي يحكيها الرسول ﷺ عن الله ﵎ كقوله: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) وكقوله: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) وأمثال ذلك، فهي وإن اشتركت في كونها كلاماً إلا أن بعضها أفضل من بعض، وشرح ذلك يحتاج إلى بيان.\rإن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم به، ونسبة إلى المتكلم فيه. فهو يتفاضل باعتبار النسبتين وباعتبار نفسه أيضًا، فإن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) كلاهما كلام الله تعالى، وهما مشتركان من هذه الجهة، لكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه، المخبر عنه، فالآيات الأولى كلام الله وخبره الذي يخبر به عن نفسه، وصفته التي يصف بها نفسه، وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه تعالى، والآيات الثانية كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه، ويخبر به ويصف به حاله، وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين (٣) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص ٥٢ - ٥٣.\r(٢) نفس المصدر ص ٥٥.\r(٣) ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص ٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185860,"book_id":1232,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":157,"body":"ولكن، لا ينكر ابن تيمية فضل ابن كلاب عندما قام في وجه المعتزلة مثبتًا صفات الله تعالى، ومنها صفة العلو، وهي بإيجاز تتلخص فيما يلي:\r\rإثبات صفة العلو لله تعالى شرعًا وعقلاً:\rنقد ابن كلاب بشدة رأي المعتزلة القائل بأن الله ﷾ لا هو في العالم ولا خارج منه لأن هذا النص يتساوى مع وصف العدم. وعلى هذا فإن دعواهم هي النفي الخالص بدعوى التوحيد الخالص، مع أنهم عقليون قياسيون وعرض آرائهم على العقل يكشف أخطاءهم، وفيما يلي رأي ابن كلاب بإيجاز:\rيستند ابن كلاب في إيراد حجته لإثبات استواء الله على العرش إلى حجج عقلية وشرعية، فمن الحجج العقلية أن المعتزلة إذا وصفوا الله ﷿ بأنه ليس فوق ولا تحت، فإنهم بذلك يصفون العدم. وهم يعتقدون أن الله في الأمكنة كلها، فيتساءل ابن كلاب معجبًا: (وإن كنتم تذهبون إلى خلوه من استوائه عليها كما استوى على العرش، فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض واستوى على الجدار، وفي صدر البيت) .\rوأيضًا يلزمهم بالفوقية؛ لأنهم يعنون بها القدرة والعزة، وليس هذا إجابة عن سؤاله لهم؛ لأنهم من ناحية أخرى يصفونه بأنه ليس هو فوق وليس هو تحت - ويلزمهم بالتناقض - لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، ويتناقضون أيضًا بقولهم هو تحت وهو فوق، فساووا بين الجهتين، وهذا تناقض.\rأما التفسير فهو في جانب إثبات صفة العلو لله تعالى، فإذا تعمقنا في غور الفطرة الإنسانية، لوجدنا من المفطور فيها معرفة ربها في السماء، ومعارف الآدميين هنا لا شيء أبين منه ولا أوكد، فلا تسأل أحدًا من الناس عربيًا ولا عجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا: أين ربك؟ إلاّ وأجاب بأنه في السماء، ولا رأينا أحدًا إذا دعا إلا رافعًا يديه إلى السماء، فكيف يضل الناس جميعًا ويهتدي جهم وأتباعه، ويدعون أنهم أفضل الناس كلهم؟\rويضيف ابن كلاب إلى ذلك الدليل الشرعي في الحديث النبوي عن سؤال الرسول ﷺ جارية: (أين الله؟) فأجابت: (في السماء) فأجاز إجابتها الرسول، وأنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185861,"book_id":1232,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":158,"body":"صواب، ومن أجله شهد لها بالإيمان (١) .\rوبعد، فإن وقوف ابن كلاب في وجه المعتزلة وإثباته للصفات الإلهية كان بمثابة تمهيد لآراء أبي الحسن الأشعري بعده، ولهذا عده صاحب (الفهرست) من الكلابية (٢) .\rويرى الأشاعرة بعامة - كما يذكر ابن عساكر المتكلم بلسانهم - في ظهور آراء إمامهم أبي الحسن الأشعري حسمًا للمشاكل الكلامية المثارة حينذاك على مسرح الفكر الإسلامي من الوجهين المنهجي والموضوعي، قد استطاع منهجيًا استخدام نفس أسلوب المعتزلة لدحض آرائهم مستخدمًا المنهج الكلامي الجدلي، كما استطاع موضوعيا إيجاد الحلول للمسائل المتنازع عليها بين طائفتي أهل الحديث والسنة والمعتزلة، وأهمها الصفات الإلهية والقدر ورؤية الله ﷿ في الآخرة.\rيقول الدكتور حمودة غراب: (وعلى يديه وحده تمت هزيمة المعتزلة بعد أن نازلهم بنفس سلاحهم وناقشهم بأسلوب يعتمد على العقل والمنطق) (٣) .\rويقرر ابن عساكر أن الأشعري لم يكن أول من تكلم بلسان أهل السنة، ولكنه جرى على سنة غيره، مناصرًا المذهب فزاد حجة وبيانًا (ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهبًا انفرد به. وليس له في المذهب أكثر من بسطه وشرحه وتأليفه في نصرته) (٤) .\rوسنعرض فيما يلي لأهم القضايا الكلامية من وجهة نظر الإمام الأشعري، ثم نتبعها بآراء شيخ الإسلام ابن تيمية باعتباره ممثلاً للمذهب السلفي ومدافعًا عنه.\r\rالإمام أبو الحسن الأشعري والمنهج السلفي:\rهو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، من أهل البصرة، وكان معتزلي النشأة والعقيدة، ثم رجع عن القول بآرائهم. وأعلن في المسجد الجامع","footnotes":"(١) ابن تيمية: مجموع فتاوى ج ٥ ص ٣١٨ - ٣٢٠ ط السعودية.\r(٢) ابن النديم: الفهرست ص ١٨١ ط فلوجل ليبسك ١٨٧١ م.\r(٣) د. حمودة غراب: أبو الحسن الأشعري ص ٥٩ من مطوعات مجمع البحوث الإسلامية ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م.\r(٤) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري على الإمام أبي الحسن الأشعري ص ١١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185862,"book_id":1232,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":159,"body":"بالبصرة، في يوم الجمعة مناديًا بأعلى صوته (من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي. أنا فلان ابن فلان.. كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع) (١) .\rولن نخوض في الدراسة التفصيلية لآراء الأشعري وأئمة المذهب بعده، فإن المؤلفات العديدة قديمًا وحديثًا قد كفتنا مؤونة ذلك، ولكننا سنشغل أنفسنا ببيان أهم الموضوعات التي كانت مثار مناقشة بين الاتجاهين البارزين في دائرة علم الكلام عبر قرون طويلة ممتدة حتى عصرنا الحاضر، وهو السبيل لتوضيح المنهج عند كل منهما ونعني بذلك الاتجاهين:\rالمذهب الأشعري بإمامه أبي الحسن الأشعري، والسلفي بإمامه شيخ الإسلام ابن تيمية، وبالرغم من أنهما ليسا متعاصرين، إلا أنهما استأثرا بجذب علماء المسلمين وعامتهم منهجيًا وعقائديًا، ولكن الفرق بينهما أن الأول كما قلنا نشأ في بيئة الفكر الاعتزالي ثم خرج عليه مفضلاً التأويل في أغلب آرائه - ثم روي أنه رجع في نهاية حياته إلى اعتناق مذهب الإمام أحمد بن حنبل - ولكن الثاني، أي: ابن تيمية، وإن عاش في العصور المتأخرة - خلال القرن السابع - الثامن الهجري (مولده ٦٦١ هـ ووفاته ٧٢٨ هـ) ، إلا أنه استمسك بمنهج الأوائل منذ الصحابة والتابعين - فضلا عن أدلة الكتاب والسنة - مدافعًا عن الإسلام بعامة، وأصوله بخاصة بأسلوب الحجاج العقلي، مؤكدًا اتفاق الأدلة العقلية مع الأدلة الشرعية، وظهر أثره الإيجابي في كثير من رجال الفكر والدعوة في العصر الحديث كمحمد بن عبد الوهاب والأفغاني ومحمد عبده وابن باديس ومحمد إقبال وغيرهم.\rأما منهج الأشعري، فقد كان نتاجًا للنزاع العميق الذي تفجر بين المعتزلة وعلماء الحديث والسنة في عصره، وبدأ محاولاته الجدلية الكلامية بعد انفصاله عن","footnotes":"(١) ابن النديم: الفهرست ص ١٨١ لييسك ١٨٧١ م تحقيق فلوجل وكان الأشعري شديد المعارضة للمعتزلة بعد خروجه من صفوفهم ومن مظاهر ذلك أنه كتب مدللاً على كفر النَّظَّام، فروى البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) ذلك بقوله: (ولشيخنا أبي الحسن الأشعري ﵀ في تكفير النظام ثلاثة كتب) ص ١٣٣ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ط مكتبة محمد علي صبيح بالأزهر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185863,"book_id":1232,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":160,"body":"صفوف المعتزلة، وكان يظن بحكم ثقافته ونشأته وتكوينه بافتراق طريقي العقل والنقل، وأن دوره يقتضي الجمع بينهما، وكان حريصًا على الارتباط بأهل السنة والحديث في شخص إمامهم أحمد بن حنبل ولذلك ذيل مقالتهم في كتابه (مقالات الإسلاميين) بقوله: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، إليه المصير) (١) .\rوظل المذهب الأشعري ينتقل من طور إلى آخر بواسطة شيوخ المدرسة، كالبلاقاني [[كذا في الأصل، والصواب: كالباقلاني.]] والجويني والشهرستاني والغزالي والآمدي والرازي. وما زال يلقى قبولاً وتأييدًا لدى الغالبية العظمى من المسلمين، فلسنا بإزاء قضايا تاريخية انقطعت صلتهم بها بل ما زالت تلقى اهتمامًا في دوائر الفكر الإسلامي المعاصر أيضًا. ويقابلها الاتّجاه السلفي المتصل بابن تيمية. ويقول الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق:\r(أما النهضة الحديثة لعلم الكلام فتقوم على نوع من التنافس بين مذهب الأشعرية ومذهب ابن تيمية. وإنا لنشهد تسابقًا في نشر كتب الأشعرية وكتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ويسمي أنصار هذا المذهب الأخير أنفسهم بالسلفية، ولعل الغلبة في بلاد الإسلام لا تزال إلى اليوم لمذهب الأشاعرة) (٢) .\rومع تقديرنا البالغ لعلمائنا الذين بذلوا الجهد الكبير وأفنوا أعمارهم في خدمة الإسلام عقيدة وشريعة، ورغبتنا في التوحيد والتآلف بين الصفوف، نرى أن إسهامنا في توضيح مذهب أهل السنة والحديث - وابن تيمية واحد من أبرزهم - يعبر عن اقتناع بتفضيل منهج السلف لاتصاله الوثيق بالقرآن والحديث والكشف عن الطرق العقلية بهما، وهما لا شك باقيان أبدًا، وينبغي أن يكونا دائمًا جامعين للمسلمين.\rولعل الدور الذي قام به شيخ الإسلام ابن تيمية يوضح أكثر من الإمام الأشعري التقاء المعقول بالمنقول، بل التحامهما، وذلك بسبب بيئته الثقافية وتكوينه العلمي ومواهبه الذهنية والقضايا المثارة في عصره؛ فقد عاش في زمن انقسمت فيه","footnotes":"(١) مقالات الإسلاميين ج ٢ ص ٣٢٥.\r(٢) الشيخ مصطفى عبد الرازق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٣٩٥ ط لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٤ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185864,"book_id":1232,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":161,"body":"الفرق الإسلامية انقسامًا كبيرًا وتضخمت المشكلات الكلامية والفلسفية، وتوقفت الاجتهادات الفقهية فشاع التقليد والتعصب للمذهبية الضيقة، كذلك عانى المسلمون الأمرين بسبب آثار حروب طاحنة متوالية بسبب الحروب الصليبية وغزوات التتار، فتنبه الشيخ السلفي إلى صلة العقيدة بالواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي، بل أرجع هذه الحروب إلى تراخي العلاقة بين المسلمين وعقيدتهم، وبسبب تفرقهم وتنازعهم.\rوكان نفوذ الأشعرية هو السائد آنذاك، فأثاروا مع ابن تيمية عدة مناقشات تتعلق بأصول الدين، واجتاز بسببها المحن تلو المحن، وكانت دوافعه تنبيه المسلمين إلى منهج السلف، بعد أن قام بدراسة نتائج شيوخ الأشاعرة، وهاله أن يجد اختلاط الكلام بالفلسفة اليونانية، واستخدام الحدود والأقيسة المنطقية الأرسطية، فوقف ابن تيمية ليدافع بشدة عن قضية موافقة الشرع للعقل، ولم يدع لنفسه تجديدًا - مع أنه كذلك - وعكف على قراءة واستيعاب مئات المؤلفات لعلماء الحديث والسنة قبله، وأخذ يدعم منهجهم ويشرحه لمعاصريه، مستخدمًا اصطلاحات المتكلمين والفلاسفة أيضًا، معالجًا لكافة القضايا المثارة، فاهمًا بعمق للمنهج السلفي ومدافعًا عنه بكافة الأساليب المتاحة، فضلا عن إبرازه لأحد سمات الإسلام البارزة بشموله وسعة دائرته لأمور الدين والدنيا، ولا بأس هنا من الإشارة بصفة عاجلة لأهم القواعد التي استند إليها، قبل أن ننتقل لعرض منهجه بالتفصيل، وهي:\rأولاً: أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول ﷺ.\rثانيًا: أصحاب القرون الأولى هم الأفضل مستندًا إلى قول الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) [التوبة، الآية: ١٠٠] ، وحديث الرسول ﷺ \"خير القرون الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\"، وتفسير ذلك أنه رضي عمن اتبعهم بإحسان، وذلك متناول لكل من اتبعهم إلى يوم القيامة (١) .\rثالثاً: إن الأولى استخدام طرق القرآن في الحجاج والجدل، والتعبير عن حقائق","footnotes":"(١) النبوات ص ١٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185865,"book_id":1232,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":162,"body":"الإيمان بكلمات القرآن أفضل، لأنها نفس أساليب الرسل في مناقشة الأمم الذين بعثوا إليهم (١) ، والأمثلة كثيرة: منها أن الله تعالى قد أخبر عن قوم نوح وإبراهيم ومجادلتهم للكافرين (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود، الآية: ٣٢] وعن قوم إبراهيم (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) إلى قوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) [الأنعام، الآيات: ٨٠ - ٨٣] كما فصل محاجة إبراهيم ﵇ للنمرود.\rوأيضًا فإن الدارس للقرآن المتدبر لآياته يلتقي مع مناظرات متعددة للكفار والاحتجاج عليهم بالأدلة العقلية الكافية والشافية، وأن الله تعالى أمر بالجدل بالتي هي أحسن فقال: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت، الآية: ٤٦] وقال سبحانه: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل، الآية: ١٢٥] .\rرابعًا: إن آيات الله السمعية والعقلية والعيانية كلها متوافقة، فلا تعارض إذن بين أدلة الشرع وأدلة العقل (٢) .\rوربما كان أكثر ما أثار شيخ الإسلام ابن تيمية هو اعتبار المنهج الذي اختصته الأشاعرة لأنفسهم أفضل من منهج السلف، فاعتبروا طريقة السلف أسلم وطريقتهم هم أعلم وأحكم، ولا شك أن مثل هذا الشعار يؤدي إلى تفضيل الخلف على السلف في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، ويصف السلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل، ويؤدي إلى الزعم أيضًا بأن (أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة) (٣) .\rلذلك بذل ابن تيمية المحاولات تلو الأخرى في كتبه ومناقشاته لإثبات أن السلف كانوا أهل نظر ودراية إلى جانب كونهم أهل نقل ورواية، وأنهم آثروا عدم تضييع جهودهم وأوقاتهم في محاولات عقيمة؛ إذ رأوا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ الكفاية، وأقاموا البناء كاملاً في العقيدة والشريعة والعبادات والنظم","footnotes":"(١) نفس المصدر ص ١٥٧.\r(٢) نفس المصدر ص ٣٠٣.\r(٣) ابن تيمية: نقض المنطق ص ١٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185866,"book_id":1232,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":163,"body":"والأخلاق جميعًا، فإذا أرادت الأمة أن تأخذ بزمام أمورها من جديد بين الأمم، فعليها باتباع طريقتهم، وهذا معنى قول عبد الله بن مسعود: (من كان منكم مستنًّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ: كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بدينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) ويمضي الشيخ في شرح ذلك فيصف الصحابة بالمقارنة بغيرهم بأنهم كانوا أقل الناس تكلفًا، يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف، ما يهدي الله بها أمة، وهذا من منن الله على هذه الأمة، ونجد غيرهم يحشون الأوراق من التكلفات والشطحات (١) .\rونرى ابن تيمية محقًا في نظرته، وإذا كان المجال هنا غير مناسب للكشف عن درايته العميقة بأصول التفسير التاريخي، أو ما يسمى بفلسفة التاريخ، إلا أنه كثيرًا ما كان يعالج في مؤلفاته أسباب هزائم المسلمين وطمع أعدائهم فيهم ويعللها بسبب التفرق والاختلاف، وقد أصاب تفسيره إذ شغلوا أنفسهم بالبحث في حقائق توقيفية مصدرها الوحي، فانصرفوا عن العمل والتنفيذ، وكان بوسعهم المضي قدمًا في مجالات العلوم والمعارف النافعة، وكان لعلمائهم جهود لا تنكر في هذه الميادين، كما أسفرت عنه الدراسات الحديثة المنصفة.\rوالآن نتساءل: هل وفق الأشاعرة في التعبير عن أئمة السلف عقيدة ومنهجًا؟ (٢) . تقتضي الإجابة دراسات متشعبة يضيق عنها نطاق هذا الكتاب، مما اضطرنا إلى اختيار بعض القضايا التي دار حولها النقاش؛ لكي نعرف بالمقارنة مدى التمايز بين المنهجين وهي كما يلي:","footnotes":"١١ (نفس المصدر ص ١١٣ - ١١٤ وأيضًا جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج ٢ ص ١١٩.\r(٢) سبقنا إلى طرق هذا البحث أستاذنا الدكتور محمد علي أبو ريان بكتابه (تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام) ، وانتهى إلى أن البون شاسع بين موقف السلف ومذهب الأشاعرة من حيث أنه لم يثبت أن السلف قد استخدموا الكلام في شرح العقيدة، أو مالوا إلى التأويل في تفسيرها ص ٢٢٣. مع العلم بأن السلف يرون أن هناك نوعين من الكلام: مذموم وممدوح، وقد نقدوا الأول واستخدموا الثاني كما بينا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185867,"book_id":1232,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":164,"body":"أولا: صفات الله ﷾:\rفرق الأشاعرة بعامة بين صفات الذات وصفات الأفعال الإلهية قال الآمدي: (مذهب أهل الحق: أن الواجب بذاته مريد بإرادة، عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة على الذات) (١) .\rولقد تعرض هذا الموقف للنقد بواسطة شيخ الإسلام ابن تيمية لأنهم اقتصروا على هذه الصفات وحدها، مؤكدًا أن تضمن الأسماء والصفات التامة الكاملة لله ﷾، مثل قوله سبحانه: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [البقرة، الآية: ١٦٣] وقوله ﷿: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر، الآيتان: ١٥، ١٦] . وقال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة، الآية: ٢٥٥] وقوله: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) [طه، الآية: ١١١] .\rومما يدل على دقة الشيخ في النقد أنه مع إقراره بالمعنى الصحيح لصفتي مريد متكلم إلا أنه بإحصاء الآيات القرآنية يتبين أن هذين الاسمين لم يردا في القرآن الكريم ولا في الأسماء الحسنى المعروفة، ولكن معناهما حق.\rويقرر ابن تيمية أن صفات الله ﷿ ثابتة بالشرع والعقل، ويعجب من موقف الأشاعرة وغيرهم من الصفاتية الذين أثبتوا الصفات السبع لأنها عندهم قد دل عليها العقل، ويرى أن وجه القصور في هذا المنهج يرجع إلى أنهم لم ينتبهوا إلى أن هناك من الأسماء والصفات المقدسة ما هو ثابت بالشرع - ولكن لا يلزم من عدم الدليل المعين المدلول فلا يلزم نفي ما سوى هذه الصفات إذ إن السمع قد أثبت صفات أخرى، واستطرد مثبتًا الأسماء والصفات التي تدل على الرحمة والمحبة وغيرهما، ثم يميز بين نوعي الفعل: المتعدّي واللازم، واتخذ من آيات الله تعالى أدلة على الجمع بين صفات الأفعال بمثل قوله سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا","footnotes":"(١) سيف الدين الآمدي (٥٥١ - ٦٣١ هـ) : غاية المرام في علم الكلام تحقيق د. حسن عبد اللطيف ص ٣٨ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185868,"book_id":1232,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":165,"body":"بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وأخذ في تدبر الآيات الأخرى وإحصائها مثبتًا أن هذا الأصل ورد في القرآن في أكثر من مائة موضع.\rكذلك لا يرى سببًا يدعو إلى إنكار صفات الأفعال مستندًا إلى دليل عقلي مقتضاه (أن دلالة السمع على علم الله تعالى وقدرته وإرادته وسمعه وبصره، كدلالته على رضاه ومحبته وغضبه واستوائه على عرشه ونحو ذلك) .\rويصبح التساؤل هنا في موضعه تمامًا، إذ أين الصفات السبعة التي اقتصر عليها الأشاعرة من الأسماء والصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه؟ لقد أخبرنا في كتابه أنه حي، قيوم، حكيم، غفور، رحيم، سميع، بصير، عظيم، خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وكلم موسى، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، يرضى عن المؤمنين، ويغضب على الكافرين، إلى أمثال ذلك من الأسماء والصفات.\rهذا من حيث إثبات الصفات والأفعال.\rأما من حيث النفي، فإن الله - تعالى - يصف نفسه بأنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص، الآية: ٤] (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم، الآية: ٦٥] ؟ (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) [البقرة، الآية: ٢٢] فنفى بذلك أن تكون صفاته كصفات المخلوقين.\rوبعد هذه المقارنة التي عقدها الشيخ، لفت نظره اختلاف طريقة الأنبياء والرسل وطريقة المتكلمين في التحدث عن صفات الله تعالى وبيانها، إن القارئ للقرآن يتضح له أن الله ﷾ بعث أنبياءه ورسله بإثبات مفصل لأسمائه وصفاته ونفي مجمل لها أي: نفوا عنه مماثلة المخلوقات كقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] ولكن جاء النظار (أي أهل النظر من المتكلمين النفاة والفلاسفة وغيرهم) فعكسوا القضية فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، أي يقولون: (ليس كذا.. ليس كذا) والقارئ الذي يراجع هذا الحكم يجده صحيحًا تمامًا، خير شاهد على ذلك عقيدة المعتزلة في صفات الله تعالى (١) .\rأما الرسل صلوات الله عليهم، فطريقتهم طريقة القرآن، وطريقة القرآن النفي","footnotes":"(١) ينظر مقالات الإسلاميين ج ١ ص ٢٣٥ - ٢٣٦ وكلها تتضمن النفي في وصف الله تعالى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185869,"book_id":1232,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":166,"body":"المجمل والإثبات المفصل، وقد رد الله تعالى على كل المخالفين لهذه الطريقة بقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨٢] (١) .\rويلح ابن تيمية دائمًا في مؤلفاته على قاعدة أصلية يجب الاستناد إليها في توضيح أصول الدين، وهي أن الأولى بيان الحق الذي جاء به الرسول ﷺ مستخدمًا الأقيسة العقلية والأمثال المضروبة، لأنها طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة. والآيات القرآنية كثيرة تدل على ضرب الأمثال كما قال تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان، الآية: ٣٣] كما بين سبحانه بالبراهين العقلية توحيده وصدق رسله والبعث وغيرها من قضايا أصول الدين مجيباً بها على معارضة المشركين، إذ لما سئل النبي ﷺ عن إحياء الموتى ضرب له المثل بإحياء النبات كما في سورة (يس) وغيرها.\rوالأحاديث مملوءة أيضًا بذكر صفات الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر\"، فسأله أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو ونحن كثير؟ فأجابه الرسول ﷺ ضاربًا المثل، قال: (سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر من آيات الله كلكم يراه مخليًا به، فالله أعظم) .\rولكن التشبيه هنا تشبيه للرؤية لا للمرئي بالمرئي فإن الله تعالى ليس كمثله شيء. وكانت طريقة الصحابة أيضًا، فقد روي عن ابن عباس أنه لما أخبر بالرؤية عارضه السائل بقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) [الأنعام، الآية: ١٠٣] ، فقال له: (ألست ترى السماء؟) فقال: بلى فسأله مرة ثانية: تراها كلها؟، أجاب: لا، وبهذا بين ابن عباس للسائل أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية (٢) .\rومضى أئمة الحديث والسنة على نفس الطريقة، إذ عندما أثيرت صفات الله تعالى أيام المحنة، ومنها صفة العلو لله ﷿، بين الإمام أحمد دلالة القرآن على","footnotes":"(١) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم فى مخالفة أصحاب الجحيم ص ٤٦٦ - ٤٦٧.\r(٢) ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول ج ١ ص ١٤٢ - ١٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185870,"book_id":1232,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":167,"body":"علوه تعالى واستوائه على عرشه، وأنه مع ذلك عالم بكل شيء، كما دل على ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الحديد، الآية: ٤] وفسر الإمام ابن حنبل المراد بذكر المعية في الآية أنه بهم، وكما افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، وأنه سبحانه بين أنه مع علوه على العرش يعلم ما الخلق عاملون، كما في حديث العباس بن عبد المطلب الذي رواه أبو داود وغيره، عن النبي ﷺ قال فيه: \"والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه\".\rوقد شرح الإمام أحمد هذا الحديث بالقياس العقلي وضرب مثلين، ولله المثل الأعلى، فقال: (لو أن رجلاً في يده قوارير فيها ماء صاف، لكان بصره قد أحاط بما فيها، مع مباينته له، فالله - ولله المثل الأعلى - قد أحاط بصره بخلقه، وهو مستور على عرشه) والمثال الثاني: لو أن رجلاً بنى دارًا لكان مع خروجه عنها يعلم ما فيها، فالله الذي خلق العالم يعلمه مع علوه عليه، كما قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك، الآية: ١٤] ؟ (١) .\rثانيًا: نظرية الكسب الأشعرية وتفسير أفعال الإنسان:\rنشأ الأشعري كما علمنا في بيئة الاعتزال، ومن أصولهم العدل ومؤداه أن العدل الإلهي في رأيهم يقتضي أن الله ﷾ لم يخلق أفعال العباد، فالإرادة الإنسانية حرة، والإنسان نفسه هو خالق أفعاله، ومن ثم يستحق الثواب والعقاب (٢) وكان موقفهم هذا بمثابة رد فعل للجبرية القائلين بعدم قدرة العبد على إحداث الفعل.\rومن هنا وصف المعتزلة أنفسهم بأنهم أهل العدل، لأنهم يهدفون بإثبات الفعل للإنسان، نفي الظلم عن الله سبحانه التي تتجه أفعاله نحو قصد وغاية، وتتفق مع ما يقتضيه العقل من التمييز بين الحسن والقبيح والخير والشر، فأجمعوا - كما يذكر","footnotes":"(١) ابن تيمية: موافقه صحيح المنقول ج ١ ص ١٤٣.\r(٢) د. أبو ريان: تاريخ الفكر ص ١٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185871,"book_id":1232,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":168,"body":"الشهرستاني - على أن العبد قادر على الأفعال خيرها وشرها، مستحق على كل ما يفعله ثوابًا وعقابًا في الدار الآخرة والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر ومعصية (١) .\rواستدل المعتزلة ببعض الآيات القرآنية التي تثبت نفي الظلم والشر والقبح عن الله ﷾، مثل قوله: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) [غافر، الآية: ٣١] وقوله: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [ق، الآية: ٢٩] وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل، الآية: ٩٠] وغيرها من الآيات الدالة على أن الله لم يجبر أحدًا على الخير أو الشر أو الحسن أو القبح، بل ترك لكل إنسان حرية الاختيار فيما يفعل (٢) .\rثم جاء الأشعري فاختط طريقًا وسطًا بين فكرة المعتزلة ورأي الجبرية، فأثبت الحرية الإلهية الغير الخاضعة للمعيار الإنساني، فليس لأحد أن يوجب عليه سبحانه فعل الصلاح أو الأصلح لعباده، كما أراد إثبات حرية الإنسان وقدرته على الفعل فميز في الإنسان بين حركات الرعدة والرعشة، وبين حركات الاختيار والإرادة، الذي يجد الإنسان في نفسه تمييزًا واضحًا بينهما، فالتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة، متوقفة على اختيار القادر، ويسمى هذا الفعل (كسبًا) فيكون خلقًا من الله تعالى، إبداعًا وإحداثًا وكسبًا من العبد، حصولاً تحت قدرته (٣) .","footnotes":"(١) الشهرستاني: الملل والنحل ج ١ ص ٣٦ - ٤٠ ط بدران.\r(٢) يذكر الأشعري المقالات المختلفة في فكرة (الكسب) يقول: عند المعتزلة الإنسان فاعل محدث ومخترع ومنشئ على الحقيقة دون المجاز. وكثير من أهل الإثبات يقولون: إن الإنسان فاعل في الحقيقة بمعنى مكتسب ويمنعون أنه محدث. مقالات الإسلاميين ج ٢ ص ٢١٩. ثم يذكر رأيه (والحق عندي أن معنى الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثه، فيكون كسبًا لمن وقع بقدرته) (نفس المصدر ص ٢٢١) . والحق أن مؤدى الفكرة يتفق مع الجبرية المحضة بطريقة غير مباشرة.\r(٣) الملل والنحل ج ١ ص ٨٨ - ٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185872,"book_id":1232,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":169,"body":"فإذا عدنا للنظرية الجبرية عن الفعل الإنساني، لما وجدناها تختلف عن فكرة الكسب الأشعرية، فالجبرية ينفون الفعل حقيقة عن العبد ويضيفونه إلى الله تعالى، ولا يختلف ذلك في جوهره عن قول أبي الحسن الأشعري: إن الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له سمي هذا الفعل كسبًا، فيكون خلقًا من الله تعالى - وإبداعًا وإحداثًا - وكسبًا من العبد - حصولاً تحت قدرته (١) .\rوربما أحس الشهرستاني نفسه - باعتباره أشعريًا - بهذا المأزق، فتراه عند عرضه للمذهب الجبري، يفرق بين ما سماه بالجبرية الخالصة التي لا تثبت للعبد فعلاً أو قدرة على الفعل أصلاً، والجبرية التي يسميها المتوسطة - وهي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، ثم اضطر إلى اصطناع موقف الدفاع عن فكرة الكسب فقال: (فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل، وسمى ذلك كسبًا، فليس بجبري) (٢) .\rنقد ابن تيمية لنظرية الكسب:\rلم يكن ابن تيمية متعسفًا إزاء الأشعري، عندما أظهر تناقضه بين الجبريين والقدريين وهذا يفضي بنا إلى بيان النقد التفصيلي الذي يوجهه شيخ الإسلام إلى نظرية الكسب الأشعرية، ونقطة البداية في شرح المسألة أنه ينبغي التمييز في الإرادة الإلهية بين نوعين: إرادة تتعلق بالأمر المتضمنة للمحبة والرضا وهي الإرادة الدينية، وإرادة تتعلق بالخلق وهي المشيئة، أي: الإرادة الكونية القدرية (٣) لإثبات أن كل الأفعال خاضعة لقدرة الله تعالى، في مثل قوله: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) [السجدة، الآية: ٧] وقوله ﷿ (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل، الآية: ٨٨] فإذا نظرنا إلى أفعال العباد من الطاعات لوجدناها موافقة للأمر الإلهي، لا موافقة للإرادة الإلهية، وذلك لينفي فكرة الجبرية، لأن الطاعة والمعصية باختيار العباد.","footnotes":"(١) نفس المصدر الصفحة ٨٩. وينظر أيضا نشأة الفكر للدكتور النشار ص ٧٨ حيث يحكم على هذا المذهب أنه جبري خالص ط مكتبة النهضة لسنة ١٩٥٤م.\r(٢) نفس المصدر ص ٧٩.\r(٣) ابن تيمية - منهاج ج ٢ ص ٢٨ - ٢٩. واستند ابن تيمية إلى قواعد اللغة العربية في شرح وبيان ما قد يغمض على البعض فهمه في هذه الفكرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185873,"book_id":1232,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":170,"body":"وينتقل إلى نقطة أخرى، فيؤكد أن الله ﷾ خالق أفعال العباد بإرادته، ولكنه لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان، كما لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وهذا ما فهمه السلف الصالح، كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود ﵃: (أقول برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان) (١) ففهموا - أي السلف جميعًا - أن الشر مخلوق لحكمه، ولكنه لا ينسب إلى الله تعالى مفردًا، ولكن إما يدخل في العموم كقوله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [غافر، الآية: ٦٢] أو يضاف لسبب (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) [الفلق، الآية: ١، ٢] ، أو يحذف فاعله كقوله فيما حكاه عن الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) [الجن، الآية: ١٠] .\rويشرح ابن تيمية ضمن أبحاثه اللغوية التي يستقيها من البخاري في (خلق أفعال العباد) ، لكي يؤكد أنه لا تقوم بالله ﷾ أفعال العباد ولا يتصف بها، ولا تعود إليه أحكامها؛ ولهذا قال أكثر المثبتة للقدر بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهي فعل العبد فإذا قيل هي فعل الله، فالمراد أنها مفعولة له لا أنها هي الفعل الذي هو مسمى المصدر، وأكثر الأئمة يفرقون بين الخلق والمخلوق (٢) والمسلمون جميعًا ينزهون الله تعالى عن الظلم، فليس كل ما كان ظلمًا من العبد يكون ظلمًا من الرب، ولا ما كان قبيحًا من العبد يكون قبيحًا من الرب، فإن الله ليس كمثله شيء، ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\rويعتمد شيخ الإسلام في نفي الظلم عن الله تعالى على دليل عقلي؛ لأن من قوانين الفطرة الإنسانية ألا يعتبر الإنسان مقابلة الظالم على ظلمه بمثابة الظلم له، فالله تعالى أولى أن لا ينسب إلى الظلم، فإذا أخذ الله العبد بما فعله، فلأنه تم باختياره. ولكن مرد خطأ المعتزلة ونفاة القدر بعامة، أنهم قاسوا أفعال الله على أفعال خلقه، وعدله على عدلهم، وهو قياس ظاهر الفساد - وسنعود لشرح رأيه عن عدل الله وحكمته، وعلى النقيض من ذلك غلاة المثبتة للقدر أي: الجبرية، الذين","footnotes":"(١) منهاج ج ٢ ص ٢٥.\r(٢) نفس المصدر ص ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185874,"book_id":1232,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":171,"body":"سلبوا العبد قدرته، زاعمين أن حركته حركة الأشجار بالريح، وأشد الطوائف اقترابًا منهم - في رأي ابن تيمية - الأشعري ومن وافقه، إذ يظهر اضطرابه بين إثباته للعبد قدرة محدثة واختيارًا، وأن الفعل كسب للعبد، وبين نفيه لتأثير قدرة العبد في إيجاد المقدور، فخالف بذلك قول أهل الإثبات، بأن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار، وقدرته مؤثرة في مقدورها، كما تؤثر قوى الطائع، لهذا قال من قال: (هذا الكسب الذي أثبته الأشعري غير معقول) (١) .\rبقيت النقطة المشار إليها في السياق، وهي تتصل بفكرة العدل والظلم، ولهذا سنفرد لها الحديث من وجهة نظر ابن تيمية، حيث يرى أن فكرة الكسب في جوهرها جبرية، والجبريون لا ينزهون الله تعالى عن الظلم.\r\rعدل الله تعالى وحكمته:\rكانت حجة المعتزلة في نفي القدر إثبات العدل الإلهي كما رأينا، ولكن أهل الحديث والسنة مع إثباتهم لعدل الله تعالى يؤمنون بالقدر أيضًا، ولا يتنافى هذا مع ذلك، ولما رأوا أن فكرة (الكسب) تؤدي للجبرية، عادوها موضحين الموقف الصحيح فإن الله تعالى منزه عن الظلم، ولا يفعل السوء ولا السيئات - مع أنه سبحانه خالق كل شىء: أفعال العباد وغيرها. وقد يحدث الالتباس في فهم البعض بسبب الخلط بين نسبة الفعل إلى العبد ونسبته إلى الله تعالى، فإن الإنسان إذا فعل القبيح المنهي عنه أصبح شرًا وظلمًا بالنسبة إليه، ومع أن الرب قد جعله فاعلاً لذلك، بناء على اختياره، إلا أن ذلك منه سبحانه عدل ورحمة ووضع للأشياء مواضعها، فهو منه عدل وحكمة وصواب وإن كان من المخلوق عيبًا.\rويضرب ابن تيمية لذلك مثلاً لتقريبه للأذهان؛ لأن مثل هذا يحدث في الفاعلين المخلوقين، فإن الصانع إذا أخذ الخشبة المعوجة، والحجر الرديء، واللبنة الناقصة فوضعها في موضع يليق بها ويناسبها، كان ذلك منه عدلا واستقامة وصوابا وهو محمود، وإن كان في تلك عوج وعيب هي به مذمومة، ومن أخذ الخبائث فجعلها في المحل الذي يليق بها كان ذلك حكمة وعدلا، وإنما السفه والظلم أن","footnotes":"(١) نفس المصدر ص ١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185875,"book_id":1232,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":172,"body":"يضعها في غير موضعها (١) وله المثل الأعلى، فإنه سبحانه لا يضع شيئًا إلا موضعه، فلا يكون إلا عدلاً ولا يفعل إلا خيرا، وهو سبحانه له الخلق والأمر، فأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وبتعطيل المفاسد وتقليلها، إذا تعارض أمران رجح أحسنهما، وليس في الشريعة أمر بفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه، ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده وهو فيما يأمر به قد أراده إرادة دينية شرعية واجبة ورضيه، فلا يحب ويرضى شيئًا إلا ووجوده خير من عدمه، ولهذا أمر عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فإن الأحسن هو في المأمور، وهو خير من المنهي عنه.\rوالقارئ لمؤلفات ابن تيمية، يلحظ أنه كثيرًا ما يعالج قضايا متشابكة في مؤلف واحد أو رسالة واحدة، ولكن وراءها ضابط يمسك بزمامها فإذا ما وجه الباحث عنايته إليها ظهر الحل واضحًا جليًا.\rوقضية كهذه - أي: قضية الإيمان بالقضاء والقدر وصلتها بأفعال العباد - من أهم القضايا وأعمقها، وقد حارت بها العقول والأفهام، ولهذا نجد ابن تيمية يعالجها من مداخل عدة: مدخل الإيمان بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه سبحانه خالق العباد وأفعالهم، وإثبات صفات الله تعالى من الحكمة والعدل والرحمة كما يفضل أحيانًا عرض آرائه من خلال التمييز بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الدينية.\rويرى ابن تيمية أن سوء الفهم والاعتقاد بين القدرية والجبرية راجع إلى الخلط بين خلق الله تعالى وتقديره، وأمره وتشريعه، فإن أمره وتشريعه مقصوده بيان ما ينفع العباد إذا فعلوه، وما يضرهم، بمنزلة أمر الطبيب المريض بما ينفعه وحمايته مما يضره. فأخبر الله على ألسنة رسله بمصير السعداء والأشقياء، وأمر بما يوصل إلى السعادة، ونهى عما يوصل إلى الشقاوة. وأما خلقه وتقديره فيتعلق به وبجملة المخلوقات، فيفعل ما له فيه حكمة متعلقة بعموم خلقه، وإن كان في ضمن ذلك مضرة للبعض. مثال ذلك: أنه ينزل الغيث رحمة وحكمة، وإن كان في ضمن ذلك","footnotes":"(١) ابن تيمية: رسالة فى معنى كون الرب عادلا وفي تنزيهه عن الظلم ص ١٣٠ - ١٣١ بكتاب (جامع الرسائل) المجموعة الأولى - تحقيق الأستاذ الدكتور محمد رشاد سالم مطبعة المدني ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185876,"book_id":1232,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":173,"body":"ضرر للبعض بسقوط منزله أو انقطاعه عن سفره أو تعطيل معيشته. ويرسل الرسل رحمة وحكمة وإن كان في ضمن ذلك أذى قومه وسقوط رياستهم. فإذا قدر على الكافر كفره قدره لما في ذلك من الحكمة والمصلحة العامة، وعاقبه لاستحقاقه ذلك بفعله الاختياري، ولما في عقوبته من الحكمة والمصلحة العامة (١) .\rوهناك عاملان آخران يسهمان في سوء الفهم والخلط في هذه المسألة أحدهما - قياس أفعال الله تعالى على أفعالنا وهو خطأ ظاهر. ولزيادة إيضاح ذلك فإن السيد يأمر عبده بأمر لحاجته إليه ولغرضه، فإذا أثابه على ذلك كان من باب المعاوضة، إنما أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم أمر إرشاد وتعليم، فإن أعانهم فعل المأمور فقد تمت نعمته، وإن خذل ولم يعن العبد حتى فعل الذنب كان له في ذلك حكمة أخرى، وأن كانت مستلزمة. وتألم هذا فإنما يألم بأفعاله التي من شأنها أن تورثه نعيمًا أو عذابًا، وإن ذلك الإيراث بقضاء الله وقدره، فلا منافاة بين هذا وهذا.\rالعامل الثاني - موقف الناس من حكمة الله تعالى الكلية، فليس على الناس معرفتها وقد تكون فوق مداركهم القاصرة المخلوقة، ويكفيهم التسليم لمن قد عرفوا وآمنوا بحكمة الله تعالى ورحمته وقدرته. فمن المعلوم ما لو علمه كثير من الناس لضرهم علمه، فحكمه سبحانه أكبر من العقول، لذلك قال تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة، الآية: ١٠١] .\rختام ذلك كله في كلمات قليلة ولكنها تلخص المسألة وتشرحها بما فيه الكفاية.\rقال ابن تيمية: (وهذه المسألة مسألة غايات أفعال الله تعالى ونهاية حكمته، ولعلها أجل المسائل الإلهية، وما ضلت القدرية إلا من قياس الله بخلقه في عدلهم وظلمهم، كما ضلت الجبرية الذين لا يجعلون لأفعال الله حكمة، ولا ينزهونه عن ظلم، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه) (٢) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: منهاج السنة ج ١ ص ٢٧١ - ٢٧٢.\r(٢) نفس المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185877,"book_id":1232,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":174,"body":"نظرية الجوهر الفرد وتفسير الخلق والبعث:\rتنسب النظرية الذرية العامة إلى ديمقريطس من فلاسفة اليونان، وتتلخص في تقسيم الوجود إلى عدد غير متناه من الوحدات المتجانسة غير المنقسمة غير المحسوسة لتناهيها في الدقة، تتحرك في الخلاء، ويحدث بتلاقيها وافتراقها الكون والفساد.\rواحدها الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ، وهي متشابهة الطبيعة تمام التشابه، وليست لها أية كيفية، ولا تتمايز بغير خاصتين: وهما الشكل والمقدار (١) .\rولكن ثمة نقاطٌ كثيرة هامة في النظرية لم تعالجها مثل مسألة ما إذا كانت الذرات ذات ثقل ومسألة المصدر الأصلي للحركة ومسألة الضرورة، فما زالت موضعًا للتخمين (٢) .\rهذه هي النظرية الذرية في وضعها الأصلي، صدرت في محيط فلسفي يوناني، وبيئة وثنية لا تعرف إلهًا ولا كتابًا ولا نبيًّا، ولعل الفكرة نشأت بسبب التخبط في تفسير خلق العالم.\rوكل ما هنالك أن الفلاسفة القائلين بالصورة والهيولى القديمتين زعموا أزلية العالم وحركته عندهم دائرة ولهذا فهي قديمة مثلها في ذلك مثل مادته ولكن أصحاب النظرية الذرية خالفوهم فاعتقدوا أن الحركة في هذه الجواهر مستقيمة فهي ليست أزلية ولا أبدية (٣) .\rواقتبس المتكلمون - المعتزلة والأشاعرة - هذه النظرية (ما عدا النظام) (٤) مع","footnotes":"(١) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٣٨ - ٣٩ - لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٣٧٨ هـ ١٩٥٨ م.\r(٢) الموسوعة الفلسفية المختصرة ص ١٤٦ مكتبة الأنجلو المصرية سنة ١٩٦٣ م.\r(٣) د. محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ص ١٩٧ دار الجامعة المصرية بالإسكندرية.\r(٤) ولكن النظام يرى أنه لا جزء إلا وله جزء، ولا بعض إلا وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف وأن الجزء جائز تجزئته أبدًا، ولا غاية له من باب التجزؤ (مقالات الإسلاميين للأشعري ج ٢ ص ١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185878,"book_id":1232,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":175,"body":"اختلاف في التفاصيل، ولكن الأشاعرة حولوا هذه النظرية إلى القول بالمناسبات في الفعل الإلهي، أي: إنكار خاصية الأشياء وفاعليتها، فالنار لا تحرق عند التقائها بالخشب مثلا، ولكن الله تعالى يخلق الاحتراق عند التقائهما، لا بسبب النار أنها محرقة. وتنسب النظرية إلى الباقلاني (٤٠٢ هـ) وترتيبه الثاني في المذهب الأشعري بعد أبي الحسن شيخه - فقال بأن العالم مؤلف من جواهر فردة لا حصر لها ولا تتجزأ، والعقل هو الذي يضفي على هذه الجواهر الكيفيات التي ليست من طبيعتها وإنما هي من العقل قط، والجواهر متغيرة محدثة وكذلك أعراضها، وليست لها خواص أو صفات فعالة بذاتها، إذ أن الله تعالى هو الخالق للجواهر وأعراضها، وهو سبحانه الذي يحدث فيها خصائصها، مثال ذلك أن الله تعالى يخلق فعل الإحراق، وما اجتماع النار والخشب إلا مناسبة للاحتراق.\rوجاء الغزالي (٥٠٥ هـ) بعده فأنكر قانون السببية أو العلية وأرجعه إلى مبدأ العادة والتكرار (١) .\rويبدو من سياق النظرية في صياغتها العامة إثبات قدرة الله تعالى في المخلوقات، وأنه ﷾ هو وحده الفعال لما يريد، إن شاء خلق في الأشياء خصائصها وإن شاء لم يخلقها.\rولكننا ما دمنا في مجال الدفاع عن أصول الدين بالأدلة العقلية، فإن حسن النوايا لا تكفي، بل لابد أن يتوافر معها الأقوال المتفقة مع أدلة العقول، وما يتفق مع المشاهد المجرب المتفق عليه بين البشر، فضلاً عن اتفاقه مع النصوص الشرعية المتوافقة مع الأدلة العقلية التي تثبت أن لله تعالى سننا في خلق العالم وحركته.\rمن هذه الزاوية، نقد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه النظرية مقدمًا الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة المتوافقة مع المعقولات وما يعلمه الناس بالفطرة والتجربة العملية والمشاهدات العيانية.\rونقطة البداية في معارضته للنظرية تتلخص في إثبات أن المتكلمين الآخذين بها لا يجعلون الله تعالى خلق شيئًا بسبب، ولا لحكمة، ولا يجعلون للإنسان قدرة تؤثر","footnotes":"(١) د. أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي. ص ٢٠٥ - ٢٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185879,"book_id":1232,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":176,"body":"في مقدورها، ولا لشيء من الأجسام طبيعة، ولا غريزة بل يقولون: (فعل عنده لا به) . وخالفوا بذلك الكتاب والسنة، وإجماع السلف والأئمة، وصرائح العقول (١) .\rوسنلخص فيما يلي الأدلة التي قدمها ابن تيمية وهي مستمدة من الكتاب والسنة ومن آراء العلماء والفلاسفة نتيجة التجارب والنظر والمعقول:\r\rتوافق أدلة الكتاب والسنة مع الواقع المشاهد:\rاختار ابن تيمية من النصوص ما يبرهن به على إثبات الأسباب، مثل قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: ١٦٤] وقال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف، الآية: ٥٧] .\rوقال ﷿: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) [ق، الآية: ٩] .\rوهناك آيات كثيرة أخرى في كتاب الله تعالى حيث يذكر سبحانه أنه فعل هذا بها، كما ذكر أنه أنزل الماء بالسحاب، وأنه أحيا الأرض بالماء.\rأما ما ورد في السنة، فكثير أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته. ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده. فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة\".\rوأمر ﷺ عند الكسوف بالصلاة والذكر، والدعاء، والصدقة، والعتاقة، والاستغفار، وكذلك عند سائر الآيات التي يخوف الله بها عباده.\rوقوله ﷺ: \"لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته\" رد لما كان قد توهمه بعض","footnotes":"(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185880,"book_id":1232,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":177,"body":"الناس من أن كسوف الشمس كان لأجل موت إبراهيم ابن النبي ﷺ وكان قد مات وكسفت الشمس، فتوهم بعض الجهال من المسلمين أن الكسوف كان لأجل هذا، فبين لهم النبي ﷺ أن الكسوف لا يكون سببه موت أحد من أهل الأرض، نفى بذلك أن يكون الكسوف معلولاً عن ذلك ... وبين أن ذلك من آيات الله التي يخوف بها عباده (١) .\rوما يثبت أيضًا أن التخويف إنما يكون سبباً للشر وعلة له، ما قاله تعالى في سورة الإسراء: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء، الآية: ٥٩] وقياسًا على ذلك فلو كان الكسوف وجوده كعدمه بالنسبة إلى الحوادث، لم يكن سببًا لشر، وهو خلاف نص الرسول ﷺ.\rويدعم ذلك ما ورد في سنن - الترمذي والنسائي وأحمد - أن النبي ﷺ نظر إلى القمر وقال لعائشة: \"يا عائشة، تعوذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب\". وتفسير الحديث أيضًا يدل على أن الاستعاذة إنما تكون مما يحدث عنه شر.\rأضف إلى ذلك أنه ﷺ أمر عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئة الله تعالى وقدرته من الصلاة والدعاء، والذكر، والاستغفار، والتوبة، والإحسان بالصدقة والعتاقة فإن هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه، كما في الحديث \"إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان\" ومثل ذلك مثلما جاء عدو فإنه يدفع بالدعاء، وفعل الخير، وبالجهاد له، ومثلما يفعله المرء إذا هجم البرد، يدفعه باتخاذ الدفء فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء.\rوإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، فإن ابن تيمية لا يكتفي بهذه الأدلة فيضيف إليها اتفاق أهل الملل وأساطين الفلاسفة، مؤيدًا ذلك لهما ذكر عن بطليموس أنه قال (واعلم أن ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات) (٢) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٢٧٠- ٢٧١.\r(٢) الرد على المنطقيين ص ٢٧٢ ويرى أن ذلك مخالف للحس والعقل والخلق عندهم الموجود في زماننا إنما هو جمع وتفريق لا ابتداع عين وجوهر قائم بنفسه، ولا خلق لشيء قائم لا إنسان ولا غيره وإنما يخلق أعراضًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185881,"book_id":1232,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":178,"body":"من هذا يتضح خطأ تفسير الخلق - أو النشأة الأولى - بنظرية الجواهر الفردة كما فعل المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة، فالثابت أن كل ما سوى الله تعالى محدث وأنه سبحانه خلق الأسباب والمسببات، وبذلك ينتظم الكون وفق نواميس ثابتة منتظمة.\rأما الإعادة والبعث فإن النظرية أيضًا تقصر عن تفسيره والبرهنة عليه، فأدى إلى تقوية شبهات الفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان، ونتج عنها صعوبات لن تجد حلاً إلا بالأدلة الشرعية والعقلية، سنعرض لها كما يلي:\r\rصعوبات أمام النظرية في تفسير البعث:\rلما كان أصل رأيهم في ابتداء الخلق إثبات الجوهر الفرد، وجعلوه أيضًا في المعاد والبعث، ولكن اختلفوا بين رأيين:\rأحدهها: تعدم الجواهر ثم تعاد.\rالثاني: تتفرق الأجزاء ثم تجتمع.\rولكن هذين الرأيين أثارا صعوبات أمامهم في مواجهة الفلاسفة المنكرين لبعث الأبدان حيث تساءل هؤلاء الفلاسفة عن الآتي:\r(١) الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان آخر، فإن الأجزاء في هذه الأجساد قد اختلطت.\r(ب) إن الإنسان يتحلل دائمًا، فما الذي يعاد، أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن أجيب بالإيجاب، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك ليس بعض الأبدان بأولى من بعض، أي أنها تتفاوت في القوة والضعف.\rواضطر المتكلمون أمام هذه الصعوبات إلى القول. بأن الله تعالى يخلق بدنًا آخر تعود إليه الروح، فالمقصود تنعيم الروح وتعذيبها سواء كانت في هذا البدن أو في غيره.\rوهذا أيضًا يخالف النصوص الصريحة بإعادة هذا البدن، كما يخالف عقائد السلف للأجسام التي يشاهد حدوثها أنه يقلبها ويحيلها من جسم إلى جسم.\rوتفصيل ذلك أن الفقهاء يبحثون في النجاسة مثلا، هل تطهر بالاستحالة أم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185882,"book_id":1232,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":179,"body":"لا؟ كما تستحيل العذرة رمادًا والخنزير وغيره ملحاً ونحو ذلك.\rوالأطباء كذلك يقررون بأن المني الذي في الرحم يقلبه الله تعالى علقة ثم مضغة، وهذا التحول يسري على بني أدم.\rأما آدم ﵇ فقد خلق من طين، فقلب الله ﷾ حقيقة الطين فجعلها عظمًا ولحمًا وغير ذلك من أجزاء البدن، والمضغة أيضًا يقلبها عظامًا وغير عظام. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون، الآية: ١٢ - ١٦] .\rوكذلك الثمر يخلق بقلب المادة التي يخرجها من الشجر من الرطوبة مع الهواء والماء الذي سقيت به أو نزل عليها وغير ذلك من المواد التي يقلبها ثمرة بمشيئته وقدرته، والحبة أيضًا يفلقها وتتقلب المواد التي يخلقها منها سنبلة وشجرة وغير ذلك.\rوكذلك النار يخلقها بقلب بعض أجزاء الزناد نارًا كما قال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا) [يس: ٨٠] .\rويجمع ابن تيمية هذه الأمثلة لما يربط بينها من حقيقة التحول الخاضعة للمشاهدة والتجربة، فيقول: (نفس تلك الأجزاء خرجت من الشجر الأخضر، جعلها الله نارًا من غير أن يكون في الشجر الأخضر نارًا أصلاً، كما لم يكن في الشجر ثمر أصلاً، ولا كان في بطن المرأة جنين أصلاً بل خلق هذا الموجود من مادة غيره، بقلبه تلك المادة إلى هذا، وبما ضمه إلى هذا من مواد أخرى) (١) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص ٢٥.\rويختار شيخ الإسلام بين الأقوال المختلفة في الجوهر الفرد أن الجسم يقبل القسمة إلى غاية، من غير إثبات الجوهر الفرد، مدللاً على ذلك بأن الجسم - كالماء مثلا - يقبل انقسامات متناهية إلى أن تتصاغر أجزاؤه، فإذا تصاغرت استحالت إلى جسم آخر، لا يبقى ما ينقسم إلى غير غاية، بل يستحيل عند تصاغره، فلا يقبل الانقسام بالفعل مع كونه فى نفسه يتميز منه شيء عن شيء، وليس كل ما تميز منه شيء عن شيء لزم أن يقبل\r=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185883,"book_id":1232,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":180,"body":"ويرى شيخ الإسلام أن عقيدة السلف وما أجمع عليه العقلاء وما اتفق عليه الأطباء أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، ويؤيد هذا الأطباء بصفة خاصة في تناولهم لخلق الإنسان وأطوار نموه، فالله تعالى يقلبه ويجعله من جسم إلى جسم. وأيضًا فإن معنى الإعادة يدل على أن الله ﷾ يعيد الجسم بعد أن يبلى (ولهذا يقال: هو مثله، ويقال: هذا هو هذا، فإن فعل مثل غيره، لا يقال: أعاده، وإنما يقال: حاكاه وشابهه، بخلاف ما إذا فعل ثانيًا مثل ما فعل أولاً، فإنه يقال: أعاد فعله) ، مثلما هُدم بيت ثم أعيد بناؤه.\rوبعبارة أخرى، فإن الله ﷿ يعيد الخلق بعدما استحالت الأجسام إلى غيرها، فيعيدها من تلك الأجزاء التي انقلبت واستحالت إليها، والنشأة الأولى خلقة فساد وفناء وملاءمة للحياة الدنيا وطبيعتها الفانية بينما الثانية للبقاء فهما يتشابهان من وجه ويتنوعان من وجه آخر، فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو، وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق فهو مثله.\rفلابد إذن من الاستناد إلى الحقيقة القرآنية الممثلة في خلق الله، منها قوله تعالى: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) [مريم، الآية: ٦٧] وهو أمر للإنسان بأن يتذكر خلقه من نطفة، فإذا ما فسر الإنسان المخلوق في ضوء نظرية الجواهر الفردة، فإن جواهر الإنسان عندهم ما زالت باقية وحدث لها الأعراض، ومعلوم أن تلك الأعراض وحدها ليست هي الإنسان، فإن الإنسان مأمور، منهي، حي، عليم، قدير، متكلم، سميع، بصير، موصوف بالحركة والسكون، وهذه صفات الجواهر، والعرض لا يوصف بشيء لا سيما وهم يقولون العرض لا","footnotes":"=\rالانقسام بالفعل، بل قد يضعف عن ذلك ولا يقبل البقاء مع فرط تصاغر الأجزاء، لكن يستحيل، إذ الجسم الموجود لابد له من قدر ما ولا بد له من صفة ما فإذا ضعفت قدرته على اتصافه بتلك الصفة انضم إلى غيره، إما مع ما استحالته إن كان ذلك من غير جنسه وإما بدون الاستحالة إن كان من جنسه كالقطرة الصغيرة - من الماء - إذا صغرت جدًا لا بدّ أن تستحيل هواء أو ترابًا أو تنضم إلى ماء آخر (كتاب الصفدية ص ١١٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185884,"book_id":1232,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":181,"body":"يبقى زمانين (١) .\rوهكذا يبرهن شيخ الإسلام أن فكرة الجوهر الفرد لا تفسر لنا المشاهدة العيانية في الخلق، ولا تتفق مع حقيقته الثابتة بالآيات القرآنية، والمرئية في أطوار الإنسان كما يثبت ذلك الأطباء أيضًا، فإنه يتحول في مراحل خلقه، فيخلق الله الإنسان من المني، فالمني استحال وصار علقة، والعلقة استحالت مضغة، إلى استواء الإنسان بشرًا سويًا، ويستشهد بهذا المثال ليقوض دعائم تفسير المتكلمين، إذ يعدون الأجسام متماثلة لأنها مركبة من الجواهر المتماثلة، وإنما اختلفت باختلاف الأعراض. ويستبدل بها حقيقة الخلق والبعث القرآنية المتفقة مع أدلة العقول وتجارب البشر.\rبعد هذا العرض الموجز، يتضح أن طريقة الأشاعرة مع إخلاصهم في الدفاع عن النصوص لم تقو على الوقوف إزاء النقد الذي وجه إليهم من شيوخ السنة كابن تيمية وغيره حيث ناقشوا وفندوا بالحجج والبراهين.\rويبدو أن أئمة الأشاعرة أنفسهم قد ظهرت لهم الحقيقة، ولكن بعد طول بحث وبعد إفناء الأعمار.\rومن هنا نجد أئمتهم قد فضلوا طريقة السلف في نهاية حياتهم وأعلنوها صراحة وإلى القارئ بيان ذلك:\r\rتحول أئمة الأشعرية إلى طريقة السلف:\rلاشك أن الرغبة في الدفاع عن عقيدة أهل السنة بخاصة والإسلامية بعامة هي التي دفعت أئمة الأشاعرة إلى علم الكلام ظنًا منهم أنه المنهج الصحيح لهذا الغرض، ثم تبين لهم بعد التجربة غير ذلك، فتحولوا عنه، ولعل أول المتحولين إلى طريق السلف هو الإمام أبو الحسن الأشعري نفسه، وقصة تحوله من الاعتزال إلى عقيدة الإمام أحمد بن حنبل تبرهن على ذلك كما أسلفنا.\rومن الثابت عن الذين ترجموا للأشعري - وأبرزهم ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري) أن كتاب (الإبانة) من أواخر كتبه وهو دليل على استقراره على","footnotes":"(١) ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص (٥٤ - ٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185885,"book_id":1232,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":182,"body":"طريقة الإمام أحمد ومنهجه وعقيدته متابعة لطريقة السلف.\rويمكن تقسيم حياته العلمية إلى ثلاثة أطوار - الأول عندما كان معتزليا - والثاني عندما بدأ يعيد النظر في معتقدات المعتزلة ويخط لنفسه منهجًا جديدًا يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل ثم الطور الأخير الذي كتب فيه (الإبانة) وعبر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم والتي كان الحامل لواءها حينذاك الإمام أحمد بن حنبل (١) ، وكرر أيضًا مضمون عقيدته في كتابه (مقالات الإسلاميين) ناسبًا إياها لأهل السنة والحديث.\rوجاء بعده الإمام الباقلاني فكان حريصًا على الانتساب إلى الإمام أحمد بن حنبل أيضًا حتى كان يكتب في بعض أجوبته محمد بن الطيب الحنبلي (٢) .\rوأئمة الأشعرية بعده اتخذوا موقفًا مشابهًا أيضًا يثير الانتباه ويدعو لبحث هذه الظاهرة التي - إن دَلَّت على شيء - فإنها تدل على الإخلاص في البحث عن الحقيقة من جهة، كما يدل من جهة أخرى على أن لا سبيل إلى معرفة أصول الدين إلا من مصادره في الكتاب والسنة.\rفها هو إمام الحرمين الجويني في كتابه (الرسالة النظامية) يشير إلى اختلاف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الكف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب. ثم يصرح بأن الذي يرتضيه رأيًا، ويدين لله به عقدًا، اتباع سلف الأمة، مبرهنًا على ذلك بأن الدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند الشريعة وقد درج صحب رسول الله ﷺ على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما بها وهم صفوة الإسلام. والمستقلون بأعباء الشريعة كانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها. فلو كان تأويل هذه الظواهر مشروعًا أو محتومًا لأوشك أن","footnotes":"(١) ينظر تعليق الأستاذ محب الدين الخطيب على كتاب (المنتقى) للذهبي ص ٤٣ ط السلفية ١٣٧٤ هـ.\r(٢) ابن تيمية: موافقة ج ٢ ص ٩، ٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185886,"book_id":1232,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":183,"body":"يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذْ ثبت عنهم الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على كل ذي دين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب فليجر آية الاستواء، والمجيء، وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: الآية: ٧٥] (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن، الآية: ٢٧] وقوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر، الآية: ١٤] وما صح من أخبار الرسول ﷺ كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا.\rويعضد ذلك ما ذهب إليه في كتابه (غياث الأمم) فبالرغم من أن الكتاب مخصص لعرض الفقه السياسي الإسلامي وآرائه في منصب الخلافة أو الإمامة، فقد حرص في باب (تفضيل ما إلى الأئمة والولاة) على أن ينص على أحد مهام الخليفة على صرف المسلمين عن الخوض في المشكلات الكلامية وتوجيههم إلى طريقة السلف فقال في هذا الصدد: (والذي أذكره الآن لائقًا لمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام فيه على جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء، وكانوا ﵃، ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات.. إلى أن يقول: وما كانوا ينكفون ﵃ عما تعرض له المتأخرون عن عي وحصر، وتبلّد في القرائح هيهات! قد كانوا أذكى الخلائق أذهانًا وأرجحهم بيانًا) (١) .\rورأي الغزالي أيضًا في علم الكلام مدون في كتبه معروف مشهور لا سيما (الإحياء) فقد قال فيه: (وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكبر من الكشف والتعريف) وإلى نفس المعنى يذهب في كتابه (المنقذ من الضلال) فذم علم الكلام أيضًا وقال بأن أدلته لا تفيد اليقين. وفي كتابه (التفرقة بين الإيمان والزندقة) ، صرح بتحريم الخوض فيه فقال: (لو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم حرام) . ومات الغزالي على خير أحواله، مات على","footnotes":"(١) الجويني: غياث الأمم فى التياث الظلم ص ١٤٠، ١٤١ تحقيق د. مصطفى حلمي ود. فؤاد عبد المنعم ط دار الدعوة بالإسكندرية سنة ١٤٠٠ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185887,"book_id":1232,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":184,"body":"الصحيحين، صحيح البخاري وصحيح مسلم، طالبًا علم الحديث، فتحول من الكلام إلى طلب السنة من مصادرها الصحيحة.\rأما الرازي - وهو المعبر عن المذهب الأشعري في مرحلته الأخيرة حيث خلط الكلام بالفلسفة، فقد نبه في أواخر عمره إلى ضرورة اتباع منهج السلف، وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في طرق علم الكلام والفلسفة، فقال في النهاية: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق القرآن أقرأ في الإثبات (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه،: ٥] و (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر، الآية: ١٠] وأقرأ في النفي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه، الآية: ١١٠] (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم، الآية: ٦٥] ثم قال: (من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) ، وكان يتمثل كثيرا الأبيات التالية:\rنهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال\rوأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال\rولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا له فيه قيل وقالوا (١)\rوقال في وصيته: (أحمد الله بالمحامد التي ذكره بها أفضل ملائكته فى أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهدتهم، بل أقول ذلك من تاريخ الحدوث والإمكان، فأحمده بالمحامد التي يستحقها لإلهيته ويستوجبها لكمال إلاهيته، عرفتها أو لم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب مع جلال رب الأرباب) إلى قوله: (ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى ويمنع من التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذلك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية) وذكر في وصيته أيضًا أنه يدين لله تعالى بدين محمد ﷺ، وسأل الله تعالى أن","footnotes":"(١) ابن الوزير اليماني: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ج ٢ ص ١٦٨ المطبعة\rالسلفية بالقاهرة سنة ١٣٨٥ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185888,"book_id":1232,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":185,"body":"يقبل منه هذه الجملة ولا يطالبه بالتفصيل (١) .\rونكتفي بهذا القدر لبيان النتائج التي توصل إليها أكبر أئمة المتكلمين في المدرسة الأشعرية، إذ تأكدوا بعد رحلة طويلة مع الكلام والخوض في قضاياه إلى نتائج حاسمة حيث وجدوا - كما ذكر الرازي - أن طريقة القرآن كافية شافية، وأن طريقة أهل الحديث موصلة إلى اليقين، داعية إلى الاطمئنان وثبات الإيمان.\r\rتقييم ابن تيمية لشيوخ الأشاعرة:\rيرى ابن تيمية أن شيوخ الأشاعرة أقرب إلى الإمام أحمد تحقيقًا وانتسابًا. أما تحقيقًا، فإن الأشاعرة أقرب إلى مذهب السلف وأهل الحديث في مسألتي القرآن والصفات.\rكذلك فإن انتساب الأشعري وأصحابه إلى أحمد بن حنبل والمحدثين عمومًا ظاهرة واضحة في كتبهم (٢) ويقول: (ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة وكان منتحلاً للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتد به متبع سبيله. وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف) (٣) .","footnotes":"(١) ابن الوزير اليماني: الروض الباسم. ج ٢ ص ١٦٨ وقد أورد نصوصًا كثيرة أخرى تثبت رجوع أئمة الكلام إلى طريقة السلف، فنقل عن القرطبي في شرح مسلم أيضًا أن الجويني كان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.\rوأوصى الكرابيسي قبل موته أتباعه بقوله: (عليكم بما عليه أهل الحديث، إني رأيت الحق معهم) وأورد قول أبي الوفاء بن عقيل لأصحابه: (لقد بالغت في الأصول طول عمري ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب يعني الذين يكتبون الحديث ويشتغلون به) وأيضا قول الشهرستاني: (عليكم بدين العجائز فإنه أسنى الجوائز) والمصدر السابق ص ٩٦٨ - ١٦٩. وانظر أيضًا نص الوصية التي أوردها الدكتور علي محمد حسن العماري في كتابه (الإمام فخر الدين الرازي حياته وآثاره ص ٧٥ ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة ١٣٨٨ هـ ١٩٦٩ م) .\r(٢) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٦٨.\r(٣) ابن تيمية - نقض المنطق ١٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185889,"book_id":1232,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":186,"body":"أما عن موقفه من الإمام أبي الحسن، فإن القارئ لكتبه يلمس أحيانًا رقة في نقده، وذلك بسبب أقوال الأشعري المؤيدة لمذاهب أهل الحديث والسنة في عدة مواضيع كالصفات والقدر والإمامة، وردوده على المعتزلة والشيعة والجهمية. ولذا يرى أنه ينبغي أن يعرف لهذا الإمام حقه وقدره عملاً بقول الله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) كذلك فإن قيامه بنصرة مذهب أهل السنة في وجه أهل البدع وقهره للمخالفين يضعه في مرتبة المجاهدين (١) .\rومع أن شيخنا لا يعد أتباع المدرسة الأشعرية سلفيين خلَّصاً لأن المذهب السلفي بالمعنى الدقيق يلفظ استخدام الكلام المبتدع سواء على منهج المعتزلة أم بدفاع شيوخ الأشاعرة، إلا أنه يقر بوجود تقارب بين المذهبين كما قلنا، ويراه يكاد يلتحم عند المحدثين منهم خاصة: كابن عساكر (٥٧١ هـ) ، والبيهقي (٤٥٨ هـ) ، والنووي (٦٧٦ هـ) حيث غلب عندهم جانب الحديث عن الاتجاه الكلامي. ومن جهة أخرى، ينتسب إلى الحنابلة أيضًا من المتأخرين من يذهب إلى شيء من التأويل، كابن عقيل (٥١٣ هـ) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ) (٢) كذلك فقد شذت منهم قلة - شأنهم في ذلك شأن أتباع المذاهب والفرق جميعًا - حيث اتفقت مع ابن حنبل في الفروع وخالفته في بعض الأصول قائلين بالجهة والجسمية ولكن (أحمد برئ منهم وأهل السنة والجماعة من الحنابلة لا يعدونهم منهم) (٣) .\rوفي نقده للمحدثين، يرى أن ما يعيب بعض علماء الحديث يرجع إلى الحشو الناجم عن الاحتجاج بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو ما لا يصح الاحتجاج به. أما القاعدة السليمة التي ينبغي على المحدثين التقيد بها حتى يسلم منهجهم من الأخطاء والحشو، فهي تتلخص في ضرورة توافر عاملين:\rأحدهما: التثبت من صحة الحديث، والثاني: فهم معناه (٤) .","footnotes":"(١) نفس المصدر ١١.\r(٢) صفي الدين الحنفي: القول الجلي في ترجمة شيخ الإسلام. ص ٢٥٣.\r(٣) ن. م ١٢٧.\r(٤) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185890,"book_id":1232,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":187,"body":"وهكذا استطاع ابن تيمية باستخدامه لمنهج (المعادلة والموازنة) أن يحدد مدى الاقتراب والابتعاد عن طريقة السلف، محاولاً البرهنة على أن المحدثين الذين تنسحب الشروط السالف الإشارة إليها عليهم - هم الممثلون الحقيقيون لشيوخ السلف لأنهم (اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص، لا على خيال فلسفي، ولا رأي قياسي ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات) (١) .\rأما سبب ذيوع المذهب الأشعري في رأي شيخ الإسلام فيرجع إلى العوامل\rالآتية:\rأولاً: كثرة الحق الذي يقولونه وظهور الآثار النبوية عندهم.\rثانيًا: لبسهم ذلك لمقاييس عقلية ظنوا أنها صحيحة بينما هي في الواقع موروثة عن تيار خارجي من الفلسفة وغيرها، وظنوا أيضًا أنه لم يمكن التمسك بالآثار النبوية في مواجهة المعتزلة بهذا الوجه.\rثالثًا: ضعف الآثار النبوية في عصورهم الموضحة لسبيل الهدى.\rرابعا: تقصير المنتسبين للسنة. ويحملهم ابن تيمية مسؤولية ما حدث ناقدًا لبعضهم بقوله: (إنهم تارة يروون ما لا يعلمون صحته وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور) (٢) .\r\rطريقة السلف أعلم وأحكم:\rوبعد، فإن الغالب على القضايا المتنازع عليها أصبحت لها الصبغة التاريخية لأن الاهتمامات الثقافية والعلمية والدينية حينذاك هي الدافعة لجعلها الأولى بالبحث والمناقشة، ولكن لهذه القضايا نفسها جانبٌ ما زال يستحق الاهتمام والدراسة باعتباره يلقي الضوء على الصلة بين الاتجاهين النصي والعقلي، ولا يمكن تجاهل النقاش الدائر بينهما، فإن الإنسان بمكوناته العقلية والنفسية وثقافته المصطبغة أحيانًا بصبغة العصر الذي يعيش فيه، كل ذلك قد يؤثر عليه تأثيرًا كبيرًا عند تطلعه في","footnotes":"(١) نفس المصدر ٨١.\r(٢) ابن تيمية: فتاوى ج ١٢ ص ٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185891,"book_id":1232,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":188,"body":"البحث عن الحقيقة التي ينشدها. وإذا خصصنا المسلم المعاصر بالحديث، فإننا نراه يقف أمام القرآن الحكيم والسنة النبوية أحد موقفين:\rالأول: التأثر بالفلسفات السائدة والمناهج التي تجعل للعقل المكانة الأولى في نظرية المعرفة، ومن ثم يميل إلى المنهج الاعتزالي، وإن توسط في موقفه اختار المنهج الأشعري.\rالثاني: وإما البحث عن المنهج الصحيح للعقيدة موقنًا بأنه من الخطأ العلمي والديني الانصراف عن الأصل الثاني للإسلام وهو الأحاديث النبوية الصحيحة في مصادرها، وما أكثرها وأوثقها.\rوهنا ينبغي أيضًا الاسترشاد بطريقة علماء الحديث والسنة ومعرفة منهجهم في النظر والاستدلال لإثبات صحة أصول الدين.\rوفي بحث كهذا محدود الهدف وموحد المنهج، رأينا توضيح التباين والتمايز بين الاتجاهين: المعتزلي والأشعري من ناحية، والسلفي من ناحية أخرى.\rوقد تبين لنا أن المعتزلة اعتزلوا السنة والجماعة ووضعوا لأنفسهم أصولاً خمسة.\rأما الأشاعرة فإنهم دافعوا عن عقيدة أهل السنة والجماعة وأعلنوا الانتماء إليهم. ولكنهم التزموا في منهجهم بصفة عامة بالمنهج الكلامي، بحجة التوفيق بين النصوص الشرعية والأحكام العقلية، وغلب عليهم تأويل النصوص الشرعية لتطويعها للأصول التي وضعها أهل الكلام قبلهم.\rوإذا كانت دراستنا قد أوصلتنا إلى انتهاء أغلب أئمة الأشاعرة سلفيين، فإن ذلك يدل على اكتشافهم أن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، وعلينا الاستفادة من تجاربهم التي أمضوا فيها السنوات الطوال بحثًا وتفكيرًا وتأملاً ودراسةً، ويصبح من السرف أيضًا في الوقت والجهد، اتباع طريقتهم الكلامية قبل رجوعهم عنها، لا سيما ولدينا مؤلفات علماء الحديث والسنة بعدهم، أخلصوا في إظهار المنهج السلفي والدفاع عنه وبيان أنه يستند إلى الأدلة الشرعية العقلية.\rوفي مقدمة هؤلاء يقف شيخ الإسلام ابن تيمية، وسنحاول عرض منهجه بإيجاز في الباب التالي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185892,"book_id":1232,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":189,"body":"الباب السادس\r\rموقف ابن تيمية من القضايا الكلامية:\r- حياته وعصره\r- منهجه\r- هدم المنطق الأرسططاليسي وإعلاء الميزان القرآني.\rنظرية ابن تيمية في المعرفة\r- الفطرة الإنسانية وطرق المعرفة.\r- الهدى والبينات.\rموقفه إزاء القضايا الكلامية:\r- الصفات الإلهية.\r- طرق البراهين القرآنية.\r- إثبات صفات الله تعالى وأفعاله بالأدلة العقلية.\rالميزان القرآني.\r- قياس الأولى.\r- الاعتبار واللزوم.\r- النبوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185893,"book_id":1232,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":190,"body":"موقف ابن تيمية من القضايا الكلامية\r\rمقدمة:\rولد تقي الدين بن تيمية يوم الاثنين عاشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٦١ هـ في حران ونشأ في بيت علم أتاح له الاطلاع إلى التراث الإسلامي واستيعاب علوم المسلمين، فبزَّ علماء زمنه لتفرده بالإحاطة الشاملة دونهم بأغلب هذه العلوم - كالتفسير واللغة وحفظ السنن والآثار، وعلم الفقه والتاريخ، والفلسفة وعلم الكلام وغيرها. وقد ساعدته مواهبه العقلية على بلوغ مرماه إذ كان يتمتع بذكاء حاد وحافظة متميزة استطاع بهما أن يفهم ويعبر عن أعوص المسائل في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه بحيث ارتفع إنتاجه العلمي إلى مصاف المتخصصين في هذه الفروع كلها كما يذكر مترجموه، إلى جانب خصائص أخلاقية تتمثل في النهم والتشوق للمعرفة وقوة الجلد والصبر على قراءة ما يشبه الموسوعات، بحيث مكنته من استحضار النصوص وقت الحاجة والاستشهاد بها وتأييد صحة آرائه.\rويضاف إلى ذلك انقطاعه للعلم انقطاعًا تامًا فلم تشغله صاحبة ولا ولد، ولم يحل دونه منصب أو يعوقه سعي لطلب مال أو جاه لزهده وتقلله في معيشته. وعندما اضطهد وسجن، بسبب آرائه الجريئة التي ساقته إليها اجتهاداته المدعمة بالأدلة، انتهز فرصة سجنه واستمر في القراءة والبحث إلى أن أجبر في فترة سجنه الأخيرة عن التخلي عن أدوات الكتابة.\rومن أخلاقه الشخصية الدقة والأمانة في رواية النصوص المنقولة من مصادرها المختلفة؛ فحفظ لنا صفحات كاملة من كتب تعد في حكم المفقودة، مع شجاعته في إعلان رأيه مهما قوبل من صنوف الاضطهاد بسببها، وخوضه المعارك الحربية في مواجهة التتار وقيامه بحث الأمراء على مقاومة حروبهم مهما كلفهم ذلك من نفوس وأموال.\rولقي العنت بسبب خصومته لعلوم الكلام والطعن في شيوخ الصوفية ونقد آراء بعض الفقهاء، كما انتقد مظاهر الاضطراب والضعف في عصره لأنه عاش وسط جو صاخب مليء بالحروب الخارجية ومظاهر التشتت والاختلاف في الداخل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185894,"book_id":1232,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":191,"body":"بعد انهيار الخلافة العباسية في بغداد سنة ٦٥٦ هـ وانقسام الدولة الإسلامية الكبرى إلى ولايات متعددة، فقامت بمصر والشام حينذاك دولة المماليك التي عاش فى ظلها ابن تيمية، وقد كتب لها أن تقوم بالنصيب الأوفى في خدمة الإسلام ودفاع المعتدين من المغول في الشرق والصليبيين في الشمال (١) .\rولم يأل ابن تيمية جهدًا فى شن الغارة على النصيرية والباطنية في الشام، لأن السواحل الشامية إنما استولت عليها النصارى من جهتهم وهم دائمًا مع كل عدو للمسلمين، كما قام ابن تيمية بالسفارة لدى ملك المغول غازان.\rوجمع في شخصيته صفات العالم المجاهد الذي ضحى - كما يصفه الشيخ المراغي - بمتع الدنيا لنصرة دعوته، فانتقد انتقاد الرجل المثالي الذي كان يرى ألا حكم إلا لله، وأن الجماعة يجب أن تكون على النحو الذي شرعه الله، فله في الدين رأي، وله في الدولة رأي، وله في الصوفية رأي، وله في رجال الكلام رأي، وله في النصرانية رأي، والباطنية رأي (٢) .\rوأمضى حياة حافلة في التأليف والجدل والجهاد بنفسه ضد التتار والإفتاء ومحاربة البدع.\rومثل هذه الشخصية الفذة لابد أن تتعرض للابتلاءات والمحن، ولذا فقد استطاع خصومه إدخاله السجن أكثر من مرة في حياته، فكان موته بسجن القلعة بدمشق عام ٧٢٨ هـ (٣) .\rوالآن يحسن بنا أن نفصل هذه المقدمة.\r\rحياته وعصره:\rولد الشيخ كما قلنا في بيت ثقافة إسلامية سلفية، فإن جده كان محدثًا مشهوراً، وكذلك كان أبوه. يصف ابن تيمية جده بقوله: (كان جدنا عجبًا في حفظ","footnotes":"(١) المراغي: ابن تيمية ص ٥٩ ط الحلبي (سلسلة أعلام الإسلام) .\r(٢) المراغي: ابن تيمية ص ٣٧- ٣٨.\r(٣) ينظر كتاب المستشرق الفرنسي هنري لاوست (نظريات شيخ الإسلام في السياسة والاجتماع) ترجمة الأستاذ محمد عبد العظيم وتقديم وتعليق د. مصطفى حلمي دار الأنصار ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٧ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185895,"book_id":1232,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":192,"body":"الأحاديث وسردها وحفظ مذاهب الناس بلا كلفة) ويصفه بأنه كان معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله (١) .\rأما والده فإنه (أتقن العلوم وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه.. كان محققًا كثير الفنون، وكان من أنجم الهدى، وإنما احتفى من نور القمر وضوء الشمس ويشير الذهبي في هذا الوصف إلى كل من أبيه وابنه) (٢) .\rوتلقى شيخنا الفقه والحديث والعلوم الأخرى، وكان مضرب المثل في قوة الحفظ والذكاء، كما استطاع أن يستوعب ثقافة العصر كما قلنا ويجيدها ويحاجج أهلها عن مقدرة ودراية. يصفه تلميذه الذهبي بأنه (برع في الرجال، وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام، وغير ذلك.\rوكان من بحور العلم والأذكياء المعدودين والزهاد والأفراد. وسارت بتصانيفه الركبان، لعلها ثلاثمائة مجلد) (٣) .\rوكان عصره يموج بالتيارات السياسية العنيفة، فإن حروب التتار التي بدأت تغزو البلاد منذ عام ٦١٦ هـ - ١٢٢٩ م، وظلت أمواجها تتلاحق دفعة وراء الأخرى عبر السنوات الطويلة حتى سنة ٦٨٠ هـ - ١٢٨١ م حيث وصلت إلى حماه، واشترك ابن تيمية بنفسه في إحدى المعارك. إلى جانب صراع المماليك على السلطة في الداخل.\rوكان سقوط بغداد عام ٦٥٦ هـ - ١٢٥٧ م على أيدي التتار هو النتيجة الطبيعية التي تمخض عنها ضعف الدولة العباسية، لأنها بدأت منذ أواخر القرن الرابع، وأوائل القرن الخامس (وكأنها جدار يريد أن ينقض وكان لا بدّ لها أن تنتهي إلى إحدى النهايتين: إلى الانحلال التام والفناء أو اليقظة والإحياء) (٤) . ولكن مع الأسف","footnotes":"(١) الألوسي: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ص ١٨.\r(٢) نفس المصدر ١٩.\r(٣) الذهبي: تذكرة الحفاظ ج ٤ ص ٢٨٨ وقد لاحظ لاوست وحده النظرة الدينية عند ابن تيمية في وقتها ودوامها (حيث كانت الأفكار التي عرضها في مطلع فجر تأليفه هي نفس الأفكار التي تناولها شرحًا وتفصيلاً في سائر تواليفه المتأخرة) ص ٨٣٥ من كتاب أسبوع الفقه - ابن كثير - البداية ج ١٣ ص ٨٣.\r(٤) د. جمال الدين الشيال: تاريخ الدولة العباسية ص ٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185896,"book_id":1232,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":193,"body":"انتهت إلى ما نعرفه من انقسام الدولة الإسلامية الكبرى إلى دويلات عديدة، وعاصر ابن تيمية دولة المماليك.\rوكان للشيخ دور بارز في مقاومة الغزو التتاري وهذا يعطينا فكرة عن ارتباط العقيدة بالعمل عنده.\rوقد أفرغ ما في جعبته من آيات وأحاديث لحث المسلمين على الجهاد، وتخليصهم من روح اليأس والهزيمة التي دفعت بجموع كبيرة منهم إلى الفرار هربًا من جحافل الجيش التتاري، الذي شرب من كأس النصر حتى الثمالة، وانتشى بروح السيطرة والتفوق.\rوفي مقابل الحرب والغزو الخارجي الذي ملأ التاريخ بصفحات عديدة من المآسي والكوارث التي أصابت العالم الإسلامي، كانت هناك في الداخل تيارات عدائية تتمثل في روح الهزيمة، وبث روح اليأس، وترويج الإشاعات التي تروع القلوب وتخلعها لكي يسلم الناس دون قتال.\rيقول ابن كثير: (وأشاع المرجفون بأن التتار وصلوا إلى حلب، وأن نائب حلب تقهقر إلى حماه، ونودي في البلد بتطييب قلوب الناس وإقبالهم على معايشهم) (١) .\rومما زاد الأمر سوءًا في هذا العام - أي عام ٧٠٠ هـ ١٣٠٠ م حيث بدأ التتار يقصدون بلاد الشام - أن هذه البلاد شهدت شتاء قارسًا مما أدى إلى صعوبة الهجرة (حيث جعلوا يحملون الصغار في الوحل الشديد والمشقة على الدواب والرقاب، وقد ضعفت الدواب من قلة العلف، مع كثرة الأمطار والزلق والبرد الشديد والجوع وقلة الشيء) (٢) .\rرأى ابن تيمية هذه الظروف العصيبة التي تضافرت فيها توالي انتصارات الأعداء، مع ضعف المسلمين ويأسهم، ومما زاد الطين بلة الأحوال الجوية التي جرت على غير المألوف. وهنا يتجلى إيمان الشيخ، وتظهر آثار التشبع بالروح السلفية فعالة قوية، في الوقت الذي كان بعض الفقهاء غيره يتركون دمشق فرارًا بأنفسهم","footnotes":"(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٩٥.\r(٢) نفس المصدر ١٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185897,"book_id":1232,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":194,"body":"وعائلاتهم إذ (كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق، كبيت ابن صصري، وبيت ابن فضل الله وابن منجا وابن سويد وابن الزملكاني وابن جماعة) (١) .\rوبذل الشيخ جهدًا كبيرًا ليقف في وجه كل العوامل التي تدعو إلى الهزيمة واليأس معلناً على الملأ آراءه الكفيلة بتحويل الهزيمة إلى نصر. فأخذ يحرض الناس على القتال بدلاً من الفرار (وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الأموال في الذود عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرًا) (٢) .\rكذلك سافر بنفسه إلى مصر لحث السلطان على الدفاع عن الشام، وأقنعه بضرورة تجهيز الجيش لهذا الغرض. وجاء ضمن أقواله للسلطان في هذا الصدد: (لو قدر أنكم لستم حكامًا للشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه، وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم؟) (٣) .\rوعندما حان أوان المعركة المرتقبة بأرض الشام، وصلت جحافل التتار إلى حمص وبعلبك، ولم يكن جيش مصر قد وصل للنجدة بعد، تخبط الناس ومسهم الفزع والذعر، وعادوا يتحدثون عن التقهقر، ولكن ابن تيمية عاد ينفث من قوة إيمانه في صدور الأمراء والجند، مؤكدًا لهم النصر، متأولاً قوله تعالى: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [الحج: ٦٠] وإذا ما طلبوا منه ذكر مشيئة الله، أجابهم: (إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا) (٤) .\rأما عن تردد بعض المسلمين في حرب التتار لأنهم أعلنوا الإسلام تظاهراً، فقد أوضح لهم شيخنا هذا اللبس، إذ إن التتار كالخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، زاعمين أنهم أحق بالرياسة منهما، وكذا يفعل التتار، فبينما هم متلبسون بالمظالم والمعاصي (يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق بين المسلمين) .","footnotes":"(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ١٤.\r٢١ (نفس المصدر والصفحة.\r(٣) نفس المصدر ص ١٥.\r(٤) نفس المصدر ص ٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185898,"book_id":1232,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":195,"body":"وحتى لا يدع مجالاً للشك في صحة رأيه لإدخال الطمأنينة والثبات في قلوب المترددين، أعلن لهم في وضوح قاطع (إذا رأيتموني من ذلك الجانب - يقصد التتار - وعلى رأسي مصحف فاقتلوني) (١) .\rوقاتل الشيخ مع الجند، حاثًا إياهم على الإفطار في شهر رمضان، لأن الفطر أقوى لهم، وذلك تشبهًا بالمسلمين حين أفطروا عام الفتح تنفيذًا لنصيحة الرسول ﷺ (٢) .\r\rخلقه:\rاتصف الشيخ بمكارم الأخلاق. أما عن حدة الطبع التي توصف بها كتاباته وشدته في نقد المذاهب والطوائف المخالفة للسنة، فهي كرد فعل لشدة خصومه ومخالفيه.\rوكان هو على يقين بأنه على الحق بالأدلة الشرعية العقلية.\rفالواقع أن الرجوع إلى مراحل حياة الشيخ، والاطلاع على التهم التي كيلت إليه ظلمًا، وما نسب إليه زورًا وبهتانًا (٣) . كل هذا دفع بالشيخ إلى الثورة على المظالم التي أحدقت به.\rويزيد الأمر إيضاحًا ما يحدثنا به عن نفسه فيقول: (فإن الناس يعلمون أني من أطول الناس روحًا وصبرًا على مر الكلام، وأعظم الناس عدلاً في المخاطبة لأقل الناس) (٤) فبم إذن يفسر ثورته وغضبه؟\rهنا يجيب قائلاً: (فمتى ظلم المخاطب، لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن، بل عنف أبو بكر الصديق ﵁ عروة بن مسعود بحضرة النبي ﷺ لما قال: إني لأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، وأجابه بحدة بالغة الشدة:","footnotes":"(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٢٤.\r(٢) نفس المصدر ص ٢٦.\r(٣) يقول ابن تيمية: (وكان قد بلغني أنه زور عليَّ كتاب) ويقول: (أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ) ٢٠٧. من كتاب العقود الدرية لابن عبد الهادي.\r(٤) محنة الشيخ ص ٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185899,"book_id":1232,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":196,"body":"(أنحن نفر عنه وندعه) ؟ (١) .\rوفيما عدا هذا، فقد كان الشيخ متسامحًا، مطبقًا لأخلاقيات الإسلام في العفو وتصفية قلبه من الأحقاد والضغائن، إذ لما انقلبت الأوضاع السياسية وحل الملك محمد ابن الملك المنصور قلاوون، بدلاً من المظفر الجاشنكير بيبرس - وكان يكن للشيخ المحبة والتقدير في بداية حكمه - طلب منه أن يفتي بقتل بعض القضاة - الذين أفتوا بعزله عن الملك أيام الجاشنكير - فأبى، بل دافع عنهم بقوله: إذا قتلت هؤلاء، لا تجد مثلهم بعدهم. فلما ذكره الملك بأنهم سبق أن آذوه وأرادوا قتله مرارًا أجاب (من آذاني فهو في حل) .\rوإزاء هذا التصرف، اضطر ابن مخلوف قاضي المالكية إلى الاعتراف بأنه لم ير مثل ابن تيمية، لأنه حرض عليه فلم يقدر عليه، فلمّا قدر عليهم جميعًا صفح عنهم، وحاج عنهم (٢) وهذا صحيح. لأننا لو عقدنا مقارنة بين حديث هذا القاضي بعد أن زال عنه الصولجان، ووصف ابن تيمية له في السجن، لظهر الفرق بين الرجلين، إذ يقول عنه: (وابن مخلوف ولو عمل مهما عمل - والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه.. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين) (٣) .\rفإذا ما انتقل من هذه العلاقة الخاصة مع خصمه القاضي ونظر إلى المسلمين بعامة، فإنه يدعو لهم بالخير في دينهم ودنياهم، ويحب أن يراهم وقد اختفت من بينهم بذور الفتن والخلاف، فلن (ينقطع الدور وتزول الحيرة، إلا بالإنابة إلى الله والاستغفار والتوبة، وصدق الالتجاء، فإنه سبحانه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (٤) .\rكذلك يعلن أنه لا يهدف إلى تحقيق غرض دنيوي، ولا يطمع في تحقيق","footnotes":"(١) نفس المصدر والصفحة ١٩، ٢٠ ابن كثير ص ٥٤، ج ١٤.\r(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٥٤.\r(٣) محنة الشيخ ص ٥٩.\r(٤) نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185900,"book_id":1232,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":197,"body":"منصب، أو جاه، أو الحصول على أموال، فإنه (لم يقبل من أحد شيئًا من النفقات السلطانية، ولا من الكسوة، ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنس بشيء من ذلك) (١) ، فهو يسعى إلى تحقيق ما يحبه الله ورسوله، فإذا ما قابلته بعض الخصومات، فإنه لا ينظر إليها نظرة شخصية خاصة، وإنما يتحمل كل الصعاب في سبيل هدفه العام الذي عاش من أجله (نحن إنما ندخل فيما يحبه الله ورسوله ﷺ والمؤمنون، ليس لنا غرض مع أحد، بل نجزي بالسيئة الحسنة، ونعفو ونغفر) (٢) .\rوكانت حياة الشيخ برهانًا على صدق قوله، واقتران العلم بالعمل. إنه تمكن من خصومه كما بينا فلم يصبهم بأذى، وعندما سجنه الملك الناصر، أصبح ذلك دليلاً على أنه لم يحاول أن يستمد قوته من الأمير، بل كان يعلن ما يراه حقًا (ولو كان يستمدها من الناصر ما ألقاه في غيابة السجن، فكان هذا هو الدليل القاطع على أنه متبوع لا تابع، وحر سيد نفسه، وليست نفسه، ولا فكره ملكًا لأحد) (٣) وبذلك نراه يتخلق بأخلاق العالم المسلم.\r\rمنهجه:\rتكاد تنحصر معالم المنهج لدى ابن تيمية في مميزات ثلاثة:\rأحدها: إثبات اتفاق الدليل العقلي مع الدليل النقلي.\rالثانية: رفضه لمصطلحات المتكلمين والفلاسفة وإخضاعها للمعاني الإسلامية قبل البت في قبول استخدامها أو رفضها لأن التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بألفاظ محدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع، والثالثة هدمه للمنطق الأرسططاليسي واستبعاده.\rفبالنظر إلى الدليلين العقلي والنقلي فإن التعارض يأتي بسبب ضعف أحدهما أو كليهما أما الدليلان القطعيان فلا يجوز تعارضهما سواء كانا عقليين أو سمعيين أو أحدهما عقليًا والآخر سمعيًا، لأن القرآن دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها","footnotes":"(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٤ ص ٤٢.\r(٢) محنة الشيخ ص ٥٨.\r(٣) محمد أبو زهرة: التعريف بابن تيمية ص ٦٩٠ من كتاب أسبوع الفقه الإسلامي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185901,"book_id":1232,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":198,"body":"ونستطيع أن نستدل بالآيات العديدة على الأمر بالتدبر والفهم والتعقل، ولكن ابن تيمية يشترط ألا نقدم العقل بالإطلاق ويرى أن الجزم بتقديم الدليل العقلي ظاهر الفساد بالضرورة لأن وجود الله ﷾ لا يتوقف على وجود الإنسان أو عقله المخلوق، وقد جاءت آيات الله السمعية والعقلية العيانية والسماعية كلها متوافقة متصادقة لا يناقض بعضها بعضًا.\rوإذا تكلم أهل الكلام فيما يسمونه بـ (أصول الدين) كمسائل التوحيد والصفات الإلهية والنبوة والقدر والمعاد وغيره، فلا بد أن يكون المبين الأول والشارح لها هو الرسول ﷺ ما دامت باعترافهم أصولاً في الدين، ولا حجة لهم بالاستمساك بدعوى (الأدلة العقلية) ؛ لأنه كان ﷺ يتمتع بأكثر العقول وأعلاها ذكاء وفطنة، وهو كغيره من الأنبياء الذين خاطبوا عقول البشر وتسلحوا بأدلتها المتوافقة مع الفطرة فأخبروا الأمم التي بعثوا إليها بمجيزات العقول لا بمحالات العقول.\rوقبل استخدام المصطلحات الكلامية والفلسفية كان على ابن تيمية توضيح مدلولاتها لا سيما ما تردد كثيرًا بحكم القضايا المعروضة للبحث والمناقشة كالتأويل مثلاً، فالتأويل لغة ما يؤول الأمر إليه إن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، أو تفسير الكلام وبيان معناه وإن كان موافقًا له. أو صرف اللفظ من الأمثال الراجحة إلى الاحتمال المرجوح.\rويظهر معنى التأويل الذي استأثر الله بعلمه (١) أي: الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو كصفة النزول والاستواء والمجيء والإتيان فلا نعرف كيفيتها - فإن ذات الله سبحانه ليست كذوات المخلوقين وكذلك صفاته وأفعاله ليست كصفات المخلوقين وأفعالهم.\rوعارض الفلسفة التي اعتبرها إسلامية مجازًا لأنها في أصلها يونانية، وكان يشير دائمًا إلى أن الرومان واليونان كانوا مشركين وكانوا يعبدون الهياكل والأصنام","footnotes":"(١) فإذا تحدث عن الاستواء (فإننا لا نعلم الكيفية التي اختص بها الرب مع أننا نعرف أن تفسيره العلو والاعتدال ولكننا لا نعرف الفارق الذي امتاز به الرب، فصرنا نعرفه من وجه ونجهله من وجه، وذلك تأويله) تفسير سورة الإخلاص ص ١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185902,"book_id":1232,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":199,"body":"الأرضية ومنهم أرسطو وأمثاله من الفلاسفة المشائين.\rكذلك في مناقشاته مع المتكلمين، عارض الألفاظ والاصطلاحات التي استخدمها علماء الكلام لأنها لا تعطي مدلولات إسلامية صحيحة، ولكنه لم يعارض استخدام الأدلة العقلية، بل ذهب إلى خطأ القول بأن الأدلة الواردة بالكتاب والسنة مجرد أدلة نقلية، فذهب إلى أنها عقلية أيضًا - أي أن العقول تجيزها فتزنها مستندة لآيات القرآن المنوهة بشأن العقل كقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) [طه، الآية: ١٢٨] أي العقول وقوله ﷿: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) [الفجر، الآية: ٥] لذي عقل وقوله ﷿: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة، الآية: ١٩٧] وقوله ﷾: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [الأنفال، الآية: ٢٢] فإن الله ﷾ مدح وأثنى على ذوي العقول وبالعكس ذم غيرهم ممن لا يسمع أو يعقل في قوله تعالى عن أهل النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك، الآية: ١٠] (١) .\r[وسيأتي بيان ذلك كله عند حديثنا عن طرق القرآن] .\rالواجب إذن أن يجعل ما أنزل الله من الكتاب والحكمة أصلاً في جميع أصول الدين فإن القرآن جعله الله تعالى شفاء لما في الصدور.\rومن هنا عارض كافة البدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات وعقليات وفلسفات أو ذوقيات ووجدانات وحقائق وغير ذلك لأنها لا بد أن تشتمل على لبس حق بباطل وكتمان حق.\rويعلل ابن تيمية ظهور البدع الكلامية والصوفية والفلسفية بسببين أحدهما ذاتي والآخر خارجي:\rالأول: ابتداع ألفاظ ومعاني جعلوها هي الأصل المعقول المحكم وساروا في طريق التأويل تبعاً لما اعتقدوه صحيحًا وفقًا لأحكامهم العقلية.\rالخارجي: وموجزه: أنه قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة؟ حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول ﷺ، فإما أن لا يعرفوا اللفظ وإما أن يعرفوا","footnotes":"(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج ١٠ ص ٤٣٥ - ٤٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185903,"book_id":1232,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":200,"body":"اللفظ ولا يعرفون معناه.\rأما طريقة القرآن الحكيم في الجدل فقد تضمنتها الآية الكريمة في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: ١٢٥] حيث أنها راعت حال المخاطبين حسب أحوالهم لأن الإنسان له ثلاثة أحوال:\rإما أن يعرف الحق ويعمل به فيدعى بالحكمة، وإما أن يعرفه ولا يعمل به، إذ تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة، فهذان هما الطريقان - الحكمة والموعظة. وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا؟ فإن النفس لها هوى يدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة وإلى الحكمة؟ فلا بد من الدعوة بهذا وهذا.\rولكن النوع الثالث من الناس لا يعرف الحق فحسب بل يعارضه.\rولهذا فلا يدعى بالجدل، بل هو من باب دفع الصائل، فإذا عارض الحق معارض، جودل بالتي هي أحسن ولهذا قال: (جَادِلْهُمْ) ، فجعله فعلاً مأمورا به مع قوله: (ادعهم) فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن ولم يقل: بالحسنة كما قال في الموعظة لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة؛ فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن؛ حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة.\rوهكذا فإن مقصود القرآن بيان الحق ودعوة العباد إليه لا الجدال بغير علم، فهذا مما ذمه الله تعالى بقوله: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) [آل عمران: ٦٦] .\rكذلك من سمات منهجه - الاكتفاء بالقرآن والسنة - ففيهما بيان كافة ما يحتاج إليه الإنسان في معرفة الدين وتنظيم المعاش في الدنيا، واستلزم منه هذا التصور أن يجمع في مؤلفاته بين المباحث التي شغلت المتكلمين والفلاسفة والصوفية، فأخذ يناقش كل طائفة مستدلاً على صحة أقواله بالآيات والأحاديث، مثبتًا أن في هذين المصدرين وحدهما كافة ما يحتاج إليه من معارف في أمور الدين، وأنهما يعبران عن ذاتية الإسلام في مواجهة كل الآراء والنظريات والفلسفات التي ابتدعها البشر، على اختلاف طرقهم في البحث والاستدلال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185904,"book_id":1232,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":201,"body":"قال شيخ الإسلام في هذا الصدد: (ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين والعلوم الإلهية وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن.\rولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر، فضلاً عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه بل بغيره، سواء كان من علم المحدثين والملهمين، أو من أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء) (١) .\rوسنعرض فيما يلي بالترتيب لتفاصيل منهج شيخ الإسلام الذي برهن به على ضرورة الاكتفاء بطرق القرآن وأدلته العقلية اليقينية المتفقة مع الفطرة الإنسانية.\rوكانت عناية الشيخ الفائقة متجهة إلى هدم المنطق الأرسططاليسي واستبعاده ونقض حدوده وقضاياه كما سيأتي.\rوكان يحاول أيضًا التقريب بين وجهات النظر، ما دامت الأصول المتفق عليها واحدة، إذ بالرغم من الخصومات العنيفة الحادثة بين الفرق والمذاهب في عصر شيخ الإسلام، فإنه حاول التقريب بين الاتجاهات المتقاربة إذ وجد مواضيع الالتقاء كثيرة، وأظهر الاتفاق في الأصول وأغضى عن الخلافات في دقائق المسائل التي تخفى على الكثير فإن الكلام في مسألة الكلام حير عقول أكثر الأنام ودوافعه في ذلك أن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف، فقال لنا في القرآن: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: ١٠٣] .\rوقال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام: ١٥٩] .\rوقال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) [آل عمران: ١٠٥] .","footnotes":"(١) ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص ٤٤ - ٤٥ ط - دار الكتب العلمية بيروت ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185905,"book_id":1232,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":202,"body":"وكان يبرز أمام مخالفيه الأصول الكبار المتفق عليها فيذكرهم بأن ربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا ﷺ واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف (١) .\rوفي إحدى مرات النقاش والجدل قال لمخالفيه:\rلا شك أن الناس يتنازعون، يقول هذا: (أنا حنبلي) ، ويقول هذا: (أنا أشعري) ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها.\rثم شجب هذا الاختلاف والتفرق آتيًا بما يثبت اعتناق الأشعري بعد رجوعه من الاعتزال عقيدة الإمام أحمد بن حنبل، مؤيدًا ذلك لما أعلنه أبو الحسن الأشعري نفسه في كتابه (الإبانة) وما حكاه عنه ابن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري) .\rوقال: وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته، ولم يصنف في أخبار الأشعري المحمودة كتاب مثل هذا، وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في (الإبانة) (٢) .\r\rهدم المنطق الأرسططاليسي وإعلاء الميزان القرآني:\rلعل من أبرز معالم منهج شيخ الإسلام ابن تيمية هو هدمه للمنطق الأرسططاليسي وتقويضه من أساسه، فقدم بذلك خدمة لا تقدر - لا للعقيدة والفكر الإسلامي فحسب - بل أسهم في انتشال فلسفة أوروبا وحضارتها من عقم المنطق الصوري وعرقلته للعقل البشري، إلى المنهج الحقيقي الوحيد الصحيح للتقدم العلمي والمعارف الصحيحة ألا وهو المنهج التجريبي.\rويرى أستاذنا الدكتور النشار ﵀ أنه ليس هناك في الحقيقة من تكلم - فيما قبل العصور الحديثة - بما تكلم به ابن تيمية.\rلقد وصل إلى أوج الدرج في فلسفة المنهج التجريبي، بنقده للمنطق اليوناني القياسي وبدعوته إلى المنطق الإسلامي التجريبي وعبر عن روح الحضارة الإسلامية الحقة.\rويضيف إلى ذلك رأي الشيخ مصطفى عبد الرازق بقوله: (إن الدراسات المنطقية لو سارت منذ عهد ابن تيمية على نهجه في النقد، بدل الشرح والتعمق،","footnotes":"(١) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٦٣.\r(٢) أبو المعالي محمود شكري الألوسي: غاية الأماني في الرد على النبهاني ج ١ ص ٢٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185906,"book_id":1232,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":203,"body":"لكنا بلغنا بها من الرقي مبلغًا عظيمًا) (١) .\rوقد نقد ابن تيمية بشدة المنادين بتطبيق المنطق الأرسططاليسي والمعجبين به في العالم الإسلامي؛ باعتباره القانون الذي يعصم الذهن من الوقوع في الخطأ، وأظهر بكتاباته ومناقشاته العميقة لحدود هذا المنطق وطرق استدلالاته، أظهر أنه لا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي أنزله الله هو منطق اليونان للأسباب الآتية:\rأولاً: إن الله - تعالى - أنزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان، في عهد نوح وإبراهيم وموسى ﵈ وغيرهم، وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح بثلاثمائة سنة فقط، فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن به؟ ويثبت بذلك أن الله تعالى خاطب الأمم بالميزان العقلي، فإن الوحي المنزل قائم على أدلة العقول (٢) .\rولما كان القرآن الكريم هو الكتاب الإلهي الأخير للبشرية، قد عظم من شأن العقل، وجعله أساساً للتكليف، فإن مسلوب العقل أو المجنون غير مكلّف، وقد رُفع عنه العقاب، ولا يصح إيمانه ولا صلاته ولا صيامه ولا شيء من أعماله، فإن الأعمال كلها لا تقبل إلا مع العقل؛ فمن لا عقل له لا يصح شيء من عباداته - لا فرائضه ولا نوافله - ومن لا فريضة له ولا نافلة ليس من أولياء الله تعالى.\rولهذا قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) [سورة طه: آية: ١٢٨] أي: العقول وقال تعالى: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) [سورة الفجر: آية: ٥] أي: لذي عقل؟ وقال تعالى: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [سورة البقرة: آية: ١٩٧] وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف، الآية: ٢] .\rويتضح من آيات قرآنية أخرى أن الله تعالى قد مدح وأثنى على من كان له عقل فأما من لا يعقل فإن الله لم يحمده ولم يثن عليه ولم يذكره بخير قط، بل قال تعالى عن أهل النار: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) وقال (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [الأنفال: ٢٢]","footnotes":"(١) د. علي سامي النشار: مناهج البحث لدى مفكري الإسلام. واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي ص ٢٨٩، ٣٠٣ دار المعارف ١٩٦٥ م.\r(٢) السيوطي: صون المنطق ج ٢ ص ١٥٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185907,"book_id":1232,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":204,"body":"وقال سبحانه: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف، الآية: ١٧٩] وَقال: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان، الآية: ٤٤] (١) .\rثانيًا: كان السلف من هذه الأمة يستخدمون الموازين العقلية التي بينها القرآن الكريم ولم يلجأ أحد منهم إلى المنطق اليوناني الذي لم يعرف في العالم الإسلامي إلا بعد الترجمة في عهد دولة المأمون أو قريبًا منه.\rوقد لجأ ابن تيمية لاستخلاص طرق الحجاج العقلي من القرآن الحكيم مستندًا إلى مواقف الرسل والأنبياء ﵈ مع الكافرين، فقد ذكر الله تعالى في كثير من السور القرآنية المناقشات التي دارت بين الملوك والعلماء التابعين لهم من ناحية والرسل من جهة أخرى، ولذلك فقد أعلمنا القرآن بما دار مع المعاندين، فذكر في كتابه في غير موضع قصص فرعون والذي حاج إبراهيم في ربه لما آتاه الله الملك، والملأ من قوم نوح وعاد وغيرهم من المتكبرين المكذبين للرسل، أخبرنا بردود علمائهم، كقول الله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر، الآيات: ٨٣ - ٨٥] (٢) .\rوقال ابن عباس ﵄: (كل سلطان في القرآن فهو حجة) وقد قصت لنا سورة (غافر) أحوال مخالفي الرسل من الملوك والعلماء، مثل: أقوال الفلاسفة وعلمائهم ومجادلتهم واستكبارهم مما يشكل عبرة لمن أتى بعدهم.\rوكذلك في سورة الأنعام وعامة السور المكية وطائفة من السور المدنية، فإنها تشتمل على خطاب هؤلاء وضرب الأمثال والمقاييس لهم، وذكر قصصهم وقصص","footnotes":"(١) ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية المجلد العاشر ط الرياض ص ٤٣٥.\r(٢) السيوطي: صون المنطق ج ٢ ص ١٥٧ - ١٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185908,"book_id":1232,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":205,"body":"الأنبياء وأتباعهم معهم، فقال سبحانه: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف، الآية: ٢٦] (١) .\rفكيف يعقل أن يترك المسلمون هذه الحجج العقلية ويلجأون إلى منطق اليونان؟ لقد أغناهم الله ﷿ بالميزان التي أنزلها مع الكتاب حيث قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى: ١٧] وقال ﷿: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) [الحديد: ٢٥] وهي ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله وخلافه، فيسوي بين المتماثلين ويفرّق بين المختلفين بما جعله الله في فطر عباده وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف.\rويضاف إلى القرآن الحديث أيضًا، وبهما تتبين الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويتبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، ويتبين الإنكار على من يخرج عن ذلك، كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية، الآية: ٢١] وقوله ﷾: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم، الآية: ٣٥، ٣٦] (٢) .\rإذن مما تقدم يتبين أن حجج القرآن وأدلته ميسرة مفهومة للناس وفقًا للفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها، وبها يعرفون ويستدلون.\rويقتضي التوضيح إلمامنا أولاً بنظرية ابن تيمية في المعرفة ثم بيان طرق البراهين التي استقرأها من القرآن الكريم وهي على الترتيب:\r١ - الميزان القرآني.\r٢ - قياس الأولى (على وزن الأعلى) .\r٣ - دليلا اللزوم والاعتبار.","footnotes":"(١) فتاوى ابن تيمية ج ٩ ص ٣٨ - ٣٩.\r(٢) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٣٨٢ - ٣٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185909,"book_id":1232,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":206,"body":"أولا: نظرية ابن تيمية في المعرفة\r\rالفطرة الإنسانية وطرق المعرفة:\rلا يمكن فهم عملية المعرفة الإنسانية إلا بالنظر إلى الإنسان ومكوناته، ذلك أن تضخيم أحد جوانبه على الجوانب الأخرى يؤدي إلى أخطاء في التصورات ناشئ عن انحراف الفهم.\rويعد تعريف ابن تيمية للإنسان مدخلاً للنظر إلى تفسير كيف تتم عملية المعرفة، لأن الاختلاف الأساسي في رأيه بين الفلاسفة والمتكلمين من ناحية والصوفية والفقهاء من ناحية أخرى يرجع إلى تجزئة القدرات الإنسانية وعدم التصور الصحيح للإنسان كما خلقه الله تعالى. ومن ثم فإن الإسلام جاء مخاطبًا الفطرة الإنسانية كما خلقها الله تعالى باعتبار أن الإنسان حي حساس متحرك بالإرادة - أو أنه علم وعمل، عقيدة وعبادة، معرفة وسلوك، فأثبت ابن تيمية أن الإسلام جاء موافقًا لهذه الثنائية في خلقه الإنسان، فيعلمه بكل ما هو حق ويأمره باتباع المعروف، ويلفت أنظاره إلى الآيات الكثيرة الدالة على وجود الله ﷿، وعلى حكمته وعدله ورحمته وقدرته وسائر الصفات والأسماء الكاملة له سبحانه، كما أنه لا يأمره إلاّ بالمعروف، ولا ينهاه إلا عن المنكر. ويهتم ابن تيمية ببيان الصلة التي ينبغي أن تكون بين العبد وربه حتى تستقيم الحياة ويسعد الإنسان فيقول: (أما النفس فإن لها قوة الإرادة مع الشعور وهما متلازمان، والنفس تتقوم بمرادها، وهو المعبود، والله سبحانه هو المقصود المعبود وحده لا بمجرد ما تشعر به) (١) .\rويستند ابن تيمية إلى النصوص يفسرها ويشرحها، فالإنسان قد سماه النبي ﷺ بقوله (أصدق الأسماء حارث وهمام) فهو دائمًا يهم ويعمل ولكنه لا يعمل إلا ما يرجو نفعه أو يدفع مضرته. وينطبق ذلك الوصف على من صحت فطرته، فالفطرة السليمة تعرف الحق وتحبه وتطمئن إليه وتكذب بالباطل وتبغضه وتنكره، كما قال تعالى: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) [الأعراف، الآية: ١٥٧] (٢) .","footnotes":"(١) ابن تيمية: النبوات ص ٩٠ - ٩١.\r(٢) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185910,"book_id":1232,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":207,"body":"ولكن المشاهد في أحوال كثيرة أن من الناس من يعلم أن شيئًا يضره ومع ذلك يفعله، ويعلم أن شيئًا ينفعه ومع ذلك يتركه، فما تعليل ذلك؟\rويرى شيخ الإسلام أن ذلك عارض ما في نفسه من طلب لذة أخرى أو دفع ألم آخر، فأصبح جاهلاً، حيث قدم هذا على ذلك ولهذا قال أبو العالية (متوفى ٩٠ هـ) (وهو من كبار التابعين) سألت أصحاب محمد ﷺ عن قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) [النساء، الآية: ١٧] (١) فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب من قبل الموت فقد تاب من قريب.\rوإذا عدنا إلى مبدأ الثنائية في خلق الإنسان، وعرفنا حقيقة العداء بينه وبين الشيطان، استطعنا الوقوف على أسباب أخرى للمفاسد والمعاصي لأنّ مبدأ العلم الحق والإرادة الصالحة من لمة الملك، ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة من لمة الشيطان، وذلك تفسير قول الله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) [البقرة، الآية: ٢٦٨] وقال تعالى أيضًا: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) [آل عمران، الآية: ١٧٥] أي يخوفكم أولياؤه.\rالأصل إذن أن الله تعالى خلق عباده على الفطرة التي إن تركت على سجيتها عرفت الحق وعملت به - لأنها جُلبت على الصحة في الإدراك وفي الحركة (٢) لذلك يأتي دور الرسل ﵈ بتكميل الفطرة الإنسانية لا بتغييرها. قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت، الآية: ٥٣] وهذا التطابق والتوافق بين آيات الله تعالى في الآفاق والأنفس يأتي متطابقًا مع الآيات القرآنية السمعية (لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتتطابق الدلالة البرهانية القرآنية والبرهانية العيانية ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول) .\rومما يساعد الإنسان في الوصول إلى معرفة الحق أن يهتدي بالطرق العقلية التي استخدمها القرآن الكريم والتوافق بين آيات الله تعالى في الآفاق وفي الأنفس - أي","footnotes":"(١) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٢٩ - ٣٠.\r(٢) ابن تيمية: منهاج السنة ج ١ ص ٨٣ والنبوات ص ٣٠٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185911,"book_id":1232,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":208,"body":"العيانية والعقلية وكذلك السمعية.\rوينقد ابن تيمية الفلاسفة القائلين بأن العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح النفس لتستعد للعلم الإلهي وهي الحكمة النظرية في تعريفهم الذي زعموا أنه كمال النفس، أو مقصودها إصلاح المنزل والمدينة أي الحكمة العملية.\rويظهر تميز ابن تيمية في نقده للمناطقة والفلاسفة عندما يربط في مناقشاته لهم بين العلم الإلهي عندهم وعند المسلمين - فالعلم بالله هو (العلم الأعلى) ويتحقق هذا العلم على الوجه الصحيح باكتمال ناحيته النظرية والعملية، ولا يقتصر الأمر على أن النفس تكمل بمجرد العلم به فقط كما زعموه، لأن النفس لها قوتان: قوة علمية نظرية، وقوة إرادية عملية، فلا بد لها من كمال القوتين بمعرفة الله تعالى، وعبادته.\rوبناء على هذا التفسير يسقط زعم الفلاسفة ويقصد ابن سينا خاصة - بأن العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس، فيجعلون العبادات وسيلة محضة إلى ما يدعونه من العلم (ولهذا يرون ذلك ساقطًا عمن حصل المقصود، كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية، ومن دخل في الإلحاد أو بعضه، وانتسب إلى الصوفية، أو المتكلمين، أو الشيعة، أو غيرهم) (١) .\rويبدع ابن تيمية في تحليله لمكونات النفس الإنسانية واشتمالها على القوة العلمية والقوة الإرادية العملية لكي يعطي العبادات مكانتها الصحيحة ودورها الفعال في العلاقة بين الإنسان وربه، فإن عبادته ﷾ تجمع بين محبته والذل له.\rتتميز إذن نظرية ابن تيمية بنظرة شمولية جامعة، فالنفس لها قوة نظرية علمية، وقوة إرادة عملية، وهي مفطورة على معرفة الله ﷿ كذلك تعرف المعروف وتنكر المنكر ويؤيدها الملك بالعلم الحق والإرادة الصالحة، بينما الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة من هواتف الشيطان.","footnotes":"(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ١٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185912,"book_id":1232,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":209,"body":"وإزاء هذا التصور للإنسان ومكوناته ودوافعه النفسية، لا تكفي المعرفة؛ لأنها تتصل فقط بالقوة النظرية العلمية، بل لكي يقف الإنسان على قدميه مقاومًا الأهواء وهواتف الشيطان ومعوقات سيره نحو الله - تعالى - لا بد له من عبادة الله وحده لا شريك له (والعبادة تجمع معرفته، ومحبته والعبودية له. وبهذا بعث الله الرسل، وأنزل الكتب الإلهية: كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له) (١) .\rوبهذا يتبين انحراف قول الجهمية، بأن الإيمان مجرد معرفة الله ففصلوا بين علم النفس وبين إرادتها وجعلوا الكمال في نفس العلم وإن لم يصدقه قول ولا عمل، ولا اقترن مع الخشية، والمحبة، والتعظيم وغير ذلك من أصول الإيمان ولوازمه (٢) .\r\rالهدى والبينات:\rتحدثنا من قبل عن نقد ابن تيمية للمتكلمين لا سيما في ظنهم بأن الصحابة لم يكونوا أهل نظر، واستخدامهم لأساليب كلامية بدعية مخالفة لأساليب القرآن في النظر والاستدلال العقلي.\rبينما استدل القرآن الحكيم بالهدى والبيان والأدلة والبراهين وهي تغني عن مناهج النظر التي أسسها أهل الكلام، فإن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأرسله بالآيات البينات، ومن الممتنع أن يرسل الله رسولاً يأمر الناس بتصديقه ولا يكون هناك ما يعرفون به صدقه.\rوقال تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) [البقرة: ١٥٩] .\rويفصل ابن تيمية المعاني القرآنية لكلمات البينات والهدى والفرقان كما يلي:\rأ - فإن البينات جمع \"بينة\" وهي: الأدلة والبراهين التي هي بينة في نفسها أي:","footnotes":"(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ١٤٤ - ١٤٥.\r(٢) ويلحظ الباحث أن ابن تيمية يشتد في خصومته للجهمية ويحملهم مسؤولية الانحرافات كلها وأنهم أصل البلاء الذي حدث بتفرق المسلمين شيعًا وأحزابًا ويصفهم بقوله فهؤلاء الجهمية من أعظم مبتدعة المسلمين، بل جعلهم غير واحد خارجين عن الثنتين وسبعين فرقة، كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط (الرد على المنطقيين ص ١٤٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185913,"book_id":1232,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":210,"body":"بديهيات، وأوليات وضروريات وكلها ألفاظ مترادفة تطلق منهجيًا على القواعد الأساسية للمعارف والعلوم، وبها يتبين غيرها، يقال: بين الأمر أي تبين في نفسه ويقال بين غيره، فالبين: اسم لما ظهر في نفسه ولما أظهر غيره، وكذلك المبين كقوله فاحشة مبينة أي: متبينة. ومقدمات الأدلة تكون معلومة بنفسها كالمقدمات الحسية والبديهية، وبها يتبين غيرها فيستدل على الخفي بالجلي والهدى أيضًا هو بيان ما ينتفع به الناس ويحتاجون إليه وهو ضد الضلالة، فالضال يضل عن مقصوده وطريق مقصوده وهو سبحانه عرفهم أن الله هو المقصود المعبود وحده وأنه لا يجوز عبادة غيره.\rويوضح الصلة بين البينات والهدى فيذكر أن البينات فيها بيان الأدلة والبراهين وعلى ذلك فليس ما يخبر به ويأمر به من الهدى قولاً مجردًا عن دليله ليؤخذ تقليدًا واتباعًا للظن، بل هو مبين بالآيات والبينات - وهي الأدلة اليقينية والبراهين القطعية.\rثم يخطو خطوة أخرى فيذكر أن الهدى التام لا يكون إلا مع الفرقان، ولهذا قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة، الآية: ١٨٥] ، فالفرقان هو المفرق بين الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب والمأمور والمحظور والحلال والحرام، وأيضًا فإن الأدلة تشتبه كثيرًا بما يعارضها فلا بد من الفرق بين الدليل الدال على الحق وبين ما عارضه ليتبين أن الذي عارضه باطل، فالدليل يحصل به الهدى وبيان الحق لكن لا بد مع ذلك من الفرقان وهو الفرق بين ذلك الدليل وبين ما عارضه (١) .\rويضرب الأمثلة على ما يقصده بالفرق بين الهدى والفرقان، فالهدى مثل أن يأمر بسلوك الطريق إلى الله كما يؤمر قاصد الحج بسلوك طريق مكة مع دليل يوصله، والبينات ما يدل ويبين أن ذلك هو الطريق وأن سالكه سالك للطريق لا ضال، والفرقان أن يفرق بين ذلك الطريق وغيره وبين الدليل الذي يسلكه ويدل الناس عليه وبين غيرهم ممن يدعي الدلالة وهو جاهل مضل. وهذا وأمثاله مما يبين","footnotes":"(١) ابن تيمية: النبوات، ص ١٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185914,"book_id":1232,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":211,"body":"أن في القرآن الأدلة الدالة للناس على تحقيق ما فيه من الأخبار والأوامر كثيرة (١) .\rوالله - سبحانه - أنزل في كتبه البينات والهدى، فمن تصور الشيء على وجهه فقد اهتدى إليه، ومن عرف دليل قبوله فقد عرف البينات، فالتصور الصحيح اهتداء وهو سبحانه - إذا ذكر الأنبياء - نبينا وغيره - ذكر أنه أرسلهم بالآيات البينات وهي الأدلة والبراهين البينة المعلومة علمًا يقينًا إذْ كان كلّ دليل لا بد أن ينتهي إلى مقدمات بينة بنفسها قد تسمى بديهيات وقد تسمى ضروريات وقد تسمى أوليات، وقد يقال هي معلومة بأنفسها، فالرسل صلوات الله عليهم بعثوا بالآيات البينات (٢) .\rأيحتاج الناس بعد ذلك إلى أقيسة وأدلة المتكلمين والفلاسفة، إن الكتب المنزلة وآخرها القرآن الحكيم - كلها بذاتها - آيات بينة لأنها كلام الله تعالى أوحى به إلى أنبيائه ورسله، كذلك اتجه الوحي إلى مخاطبة الفطرة التي فطر الناس عليها، ومنها تمييزها الموازين العقلية بين الحق والباطل إذا حافظت على فطرتها ولم تنصت إلى هواتف الشيطان أو تجنح مع هوى النفس.\r\rمواقفه إزاء القضايا الكلامية\r\rالصفات الإلهية:\rإن أهم المسائل التي أثارت الجدل بين ابن تيمية وخصومه المعاضرين هي صفات الله ﷾، فقد اختلفت أهم الفرق بين نفيها - كجهم بن صفوان والمعتزلة - أو الغلو في إثباتها فوقعوا في التشبيه والتجسيم - كالهشامية والكرامية وقلة من الحنابلة الذين يصفهم ابن تيمية بأنهم أتوا من المنكرات والإمام أحمد بريء منهم - أو اتخاذ الموقف الوسط كما فعل الأشاعرة الذين أثبتوا لله صفات سبعة هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر، وفرقوا بين صفات الذات وصفات الفعل، وعدوا صفات الفعل كالتنزيل والإتيان والخلق والرضى والغضب وغيرها من الحوادث التي ينبغي تنزيه الله عنها تبعًا للأصل (ما لا يخلو من الحوادث","footnotes":"(١) النبوات، ص ١٦٣.\r(٢) نفس المصدر، ص ١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185915,"book_id":1232,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":212,"body":"فهو حادث) .\rوفي اعتراض ابن تيمية على المتكلمين، يرى أنهم أقاموا برهانهم على محاولة إثبات الصانع بإثبات حدوث الأجسام التي لا يثبت حدوثها إلا بحدوث ما يقوم بها من الصفات والأفعال فألجأهم هذا إلى نفي صفات الله تعالى وأفعاله القائمة به وظنوا بهذه المقدمة أنهم سيبطلون قول الدهرية، ولكن الدهرية - في رأي ابن تيمية - كانت حجتهم أقوى إذ قالوا: كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث؟\rويستند منهج المتكلمين بعامة إلى قاعدة (ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث) وإن كان معتقدهم أن كل ما يرى وتقوم به الصفات فهو جسم، ومن قال: إنه جسم أراد أنه مركب من الأجزاء.\rولكن ابن تيمية يرى أن هذا الطريق طويل ويؤدي إلى الوقوع في الخطأ أما الطريق الصحيح فهو إثبات صفات الكمال لله ﷿، إذ يثبت له - تعالى - صفات الكمال المطلق ذاتًا وصفاتًا مستخدمًا قياس الأولى - أي إنه ما من صفة يثبت وجودها للمخلوق فإن إثباتها للخالق أولى، فضلاً عن ثبوت الصفات الإلهية بالسمع والعقل.\rوقد جاء الأنبياء جميعًا بإثبات هذه الصفات - بالتفصيل - أي بإثبات مفصل ونفي مجمل كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] فعكس المتكلمون الآية وجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، والدليل وصف المعتزلة لله بأنه ليس كذا وليس كذا ... إلخ. ويستخلص ابن تيمية من مذاهب المتكلمين إلزامات يؤدي إليها السياق: فإن التوحيد عند المعتزلة - وهو في حقيقته نفي الصفات الإلهية - قول من أبطل الباطل عقلاً، لأنهم يسلمون بأن الله حي عليم قدير، ومن المعلوم أن حيًا بلا حياة وعليمًا بلا علم وقديرًا بلا قدرة يعبر عن موقف معاند للعقل والشرع واللغة، فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل، لا غيره.\rوكذلك الأمر بالنسبة للأشاعرة الذين أثبتوا صفات الذات وفروا من إثبات الأفعال، إذ لا يعقل أن يكون الموصوف حيًا عالمًا قادرًا متكلمًا رحيمًا مريدًا بحياة قامت بغيره ولا بعلم وقدرة قامت بغيره، ولا بكلام ورحمة وإرادة قامت بغيره والكلام بمشيئة المتكلم وقدرته أكمل ممن لا يكون بمشيئته وقدرته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185916,"book_id":1232,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":213,"body":"وفي تناوله لصفة الكلام لمشيئة الكلام بالذات التي أثارت أشد ألوان الجدل بين السلف والمعتزلة والأشاعرة، فإن ابن تيمية يثبت أن السلف قالوا: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء لأن الكلام صفة كمال لا صفة نقص وإنما تكون صفة كمال إذا قام به لا يتصف بما هو بائن عنه، فبرهن على خطأ المعتزلة لقولهم بأن كلام الله مخلوق، واعتبر قول الأشاعرة بدعة، لأنهم ميزوا - تأثرًا بابن كلاب - بين الكلام النفسي وغيره.\rوعلينا بعد هذا البيان، الانتقال لمعالجة واحدة من أهم القضايا التي أثارت الخصومات ضد شيخ الإسلام، وألبت الخصوم عليه ورمته بسببها بتهمة التجسيم، وذلك توطئة لمناقشة هذه التهمة وتفنيدها فيما بعد:\r\rإثبات صفات الله تعالى وأفعاله بالأدلة العقلية:\rيثبت علماء السنة والحديث ما يقوم بالله تعالى من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر كما يثبتون الأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها كالخلق والإحياء والإماتة والاستواء وغير ذلك من الأفعال.\rولا نزاع بين أهل السنة وغيرهم بطبيعة الحال أن أدلة السمع توافرت على إثبات هذه الصفات والأفعال، لكن الذين يخالفون دلالة السمع من المتكلمين يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة، ويرون أن الدلالة العقلية القاطعة خالفتها.\rولكن شيخ الإسلام ابن تيمية فى شرح القواعد التي يستند إليها في الدلالة العقلية القاطعة التي يشجب بها رأي الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم وينقد بها أيضًا المتكلمين سواء المعتزلة الذين نفوا الصفات ونفوا الأفعال بالتأويل.\rقال شيخ الإسلام: معلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، الإتيان، والمجيء، والنزول ونحو ذلك؛ بل الخلق، والإحياء والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق، فإن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان فعله مقتصراً عليه أو متعديًا إلى غيره. والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185917,"book_id":1232,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":214,"body":"حتى يقوم بفاعله، إذ لا بد من الفاعل. وهذا معلوم سمعًا وعقلاً (١) .\rواستعان ابن تيمية في شرحه ببعض قواعد اللغة العربية التي يقرها الكافة ويعرفونها، فإن أهل اللغة التي نزل بها القرآن متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد) أو قال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة.\rإذاً كلتا الجملتين فعلية، وكلتاهما فيه فعل وفاعل، الثانية امتازت بزيادة المفعول.\rفإذا وضعنا هذه القاعدة نصب أعيننا في التفسير لتبين لنا التفسير الواضح لمثل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الحديد: ٤] إذ تضمن فعلين: أولهما متعد لمفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى، فإذا كان الثاني - وهو قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى) فعلاً متعلقًا بالفاعل، فقوله: (خَلَقَ) كذلك، بلا نزاع بين أهل العربية.\rويستكمل ابن تيمية الشرح من حيث الأدلة العقلية، فيوضح أن من جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له، كالاستواء والمجيء ونحو ذلك، لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق، كالخلق والبعث والإماتة والإحياء. كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة، لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير، كالعلم والقدرة والسمع والبصر.\rوينبغي أن نقرر أيضًا تبعًا لما نشاهده في الكون من مخلوقات حادثة، أن علم المخلوقات بأفعال الله تعالى الاختيارية القائمة بنفسه، وهذه الأفعال سبب حدوثها، والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفًا بأنه يتكلم بما يشاء. فعال لما يشاء.\rإذن يثبت بذلك خلق السموات والأرض بما جاء به الشرع، ولا يمكن القول بحدوث العالم إلاّ بإثبات الأفعال الإلهية لا - كما يزعم نفاة الأفعال الذين يزعمون أن العقل دل على نفيها فالعقل عند التحقيق يبطل النفي ويوافق الشرع، لأن نفي","footnotes":"(١) موافقة ج ٢ ص ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185918,"book_id":1232,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":215,"body":"الأفعال يؤدي إلى إنكار حدوث المخلوقات، بينما هي مشهورة مرئية لنا جميعًا، دالة بنفسها على خالق حكيم قدير.\rكذلك بالنظر إلى أفعال الله تعالى، يمكننا وضع القضية في الصيغة المنطقية\rالآتية:\rإن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، منزه عن النقائص، وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص، فالخالق أحق به، وكل نقص ينزه عنه المخلوق فالخالق أحق بأن ينزه عنه، والفعل صفة كمال لا صفة نقص، كالكلام والقدرة، وعدم الفعل صفة نقص كعدم الكلام وعدم القدرة، فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وزال الإشكال وهو المطلوب.\rألا يدعو إلى الدهشة بعد هذا البيان وصف الشيخ بالتجسيم وتلفيق التهم إليه؟!\rولكن إذا استرجعنا ترجمة حياته وعلمنا كثرة حساده وخصومه زالت دهشتنا. ونبادر الآن لنكمل عرض الطرق البرهانية القرآنية التي طرحها ابن تيمية بديلاً لطرق المتكلمين والفلاسفة، مع تفضيله لمنهج الأنبياء لأنه الأكمل، مبرهنًا أيضًا على صدق نبوة نبينا محمد ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185919,"book_id":1232,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":216,"body":"ثانيًا: طرق البراهين القرآنية\r١ - الميزان القرآني:\rويرى ابن تيمية أن القياس الصحيح هو الميزان المنزل من الله تعالى الذي يستدل به العقل، فإن من أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، فإذا رأى الشيئين المتماثلين، علم أن هذا مثل هذا فجعل حكمهما واحدًا، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) [الشورى: ١٧] وقال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: ٢٥] وفسر السلف الميزان بالعدل وفسره بعضهم بما يوزن به، وهما متلازمان وقد أخبر أنه أنزل ذلك مع رسله كما أنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط، ويبين أيضًا في موضع آخر أن القياس الصحيح هو من العدل الذي أنزله الله تعالى، وأنه لا يجوز أن يختلف الكتاب والميزان، فلا يختلف نص ثابت عن الرسل وقياس صحيح - لا قياس شرعي ولا عقلي، ولا يجوز قط أن الأدلة الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية وليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح على خلاف القياس الفاسد (١) .\rوبعد عرض مسهب مقارن للأقيسة المنطقية والميزان القرآني، يقرر ابن تيمية أن الله تعالى يبين الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة، ويبين طريق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين (٢) وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١] وقوله سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: ٣٥، ٣٦] أي هذا حكم جائر، لا عادل فإن فيه تسوية بين مختلفين.\rوقال ﷿: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص الآية: ٢٨] وقوله سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ","footnotes":"(١) الرد على المنطقيين ص ٣١٧.\r(٢) نفس المصدر ص ٣٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185920,"book_id":1232,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":217,"body":"تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) [البقرة: ٢١٤] .\rوإذا سأل سائل: إذا كان هذا مما يعرف بالعقل، فكيف جعله الله تعالى مما أرسلت به الرسل؟ وهذا السؤال في غير موضعه لأن صاحبه يفترض أن العقل مباين للشرع، وأن ما يعلم بالعقل قسيمًا - أو مقابلا - للعلوم النبوية وبعبارة أخرى يجعل الأحكام العقلية منفصلة عن العلوم النبوية، فهذه نقلية سمعية وتلك عقلية برهانية.\rوالإجابة على هذا السؤال سهلة يسيرة إذا قرأنا القرآن، حيث يتبين منه أن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف، فإن الرسل خاطبت الناس بما يعرفونه، ودلت على ما يفهمونه بفطرتهم التي خلقهم الله بها، فليست العلوم النبوية إذن مقصورة على مجرد الخبر، كما يظنه أهل الكلام، بل الرسل - صلوات الله عليهم - بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علمًا وعملاً، وضربت الأمثال، وذلك يظهر دور الرسل الذين جاءوا بتكميل الفطرة وإصلاحها، فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه لأسباب الغفلة، وكذلك تصلح الفطرة وتعيدها إلى طبيعتها إذا قيست بالآراء والأهواء الفاسدة، ويكون دور الرسل أيضًا إزالة ذلك الفساد وتذكير البشر ما كانت فطرتهم معرضة عنه (١) .\rوكانت طريقة السلف الصالح تتلخص في الاستدلال بالأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بما لا يقدر عليه المتكلمون بإتيانه، بل إن غاية ما يذكرونه قد جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله تعالى في كتابه التي وصفها بقوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) [سورة الروم: آية ٥٨] .\rولا يمل ابن تيمية من تكرار وإعادة القول: بأن الأمثال المضروبة في القرآن الكريم هي الأقيسة العقلية، ويضيف إلى ذلك أنه يدخل فيها ما يسميه المناطقة براهين، وهو القياس المؤلف من المقدمات اليقينية، بل إن لفظ البرهان في اللغة أعم","footnotes":"(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ٣٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185921,"book_id":1232,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":218,"body":"من ذلك، سمى الله تعالى آيتي موسى ﵇ برهانين، فقال سبحانه: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ) [سورة القصص: ٣٢] .\r٢ - قياس الأولى: (على وزن الأعلى) :\rولعل أهم نقد لشيخ الإسلام ابن تيمية للقياس الأرسططاليسي أن هذا القياس إذا استخدم في الاستدلال على (واجب الوجود) ﵎، لا يدل على ما يختص به، وإنما يدل على أمر مشترك كلي بينه وبين غيره؛ لأن قياس الشمول تستوي أفراده، والله تعالى ليس كمثله شيء.\rولا يجتمع سبحانه، هو وغيره، تحت كلٍّ تستوي أفراده، وقد جعلوا الوجود المطلق موضوع الفلسفة الأولى.\rفإن وصفهم (للوجود) الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم هو الوجود المطلق الكلي، فإذا كان هذا هو (العلم الأعلى) عندهم، لم يكن العلم (الأعلى) عندهم علمًا بشيء موجود في الخارج، بل علمًا بأمر مشترك بين جميع الموجودات، وهو مسمى (الوجود) ، وذلك كمسمى (الشيء) ، و (الذات) ، و (الحقيقة) ، و (النفس) و (العين) ، و (الماهية) ونحوها من المعاني العامة.\rويرى ابن تيمية أن العلم بهذا ليس هو علمًا بموجود في الخارج، لا بالخالق ولا بالمخلوق، وإنما هو علم بأمر مشترك كلي تشترك فيه الموجودات، لا يوجد إلا في","footnotes":"(١) ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول ص ١٤ وجاء (تفسير الجلالين) (أدخل يدك اليمنى بمعنى الكف في جيبك - وهو طريق القميص وإخراجها (تخرج) بخلاف ما كانت عليه من الأدمة (بيضاء من غير سوء: برص، فأدخلها وأخرجها، تُضئ كشعاع الشمس، تغشي البصر (.. فذانك) بالتشديد والتخفيف أي: العصا واليد. والآية كاملة: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [سورة القصص: ٣٢] .\rويقول الأصفهاني: فالبرهان أوكد الدلالة وهو الذي يقتضي الصدق أبداً، لا محالة قال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [سورة البقرة: ١١١] (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) [سورة الأنبياء: ٢٤] (قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [سورة النساء، آية: ١٧٤] المفردات في غريب القرآن ص ٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185922,"book_id":1232,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":219,"body":"الذهن (١) .\rوهذا بخلاف (العلم الأعلى) عند المسلمين؛ فإنه العلم بالله - تعالى - الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه. والعلم به أصل لكل علم ولاختصاص الله - تعالى - بصفات الكمال بالإطلاق، فقد استعمل الأنبياء ﵈ في الاستدلال عليه - تعالى - قياس الأولى (على وزن الأعلى) ، لإثبات أن كل ما ثبت لغيره من كمال فثبوته له بطريق الأولى وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى.\rوالآيات الكثيرة في القرآن في هذا الصدد تستند إلى قياس الأولى. قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) [الروم: ٢٨] .\rوقال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [النحل: ٥٧ - ٦٠] .\rويستخدم القرآن الكريم أيضًا قياس الأولى في بيان إمكان المعاد:\r(أ) فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحياهم، كما أخبر عن قوم موسى بقوله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة الآية: ٥٥، ٥٦] .\rوكما أخبر عن المسيح ﵇ أنه كان يحيي الموتى بإذن الله.\rوبنفس الطريقة أخبر عن أصحاب الكهف أنهم لبثوا نيامًا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا [الكهف: ٢٥] وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) [الكهف: ٢١] .\rوقد ورد تفسير هذه الآية عن غير واحد من العلماء أن قضية البعث أثيرت في ذلك الزمان أيضًا فتنازع الناس حول حقيقته، هل هو بالأرواح فقط أم بالأرواح","footnotes":"(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ١٣٠ - ١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185923,"book_id":1232,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":220,"body":"والأجساد؟ ولذلك أعثر الله تعالى هؤلاء على أهل الكهف، وعلموا أنهم بقوا نيامًا لا يأكلون ولا يشربون ثلاثمائة سنة شمسية وهي ثلاثمائة وتسع هلالية، فأعلمهم الله بذلك إمكان إعادة الأبدان (١) .\r(ب) وتارة يستدل القرآن الحكيم على البعث بالنشأة الأولى، وأن الإعادة أهون من الابتداء، كقوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: ٧٨ - ٧٩] وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧] .\r(جـ) وتارة يستدل على إمكان ذلك بخلق السموات والأرض، فإن خلقها أعظم من إعادة الإنسان، كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [يس: ٨١] وقوله سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأحقاف: ٣٣] .\r(د) وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٥٧] وقوله سبحانه: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر: ٩] .\rومن طرق الميزان القرآني: اللزوم والاعتبار:\rنقد ابن تيمية كما تقدم القياس المنطقي الأرسططاليسي للوصول إلى إثبات أنه لا يفيد العلم، ولا يدعي شيخ الإسلام أن النقد نقده، ولكن يرجعه إلى نظار المسلمين فمع كثرة التعب، ليس فيه فائدة علمية بل كثيرًا ما يمكن علمه بدونه، ففيه تطويل كثير متعب فإنه متعب للأذهان مضيع للزمان، ويضرب مثالاً على ذلك","footnotes":"(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ٣١٨ - ٣٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185924,"book_id":1232,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":221,"body":"بمن يريد مثلاً الوصول إلى مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعي معتدل، ولكن إذا قيض له من يدور به طرقًا دائرية - ويسلك به مسالك منحرفة يتعب تعبًا كثيرًا حتى يصل إلى الطريق المستقيمة إن وصل. وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب، فيعتقد اعتقادات فاسدة. وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء، فلا هو نال مطلوبه، ولا هو استراح.\rويرى ويشارك ابن تيمية نظار المسلمين في وصف هذا القياس بأنه استعمال لطرق غير فطرية ويعذب النفوس بلا منفعة، كما أن القياس الأرسطي لا يفيد إلا بأمور كلية، لا يفيد العلم بشيء معين من الموجودات، بل الأيسر والأبين العلم بالمعينات لا الكليات (١) .\rهذا القياس الذي لا يتضمن إلا شكل الدليل وصورته لأن الكليات تقع في النفوس بعد معرفة الجزئيات المعينة، أي أن النظريات العلمية العامة لا يتوصل إليها إلا بعد معرفة الجزئيات في العلوم المختلفة والتوصل منها إلى استنباط القانون العام الذي ينتظمها جميعًا (ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة في الطب والحساب والطبيعيات والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك) (٢) .\rويستنتج من ذلك أن قياس التمثيل أقوى وأكثر يقينًا من قياس الشمول لأنه بالأول يصل إلى المفردات المعينة للقضية الكلية، ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف، أي قياس الطرد وقياس العكس، وهو ما استخدمه القرآن الكريم بهدف الاعتبار.\rالاعتبار (٣) :\rويمضي ابن تيمية في الاستشهاد بالآيات القرآنية الدالة على ذلك، فإن ما أمر","footnotes":"(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٢٤٨ - ٢٥٢.\r(٢) السيوطي: صون المنطق ج ٢. ص ١٥٥.\r(٣) ومعنى الاعتبار (العبور) بالفكر في المخلوقات إلى قدرة الخالق، فيسبّح عند ذلك ويقدّس ويعظّم، وتصير حركاته باليدين والرجلين كلها لله تعالى، ولا يمشي فيما لا يعنيه ولا يفعل بيده شيئاً عبثاً، بل تكون حركاته وسكناته لله تعالى، فيثاب على ذلك في حركاته وسكناته وفي سائر أفعاله. (شرح الأربعين النووية - الحديث الثامن والثلاثون) من عادى لي وليًا ...","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185925,"book_id":1232,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":222,"body":"الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء، الآية: ١٠٥] وقال سبحانه: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء، الآية: ١٢٣] فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم فيبقى تكذيب الرسل سببًا للعقوبة، وهذا قياس الطرد. كما يعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس، وهو المقصود من الاعتبار بالمكذبين والاعتبار يكون بهذا وبهذا، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: ١١١] وقال: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) إلى قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [آل عمران: ١٣] (١) .\rولهذا المدلول يرى ابن تيمية أن كثرة الإشارة إلى قصة موسى ﵇ وفرعون في القرآن الكريم يرجع إلى الاعتبار في كل مرة تذكر فيها. إنه ينكر فكرة (التكرار) في القرآن. لأن المقصود من إعادة القصة في سور وآيات متعددة هو توضيح عبرة جديدة لم يشر إليها في موضع آخر من الكتاب.\rومن هنا فليس في القرآن تكرار أصلا.\rأما أهمية قصة موسى وفرعون فترجع إلى أنهما في طرفي نقيض في الحق والباطل فإن موسى ﵇ بلغ الغاية القصوى من الإيمان وكلمه الله سبحانه تكليمًا بلا حجاب، بينما كفر فرعون بالربوبية وبالرسالة، وكان موقفه أشد إنكارًا من باقي المخالفين للرسل لأن أكثرهم لا يجحدون وجود الله (وربما يقصد هنا أنهم يشركون) كذلك لم يكن للرسل من التكليم لرب العالمين.\rفصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص وأعظمها اعتباراً لأصل الإيمان ولأصل الكفر، ولهذا كان النبي ﷺ يقص على - أمته عامة - عن بني إسرائيل، وكان يتأسى بموسى في أمور كثيرة، ولما بشر بقتل أبي جهل يوم بدر قال: (هذا فرعون هذه الأمة) (٢) .","footnotes":"(١) صون المنطق. ج ٢ ص ١٥٦.\r(٢) فتاوى ابن تيمية: ج ١٢. ص ٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185926,"book_id":1232,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":223,"body":"اللزوم:\rويرى ابن تيمية أن الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو (اللزوم) ، فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم بغير ذكر لفظ اللازم ولا تصور معنى هذا اللفظ لأن الإنسان بفطرته السوية يعرف أن كل شيء مصنوع لا بد له من صانع وكثيرًا ما يستخدم الناس أمثال هذه القضية بقولهم: (إن كذا لابد له من كذا أو إنه إذا كان كذا كان كذا) وبغير استخدام لفظ (اللزوم) فإن الصياغة نفسها تتضمن العلم باللزوم باعتباره حقيقة معتبرة.\rكذلك الأمر في المخلوقات، فان كل ما في الوجود فهو آية لله تعالى، مفتقر إليه محتاج إليه، لا بد له منه، فيلزم من وجوده وجود الصانع.\rوالآية القرآنية الآتية واضحة الدلالة على معنى اللزوم قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [الطور: ٣٥] وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء الأسرى عام بدر سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بسورة الطور قال فلما سمعت قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) أحسست بفؤادي يتصدع.\rولا شك أن للآية تقسيمًا حاصرًا بين أمرين لا ثالث لهما، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع بالبداهة، أم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا. فعلموا أن لهم خالقًا خلقهم، وهو ﷾.\rويمضى ابن تيمية في شرح الاستدلال العقلي في هذه الآية بقوله: (ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكاري ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية، بديهية، مستقرة في النفوس، لا يمكن إنكارها. فلا يمكن لصحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول هو أحدث نفسه) (١) .\rالنبوة:\rاستوعب ابن تيمية آراء السابقين عليه في موضوع النبوة والبرهنة عليها، وقد","footnotes":"(١) ابن تيمية - الرد على المنطقيين ص ٢٥٢، والسيوطي - صون المنطق ب ٢ ص ١٣٠ - ١٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185927,"book_id":1232,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":224,"body":"تدخل في المواد التي قرأها فأضاف إليها وعدل بعضها، لأنه لم يوافق على ما كتبه الرازي - وهو أقرب المتكلمين إليه زمنًا.\rويقوم برهانه على إثبات النبوة بعامة ونبوة محمد ﷺ ومجيئه بالقرآن عند أهل الأرض وتواتر معجزاته وأخباره. ويستدل أيضًا على نبوته بنسبه المنتمي إلى سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فلم يأت نبي من بعد إبراهيم إلا من ذريته، وجعل له ابنين إسماعيل وإسحاق، وذكر في التوراة هذا وهذا وهو من قريش صفوة بني إبراهيم.\rوأيضًا يستند إلى سيرته وآياته وأخلاقه وشريعته من حين ولد إلى أن بعث ومن حيث بعث إلى أن مات وبتدبر نسبه وبلده وأصله.\rفإذا قارن بين تواتر أخبار الفلاسفة وأخبار الأنبياء، رجح أخبار الأنبياء كموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم لأن أنباءهم معلومة عند الناس من تواتر وجود أولئك فضلاً عن تواتر ما يخبرون به، ولهذا صار ظهور الأنبياء مما تؤرخ به الحوادث في العالم لظهور أمرهم عند الخاصة والعامة، فإن التاريخ يكون بالحادث المشهور الذي يشترك الناس فيه ليعرفوا به كم مضى قبله وبعده.\rكما يفضلون من حيث أساليبهم في الإقناع والدعوة، فيأمرون البشر بما فيه صلاحهم وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما يفعل الفلاسفة، فإن هذا الأسلوب كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر. ويضرب مثلاً على النبي بالطبيب الذي يأمر مريضه بتناول الدواء المفضي إلى علاجه، فيسترد صحته إذا استمع لنصحه، ولكن الفيلسوف يتجه باهتمامه إلى الحديث عن أسباب المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ولو سأله المريض عن الدواء الشافي لعجز عن الإجابة.\rوقد يثار التساؤل حول من لم تبلغهم الرسالات السماوية، أو من لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات الخالية من الأنبياء والرسل. وهنا، يختار من الأقوال أرجحها، وخلاصتها أن هؤلاء يمتحنون يوم القيامة فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب وإن عصوه استحقوا العقاب، أما الحجة بالقرآن فقد قامت على من بلغه كما قال تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185928,"book_id":1232,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":225,"body":"[الأنعام: ١٩] فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة فيما بلغه دون ما لم يبلغه.\rكما تظهر وظيفة الأنبياء - أو دورهم، ومهامهم - في كونهم وسائط بين الله وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان ويكون.\rوتفصح الآيات القرآنية عن الرسول بأنه لا يعلم الغيب وأنه ليس ملكًا يملك الخزائن، وإنما هو بشر لا يستغني عن المأكل والمشرب.\rولابن تيمية كتاب (النبوات) عالج فيه الموضوع باستفاضة، كما أشار في كتب كثيرة ربما أكثرها استفاضة (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) إذ عرض فيه دلالة وبراهين نبوة محمد ﷺ، ومنها الأدلة العقلية التي استخدمها هرقل ملك الروم، إذ سأل أبا سفيان قبل إسلامه (كيف نسبه فيكم؟ قال هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قال: لا قال فهل كان من آبائه من ملك؟ قال: لا قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم فقال أيزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون قال: فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، قال فهل يغدر؟ قال: لا، قال فهل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا، وننال منه قال: فبماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة) .\rومن هذه الإجابات كلها تأكد هرقل من نبوة الرسول ﷺ وفسر إجابات أبي سفيان بالآتي (أن الرسل تبعث في أحساب قومها ولو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه والضعفاء هم أتباع الرسل، وأنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله) واستدل من عدم ارتداد أتباعه عن دينه بسبب الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب وأنهم يزيدون - فكذلك الإيمان حتى يتم ومن الحرب الدائرة بينه وبين قومه وأنها سجال ينالون منه وينال منهم دلت على أن الرسل يبتلون ثم تكون لهم العاقبة إلى جانب أنه لا يغدر ولم يسبقه أحد قبله بقوله وكذلك أوامره بعبادة الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185929,"book_id":1232,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":226,"body":"تعالى أي الصلاة والزكاة والعفاف.\rقال هرقل في النهاية: (إن يكن ما تقول فيه حقًا إنه لنبي وكنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي) (١) .\rونرى بعد ذلك استكمال الحديث عن معالم المنهج الذي عاش ابن تيمية من أجل توضيحه ولفت الأنظار إليه وحث المسلمين - خاصتهم وعامتهم - إلى اتباعه والاستضاءة به إذ إن العلاقة بين اجتهادات شيخ الإسلام وبين قضايا أصول الدين لم تنقطع بموته، فهي تمتد لكل الأعصار لأن محورها يتمثل في أهم قضية للإنسان يترتب عليها النتيجة الحاسمة في مصيره، أي قضية الإيمان بالله تعالى وعبادته والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والعقاب والملائكة وغيرها من كائنات عالم الغيب وحقائقه حيث لا تكتمل المعرفة الإنسانية الحقة إلا بعد الإحاطة بها مقترنة بالعبادة والاستسلام لله تعالى وحده.\rولهذا فإن دراسة اجتهادات شيخنا تصبح متجددة أبدًا لأنها تتصل بأهم ما ينبغي أن يشغل الإنسان إذا ما تطلع إلى مبدئه ومعاده وسبل تحقيق سعادته.\rوكان من دواعي اطمئنان ابن تيمية ويقينه - بل تفاؤله رغم العوامل التي عاشها وكانت مثبطة للهمم - أن الإسلام يتميز بعناية الله تعالى وحفظه وظهوره إلى قيام الساعة، قال الشيخ: (وذلك أن الله ﵎ أكمل الدين بمحمد ﷺ خاتم النبيين، وبينه وبلغه البلاغ المبين، فلا تحتاج أمته إلى أحد بعده يغير شيئًا من دينه، وإنما تحتاج إلى معرفة دينه الذي بعث به فقط، وأمته لا تجتمع على ضلالة، بل لا يزال في أمته طائفة قائمة بالحق حتى تقوم الساعة فإن الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فأظهره بالحجة والبيان وأظهره باليد واللسان، ولا يزال في أمته أمة ظاهرة وهذا حتى تقوم الساعة) (٢) .","footnotes":"(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ ١ ص ٩٣-٩٤ وجـ ٤ ص ٣١٦.\r(٢) ابن تيمية - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ ١ ص ١٢٤، مطبعة المدني.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185930,"book_id":1232,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":227,"body":"وكل ما تحتاجه الأمة إذن، هو معرفة الدين بالمنهج الذي وضعه الله - تعالى - في كتابه وبالهدى النبوي الحق، وصحة المنهج ليست مرتبطة بعصر من العصور أو بمصر من الأمصار، بل صحته ثمرة أصوله ويقينية براهينه، وما على المسلمين إلا اتباعه.\rوسننظر في الباب القادم، كيف وقف هذا المنهج شامخًا ثابتًا؛ لمواجهة التحديات حتى عصرنا الحاضر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185931,"book_id":1232,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":228,"body":"الباب السابع\r- القضايا الكلامية في العصر الحاضر.\r- المشكلات الكلامية في ضوء التفسير التاريخي.\r- مسائل الإجماع في العقيدة والعبادات.\r- الالتقاء بالغرب وآثاره على القضايا الكلامية.\r- ما هي الحضارة؟\r- صلة العلم بالدين في العصر الحديث (أو العلاقة بين المادة والروح) .\r- المشكلات الكلامية الطارئة في العصر الحديث.\r- ملامح الفكر الإسلامي المعاصر.\r- الإسلام والعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185932,"book_id":1232,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":229,"body":"القضايا الكلامية في العصر االحاضر\r\rالمشكلات الكلامية في ضوء التفسير التاريخي:\rكانت الموضوعات الآنفة من هذه الدراسة بمثابة إيضاح للمنهج الذي استخدمه الأوائل والسائرون على طريقهم، وقد رأينا كيف اتخذ علماء السلف من القرآن والسنة سلاحًا لحماية العقيدة، وأثبتوا أن هذا المنهج أفضل وأحكم من منهج المتكلمين.\rولكن بعد انقضاء القرون، وابتلاء الأمة الإسلامية بمحن وتجارب استهلكت طاقات ضخمة من قواها البشرية والاقتصادية والعسكرية، وتراوحت خلالها مكانتها الحضارية - التي احتلتها عن جدارة طيلة عدة قرون بين مد وجزر، ثم تحطم أخيرًا في بداية القرن الحالي فقط كيان دولتها بإلغاء الخلافة، وأصبحنا الآن، ربما أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بمخاطر الخلافات وتصارع الفرق الإسلامية وتشتت الجهود وبعثرة القدرات.\rوبسبب الثغرات الخلافية الجسيمة ضاعت الأندلس وتسللت الشيعة الباطنية إلى حكم مصر والمغرب والشام والبحرين، وسقطت بغداد تحت سنابك خيل التتار عام ٦٥٦ هـ ثم كانت الخاتمة - لهذا السبب ولغيره من الأسباب - نجاح الاستعمار الغربي في أواخر القرن السادس عشر في عقد الأنشوطة حول المسلمين - كما يذكر أرنولد توينبي - وذلك بفضل غزوه للمحيط، وبعدها ضيق الغرب الأنشوطة في القرن التاسع عشر (١) فإذا أنصتنا إلى صوت آخر، ارتفع من وراء القرن الثامن الهجري وهو ابن تيمية - وجدناه يبرهن في إيجاز على العقيدة المتلقاة عن الأوائل في شمولها وكمالها، أنتجت أجيالا مؤمنة دافعت عنها وعضت عليها بالنواجذ وظهر السر في استمساك أهل السنة والجماعة بها أنهم عرفوا أنها المعبرة عن صدق العقيدة المتلقاة عن الرسول ﷺ، وكل انحراف عنها أو ميل بها ذات اليمين أو ذات اليسار، سيفقدها قوتها في القلوب والصدور، فضلا عن انحرافها عن أصول الإيمان والإسلام","footnotes":"(١) أرنولد توينبي: الإسلام ... والغرب.. والمستقبل ص ١٩ دار العربية - بيروت ١٣٨٩ هـ","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185933,"book_id":1232,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":230,"body":"الصحيح.\rوالتطبيق التاريخي لهذه القاعدة يوضح انتصار المسلمين عندما كانت غالبيتهم مستمسكة بهذه الأصول، وبالعكس انهزامهم وانحدار حضارتهم عندما تفشت العقائد الزائغة.\rولتقريب المعنى إلى أجيالنا الشابة، فإن العقيدة هي حجر الزاوية وقطب الرحى لحضارة الإسلام، شأنها في ذلك شأن الأيدولوجية في العصر الحديث، فإن عقيدة المسلمين هي (أيدولوجيتهم بالاصطلاح الغربي) الثابتة الدائمة، بها سادوا، وبها أقاموا حضارة أنارت العالم، وسارت معهم أينما كانوا في عصور مجدهم وانتصاراتهم، وعندما انحرفوا عنها وتركوها وراء ظهورهم انطفأ نور الحضارة، وتقهقروا إلى الوراء، وذلوا أمام غيرهم.\rوكانت هذه الظاهرة تتدرج على مراحل للمتتبع لتاريخ المسلمين.\rيقول ابن تيمية: (ونجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة الهادي والرشيد ونحوهما مما كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين، كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر وأهل البدع أذل وأقل) (١) .\rوبمثل هذه القاعدة ينتقل إلى النظر إلى تاريخ المسلمين بعامة، فيبرهن ابن تيمية على أن أتباع محمد ﷺ أدعى للعلم والتوحيد والسعادة. ويعني المقارنة بين الصحابة والتابعين لهم، وبين المتكلمين وفلاسفة المسلمين، ويقف أمام الأحداث التاريخية فيعللها بسبب مخالفة الأصول الإسلامية في القرآن والحديث، فيرى أن انقراض دولة بني أمية كان بسبب الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، إلى جانب أسباب أخرى أوجبت إدبارها.\rويعني بذلك أن العقيدة عندما خمدت في النفوس وفقدت فاعليتها عما كانت","footnotes":"(١) ابن تيمية: نقض المنطق ص ١٨ - ١٩ وفي منهاج السنة ج ٢ ص ١٤٩ - يقول: (فإن الكفار بالشام وخراسان طمعوا وقت الفتنة فى بلاد المسلمين لاشتغال المسلمين بعضهم ببعض) . وينظر تفسيره التاريخي بكتابنا (قواعد المنهج السلفي فى الفكر الإسلامي ص ١٢٥ (ط. دار الأنصار ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185934,"book_id":1232,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":231,"body":"لدى المسلمين الأوائل، ظهر الضعف في الأمة، إذ تحولت العقيدة الراسخة من قوة محركة ناجمة عن اقتناع عقلي ويقين قلبي إلى أفكار جدلية تتطاول إلى الحديث عن الذات الإلهية ففقدت القلوب الهيبة.\rولما تضاءلت العقيدة في النفوس وأصابها الوهن، تحولت إلى مناقشات وجدل كلامي وفلسفي، وظهر النفاق والبدع والفجور، هان المسلمون على أعدائهم، فغزا الصليبيون أراضي الإسلام، واستولوا على بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة (١) وكذلك الأمر بالنسبة لحروب التتار، حتى إن البعض رأى أن هولاكو ملك التتار بمثابة بخت نصر لبني إسرائيل، مستندين إلى تفسير سورة بني إسرائيل التي توعدهم فيها الله تعالى إذا أفسدوا في الأرض (٢) .\rويمضي شيخ الإسلام في تفسير الأحداث التاريخية وفقاً لهذه القاعدة فيذكر أن محنة خلق القرآن كانت بداية لتشجيع القرامطة الباطنية في إظهار آرائهم، بعد ترجمة كتب الفلسفة، ولما رأت الفلاسفة أن المنسوب إلى الرسول ﷺ وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل، طمعوا في تغيير الملة، فمنهم من أظهر إنكار الصانع وأظهر الكفر الصريح وقاتلوا المسلمين، وأخذ قرامطة البحرين الحجر الأسود (٣) ولم يقتصر الأمر على انتصار الخصوم في مجال الحروب فحسب، بل امتد الخطب إلى مجال الفكر والعقيدة، لأن فتح باب القياس الفاسد في العقليات بواسطة المتكلمين، شجع الزنادقة على المضي في تنفيذ مخططاتهم، فانتهى بالقرامطة إلى إبطال الشرائع المعلومة كلها، كما قال لهم رئيسهم بالشام: قد أسقطنا عنكم العبادات فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة (٤) .\rوقبل الانتهاء من هذه اللمحة لموقف ابن تيمية من التاريخ، فإننا نعجب من تفاؤله، بينما كان في وسط ظروف حالكة الظلام، ومع هذا فإنه يقدم تفسيرًا","footnotes":"(١) الفرقان بين الحق والباطل ١٢٠ - ١٢٢.\r(٢) ومن ثم الأمثال السائرة (إياك أعني واسمعي يا جارة) ن. ص ١٢٠- ١٢١.\r(٣) شرح حديث النزول ص ١٧٣.\r(٤) نفس المصدر ص ١٦٩ (وينظر أيضًا ص ١٦٣ و ١٦٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185935,"book_id":1232,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":232,"body":"لحديث (إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ، فالتجديد إنما يكون بعد الدروس، وذاك هو غربة الإسلام، ثم يحاول إدخال الطمأنينة على القلوب بقوله: (وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام، ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكون في شك من دين الإسلام، كما كان الأمر حين بدأ قال تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس، الآية: ٩٤] إلى غير ذلك من الآيات والبراهين الدالة على صحة الإسلام) (١) ، ولكنه في الوقت نفسه يحذر من مخالفة الأوامر الإلهية، لأن الذنوب تورث الهزائم والكوارث للمسلمين، كالهزيمة التي أصابتهم يوم أحد. وهكذا يعود بنا إلى نفس الأصل الذي يفسر به التاريخ، ويعلل المقصود بقصص بني إسرائيل في القرآن اتخاذهم عبرة لنا، مستشهدًا ببعض السلف القائلين: (إن بني إسرائيل ذهبوا وإنما يعني أنتم) ومن الأمثال السائرة: إياك أعني واسمعي يا جارة.\r\rمسائل الإجماع في العقيدة والعبادات:\rوفي ضوء هذه التفسيرات التاريخية والعبرة مما حدث، فإن الحكمة تقتضي التخفيف من غلواء التفرق، مع تلمس مسائل الإجماع بين المسلمين؛ لأن الأحوال المعاصرة تجعل من الاستمرار في بث الفرقة لونًا من ألوان التدمير العقائدي والحضاري للمسلمين كافة.\rوقد رأينا خلال البحث نتائج بارزة تثبت من ناحية ما يلي:\rأولا: عودة أئمة الأشاعرة إلى المنهج السلفي بعد المعاناة الطويلة في طريق التأويل الكلامي.\rثانيًا: إجماعهم - بالاتفاق مع علماء السنة والحديث - على أن أدلة الشرع متوافقة مع قوانين العقل وموازينه، ومن ثم أصبح ضروريًا جمع المسلمين حول المادة العظمى: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\rومن ناحية أخرى، نود في ختام هذا البحث إضافة أكثر العوامل أهمية، وإبرازه والالتفاف حوله، ونعني به عناصر الوحدة التي تجمع بين المسلمين قاطبة، لأن","footnotes":"(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج ١٨ ص ٢٩٨ - ٢٩٩ ط. الرياض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185936,"book_id":1232,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":233,"body":"تحليل عناصرها يثبت أنها تفوق أسباب الخلاف والفرقة.\rأضف إلى ذلك أن المشكلات الكلامية المثارة في الماضي نشأت عن أسباب وعوامل نبعت من البيئة الثقافية حينذاك، وقد قتلت بحثًا وتحليلاً ومناقشة وظهر فيها الحق بين المذاهب والفرق، وربما كانت محتملة عندما كانت الحضارة الإسلامية سائدة، أما وقد آل الحال إلى ما نحن عليه، فلم يعد من المحتمل إثارة هذه المشكلات من جديد.\rوقد سبقنا علماء الحديث والسنة إلى توجيهنا إلى هذا الأصل الجامع، منهم ابن حزم بكتابه (مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات) وعنوانه يشير إلى مضمونه، يعنينا ما سجله في باب الاعتقادات، قال:\r(اتفقوا أن الله ﷿ وحده لا شريك له خالق كل شيء غيره، وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كلها كما شاء، وأن النفس مخلوقة، والعرش مخلوق، والعالم كله مخلوق، وأن النبوة حق وأنه كان أنبياء كثير منهم من سمى الله تعالى في القرآن ومنهم من لم يسم لنا، وأن محمدَ بن عبد الله القرشي الهاشمي المبعوث بمكة المهاجر إلى المدينة رسول الله ﷺ إلى جميع الجن والإنس إلى يوم القيامة.\rوأن دين الإسلام هو الدين الذي لا دين لله في الأرض سواه، وأنه ناسخ لجميع الأديان قبله، وأنه لا ينسخه دين بعده أبدًا، وأن من خالفه ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدًا، وأن الجنة حق وأنها دار نعيم أبداً لا تفنى ولا يفنى أهلها بلا نهاية، وأنها أعدت للمسلمين والنبيين المتقدمين وأتباعهم على حقيقة ما أتوا به قبل أن ينسخ الله تعالى أديانهم بدين الإسلام.\rوأن القرآن المتلو الذي في المصاحف بأيدي الناس في شرق الأرض وغربها من أول (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) هو كلام الله ﷿ ووحيه أنزله على نبيه محمد ﷺ مختارًا له من بين الناس وأنه لا نبي مع محمد ﷺ ولا بعده أبدًا) .\rإلى أن يقول: (واتفقوا أنه منذ مات النبي ﷺ فقد انقطع الوحي وكمل الدين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185937,"book_id":1232,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":234,"body":"واستقر وأنه لا يحل لأحد أن يزيد شيئًا من رأيه بغير استدلال منه، ولا أن ينقص منه شيئًا ولا يبدل شيئًا مكان شيء ولا أن يحدث شريعة، وأن من فعل ذلك كافر، واتفقوا أن كلام رسول الله ﷺ إذا صح أنه كلامه بيقين فواجب اتباعه..) (١) .\rوكذلك العبادات، هناك إجماع في أمور رئيسية لخصها ابن تيمية كما يلي:\r(وذلك مثل إجماعهم على أن محمدًا ﷺ أرسل إلى جميع الأمم، وكذلك إجماعهم على استقبال الكعبة البيت الحرام في صلاتهم ... وكذلك الإجماع على وجوب الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق، وإجماعهم على وجوب الاغتسال من الجنابة وتحريم الخبائث وإيجاب الطهارة للصلاة، فإن هذا كله مما نقلوه عن نبيهم، وهو منقول عنه ﷺ نقلاً متواترًا، وهو مذكور في القرآن) (٢) .\rلذلك ينبغي أن تخف أصوات الخلافات ويجتمع المسلمون على مادة الإسلام العظمى: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والاسترشاد باجتهادات علماء الحديث والسنة، لا سيما وقد جدت تحديات في هذا العصر تقتضي منهم الوقوف جبهة واحدة.\rولما كانت حضارة العصر الغالبة هي الحضارة الغربية، فيجدر الإشارة باختصار إلى أثر الالتقاء بها في محيط المشكلات الكلامية.\rفكيف حدث الالتقاء؟ وما هي آثاره في الماضي والحاضر؟\r\rالالتقاء بالغرب وآثاره على القضايا الكلامية:\rيحدد توينبي اللقاء الأول بين الإسلام والغرب في الماضي عندما كان المجتمع الغربي في دور طفولته بينما كان الإسلام الدين المميز للعرب في عصرهم البطولي. وكان العرب قد فرغوا من فتح وتوحيد البلاد التي كانت مهد الحضارات القديمة في الشرق الأوسط، وكانوا يحاولون توسيع هذه الإمبراطورية - كما يراها - لتصبح دولة عالمية، وينتهي المؤرخ الإنجليزي الكبير إلى التقرير بأنه في هذا اللقاء الأول اكتسح المسلمون نصف المجتمع الغربي تقريبًا وكادوا يفرضون سيادتهم على البلاد الغربية","footnotes":"(١) ابن حزم: مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات ص ١٦٧ - ١٧٥ باختصار ط دار الكتب العلمية.\r(٢) ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج ١ ص ١٢٤ -١٢٥ ط. المدني. بدون تاريخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185938,"book_id":1232,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":235,"body":"كلها (١) .\rواتضحت الفجوة الثقافية بين الحضارتين عندما وقف علماء السنة سدًا منيعًا في وجه الفلسفة اليونانية المعبرة عن غزو ثقافي مضاد للعالم الإسلامي حينذاك.\rوفي التنابذ والمعارضة لآثار اليونان الفلسفية، ظهرت المعارضة الشديدة بواسطة علماء السنة والجماعة، وربما شكلت آثار المعارضة للفلسفة اليونانية آثارها في صفحات الكتب وكانت أحد عوامل ظهور الأفكار والاصطلاحات المترجمة كالجوهر الفرد والحدوث والقدم، فضلا عن آثار المنطق الأرسططاليسي، وردود الفعل التي أحدثها بين الآخذين به كالغزالي وغيره من بعض علماء الفقه، والمعارضين له كابن تيمية ومن سبقه من علماء السنة والحديث الذين أعلنوا (أنه من تمنطق تزندق) .\rوبوجه عام كان التنافر بين العقيدة الإسلامية والفلسفية معبرًا عن اختلاف بين حضارتين.\rيقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: (وإذا رأينا الاتجاه العام لروح الحضارة الإسلامية ينفر نفورًا شديدًا من التراث اليوناني فيحمل عليه حملة عنيفة شعواء هي رد فعل قوي لهذا الروح ضد روح حضارة أخرى شعرنا بما بينها وبينها من تباين يكاد يصل إلى حد التناقض) (٢) .\rوفي ضوء هذا التحليل الدقيق تزداد معرفتنا لأسباب معارضة علماء السنة والجماعة لآراء المعتزلة المستمدة من فلاسفة اليونان، ولنفس السبب أيضًا سنرى كيف تكونت معارضة علماء المسلمين للفلسفة الغربية وتصوراتها عندما حدث الالتقاء الثاني الذي بدأ منذ القرن السادس عشر الميلادي في شكل غزوات وحروب استعمارية متوالية ظلت نحو ثلاثة قرون، بدأت بشكل حاسم - كما يذكر توينبي -","footnotes":"(١) آرنولد توينبي: الإسلام.. والغرب.. والمستقبل. ط. دار العربية - بيروت ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م ص ١٩، ٢٢.\r(٢) د. عبد الرحمن بدوي: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية - المقدمة - ط. دار النهضة العربية بالقاهرة - سنة ١٩٦٥ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185939,"book_id":1232,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":236,"body":"في أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر وحسب تعبيره الذي أسلفناه قال: (لم يقتصر الأمر على الإحداق بالعالم الإسلامي ولكن أمكن تطويقه تمامًا) ، ثم يستطرد قائلاً: (ووضع الطوق حول رقبة الفريسة) .\rولكن مما يدهشه - وغيره من المؤرخين والباحثين - أن العالم الإسلامي قد استطاع أن يصمد للعدوان الأوروبي طوال القرون من الخامس عشر حتى الثامن عشر ويعزو صموده المذهل إلى ما يصفه (بالاعتداد بالذات التي رسبت في عقل المسلمين الباطن بفعل الأمجاد الرائعة التي حققوها إبان عصور الازدهار الإسلامية) ويدهشنا هذا التعليل - مع وجاهته - إلا أنه يغفل ذكر العامل الأساسي المباشر المتمثل في العقيدة، لا سيما أنه يرى عند بحث علاقة الإسلام - كعقيدة دينية بالحضارة الإسلامية - أن هذه الحضارة قد وفدت مع العقيدة الدينية (١) .\rوفي ضوء هذه الأحداث التاريخية حتى العصر الحاضر تتشكل ملامح الفكر الأساسي المعاصر، وتظهر طبيعة القضايا (الكلامية) المثارة.\rلذلك يجدر بنا إعطاء فكرة عامة عن حضارة العصر وسماتها البارزة وسنبدأ بتعريف الحضارة.\r\rما هي الحضارة؟\rلفظ (الحضارة) من الألفاظ التي اختلف الباحثون حوله، ولعله خضع بدوره للثقافة والبيئة والأحوال الاجتماعية والاقتصادية للمفكرين والفلاسفة الذين قاموا بتعريف الحضارة فكثيرًا ما تعكس الأفكار والنظريات ظروف العصور وأحوالها إما تأييدًا أو معارضة أو تعديلاً ويمكننا طرح وجهتي النظر الرئيسيتين حول تعريف الحضارة كما يأتي:\rأحدهها: يعنى بطرق الثقافة والقيم الأخلاقية والآداب والفنون.\rالثاني: يعنى بالمنجزات والأعمال التي حققها الإنسان في مجال التشييد والبناء والإنتاج الصناعي والزراعي، أو بعبارة أخرى (التكنولوجيا) أي استخدام النتائج","footnotes":"(١) فؤاد محمد شبل: حضارة الإسلام فى دراسة توينبي للتاريخ ص ٣٩ - ٦١ المؤسسة المصرية العامة - المكتبة الثقافية (العدد ٢١١) ١٩٦٨ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185940,"book_id":1232,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":237,"body":"المكتشفة بالتجارب العلمية في مجالات الحياة المختلفة والاستفادة منها.\rوتبسيطًا للتعريف الثاني وتوضيحه، فإن الحضارة بهذا المعنى تعتبر عنوانًا على كل ما أحدثه الإنسان أو أبدعه أو بدله في كائن طبيعي، وجعل له قيمة.\rوأبسط مثال على ذلك أن الحجر الذي نجده في الطبيعة كما خلقه الله - تعالى - هو طبيعي، بينما الحجر الذي صقلته يد الإنسان لتستخدمه في أمر ما هو حضاري (١) .\rولكننا نرى نقص هذا التعريف لأنه يشير فقط إلى ما استحدثه الإنسان في العالم الطبيعي من تغييرات تعبّر عن مواهب الإنسان وإمكانياته العقلية والجسدية وتكشف عن رغبة الإنسان في تذليل الصعاب التي تعترضه أثناء رحلة حياته الطويلة في الدنيا حيث أقام السدود للاستفادة من فيضانات الأنهار وقطع أشجار الغابات ليحولها إلى أراضي زراعية، وتسلح ضد الحيوانات المفترسة ليأمن على نفسه وأولاده وعشيرته إلى تشييد المنازل ورصف الطرق واختراع الآلات. ولعلنا نعيش الآن أرقى مرحلة اجتازها الإنسان، ولكننا لا نغفل أيضًا أعمال الإنسان في مجالات الحروب والتدمير فكلها من قبيل تدخل الإنسان في الطبيعة فهل تعد أيضًا من الأعمال الحضارية فما حكم صنع القنابل الذرية والهيدروجينية والصواريخ النووية والإشعاعات القاتلة المهلكة؟\rإننا نرى أن أعمال الإنسان الحضارية (واللاحضارية) تعبر عن مداركه وقدرته إلى جانب غرائزه وشهوته ودوافعه، فإذا كان يبني وينشئ لجعل الحياة أسهل وأجمل وأمتع مدفوعًا بالقيم الأخلاقية ومستهدفًا إقامة الحق والخير والعدل فإنه يقيم حضارة حقيقية يسعد في ظلها الناس، أما إذا أخذ يخترع الأسلحة المدمرة ليقتل ويفتك بأعدائه ويعتدي على غيره ويفرض إرادته وينهب الخيرات ويستولي على أراضي غيره ومتملكاته طمعًا وحسدًا وإشباعًا لشهوة السيطرة والامتلاك والتعالي فإن محصلة ذلك تعبر عن أعمال لا حضارية.","footnotes":"(١) د. جورج عطية: من حضارتنا ص ١٦. منشورات دار النشر الجامعية - بيروت سنة ١٩٥٦ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185941,"book_id":1232,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":238,"body":"واستكمالاً للحديث عن الحضارة فإننا لا نستطيع دفع المخاطر عن تصور الحضارة المعاصرة التي نحيا في ظلها بالتقليد والمحاكاة (١) ، كما لا نستطيع في مجال المقارنة بينهما وبين الحضارة الإسلامية إغفال حالة التأخر التي تحياها المجتمعات - التي كانت في يوم ما معبرة عن الحضارة الإسلامية إبان القرون الخوالي.\rومهما يكن من أمر فقد كان اصطدام الحضارتين أمرًا حتميًا ويوجبه اختلاف العقائد والتصورات والقيم والنظم وهو أمر حتمي لسنن الله تعالى في قيام الأمم وسقوطها قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) [البقرة: ٢٥١ - الحج، الآية: ٤٠] . نجم عنه تفاعل مشكلات (كلامية) بالمصطلح المعروف، إذ إن الهزائم في الميادين العسكرية لم تمنع علماء الإسلام من التصدي للحضارة الغازية ونقدها من واقع الأصول الإسلامية في الكتاب والسنة فضلاً عن المنجزات التي حققها المسلمون عندما كانت حضارتهم هي السائدة والقائدة.\rولعل الترتيب المنطقي في موضوعنا يلزم تسلسل الأفكار بحيث نبدأ بتعريف سمات الحضارة المعاصرة وأثرها على الفكر الإسلامي تأييدًا أو معارضة مما نجم عنه ظهور قضايا لا زالت موضوع البحث والجدل.\rولعلنا نصل إلى هدفنا من خلال بيان نقد هذه الحضارة وخلاصته أن التقدم الصناعي والتجارة العالمية هما اللذان أديا - بخلاف المرتقب والمتوقع - إلى وقوع الحرب العالمية الأولى، كما أن الاختراعات التي وضعت في أيدي الجيوش جعلت الحرب ذات طابع مدمر فأصبح الغالب والمغلوب سيان، ثم إن الإنجازات التكنولوجية جعلت الدول في وضع يسمح لها بالقتال من مسافة بعيدة والقضاء على أعداد ضخمة من الناس كالأشعات والأسلحة السامة وغيرها.\rويستخلص - أشفتيسر - من هذا كله أن الإنجازات المادية ليست حضارة، ولا تصبح حضارة إلا بمقدار ما تستطيع عقلية الشعوب المتمدينة توجيهها وجهة","footnotes":"(١) يرى ابن خلدون بعد تحليله للنفس الإنسانية أن المغلوب يتشبه بالغالب في شعاره وبخلقه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله وعوائده. المقدمة: الفصل الثالث والعشرون.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185942,"book_id":1232,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":239,"body":"كمال الفرد والجماعة، ويرى أن أهل أوروبا خدعوا بمظاهر التقدم في المعرفة والقوة فلم يفكروا في الخطر الذي يتعرضون له من جراء تضاؤل القيمة التي يعطونها للعناصر الروحية في بناء الحضارة، ومن ثم فإن إعادة بناء الحضارة على الوجه الصحيح يتطلب أولا: الأخذ من جديد بالنظرة الأخلاقية التي سادت في القرن الثامن عشر. ويتطلب ثانيًا: تكوين نظرية في الكون، فالواقع أن كل ما تقدم إنساني يتوقف\rعلى التقدم في نظريته في الكون، وينبغي أن نهز الناس في هذا العصر وندفعهم إلى التفكير الأولي في حقيقة الإنسان ومكانته في هذا العالم فإن تصور العلم والحياة، وكذلك الأخلاق كلها أمور لا عقلية. ويجب أن يكون لدينا الشجاعة للاعتراف بذلك (١) .\rولشرح الغرض من ضرورة نظرية عن الكون للحضارة، سنعطي القارئ فكرة موجزة عن الأصل الذي تنبثق منه الأفكار الفلسفية والنظم الاجتماعية، فإن المتتبع للنظم والمبادئ الاجتماعية التي ظهرت في عصر العلم بأوروبا جعلت الاقتصاد أساسًا للمجتمع، والحق أن القاعدة الاقتصادية مجرد فرع من مبدأ عام في العقيدة من أصل الوجود، ثم يتفرع إلى استخلاص الأحكام والمبادئ اللازمة لصلاح المجتمع.\rيقول الدكتور الفندي: (والعجب أيضًا، بل أعجب أن المادية في نظر أساطينها، مثل الماركسية، إنما تصل نهاية المطاف إلى ما وراء الطبيعة. أي لا يمكن أن تقتصر المادية على عالم المادة فحسب وإنما تنتهي إلى ما هو أكبر من ذلك عندما تتطرق إلى الحديث عن نظام الكون العام) (٢) .\rوكثيرًا ما يحلل الفلاسفة معالم المادية الظاهرة الوضوح على الحضارة المعاصرة، ويفسرونها بغياب العقيدة الدينية وإنكار الجانب الروحي للإنسان، ويعالج هذا المبحث عادة بتحليل العلاقة بين العلم والدين.","footnotes":"(١) ألبرت أشفتيسر: فلسفة الحضارة ص ١٠٠ - ١١٥ ترجمة عبد الرحمن بدوي مراجعة د. زكي نجيب محمود، المؤسسة العامة للتأليف والترجمة والنشر ١٩٦٠.\r(٢) د. محمد جمال الدين الفندي: الكون بين العلم والدين ص ١٤ ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سنة ١٩٧٢ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185943,"book_id":1232,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":240,"body":"صلة العلم بالدين في العصر الحديث: (أو العلاقة بين المادة والروح)\rإن الانبهار والذهول أمام التقدم العلمي الذي سحر أعين الناس وقلوبهم قد شكل معالم القضية الماثلة للأذهان وهي: ضمور الاعتقاد بالغيبيات والحقائق الدينية حيث ساد في وقت ما الاعتقاد أن العلم سيحقق السعادة الكاملة وبذلك يمكن الاستغناء عن العقائد الدينية.\rهذه هي القضية الملحة التي دارت حولها المناقشات وتشكل حجر الزاوية في ملامح العصر الحاضر.\rويرى برتراند رسل أن العلوم في العصور الجديدة أسكرت البشر ودفعت الكثيرين للسيطرة على بقية البشر بواسطة القوى التي حققها التقدم العلمي، وهو لا ينتقد هذه المعارف العلمية في ذاتها، ولكن ينتقد وضعها في أيدي أناس يفتقدون الحكمة. ولو وضعت في أيدي الحكماء لعرفوا كيف يستخدمونها.\rإن هذه الحكمة موجودة إلا أنها - مع الأسف - لا حول لها ولا قوة على الأحداث، ثم يعطينا فكرة عن ضرورة تحقيق التعادل بين قوتي العلماء والحكماء فيقول: (لقد دعا الأنبياء والحكماء إلى تجنب الدنايا والصغائر، ولو أننا أنصتنا إليهم لعشنا في سعادة متجددة) (١) .\rوالرأي الذي ذهب إليه رسل يشاركه فيه الكثيرون في الآونة الأخيرة بعد المراحل التي مر بها العلم منذ عدة قرون، فقد توقع أغلب العلماء في القرن التاسع عشر الميلادي الذين آمنوا بالعلم، توقعوا له القدرة على الإحاطة في المستقبل بمجهولات الغيب التي لم يحط بها في ذلك الحين ولكن حينما أطل القرن العشرون تواضعت دعوى العقل (٢) .\rوأخذت عقول العلماء تنحني إجلالا لحقائق ما فوق طور العلم التجريبي الحسي، ورأينا الاعترافات تصدر من علماء كثيرين لهم مكانتهم فها هو أنيشتين يقول: (العلم بغير دين أعرج، والدين بغير علم أعمى) .","footnotes":"(١) رسل: هل الإنسان مستقل؟ ص ١٢ - ١٣.\r(٢) العقاد: عقائد المفكرين في القرن العشرين ص ٣٢ - ٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185944,"book_id":1232,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":241,"body":"ويقف مندهشًا أمام السر في نجاح العلماء معللا إياه بالإلهام مقرراً في يقين (إن العاملين في العلم الجادين في عصرنا هذا المادي هم وحدهم الذين يتصفون بالتدين العميق) (١) .\rويقرر كارليل أن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو أحد الكوارث التي تعاني منها الإنسانية، ويعلل ذلك بأن قوانين العلاقات البشرية ما زالت غير معروفة، لأن علوم الاجتماع والاقتصاد والنفس علوم تخمينية افتراضية، على عكس ما ظنه الكثيرون عندما خدعوا في بعض المذاهب التي حازت شهرة في صفحات التاريخ وعلى ألسنة الناس، كمبادئ الثورة الفرنسية وخيالات ماركس ولينين (٢) .\rما هي النتيجة إذن بين التقدم الهائل في العلوم التجريبية وبين قصور العلوم الإنسانية عن اللحاق بها؟\rيجيب الدكتور حسين مؤنس على هذا السؤال بقوله: (فإن الذين يفكرون في الدمار أنشط بكثير ممن يفكرون في البناء؟ فهناك من صنع القنبلة الذرية التي قتلت مائة ألف في ثوان وزاد عليه الذي صنع القنبلة الهيدروجينية التي تقتل المائتي ألف في ثوان، ثم جاء صاحب قنبلة النيوترون التي تشل أهل البلد الضخم وتصرعهم دون أن تؤذي العقارات والأشياء (٣) .\rويتبين من ذلك أن العلم التجريبي أقام مدنًا ومصانع وجامعات وعبَّد الطرق، وساهم في تسهيل المواصلات وتذليل عقبات لا تحصى في حياة الإنسان، ولكنه ساهم في الوقت نفسه في تعاسته للأسباب الآنفة. كذلك يرجع فشل العلوم الإنسانية في علاج الأزمات لكونها افتراضية تخمينية وليست تقريرًا لواقع وبرهانًا على حقائق، إذ لا تملك وسائل الإثبات وتنقصها دقة مناهج العلوم الأخرى في الهندسة والفيزيقا","footnotes":"(١) أدرين كوخ: آراء فلسفية في أزمة العصر ص ١١٢ ترجمة محمود محمود، الأنجلو سنة ١٩٦٣.\r(٢) الكسيس كارليل: الإنسان ذلك المجهول ص ٤٤.\r(٣) د. حسين مؤنس: الحضارة ص ١٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185945,"book_id":1232,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":242,"body":"والكيمياء والطب وغيرها من العلوم.\rوهكذا أصبح العالم المتحضر منتفخًا بالإمكانيات ولكنه ضامر بالإرادات، أشياؤه كثيرة وأفكاره قليلة.\rوهذا الوضع البائس المتناقض بين وفرة الأشياء وفراغ النفس أدخل البشرية في دوامة يصاب الإنسان فيها بالدوار (١) .\rولا نجد مبررًا للدفاع عن الجانب العلمي التكنولوجي بحجة وصول الإنسان إلى القمر إذ أن هذا النجاح يحمل في ذاته دلالة مفادها أن الصاروخ الذي يحمل مركبة الفضاء يستطيع إن يحمل قنابل ذات رؤوس نووية تصل إلى أي مكان في العالم فتهلك الحرث والنسل، قد تعود بالإنسان في طرفة عين إلى العصر الحجري من جديد.\rولكن ما معنى ذلك كله في ضوء البحث عن السعادة الحقيقية للإنسان على هذه الأرض، وما أثره على موقف المدافعين عن العقيدة الدينية في مواجهة المسحورين بالمخترعات العلمية لا سيما في العالم الإسلامي الذي يشعر بالفارق الضخم بينه وبين العالم الغربي؟\rمعناه أن منهج المعرفة الخاص بالكون قد هدى الله إليه الإنسان (أما منهج المعرفة الخاص بالإنسان نفسه، فإنه لما كان من العسير على الإنسان أن يعرف نفسه بنفسه فقد هداه الله إليه بالوحي في رسالات السماء) (٢) .\rومعناه أيضًا: أن ركني الحضارة الإنسانية بمعناها الصحيح لا بد أن تحقق الارتقاء أو التحسن المادي والمعنوي معًا.\rونحن نميل إلى الرأي الذي يغلب التحسن المعنوي على التحسن المادي، (لأن الغاية القصوى للتحسين هي شعور الإنسان بالأمان والاطمئنان والكفاية،","footnotes":"(١) د. خالص جلبي: الطب في محراب الإيمان ج ٢ ص ٢٩ ط مؤسسة الرسالة - بيروت ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م.\r(٢) أنور الجندي: سقوط العلمانية ص ٧٤ - دأر الكتاب اللبناني - بيروت ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185946,"book_id":1232,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":243,"body":"وقيام مجتمعه على التفاهم والتعاون والمحبة، بدلا من قيامه على التحايل والأنانية والقانون الذي تنفذه قوة غالبة) (١) .\rوبمثل هذا التحليل والتعليل الموجز لحضارة الغرب من حيث مقوماتها وآثارها، نستطيع تلخيص الأفكار والفلسفات الرئيسية التي تشكل ملامح المشكلات الكلامية فى عصرنا الحاضر، والتي استدعت اتخاذ موقف النقد والتمحيص من جانب علماء الإسلام، ودورهم هنا كدور أسلافهم من علماء السنة عندما واجهوا فلسفة اليونان منذ القرن الثاني والثالث الهجريين.\r\rالمشكلات الكلامية الطارئة في العصر الحديث:\rلا شك أن هناك جانباً هامًا لا يزال محتفظًا بجدته وحيويته في القضايا المثارة في كتب الكلام لأنه متصل بالعقائد كالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ والبعث والحساب والعقاب وما إلى ذلك من مسائل أصول الدين، ولهذا فإنه يحتفظ بأهميته ومكانته في العقول والقلوب، وينبغي أن يكون الأمر كذلك حيث يتحرى المسلمون معرفة أصول العقيدة فإذا درسناها وفق منهج صحيح واضح المعالم كما فعل علماء الحديث والسنة، فإنه يتيسر الوصول إلى الحقيقة بين وجهات النظر المتباينة.\rولا شك أيضًا أن مشكلات أخرى طرأت في العصر الحاضر لم تعرفها الأجيال الماضية ولا تدخل في نطاق القضايا الكلامية المثارة آنذاك بنفس المناهج، بالإضافة إلى الانقلابات الحادثة في نظم التعليم والاقتصاد والسياسة، وظهور التخصص في مجالات العلوم والمعارف.\rكل هذا أدى إلى تشابك المشكلات وتداخلها.\rولكن إذا أعدنا للأذهان مرة أخرى تعريف ابن خلدون لعلم الكلام - أي إنه يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية - رأينا أن ظهور القضايا الجديدة تشكل في مجموعها لونًا من علم الكلام الحديث أو المعاصر.\rصحيح أن العلماء القائمين بدور الدفاع عن العقائد الإيمانية في عصرنا لا","footnotes":"(١) د. حسين مؤنس: الحضارة ص ٥٤. سلسلة عالم المعرفة - المجلس الوطني للفنون والأداب - الكويت محرم - صفر سنة ١٣٩٨ هـ - يناير ١٩٧٨ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185947,"book_id":1232,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":244,"body":"تنطبق عليهم أوصاف أسلافهم، ولكن حصيلة إنتاجهم العلمي يدخل في دائرة القضايا الكلامية حيث قاموا بالدفاع عن الإسلام - كل حسب تخصصه - وقد صدرت لهذا الغرض مئات المؤلفات والأبحاث، وكتبت آلاف المقالات، وانعقدت عشرات المؤتمرات والندوات، وكلها نتيجة جهود مخلصة لعلماء المسلمين في شتى صنوف العلوم والمعارف، واستهدفت الشرح والتفسير والدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة ونظمًا وأخلاقًا وتشكل في مجموعها ملامح عامة، يدور حولها الفكر الإسلامي المعاصر، ونعرضها بإيجاز:\r\rملامح الفكر الإسلامي المعاصر:\rوما دمنا نتكلم عن الإسلام في العصر الحديث، فإننا نحترس من استخدام المصطلح الشائع الذي تأثرت به العلوم منذ ظهور فكرة دارون في النشوء والارتقاء ونعني به مصطح (التطور) والذي استخدمه الكثيرون حتى في مجال العقائد، ونسترشد هنا برأي الأستاذ الدكتور قاسم ﵀ في رده على روجيه باستيد الذي ظن أن العقائد في الإسلام قد تطورت كما هي الحال فيما يتعلق بالعقائد المسيحية، وأغلب الظن أن جهله بعقائد الإسلام نفسه كان سببًا في جنوحه إلى هذا الرأي. وإذا بينا أن العقائد الإسلامية لم تتطور لهذا السبب اليسير، وهو أن القرآن دون مباشرة ولأن العقائد تتجه إلى العقل قبل كل شيء فلا يشعر بحاجة إلى تعديلها وتحويرها (١) .\rولا يحتاج الأمر إلى كبير عناء للاستدلال على أن الاتجاه العام للفكر الإسلامي المعاصر، هو اتخاذ الإسلام محوراً ترتكز عليه جهود المخلصين من المفكرين المسلمين للانطلاق نحو إحياء جديد للحضارة الإسلامية التي ازدهرت في عصور الارتقاء بفضله.\rإن القرآن خلق العرب خلقًا جديدًا وقد وعد الله تعالى للمتمسكين به بالرفعة في الدارين والله ﷿ (غير مخلف وعده والقرآن لم يتغير وإنما المسلمون هم الذين تغيروا) (٢) .\rولسنا نؤرخ هنا عوامل اضمحلال الحضارة الإسلامية - إلا أننا نستطيع أن نغفل ظاهرة أخرى تشكل ملامح الفكر الإسلامي في عصرنا الحاضر، وهو إظهار فضل مفكري الإسلام على الحضارة الأوروبية المعاصرة، لقد بقي الغرب في تأخره","footnotes":"(١) قاسم: مقدمة كتاب مبادئ الاجتماع الديني لروجيه باستيد ص ٦.\r(٢) شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ص ١٢، ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185948,"book_id":1232,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":245,"body":"ثقافيًا واقتصاديًا (طوال الفترة التي عزل فيها نفسه على الإسلام ولم يواجهه، ولم ييدأ ازدهار الغرب ونهضته إلا حين بدأ احتكاكه بالعرب سياسيًا وعلميًا وتجاريًا.\rواستيقظ الفكر الأوروبي، على قدوم العلوم والآداب والفنون العربية من سباته الذي دام قرونًا ليصبح أكثر غنى وجمالا وأوفر صحة وسعادة) (١) .\rإن فهم هذه الحقيقة كان دافعًا لإعادة الثقة بالنفس، والتحول من موقف الخضوع لسلطان الحضارة الغربية، إلى موقف منابذتها وإظهار القدرة الذاتية للإسلام في مواجهة التحديات، لأن العالم الإسلامي (هدف ثمين من أهداف تصدير الأفكار نظرًا إلى موقعه وخطورة موقفه بين الكتل المتصارعة..، وأن يبقى هذا العالم مفتقرًا إليها على اختلافها وأن يحال بينه وبين أفكاره الأصلية التي يمكن أن تغنيه عن الاستيراد وتحقق له الاكتفاء الذاتي) (٢) .\rونلمح نموذجًا لهذا الموقف المتحدي من جانب الشيخ رشيد رضا في قوله: نتحداهم بالقرآن - وهو يقصد الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم ولا سيما أحرار الإفرنج - بأن يأتوا بالإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي مؤكدًا تقديم أسمى الحضارة على أساس قرآني (٣) . ويبدو أن هذه النزعة للشيخ السلفي أحدثت تأثيرًا حاسمًا في أغلب مفكري الإسلام المحدثين، إذ رأوا مثله، بأنه لا بد من إظهار حقيقة الإسلام كما عرفه السلف الصالح ورفض التأثيرات المتراكمة التي فصلت بين المسلمين في عصورهم الأخيرة وبين فهم أجدادهم للإسلام في القرون الأولى.\rوفي ضوء ظروف العصر كان لا بد للنظر إلى الإسلام في شموله في ذاته لأنه يتناول الجانب المادي وحياة الروح معًا.\rويقتضي ذلك فصل الإسلام ذاته عن فهم المسلمين للإسلام خلال العصور المتأخرة لأنه بمضي العصور، وبسبب التقاء المسلمين بثقافات الأمم الأخرى، حدث أن تفرعت","footnotes":"(١) زيجفرد هونكه: شمس الله تسطع على الغرب ص ٥٤١ ط التجارية للطاعة والنشر دبي ١٩٦٩ م.\r(٢) كتاب (الإسلام يتحدى) لوحيد الدين خان ص ٧.\r(٣) رشيد رضا: الوحي المحمدي ص ١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185949,"book_id":1232,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":246,"body":"شعب ثلاث: أحدها فقهي، والثاني كلامي، والثالث أخلاقي، وكلما تقدم الزمن، انفصل بعضها عن بعض (بعد أن كان الإسلام وحدة شاملة) (١) .\rومن أقوال محمد إقبال: (إننا نحن المسلمين نواجه عملاً ضخمًا إن واجبنا أن ننظر في الإسلام من جديد؛ بصفته نظامًا فكريًا، من غير أن تقطع صلتنا عن الماضي (٢) ، وسنرى أنه كذلك قام بنقد أسس الحضارة الغربية المادية موضحًا أن المنهج الصحيح لفهم الإسلام هو أن (يطابق الكتاب والسنة وفهم السلف) (٣) .\rولكن لا يعني الاقتداء بالسلف الرجوع إلى الماضي بحيث تصبح الأمة الإسلامية (كأنها تعيش في متحف للتاريخ، كلا ولكن المقصود إقامة روح الإسلام الذي عرفه السلف وأخرج العرب من جزيرتهم فسادوا الأمم) (٤) .\rالإسلام والعلم:\rهناك مقدمة لابد منها في بيان صلة العالم بالإسلام، وعالجها كثير من الباحثين وأفاضوا في شرح جوانبها لتجلية العلاقة الوثيقة بين الإسلام والعلم واستبعاد التوهم المصطنع الذي حاول به البعض الفصل بينهما في بداية الالتقاء بالحضارة المعاصرة وكان العالم الإسلامي حينذاك يغط في نوم عميق (٥) ، فقام البعض محاولاً الدفاع عن حقائق الدين فأدّى به إلى الفصل","footnotes":"(١) محمد المبارك: الفكر الإسلامي الحديث فى مواجهة الأفكار الغربية ٦١ - ٦٢ ط دار الفكر ١٣٨٩ هـ ١٩٧٠ م. (٤٨٠) نفس المصدر ص ٦١.\r(٢) أبو الحسن الندوي: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ص ١٢١ ط دار الندوة بلبنان ١٣٨٨ هـ ١٩٦٨ م.\r(٣) نفس المصدر ص ١٨٥.\r(٤) أبو الأعلى المودودي: نحن والحضارة الغربية ص ٣٣٥ - ٣٣٦ وأول القضايا إزاء نقد حضارة الغرب هي قضية الإسلام والعلم.\r(٥) قام الأستاذ الدكتور محمد جمال الدين الفندي بدراسة الآيات التي تحدثت عن الطبيعة: الهواء والماء، والرياح، والجبال والنجوم والسماء، ملفتًا الأنظار إلى ما في بعض آيات العلم من أوامر صريحة تطالب المسلمين بالبحث والدراسة وتأمرهم بالأخذ بأسباب العلم، حتى كأنها جزء لا يتجزأ من تعليم الدين أو من العبادات ذاتها وإذا كان المسلمون قد تخلفوا فمعنى ذلك: أنهم ولا شك قد ابتعدوا عن جوهر الإسلام مهما احتفظوا بطقوس من العبادات (الكون بين الدين والعلم ص ٣٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185950,"book_id":1232,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":247,"body":"القاطع بين حقائق الدين ومعطيات العلم، وبالتالي إيجاد ثنائية بين التفكير العقلي واليقين القلبي، فموضوع العقل العلم وموضوع القلب الإيمان، وذلك تقليدًا لما حدث في أوروبا في عصر النهضة من انفصال بين الدين والعلم للأسباب التي قامت هناك حينذاك.\rثم تغيرت هذه الصورة رويدًا رويدًا عندما انتشر التعليم، وأعيدت الثقة في النفوس وقام العلماء بشرح الآيات القرآنية في ضوء الاكتشافات العلمية، وظهرت حقيقة التوافق بين الإسلام والعلم بالأدلة التي لا تقبل الشك.\rوهنا نجد الدكتور موريس بوكاي يبدي دهشته البالغة عندما يستكشف في بحثه المبتكر في هذا المجال التوافق التام بين النص القرآني ومعطيات العلم الحديث، ثم - سرعان ما يقرر أنه لا داعي للعجب أو الدهشة في هذا (إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائمًا أن الدين والعلم توأمان متلازمان فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. وأن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوروبا) (١) .\rأما عن وجهتي النظر التي يقابلهما الباحث في هذه القضية، وأعني بذلك وجهة النظر القائلة بأن النظريات العلمية كلها منصوص عليها بين دفتي القرآن الكريم، والأخرى التي تفضل عدم الزج بالقرآن في مجالات علمية قابلة للتغير في ضوء التجارب والمكتشفات المتوالية، فإن الرأي الوسط الذي نميل إليه أن كتاب الله ﷿ يستثير في بني آدم عملية التفكير ويحضهم على النظر في آيات الله الكونية المحيطة بهم في جوانب المخلوقات في عوالم النبات والحيوان والأفلاك والمجتمعات والتاريخ.\rومهما يكن اختلاف الآراء حول القرآن الكريم من آيات عرف العلماء الآن دلالتها العلمية في العصر الحاضر من شمس وقمر وكواكب، أو تتحدث عن الأرض والسماء، أو خلق الإنسان وأطواره، فإن الرأي الراجح بين الرأيين السالف الإشارة إليهما - أن القرآن الحكيم ليس في الواقع من مراجع العلوم (ولكنه وجه الحديث إلى القلوب المتفتحة وإلى العقول الواعية في نفس الوقت، وهو بذلك كتاب مشاعر وأخلاق وفكر في آن واحد، يعطي من","footnotes":"(١) موريس بوكاي: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص ١٤، ط دار المعارف سنة ١٩٧٩ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185951,"book_id":1232,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":248,"body":"كل منها القدر اللازم للبشرية حتى لا تكون ثمة حجة لقارئه في مختلف العصور ومنها عصر العلم) (١) .\rوها هي طريقة القرآن تبرهن أنها الوحيدة الثابتة بثبات القرآن مع تغير الدهور. ويزيدنا الدكتور \"موريس بوكاي\" إيضاحًا فيذهب إلى أن القرآن ليس كتابًا يهدف إلى عرض بعض القوانين التي تتحكم في الكون.\rإن له هدفا وسببًا جوهريًا. وأوصاف القدرة الإلهية هي المناسبة الرئيسية في توجيه الدعوات للبشر أن يتأملوا في أعمال الخالق. وتصاحب هذه الدعوات إشارات إلى أمور يمكن للملاحظة الإنسانية أن تدركها أو قوانين عرفها الله تلك - التي تسود انتظام الكون - في ميدان علوم الطبيعة وفيما يخص الإنسان على حد سواء. وهناك جزء من هذه الأقوال يسير الفهم ولكن هناك جزء آخر لا يمكن إدراك دلالته إلا إذا كان المرء يملك معارف علمية لازمة لهذا (٢) .\rإن ثبات القوانين الطبيعية والنواميس الكونية يقابلها في انتظامها في مسيرتها ثبات أحكام العقول وبديهية الأوليات، إذْ لو لم تستمد العلوم أساسها من أوليات وبديهيات لانهار الصرح العلمي، ولما أمكن إثبات نظرية علمية.\rوبنفس البديهيات والأوليات، عرف الإنسان ربه ﷿، بل الأسبق في فطرة الإنسان أن يعرف خالقه، فهو مفطور على ذلك كما أنه مفطور أيضًا على معرفة القوانين الأولية والبديهيات العقلية.\rويرى الدكتور الفندي أن الذي يدرس ما جاء في القرآن الكريم من آيات بينات في شتى المجالات، يجد أن الإسلام إنما يخلق مجتمعًا (طبيعياً) يساير الفطرة ويتمشى مع الناموس الطبيعي، سواء من حيث ما فطر عليه، أو ما جبلت عليه الطبيعة.","footnotes":"(١) د. محمد جمال الدين الفندي: الله والكون ص ٢٤. ط الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٧٦ م.\r(٢) د. موريس بوكاي: القرآن الكريم ص ١٣- ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185952,"book_id":1232,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":249,"body":"وهي نفس الفكرة التي أجمع عليها العلماء المسلمون عند تأكيدهم لتوافق الآيات العيانية والسمعية، وأن أدلة الشرع هي أدلة عقلية، حيث يأتي النظر والاستدلال أيًّا كانت وسائله تبعًا للعصور والأزمنة، معضدًا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبانياً على العقيدة النظم الصالحة للمجتمع الإنساني.\rوهنا تظهر روعة القرآن الكريم، بل إنه أروع الكتب التي توضح العقيدة على هذا النمط وهو إلى جانب هذا، إنما يعطي الأحكام والأمثال والآيات كلها من الكون نفسه، ولهذا نطق على الإسلام اسم (الدين الكوني) أو دين الفطرة، ولهذا أيضًا يظل القرآن معجزًا أبد الدهر وتبقى حجته قوية إلى ما شاء الله (١) .\rوإذا كان قيام علماء الكلام في القرون الماضية باستخدام الأدلة المنطقية والتفكير النظري السائد آنذاك، فإن ما يتصل بالقضايا التي اصطلح على تسميتها (كلامية) في تاريخ الفرق، يتصل أوثق الصلات بالآفاق التي كشف عنها العلم وتجاربه في العصور الحديثة.\rونود القول بأن الطريقة الاستدلالية التي استخدمها القرآن الكريم ظلت هي الوحيدة بين الطرق الأخرى - أي منهج الكلام والفلسفة - فهي ثابتة في نفسها كميزان عقلي متوافقة مع الاجتهادات العقلية، وتخاطب البشرية قاطبة مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة.\rوإذا أردنا إثبات ذلك بنبذة موجزة عن دليل الآفاق، فإن هذا الدليل ما زال - وسيظل - ثابتًا، لأن نواميس الله تعالى في الكون والنفس لا تتغير، وبقدر ما يمنح الله تعالى العلماء من علم لاكتشاف المجهول، بقدر ما تتسع معارفهم وعلومهم عن الكون والمخلوقات والأنفس.\rوقد سبق الإشارة إلى استخدام الصحابة ﵃ طريقة الاستدلال بحدوث العالم وهي طريقة عقلية شرعية كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) [السجدة، الآية: ٢٧] فهذا مرئي بالعيون، وقال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ثم قال","footnotes":"(١) د. الفندي: الكون بين العلم والدين ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185953,"book_id":1232,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":250,"body":"(أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت، الآية: ٥٣] (١) .\rوالآيات الكونية والنفسية أمامنا ثابتة النواميس ولكن وسائل العلماء أخذت في التطور فاستطاعوا اختراع آلات المقاييس والمجاهر (٢) التي عمقت وزادت من القدرات الإنسانية على الاكتشاف ووسعت قوى الإدراك حيث يرى العلماء الآن في عالم الأفلاك ما لم يره علماء العصور السابقة ويجري العلماء المتخصصون التجارب بالوسائل المتطورة في مجالات عوالم الطبيعة والبحار والحيوان والنبات والميكروب وغيرها من الكائنات.\rالسنن الإلهية إذن ثابتة، ولكن التطور حدث في وسائل الإنسان لمعرفة أسرارها، وفي ضوء هذه الحقيقة كيف أمر الله تعالى في كتابه الحكيم بالتدبر والنظر والتفقه والاستدلال بآيات الله تعالى حولنا وفي أنفسنا.\rوالمستقرئ لآيات القرآن الكريم يلحظ أن أسلوب الدعوة القرآني يقوم على استثارة الفطرة الإنسانية، كمثل قوله تعالى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بدلا من لغة الفلسفة التي لجأ إليها أغلب المتكلمين ظنًا منهم أنها تؤدي للدفاع عن عقيدة الإسلام.\rوفي ضوء الآفاق التي امتدت إليها البحوث العلمية، أصبح الأسلوب المقبول هو الذي استخدمه القرآن الكريم قبل نحو أربعة عشر قرنًا، ومن ثم فإن المنهج الذي اتبعه علماء السنة أي الاقتصار على استخدام الأدلة الشرعية هو المناسب أيضًا لطبيعة العصر إذ يمكن اليوم وضع تعاليم القرآن أمام الناس بنفس الأسلوب الفطري الذي نزلت به آياته.\rوالأمثلة كثيرة مبسوطة في المؤلفات التي عالجت موضوعات الدين بلغة العلم واكتشافاته، نشير إلى بعض الأفكار الرئيسية بها، إذ يرى وحيد الدين خان أن الأسلوب العلمي - على عكس الأسلوب الكلامي - يعتمد على البساطة والإيجابية التي تراعي سرد","footnotes":"(١) ابن تيمية: النبوات ص ٥٢.\r(٢) منها على سبيل الأمثال: المقراب أو (التلسكوب) المستخدم فى رؤية النجوم، ومقاييس أعماق البحار والمحيطات ومقاييس الحرارة والزلازل والسرعة والضغط وعلماء الأحياء والكيميائيون والجيولوجيون وغيرهم من العلماء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185954,"book_id":1232,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":251,"body":"الحقائق لغة وبيانًا (١) .\rويرى الدكتور الغمراوي أن العلم في الإسلام جزء من الدين، مستنداً إلى تفسير آية الفطرة المارة بنا، مع النظر إلى موقعها بعد آيات قبلها في سورة الروم كلها من أية ١٧: ٢٩ وهي آيات كونية تتعلق بظواهر طبيعية لا يدرسها ولا يبحثها ويكشف أسرارها إلا العلم التجريبي الحديث.\rولو نظر الإنسان في نفسه وفيمن حوله لوجد نظريات العلم أتت موافقة لقوانين الفطرة، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم، الآية: ٣٠] .\rويقول الدكتور الغمراوي (والعلم الحديث يقوم وجوده على هذا القانون الإلهي، قانون (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) إذ العلم وطريقته العلمية التجريبية متوقفة على اتساق الفطرة، واتساق سننها بالاطراد والثبوت) (٢) .\rخذ مثلاً بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن بعض الظواهر الطبيعية كقوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢٢] .\rوقوله سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: ١٦٤] .\rوقوله ﷿: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى)","footnotes":"(١) وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى ص ٣٠.\r(٢) د. الغمراوي: بين الدين والعلم ص ٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185955,"book_id":1232,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":252,"body":"[طه، الآيتان: ٥٣، ٥٤] .\rإلى غير ذلك من الآيات التي يسهل إدراكها بواسطة الناس جميعًا ومنهم أولئك الذين كان القرآن موجهًا إليهم وقت نزوله، ومن ناحية أخرى فهي تعبر عن تأملات عامة يستطيع الجمهور المتنوع الثقافة بحسب كل مكان وزمان (أن يستخرج منها تعاليم إذا ما كبد نفسه عناء التأمل، وتلك هي السمة الكونية الشاملة للقرآن) (١) .","footnotes":"(١) موريس بوكاي: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص ١٩٦ - ١٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185956,"book_id":1232,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":253,"body":"الباب الثامن\rدراسة في الفكر الإسلامي المعاصر\rمحمد إقبال\r- حياته وعصره.\r- موقف محمد إقبال من الحضارة الغربية.\r- إقبال بين الغرب والشرق.\r- منهجه.\r- أهم آرائه.\r- الإنسان في القرآن.\r- الحقيقة بين التجربة العلمية والتجربة الدينية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185957,"book_id":1232,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":254,"body":"دراسة في الفكر الإسلامي المعاصر\rمحمد إقبال\rوفي مجال هذه الدراسة، نرى استكمالاً للبحث، العرض بإيجاز لأفكار الشاعر المسلم محمد إقبال، إذ يعبر بآرائه عن نموذج متكامل معبر عن القضايا الكلامية المعاصرة، حيث جمع بين الثقافتين الغربية والإسلامية، واستطاع بمنهجه وإنتاجه - المازج بين الشعر والفلسفة - إظهار حقائق الإسلام والدفاع عنه بمنهج (كلامي) فلسفي مستخدمًا طريقة القرآن ومستلهمًا حقائقه، متحدثًا في الوقت نفسه بلغة العلم.\rتقول السيدة مريم جميلة الأمريكية المهتدية للإسلام في تقويمها لمكانة إقبال الفلسفية والأدبية: (في هوجة تفسخ المجتمع الإسلامي الذي زاد من تفسخه تفشي الهيمنة الغربية، وزاد من مرضه وتخلفه الاستعمار الغربي، وفي هوجة الفوضى والتشويش والعقم الحضاري والثقافي، ظهر وبقي العلامة الشاعر الفيلسوف محمد إقبال متميزًا أصيلاً في تاريخ الأدب الإسلامي الحديث كله) وترى أن قصائده الشعرية الفلسفية التي نظمها منذ أكثر من خمسين عامًا لا زالت حية حتى الآن ورسالتها تلائم يومنا الحاضر تمامًا (١) .\rوسنرى كيف وفق في بيان موقف الإسلام من المشكلات الناجمة عن الالتقاء بالحضارة المعاصرة.","footnotes":"(١) الإسلام في مواجهة الغرب: مريم جميلة ص ١٦٦/ ١٦٧ ترجمة طارق خاطر ط. المختار الإسلامي سنة ١٩٩٢ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185958,"book_id":1232,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":255,"body":"محمد إقبال\r\rحياته وعصره\rولد محمد إقبال في سيالكوت بالبنجاب عام ١٢٨٩ هـ - ١٨٧٣ م وكان أبوه تقيًا فألحقه بكتّاب لحفظ القرآن الكريم، وقد تلقى الابن تأثيرًا وحُبًّا من الأب، وكاد محمد إقبال يتخذ طريقًا دينيًا بحتًا لولا أن صديقًا لوالده - الذي كان يعمل بالزراعة - حثه على أن يتلقى الابن العلوم الحديثة، فالتحق بمدرسة البعثة الاسكتلندية في سيالكوت في رعاية صديق الوالد (مولانا مير حسن) وكان ضليعًا في الآداب الفارسية والعربية. التحق بعد ذلك بالكلية الأميرية في لاهور حيث اختار الفلسفة مجالاً لتخصصه، وفيها تتلمذ على يد المستشرق سير توماس أرنولد، ثم سافر إلى إنجلترا للدراسات العليا في الفلسفة حيث حصل على الماجستير ثم اتجه بعدها إلى ألمانيا، وهناك حصل على الدكتوراه في الفلسفة، إذ منعه النظام البريطاني من الحصول عليها لأنه أجنبي. وذاعت شهرته في أوروبا إذ أخذ يترنم شعرًا بأفكاره الإسلامية.\rوعاد من أوروبا بانطباع جديد عام ١٣٢٧ هـ - ١٩٠٨ أنه إذا كانت مادية الغرب خالية من القيم الروحية والأخلاقية، فإن روحانية الشرق أصبحت خاوية، فرأى إعادة الروح إلى الحضارة الإسلامية بنفخة من الشرق والغرب معًا، فعلم الغرب وتقدمه التكنولوجي يعملان على القضاء على الفقر والمرض، ولكن ليس على الشرق أن يكرر خطأ الغرب بعبادة القوى المادية وإنما يجب أن نخضع هذه لأهداف روحية لأن إنقاذ البشرية لا يتم إلا بالدين. والمسلمون أنفسهم في حاجة إلى تجديد الفكر الديني وإزالة معالم الجمود والتحلل التي طمست معالم الإسلام الأصلية، كان دقيقًا في اعتبار حركته الفكرية (إعادة بناء الفكر الحديث) لأن أية محاولة إنسانية لا تتعلق بتعديل مبادئه طالما أن مصدره وهو القرآن له صفة الجزم والتأكيد الأبدية فإن دوره إذن يقتصر على إفهام المسلمين لمبادئه، فالتطور إذن في تفسير تعاليمه وليس هناك تطور في الإسلام نفسه على النحو الذي تم بفعل (مارتن لوثر) في المسيحية.\rواشتغل بالمحاماة إلى جانب اشتغاله بالتعليم والتدريس في الجامعة من الخارج إذ درس الفلسفة في المدارس الأميرية ولكنه اضطر لتركها لأن إشراف الإنجليز لم يسمح له بالتعبير عن أفكاره، ثم عين عميدًا لكلية الدراسات الشرقية ورئيسًا لقسم الفلسفة دون التفرغ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185959,"book_id":1232,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":256,"body":"للتدريس، وكان يلقي المحاضرات العامة فألقى محاضرات في مدراس عام ١٩٢٨ م ثم جمعت فأصبحت أهم كتاب فلسفي له (تجديد الفكر الديني في الإسلام) .\rشارك في الحياة السياسية، وكان عضوًا في حزب الرابطة الإسلامية وانتخب في الجمعية التشريعية سنة ١٩٢٦، وكان يدعو إلى استقلال المسلمين في دولة تجمعهم ثم أصبح رئيس حزب الرابطة الإسلامية في البنجاب سنة ١٩٣٥ م. توفي في إبريل سنة ١٩٣٨ (١) .\r\rموقف محمد إقبال من الحضارة الغربية:\rإذا انتقلنا إلى التأريخ للحركات الإسلامية بالهند قبل إنشاء الباكستان في عام ١٩٤٧ فإننا نجد أن حركات كثيرة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر تجعل شعارها (الرجوع إلى القرآن) .\rوكانت هذه الحركات بمثابة رد فعل لتزايد المؤثرات الخارجية في حركة الغزو الاستعماري الغربي لبلاد الإسلام، وكان حامل لوائها محمد إقبال الذي كان (أهم ما يشغله هو الرجوع إلى تلك العقيدة البسيطة ليسترد الإسلام ما فقده) ، وربما كان مرد إعجابه بحركة محمد عبد الوهاب يرجع إلى هذا السبب، فقد سماه (المطهر العظيم) (٢) .\rوكافح محمد إقبال حتى ظهرت دولة الباكستان إلى الوجود ومن ثم أصبح هو (الأب الروحي) لها، كما أن غرس الثقافة الإسلامية الجديدة التي بدأت في الهند قبل إقبال بنحو قرن كامل أثمرت النتاج العقلي له، كما يذهب إلى ذلك أبو الحسن الندوي ويصفه بأنه أعمق مفكر وجده الشرق في عصرنا الحاضر (٣) .\rوكان محمد إقبال مشبعًا بالثقافة الغربية، ولكن - مع هذا - لم يدفعه ذلك إلى العودة لتقليد الحضارة الأوروبية كما فعل غيره من مفكري المسلمين في العصر الحديث حيث قنعوا بمظهر الحضارة الأوروبية الخلاب وأخفقوا في فهم روحها الصحيحة وذهب إلى العكس من ذلك فإن الماضي البعيد ظل ماثلاً أمام عينيه حيث استمد الفكر الأوروبي وحيه من الإسلام","footnotes":"(١) د. محمد البهي: صلة الفكر الإسلامي بالاستعمار الغربي ص ٤٣٤.\r(٢) م. ل. فزاز: وجهة الإسلام ص ١١٩، ١٢٩.\r(٣) أبو الحسن الندوي: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ص ٩٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185960,"book_id":1232,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":257,"body":"خلال العصور الوسطى.\rوفي النص الذي ننقل ترجمته فيما يلي، يعبر لنا عن تحذيره الشديد للمسلمين من هذه الحضارة فيقول: (ولكن إياك والحضارة اللادينية التي في صراع دائم مع أهل الحق، وإن هذه الفتانة تجلب فتنًا وتعيد اللات والعزى إلى الحرم وإن القلب يعمى بتأثير سحرها.. وإنها تدع الإنسان لا روح فيه ولا قيمة له) (١) .\rإن ثقافته الغربية التي اغترف منها بعمق، هي التي جعلته يدرك في سهولة ويسر عمق الصلة بين فكر فلاسفة الغرب المحدثين، والفكر الإسلامي في أوج نضجه، ومن ثم فقد اكتشف أن أوروبا كانت بطيئة في إدراك الأصل الإسلامي لمنهجها العلمي، ويعدد الأدلة على الجذور الإسلامية لنهضة الغرب فيعثر عليها في منهج الشك الذي أفاض فيه الغزالي ومهد به السبيل إلى ديكارت، كما تنبه لنقد ابن تيمية للمنطق الأرسططاليسي وبرهنته على أن الاستقراء هو الطريقة الوحيدة الموصلة إلى اليقين ومن ثم (قام المنهج التجريبي القائل بأن الملاحظة والتجربة هما أساس العلم وأصله لا التفكير النظري) وانتقاله إلى جون ستيوارت مل.\rكذلك تلقى روجر بيكون علومه من الجامعات الإسلامية بالأندلس إلى غير ذلك من ميادين الفكر التي تتمثل في الرياضيات والفلك والطب، وكانت نتيجة ثورة عقلية إسلامية على الفلسفة اليونانية.\rمن هذه النظرة الواسعة يخلص مفكرنا إلى أن الزعم (بأن أوروبا هي التي استحدثت المنهج التجريبي زعم خاطئ) .\rأضف إلى ذلك أن نظر إقبال في القرآن، وإحاطته بنتاج الفكر الإسلامي في شموله واتساعه جعله يؤكد أن (معارضة القرآن لعلوم القدامى أكدت وجودها بالرغم من أولئك الذين كانت رغبتهم في أول الأمر هي تفسير الإسلام على ضوء التفكير اليوناني) (٢) ويقصد","footnotes":"(١) الترجمة العربية من قصيدة (ضرب كليم) نقلا عن كتاب الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية للندوي ص ٩٩.\r(٢) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني ص ١٤٩ - ١٦٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185961,"book_id":1232,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":258,"body":"بذلك نقده للفلاسفة الذين حاولوا التوفيق بين عقائد الإسلام وفلسفة اليونان كابن سينا وابن رشد.\rإنه لم يستبعد احتمال إعادة الحيوية للفكر الإسلامي من جديد إذا ما تخلص من جمود التقليد فهو يقول: (عندما ندرس أصول الفقه الإسلامي الأربعة المتفق عليها.. وهو يعني القرآن والحديث والإجماع والقياس على الترتيب - وما ثار حولها من خلاف، فإن ذلك الجمود المزعوم عن مذاهبنا المعترف بها يتبخر ويبدو للعيان إمكان حدوث تطور جديد) .\rبهذا العقل الناقد للحضارة الغربية، المطلع على التراث الإسلامي في مظانه الحقيقية، استطاع هذا المفكر أن يتخلص من روح اليأس من مظاهر أحوال المسلمين - مثلما فعل ابن تيمية من قبل بعدة قرون - ونظر بروح متفائلة مؤكدًا إمكان قيام الحضارة الإسلامية من جديد، إذا ما عادت الأمة الإسلامية إلى أساس حضارتها دون تقليد أوروبا (التي لا نصيب لها في التوجيه السماوي والتنزيل الإلهي. إنه يرى - فضلا عن ذلك - المخطط اليهودي مسيطرًا على أوروبا بحضارتها المادية، فليست المصارف إلا وليدة دهائهم) ، بل (لا يستغرب أن يرث تراثها الديني ويدير كنائسها اليهود) (١) .\rوعلى هذا فإن المصدر الأصلي للتجديد الذي ينادي به هو الإسلام لأنه التوجيه السماوي، وقد أثر القرآن في عقلية إقبال وفي نفسه ما لم يؤثر فيه كتاب أو شخصية.\r\rإقبال بين الغرب والشرق:\rوظل إقبال سنين طويلة يفكر فى حال المسلمين، ويمعن النظر في أسباب ضعفهم، ويجول في دروب تاريخهم الطويل، فيتفتق ذهنه عن أنظومة رائعة، يخاطب بها الإنسان المسلم المعاصر (يا شاكيا جور الزمان ويا أسير الوهم والحسبان، اجعل قميصك ثوب الإحرام وأطلع الصبح في هذا الظلام، واستغرق كآبائك في السجود حتى تكون سجدة للواحد المعبود) إن المسلم الأول خضع للخلاق فسيطر على الآفاق ومشى على الشوك في سبيل الحق، فأنبت الورد في الغرب والشرق.\rويوجه إليه اللوم، فيقرعه، ويتساءل في أسى (إني لأرعد من خزيك يوم يسألك","footnotes":"(١) قصيدة ضرب كليم (كتاب الصراع. ص ١٠٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185962,"book_id":1232,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":259,"body":"الرسول ﷺ: قد أخذت منا كلمة الحق، فلماذا لم تسلمها إلى الخلق) (١) ؟\rومعنى هذا أن الأمة الإسلامية قد قصرت في أداء رسالتها، وها هو يضع يده على عللها، فقد استحوذت على عقول المسلمين الأوهام والخرافات وانهمكت نفوسهم في الخلافات والخصومات، فلم يفقدوا وحدتهم فحسب بل فقدوا جميع مرافق الحياة ووسائل النمو والتقدم في هذا الكون، أي: بأنهم تخلفوا في ميدان القيادة في العالم الفكري والحضاري جميعًا ففي الجانب الأول - كالتصوف أو الشريعة أو الدين - أصبحوا وثنيين وعباد آلهة العجم بعد أن كانوا موحدين ومعلمي التوحيد للعالم أجمع وفي الجانب الثاني رأى أن روح القرآن في جملتها تعارض الفلسفة القديمة، فإنه ليس كتاب فلسفة ولكن فيه هدي إلى مقاصد الحياة ورقيها، ويجعلنا ندرك أن الإسلام دين يعنى بالعمل أكثر مما يعنى بالفكرة.\rولكن المسلمين خالفوا روحه وطغت عليهم نزعة التواكل، فالقول بالقضاء الذي يحمله نقاد الغرب للإسلام في كلمة (القسمة) يرجع بعض سببه إلى التفكير الفلسفي وبعضه إلى ما لحق القوة الحيوية التي كان الإسلام قد بعثها في أتباعه أول الأمر، من ضعف تدريجي (٢) .\rوأيضًا يولي فيلسوفنا وجهه قبل التصوف الذي كان له تأثير في بداية حياته، ولكن بعد دراسته واكتشاف أثره كأحد عوامل تأخير المسلمين، يعود فيلفظه. ويعني به تصوف وحدة الوجود أي التفسير الفلسفي الصوفي الذي أخذ به ابن عربي، إذ بينما - يرى الإسلام (الأنا) مخلوقاً ينال الخلود بالعمل، جعل ابن عربي فلسفة وحدة الوجود عنصرًا في الفكر الإسلامي، ثم اصطبغ كل شعراء العجم في القرن السادس الهجري بهذه الصبغة، فخاطب فلاسفة الهند - العقل - في إثبات وحدة الوجود، وخاطب شعراء إيران - القلب - فكانوا أشد خطرًا وأكثر تأثيرًا حتى أشاعوا بدقائقهم الشعرية هذه المسألة بين العامة فسلبوا الأمة الإسلامية الرغبة في العمل (٣) .","footnotes":"(١) عبد الوهاب عزام: محمد إقبال - سيرته وفلسفته وشعره ص ١٠٥.\r(٢) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني ص ١٢٧.\r(٣) عبد الوهاب عزام: محمد إقبال ص ٥١ - ٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185963,"book_id":1232,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":260,"body":"ليست إذن عقيدة وحدة الوجود من تعليم القرآن، فإن القرآن يبين المغايرة التامة بين الخلق والمخلوق أو العابد أو المعبود، ولكن امتد أثر هذه الفلسفة مع الأيام فأحدثت آثارًا هائلة في تغيير مفاهيم إسلامية أخرى، ويضرب إقبال مثلا على ذلك بالجهاد كشعيرة يراها الإسلام من ضرورات الحياة، ويلفت النظر إلى هذه الرباعية، التي ترنم بها الصوفية ودندنوا حول ما سموه (العشق الإلهي) حيث استخدموا اللغة الرمزية في مثل قول أحدهم:\r(يسلك الغازي كل سبيل من أجل الشهادة، ولا يدري أن شهيد العشق أفضل منه كيف يستوي هذا وذاك يوم القيامة، هذا قتيل العدو وذاك قتيل الحبيب) ولكنه يعلق على ذلك بقوله: (وهذا جميل في الشعر ولكنه خدعة لإبطال الجهاد) .\rفلا نعجب إذن من الظاهرة التي تتضح في شعر إقبال كما لاحظ النقاد، فالأمل يظهر في شعر إقبال كله، فهو باعث الحياة، والجهاد الدائب في رأيه هو المحافظة على هذه الحياة. وإن قارئ إقبال ليروعه إعظامه الأمل، وتصويره إياه، وإشادته بالعمل الدائب، والجهد المستمر، بل يرى إقبال أن الجهاد في سبيل المقصد أعظم لذة من بلوغه، فيقول: (طوبى لمن لا يزال في أثر المحمل أي لذة في الاضطراب دون وصول) ؟ وإذا كانت فلسفة وحدة الوجود قد انتقلت حقًا إلى الغرب ونراها بوضوح عند الفيلسوف الهولندي الإسرائيلي اسبينوزا إلا أن الذي أنقذهم منها رغبتهم في العمل، فلم يلبث طويلا لطلسم وحدة الوجود أن انحسر في الغرب، فقد تبين بأدلة رياضية سبق الألمان إلى إثبات حقيقة (الأنا) الإنسانية المستقلة، ثم تحرر من هذا الطلسم الخيالي فلاسفة الغرب على مر الزمان ولا سيما فلاسفة الإنجليز الحسيين التجريبيين.\rويفسر لنا سبب عزوفه عن التصوف ووحدة الوجود أمام حملة النقد التي وجهت إليه فيقول في رسالة سنة ١٩١٥: (إني بفطرتي وتربيتي أنزع إلى التصوف وقد زادتني فلسفة أوروبا نزوعًا إليه، فإن فلسفة أوروبا في جملتها تتوجه إلى وحدة الوجود، ولكن تدبر القرآن المجيد، ومطالعة تاريج الإسلام بإمعان أشعراني بغلطي، ومن أجل القرآن عدلت عن أفكاري الأولى، وجاهدت ميلي الفطري، وحدت عن طريق آبائي) .\rويلخص منهجه في بيان القيمة الإيجابية في توجيه الإسلام لإنقاذ المسلمين من ضغط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185964,"book_id":1232,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":261,"body":"الفكر المادي الطبيعي وسيادته في أوروبا وانتشار الدعوة إليه في الهند خاصة في ذلك الوقت عن طريق السيد أحمد خان (١) .\rأما تعليله للمادية في الغرب. فيرجع إلى توجيه أممه إلى العالم بحثًا وتنقيبًا ودراسة واستخدامًا، وغفلت عن الحق تعالى تمامًا، فأدى بها إلى عبادة المادة والتجرد من خلال الإنسانية الحقة وبينما سلك الغرب الطريق فإن أمم الشرق اتجهت بكليتها إلى الحق صارفة أنظارها عن العالم مما جعلها لا تعبأ بتسخير الكون، فتحولت إلى فقر وعوز واستذلها غيرها (٢) .\rكذلك يرى إقبال أنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة الكاملة بواسطة الفلسفة النظرية مغلبًا الجانب العملي الدائب لإصلاح النفس فيقول:\rفتفكر في ذاتك، ولا تخش المرور من هذه البادية. فأنت موجود ووجود العالمين ليس شيئًا، اجتهد في إصلاح شخصيتك وتكميلها، ولا تمض في الحياة خائفًا مذعورًا، فوجودك هو الوجود ووجود العالمين ليس شيئًا إذا قيس بوجودك باعتبارك مكرمًا من جانب الله تعالى.\rوبعد عدة أبيات شعرية أخرى يصف فيها طرق إصلاح النفس والوصول إلى درجة عالية من الرقي الروحي، مناديًا بأنه ينبغي على الإنسان أن يهمل كل ما لا يعنيه في الوصول إلى الهدف المنشود ألا وهو وجود الحق تعالى.\rوعندئذ فإن الجنة هي الهبة النهائية وهي جزاء العمل (فالجنة التي وهبك الله إياها ليس لها قيمة أو اعتبار ما لم تكن جزاء على عمل صالح قد قدمته) (٣) .\rوهكذا يتجه إقبال للاهتمام بالروح ويعطيها المكانة الأولى في جانب المعرفة والجانب الأخلاقي.\rيقول إقبال: (يا من تقول: إن الجسد حامل الروح انظر سر الروح ولا تعبأ بالجسد.","footnotes":"(١) د/ محمد إسماعيل الندوي: نظرات جديدة في شعر أمثال [[كذا في المطبوع، والصواب: \"إقبال\"]] ص ١٥٢ ط. المجلس الأعلى\rللشؤون الإسلامية صفر ١٣٨٩ مايو سنة ١٩٦٩ م.\r(٢) محمد إقبال: رسالة الخلود - أو جاويد نامة ص ٩٩ ترجمة وشرح وتعليق د/ محمد السعيد جمال الدين ١٩٧٤ م.\r(٣) نفسه ص ١١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185965,"book_id":1232,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":262,"body":"إن هذا الجسد ليس مخزنًا لروحنا ولا رفيقًا لها يذهب معها حيثما ذهبت، بل لا يزيد عن كونه حفنة من التراب وهل تحول حفنة من التراب دون تحليق الروح؟) (١) .\rويرفع إقبال من شأن العمل وجهاد النفس لكي ترقى وتسمو بصاحبها.\rيقول: (إن القرب من الله تعالى أمر ليس يسير المنال، إنه في حاجة إلى جهاد مع النفس مع قيود الزمان والمكان، فلا تتحدث عن غربتك وعن رغبتك في القرب الإلهي وأنت خامل، وإنما انهض واعمل على ترقية روحك حتى تصل إلى هدفك) (٢) .\rوما دامت الروح هي الوجود الفعال المؤثر، ووجودها هو الوجود الجوهري بينما وجود المادة عرضي، فإن السبيل الوحيد لسعادتها هو التجربة الدينية، لا سيما الصلاة، فالفلسفة معرفة جزئية والعلم كذلك ولكن الدين ينطوي على الأكمل لأنه منهاج المعرفة الصحيح.\rويقيم إقبال تصوراته عن الإنسان ومكانته ومصيره على أصول من الآيات القرآنية إذ المعنى الحقيقي للإنسان (أنه هو الذي جعله الله خليفة له وأودع فيه صلاحية الرقي، وسيظل يطوي مراحل الرقي إلى أن يأتي اليوم الذي يتحقق له التوازن في الصفات فيكون معتدلاً موزونًا كبيت من الشعر، عادلاً كخالقه) .\rويرى استنادًا إلى قصة الخلق في القرآن الكريم أن وجود الإنسان في الأرض وجود مؤقت فهو في شوق دائم إلى موطنه الأصلي أي الجنة (٣) .\rيقول إقبال: (والإنسان بما وهب الله له من قوى متوازنة على أحسن ما يكون قد ألقى نفسه في أسفل ميزان الوجود وقد أحاط به من كل جانب قوى تقيم في وجهه العقبات) .\rويرى أن انعكاس البيئة الدنيوية على الإنسان هي سبب قلقه وشغله الدائم بالمثل العليا والبحث عن آفاق جديدة ومع أن نصيب الإنسان في الوجود شاق وحياته وهن كورقة الورد، فليس للروح الإنسانية نظير بين جميع الحقائق في قوتها، وفي إلهامها وفي جمالها.","footnotes":"(١) نفسه ص ٨٣.\r(٢) نفسه ص ١١١.\r(٣) نفسه ص ٦٩ وص ١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185966,"book_id":1232,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":263,"body":"وبهذا التحليل يرتفع فيلسوفنا بقيمة الإنسان ومكانته حتى يقوم بمسؤولية حمل الأمانة، ويستحق أن يكون خليفة الله تعالى فى الأرض (١) .\r\rأهم آرائه:\rتعد قصيدته المشهورة (أسرار خودي) سنة ١٩١٥ م أول دواوينه الفلسفية وأهمها، وكلمة (خودي) تدل في لغتها الفارسية على الأثرة والعجب والأنوية وما يتصل بها وفي الأردية تعني: دعوة في الأخلاق منكرة وفي التصوف أشد نكرًا، لكن إقبال نقل (خودي) إلى مفهوم أخر، جعله أصل فلسفة له، فأراد بها الذاتية، وهي مفتاح فلسفته كلها، إذ رأى أن العالم قائم بهذه الذاتية، وأن الإنسان بهذه الذاتية يقوم على قدر قوتها وضعفها بل يخلد أو يفنى باستحكامها أو اضمحلالها، لهذا فإن الواجب الإنساني في هذه الحياة ينبغي أن يتوجه لمعرفة ذاته وتقويتها وتنمية مواهبها واستنباط ما في فطرتها، وليس من الخير في شيء إنكار الذات أو إضعافها بل هو الشر كل الشر، كما لا ينبغي العمل لفنائها ولا الرضا به كما يفعل الهنادك وصوفية العجم، بل لا تفنى الذاتية في الله تعالى وليس من الخير السعي إلى إفنائها فيه.\rونستطيع الإلمام بأهم آرائه إذا أحطنا علمًا كما أسلفنا بالمؤثرات الثقافية في تكوينه، فقد نشأ في بيئة إسلامية تميل إلى التصوف، والتقى بحضارة الغرب في أوج نضجها قبل الحرب العالمية الأولى، وعكف على القرآن يدرسه، بعقلية المتشبع بالفلسفة الغربية، وأعلن: (لو أن مسلمًا متفلسفًا بَيَّن المسائل القرآنية في ضوء الأفكار والتجارب الحديثة ما صح اتهامه بأنه يقدم شرابًا جديدًا في ثياب قديمة، ولكني أبين حقائق قديمة في ضوء الأفكار الجديدة. ما أشد أسفي لجهل الغرب بالإسلام والفلسفة الإسلامية) !.\rوتشير هذه العبارات إلى مقومات فلسفته وأصولها، فقد استمد من القرآن الحكيم أهم خصائص فلسفته الذاتية، ونعني بها تصوره للإنسان وأصل نشأته ومصيره فقد كشف القرآن الأسرار الكامنة والطاقات الهائلة في الإنسان، وسخر له","footnotes":"(١) د/ محمد إسماعيل الندوي: نظرات جديدة في شعر إقبال ص ٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185967,"book_id":1232,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":264,"body":"هذا الكون، وجعله خليفة الله في الأرض إذ يصف إقبال الإنسان بأن الله ﷾ وهب له من القوى المتوازنة على أحسن ما يكون، قد ألقى بنفسه في أسفل ميزان الوجود، وقد أحاط به من كل جانب قوى تقيم في وجهه العقبات (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) [التين، الآيتان: ٤، ٥] (١) ، وكل ذلك لتقوية ذاته بواسطة مقاومة العقبات التي تصادفه كما سيأتي.\r\rالإنسان في القرآن:\rإن الإنسان كائن قلق كما رأينا في رأي إقبال. (وهو على ما فيه من نقائض أسمى من الطبيعة. إذ إنه يكيف مصيره ومصير العالم كذلك ويسخر القوى ... ولكن المنهج الذي يضعه القرآن يجعل تفسير الإنسان لنفسه أساسًا وآيات خلافته للأرض تشير إلى أن الإنسان موهوب بالملكة التي تجعل له القدرة على وضع أسماء للأشياء أي إنه يكون التصورات لها) (٢) .\rولكن الإنسان هو خليفة الله في الأرض والمعصية الأولى التي أوردها القرآن كانت بمثابة أول فعل للإنسان تتمثل فيه حرية الاختيار.\rويصور الحياة كمغامرة تيسر الابتلاء (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء، الآية: ٣٥] .\rعلى أن المغزى لحادثة سجود الملائكة لآدم ﵇ يتعلق بأمرين أولهما أفضلية الإنسان في المعرفة حيث تبين الآيات القرآنية تفوق آدم على الملائكة في معرفة أسماء الأشياء، أما الأمر (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) [طه، الآية: ١٢٠] أي إشارة إلى رغبة (لا تقاوم في الحصول على ملك لا يبلى) (٣) .\rوقد توقف إقبال عند هذا الشرح مكتفيًا بالإشارة إلى أن معنى الحياة للإنسان يتحقق في الشكل الفردي (فإن الحياة معناها أن يكون للإنسان شكل معين، وفردية","footnotes":"(١) د. محمد إسماعيل الندوي: نظرات جديدة في شعر إقبال ص ٧٦.\r(٢) تجديد التفكير الديني ص ١٠١ - ١٠٢.\r(٣) نفسه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185968,"book_id":1232,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":265,"body":"متحققة الوجود في الخارج) .\rإلا أنه يفسر قوله تعالى: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [الأعراف، الآية: ٢٤] بأنها تعبر عن الصراع بين الأفراد المتعارضين أثناء سعي كل منهم للكشف عن إمكانياته وعن أسباب ملكه، إن هذا الصراع هو سبب ألم الدنيا.\rومن نظرته للوجود الشخصي الفردي جعل الأمانة التي ذكرتها آية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) [الأعراف، الآية: ١٧٢] جعل هذه الأمانة ستشمل عنصري الخير والشر لأنها قائمة على أساس حرية الاختيار، وقد خلقه الله تعالى للاختبار مع وضع الأمثلة للرجولة الحقة كالصبر في البأساء والضراء والاعتقاد في الفوز في النهاية لمن اجتاز الابتلاء بنجاح.\rويصور لنا إقبال الحياة الإنسانية في شكل معركة حقيقية، تبرز فيها عناصر المقاومة والكفاح الدائم، ولكن الإنسان يملك في نفسه من أسلحة المقاومة ما هو كفيل بنجاحه وانتصاره، فبالرغم من أن نصيب الإنسان في الوجود شاق، وحياته كورقة الورد، فليس للروح الإنسانية نظير بين جميع الحقائق في قوتها وفي إلهامها وفي جمالها.\rوقدر على الإنسان أن يشارك في أعمق رغبات العالم الذي يحيط به. وأن يكيف مصير نفسه ومصير العالم، وتسخير هذه القوى لأغراضه، على شرط أن يبدأ بتغيير نفسه (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: آية ١١] .\rوهنا تظهر لنا الشخصية الإنسانية كأوضح ما تكون، لأن القرآن قد بينها - من وجهة نظر فيلسوفنا - مؤلفة من أمور ثلاثة واضحة كل الوضوح على التفصيل الآتي:\rأولا: إن الإنسان قد اصطفاه الله (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [طه: ١٢٢] .\rثانيًا: إن الإنسان بالرغم من أخطائه جميعًا، أريد به أن يكون خليفة الله في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185969,"book_id":1232,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":266,"body":"الأرض.\r(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: آية ٣٠] (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) [الأنعام: آية ١٦٥] .\rثالثًا: إن الإنسان أمين على شخصية حرة، أخذ تبعتها على عاتقه (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب: آية ٧٢] .\rواستخلص إقبال، من هذه الأمور، أن مهمة الإسلام الحقيقية هي كشف الذات الإنسانية وإبرازها، والذات خالدة أبدًا، ولا تفقد وجودها حتى بعد الموت، ويعد القرآن أعلى مراتب السعادة الإنسانية للإنسان وجزاؤه الأوفى تدرجه في السيطرة على نفسه، هذه السيطرة التي يكفلها خضوعه لأوامر الله ﷿ (فمن طريق حب رسول الله ﷺ، والخضوع لشريعته - سبحانه - في نقائها الأصيل وصورتها التامة والتمسك المخلص بأركان الإسلام، تصل شخصية المسلم إلى قمة اكتمالها، إذا ما عملت بقانون الله على الأرض) (١) .\r\rالحقيقة بين التجربة العلمية والتجربة الدينية:\rكان لا بد لإقبال أن يدلي بدلوه وسط ضجة التجارب العلمية والاكتشافات التي تمت، عن طريق المنهج التجريبي بأوروبا، وطغيان هذه الظاهرة أمام انحسار موجة الدين وأهميته للحضارة البشرية، ورأى ضرورة إعداد الإنسان العصري إعدادًا خلقيًا يؤهله لتحمل التبعة العظمى التي لابد من أن يتمخض عنها تقدم العلم الحديث، والدين كفيل بتحقيق هذه الغاية؛ لأنه يحث على سعي المرء سعيًا مقصودًا للوصول إلى الغاية النهائية للقيم (٢) .","footnotes":"(١) مريم جميلة: الإسلام في مواجهة الغرب ص ١٦٩.\r(٢) تجديد الفكر الديني: محمد إقبال ص ٢١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185970,"book_id":1232,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":267,"body":"ونستطيع تفسير موقف محمد إقبال هنا بالمقارنة بين فريقي العقل والنقل في الفكر الإسلامي، فمن هذا الوجه، يعد من الآخذين بهما معا كسلفه ابن تيمية.\rوكان لا بد للفيلسوف المعاصر لأوروبا في أوج حضارتها، القارئ لتراثها والفاهم لإنتاج فلاسفتها، أن يستلهم الإسلام في حل المشاكل التي يراها تتفتق أمامه عن أزمات لا يستهان بها.\rقال: (لا ريب في أن اللحظة الحاضرة تمثل أزمة خطيرة في تاريخ الثقافة العصرية) بعد فشل أسلوب التصوف، في العصور الوسطى والقومية والاشتراكية الإلحادية، في شفاء علل الإنسانية البائسة؛ لأن أسلوب التصوف كان أبعد ما يكون عن تدعيم قوى الحياة النفسانية عند الرجل العادي، بحيث يعده للمشاركة في موكب التاريخ، فعلمه نوعًا من الزهد الزائف، وجعله يقنع بجهله ورقِّه الروحي قناعة تامة وكان لأسلوب الاشتراكية الملحدة الحديثة ما للدين الجديد من حمية وحرارة، ولكنها استمدت أساسها الفلسفي من المتطرفين أمثال هيجل، وأعلنت العصيان عن المصدر الذي كان يمكن أن يمدها بالقوة والهدف، ويؤكد أنها ستتأثر بغير شك بالقوى السيكولوجية للكراهية والارتياب في نيات الغير والأحقاد، تلك القوى التي تنزع إلى إضعاف روح الإنسان وإنضاب ينابيع قوته الروحانية الخفية (١) وكان إقبال متنبئًا بسقوط الشيوعية، سابقًا لعصره في رؤية ثمارها القاتلة.\rولمعرفة رأي إقبال في الحل المقترح، لا بد أن نعرض بإيجاز شديد للمقارنة بين الحقيقة في التجربة العلمية، والتجربة الدينية:\rعندما نضع (العلم) في مجموع التجربة الإنسانية، يشرع ينكشف عن طبيعة مختلفة، والعلوم جزئية بطبيعتها، وعلى هذا فإن الأفكار التي تستخدمها في تنظيم المعرفة جزئية بطبعها، وتطبيقها اعتباري بالنسبة لمستوى التجربة التي نستخدمها فيه وأظهر دليل على ذلك تطورات النظرية العلمية، على مر الأجيال عن المادة.\rوالتجربة، كما تنكشف في الزمان، تتمثل في ثلاث مستويات كبرى، هي:\rمستوى المادة.. ومستوى الحياة.. ومستوى العقل وهي - على التوالي-","footnotes":"(١) نفسه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185971,"book_id":1232,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":268,"body":"موضوعات علم الطبيعة وعلم الأحياء وعلم النفس.\rولقد وجه النظر إلى بعض آيات الكتاب الكريم التي تتصل بالموضوع:\r(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: آية ١٦٤] (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران: ١٩٠] .\r(يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [النور: ٤٤] .\rوينتقي من أقوال بعض الفلاسفة ما يؤيده الواقع المشاهد والتجارب العلمية.\rفمن أقوال هوايتهد: إن العالم ليس شيئا قارًّا، بل هو بناء من حوادث، كأنها سيل متصل خلاق، وهذه الصفة لسير الطبيعة في موكب الزمان، ربما كانت أبرز وجوه التجربة التي أكدها القرآن على وجه خاص.\rوالكون الذي يبدو لنا في صورة - مجموعة من الموجودات ليس مادة صلبة تشغل فراغًا، إنه ليس شيئًا، إنما هو فعل وطبيعة الفكر المتجدد، على ما يرى برجسون.\rإن الطبيعيات تدرس العالم المادي والعالم الطبيعي الذي يبدأ وينتهي بالظواهر الحسية التي يستحيل بغيرها أن يتحقق من صدق نظرياته، والطبيعيات مقصورة على درس عالم المادة، أي: عالم الأشياء المحسوسة.\rأما الحركة العقلية التي يتضمنها هذا الدرس وكذلك التجربة الدينية، فإنها أمور خارجة عن ميدان الطبيعيات.\rوعلى سبيل المثال عندما أصف السماء بأنها (زَرْقاء) فإن هذا لا يدل على أن هذا اللون صفة موجودة في السماء وإنما يدل على أن السماء تحدث في العقل إحساسًا بالزرقة (١) .","footnotes":"(١) (القبة الزرقاء: ظاهرة ضوئية نراها فوق رؤوسنا أثناء النهاية، وتحدث في غلاف الأرض\r=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185972,"book_id":1232,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":269,"body":"وقد أثبت عالم الرياضيات والطبيعة هوايتهد، أيضًا بطريقة قاطعة، أن الألوان والأصوات.. إلخ، في نظر العلم، ليست إلا أحوالاً ذاتية لمدركها لا جزءا من الطبيعة، فاللون والصوت عبارة عن موجات أثيرية تراها العين وموجات هوائية تسمعها الأذن، أي: أن - بعبارة هذا العالم - تصبح نصف الطبيعة (حلمًا) ، ونصفها الثاني (ظنًا) .\rبعبارة أخرى إن النزعة التجريبية التي بدت أول الأمر أنها تقتضي المادة العلمية، انتهت إلى ثورة على المادة.\rولقيت أيضًا نظرية المادة أعظم لطمة على يد (أينشتاين) ، حيث زعزع بنظريته عن النسبية معنى الجوهر، كما اصطلح عليه القدماء، أكثر مما زعزعه جدل الفلاسفة كله.\rإن المادة عند قدماء الفلاسفة هي شيء يلبث في الزمان ويتحرك في مكان، ولكن النسبية في الطبيعيات قوضت دعائم هذا الرأى، حيث تذهب إلى أن (القطعة من المادة ليست شيئًا ثابتًا له أحوال متغايرة، بل أصبحت مجموعة حوادث مرتبطة بعضها ببعض) .\rوبهذا ذهبت صلابة المادة التي قيل بها قديمًا، وذهبت معها الخصائص التي كانت تجعلها تبدو، في نظر المادي، شيئًا أقوى في حقيقته من الأفكار التي تجول في العقل وعلى هذا فليس ثمة شيء اسمه مادة لها وجود في ذاتها، كما كان الرأي في علم الطبيعيات القديم. لذلك فإن النظرية النسبية بوصفها نظرية علمية، لها قيمة مزدوجة","footnotes":"=\rالجوي بسبب تشتت أشعة الشمس الزرقاء فيه بوفرة وغزارة دون سائر الأشعة الأخرى، وما القبّة التي تبدو لنا ليلاً مرصّعة بالنجوم إلا صورة ظاهرية، لا تمثل الحقيقة والواقع، ولا يزيد ارتفاعها على نحو ٢٠٠ كم فقط من إجمالي ارتفاع الغلاف الجوي الذي يبلغ ١٠٠٠ كم وعندما يصعد رجال الفضاء يرونها تحتهم حول الأرض، بينما يظهر الفضاء الكوني على طبيعة حالك الظالم) ص ١٠٨ من كتاب: (الإعجاز العلمي للقرآن بين الآيات القرآنية والنظرية العلمية) تأليف أحمد المرسي حسين جوهر مكتبة الإيمان بالمنصورة ١٤٢١ هـ ٢٠٠٠ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185973,"book_id":1232,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":270,"body":"من الناحية الفلسفية (فهي أولاً: لا تهدم حقيقة الوجود الخارجي وإنما تهدم النظر إلى الجوهر، باعتباره مجرد شيء قائم في مكان، وهو رأي انتهى إلى المادية في علم الطبيعيات القديم، فالجوهر في نظر الطبيعيات النسبية ليس قائمًا بذاته له أحوال متغايرة ولكنه مجموعة من حوادث يتعلق بعضها ببعض) (١) .\rوهكذا أخذت (المادة) طبيعة مختلفة، لأن العلم لا يستطيع أن يقيم نظرياته على اعتبار أنها رأي كامل عن الحقيقة، وعلى هذا فإن الأفكار التي يستخدمها في تنظيم المعرفة جزئية بطبعها، كما رأينا، وتطبيقها اعتباري بالنسبة لمستوى التجربة التي نستخدمها، وقد أصبح هذا الاستدلال في غاية الأهمية، حيث إن العلماء قد اعترفوا بأن العلوم المادية لا تعطي إلا علمًا جزئيًا عن الحقائق.\rأما الدين فهو السبيل إلى معرفة (الذات الكلية) فالعبادة فيه - وعلى وجه أخص الصلاة - هي المدخل في نظر إقبال إلى إدراك تلك الحقائق الكلية إدراكًا قريبًا. إن حقائق الدين فوق العلم، ولا تستطيع العلوم المادية الوصول إليها.\rويكشف إقبال عن خطأ التعريفات للدين التي وضعها (يونج) ومضمونها - في الجملة - هو أن الدين لا يصل بين ذات الإنسان وبين أية حقيقة واقعية خارج نفسه بل هو مجرد تدبير بيولوجي حسن القصد أريد به إقامة حدود ذات طابع أخلاقي حول المجتمع الإنساني لكي تحمي البناء الاجتماعي من غرائز الذات التي لا يكبح لها بغير ذلك جماح، وكأن يونج قد رأى في المسيحية أنها انتهت من رسالتها بسبب تصوره للحياة الدينية الرفيعة مجرد قهر النفس للبواعث الجنسية، ولكن محمد إقبال يفند هذا الزعم الخاطئ لأن قهر البواعث الجنسية ليس إلا مرحلة تمهيدية من مراحل تطور الذات وارتقائها. وكما يؤكد أيضًا أن علم النفس الحديث لم يمس بعد الحياة","footnotes":"(١) لمزيد إيضاح، ينظر كتاب (أينشتين والنظرية النسبية) للدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا، ص ١٢٨ حيث يذكر اعتقاده بأن الأشياء المادية لا وجود لها فى ذاتها، بل هي تمثل مركبات من الإحساسات تتكرر باستمرار، وأن العالم مؤسس على العقل، ومن الممكن فهمه (ص ١٢٩) وأن أصنام الفلسفة القديمة أخذت تتحطم؛ فالمادة، بمعناها المتداول تبخرت، وأصبحت لا مادية ص ١٣١. ط. دار القلم - بيروت سنة ١٩٧٤ م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185974,"book_id":1232,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":271,"body":"الدينية حتى في هوامشها، وأنه ما زال بعيدًا عما يسمى تنوع الرياضة الدينية.\rويرى فيلسوفنا أن الدين، هو في جوهره حال من أحوال الحياة الواقعية، هو الطريقة الوحيدة للبحث في الحقيقة، وبوصفه نوعًا من رياضة عالية رفيعة، يصحح أفكارنا في فلسفة الإلهيات لأن الإدراك وحده لا يؤثر في الحياة إلا تأثيرًا جزئيًا، أما العمل - وربما يقصد هنا العبادة وأخصها الصلاة - فيظهر في السيطرة على الأفعال السيكولوجية والفسيولوجية لتهيئة الذات لكي تكون صالحة للاتصال المباشر بالحقيقة القصوى، وهو وسيلة لإدراك الحق، ويفتح لنا أبوابًا جديدة من الشعور، كما يفتح المجال لإمكان وجود تجربة تهب الحياة وتفيد العلم (فالسؤال عن أن الدين يمكن أن يكون نوعًا من تجربة أسمى وأرفع سؤال مشروع تمامًا ويتطلب الانتباه الجدي) .\rوأيضًا فإن مطمح الدين يسمو فوق مطلب الفلسفة، فالفلسفة نظريات وأما الدين فتجربة حية ومشاركة واتصال وثيق، وينبغي على الفكر لكي يحقق هذا الاتصال أن يسمو فوق ذاته وأن يجد كماله في حال من أحوال العقل يسميها الدين الصلاة، والصلاة لفظ من آخر ما انفرجت عنه شفتا نبي الإسلام عند وفاته ﷺ.\r\rتم الكتاب بحمد الله وتوفيقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185975,"book_id":1232,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":272,"body":"المراجع\r(أ)\rاقتضاء الصراط المستقيم - ابن تيمية\rابن تيمية - المراغي (سلسلة أعلام المسلمين. ط. الحلبي) .\rآراء فلسفية في أزمة العصر - أدريين كوخ. مكتبة الأنجلو المصرية سنة ١٩٦٣ م.\rأبو الحسن الأشعري - د. حمود غراب ط مجمع البحوث الإسلامية ١٣٩٣ هـ- ١٩٧٣ م.\rإيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق - ابن الوزير اليماني ط الآداب بمصر.\rأحمد بن حنبل والمحنة - والتر بيتون.\rالله والكون - د. محمد جمال الدين الفندي.\rالإسلام قوة الغد العالمية - ترجمة الدكتور محمد شامة - بول شميتز.\rالإسلام يتحدى - وحيد الدين خان.\rالإسلام والغرب والمستقبل - أرنولد توينبي.\rالإيمان - ابن تيمية - مكتبة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة.\r(ب)\rالبداية والنهاية - ابن كثير.\rالبرهان في معرفة عقائد الأديان - عباس بن منصور السكسكي الحنبلي - دار التراث العربي ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م تحقيق: خليل أحمد إبراهيم الحاج.\rبغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية - ابن تيمية.\rالبرهان القاطع - ابن الوزير اليماني.\rالبرهان في علوم القرآن - الزركشي - ط الحلبي سنة ١٩٥٧ م.\rبين الدين والعلم - د. الغمراوي.\r(ت)\r- تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام - د. محمد علي أبو ريان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185976,"book_id":1232,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":273,"body":"تاريخ الفلسفة اليونانية - يوسف كرم.\rتاريخ الدولة العباسية - د. جمال الدينى الشيال.\rتدوين العلم - الخطيب البغدادي.\rتأويل مختلف الحديث - ابن قتيبة.\rتجديد التفكير الديني - محمد إقبال.\rتفسير سورة الإخلاص - ابن تيمية.\rتذكرة الحفاظ - الذهبي.\rالتعريف بابن تيمية - محمد أبو زهرة - من كتاب أسبوع الفقه الإسلامي.\rتيارات في الفكر الإسلامي - د. محمد عمارة.\rتبيين كذب المفتري على الإمام أبي الحسن الأشعري - ابن عساكر.\rتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية - الشيخ مصطفى عبد الرازق ط لجنة التأليف والنشر والترجمة بالقاهرة ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٤ م.\rتفسير الإمام عبد الحميد بن باديس.\rالتراث اليوناني في الحضارة الإسلامية - د. عبد الرحمن بدوي.\rتلبيس إبليس - ابن الجوزي.\rالتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع - الملطي.\rتاريخ بغداد - الخطيب البغدادي.\rتاريخ الكامل - ابن الأثير.\rالتنبيه والإشراف - المسعودي ط القاهرة (١٣٥٧ هـ - ١٩٣٨ م) تصحيح ومراجعة عبد الله إسماعيل الصاوي.\r(ج)\rجامع الرسائل الكبرى - ابن تيمية تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم ط المدني بالقاهرة سنة ١٩٦٩ م.\rجلاء العينين في محاكمة الأحمدين - الألوسي.\rجواب أهل العلم والإيمان - ابن تيمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185977,"book_id":1232,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":274,"body":"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح - ابن تيمية.\rجامع ييان العلم وفضله - الحافظ ابن عبد البر القرطبي.\r(ح)\rالحيدة - عبد العزيز المكي - مطابع الشرق الأوسط - الرياض.\rحضارة الإسلام - فؤاد محمد شبل.\rالحضارة - د. حسين مؤنس.\r(د)\r- دفاع عن العقيدة - محمد الغزالي - دار الكتب الحديثة - القاهرة.\rدول الإسلام - الذهبي - ط حيدر آباد ١٣٤٦ هـ.\r(ر)\rالرد على المنطيين - ابن تيمية - ط لاهور (١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م)\rالروض الباسم في الذبّ عن سنة أبي القاسم - ابن الوزير اليماني.\rالرد على الزنادقة والجهمية - أحمد بن حنبل.\rرجال الفكر والدعوة في الإسلام - الندوي.\rرحلة ابن بطوطة - المطبعة الأزهرية.\rرسالة الخلود (أو جاويد نامة) - محمد إقبال.\r(س)\rسقوط العلمانية - أنور الجندي.\rالسلوك - ابن تيمية - ط الرياض.\rالاستيعاب - ابن عبد البر.\rأسد الغابة في معرفة الصحابة - ابن الأثير - ط الشعب.\r(ش)\rشمس الله تسطع على الغرب - زيجرد هونكة.\rشرح العقيدة الأصفهانية - ابن تيمية.\rشرح حديث النزول - ابن تيمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185978,"book_id":1232,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":275,"body":"شرح عقيددة السفاريني - ط المنار سنة ١٣٢٣ هـ بمصر.\rشرح الطحاوية - تحقيق الألباني.\rشرف أصحاب الحديث - الخطيب البغدادي - ط دار إحياء السنة النبوية أنقرة ١٩٧٢ م تحقيق د. محمد سعيد خطيب أوغلي.\r(ص)\rالصفدية - ابن تيمية - تحقيق د. محمد رشاد سالم - مطابع حنيفة - الرياض ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م.\rصلة الفكر الإسلامي بالاستعمار - د. محمد البهي.\rصون المنطق - السيوطي - ط. البحوث الإسلامية.\rالصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية - أبو الحسن الندوي - ط دار الندوة لبنان.\r(ط)\rطبقات الشافعية - ابن السبكي.\rالطب فيِ محراب الإيمان - د. خالص جلبي.\r(ظ)\rظاهرة الرد في المجتمع الإسلامي الأول - محمد حسن بريغش - ط. مؤسسة الرسالة - بيروت.\r(ع)\rعقائد السلف - ابن قتيبة - تحقيق د. النشار وعمار الطالبي - منشأة المعرفة بالإسكندرية ١٩٧١ م.\rالاعتصام - الشاطبي - ط. دار الشعب.\rالعقود الدرية - ابن عبد الهادي.\rعدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ابن القيم - مطبعة الإمام.\rعقائد المفكرين في القرن العشرين - عباس العقاد - دار الكتاب العربي - بيروت ١٩٧١ م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185979,"book_id":1232,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":276,"body":"(غ)\rغاية المرام في علم الكلام - سيف الدين الآمدي - ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة ١٣٩١ - ١٩٧١ م - تحقيق: د. حسن عبد اللطيف.\rغاية الأماني في الرد على النبهاني - أبو المعالي السلامي.\rغياث الأمم في التياث الظلم - (الإمام الجويني) - ط. دار الدعوة بالإسكندرية ١٣٩٩ - ١٩٧٩ م - تحقيق د. مصطفى حلمي ود. فؤاد عبد المنعم.\r(ف)\rالفتاوى الكبرى - ابن تيمية - تحقيق حسين محمد مخلوف - ط الرياض.\rفي الفلسفة الإسلامية - د. مدكور\rفي الأصول على الأئمة الفحول - أبو الحسن الكرجي.\rالفهرست - ابن النديم - ط فلوجل ليبسك ١٨٧١ م.\rالفرق وطبقات المعتزلة - القاضي عبد الجبار - ط. دار المطبوعات الجامعية تحقيق د. النشار وعصام الدين محمد علي.\rالفرقان بين الحق والباطل - ابن تيمية.\rالفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية - محمد المبارك.\rفلسفة الحضارة - البرت اشفيتسر ترجمة د. عبد الرحمن بدوي.\rفي الأخلاق والاجتماع - د. إبراهيم مدكور - ط الهيئة العامة للنشر.\r(ق)\rالقول الجلي في ترجمة شيخ الإسلام - صفي الدين الحنفي.\rقواعد التحديث القاسمي.\rقواعد المنهج السلفي في الفكر الإسلامي - د. مصطفى حلمي - دار الأنصار بالقاهرة.\rالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم - موريس بوكاي - ط دار المعارف سنة ١٩٧٩ م.\r(ك)\rكتاب السنة - أحمد بن حنبل - المطبعة السلفية - مكة المكرمة ١٣٤٩ هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185980,"book_id":1232,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":277,"body":"كشاف اصطلاحات الفنون - التهانوي.\rالكون والثقوب السوداء - زهير الكرمى - سلسلة كتب عالم المعرفة بالكويت.\rالكون بين الدين والعلم - د. محمد جمال الدين الفندي.\r(ل)\rلماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم - شكيب أرسلان.\r(م)\rمقالات الإسلاميين - أبو الحسن الأشعري.\rالمفردات في غريب القرآن - الراغب الأصفهاني.\rمبادئ الاجتماع الديني - روجيه باستيد - د. قاسم.\rميزان الاعتدال في نقد الرجال - الذهبي.\rمعارج الوصول إلى أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول - ابن تيمية - المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.\rموافقة صحيح المعقول - ابن تيمية.\rالملل والنحل - الشهرستاني - ط بدران.\rمنهاج السنة النبوية - ابن تيمية.\rالمغني في أبواب التوحيد والعدل - القاضي أبو الحسن عبد الجبار - وزارة الثقافة والإرشاد.\rالموسوعة العلمية المختصرة - مكتبة الأنجلو المصرية.\rالمنتقى - الذهبي - تعليق الأستاذ محب الدين الخطيب.\rمحنة شيخ الإسلام في سجنه - تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي.\rمناهج البحث عند مفكري الإسلام - د علي سامي النشار.\rمن حضارتنا - د. جورج عطة.\rمدخل إلى القرآن الكريم - محمد عبد الله دراز - ط دار القلم - الكويت ١٣٩١ هـ - ١٩٧١م.\rمقدمة ابن خلدون - ابن خلدون - ط دار الفكر ١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185981,"book_id":1232,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":278,"body":"مفاتيح العلوم - الخوارزمي - ط المنيرية سنة ١٩٤٢ هـ\rمناقب الإمام أحمد بن حنبل - ابن الجوزي.\rمحمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره - عبد الوهاب عزام.\rمراتب الإجماع - ابن حزم.\r(ن)\rنحن والحضارة - أبو الأعلى المودودي، الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد - دار الكتب ١٣٤٤ هـ - ١٩٢٥ م.\rنظرات جديدة في شعر إقبال - د. محمد إسماعيل الندوي.\rنشأة الفكر الفلسفي في الإسلام - د. النشار.\rنقد المنطق - ابن تيمية.\rنظريات شيخ الإسلام في السياسة والاجتماع - المستشرق الفرنسي هنري لاووست - ط دار الأنصار بالقاهرة.\rالنبوات - ابن تيمية - ط السلفية ١٣٨٦ هـ.\rنقد الدارمي على المريسي - الدارمي.\rالإنسان ذلك المجهول - الكسيس كارليل - تعريب شفيق أسعد فريد - مؤسسة المعارف بيروت.\r(هـ)\rهل للإنسان مستقبل - بارتراند راسل - ترجمة عايد - الرباط - الدار القومية للطباعة والنشر.\r(و)\rوفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - لأبي العباس شمس الدين أحمد بن خلكان - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - مطبعة السعادة بالقاهرة سنة ١٩٨٤ م.\r- الوحي المحمدي - محمد رشيد رضا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185982,"book_id":1232,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":279,"body":"فهرس الموضوعات الموضوع\rمقدمة.................... ٣\rالباب الأول\rالفصل الأول: عصر الصحابة.................... ٩\rأصول الدين في عصر النبي ﷺ والصحابة.................... ١٢\rرد الرسول ﷺ على وفد نجران.................... ١٤\rالقرآن كلام الله تعالى.................... ١٥\rالإيمان بالقدر وفهمه على الوجه الصحيح.................... ١٦\rالملائكة.................... ١٧\rالفصل الثاني: مكانة الصحابة ﵃ في الأمة.................... ١٩\rمنهج الصحابة فى النظر والتدبر.................... ٢٣\rالأدلة النقلية والعقلية على فضل الصحابة.................... ٢٦\rأولا: الأدلة النقلية.................... ٢٦\rثانيًا: الدليل العقلي.................... ٢٩\rالباب الثاني: أحداث الردة والفتن.................... ٣٧\rالافتراق عن مذهب الصحابة ﵃ في أصول الدين.................... ٤١\rموقف التابعين إزاء المخالفين.................... ٤٤\rأحوال أهل الجنة.................... ٤٨\rظهور الجدل فى أصول الدين.................... ٤٩\rمذهب أهل السنة والجماعة.................... ٥١\rالباب الثالث: نشأة الكلام في الدين وعوامل ظهوره:.................... ٥١\rالفصل الأول:\rمراحل ظهور الكلام في الدين.................... ٥٥\rعوامل نشأة المشكلات الكلامية.................... ٥٩\rذم السلف للكلام المبتدع.................... ٦٦\rأسباب ذم علم الكلام.................... ٦٧","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185983,"book_id":1232,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":280,"body":"علم الكلام بين الأصالة والابتداع.................... ٦٩\rالفصل الثاني: علم الكلام.................... ٧١\rتعريف علم الكلام.................... ٧٣\rأهم موضوعات علم الكلام.................... ٧٥\rحجج المتكلمين في الدفاع عن منهجهم.................... ٧٨\rرأي علماء الحديث ني هذه الحجج.................... ٧٩\rالباب الرابع: موقف أهل الحديث والسنة من المعتزلة:.................... ٨٥\rالفصل الأول:.................... ٨٥\rالتعريف بعلماء الحديث ومنهجهم.................... ٨٧\rسلاسل الإسناد.................... ٨٨\rمنهج علماء الحديث فى أصول الدين.................... ٨٩\rموقف أهل الحديث والسنة من المعتزلة.................... ٩١\rالأصول الخمسة عند المعتزلة.................... ٩١\rكلمة عن الصفات الإلهية.................... ٩٤\rالإيمان بالقدر وعلاقته بالإرادة الإنسانية.................... ٩٧\rدوافع علماء الحديث لمجابهة المتكلمين.................... ١٠٣\rعلم الكلام لدى علماء الحديث والسنة.................... ١٠٦\rالفصل الثاني:\rمحاورات علماء أهل السنة مع المعتزلة:.................... ١١١\rأ- الإمام أحمد بن حنبل وابن أبي دؤاد.................... ١١٣\rحياته وعصره.................... ١١٤\rمنهجه مع المتكلمين.................... ١١٦\rالمحنة.................... ١٢١\r٢- عبد العزيز المكي، وبشر المريسي:.................... ١٢٧\rالمنهج.................... ١٢٧\rصفات الله ﷿.................... ١٢٧\rإثبات أن كلام الله تعالى ليس مخلوقا.................... ١٣٠\rالفرق بين الجعل والخلق.................... ١٣٢\rإقامة الحجة بالتنزيل.................... ١٣٣\rإقامة الحجة بالنظر والقياس.................... ١٣٤","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185984,"book_id":1232,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":281,"body":"إثبات علم الله تعالى بنص التنزيل.................... ١٣٦\rإثبات الفعل والقدرة بالنظر والقياس.................... ١٤٠\rأولا: بالنظر والمعقول.................... ١٤٠\rثانيًا: إثبات أن القرآن كلام الله بمنهج القياس.................... ١٤١\rالاستواء على العرش.................... ١٤٣\rالفصل الثالث:.................... ١٤٧\rصلة العقل بالشرع.................... ١٤٩\rالشرع.................... ١٤٩\rالعقل.................... ١٥٠\rأدلة الشرع عقلية.................... ١٥٤\rتعقيب.................... ١٥٧\rالباب الخامس:.................... ١٥٩\rعلم الكلام على مفترق الطرق.................... ١٦١\rالسلف والأشاعرة.................... ١٦١\rمحنة خلق القرآن ونتائجها المنهجية.................... ١٦٣\rالتعريف بابن كلاب.................... ١٦٩\rإثبات صفة العلو لله تعالى شرعًا وعقلاً.................... ١٧٢\rالإمام أبو الحسن الأشعري والمنهج السلفي.................... ١٧٣\rالتمييز بين الأشاعرة والسلف عقيدة ومنهجًا.................... ١٧٨\rصفات الله ﷾.................... ١٧٩\rنظرية الكسب الأشعرية وتفسير أفعال الإنسان.................... ١٨٢\rعدل الله تعالى وحكمته.................... ١٨٦\rنظرية الجوهر الفرد وتفسير الخلق والبعث.................... ١٨٩\rتوافق أدلة الكتاب والسنة مع الواقع المشاهد.................... ١٩١\rصعوبات أمام النظرية في تفسير البعث.................... ١٩٣\rظهور الحقيقة لأئمة الأشاعرة:.................... ١٩٦\r- تحول أئمة الأشعرية إلى طريقة السلف.................... ١٩٦\r- تقييم ابن تيمية لشيوخ الأشاعرة.................... ٢٠٠\r- طريقة السلف أعلم وأحكم.................... ٢٠٢","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185985,"book_id":1232,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":282,"body":"الباب السادس:\rموقف ابن تيمية من القضايا الكلامية:.................... ٢٠٥\rمقدمة.................... ٢٠٧\rحياته وعصره.................... ٢٠٨\rخلقه.................... ٢١٢\rمنهجه.................... ٢١٤\rهدم المنطق الأرسططاليسي وإعلاء الميزان القرآني.................... ٢١٩\rالفطرة الإنسانية وطرق المعرفة.................... ٢٢٣\rالهدى والبينات.................... ٢٢٦\rمواقفه إزاء القضايا الكلامية.................... ٢٢٨\rالصفات الإلهية.................... ٢٢٨\rإثبات صفات الله تعالى وأفعاله بالأدلة العقلية.................... ٢٣٠\rطرق البراهين القرآنية.................... ٢٣٣\rالميزان القرآني.................... ٢٣٣\rفياس الأولى.................... ٢٣٥\rالاعتبار واللزوم.................... ٢٣٧\rالباب السابع:\rالقضايا الكلامية في العصر الحاضر:.................... ٢٤٥\rالمشكلات الكلامية في ضوء التفسير التاريخي.................... ٢٤٥\rمسائل الإجماع في العقيدة والعبادات.................... ٢٥٠\rالالتقاء بالغرب وآثاره على القضايا الكلامية.................... ٢٥٢\rما هي الحضارة؟ .................... ٢٥٤\rصلة العلم بالدين في العصر الحديث (أو العلاقة بين المادة والروح) .................... ٢٥٨\rالمشكلات الكلامية الطارئة في العصر الحديث.................... ٢٦١\rملامح الفكر الإسلامي المعاصر.................... ٢٦٢\rالباب الثامن:\rدراسة في الفكر الإسلامي المعاصر - محمد إقبال.................... ٢٧٣\rحياته وعصره.................... ٢٧٤\rموقف محمد إقبال من الحضارة الغربية.................... ٢٧٥\rإقبال بين الغرب والشرق.................... ٢٧٧","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1185986,"book_id":1232,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":283,"body":"أهم آرائه.................... ٢٨٢\rالإنسان فى القرآن.................... ٢٨٣\rالحقيقة بين التجربة العلمية والتجربة الدينية.................... ٢٨٥\rالمراجع.................... ٢٩١\rفهرس الموضوعات.................... ٢٩٩","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}